نقد الصوفية

22 يوليو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
80 زيارة

نقد الصوفية

قراءةٌ في الروايات النبوية

د. الشيخ محمد عيسى الجعفري(*)

ترجمة: حسن علي الهاشمي

يعتبر الاستناد إلى الروايات ضمن الدائرة الدينية من السبل الأقلّ مؤنة (من حيث القدرة على الإقناع)، والأمضى تأثيراً ـ في الوقت ذاته ـ في نقد وتخطئة الخصوم من قِبَل المخالفين لهم. والصوفية هم من أولئك الذين أتقن خصومُهم استخدام سلاح الروايات ضدّهم. وفي هذا الإطار نسعى في هذا المقال ـ من خلال دراسة طائفةٍ من الروايات (النبوية) ـ إلى الإجابة عن هذا السؤال القائل: هل يمكن من الناحية الروائية أن نعثر على مكانةٍ وصورة للصوفية غير تلك التي صوَّرها المخالفون عنها؟

ولا بُدَّ من التذكير هنا بأن العثور على رؤيةٍ إيجابية في معرض الجواب عن هذا السؤال لا يعني تجاهل الانحرافات والأخطاء الجزئية التي تعاني منها الصوفية. فلا يمكن إنكار وجود بعض الأخطاء عند هذه الجماعة ـ كما هو الحال بالنسبة إلى الكثير من الفرق والمذاهب الإسلامية الأخرى ـ، إلا أن وجود هذه الأخطاء يجب أن لا يؤدّي إلى إصدار الأحكام المجحفة في حقّهم، وذبح جميع المنتسبين إلى هذه الطائفة بمقصلةٍ واحدة. إن هذه الدراسة ـ بطبيعة الحال ـ لا تسعى إلى تطهير وتنزيه شامل للتصوُّف والصوفية؛ إذ إن هذا المسعى، مضافاً إلى استحالته على صاحب هذه السطور، لا يمثِّل غايةً له؛ إذ إن الأوضاع السابقة والراهنة، ونوع السلوك غير المناسب لبعض الفرق وأعيان الأشخاص، لم يترك مجالاً لذلك. إنما نروم في هذا المقال الحصول ـ من خلال دراسة الروايات النبويّة في هذا الشأن ـ على صورةٍ واضحة وحقيقية عن هذه الطائفة.

وفي إطار هذه الدراسة سوف نعمل أوّلاً على البحث في الروايات المذكورة في مصادر أعداء الصوفية وخصومهم؛ لأن ذلك أدعى لاستقصاء كامل الروايات ذات الصلة بموضوعنا. وإن عدم إسقاط أيّ واحدٍ منها يمثِّل المنهج الأوثق في البحث المتقن. وبعد الفراغ من هذه العملية الاستقصائية نعيد البحث عن الروايات التي عثرنا عليها مرّةً ثانية في المصادر الروائية الأخرى، فإذا وجدناها هناك أيضاً نأخذ في دراستها من الناحية السندية، لننتقل بعد ذلك إلى البحث في مضامينها. ولا بُدَّ هنا من التذكير بأن الخوض في مضامين الروايات، حتّى بعد إثبات ضعف السند، لا يعني تجاهل ضعف أسانيدها، بل يعود السبب في ذلك إلى أن ضعف السند، رغم تقييده الاستفادة من الرواية، ولكنْ يبقى احتمال صدور الرواية عن المعصوم× قائماً (مهما كان ضئيلاً)، ومن هنا يكون بحث مضامين الروايات مُجْدِياً على كلّ حال.

1ـ رواية الرهبانية

عن رسول الله| أنه نهى عن الترهُّب، قال: «لا رهبانية في الإسلام. تزوَّجوا؛ فإنّي مكاثرٌ بكم الأمم». ونهى عن التبتُّل، ونهى النساء أن يتبتَّلْنَ، ويقطعْنَ أنفسهنّ من الأزواج([1]).

أـ دراسة السند

على الرغم من شهرة هذا الحديث، إلاّ أن المصدر الشيعي الوحيد الذي ينقله هو (دعائم الإسلام)، لمؤلِّفه القاضي أبي حنيفة النعمان بن محمد التميمي المغربي، دون أن يذكر سنده. ويبدو أن التميمي قد رواه من مصادر أهل السنّة. فهو ينقل الرواية بشكلٍ غير مباشر، ويمكن لهذا أن يكون علامةً على أنه مثل ابن سعد([2]) في نقله رواية عثمان بن مظعون على هذه الشاكلة. ثم إنه لا أثر لهذه الرواية في المصادر الروائية الأولى لأهل السنّة، من قبيل: الصحاح الستّة، والمستدرك على الصحيحين، والموطّأ لابن مالك أيضاً؛ إذ لم يعثر عليه إلاّ عند غير المحدِّثين، من أمثال: الحريري والزمخشري وابن الأثير، من الذين عاشوا في القرنين السادس والسابع الهجريين([3]).

إن ذكرنا لهذه الرواية هنا يأتي من أن عامة المسلمين ـ بمَنْ فيهم الشيعة ـ قد نظروا إليها بوصفها روايةً معتبرة في نفي الرهبانية؛ فقد استند إليها الإمام الخميني& ـ على سبيل المثال ـ في كتابه «شرح حديث جنود العقل والجهل» (وإنْ كان هذا الكتاب بصدد ترسيخ الرهبانية الإيجابية والمقبولة)([4]).

والذي يبدو من تحقيق الدكتور عبد الرحمن بدوي في «تاريخ التصوّف» أن هذا الحديث كان في الأصل بصيغةٍ أخرى، وأنه نُقل لاحقاً بالمعنى، وكان ابن سعد هو أول مَنْ رواه في مصادر أهل السنّة بهذا المعنى عن روايةٍ أخرى([5]). وقد نُقلت هذه الرواية بهذا المضمون، ولكنْ بعباراتٍ مختلفة، في قضية عثمان بن مظعون. ويبدو أن هذا هو النصّ الأول لهذه الرواية أيضاً. وعلى أيّ حال فإن هذه الرواية تُعَدّ ضعيفةً من الناحية السندية.

ب ـ دراسة المضمون

في معرض دراسة مضمون هذه الرواية يجب التذكير بأن المصادر الشيعية تشتمل على طائفتين من الروايات بشأن الرهبانية: طائفة منها تنفي الرهبانية وتبطلها؛ والطائفة الأخرى تثبتها وتؤيِّدها.

1ـ الروايات الناظرة لنفي الرهبانية

1ـ عن الكليني، في روايةٍ، عن ابن القدّاح، عن أبي عبد الله× قال: «جاءت امرأة عثمان بن مظعون إلى النبيّ|، فقالت: يا رسول الله، إن عثمان يصوم النهار ويقوم الليل، فخرج رسول الله| مغضباً يحمل نعلَيْه، حتّى جاء إلى عثمان، فوجده يصلّي، فانصرف عثمان حين رأى رسول الله|، فقال له: يا عثمان، لم يرسلني الله تعالى بالرهبانية، ولكنْ بعثني بالحنيفية السهلة السمحة، أصوم وأصلّي وألمس أهلي، فمَنْ أحبَّ فطرتي فليستنَّ بسنّتي، ومن سنّتي النكاح»([6]).

2ـ وفي روايةٍ أخرى نجد مشهداً آخر لهذه الحادثة؛ إذ تقول: «توفّي ابنٌ لعثمان بن مظعون&، فاشتدّ حزنه عليه، حتّى اتّخذ من داره مسجداً يتعبَّد فيه، فبلغ ذلك رسول الله| فقال له: يا عثمان، إن الله ـ تبارك وتعالى ـ لم يكتب علينا الرهبانية، إنّما رهبانية أمّتي الجهاد في سبيل الله»([7]).

