وقف المنافع والحقوق في الفقه الإسلامي

4 ديسمبر 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬479 زيارة

وقف المنافع والحقوق في الفقه الإسلامي

تطبيقات معاصرة

تمهيداً للبحث عن وقف المنافع والحقوق أرى من الضروري التطرق لبعض المقدمات؛ لما لها من أهمية.

المقدمة الأولى: مشروعية الوقف وعموماته

1ـ مشروعية الوقف

أجمع المسلمون على مشروعية الوقف واستحبابه؛ مستدلين على ذلك:

أـ بالسيرة العملية للمسلمين، المستمرة منذ زمن رسول الله’ إل يومنا هذا، وهي قائمة على وقف الأملاك من العقارات والبساتين والأبنية وغيرها، وقد روي أن أول صدقة موقوفة في الإسلام هي أراضي مخيريق([1])، التي أوصى بها إلى النبي’، فوقفها النبي’([2]). وروى عمر بن شعبة عن عمرو بن سعد بن معاذ قال: سألنا عن أول حبس في الإسلام، فقال المهاجرون: صدقة عمر، وقال الأنصار: صدقة رسول الله’([3]).

وثمة روايات كثيرة حول أوقاف رسول الله’ وعلي وفاطمة وبعض الأئمة من أهل البيت^([4]).

ب ـ السيرة القولية أيضاً، فقد روي عن رسول الله’: <إذا مات الإنسان انقطع عن عمله إلاّ من ثلاثة صدقة جارية؛ أو علم ينتفع به؛ أو ولد صالح يدعو له>([5]). وفي صحيح معاوية بن عمار: <قلتُ لأبي عبد الله× ـ الإمام الصادق ـ: ما يلحق الرجل بعد موته؟ فقال: سُنَّة يعمل بها بعد موته، فيكون له مثل أجر من عمل بها، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، والصدقة الجارية تجري بعده، والولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما، ويحج ويتصدق عنهما، ويعتق ويصوم ويصلّي عنهما…>([6]).

فإنّ الصدقة الجارية الواردة في الروايات هي عبارة أخرى عن الوقف، وقد عرّف بعض الفقهاء الوقف بالصدقة الجارية([7]).

ويمكن إثبات مشروعية الوقف ببعض العمومات والإطلاقات القرآنية، التي تحث وتشجع على فعل الخير وعمل البر، وترّغب في الإنفاق في سبيل الله، كما في قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ}
(آل عمران: 92)، أو قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (البقرة: 254)،
إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا السياق، فإن الوقف في حقيقته مصداق من مصاديق الإنفاق في وجوه الخير والبر، فيكون مشمولاً للعمومات والإطلاقات القرآنية المذكورة.

قول متروك

نُسب إلى بعض الفقهاء أن الوقف غير مشروع في الشريعة الإسلامية، وأنه منافٍ لمبادئها، إلاّ فيما كان مسجداً([8]).

لكنه قول مهجر، ولا دليل عليه، بل الدليل يبطله.

وربما نسب المنع إلى أبي حنيفة، لكنها نسبة غير صحيحة؛ لأن خلاف أبي حنيفة ليس في مشروعية الوقف، بل في لزومه، وفي خروج العين الموقوفة عن ملك الواقف، قال السرخسي: <وظنَّ بعض أصحابنا (رحمهم الله) أنه غير جائز على قول أبا حنيفة، وإليه يشير في ظاهر الرواية، فنقول: أما أبو حنيفة فكان لا يجيز ذلك، ومراده: أن لا يجعله لازماً، فأما أصل الجواز فثابت عنده؛ لأنه يجعل الواقف حابساً للعين على ملكه، صارفاً للمنفعة إلى الجهة التي سماها، فيكون بمنزلة العارية، والعارية جائزة غير لازمة>([9]).

2ـ عمومات الوقف

بعد الفراغ عن مشروعية الوقف يرد السؤال التالي، هل يتوفر لدينا عموم لفظي في المقام يكون مرجعاً في حالات الشك أو أن المدرك هو السيرة العملية المشار إليها، والسيرة ـ كما يقول الأصوليون ـ دليل لُبّي يقتصر فيها على القدر المتيقن؟

والصحيح أنه وعلى الرغم من أن عنوان <الوقف> وارد في كلمات الفقهاء، ولم يرد التعبير به في القرآن الكريم إطلاقاً، ولا في السنة إلا نادراً، وإنما التعبير الشائع عنه في السنة هو الصدقة الجارية، لكن ما ورد يكفي لتكوين عمومات تمثل مرجعيات نصية، ولعل أهم هذه العمومات ـ مضافاً إلى ما ورد بشأن الصدقة الجارية المفسرة بالوقف ـ ما ورد عن رسول الله’ في ما رواه ابن عمر أن عمر ملك مائة سهم من خيبر اشتراها، فأتى رسول الله’، فقال: يا رسول الله، إني أصبت مالاً لم أصب مثله قط، وقد أردت أن أتقرب به إلى الله تعالى؟ فقال: <حبّس الأصل، وسبِّلْ الثمرة>([10]).

وأيضاً ما روي عن محمد بن يحيى في الصحيح، قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي محمد العسكري× في الوقف وما روي فيه، فوقَّعَ: <الوقوف على حسب ما يقفها أهلها>([11]).

إن هذه العمومات تمثل نصوصاً مرجعية يتمسك بها في حالات الشك، ولا مجال معها لأصالة الفساد في العقود والإيقاعات.

المقدمة الثانية: أهمية الوقف وآثاره الإيجابية

إنّ نظام الوقف هو ابتكار إسلامي، لم يكن معروفاً في الجزيرة العربية قبل الإسلام، ولم يعرفه العالم الغربي إلاّ في فترة متأخرة (مطلع القرن الثالث عشر للميلاد)، قال الإمام الشافعي: <لم يحبس أهل الجاهلية ـ في ما علمته ـ داراً ولا أرضاً، وإنما حبس أهل الإسلام>([12])، وقد هدف النظام المذكور إلى تحقيق الكثير من الفوائد والمصالح العامة، وكان له العديد من الإيجابيات، سواء على المستوى الديني أم الاجتماعي أو العمراني أو الثقافي أو الاقتصادي…

فعلى المستوى الديني شكّل نظام الوقف عنصراً مهماً في حفظ الإسلام وحمايته ونشر الرسالة الإسلامية؛ وذلك من خلال وقف المساجد، ودور العبادة، والمعاهد والمدارس الدينية، أو الأوقاف التي يعود ريعها لدور العبادة والعلم، أو نشر القرآن وتفسيره وعلومه، أو كتب الحديث والعقائد والفقه، أو غيرها…

وعلى المستوى الاقتصادي فقد ساهم نظام الوقف في تعزيز الثروات الإسلامية العامة، وحفظها عن الانتقال إلى أيدي الآخرين بالبيع أو غيره من أشكال النقل، وهذا الأمر بالغ الخطورة؛ لأن أعداء قد يعمدون إلى شراء أراضي المسلمين طمعاً بثرواتها أو لغير ذلك من الأغراض، ثم يعمدون إل تهجير أهلها منها، كما فعل اليهود في فلسطين عندما حاولوا شراء الأراضي من الفلسطينيين مقدمة لتهجيرهم.

فنظام الوقف يشكل حاجزاً وحائلاً دون ذلك، ويساعد عل تثبيت المسلمين في أرضهم؛ لأنه يمنحها ويضفي عليها قدسية معينة.

كما أنه على المستوى العمراني فإن الوقف كان منشأً لقيام مدن كبيرة وحواضر علمية ذات طابع تاريخي وعمراني خاص، كما هو الحال في مدن كالقيروان، وعكا، وقم، والنجف، وغيرها.

