نظرية الموسيقى المتعالية

14 مايو 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
502 زيارة

نظرية الموسيقى المتعالية

مراجعة تحليلية ونقدية

السيد محسن الموسوي الجرجاني(*)

ترجمة : صالح البدراوي

 

تمهيد: لماذا التهجّم على الفقهاء؟!

مما يؤسف له أنك تجد الكثير من الناس في هذه الأيام يتهجمون على فقهاء الدين والمذهب بذرائع متعددة وواهية، ويبادرون بالتحدث وتأليف الكتب والمقالات التي تثير دهشة كل من لديه معرفة بالمسائل الفقهية، دون أن يمتلكوا أدنى معرفة عن علم الفقه وملاك استنباط الأحكام ومعاييره وأدواته من المصادر والمراجع الخاصة. فماذا يريد هؤلاء يا ترى؟ وما هو هدفهم؟ إن كان هدفهم الإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلابد أن نقول: إن هذه الأمور مشروطة بأن يعرف المرء قضية المعروف والمنكر بنحو جيد، في حين أن الكثير من هذه المقالات تدل على أن هؤلاء الأفراد يفتقدون لهذا الشرط. إلا أننا لا نعني بذلك على الإطلاق أن الفقهاء معصومون، ولا يمكن تخطئة أقوالهم، بل المراد أنه عندما نناقش الفقهاء يجب أن نستخدم الدليل والبرهان، وكل ما يعد حجة موثَّقة لديهم، دون أن نلجأ إلى استخدام الشعارات، أو نقوم أحياناً بعرض الموضوع استناداً إلى بعض الأدلة والقرائن التي لا تحظى بأدنى اعتبار لديهم؛ لأن مناقشة العلماء والمحققين إنما يستحق التقدير والتأمل عندما يكون موثّقاً ومعتبراً، ويكون هذا الاعتبار عاماً، وليس خاصاً.

ونتناول هنا إحدى هذه النماذج من المقالات بالدراسة، وهي بعنوان «نظرية الموسيقى المتعالية، مراجعة تحليلية ونقدية»، والتي نشرت في العدد الرابع من مجلة «نقد ونظر» الإيرانية. فقد تهجمت المقالة في البداية على الفقهاء، بدعوى أنه لماذا لا يقوم الفقهاء بإعادة قراءة موضوعات الأحكام الإلهية والتأمل فيها بصورة علمية؟ ولماذا يكتفون بالمعاجم والكتب اللغوية فقط في دراسة موضوعات الأحكام؟ لماذا لا يذكرون معنى واضحاً غير مبهم لها؟ ولماذا لا يبادرون إلى دراسة علم الموضوع بصورة علمية، في حين أن علم الموضوع يعد من إحدى القنوات الرئيسة التي تؤثر العلوم الجديدة من خلالها على فهم الحكم الشرعي؟ «أثارت ضرورات الحياة في العصر الجديد ومقتضياتها في أعماق الكثير من المتدينين شعوراً يقول بأن بعض الأحكام الفقهية بحاجة إلى إعادة النظر فيها وقراءتها بشكل عصري؛ لكي تنسجم الحياة الدينية مع مقتضيات العصر، ولتصبح الأحكام الدينية قابلة للتطبيق في المجتمعات الحديثة، كما كانت كذلك في المجتمعات البدوية. إلا أن القضية الهامة تكمن في أن هذا الإحساس المبهم عندما يصل إلى مرحلة التطبيق يتخذ أحياناً صوراً غير صحية، وينتهي إلى تحريف الدين وتأويله، أو استغلاله بشكل سيّئ. وهذه المسألة أصبحت مقبولة اليوم بشأن الموسيقى، وهي أنه لا يمكن اليوم تجاهل الموسيقى بجميع أنواعها وأقسامها من الناحية العملية… وعندما نراجع النصوص الفقهية الواردة في شأن الموسيقى نجد أنه بذلت جهود مضنية في هذا المجال من أجل وضع تعريف واضح لمصطلح الغناء، وكأن المشكلة الرئيسة أمام فهم الحكم الشرعي للموسيقى هي في فهم المعنى المراد من هذا المصطلح. إلا أننا نرى أن مجرد الوقوف على معنى هذه الكلمة سوف لن يحل المشكلة؛ لأن المشكلة الرئيسة في هذا الباب تكمن في معرفة طبيعة الموسيقى واستخداماتها المتنوعة والمتعددة»([1]).

فمن جهة تعكس هذه الكلمات أن بعض الأحكام يجب أن تعاد قراءتها في العصر الراهن، بمعنى أن يصار إلى تفسيرها وتوضيحها على النحو الذي تنسجم فيه مع ما ينسجم وذوق العالم المتحضِّر، وإلا وجبت قراءة الفاتحة عليها. ومن جملة تلك الأمور أنه يجب أن نضع مشروعاً وحلاًّ مناسباً للتعامل مع مسألة الموسيقى، خاصة أنه لا يمكن أن نغضّ الطرف عنها جملةً وتفصيلاً، ناهيك عن بعض أنواعها من الناحية العملية، شئنا أم أبينا.

ومن ناحية أخرى تعرض الفقهاء إلى التهجُّم بدعوى أنهم لماذا ذهبوا بهذا القدر الكبير نحو معرفة لفظ «الغناء»، في حين أنه كان يجب عليهم دراسة حقيقة الموسيقى وموارد استخدامها، وليس مفهوم كلمة الغناء.

والمعلوم أن أي فرد لا يملك الحق في إخضاع الأحكام الإلهية للدراسة والتساؤل والتغيير سوى شخص النبي الأكرم، وبترخيص بل بأمر من الله تعالى، سواء أكان ذوق العالم المتحضر يمتلك القدرة والاستعداد لقبولها أم لا. ونحن لا نستطيع بل لا نملك الحق في التصرّف أو القيام بتفسير الأحكام الإلهية أو إعادة قراءتها بأي شكل من الأشكال. ولكن ما هو الشيء الذي يضع حلاًّ للمشكلة في خصوص الموسيقى بالمعنى المقصود؟ لا شك أن ذلك الشيء يكمن في معرفة موضوع ذلك الحكم، باعتراف كاتب المقالة نفسه. ومهما كان الموضوع مبهماً هو الآخر فإنه يمكن لحكمه أن يكون واضحاً، ولكنْ؛ لغرض تحديد مصاديق الموضوع، نحن بحاجة إلى المعرفة الدقيقة به. إلا أن المراد هنا بالموضوع هو ذلك العنوان الذي ورد حكمه في النصوص الدينية المقدسة. وفي خصوص المسألة التي نحن بصددها فقد صدر الحكم بالحرمة على عنوان «الغناء». ومن الطبيعي أنه لغرض معرفة الموضوع يجب أن نعرف ما الذي كان يراد بـ «الغناء» في ذلك الوقت. وهذا هو الطريق الوحيد الذي يقودنا نحو علم الموضوع في هذه المسألة. والأداة الوحيدة في هذا الطريق هي الكتب اللغوية أيضاً؛ إذ بإمكان المرء أن يقف على العرف السائد آنذاك من خلال الرجوع إلى تلك الكتب، وبالتالي يحصل على المعلومات المطلوبة في خصوص موضوع الحكم، ثم يقوم حينئذ بتعريفه بشكل صحيح من خلال تلك المعلومات، لكي يتم تشخيص الغناء الحرام، بانطباق ذلك المعنى على المصاديق الموجودة في هذا الزمان. وهذا هو الطريق الوحيد الصحيح والمنطقي الذي يتمكن من خلاله الفقيه والعالم من تحديد مصداق الغناء في هذا الزمان وفي أي زمان آخر، ويحدد المراد من الغناء الحرام بالحجة والدليل. أما معرفة حقيقة ما يسمى اليوم بالموسيقى واستخداماتها فلا علاقة له على الإطلاق بمسألة حرمة الغناء، وخاصة أن عنوان الموسيقى لم يرِدْ كموضوع للحرمة أو أي حكم آخر في أيٍّ من النصوص الدينية. وبناء على ذلك فإن مسألة حرمته منوطة بأن يأتي تحت أحد العناوين المحرمة، كالغناء، واللهو، واللعب، واللغو، وأمثال ذلك، وإذا لم يرِدْ تحت أي عنوان من العناوين المحرمة فلا يمكن الحكم بحرمته.