3ـ وفي روايةٍ أخرى، عن عثمان بن مظعون قال: «قلتُ لرسول الله|: يا رسول الله، أردتُ أن أسألك عن أشياء، فقال: وما هي يا عثمان؟ قال: قلتُ: إني أردْتُ أترهَّب؛ قال: لا تفعَلْ يا عثمان؛ فإنّ ترهُّب أمتي القعود في المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، قال: فإنّي أردْتُ يا رسول الله أن أختصي؟ قال: لا تفعَلْ يا عثمان، فإن اختصاء أمّتي الصيام»([8]).

4ـ عن عثمان بن مظعون قال: «قلتُ لرسول الله|: إن نفسي تحدِّثني بالسياحة وأن ألحق بالجبال، قال: يا عثمان لا تفعَلْ؛ فإن سياحة أمّتي الغَزْو والجهاد»([9]).

ويبدو أن الرواية الثالثة والرواية الرابعة روايةٌ واحدة؛ لأن هاتين الروايتين قد وردتا ـ مع اختلافٍ في بعض العبارات، وبعض الإضافات ـ في «دعائم الإسلام» على النحو التالي: جاء عثمان بن مظعون إلى رسول الله|، فقال: «يا رسول الله، قد غلبني حديث النفس، ولم أحدث شيئاً حتّى أستأمرك، قال: بِمَ حدَّثتك نفسُك يا عثمان؟ قال: همَمْتُ أن أسيح في الأرض، قال: فلا تَسِحْ في الأرض؛ فإن سياحة أمتي المساجد([10])…. إلى أن قال: وهمَمْتُ أن أجبّ نفسي، قال: يا عثمان، ليس منّا مَنْ فعل ذلك بنفسه، ولا بأحدٍ، إنّ وجأ أمّتي الصيام([11]). قال: وهمَمْتُ أن أحرِّم خولة على نفسي (يعني امرأته)، قال|: لا تفعَلْ يا عثمان؛ فإن العبد المؤمن إذا اتَّخذ بيد زوجته كتب الله ـ عزَّ وجلَّ ـ له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات…، ثم ضرب رسول الله| بيده على صدر عثمان، وقال: يا عثمان، لا ترغب عن سنّتي، فإنّ مَنْ رغب عن سنَتي عرضت له الملائكة يوم القيامة فصرفَتْ وجهه عن حوضي»([12]).

5ـ وفي روايةٍ أخرى تمَّتْ إضافة «الهجرة»، و«الصلاة»، و«الصيام»، و«الحج»، و«العمرة» إلى «الجهاد»([13]).

6ـ وفي روايةٍ أخرى عن الإمام الصادق× قال: «إِنَّ اللهَ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالى ـ أَعْطى مُحَمَّداً| شَرَائِعَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى^، التَّوْحِيدَ وَالإِخْلاصَ وَخَلْعَ الأَنْدَادِ، وَالْفِطْرَةَ الْحَنِيفِيَّةَ السَّمْحَةَ، وَلا رَهْبَانِيَّةَ، وَلا سِيَاحَةَ، أَحَلَّ فِيهَا الطَّيِّبَاتِ، وَحَرَّمَ فِيهَا الْخَبَائِثَ»([14]).

7ـ وفي موضعٍ آخر: عَنِ السَّكُونِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ× قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ|: «الاتِّكَاءُ فِي الْمَسْجِدِ رَهْبَانِيَّةُ الْعَرَبِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ مَجْلِسُهُ مَسْجِدُهُ، وَصَوْمَعَتُهُ بَيْتُهُ»([15]).

8ـ عن عليٍّ× قال: «قال رسول الله|: ليس في أمّتي رهبانية، ولا سياحة، ولا زمّ ـ يعني السكوت ـ»([16]).

9ـ قال رجلٌ لرسول الله|: يا رسول الله، أَوْصِني، قال: «أوصيك بتقوى الله؛ فإنّه رأس أمرك كله»… قلتُ: يا رسول الله، زِدْني، قال: «عليك بالجهاد؛ فإنّه رهبانيّة أمّتي»([17]).

يتّضح من مجموع هذه الروايات أن النبيّ الأكرم| قد أبطل الرهبانية. وطبقاً لأكثر الروايات تمّ التعريف بالجهاد بوصفه رهبانية الإسلام؛ وفي بعضها الآخر اعتبرت رهبانية الإسلام في الصلاة والصيام والحجّ والعمرة.

2ـ الروايات الناظرة إلى تأييد الرهبانية

وفي الطرف المقابل للروايات المتقدِّمة هناك طائفةٌ أخرى من الروايات تؤيّد الرهبانية، وهي:

1ـ عن الإمام الباقر× في وصف شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب×: «إِنَّمَا شِيعَةُ عَلِيٍّ الْحُلَمَاءُ الْعُلَمَاءُ، الذُّبُلُ الشِّفَاهِ، تُعْرَفُ الرَّهْبَانِيَّةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ»([18]).

2ـ روى الإمام جعفر الصادق× عن النبيّ الأكرم،| أنه قال لعليّ بن أبي طالب×: «يا عليّ، إخوانك [شيعتك وأنصارك] ذبل الشفاه، تعرف الرهبانيّة في وجوههم»([19]). وقد تمّ نقل هذه الرواية بسندَيْن مختلفين([20]).

3ـ وقال أمير المؤمنين×، يصف شيعته لنوف البكالي: «يا نوف، شيعتي الذبل الشفاه، الخمص البطون، الذين تعرف الرهبانية والربانية في وجوههم، رهبان بالليل، أُسْدٌ بالنهار، الذين إذا جَنَّهم الليل اتَّزروا على أوساطهم، وارتدوا على أطرافهم، وصفّوا أقدامهم، وافترشوا جباههم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم، وأما النهار فحلماء علماء كرام نجباء أبرار أتقياء»([21]).

4ـ قال الإمام الصادق× في وصف الذين يوالون أهل البيت^: «…الطبقة الثالثة النمط الأوسط، أحبّونا في السرّ، ولم يحبّونا في العلانية. ولعمري لئن كانوا أحبّونا في السرّ، دون العلانية، فهم الصوّامون بالنهار، القوّامون بالليل، ترى أثر الرهبانية في وجوههم»([22]).

5ـ «رُوينا عن عليٍّ× أن قوماً أتَوْه في أمرٍ من أمور الدنيا يسألونه في الدين، فتوسَّلوا إليه بأن قالوا: نحن من شيعتك يا أمير المؤمنين، فنظر إليهم طويلاً، ثم قال: ما أعرفكم، وما أرى عليكم أثراً مما تقولون. إنما شيعتنا مَنْ آمن بالله ورسوله، وعمل بطاعته، واجتنب معاصيه، وأطاعنا في ما أمرنا ودعونا إليه شيعتنا، رعاة الشمس والقمر والنجوم ـ يعني التحفُّظ من مواقيت الصلاة ـ. شيعتنا ذبل شفاههم، خمص بطونهم، تعرف الرهبانيّة في وجوههم»([23]).

6ـ «اللهمّ صلِّ على محمد وآل محمد، واجعلنا من الذين رتعوا في زهرة ربيع الفهم حتّى تسامى بهم السموّ إلى أعلى عليّين، فرسموا ذكر هيبتك في قلوبهم، حتّى ناجتك ألسنة القلوب الخفيّة بطول استغفار الوحدة في محاريب قدس رهبانية الخاشعين»([24]).

7ـ وقال أمير المؤمنين× في وصف الشيعة: «ذبل الشفاه من العطش، خمص البطون من الجوع، عمش العيون من السهر، الرهبانية عليهم لائحة، والخشية لهم لازمة»([25]).