بإزاء هذه الإيجابيات وغيرها برزت مجموعة من السلبيات أساءت إلى نظام الوقف، وفسحت في المجال أمام بعض الأصوات التي تدعوا إلى إلغائه، مع أن هذه السلبيات ليست ناجمة عن النظام المذكور، بل عن سوء استغلال الأوقاف، وعدم حمايتها ومواكبتها بالرعاية التنظيمية والإدارية من قبل المعنيين، الأمر الذي أدى إلى شيوع ظاهرة التعدي على الأوقاف، حتى صار مال الوقف مضرباً للأمثال في الإهمال والتسيب، ثم إننا ابتلُينا بالفوضى والعشوائية في تشييد وبناء الأوقاف، مما زاد في الطين بلة، وصرنا نجد في القرية الصغيرة أكثر من مسجد، أو أكثر من نادي حسيني، مع عدم حاجة الناس إليها، وهو الأمر الذي قد خلق مشاكل جمة، وانقسامات بين الناس، ولا سيما عندما يتعصب جماعة لهذا المسجد وجماعة للمسجد الآخر!…

وخلاصة القول: إن الضياع والتبديد العشوائية هي سمة الوقف في الكثير من البلدان الإسلامية، <فالأوقاف الخيرية العامة ألعوبة في أيدي المتنفِّذين يستغلونها لمآربهم الخاصة، والأوقاف الخاصة الذرية صارت من أقوى أسباب الفتن والبغضاء، ومن أشدّ دواعي تقاطع الأرحام، بل كثيراً ما ينجر الأمر إل خراب الوقف واضمحلاله، فضلاً عما يترتب عليه من تلف الأموال، بل والنفوس، وإثارة الدعاوى والخصومات>([13]).

الوقف بين التنظيم والترشيد

إن هذا الواقع المرير يفرض على الحكومات الإسلامية والمرجعيات الدينية والمنظمات الإسلامية العمل بجد وإخلاص وأمانة في سبيل تنظيم الأوقاف وحمايتها، من خلال سلة أو مجموعة من القوانين والإجراءات التي تمنع التعدي وتوقف الهدر والسرقة، وتنقذ الأوقاف الإسلامية من أيدي اللصوص، وبخاصة أولئك الذين يتولون شؤونها ويسيئون إدارتها، أو يتصرفون في ريعها وفق رغباتهم وأهدافهم الخاصة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن من الضروري أن يواكب عملية التنظيم هذه جهد آخر توعوي، يعمل على توجيه الواقفين وإرشادهم إلى الأولويات في مسائل الوقف؛ ليتجهوا ـ وبدلاً من وقف ما لا حاجة ماسة له، ولو كان مسجداً ـ إلى الوقف والتصدق على العناوين التي تلامس حاجات الناس الدينية والثقافية والحياتية والخدماتية.

ما أحوجنا إلى أوقاف ترعى العمل الصحّي، وتساهم في التخفيف من أوجاع المعذَّبين وآلامهم، وكذلك ما أحوجنا إلى أوقاف تساهم في الحد من التلوث البيئي، كوقف المتنزهات، والحدائق العامة…، أو أوقاف ترعى العمل الثقافي التبليغي الهادف إلى نشر الإسلام بصورته النقية، التي يعمل الكثيرون على تشويهها حقداً أو جهلاً.

المقدمة الثالثة: الوقف والحبس

قد أفاض الفقهاء في الحديث عن ماهية الوقف وبيان شروطه وأركانه وأنواعه ومثبتاته، ولست بصدد الخوض في ذلك إلاّ بمقدار ما له علاقة في موضوع البحث، فيمكن للمهتم الرجوع إلى المصادر الفقهية المتنوعة التي أسهبت في الحديث عن ذلك، وإنما يهمني في هذه المقدمة تحديد مصطلحين يتردد ذكرهما في كتاب الوقف، ومن الضروري أن نميّز بينهما؛ دفعاً للخلط والاشتباه؛ ولأهميتهما الخاصة في بحثنا، وهذان المصطلحان هما: <الوقف>؛ و<التحبيس>.

1ـ الوقف: وهو المصطلح المعهود والمعروف عند عامة المسلمين، وقد عُرِّف بأنه <تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة>([14])، وهو تعريف تمّ استقاؤه حرفياً من الحديث النبوي المتقدم: <حبِّسْ الأصل، وسبِّل الثمرة>، وقد استبدل بعضهم كلمة <تسبيل> بـ <إطلاق>([15]).

2ـ الحبس: رغم أنهم استخدموا لفظ التحبيس في تعريف الوقف فإن عدداً من فقهاء الشيعة قد ألحقوا بالوقف بحثاً اصطلحوا على تسميته الحبس، أو التحبيس، فما المراد به؟ وما فرقُه عن الوقف؟

التحبيس: هو حبس المالك منفعة العين على شخص أو أشخاص محصورين أو جهة معنية يصح الوقف عليها، كالفقراء، والحجاج، والزوار، والعلماء، وسبيل الله، من دون إخراج العين عن ملك المحبِّس، كما لو حبس سيارته وبذلها لخدمة الحجاج مدة من الزمن، أو حبس كتبه على طلاب الحوزة العلمية كذلك، ولو كانت العين المحبوسة داراً للسكن فقد اصطلحوا عليها بـ <السكنى>؛ فإن كانت مدة تحبيس الدار مدى العمر اصطلحوا عليها بـ<العمرى>؛ وإن كانت لما دون ذلك فهي <الرقبى>، فالسكنى والعمرى والرقبى هي من متفرِّقات التحبيس، ولذا عبَّروا عن ذلك بـ <الحبس وأخواته>([16])، ولا يخفى أن مصطلحي العمرى والرقبى مطروحان لدى مختلف المذاهب الإسلامية، وقد ورد فيهما بعض النصوص عن رسول الله’، فلتراجع.

وفي حين يشترك التحبيس مع الوقف في أصل الحبس، وفي كونهما من مصاديق التبرع والعمل الخيري، فإنه يختلف ويفترق عنه في أمور، أهمها اثنان:

1ـ عدم ابتناء التحبيس على إخراج العين عن ملك صاحبها، على عكس الحال في الوقف، بل تبقى العين على ملك الحابس، وتكون موروثة لورثته مع انتهاء مدة الحبس.

2ـ عدم ابتناء الحبس على التأبيد، خلافاً لما هو المشهور في الوقف من اشتراطه بالتأبيد، فإذا حبس ملكه على شخص مدة معينة لزم في المدة المذكورة حتى لو كانت أزيد من عمر الحابس، وليس له الرجوع قبلها، وإذا مات قبل مضيّها ليس لورثته الرجوع فيه، فإذا مضت المدة رجع له أو لورثته، وأما إذا أطلق التحبيس، ولم يحدد مدة معينة، ففي لزومه إلى موت الحابس، وبعد موته يرجع ميراثاً؛ أو جوازه فيجوز له الرجوع فيه متى شاء، قولان للفقهاء([17]).

وما اصطلح عليه فقهاء الشيعة بالحبس هو الوقف بعينه عند المالكية، فقد عرّفوا الوقف بأنه <جعْلُ المالك منفعة مملوكة، ولو كان مملوكاً بأجرة، أو جعل غلته ـ كدراهم ـ لمستحقٍ، بصيغةٍ، مدة ما يراه المحبِّس، أي إن المالك يحبس العين عن أي تصرف تحليلي، ويتبرع بريعها لجهة خيرية تبرعاً لازماً، مع بقاء العين على الملك الواقف، مدة معينة من الزمان، فلا يشترط فيه التأبيد>([18]).

المقدمة الرابع: في تحقيق شرطي الوقف

ما الدليل على ابتناء الوقف على الشرطين المذكورين، وهما: التأبيد؛ وخروج العين عن ملك الواقف؟

إن تحقيق هذا الأمر غاية في الأهمية؛ لابتناء القول ببطلان وقف المنافع على الشرطين المذكورين، بحيث أن إثبات بطلانهما أو عدم تماميتهما يفتح الباب واسعاً أمام القول بصحة وقف الحقوق والمنافع.

