نظريّة (النبيّ الأمّي) في التراث الإسلامي

27 فبراير 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
408 زيارة

نظريّة (النبيّ الأمّي) في التراث الإسلامي

أ. خالد محمد عبده(*)

 

 مقدّمة

انبعث اهتمامي بقضية (أُمّيّة النبيّ) من خلال قراءتي للفصل الذي عقده عليّ الطبري في كتابه عن دلائل النبوة وإثباتها. وأثار دهشتي أن المسألة محلّ بحث ونقاش منذ أواخر القرن الثاني الهجري. فرُحْتُ أفتّش في كتب التراث وأتتبع مَنْ كَتَبَ عن المسألة وناقشها، ووجدت أن السابقين كانوا أكثر سعة وقبولاً لطرح مثل هذه الأمور على بساط البحث والمناقشة. فقد طالعتنا كتب التفاسير بآراء كانت جديدة عليَّ؛ فهناك من أئمة الفقه والدين مَنْ يرى أن النبي كتب وقرأ بعد بعثته، وصنَّف في ذلك كتاباً على استقلال أسماه (تحقيق المذهب في أن النبيّ كتب).

ولأن السجال والجدل كان بالكلمة والرأي، لا بالسيف والسجن والتنديد، وجدنا رسائل كاملة باللسان العربي والفارسي عن (أُمّيّة النبيّ)، سواء مَنْ صنّف كردّ فعلٍ على رسالة أبي الوليد الباجي، أو صنّف على استقلال تحت عنوان رسالة في أمّيّة الرسول، كرشيد الدين فضل الله الهمذاني، ووجدنا مَنْ يقول من المفسِّرين عن (أُمّيّة النبيّ): إن «المسألة ليست قطعية، بل مستندها ظواهر أخبار أحاد صحيحة، غير أن العقل لا يحيلها، وليس في الشريعة قاطعٌ يحيل وقوعها».

كان ذلك باعثاً أكبر لي على تتبُّع أغلب ما كتبته المصادر العربية القديمة والحديثة حول مسألة الأمّية، ووجدتُ أنه من الحسن أن أسير على النهج التالي في مناقشتها:

1ـ كتبتُ مقدّمة عن قضية الأمّية وعدم صلتها بمصدرية القرآن، وليس هناك من وجهة النظر الإسلامية ضرورة للربط بين تأليف القرآن وأمّية النبي، فكلاهما قضية مستقلة.

2ـ ناقشتُ في فصل مستقلّ فكرة (الجهل والأُمّية والجَاهِلية)؛ حتّى يتبدَّد سوء الفهم الشائع عن تجهيل مجتمع ما قبل رسالة الإسلام.

3ـ خصصتُ فصلاً لـ (الكَتَبة من أهل مكّة قبل الإسلام وفي عصر النبي)؛ حتّى يتبيَّن للقارئ أن فكرة (نحن أمّة أميّة لا نكتب ولا نحسب) ليست على عواهنها، وأن الكتابة كانت منتشرة في مكّة. وقد أحصيتُ عدداً كبيراً من الكَتَبة.

4ـ ثم خصصتُ فصلاً لأمية النبي| في التراث الإسلامي، عرضتُ فيه للقضية بإجمالٍ، ثم قسّمتُ المواقف من قضية أمّية النبيّ إلى أربعة مواقف، وقمتُ بدراستها، وهي:

أـ إن النبيّ| لم يكتب قطّ، ولم يقرأ بالنظر إلى كتاب.

ب ـ إنه لم يمُتْ حتّى كتب وقرأ.

ج ـ إنه كتب مباشرةً بيده في أيّام بعثته.

د ـ إنه كتب وقرأ قبل البعثة وبعدها.

وناقشتُ المواقف الأربعة، وقدمتُ قراءةً للآيات الواردة في القرآن عن الأمّية. وآخر ما ختمتُ به ملحقٌ بالكتب والرسائل والمقالات في مسألة أمّية النبيّ محمد.

وأحاول في هذا البحث أن أبرز مشكلة أُمّيّة النبيّ إلى حيِّز الدرس العلمي. وما محاولتي هذه إلاّ استنطاق للنصوص الواردة في تراثنا الإسلامي، لم أقصد فيها إثارة مشكلة زائفة إلى حيز الوجود، بل هي حقيقةٌ بالدرس، وخاصّة أن الكلام في عصرنا الحديث قد كثر بشأنها بوعيٍ ودون وعي. وأتذكَّر كلمة قالها يوسف إبراهيم في كتابه عن المصاحف، كانت مُحفِّزة لي على هذا البحث: «وهذه المسألة تحتاج إلى بحثٍ كبير  ـ يعني أُمّيّة النبيّ ـ، وموازنة دقيقة لأقوال العلماء، أرجو أن تحقّق، ويعملوا لها ندوة خاصّة تتّضح بها جوانب الموضوع»([1]). وحتّى الآن لم نحقق الأقوال، ولم تُعقد ندوة خاصة بالقضية، كمثل ما نقوم به في الدول الإسلامية حول موضوع «الإسراء والمعراج»([2])، فلو لم يكن لهذا البحث من فائدةٍ سوى المناداة والرجاء لكفاني ذلك.

وشيءٌ آخر أردتُ إبرازه من خلال هذا البحث هو عدم خلط الأوراق، والتفريق بين ما هو قطعيٌّ ولا ينبغي الخوضُ فيه وما هو ظنّيٌّ ولا بُدَّ من الولوج فيه. ومسألة «أُمّيّة النبي محمد» من المسائل الظّنية، ومن قبل قيل في شأنها: «المسألة ليست قطعية، بل مستندها ظواهر أخبار آحاد صحيحة، غير أن العقل لا يحيلها، وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها»([3]). وهذه غايةٌ ثانية يرمي البحث إلى تحقيقها مع سابقتها.

 

 1ـ بين الجهل والأمّيّة والجاهلية

توصم الفترة قبل الإسلام بالجاهلية؛ باعتبارات مختلفة؛ فأحياناً تُطلق بمعنى التلازم بينها وبين الأُمّية؛ وأحياناً يُراد بها ضدُّ العلم والمعرفة؛ وأحياناً يُراد بها الجهل الديني؛ وأحياناً أخرى يُراد بها ضدّ الحِلْم. فأيُّ هذه الإطلاقات هو المعبِّر عن حقيقة المصطلح؟!

يمثِّل مصطلح «الجاهلية» من حيث الاشتقاق اللغوي مصدراً صناعيّاً، مأخوذاً من «الجاهلي»، نسبة إلى «الجاهل» المشتقّ من «الجهل»([4]). والجهلُ في اللغة: نقيضُ العلم. ويؤكد الألوسي([5]) «على هذا المعنى الخاصّ بالجهل، فيقول: «هو عدم العلم، أو عدم اتباع العلم، فمَنْ قال خلاف الحقّ، عالماً أو غير عالم، فهو جاهلٌ. ويقول: قال أصحاب محمد|: كلّ مَنْ عمل سوءاً فهو جاهل، وإنْ علم أنه مخالف للحقّ، وسبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه من قول أو فعل، فمتى صدر خلافه فلا بُدَّ من غفلة القلب بمقاومة ما يعارضه، وتلك أحوال تناقض حقيقة العلم، فتصير جهلاً بهذا الاعتبار»([6]).

ويمضي الألوسي مع نظرته فيقول: «فالناس قبل مبعث النبيّ كانوا في أحوال جاهلية، جهلاً منسوباً إلى الجاهل، فإنّ ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهلٌ، وإنّما يفعله جاهل. واستدلّ الألوسي على ذلك بما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: إذا سرَّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللهُ افْتِرَاءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾».

ومقتضى كلام الألوسي أن العرب قبل الإسلام لم يكن لديهم علمٌ البتّة، لكنَّ تتبُّعَ اللفظة واستعمالاتها ـ سواء عني بها الاسمية اسماً للفترة ما قبل الإسلام، أو عني بها الوصفية فأُطلقت على شخوص ما قبل الإسلام وما بعده ـ يجعلنا نميل إلى رأي الأستاذ علي الجندي القائل: «لم يكن العرب في ذلك الوقت جاهلين جهلاً ينافي العلم، فقد ثبت أنهم كانوا أهل ذكاء ودراية وخبرة، وكان فيهم أذهان صافية، ونظرات صادقة في الطبيعة وأحوال الإنسان بما لا يقلّ عن بعض نظرات الفلاسفة والباحثين والمفكرين».

 

الجاهلية: أفعال مَنْ يقول قولاً أو يعمل عملاً يتنافى مع علمه

وقد يصدق هذا على عرب ما قبل الإسلام، وما بعده، فلا يخصّ زماناً بعينه؛ إذ يحدث في جميع الأزمنة أن تجد هذا النمط من الناس. وقد يصدر عن أعقل الناس وأحكمهم. ألا ترى ما أُثر عن عرب الجاهلية من أقوالٍ وحِكَمٍ ونصائح وأعمال، وترى على الجانب العملي السلوكي عنفاً، وظلماً، وسيادة للقوّة والسلاح والإسراف إلى حدّ الإتلاف، وتقديس ما لا يملك نفعاً ولا ضرّاً؟!

وفي العصر الحديث ترى أكثر الناس علماً وأعظمهم إسهاماً في تاريخ الحضارة أكثرهم عنفاً وضراوة بالشعوب المختلفة في سطور الضعف.

 

الجاهلية: (ضدّ الحلم)

فالجهل هنا يعني السَّفَه والحمق والتهوُّر وعدم القدرة على ضبط النفس. ولقد انتشرت هذه الصفات بين عرب ما قبل الإسلام، فترى العربي (الجاهلي) يثور لأتفه الأسباب، ويشعل نار الحرب إذا توهَّم إساءة أو ظن ظنّاً، ولو خطأً، دون أن يتريَّث أو يتحرى الحقيقة. ويجسد هذا المعنى قول الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحدٌ علينا   فنجهل فوق جهل الجاهلينا

«السفهاء: الحمقى».

ويصدق هذا المعنى على كثير من الناس في مختلف العصور.

لكنْ ما المعنى المحدَّد للفظة (الجاهلية) التي تخصّ عرب ما قبل الإسلام؟

وردت لفظة الجاهلية في النصِّ القرآني في أربعة مواضع:

ـ ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (آل عمران: 154).

ـ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (المائدة: 50).

ـ ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (الأحزاب: 33).

ـ ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (الفتح: 26).

وبالنظر إلى التفسيرات السابقة، وإلى ما ورد في النصّ القرآني، نرى أن التفسيرات لا تنهض لتحديد المعنى، فهي تصدق على أيّ مجتمعٍ، سواء كان قبل الإسلام أو بعده.

أما الجاهلية في المفهوم القرآني فتُطلق ويُراد بها الجهل بعبادة الله وفق ما أنزله الله من تعاليم، أو الانحراف عن تعاليمه. وهي بذلك لا تشمل الوثنيين فحَسْب، بل يدخل في طيّاتها المنحرفون من أصحاب الديانات السماوية.

أيضاً ليست صفة للعرب ما قبل الإسلام فحَسْب، بل صفة للأمم التي حادت عن الطريق الصحيح، غير مقرونة بزمنٍ ومكان محدَّدين.

وإذا كان مصطلح الجاهلية لم يبرز إلى الوجود إلاّ بعد ظهور الإسلام فدلالة المصطلح الأصلية تنبثق من المعاني الإسلامية، والتي أكَّدت بدورها على أن المصطلح لا يطلق بعمومه على الجهل المعرفي، وخاصّة أن آيات القرآن تدعو إلى التفكُّر والتدبُّر، والاستدلال على الربّ الأعلى من خلال صفحات الكون الصامت، وما عسى أن يفعل ذلك حفنة من الجهلاء؟!

بل إن الخطاب يتوجَّه إلى أصحاب حكمةٍ وشعر وأحناف، ويشمل أيضاً أصحاب اللوثات والفساد، وأهل الجاهلية لم يكونوا على المستوى العامّ (خطاة العقول).

فما يُروى لهم من الشعر يدل على صفاء نفوسهم، ووصول شعرهم إلينا وهو على هذه الحال من النضج والكمال يدلّ على أنهم كانوا قد قطعوا أشواطاً كبيرة استعملوا فيها عقولهم وتفكيرهم وأذواقهم في مجال التعبير والتصوير، حتى وصلوا بفنهم إلى هذه الدرجة العليا من الدقّة والعذوبة والجمال([7]).

ثم إن ما تضمنه هذا الشعر وما نسب إليهم من نثرٍ من معانٍ سامية، وأفكار ناضجة، وإشارات عديدة إلى شيءٍ من العلم، وبخاصّة في الطب، يدلّ على عقلية ميّالة إلى التفكير، قوية الملاحظة.

أضِفْ إلى ذلك أن كثيراً من هؤلاء العرب اشتهروا بالعقل السديد والرأي الصائب وبُعْد النظر، وكانت سمتهم الظاهرة الحكمة، حتّى أن العرب اتَّخذوهم حكاماً يستشيرونهم في شؤونهم، ويحكِّمونهم في أمورهم، ومن هؤلاء:

ـ الأفعى بن الأفعى الجرهمي: وهو الذي حكم بين بني مرار في ميراثهم.

ـ وأكثم بن صيفي: حكيم تميم وعالمها بالأنساب.

ـ وحاجب بن زرارة: من مشاهير الفصحاء والبلغاء، وكان على معرفة تامة بأخبار العرب وأحوالها وأنسابها.

ـ والأقرع بن حابس.

ـ وهاشم بن عبد مناف.

ـ وعبد المطلب بن هاشم.

ولم يقتصر الأمر على الرجال، بل كان من نساء الجاهلية مَنْ اشتهرن بالحكمة وحدّة الذكاء وسداد الرأي، مثل:

ـ ابنة الخس الإيادية.

ـ صحر بنت لقمان.

ـ وخصيلة بنت عامر بن الظرب العدواني([8]).

وكان هؤلاء وأمثالهم يُعرَفون بين العرب بأنهم الحكماء. وبهذا يكون الجهل الذي وُصم به الجاهليّون على وجه العموم هو الجهل الديني. ولعلّ مَنْ سعى إلى تجهيل الجاهلية كان مقصده الأوّل «إظهار عظمة الإسلام»([9]).

 

 2ـ الكتابة ومعرفة أهل مكّة بها

ثمّة اعتقاد سائد بأن الكتابة في شبه الجزيرة العربية لم تكن معروفة. وقد نشأ هذا الاعتقاد عن الربط بين مفهوم الجاهلية ـ المرادف لعدم العلم ـ والكتابة. وقد رسخ هذا الاعتقاد من خلال الاعتماد على إحصاءات المؤرخين، من أمثال: البلاذري([10]) في «فتوح البلدان»([11])، الذي قصر العارفين بالقراءة والكتابة في مكّة على سبعة عشر شخصاً.

لكنّ هذا لا يبدو مقبولاً عند النظر في الأخبار الواردة في الأدبيات. ففي الشعر والشعراء لابن قتيبة خبرٌ يتحدَّث عن معرفة منطقة الحجاز للكتابة في وقتٍ مبكر([12]). وتشير نبية عبّود إلى أنه من الممكن توقُّع انتشار المثقَّفين في مكّة قبل ظهور الإسلام بوقتٍ كبير؛ لأن هذه المدينة كانت مركزا دينيّاً وتجاريّاً منذ حوالي عام 350م([13]).

ويذكر أن وثيقة كُتبت بخط عبد المطلب جدّ النبي وجدت في خزانة المأمون([14]). بل وحتّى قبل عبد المطلب كتب جدُّه الأكبر قُصيّ خطاباً إلى أخيه رزاح([15]).

ولعل في الإحصاء الذي قام به امتياز أحمد عن السجلات المكتوبة لعرب ما قبل الإسلام ما يؤكّد أن العرب كانوا على معرفة جيِّدة بالقراءة والكتابة. فقد وجدنا في الأدبيات كلمات من مثل: (الصحيفة، صحف إبراهيم وموسى، المجلة، مجلة لقمان، الروسم، التوراة، الإنجيل، كتاب دانيال، كتاب أنوخ، كتب أهل الحنيفية والصابئة، مدارس)([16]).

ويذكرُ الكتاني في «التراتيب الإدارية»([17]) اثنين وأربعين كاتباً للنبيّ|، ولا شكّ أنَّهم اكتسبوا صنعة الكتابة قبل الإسلام.

ومن المجالات التي كان الرجل يستحقّ بسببها لقب (الكامل) مجال الكتابة والقراءة. كان هذا في (الجاهلية). ومن هؤلاء الرجال الذين استحقّوا هذا اللقب: سعد بن عبادة، أسيد بن حضير، أوس بن خولي، رافع بن مالك([18]).

