وظائف المسلم المعاصر، تجاه مذهب أهل البيت النبويّ^

حيدر حبّ الله([1])

تحرير وتنظيم: الشيخ سعيد نورا

­­­­تمهيد

الموضوع الذي سنتحدّث عنه هو «وظائف المسلم المعاصر تجاه مذهب أهل البيت^»، وهو عنوان ليس بجديد، لكنّني أهتمّ بإضافة كلمة «المعاصر»؛ لنطلّ من خلالها على بعض المستجدّات، وعلى بعض الأساليب والمضامين الضروريّة في عصرنا تجاهَ هذا المذهب الكريم الذي لا تقف إشعاعاته عند الشيعة الإماميّة، بل لها امتدادات أوسع بكثير، فلأهل البيت^ أتباعٌ كثيرون ومحبّون كُثُر، وربّما يتفاضل المحبّون فيما بينهم، لكنّ أكثر المسلمين يحبّون أهل البيت^ في قلوبهم، سواء قصّروا تجاههم في مقام العمل أم لم يقصّروا.

فيما يتعلّق بوظيفتنا تجاه مدرسة أهل البيت^ في هذه المرحلة التاريخيّة والمصيريّة من عمر أمّتنا، يمكن تقسيم الحديث إلى ثلاثة محاور أساسيّة، ضمن بيان ثلاث وظائف، أودّ أن اُسمّيها:

1 ـ الوظيفة البنائيّة: وفي هذا المحور سوف نتحدّث عن الوظيفة على مستوى بناء مذهب أهل البيت^.

2 ـ الوظيفة البيانيّة: وفي هذا المحور سوف نحاول أن نجيب: كيف نقدّم هذا المذهب للآخرين؟ وكيف نعرضه في هذا الزمن لسائر الناس؟ وكيف نقرّب الناس من هذا المذهب بدلاً من أن نُبعدهم عنه؟

3 ـ الوظيفة الدفاعيّة: ويرتبط هذا المحور بتقديم جواب عن السؤال الآتي: كيف ينبغي لنا أن ندافع عن هذا المذهب؟ وما هو الدفاع الأمثل الذي يحقّق أغراضَه ولا ينقضها؟

المحور الأول: الوظيفة البنائيّة

كيف ينبغي لنا أن نبني هذا المذهب؟ على أيّ أسس ينبغي أن نقيم هذا المذهب الذي نعتقد بأنّه يمثّل القراءة الأفضل للإسلام، والقراءة الأقرب لروح ما جاء به الرسول|؟

هذا السؤال لا أقصد منه أنّنا نقوم بصنع المذهب، فأصحاب هذا المذهب هم النبيّ وأهل بيته، بل مرادي هو: كيف نقوم نحنُ بتشييد المذهب في مقام الإثبات في أفق المعرفة الفكريّة.

بناء المذهب، بين الجدل والبرهان

لو تصفّحنا ما يحيط بنا في واقعنا المعاصر، نجد أنّ فريقاً من المؤمنين ربّما يميل أو يتعاطف أكثر ـ من حيث يشعر أو لا يشعر ـ مع بناء هذا المذهب على أساس الجدل والمماحكة، وليس على أساس العلم والبرهان، بينما الكثير من علماء الشيعة عبر التاريخ فضّلوا لأتّباع مذهب أهل البيت سلوكَ سبيل البرهان والمنطق والحجّة، سواء فيما قدّمه بعض المتكلّمين القدامى أم فيما قدّمه المتكلّمون المتأخّرون أم فيما قدّمه فلاسفة علم الكلام أو متكلّمو الفلسفة، مثل ما جاء مع فلسفة ملاصدرا الشيرازي وأنصار هذه المدرسة.

لقد قدّم هؤلاء نظريّاتهم عبر الأدلّة والبراهين، وشرّحوا هذه الأدلّة، وساقوا إثباتات متعدّدة لتأكيد صوابية هذا المسلك الذي سلكوه في الأمّة، لكن نحن اليوم بتنا نخشى أنّنا صرنا محكومين لنزعة دفاعيّة وجدليّة، فصار المعبّر عن أساسيّات هذا المذهب هو الطابع السجالي، والسؤال هنا: ما الذي يمكنه أن يشيّد نظريّات هذا المذهب: هل تلك المساجلات التي نسمعها هنا أو هناك أو الحلقات البحثيّة العلميّة التخصصيّة المنفتحة القائمة على أساس البرهان والمنطق المتعالي عن التحيّزات المسبقة؟

مع الأسف الشديد نلاحظ اليوم، أنّنا بتنا نستخدم الأساليب النفسيّة في تشييد بعض نظريّات علم الكلام أحياناً، بدلَ أن نستخدم الأدلّة والبراهين من الكتاب والسنّة ومن العقل والمنطق العقلاني، فإذا أردنا أن نبني فكرةً استخدمنا الإجماعَ، وقلنا: هذا هو ما أجمع عليه العلماء، مع أنّ الإجماع ليست له قيمة تُذكر في مثل قضايا علم الكلام كما يقول العلماء أنفسهم.

وإذا أردنا أن نبني فكرة عقديّة معيّنة وجدنا أنفسنا نستند بالدرجة الأولى إلى رواية ضعيفة السند والمصدر، ونُدرك أنّها ضعيفة السند أحياناً، لكن مع ذلك يشدّنا الشعور العاطفي المتفاعل مع مضمون هذه الرواية إلى الاعتقاد بها، وأحياناً إذا وقفنا أمام فكرةٍ ما نستطيع أن نقتنع بها على أساس أنّها متداولة مشهورة، مع أنّ شهرة فكرةٍ ـ لاسيما في القضايا العقائديّة ـ لا قيمة لها تُذكر.

لقد درسنا جميعاً في علم المنطق ـ في الجزء الثالث من كتاب المنطق للشيخ محمّد رضا المظفر& ـ أنّ العالَم كلّه لو وقف ضدّك وبيدك البرهان، فلا قيمة لكلّ العالم ما دمت تملك البرهان على صواب فكرتك هذه، ولو وافقك العالم كلّه على فكرةٍ مّا وأنت لا تملك عليها برهاناً ـ بالمعنى العلمي للكلمة ـ فلا قيمة لموافقتهم هذه، فلسنا في إطار عملٍ سياسي ولا في انتخابات شعبويّة، وإنّما في إطار بحث علمي، والدوائر والمساحات مختلفة تماماً.

نحن نشعر في العقود الأخيرة أنّنا بدأنا نميل أكثر ـ في بعض الأحيان ـ لتثبيت وتشييد وإقامة بعض أساسيّات هذا المذهب على أسُسٍ أقرب إلى الأسس النفسيّة التي إنّما تعطي الإنسان طمأنينةً نفسيّة؛ لأنّ أيّ إنسان عندما تقول له: إنّ الناس كلَّهم مؤيّدون لهذه الفكرة، يشعر بالطمأنينة، لكن عندما تقول له: إنّ هذه الفكرة لا يؤيّدها أحدٌ من حولك، يشعر بالوحشة، وهذا أمر طبيعي ونفسي.

فاعتمادنا أحياناً للبرهنة على أفكارٍ مّا من خلال إجماع أو من خلال شهرة أو من خلال شيوع هذا الأمر بين الناس أو من خلال رواية ضعيفة أو من خلال رؤيا رآها شخصٌ في منامه أو من خلال إخبار أخبره رجلٌ طيّب متديّن صافي القلب والسريرة.. هذا كلّه سوف يضعضع بمرور الأيام أساسيّات أفكارنا واعتقاداتنا.