الوقف والتأبيد

رأى جمهور الفقهاء، ما عدا المالكية، أن التأبيد شرط في صحة الوقف، فلا يجوز توقيته بمدةٍ، واختار ذلك فقهاء المذهب الجعفري، فلو وقّته بمدة معينة بطل وقفاً حتماً، ويصح حبساً إذا قصد الحبس، وإلا بطل وقفاً وحبساً([19])، وقد التبس الأمر على الشيخ أبي زهرة&، فنسب إلى الإمامية القول بأنّ الوقف يجوز أن يكون مؤبداً؛ وأن يكون مؤقتاً، والصحيح أن الوقف عندهم لا يكون إلاّ مؤبَّداً>([20]).

وأظنه وقع في التباس المصطلح، فلم يميِّز بين الوقف والحبس؛ فإنّ الذي يصح مؤقتاً هو الحبس كما أسلفنا، أجل إن بعض فقهاء المذهب الجعفري ناقش في شرط التأبيد؛ لناحية عدم وجود دليل يعضده، مفترضاً أن العمدة في المسألة هو الإجماع لو تمّ([21]).

والظاهر أن ما يمكن الاستدلال به لشرط التأبيد والاستمرار أمور:

1ـ النبوي المتقدم: <حبِّسْ الأصل، وسبِّلْ الثمرة>، وفي الرواية الأخرى: <إن شئت حبَّست أصلها وتصدَّقت بها>، بتقريب أن التحبيس ظاهر في الدوام، ولا يتلاءم والتوقيت.

2ـ إن التأبيد معتبر في مفهومه، ولذا جعلوا لفظ <وقفت> صريحاً في إرادة الوقف، بخلاف سائر الألفاظ؛ فإنها تدل عليه بضميمة القرائن([22]).

ويلاحظ عليه: إن ذلك أول الكلام، بل إن ذلك أشبه بالمصادرة، وسيأتي في مناقشة دعوى الإجماع بعض الأمثلة الفقهية التي تنفي اعتبار التأبيد في مفهوم الوقف.

3ـ صيغة وقوف الأئمة من أهل البيت، وكذا الصحابة؛ فإنها متضمنة لشرط التأبيد([23]).

ويلاحظ عليه: شرعية التأبيد واستحبابه، لا لزومه وتقوّم الوقف به.

4ـ إن الوقف صدقة، ولا شيء من الصدقة يجوز الرجوع فيها([24])؛ لأن ما كان لله لا يصح الرجوع فيه.

ويلاحظ عليه: إن عدم جواز الرجوع في الصدقة؛ لتقومها بنية القربة، هو حكم الصدقة بالمعنى الأخص، وكون الوقف كذلك محل إشكال، بل منع، ثم لو سلمنا أنه لا يجوز الرجوع في الصدقة، ومنها: الوقف، نقول: إن التوقيت ليس رجوعاً، بل هو تضييق لزمن الصدقة من أول الأمر.

5ـ الإجماع، وقد استدل به غير واحد من الفقهاء.

بيد أن الإجماع المدعى ـ مضافاً إلى كونه مدركياً، أو محتمل المدركية، أي إنه مستند إلى الوجوه المتقدمة، فلا تزيد قيمته عن قيمته تلك الوجوه ـ غير متحقق، لا على المستوى الإسلامي العام؛ لمخالفة المالكية، ولا على المستوى الشيعي، كما يشهد به ذهاب أكثر الفقهاء إلى أنه إذا وقف وشرط عوده إليه عند حاجته صح الشرط وكان وقفاً، فإن احتاجه عاد إلى ملكه، بل ادّعى السيد المرتضى الإجماع عل صحته، وهكذا ذهبوا إلى صحة الوقف على من ينقرض غالباً، واستدل للصحة بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} (المائدة: 1)، وقوله×: <الوقوف على حسب ما يقفها أهلها>.

قال السيد اليزدي في مسألة اشتراط الواقف عود الوقف إليه ـ بعد استدلاله لصحة الشرط المذكور ـ: <فيكون نظير الوقف على من ينقرض غالباً، فهو وقف إلى غاية محتملة الحصول، ولا مانع منه بعد عدم اشتراط التأبيد في صحة الوقف، كما لا مانع من قوله: وقفت على أولادي ما داموا فقراء…>([25]).

6ـ إن الوقف هو الصدقة الجارية كما سلف، فيشترط فيه التأبيد؛ لأن توقيته بمدة لا ينسجم وجريان الصدقة.

ولعل هذا الوجه مضافاً إلى الوجه الأول هما العمدة في شرطية التأبيد، مضافاً إلى السيرة المستمرة منذ صدر الإسلام إلى الآن على وقف الأموال في وجوه الخير، ومنع العود فيها، والتصرف فيها من الواقف وغيره([26]).

خروج العين عن ملك الواقف

لا شك أن العين الموقوفة وقبل التلفظ بصيغة الوقف ملك لصاحبها، ولا وقف إلاّ في ملك، وأمّا بعد الوقف فهل تبقى على ملكه، غاية الأمر أنها تكون مسلوبة المنفعة بالقياس إليه، أو تنتقل إلى الموقوف عليهم، أو تصبح بلا مالك، وهو ما يعبر عنه بفك الملك؟

ذهب المالكية إلى بقائها على ملك الواقف، لكنه يمنع من التصرف فيها، فالوقف عندهم لا يقطع حق الملكية في العين الموقوفة، وإنما يقطع حق التصرف فيها([27])، ونسب القول ببقاء العين على ملك الواقف إلى أبي حنيفة، لكنه لا يمنع من تصرف الواقف في العين الموقوفة؛ لأن الوقف عنده جائز، كالعارية، فيجوز الرجوع فيه([28]).

وذهب الشافعية إلى انتقالها عن ملك الواقف، قال في المغني: <إنّ الوقف إذا صح زال به ملك الواقف عنه في الصحيح من المذهب، وهو المشهور من مذهب الشافعي، ومذهب أبي حنيفة، وعن أحمد: لا يزول ملكه، وهو قول مالك، وحكي قولاً للشافعي>([29]).

وهذا هو مختار الإمامية، وأمّا ما نسبه الشيخ أبو زهرة إليهم في كتاب الوقف من القول ببقاء العين على ملك الواقف، وقال: <هذا القول هو الراجح عند الإمامية>([30]) فهو اشتباه أيضاً، وخلطٌ بين الحبس والوقف؛ فإن المعروف عند الإمامية الخروج العين عن ملك الواقف، قال في الجواهر، وهو من أهم المصادر الفقهية لدى الشيعة الإمامية: <الوقف إذا تمّ زال ملك الواقف عند الأكثر، بل عن المشهور، بل في محكي الغنية والسرائر الإجماع عليه>([31])، ولم يخالف في ذلك إلا الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، قال&: <والتحقيق عندنا أن الوقف ليس إخراجاً عن الملك، ولا تمليكاً للغير، بل هو تقييد الإنسان ملكيته المطلقة، فأنت حين تملك دارك تملكها ملكية مطلقة صالحة للنقل والانتقال سب إرادتك، فتبيعها أو تهبها وتفعل ما تشاء، وحين أوقفتها أو وقفتها قيّدت ملكيتك، فلا تقدر على بيعها، ولا رهنها، ولا أيّ تصرف يتعلق برقبتها، فهذه ملكية واقفة مقيَّدة، وتلك متحرِّكة مطلقة، لأن المالك قيّد نفسه ومنعها بالوقف عن التصرف فيها من حيث النقل، لا أنه أخرجها عن ملكه. نعم، ملّك منافعها لغيره، فالوقف من هذه الجهة مثل التحبيس وأنواعه، وهذا المعنى هو المطابق تماماً لما في الحديث النبوي: حبِّسْ الأصل، وسِّبلْ المنفعة>([32])، ويظهر من السيد اليزدي التشكيك في شرطية الخروج عن الملك في الوقف، قال&: <إن الخروج عن الملك ليس من مقتضى الوقف بما هو وقف، بل إنّه يجيء من قبل التأبيد>([33])، وقد مرّ أنه& شكّك في شرطية التأبيد، قائلاً: <إن العمدة على ذلك هو الإجماع إن تم>([34]).