ومن الأدلة الإضافية التي تدلّ على شيوع القراءة والكتابة في مجتمع ما قبل الإسلام: المعاهدات والاتفاقات بين القبائل، التي كانت تعلّق في الكعبة، والنقوش، كتلك التي أشار إليها الأزرقي. وإنّ منها ما كان منقوشاً على أحجار الكعبة، والألواح، والأحجار، والهضبات، وأماكن أخرى.

يتّضح لنا ممّا سبق أن الكتابة كانت معروفة في المجتمع المكّي الذي بعث النبيُّ فيه.

فلم تكن الجزيرة العربية حديثة عهد بالكتابة، وإنما كانت الكتابة شائعةً في بعض الأنحاء، دون غيرها. وكان هناك نوع من الكتابة هو الشائع في شمالي بلاد العرب وغربيّها، وهو الكتابة النبطية. وكانت لها صورتان: الأولى: مربَّعة الحروف، محكمة الصنع، مع صلابة في الشكل. واستعملت في النقود والأبنية. وكان لها علاقة مع الخطّ الآرامي المعروف بالإسطرنجلي. الثانية: مستديرة الشكل، خشبية الصنع، جرى استعمالها غالباً في نسخ المعاملات والصكوك. وتمثِّل الكتابة النبطية بصورتَيْها السابقتين أصل الكتابة العربية، ويسمِّيها العرب بالجزم([19]).

يروي الجهشياري في كتابه (الوزراء والكتاب) عن كعب الأحبار أنه قال: رُوِيَ أنّ أوّل مَنْ وضع الكتابة العربية إسماعيل بن إبراهيم([20]). وهذا يعني أن الكتابة العربية قديمة العهد، ومتزامنة في وجودها مع نشأة مكّة الدينية وبيتها المقدّس (الكعبة). لكنّ الدراسات الحديثة تؤكِّد أن الكتابة العربية التي عرفها المسلمون قد سبقت ظهور الإسلام بثلاثة قرون، وأنّ الكشوف الآثارية في نجد والحجاز ستدعم هذا الرأي([21]).

وتختلف الروايات في تحديد أول مَنْ أدخل الكتابة العربية إلى مكّة. فتذكر بعض المصادر([22]) أنَّ بشر بن عبد الملك الكندي، أخا أكيدر بن عبد الملك، صاحب دومة الجندل، وكان نصرانيّاً، تعلَّم الخطّ من أهل الحيرة([23])، فرآه سفيان بن أمية بن عبد شمس وأبو قيس بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب يكتب، فسألاه أن يعلِّمهما الخطّ فعلَّمهما([24]).

وفي روايةٍ أخرى: إن أول مَنْ كتب بالعربية من أهل مكة هو حرب بن أمية بن عبد شمس، حسب الجهشياري. في حين تذكر روايةٌ أخرى أن حرب تعلَّم الخطّ من عبد الله بن جدعان، الذي تعلم من الأنبار، حسب السيوطي. وقيل أيضاً: إنّ أوّل مَنْ قدم مكّة بالكتاب العربي عبد بن قصي، جاء به من اليمن فتعلَّمه أهل مكة([25]).

وعن كيفية وصول الخط العربي إلى شبه الجزيرة العربية يروي السيوطي في المزهر([26]) أن أول مَنْ كتب بخطنا هذا، وهو الجزم، مرامر بن مرة، وأسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة، وهم من عرب طيء، علَّموه أهل الأنبار، ومنهم انتشرت الكتابة في العراق والحيرة وغيرها، فتعلَّمها بشر بن عبد الملك، وكان له صحبةٌ بحرب بن أمية؛ لتجارته عندهم، فتعلّم حرب منه الكتابة، ثمّ سافر معه بشر إلى مكة، فتعلَّم منه جماعةٌ من قريش قبل الإسلام. وسمِّي هذا الخطّ بـ (الجزم)؛ لأنه جزم أي قطع من الخط الحميري، وتعلَّمه شرذمةٌ قليلة منهم.

وقد اكتُشفتْ كتابات ونقوش حجرية في العصر الحديث تؤكِّد معرفة أهل مكة بالكتابة، والجزيرة العربية عموماً. ويعدّ أقدمها تلك الكتابة المكتشفة في زبد في جوار الفرات، التي يرقى عهدها إلى سنة 512م، أي قبل الهجرة بـ 120 سنة، وهي في ثلاث لغات: اليونانية، والسريانية، والعربية.

والأثر الثاني: وجد في حران، مكتوباً باليونانية والعربية، تاريخه 54 قبل الهجرة، أي سنة 568م.

وهناك كتابتان أخريان عربيتان؛ واحدة بالحرف النبطي، وجدها في نمارة في الصفا الرحالةُ الفرنسي رينيه دوسو، وهي مكتوبة على ضريح أحد ملوك الحيرة؛ والأخرى صحيفة (قران)، كتبت على الرقّ، من القرن الثالث للهجرة([27]).

 أدلّة وجود الكتابة في مكّة

1ـ هناك عدّة قرائن تاريخية تؤكِّد على معرفة أهل مكّة بالقراءة والكتابة، على نطاق واسع. فالمجتمع المكيّ اعتمد في بنائه الاقتصادي على العملية التجارية وتوسيعها، ومجتمع يعتمد التجارة لا بُدَّ له من معرفة القراءة والكتابة، والعمليات الحسابية. ولقد أشار إلى هذه الطبيعة الراغبُ الأصفهاني في محاضرات الأدباء، وابن عبد ربّه في العقد الفريد.

وكيف يجهل المكّيّون القراءة والكتابة وأغلب معاملاتهم التجارية مع مراكز حضارية متميزة، كالشام والعراق ومصر واليمن؟ فلا بُدَّ أن يتأثَّروا بهم، مع كثرة النزول عليهم، ومشاركتهم في التجارة. وبما أن هذه المراكز الحضارية قد شاعت فيها الكتابة والقراءة فلا ضير من تعلُّمها وإذاعتها في البيئة المكّية.

2ـ يذكر ابن هشام في السيرة أنه «كان عند هُبل قِدَاح سبعة، كلّ قدح فيها كتاب». فلا شكَّ أنهم كانوا يهرعون إلى هذه القداح في الأمور العظيمة، كالحروب، أو الأخذ بالثأر، أوالأفراح، ويقومون بالقرعة، وحينما يأتيهم قدح معين، يقرؤون ما ينصّ عليه الكتاب، فيعزمون على الفعل أو تركه.

3ـ يمثّل الشعر الفصيح ثروة عند العرب القدامى، فتذكر المصادر أن الشاعر الجيد حين كان يفوز على أقرانه في قرض الشعر كانت جائزته العليا أن تكتب قصيدته، وتعلَّق على الكعبة، وتُحلَّى بالذهب. فإنْ صحت روايات التعليق فإنها كانت تعلَّق ليقرأها الوفود الزائرون لمكّة، إلى جانب أبنائها الأصليين.

4ـ تذكر المصادر أنّ هناك كتاب وصية على حجر من المغيرة (عبد مناف) بن قصيّ، يوصي بها قريش بالتقوى وصلة الرحم. كما وجد حجرٌ في أحد أركان الكعبة مكتوب عليه ومؤرّخ، وُجد عندما هدمت الكعبة بعد أن احترقت.

وذكر ابن عباس رواية. كما وُجد في بئر الكعبة كتابان. وعبد الله بن جدعان وجد في كهف بأبي قبيس مقبرة فيها لوح من زمن جرهم، مكتوب فيه عظات وشعر. كلّ ذلك يؤكِّد أن الكتابة كانت معروفةً بمكّة منذ القدم.

ويروي ابن سعد في الطبقات أن عبد المطلب عقد حلفاً مع خزاعة، فدخلوا دار الندوة، فتحالفوا فيها على التناصر والمواساة، وكتبوا بينهم كتاباً، وعلَّقوه في الكعبة.

ويتَّسع انتشار الكتابة في مكّة من خلال استعمالها في تدوين المعاملات الشخصية (غير القبلية). يظهر ذلك من خلال ما فعله الحسن بن مجهور مولى المنصور؛ حيث أعطى لبعض ولد سليمان بن علي بن عبد الله (صكّ دَيْن) كان لعبد المطلب بن هاشم، كتبه بخطِّه.

5ـ يتّضح من خلال استقراء النص القرآني اشتماله على 449 ذكراً للكتابة والقراءة ومشتقّاتها: (الكتاب ـ الأقلام ـ الكلم ـ القرطاس ـ الألواح ـ المسطور ـ القرآن ـ القراءة ـ الزبر ـ الخطّ ـ الدرس ـ الرقّ ـ الصحف ـ المرقوم)، فإذا كان العربُ أمّيّين (بمعنى جهلهم القراءة والكتابة) بهذه الصورة هل يصحّ للقرآن أن يخاطبهم بهذا الكمّ الهائل من المرادفات التي لا يدْرُون عنها شيئاً؟! سوف يصبح الخطاب القرآني غير مُجدٍ مع هؤلاء القوم، ولم يأتِ القرآن إلاّ للهداية، لا للاضطراب([28]).

6ـ تدلُّ نقوش الخواتيمُ بشكلٍ واضح على معرفة الكتابة من قبل صناع الخاتم  على أقل تقدير. وقد كان للنبي محمد خاتمٌ، وكان له نقشٌ خاصٌّ به. وكان لأبي بكر الصدّيق خاتمٌ أيضاً. ولا رَيْب في أنهما لم يبتدعا استخدام الخاتم، ولا صنعاه بأيديهما، بل قام بتصنيعه أرباب هذه الصنعة. وإن في تحذير النبي من تقليد نقش خاتمه دليلٌ على شيوع استخدام الخاتم، ومعرفة الكتابة التي تُدوَّن عليه.

7ـ من دلائل انتشار الكتابة احتواءُ اللغة العربية على كثير من المفردات الكُتبيّة، ما يؤكِّد أن العرب لو لم يعرفوها لما وضعوا لها تلك الألفاظ التي تدلّ على معانيها، ومن ذلك: (القرطاس ـ اللوح ـ الدواة ـ الصحيفة ـ الكرّاس ـ السفر ـ المجلّة ـ المزبر ـ الطومار ـ الرقّ ـ الرقاع ـ الكاغد).

8ـ تظهر من الدلائل السابقة معرفة أهل مكّة بالكتابة والقراءة، بل إنّ الأمر تعدّى هذه المرحلة البدائية، فنهض البعض للثقافة الموسوعية، والنهل مما عند الآخرين، وإنْ اختلفت اللغة، فظهرت الكتب المترجَمة والأسفار القديمة التي اشتملت على تعاليم الديانات السابقة.

ـ فعُرف ورقة بن نوفل بقراءته للكتب القديمة، وطلب الدين المسيحي وتنصَّر، وصار مستحكماً في النصرانية، وكان يكتب بالعربية، نقلاً عن الأصل العبري، أو السرياني، أو الآرامي.

ـ وكان خالد بن عرفطة قد حصل على نسخة من كتاب النبي دانيال، وقام بترجمتها، ونسخها للعربية، حسب الخطيب البغدادي. وقد لاقت هذه النسخة انتشاراً وشيوعاً في عهد عمر بن الخطاب، إلى حدّ أن عمر أقلقه هذا الأمر، فقام في الناس خطيباً، آمراً إيّاهم بأن يأتوا بما عندهم من كتب، وقام بتعنيف ناشر الكتاب بينهم([29]).

ـ وشاهدنا هنا كثرةَ الكتب عند القوم في هذه الفترة، وقيام أحدهم بالترجمة، وهو خالد بن عرفطة.

ـ وكان عبد الله بن عمرو بن العاص مهتمّاً بكتب الأديان السابقة من (توراة وإنجيل). وروى عنه الطبري في تاريخه أنه قد قرأ كتاب دانيال.

ـ وكان النضر بن الحارث قد لازم الحيرة، وتعلَّم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم، حسب سيرة ابن هشام. وكان عنده كتاب من الأدب الفارسي، حسب الماوردي في نصيحة الملوك وأساطير الأولين، كان يقصّها على أهل مكّة والمتابعين له.

ـ وكان عبيد الله بن جحش الأسدي قد قرأ الكتب، فمال إلى النصرانية، مما يدلّ على اطلاعه على هذه الكتب وتدبُّرها، وأنّ هذه الكتب كانت شائعة عند أهل مكّة.

ـ لم يقتصر الأمر على الرجال، بل تعدّى إلى النساء، فاطّلع بعضهنَّ على كتب الأقدمين، كقبيلة بنت نوفل، وفاطمة بنت مرّ الخثعمية.

يظهر ممّا سبق أن مكّة عرفت العديد من كتب الأقدمين، منها: مجلة لقمان، وكتاب دانيال، والتوراة، والإنجيل، وكتب الأساطير، والأدب الفارسي.

 

الكَتَبة من أهل مكة، قبل الإسلام وفي عصر النبيّ محمد|

الكَتَبةُ من أهل مكّة

ذكر البلاذريُّ في فتوح البلدان أن الإسلام جاء وفي مكّة سبعة عشر نفراً فقط هم الذين يقرأون ويكتبون. واستدرك آخراً فكانوا ثمانية عشر. وذكر قليلاً من النساء، بعضهنَّ تقرأ ولا تكتب.

واعتمد كثيرٌ ممَّنْ يرون تجهيل أهل مكة وانعدام المعرفة عندهم على رواية البلاذري، وخلصوا منها إلى ندرة القراءة والكتابة في هذا المجتمع.

غير أن نظرة سريعة إلى إحصاء الواقدي للكَتَبة تدلّ على خطأ البلاذري في إحصائه. أضِفْ إلى ذلك الظروف والملابسات التي كانت تحيط بهذا المجتمع. والنتيجة أن هذا الإحصاء لا يعدو التمثيل ببعض الكَتَبة فحَسْب. وإليك قائمة إجمالية أعدها الدكتور خالد العسلي في كتابه (دراسات في تاريخ العرب)([30]):

 

أولاً: الرجال

1ـ سفيان بن أمية بن عبد شمس ـ من بني أمية.

2ـ حرب بن أمية بن عبد شمس ـ من بني أمية.

3ـ أبو سفيان بن أمية بن عبد شمس ـ من بني أمية.

4ـ سفيان بن حرب بن أمية ـ من بني أمية.

5ـ أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية ـ من بني أمية.

6ـ معاوية بن أبي سفيان ـ من بني أمية ـ، كاتب وحي.

7ـ يزيد بن أبي سفيان ـ من بني أمية.

8ـ أسيد بن أبي العيص ـ من بني أمية.

9ـ عثمان بن عفان ـ من بني أمية ـ، كاتب وحي.

10ـ  خالد بن سعيد بن العاص ـ من بني أمية ـ، كاتب وحي.

11ـ أبان بن سعيد بن العاص ـ من بني أمية ـ، كاتب وحي.

12ـ عمرو بن سعيد بن العاص ـ من بني أمية.

13ـ الحكم بن سعيد بن العاص ـ من بني أمية.

14ـ عتاب بن أسيد ـ من بني أمية.

15ـ الوليد بن عقبة بن أبي معيط ـ من بني أمية.

16ـ معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي ـ حليف سعيد بن العاص.

17ـ عبد الله بن جحش الأسدي (أسد بن خزيمة) ـ حليف بني أمية.

18ـ عبيد الله بن جحش الأسدي ـ حليف بني أمية.

19ـ سعيد بن القشب الأزدي ـ حليف بني أمية.

20ـ الحارث بن كلدة الثقفي، وابنه النصر ـ حلفاء بني أمية.

21ـ عبد بن قصي بن كلاب.

22ـ المغيرة بن قصي.

23ـ عبد المطلب بن هاشم ـ من بني هاشم.

24ـ عبد الله بن عبد المطلب ـ من بني هاشم.

25ـ أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب ـ من بني هاشم.

26ـ أبو لهب بن عبد العزّى بن عبد المطلب ـ من بني هاشم.

27ـ الزبير بن عبد المطلب ـ من بني هاشم.

28ـ المقدم بن عبد المطلب ـ من بني هاشم.

29ـ الحارث بن عبد المطلب ـ من بني هاشم.

30ـ العوام بن عبد المطلب ـ من بني هاشم.

31ـ الحمزة بن عبد المطلب ـ من بني هاشم.

32ـ عبد الكعبة بن عبد المطلب ـ من بني هاشم.

33ـ حجل (المغيرة بن عبد المطلب) ـ من بني هاشم.

34ـ العبّاس بن عبد المطلب ـ من بني هاشم.

35ـ عبد الله بن العباس ـ من بني هاشم.

36ـ عقيل بن أبي طالب ـ من بني هاشم.

37ـ عليّ بن أبي طالب ـ من بني هاشم.

38ـ أسامة بن زيد بن الحارثة ـ مولى الرسول|.

39ـ أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبدمناف .

40ـ جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف.

41ـ جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف.

42ـ نافع بن ظريب بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف.