ما أعنيه هنا، وأرجو التدقيق جيداً، هو أنّ تحوّل الثقافة العامّة ـ بما فيها ثقافة النخبة ـ بشكلٍ تدريجي نحو اعتماد هذا اللون من الأدلّة لتشييد المعتقدات العامّة سوف يؤدي لاحقاً إلى تحوّل القاعدة البنائيّة للمذهب ـ ولو على صعيد بعض جوانب العقيدة المهمّة ـ إلى قاعدة هشّة، وقد تورّطت في هذا الأمر بعضُ المذاهب التي انعزلت عن المجتمعات المسلمة وانكفأت إلى أماكن جعرافيّة نائيّة أو إلى المترفعات والجبال بسبب بعض الظروف التاريخيّة، فغابت عن تشييد قواعد عقيدتها على اُسس علميّة وحلّت مكانها الأسس الاجتماعيّة وقواعد حماية الهويّة والمعايير العاطفيّة والنفسيّة.

الأمر شديد الخطورة هنا هو أنّ سيطرة المتكلّم الجدلي على بناء العقيدة، سوف يؤدّي إلى تكريس فرضيّات عقديّة بوصفها حقائق، لا لشيء سوى لأنّه اضطرّ في لحظةٍ ما لطرحها في سياق الدفاع الجدلي، إنّها قضيّة بالغة الخطورة وتعاني منها الكثير من الأديان والمذاهب عبر التاريخ.

ينبغي أن لا ننجرّ في ظلّ هذا الجوّ المتشنجّ المحيط بنا، وربّما المعادي لنا في كثير من الأحيان، أن لا ننجرّ للتشبّث بأيّ وسيلة ممكنة، كالغريق الذي يتشبّث بأيّة خشبة يراها في طريقه، بل علينا أن ندرس الوسائل والأدوات التي نستخدمها لبناء مذهب أهل البيت^ كي تكون علميّةً وموضوعيّة ونزيهة في الوقت نفسه، كما هي الحال في ما عرفناه من سمات أئمّة أهل البيت^ أنفسهم.

هذا كلّه هو ما يفسّر أنّك في بعض الأحيان تلاحظ عالماً باحثاً عملاقاً عندما يخوض مجال البحث الفقهي أو الأصولي فهو مُبْهِر رائع متين قويّ عميق دقيق، لكنّه بنفسه عندما يذهب نحو البحوث العقائديّة تجده بسيطاً يتوسّل أدلّةً لا يمكن أن يسمح لنفسه أن يعتمدها في أبسط القضايا الفقهيّة! هذه المفارقة هي ما أعنيه من أنّ الوسائل غير البرهانيّة الدقيقة من الطراز الأوّل هي التي تهيمن على البحث الكلامي أحياناً، فيما يظلّ البحث الفقهيّ محميّاً من نفوذ هذا النوع من الأدلّة والمقاربات.

إذن، واحدة من الأمور الأساسيّة اليوم في خدمة هذا المذهب، وفي خدمة هذا الطريق، وفي خدمة هذه القراءة للإسلام التي نراها من القراءات الأسلم والأقرب إلى الحقّ، أن نشيّده على أساس البرهان، لا أن نشيّده على أساس الجدل، ولا على أساس مماحكات ومخاصمات ومساجلات، فليست الحوارات التلفزيونيّة هي التي من حقّها أن تكون الحاسمة في هذا المجال فقط، بل يمكن للحلقات البحثيّة والعلميّة، وأيضاً الحلقات التخصصيّة في المحافل العلميّة، أن تقدّم نتائج أكثر ضماناً في هذا الصدد.

بناء المذهب والجرأة المعرفيّة

إلى جانب ما تقدّم، ينبغي لنا أن نملك الجرأة في بناء هذا المذهب على أسس علميّة ومتينة، وهو ما بات يسمّى في الثقافة العالميّة بعد عصر التنوير بـ«الجرأة المعرفيّة». ينبغي أن لا نكون خائفين من كسب المعرفة أو البوح بها، فإذا اعتقدنا بفكرةٍ لا نخشى الآخرين في بيانها، سواء وافق الآخرون عليها أم لا، فليس الخوف من سمات أئمّة أهل البيت^ حتى يصبح جزءاً من هويّتنا، ليس الخوف من صفاتهم ومن خصالهم حتى نعيشه ونؤاخيه، ليصبح أخاً لنا في ليلنا ونهارنا، ونخشى أن نبوح بما في قلوبنا؛ لأنّ الآخر الذي سنبوح أمامه ربّما يُلحق بنا الضرر، وربّما لا يكون في الحقيقة ضرراً بقدر ما يكون خسارة جزئيّة لمكانتنا الاجتماعيّة.

قد نسمع أفكاراً لا أساس لها في بعض الأحيان، دون أن يقف واحدٌ منّا ليقول: إنّ هذه الفكرة أو تلك الفكرة غير صحيحة، لا يجرأ أحدٌ ـ ولو كان من أكبر الشخصيّات ـ أن يقف أمام شخص يتكلّم بأفكارٍ غير صحيحة، إذا كان ذلك الشخص يمكن أن ينتقده أو يشنّ حملةً عليه أو يهاجمه وربّما يُسقطه في الحياة الاجتماعيّة.

نحن ـ للأسف الشديد ـ بتنا نعيش حالة الخوف هذه، وعلينا أن نحرّر أنفسنا من هذا الخوف الذي قد يوجب وقوعنا في عاقبةٍ لا تُحمد. نحن لا نطالب بالتهوّر ولا بالتصادم ولا حتى بصدم الواقع دوماً، وإنّما نريد فقط أن لا نكون ممّن يعيش عقدة الخوف، وعقدة الرهاب، يُرهبونه فيصبح في داخل نفسه يعيش الرهاب والخوف، حتى لو لم يفعل أحدٌ شيئاً لكنّه يخاف من داخله، كأنّما هناك شيء في أعماق نفسه يقول له: لا تقل الحقيقة التي تؤمن بها، أترك الباطل ينتشر، أترك الانحراف ينتشر، لا عليك، بل ربّما ينظّر لنفسه هنا وهناك عبر تخريجٍ فقهي آخر يتناسب مع خوفه هذا.

هذه نقطة مهمّة، يجب علينا في ظلّ هذا الوضع القائم الذي نجد فيه كثيراً من الأفكار تنتشر هنا أو هناك، وتُنسب لمدرسة أهل البيت^، وتُلحق بهذا المذهب ضرراً عظيماً، يجب علينا أن لا نكون خائفين، وأن نظهر الحقّ بالكلمة الحسنة والأسلوب الهادئ العقلاني، ولا نبقى صامتين، فإذا سكتنا جميعاً فلن يبقى هناك أحدٌ يستطيع أن يوضح أو يُجري الأمور في مسارها الصحيح، بل ربّما يسيطر على هذا المذهب بعض التيارات التي قد تجرّه إلى الهاوية.

إذن، علينا ـ من جهة أولى ـ أن نبني هذا المذهب على أسس علميّة ومتينة، كما فعل بعضُ المتقدّمين، بل وبعض المتأخّرين أيضاً، مثل السيد محمّد باقر الصدر والشيخ مرتضى مطهري وغيرهما من العلماء الكبار الذين شادوا هذا المذهب، وقوّوا بناءاتِه على أساس برهاني علمي منطقي. وعلينا أن لا نستخدم ـ في بناء تصوّراتنا وعقائدنا وأفكارنا ـ أساليبَ لا تمتّ إلى المنطق والعقلانيّة بصلة، وإنّما تنتسب إلى الجانب النفسي والعاطفي أكثر مما تنتسب إلى الجانب العقلي والمنطقي.

كما وعلينا ـ من جهة ثانية ـ أن نملك الجرأة المعرفيّة، لكي نصوّب الأفكار التي تنتسب هنا وهناك إلى مذهب أهل البيت^، فنقول بصراحة: إنّ هذه الفكرة أو تلك الفكرة ليست من أفكار مذهب أهل البيت^ ولا تنتسب إليهم، ولا نخافنَّ من أحدٍ في هذا السبيل، حيث قال تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: 54).

لا يجوز للمسلم أن يسكت أمام أفكار تُنسب خطأ ـ وربّما زوراً ـ لأهل البيت^، خوفاً على مكانته الاجتماعيّة أو موارده الماليّة وحياته الشخصيّة، بل يجب أن تكون لدينا جرأة عقلانيّة، فنحن لا نتكلّم عن جرأة متهوّرة، بل عن جرأة عقلانيّة نستطيع من خلالها أن نقف في وجه تشويه صورة هذا المذهب من قِبل من ينوون تشويهه عمداً أو من قِبل بعض أنصاره الطيّبين الذين ربّما يقعون في تشويه صورة هذا المذهب الإسلامي العريق من حيث لا يقصدون.