ثم كتب صاحب تلك المقالة قائلاً: «وانطلاقاً من المعرفة العرفانية والعلمية بالموسيقى نستطيع تقسيمها حسب تأثيرها إلى الأنواع الأربعة التالية: 1ـ الموسيقى المتعالية؛ 2ـ الموسيقى المفيدة؛ 3ـ الموسيقى المبتذلة؛ 4ـ الموسيقى غير المجدية. الموسيقى المتعالية أو الموسيقى العرفانية هي نوع من الموسيقى تثير المشاعر السامية لدى المستمع، وتجعله يلهج بذكر الله والجنة، وتقلل لديه مشاعر التعلق بالدنيا، وتثير في قلبه الرغبة في العبادة وطاعة الله تعالى والتقوى والتدين، وتشكِّل سبباً في الابتعاد عن ارتكاب الذنوب، وإلخ… والموسيقى المفيدة هي نوع من الموسيقى ذات الاستخدام الدنيوي المفيد والإيجابي، وهي منزّهة عن المضامين الأخلاقية والدينية السيئة، وإلخ… والموسيقى المبتذلة على العكس من النوعين المتقدمين، تؤدي إلى إثارة الشهوة وتهييجها في قلب المستمع، وتزيد من حدة التعلق بالطبيعة والدنيا وتبعد الإنسان عن ذكر الله تعالى، وتدفعه إلى ارتكاب الذنوب، وإلخ… وأخيراً الموسيقى غير المجدية هي نوع من الموسيقى ليس لها أي تأثير سيّئ بشكل مباشر، إلا أنها بالرغم من ذلك تشكِّل سبباً للهو وهدر الوقت، والرغبة في اللغو، والتخلي عن الأعمال الصالحة، وضياع العمر في الفوضى والبطالة، وحائلاً أمام بناء النفس فردياً واجتماعياً…»([2]).

 

هل بعض الموسيقى يساهم في التسامي الروحي؟ وهل هو حلال؟

ينبغي على الكاتب أن يجيب عن هذين السؤالين:

أولاً: ما هو دليله؟ ومن أين له القول: إن أحد أنواع الموسيقى تقود الإنسان إلى ذكر الله والجنة وتلقي في قلبه الرغبة في عبادة الله وطاعته، وتقوده إلى التقوى والتدين، وتشكِّل سبباً للابتعاد عن ارتكاب الذنوب؟! هل هناك من دليل على هذا القول، ولم يتمكن الفقهاء من التوصل إليه، أم أن الروايات والقرآن الكريم يدلاّن على هذا الأمر؟ لو أن الكاتب انبرى لتقديم هذه الأدلة والبراهين لكان ذلك أفضل. ولو تركنا ذلك جانباً فإننا نقول: إذا كان هناك دليل يدل على أن بعض أنواع الموسيقى تمتلك مثل هذه المزايا والخصوصيات فما هو معيار التمييز بين هذا النوع من الموسيقى وسائر الأنواع الأخرى؟ وما هي الحدود التي تفصل بينهما؟ ولكن ـ كما قلنا ـ لا وجود لدليل على وجود هذا النوع من الموسيقى، ولو افترضنا وجود مثل هذا الدليل فلا وجود لأية دلالة على حدود هذا النوع من الموسيقى.

ثانياً: لو افترضنا وجود الموسيقى المفيدة والمتعالية فما هو الدليل على حلّية ذلك؟ وإذا كانت الأدلة القطعية على حرمة الغناء تمتلك الإطلاق والعموم، وهي كذلك فعلاً، فكيف يمكن القول: إن س من أنواع الموسيقى غير مشمول بتلك الأدلة؛ لما فيه من فائدة؟! هل بإمكان من له دراية بمواضيع العام والخاص والمطلق والمقيّد في علم الأصول، واطلع على كيفية الاستدلال الفقهي للفقهاء، أن يتحدث بمثل هذا الكلام؟ وهل أن تخصيص العام وتقييد المطلق ليس بحاجة للمخصِّص والمقيِّد؟ وعلى افتراض إحراز الفائدة في بعض مصاديق الغناء هل يمكن القول: إن تلك المصاديق خارجة عن العام؟ أليس في الخمر بعض الفائدة؛ إذ إن ما جاء في النص يقول: إن شرب الخمر فيه منافع للناس، فلماذا لا تصبح تلك المنافع سبباً في حلّيته؟ لابد أننا سنقول: لأن ضرره أكثر من نفعه. فنقول: إن نفس هذا الاحتمال موجود في جميع الحالات التي تشمل فيه الحرمة جميع المصاديق المتعلقة بقضية معينة، إلا أننا نجد منفعة معينة في بعض مصاديقها، وخاصة أنه من الواضح أننا نشك في التخصيص على الأقل، وعلى الرغم من عدم وجود مجال للشك، والحكم العام لا يثير الشكوك، ولكن على افتراض أننا شككنا في التخصيص كذلك فإن مجرد الشك في التخصيص لا يمنع من التمسك بالعام، على الرغم من أن عموم العام يعد حجة على جميع أفراده، وطالما أنه لا توجد حجة أقوى منها فلا يمكن التخلي عن الحجة المذكورة.

 

وقفة نقدية مع بعض الشواهد

ولو قيل: قد يكون مراد الكاتب أن عمومات حرمة الغناء ومطلقاته يشملها التخصيص والتقييد بحكم العقل؛ لأن بعض أنواع الموسيقى عندما تكون ذات فائدة فإن العقل سيحكم بأن هذه الأنواع ليست محرمة، ولا يمكن أن تكون كذلك. وهذا الحكم العقلي هو الذي سيؤدي إلى حصول تخصيص تلك العموميات وتقييدها قهراً.

والجواب على هذا الكلام هو أن التحدث بهذا الشكل لا يصدر إلا عن جهل بقواعد وأسس الاستدلال الفقهية؛ ذلك أن مقولة: «إن دين الله لا يصاب بالعقول» تُعدّ مبدأً مفروغاً منه، ولا يمكن استيعاب ملاكات الأحكام بعقولنا الناقصة، وحجية العقل هي في غير موارد ملاكات الأحكام، وفي الملاكات الخاصة بالقياس المنصوص العلة يمكن تعدّي مورد الدليل بحكم العقل. إذاً ليس الأمر بهذه الشاكلة، بأن يكون بإمكان المرء استخراج حكم معين بحكم العقل في خصوص الحالة التي تروق له، أو ظن بوجود فائدة معينة فيه، إلا في فقهٍ حديث للغاية.