والعمدة في المقام هو الدليل، والمطالَب بالدليل ـ في ما أرى ـ هو القائل ببقاء العين على ملك الواقف؛ لأنّ الرأي الآخر يكفيه التمسك بالسيرة المستمرة للمتشرعة في الوقف المبني على خروج العين الموقوفة عن ملك الواقف، ما يجعل من ذلك قدراً متيقناً، وغيره بحاجة إلى دليل، وما يمكن أن يستدل به القول ببقاء العين على ملك الواقف، الذي تبناه المالكية، والشيخ كاشف الغطاء من الإمامية:

1ـ الحديث المروي عن رسول الله’ <حبِّسْ الأصل، وسبِّلْ الثمرة>، ونحوه الحديث الآخر: <إن شئت حبَّست أصلها وتصدَّقت بها>.

2ـ ما روي عنه’ أيضاً: <لا حبس عن فرائض الله>، وقد استدل به لقول أبي حنيفة؛ لأنه <لو كان الوقف يخرج المال الموقوف عن ملك الواقف لكان حبساً عن فرائض الله؛ لأنه يحول بين الورثة وبين أخذ نصيبهم المفروض>.

ورُدَّ: <بأن الحديث ـ مع ضعفه ـ لا يدل على مقصود الإمام؛ لأنّ المراد به إبطال عادة الجاهلية بقصر الإرث على الذكور الكبار دون الإناث والصغار>([35]).

فالعمدة هو الوجه الأول، فهل تتم دلالته، ويُستظهر من <تحبيس الأصل> بقاء العين على ملك المالك؟

الإنصاف أنه لا يخلو من إشعار بذلك، لكن الإشعار غير كافٍ إن لم يرقَ إلى مستوى الظهور.

وخلاصة الكلام: إن الشرطين المذكورين، وهما: التأبيد وخروج العين الموقوفة عن ملك الواقف، تامان وِفْق ما ذهب إليه غالبية فقهاء المسلمين على اختلاف مذاهبهم.

وجهة نظر

ولنا أن نطرح في المقام وجهة نظر قريبة إلى الاعتبار، ويساعدها الدليل، ومفادها أن التصدق أو الوقف تارةً يتحقق بتمليك العين؛ وأخرى بتمليك المنفعة، وتمليك العين أو المنفعة تارةً يكون مؤقَّتاً؛ وأخرى مؤبَّداً، ولئن اصطلح على تسمية بعض هذه الصور بالوقف، وتسمية بعضها الآخر بالحبس، فإن هذه مجرّد اصطلاحات وتسميات تقوم بدور صياغي تنظيمي، والصور المذكورة برمّتها في المشروعية سواءٌ؛ لانطباق مفهوم الصدقة على الجميع، كما أن قوله×: <الوقوف على حسب ما يقفها أهلها> شاملٌ لها جميعاً.

ما قلناه هو ما اختاره الفقيه الإمامي أبو الصلاح الحلبي، الذي لم يعقد في كتابه الفقهي باباً بعنوان الوقف، وإنما أدرج أحكام الوقف في باب الصدقة، قال&: الصدقة وجهٌ لتحريم التصرف على المتصدِّق وإباحته للمتصدَّق عليه، وإنما يكون كذلك بأن يقع بما يصح التصرف فيه بملكٍ أو إذنٍ، على ما تصح القربة فيه، بشرط القبض أو ما يقوم مقامه، وإيقاعها للوجه الذي له شرعت مخلصاً بها لله تعالى، فإذا تكاملت هذه الشروط فهي صدقة ماضية، لا يجوز الرجوع فيها، وإن اختل فيها شرط فهي ملك المتصدِّق.

ويضيف قائلاً: وهي على ضربين: أحدهما: يقتضي تمليك الرقبة؛ والثاني: إباحة المنافع، فالأول أن يتصدق المرء بما يصح تصرفه من الأعراض والأموال أو الحيوان أو الرباع أو الأرض قاصداً إلى تمليك الرقبة من غير شرط، فتقبض أو يرتفع الحظر ويقبل، فيخرج عن ملك المتصدِّق إلى ملك المتصدق عليه، إن شاء أمسك، وإن شاء باع أو وهب، والثاني: على ضربين: مشترط؛ ومؤبد. والمشروط على ضروب، منها: أن يتصدق بمنافع داره، أو أرضه، أو دابته، على شخص معين مدة معلومة، ثم ذلك راجع إلى ملكه أو إلى جهة من الجهات، فهي على شروطها.

أو يتصدق على أقاربه أو غيرهم بذلك مطلقاً، ويجعل إليهم بيع الرقبة عند الحاجة أو عند خرابها، دون حالتي الغنى وعمارتها.

أو يتصدق بمنافع الدار والأرض على قوم بشرط أن لا يفسقوا في الجملة أو فسقاً مخصوصاً، أو ينتقلوا عن بلد أو مذهب، فمتى أختل الشرط رجعت الصدقة ملكاً أو انتقلت إلى جهة، إلى غير ذلك من وجوه الاشتراط، فالحكم إيقاف الصدقة على ما شرط المتصدِّق.

والمؤبّد: أن يحبس الرقبة ويجعل منافعها لموجود معين من نسله، أو غيره من الأقارب أو الأجانب، وعلى من ينحدر من ولده وولد ولده أبداً ما تناسلوا…، إلى أن يقول: ويؤبِّدها، ويحرم بيعها ونقلها عن جهاتها وتغيير شروطها، فإذا أوقعت الصدقة على هذا الوجه وجب إمضاؤها على شروطها، وحرم تغيير شيء منها>([36]).

وبعد هذه المقدمات الضرورية لبحثنا نشرع في الحديث عن وقف المنافع والحقوق.

وقف المنافع، الحقيقة والحكم

ما المراد بوقف المنافع؟

إن الملكية أو الإباحة تارة تتعلق بالعين؛ وأخرى بالمنفعة؛ وثالثة بالانتفاع؛ ورابعة بالحق، وإليك شرح هذه المصطلحات:

1ـ ملكية العين: وهي الملكية المتعلقة برقبة المال، وهي غنية عن البيان، وأسبابها كثيرة ومعروفة، كالمعاوضة، أو الميراث، أو الحيازة. أجل، تارة يملك المرء العين مع منافعها؛ وأخرى يملكها مسلوبة المنفعة، كملكية المؤجر للعين المستأجرة.

2ـ ملكية المنفعة: وهي الملكية المتعلقة بنفس المنفعة، دون العين، كملكية المستأجر منفعة العين المستأجرة.

3ـ ملكية الانتفاع: وهي الملكية المتعلقة بالانتفاع، دون العين والمنفعة، كملكية المستعير حق الانتفاع بالعين المستعارة.

والفرق بين ملكية المنفعة وملكية الانتفاع أن ملكية المنفعة تمنحه حق المعاوضة عليها، ولا يملك ذلك في ملكية الانتفاع.

4ـ ملكية الحق: وسيأتي الحديث عنها.

وباتضاح هذه الأقسام يصبح معلوماً أن مصب الكلام هو في وقف المنفعة المقابلة للعين والانتفاع والحق.

استعراض لآراء المذاهب الإسلامية

ذهبت غالبية المذاهب الإسلامية إلى المنع من وقف المنفعة، مشترطين في الموقوف أن يكون عيناً([37]).