ينبغي أن يكون هناك حضور غير صدامي، تبوح به بما في قلبك ولا تبقى صامتاً فتحوم الأخطاء هذه من حولك، وأنت لا تُبدي أيّ ردّ فعلٍ تجاهها.

توظيف التطوّرات العلميّة والمعرفيّة في بناء مذهب أهل البيت^

أختم هذا المحور من وظائفنا، بالتركيز على ما فعله السيد الشهيد محمّد باقر الصدر&، حيث قام بتوظيف منجزات العقل الإنساني الحديث، والتطوّرات العلميّة والمعرفيّة في العالم في خدمة الدين، فقد ألّف السيد الصدر كتاب «الأسس المنطقيّة للاستقراء»، ذلك الكتاب النادر بحقّ، والذي هجرناه وبدى يتيماً في أوساطنا، كَتَبه ليتوصّل في آخر صفحة منه إلى جملة واحدة، يقول فيها: إنّ المنهج الذي يثبت العلوم الطبيعيّة والإنسانيّة هو نفس المنهج الذي يثبت الله سبحانه وتعالى ووجوده.

لقد استطاع السيد محمّد باقر الصدر أن يأخذ بأسباب التطوّر العلمي بما أمكنه، ليستفيد من هذا التطوّر في تجديد وعينا الديني، وفي تجديد أدلّتنا في مسائل علم الكلام، ولهذا وجدناه يطوّر من الأدلّة الكلاميّة في إثبات النبوّة العامة، والنبوة الخاصة، وفي إثبات الصفات الإلهيّة، وكذلك في إثبات الإمامة، وأيضاً في إثبات أصل وجود الله تبارك وتعالى وبعض صفاته، ذلك كلّه مستعيناً بالمنهج الاستقرائي الذي تقوم عليه العلوم الطبيعيّة اليوم، بل تقوم عليه أغلب العلوم في عصرنا.

إذن، نحن أيضاً مطالبون بأن نذهب لنرى تطوّرات العلوم، ونستفيد منها ـ طبعاً فيما نراه حقّاً منها، لا تقليداً واتّباعاً ـ لنشيّد عليها صيغاً جديدة لبراهين جديدة، ولأدلّة جديدة، تدعم قِيمَنا الدينيّة، وتدعم عقائدنا ومفاهيمنا الدينيّة، وتنقّي الدينَ من بعض أفكارنا التي قد ننسبها للدين خطأ. هذا هو السبيل الذي يمكنه أن ينهض بهذا الدين والمذهب من إطار المساجلات والمشاجرات إلى إطار عقلاني علمي حضاري، يستطيع من خلاله أن يواجه كلّ هذه التحوّلات الكبرى في العالم.

إنّ الوظيفة الأولى التي تقع على عاتقنا هي أن نحاول تشييد أركان هذا المذهب على أسس علميّة ومنطقية، وهذه الوظيفة موجّهة ـ بالدرجة الأولى ـ للمؤسّسة الدينيّة بما فيها الحوزات العلميّة، والجامعات الدينيّة والعلماء، فهم مطالبون بتشييد أساسيّات هذا المذهب دائماً وفقاً للمنطق البرهاني العلمي، آخذين بعين الاعتبار آخر التطوّرات العلميّة والمعرفيّة الموجودة اليوم في العالم، ولا يسمحون بتشييد المذهب على أساس الرؤى والمنامات والإجماعات والشهرات والعواطف والحماسة والرأي الشعبي العام وما تفرضه ضرورات الجدل و..؛ إذ ليس لهذه من قيمة في قضايا مثل علم الكلام وبناء العقل العقدي.

المحور الثاني: الوظيفة البيانيّة

لنفترض أنّنا شيّدنا وبنينا أساسيّات هذا المذهب وفقاً للمنطق العلمي والبرهاني الحرّ والجريء، ولم نسمح لمنهجٍ مغاير أن ينفذ إلى أصول مصنّفاتنا الكلاميّة، ليتحوّل إلى أساس من أساسيّات الاستدلال الداخليّ فيها.. لكن كيف نعرضها للآخر؟ كيف نقدّمها للناس؟ بأيّ طريقة نستطيع أن نخاطب الآخرين، ونعرض لهم هذا النتاج العلمي الذي توصّلنا إليه؟

أكتفي هنا بالإشارة إلى أربعة عناصر أساسيّة، تجب ـ في حدود قناعتي المتواضعة ـ مراعاتها للوصول إلى ما ربما يكون أجود طريقة لعرض مذهب أهل البيت:

أ ـ العرض العقلانيّ الحضاريّ

لعرض مذهب أهل البيت^ اليوم، لابدّ من استخدام منهج وأسلوب عقلاني حضاري. نحن مع الأسف الشديد ما زال بعضنا حتى الآن يعرض المذهب بطريقة لا يصل عبرها إلى نقاط بعيدة في العالم.

لكي اُوضح هذا الموضوع آخذ أنموذج «الحركة الحسينيّة»، فنحن في كثير من مجالسنا وخطاباتنا وبياناتنا في ذكرى استشهاد أبي الأحرار الإمام أبي عبد الله الحسين×، نقدّم هذه الثورة العملاقة ـ من حيث لا نشعر ـ على أنّها صراعٌ قَبَلي، ونصوّرها على أنها كانت نتيجة الاختلافات التي كانت بين عشيرة بني هاشم وعشيرة بني أميّة، حيث دخلوا في صراع قَبلي لتثبت عشيرةٌ فضلَها على أخرى، وهذا يقول: أنا ابن فلان، وذاك يقول: أنا ابن فلان، ويفتخرون فيما بينهم بآبائهم وأنسابهم، فهم غارقون في الصراع بين الأسماء.

هنا نلاحظ كيف أنّنا ـ من حيث لا نشعر ـ فرَّغنا هذه الحركة العظيمة من أبعادها الحضاريّة، حيث لا نحاول استحضار البُعد الحضاري لهذه الحركة العملاقة، فلا نرى في أوساطنا العامة اهتماماً بهذا الموضوع بقدر ما يهتمّون بالخلافات القبليّة بين بني هاشم وبني أميّة، فإذا أراد شخصٌ مسيحي أو يهودي أو بوذي في أطراف هذا العالم ـ وهم أغلبيّة العالم بالمناسبة، ونحن المسلمون نكوّن الأقليّة فيه ـ إذا أراد أحدٌ منهم أن يستمع إلى هذه الحركة من خلال خطابنا العام، فسيستنتج من أدبياتنا التي نعرضها بها أنّ العرب عندما دخلوا في الإسلام لم يخرجوا من الأزمة القبليّة، ومن ثمّ ما زالت العقليّة القبليّة بينهم، ونتيجة ذلك تصارعوا فيما بينهم، وأفرزت هذه العقليّة القبليّة هذه الحرب القبليّة التي حصلت بين الحسين بين علي ويزيد بن معاوية.

إنّ الآخر لن يأخذ أيّ تصور أعمق من هذا، في حين المطلوب منّا أن نقدّم المشهد بوصفه ثورةً للدفاع عن حريّة الرأي وعدم فرض البيعة بالقوّة على الناس، وعن المظلومين المهضومة حقوقهم، وضدّ التشويه البشع للإسلام والقيم الإلهيّة، ولمواجهة التعسّف في استخدام السلطة. لقد وقعت هذه الحركة التاريخيّة لكي يعيش الناس أحراراً، ومن أجل عبوديّة الله سبحانه وتعالى، ولكسر المنطق الطبقي والقومي الذي كرّسه بنو أميّة.