إن جوهر كلام الكاتب ينطلق من هذه النقطة، حيث يقول : «المهم هو أن نبيّن أن الموسيقى المتعالية والموسيقى المفيدة غير مشمولتين بروايات الحرمة. ونحن نشير هنا إلى القرائن الموجود أغلبها في هذه الروايات، والتي تقود إلى اختصاص الحرمة بالموسيقى المبتذلة والموسيقى غير المجدية. ومن البديهي القول: إذا كانت هذه القرائن تدل على حلّية الموسيقى المفيدة فالأولى بها أن تدل على حلّية الموسيقى المتعالية. إحدى هذه القرائن استثناء الغناء في الأعراس. ولو نظرنا إلى هذا الاستثناء في ظل التقسيم المذكور نستطيع القول وببساطة: إن هذا الاستثناء ليس تعبدياً، بل هو بسبب معيار عام كان مصداقه زمن صدور هذه الروايات الموسيقى المتداولة في مجالس الأعراس فقط، ولربما سيجد مصاديق وأنواعاً أخرى في الأزمنة اللاحقة. ومن المستبعد جداً أن يقول الشارع المقدس بجواز الموسيقى الخاصة بمجالس اللهو واللعب في الأعراس؛ ذلك أن ملاك الحرمة في هذا النوع من الموسيقى يبدو غيرَ قابل للتخصيص. ومن ناحية أخرى من المستبعد بمكان أن يكون لمجالس الأعراس مدخلية، أو أن تكون موضوعاً في هذا الأمر»([3]).

والإجابة عن هذا الأمر: أولاً: هناك ثلاث روايات وردت في باب الاستثناء المذكور. وفي هذه الروايات الثلاث نجد أن أبا بصير هو الذي يروي عن الإمام الصادق×. والظاهر أنها رواية واحدة، ونقلت بثلاث صور عن أبي بصير. وأبو بصير ليس بالشخص الذي يمكن الاعتماد على روايته، كما ورد ذلك عن الشيخ الأنصاري في المكاسب. وهناك الكثير من الروايات التي يمكن من خلالها القول بعدم وثاقة أبي بصير، وخاصة أنه جاء في سند إحدى هذه الروايات الثلاث أن أبا حمزة البطائني كذّاب، وفي سند آخر ذكر بأنه في حكم الخيّاط، وهو ممّا ليس فيه مدح له. وبناء على ذلك نجد أن الحق مع الفريق الآخر الذي لم يقبل بذلك، وقالوا بحرمته المطلقة، على الرغم من قول البعض باستثناء الغناء في الأعراس؛ لأن سند الروايات التي ذكرت كدليل على الاستثناء ـ وكما أشرنا إلى ذلك ـ متعارضة فيما بينها، ولو فرضنا أنها تامة السند فإن دلالتها على الاستثناء ليست تامةً، وخاصة أنه جاء في إحدى هذه الروايات، التي من الممكن قبول سندها بنحو ما، وليس فيها أي إشكال من حيث السند، سوى في ما يتعلق بأبي بصير : «قال أبو عبد الله: أجر المغنية التي تزفّ العرائس ليس به بأس»([4]). هذه الرواية تقول: إن أجر المرأة التي تزين العرائس لا إشكال فيه، ولكن لم يرِدْ في هذه الرواية أن أجر المرأة على الغناء لا إشكال فيه، لكي نستنتج أن غناءها هو الآخر لا إشكال فيه أيضاً. وجاء في الرواية الثانية: «قال: المغنية التي تزفّ العرائس لا بأس بكسبها»([5])، أي أن الإمام الصادق× قال: كسب المغنية التي تزين العرائس لا إشكال فيه. ونفس مفهوم ذلك الحديث ينطبق على هذه الرواية أيضاً؛ لأن الإمام× قال هنا أيضاً: إن كسب المرأة المغنية التي تهيئ العرائس لا إشكال فيه، ولا توجد أية علامة تشير إلى أن المراد بكسبها غناؤها؛ لأنه من الممكن أن يكون المراد تزيين العروس. وبما أن القضية مهملة، وكلٌّ من هذين الاحتمالين وارد، لا يمكن الأخذ بإحداها وإصدار الحكم، على الرغم من أنه بوجود الاحتمال لا يظهر أي احتمال آخر. والشاهد الصادق على القول المذكور هو الرواية الأخرى، والتي جاء فيها : «…والتي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس»([6])، أي إن أجر المرأة التي تدعى إلى الأعراس لا إشكال فيه. وكلام الإمام× في هذه الرواية من الإطلاق بحيث لا يمكن القول إطلاقاً: إن المراد هو أجر تلك المرأة على الغناء؛ لأن مسألة غنائها ليست مطروحةً على الإطلاق، وإنْ كان هناك احتمال ضعيف جداً أن يكون المراد هو أجر تلك المرأة على الغناء، إلا أن هذه الاحتمالات طالما أنها لم تؤدِّ إلى ظهور المعنى فليس لها أدنى قيمة فقهية. وبناء على ذلك نقول: أولاً: إن الروايات المذكورة مخدوشة السند والدلالة، ولا يوجد أي دليل آخر أيضاً على استثناء الغناء في الأعراس. وثانياً: على افتراض صحة أمر كهذا، وعلى النحو الذي قال به بعض الفقهاء، لم لا يختص بهذه الحالة الخاصة فقط؟ ألسنا من أتباع الدليل، ونميل حيث يميل؟ أليس ظاهر الدليل يشير إلى عدم استثناء خصوص حالة الأعراس؟ وهذا الظاهر أليس بحجة؟ وهل يمكن أن نجعل الحكم يتعدى خصوص حالته على هذا النحو من البساطة، وبقول: «من المستبعد»؟ إذا كان مجلس كمجلس الأعراس المستثنى لا يعد مدخلاً أو موضوعاً فما هو الشيء الذي يعد موضوعاً؟ ثالثاً: إذا كان غناء المغنية مستثنى في الأعراس فما هو الدليل على أن يعد من الغناء المفيد؟ هل تجتمع النساء في الأعراس خاصة ليستمعن للغناء المفيد أم أن الأمور التي تحدث في الأعراس هي من قبيل اللهو واللعب؟ من المناسب هنا أن نكرر القول بأننا أتباع الدليل، وظهور الدليل حجة بالنسبة لنا، وإذا كانت هذه الروايات تدل على استثناء الغناء وحلّيته في الأعراس فإنها تدل على الحلّية المطلقة للغناء، وهذا دليل لا يمكن التهرب منه.

ويبدأ كاتب المقالة بذكر القرينة الثانية والدليل الثاني على ادعائه بهذا النحو: «القرينة الثانية هي استثناء الموسيقى عند سياقة الإبل. ومن المستبعد جداً القول باحتمال أن تكون هذه الموسيقى هي تلك الموسيقى الخاصة بمجالس اللهو واللعب. وأية خصوصية ممتازة تلك التي يمكن أن تمتلكها مسألة سياقة الإبل حتى يحلل الشارع المقدس أمراً مذموماً كهذا بسبب تلك الخصوصية ـ وقد حرمه في مواطن أخرى؟… إذا كانت مسألة إراحة الإبل في قطع الطرق الصحراوية الشاقة على هذا القدر من الأهمية لدى الشارع المقدس، بحيث يقوم بتحليل أمر محرم…، فلماذا لا تطبق مثل هذه القاعدة في خصوص الإنسان المهموم وأسير المصاعب ومشاكل الحياة الاجتماعية الحالية المعقدة؛ لتمكنيه من مواصلة مشواره الصعب في هذه الحياة؟… الاحتمال الوحيد المعقول والمقبول هو أن نقول: إن هناك نوعاً خاصاً من الموسيقى يمتلك استخداماً مفيداً، ولا ينطوي أيضاً على أية آثار سلبية، وبالنظر إلى هذه الخصوصية أحلَّها الشارع المقدس أيضاً. وخلاصة القول: إن استخدام هذا النوع من الموسيقى في صدر الإسلام جاء بهدف إراحة الإبل فقط، وهذا الأمر لا يمنع من ظهور استخدامات أخرى جديدة لهذا النوع من الموسيقى»([7]).