8ـ عن سلمان الفارسي قال: «خطبنا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) بالمدينة، فذكر الفتنة وقُرْبها، ثم ذكر قيام القائم من ولده، وأنه يملأها عدلاً كما ملئت جوراً… ثم [بعد الفراغ من خطبته] انضجع، ووضع يده تحت رأسه، يقول: شعار الرهبانية القناعة»([26]).

إن هذه الروايات تثبت أن الرهبانية ليست غير مذمومة فحَسْب، بل هي من العلامات البارزة لشيعة الإمام عليّ× أيضاً.

وعلى هذا الأساس فإننا نواجه طائفتين من الروايات: طائفة ترفض الرهبانية؛ وطائفة تقرّها. والشيء نفسه يسود الروايات الواردة في مصادر أهل السنّة أيضاً.

وقد عمد الدكتور عبد الرحمن بدوي إلى مقارنة هذه الروايات بما جاء في القرآن الكريم من الآيات الخاصّة بالرهبانية؛ ليستنتج من ذلك وجود نوعين من الرهبانية: نوع مطلوب وممدوح، كما هو وراد في الآية 27 من سورة الحديد؛ ونوع آخر مذموم، من قبيل: الرهبانية المسيحية القائمة على التنكُّر للدنيا والامتناع من التنعُّم بملذّاتها، والاتجاه نحو الزهد والتقشُّف واعتزال الناس والمبالغة في الارتياض، حتّى أنهم كانوا يعملون على إخصاء أنفسهم، ويضعون الأغلال في أعناقهم، إلى غير ذلك من تحمُّل أنواع العقوبات الجسدية الأخرى. وقد أبطل النبيّ الأكرم هذا النوع من الرهبانية في الإسلام، ومنع المسلمين منها، قائلاً: «عليكم الجهاد. رهبانية أمّتي في الجهاد»([27]).

ومن هنا يمكن القول: إن الروايات الناظرة إلى إبطال الرهبانية إنما تنفي هذا النوع الثاني من الرهبانية. كما تصرِّح بعض الروايات المتعلِّقة بقضية عثمان بن مظعون بأنه إنما تعرَّض لعتاب رسول الله|؛ لأنه هجر زوجته، وانشغل عن شؤونه وشؤون أسرته بالعبادة، وفي بعضها الآخر أن النبيّ الأكرم قد منعه من جَبِّ نفسه وهجران أهله وما إلى ذلك. وفي لسان أكثر هذه الروايات عَدُّ هجران الأهل أبرز مظاهر الرهبانية الباطلة، وفي بعضها الآخر عُدَّ اجتناب أكل اللحم وترك الطِّيب من أبرز خصائص هذا النوع من الرهبانية.

وأما بالنسبة إلى الروايات الناظرة إلى تأييد الرهبانية ـ والتي ورد في أكثرها أن الرهبانية من علامات الشيعة ـ فتعتبر التقوى والزهد هو الميزة الأبرز في هذا النوع من الرهبانية. إن هذا النوع من الرهبانية التي تدعو إليها الروايات المذكورة لا تفضي إلى اعتزال النساء أو ترك الطِّيب وبعض المتع المحلَّلة الأخرى، وإنما تدعو إلى نوعٍ من اعتزال الناس. ومن هذا النوع الاعتزال الخاصّ الذي كان النبيّ الأكرم| يقوم به قبل البعثة في غار حراء، والتي أدَّتْ في نهاية المطاف إلى نزول الوحي عليه، وتحمُّل أعباء الرسالة السماوية.

وقد قال الإمام الخميني& في الفصل بين هذين النوعين من الرهبانية: «الرهبانية بهذا المعنى ـ أي ترك المجتمع وترك النساء ومنع القوى الإلهية الشريفة التي أعطاها الله تعالى للإنسان عن العمل ـ هي من غاية الجهل، وتترتَّب عليها مفاسد كثيرة.. والخوف من الله تعالى، الذي هو من جنود العقل ومن مصلحات النفس، ومقابله الجرأة على الله، وهي من جنود الجهل، لا يلازم الرهبانية بذلك المعنى [الذي تقدّّم ذكره]. بل إن الخلوة في عُرْف أهل المعرفة لا تعني اعتزال الخلق وتجنُّبهم، وإنْ كانت الخلوة في مصطلحهم عبارة عن ترك اشتغال القلب بغير الله تعالى، وقد لا تحصل أحياناً إلاّ من خلال اعتزال الناس والاختلاط بهم لفترةٍ محدّدة، وهي بهذا المعنى ليست رهبانية [بالمعنى المتقدِّم]، بل هي راجحةٌ شرعاً وعقلاً»([28]).

إن كلام أمير المؤمنين× في وصفه الشيعة لـ «نوف البكالي»، أو وصفه المتقين لـ «همام»([29])، يقدِّم صورةً واضحة للرهبانية الجائزة والممدوحة في الإسلام. وقال أمير المؤمنين في كلامٍ آخر له في هذا الشأن: «طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، أولئك قومٌ اتّخذوا أرض الله مهاداً، وترابها وساداً، وماءها طيباً، وجعلوا الكتاب شعاراً، والدعاء دثاراً»([30]). وهناك الكثير من هذا النوع من الروايات التي تثني على الزهد والإعراض عن الدنيا في المصادر الروائية لدى الشيعة، وهي من الكثرة بحيث لا يمكن ذكرها بأجمعها في هذا المقال المختصر.

وعلى أيّ حال فإنّ الذي يمكن قوله هو أن الإسلام لم يشجب الرهبانية بالمطلق، بل المنهيّ منها هو المذموم في لسان الروايات، وأما الممدوح منها فهو جائزٌ، بل هناك حثٌّ عليه.

2ـ رواية التنبّؤ بالمستقبل

ورد عن النبيّ الأكرم| أنه قال: «لا تقوم الساعة على أمّتي حتّى يخرج قومٌ من أمّتي يحلقون للذِّكْر رؤوسهم، ويرفعون أصواتهم بالذِّكْر، يظنّون أنّهم على طريق إبراهيم×، بل هم أضلّ من الكفّار، لهم شهقةٌ كشهقة الحمار، وقولهم كقول الفجّار، وعملهم عمل الجهّال، وهم ينازعون العلماء، ليس لهم إيمانٌ، وهم مُعْجَبون بأعمالهم، ليس لهم من عملهم إلاّ التعب»([31]).

أـ مناقشة السند

لم تَرِدْ هذه الرواية في المصادر الروائية الشيعية المتقدّمة. وأوّل مصدرٍ وردت فيه هو كتاب «الاثني عشرية». وهو مصدرٌ غير روائي، وإنما هو كتاب في الردّ على الصوفية. وأما المصدر الروائي الأول الذي أورد هذه الرواية فهو كتاب «سفينة البحار»، الذي هو من المصادر المتأخِّرة، معتمداً على أساس روايات بحار الأنوار. وقد نقل صاحب سفينة البحار هذه الرواية عن كتاب «نفثة المصدور»، لمحمد بن ميرزا عبد النبيّ النيسابوري(1232هـ)، وهو كتابٌ في النقض على الصوفية. وقد نقل الرواية صاحب «نفثة المصدور»، وكذلك صاحب «روضات الجنات»، عن «الكشكول»، للشيخ البهائي. كما نقلها الميرزا حبيب الله الخوئي(1361هـ) في «شرح نهج البلاغة» دون ذكر السند. وإلى هنا يمكن القول: إن هذه الرواية لا سند لها، وبذلك تُعَدّ من الروايات الضعيفة.