43ـ أبو الروم منصور بن عبد شرحبيل ـ من بني عبد الدار.

44ـ مصعب بن عمير بن هشام ـ من بني عبد الدار.

45ـ منصور بن عكرمة بن عامر ـ من بني عبد الدار.

46ـ بغيض بن عامر بن هاشم ـ من بني عبد الدار.

47ـ النضر بن الحارث ـ من بني عبد الدار.

48ـ عيّاش بن أبي ربيعة بن عمرو بن المغيرة ـ من بني مخزوم.

49ـ المهاجر بن أبي أمية المخزومي ـ من بني مخزوم.

50ـ عبد الله بن أبي أمية ـ من بني مخزوم.

51ـ الوليد بن الوليد ـ من بني مخزوم.

52ـ خالد بن الوليد ـ من بني مخزوم.

53ـ أبو جهل عمرو بن هشام ـ من بني مخزوم.

54ـ عكرمة بن أبي جهل ـ من بني مخزوم.

55ـ أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي.

56ـ عمار بن ياسر ـ مولى بني مخزوم.

57ـ عديّ بن نوفل بن أسد ـ من بني أسد بن عبد العزّى.

58ـ الزبير بن العوام ـ من بني أسد بن عبد العزّى.

59ـ ورقة بن نوفل ـ من بني أسد بن عبد العزّى.

60ـ حاطب بن أبي بلتعة ـ حليف الزبير.

61ـ أميّة بن خلف ـ من بني جمح.

62ـ صفوان بن أمية بن خلف ـ من بني جمح.

63ـ محمية بن جزء ـ حليف بني جمح

64ـ أبو بكر الصدّيق ـ من بني تميم.

65ـ عبد الله بن جدعان ـ من بني تميم.

66ـ طلحة بن عبيد الله ـ من بني تميم.

67ـ عبد الله بن أبي بكر ـ من بني تميم.

68ـ عبد الرحمن بن أبي بكر ـ من بني تميم.

69ـ عامر بن فهيرة ـ مولى أبي بكر.

70ـ سعيد بن زيد بن عمرو ـ من بني عدي.

71ـ عمر بن الخطاب ـ من بني عدي.

72ـ عبد الله بن عمر ـ من بني عدي.

73ـ أبو قيس بن عبد مناف ـ من بني زهرة.

74ـ عبد الرحمن بن عوف ـ من بني زهرة.

75ـ سعد بن أبي وقاص ـ من بني زهرة.

76ـ مخرمة بن نوفل ـ من بني زهرة.

77ـ عبد الله بن الأرقم ـ من بني زهرة.

78ـ أزهر بن عبد عوف ـ من بني زهرة.

79ـ الأخنس بن شريق الثقفي ـ حليف بني زهرة.

80ـ خباب بن الأرت ـ حليف بني زهرة.

81ـ أبو بصير عتبة بن أسيد الثقفي ـ حليف بني زهرة.

82ـ العاص بن وائل بن هاشم ـ من بني سهم.

83ـ عمرو بن العاص ـ من بني سهم.

84ـ هشام بن العاص ـ من بني سهم.

85ـ عبد الله بن عمرو بن العاص ـ من بني سهم.

86ـ عبد الله بن الزبعرى ـ من بني سهم.

87ـ عبد الله بن سعد بن أبي سرح ـ من بني عامر.

88ـ سهيل بن عمرو بن عبد شمس ـ من بني عامر.

89ـ حاطب بن عمرو بن عبد شمس ـ من بني عامر.

90ـ عبد الله بن سهيل بن عمرو ـ من بني عامر.

91ـ مكرز بن حفص بن الأضيف ـ من بني عامر.

92ـ حويطب بن عبد العزى ـ من بني عامر.

93ـ سليط بن سليط العامري ـ من بني عامر.

94ـ أبو عبيدة عامر بن الجراح الفهري ـ من بني عامر.

95ـ شرحبيل بن حسنة الطانجي ـ حليف قريش.

96ـ العلاء بن الحضرمي ـ حليف قريش.

97ـ يسار ـ عبدٌ من عين تمر.

98ـ خير ـ عبدٌ من عين تمر.

99ـ عبد الله بن خلف الخزاعي أبو طلحة الطلحات.

100ـ يعلى بن أمية ـ حليف بني نوفل بن عبد مناف.

 

 ثانياً: النساء

1ـ قتلية بنت نوفل ـ أخت ورقة بن نوفل.

2ـ فاطمة بنت الخطاب ـ أخت عمر بن الخطاب.

3ـ أمّ سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة ـ زوجة النبيّ.

4ـ الشفاء بنت عبد الله العدوية.

5ـ حفصة بنت عمر بن الخطاب ـ زوجة النبيّ.

6ـ أمّ كلثوم بنت عقبة.

7ـ عائشة بنت سعد.

8ـ كريمة بنت المقداد.

9ـ عائشة بنت أبي بكر ـ زوجة النبيّ.

10ـ أسماء بنت مخربة أمّ أبي جهل.

11ـ فاطمة بنت مرّ الخثعمية.

12ـ فاطمة ـ من بني أسد بن خزيمة.

13ـ ليلى العدوية.

 

أُمّية النبيّ محمد|

هي مسألة قديمة حديثة؛ قديمة في طرحها، حيث أدلى بالقول الأوّل فيها المعاصرون للنبيّ من أهل مكّة، ورفضوا أن يؤمنوا بما يقوله وما يدعوهم إليه، باعتباره مارقاً عن دينهم، حاطّاً من شأنهم. وعلَّل القرآن نظرهم بقوله: ﴿حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾. فالقرآن الذي أتى به محمد ما هو إلاّ مجموعة من الأساطير التي افتعلها محمد، بناءً على تعلُّمه من الآخرين الذين التقى بهم في رحلاته التجارية.

وحديثاً صيغت المسألة ـ حسب التصوُّر المسيحي([31]) ـ أن محمداً كان ضمن أحناف مكة الباحثين عن الحقيقة الإلهية، الذين ربأوا بأنفسهم عن عبادة الأوثان، وكان كثيراً ما يذهب إلى (كهفٍ أو غارٍ)؛ ليمارس فيه التأملات الكونية وبعض الطقوس الروحانية. وهنا شاءت الأقدار أن يقابل أكبر القساوسة، والذي كان يقطن مكّة، ويمارس التبشير بالنصرانية، وهو ورقة بن نوفل، فجلس إليه يطلب العلوم الدينية. وهنا تلمّس فيه ورقة اجتهاد الطالب، فعلَّمه وساعده على الخروج من لوثة الأوثان. وأحبَّ محمدٌ أن يوطِّد علاقته بورقة، فطلب الزواج من خديجة ابنة عمِّه، فتزوَّجها بمباركة القسّ، وكانت هي الأخرى مسيحية([32])، فساعدته. ولمّا مات ورقة انفرد محمد بالمنطقة؛ ليؤسِّس حزبه الجديد الذي عرف فيما بعد بـ (الإسلام)!

وهكذا تُصاغ القصص وتصدَّق في غيبة العقول، ضاربةً عرض الحائط بكلّ الحقائق!

 

أمّية النبيّ| في الفكر الإسلامي (قديماً)

بحسب التصوُّر الإسلامي العام لم تكن مسألة أمّية محمد| محلّ خلاف، بل ظلّ وسيظلّ راسخاً في أذهان المجموع أن النبيّ قبل بعثته وبعدها ظل أميّاً جاهلاً بالقراءة والكتابة. لكن الباحث في التراث الإسلامي سيجد الأمر على خلاف ذلك، وسيجد مسألة الأمّية محل نقاش وبحث بين العلماء، وبالأخص علماء الأندلس. لذلك فإني أرى أنه من المفيد لبحث فكرة الأمّية قراءة ما ورد في تراثنا الإسلامي، وإلقاء الضوء عليه؛ حتى يتبيَّن القارئ مدى صحّة المشهور أو إمكان التفكير فيه من جديد.

يقصر الجمهور معنى كلمة أميٍّ على الذي لا يقرأ ولا يكتب، فترى المرادف للكلمة: الجهل بالقراءة والكتابة عند الأصوليين وعلماء الفقه والمفسِّرين على السواء؛ في حين أنّ اللفظة في كتب اللغة يرجع اشتقاقها أحياناً إلى كلمة (أمّة)؛ وأحياناً إلى كلمة (أمّ)؛ وأحياناً كلمة (أمم). ولكن الجمهور العام قرَّر أن يعطي للفظة (أمّيّ) معنى الجهل المعرفي بالقراءة والكتابة؛ ليؤكد على الصفة الإلهية للقرآن.

ومن هنا اعتبر التفسير الأكثر اعتماداً لدى مفسِّري القرآن واللغويين هو ما جاء في لسان العرب عند تعرضه للفظة (أمّيّ): محمد نبيّ الله وُصف بأنه أمّي؛ لأن الأمة العربية لم تكن تعرف القراءة والكتابة، فأرسل الله لهم رسولاً من أنفسهم لا يقرأ ولا يكتب. وكانت هذه إحدى معجزاته، حيث كان يتلو عليهم الكتب مباشرة من الوحي الذي يبلغه عن الله عزَّ وجلَّ، دون تغيير أو تبديل كلماته، بينما كان الخطيب من العرب يعتمد على الإضافة أو الحذف في أيّ خطاب يعيده مرّة أخرى. ولقد اقتضَتْ حكمة الله أن يظلّ كتابه محفوظاً، لا دخل لنبيه في ما نزل منه([33]) وأخبره عن الذين أرسلهم قبله، وهو ما يتميَّز به عنهم. وأنزل عليه بمناسبة ذلك قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: 48).

وعن العلّة في جعل النبي محمد أمّيّاً لا يكتب ولا يقرأ، حَسْب هذا التصوُّر، يقول بعض المتكلِّمين: لينفرد الله بتعليمه الفقه وأحكام الشريعة، ويقصره على معرفة مصالح الدين، دون ما تتباهى به العرب من قيافة الأثر والبشر…، وبالخيل والأنساب والأخبار…، وتكلّف قول الشعر؛ ليكون إذا جاء بالقرآن العظيم، وتكلّم بالكلام العجيب، كان ذلك أدلّ على أنه من الله.

وزعم أن الله لم يمنعه معرفة آدابهم وأخبارهم وأشعارهم؛ ليكون أنقص حظّاً من الكاتب الحاسب، والخطيب الناسب، ولكنْ ليجعله نبيّاً، وليتولّى من تعليمه ما هو أزكى. فإنّما نقصه ليزيده، ومنعه ليعطيه، وحجبه عن القليل ليجلي له الكثير.

لكنّ هذا التعليل لا يعجب الجاحظ، فيخطِّئ صاحبه، مع فرض حسن النية فيه؛ لأنّه لم يُرِدْ بكلامه إلاّ الخير. لكنّ تعليل الجاحظ من الأهمية بمكانٍ؛ لاشتماله على تقريرات مهمة في قضية أمّية محمد، فيقول معقِّباً على الكلام السابق: «ولو قال: إن أداة الكتابة والحساب وقرض الشعر ورواية جميع النسب قد كانت تامّة وافرة، مجتمعة كاملة، ولكنّه صرف تلك القوى وتلك الاستطاعة إلى ما هو أزكى بالنبوّة، وأشبه بمرتبة الرسالة. ولو كان احتاج إلى الخطابة لكان أخطب الخطباء وأنسب من كلّ ناسب، وأقيف من كلّ قايف.

ولو كان في ظاهره أنه كاتب حاسب، وشاعر ناسب، ثمّ أعطاه الله برهانات الرسالة وعلامات النبوة، ما كان ذلك بمانعٍ من إيجاب تصديقه وإلزام طاعته والانقياد لأمره، على سخطهم ورضاهم ومكروههم ومحبوبهم. ولكنّه أراد أن لا تكون للقلوب عرجة عن معرفة ما جاء به، ولا يكون للناعب متعلّق عما به إليه، حتّى لا يكون دون المعرفة بحقّه حجاب، وإنْ رقّ، وليكون ذلك أخفّ في المؤونة، وأسهل في المحنة. فلذلك صرف نفسه عن الأمور التي كانوا يتكلَّفونها ويتنافسون فيها. فلما طال هجرانه لقرض الشعر وروايته صار لسانه لا ينطق به، والعادة توأم الطبيعة. فأما في غير ذلك فإنّه كان أنطق من كلّ منطيق، وأنسب من كلّ ناسب. وكانت الآلة أوفر، والأداة أكمل، إلاّ أنها كانت مصروفة إلى ما هو أردّ»([34]).

على الرغم من أن النصّ قد سيق من قبيل: التأكيد على أمّية محمد بمعنى جهله للقراءة والكتابة، فإنّه يؤكِّد على وجود هذه الصفة فيه، ولم يفعل محمد بها شيئاً، بل صرفها إلى ما هو أهمّ، وهجر بإرادته الشعر ورواية الأنساب، إلى شيءٍ مهمّ، وهو تبليغ رسالة الإسلام إلى أهل الأرض.

وتمكيناً للنظرة السابقة للأمية لم يعتبر التقليد الإسلامي الجهل بالقراءة والكتابة بالنسبة للنبيّ محمد| مذمّة، بل هي ميزةٌ ومصدر عظمة؛ إقامة للحجّة، ودرءاً للشبهة، وحتّى لا يكون للمعارض لمحمد أدنى رَيْب في إلهية رسالته.

ويؤكِّد ذلك ما ترويه كتب الأدب من محاورة دارت بين الرشيد وأحد الشعراء، وصفه فيها الرشيد بالأمّية، فكان على الفور أن عقد الشاعر وجهاً للشبه بين أمّيته وأمّية محمد|، فغضب الخليفة لذلك، ثم قال له: لقد زدْتَ جهلاً، فإن الأمّية منك مذمّة، ومن النبيّ مكرمة!

يُضاف إلى ذلك أن نقاشاً دار بين العلماء، وحكَتْه كتب الآداب: هل إقامة الخطّ وحسن تصوير الكتابة صفة مدح ومنحة يستحقّ الإنسان التعظيم عليها؟ هل ما يفعله الخطاط له قيمة يرتفع بها ماديّاً؟

وكانت الإجابة أنّه لا قيمة لذلك، فقد يكون خطّاطاً وهو أجهل الناس، وليس للكتابة ميزة في نفسها، والغرض من تسفيه هذه الصفة أنها لو كانت منحة ما صرفها الله عن نبيّه محمد؛ باعتباره أفضل الأنبياء.

وحتّى يثبت المسلمون انعدام المنحة في هذه المسألة قارنوا بين أمّية محمد وأمّية داوود([35]) أحد أنبياء بني إسرائيل، حتّى يقال: لو كانت هذه صفة نقص في نبينا فقد نسب أحد أنبيائكم إليها.

وترجع المحافظة على هذه النظرة، والتأكيد على أمّية محمد، وعدم جعل المسألة محلّ نقاش في التصوّر العام، إلى النظر إلى قوله تعالى: ﴿إِذاً لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾. فالعلة الرئيسية هي الخوف من الرِّيبة والشكّ التي ستقع في قلوب الملقى إليهم وحي الله؛ لأنهم سيشكّون في رسالة محمد، ويتحجّجون بأنه كتب من عنده القرآن.

وفي هذه النظرة إغفال للتحدي القرآني نفسه دونما شعور. فقد أكَّد القرآن نفسه على إلهيته، وتحدّى العالم كلَّه بقوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾، فلماذا يحافظ على التقرير، وينسى التحدّي؟!

إلاّ أنه قد حدث تحوّل كبير لهذه النظرة في القرن الخامس الهجري من قبل أحد علماء الأندلس وكبار الفقهاء والمحدِّثين، وهو أبو الوليد الباجي(474هـ)، فقد رفض التقليد ونزع إلى الاجتهاد، ومناقشة النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تخصّ مسألة الأمّية، وقرر في نهاية الأمر أن النبيّ كتب وقرأ بعد نزول القرآن وإقامة الحجّة، لكنّه رأى هذا الرأي على سبيل الإعجاز الإلهي، والمنحة الربانية، والتي أتته وقت كتابة صلح الحديبية.

لكنّ هذه المحاولة لم تُرْضِ علماء عصره، فهبّ كثيرٌ من متفقِّهة الأندلس لنصرة التقليد الإسلامي المحافظ، وتكفير الرجل([36]) حتّى يخرج برأيه هذا من حظيرة الإسلام، فقد أنكر ما تواتر من أمّية محمد. لكنّ الخليفة في وقته لم يعجبه ذلك، فأمر بعقد مناظرة بين الباجي والمعارضين له، وكانت ثمرة المناظرة نصرة الباجي، وتأليفه لرسالة في تحقيق مذهبه هذا.

وجاء في القرن السابع مَنْ تبنّى نظرته، ودافع عنه، وهو القرطبي المفسِّر، عند تعرضه لتأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.