أولاً: لا يوجد أي دليل على استثناء الغناء أو الموسيقى أثناء سياقة الإبل، حتى يصل الأمر إلى خوض المواضيع اللاحقة، والتوصل إلى استنتاجاتٍ من هذا القبيل؛ لأن الشيء الوحيد الموجود في هذا المجال هي رواية نبوية لا أصل لها ولا فصل، وردت عن طريق العامّة. فهل بإمكان من يمتلك أدنى معرفة بالأسس والقواعد الفقهية أن يقول بحلية الغناء والموسيقى المحرمتين في حالة سياقة الإبل؛ لأننا لا نملك أي دليل على هذا الاستثناء، إلا أن يقول شخص مثل فقيهنا الكبير النادر صاحب الجواهر: ما يدور من كلام عما هو مستثنى هو «الحُداء»، و«الحداء» هو قسيم الغناء. من هنا فهو خارج عن الغناء موضوعاً، وليس حكماً. ولكن من جهة فإن هذا الكلام ليس كلاماً صحيحاً تاماً، ومن جهة أخرى ليس فيه أية فائدة تذكر لهذا الكاتب؛ لأنه في هذه الحالة لا يوجد استثناء لأي نوع من أنواع الغناء؛ لكي يكتسب صفة القرينة.

ثانياً: لو ثبت أن الغناء مستثنى في هذه الحالة فهذا يعني أن «الحداء»، ويعني لغةً سياقة الإبل مع الغناء، مستثنى حقّاً؛ وذلك أن ما جاء في ذلك الحديث النبوي هو عنوان «الحداء» هذا. وعلى أية حال عندما يستثنى «الغناء» بهذا العنوان، أو بالعنوان المرادف له، في إحدى الحالات فهذا يعني أن «الغناء» في هذه الحالة لا إشكال فيه، أما إذا قال قائل باختصاص هذا الغناء بنوع خاص من «الغناء» فسيكون بمثابة ادّعاء بدون أي دليل؛ لأنه إذا كان ظاهر الدليل هو الاستثناء المطلق للغناء فإن تقييد هذا المطلق بحاجة إلى مقيّد معتبر، ولا يمكن تقييد مطلق باستبعاد الموضوع إطلاقاً. والأدهى من ذلك هو أن نعمل على تمديد حكم الاستثناء خارج حالته، وندّعي أن هذا النوع من الغناء الذي كان نصب عين المستثني لا يختص بسياقة الإبل، بل له نفس الحكم في أي موضع آخر؛ لأن الأمر المقبول بحسب هذا الافتراض هو استثناء الغناء في خصوص حالة سياقة الإبل، أما أن تؤخذ جميع الحالات بعين الاعتبار فيستلزم ذلك تقييداً لغوياً، هذا أولاً. وثانياً: إن ظاهر التقييد هو في استثناء خصوص حالته، وتعميم ذلك على الغير لا دليل له على الإطلاق، إلا إذا نصت عليه قاعدة معينة بالاستثناء؛ لأنه بغير ذلك لا سبيل أمام إحراز القاعدة سوى القياس والاستحسان. ومن الواضح أن الاستثناء هنا لا هو نصٌّ ولا تنصيص بقاعدة، ولا إشارة لذلك، إذاً كيف يمكن للمطَّلع على قواعد الاستنباط أن يتحدَّث بهذا المنطق؟

وفي ما يتعلق بالدليل الثالث جاء ما يلي: «القرينة الثالثة هي استثناء الغناء في المراثي…. وبما أن المراثي لا تمتلك خصوصية معينة لذا يجب أن نقول: إن القول بالحلّية لا يختص في الحقيقة بهذه الحالة فقط، بل يشمل جميع أنواع الموسيقى المفيدة».

هذه القرينة تمتلك كيفية شبيهة بالقرينتين المتقدمتين, بل لعلها أسوأ منهما؛ لأنه في القرينتين السابقتين يوجد شيء بعنوان الرواية على الأقل، تجعله يقول: إنها الدليل على الاستثناء. ولكن الأمر هنا يختلف؛ إذ لا توجد حتى الرواية الضعيفة، ليقول القائل ـ استناداً لها ـ أن لا إشكال في الغناء والموسيقى في المراثي. كيف يمكن لنا أن نقول: بما أن البكاء والأسى على الإمام الحسين أمر حسن، وله المزيد من الأجر والثواب، والغناء يساعد على ذلك، لذا يجوز الغناء في مراثي سيد الشهداء؟ وعلى افتراض أنهم يغنّون في المراثي فهل يمكن القول: إن الغناء جائز في تلك المراثي؟ هل يمكن أن يصبح عدم وجود الردع والنهي من قبل غير المعصوم، وهو الآخر أمر غير محرز كذلك، دليلاً على حكم من أحكام الشرع المقدّس؟

ولو أتينا الآن وقلنا ـ كما قال المقدس الأردبيلي ـ بجواز الغناء في مراثي الإمام الحسين× بدون أن نأتي بدليل، متوهِّمين خصوصية الحالة، فما علاقة ذلك بالحلّية المطلقة لما يسمى بالغناء المفيد؟ هل يمكن أن يقال مرة أخرى: ليس لقراءة المراثي خصوصية؟ أجل، إذا كان من المقرر أن يتحدث المرء بدون ضوابط، ولا يكون حديثه مستنداً على أسس وقواعد واضحة، سيعود ويكرر هذا القول مرة أخرى: ما هي الخصوصية التي تمتلكها المراثي الحسينية؟

يبدأ الدليل الرابع على النحو التالي : «القرينة الرابعة هي أقوال المدح والثناء الواردة في الروايات في خصوص الأصوات الحسنة؛ إذ مما لا شك فيه أن هذه الروايات لا تقصد الصوت المستخدم في مجالس اللهو واللعب، ولا شك أيضاً أن الشارع المقدس لا يشجع الناس على أعمال اللغو غير المجدية التي تورث الغفلة. وبناء على ذلك لابد أن نقول: إن هذه الروايات تبين حلّية نوع خاص من الموسيقى ذات فائدة واستخدام يقبلها العقل، وهو ما يريده الشارع المقدس أيضاً»([8]).

نعتقد أن هذا الأمر يثير الدهشة والغرابة أكثر مما سبق؛ لأنه إذا كان قد جاء مدح الصوت الجميل في بعض الروايات فكيف يمكن أن نستنتج ونقول: بما أن المراد ليس هو الموسيقى المبتذلة إذاً فإن المراد هو الموسيقى المفيدة؟ وتحدثت هذه الروايات في النهاية عن قراءة القرآن الكريم بصوت حسن، وليس بصوت غنائي، والصوت الحسن غير الصوت الغنائي. وعليه فإن هذه الروايات وردت في الأساس للحث على قراءة القرآن بصوت حسن، وليس بصوت غنائي. وقد صرحت بعض هذه الروايات بهذه النقطة.