وفي ما يتعلَّق بالمصدر الرئيس لهذه الرواية يجب القول: إن هذه الرواية تنسب إلى «الكشكول»، للشيخ البهائي(1013هـ). بَيْدَ أن هذه الرواية لا وجود لها في جميع النسخ المطبوعة والمتوفِّرة بين أيدينا لهذا الكتاب. ففي حدود بحثنا في طبعة الكشكول ذات الأجزاء الثلاثة الصادرة عن دار نشر الفراهاني، وطبعة الكشكول بمجلّدين الصادرة عن دار نشر شركة الطباعة والنشر، وطبعة الكشكول بمجلدين الصادرة عن دار إحياء الكتب العربية، وكذلك الطبعة الحجرية للكشكول المتوفِّرة في بعض المكتبات، لم نعثر على أثرٍ لهذه الرواية. وزيادةً في الاطمئنان راجعنا المخطوطة المحفوظة في مكتبة السيد الكلبايكاني (برقم 114 / 32) ومع ذلك لم نعثر عليها هناك. وقد سبق لبعض الأشخاص، الذين توفَّر لديهم الداعي الكافي، أن بحثوا عن هذه الرواية في هذا المصدر([32])، ولكنّهم مع ذلك لم يحقِّقوا نجاحاً، واكتفوا بالاعتراف بعدم وجود هذه الرواية في النسخ المطبوعة والمتوفِّرة حالياً من نسخة الكشكول. يُضاف إلى ذلك أن نظرةً عابرة على هذا الكتاب تثبت أن لا وجود لأرضيةٍ تساعد على نقل هذه الرواية في ذلك الكتاب؛ إذ على الرغم من تسمية هذا الكتاب بـ «الكشكول»؛ وبذلك يمكنه أن يذكر فيه الموضوعات من شتّى المطالب، إلاّ أن هذا الكتاب يغلب عليه الطابع الأخلاقي والعرفاني، حيث قدَّم النصائح التربوية الخاصّة في إطار مختلف الوصايا العملية. ولهذه الغاية أكثَرَ من نقل الأقوال عن الشخصيات الكبيرة والمؤثِّرة. وفي هذا الشأن نجد الاستفادة من كلمات كبار العرفان والتصوُّف حاضرةً بقوّة. وقد استعمل في معرض الاستناد إلى كلام هؤلاء الأشخاص صفات وألقاب، من قبيل: «الشيخ العارف»([33])، و«الشيخ العارف العامل»([34])، و«العارف الكامل»([35])، و«العارف الرباني»([36])، و«العارف الصمداني»([37])، و«جمال العارفين»([38])، و«مولانا»([39])، و«العلاّمة»([40])، و«حشره الله مع محبِّيه»([41])، و«قدَّس الله روحه»([42])، و«رحمه الله»([43])، و«عطَّر الله مرقده بالرضوان»([44])، و«طاب ثراه»([45]). وهذه الألقاب تفوق نقل الأقوال العادية، فهي تعبِّر عن نوع من التعلُّق والارتباط الروحي الخاصّ من قِبَل المؤلِّف تجاه هؤلاء الأشخاص. كما أن سعة هذا النقل للأقوال([46])، المصحوب بهذه الألقاب والعناوين المذكورة، تثبت النظرة الإيجابية تجاه أفكار وآراء هؤلاء الأشخاص. وعلى هذا الأساس يمكن القول: إن أجواء الكتاب لا تساعد أبداً على ذكر روايةٍ صريحة في تخطئة الصوفية، وإن الذين أسندوا الرواية إلى هذا الكتاب أرادوا بذلك في الحقيقة إنكار تعلُّق المؤلِّف ـ الذي هو من مشاهير علماء الشيعة ـ بالاتجاه الصوفي والعرفاني، وإظهاره واقفاً على الطرف النقيض من الصوفية. الأمر الآخر الذي يجب ذكره هو أن هذا الكتاب زاخرٌ بالروايات ذات الصبغة العرفانية، الأمر الذي ينفي نسبة أيّ رواية مخالفة للعرفان إلى هذا الكتاب([47]).

ومع عدم وجود هذه الرواية في المصادر الروائية فإن الشيء الوحيد الذي يمكننا قوله هو أن نقل هذه الرواية في المصادر المناوئة للصوفية كان لدوافع غير علمية. وعلى أيّ حال مع وجود التشكيك الجادّ في أصل وجود هذه الرواية ـ بل والاطمئنان إلى عدم وجودها ـ لا يبقى هناك من داعٍ لمناقشة مضمونها ومحتواها.

3ـ رواية أبي ذرّ الغفاري

«يا أبا ذرّ، يكون في آخر الزمان قومٌ يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم، يرَوْن الفضل لهم بذلك على غيرهم، أولئك تلعنهم ملائكة السماوات والأرض»([48]).

أـ مناقشة السند

إن السند المذكور لهذه الرواية في كتاب وسائل الشيعة أكمل من سائر المصادر الأخرى؛ فقد ذكر السند هناك على النحو التالي: محمد بن الحسن [الشيخ الطوسي]، في المجالس والأخبار، عن جماعةٍ [معتبر]، عن أبي المفضَّل، عن رجاء بن يحيى العبرتائي، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصمّ، عن الفضيل بن يسار، عن وهب بن عبد الله الهمداني، عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي، عن أبيه، عن أبي ذرّ، عن رسول الله|، في وصيّته له، قال: يا أبا ذرّ…، الحديث.

وهذا السند وقع في بدايته أبو المفضَّل محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني. وقد ضعَّفه ابن الغضائري([49])، والنجاشي([50])، وابن داوود الحلّي([51])، والشيخ الطوسي([52]).

وأما الراوي الثاني، وهو رجاء بن يحيى العبرتائي الكاتب، فهو من أصحاب الإمام الهادي×، ولم يَرِدْ فيه توثيقٌ([53]).

وأما الراوي الثالث في هذا السند فهو أبو يعقوب محمد بن الحسن بن شمون البصري. ذهب الكشي والشيخ الطوسي إلى اعتباره غالياً، بل اعتبراه من رؤساء الغلاة([54])، وضعَّفه النجاشي والعلاّمة([55])، واتَّهماه بفساد المذهب، بينما اكتفى ابن الغضائري بتضعيفه أيضاً([56]).

وأما الراوي الرابع في هذه السلسلة فهو أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الأصمّ البصري. ذُكرت في حقّه أوصاف من قبيل: الغلوّ وما إلى ذلك([57]).

وأما الراوي الخامس في هذا السند فهو الفضيل بن يسار النَّهْدي الكوفي البصري الإمامي، وهو ثقةٌ جليل من أصحاب الإجماع([58]).

وأما الراوي السادس فهو أبو حرب بن أبي الأسود الدؤلي، وهو مجهولٌ. وقد ذهب الشيخ الطوسي إلى اعتباره من أصحاب أبي عبد الله الحسين×([59])، وذهب البرقي إلى القول بأنه من أصحاب أبي محمد الحسن بن عليّ×، وأنه كذلك من أصحاب أبي عبد الله الحسين× أيضاً([60]). ولم يَرِدْ فيه أكثر من هذا. ولا بُدَّ من الالتفات إلى أن مجرّد الصحبة لا تكفي دليلاً على وثاقة أو مدح الراوي.

وفي آخر هذه السلسلة من السند يقع (ظالم) أبو الأسود الدؤلي، وهو من أصحاب أمير المؤمنين×، والإمام الحسن المجتبى×، والإمام الحسين×، والإمام السجّاد×([61]). وهو، مثل نجله (الذي يروي عنه)، مجهولٌ. فلم يَرِدْ في حقّه أيّ توصيف أو توثيق غير ما ذكر.

وعلى هذا الأساس تُعَدّ هذه الرواية ـ بلحاظ أوصاف الرواة ـ ضعيفةً.