قال العلامة الحلي: <لا يصح وقف المنفعة من دون العين، ولا يجوز وقف المنافع، فمن ملك منافع الأعيان دون رقابها، كالمستأجر، والموقوف عليه، فوقف تلك المنافع لم يصح، سواءٌ ملك المنفعة مؤقتاً، كالمستأجر، أو مؤبَّداً، كالموصى له بالخدمة والمنفعة؛ لأن ملك الوقف يشبه التحرير، وملك المنفعة لا يفيد ولاية التحرير؛ لأن من شرط الوقف الدوام، والمنافع لا دوام لها؛ فإنها تحدث شيئاً فشيئاً، وتفنى كذلك، فهي كالشيء الذي يسرع إليه الفساد>([38]).

وقال الشربيني الشافعي في <مغني المحتاج>: <ولا يصح وقف المنفعة دون الرقبة، مؤقتةً كانت، كالإجارة، أو مؤبدة، كالوصية؛ لأن الرقبة أصل والمنفعة فرع، والفرع يتبع الأصل>([39]).

إلى غير ذلك من كلمات الفقهاء من مختلف المذاهب الإسلامية، وهي مجمعة على المنع من وقف المنفعة، ولم يخالف في ذلك إلاّ المالكية، فجوَّزوا وقف المنفعة، كأن <يستأجر داراً أو أرضاً مدة معينة، ثم يقف منفعتها لمستحق آخر في تلك المدة>([40]).

حبس المنفعة

قبل أن نستعرض أدلة المانعين من وقف المنفعة نقول: إنه وبناء على ما تقدم في المقدمة الثالثة من الفرق بين الحبس والوقف لو لم تثبت صحة القول بوقف المنفعة فإن ذلك لا يضر؛ لإمكان الحكم بشرعية ذلك بعنوان الحبس.

وطبقاً لما جاء في المقدمة المذكورة أيضاً فإن وقف المنفعة هو المشروع من الوقف بنظر المالكية والشيخ كاشف الغطاء من الإمامية. لكن مع غض النظر عن ذلك هل يمكن تصحيح وقف المنافع؟ وما المانع من صحتها؟

نظرية المنع عن وقف المنافع، الأدلّة والنصوص

يمكن أن يذكر للقول بمنع ذلك ما يلي:

1ـ إن وقف المنفعة لا يتلاءم مع مفهوم الوقف؛ فإنه تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، والحبس لا يتصور في المنفعة؛ فإن الانتفاع بها إنما يكون بإتلافها شيئاً فشيئاً، فلا يتصور فيها تحبيس الأصل؛ إذ الأصل حينئذٍ هي المنفعة([41]).

وربما يناقش في ذلك بما أفاده أبو الصلاح الحلبي من كفاية تسبيل المنفعة وعدم اعتبار التحبيس في الوقف.

ورده صاحب الجواهر <بظهور النص والفتوى بخلافه، بل يمكن دعوى ضرورة المذهب أو الدين على ذلك>([42]).

ويقصد بالنص ما ورد في الحديث النبوي: <حبِّسْ الأصل وسبِّلْ الثمرة>.

2ـ منافاته مع التأبيد، ولذا فإن المالكية ـ وبناء على أصلهم في عدم اشتراط التأبيد ـ أجازوا وقف المنافع([43]).

ويلاحظ على ذلك: إذا لم يكن ثمة مانع آخر من وقف المنفعة فإن مجرد منافاته للتأبيد غير ضار، على الأقل بنظر بعض الفقهاء؛ لما عرفت من أنه لا دليل على تقوّم الوقف بالتأبيد سوى دعوى الإجماع، وهي لا تخلو من تأمل.

3ـ <جواز التصرف في العين؛ لأنها لم يتعلق بها الوقف، فتتبعها المنفعة، فيفوت الغرض من الوقف>، كما ذكر البحراني([44]).

ويلاحظ عليه بمنع المالك من التصرف في العين تصرفاً يفوّت حق الموقوف عليهم، تماماً كما لا يصح للمؤجر أن يتصرف في العين المستأجرة تصرفاً ينافي حق المستأجر، وهذا ما التزم به المالكية القائلين ببقاء العين على ملك الواقف.

وقد يقال: ما الفائدة من بقاء العين على ملك الواقف ما دام ممنوعاً من التصرف فيها؟

والجواب: إنه تظهر الفائدة في حال انقراض الموقوف عليهم، أو في حال أتلف العين متلف، فإنه يضمن للواقف ثمن العين مسلوبة المنافع، كما يضمن للموقوف عليهم عوض ما فوّته عليهم.

4ـ إن الوقف يقتضي نقل الموقوف عليه، فيجب الوقوف فيه على ما علم من الشارع كونه ناقلاً، وما علم كونه قابلاً للانتقال، ولم يعلم من الأخبار تعلق الوقف بالمنفعة ونقلها به، والأصل العدم إلى أن يثبت بالدليل>([45])، وكأنه يريد القول: إن الإشكال ليس في وجود المانع من وقف المنافع، بل في عدم المقتضي لذلك.

ويلاحظ عليه: إن إطلاقات الصدقة الجارية ـ المفسَّرة بالوقف ـ كافية في المقام، ولا يشترط في شرعية أمر أن يُنصَّ عليه بخصوصه في الكتاب أو السنة، وإنما يكفي أن يكون مشمولاً للعمومات والإطلاقات، وهي متوفرة كما عرفت، بل ربما يقال: إن ثمة نصوصاً خاصة يصلح الاستدلال بها في المقام، ومنها:

ما ورد في جواز بيع منفعة الدار، كموثَّقة إسحاق بن عمار عن الإمام الكاظم×: عن رجل في يده دار ليست له، ولم تزل في يده ويد آبائه، قد أعلمه من مضى من آبائه أنها ليست لهم، ولا يدرون لمن هي، فيبيعها ويأخذ ثمنها؟ قال×: <ما أحبّ أن يبيع ما ليس له>، فسأله الراوي عن بيع سكناها، بأن يقول للمشتري: <أبيع سكناي، وتكون في يدك كما هي في يدي؟ قال: نعم، يبيعها عل هذا الوجه>([46]).

ومنها: ما ورد في جواز بيع خدمة العبد المدبّر، وهي مروية من طريق الفريقين، كخبر السكوني، عن جعفر بن محمد، عن علي× قال: <باع رسول الله’ خدمة المدبّر، ولم يبع رقبته>([47]).

وتقريب الاستدلال بهذه الروايات أن إذا أجاز بيع سكنى الدار أو خدمة المدبّر جاز وقفهما، لا لأن كل ما جاز بيعه جاز وقفه؛ إذ إن هذه الكلية ممنوعة؛ فإنه يصح بيع ما يتلف بالانتفاع به، كالمأكولات، لكن لا يصح وقفه؛ بل لعدم الخصوصية للبيع في المقام بعد كون السكنى في الدار أو الخدمة في المدبر قابلة للاستمرار.

أجل، إنّ بيع السكنى أو الخدمة ـ وعلى الرغم من ورود هذه الروايات بشأنه ـ محل جدلٍ، بل منعٍ، من قبل الفقهاء؛ لبعض الوجوه المذكورة في محلها، الأمر الذي دفعهم إلى حمل الأخبار المذكورة الواردة في بيع المنفعة أو نحوها على التجوز في الاستعمال؛ لأنه أعم من الحقيقة، فتأمل.

وخلاصة القول: إنه لا دليل على منع وقف المنافع سوى شبهة منافاته للتأبيد، فلو تمت المطلقات الواردة في الصدقة الجارية، ولم يناقش فيها، فيكون القول بجواز وقف المنافع قريباً، والذي يهوّن الخطب أن صدقة المنفعة، إن لم نقل بشرعيتها بعنوان الوقف، فلا شك في شرعيتها بعنوان الحبس كما أسلفنا.