وعلى سبيل المثال: جاء في الرواية الأولى من الباب 24 من أبواب قراءة القرآن الكريم من كتاب «وسائل الشيعة» المعروف أن الإمام الصادق× قال: قال النبي‘ إقرأوا القرآن بألحان العرب، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر، فإنه سيجيء من بعدي أقوام يرجِّعون القرآن ترجيع الغناء. ونحن نجد بوضوح في هذه الرواية أن النبي الأكرم‘ يوصي بقراءة القرآن الكريم بالكيفية العربية، وليس بالكيفية الغنائية، ولذلك إذا كان يقول في رواية أخرى: إن الصوت الحسن زينة القرآن فإنه يريد بذلك الصوت الحسن، وليس الصوت الغنائي؛ لأنه ولو لم يكن لدينا الحديث الأول أيضاً فإنه ليس بمقدورنا القول: إن الصوت الحسن يعني الصوت الموسيقي والغنائي، فكيف بنا ولدينا مثل هذه الرواية، ويقول فيها النبي الأكرم‘ بصريح العبارة بعدم جواز قراءة القرآن بالكيفية الغنائية، ويجعل ذلك مقابل الصوت الحسن. وعلى أساس هذه النقطة يتّضح لنا أن صاحب الوسائل جعل عنوان الباب الذي ذكر فيه هذه الروايات «باب تحريم الغناء في القرآن، واستحباب تحسين الصوت به بما دون الغناء»، وقال في نهاية ذلك الباب: «أقول: ما يخفى على منصف أن تحسين الصوت لا يستلزم كونه غناءً، فلابد من تقييده بما لا يصل إلى حدّ الغناء؛ لما مضى ويأتي». وبناء على ذلك لابد من القول: مما لا شك فيه أن هذه الروايات؛ بما أنها لم تقصد ذلك الصوت المستخدم في مجالس اللهو واللعب، فإنها لا تعني في نفس الوقت حلّية الغناء في القرآن كذلك، بل تذهب إلى القول بعدم جواز الغناء في القرآن بكل صراحة.

وعند التطرق إلى ذكر القرينة التالية قال: «القرينة الخامسة عبارة عن جملة من التأكيدات الواردة في بعض الروايات حول كيفية تلاوة القرآن الكريم. فقد جاء في هذه الروايات أن اقرأوا القرآن بصوت حزين، وليس بصوت أهل الفسق والفجور. ولو أردنا توضيح مفاد هذه الروايات بالصيغ المستخدمة اليوم لابد من القول: إن المراد بذلك أن المضامين القرآنية السامية تتطلب موسيقاها الخاصة بها، بحيث لو اتفق أن ارتقى الصوت إلى مستوى تلك المضامين سيتضاعف تأثير تلاوة القرآن الكريم على نفوس السامعين، ومثل هذا الصوت يعد في الحقيقة من أنواع الموسيقى المتعالية»([9]).

أولاً: الروايات التي تطرقت بنحو ما إلى الترغيب والتشجيع على قراءة القرآن بصوت حزين هي عبارة عن ثلاث روايات. وقد وردت في الباب 22، وليس في ثلاثة أبواب، كما ورد ذلك في هامش تلك المقالة.

ثانياً: شجعت هذه الروايات على قراءة القرآن بصوت حزين فقط، ولم يرِدْ فيها ذكر عن لحن أهل الفسق والفجور. نعم، أشير إلى هذا الأمر في إحدى الروايات الواردة في باب آخر.

ثالثاً: هذه الروايات، التي ذكرت بأجمعها في الباب 22 من أبواب قراءة القرآن الكريم، ضعيفة، وليس لها سند صحيح.

رابعاً: إن معنى قراءة القرآن بصوت حزين قراءته بصوت رقيق، والصوت الرقيق هو غير الصوت المغنّى.

وقال بعد ذلك: «القرينة السادسة تتمثل بتطبيق الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾، على الغناء، والتي ذكرت في عدة روايات كسند قرآني على تحريم الغناء. ومن المسلّم به أن الموسيقى المتعالية والموسيقى المفيدة، وعلى ضوء تعريفهما، غير مشمولتين بهذه الآية؛ لأن عبارة ﴿لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ و﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ لن تشملا هذين النوعين من الموسيقى؛ لأن الموسيقى التي تذكّر بالله تعالى تمحق الغفلة، ولا تتسبب بها، وتهدي إلى سبيل الله، ولا تضلّ عن سبيله. وكذا الأمر بالنسبة للموسيقى المفيدة، فلا هي من اللهو، ولا تضلّ، فضلاً عن أنها من الممكن أن تكون سبباً للذكرى والهداية أيضاً. هذه الآية تضع بين أيدينا ملاك الحرمة في الموسيقى، وهما عبارتا اللهو والضلال»([10]).

الإشكال الأول على هذه القرينة هو أن التطبيق المشار إليه، وكما بين ذلك شخص الكاتب المستدِلّ بها، ورد في ستّ روايات من الباب 99 من أبواب ما يكتسب به في كتاب «وسائل الشيعة». إلا أنه لا توجد رواية من تلك الروايات موثقة من حيث السند؛ لأنه جاء في سند الرواية السادسة أن علي بن إسماعيل يشترك في كونه مجهولاً وثقةً؛ وجاء في سند «ابن مسكان» أنه يشترك في كونه ثقةً وضعيفاً؛ ولا يوجد طريق لمعرفة الثقة في هاتين الحالتين. وذكر في سند الرواية السابعة أن مهرانبن محمد مجهول الحال. وجاء في رجال الحديث الحادي عشر أن «سهل» يشترك في جمهرة من الأفراد بين كونه ثقةً وضعيفاً ومجهولاً، والاحتمال الأقوى أن «سهل» في هذه الرواية هو سهل بن زياد، وهو ضعيف؛ لأن أحد الأفراد الذين ينقل عنهم سهل بن زياد هو «الوشّاء»، وفي هذه الرواية كذلك يروي سهل عن الوشّاء. وعلى أية حال فإن مجرّد الاشتراك المذكور يكفي لإسقاط الرواية عن مرتبة الحجّية. وذكر مهران بن محمد في سند الرواية السادسة عشر بأنه مجهول. وجاء في رجال الحديث العشرين أنه إذا كان علي بن أبي حمزة هو البطائني فهو شخص كذّاب، والدليل على أن هذا الشخص هو علي بن أبي حمزة البطائني أن أحد الذين ينقلون الحديث عنه هو ابن أبي عمير، وفي هذه الرواية كذلك ينقل ابن أبي عمير عنه، وعلى أقل تقدير هناك احتمال أن هذا الشخص هو علي بن أبي حمزة البطائني، ووجود مثل هذا الاحتمال يعني انه لم يحرز كونه ثقةً. وعليه فإن هذه الرواية ساقطة هي الأخرى عن درجة الاعتبار.

والرواية الأخيرة التي ورد فيها التطبيق المذكور هي الحديث الخامس والعشرون من ذلك الباب، والذي رواه الشيخ الطبرسي كحديث مرسل. والظاهر أن مراده من قوله عندما يقول: إنه روي عن الإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الرضا^ مثل هذه الرواية أنها إحدى تلك الروايات التي دار الحديث عن سندها؛ لأن تلك الروايات نقلت عن الأئمة الثلاثة^. وعلى أية حال سواءٌ كان هذا مراده أم لا فإن هذه الرواية ليست بحجّة، وغير معتبرة هي الأخرى؛ بسبب كونها مرسلة. وعليه فإن أيّاً من هذه الروايات ليست بحجّة، وغير معتبرة من الناحية الفنيّة، ولذلك لا يمكن جعلها سنداً ودليلاً على الحكم الشرعي.