إنّ هذه المفاهيم كلّها مفاهيم حضاريّة معاصرة، وأنت بإمكانك أن تعكس هذه الثورة العظيمة للعالم بأكمله من خلال هذه المداخل والمفاتيح، لكن كثيرون منّا مع الأسف الشديد غائبون عن هذه المداخل والمفاتيح العالميّة والحضاريّة في عرض مذهبهم، ويصرّون ـ لغرض أو عن طيب قلبٍ وحُسن نيّة ـ على أن نحجّم هؤلاء الأئمّة الكبار وتجاربهم العظيمة في إطار الصراعات الضيّقة بحجمنا نحن، فليس همّ أئمّة أهل البيت ـ في تصويرهم لهم ـ إلا تصفية الحساب مع أهل السنّة واحتقار سائر علماء المسلمين، وكأنّه ليس لهم في المشروع الإنساني والعالمي ناقة ولا جمل، ولا همّ لهم إلا زعامتهم!

قيل: سُئلت النملة: كيف هو الله؟ فقالت: «له قرنا استشعار»؛ لأنّ كلّ إنسان يقيس العظماء على حجمه، وهذا غير صحيح أبداً، بل يجب أن نرتقي نحن إلى هؤلاء العظماء لكي نقرأهم، لا أن نُنزلهم إلى مستوانا، فنحجّمهم ونصغّر من حجمهم الطبيعي.

إذن، نحن بحاجة إلى عرضٍ عقلانيٍ حضاريٍ قادر على أن يخاطب أبعد مدى في هذا العالم من خلال هذه القيم العظيمة التي يتمتّع بها مذهب أهل البيت، وتراثهم الحديثي مليء بالقيم الحضاريّة التي نستطيع من خلالها عرض مذهبهم للعالم كلّه.

على سبيل المثال، كتاب نهج البلاغة خاصّة في القسم الأخير منه، وهو كلمات القصار، يتضمّن مجموعة هائلة من الحِكم الرائعة، وهي حكم أمميّة، وليست داخل إسلاميّة أو داخل مذهبيّة، لكن نحن لم نستطع أن نوظّف هذه المجموعة من كلماته القصار، لنحوّلها إلى أساسيات في خطابنا على مستوى الإصلاح الاجتماعي والسياسي، ومع الأسف أردنا أن نحجّم تلك الكلمات في إطار ضيّق.

وعليه، فالنقطة الأولى في عرضنا لهذا المذهب في هذه اللحظات التاريخيّة والمصيريّة التي نعيش، هي أن نعرضه بطريقة تعطيه حجمَه الطبيعي، لا أن نقزّمه أو نصغّره بمقاساتنا الشخصيّة أو الفئويّة، ونصوّر قضاياهم^ على أنّها مسائل جزئيّة ومحدودة.

ب ـ عرض المذهب ووعي الزمان والمكان والمخاطب

العنصر الثاني من عناصر وظيفتنا البيانيّة تجاه مذهب أهل البيت^، هو الاهتمام بتطوير أساليبنا في البيان؛ نظراً لتغيّر الزمان والمكان والمخاطب، الأمر الذي يتطلّب منّا أن ندرس المخاطب وتداعيات ما نقول وما لا نقول، قبل أن نبدأ بالكلام.

لقد لاحظنا في الفترة الأخيرة، أنّ سياسة عرض مذهب أهل البيت^، ابتليت في بعض المجالات بعدم الاهتمام بمعرفة المخاطب وظروفه المتغيّرة، فبعضُهم يتكلّم على بعض الفضائيّات وكأنّه يخاطب مجتمعاً داخليّاً، ولا يراعي وجود فئات مختلفة في المجتمع، كما لا يراعي حجم ابتعاد الآخرين واقترابهم منه، إنّه لا يراعي ما يمكن أن يقال وما لا يمكن، ففي كثيرٍ من الأحيان بتنا نجد أنّ المتكلّم ـ سواء على المنبر أم على شاشة التلفاز ـ لا يراعي من يخاطبه، ولا يحدّد هويّتَه، وأنّه هل يستطيع أن يفهم كلامه أو لا؟ هل كلامه موجب لتشويه المفهوم عنده أو لاندفاعه نحوه؟

بعضنا يظلم أحياناً مذهب أهل البيت من خلال أسلوبه الجافّ غير المرن، والذي لا يراعي أدوات الزمان والمكان، ولا يفهم المخاطبَ الذي يوجّه إليه خطابه، فيصطدم بنتائج عكسيّة.

في بعض الأحيان قد نكون ـ والعياذ بالله ـ مصداقاً للصدّ عن سبيل الله؛ لأنّ الذي يصدّ عن سبيل الله ليس فقط الشخص الذي يقف أمام المسجد، ويمنع الناس من دخوله، بل ربّما يكون ذاك الذي يصلّي في المسجد نفسه، لكنّه يفعل ـ وربما قاصداً القربة إلى الله ـ ما ينفّر الناس من العبادة والصلاة.

يجب أن ننتبه إلى أنّنا في بعض الأحيان قد نكون من الصاديّن عن سبيل الله بأساليبنا الفجّة التي لا تراعي، ولا تقرأ المخاطَب المعاصر. نحن اليوم لم نعد نتحدّث في جلسات صغيرة في مسجد أو حسينيّة، وإنّما نتحدّث أمام مئات الملايين من الناس. يجب أن نفكّر في أساليبنا مليّاً، لنعرف ما هو الأسلوب الصحيح في عرض مذهب أهل البيت.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى لابدّ لنا من تطوير أسلوبنا في البيان نفسه، حتى لا يكون ـ كما هو أحياناً مع الأسف ـ أسلوباً متخلّفاً. لقد تطوّرت اليوم أساليب البيان والعرض والجذب، وقد كُتبت دراسات عديدة في هذا المجال، وعلى سبيل المثال نحن نستخدم عادةً الأسلوب المباشر، فعندما نريد أن نقنع الآخر بفكرةٍ ما، نتكلّم مباشرةً عن تلك الفكرة نفسها، في حين يمكننا أن نتحدّث عن مجموعة عن الأفكار المحيطة بهذه الفكرة بما يدفع المخاطب إلى الاقتناع بتلك الفكرة بسهولة، على طريقة منطق الإعلام المستخدَم اليوم في العالم، حيث يجذب المخاطب نحوَ ثقافة بطريقة غير مباشرة، ليكرّس في وعيه تلك الثقافة دون أن يشعر بذلك عادةً، فنجدهم ينفقون المليارات من الأموال ليُخرجوا فيلماً يعالج في ظاهره قصّةً دراميّة معيّنة، لكنّه في الحقيقة يكرّس في المخاطَب فكرةَ أو ثقافةً سياسيّة أو دينيّة أو اجتماعيّة محدّدة.

هذا هو ما يلزمنا اليوم أن نهتمّ به، ونحاول استكشاف الأساليب الجديدة لبيان وعرض مذهب أهل البيت^، فإنّ العالَم لم يعد عالَم الحبر والقلم أو عالم المنبر والمستمِع فقط، فهذه الأساليب مع جودتها لا تكفي اليوم لمواجهة الأدوات الإعلاميّة العملاقة.

ج ـ الاهتمام بالأساليب غير الكلاميّة

اهتمّ كثيرون بعرض مذهب أهل البيت من خلال الكتب والندوات والمنبر والقنوات الفضائيّة..، وهي رغم جودتها وضرورتها لكنّها ليست كافية لتحقيق ذلك، فالذي يجذب الآخر نحو دينٍ أو مذهب معيّن، خاصّة في عصرنا الحاضر المتأثر بالثقافة الوضعيّة، هو الأنموذج العملي والنتائج الميدانيّة.

ينبغي علينا أن نفكّر في كيفيّة عرض الآثار العمليّة لمذهب أهل البيت، من خلال الأعمال الصالحة والورع والتقوى.. كما ورد عن أئمّة أهل البيت^ أنفسهم، فقد جاء في كتاب الكافي بسنده([2]) إلى أبي أسامة، قال: سمعت أبا عبد الله× يقول‏: «عليك بتقوى الله والورع والاجتهاد وصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الخلق وحسن الجوار، وكونوا دعاةً إلى أنفسكم بغير ألسنتكم‏، وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً، وعليكم بطول الركوع والسجود، فإنّ أحدكم إذا أطال الركوع والسجود، هتف إبليس من خلفه، وقال: يا ويله أطاع وعصيت وسجد وأبيت»([3])، كما ورد في الأصول الستة عشر عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله× قال‏: «كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم‏ ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع»([4]).

