أحدث المقالات

دراسة في نظريّة الأراضي وفقه التحليل

السيد محمد باقر الصدر(*)

بقلم: السيد عبد الغني الأردبيلي

ألقى السيد محمد باقر الصدر سلسلة محاضرات فقهية حول إحياء الأراضي الموات، في عطلة شهر رمضان المبارك، شرع بها من 1 ـ رمضان ـ 1381 هـ (7 ـ 2 ـ 1962م)، معتبراً إياها خميرة الجزء الثاني من كتاب «اقتصادنا»، وبعد ذلك درّسها مرةً أخرى عام 1971م، وسبق أن نشرنا في العدد الخامس تلك الدورة، وننشر هنا الدورة الأولى، بتقريرها الثاني للسيد عبد الغني الأردبيلي ) بعد أن نشرناها بتقريرها الأوّل بقلم السيد كاظم الحائري في العددين: 6 ـ 7، وقد قدّم لمجلّة «الاجتهاد والتجديد» ـ مشكوراً ـ هذه الدراسة التي تنشر للمرة الأولى «مركز الأبحاث والدراسات التخصّصية للشهيد الصدر» في مدينة قم الإيرانية. وقد قام الشيخ حيدر حب الله بتحقيق وتصحيح هذه المحاضرات العلمية، عبر تقويم نصّها، واستخراج مصادرها، وعنونة موضوعاتها، كما يراه القارئ هنا. (التحرير)

 

تمهيد

يقع الكلام في إحياء الموات في مقامات ثلاثة:

المقام الأوّل: في الأخبار الدالة على أنّ مالك الأرض الخربة هو الإمام×.

المقام الثاني: في معالجة قضيّة التعارض الواقع ـ بعد الفراغ من إثبات ملكيّة الإمام× للموات في المقام الأول ـ بين الأخبار الدالّة على ملكية الإمام وسائر الأخبار الواردة في الأرض.

المقام الثالث: في أحكام الموات، بعد الفراغ عن إثبات كون الأرض الميتة للإمام× من خلال بيان دلالة الأخبار على ذلك في المقام الأول، إلى جانب إثبات عدم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) مفكر شهيد، أشهر من أن يعرّف، فالإعراض عن تعريفه أجدى.

وجود معارض لذلك في المقام الثاني.

1ـ إثبات نظرية ملكية الإمام للأراضي الموات

نقصد بالأرض الميتة في هذا البحث تلك الأرض الميتة بالأصالة، أمّا الأرض التي ماتت بعد العمران، فإنّ حكمها سوف نخضعه للدراسة عند الحديث عن المقام الثاني، إن شاء الله تعالى.

والمشهور بين فقهاء الإمامية، بل المدّعى عليه الإجماع، محصّلاً تارةً ومنقولاً أخرى([1])، أنّ الأرض الميتة بالأصالة للإمام، وعند دراسة الأخبار الدالة على ذلك، نجدها تصنّف ضمن مجموعات ثلاث:

المجموعة الأولى: ما دلّ على المدّعى ـ أي ملكية الإمام للأرض الميتة بالأصالة ـ باستخدام عنوان الأرض الميتة صراحةً، مثل مرسلة أحمد بن محمد، التي جاء فيها: m.. والموات كلّها هي له..n([2]).

المجموعة الثانية: ما دلّ على ملكيّة الإمام للأرض الميتة بالأصالة تحت عنوان الأرض الخربة، مثل موثقة محمد بن مسلم، عن الإمام أبي عبد الله×: m..فما كان من أرض خربة أو بطون أودية فهذا كلّه من الفيء..n([3]).

ونحوه خبره الآخر عن الإمام الباقر×([4]).

إلى غير ذلك من الأحاديث المحتوية للدلالة على المدّعى عينه.

المجموعة الثالثة: ما دلّ على المدّعى بعنوان: كل أرض لا ربّ لها، مثل موثَّقة إسحاق بن عمار: m.. وكل أرض لا ربّ لها..n ([5])، وكذلك خبر العياشي: m.. وكل أرض لا ربّ لها، وكل أرض باد أهلها فهو لناn ([6]).

أما المجموعة الأولى فلا يمكن الاستدلال بها لضعف سندها؛ من جهة إرسالها.

فإن قيل: إن ضعف سندها منجبر بعمل الأصحاب بها.

قلت: قد ثبت عندنا في علم الأصول أنّ ضعف سند الرواية لا ينجبر بعمل الأصحاب بها.

وأما المجموعة الثانية والثالثة فيستدل بهما على ملكية الإمام×.

نعم، ثمّة امتياز فنّي بين المجموعة الثالثة والمجموعتين الأوليين، وهو أنّه لو كان المدرك هنا في إثبات المدّعى هو المجموعة الثالثة، وفرض ورود دليل يثبت الأرض الميتة لغير الإمام، فإنّ ذلك الدليل يصير حاكماً على هذه المجموعة، رافعاً لموضوعها، وهذا بخلاف ما لو كان المستند لإثبات ملكية الإمام هو المجموعتان الأوليتان، فإنّه لو فرض ورود دليل كذلك تقع المعارضة، لا التقديم بالملاك المتقدّم، وهذا ما يكشف عن أنّ تنقيح الكلام في المقام الأوّل له دور وتأثير في الكلام في المقام الثاني.

2 ـ دراسة المعارض لتمليك الأرض الميتة للإمام

القدر المتيقن من مالكية الإمام× للأرض الميتة، والذي لا يبتلي بشبهة التعارض أساساً، هو الأرض الميتة التي لا استيلاء لأحد عليها، كالأراضي الخربة، وإنّما يقع التعارض بين روايات ملكية الإمام للأرض الميتة وغيرها من الروايات في موارد ثلاثة، هي:

أ ـ الأرض الميتة المفتوحة عنوةً.

ب ـ الأرض الميتة التي كانت تحت استيلاء الكفار فأسلموا عليها طوعاً.

ج ـ الأرض الميتة التي كانت تحت استيلاء الكفار ثم صولحوا عليها.

 

1 ـ 2 ـ الأرض الميتة المفتوحة عنوةً

ذكر السيد علي الطباطبائي (1231هـ) ـ صاحب رياض المسائل ـ أنّ هناك شبهة تعارض في هذا النوع من الأراضي، وذلك حين ذهب إلى أنّه لولا الإجماع على مالكية الإمام للأرض الخربة يمكن تصوّر وقوع التعارض بالعموم والخصوص من وجه، عبر معارضة الأخبار الدالة على مالكيّته للأرض الميتة لتلك الأخبار الدالّة على مالكيّة المسلمين للأرض المفتوحة عنوة، ومادّة الاجتماع هي الأرض الميتة المفتوحة عنوة؛ فإن إطلاق أدلّة ملكيّة المسلمين للمفتوح عنوة يشمل هذه الأرض، فيما عمومات: كل أرض ميتة أو لا ربّ لها أو خربة فهي للإمام× تشمل هذه الأرض أيضاً، فيقع التعارض بين الدليلين([7]).

وقد علّق الشيخ محمد حسن النجفي (1266هـ) ـ صاحب جواهر الكلام ـ على ما أفاده صاحب الرياض بأنّ هذا التعارض يُدفع بتقديم أخبار مالكيّة الإمام للأرض الميتة على أخبار ملكية الأرض المفتوحة عنوةً، ولو باعتضاد الأولى بالإجماع، محصلاً ومنقولاً([8]).

وأنت خبير بأنّه لم يزد على ما ذكره السيد الطباطبائي في الرياض.

نعم، قال في كتاب إحياء الموات ما لفظه: mبلا خلاف أجده فيه [يقصد في مالكيّة الإمام للأرض الميتة حال الفتح]، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، فضلاً عن محكيّه، مستفيضاً أو متواتراً، مضافاً إلى النصوص التي أشرنا إليها آنفاً، ومرّ كثير منها في كتاب الخمس، ومنه يعلم أنّها ليست من الغنيمة؛ لأنّها قد كانت مالاً للإمام× قبل الفتح..n([9]).

وقوله: mومنه يعلم..n فيه إجمال، ولعلّه يهدف منه رفع شبهة التعارض؛ بتقريب أن ما يملكه المسلمون من الكفار بالفتح دلّت عليه أخبار الغنيمة، والغنيمة منها ما هو ثابت ومنها ما ليس بثابت؛ فغير الثابت للمجاهدين؛ أمّا الثابت ـ كالأرض وما بني عليها أو غرس فيها ـ فهو لجميع المسلمين، لكن لا بما هو فتح مطلقاً، بل بوصفه غنيمةً، والأرض الميتة كانت ملكاً للإمام× قبل الفتح، ولا يعقل أن يكون ملك الغير غنيمة من الكفار، فمثلاً لو غصب الكفار دار زيد، ثم استولى المسلمون على أراضي الكفار بالفتح، وفيها ـ حسب الفرض ـ دار زيد؛ فمن الواضح أنّ داره لا تحسب من الغنائم التي تمّ الحصول عليها من الكفار، بل لابد من ردّها إلى زيد..، وهذا بعينه ينطبق على محلّ كلامنا ممّا يملكه الإمام×.

لكن هذه المحاولة في معالجة قضيّة التعارض يمكن النقاش فيها، بأنّها تتمّ لو كانت العبرة بخصوص صدق عنوان الغنيمة، لكنّ بعض أخبار الفتح مطلقة، وناطقة بأنّ ما أخذ بالسيف فهو ملك للمسلمين، وهو ـ كما ترى ـ مطلقٌ يشمل الأرض الميتة أيضاً؛ ذلك أنّ صدق فتح الأرض من الكفار إنما يتوقف على استيلاء الكفار مسبقاً على الأرض، والمفروض تحقّقه، لا على ملكيّتهم لها، تلك الملكيّة المفروض خلافها.

نعم، لو كان بيد الكفار أرضٌ مغصوبة كانت لمالكها حينئذٍ، فتُرجَع إليه، لكنّ عنوان الغصب في مورد الأرض الميتة التي هي للإمام× غير صادقٍ؛ وذلك أنّه سوف يأتي ـ إن شاء الله ـ أنهم أجازوا التصرّف لكلّ أحد فيها.

وبالجملة، فهذا الجواب غير تام، كما أنّ الجواب عن الخدش بمالكية الإمام× للأرض المذكورة غير سليم أيضاً؛ إذ ليس في البين إلا دعوى انصراف دليل الفتح إلى ما كان ملكاً لهم قبل الفتح، وعهدة هذه الدعوى ـ لو ادّعيت ـ على مدعيها.

من هنا، نذهب ـ في سياق دفع شبهة التعارض المذكورة ـ إلى إبراز وجوه أربعة، هي:

الوجه الأول: إنّ شمول أدلة ملكيّة المسلمين للأراضي المفتوحة عنوة لمورد بحثنا إنّما هو بالإطلاق، فيما شمول ملكيّة الإمام× للأراضي الخربة والميتة والتي لا رب لها لمثل موردنا يقع بالعموم، ومعه يقدّم العام؛ إمّا لما ذكره الشيخ الأعظم الأنصاري (1281هـ) من تقدّم ما دلّ على الشمول بالأداة على ما دلّ عليه بمقدمات الحكمة([10])؛ أو ـ على ما هو الصحيح الذي أثبتناه في أصول الفقه ـ من تقدّم الأظهر الذي هو العموم على الظاهر الذي هو الإطلاق.