ولكن تجدر الإشارة إلى أن ما قيل بأن الروايات المذكورة تدل على أن الغناء المحرّم هو الغناء الذي يكون لهواً وباطلاً هو كلام الشيخ الأنصاري. وقد قام صاحب تلك المقالة بجعلها دليلاً على ما ادعاه، تقليداً للشيخ. ولكن أصبح من الجلي الواضح، من خلال ما بينّاه، أن هذه الروايات لا قيمة لها، ومخدوشة من حيث السند. ولو تغاضينا عن هذا الإشكال فلا ينفع ذلك الشيخ، ولا صاحب هذه المقالة أيضاً؛ لأن ظاهر هذه الروايات يشير إلى أن الإمام× في مقام بيان حكم الغناء، وليس تبيين موضوعه، ولذلك جاء في بعضها: «قال سمعته يقول : الغناء مما وعد الله عليه النار، وتلا هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾. وعندما يكون الإمام× في مقام بيان الحكم يكون معنى الكلام أن الغناء حرام؛ بدليل هذه الآية التي تقول: إن لهو الحديث حرام. وضرورة هذا الاستدلال أن الإمام× يريد أن يعمِّم معنى لهو الحديث ليشمل الغناء أيضاً، بمعنى أن لهو الحديث المحرَّم طبقاً لهذه الآية يشمل الغناء أيضاً. ويستنتج من هذا الكلام أن الغناء حرام، سواءٌ أكان لهواً أم لم يكن؛ لأن مراد الله تعالى من لهو الحديث هو ما يشمل لهو الحديث والغناء. ومن الممكن أن يكون مراد الإمام× أن الغناء من مصاديق «لهو الحديث»؛ لأن كل غناء هو لهو، بمعنى أنه من مصاديق الفعل اللهوي وبدون غرض عقلائي. ومن الطبيعي أن الفعل الذي لا يتصف بهذه الخصوصية ليس غناءً. وبناء على هذين الاحتمالين لا توجد أدنى فائدة تذكر في هذه الروايات، لا لذلك الشيخ، ولا لهذا الشيخ.

وعند القيام بذكر الدليل الآخر قال ما يلي : «القرينة السابعة تتمثل بتطبيق الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور﴾، ونظائرها، على الغناء. ومن الواضح أنه لا يمكن اعتبار الموسيقى المهدئة للنفوس، والتي تذكّر بالله تعالى، أو التي تنطوي على نتيجة طيبة ومفيدة، وتفتقد لأي تأثير سيّئ، من ﴿قول الزور﴾»([11]).

هذا الاستشهاد يعد استشهاداً باطلاً هو الآخر؛ لأن الإمام× كان في هذه الروايات في صدد بيان مراد الله تعالى من «قول الزور» و«الزور»، وليس في صدد بيان معنى «الزور»؛ لأن المعنى اللغوي لكلمة «الزور» هو الكذب. وعلى الرغم من أنه ذكرت له معانٍ أخرى أيضاً في القرون الأخيرة، إلا أن الكتب اللغوية الموثَّقة، مثل: المصباح المنير، ومفردات الراغب، ذكرت أنه يعني الكذب. ومن الطبيعي أن الغناء يمكن أن يكون من الكلام الكاذب، ويمكن أن يكون من الكلام الصادق. كما أن صراحة الأدلة تحول دون أن تكون حرمة الغناء مقتصرة على الكلام الكاذب. ومن ناحية أخرى فإن معنى «الزور» هو مطلق الكذب، وليس نوعاً خاصاً من الكذب. إذاً لابد من القول: إن مراد الإمام× من هذا التطبيق يتمثل في تفسير وبيان مراد الله سبحانه وتعالى، بمعنى أن الإمام× يريد أن يقول بأن مراد الله تعالى من قول الزور هو الغناء، والمراد من اجتناب قول الزور هو اجتناب الغناء.

ولكن ما هو الغناء؟ لا يتناوله حديث الإمام×؛ لأن الإمام× جعل الغناء تفسيراً لـ «قول الزور» في تلك الروايات، دون أن يقول بأن قول الزور هو التفسير للغناء؛ لكي يثير التصور التالي، وهو أن الغناء محدود بقول الزور، ولابد من البحث للوقوف على معنى قول الزور، وعندها يتم التوصل إلى معرفة حقيقة الغناء. وبناء على ذلك أصبح من الواضح أن هذا التطبيق لا يؤدي إلى إحداث أدنى تضييق في معنى الغناء، والشيء الوحيد الذي يفهم منه أن المراد والمقصود من الآيتين هو حرمة الغناء؛ لأن «قول الزور» في إحداها و«الزور» في الأخرى كناية عن الغناء.

وجاءت صياغة الدليل الآخر على هذا النحو: «القرينة الثامنة هي ما جاء في رواية أن الإمام× يسأل الراوي: إذا ميّز الله سبحانه وتعالى بين الحق والباطل فأين يكون الغناء؟ فيجيب الراوي: مع الباطل، فقال: قد حكمت. ومن الواضح أنه من غير الممكن القول أن الموسيقى المتعالية والموسيقى المفيدة هما من الباطل»([12]).

أولاً: الرواية التي أشير إليها هي رواية ضعيفة، ولا يمكن أن تصبح سنداً موثقاً يمكن الاستفادة منه كسند أو قرينة في هذا المجال على الإطلاق؛ ذلك لأن اسم «سهل» ورد في سندها. وقد مرّ أنه لا يمكن الاعتماد على رواية «سهل». وبالإضافة لذلك ليس من المعلوم أن الشخص المسؤول هو الإمام×. فقد جاء في تلك الرواية: «عن سهل، عن علي بن الريان، عن يونس، قال: سألت الخراساني عن الغناء؟ وقلتُ: إن العباسي ذكر أنك ترخّص في الغناء؟ فقال: كذب الزنديق…» ولم يتضح بشكل جليّ أن يكون المراد بالخراساني الإمام الرضا×. وقد يكون هذا الاحتمال وارداً، إلا أن مجرد الاحتمال لا يمكن أن يرقى إلى مستوى الحجّة. وطالما أن الكلام ليس واضحاً مكشوفاً فسوف لن يكون حجّة. وبناء على ذلك نقول: أولاً: إن سند هذه الرواية لا قيمة له. ثانياً: إذا كان الإمام× قد صرح بهذا الأمر، وهو أن الغناء باطل، أي بمعنى أنه حرام، فلا يمكن أن نستنتج ونقول: إذاً فإن بعض أنواع الغناء المفيد حلال، ولا إشكال فيه؛ لأن ظاهر هذا المعنى يدل على أن الأعمال عند الله تعالى على نوعين، وهي: أعمال الحق؛ وأعمال الباطل، والغناء من الأعمال الباطلة. ومن هنا فإن الغناء باطل وحرام مطلقاً؛ وذلك لأن «الغناء مع الباطل» يحمل صفة الإطلاق، وإذا كان مراد المتكلم أن نوعاً واحداً من الغناء هو الباطل فعليه أن يصرِّح بذلك، دون أن يلفظ الكلام بشكل مطلق، ويعبر عن نية التقييد، على الرغم من أن التحدث على هذه الشاكلة لا يدل على شيء سوى الإغراء بالجهل. وعليه فإن الغناء، طبقاً لهذه الروايات، من الأعمال الباطلة والمحرمة، ولا يمكن التقرُّب منه إطلاقاً. وهذا المعنى دليل واضح جداً ضد ما جاء في تلك المقالة، وليس لها.