د ـ نشر التشيّع وتجنّب الفرقة والتشظّي في المجتمع

النقطة الأخيرة التي أودّ الحديث عنها هنا فيما يتعلّق بالجانب البياني والعرضي، هي مسألة التشييع، أي نشر التشيّع، وهي المسألة التي أثارت ضجّة في السنوات الأخيرة، وتمثّل البنية التحتيّة لعرض مذهب أهل البيت^.

ثمّة روايات في المصادر الإماميّة، تزيد عن العشرة، تنهى عن نشر التشيّع، كخبر فضيل قال: قلت لأبي عبد الله×: ندعو الناس إلى هذا الأمر؟ فقال: «لا، يا فضيل، إنّ الله عز وجل إذا أراد بعبدٍ خيراً أمر مَلَكاً فأخذ بعنقه حتى دخله في هذا الأمر طائعاً أو كارهاً»([5]). وفي موضعٍ آخر من «الكافي» وكذا في كتاب «تفصيل وسائل الشيعة»، وردت الرواية دون تعبير «لا» الوارد في أوّل جواب الإمام([6]). إنّ هذا الخبر واضح صريح في النهي عن تشييع الناس، بل حتى لو لم يرد تعبير (لا) في مطلعها، فلا أقلّ من أنّ سياقها سياق مرجوحيّة الدعوة إلى التشيّع.

لقد بحثتُ هذا الموضوع بالتفصيل في كتابي المتواضع «فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وتوصّلت إلى أنّ هذه الروايات ـ نظراً لسياقاتها ـ هي روايات تاريخيّة، ولا تريد أن تؤسّس أصلاً في المقام، بل الأصل هو أنّ الحقّ يجب أن يُنشر، والإنسان مطالبٌ ـ بحسّ المسؤوليّة ـ بنشر ما يعتقده من حقّ في أيّ مكان ـ بغض النظر عن الأسلوب والشروط ـ فلا يوجد أيّ حذر على نشر العقيدة، لكنّ مجتمعاتنا الإسلاميّة مع الأسف غير مهيّئة لتبادل الرأي، بحيث يمكن للإنسان أن يخرج من رأي إلى رأي دون أن يحدث ذلك اهتزازاً في المجتمع، وهذا يحتاج إلى تغييرٍ في وعينا الاجتماعي عموماً.

على أية حال، يحقّ لأتباع مذهب أهل البيت^ ـ من حيث المبدأ ـ أن ينشروا أفكارهم في أيّ مكان من العالم، كما يقوم أيّ مذهبٍ آخر في العالم بنشر أفكاره، فيأتون من أقاصي الأرض وينشرون أفكارهم في بلادنا الإسلاميّة، ولا نقف في وجههم ولا نتكلّم عنهم، لكن إذا أراد المؤمن من أتباع أهل البيت^ أن ينشر أفكار أهل البيت فإنّه يحارَب ويُتّهم!

مع هذا كلّه، ينبغي أن نعلم أنّ هناك فرقاً بين أن أبيّن مذهب أهل البيت^ للآخرين لأجذبهم، وبين أن أمارس طريقةً توجب تشظّي المجتمع الإسلامي أثناء نشري لأفكار مذهب أهل البيت، فبعض الناس يصرّ ـ في بعض الأحيان ـ على أن يتمايز عن الآخرين بأيّ وسيلة ممكنة، الأمر الذي يوجب تنفّر الآخرين.

وعلى سبيل المثال، فقد حصل في بعض المناطق أن تشيّع عشرةُ أشخاص في قرية سنّية، وإذ بهم بدأوا يتمايزون عن المجتمع، وكأنّهم مجموعة خارجة عن إطار المناخ الاجتماعي الذي يُحيط بهم، فأسّسوا لأنفسهم مسجداً، وصار مسجداً شيعيّاً لعشرة أشخاص في قرية هناك عشرة آلاف من السنّة فيها! ثمّ انقسموا فيما بينهم، فواحد أسّس مسجداً والثاني مسجداً آخر!

هذا ليس أسلوباً صحيحاً في عمليّة نشر الأفكار؛ لأنّه يشظّي المجتمع، وأنت بهذه الطريقة تُحدث انقساماً بين المسلمين؛ لأنّ مجتمعاتنا غير مهيّئة لعمليّة انتقال من رأي إلى رأي آخر، ولهذا فبهذه الطريقة التي تستخدمها أنت يمكن أن تُحدث فتنةً في المجتمع، إذاً، عليك أن تتنبّه، يجب عليك في إطار نشرك لأفكار ومذهب أهل البيت^ أن لا تتصادم مع حالة الوحدة والتآخي والتلاحم في المجتمع المسلم، فلا تقوم أنتَ بإيجاد شَرخٍ فيه، ولا تساعد الآخرين على أن يوجدوا شرخاً فيه، فيكون وزر ذلك عليك، وقد ينقلب الأمر في نهاية المطاف ضدَّك.

إنّنا نحتاج إلى شيء من التفكير التكتيكيّ الإستراتيجيّ معاً ـ ما شئت فعبّر ـ لكي ندير مشاريع من هذا النوع، لاسيّما وأنّ الآخرين يستفيدون من بعض هذه الأخطاء للتحامل على مذهب أهل البيت^.

إذن، نشر مذهب أهل البيت^ حقٌّ من الحقوق الطبيعيّة للإنسان المسلم المنتمي إلى هذا المذهب، ويحقّ له أن يطرح أفكاره أينما أراد بالكلمة الحسنة وبالمنطق العقلاني، لكن لا يحقّ له أن يستخدم الطريقة والأسلوب الذين يؤدّيان إلى تشظّي المجتمع، أو انزواء هذه الحركة التي تهتمّ بهذا المذهب.

المحور الثالث: الوظيفة الدفاعيّة

قبل كلّ شيء يجب عليّ أن أذكّر بأنّ دفاع الإنسان عن أفكاره ومعتقداته حقٌّ مشروع، ولا يحقّ لأحدٍ أن يخاطب الشيعة ولا غير الشيعة قائلاً لهم: لا يحقّ لكم أن تدافعوا عن أنفسكم تجاهَ حملات التشويه والنقد. وحتى لو كان النقد نقداً علميّاً، مع ذلك لك الحقّ أن تناقشه وتدافع عن معتقداتك.

ليس من حقّ أحدٍ أن يطالب الشيعة بأن يكمّوا أفواهم، ويسكتوا إزاءَ الحملات الثقافيّة والفكريّة والإعلاميّة التي تشنّ ضدّهم، بل من حقّهم أن يدافعوا عن أنفسهم، بل الدفاع ضرورة من ضروريّات الوجود الإنساني، وهو شكلٌ من أشكال حماية الأنا الجماعيّة، لأنّ الدفاع لا ينحصر في الدفاع عن الأنا الفرديّة، وإنّما هناك دفاع ـ ربما أهمّ ـ وهو الدفاع عن الأنا الجماعيّة، فكلّ أمّة من الناس لها عقائدها وأفكارها وثقافتها ومنطقها ولها مسلكيّاتها، ومن حقّها أن تدافع عن نفسها، ومن حقّها أن تجيب عن الإشكاليّات التي توجّه إليها.

وعليه، فالدفاع حقّ مشروع، بل هو ـ في تقديري ـ ضرورة إنسانيّة في أن يدافع الإنسان عن وجوده وكيانه وهويّته الفرديّة والجماعيّة، هذا أمرٌ لا ينبغي أن يكون فيه نقاش، ولا يحقّ لأحد أن يصادر الحقوق المشروعة للآخرين؛ لأنّ هذا هو مقتضى حريّة الوجود الإنساني وحريّة العيش.