وروى عن شيخه بخصوص مسألة الأمّية أن هذه المسألة لا يصحّ تكفير أحد عليها؛ والسبب أنها ليست قطعية، بل مستندها ظواهر أخبار آحاد صحيحة، غير أن العقل لا يحيلها، وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها.

وأظنّ أن النظرة التأصيلية من شيخ القرطبي كانت أمام عين الألوسي المفسِّر حين تبنّى قول الباجي، وقال: إن محمداً كتب وقرأ، وذلك  أيضاً على سبيل الإعجاز.

وعلى الرغم من تبنّي الألوسي متأخراً القول بنظرية الباجي فإنّ هذا القول لم يلْقَ انتشاراً على المستوى العام للفكر الإسلامي، فلا نعلم أحداً من مفسِّري القرآن (السنَّة) قال بها، عدا الألوسي. وعلى سبيل المثال: نجد الرازي(606هـ) في التفسير الكبير، عند تعرُّضه لتأويل معنى (الأمّي)([37]) يجعل أمّية محمد نوع معجزة من معجزاته. ووجه الإعجاز في ذلك:

1ـ إنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظوماً مرّة بعد أخرى، من غير تبديل ألفاظه، ولا تغيير كلماته[…]، ثم إنه| مع أنه ما كان يكتب وما كان يقرأ كان يتلو كتاب الله من غير زيادةٍ ولا نقصان، فكان ذلك من المعجزات.

2ـ إنه لو كان يحسن الخطّ والقراءة لصار متَّهماً بأنه ربما طالع كتب الأوّلين فحصَّل هذه العلوم من تلك المطالعة، فلمّا أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلُّم ولا مطالعة كان ذلك من المعجزات. وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾.

3ـ إن تعلم الخط شيء سهل، فإنّ أقلّ الناس ذكاء وفطنة يتعلَّمون الخطّ بأدنى سعي. فعدم تعلُّمه يدلّ على نقصان عظيم في الفهم. ثم إنه تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين، وأعطاه من العلوم والحقائق ما لم يصل إليه البشر، ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلَّم الخطّ بين هاتين الحالتين المتضادّتين جارياً مجرى الجمع بين الضدّين، وذلك من الأمور الخارقة للعادة وجارٍ مجرى المعجزات.

لم يبعد الرازي عن التصوّر العام، فظلَّ محافظاً عليه رغم رسوخ قدمه في علم الكلام، وعلى الرغم من إقراره بأن عدم تعلّم الخطّ يدل على نقصان عظيم في الفهم، وكان من المتوقّع أن ينزِّه عنه أكمل الخلق محمد.

كان هذا عرضاً إجمالياً للمسألة، ويعقبه البيان.

بعد هذا العرض العامّ الخاصّ بمسألة الأمّية أرى أنه لا بُدَّ أن نورد بين يدي القارئ الاحتمالات التي يصل إليها الباحث في التراث الإسلامي بشأن الأمّية. ونحاول أن نقرأ كلّ احتمالٍ على حِدَةٍ:

1ـ إن النبيّ| لم يكتب قطّ، ولم يقرأ بالنظر إلى كتابٍ.

2ـ إنه لم يمُتْ حتّى كتب وقرأ.

3ـ إنه كتب مباشرة بيده (في أيّام بعثته|) .

4ـ إنه كتب وقرأ قبل البعثة وبعدها.

 

الاحتمال الأول: محمد لم يقرأ ولم يكتب مطلقاً

تبنّى الجمهور العامّ من الإسلاميين المذهب القائل بأن محمداً كان أمّياً جاهلاً بالقراءة والكتابة. واستدلّوا على ذلك بما يلي:

1ـ عاش محمد في مجتمع مكّة فترة طويلة قبل البعثة، اختلط فيها بالمجتمع، وكان ذا احتكاكٍ بأهله على المستوى العام. وكان من الشخصيات المعروفة، حتّى أنه وصف بصفتين من صفات الخلق الحميد: الصدق؛ والأمانة. وكان كما الشمس لا يخفى حاله على أحدٍ. وإذا كانت شخصيته معروفة ثمّ أتى برسالة إلهية فيما بعد، وأراد إبلاغها إلى أهله، فلو كان قارئاً كاتباً لما خفي ذلك على قومه، ولاشتهر عنه، كما عُرفت جميع أحواله.

2ـ تؤكد الآثار اللغوية والقرآنية والحديثية على أن محمداً لم يقرأ ولم يكتب.

اللغة

وُصِفَ محمدٌ بالأمّية، وهي تعني في لغة العرب:

1ـ الذي لا يكتب.

2ـ الذي لا يكتب ولا يقرأ من كتابٍ.

3ـ الغافل الجاهل.

4ـ العييّ الجافي القليل الكلام.

وينسب الأمّي في اللغة:

1ـ إلى الأمّ. فالأمّيُّ مَنْ لا يكتب على الحال التي ولدتها عليه أمّه. فالأمّي بقي بلا علمٍ كما ولدته أمّه.

2ـ الأمّي: مأخوذ من أمّة، وسقطت التاء في النسبة، كما سقطت في المكّي والمدني. والأمّي منسوب إلى الأمّة الذين لم يكتبوا؛ لكونه على عادتهم، كقولك: عامّي على عادة العامّة. فالأمّي منسوب إلى أمّة العرب؛ لأن الكتابة كانت فيهم عزيزةً أو عديمة، ومعظمهم لا يكتبون.

3ـ الأمّي مأخوذ من أمته بمعنى خلقته، والمراد (الجِبِلَّة). ويؤكِّد على هذا المعنى الفيروزآبادي([38]). الأمّي مَنْ لا يكتب أو مَنْ على خلقة الأمة، لم يتعلَّم الكتاب، وهو باقٍ على جبلَّته.

 

 القرآن

الأدلة القرآنية التي تنفي عن محمد| القراءة والكتابة:

1ـ ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: 48).

فالآية تنفي على الدوام القراءة، والكتابة أيضاً، حين يضم إلى النفي (تخطّه بيمينك). وخصّ اليمين بالذكر ـ حسب البيضاوي ـ زيادة في التصوير للمنفي.

يُضاف إلى هذه الآية جميع الآيات التي وردت فيها لفظة (أمّي، أمّيون)؛ لأنها تعني الجهل بالقراءة والكتابة، ونسبتها إلى محمد.

الحديث

الآثار النبوية التي تنفي القراءة والكتابة عن النبيّ:

1ـ ذكر البخاري في باب الجزية، باب المصالحة على ثلاثة أيام أو وقت معلوم: حدَّثنا إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق قال: حدَّثنا أبي، عن أبي إسحاق قال: حدَّثنا البراء ـ رضي الله عنه ـ أنّ النبي|[…]، إلى أن قال: فأخذ يكتب الشرط بينهم عليُّ بن أبي طالب، فكتب هذا ما قاضى عليه رسول الله|، فقالوا: لو علمنا أنك رسول الله لم نمنعك ولاتَّبعناك، ولكنْ اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فقال: أنا محمد بن عبد الله، وأنا والله رسول الله، قال: وكان لا يكتب، قال: فقال لعليّ: امْحُ رسول الله، فقال عليٌّ: والله لا أمحوه أبداً، قال: أرنيه، قال: فأراه إيّاه، فمحاه النبيّ| بيده. ففي طلب النبيّ لعليٍّ بأن يريه الكلمة (رسول الله) دليل على جهله المعرفي بالقراءة والكتابة.

وفي روايةٍ لهذا الحديث (في صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، صلح الحديبية) قال رسول الله لعليٍّ: اكتب: (محمد بن عبد الله)، أي مكان رسول الله، ويؤخذ منه أنه أمر غيره بالكتابة مكان الممحى (رسول الله)، وهذا ممّا يدلّ على عدم معرفته الكتابة.

 

 الأُمّي وتعليق على الاتّجاه العام

وردت كلمة (الأمّي) بصيغة المفرد في القرآن الكريم مرّتين في سورة الأعراف، ضمن آيتين هما:

1ـ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾.

2ـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.

بدايةً أشير إلى أن الكلمة (الأمّي) لم ترِدْ بفاصلةٍ مستقلة حتّى تعد آية منفردة، ويتمّ تأويلها برمّتها وحدها؛ كونها آية، وإنما وردت الكلمة ضمن مجموعات من الجمل التي كوَّنت مقطعاً مميّزاً داخل قصص كثير ضمن وحدة كاملة، تسمّى سورة الأعراف.

إذن لا بُدَّ من مراعاة هذه الأمور حين قراءة الكلمة (تفسيرها)، واستجلاء معناها المراد، بحسب رؤية معينة لا تحتكر فهم المعنى عليها.

تبدأ السورة بحديثٍ مجمل عن قضيتين رئيستين: أولاهما: تتحدث عن القرآن؛ والثانية: عن المنكرين له والمكذِّبين جملة الوحي الإلهي.

تتحدث السورة في بدايتها عن القرآن: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. اللهُ يخاطب مصطفاه بقرآنه، وعن قرآنه الذي أنزله هو وحده عليه؛ لينذر ويذكِّر به الناس. وهنا لا دخل للنبي في صياغة هذا الكتاب؛ لأنه منزل، والنبي مذكِّر ومنذر فحَسْب. فقضية إتيانه بشيءٍ منه تتلاشى نهائيّاً بكلمة (أنزل).

فمنذ البداية لا يُضاف الكتاب إلاّ إلى الله، وعلى مدار السورة بأكملها: (كتاب أنزل إليك ـ أنزل إليكم من ربكم ـ يقصّون عليكم آياتي ـ كذبوا بآياتنا ـ كذب بآياته ـ جئناهم بكتاب ـ ذكر من ربّكم ـ رسالات ربي ـ آلاء الله ـ رسالة ربي ـ بينة ربي) .

فالكتاب والآية والرسالة والآلاء والبينة من عند الله، وما البشر المصطفون إلاّ مبلِّغون ومذكِّرون، غاية الأمر أنهم يُختارون من قبل حكيم، يعدّهم إعداداً سليماً، ويصنعهم على عينه.

ثم يأتي الحديث عن منكري الوحي ومكذِّبيه في أغلب الرسالات، إلى أن يصل الحديث إلى قوم موسى، فيقصّ حديثهم باستفاضةٍ، ويروي خبر القوم الذين اختيروا من قبل موسى، وربما هم المعنيّون بالإشارة في الآية 159.

وفي حديث القرآن بعد دعاء قوم موسى يقول الله: إن رحمته ستكتب لمَنْ توافرت فيه هذه الشروط: (التقوى، إيتاء الزكاة، الإيمان بالآيات)، سواء كان من قوم موسى أو من غيرهم: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾.

لكنّ الله تعالى قيّد شرطاً خاصّاً جعله في مقابل هذه الصفات المطلوب توافرها لمَنْ أراد رحمته، وهو اتباع (الرسول ـ النبيّ ـ الأمّي) .

وإذا كانت الرحمة تساوي النجاة من العذاب، والحسنات في الدنيا والآخرة،  حسب الآية 156، فلا بُدَّ إذن من الانتباه إلى الشروط أو الصفات المطلوب استحقاق الرحمة بها؛ لأن تغييراً كبيراً سيحدث. فالمسألة ليست تضرّعاً فحَسْب: «واكتب لنا […] إنا هُدْنا إليك»، المطلوب أكبر من هذا. إنها قضية تلاشي الذات الأنانية في دعوة دائمة مستمرة حتّى يتحقّق المطلوب، والتوقُّف عن الاتّباع والسير خلف القائد والداعي يجعل المراد غير متحصِّل.

ما هي صفات هذا الداعية المراد اتّباعه؟ الرسول النبيّ الأمّي. أهذه صفات موقوتة بأجل معين؟ هل يمكن تغييرها؟ هل يصحّ أن يتّصف الداعية الآتي بغيرها؟

يؤكد المسار التراتبي للأفكار السابقة، والآيات الواردة، والتناسب بينها، على أن هذه الأشياء ثابتة لا تتغيَّر:

رسول من عند الله: فلا يمكن أن يتحوَّل فيما بعد دعيّاً (مُدَّعياً) .

نبيّ: مخبر ومبلغ. لا يصلح الكتمان هنا، ولا يستطيع هو نفسه ذلك؛ إذ مَنْ تكفَّل برعايته وأرسله هو الله.

أمّيّ: دائمٌ مستمرٌ عالميٌّ، غير سابقيه، تتحوّل مسارات المتبعين إليه، يقصده طالبو النجاة والرحمة، بدونه لن يُنال المراد، ويظلّ الابتهال والتضرُّع هباء.

لا بُدَّ إذن أن تكون هذه الكلمات (الرسول النبيّ الأمّي) بمثابة أعلام مضيئة لطالبي النجاة؛ لكنّ كلمة (رسول) صفة يشترك فيها كثيرون (رسلٌ)، ونبي (أنبياء)، إذن فما هناك من خصوصية للداعي الجديد يتفرّد بها سوى (الأمّي)!

هل يتفرد الداعي الجديد المحوِّل لمسار الدعوة، والذي قصر الله النجاة على اتّباع منهجه وحده، بالجهل بالقراءة والكتابة؟! هل هناك من فكرةٍ ضمن مجموعة الآيات الواردة في السورة من أوّلها إلى آخرها تشير إلى ذلك؟! هل ورد طعنٌ في القرآن وأراد الله أن يدافع عن كتابه، ويبيِّن حال نبيه، فجرَّده من علمه بالقراءة والكتابة حتّى ينزّه القرآن؟!

الذي نراه أن شيئاً من ذلك لم يرِدْ له ذِكْرٌ في هذه السورة التي ذكر فيها (الأمّي) مرّتين.

فالله تبارك وتعالى أورد اللفظة مرّتين في معرض البشارة والهداية، والتبشير بالشيء الجديد يقتضي من الصفات ما هو في معرض المدح والفخار، والمتناسب مع ذلك ـ والفخر كلّ الفخر به ـ أن يراد بكلمة (الأمّي) العالمي الخاتم، لا الجاهل بالقراءة والكتابة. ولعل ثائرة اليهود لم تشتعل إلاّ لأنهم فهموا ذلك، أي فهموا أن الآتي سيكون عالميّ الدعوة، لا يختصّ بفئةٍ دون فئة، ولا بقومٍ دون قوم، بل يدعو الخطاة والأبرار جميعهم إلى دينه، سواء منهم مَنْ كان على دينٍ أو على هباء وفراغ.

واليهود المخاطبون من الله هم فئةٌ من أعلى الناس تمسّكاً بالماديات، حتّى أنهم جسَّدوا إلههم. فأوّل ما يصف الله لهم النبيّ الآتي يصفه لهم بجهل القراءة والكتابة، لعل في ذلك ما يدعوهم للحجاج والنفور من الأوامر الإلهية، كعادتهم.

لا بُدَّ إذن أن تشتمل البشارة على محفِّزات للعقول والأفئدة؛ إذ إنها تخاطب كل الخلق فيما بعد، وتظلّ البشارة قائمة للموجودين والآتين، وهو ما رُوعي في الخطاب حيث وصف الله الآتي بـ (يأمر بالمعروف ـ ينهى عن المنكر ـ يحلّ الطيبات ـ يحرِّم الخبائث ـ يضع الإصر والأغلال ـ رسول من الله إلى الجميع ـ يؤمن بالله كلماته ـ متَّبعوه يهتدون). صفات كلها ممدوحة في الشخص، تؤدّي إلى غرض الدعوة، لا يعترض عليها إلاّ مَنْ عَدِم الحكمة.

أما مسألة القراءة والكتابة فلا تشغل بال جميع طبقات الناس، إنما يعنى بها نفرٌ معين، وفئة معينة، ويستنبطها هؤلاء، أما غيرهم فلا يستطيعون معرفة القارئ والكاتب من غيره، وهم في جميع الشعوب يمثِّلون نسبةً ليست بالقليلة، والله يخاطب الناس على إطلاقهم، لا فئة معينة.

والصفات الثمانية السابقة يستوي في إدراكها الناس جميعهم. بقي العلم الذاتي الذي خصَّه الله بالنبيّ الآتي، وهو الأمّي. لعل المشاكلة تقتضي أن يكون ذائعاً شائعاً بمثابة الإعلام. ولا أرى ذلك متناسباً إلاّ مع عالمية هذا الآتي، وتخليصه لجميع الشعوب، ودعوتهم جميعاً، وخاصّة أن الله قد بدأ الآية التالية لذكر الأمّي بقوله له، بل بأمره له: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾، ثم ما لبث أن ذكرت اللفظة (الأمّي) مرّة ثانية، وقرنت بالنبوة، ثمّ بأمر الاتّباع؛ لأنه سيؤدّي إلى الهداية.

فالأمر لهذا النبيّ يدلّ على أنه (مبلغ ـ داعية ـ نبيّ ـ يخاطب بـ (قل)).