وبدأت القرينة التالية على هذا النحو : «القرينة التاسعة تتمثل في أنه ورد تعريف للغناء في إحدى الروايات بأنه ينبت النفاق في القلب وينمّيه، فهل يمكن وصف الموسيقى المتعالية والمفيدة بوصف كهذا؟»([13]).

لابد أن نقول: إذا كان الإمام قد فعل ذلك، بناءً على ما جاء في تلك الروايات؛ لأنه جاء في رواية واحدة : «والغناء عش النفاق»، وجاء في الرواية التالية: «الغناء يورث النفاق، ويعقب الفقر»، وجاء في الرواية الثالثة: «استماع اللهو والغناء ينبت النفاق»، فمن البديهي أن يكون الوصف المذكور في جميع تلك الروايات وصفاً لطبيعة الغناء من حيث إنه غناء. وبما أن الوصف كان وصفاً لبعض أفراد الغناء ومصاديقه كان من الواجب على الإمام أن يحذّر من ذلك، ويشير إليه، ونجد أنها لا تحمل مثل هذه الإشارة على الرغم من أنه كان في حالة بيان المراد. ومن هنا أصبح من الواضح لدينا أن الوصف المذكور يعد وصفاً للغناء. إلا أن الأمر الذي يسهل القضية يكمن في ضعف سند هذه الروايات؛ لأنه ذكر في سند الرواية الأولى اسم سهل، وفي سند الرواية الثانية مهران بن محمد، وقد مر حال كلٍّ منهما. وجاء في سند الحديث الثالث اسم «عنبسة»، ويتأرجح حاله بين الثقة والضعيف والمجهول. وفي النتيجة فإن أيّاً من هذه الروايات الثلاث لن ترقى إلى مستوى الحجّة والاعتبار.

 

مواصلة الكلام في نقد الشواهد والقرائن على تجويز الموسيقى المتعالية

والقرينة الأخرى على النحو التالي: «القرينة العاشرة هي أن بعض الألفاظ، من قبيل: «اللهو» و«اللعب» و«الباطل»، جرى تطبيقها على الغناء في بعض الروايات. هنا يمكن القول وبكل وضوح: إن هذه العناوين يمكن إطلاقها على نوعين من الموسيقى، وهما: الموسيقى المبتذلة؛ والموسيقى غير المجدية فقط، وأما الموسيقى المتعالية والموسيقى المفيدة فهما خارجتان عن دائرة هذه العناوين».

لابد أن نعود ونقول: أولاً: الروايات التي أشير لها هنا لا قيمة لها من حيث السند؛ لأنه مرّ علينا حال سند إحداها، والتي ذكر فيها اسم سهل والخراساني، وذكر في سند الرواية الثانية محمد بن يحيى وعبد الأعلى، واللذان يتأرجح حالهما بين الثقة والضعيف والمجهول. ولذا لا يمكن أن نثق بهذه الروايات. وذكر في سند الرواية الثالثة «محمد بن أبي عباد»، وهو ضعيف. وبناء على ذلك فإن هذه الروايات غير ذات قيمة. وثانياً: عندما يعتبر الإمام×، طبقاً لما جاء في هذه الروايات، أن الغناء لهو وباطل فهذا يعني أن طبيعة الغناء تنطوي على حكم اللهو والباطل، ولو كان المراد غير ذلك فإن الإمام الذي يكون في حالة بيان غاية المراد يجب أن يبين ما هو نوع الغناء الذي يعنيه بكلامه. ونحن نرى أن هذا الأمر لم يحدث. إذاً فإن مطلق الغناء هو لهو وباطل، طبقاً لقول الإمام×. وتبين لنا من خلال هذه المداولة أن هذه الروايات في حدّ ذاتها هي الدليل على الحرمة المطلقة للغناء.

القرينة الأخرى، وهي القرينة الحادية عشرة، أنه جاء في إحدى الروايات أن مجلس الغناء هو مجلس لا ينظر الله تعالى إليه، أو لا تدخله الملائكة، ولا يأمن من يحضره الحوادث المفجعة، وإلخ، أي إن هذا المجلس يورث الغفلة، ويبعد الإنسان عن ذكر الله تعالى، فهل يمكن القول: إن الله تعالى لا ينظر إلى مجلس يدعوهم إلى ذكره، أي مجلس الموسيقى المتعالية، وهو القائل: أنا جليس من يجالسني، وأنيس من يستأنس بي، أي من هم في ذكري؟»([14]).

ومرة أخرى لابد أن نكرر تلك الجملة الفنية، من أننا نخضع لما يظهر من النصوص الدينية المقدسة في عملية استنباط الأحكام الشرعية، ولابد أن نرى ما هي حقيقة ظاهر القرآن والسنة؟ فعندما يقول الإمام×، طبقاً لما جاء في هذه الروايات: «بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، ولا تجاب فيه الدعوة، ولا يدخله الملك»، أو «لا تدخلوا بيوتاً الله معرض عن أهلها»، أو «الغناء مجلس لا ينظر الله إلى أهله»، فإن كلامه يدل على أن عنوان الغناء إذا توفرت مصاديقه في أي مجلس فإن هذه الصفات ستكون حاضرة. ونكتشف من خلال الآثار المذكورة أن طبيعة الغناء طبيعة سيئة وخبيثة، ويجب اجتنابه. وهذا المضمون دليل قاطع على رفض تلك النظرية القائلة بأن بعض أنواع الغناء مفيد ومتعالٍ، ويجب أن يكون مباحاً، بل مستحباً؛ لأنه إن لم يكن هذا الاعتقاد باطلاً لم يكن للإمام× مبرِّرٌ لأن ينظر إلى البيت الذي يمارس الغناء على أنه مذموم وسيّئ إلى هذه الدرجة. وقد رأينا أنه اعتبره كذلك.

وجاء في القرينة الثانية عشرة: «جاء في إحدى الروايات: «شر الأصوات الغناء». ومما لا شك فيه أن الموسيقى المتعالية هي من أجمل الأصوات حسب الرؤية الدينية والأخلاقية، وكذا الأمر بالنسبة للموسيقى المفيدة، وليست قبيحة، فما بالك بأن تكون الأقبح».

وهذه الرواية هي رواية مرسلة، وردت في كتاب «المقنع». وإذا كانت الرواية موثوقة من هذه الناحية تعد دليلاً قوياً ضد نظرية الموسيقى المتعالية، كما هو حال روايات القرينة الحادية عشر؛ لأن طبيعة الغناء وصفت طبقاً لما جاء في هذه الرواية بأنها طبيعة «شريرة»، وهذا يعني بأن هذه الطبيعة محرمة وخبيثة، وإلا لما اكتسبت حكم الأسوأ بصورة مطلقة.

وجاء في رواية : «كان إبليس أول من تغنى»، وجاء في رواية أخرى: «من أصغى إلى ناطق فقد عبده؛ فإن كان الناطق يؤدي عن الله عز وجل فقد عبد الله؛ وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان». وهاتان الروايتان ذكرتا بعنوان القرينتين الثالثة عشرة والرابعة عشرة، وقيل في توضيحهما: المراد بذلك أن الشيطان هو الذي اخترع الغناء. ومن المستبعد جداً أن ننسب اختراع الموسيقى المتعالية أو الموسيقى المفيدة إلى الشيطان. وقال أيضاً: «ومن الواضح أن الموسيقى المتعالية والموسيقى المفيدة ليستا مما ينشده الشيطان أو أتباعه، وأن الاستماع إليهما ليس من عبادة الشيطان»([15]).