وقف الحقوق، الماهية والحكم

ما المراد بالحق؟ وما هو فرقه عن الحكم والملك؟

تعريف الحق

اختلف الفقهاء في تعريف الحق على عدة أقوال، نشير إلى بعضها:

1ـ الحق سلطنة اعتبارية تمنح صاحبها أولوية التصرف، وهو مقابل الملك، كما عن الشيخ الأنصاري&([48]).

وأورد عليه: بأن السلطنة من آثار الحق، كما أنها من آثار الملك، وليس عينه.

2ـ ورأى بعضهم أنه لا مقابلة بين الحق والملك، فالحق نحو ملك، بل هو ملك، وكونه في مقابله اصطلاح خاص.

ويلاحظ عليه: إن الحق يتعلق بأمور غير مملوكة، كحق التحجير، أو حق الاختصاص، ومثال الأول: أولوية الإنسان بالأرض المباحة التي حجرّها دون أن يحييها، فإن التحجير لا يُملِّك العين؛ لأنها لا تملك إلا بالإحياء، لكن ذلك يكسبه حق الأولوية فيها.

ومثال الثاني: انقلاب الخل خمراً، فإن الخمر لا تملك، ولا مالية لها شرعاً، لكن لصاحب الخمر المنقلبة عن الخل إبقاؤها، ليحوله خلاً مجدداً، ولا تصح مزاحمته في ذلك.

وبسبب هذه الملاحظة اقترح المحقق النائيني تعريفاً آخر، وهو:

3ـ إن الحق مرتبة ضعيفة من الملك، وسلطنة ضعيفة على المال، والسلطنة على المنفعة أقوى منها، والأقوى منهما السلطنة على العين، والجامع بين الملك والحق هو الإضافة الحاصلة من جعل المالك الحقيقي لذي الإضافة المعبّر عنها بالواجدية، وكون زمام أمر الشيء بيد من جعل له، وكونه ذا سلطنة وقدرة…>([49]).

4ـ وقد عرفه الأستاذ مصطفى الزرقاء بأنه اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفاً([50]).

وهو، وإن كان تعريفاً شاملاً لمختلف الحقوق، سواءٌ الدينية أو المدينة أو الأدبية أو الحقوق المالية وغير المالية، لكنه لا يبدي فارقاً بين الحق والملك، بل يجعل الملك من مصاديق الحق، فإن الملك أيضاً نوع اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفاً.

وكيف كان فإن ثمة جدلاً فقهياً مستفيضاً حول التعريفات المتقدمة للحق، كما أن هناك كلاماً في تفاصيل الحقوق، ولا نرى ضرورة للخوض فيه، فليراجع في مظانّه([51]).

الفرق بين الحق والملك

بناءً على ما ذكره المحقق النائيني في تعريف الحق يكون الفرق بين الحق والملك تشكيكياً، فكلاهما عبارة عن الاختصاص بالشيء، ولكن الملك أقوى مرتبة من الحق في هذا الاختصاص.

وأمّا فرقه عن الحكم فواضح ولا غبار عليه؛ فإن زمام الحكم بيد الشارع رفعاً ووضعاً، لا يحق لأحد ـ سواه ـ رفعه ونسخه، وأما الحق فزمامه بيد المكلف، وبإمكانه إسقاطه، على الأقل في غالبية الحقوق كما سنرى.

أقسام الحق

قسم فقهاء الشرع والقانون الحق باعتبارات متعددة، منها: تقسيمه باعتبار صاحب الحق إلى: حق الله؛ وحق الإنسان؛ وحق اجتمع فيه الحقّان. ومنها: تقسيمه باعتبار محل الحق: إلى حق مالي؛ وغير مالي، وحق شخصي؛ وآخر نوعي؛ وحق مجرد؛ وآخر غير مجرد. ويهمني من هذه التقسيمات الإشارة إلى نوعين:

التقسيم الأول

تقسيمه بلحاظ قابليته للإسقاط والنقل والمعاوضة إلى عدة أقسام:

1ـ ما لا يقبل الإسقاط، ولا النقل، ولا المعاوضة، كحق الأبوة، أو الولاية للأب، فلو أسقطه لا يسقط، ولا يصح نقله إلى الغير، أو المعاوضة عليه.

2ـ ما يقبل الإسقاط، دون النقل والمعاوضة، كحق الأم في الحضانة، فإنّ لها إسقاطه، دون نقله إلى غيرها، وكذلك حق المغتاب ـ بالفتح ـ عل من اغتابه في الاستحلال منه، بناءً على ثبوت هذا الحق.

3ـ ما يقبل الإسقاط والانتقال، دون المعاوضة، كحق القصاص، فإن لصاحبه إسقاطه، كما أنه ينتقل إلى الورثة، لكنه لا يُباع، وكذا حق الشفعة، فإنه على المشهور يقبل الإسقاط والانتقال، دون المعاوضة عليه.

4ـ ما يقبل الإسقاط والانتقال والمعاوضة، كحق التحجير المشار إليه.

التقسيم الثاني: الحق الشخصي والحق العيني

تعارف في فقه القانون([52]) تقسيم الحقوق المالية إلى قسمين:

1ـ الحق الشخصي: وهو ما يكون قائماً بين شخصين، ويمارس صاحب الحق بموجبه سلطنة على ما يريد بواسطة الشخص الآخر، أي بمطالبته إياه بإعطاء ما يستحقه من ديْن أو عمل، أو الامتناع عن عمل، من قبيل: حق الدائن المقرض على المدين المقترض، وحق المستأجِر على الأجير.

2ـ الحق النوعي: وهو ما يكون قائماً بين صاحب الحق والشيء المستحق، ويكون ذو الحق مسلطاً بموجبه على ذلك الشيء مباشرة، ومن دون وساطة شخص آخر في ممارسة سلطته، كحق الملكية، وحق السكنى، وحق الانتفاع، وغير ذلك.

مصدر الحق

إن منشأ الحق ـ في الإسلام ـ هو الشريعة، فهي مصدر شرعية الحقوق، غاية الأمر أن الشرع قد ينشئ الحق مباشرة ومن غير توقف عل أسباب أخرى، وقد يُنشئه بشكل غير مباشر ومرتَّباً على أسباب أخرى.

وعلى ضوء ذلك فكل ما يطرح من حقوق في التشريعات القانونية الحديثة لا بد من إمضاء التشريع الإسلامي له عند من يؤمن بمرجعية الشريعة الإسلامية.

حقوق الملكية الفكرية

تشير الملكية الفكرية ـ كما تعرّفها المنظمة العالمية للحقوق الفكرية ـ <إلى أعمال الفكر الإبداعية، أي الاختراعات والمصنفات الأدبية الفنية، والرموز والأسماء والصور والنماذج الصناعية>، وتنقسم حقوق الملكية الفكرية إلى قسمين رئيسيين:

1ـ حق الملكية الأدبية والفنية (حق المؤلف)، والحقوق المرتبطة بها.

2ـ حق الملكية الصناعية (حق الاختراع)، والحقوق المرتبطة بها.

حق المؤلِّف

أما حق المؤلف فهو مصطلح يصف الحقوق الممنوحة للمبدعين في مصنفاتهم الأدبية والعلمية الفنية، ويشمل حق المؤلف كل المصنفات الأدبية والعلمية، مثل: الروايات، وقصائد الشعر، والمسرحيات، والمصنفات المرجعية، والصحف…. ويتمتع المؤلِّف بنوعين من الحقوق:

1ـ الحقوق المعنوية أو الشخصية: وهي الحقوق اللصيقة بشخصية المؤلِّف، وهي حقوق دائمة وغير قابلة للتنازل عنها، وغير قابلة للسقوط بالتقادم، وذلك كحقه في نشر مصنَّفه، ومنع التعدي عليه حذفاً أو تغييراً أو تزويراً، وأن يوضع اسمه عليه، وكذلك حقه في سحبه من التداول، أو تعديله، أو ترجمته…

2ـ الحقوق المالية: وهي حقه في استغلال مصنَّفاته على أية صورة، ويتم ذلك عن طريق نقله إلى الجمهور بطريق مباشر أو غير مباشر، فاستغلال المصنَّف مالياً حقٌّ لمؤلِّفه، ولا يجوز لغيره مباشرة هذا الحق، ويتمتع صاحب الحق بالحماية طوال حياته، وتنتقل الحماية إلى من آل أو يؤول إليهم الحق بالإرث أو بالناقل القانوني، ومدّة هذه الحماية تقدر في الغالب بخمسين سنة، وجعلها التشريع الأمريكي سبعين سنة.