الوجه الثاني: إنّ التعارض واقعٌ بين أدلّة ملكيّة المسلمين للأراضي الخربة المفتوحة عنوة وبين الطائفتين الأوليين من الأدلّة الدالة على ملكيّة الإمام للأرض الخربة أو الميتة، دون الطائفة الثالثة، نظراً لحكومتها على هذه الطائفة، وقد مضى بيان ذلك، فيتساقطان، وتصل النوبة إلى المحكوم، وهو المجموعة الثالثة، وهي كافية في إثبات المدّعى هنا.

الوجه الثالث: الالتزام بوقوع التعارض بين الأدلّة وتساقطها جميعاً، لتصل النوبة إلى الأخذ بالعام الفوقاني، وهو ما دلّ على أنّ الأرض كلّها للإمام×، مثل صحيح أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر×، أنّه قال: mوجدنا في كتاب علي× أنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين،أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الأرض، ونحن المتقون، والأرض كلّها لنا؛ فمن أحيا أرضاً من المسلمين فليعمرها وليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منهاn([11])، وحمل هذه الرواية على إرادة ملكيّة أخرى غير الملكية الشرعية، كالملكية بوجه عرفاني وولائي([12])، خلاف الظاهر، ولاسيما مع ما فيها من تفريع إعطاء الأجرة.

وبالجملة، ظاهر الحديث كونه× مالكاً بالملكية الشرعية لمطلق الأرض، إلا ما خرج بالتخصيص.

الوجه الرابع: لو تنزلنا وأغمضنا النظر عن العام الفوقاني، وقلنا باستقرار التعارض بين المجموعات الحديثية كلّها، ليحصل التساقط، فهنا تصل النوبة إلى الأصل العملي، وهو الاستصحاب؛ فإنّ الأرض الخربة قبل الفتح كانت ملكاً للإمام، فيستصحب ذلك بعد الفتح مع فرض عدم وجود دليل اجتهادي.

والنتيجة التي نخرج بها من مجمل ما تقدّم أن فتوى المشهور هي الصحيحة؛ للوجوه الأربعة التي أسلفناها.

لكن فليعلم أنّ لكل واحد من هذا الوجوه خصوصية بالنظر إلى المورد، من حيث فرض وقوع الفتح قبل تشريع الأنفال، وبعبارة ثانية: قبل نزول آية الأنفال ووقوع المعارضة بعده، أو فرض وقوع الفتح بعد تشريع الأنفال ونزول السورة.

وبهذا اللحاظ يكون لكلّ واحد من تلك الوجوه خصوصيّة لا تكون لسائر الوجوه:

أ ـ فخصوصية الوجه الثالث تأتي في كلا الفرضين بلا إشكال، بلا فرق بين فرض تشريع الأنفال قبله أو بعده.

ب ـ وخصوصية الوجه الرابع كونه مختصّاً بالفرض الثاني بلا شبهة، ففي الفرض الأول لم يثبت للإمام ملكية قبل الفتح، لا بدليل الأنفال؛ لتأخّره، ولا بالعموم؛ لفرض التنازل عن الوجه الثالث، حتى تصل النوبة إلى الوجه الرابع، فإذا لم تكن ملكية الإمام قبل الفتح ثابتةً فكيف تُستصحب؟!

ج ـ وخصوصية الوجه الثاني جريانه في الفرض الثاني إن قلنا بعدم كفاية عدم الربّ لها حين تشريع الأنفال في تحقق عنوان: كل أرض لا رب لها، وإلا فالموضوع متحقّق؛ فتكون الطائفة الثالثة طرفاً للمعارضة أيضاً،وأما في الفرض الأول ـ أعني وقوع الفتح قبل تشريع الأنفال ـ فإن فرض تشريع حكم الأرض المفتوحة عنوة لهذا الفتح قبل تشريع الأنفال فالوجه الثاني لا يتأتّى حينئذٍ؛ لأنّ الربّ غير الإمام ـ وهو المسلمون ـ كان ثابتاً للأرض بعد الفتح قبل تشريع الأنفال بلا إشكال، وهو ثابتٌ الآن كذلك بحكم الاستصحاب، فلا يجري قوله: كل أرض لا ربّ لها في مورد الإمام×؛ لانتفاء الموضوع، سواء قلنا: إنّ المراد من قوله: mلا ربّ لهاn عدم الربّ فعلاً، أو حين تشريع الأنفال، أو حدوثاً وبقاء من زمان التشريع إلى الزمان الفعلي، أو حدوثاً فقط من زمان التشريع إلى الزمان الفعلي، وأما إن فرض عدم تشريع حكم الأرض المفتوحة عنوة لهذا الفتح قبل تشريع الأنفال فالوجه الثاني يمكن جريانه هنا، بناء على الاحتمال الأول والثالث، دون الثاني والرابع؛ لأن موضوع المجموعة الثالثة ـ وهو عدم الربّ حدوثاً أو حين التشريع ـ ثابت؛ فتقع طرفاً للمعارضة.

د ـ وأمّا خصوصية الوجه الأول فإمكانيّة الإشكال في التأتّي في الفرض الثاني، وهو حصول الفتح بعد تشريع الأنفال؛ إذ لو فرضنا الأخذ بإطلاق دليل ملكية المسلمين للأرض المفتوحة عنوة لم يلزم طرح العموم الأفرادي لدليل الأنفال؛ لأنها قبل الفتح كانت ملكاً للإمام بعنوان الأنفال بلا إشكال، فلم يخرج الفرد من تحت العموم. نعم، يلزم طرح الإطلاق الأحوالي لدليل الأنفال، أعني قوله: كل أرض ميتة أو خربة أو لا ربّ لها للإمام×؛ وذلك لصيرورته مختصاً له بما قبل الفتح؛ فالتعارض في الحقيقة بين الإطلاقين، لا بين إطلاقٍ وعموم حتى يقدّم العموم على الإطلاق.

نعم، لو كان الفتح قبل تشريع الأنفال لزم من الأخذ بإطلاق دليل ملكية المسلمين للأرض المفتوحة عنوة إخراج الفرد عن دليل الأنفال؛ إذ يلزم عدم كونها ملكاً للإمام بعنوان الأنفال، ولو آناً ما، وهذا وجه فنّي لا بأس به.

لكن مع ذلك، التحقيقُ جريان الوجه الأول في كلا الفرضين؛ فإنه لا يعقل أن يقال: إنّ الفتح لو كان قبل تشريع هذه الملكية للإمام× كانت الأرض الميتة المفتوحة عنوة ملكاً له بعد تشريعها، لكن لو كان الفتح بعد تشريع الملكية فكونه مانعاً عن نفس هذه الملكية لا أقول: إنّ فيه محذوراً عقلياً، بل أقول: إنّه بعد ورود الدليل العام على ملكية الإمام لما فتح قبل تشريع تلك الملكية بذلك اللسان المخصوص يفهم العرف من ذلك اللسان ثبوت ذلك في الفتح بعد تشريعها أيضاً، بحيث يكون تقييد ذلك بنظر العرف مساوقاً لتخصيص ذلك العام، فافهم؛ ففيه نكتة دقيقة لطيفة.

 

أدلّة النظريّة المخالفة للمشهور، عرض ونقد

بقي الكلام في أدلّة الذين ذهبوا إلى خلاف المشهور هنا، وهي:

الدليل الأول: قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى} [الأنفال: 41]؛ فإن هذا الآية المباركة حيث كانت في مقام التحديد فهي تنفي ـ بمفهوم الحصر ـ مالكية الإمام× لما هو أزيد من الخمس.

وتمامية الاستدلال بهذه الآية على خلاف المشهور يتوقّف على التسليم بمقدّمتين:

المقدّمة الأولى: صدق الغنيمة على ما يؤخذ منهم بالقتال على الأرض الخربة وإن لم يكن ملكاً للكفار.

المقدّمة الثانية: دعوى أنّ الآية الكريمة واردة في مقام بيان مطلق ما للإمام من المال المغتنم، أما لو قلنا بأنّها في مقام بيان ما للإمام من المال المغتنم بوصفه مغتنماً فلا يتنافى ذلك مع كون شيء منه ملكاً له× من أوّل الأمر بعنوان آخر.

وبالجملة، إذا تمّ إنكار إحدى هاتين المقدّمتين، فالدليل غير تام من أصله، وإذا سلمنا بهما معاً وصلت النوبة إلى الجواب بأحد الوجوه الأربعة الماضية.

وبناءً عليه نقول: إذا بنينا في علم الأصول أنّ الخبر المعارض للكتاب بالعموم من وجه ليس بحجّة، وأنّه كالخبر المعارض له بالتباين، فلا يتمّ شيء من الوجوه الماضية، سوى الوجه الأول الرافع لأصل التعارض من خلال تقديم العام على المطلق؛ إمّا من باب الحكومة ـ وفقاً لمذهب شيخنا الأعظم الأنصاري ـ؛ أو على قانون الأظهريّة، كما على مذهبنا، وأما باقي الوجوه فقائمة على فرض التعارض، وهو فرضٌ مساوقٌ لفرض عدم الحجّية؛ لأن المفروض عدم حجيّة خبر الواحد المعارض للكتاب بالعموم من وجه، فيصير ذلك من باب تعارض الحجّة مع اللاحجّة، ومعلومٌ أن اللازم هو الأخذ بالحجّة دون غيره.

أما إذا أثبتنا في علم الأصول أنّ الخبر الواحد ينهض معارضاً للكتاب بالعموم من وجه فيصحّ الجواب بالوجوه الأربعة، عدا الوجه الثالث؛ لأنّ النسبة بين صحيح الكابلي الحاكم بكون الأرض للإمام× والآية الشريفة الواردة في مطلق الغنيمة هي العموم من وجه، وليس بين أيدينا عام فوقاني حتى نرجع إليه، وهذا بخلاف ما لو كان المعارض هو حديث ملكية المسلمين للأرض المفتوحة عنوة؛ فإنّه أخصّ من صحيح الكابلي مطلقاً؛ نظراً لأخذ عنوان الأرض فيه.

الدليل الثاني: قوله تعالى:{ما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب…} [الحشر: 7].

وذلك أنّ mماn هنا نافية؛ بقرينة: {ولا ركاب}؛ وكذلك بقرينة الاستدراك بـ mلكنn، وقد وردت الآية في سياق رفع استيحاشهم واستبعادهم أن يكون ذلك كلّه لرسول الله’، فقالت ـ في مقام التقريب ـ: إنّكم لم توجفوا بخيل وركاب، فلا حقّ لكم فيه، وفيها نوع دلالة على أن ما أوجفتم عليه بخيل لا ينبغي للرسول ووصيّه أخذه منكم، وإطلاق هذا الكلام يشمل ما لو كانت الأرض خربةً.

ويسجَّل على هذا الدليل بأنّنا نمنع هذا الإطلاق؛ لعدم ثبوت كون الآية في مقام البيان من هذه الجهة، ولو سُلّم إطلاقها كانت كالآية السابقة، وتتقدّم أخبار المدّعى عليها؛ لكون دلالتها بالعموم ودلالة الآية بالإطلاق، وليُعلم أنّ الفيء قسمٌ من الأنفال، وهي الأرض التي لم يوجف عليها بخيلٍ ولا ركاب.

الدليل الثالث: رواية أبي بصير، عن أبي جعفر×: mكل شيء قوتل على شهادة أن لا إله إلا الله ومحمد رسول الله’ فإنّ لنا خمسه..n([13]) ، فإن مفاد هذا الحديث مطابق لمفاد الآية الأولى، ويدلّ بمفهوم الحصر ـ أيضاً ـ على عدم كون الزائد على الخمس للإمام×.