لكنْ ما الأمر المطلوب تبليغه؟ المطلوب هو تبليغه لجميع الناس أنه الرسول الذي بدون الإيمان به لن ينال شخصٌ رحمات الله وجنّاته، حتّى لو اتقى([39]) وآتى الزكاة وأقرّ بالتوحيد، ولم يعْطِ للآتي حقَّه، فلا قيمة لما فعل من صالح.

وبالنظر إلى المفردات الواردة في الأمر الإلهي: (الناس ـ إني ـ (م) ميم الجمع ـ جميعاً) تجدها مخاطبة العموم لا الخصوص، العالم لا شطره أو جزء منه. ألا يشير ذلك إلى شيء؟!

اسمية الجملة، وتأكيدها بـ (إن) مضافة إلى ياء المتكلِّم (الرسول الأمّي)، وتأكيد (العالم ـ الناس) بـ (جميعاً)، ألا يشير إلى شيءٍ أيضاً؟!

بلى، ذلك إشارة جاءت بمثابة الواصلة بين (طلب الرحمة والنجاة، الإيمان، الأمّي النير، الأمّي المؤمن الهادي).

فتكرار لفظة الأمّي مرتين، وورود الأمر الإلهي السابق بكلّ هذه الصيغ التأكيدية، يذهب بنا إلى أن الأمّية هنا تساوي العالمية، والأمّي هو العالمي. هذا برأيي ما يؤدي إليه التفسير القرآني للكلمة، بعيداً عن الدخول في تأويلات معتمدة على نصوص التوراة والإنجيل.

 

تفسير العلماء لكلمة (الأمّي) الواردة في سورة الأعراف

اختلف العلماء([40]) بشأن معنى (الأمّي). ووردت أقوال كثيرة في ذلك، منها:

ـ مَنْ لا يقرّ بكتابٍ ولا برسول([41]).

ـ مَنْ لا يحسن القراءة والكتابة([42]).

ـ المنسوب إلى أمّة العرب؛ لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرأون من بين الأمم([43]).

ـ المنسوب إلى أمّ القرى، وهي مكة([44]).

ـ المنسوب إلى الأَمّ وهو القصد، وتقرأ (الأَمّي) آنئذٍ بالفتح؛ لأنّ هذا النبيّ الأمّي مقصد للناس، وموضع أم يؤمّونه بأفعالهم وتشرعهم. وعنها قال ابن جنّي: وتحتمل هذه القراءة أن يريد الأَمّي([45]).

ـ الأمّيّ: نسب إلى الأمّة، وهي القامة والخلقة، كأنّه ليس له من الآدميين إلاّ ذلك([46]).

ـ الأمّيّ: الأعجمي.

ـ الأمّيّ: الذي لا يدنِّسه شيء من الكون.

ـ الأمّيّ: مَنْ لا يعلم من الدنيا شيئاً ولا في الآخرة إلاّ ما علَّمه ربه، حالته مع الله حالة واحدة، وهي الطهارة، بالافتقار إليه، والاستغناء عمّا سواه([47]).

ـ الذي لا يقرأ الكتب ولا يخطّها بيمينه.

وعلى الرغم من هذا الاختلاف في تحديد معنى دقيق للكلمة جرى شبه إجماع على تأويلها في هذا الموضع (سورة الأعراف) بأنها لا تشير إلاّ إلى مَنْ لا يعرف القراءة والكتابة، واعتبروها صفة إعجاز في حقّ النبيّ محمد|.

وقد تمّ الربط بين هذا المعنى وكلمة الأمّي باعتبار أنها صفة النبي في التوراة والإنجيل([48])؛ حيث ورد عند إشعياء نبوءة تقول: إني أُبْعَث أعمى في عميان، وأمّيّاً في أمّيين([49]).

وعن عطاء بن يسار: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص([50])، قلتُ: أخبرني عن صفة رسول الله| في التوراة، فقال: أجل، واللهِ، إنه لموصوفٌ في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيُّها النبيّ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأمّيين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكّل، ليس بفَظٍّ و لا غليظ ولا صخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكنْ يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله تعالى حتّى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلاّ الله.

قال عطاء: ثمّ لقيت كعباً، فسألته عن ذلك، فما اختلفا حرفاً، إلاّ أن كعباً قال بلغته: قلوبا غلوفيا، وآذانا صموميا، وأعينا عموميا.

قال ابن عطية: وأظنّ هذا وهماً أو عُجمة. وقال الطبري: هي لغة حميرية.

نقل هذا الأثر القرطبيُّ معتمداً إياه في تفسير آية الأعراف. لكنّ ابن كثير أورد أثرين غيره، عبارة عن نقول من التوراة أيضاً. ولعل الأثر الذي أورده الزمخشري هو ما يتناسب مع الآية المراد تفسيرها، أما بقية الآثار التي أوردها علماؤنا فأرى أنها مقحمة على السياق؛ إذ ما هي إلاّ مجموعة أقوال نسبت إلى التوراة، تخصّ مسألة البشارة بالنبيّ محمد| في الكتب القديمة (التوراة خاصّة)، وهي في أغلبها آثار واهية السند والمتن، وربما يمكن قبولها على سبيل الحكاية، لا على سبيل التأصيل.

غاية الأمر أنك لو راجعْتَ التفاسير القديمة للآية (ولكلمة (الأمّي) خاصة) تستطيع أن تلمح بعض الظواهر، نوردها لك في ما يلي:

 

 ملاحظاتٌ على تفاسير لفظة أمّي

1ـ هناك تردّد واضطراب لدى العلماء في تفسير اللفظة، من حيث معناها المعجمي، ومعناها الخاص بالنبي محمد|. وهناك تأويلات شتّى للكلمة. كلٌّ ينزع في تأويله منزعاً واحداً وهو التجهيل، ويعتبرونه صفة ذمّ في جميع الأشخاص، عدا النبي محمد|، فهي صفة مدح، بل صفة إعجازية تعطيه تفرُّداً على مدى التاريخ البشري العامّ. فالجاهل بالقراءة والكتابة ناقصٌ (من الناحية المادية) لصفة مهمّة من صفات العلم، أما بالنسبة لمحمد| فيتحول هذا النقص المادي إلى ثراءٍ معنوي!

2ـ لم ترتكز التفاسير التي تعرضت لتأويل لفظة (أم م. أم م ي ي) على الإطار القرآني، وأخفقت في أن تحقّق نسيجاً كاملاً نستطيع من خلاله أن نقف على معنى جامع مانع أو قاطع نخرج من خلاله إلى توضيح هذه الصفة التي وصف بها النبيّ محمد| (أمّي)، وخاصة أنها أضحت عقيدة، يستحقّ منكرها التكفير([51]). فإذا كانت اللفظة غير مقطوع بدلالتها حتّى الآن فكيف يُمسي منكر تأويل أحد معانيها كافراً. لعلّ ذلك ما تنبَّه إليه المفسِّر القرطبي!

3ـ من ناحية اللفظة (أم م ي ي) كمصطلح أو كلمة قرآنية (أمّيّ) افتقد في تفسيرها الاعتماد على النصّ القرآني وتعابيره المختلفة بشأن الكلمة، ككثيرات مثلها([52])، وجرى تأويل استخداماتها المختلفة([53]) بحسب النصوص الكتابية (توراة وإنجيل)، دون وعيٍ تامّ بالنصوص، بل بنظرةٍ تمجيدية عاطفية، نبعت من حبّ المؤمنين للنبي محمد|، والتمسُّك بظاهر النصوص القرآنية، خاصّة إذا ضمّوا الآيات القرآنية جنباً إلى جنب، بل الجمل بعضها إلى بعض.

فعلى سبيل المثال: بخصوص تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: 157) تمّ التفسير باعتبار أن المعنى المراد هو (الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل). وتمّ استبعاد لفظتين من الآية الكريمة، وتمسَّكوا باللفظة الثالثة (أمّي)، وألصقت اللفظة بجانب الجملة الثانية، باعتبار أن المراد هو أنكم ستجدون ذكر محمد في التوراة والإنجيل: (الأمّي).

أـ لماذا استُبعدت اللفظتان من حيث الذكر في الكتب السابقة؟!

ب ـ لماذا استبعد الإنجيل كذاكر للفظة (أمّي)، وتمّ التمسك بالتوراة وحدها كذاكرة للكلمة ضمن بشائرها بالنبيّ الآتي؟!

ليس هناك أيّ إجابة عن هذين السؤالين.

إذا صحّ التأويل على هذه الصورة فبتمام الجملة (الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل) يتمّ المراد، فهل توقَّف الأمر عند هذا الحدّ؟

الحقيقة أنه لم يتوقّف، بل ذهب كثيرٌ من علماء المسلمين القدامى وبعض المحْدَثين إلى اعتبار أن المذكور في التوراة والإنجيل ليست لفظة (الأمّي) وحدها، بل الجمل الخمس المذكورة بعدها.

لكنْ علامَ كان الاعتماد في هذه التفاسير؟ هل جرى تعسُّفاً وحبّاً أم كان له مستند؟!

الحقّ أن الأعلام الكبار ما كانوا بهذه الصورة التعسفية أو العاطفية، فهم أعلى مكانة من هذا، وخاصّة المتألِّهين منهم، الذين نصبوا أنفسهم لتأويل القرآن الكريم، وبيت القصيد أنهم اعتمدوا في التأويل على آثار السابقين، التي أضحى الإيمان بها من صحيح المعتقد، ولا يصحّ الخروج عنها. فالذي حدث أن مسلمة أهل الكتاب حدَّثوا بآثار من أمثال:

«أوحى الله تعالى إلى إشعياء[…]: فإني مبتعث لذلك نبياً أمّياً، أعمى من عميان».

«إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأمّيين».

«فوجدت فيها نعت محمد|، أنه لا قصير ولا طويل، أبيض، ذو ضفيرتين، بين كتفَيْه خاتم، يكثر الاحتباء، ويحتلب الشاة، ويلبس قميصاً مرقوعاً».

حدث أن تناثرت هذه الآثار ضمن المدونات التراثية، وتناقلتها الألسن عبر الأحاديث الشفاهية والحكايات والقصص، حتّى أمسى الإيمان بها مرتكزاً عقديّاً يمثِّل إيمان الجماعة وعاطفتها تجاه النبيّ|، وهنا تمّ الربط بينها والتفسير القرآني، وخاصّة ما عُني منه بالمأثور([54]).

4ـ تم التركيز بصفةٍ خاصة حين التأويل لكلمة (الأمّي) على بشارات التوراة، وخفتت النقول الإنجيلية، وأخذت النقول التوراتية مكاناً محاذياً للقرآن. ولا مبرِّر لذلك. إضافة إلى أن العلماء المسلمين يعتبرون (الكتاب المقدَّس) محرّفاً([55]). وسواء أصاب التحريف أغلبه أو كله، كما يقال، فإن دلالة ما فيه تصبح ظنية، والقرآن قطعيٌّ، في ثبوته إلى الله، وتفسير القطعي بالظنّي لا يؤدّي النتيجة المرجوّة، ولا يبنى عليه معتقد صارم بهذه الصور الآنية.

5ـ إضراب عدد من المفسِّرين عن تفسير الكلمة في الموضوع الذي وردت فيه بصيغة المفرد، رغم موافقتهم لغيرهم في دلالتها (أي على عدم معرفة القراءة والكتابة)، كما يشهد لذلك تفسيرهم لصيغ الجمع في المواضع التي وردت فيها في القرآن. إضافة إلى ما أوردوه عند تفسيرهم لآيتي الأعراف نفسها. ومن هؤلاء العلماء: ابن كثير (النبيّ الأمّي: أي الذي وعدتم به وبشرتم به في الكتب المتقدمة، فإنه منعوت بذلك في كتبهم). وهو الموقف نفسه الذي نراه عند الطبري والنسفي مثلاً. وهو موقف سيد قطب (من المحْدَثين)، حيث اكتفى بترديد الصيغة القرآنية (النبي الأمّي) مرّات متعدِّدة في الفقرة التي كتبها لتفسير الآيتين الطويلتين اللتين وردت فيهما([56]).

 

الاحتمال الثاني: لم يمُتْ محمدٌ حتّى قرأ وكتب

يقول الذهبي([57]): قرأت على إسحاق بن طارق الأسدي: أخبرنا ابن خليل: أنبأنا أبو المكارم التيمي: أنبأنا أبو علي الحداد، أنبأنا أبو نعيم: أخبرنا سليمان بن أحمد: أخبرنا محمد بن يحيى بن منده: أنبأنا أبو بكر بن أبي النضر: أخبرنا أبو عقيل الثقفي: أخبرنا مجالد: أنبأنا عون بن عبد الله بن عتيب، عن أبيه، قال: (ما مات النبي| حتّى قرأ وكتب) .

وعلَّق الذهبي على الرواية قائلاً: وما المانع من جواز تعلُّم النبي| يسير الكتابة، بعد أن كان أمّياً لايدري ما الكتابة؟! فلعلّه لكثرة ما أملى على كتاب الوحي وكتاب السنن والكتب إلى الملوك عرف من الخطّ وفهمه، وكتب الكلمة والكلمتين، كما كتب اسمه الشريف يوم الحديبية (محمد بن عبد الله)، وليست كتابته بهذا القدر اليسير ممّا يخرجه عن كونه أمّياً، ككثير من الملوك أمّيين ويكتبون العلامة.

وذكر الباجي([58]) للأثر السابق رواية من طريق آخر، فيها: (ما مات رسول الله حتّى كتب وقرأ). ويعقب الرواية تصديق الشعبي عليها، وقوله: قد سمعت أصحابنا يذكرون ذلك.

وعلَّق الباجي عليها بقوله: وهذا الإسناد([59]) رواته كلّهم مشاهير، ومحال أن يرووا ما لا يستحلّون النطق به، فلو لم يذكروا هذا إلاّ مَنْ رواه في هذا الإسناد لكان أمراً فاشياً ظاهراً. فمَنْ خفيت عليه الأمور الفاشية الظاهرة فلا يلُمْ إلاّ نفسه، ولا يوبِّخ إلاّ قلة علمه.

ثم ذكر الباجي رواية النقاشي في كتابه شفاء الصدور، وهو تفسير للقرآن  أنه: ما مات رسول الله حتّى كتب.

 

الاحتمال الثالث: كتابة محمدٍ المباشرة بيده في أيّام بعثته

يُمثِّل هذا الاتجاه: الشعبي، وابن أبي شيبة، وأبو ذرّ الهروي، والباجي، والنيسابوري، والألوسي.

ولم يؤثر عن جميعهم تفصيل في القضية، عدا الباجي، فقد صنَّف كتاباً في المسألة، حقَّق فيها مذهبه، من أن الرسول كتب يوم صلح الحديبية على سبيل الإعجاز([60]). إلاّ أنه في بداية الأمر، وإطلاقه القول في المسألة، وجد اجتهاده معارضة شديدة، فكان أن كفَّره أبو بكر بن الصائغ المعاصر له؛ بإجازته الكتابة على النبيّ|، وأن هذا تكذيبٌ للقرآن.

وتوالت المعارضات، حتّى كتب الأمير في المسألة إلى علماء إفريقية وصقلية، برغبة الباجي في ذلك، فجاءت الأجوبة من هناك بتصديقه وتصويب مقالته، وسلَّم بقوله كثيرٌ من معاصريه.

فقال أحمد بن محمد اللخمي بتصويب الباجي، وقال في حقِّه: ولا يجوز أن يُؤْذى إمام من أئمة المسلمين معروف خيره وعلمه وصحّة مذهبه وعلمه بالفقه والكلام، ولا أن يطلق عليه بالتضليل.

وقال جعفر بن عبد الجبّار، منتصراً له: وما يستبعد ذلك من مثله؛ لما وهبه الله من الفهم.

وقال الحسن بن عليّ التميمي المصري: وقفتُ على ما كتب به الفقيه القاضي الأجلّ شيخنا وكبيرنا وإمامنا، فكلّ ما جاوب به مما يتعلَّق بالكلام في المعجزات صحيح ظاهر لمَنْ أنصف نفسه، وراجع بصيرته. فهو الحقّ الذي لا يُرَدّ، والجليّ الذي لا عنه يُصَدّ.

وقال محمد بن إبراهيم بن محمد الكناني: قد تأمَّلتُ ما أورده الشيخ الفقيه أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، ورأيتُ ما أتى به مقنعاً. وأما ما أورده فلقد أجاد في ما أبدى وأعاد، وما ذلك من مثله مستغربٌ.