حق الاختراع

الاختراع هو كل إبداع أو ابتكار جديد في أي مجال من الأنشطة، فهو يمثل ابتكاراً جديداً لمنتجٍ، أو طريقة، أو تركيبة لشيء جديد، وتُعطى لصاحب الحق براءة اختراع، كمستند على أنه قد استوفى الشروط الموضوعية والشكلية للحصول على البراءة، وتمنحه البراءة حماية قانونية.

التبرير الشرعي لحق التأليف والاختراع

بما أن شرعية الحق مستمدة من الشريعة الإسلامية، ولا يكفي ـ برأينا كمسلمين ـ تعارف الناس عليها ما لم يمض الشارع هذا العرف بشكل أو بآخر، يأتي السؤال عن الدليل على هذه الحقوق المستجدة؟ وهو جملة أمور:

1ـ وجّه بعضهم([53]) شرعية هذه الحقوق على أساس قاعد الاستصلاح أو المصلحة المرسلة، وهي الأوصاف التي تلائم تصرفات الشرع ومقاصده، دون أن يشهد لها دليل معين من الشرع اعتباراً أو إلغاءً، ويحصل من ربط الحكم بها جلب مصلحة أو دفع مفسدة عن الناس.

وفي المقام فإن المؤلِّف ـ مثلاً ـ <بذل جهداً كبيراً في إعداد مؤلَّف، فيكون أحق الناس به، سواءٌ في ما يمثل الجانب المادي، وهو الفائدة المادية التي يستفيدها من عمله؛ أو الجانب المعنوي، وهو نسبة العمل إليه، ويظل هذا الحق خالصاً دائماً له، ثم لورثته>([54]).

وقد أورد([55]) بعض العلماء على هذا الاستدلال بمناقشة المبنى والمبدأ الذي قام عليه، وهو قاعدة <الاستصلاح> أو <المصالح المرسلة>، واستعاض عن ذلك بمبدأ ولاية الفقيه؛ فإن له وفق ما يرى ويشخص من المصلحة الاجتماعية أن يلزم المجتمع برعاية هذه الحقوق.

لكنّ هذا التخريج لا يتمّ إلا عند القائلين بالولاية العامة للفقيه([56]).

2ـ إن ملكية الإنسان لأعماله ونتائج أعماله وذممه هي ملكية تكوينية، فلسنا بحاجة إلى جعل السلطة الاعتبارية في هذه الموارد، وهذه الملكية التكوينية موضوعة لحق الاختصاص، وأولوية الإنسان على تلك الأعمال؛ لما ورد في الروايات من عدم جواز التصرف في مال الغير بغير إذنه، من قبيل: ما روي عن رسول الله’: <لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه>([57]).

فإذا ثبتت أولوية الإنسان بنتائج أعماله نقول: إن الكتاب بوجوده المعنوي يكون من نتائج مؤلِّفه، فهو ملك له ملكية تكوينية، لا اعتبارية، والتصرف فيه بالطباعة دون إذن مالكه هو تصرف في مال الغير، وهو منهيٌّ عنه([58]).

3ـ إنّ المعاملات الواقعة على تلك الحقوق هي معاملات عقلائية، فتكون مشمولة لإطلاق قوله تعالى: {أوفوا بالعقود} (المائدة: 1).

4ـ قاعدة <لا ضرر ولا ضرار>، باعتبار أن استغلال نتيجة عمل المؤلف أو الفنان إضرار به، وهو منفيٌ بحديث <لا ضرر>.

5ـ الارتكاز العقلائي الدالّ على امتلاك هذه الحقوق.

لكن المستدل بهذه الوجوه الأربعة الأخيرة ناقشها بأجمعها([59]).

ومع غض النظر عما قد يرد على بعض مناقشاته لهذه الوجوه فإن الأقرب إلى الصواب هو اعتبار هذه الحقوق، ليس على أساس مبدأ الولاية، بل لما أفاده بعض الفقهاء بشأن هذه الحقوق، قال حفظه الله([60]): <لا يجوز الطبع من دون إذن المؤلف ـ بلحاظ حقّ التأليف ـ ومن دون إذن الناشر ـ بلحاظ حقّ الناشر ـ؛ لأنَّ للكتاب ـ بمعناه العام ـ اعتباراً مالياً يختلف عن الاعتبار السابق، فإنَّ الاعتبار القديم كان يرى المالية للجانب الشخصي للكتاب، ولذلك فإنَّه لا يرى في الطبع على النسخة التي يملكها إلاَّ النسخة الموجودة لديه، أمّا الاعتبار العقلائي الجديد فيرى المالية للجانب النوعي للكتاب، بحيث يرى أنَّ التصرّف بطبع الكتاب هو اعتداء على المؤلف أو الناشر؛ لأنَّه تصرّف في ماله من دون رضاه، ولذلك يصدق عليه عنوان السارق والغاصب والمعتدي. وهكذا الحال في كلّ ما يعتبره العقلاء مالاً بنوعيته لا بشخصه، كالاختراع، وغيره. وهذا كلّه ينطلق من قاعدة ثابتة، وهي أنَّ مالية المال تختلف حسب اختلاف الاعتبار العقلائي، الذي يتطوّر في نظرته إلى الأمور حسب تطوّر الأوضاع الاقتصادية في حاجاتها العامّة اعتبارات جديدة، ولا دليل على ضرورة الجمود على الطريقة المتعارفة في الواقع الاعتباري السابق؛ لأنَّ مسألة مالية الأموال تتطوّر حسب تطوّر الحاجات التي تتحرّك من خلالها الاعتبارات، فقد يتحوّل ما لا مالية له إلى مال، كالأوراق النقدية، وقد يتحوّل المال إلى عدمه إذا فقدالاعتبار السابق، كالعملات الساقطة.

حكم وقف الحقوق

بعد التسليم بشرعية هذه الحقوق، وقابليتها للمعاوضة؛ بحكم ماليتها، يأتي السؤال عن حكم وقفها؟

والظاهر أن حق التأليف أو الاختراع بما أن لها مالية عرفية، وفوائد مادية يستحقها المؤلف أو المخترع، ولذا فإنه يأخذ نسبة من الربح من الشركات والمؤسَّسات التي تتولى طباعة كتابه أو تصنيع اختراعه وإنتاجه، فله أن يقف حقه على جهة معينة.

وعدم تعارف هذا النوع من الوقف لا يضر؛ لأن عدم تعارف هذه الحقوق في السابق، مع أنه يكفي في شرعية وقفها شمول إطلاقات الوقف أو الصدقة لها.

وأما اشتراط أن يكون الموقوف عيناً، كما ينص الفقهاء، فهو أيضاً لا يقدح بصحة وقف الحقوق المشار إليها؛ لأننا لا نملك نصاً ورد فيه عنوان <العين>، وإنما دليل هذا الشرط هو أحد الوجوه الأربعة المتقدمة في الحديث عن وقف المنافع.

وهذه الوجوه المذكورة لو تمت في المنفعة فإنها لا تتم في الحقوق، باستثناء الوجه الثاني، وهو التأبيد.