ومزيّة هذا الحديث على الآية الشريفة تقع من ناحيتين:

الناحية الأولى: إنّ الاستدلال بالآية كان موقوفاً على تسليم مقدّمتين، أمّا الاستدلال بهذا الحديث فلا يحتاج إلى المقدمة الأولى، بل تقتصر حاجته على التسليم بالمقدمة الثانية فقط، وهي كونه في مقام بيان مطلق ما للإمام ممّا قوتل عليه ـ وهو الخمس ـ، لا في مقام بيان ما للإمام بهذا العنوان.

الناحية الثانية: إنّ دلالة الآية الشريفة كانت بالإطلاق، ودلالة هذا الحديث بالعموم؛ وعليه فالجواب الأول من الوجوه الأربعة السالفة لا يأتي هنا، فإذا تمّت دلالة هذا الحديث، بأن سلّمنا تلك المقدمة، فلا بد أن يجاب عنه بالأجوبة الأخرى، دون الجواب الأوّل.

والذي يهوّن الخطب أن في سند هذا الحديث على بن أبي حمزة البطائني([14])، وهو رجلٌ ضعيف على الأقوى، فالرواية ساقطة عن الاعتبار من أصلها.

الدليل الرابع: خبر إسحاق، قال: سألت أبا عبد الله× عن الأنفال؟ قال: mهي القرى التي قد خربت وانجلى أهلها، فهي لله وللرسول، وما كان للملوك فهو للإمام×، وما كان من الأرض بخربة لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب..n([15]).

فهذا الخبر يدلّ ـ بمفهوم الحصر والوصف معاً ـ على أن الأرض الخربة والتي لا ربّ لها هي للإمام× مادام لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، بمعنى أنه إذا أوجف عليها بخيل وركاب فلا تكون للإمام، ومعنى هذا أنّ الأرض الموات المفتوحة عنوة ليست للإمام؛ لأنه أوجف عليها بخيل وركاب، وهذا أخصّ من العمومات الماضية فتخصّص تلك العمومات به.

والاستدلال بهذا الحديث مبنيّ على تسليم ثبوت مفهومه، لكنّ التحقيق أنه مع تسليمه أيضاً لا يقاوم ما مضى من العمومات، فلا بد من رفع اليد عن مفهومه؛ لأنه لا يمكن تخصيص تلك العمومات به، حتى لو كان أخصّ منها؛ وذلك لأن الأرض الخربة في صحيحة حفص أو حسنته قد ذُكرت في مقابل ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فقد ورد فيها: mالأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا بأيديهم، وكل أرض خربة..n([16]).

ولو فرضنا تخصيصها بهذا الحديث لزم كون ما ذكر في مقابل عنوان: (ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب) هو عنوان (كل أرض خربة لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب)، وهذا أخصّ من الأول، فيكون من نوع عطف الخاص على العام، ويلزم من ذلك أن يكون لعنوان الخراب مدخليّة في الحكم، مع أن ظاهره العرفي عدم ذلك، فيقدّم على المفهوم؛ لأنه ظهور عرفي والمفهوم ظهور إطلاقي.

يضاف إلى ذلك أنه لا يمكن فرض وجود مفهوم لهذا الحديث إلا من باب الحصر والوصف:

أ ـ أما مفهومه الحصري فليس أخصّ من العمومات حتى تُخصَّص به؛ فإن مفهومه المستفاد من الحصر ليس عدم أنفاليّة خصوص الأرض الخربة التي لم تتصف بتلك الصفة ـ وهي أخذها من الكفار من دون أن يوجف عليها بخيل ولا ركاب ـ، وإنّما المفهوم هو أن كل ما لم يذكر في هذا الحديث الوارد في مقام الحصر لا يكون من الأنفال، سواء كان ذلك هو الأرض الخربة غير المتصفة بتلك الصفة أم غيرها، وتلك العمومات تشمل الأرض الخربة المتصفة بتلك الصفة وغير المتصفة بها؛ فيتعارضان بالعموم من وجه في الأرض الخربة غير المتصفة بتلك الصفة؛ فنرجع إلى أحد الوجوه الأربعة الماضية.

ب ـ وأما مفهومه الوصفي فلا نسلّم به؛ وذلك:

أولاً: فلما حققناه في علم الأصول من عدم ثبوت مفهوم للوصف([17]).

وثانياً: فلأنّنا لو سلّمنا بمفهوم الوصف فلا مفهوم له في خصوص ما نحن فيه؛ وذلك أنّ من يقول بمفهوم الوصف إنما يقول به من باب أن ظاهر ذكر الوصف لموضوع الحكم دَخْلُه فيه دخلاً ضمنيّاً؛ ومقتضى أصالة التطابق بين عالم الثبوت والإثبات كون الأمر كذلك في عالم الإثبات أيضاً؛ فيثبت دخل الوصف في الحكم، فينتفي بانتفائه.

وهذا التقريب كما ترى لا يجري فيما لو فرض أنّ ما أخذ بحسب الظاهر موضوعاً ثبت من الخارج عدم موضوعيّته، فمثلاً: لو قال: أكرم العالم العادل، وفرضنا أنه ثبت من الخارج أنّ ذكر العالم كان من باب أحد الأفراد، وأنّ العادل يجب إكرامه وإن لم يكن عالماً؛ فالعادل بنفسه موضوعٌ، لا أنه وصفٌ للموضوع حتى يكون ذا مفهوم، فكأنّ المولى قال: أكرم العادل، ومعلومٌ أنه لو قال ذلك لم يكن له مفهوم، وبعبارة ثانية نقول: بعد أن ثبت أنّ العالم ليس موضوعاً للحكم في عالم الإثبات، مع أنّه موضوع له في عالم الثبوت، فقد ثبت مخالفة عالم الثبوت لعالم الإثبات، فلا يصحّ الرجوع ـ والحال هذه ـ إلى أصالة تطابق عالم الإثبات والثبوت، ليقال: إنّ مقتضى عالم الثبوت أن العالم ليس تمام الموضوع، بل للموضوع جزء آخر، وهو العادل، فكذا الأمر في عالم الإثبات.

وكيف كان، فقد ظهر من جميع ما ذكرناه، بما لا نزيد عليه، أنّ الحق هو ما ذهب إليه المشهور من أنّ الأرض الخربة للإمام×، وإن كانت مفتوحةً عنوة.

تناقض مفترض في كلمات مشهور الفقهاء!!

وقع إشكال في الجمع بين فتويين صادرتين عن المشهور: إحداهما أنّ الأرض الخربة للإمام، وثانيتهما أنّ الأرض المفتوحة عنوة العامرة حال الفتح ملكٌ للمسلمين، وذلك دون أن يفصّلوا في ذلك بين كونها عامرةً حين تشريع الأنــــفال أو لا، فمقتضى الإطلاق أنها للمسلمين حتى لو كانت خربةً حين تشريع الأنفال، مع أنهم لا يقولون بتملّك الكافر للأرض الخربة بالتعمير، بل هي باقية على ملك الإمام، ومعه يشكل القول بصيرورتها ملكاً للمسلمين.

يقول المحقق النجفي في كتاب الخمس: mوإطلاق الأصحاب والأخبار ملكية عامر الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين يُراد به ما أحياه الكفار من الموات قبل (بعد) أن جعل الله الأنفال لنبيّه’، وإلا فهو له أيضاً وإن كان معموراً وقت الفتحn([18]).

لكنّه ناقض هذا الكلام في كتاب إحياء الموات، فجعل وضوح بطلان هذا التفصيل دليلاً على صحّة تملّك الكفار للأرض الميتة بالتعمير، وذلك أنّه قال ـ بعد إثبات صحة تملّكهم لها به، وأنه لا محذور فيه مع إذن الإمام ـ: mكلّ ذلك، مضافاً إلى ما يمكن القطع به من ملك المسلمين ما يفتحونه عنوةً من العامر في أيدي الكفار وإن كان قد ملكوه بالإحياء، ولو أن إحياءهم فاسد؛ لعدم الإذن لوجب أن يكون على ملك الإمام، ولا أظنّ أحداً يلتزم بهn([19]).

أقول: لابد ـ للفرار من الإشكال ـ أن يلتزم بأحد أمور لا يلتزم بها المشهور:

الأول: دعوى أنّ الأرض الخربة التي تكون للإمام منحصرة بما إذا لم تكن تحت استيلاء الكفار، وهذا خلاف إطلاقات الأخبار والأصحاب.

الثاني: ما التزم به صاحب الجواهر في كتاب الخمس من التفصيل، وهذا أيضاً خلاف إطلاقات الأخبار و كلام الأصحاب.

الثالث: دعوى أنه لا يُشترط في ما يؤخذ من الكفار بالفتح أن يكون ملكاً شرعياً للكفار قبله، والتسليم بأنّ المسلمين يغتنمون من إمامهم ماله بأخذهم له من الكفار بالفتح، وهذا أيضاً لا يلتزم به الأصحاب.

الرابع: أن يكون إحياء الكفار للأرض الموات كإحياء المسلمين لها، فيملكونها بذلك، فتنتقل إلى المسلمين بالفتح، كما التزم به صاحب الجواهر في كتاب إحياء الموات، وإن كان خلاف المشهور.

والحق أنّ إحياء الكفار كإحياء المسلمين، لكنهم لا يملكونها بالإحياء، تماماً كما المسلمين لا يملكون به، بل يحصل لهم حقّ فيها بذلك، كما سوف يتبين ذلك إن شاء الله، فبالفتح يقومون مقام الكفار طرفاً للإضافة لذلك الحق.

ويمكن دفع الإشكال عن إطلاق قولهم: الأرض المفتوحة عنوةً العامرة حين الفتح ولو كانت خربة حين تشريع الأنفال للمسلمين، أي إثبات كونها لهم، بوجوه أخر:

الوجه الأول: ويقوم على أن ما يكون للمسلمين بالفتح يكون من باب الغنيمة، وأنّ الغنيمة تختصّ بما كان للكفار شرعاً؛ فيكون معنى صيرورته للمسلمين حينئذٍ هو صيرورته لهم على النحو الذي كان للكفار؛ فإن كان حقاً فيكون للمسلمين كذلك، وإن كان للكفار ملكاً فيكون للمسلمين كذلك، وإحياء الكفّار كإحياء المسلمين يوجب الحقيّة، فتكون بعد الفتح للمسلمين.

لكنّ هذا المبنى باطل؛ فإنّ ما ورد من أنّ ما أخذ بالسيف للمسلمين، وأنّ أرض السواد لهم، مطلقٌ غير مختصّ بما كان للكفار.

الوجه الثاني: ويُبنى على الالتزام بما عرفته من الإطلاق، وعليه فظاهر ما دلّ على أنّ ما أخذ بالفتح فهو للمسلمين هو الملكية، لا كونه لهم كما كان للكفار، إن حقّاً فحقّ وإن ملكاً فملك، وحينئذٍ تقع المعارضة بين ما دلّ على ملكية المسلمين ما فتحوه ومالكية الإمام للأرض الخربة بالعموم من وجه، ومادّة الاجتماع هي الأرض الخربة المفتوحة عنوة، الداخلة تحت الإطلاق الأفرادي لدليل مالكية المسلمين ما فتحوه عنوة، والإطلاق الأزماني لما دلّ على مالكية الإمام للأرض الخربة، وذلك بناءً على ما سيأتي من أنّ الزمان قيد حدوثي، ودليل مالكية المسلمين موافق للكتاب؛ لقوله تعالى: {واعلموا أنّ ما غنمتم من شيء فأنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى..}، بناء على دلالتها بمفهوم الحصر على أنّ الزائد من الخمس ليس للرسول والإمام؛ وهنا فإن قلنا بأن الخبر المعارض للكتاب ـ ولو بالعموم من وجه ـ غير حجّة في نفسه؛ فدليل ملكية الإمام ساقط من رأس، وإلا قدّم دليل ملكية المسلمين عليه؛ اعتماداً على أوّل المرجّحات، وهو موافقة الكتاب.