لكن عندما أريد أن أدافع عن أفكاري، يجب أن أنتبه إلى أن لا يكون دفاعي هذا موجباً لنقض مبدأ من المبادئ الإسلاميّة، فإذا أردت أن تدافع عن أفكارك تجاه فريقٍ آخر في الداخل الشيعي مثلاً، فيجب أن تتنبّه إلى أن لا يؤدّي دفاعك هذا إلى الإخلال بأيّ مبدأ شرعي أو أخلاقي في الشريعة الإسلاميّة، وكذلك عندما تريد أن تدافع عن مذهب أهل البيت، فأنت مطالبٌ بالدفاع بما لا يؤدّي إلى خرق أيّ مبدأ ديني أو أخلاقي أعلى.

وأحد هذه المبادئ الدينيّة هو مبدأ الوحدة الإسلاميّة، وعندما أقول: «الوحدة الإسلاميّة»، فلا أتكلّم عن الوحدة شعاراً سياسيّاً فحسب، بل أعتقد أنّ الوحدة والتماسك بين أبناء الأمّة الإسلاميّة هما جزءٌ من الشريعة نفسها، حيث وردت نصوصٌ كثيرة في الكتاب والسنّة تدعو المسلمين إلى التماسك والوحدة وتنهاهم عن الفرقة والتشظّي، كقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 103).

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تعيش الأمّة الإسلاميّة اليوم لحظةً تاريخيّة مصيريّة كبيرة، وقد رأينا كيف أنّ القوى الكبرى والكيان الصهيوني وظّفا التشظّي الإسلامي في محاصرة تيار الممانعة في المنطقة، ورأينا كيف نجحوا في ذلك على بعض الصعد، وكيف كان بعضُنا بسطاء في الانجرار لمثل هذه الأمور، فمن حقّي أن أدافع عن أفكاري ومعتقداتي، لكن ليس من حقّي أن أستخدم أسلوباً يؤدّي إلى تشظّي المجتمع الإسلامي، ويساهم في تكريس حالة الانقسام وإضعاف المجتمع، وتحويله إلى أجزاء وشظايا.

سآخذ شاهداً بسيطاً من القرآن الكريم، وهو للاستئناس فقط لا من باب استدلال، وذلك عندما ترك النبيّ موسى× أخاه هارون مع قومه، وذهب إلى جبل الطور، قال له موسى×: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأَصْلِحْ ولاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: 142).

ثمّ ذهب النبيّ موسى× إلى الجبل، ووصله الخبر بالوحي الإلهي وهو في الجبل، أنّ قومك عبدوا العجل: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ (طه: 85)، وقد بيّن القرآن ضلالهم في موضع آخر، حيث قال:﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ولاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ (الأعراف: 148).

فرجع موسى إلى قومه غضبان منفعلاً: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ ولاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الأعراف: 150)، وفي موضع آخر قال: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (طه: 94).

عندما يعاتب موسى× أخاه على هذا الأمر، ويجيبه بأنّني خفت أن يؤدّي ذلك إلى تشظّي بني إسرائيل، فيقول هارون: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، فيردف كلامه بـ (ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي)، ممّا يعني أنّ الفرقة والتشظّي مخالفان للإصلاح في الأمّة.

إذن، الفرقة فسادٌ في الأمّة وليست صلاحاً، والنبيّ هارون رغم أنّه واجه ضرباً من الشرك في الأمّة، لكنّه لم يدافع عن التوحيد خوفاً من الفرقة في الأمّة المعروفة بالتوحيد، فالدفاع عن المعتقدات ينبغي أن يكون بحيث لا يؤدّي إلى هذه التمزّقات الموجودة في المجتمع الموحّد.

إنّني أقول لأخي المسلم السنّي السلفي: يا أخي أنت تريد أن تدافع عن التوحيد، لا بأس فمن حقّك أن تدافع، بل من واجبك، لكن لماذا تدافع عن التوحيد بطريقة تمزّق المسلمين؟ لماذا تصرّ على استخدام هذا الأسلوب العنيف؟! لماذا تدافع بطريقة تجعل الشيعي عدوّاً للسنّي أكثر من عداوته للصهيوني الغاصب؟! فالدفاع عن التوحيد يجب أن يكون بشكلٍ لا يؤدّي إلى تراجع الأمّة الإسلاميّة وتشظّيها.

وكذلك أقول لأخي الشيعي الموالي: يا أخي، أنت من حقّك أن تدافع عن الإمامة والولاية وعن كلّ معتقداتك بما في ذلك زيارة المعصومين والتوسّل بهم، فهذا حقّ طبيعي، بل واجب، وأنت عندك أدلّة وقناعات في هذا الموضوع، لكن فليكن الأسلوب الذي تختاره في عمليّة الدفاع هذه، وردّ فعلك تجاه تلك الهجمات، أسلوباً لا يؤدّي إلى تكريس ذلّتنا من خلال تشظّينا وانقطاعنا عن المجتمع الإسلامي الكبير.

الدفاع حقّ مشروعٌ، لكنّ أسلوب الدفاع يجب أن لا يتخطّى المبادئ العليا التي لا يجوز هدمها في أيّ لحظة من اللحظات وبأيّ طريقة من الطرق. إنّ علينا أن نختار الأسلوب الدفاعي العقلاني الهادئ؛ لأنّ التشدّد في الأسلوب الدفاعي لا ينفعنا، بل قد ينفع العدوّ أحياناً، فبعضنا اليوم ـ للأسف الشديد ـ بات بارعاً ومُجيداً لعمليّة صنع الأعداء! لماذا لا نحاول بأساليبنا أن نلغي عداوة الآخرين لنا؟ لماذا نصرّ على أن نصنع لأنفسنا أعداء؟

إنّنا نستطيع بطريقة هادئة وبالأسلوب المنطقي أن نفوّت الفرصة على المستغلّين، وقد رأينا في السنوات الأخيرة، كيف فشل بعض المتصدّين للجانب الدفاعي على المستوى الإعلامي، في حين نجح بعضٌ آخر وأعطى ثماراً كبيرة في هذا الصدد، ورأينا أن الأسلوب المتشدّد والعنيف والهجومي لم يؤثّر كثيراً. إنّه أسلوبٌ قد يعطي الإنسان نشوةً للحظات، لكنّه لا يؤثّر في الطرف الآخر بقدر الأسلوب الهادئ والموثّق والعلمي.

هذا، وسوف أشير هنا إلى عنصرين من عناصر الوظيفة الدفاعيّة تجاه مذهب أهل البيت^:

أ ـ من دفاع الكلمة إلى دفاع العمل

إنّ الدفاع عن مذهب أهل البيت لا يتمّ بالقول فقط، وأعتقد أنّ هذه النقطة هي أهمّ ما نستطيع أن نراهن عليه، فقد يتصوّر بعضٌ أنّ الدفاع عن هذا المذهب إنّما يتمّ من خلال القول والبيان، فإذا أراد أن يجيب على الإشكال السنّي على الشيعة بالنسبة إلى تحريف القرآن، فهو إنّما يخوض في جدلٍ لفظي معه، لينكر تارة قول الشيعة بالتحريف، وليتّهم السنّةَ تارة أخرى بالقول بتحريف القرآن، مستنداً إلى قولهم بنسخ التلاوة.

لكن ربّما نستطيع ـ خاصّة في هذا العصر، وهو عصر ثورة المعلوماتيّة والقرية الكونية ـ أن ندافع عن مذهب أهل البيت بطريقةٍ أفضل، وسأعطي بعض الأمثلة التي أودّ أن لا يقف القارئ ليناقش فيها، بل أن يتخطّى ليذهب نحو الفكرة التي جاء المثال لتبيينها:

المثال الأوّل: الردّ على اتّهام الشيعة بالقول بتحريف القرآن

أفضل ردّ ـ إلى جانب الردّ البياني الذي لا ننكر قيمته في ذاته ـ هو الحضور في الجوانب المتعلّقة بالقرآن، ممّا يعكس للآخر الديني أو المذهبي اهتمامَ أتباع اهل البيت بهذا القرآن الموجود بين أيدي المسلمين جميعاً، فعلينا أن نهتمّ بحفظ القرآن الكريم وقراءته، ونشارك في تدوين تفاسير قرآنيّة، ونكتب في علوم القرآن، ونقدّم للعالم برامج قرآنيّة من خلال وسائل الإعلام.