وقال أبو الفضل جعفر بن نصر البغدادي: ما ذكره القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي عن رسول الله| أنه قرأ وكتب بيده قبل أن يموت قولٌ معروف صحيح عند علمائنا الذين بهم نقتدي. وقد بنى الباجي مذهبه على قصّة صلح الحديبية، واستشهد بالرواية القائلة: فأخذ رسول الله الكتاب، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فأخذ رسول الله الكتاب، وليس يحسن يكتب، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. وجعل ذلك خَرْقاً للعادة (معجزاً)، ولا يتعارض مع النصّ القرآني: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾؛ إذ ظاهر فيه التخصيص بالقبلية؛ لإقامة الحجّة على المخالف. وختم الباجي رسالته بما يستحقّ التسجيل لأهمّيته([61]): «غير أنه مَنْ قال: إن النبي| قد كتب قبل النبوة فقد كفر؛ لأنه كذَّب نصّ القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾، وخالف إجماع المسلمين. وأما مَنْ قال: إنه لم يكتب قبل النبوة، وكتب بعدها، على ما نقلناه من أقوال الناس في ذلك، فليس في قوله ما يقتضي الكفر؛ لأنه لم يخالف نصّ القرآن؛ لأن القرآن إنّما تضمَّن نفي الكتابة عنه قبل النبوة، ولا خالف إجماع المسلمين، ولكنّه مخطئ في قوله ذلك؛ لما بيَّنته في هذا الكتاب.

ولعل الجملة الأخيرة زيدت من الناسخ أو من محقِّق الكتاب؛ لأنه لا يعقل أن يخطِّئ الباجي نفسه بعد كلّ هذا الجهد في الاستدلال على صحّة ما ذهب إليه، وهي ما تتناقض مع سابق قوله: إن ذلك غير مخالف للقرآن، وغير مخالف للسنّة، وغير مخالف للإجماع، فأين الخطأ إذن؟! ولا يعقل أن يرجع عن مذهبه في نفس الكتاب الذي يحقِّق فيه المذهب.

 

تعليقٌ على الآراء السابقة

1ـ مسألة أمّية محمد| (أو جهله بالقراءة والكتابة) ليست قطعية الثبوت، حتّى تكون مدعاة لتكفير الآخرين، حسب التصوّر العام في الإسلام، وخاصة أن الآية 48 من سورة العنكبوت هي الوحيدة في القرآن التي تتعلَّق بهذه القضية. والتحليل الدلالي للفعل المنفي([62]) (ما كنتَ تتلو) يثبت أنه ينفي عن النبي قراءة الكتب المقدسة. ويتأكَّد هذاالرأي إذا قرأنا الفعل بجوار الآيات التي تتحدَّث عن (الأمّي)، (الأمّيين)، فإنها تنصرف تلقائيّاً إلى صفة الجهل بالكتب المقدَّسة السابقة على رسالة محمد.

2ـ تمسّك الجمهور الإسلامي بفرضية جهل محمد بالقراءة والكتابة اعتماداً على معنى لغوي واحد للفظة (أمّي). وفي هذا إغفال للمعاني الأخرى، التي يخبرنا القرآن بقصده لها حين استعماله للكلمة. وقد ترى العالم يذكر تفسيراً للفظ يتوافق مع الاتجاه العامّ الرامي إلى تجهيل محمد| المعرفي بالقراءة والكتابة، ثم يذكر تفسيراً آخر، لكنه لا يلقي له بالاً. لذلك فإننا نرفض التفسير العامّ للفظة (أمّي)، ونركن إلى أن الأمّية تعني الجهل بالكتب السماوية السابقة. ونعضد نظرتنا بالأقوال التالية التي تؤكِّد على أن الأمّية هي انعدام المعرفة بالوحي الإلهي السابق:

ـ قال ابن عبّاس: الأمّيون: العرب كلهم، مَنْ كتب منهم ومَنْ لم يكتب؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب.

ـ قال ابن تيمية: الأمّيون: يتناول العرب قاطبةً، دون أهل الكتاب.

ـ وقال في موضعٍ آخر: وقد كان في العرب كثير ممَّنْ يكتب ويقرأ.

ـ وقال أبو حيّان في تفسيره: الأمّيون هم مشركو العرب، ودخل في ذلك مَنْ لا كتاب له.

ـ وربط إسماعيل حقّي في تفسيره للفظة (أمّي) بين العربية والعبرية فقال: «والأمّيون هم العرب. وسمّوا أميين؛ لأنه لم يكن لهم كتاب سماوي. وكان اليهود يطلقون على جميع الأمم لفظ الأمّية بالإضافة إليهم، هم يريدون بهذا أن يمتازوا عن الناس بأنهم هم الذين خاطبتهم السماء، وبعثت فيهم الرسل، وأنزلت عليهم الكتب. والأمّية التي وصف بها العرب هي أمّية من نوع خاص، وهي أمّية مَنْ لا كتاب لهم من عند الله».

ويقول محمد رشيد رضا في تفسيره: وربما سمّوا كذلك أمّيين، كما كان اليهود يقولون عن غيرهم من الأمم: إنهم (جوبيم) باللغة العبرية، أي أمّيون، نسبة إلى الأمم، بوصفهم شعب الله المختار، وغيرهم من الأمم، والنسبة في العربية إلى أمية وأميين. وربما كان هذا أقرب بالنسبة إلى موضوع السورة.

على أنه قد وردت معانٍ أخرى للفظة (أمّي) لا ينبغي إغفالها عند بناء التصوّر العام للقضية، وإنْ كانت تعتمد على الإشارة والعاطفة المعظِّمة لمحمد|.

ـ الأمّي هو: المقصود، وتشكل الألف بالفتحة، بمعنى (قصد)، منسوب إلى الأمم مصدر (أمّ). ودليل هذا الرأي: قراءة يعقوب: الأَمي ـ بفتح الهمزة ـ([63]).

ـ يقول الألوسي: الأمّي: هو رسول الله. سُمِّي بذلك؛ لأنه أمّ الموجودات وأصل المكوّنات.

3ـ كون النبي أميّاً لمجرّد الأمّية لا تعلّق له بالإعجاز؛ لأن الأمّيين في زمنه وفي كلّ زمن عددٌ لا يحصى([64]). وقد علمنا من طريق الضرورة أنه في أمّته× ممَّنْ وقعت عليه هذه التسمية مَنْ يكتب ويقرأ، فلا معنى للاحتجاج بموجبها على التفصيل؛ إذ ليست أمّيته معجزة له، وإنما المعجز ما أتى به من القرآن، الذي فارق نظمه سائر نظم الكلام.

ولو تحدّى الله العرب بأمّية محمد| لقابله عشرة آلاف أو يزيدون، وقالوا له: كلّ واحدٍ منا أمّي، وهو نبي. وأمّيته ليست بالمعجزة، إنما المعجز هو ما خرق العادة، ولا يطلق ذلك إلاّ على القرآن.

وعلى هذا فإن القول بكتابة النبيّ| وقراءته لا يضرّ نبوته في شيء، ولا يقلِّل من إلهية القرآن، وخاصّة أن محمداً| لا دخل له في صياغة النص القرآني.

على أن هذا القول ليس حديث العهد، أو راجعاً إلى الكتابات الاستشراقية من ناحية تأصيلية. فقد ذكر محمد بن إبراهيم الكتاني([65]) ما نصُّه: «وقد رأيتُ في بعض التواليف في فضل الكتابة والتنبيه على علوّ رتبتها أن بعض المتكلِّمين زعم أن النبيّ| كان يقرأ ويكتب ويقول الشعر، واحتجّ بما وقع له من الكلام الموزون، ورأى أن الكتابة وقول الشعر فضيلة لا يصحّ عنده أن يكون الرسول عاطلاً منها، وأن النافي عنه ذلك مقصِّر به عن رتبته، وقائلٌ فيه ما لا يسوغ له القول به».

4ـ استدلّ القائلون بأمّية محمد| على مذهبهم من خلال تأويل الآيات القرآنية، وتمسَّكوا ببعض الآثار والأحاديث الواردة بشأن الأمّية، لكنَّهم أغفلوا ما يناهضها ويعارضها من أقوال وآثار وأحاديث.

وقد وردت أقوال لعلماء بارزين تؤكِّد امتلاك محمد لأدوات القراءة والكتابة، لكنَّه لم يستعملها. يؤكِّد على ذلك كثير من المتكلِّمين، وعلى رأسهم الجاحظ، وروى الأشخر اليمني(991هـ)([66]) عن ابن الجوزي أنه قال: كان رسول الله لا يكتب، ولو أراد لقدر.

وقال البغوي في التهذيب: قيل: كان يحسن الخطّ ولا يكتب، ويحسن الشعر ولا يقوله.

وتمثل هذه الأقوال النظرة العقلية إلى طبيعة الجزيرة العربية، فقد كان التفوق الأدبي سمة بارزة في هذا المجتمع. وقد ذكرنا سابقاً معرفتهم بالآداب العالمية (فارسية ـ  هندية)، فكيف تصغر قامة محمد| عن هؤلاء. على الأقل يدري بهذه الأمور، ثم يتركها لما هو أهمّ، فلا قيمة لزهدٍ أو ترك إلاّ عن قوّة.

وعن الآيات القرآنية الواردة بشأن تثبيت دلائل الجهل المعرفي لمحمد|: ﴿النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾، ﴿بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ﴾، ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾، يقول الباجي عن الآية الأولى: لا يريد القرآن نفي الكتابة عنه بهذه الآية، إنما يريد نسبته إلى الأمّة الأمية، وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾، ولا نشكّ أن أبا بكر وعثمان وعمر من جملتهم، وإنْ كانوا قد كتبوا وقرأوا، لكنّه أراد بذلك نسبتهم إلى الأمّة الأمّية، لا نفي الكتابة والقراءة عنهم. ووصفت الأمّة بأنها أمّية (في) أعظم أحوالها، فلا يثبت حينئذٍ على هذا النبيّ نفي الكتابة والقراءة عنه بقوله: ﴿النَّبِيِّ الأُمِّيِّ([67]).

وذكر الطبرسي([68])، عند تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾، أنّ ظاهر الآية يقتضي أن النفي قد تعلَّق بما قبل النبوة؛ لأن المبطلين إنما يرتابون في نبوّته لو كان يحسن الكتابة قبل النبوة، فأما بعد النبوة فلا تعلّق له بالريبة والتهمة، فيجوز أن يكون تعلمها من جبرائيل بعد النبوة.

وعند الشيعة أن (لا) في ﴿لاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ للنهي، لا للنفي، غير أن عدم الاقتصار على النظرة الظاهرية للآية يضع أيدينا على فرضية القول بأنه من الجائز أن محمداً| كتب قبل الرسالة وبعدها.

أيضاً ممّا يعارض أدلّةَ القائلين بالأمّية الآثارُ والأحاديث التي تؤكِّد على معرفة محمد| بالقراءة والكتابة، واضطلاعه في رسم الخطوط التي فاقت كتبة الوحي في عصره.

يقول القاضي عياض: وردت آثار تدلّ على معرفته| حروف الخط، وحسن تصويرها؛ كقوله لكاتبه: «ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك». وقوله لمعاوية: ألْقِ الدواة، وصرف القلم، وأقِمْ الباء، وفرِّق السين، ولا تعور الميم. وقوله: لا تمدّ ﴿بِسْمِ اللهِ﴾.

وقال عياض: وهذا وإنْ لم يثبت أنه كتب فعلاً، فلا يبعد عن أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنّه أوتي علم كلِّ شيء([69]).

ولكنْ، ألا يعارض هذا ما ورد عن الرسول «نحن أمّة أمية»؟! فأيُّهما نرجح أو نختار؟! لعلّ ما ذكره الباجي في تعليقه على هذا الحديث ما يعضد وجهة النظر التي نتبناها، قال: هذا الحديث لا تعلق فيه؛ لأنه من أخبار الآحاد، التي لا يقع لنا العلم بمتضمنها، وهو من جنس الحديث المرويّ في أنه كتب، فلا يجوز التعليق بأحدهما دون الآخر، إلاّ بدليلٍ.

فالنبي وصف الأمة بأنها أمية لا تكتب ولا تحسب، ونحن نعلم أنّ منها مَنْ يحسب ويكتب، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، ومعاوية، وسهل بن ضيف، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، وجماعة غيرهم، فعلمنا أن المراد به وصفهم في الجملة، لا وصف آحادهم وأعيانهم، أو نفي كتابة مخصوصة وحساب مخصوص عنهم؛ لأنه محال أنّه ينفي عنهم وعن نفسه جميع الحساب؛ لأنه قد قال: الشهر تسع وعشرون، وقال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا.

وورد في القرآن أكثر من الفرائض، وهذا كلّه نوع من الحساب. وقد ورد الشرع بكثير من الفرائض، وهو أدقّ أنواع الحساب، فعلمنا بذلك أنه أراد نفي حساب مخصوص وكتابة مخصوصة([70]).

وتتقدم الآثار خطوة في القضية، فيرد ما يدلّ صراحة على معرفته الحقيقية بالقراءة من لوحة أو صحيفة، فيروي ابن ماجه وغيره، عن أنس، قال: قال رسول الله: «رأيت ليلة أُسري بي على باب الجنة (مكتوباً): الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر»([71]).

ويروي ابن حجر([72]) ما هو أصرح من ذلك في الدلالة على قراءته من مكتوب أمام الناس. فعن سهل بن حنظلة: أنّ النبيّ لما أمر معاوية أن يكتب للأقرع بن حابس وعيينة بن حصن قال عيينة: أتراني أذهب إلى قومي بصحيفة كصحيفة الملتمس، فأخذ رسول الله الصحيفة فنظر فيها، فقال: (قد كتب لك بما أمر فيها). ويذكر الكتاني([73]) أن النبيّ محمد| كتب كتباً بيده. ويتفرَّد الكتاني بذكر هذا الخبر، قال: وفي (سمط الجوهر الفاخر) كتب| بيده كتباً لأهل الإسلام في الشرائع والأحكام.

وعن ابن عمر قال: كتب رسول الله كتاب الصدقات، فلم يخرجه إلى عمّاله، وقرنه بسيفه حتّى قبض، فعمل به أبو بكر حتّى قبض، ثم عمل به عمر حتّى قبض، فكان فيه: في كلّ خمس من الإبل شاة، فذكره.

5ـ يمثِّل الباجي اتجاهاً متكاملاً في قضية (الأمّية). فقد نسب الكتابة إلى النبي محمد| على سبيل الإعجاز، انضماماً للمعجز الخالد، وهو القرآن. ونسبة الكتابة إليه كمعجز يتماشى مع تفخيم شخصية المؤسِّس وتعظيمه، وأثر ذلك في تطوّر الأديان.

إلاّ أن هذه النظرة عاطفية أكثر منها عقلية؛ إذ تنبع من حبّ النبيّ واعتباره الركن والعماد في الإسلام. وهذه النظرة لا تتماشى مع المنطق العقلي؛ إذ بحسبها تنسب إليه معجزات لكي يتفوَّق على غيره من الأنبياء، أو يجمع كلّ الخوارق السابقة عليه بجانب القرآن.

ونخلص من التعليق السابق على هذه الاتجاهات إلى ما يلي:

1ـ بالنسبة للتصوّر الإسلامي فإن قضية (الأمّية) لا يوجد بخصوصها نصوص قاطعة الدلالة في النفي أو الإثبات.

2ـ لا ضَيْرَ في القول بأن محمداً| قد كتب وقرأ بعد البعثة، فمحمد| هو الإنسان الكامل، أو بعبارةٍ أدقّ: الإنسان الإلهي، الذي لقي عناية وتعليماً وتربيةً من الربّ الأعلى، وقد علَّمه ربُّه كلَّ شيء، حَسْب القاضي عياض وغيره.

3ـ تكفير القائل بعدم الأمّية يُعَدُّ فوضوية فكرية، وانعداماً للنظرة التأصيلية والكلّية لجوانب القضية. وقد وقع فيها كثيرٌ من الإسلاميين.

4ـ ورود كثير من الأخبار والآثار التي ترجِّح كفّة معرفة محمد| بالقراءة والكتابة، وخاصّة أنّه قد تمتع بأوصاف النبوغ والعبقرية والحافظة والذكاء الوقَّاد، وهو ما سنؤصِّله في الصفحات التالية.

 

 الاحتمال الرابع: رأيي في الأمّية

أحاول في هذا المبحث أن أوضِّح رأيي في مسألة الأمّية، والذي أتى بعد تحليل للقرائن، وليس انبعاثاً من رغبة في مجرد المخالفة.

وأرى في هذه المسألة أن محمداً| من الممكن أن يكون قد قرأ وكتب قبل الرسالة وبعدها، وليس في ذلك ما يضرّ رسالته.