لكن قد مضى منع دلالة الآية المباركة على الحصر، فراجع.

الوجه الثالث: إنّ ما دلّ على ملكية الإمام والمسلمين متساقطان بالتعارض، وعليه فنرجع إلى ما دلّ على ثبوت اختصاص المسلمين بها، دون أن يدلّ على الملكية حتى يسقط بالتعارض، بل هو ذو لسان متناسب مع الحقّ، وهو صحيحة حماد بن عيسى أو حسنته، عن بعض أصحابه، عن العبد الصالح، وفيها: mوالأرضون التي أخذت عنوةً بخيل أو ركاب فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمرها..n([20]).

لكنّ هذا الحديث ساقطٌ؛ للإرسال.

الوجه الرابع: وهو الوجه الصحيح، وهو أنّ ظاهر اللام في مثل قوله: ما أخذ بالسيف فهو للمسلمين، أو قوله: كلّ أرض خربة للإمام، وقولك: المال لزيد، هو إفادة الاختصاص، وما يقال من أن اللام للملكية غلط.

نعم، إطلاق الاختصاص يقتضي الملكية؛ فإنّ اختصاص مال لشخص بقول مطلق يعني مملوكيته له، ففي الحقيقة قد وقع التعارض بين إطلاق قوله: للمسلمين وإطلاق قوله: للإمام، وهما مقتضيان للملكية، فيتساقط الإطلاقان، ويظلّ أصل اختصاص المسلمين بها بلا معارض؛ إذ ليس اختصاص الإمام بها منافياً له، فمن الممكن أن تكون الأرض ملكاً للإمام× ويكون للمسلمين حقّ الاختصاص، ومعه فلا بأس بإثبات حقّ الاختصاص للمسلمين بأخبار الفتح عينها، كما لا بأس بإثبات مالكية الإمام أيضاً لهذه الأرض ـ بعد تساقط الإطلاقين ـ بالعموم الفوقاني الدالّ على أنّ كل أرض هي للإمام×.

 

2ـ 2ـ الأرض الخربة التي أسلم الكفار عليها طوعاً

المورد الثاني من موارد شبهة المعارضة لأخبار مالكية الإمام هو الأرض الخربة التي أسلم الكفار عليها طوعاً، والذي يمكن جعله معارضاً هو حديث صفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: ذكرنا له الكوفة وما وضع عليها من الخراج وما سار فيها أهل بيته، فقال: mمن أسلم طوعاً تركت أرضه في يده وأخذ منه العُشر، مما سقي بالسماء والأنهار، ونصف العُشر مما كان بالرشا فيما عمروه منها، وما لم يعمروه منها أخذه الإمام فقبله ممّن يعمره، وكان للمسلمين..n([21]).

إنّ هذا الحديث وإن كان مضمراً إلا أنّ الإضمار لا يضرّه بعد كون الراوي مثل صفوان بن يحيى، الذي يظهر من حاله أنه لا يروي إلا عن الإمام×؛ وعليه فظاهر قوله: mوما لم يعمروه منهاn عدم التعمير رأساً؛ بقرينة نظائره؛ فإنّ المضارع المنفي بـ mلمn ظاهرٌ في النفي رأساً، كقولك: هذا الثوب لم ألبسه، ولكنّ الأصحاب فهموا من هذه الجملة الأرضَ التي خربت بعد تعميرهم لها، وهذا ـ كما ترى ـ خلاف الظاهر.

أمّا قوله: mوكان للمسلمينn ففيه احتمالات ثلاثة:

الاحتمال الأول: أنّ ما لم يعمروه من الأرض يكون للمسلمين، وهو الظاهر من الحديث، ويوافقه الاعتبار أيضاً؛ حيث إنّ المناسب لإسلامهم طوعاً جعل أرضهم لهم، غاية ما في الأمر أنّ الأرض العامرة جعلت لهم شخصاً فيما الأرض الخربة كانت لهم نوعاً، على أساس أنّها لنوع المسلمين.

الاحتمال الثاني: كون هذه الجملة تفريعاً على قوله: mفقبلهn، بمعنى أنّ الإمام يقبله من جانب المسلمين ممّن يعمره فيحييه؛ فيصير للمسلمين؛ لأنّ من أحيا أرضاً فهي له.

لكنّ هذا المعنى خلاف الظاهر؛ لأنّ التفريع يحتاج إلى مؤونة زائدة.

الاحتمال الثالث: ما فهمه الأصحاب من أن المراد أنّ تقبيل الإمام يكون للمسلمين، أي إنّه يقبّله من شخص كي تكون المنفعة للمسلمين.

وهذا أيضاً خلاف الظاهر.

أقول: هذه الرواية معتبرة سنداً عند الأصحاب، ومعمول بها، لكنهم فهموا منها ما عرفت، وأفتوا به، والذي نفهمه منها هو المعنى الأول.

والمراد من قوله: mوما لم يعمروه منهاn ما لم يعمروه أصلاً، فيقع التعارض بين هذا الدليل الدالّ على أنّ الأرض الخربة التي أسلم أهلها طوعاً تكون للمسلمين والأدلة الدالة على أن مالك الأرض الخربة هو الإمام× مطلقاً، ومعه نقول في الجواب عن التعارض: إن ما دلّ على مالكيّة الإمام للأرض الخربة عام، أمّا ما دلّ على مالكيّة المسلمين للخربة التي أسلم أهلها طوعاً فهو خاصّ، فيخصّص ذلك العام بهذا الخاص، مما ينجم عنه أن مالك الأرض الخربة هو الإمام×، إلا تلك التي أسلم أهلها طوعاً، فتكون للمسلمين. وهذا وجه فنّي لا بأس به، ولا وحشة في هذا الإفتاء سوى وحشة الانفراد.

الاحتمال الرابع: وهو احتمال يمكن فرضه، ويقوم على أنّ الضمير في قوله: mوكان للمسلمينn راجع إلى الخراج المذكور في صدر الحديث، لكنّه مع ذلك يستظهر منه مالكية المسلمين للأرض الخربة التي أسلم أهلها طوعاً؛ إذ يفهم عرفاً من الحكم بكون خراجها وأجرتها للمسلمين أنّ الأرض نفسها للمسلمين، فتتبعها أجرتها.

ولكنّ الإنصاف أنّ هذا الاستظهار لا يقاوم أخبار مالكية الإمام× لكلّ أرض خربة، بل يحمل هذا الحديث على أنّ أخذ المسلمين للخراج يكون من باب ثبوت حقّ لهم في الأرض، لا من باب الملكية، هذا بناء على هذا الاحتمال الرابع نفسه، وهو احتمال يمكن استبعاده من ناحية الفصل الطويل بين الضمير ومرجعه، مع إمكان رجوعه إلى القريب.

وبالجملة، لو استظهرنا هذا الاحتمال من الحديث أو احتملناه، بحيث صار الحديث مجملاً، كان المرجع عموم أخبار مالكية الإمام× لكلّ أرض خربة، لكنّ هذا الاحتمال بعيدٌ؛ لأن الخراج المذكور في صدر الحديث ليس هو مطلق الخراج الذي هو المراد من الضمير على فرض رجوعه إليه، بل هو خصوص خراج الكوفة المفتوحة عنوةً، والتي جاء الجواب عنها في ذيل الحديث بقوله: mوما أخذ بالسيف فذلك إلى الإمامn، وحينما يقول الإمام×: mوكان للمسلمينn لم يكن قد شرع بعدُ في جواب السائل، بل هو ـ وبعد بيان حكم الأرض التي أسلم أهلها طوعاً ـ بيّن حكمه تفصيلاً زائداً على جواب سؤال السائل.

3 ـ 2 ـ الأرض الخربة المتصالح عليها مع الكفار

المورد الثالث الذي قد تجري فيه شبهة التعارض هو الأرض الخربة التي صولح عليها مع الكفار؛ فإنّ الشيخ محمد حسن النجفي ـ صاحب جواهر الكلام ـ فصّل في هذه المسألة، فذهب إلى أنّه إذا صولح الكفار على أرض عامرة فقط كانت هذه الأرض لمن صولح، والخربة ملك الإمام×؛ لعدم دخولها في الصلح، وإذا وقع الصلح على كلٍّ من العامرة والخربة كانت كلتاهما لمن وقع الصلح معه([22]).

والتحقيق أنّه إذا صولح على العامرة والخربة بطل عقد الصلح؛ فإنّه لم يرد من الشارع دليلٌ على حجية هذا الصلح بهذا النحو بالخصوص، وإنما الموجود هو قانون مطلق العقود والمعاملات الواقعة بين العقلاء، سوى ما خرج بالدليل، من هنا يصحّ الصلح مع الكفار إلا في ما خرج بالدليل، كفرض ظنّ غلبة المسلمين الذي ورد النصّ فيه بعدم جواز الصلح، بل يقاتلون حينئذٍ حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون. وبالجملة، لا دليل لدينا على صحّة هذا الصلح سوى القانون الموجود في جميع العقود المقيّدة بعدم وقوعها على خلاف الكتاب والسنّة، ومما يخالف الكتاب والسنّة مصالحة شخص مع آخر على أن يخرج أموال ثالثٍ عن ملكه، وما نحن فيه من هذا القبيل. نعم، لو كان المصالِح هو الإمام× صحّ الصلح؛ لأنه المالك، مع أنه لو قلنا بعدم ملكه لقلنا بصحّة صلحه لو صالح؛ فإنّ فعله حجّة ولو كان على خلاف القواعد.

وبالجملة: لو كان المصالح هو الإمام لصحّ هذا الصلح، أمّا لو كان غيره فلا يصحّ؛ لكونه تصرّفاً في مال الغير بغير إذنه. نعم، ربما يصالح من باب التقية مع توقف حفظ بيضة الإسلام والمسلمين عليه، لكنّ هذا الصلح لا يقع صحيحاً في الواقع.

هذا تمام الكلام بالنسبة إلى المقام الثاني الذي يمكن عروض فكرة التعارض فيه، وبهذا ينتج من مجمل ما أسلفناه أنّ الأرض الخربة ملكٌ للإمام× إلا ما خرج بالدليل.

 

3 ـ الأراضي الموات، أحكامها ونتائجها

أ ـ من أحيا أرضاً فهي له

أوّل وأهمّ أحكام هذه الأرض التي ثبت أنّها ملك للإمام هو أن من أحيا هذه الأرض فهي له، بشرط أن يكون إحياؤه بإذن الإمام.

أما الأول ـ أعني من أحيا أرضاً فهي له ـ فلم أجد فيه خلافاً بين فقهاء الإمامية، بل بين علماء المسلمين.

وأما اشتراط الإذن فلم أجد فيه خلافاً بين فقهاء الإمامية.

وبالجملة فالكلام يقع في نقطتين:

النقطة الأولى: صيرورة الأرض للمحيي بالإحياء

إنّ الأخبار الدالة على هذا الحكم تقع ضمن طوائف ثلاث هي:

الطائفة الأولى: ما دل صراحةً على اختصاصها بالمسلمين، وبالإطلاق على الملكية؛ وذلك لما مضى من أنّ اللام تفيد الاختصاص، فيما يقتضي إطلاقُها الملكيةَ. ومن روايات هذه الطائفة:

أ ـ صحيح محمد بن مسلم: mسألته عن الشراء من أرض اليهود والنصارى؟ قال: ليس به بأس ـ إلى أن قال ـ وأيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض أو عملوه فهم أحقّ بها، وهي لهمn([23])، فهذا الحديث دالٌّ بإطلاقه على الملكية، كما أنّ الشراء المفروض فيه لا يجعله نصّاً في الملكية؛ لما حقّقناه في بحث البيع من أنه لا يشترط في البيع الملكية، بل يكفي الحقّية، أضف إلى ذلك أنّ إضمار هذا الحديث لا يضرّه شيئاً؛ لأن مثل محمد بن مسلم لا يروي إلا عن الإمام.