كما أن سند ورّام إلى ابن أبي الأسود مقطوعٌ. وقد عمد الطبرسي بدوره في كتاب «مكارم الأخلاق» إلى نقل سند الوسائل الذي يصل إلى الشيخ الطوسي([62]). وأما صاحب كتاب «أعلام الدين» الذي أورد هذه الرواية فإنه لا يذكر سندها، مكتفياً بذكر أبي الأسود الدؤلي فقط، ممّا يوحي أنه قد اعتمد على سند الشيخ الطوسي. وأما سائر أصحاب المصادر الأخرى المتأخِّرة عن عصر الشيخ الطوسي فقد نسجوا على ذات المنوال أيضاً.

ب ـ مناقشة المحتوى

إن هذه الرواية تُعَدّ واحدةً من أطول الروايات؛ إذ تشتمل على أكثر من ثلاثين ألف كلمة. وإذا استثنينا الأدعية المأثورة فقلَّما نجد لها مثيلاً في الطول بين الروايات. وهذه الرواية تشتمل على الكثير من المعارف القيِّمة في محلّها([63]). إلاّ أن الذي يرتبط من هذه الرواية بمحلّ بحثنا هو خصوص الفقرة المذكورة آنفاً. إن هذه الفقرة ذات بيان عامّ يشمل كلّ جماعة تتّصف بالأوصاف المذكورة فيها. ولا شَكَّ في أن الصوفية تعرف بلبس الصوف، بَيْدَ أن تخصيص هذا النوع من الملبس بهذه الجماعة فيه تجاهلٌ لجماعاتٍ أخرى من أفراد المسلمين؛ فإن هذا الملبس يعكس نوعاً من الزهد، وإن الزهّاد من غير الصوفيين يستعملون هذا الملبس كثيراً. والمهمّ في هذا القسم من الرواية هو التذكير برياء أصحاب هذا الملبس. وقد أدّى هذا اللحن إلى توظيف البعض له في ذمِّ جماعةٍ بعينها. ومن الطبيعي أن يوجد هذا النوع من الأشخاص في كافّة الجماعات. ومن هنا فإن إسقاط الرواية على جماعةٍ بعينها يعتبر نوعاً من التصرُّف في منطوق الرواية، وتضييق دائرة شمولها. ولا يمكن العثور على وجهٍ مقبول لهذا التصرُّف. ومع هذا التصرُّف لو عثرنا من بين سائر الفئات الإسلامية على أشخاصٍ من هذا النمط ـ وبطبيعة الحال يمكن العثور عليهم، ولا يستطيع أحدٌ أن ينكر ذلك ـ لا يمكن اعتباره مشمولاً لهذه الرواية. وهذا حكمٌ لا يمكن الالتزام به بسهولة. فكل شخص أو جماعة تباهي بهذا الملبس تكون مشمولةً لهذه الرواية، سواء أكان من الصوفية أم من غيرهم. وأما إذا لم يكن اتخاذ هذا الملبس من أجل التباهي، وإنما للتواضع والخضوع، فإنه لن يكون غير مذموم فحَسْب، بل سيكون ممدوحاً أيضاً. وبالمناسبة فإن هذه الناحية من اللبس المذكور قد ورد الاهتمام بها من قبل النبيّ الأكرم| في ذات هذه الرواية (الوصيّة لأبي ذرّ الغفاري)؛ وذلك إذ يقول| لأبي ذرّ: «يا أبا ذرّ، أكثر مَنْ يدخل النار المستكبرون، فقال رجلٌ: وهل ينجو من الكِبْر أحدٌ يا رسول الله؟ قال: نعم، مَنْ لبس الصوف، وركب الحمار، وحلب العنز، وجالس المساكين»([64]).

وقال النبيّ في موضعٍ آخر من هذه الرواية في وصيّته لأبي ذرّ الغفاري: «يا أبا ذرّ، إني ألبس الغليظ، وأجلس على الأرض، وألعق أصابعي، وأركب الحمار بغير سَرْج، وأُرْدِف خلفي، فمَنْ رغب عن سنّتي فليس منّي… يا أبا ذرّ، البِسْ الخشن من اللباس، والصفيق من الثياب، لئلاّ يجد الفَخْر فيك مسلكاً»([65]).

إن هذه الكلمات تفسِّر القسم السابق من الرواية بشكلٍ صريح. وبذلك يثبت أن الفهم السابق كان بمعزلٍ عن ملاحظة الجوانب الأخرى من الرواية، وهو لذلك فهم خاطئٌ، ولا يمكن الاعتماد عليه.

يضاف إلى ذلك وجود روايات أخرى تعمل على تفسير الكلام المذكور بشكلٍ ما. فهذه الروايات لا ترفض ارتداء الصوف، بل تحكم برجحانه أيضاً. فقد رُوي عن الإمام الكاظم× أن أبا ذرّ كان يقول: «جزى الله الدنيا عنّي مذمّةً بعد رغيفين من الشعير، أتغدّى بأحدهما وأتعشى بالآخر، وبعد شملتَيْ الصوف، أتَّزر بإحداهما وأرتدي بالأخرى»([66]).

إن هذه الرواية ـ وجميع رواتها ثقات ـ تثبت أن أبا ذرّ بدوره لم يفهم الذمّ المطلق للبس الصوف الوارد في هذه الوصية. وقد قال العلاّمة المجلسي في توضيح هذه الرواية، والجمع بينها وبين الروايات الناهية عن لبس الصوف: «[إن هذا الحديث] يدلّ على جواز لبس الصوف، بل استحبابه. وما ورد بالنهي والذمّ محمولٌ على المداومة عليه، أو على ما إذا لم يكن للقناعة، بل لإظهار الزهد والفضل، كما ورد في وصيّة النبيّ| لأبي ذرّ رضي الله عنه»([67]).

ومن الجدير بالذكر أن هذا القسم من بحار الأنوار ـ الذي يمثِّل المجلد الخامس عشر بحَسَب تنظيم العلاّمة المجلسي نفسه ـ لا يحتوي على تاريخ كتابته. ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن المجلسي قد أعاد النظر في هذا المجلّد بعد الفراغ من المشروع برمّته، وعمد إلى تقسيمه ضمن مجلّدين([68]). وقد تمّ الفراغ من تنظيم المجلد الرابع عشر سنة 1104هـ؛ وعليه ـ طبقاً للترتيب المعمول ـ يجب أن يكون هذا المجلّد قد كتب بعد هذا التاريخ. وفي مثل هذا الحال يمكن القول بأن هذا القسم من بحار الأنوار هو من الأقسام الأخيرة من هذه الموسوعة؛ لأن العلاّمة المجلسي قد فرغ من تأليف البحار في هذه الفترة الزمنية تقريباً([69]). ويمكن لهذا أن يعني أن ما كتبه قبل هذا التاريخ بشأن لبس الصوف في كتاب «عين الحياة»([70]) قد أعاد النظر فيه هنا.

وفي روايةٍ أخرى عن النبيّ الأكرم| أنه قال: «خمس لا أدعهنّ حتّى الممات: الأكل على الحضيض مع العبيد، وركوبي الحمار مؤكفاً، وحلبي العنز بيدي، ولبس الصوف، والتسليم على الصبيان؛ لتكون سنّةً من بعدي»([71]).

وعن محمد بن الحسين بن كثير الخرّاز، عن أبيه قال: «رأيتُ أبا عبد الله× وعليه قميصٌ غليظ خشن تحت ثيابه، وفوقه جبّة صوف، وفوقها قميص غليظ، فمسستُها، فقلت: جعلت فداك، إنّ الناس يكرهون لباس الصوف، فقال: كلاّ، كان أبي محمد بن عليّ’ يلبسها، وكان عليّ بن الحسين’ يلبسها، وكانوا^ يلبسون أغلظ ثيابهم إذا قاموا إلى الصلاة، ونحن نفعل ذلك»([72]).