عندما يكون الشيعي مهتمّاً بهذه القضايا ويكون له حضورٌ يعرفه الجميع، فالآخر لن يستطيع أن يتّهمه بتحريف القرآن وإضعاف الكتاب العزيز، بل سيصاب بالإحراج من اتّهامه هذا، فإذا كان كبار القرّاء والحفّاظ في العالم من أتباع هذا المذهب، كيف يستطيع أن يُقنع الآخرين بأنّ الشيعة لا تؤمن بالقرآن الموجود بين أيدينا وأنّها تعتقد بقرآنٍ آخر سوف يأتي به الإمام المهدي×؟!

من هنا، كانت إحدى المداخلات النقديّة التي سجّلها شيخ الإسلام في روسيا قبل الثورة البلشفيّة، الشيخُ موسى جار الله (1949م)، الذي ردّ عليه السيد عبد الحسين شرف الدين (1957م)، في كتابه «أجوبة مسائل موسى جار الله».. كانت إحدى المداخلات تتعلّق بهذا الموضوع، فقد اتّهم جار الله الشيعةَ بما يشبه عدم الإيمان بالقرآن الكريم، مستنداً إلى عدم وجود قارئ شيعي في العالم ـ وهذا الكلام كان قبل حوالي القرن من الآن ـ؛ لأنّ القراء آنذاك كانوا في الغالب من أهل السنّة.

إذن، حضور القرآن عمليّاً في حياتنا، حفظاً وقراءةً وإعلاماً وتفسيراً ودرساً وتدريساً، ودخوله مادةً أساسيّة في الحوزات العلميّة والجامعات الدينيّة، والعيش معه يوميّاً.. هذا كلّه سوف يؤدّي تلقائياً إلى رفع الكثير من التصوّرات الخاطئة في هذا المجال.

المثال الثاني: الردّ على اتّهام الشيعة بعدم الاهتمام بالرسول|

أتباع مذهب أهل البيت النبوي متّهمون أيضاً بعدم الاهتمام بالنبيّ|، وأنّ اهتمامهم مقتصر على الأئمّة والإمام الحسين والإمام علي^، وقد جاء اتّهامهم هذا أحياناً من فكرة خيانة الأمين، حيث يروّجون أنّ الشيعة يقولون بأنّ جبرئيل الأمين كان من المفترض أن يعطي النبوّة لعليّ×، ولكنّه خان وأعطاها محمّداً|! وهذا مرتكز في أذهان بعض المسلمين من خلال الوسائل الإعلاميّة التي تروّج هذه الفكرة أو تلك.

إذا أردت أن تواجه هذه الفكرة عبر النفي، وادّعاء أنّك تهتمّ بالرسول|، فسوف يجيبك الآخر: فأين الكتب التي كتبتم عن سيرة النبيّ|؟ إنّ الشيعة كتبوا عن الحسين بن علي مئات الكتب وآلاف الأشعار، لكنّنا لا نجد في مصنّفاتهم عن النبيّ إلا نزراً يسيراً! فلماذا لا تُحيون ذكرى المبعث النبوي أو ذكرى الإسراء والمعراج، كما تحيون مولد الإمام علي أو الإمام المهدي أو عاشوراء؟

هنا لعلّ الأفضل في الردّ هو تحقيق الاهتمام بالرسول| عمليّاً، فتحدث بين الشيعة ثورة في التأليف في مجال السيرة والتاريخ النبويّ، وكذلك تُحيا المناسبات النبويّة مثل ذكرى المولد والمبعث والوفاة، وذكرى الإسراء والمعراج، وذكرى معركة بدر..، لماذا لا نُحيي هذه المناسبات، في حين سائر المذاهب تُحييها؟ وإذا أحييناها فلماذا يبدو اهتمامنا بمناسبة مذهبيّة أكبر بكثير من اهتمامنا بالمناسبة الإسلامية العامّة المتصلة بالنبيّ؟! (بعيداً عن فكرة الإضافات والتوسّعات في المناسبات، والتي لديّ شخصيّاً موقف خاصّ منها، ليس مجال تبيينه الساعة).

إنّ الاهتمام بهذه الأمور هو الذي سوف يبيّن للآخرين الحضور النبويّ بين الشيعة، فيكون خيرَ دليلٍ مجيبٍ عن تلك التهمة التي لطالما وجّهها بعض السنّة للشيعة.

المثال الثالث: الردّ على اتّهام الشيعة بعدم الاهتمام بالصحابة

أكثر موضوع يشوّه صورة الشيعة أمامَ الرأي العام الإسلامي، هو الصحابة، حيث يتّهمهم أهل السنّة بعدم الاهتمام بالصحابة، بل وبسبّهم وبهتانهم ولعنهم.

وبالفعل إذا استقرأنا حضور الصحابة في حياة المسلم الشيعي فلا نجد إلا قلّةً منهم، مثل سلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري.. ممّن شاركوا في تشييع السيدة الزهراء÷، في حين نصّ غير واحدٍ من علماء الإماميّة ـ كما ذكر الشيخ السبحاني حفظه الله في بعض كتبه ـ على أنّ الشيعة أو الموالين من الصحابة بلغوا المئات.

هذا يعني أنّ بالإمكان أن ننفتح على مئات من الصحابة، فلماذا يسمح الشيعي للطرف الآخر بأن يصوّره كارهاً لكلّ الصحابة في حين ليس لديه في الحقيقة أيّ مشكلة مع المئات منهم؟ فإذا لم تكن عندي مشكلة مع المئات منهم لماذا لا اُحضرهم ولا أذكرهم في حياتي؟ لماذا لا أعرّف الأطفال بهم؟ ولماذا لا أحدّثهم عن بطولاتهم وجهادهم كما أحدّثهم عن بطولات وجهاد أصحاب الإمام الحسين؟ لماذا لا أقوم بإنتاج برامج إعلاميّة وسينمائيّة.. تتحدّث عنهم بما يقطع الطريق على الآخر؟ هذا في جوهره دفاعٌ أيضاً عن مذهب أهل البيت النبويّ، لكن بطريقة غير مباشرة.

إنّ الذين شاركوا في حرب صفّين أو النهروان أو الجمل من الصحابة مع الإمام علي× كانوا بالعشرات، وقد كُتبت كتبٌ في البدريّين وغير البدريين الذين شاركوا معه×، فلماذا لا نستحضر هذه الأسماء بما يقطع الطريق على المتصيّدين في المياه العكرة؟!

كثيرون في الوسط الشيعي لم يلتفتوا إلى هذا النوع من الدفاع، ولو فكّروا بهذه الطريقة لكان بإمكانهم تفويت أكثر من فرصة على المستغلّين من جهة، وتحقيق تقارب نسبي بين القلوب من جهة أخرى.

المثال الرابع: تقديم تجربة حيّة ناجحة على غير صعيد

لعلّ خير أسلوب للدفاع اليوم عن مدرسة أهل البيت، وتقديمها للآخرين بطريقةٍ تجذبهم إليها ولا تهرّبهم منها، هو تقديم أنموذج إسلامي حيّ وناجح، فالكلّ يعرف كيف أنّه عندما انتصرت المقاومة الإسلاميّة في لبنان، اُصيب الكثيرون بالإحراج؛ لأنّ هذا الانتصار وتحقيقَ المنجز الإسلامي، هو في حد نفسه نقطة قوّة لصالح مذهب أهل البيت في المنطقة، بل في العالم، حيث قام ثلّةٌ من المؤمنين بالدفاع عن بلاد المسلمين أمام عدوان جيش الصهاينة، في حين فشلت عدّة دول عربيّة معاً في مواجهة ذلك الجيش خلال أيام معدودة عام 1967م.