ومن الواضح أن الرواية الأولى تُظهر أن الشيطان هو الذي اخترع سمات الغناء ومن هنا فإن هذه السمة هي سمة شيطانية. والمسلم به أن السمة الشيطانية ليس بمقدورها أن تصبح متعالية أو مفيدة. ولو افترضنا أنها مفيدة فهي من المفيد الذي اخترعه الشيطان. ولذلك لا يمكن الحكم بفائدته بناء على تلك الفائدة، ولابد له أن يكتسب هذا الحكم من الأدلة. وعليه فالغناء ـ حسب ما يحكم به ظاهر هذه الرواية ـ هو صوت يؤدي عن الشيطان، وحسب ما تحكم به الرواية الثانية فإن مَنْ أصغى للغناء فقد عبد الشيطان. وبناء على ذلك فإن الروايات المشار لها إذا كانت صحيحة من حيث السند تعد هي الأخرى دليلاً قوياً جداً على بطلان نظرية الموسيقى المتعالية والموسيقى المفيدة، وليس لإثباتهما.

وجاء في القرينة الخامسة عشرة: «القرينة الخامسة عشرة قرينة عقلية، فهل بإمكاننا أن نتجاهل وبسهولة حالة التفاعل والوجد العرفاني التي تحصل جراء الموسيقى العرفانية، والنتائج المفيدة التي نحصل عليها من الموسيقى المفيدة، ولا نبذل أي جهد يذكر في فهم ملاك الحكم؛ بذريعة أن ملاك الأحكام أمر مجهول بالنسبة لنا؟ أما للمعرفة غير الدينية والفقهية لطبيعة الموسيقى وموارد استخدامها وتأثيراتها الإيجابية والسلبية أيّ دخل في ظهور الألفاظ أو حجية ظهورها؟»([16]).

إن بعض المقدمات، من قبيل: أن الملاك الظني لا يعتنى به في الفقه، والظهور يعد حجّة إذا لم يكن لأية مقدمة دخل فيه، بمعنى انتزاع المعنى من اللفظ، بدون مساعدة بعض الأشياء الأخرى التي نضيفها للفظ، سوى الأشياء التي يذكرها المتكلم مع اللفظ لتبيين مراده، تُعَدُّ من المقدمات المسلّم بها والمقبولة. وبناء على ذلك لا يمكن أن نخضع الأحكام القطعية واليقينية لهذه الموضوعات للتساؤل؛ بذريعة أن النظر إلى الوجه الجميل، الذي يعد من آيات الله، يقرِّب الإنسان من الله تعالى، وأن شرب مقدار من المشروبات الكحولية، بحيث لا تكون كثيرة جداً ولا قليلة، تمنح الإنسان حالة التعبد والطاعة، والوجد الحاصل من الموسيقى تمنح الإنسان حالة القرب من الله تعالى، بل الأبعد من ذلك أن نحكم بحلّيتها. عندما نتجاوز جميع الحدود الواضحة في الفقه، ونضعها تحت أقدامنا، ألا نكون بذلك قد اتخذنا لأنفسنا مهنة استئصال الفقه؟ وهل يمكن الاكتفاء بالحدس والتخمين في استنباط الأحكام الإلهية؟ ألم نعلم أن الكثير من طرق استنباط الأحكام وأساليبها أصبحت من الأمور المسلّم بها والمقبولة لدى الفقهاء على طول تاريخ الفقه؟ ألم نعلم أن التحرك على هذه الشاكلة سيؤدي إلى حدوث عواقب وخيمة؟ من الواضح أن هذه الأمور لا يمكن أن تخفى على مطّلع، إذاً فما هي حقيقة الموضوع؟

الدليل والقرينة الأخيرة التي ذكرت لهذه النظرية، حسب زعم كاتبها، هي قرينة خارجية، وملخصها «أن الموسيقى العربية بما أنها لهوية، وتناسب مجالس اللهو واللعب، يتبادر إلى الذهن أن المقصود بالغناء في الروايات خصوص الموسيقى المتداولة والمعروفة بين العرب، وأنواع الموسيقى المشابهة لها، وأن تعميم الحرمة على جميع أنواع الموسيقى إنما يتوقف على دفع هذا الاحتمال، وخاصة إذا ثبت أن العرب لم يعرفوا نوعاً ومصداقاً آخر شائعاً للغناء زمن صدور هذه النصوص، وقد كانوا هم أول المخاطبين بهذه النصوص»([17]).

وكما قلنا مراراً وتكراراً في ما تقدم فنحن نأخذ بما هو ظاهر من النصوص المقدسة عن استنباط الأحكام الإلهية. وهذا المعنى لا رجعة فيه؛ إذ ليس بإمكاننا أن نتجاوز هذا الحد، إلا إذا ركبنا مركب اليقين. وبما أن أدلة حرمة الغناء عبارة عن جملة من العمومات والإطلاقات، التي تشمل جميع مصاديق وأفراد ذلك الموضوع، فإن تقييدها من حيث الأنواع والأزمنة بحاجة إلى مقيِّد. وإن احتمال كون هذه العموميات والاطلاقات تشمل خصوص بعض أفراده، أو أن المراد هو الموسيقى في زمن صدور هذه الروايات، لا يمكن أن يؤدي إلى تخصيصها وتقييدها؛ لأن المخصِّص والمقيِّد لأحد الأدلة المعتبرة يجب أن يكون دليلاً معتبراً، وليس للدليل الاحتمالي أدنى اعتبار، وإن كان «حياً في الذهن». وبالإضافة إلى ذلك لا يمكن تخصيص الأحكام والقضايا بزمن خاص، واعتبار الحكم المتعلق بعنوان معين، والمختص بزمان خاص، مسكوتاً عنه في الأزمنة الأخرى؛ لأن ذلك يتعارض مع خلود الدين الخاتم.

وقد اتضح لنا من خلال هذه المقالة القصيرة، وبشكل جليّ، أن نظرية الموسيقى المتعالية والمفيدة، المأخوذة عن أقوال بعض فقهاء السلف، نظرية تفتقر إلى الدليل العلمي، وتقوم فقط على الحدس والتخمين، وهو أوهن من بيت العنكبوت.

 

الهوامش:

(*) أستاذ الدراسات العليا وبحث الخارج في الحوزة العلمية في مدينة قم، له دراسات فقهية متعدِّدة.

([1]) مجلة «نقد ونظر»، العدد الرابع: 225 ـ 226.

([2]) المصدر السابق: 234 ـ 235.

([3]) المصدر السابق: 249.

([4]) وسائل الشيعة 12: 85.

([5]) المصدر السابق.

([6]) المصدر السابق: 84.

([7]) المصدر السابق: 240 ـ 241.

([8]) المصدر السابق: 241.

([9]) المصدر السابق: 242.

([10]) المصدر السابق: 242 ـ 243.

([11]) المصدر السابق: 243.

([12]) المصدر السابق.

([13]) المصدر السابق.

([14]) المصدر السابق: 243 ـ 244.

([15]) المصدر السابق: 243.

([16]) المصدر السابق.

([17]) المصدر السابق.