وبيان المسألة كالتالي:

1ـ أثبتنا في بداية البحث أن المجتمع الذي عاش فيه محمد| طفولته وصباه عرف القراءة والكتابة والتدوين. نعم، لم يعرفها على الصورة المنتشرة الآن، ولكنه عرفها بصورةٍ بسيطة. ومن خلال المراجع التي تتحدث عن عرب ما قبل الإسلام أحصت الدراسات الحديثة أكثر من مائة كاتب وقارئ ومثقَّف، وكان منهم مَنْ يتصل نسبه بمحمد|، وكان من أصحاب محمد| كَتَبة أيضاً، وكان من أزواجه الكَتَبة. وإذا كان أقلّ الناس ذكاء وفطنة يتعلَّمون الخطّ بأدنى سعي، ومن المعلوم أن محمداً| صاحب فطنة وذكاء، فإن عدم تعلّم هذا الشيء الأوّلي اليسير يدلّ على نقصان عظيم في الفهم ـ حَسْب تعبير الرازي ـ، ومحمد| أعلى الأنبياء قامة، وأكمل الخلق، فلا بُدَّ أن يكون متعلِّماً لهذا الشيء البسيط.

2ـ إن النصّ القرآني لا يخضع لقواعد اللغة، فتتصرف في لفظة وتقومها؛ أو تشير إلى لفظة أدقّ في التعبير فتستبدلها بها، بل إن قواعد اللغة التي وضعت في الأصل صيانةً للنص القرآني من تحريف الألسن عند تلاوته هي التي تخضع للقرآن، بوصفه أكمل وجوه البيان العربي، بشهادة جميع الدارسين له على المستوى العالمي. وإذا كانت اللغة لم تقسر لفظة (الأمّي) على الجهل بالقراءة والكتابة فما معنى أن يفسِّرها أهل الإسلام على هذا المعنى؟!

نعم، يُراد بذلك تأكيد الصفة الإلهية للقرآن، إلاّ أنهم بذلك يتناسون التحدّي القرآني القائم: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾.

يضاف إلى ذلك أنّ القرآن كثيراً ما يعدل عن الاستعمال المعهود، ويكسب الألفاظ دلالات خاصة.

وإن فقه اللغة المقارن يؤكّد على صلة اللفظة بالمعنى المشروح في اللغة العبرية والتوراة (أميين = أمم علام) أي أمم العالمين من غير بني إسرائيل، وكانت اللفظة تعنى بالتمييز بين اليهود وغيرهم. وهنا تعني كلمة (النبي الأمّي) النبي المبعوث من غير بني إسرائيل. وهو ما تؤكِّده النصوص القرآنية التي وردت اللفظة بسياقها في الإفراد والجمع، مقرونة بالحديث عن اليهود والنصارى وكتبهم المقدَّسة.

3ـ قصّة الغار: تحمل هذه القصة دلالات تؤكِّد على معرفة محمد| بالقراءة والكتابة. فالقصة تعتمد على رواية أنّ أول ما نزل من القرآن هو المقطع الأول من سورة العلق، والذي يبدأ بأمر ﴿اقْرَأْ﴾، وتؤول الرواية الكلمة بمعنى قراءة نصّ، والنصّ أتى به جبريل في مصحف من ديباج، ويكون جواب النبيّ: «ما أنا بقارئ».

والتفسير الموروث للجملة السابقة ليس رفضاً للقراءة، فالنبيّ لا يعصي الأمر الإلهي، بل هو إعلامٌ من النبي لجبرئيل بجهله القراءة والكتابة بالمعنى المعتاد.

لكنّ هذا التفسير يناقض النصّ القرآني الوارد فيما بعد في سورة النجم: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾، كما يناقض النصّ المتصل بالأمر ﴿اقْرَأْ﴾ في قوله: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾.

فالقرآن رسالة الله إلى أهل الأرض، وهي رسالة من عليم حكيم، فكيف يتَّفق أن يكون أول أمر له على لسان أمين الوحي (جبرئيل) ﴿اقْرَأْ﴾ وهو يخاطب جاهلاً بالقراءة والكتابة؟!

وحسب رواية ابن هشام في السيرة قال محمد لجبرئيل: ماذا أقرأ؟ إذن لم تكن الإشكالية عنده في الأمر، بل في المقروء نفسه، وإلاّ فما معنى (ماذا أقرأ؟)؟

ويقترن بالأمر ﴿اقْرَأْ﴾ قوله تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، فما الداعي لذكر القلم على سبيل تعريف محمد| بصفات الربّ الأعلى، إلاّ مخاطبته بما يعرف محمد| قيمته؟ يتجلَّى ذلك واضحاً في تكرار الخطاب القرآني الأول لمحمد| بأدوات القراءة والكتابة، فالسورة الثانية نزولاً، والتي تسمّى سورة (القلم)، يقسم الله في أول آيةٍ فيها بـ ﴿الْقَلَمِ﴾ والورق وما في حكمه، والمكتوب ﴿مَا يَسْطُرُونَ﴾، فلا يظنّ أن يخاطب شخصاً في أوّل أوامره وكلماته بما يجهله.

يضاف إلى هذا المسألة التعليمية التي أكَّد عليها القرآن حين دفاعه عن محمد| وإظهار صفاته ضدّ منتقصي قدره من معاصريه، فيذكر القرآن قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾، فماذا يتعلَّم محمد من جبرئيل الموصوف بـ (ذو قوّة)، و (شديد القوى)؟ هل يتعلَّم ترديد الآيات وتكرارها وراءه حتّى لا ينسى؟

إنّ هذا أمر بسيط، أي إنّ التلقين لا يحتاج إلى قوّة جبرئيل التي تستخلص من صفاته القرآنية ومن الروايات الحديثية.

على أنه مما يذكر أنه ذكر في الخطاب القرآني الأوّل: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، تأكيداً لقوله: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾، فهل كان أصحاب محمد| الأول يفوقونه في العلم حتّى يقرؤوا ما لا يستطيع هو أن يقرأه؟

ولا يقلِّل من قيمة التساؤل أن محمداً| كان يحفظ القرآن عن ظهر قلب، فإن القرآن هو أحبّ شيء إلى قلبه، وهو رسالته الرئيسة المقصودة بالبلاغ، فالنظر إليه قربة، وكيف يتقرَّب بما هو مجهولٌ بالنسبة له.

على أنني أقصد من ذكر الآيتين السابقتين إظهار الأوامر بالقراءة: ﴿فَاقْرَؤُوا﴾ ﴿فَاقْرَؤُوا﴾، بجانب ﴿اقْرَأْ﴾ ﴿اقْرَأْ﴾، و﴿بِالْقَلَمِ﴾ ﴿الْقَلَمِ﴾، و﴿مَا يَسْطُرُونَ﴾. ويظلّ السؤال قائماً: إذا كان محمد| جاهلاً بالقراءة والكتابة فما قيمة كلّ هذه الأوامر الأولى والتقريرات؟!

4ـ ذكرتُ طرفاً من معنى (الأمي) و(الأميين). وهنا أؤكِّد على أنه لا دليل على قصر اللفظة على معنى (الجهل بالقراءة والكتابة)، وخاصة أن هناك ما يؤكِّد على ذلك في كتب اللغة والقواميس العربية. فالقرآن يعبر عن الأمِّيين بقوله: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾، ثم يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾.

ويقول الفرّاء: الأميون هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب، ولعل ذلك يعطي تفسيراً مناسباً لما قامت عليه العنصرية اليهودية في ربطها للمصطلح (أميين) بالدهماء والغوغاء، فكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. فالأميون (جهلاء بالكتب السماوية = وثنيون في التصوّر اليهودي)، والأمي (مبعوث من بين هؤلاء = جاهل بالكتب السماوية القديمة). وهو ما أكَّد عليه القرآن: (﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾، أي كتاب مقدّس: توراة ـ إنجيل ـ زبور).

قال تعالى ـ مؤكِّداً عدم اتصال محمد| بالكتب الأخرى ـ: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (القصص: 44 ـ 46)، ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ (هود: 49).

 

معنى التلاوة، والتخصيص (من قبل)

يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾.

على عكس ما يمليه التصوّر العامّ في تفسير هذه الآية تحمل الألفاظ دلالات خاصة تؤكِّد على معرفة محمد| بالقراءة والكتابة، وعدم نفيها عنه.

ـ فكلمة (كتاب) تطلق في معظم حالاتها ويُراد بها الكتب السماوية، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ (الأنعام: 91). لكنّ المثبتين للأمية جنحوا إلى تعميمها على كلّ كتابٍ من عند الله أو من عند البشر.

وكما يقول لخضر شايب: إن مدار تحديد معنى هذه الآية لا يتمّ إلاّ بالتعرف على الفعل (تتلو)، خاصّة عند وروده في القرآن بالذات، وخصوصاً أن النظر في المعاجم اللغوية غير ذي جدوى؛ لأنها ليست قاطعة في تحديد معنى لهذا الفعل الذي يدلّ على قراءة القرآن، أو غيره من الكتب الدينية.

ـ تنصرف دلالة الفعل (تتلو) في القرآن إلى معنى قراءة الكتب المقدَّسة، فلم يرِدْ في جميع تصريفاته إلاّ دالاًّ على هذا المعنى.

ـ صيغة: يتلو، وتتلو: (يتلو صحفاً مطهرة ـ يتلو عليكم آيات الله ـ يتلو عليهم آياته ـ يتلو عليهم آياتنا ـ وما تتلو منه من قرآن ـ يتلو عليهم آياته ـ يتلو عليهم آياتك ـ يتلو عليكم آياتنا ـ تتلو عليهم آياتنا)([74]). إلى جانب الآية الرئيسية في موضوع البحث: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾.

ـ كما ورد الفعل بصيغة (يتلون) في القرآن في خمسة مواضع: (وهم يتلون الكتاب ـ يتلون آيات الله ـ يتلون عليهم آياتنا ـ يتلون كتاب الله ـ يتلون عليكم آيات ربكم)([75]).

ـ وبصيغة (تتلون) مرّة واحدة: ﴿تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ (البقرة: 44).

ـ وبصيغة (اتْلُ) مرّة واحدة ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ﴾ (العنكبوت: 45).

يتّضح بعد هذا التتبُّع للفظة (التلاوة) في القرآن أن المعنى المراد في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ هو نفي اتصال النبي محمد| بكتب الديانات السماوية السابقة على الوحي القرآني، لا على نفي القراءة والكتابة عنه. ومن هنا فليس في الآية أيُّ دليل على نفي القراءة عنه|، ولا معنى للإمساك بالقيد (من قبْلُ) باعتباره مخصّصاً عند مَنْ قال بقراءة النبيّ بعد الوحي؛ إذ النكتة في معنى اللفظ المنفي (تتلو)، فإذا ما تحدَّد معناه فلا قيمة لما بُني عليه من فهمٍ يبعد عن الدلالة القرآنية للكلمة على المستوى العام.

ويؤكِّد هذا الرأي الذي تابعناه أنه لو أراد الله أن ينفي عن محمد القراءة والكتابة نفياً لا يحتمل التأويل لاستخدم الفعل (تقرأ)، وخاصّة أن دلالته تنسكب على النفي العام للقراءة إذا ما قرن بـ (ما)، ودلالة الفعل نفسه في القرآن تنصرف إلى المكتوب البشري في الأغلب الأعمّ: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ (الخاصّ بهم)﴾.

ويتحدّث الإنسان يوم الحساب الأكبر بقوله: ﴿هَاؤُمْ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ﴾.

يتأكَّد لدينا إذن أن في عدم استخدام القرآن للفعل (تقرأ)، عوضاً عن (تتلو)، دليلاً صريحاً على عدم اتصال محمد| بالكتب السماوية السابقة، لا تعليمنا أنه كان أمّياً جاهلاً على المستوى العامّ.

5ـ نقل القرآن مزاعم المشركين التي أرادوا أن يشنِّعوا بها على النبيّ محمد|، وكان من جملة هذه المزاعم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْماً وَزُوراً * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (الفرقان: 4 ـ 5).

زعم المعارضون لمحمد| أنه استمدّ القرآن من مصادر خارجية، أعانه عليها بعض العارفين بالكتب السماوية، فما القرآن إلاّ بعض الأساطير القديمة قد قام محمد بكتابتها.

وإذا كان المعارضون يفترون فإنهم يعتمدون على فرضية (أن محمداً كاتب وقارئ). وحين أراد القرآن أن يدافع عن محمد حيال هذه المزاعم قال: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ (الفرقان: 6)، يقصد التأكيد على إلهية القرآن، ونفي المصادر الأجنبية عن التأثير في تكوين النصّ القرآني.

فإذا كان محمد| أميّاً، لا يقرأ ولا يكتب، لم يكن القرآن ليتوانى عن دفع هذه التُّهْمة، وخاصّة أنه قد تعقَّب المزاعم وفنَّدها ودحضها في موضعها، فلا بُدَّ أنّه كان قارئاً كاتباً.

6ـ ماذا يضرّ محمداً لو كان قارئاً أو كاتباً حتّى يتحفَّظ الجميع؟!

لا يضرّ محمداً| القراءة والكتابة، ولن يقلِّل من قيمة الوحي (القرآن)، وخاصّة أن تناول القضية من الآخر (المخالف لمحمد| دينيّاً)، الذي يتحدث عنه كشخصية تاريخية، ويعتمد على تحليل النصوص المتَّصلة به، سواء كانت قرآناً أو سنّة. وفي القرآن ما يساعد على تأصيل هذه النظرة، ولا ينفيها. وفي السنّة ما يعضد ذلك. والأصول الإسلامية والعقدية تظلّ بعيدةً عن المساس حين التحدُّث في هذه القضية. فمحمد| ما هو إلاّ بشرٌ رسول. ومحمد| اتَّصف قبل الإسلام بالصدق والأمانة.

و(الرسول) الذي يبلِّغ رسالة إلى أحد إذا اتَّصف بهاتين الصفتين لا يُخشى منه على المساس بأصول الرسالة، أو حتّى التدخل في فتحها وقراءتها إلاّ أمام المرسل إليه، وقد يرد أحياناً أن أحد المرسل إليهم يكلف آخر (غير الرسول) بقراءة الرسالة، مما يؤكِّد على انعدام تدخل الرسول في الرسالة.

والقرآن نفسه جزم بإلهيته، وصرح بأن محمداً| لا دخل له في أيٍّ من شؤون صياغة النصّ. فلم يكن محمد مع موسى أو عيسى، أو عاد وثمود، ولا مع صالح، حتّى يحكى عنهم هذه التفاصيل التي خلَتْ منها الكتب السابقة.

وعليه فلا ضَيْرَ في القول بأن محمد كان قارئاً أو كاتباً، وخاصّة إذا حدد ذلك بالكتب العادية، غير المقدَّسة. وهذا يتماشى مع النصوص القرآنية بدقّةٍ.

 

ملحق الكتب والرسائل والمقالات في مسألة أمّية النبي محمد

 أـ مدوّنات قديمة

1ـ تحقيق المذهب في أن النبي كتب، لأبي الوليد الباجي الفقيه المالكي، مخطوط (بأزمة باغشلر) بتركيا رقم (1885/3)، من ص 105/ب، حتّى ص 125/أ.

وقد أثار هذا الكتاب جدلاً ونقاشاً كبيراً في وقته، حتّى أنه خلَّف رسائل خطت بعده، بين مؤيِّدٍ ومعارض، جمعها وحققها مع رسالة أبي الوليد الباجي بعض الباحثين، وقد كان متحاملاً في عرضه وتحقيقه، ونشرت هذه المجموعة تحت عنوان «تحقيق المذهب»، في عالم الكتب بالرياض، سنة 1403هـ / 1983م.

2ـ رفع الإصر عن معنى كونه أمّياً لم ينطق الشعر، لـ (محمد بن عبد الرسول البرزنجي)، (ذيل/557)، كذا نقله صلاح الدين المنجد في (معجم ما ألف عن محمد)، ص 74. ولكن عنوان الكتاب يشير إلى أن المؤلِّف ينفي عن النبي القراءة والكتابة. وهذا غير دقيق، قياساً لما ورد عند الكتّاني في «التراتيب الإدارية»، حيث قال: «ووقفت في المدينة المنورة على رسالة حافلة، للعلامة المحقق الشمس محمد بن عبد الرسول البرزنجي الشافعي المدني، في إثبات الكتابة والقراءة لرسول الله، ولم يتيسَّر لي تلخيصها».

3ـ رسالة في حقيقة النبي، وأنه كان أمّياً، لـ (عبد الله البوسنوي)، مخطوطة، المكتبة الظاهرية بدمشق، رقم 1335.

4ـ أمّية النبي: فصل في كتاب «الدين والدولة في إثبات نبوّة محمد، لعلي بن ربّن الطبري. نشر هذا الكتاب بعناية منغانا المستشرق عن نسخة وحيدة في خزانة رايلندز بمانشستر سنة 1923، ثم أعيد طبعه في تونس وبيروت، نقلاً عن نسخة منغانا.