وفي بعض هذه الروايات كلامٌ عن لبس الصوف من قِبَل الأنبياء^ بشكلٍ عامّ، ومن دون ذكر أسمائهم([73])، ومع ذكر أسمائهم في بعض الموارد الأخرى([74]). وهناك روايات تتحدَّث عن لبس الأئمة^ والسيدة فاطمة الزهراء÷ لهذا النوع من الثياب([75]). وهناك مجموعةٌ أخرى من الروايات تحدَّثت عن شيوع وفضل هذا النوع من الثياب بين الأمم السابقة([76])، وبين أمّة خاتم الأنبياء([77])، وأصحابه([78]). وفي بعض الموارد تمّ اعتبار لبس الصوف جزءاً من النبوة([79]). وفي بعض هذه الروايات تمّ اعتبار لبس الصوف موجباً لإدراك لذّة الإيمان([80])، ومقدّمةً لدخول ملكوت السماوات([81]).

وعليه فبالنظر إلى وجود كلّ هذه الروايات في فضيلة لبس الصوف، وأن أبا ذرّ كان يعتبر نفسه من أولئك الذين يرتدون هذا النوع من الثياب، وأن الأنبياء وأئمة الهدى^ كانوا يتّخذونه لباساً لهم، وبالالتفات إلى ما جاء في موردين ـ في الحدّ الأدنى ـ من ذات هذه الوصيّة لأبي ذرّ في اعتبار لبس الصوف دليلاً على فضيلة التواضع، كيف يمكن أن يستفاد من هذا القسم الخاصّ من الرواية ـ الوارد في ذمّ أشخاص بعينهم ـ ذلك الفهم العامّ بشأن جماعةٍ أو طائفة محدَّدة؟!

وقد ذهب بعض المفسِّرين في تفسير قوله تعالى: ﴿لِبَاسُ التَّقْوَى﴾ (الأعراف: 26) إلى القول: «هو الذي يقتصر عليه مَنْ أراد التواضع والنسك في العبادة من لبس الصوف والشعر والوبر والخشن من الثياب»([82]).

وعليه فإن غاية ما يمكن قوله: إن لبس الصوف أو أيّ نوع آخر من الثياب؛ بداعي الفخر والتباهي، هو المذموم، من أيّ شخص أو جماعة صدر. من هنا إذا أراد شخصٌ أن يسقط هذه الرواية على شخصٍ بعينه، أو طائفة بعينها، تعيَّن عليه قبل كل شيء أن يثبت أن هذا الشخص أو هذه الطائفة إنما تتَّخذ لبس الصوف للفخر والمباهاة، عندها فقط يمكنه أن يجري عليها الحكم الوارد في هذه الرواية. ولا شَكَّ في أن كلّ مرحلة زمنية قد شهدت وجود بعض الأشخاص ـ سواء من الصوفية أو غيرهم ـ قد اتّخذوا من هذا النوع من الثياب وسيلةً للفخر والتباهي، والإغراء بالناس، وهذه مسألةٌ لا يمكن إنكارها من أيّ منصفٍ، إلاّ أن إثباتها في حقّ شخصٍ بعينه، أو جماعةٍ أو طائفة بعينها، أو تعميمها على جميع أفراد فئةٍ خاصّة، دونه خرط القتاد.

ولا بأس في الإشارة إلى أن بعض الروايات قد ربطت لبس الصوف بالحاجة([83]). وبذلك يقع التعارض بينها وبين الروايات المتقدِّمة. وقد سبق لنا أن ذكرنا رأي العلاّمة المجلسي في رفع التعارض بين هذه الروايات. وكانت نتيجة جمعه ترجيح كفّة لبس الصوف. وأما صاحب الوسائل فقد قال في رفع هذا التعارض: «ويحتمل الحمل على نفي التحريم؛ ويحتمل التخصيص بوقت الصلاة، كما يفهم من آخره؛ ويحتمل التقييد بوجود العلة، كما مرّ»([84]).

وقال في موضعٍ آخر: «وللحمل [أي حمل الروايات التي تجيز لبس الصوف] على النسخ [بمعنى أن الروايات الناظرة لسنّة لبس الصوف ناسخةٌ للروايات التي تذمّ لبس الصوف]، وللتخصيص [أي حمل روايات الجواز على التخصيص] بلبس العباء؛ فإنه لم ينقل أنه كان يلبس غيرها من الصوف، بل نقل أن لباسه كان من القطن»([85]).

يستنتج ممّا قيل حتّى الآن أن لبس الصوف في حدّ ذاته لا ينطوي على إشكالٍ، بل هو مرغوبٌ إذا كان للتواضع والزهد والتنسُّك، وأما إذا تحوّل لبس الصوف إلى وسيلة للتفاخر والتفضّل فلن يكون غير مرغوب فحَسْب، بل سيكون مذموماً، وإنّ كل شخص أو جماعة تتخذه لهذه الغاية سيشملها الذمّ المذكور في هذه الرواية (وصيّة الرسول| لأبي ذرّ الغفاري). بَيْدَ أننا لا نستطيع أن نشير بإصبع الاتّهام إلى جماعةٍ خاصة، واعتبار الرواية ناظرة إليها بعينها، إلاّ إذا كانت تلك الجماعة متّصفة بالملاكات المذكورة في تلك الرواية. وعليه إذا وجدنا مصاديق في سلوك أو آثار الصوفية تدلّ على اتّخاذهم الصوف شعاراً للتباهي والتفاخر والتفضُّل على الآخرين فإنهم سيكونون مشمولين لحكم الرواية بلا تردُّد، وأما إذا لم يمكن العثور على مثل هذا الشيء فإنّ الحكم في هذا المورد على أساس هذه الرواية لن يكون له من دافع سوى النوايا المبيَّتة.

الاستنتاج

إن الذي يمكن الخروج به كنتيجةٍ نهائية، بعد دراسة الروايات المتقدّمة، هو أننا لا نستطيع الحصول من مضامين الروايات النبويّة على ما يمكن به نقد وتخطئة الصوفية. أما الرهبانية التي تمثِّل نوعاً من السلوك الخاص بالصوفية، والذي ينكره عليهم المخالف لهم، فهي لا تنطوي على سابقةٍ سلبية بين المسلمين، بل يمكن العثور على شواهد تشير إلى الترغيب والحثّ عليها باعتبارها أمراً مطلوباً. إنما الذي ينبغي الالتفات إليه هو نبذ الإسلام لنوعٍ خاص من الرهبانية المتطرّفة، حيث ينهى الإسلام عنها، وفي المقابل هناك دعوةٌ وانحياز إلى الزهد والرهبانية المعتدلة. إن الفهم الأحادي والشمولي لرواية الرهبانية، والإحجام عن بيان الروايات الأخرى التي تبيِّن حدود شمول الرواية المذكورة، يمهِّد الأرضية لتوظيف هذه الرواية بشكلٍ خاطئ. ومن خلال الجمع بين مختلف الروايات ينقشع الضباب عن حدود الدائرة الاستيعابية لرواية الرهبانية.

كما أن روايات لبس الصوف (التي اعتبرت مثالاً للصوفية) لا تعتبر هذا الأمر ظاهرةً سلبية، بل تنظر إلى لبس الصوف بوصفه مثالاً للزهد والإعراض عن الدنيا، وأنه يمثِّل الأسلوب المتَّبع من قِبَل الأنبياء السابقين والأئمة الكبار في الدين الإسلامي أيضاً. وإنما الذي اعتبر مذموماً هو التفاخر والكبرياء في لبس هذا النوع من الثياب.