ب ـ خبر ابن مسلم الآخر، قال: mأيما قوم أحيوا شيئاً من الأرض وعمروها فهم أحقّ بها، وهي لهمn ([24]).

ج ـ صحيحة محمد بن مسلم أيضاً، عن أبي جعفر×، قال: mقال رسول’: من أحيا أرضاً مواتاً فهي لهn ([25]).

إلى غير ذلك من الروايات الدالّة بالصراحة على اختصاص هذه الأرض بالمسلمين، وبإطلاقها على الملكية.

الطائفة الثانية: ما يكون كالصريح في ملكية المسلمين لها بالإحياء، وهو:

أ ـ رواية سليمان بن خالد، قال: mسألت أبا عبد الله عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها، ويجري أنهارها، ويعمرها، ويزرعها، ماذا عليه؟ قال: عليه الصدقة…n ([26]).

ووجه كون هذا الحديث كالصريح في ذلك أنّه باقتصاره على ذكر الصدقة ـ وهي زكاة ما غرس فيها مما فيه الزكاة ـ دلّ على أنه ليس عليه شيء آخر، أعني أجرة الأرض، التي تدلّ عليها الطائفة الثالثة الدالّة على أنهم لا يملكونها، بل هي للإمام وعليهم الأجرة، ولست أقول هنا: إنه دلّ على نفي شيء آخر بمفهوم الحصر فقط، بل دلالته على ذلك أقوى من مفهوم الحصر؛ فإنه× لم يكن في مقام بيان وجوب الزكاة، وهي غير مختصّة بما غرس في هذه الأرض، ولم يكن سؤال السائل عن ذلك؛ فقوله×: mعليه الصدقةn يقع في مقام إفادة أنه ليس عليه شيء آخر غيرها.

وهذا الحديث، وإن كان ضعيفاً من حيث السند بسليمان بن خالد، ولكن روى الشيخ الطوسي (460 هـ) مثل هذا الحديث بسندٍ صحيح عن الحلبي، عن أبي عبد الله×، كما أشار إليه الحر العاملي في وسائل الشيعة([27]).

ب ـ صحيح معاوية بن وهب، قال: سمعت أبا عبد الله× يقول: mأيما رجل أتى خربةً بائرة، فاستخرجها وكرى أنهارها وعمرها، فإنّ عليه الصدقة..n ([28]).

ج ـ خبر عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله×: mسئل ـ وأنا حاضر ـ عن رجل أحيا أرضاً مواتاً، فكرى فيها نهراً، وبني فيها بيوتاً، وغرس نخلاً وشجراً؟ فقال: هي له، وله أجر بيوتها، وعليه فيها العشر في ما سقت السماء أو سيل وادي أو عين، وعليه في ما سقت الدوالي والقرب نصف العشرn ([29]).

وبالجملة، هذه الطائفة كالطائفة الأولى الدالّة على ملكيّة المسلمين لها بالإحياء، إلا أنّ دلالة الأولى بالإطلاق، والثانية بما هو كالصراحة في ذلك.

الطائفة الثالثة: ما دلّ على عدم مالكيّتهم لها بالإحياء، بل تبقى ملكاً للإمام×، وعليهم إعطاء الأجرة له، وهي عدّة روايات:

أ ـ صحيح أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر×، قال: mوجدنا في كتاب علي× أنّ الأرض لله يورثها من يشاء عن عباده والعاقبة للمتقين، أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الأرض، ونحن المتقون، والأرض كلها لنا؛ فمن أحيا أرضاً من المسلمين فليعمرها، وليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها، فإن تركها وأخربها فأخذها رجلٌ من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحقّ بها من الذي تركها، فليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها، حتى يظهر القائم× من أهل بيتي بالسيف، فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها، كما حواها رسول الله ومنعها، إلا ما كان في أيدي شيعتنا، فإنه يقاطعهم على ما في أيديهم، ويترك الأرض في أيديهمn ([30]).

ب ـ صحيح عمر بن يزيد، قال: mسمعت رجلاً من أهل الجبل يسأل أبا عبد الله× عن رجل أخذ أرضاً مواتاً تركها أهلُها، فعمرها وكرى أنهارها وبنى فيها بيوتاً وغرس فيها نخلاً وشجراً؟ قال: فقال أبو عبد الله×: كان أمير المؤمنين× يقول: من أحيا أرضاً من المؤمنين فهي له، وعليه طسقها يؤدّيه إلى الإمام في حال الهدنة، فإذا ظهر القائم فليوطّن نفسه على أن تؤخذ منهn([31]).

فقوله: mأرضاً مواتاً تركها أهلهاn وإن كان مختصّاً بما خرب بعد العمران لكن يكفينا إطلاق الجواب لما نحن فيه.

كما أنّ قوله: mكان أمير المؤمنين× يقولn لعلّه إشارة إلى ما يشير إليه صحيح الكابلي من قوله: mوجدنا في كتاب علي× n، وقوله: mمن المؤمنينn يعني به المسلمين؛ فإنه كثيراً ما يطلق المؤمن على المسلم، كما يطلق كثيراً على خصوص الإمامي.

وبالجملة، هذه الطائفة معارِضة للطائفتين الأوليين، والذي يمكن أن يقال في وهنها ـ حتى لا تنهض للمعارضة ـ أمران:

الأمر الأول: لا محصّل لهذه الطائفة؛ ذلك أنه إذا كان المراد من إعطاء الأجرة للإمام هو إعطاؤها له في زمان الهدنة وعدم ظهور دولة الحقّ فهذا منافٍ لما هو المسلَّم الجارية عليه السيرة القطعية من عدم إعطائها في هذا الزمان، وأمّا إذا كان المراد إعطاءها بعد قيام الحجّة× فيلزم حملها على بيان حكم زمانٍ بعيد عن الزمان المبتلى به، وإهمال حكم هذا الزمان، مع أنه الذي نحتاج إليه، بل يمكن القول بأنّ هذا الحمل خلاف صريح الصحيحتين.

والجواب منع ما ذكر من السيرة؛ فإنه إن كان المراد سيرة غير الإمامية فلا حجية فيها، وإن كان المراد السيرة الإمامية فلعلّ عدم إعطائها للأجرة كان من ناحية التحليل وما فيه من أخبار، لا من ناحية عدم الوجوب دائماً ورأساً، وعليه فما ذكره الشيخ محمد حسن النجفي ـ بعد ذكر صحيحة الكابلي ـ من أنّه لا محصّل لها([32]) ليس له محصّل.

الأمر الثاني: إعراض الأصحاب عنها.

وفيه أولاً: ما أثبتناه في علم الأصول من عدم موهنيّة الخبر بإعراضهم([33]).

ثانياً: منع ثبوت عدم عمل جميعهم بها، وإن صرّح المتأخرون بالملكية. نعم، الثابت عند المتقدمين إلى زماننا والمعلوم عند الكل عدم وجوب إعطاء الأجرة على الشيعة الإمامية؛ ولعلّ ذلك من ناحية أخبار التحليل.

ثالثاً: بعد فرض ثبوت عدم عملهم بها لم يثبت كون ذلك من جهة الإعراض عن السند، بل لعلّه من جهة تقدّم مفاد الطائفتين الأوليين على مفاد هذه الطائفة، على ما هو مقتضى بعض الوجوه الفنية الآتية.

وبالجملة، الطائفة الثالثة ليست ساقطةً في نفسها عن الحجية، فلابدّ من تطبيق قوانين التعارض على هذه الأخبار.

وليعلم أن الطائفة الثالثة إنما تعارض الطائفة الثانية، وأما الطائفة الأولى فتقع في المرتبة المتأخرة؛ لأنّ دلالتها بالإطلاق، فلو تساقطتا تصل النوبة إليها.

ويمكن تطبيق قوانين باب التعارض على هذه الأخبار من خلال عدّة حلول:

الحلّ الأوّل: حمل الطائفة الثالثة على استحباب إعطاء الخراج؛ بقرينة الطائفة الثانية، نظير ما لو ورد: صلّ صلاة الليل، وورد: لا بأس بتركها، فيحمل الأمر على الإستحباب.

وفيه: إنه خلط بين الأحكام التكليفية والوضعية، فهذا الجمع إنما يصحّ في الأحكام التكليفية، فيحمل الأمر فيها ـ إذا وردت الرخصة ـ على الاستحباب، دون الأحكام الوضعية؛ لأنّ مبرّر الجمع في الأحكام التكليفية غير موجود في الأحكام الوضعية؛ وذلك أن هذا المبرّر هو أحد أمور ثلاثة:

أ ـ أن نلتزم في باب دلالة الأمر على الوجوب بنظريّة المحقق النائيني([34])، وهي أنّ الوجوب حكم عقلي ثابت عند ورود الأمر من المولى وعدم ورود الترخيص، كما أنّ الاستحباب يثبت عند ورود الترخيص؛ فمبرّر حمل الأمر على الاستحباب عند ورود الترخيص هو رفعه تكويناً لموضوع الاستحباب.

ب ـ أن نلتزم بنظريّة المحقق العراقي([35])، وهي أنّ دلالة الأمر على الوجوب بالإطلاق، والنكتة هي كون ورود الترخيص رافعاً للإطلاق وحاكماً عليه.

ج ـ أن نلتزم بما هو الحقّ، من ظهور الأمر في الوجوب ظهوراً عرفياً، وهنا ربما يشكل الأمر بأنه إذا رفعنا اليد عن هذا الظهور لورود الترخيص نكون قد طرحنا الأمر حقيقةً، والأخذ بالاستحباب أخذٌ بما لا يفيده الأمر، فهما في الحقيقة متعارضان.

والجواب: إنّ للأمر ظهورين عرفيين طوليين: الأول: ظهوره في الوجوب؛ والثاني: ظهوره في الاستحباب بعد سقوط الظهور الأول؛ فإذا ورد الترخيص بعد سقوط الظهور الأول بالقرينة العرفية تصل النوبة إلى الظهور الثاني، فالأخذ بالاستحباب أخذ بالأمر وطرح له.

وهذه النكتة ـ كما ترى ـ لا تأتي في الأحكام الوضعية؛ فظاهر قوله في ما نحن فيه: mعليه طسقها للإمامn أنه ليس ذلك صرف حكم تكليفي على المحيي، بل هو حكم وضعي، وأنّ الإمام مالكٌ للأرض، فيستحقّ الأجرة ممّن تصرّف فيها بالإحياء، ولا معنى لحمل ذلك على الاستحباب؛ فإنّ استحقاق الإمام وضعيٌّ، وكون الشخص مديوناً ليس على قسمين: واجب؛ ومستحب، اللهم إلا أن نرفع اليد في مقام الجمع عن ظهوره في بيان الحكم الوضعي، فيحمل على الحكم التكليفي الاستحبابي، لكنّ هذا ليس جمعاً عرفياً، بل هو ـ عرفاً ـ الطرح عينه.

الحلّ الثاني: حمل الطائفة الثانية والثالثة على اختلاف مراتب الحكم، بكون المراد من الطائفة الثالثة بيان الحكم الاقتضائي، فيما المراد من الثانية بيان الحكم الفعلي.