رأى الطبري أن النبي محمد كان أمّيّاً، ولا عيب في ذلك؛ إذ كان النبي داوود أمّياً ـ أيضاً ـ، كما ذُكر في المزامير.

 

 ب ـ مدوّنات حديثة

1ـ فصل النبوّة: ضمن مقالات جمعها د. محمد توفيق صدقي، ونشرت في المنار سنة 1323هـ. أثبت في هذا الفصل أن النبيّ كان أمّياً لا يقرأ ولا يكتب؛ بدلائل من سيرته وحياته.

2ـ هل تعلّم النبيُّ الكتابة بعد النبوّة (ردّ شبهة وردت في بعض الكتب)، بقلم: محمد فريد وجدي. نُشرت المقالة في مجلة الأزهر، المجلد الثاني عشر، ربيع الثاني 1360، الجزء 4، ص 197 ـ 198.

3ـ النبيّ الأمّي، بقلم: حسنين خليفة. نُشرت المقالة في مجلة منبر الإسلام، السنة السادسة، ربيع الأول، 1368، المجلد 2، ص 31 ـ 37.

4ـ معجزة الأمّية، للسيد محمد الطاهر بن عاشور. نُشرت المقالة في مجلة الهداية الاسلامية، المجلد الحادي عشر، ربيع الثاني، 1358، الجزء 10، ص 433 ـ 441.

5ـ في معنى النبيّ الأمّي، لمحمد حسن عبد العزيز. نُشرت المقالة في مجلة الوعي الإسلامي، ربيع الأول، 1402، العدد 207، ص 108 ـ 112.

6ـ الأمّية في المنظور الإسلامي، بقلم: مصطفى بن عيد. نُشرت المقالة في مجلة البحوث الإسلامية، ربيع الأول وربيع الثاني وجمادى الأولى وجمادى الآخرة، 1416 ـ العدد 45، ص 121 ـ 178.

7ـ الردّ الشافي الوافر على مَنْ نفي أمية سيد الأوائل والأواخر، لابن حجر قاضي قطر، طبع هذا الكتاب في بيروت، دار لبنان، سنة 1388هـ.

8ـ كتاب للدكتور سيد عبد اللطيف الحيدرآبادي عن أمّية النبي محمد، أثبت فيه أن النبي كان يعرف القراءة والكتابة.

9ـ النبيّ الأمّي، للشهيد مرتضى مطهري. كتبه بالفارسية، وترجمه: محمد علي التسخيري، وطبع في مركز الإعلام للثورة الإيرانية، طهران، سنة 1980م.

10ـ مفهوم الأمّية في القرآن، لأحمد شحلان، في مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، العدد 1، ص 103 ـ 125، سنة 1977م.

 

 ج ـ ملاحق وفصول

1ـ ملحق الأمّية في كتاب (مَنْ هو سيِّد القدر)، لمحمد سعيد البوطي، دار الرسالة، بيروت، سنة 1983م.

2ـ فصل (معرفة النبي للكتابة والقراءة)، في كتاب (تاريخ القرآن)، لعبد الصبور شاهين، دار القلم، بيروت، سنة 1966، ص 47 ـ 57.

3ـ فصل «النبي الأمي»، في كتاب «دفاع عن القرآن ضدّ منتقديه»، للدكتور عبدالرحمن بدوي، الترجمة العربية: كمال جاد الله، الدار العالمية للكتب والنشر، القاهرة.

4ـ أمّية الرسول محمد، مقال للدكتور الدوري، في مجلة جامعة الأمير عبد القادر، الجزائر، العدد (5)، سنة 1414هـ.

5ـ النبيّ الذي علَّمه ربُّه، لأحمد عطية، دار الشعب، القاهرة.

 

 

الهوامش

_______________

(*) باحثٌ، حاصلٌ على ماجستير في الفلسفة من جامعة القاهرة، متخصِّص في الإسلام والتصوُّف. من مصر.

([1]) راجع: يوسف إبراهيم النور، مع المصاحف: 108 ـ 110، نسخة خاصة بمكتبة بنت الشاطئ.

([2]) يحفل التراث الإسلامي بكمٍّ هائل من الكتب، بين مخطوط ومطبوع، تتناول مسألة الإسراء والمعراج. والمؤلفات الحديثة تكرِّر الكلام القديم، في حين ترك غيره ولم يُدرَس بعد دراسة علمية. راجع في هذا الشأن: «قصّة الإسراء والمعراج، قراءةٌ أدبيّة» الصادر عن وحدة البحث في المتخيّل بكلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة، جامعة صفاقس (تونس)، طبعة أولى، 2012.

([3]) انظر: تفسير القرطبي 13: 351، دار الشعب، 1372هـ.

([4]) انظر: علي الجندي، تاريخ الأدب الجاهلي: 8، مكتبة النصر، القاهرة.

([5]) في بلوغ الأرب 1: 16.

([6]) ويرجع تعليله لقول أصحاب محمد إلى نظرة دينية عاطفية أكثر منها عقلية، فإن النظرة العلمية تقتضي خلاف ما يعلِّله الألوسي.

([7]) راجع: علي الجندي، تاريخ الأدب الجاهلي: 9، 10.

([8]) المصدر نفسه.

([9]) راجع: خالد العسلي، تاريخ العرب قبل الإسلام: 206، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2001م؛ وعلي حبيبة، عصر الرسالة: 25، مكتبة الشباب.

([10]) ناقش إحصاء البلاذري الدكتور خالد العسلي، وقام باستقراء لما ورد في المدونات القديمة، والإخباريات، والأدبيات، وقام بإحصاء للكتبة في شبه الجزيرة، ووصل إلى عددٍ كبير من الكتبة، سأذكره لاحقاً.

([11]) انظر: فتوح البلدان: 457.

([12]) راجع: الشعر والشعراء 1: 131، 134، 137، 142، نشر الشيخ شاكر، القاهرة.

([13]) انظر: دراسة في أدب المخطوطات العربية: 11، نقلاً عن: امتياز أحمد، «دلائل التوثيق».

([14]) انظر: ابن النديم، الفهرست: 7.

([15]) انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى: 38.

([16]) راجع: امتياز أحمد، دلائل التوثيق: 158 ـ 166.

([17]) انظر: التراتيب الإداريّة 1: 115.

([18]) الأزرقي، أخبار مكّة 1: 37، 111، 149، 160، 270؛ 2: 227، 233.

([19]) لويس شيخو، النصرانية وآدابها: 152، دار المشرق، بيروت، 1989م.

([20]) تذكر الروايات أنه كان ضمن الصور المعلقة على جدران الكعبة صورة للنبي إبراهيم، وفي يده مجموعة من الأقداح مكتوب على جزء منها (افعل) وعلى آخر (لا تفعل)، وكانوا إذا ما أقبلوا على أمر مصيري يأتون بتلك الأقداح. (راجع: أحمد الأحمدين، الوقوف على الأمّية، مركز الحضارة العربية، 1997م).

([21]) خالد العسلي، دراسات في تاريخ العرب 1: 209، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2001م.

([22]): البلاذري، فتوح البلدان: 453.

([23]) وهي الموطن الذي يرجح ابن خلدون أخذ مكّة عنه الخطّ.

([24]): اعتمد على هذه الرواية، ورواية ابن قتيبة في المعارف، وابن عبد ربّه في العقد الفريد، الأب لويس شيخو في تأصيل قضية الكتابة العربية، وردّ أصولها إلى الكتبة النصارى. (راجع: الآداب النصرانية: 152 وما بعدها).

([25]) راجع: خالد العسلي 1: 210 (بتصرُّف).

([26]) المزهر 1: 390.

([27]) راجع: لويس شيخو، النصرانية وآدابها: 104، 153، 156. وانظر تحليلاً لهذه الكتابات في الوقوف على الأمية (وقفة على هذه النقوش): 13 ـ 16. وقارن: الكتابات العربية الجنوبية في سورية (النقوش الصفائية)، مجلة التراث العربي، ربيع الأول وجمادی الأولى، 1419، العددان 71 ـ 72: 168 ـ 175.

([28]) راجع هذا الاستقراء في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، لمحمد فؤاد عبد الباقي. وراجع سرد الآيات القرآنية التي تشتمل على ألفاظ الكتابة في (الوقوف على الأمية)، لأحمد الأحمدين: 61 ـ 74.

([29]) يُعلَّل موقف عمر من كُتبِ السابقين بخشيته على الناس الاشتغال بما لا يتقنون؛ لأن عمر في حياة النبي محمد فعل مثلما فعل الناس، فغضب النبيّ من فعله. عن الموقف الإسلامي من الكتب القديمة راجع بعض المناقشات حول هذا الموضوع، أوردها البقاعي في كتابه: «الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة»، مخطوط دار الكتب المصرية؛ وانظر نشرة حديثة له:

Walid A.Saleh (In Defense of the Bible: A Critical Edition and an Introduction to Al ـ biqai’s Bible Treatise (Islamic History and Civilization.Brill in 2004.

جديرٌ بالذكر أن الكتاب كان قد نُشر جزءٌ منه في مجلة معهد المخطوطات العربية 1401هـ ـ 1980م، بعناية: محمد مرسي الخولي، ولكنّه اكتفى بنشر ما يقارب ثلث الكتاب، متوقِّفاً عند الفصل الخاص بتحريف التوراة والإنجيل، مكتفياً بما نشره، مستبعداً الخاتمة التي تمثِّل أكثر من نصف الكتاب.

([30]) راجع: خالد العسلي، دراسات في تاريخ العرب 219 ـ 227؛ وأحمد الأحمدين في (الوقوف على الأمية): 122 ـ 137.

([31]) يراجع في ذلك كتاب «الهداية» الصادر سنة 1903م، لمجموعة من المؤلفين، وهو في أربعة مجلدات. المقصد الرئيس منه نقد الإسلام. والتعسف واضح فيه منذ البداية. وقد رد على كثير من الانتقادات الواردة فيه محمد توفيق صدقي في مقالاته في جريدة المنار. وردّ عليه صاحب «السيف الصقيل»، وغيرهم.كما يُراجع الكتاب الصادر تحت عنوان «قسّ ونبيّ»، للقسّيس يوسف قزّي.

([32]): يراجع عن السيدة خديجة: سلوى صالح بالحاج، «دثِّريني يا خديجة»، وهي دراسة تاريخية للباحثة، أشرف عليها المؤرِّخ التونسي هشام جعيط، وقدَّمها، ونُشرت في دار الطليعة ببيروت.

([33]) لقد أكَّد النص القرآني على حقيقته وإلهيته التي لا دخل لمحمد ولا لغيره فيه، حتّى ولو كان محمد خطيباً بارعاً أو كاهناً حاذقاً، فما يستطيع أن يتدخَّل بلفظةٍ واحدة من عنده، وكيف يفعل ذلك وقد هدَّده ربه بقوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾.

([34]) راجع: أبو منصور الثعالبي، الاقتباس من القرآن الكريم 1: 82 ـ 84، تحقيق: ابتسام مرهون الصفار، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة الذخائر.

([35]) راجع علي بن ربن الطبري، الدين والدولة في إثبات نبوة محمد (فصل الأمية)، نشرة منغانا سنة 1923م.

([36]) حتى قال أحدهم شعراً فيه:

عجباً لمن شرى دنيا بآخرة   وقال إن رسول الله قد كتبا

 

([37]) راجع: التفسير الكبير 7: 307، تفسير سورة الأعراف، آية 157، دار الغد العربي، 1992م.

([38]) المقاييس 1: 28.

([39]) التقوى المقصودة هي وقايته نفسه وجسده المهالك، لا الجانب الديني المتبادر إلى الذهن فحَسْب حينما تطلق اللفظة. (راجع لتوضيح هذا المصطلح: محمد عزيز لحبابي، «الشخصانية الإسلامية»، دار المعارف، القاهرة).

([40]) نصّ على الاختلاف فخر الدين الرازي في التفسير الكبير 2: 191، دار الغد العربي، القاهرة.

([41]) التفسير الكبير: 2: 191.

([42]) أغلب المفسِّرين إنْ لم يكن كلّهم أورد هذا القول.

([43]) وارد عند الكثيرين. راجع مثلاً: الزمخشري والسيوطي في تفسيرهما لهذه الآية.

([44]) راجع تفاسير ابن عطيّة، والقرطبي، والسمعاني، والسمرقندي، والنحّاس في معاني القرآن. ونسبه ابن الجوزي في زاد المسير إلى السدي وقتادة.

([45]) انظر: ابن عطية، «المحرر الوجيز» 2: 462، دار الكتب العلمية، بيروت.

([46]) المصدر السابق 1: 169.

([47]) راجع: تفسير السلمي: 245، 246.

([48]) ينسب إلى ابن عبّاس نقلاً من التوراة: «إن الله عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً». وقد اعتمده الرازي في التأكيد على أمّية النبي محمد. (انظر: التفسير الكبير 2: 191).

([49]) انظر: الزمخشري، الكشّاف 4: 530؛ حيث أورد النبوءة في تفسير سورة الجمعة. وجدير بالذكر أن مجموعة الرواة التي تداولت هذا الأثر في كتب دلائل النبوة مجموعة ضعيفة، وبعضها متروك. (انظر: الأصبهاني، دلائل النبوة: 72، ح33، والتعليق عليه، دار النقاش، بيروت).

([50]) كلاهما اشتهر بالنقل عن الكتب القديمة. والأول كان تلميذاً لكعب الأحبار، معتمداً في نقله عليه.

([51]) راجع ما حدث بشأن الإمام الباجي في تاريخ قضاة الأندلس: 202، دار الآفاق، بيروت. وهو لم يخرج عن التقليد العام.

([52]) على سبيل المثال: جملة (اسمه أحمد) الواردة في سورة الصفّ: 6.

([53]) البقرة: 78، آل عمران: 75، الأعراف: 157، 158، الجمعة: 2.

([54]) راجع بشأن آثار مسلمي أهل الكتاب، واعتماد المفسِّرين عليها، تحليل ابن تيمية للمسألة؛ ومحمد عبده في «تفسير المنار» 1: 8، 9، 10، الهيئة المصرية للكتاب، 1972.

([55]) بشأن عدم التحريف اللفظي للتوراة والإنجيل، وعدم إدخال شيء فيه غير كلمة الله، راجع نصّاً مهمّاً وارداً في «رسالة محمد بن الليث إلى قسطنطين ملك الروم»، لمصطفى الحلبي: 75، 77، 1936م.

([56]) انظر بشأن هذه الملحوظة: لخضر شايب، «هل كان محمد أميّاً»: 65، دار قتيبة، 2003.

([57]) في تذكرة الحفاظ 2:  742، دار إحياء التراث، بيروت.

([58]) في رسالته عن كتابة النبيّ: 199 ـ 201، عالم الكتب، الرياض.

([59]) عباس بن محمد الدوري: حدَّثنا أبو النصر هاشم بن القاسم: حدَّثنا أبو عقيل: حدَّثنا مجالد بن سعيد: حدَّثنا عون بن عبد الله، عن أبيه.

([60]) راجع: القاضي عياض، ترتيب المدارك 4:  805، 806، نشرة مكتبة الحياة، بيروت.

([61]) سنوضِّح فيما بعد ـ عند تعليقنا على هذه الاتجاهات ـ أهمّية كلامه.

([62]) سنوضِّح ذلك عند تفصيل رأينا في أمّية النبي محمد في المبحث التالي.

([63]) راجع: روح المعاني 9: 70؛ وتفسير صديق خان 3: 42؛ وتفسير أبو السعود 2: 201؛ والبحر المحيط 4: 403، عن رسالة الباجي في أمّية النبي محمد|: 30.

([64]) راجع: رسالة الباجي: 187؛ رسالة عبد الله الحسين البصري ـ ملحقة بها ـ: 353، 354.

([65]) من أهل صقلية، وكان معاصراً لأبي الوليد الباجي.

([66]) شرح بهجة المحافل 1: 307.

([67]) راجع: رسالة الباجي: 223، 224.

([68]) مجمع البيان في تفسير القرآن 8: 287.

([69]) راجع: ابن حجر، فتح البخاري 7: 504، عالم المعرفة، بيروت. وقد ورد قوله| لمعاوية في كثير من المصادر الحديثية، وفيها زيادة: «وحسّن الله، ومدّ الرحمن وجود الرحيم، ويكره أن يمد السين قبل الميم».

([70]) راجع: رسالة الباجي: 224، 225، 226.

([71]) سنن ابن ماجه 2: 812، دار الفكر، بيروت.

([72]) فتح الباري 7: 504.

([73]) التراتيب الإدارية 2: 249.

([74]) البينة: 2، الطلاق: 11 الجمعة: 2، القصص: 59، يونس: 61، آل عمران: 164، البقرة: 129، 151، القصص: 45.

([75]) البقرة: 113، آل عمران: 113، الحجّ: 72، فاطر: 29، الزمر: 71.