إن تكثير المصادر الروائية في نقد الصوفية يُعَدّ من الأساليب التي عمدت الآثار المناهضة للصوفية إلى اتّباعها من أجل التأثير على المخاطبين. وهذا في حدِّ ذاته يشكِّل ضربةً كبيرة لمصداقية الروايات المتعلِّقة بذمّ الصوفية، كما يضرّ بمصداقية الناقدين للصوفيين أيضاً. وفي هذا المقال عمدنا إلى التعريف بمصادر الروايات المذكورة. وقد أثبتنا من خلال الشواهد أنها في بعض الموارد (كما هو الحال بالنسبة إلى الرواية الثانية) تنتهي بأجمعها إلى مصدرٍ واحد، وعند الرجوع إلى ذلك المصدر وجدناه خالياً من الرواية المذكورة.

وفي بعض الموارد تمّ تضليل المخاطب من خلال نقل بعض الرواية، وتعمُّد تجاهل الأجزاء الأخرى من الرواية التي تفسِّر الجزء الذي يمثِّل المدّعى المذكور (كما حصل ذلك بالنسبة إلى الرواية الثالثة)، الأمر الذي يوفِّر الأرضية للتضليل والفهم والاستدلال الخاطئ. وبالتالي يمكن القول: لا شيء من الروايات المذكورة في المستوى الذي يمكن من خلالها تخطئة ونقد الصوفية، وعليه لا بُدَّ في نقد الصوفية من البحث عن شواهد أخرى أفضل من هذه الشواهد.

الهوامش

(*) متخصِّصٌ في مجال التصوُّف والعرفان، وفي مجال علم الاقتصاد النظريّ.

([1]) النعمان بن محمد التميمي المغربي، دعائم الإسلام 2: 193، دار المعارف، ط2، مصر، 1385هـ.

([2]) انظر: محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، تصحيح: سهيل، دار الفكر، بيروت، 1414هـ.

([3]) انظر: عبد الرحمن بدوي، تاريخ تصوّف إسلامي (من بداية إلى نهاية القرن الهجري الثاني): 124، ترجمه إلى الفارسية: محمد رضا افتخار زاده، دفتر نشر معارف إسلامي، ط1، قم، 1375هـ.ش (مصدر فارسي).

([4]) انظر: روح الله الموسوي الخميني، شرح حديث جنود العقل والجهل: 325، مؤسسة تنظيم ونشر آثار إمام خميني، ط5، طهران، 1380هـ.ش (مصدر فارسي).

([5]) انظر: بدوي، تاريخ تصوّف إسلامي (من بداية إلى نهاية القرن الهجري الثاني): 124.

([6]) محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي 5: 496، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1365هـ.ش.

وقد نقل الكليني هذا الحديث بسندين. والسند الأول صحيح؛ أما السند الثاني فضعيفٌ؛ بـ (محمد بن حسن بن شمون)، و(عبد الله بن عبد الرحمن).

([7]) محمد بن عليّ بن بابويه القمّي (الصدوق)، الأمالي أو المجالس: 63 (المجلس السادس عشر)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط5، بيروت، 1990م. وهذه الرواية ضعيفة؛ للجهل بـ (عبد الله بن وهب)، و(ثوابة بن مسعود)، وكذلك هو الحال بالنسبة إلى (أنس بن مالك).

([8]) محمد بن الحسن الطوسي، تهذيب الأحكام 4: 190، دار الكتب الإسلامية، ط4، طهران ـ قم، 1365هـ.ش؛ محمد بن الحسن الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 4: 117؛ 10: 410، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم، 1409هـ. وهذه الرواية ضعيفةٌ؛ للجهل بـ (عبد الله بن جابر)، ونفس (عبد الله بن مظعون).

([9]) الطوسي، تهذيب الأحكام 6: 122؛ الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 15: 17. وهذه الرواية ضعيفةٌ؛ للجهل بـ (ضرار بن عمرو الشمشاطي)، و(سعد بن مسعود الكناني)، و(عثمان بن مظعون).

([10]) في التهذيب والوسائل وردت كلمة (الرهبانية)، بَدَلاً من (السياحة)، وهناك اعتبر النبيّ الأكرم| السياحة جهاداً.

([11]) إلى هنا تنتهي عبارة التهذيب والوسائل.

([12]) النعمان المغربي، دعائم الإسلام 2: 190.

([13]) انظر: محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 14: 277، مؤسسة الوفاء، بيروت، 1404هـ.

([14]) المجلسي، بحار الأنوار 65: 317؛ الكليني، أصول الكافي 2: 17.

([15]) الكليني، أصول الكافي 2: 662؛ الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 5: 236.

([16]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 10: 524؛ الصدوق، معاني الأخبار: 173، انتشارات إسلامي التابعة لجماعة المدرّسين في الحوزة العلمية، قم، 1361هـ.ش.

([17]) الطوسي، الأمالي: 539؛ انتشارات دار الثقافة، قم، 1414هـ؛ الحسن الديلمي، إرشاد القلوب 1: 140، انتشارات الشريف الرضي، 1412هـ؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة 11: 185، انتشارات مكتبة المرعشي النجفي، قم، 1404هـ.

([18]) الكليني، أصول الكافي 2: 235.

([19]) المجلسي، بحار الأنوار 65: 40؛ تفسير فرات الكوفي: 245، مؤسسة الطباعة والنشر، 1410هـ؛ النعمان المغربي، دعائم الإسلام 1: 56.

([20]) انظر: المجلسي، بحار الأنوار 65: 40، 45.

([21]) الطوسي، الأمالي: 576؛ المجلسي، بحار الأنوار 65: 177.

([22]) ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول عن آل الرسول: 325، 1404هـ.

([23]) حسين النوري، مستدرك الوسائل 1: 128، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم، 1408هـ.

([24]) المجلسي، بحار الأنوار 91: 126.

([25]) المصدر السابق 75: 26.

([26]) أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري، دلائل الإمامة: 132 ـ 133، دار الذخائر للمطبوعات، قم.

([27]) انظر: بدوي، تاريخ تصوّف إسلامي (من بداية إلى نهاية القرن الهجري الثاني): 132 ـ 133.

([28]) الخميني، شرح حديث جنود العقل والجهل: 326.

([29]) انظر: المجلسي، بحار الأنوار 75: 28 ـ 30.

([30]) المصدر السابق 75: 27.

([31]) الحُرّ العاملي، الرسالة الاثني عشرية في الردّ على الصوفية: 34، مكتبة المحلاتي بالتعاون مع دفتر نشر فرهنگ أهل البيت، ط3، 1423هـ ـ 1381هـ.ش؛ عبّاس القمّي، سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار 5: 200، دار الأسوة للطباعة والنشر، ط3، قم، 1422هـ ـ 1380هـ.ش؛ محمد باقر الموسوي الخوانساري، روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات 6: 135، نشر إسماعيليان، قم، 1390هـ؛ حبيب الله الهاشمي الخوئي، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة 6: 298، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1424هـ ـ 2003م.

([32]) انظر: الحُرّ العاملي، الرسالة الاثني عشرية في الردّ على الصوفية: 151، الهامش رقم 2؛ القمّي، سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار 5: 200؛ علي أكبر ذاكري، درستي انتساب حديقة الشيعة به مقدّس أردبيلي (صحة انتساب كتاب حديقة الشيعة إلى المقدّس الأردبيلي): 186، مجلة حوزة، العدد 75، 1375هـ.ش (مصدر فارسي).

([33]) انظر: محمد العاملي البهائي، الكشكول (3 مجلدات) 2: 33؛ 3: 51، 280، 226، 316.

([34]) انظر: المصدر السابق 2: 381.

([35]) انظر: المصدر السابق 3: 470.

([36]) انظر: المصدر السابق 2: 20.

([37]) انظر: المصدر السابق 2: 365.

([38]) انظر: المصدر السابق 1: 42؛ 2: 382؛ 3: 227.