وفيه: إنّ هذا في نظر العرف طرحٌ للطائفة الثالثة؛ إذ إنّما وردت في بيان حكم فعلي لا اقتضائي، أو بيان الملاك الذي لا يترتب عليه أثر بالنسبة إلى الحكم العملي في أيّ آن من الآنات، إضافةً إلى أنّه إنما ذكر ذلك في صحيح عمر بن يزيد جواباً على سؤال السائل، ومن المعلوم أنّ السؤال إنما جاء عن الحكم الفعلي لا الاقتضائي.

الحلّ الثالث: الجمع بحملها على اختلاف الحاكم، بأن يقال: إنّ الحاكم في الطائفة الثالثة هو أمير المؤمنين×، وقد كان مالكاً ومطالباً بالحق، فيما الحاكم في الطائفة الثانية هو الإمام الصادق×، وقد كان مالكاً، غير أنّه حَكَم بأنه لا يطالب بحقّه وأنّه لا يريده منهم.

وفيه أولاً: إنّ ظاهر كلتا الطائفتين بيان الحكم الذي لا يختلف في زمان هذا الإمام عن زمان ذاك الإمام، بل صريح الطائفة الثالثة ثبوت الحكم إلى زمان الظهور، لا اختصاصه بوقت دون آخر.

ثانياً: إنّ حمل الطائفة الثالثة على الحكم المالكي؛ بقرينة تفريع أمير المؤمنين× الحكم على مالكية الإمام للأرض، وإن كان ممكناً، لكنّ حمل الطائفة الثانية على ذلك ـ مع عدم وجود هذه القرينة، وكون مقتضى ظاهر حال الإمام أنّ مراده بيان الحكم بما هو شارع لا بما هو مالك ـ غير ممكن.

ثالثاً: إنّ الإمام الصادق× قد نقل كلام أمير المؤمنين في جواب السائل، فكيف يعقل حمله على اختلاف الحاكم؟!

الحلّ الرابع: حملها على اختلاف سنخ الحكم، على أساس أنّ ظاهر الطائفة الثالثة هو استحقاق الإمام الخراج فعلاً وحاليّاً، أي كونه مطالباً به دون تحليل، أمّا الطائفة الثانية فصريحة في عدم الاستحقاق الفعلي، أي أنه لا يجب فعلاً إعطاء الأجرة، ولو من باب التحليل؛ فنأخذ بهذا الصريح دون ظاهر الطائفة الثالثة، وبهذا تكون الطائفة الثانية بياناً للحكم المالكي؛ بأن تكون بنفسها تحليلاً أو كاشفةً عن تحليل سابق، فيما تغدو الطائفة الثالثة بياناً للحكم الشرعي.

وفيه: إن هذا كما يشكّل طرحاً لظاهر الطائفة الثالثة كذلك هو طرحٌ لظاهر الثانية أيضاً؛ لأنّ ظاهرها إرادة عدم وجوب إعطاء الأجرة بالعنوان الأوّلي، وأنّ ذلك بيان للحكم الشرعي الإلهي.

اللهم إلا أن يقال: إنّ الطائفة الثالثة صريحة في الاستحباب وظاهرة في المطالبة الفعلية، فيما الثانية صريحة في نفي أصل الاستحقاق، فنرفع اليد عن ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر.

لكن يناقَش بأنه لو كان هناك آية أو رواية تدلّ على أنّه لابد من حمل الظاهر على النص صحّ ذلك، لكن لم يرد دليلٌ على هذه القاعدة الكلية، وإنما نحن والعرف، وهو لا يساعد على رفع اليد عن ظهور كلا الطرفين بهذا التقريب، والشاهد على هذا أنه لو ورد: صلّ، وورد: لا تصلّ، عُدّا من المتعارضين بلا إشكال، ولو صحّ هذا الجمع لقلنا: إنّ mصلّn صريحٌ في جواز الفعل وظاهرٌ في الوجوب، أمّا mلا تصلّn فصريحٌ في جواز الترك وظاهر في الحرمة، فنرفع اليد عن ظهور كلّ منهما بنصّ الآخر، ويثبت الجواز، وأنت ترى أنه لا يرضى أحدٌ من العرف بالقول بعدم المعارضة بين mصلّn وmلا تصلّn، فلو لم يكن هذان الكلامان متعارضين فلا يوجد تعارضٌ في الدنيا أصلاً.

الحلّ الخامس: أن نلتزم بوقوع التعارض بين الطائفة الثانية والثالثة، فتتساقطان، وبعد التساقط نرجع إلى الطائفة الأولى؛ لأنها لم تكن طرفاً في المعارضة؛ فإنّ نسبة الطائفة الثالثة إليها كنسبة المقيّد إلى المطلق، ومن المعلوم أنّه إذا ابتلى المقيّد بالمعارض كان المرجع هو المطلق.

وهذا وجهٌ فنّي متين، بعد فرض تساقط الطائفتين، لكن سيأتي ـ إن شاء الله ـ إثبات عدم تساقطهما، بل تقدّم إحداهما على الأخرى.

الحلّ السادس: أن نبني على الأخذ بنظريّة انقلاب النسبة، فنقول: إنّ الطائفة الثالثة تدلّ على لزوم إعطاء الأجرة على المحيي، سواء كان شيعياً أم لا؛ أمّا الطائفة الثانية فتدلّ على عدم ذلك، سواء كان شيعياً أيضاً أم لا، ودليلُ التحليل، الذي سنتعرّض له لاحقاً بعون الله، يدلّ على عدم لزوم الإعطاء على الشيعة، فيقيِّد الطائفة الثالثة، فتغدو هذه الطائفة ـ أي الثالثة ـ مختصّة بغير الشيعة، فتصبح قادرةً على تقييد الطائفة الثانية، لتجعلها خاصّة بالشيعة، وبهذا تكون الطائفة الثالثة خاصّة بحق غير الشيعة فيما الثانية خاصّة بالشيعة، ويرتفع بذلك التعارض.

وكبرى انقلاب النسبة منطبقة على ما نحن فيه على القول بها؛ فإنّ من مواردها وقوع التعارض بين العامّين بالتباين، ثم ورود المخصّص على أحدهما، كما لو ورد: أكرم العلماء، وورد: لا تكرم العلماء، ثم ورد: لا تكرم فسّاق العلماء؛ فيخصّص الأول بالثالث، والثاني بالأول.

ويرد عليه: إنّ ما نحن فيه لا يصحّ تطبيق قاعدة انقلاب النسبة عليه، لا صغروياً، ولا كبروياً؛ أما كبرويّاً فلأنّنا لا نقول بنظرية انقلاب النسبة([36])، وفاقاً للمحقق الخراساني([37])، وخلافاً للميرزا النائيني([38])؛ وأما صغرويّاً فلأنه يشترط في انقلاب النسبة بين العامّين المتباينين بورود خاص كون الخاص موافقاً لأحدهما ومخالفاً للآخر، وأخبار التحليل وإن كانت مخالفةً للطائفة الثالثة لكن مفادها ليس موافقاً لمفاد الطائفة الثانية، بل هما متباينان؛ وذلك أن الطائفة الثانية تدلّ ـ كما عرفت ـ على حكم شرعي إلهي وعدم ثبوت الأجرة رأساً، لا التحليل المالكي، أما أخبار التحليل فتدلّ على ثبوت الأجرة أولاً ثم تحليلها ثانياً، ومعه فنحن لا نملك هنا خاصّاً موافقاً لأحد العامّين حتى يكون المورد من صغريات كبرى انقلاب النسبة.

الحلّ السابع: إنّ النسبة بين الطائفتين هي العموم المطلق؛ فإنّ الطائفة الثالثة واردة في مطلق الإحياء، فيما الطائفة الثانية مختصّة بما إذا كرى نهراً وغرس أشجاراً، فتخصَّص الثالثة بالثانية.

ويناقش بأنّ ظاهر الطائفة الثانية والمفهوم عرفاً منها أنّ كري الأنهار وغرس الأشجار وقع من باب المثال، لا أنّ فيه خصوصية تميّزه عن سائر أقسام الإحياء.

الحلّ الثامن: إنّ الطائفة الثانية والثالثة متعارضتان، فتصل النوبة إلى الترجيح، ويمكن ترجيح الطائفة الثانية لأمرين:

أ ـ الشهرة، لكن قد أثبتنا في علم الأصول عدم مرجّحية الشهرة([39]).

ب ـ موافقتها للسنّة القطعية، وهي الطائفة الأولى؛ بناءً على تواترها، ولاسيما بعد ضمّها إلى الأخبار الواردة من طرق أهل السنّة.

وفيه أولاً: قد أثبتنا في علم الأصول عدم مرجّحية الموافقة للسنّة القطعية.

وثانياً: منع تواتر الموجود من أخبار الطائفة الأولى، التي لا تزيد ـ تقريباً ـ عن سبع روايات من طرق الإمامية، وسبعٍ مثلها تقريباً من طرق أهل السنّة.

والصحيح ترجيح الطائفة الثالثة على الطائفة الثانية؛ بموافقتها للكتاب ومخالفتها للعامّة، بخلاف الطائفة الثانية، وهما المرجّحان الأساسيان في باب التعارض:

أ ـ أما موافقة الكتاب: فقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} (النساء: 29)، وقد حقّقنا في مبحث المتاجر أنّ معنى الآية الشريفة: لا تأكلوا أموالكم بينكم بكلّ سبب؛ فإنه باطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض؛ فإذا ورد في الشرع ناقلٌ عن ملك إلى ملك ـ غير التجارة عن تراض ـ كان ذلك مخصّصاً للآية الشريفة، والطائفة الثانية تدلّ على التملك بالإحياء، مع أنه ليس تجارةً عن تراض، فلولا ابتلاؤها بالمعارض لكانت مخصّصةً للآية الشريفة، لكن عارضتها الطائفة الثالثة الموافقة للكتاب، فيما كانت هي مخالفة له، فتتقدم الطائفة الثالثة على الثانية.

ب ـ وأما مخالفة العامّة: فلأنه لم يقل أحدٌ منهم بثبوت الخراج على المحيي وعدم التملّك بالإحياء، وإنما هذا من مختصّات الشيعة، فمن المحتمل ـ قوياً ـ ورود الطائفة الثانية من باب التقية، وهذا الاحتمال ليس حجّةً في نفسه، لكنّه قد ورد النصّ بالترجيح بمخالفة العامّة عند التعارض، فنأخذ بالطائفة الثالثة، ونحكم بوجوب إعطاء الخراج على كل من أحيا أرضاً ميتة إلا الشيعة؛ لمكان أخبار التحليل.

من هنا كان من المناسب أن نتكلّم في أخبار التحليل، حيث إنّ ما يرتبط ببحثنا وإن كان خصوص تحليل الخراج لكنّه لا بأس بأن نتكلّم في مطلق تحليل ما للإمام×؛ لأنه محل حاجة عامة الناس.

النظريات الفقهية في مسألة التحليل

يقع الحديث حول مسألة التحليل ضمن محاور ثلاثة:

الأول: تعيين المحلَّل.

الثاني: هل حلّل لكلّ الشيعة كلّ ما حلّل، أو حلّل لكلّ منهم خصوص ما في يده، لا ما في يد غيره؟

الثالث: هل هذا التحليل حكمٌ إلهي أو مالكي؟ وعلى الثاني فهل هو صرف إباحة أو تمليك؟ وعلى الثاني فهل هو تمليك على وفق القواعد الفقهية أو على خلافها ثبت من المعصوم×؟

أجمل الفقهاء الحديث في المحورين الأخيرين، فيما ذهبوا في المحور الأول إلى عدّة نظريات، أهمّها:

أ ـ نظرية تخصيص المحلَّل بالمناكح.