أما الوجه الأول، وهو أن تحبيس الأصل مأخوذ في مفهوم الوقف، فهو إذا لم يكن متوفراً في وقف المنفعة؛ لأنها تتلف شيئاً فشيئاً بالانتفاع بها، فهو متوفرٌ وحاصل في وقف حق الابتكار أو التأليف؛ لأن الحق المذكور يتصور فيه تحبيس أصله، حتى لو لم يكن الأصل فيه أصلاً مادياً صرفاً، كما هو الحال في وقف العين.

وأما الوجه الثالث فهو لا يجري في الحق أيضاً؛ لأن التصرف في العين إذا كان يسقط المنفعة فيفوت الغرض من وقفها فلا معنى للتصرف في عين الحق بعد وقفه؛ لأنه بالوقف تزول سلطنة المالك على التصرف في الحق، فلا يحق له التصرف فيه؛ لخروجه عن ملكه بالوقف.

وأما الوجه الرابع، وهو أن يقال: إنه لم يُعلم من الأخبار تعلق الوقف بالحقوق؛ لأنها مستحدثة، كما قيل في المنافع، فيردّه: إن إطلاقات الوقف والصدقة كافية في المقام.

ويبقى الوجه الثاني، وهو شرطية التأبيد، فإن هذه الحقوق إنما يملكها صاحبها ـ كما تنص القوانين الوضعية ـ مدة معينة، وقد عرفت أنها خمسون عاماً أو سبعون عاماً على أبعد التقادير في حق المؤلِّف، فلا يتحقق التأبيد في وقفها، فإذا تم ذلك، ولم نجد وجهاً لإقرار هذه الحقوق مؤبَّداً لأصحابها وورثتهم، فيشكل الأمر في وقفها بناءً على اشتراط التأبيد، وقد عرفت ما فيه، والذي يهوّن الخطب أنه إذا لم يمكن وقف هذه الحقوق فلا مانع ظاهراً من تحبسيها، كما ذكرنا في المنافع، والله العالم بحقائق أحكامه.

الهوامش

(*) أستاذ في الحوزة العلمية، وكاتب بارز في الفقه الإسلامي، له مساهمات عدّة في قضايا إشكالية في الفقه، كالارتداد والبيئة و…، من لبنان.

([1]) هو رجل يهودي أسلم، وأوصى بأمواله إلى النبي’.

([2]) نيل الأوطار للشوكاني 6: 129؛ وفتح الباري 5: 301.

([3]) المصدر نفسه.

([4]) راجع: وسائل الشيعة 19: 137، كتاب الوقوف والصدقات؛ وتهذيب الأحكام، ج9، كتاب الوقوف والصدقات.

([5]) صحيح مسلم 5: 73؛ مسند أحمد 2: 372.

([6]) الكافي 7: 75 باب ما يلحق الميت بعد موته، الحديث 4.

([7]) التنقيح الرائع في شرح الشرائع 2: 299.

([8]) الفقه على المذاهب الخمسة 2: 357.

([9]) المبسوط 12: 27.

([10]) السنن للبيهقي 6: 362؛ وكتاب المسند للشافعي: 308.

     وهذه الرواية رغم أنه لا وجود لها في المصادر الحديثية للمسلمين الشيعة، وإنما مصدرها هو كتب الحديث السنية، إلا أنهم ـ أقصد فقهاء الشيعة ـ اعتمدوا عليها في كتبهم الفقهية بشكل ملحوظ، وأرسلوها إرسال المسلمات، وهذه ليس حالة يتيمة أو شاذة، بل إنها تمثل ظاهرة يلاحظها المتتبع والناظر في الكتب الفقهية لعلماء الشيعة، ولاسيما المتقدمين، وقد رصدنا في هذا المجال عشرات الروايات التي اعتمدها فقهاء الشيعة، وهي مأخوذة من المصادر السنية (راجع: كتاب الشريعة تواكب الحياة: 194).

([11]) رواه المشايخ الثلاثة: الكليني، الصدوق، الطوسي، راجع: الوسائل 19: 175، الباب 2 من أبواب الوقوف والصفات، الحديث 2.

([12]) كتاب الأم للشافعي 4: 45.

([13]) تحرير المجلة للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء 5: 96.

([14]) المبسوط للطوسي 3: 286؛ السرائر 3: 15؛ شرائع الإسلام 2: 442؛ المغني الشرح الكبير 6: 206.

([15]) فقه السنة 3: 515؛ وجواهر الكلام 2: 28.

([16]) راجع: تحرير الوسيلة 2: 87؛ منهاج الصالحين 2: 253.

([17]) راجع: منهاج الصالحين للسيد الخوئي 2: 253.

([18]) الفقه الإسلامي وأدلته 10: 2067.

([19]) جامع المقاصد 9: 16؛ القواعد 1: 267؛ النهاية للطوسي: 595؛ الفقه على المذاهب الخمسة 2: 258.

([20]) انظر: المبسوط للطوسي 8: 291 السرائر 3: 155؛ المهذب البارع 3: 2005.

([21]) العروة الوثقى 6: 291؛ جامع المدارك للخوانساري 8: 3.

([22]) العروة الوثقى 6: 291.

([23]) الوسائل 19: 173، كتاب الوقوف والصدقات؛ صحيح البخاري 3: 196.

([24]) التنقيح الرائع 2: 305.

([25]) العروة الوثقى 6: 305.

([26]) راجع: الفقه الإسلامي وأدلته 10: 7602.

([27]) الفقه الإسلامي وأدلته 10: 7602.

([28]) الفقه الإسلامي وأدلته 10: 7599ـ7600.

([29]) المغني والشرح الكبير 10: 209.

([30]) كتاب الوقف لأبي زهرة: 49، 106.

([31]) جواهر الكلام 28: 88؛ والفقه على المذاهب الخمسة 2: 362.

([32]) هكذا، والصحيح <الثمرة>، تحرير المجلة 5: 7107.

([33]) العروة الوثقى 5: 292.

([34]) المصدر نفسه 6: 291.

([35]) الفقه الإسلامي وأدلته 10: 7600.

([36]) الكافي: 324ـ325.

([37]) راجع الفقه الإسلامي وأدلته 10: 7615.

([38]) تذكرة الفقهاء 2: 432 (ط قديمة).

([39]) مغني المحتاج 2: 378.

([40]) الفقه الإسلامي وأدلته 10: 7602.

([41]) العروة الوثقى 6: 309؛ فقه الصادق 20: 328.

([42]) جواهر الكلام 16:28.

([43]) الفقه الإسلامي وأدلته 10: 7615.

([44]) الحدائق الناضرة 22: 176.

([45]) الحدائق 22: 176.

([46]) الوسائل 17: 336، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 5.

([47]) الوسائل 120:23، الباب 3 من أبواب التدبير، الحديث 4؛ ونحوه ما رواه البيهقي في السنن الكبرى 10: 312، عن أبي جعفر الباقر، عن رسول الله’.

([48]) راجع: المكاسب للإمام الخميني 1: 40.

([49]) راجع: منية الطالب 1: 41.

([50]) المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه: 10.

([51]) راجع: حاشية الأصفهاني على المكاسب، فإن له رسالة في حقيقة الحق؛ وراجع: فقه العقود للسيد الحائري 1: 111ـ173.

([52]) راجع: الوسيط ج1ـ2ـ5ـ8، الفقرة 94ـ99، والفقه الإسلامي بثوبه الجديد، ج3، الفقرة 5ـ14.

([53]) الفقه الإسلامي وأدلته 4: 2861.

([54]) المصدر نفسه.

([55]) فقه العقود 1: 159.

([56]) المصدر نفسه 1: 162.

([57]) وسائل الشيعة 3: 424، الباب 3 من أبواب مكان المصلي، الحديث 1.

([58]) فقه العقود 1: 163.

([59]) راجع: فقه العقود 1: 160 ـ 165.

([60]) راجع: فقه الحياة.