إذا قمتَ بأيّ عمل اجتماعي أو سياسي بطريقة ناجحة، فهذا ما سوف يشكّل أفضل أنواع الدفاع عن فكرك وأيديولوجيّتك، بل سيكون في حدّ نفسه ترويجاً لهما، ويقطع الطريق أمام الآخرين في اتهامهم الفكر الإمامي بالخصوص بأنّه فكر تعطيلي للشريعة، وهو اتّهام قديم سبَبُه أنّ بعض الإماميّة يعطّلون بعض أشكال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عصر الغَيبة، وهي فريضة من أعظم الفرائض، ويعطّلون الجهاد في سبيل الله كذلك، ومثلهما تعطيل صلاة الجمعة وصلاة العيدين والكثير من الحدود والتعزيرات وغير ذلك..، فالإماميّة في الموروث الإسلامي متّهمون بتعطيل المشروع الإسلامي؛ لأنّهم يعتقدون بأنّ الإسلام قد توقّف وجُمّد مؤّقتاً بعد غيبة الإمام المهدي×، وكأنّه الآن في لحظة صمت، وسيعود صوته من جديد عندما يظهر الإمام الثاني عشر في آخر الزمان.

إنّ بإمكاننا أن نجيب عن مثل هذه التصوّرات والإشكاليّات بواسطة تقديم نماذج حيّة، فعندما نشارك في صلاة الجمعة وصلاة العيدين ونعرضهما أمام الناس، ننسف هذا المفهوم، ولن يصدّق أحدٌ أنّ الشيعة لا تؤمن بصلاة الجمعة أو العيدين. وعندما نقدّم اُنموذجاً جهاديّاً رائعاً ضدّ المحتلّين، فلن يصدّق أحدٌ بعد اليوم أنّ الشيعة ضدّ الجهاد؛ لأنّه يرى بأمّ عينيه أنّ الشيعة قامت بكلّ قواها في مقابل العدوّ الإسرائيلي وهزمته.

إذن، بإمكاننا في مقام العمل أن نقدّم تجارب تكون بنفسها دفاعاً عن هذه المدرسة، بدل أن نكتفي بالدفاع الكلامي، فلو بقيتَ خمسين سنةً تقول للسنّي: والله وبالله وتالله، إنّ القرآن الذي نعتقد به هو نفسه الذي تعتقدون، فلن يصدّقك؛ لأنّه ببساطة سيستخدم مفهوم التقيّة في الفكر الشيعي، ليُنكر كلامك هذا، ويقول: أنت تمارس التقيّة، ولو تُقسم له تحت ميزاب الرحمة بالكعبة المباركة فلن يصدّقك؛ لأنّ فكرة التقيّة المشهورة عن الشيعة أوجبت بناء حاجز ثقة كبير بينهم وبين سائر المذاهب، فلن يصدّقوا بمجرّد الكلام، إذاً، أفضل طريقة لتغيير الصورة النمطيّة الموروثة هي التجربة العمليّة، فأنت تستطيع أن تلغي كثيراً من الصورة بمثل هذه التجارب التي تقوم بها.

ب ـ مواجهة التيارات المتطرّفة في الوسط السلفيّ، والتواصل مع سائر المذاهب

نواجه اليوم مدّاً سلفيّاً في العالم وعلى مستوى مختلف المذاهب الإسلاميّة؛ فبعد الأحداث التي شهدناها منذ مطلع الألفيّة الثالثة، خاصّةً في العراق ثمّ سوريا، لم تعد خطورة بعض الاتجاهات السلفيّة خافيةً على أحد، ولهذا بتنا بحاجة إلى تواصل مضاعف بين جميع المذاهب الإسلاميّة لمواجهة الحركات المتطرّفة في التيّارات السلفيّة المتشدّدة عند الجميع.

هنا أدعو جميع رجالات السياسة والإعلام والفكر والدين والثقافة في كلّ مكان أن يمدّوا يد التعاون لبعضهم بعضاً في مواجهة هذا المدّ السلفي الكبير، الذي يجتاح المذاهب كلّها، من سلفيّة سنيّة إلى سلفية شيعيّة، وذلك قبل فوات الأوان.

وأحد أهمّ الطرق لمواجهة هذا المدّ السلفي، هو التواصل الحقيقي بين أبناء المذاهب؛ إذ من شأنه أن يخفّف من التباعد الموجود فيما بيننا، وأن يصحّح تلك الصورة المشوّهة التي قد ننسجها عن الآخر في أذهاننا بسبب هذا البُعد الذي نعيش، فالتجربة أثبتت أنّ البُعد عن الآخر يؤدّي إلى الخوف منه والحذر، ومع التواصل بإمكاننا أن نُزيل هذه الصورة المخيفة.

إمّامياً (وغيرهم) هناك تقصير ـ على سبيل المثال ـ في التواصل مع الزيديّة، فإنّ الزيديّة أمّة كبيرة في الشيعة، ولديهم تراثٌ ضخم وقد هجرناه. كذلك ثمّة تقصير في التواصل مع الإسماعيليّة، حتى تكاد لا ترى أحداً من الإماميّة يعرف أين وكيف يعيش الإسماعيليّة اليوم في العالم؟ إنّ هؤلاء أمّة كبيرة بصرف النظر عن الاختلاف الفكري والعقدي معهم، لكن بالإمكان التواصل، لتشكيل جناحٍ موحّد في مواجهة المرحلة الحاضرة.

على خطّ آخر، بالإمكان التواصل مع التيارات الحداثيّة أيضاً في المجتمعات الإسلاميّة التي تعيش أزمة مع التيّارات السلفيّة، بل بإلإمكان الإنفتاح أكثر على الإباضيّة الذين يتعامل معهم بعض الشيعة على أنّهم يكفّرون الإمام عليّاً×! لأنّهم ـ لا أقلّ في عصرنا الحاضر ـ ينفون هذه التهمة عنهم، وأبواب العلاقة معهم بسبب بعض الظروف السياسيّة مفتوحة أكثر من غيرهم، إذاً فلماذا لا ننفتح أيضاً على هذا الاتجاه لتشكيل جبهة موحّدة تلتقي على نقاط من الاعتدال والوعي والوسطيّة وتواجه التيّارات السلفيّة المنتشرة في المذاهب كافّة تقريباً.

خلاصة ونتائج

يعيش أتباع مذهب أهل البيت النبويّ اليوم لحظةً تاريخيّة، وهم بحاجة ماسّة إلى مواصلة تشييد أساسيّات مذهبهم على أسسٍ علميّة وبرهانيّة، وإلى عرضه بطريقة عقلانيّة حضاريّة علميّة هادئة، وإلى الدفاع عنه بالقول والعمل دون أن يؤدّي هذا الدفاع إلى خرق أيّ مبدأ من المبادئ الإسلاميّة العليا، وعلى رأسها مبدأ الوحدة الإسلاميّة والتماسك الإسلامي لاسيّما في هذه اللحظات الحَرِجة من عمر هذه الأمّة المباركة.

_______________________

([1]) اُلقيت هذه المحاضرة في «مجمع الاعتصام بالكتاب والعترة» في إيران، بتاريخ: 15 ـ 11 ـ 2011م، وقد قام الشيخ سعيد نورا بتقريرها وتحريرها، ثم راجعها المحاضرُ (الشيخ حبّ الله)، مجرياً عليها بعض التعديلات والإضافات والتوضيحات.

([2]) والسند هو: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان.

([3]) الكليني، الكافي 2 : 77.

([4]) الأصول الستة عشر: 151.

([5]) البرقي، المحاسن 1: 202؛ والكافي 1: 167.

([6]) الكافي 2: 213؛ والحرّ العاملي، تفصيل وسائل الشيعة 16: 189 ـ 190؛ كتاب الأمر والنهي، أبواب الأمر والنهي، باب21، ح1.

الكاتب حيدر حبّ الله

حيدر حبّ الله

مواضيع متعلقة

اترك رداً