ب ـ نظرية شمول المحلَّل للمناكح والمساكن والمتاجر.

ج ـ نظريّة شمول التحليل لمطلق الأنفال.

د ـ نظريّة شمول المحلَّل لمطلق ما للإمام.

هـ ـ نظريّة إنكار التحليل من رأس.

والمشهور من بين هذه النظريات هو النظرية الثانية، وهي تحليل تلك العناوين الثلاثة، ولم يرد في الأخبار ما يدلّ على تمام هذا المضمون، سوى مرسلة عوالي اللآلي، عن الصادق×، أنّه سأله بعض أصحابه، فقال: mيا ابن رسول الله، ما حال شيعتكم فيما خصّكم الله به إذا غاب غائبكم واستتر قائمكم؟ فقال×: ما أنصفناهم إن واخذناهم، ولا أحببناهم إن عاقبناهم، بل نبيح لهم المساكن لتصحّ عباداتهم، ونبيح لهم المناكح لتطيب ولادتهم، ونبيح لهم المتاجر ليزكوا أموالهمn ([40]).

يضاف إلى ذلك أنّ كلام أصحاب هذه النظرية مجمل، احتملت فيه وجوه، وقد ذكر الشهيد الأوّل في حاشيته على القواعد احتمالات في ذلك، معتبراً أنّ هذه التفسيرات كلّها حسنة([41])، وكأنّه يريد أن يقول: إنّ جميعها مراد لهم.

أما حليّة المناكح ففسّرها بتفسيرين:

التفسير الأول: إسقاط الخمس من السراري المغنومة، التي تكون جميعها ـ على المشهور ـ ملكاً للإمام إذا لم تكن الحرب بإذنه، وخمسها له إذا كانت بإذنه.

التفسير الثاني: إسقاط الخمس من مهور الزوجات؛ لأنّ ذلك من جملة المؤن.

وقد أورد الشيخ النجفي على التفسير الأول بأنّ الإمام× قد حلّل مطلق الأنفال، ولا خصوصية للسراري المغنومة؛ وناقش التفسير الثاني بأنّ استثناء المؤن غير مربوط بما نحن فيه؛ فإنه من الحكم الإلهي، لا التحليل المالكي الذي هو مفاد أخبار التحليل، مع أنه مختصّ بالشيعة، ولا يختصّ بالمناكح.

وأما المساكن ففسّرها الشهيد الأوّل بتفسيرات عدّة:

أ ـ المسكن الذي يغنم من الكفار.

ب ـ مسكن الأرض المختصّة بالإمام، كرؤوس الجبال وبطون الأودية والأرض الخربة.

ج ـ المسكن المتخذ من أرباح المكاسب؛ فإنّه من المؤونة.

وأما المتاجر ففسّرها ـ كذلك ـ بتفسيرات:

أ ـ ما يشترى من الغنائم الحربية، فتجوز التجارة به دون إخراج خمسه.

ب ـ ما يكتسب من الأرض والأشجار المختصّه به×.

ج ـ ما يشترى من أهل السنّة مثلاً، ممّن لا يعطي الخمس.

هذا وقد بالغ المحقق النجفي في إجمال كلمات الأصحاب وعدم تحريرها، حتى قال: mبل يخشى على من أمعن النظر فيها مريداً إرجاعها إلى معتقد صحيح من بعض الأمراض العظيمة قبل أن يأتي بشيء، وظني أنها كذلك مجملة عند كثير من أصحابها، وإن تبعوا في هذه الألفاظ بعض من تقدّمهم ممن لا يعلمون مراده، وليتهم تركونا والأخبار؛ فإنّ المحصّل من المعتبر منها أوضح من عباراتهمn ([42]).

والإنصاف أنّ الأمر كما ذكره صاحب الجواهر، من أنّ الأخبار أوضح، واستنباط الحكم منها أسهل، من هذه الكلمات المجملة الصادرة من الأصحاب +، وقد كان المقصود من ذكرنا لهذا المقدار تشريح الأذهان والتبرّك بكلماتهم.

أخبار التحليل وإشكاليّة عدم حجية خبر الواحد في الموضوعات

وبصرف النظر عن كلماتهم سوف ننظر في المستفاد من الأخبار، لكن قبل ذلك علينا البحث في مشكلة تعرُضُ أخبارَ التحليل ـ حتى الصحيح منها سنداً ـ، وهي أنّ خبر الواحد إنما يكون حجّةً في الأحكام دون الموضوعات على ما هو المعروف بينهم، وظاهر أخبار التحليل ـ كما سيأتي ـ هو التحليل المالكي لا الحكم الإلهي، ومن المعلوم أنّه موضوعٌ من الموضوعات، كرضا زيد مثلاً في التصرّف بماله، ولا يثبت ذلك بالخبر الآحادي، بل يحتاج ثبوته إلى البينة.

نعم، تحليل الأنفال قد يكون متواتراً، أما تحليل الخمس فغير متواتر قطعاً.

يضاف إلى ذلك أنّه لم تردنا بيّنة على التحليل، فإنّه وإن وصلتنا شهادة من أكثر من اثنين لكن لم يشهدوا عندنا، بل نقلت لنا شهادتهم نقلاً، ولابد في ثبوت البينة غير الثابتة وجداناً من قيام بيّنة كاملة على كلّ من جزئي البيّنة، ولا يكفي قيام جزء منها على جزء منها، وقيام جزء آخر على الجزء الآخر، كما في ما نحن فيه.

وأوّل من أبدى هذا الإشكال هو الحاج آغا رضا الهمداني&؛ إذ بعد أن ذكر أخبار التحليل صال وجال في تزييف القول بتحليل الخمس، وقال هناك بأنّ خبر الواحد الوارد في تحليل الخمس ليس حجّةً؛ لأنه واردٌ في الشبهة الموضوعية، وليس بحجّةٍ فيها([43]).

لكنّ تحقيق الكلام في هذا المقام يقتضي أن يقال: إن من يقول بحجيّة خبر الواحد مطلقاً، حتى بالنسبة إلى الشبهة الموضوعية ـ كما هو الحقّ([44]) ـ، مرتاحٌ هنا من هذا الإشكال؛ أما من يخصّص حجية خبر الواحد بخصوص الشبهة الحكمية فالحقّ ـ مع ذلك ـ هو حجية الخبر الواحد الوارد في ما نحن فيه؛ وذلك لوجود خصوصيّة؛ وذلك أنّ هناك مسلكين في تخصيص حجية خبر الواحد بالشبهة الحكمية: أحدهما: دعوى اختصاص دليل الحجية بها وعدم شموله للشبهة الموضوعية؛ وثانيهما: دعوى أن إطلاق دليل الحجّية مخصَّص بدليل خاص.

وتوضيح هذا الأمر أنّ عمدة أدلّة حجية خبر الواحد أمور ثلاثة: آية النبأ، وبناء العقلاء، والأخبار المتواترة؛

أ ـ فإما لا يرى الأصولي دلالة الآية المباركة تامّةً، ويخدش ـ أيضاً ـ في بناء العقلاء في وجوده أو حجيته، ويرى دليل حجية خبر الواحد منحصراً في الأخبار المتواترة، ويدّعي مع ذلك أن تلك الأخبار لا تشمل خبر الواحد في الموضوعات؛ لأنّ ما ورد من أنه لا ينبغي لأحد التشكيك في ما يرويه عنّا ثقاتنا، وأنّ العمري وابنه ثقتان فما أدّيا لك عني فعني يؤديان، وغير ذلك، لا يشمل إلا ما نقله الثقة عن الإمام، دون الإخبار عن نجاسة إناء زيد أو طهارة ثوبه مثلاً.

ب ـ وإمّا يرى تمامية آية النبأ وبناء العقلاء، فالدليل بنفسه شامل للخبر في الموضوعات، لكن يدّعى تخصيصه بخبر مسعدة بن صدقة: mكل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه، فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، أو المملوك عندك ولعلّه حرٌّ باع نفسه أو خدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك، والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينةn ([45])، وهذا التخصيص إمّا بدعوى أنّ هذا الحديث يدل على عدم حجية خبر الواحد في الشبهة الموضوعية، وقوله: mحتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينةn يدلّ بإطلاقه على عدم وجود معادل آخر للاستبانة والبيّنة، ولا يمكن تخصيصه بجعل خبر الواحد عِدلاً لذلك؛ لأنه يستلزم لغوية عنوان البيّنة؛ فإنّه إذا كان قول الواحد حجة فماذا نصنع بقول الآخر؟ وأيّ حاجة إلى ضمّه إليه؟ وتخصيص العام بما يوجب لغويته غير صحيح، وبهذا يدّعى أنّ هذا الحديث يخصّص أدلّة حجية خبر الواحد، بناء على تماميّة سنده، والتحقيق أن سنده غير تام.

إذا عرفت هذا نقول:

1 ـ إذا سلك في إثبات عدم حجية خبر الواحد في الموضوعات المسلك الأول ـ وهو عدم شمول أخبار حجية خبر الثقة للشبهة الموضوعية ـ فمعلوم أنّها شاملة لما نحن فيه؛ فإنّ العبرة في كون خبر الثقة حجةً ليست لعنوان الحكميّة والموضوعية في الشبهة ثبوتاً وعدماً؛ لأنه لم يرد دليل على هذا التفصيل بهذا العنوان، وإنما العبرة بكون الخبر خبراً من الإمام× وعدمه بدليل الحجية، فيشمل الأول دون الثاني، ومعلوم أن أخبار التحليل يصدق عليها أنّها ممّا أخبرنا به الثقة عن الإمام×.

2 ـ وأما إذا سلك في إثبات عدم حجية خبر الواحد في الموضوعات المسلك الثاني فإن حديث مسعدة يتعارض مع أخبار حجية خبر الثقة عن الإمام× بالعموم من وجه، ومادة التعارض ما ورد عن الإمام في الشبهة الموضوعية؛ وبعد التعارض نرجع إلى الآية الشريفة مرجعاً أو مرجّحاً، وذلك بناءً على أن دليل حجية خبر الواحد لا ينحصر في مثل الآية، بل الأخبار المتواترة أيضاً دالّة عليه.

3 ـ وأما بناء على انحصار دليل حجية خبر الواحد بالأخبار المتواترة فقد دلّت على حجية خبر الثقة عن الإمام×،فتقع طرفاً للمعارضة مع حديث مسعدة، وبعد التعارض نرجع ـ أيضاً ـ إلى العام الفوقاني، وحديث مسعدة لا يقتضي عدم حجية تلك الأخبار مطلقاً؛ فإنها تبيّن حكماً كلياً، لا موضوعاً حتى تسقط عن الحجية بتخصيص الآية لحديث مسعدة.

ويستنتج من هذا كلّه أنّ العبرة ليست بعنوان كون الحديث وارداً في الشبهة الموضوعية أو الحكمية، حتى يقال بعدم حجية أخبار التحليل التي نحن فيها؛ لورودها في الشبهة الموضوعية.

نعم، إن قلنا: إنّ دليل حجية خبر الواحد منحصرٌ في الأخبار المتواترة فبعد تساقطها مع حديث مسعدة في مادّة الاجتماع لا يبقى لنا دليل على حجية الإخبار في الموضوعات، اللهم إلا أن يقال بما هو الحق من أنّ خبر الواحد المعارض للكتاب أو السنّة القطعية ـ ولو بالعموم من وجه ـ غير حجّة في نفسه؛ فحديث مسعدة لا يصير حجّة في مادّة تعارضه مع الأخبار المفروض تواترها.