([39]) انظر: المصدر السابق 2: 381.

([40]) انظر: المصدر السابق 3: 134.

([41]) انظر: المصدر السابق 2: 365.

([42]) انظر: المصدر السابق 1: 217.

([43]) انظر: المصدر السابق 1: 288؛ 2: 381؛ 3: 228، 227.

([44]) انظر: المصدر السابق 1: 8.

([45]) انظر: المصدر السابق 1: 108.

([46]) يصل عدد هذا النقل للأقوال إلى أكثر من مئتي مورد.

([47]) انظر: محمد العاملي البهائي، الكشكول (2 مجلّد، مع فهرسة كاملة للروايات) 2: 83، 141، 379، 417؛ 3: 14، تصحيح وتعليق: محمد صادق نصيري. انتشارات شركة طبع ونشر، [قم].

([48]) الطوسي، الأمالي: 537؛ المجلسي، بحار الأنوار 74: 93؛ الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 5: 35؛ الحسن الديلمي، أعلام الدين: 203، انتشارات الشريف الرضي، 1412هـ؛ ورّام بن أبي فراس، مجموعة ورّام 2: 66، انتشارات مكتبة الفقيه، قم؛ الحسن بن الفضل الطبرسي، مكارم الأخلاق: 471، انتشارات الشريف الرضي، ط4، قم، 1412هـ؛ الخوانساري، روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات 3: 136؛ نعمة الله الجزائري، الأنوار النعمانية، 2: 295، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط4، بيروت، 1404هـ ـ 1984م؛ أحمد بن محمد الأردبيلي (المعروف بالمقدَّس الأردبيلي)، حديقة الشيعة: 748، تصحيح: صادق حسن زادة وعلي أكبر زماني نجاد، انتشارات أنصاريان بالتعاون مع مؤتمر المقدّس الأردبيلي، ط3، قم، 1383هـ.

([49]) انظر: رجال ابن الغضائري 1: 99، مؤسسة إسماعيليان، ط2، قم، 1364هـ.

([50]) انظر: رجال النجاشي: 396، انتشارات جماعة المدرسين، قم، 1407هـ.

([51]) انظر: رجال ابن داوود الحلي: 505، انتشارات دانشگاه، طهران، 1383هـ.

([52]) انظر: محمد بن الحسن الطوسي، الفهرست: 402، المكتبة المرتضوية، النجف الأشرف؛ رجال الطوسي: 447، انتشارات إسلامي جماعة المدرسين، قم، 1415هـ.

([53]) انظر: رجال النجاشي: 166؛ رجال العلاّمة الحلّي: 72، دار الذخائر، قم، 1411هـ.

([54]) انظر: رجال الكشّي: 322، انتشارات دانشگاه مشهد، 1348هـ؛ رجال الطوسي: 402.

([55]) انظر: رجال النجاشي: 335؛ رجال العلاّمة الحلّي: 252.

([56]) انظر: رجال ابن الغضائري 1: 95.

([57]) انظر: المصدر السابق 1: 77؛ رجال النجاشي: 217؛ رجال العلاّمة الحلّي: 238.

([58]) انظر: رجال العلاّمة الحلّي: 159، 132؛ رجال النجاشي: 309، 362؛ رجال الكشّي: 143.

([59]) انظر: رجال الطوسي: 106.

([60]) انظر: رجال البرقي: 8، انتشارات دانشگاه، طهران، 1383هـ.

([61]) انظر: رجال الطوسي: 70، 94، 102، 116؛ رجال ابن داوود الحلّي: 191، 392.

([62]) انظر: الطبرسي، مكارم الأخلاق: 458.

([63]) لا بُدَّ من التذكير في ما يتعلَّق بتصحيح الروايات ـ بناءً على تطبيقاتها ـ أن هناك أسلوبين: ففي الفقه وأحكام الفروع والمسائل المماثلة (من قبيل: ما نحن فيه) يتمّ تصحيح الرواية على أساس السند والراوي؛ وأما في المعتقدات والأصول فيتمّ تصحيح الرواية على أساس المحتوى ومتن الرواية، بمعنى أنه إذا كان المحتوى بلحاظ الكلّيات الاعتقادية والمباني المتقنة متّخذاً من محكمات القرآن والروايات الصحيحة والمتواترة (الأعمّ من التواتر المعنوي واللفظي) عملنا بتلك الرواية، حتّى إذا كانت ضعيفة السند؛ وأما إذا كانت مخالفة لتلك الكليات لم يعمل بها، حتّى إذا كانت صحيحة السند. ويمثل الرجوع إلى الكتب الفقهية والاعتقادية خير شاهدٍ على تأييد هذا المدَّعى. وعلى هذا الأساس فإن هذه الرواية وإنْ كانت صحيحةً من حيث المحتوى، إلاّ أنها بلحاظ الاستناد إلى الأمور التي لا تُعَدّ من العقائد المتقنة (من قبيل: موردنا) تحتاج إلى دراسة السند. ويعتبر هذا هو الملاك في التصحيح السندي.

([64]) الطبرسي، مكارم الأخلاق: 110، 115، 471؛ المجلسي، بحار الأنوار 74: 92؛ الديلمي، إرشاد القلوب: 203؛ مجموعة ورّام 2: 66؛ الطوسي، الأمالي: 537؛ النوري، مستدرك الوسائل 3: 254.

([65]) الطبرسي، مكارم الأخلاق: 115؛ المجلسي، بحار الأنوار 74: 93.

([66]) الطوسي، الأمالي: 702؛ الكليني، الكافي 2: 134.

([67]) المجلسي، بحار الأنوار 70: 65.

([68]) انظر: المصدر السابق 64: 1.

([69]) لقد بدأ بتأليف بحار الأنوار سنة 1070هـ، وتمّ الفراغ منه سنة 1106هـ.

([70]) انظر: محمد باقر المجلسي، عين الحياة: 645 ـ 652، تصحيح: حسن علمي، انتشارات أمير كبير، طهران.

([71]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 12: 62؛ 24: 256؛ الصدوق، الأمالي أو المجالس: 71؛ الصدوق، الخصال 1: 271، انتشارات جماعة المدرسين، ط2، قم، 1403هـ.

([72]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 4: 454؛ الكليني، الكافي 6: 450.

([73]) انظر: النوري، مستدرك الوسائل 3: 254؛ 16: 334؛ المجلسي، بحار الأنوار 11: 357؛ 67: 321؛ الطوسي، تهذيب الأحكام 3: 255؛ قطب الدين الراوندي، فقه القرآن: 89، انتشارات مكتبة المرعشي النجفي، ط2، قم، 1405هـ.

([74]) نهج البلاغة، الخطبة المعروفة بـ (القاصعة).

([75]) انظر: الطبرسي، مكارم الأخلاق: 141، 235.

([76]) انظر: تفسير العيّاشي 2: 136، المطبعة العلمية في طهران، طهران، 1380هـ.ش (مجلدان).

([77]) انظر: المصدر نفسه؛ أبو الفضل عليّ بن الحسن الطبرسي، مشكاة الأنوار: 203، المكتبة الحيدرية، ط2، النجف الأشرف، 1385هـ.ش؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة 8: 14.

([78]) انظر: المجلسي، بحار الأنوار 69: 2.

([79]) انظر: الطبرسي، مكارم الأخلاق: 115.

([80]) الطوسي، تهذيب الأحكام 2: 305.

([81]) انظر: المصدر السابق 3: 331؛ 2: 305.

([82]) الراوندي، فقه القرآن 1: 95.

([83]) انظر: الكليني، الكافي 6: 450؛ الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 5: 34 ـ 35.

([84]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 5: 35.

([85]) المصدر السابق 5: 36؛ 12: 62.