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّ المحقق الهمداني قائلٌ بتماميّة الاستدلال ببناء العقلاء على حجية خبر الواحد؛ فيرد على ما ذكرناه في ما نحن فيه، من عدم حجية خبر الواحد في الشبهة الموضوعية؛ أنه إن رأى عدم شمول دليل الحجية له وفي نفسه، ففيه أن بناء العقلاء لا يفرّق فيه بين الشبهة الحكمية والموضوعية؛ وإن أراد تخصيصه بخبر مسعدة ففيه أنه مبتلى بالمعارض، وغاية ما هناك هو التساقط؛ فيكون المرجع بناء العقلاء؛ لعدم العلم بحصول الردع بعدما كان حديث مسعدة مبتلى بالمعارض؛ فإنه وإن لم يصحّ الرجوع إلى أصالة عدم الردع، بمعنى إحراز جزء الموضوع بالأصل، لكنّا نقطع بأنّ بناء العقلاء لم يكن مردوعاً عنه في أول الشريعة، وكان العقلاء يعملون به بلا ردعٍ من النبي’، فكان ذلك إمضاءً له، فيجري استصحاب عدم الردع.

هذا هو الصحيح في تقريب الاستدلال ببناء العقلاء إذا شكّ في ثبوت الردع مع العلم بالإمضاء ابتداءً، وإما إحراز جزء الموضوع بالأصل هنا فغير صحيح عندنا، لكنهم يقولون بأنّ الموضوع مركّب من بناء العقلاء وعدم الردع، فأصالة عدم الردع محرزةٌ لجزء الموضوع، والجزء الآخر موجود وجداناً.

وكيف كان فنحن في فسحةٍ من أصل الإشكال على حجية أخبار التحليل؛ لقولنا بعدم اختصاص حجية خبر الواحد بالشبهة الحكمية.

كلام السيد محسن الحكيم، تعليق ونقد

ولم أراجع كلام السيد الحكيم ـ دام ظله ـ في كتاب الخمس، لكن له كلامٌ في نظير ما نحن فيه في مبحث الاجتهاد والتقليد، وذلك عند ذكر المحقق اليزدي ـ صاحب العروة الوثقى ـ ثبوت اجتهاد المجتهد بالبيّنة، قال السيد الحكيم ـ دام ظله ـ: mربما يقال بثبوته بخبر الثقة؛ لعموم ما دلّ على حجيّته في الأحكام الكلّية؛ إذ المراد منه ما يؤدي إلى الحكم الكلي، سواء كان بمدلوله المطابقي أم الالتزامي، والمقام من الثاني؛ فإن مدلول الخبر المطابقي هو وجود الاجتهاد، وهو من هذه الجهة يكون إخباراً عن الموضوع، لكن مدلوله الالتزامي هو ثبوت الحكم الواقعي الكلّي الذي يؤدّي إليه نظر المجتهد.

فإن قلت: أدلّة حجية خبر الثقة مختصّة بالإخبار عن حسّ، ولا تشمل الإخبار عن حدس؛ ولذا لم تكن الأدلة دالّةً على حجية فتوى المجتهد، مع أنها إخبار عن الحكم الكلي، إلا أن مستنده الحدس.

قلت: الإخبار عن الاجتهاد من قبيل الإخبار عن الحس، نعم، المدلول الالتزامي ـ وهو الحكم الكلي ـ إنما كان بتوسّط الحدس، لكنّ هذا المقدار لا يقدح في الحجيّة؛ لأنّ الحس إنما يعتبر في المدلول المطابقي، لا في الملازمة التي يتوقف عليها ثبوت المدلول الالتزامي، وإلا فإخبار زرارة مثلاً عن قول الإمام، الذي هو إخبار عن موضوع، يكون أيضاً إخباراً عن الحكم الكلي، ويكون حجّةً على المجتهد، وربما يكون بتوسّط حدس المجتهد الذي هو حجّة عليه أيضاًn ([46]).

ويرد عليه أولاً: إن كلامه ـ دام ظلّه ـ قائم على كون العبرة في حجية خبر الثقة وعدمها بصدق عنوان كونه خبراً في الشبهة الحكمية، وقد عرفت بما لا مزيد عليه أنّ الحجيّة ـ بعد تسليم التفصيل ـ ليست دائرةً في وجودها وعدمها مدار عنوان كونه خبراً في الشبهة الحكمية، بل دليل حجية خبر الواحد لا يشمل هذا الخبر على المسلك الأول، وحديث مسعدة يدلّ على عدم الحجيّة على المسلك الثاني، وكون ما يلزمه حكماً ليس إلا كاستلزام كل موضوع لأثره الحكمي، مع أن خبر الواحد ليس حجّةً فيه عند القائلين بالتفصيل.

ثانياً: إنّ ما ذكره من كون هذا الخبر دالاً بالالتزام على الحكم الواقعي.. إن أراد منه ثبوت الحكم الواقعي واقعاً فكون ثبوته من لوازم ثبوت الاجتهاد ممنوعٌ؛ لاحتمال خطأ المجتهد؛ وإن أراد منه ثبوت الحكم الواقعي تعبّداً فالملازمة مسلّمة، لكنّ هذا ليس حكماً كلياً إلهياً، وإنما الحكم الكلي الإلهي هو التعبد بمطلق فتوى المجتهد، وإخبار الثقة عن اجتهاد شخص إخبار بالالتزام عن ثبوت صغرى هذا الحكم الكلي، لا عن نفس هذا الحكم الكلي.

وأما ما ذكره من تنظير ذلك بإخبار زرارة وغيره عن قول الإمام، من جهة أن قول الإمام ليس إلا موضوعاً من الموضوعات لا حكماً إلهيّاً، وإنما هو كاشف عن الحكم الإلهي، فقول زرارة إخبار عن الحكم الإلهي بالملازمة، فأقول: يمكن دعوى الفرق بين ما نحن فيه وبين إخبار زرارة؛ وذلك أنّ كلام الإمام حاكٍ عن الحكم الإلهي، فكلام زرارة حاكٍ عن الحاكي للحكم الإلهي، وأما إخبار الثقة عن اجتهاد شخص فليس حاكياً عن الحاكي عن الحكم الإلهي، ولو فرضنا كون ما أفتى به المجتهد حكماً إلهياً فإنه لم يحك الفتوى وإنما أخبر عن الاجتهاد نفسه، وبهذا يمكن الادّعاء بأن الحاكي عن الحاكي عن الحكم الإلهي يعدّ ـ بالمسامحة ـ حاكياً عن الحكم الإلهي، بخلاف الإخبار عن الاجتهاد، بل يمكن أن يقال: إن حديث مسعدة يدلّ على عدم حجية الإخبار عن الاجتهاد، ولكن لا يدلّ على عدم حجية الحاكي عن الحاكي عن الحكم الإلهي؛ لأنه بنفسه حاكٍ عن الحاكي عن الحكم الإلهي، فيلزم من حجيّة إطلاقه من هذه الجهة عدمها، وما يلزم من وجوده عدمه فهو باطل.

وبهذا نتوصّل إلى أنّ إشكال المحقق الهمداني على أخبار التحليل غير وارد.

إذا عرفت ذلك فلابد لنا من الشروع ـ ومن الله التوفيق ـ في البحث عن المحور الأوّل الذي نحن بصدده حاليّاً، وهو في ما يستفاد من أخبار التحليل سعةً وضيقاً، حيث قد يدّعى أن الخمس ـ مطلقاً ـ داخلٌ في التحليل الثابت عن الأئمة^، من هنا تارةً يقع الكلام في خصوص أخبار التحليل المعتبرة سنداً؛ وأخرى مع ملاحظة مجموع أخبار الباب، وإن كان الذي ينبغي فعله هو النظر ـ حصراً ـ إلى خصوص الأخبار المعتبرة سنداً والإفتاء على طبقها؛ لأنّ الخبر الضعيف السند لا عبرة به، وإن فُرض ذكره في الكتب الأربعة ـ مثلاً ـ، وفرض عمل الأصحاب به، ومن هنا يدور البحث في نقطتين:

النقطة الأولى: المستفاد من أخبار التحليل التامّة السند

الأحاديث المعتبرة الواردة في التحليل هي:

1 ـ حديث الفضلاء الثلاثة ـ أبي بصير وزرارة ومحمد بن مسلم ـ جميعهم، عن أبي جعفر×، قال: mقال أمير المؤمنين×: هلك الناس في بطونهم وفروجهم؛ لأنهم لم يؤدّوا إلينا حقنا، إلا وإنّ شيعتنا من ذلك وآباءهم في حلّn ([47]).

2 ـ حديث علي بن مزيار، قال: قرأت في كتاب لأبي جعفر× إلى رجل يسأله أن يجعله في حلّ من مأكله ومشربه من الخمس، فكتب بخطّه: mمن أعوزه شي من حقّي فهو في حلّn ([48]).

3 ـ خبر يونس بن يعقوب، قال: كنت عند أبي عبد الله×، فدخل عليه رجل من القمّاطين، فقال: جعلت فداك، تقع في أيدينا الأموال والأرباح وتجارات، نعلم أن حقّك فيها ثابت، وإنا عن ذلك مقصِّرون، فقال أبو عبد الله×: mما أنصفناكم إن كلفناكم ذلك اليومn([49]).

وهذا الحديث نقله الشيخ الطوسي بسند ضعيف، لكن رواه الشيخ الصدوق بسند معتبر.

4 ـ حديث الفضيل، عن أبي عبد الله×، قال: mمن وجد برد حبّنا في كبده فليحمد الله على أول النعم، قال: قلت: جعلت فداك، ما أول النعم؟ قال: طيب الولادة، ثم قال أبو عبد الله×: قال أمير المؤمنين× لفاطمة÷: احلّي نصيبك من الفيء لآباء شيعتنا ليطيبوا، ثم قال أبو عبد الله×: إنّا أحللنا أمهات شيعتنا لآبائهم ليطيبواn ([50]).

5 ـ حديث أبي سيار مسمع بن عبد الملك، قال: قلت لأبي عبد الله×: إني كنت ولّيت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم، وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم، وكرهت أن أحبسها عنك وأعرض لها، وهي حقك الذي جعل الله تعالى لك في أموالنا، فقال: mما لنا من الأرض وما أخرج الله منها إلا الخمس؟! يا أبا سيار، الأرض كلّها لنا، فما أخرج الله منها من شيء فهو لنا، قال: قلت له: أنا أحمل إليك المال كلّه؟ فقال لي: يا أبا سيّار، قد طيّبناه لك، وحللناك منه، فضمّ إليك مالك، وكل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلّلون، ومحلّل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا، فيجبيهم طسق ما كان في أيدي سواهم،فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا، فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم منها صغرةn ([51]).

6 ـ خبر زرارة، عن أبي جعفر×، قال: mإنّ أمير المؤمنين× حلّلهم من الخمس ـ يعني الشيعة ـ ليطيب مولدهمn ([52]).

والتحقيق أن القول بحلّية مطلق الخمس اعتماداً على هذه الأخبار غير صحيح؛ وذلك:

أ ـ أما صحيح الفضلاء ـ وهو الخبر الأوّل ـ فالمراد من كلمة mالناسn الواردة فيه ما هو المصطلح في الأخبار الشيعية، أي العامة في مقابل الشيعة، وصدره صريح في أن هلاك الناس ليس لخصوص عدم أداء حقّهم في المناكح، حيث قال: هلك الناس في بطونهم وفروجهم، من هنا ربما يدعى أن ظاهر قوله في ذيل الحديث: mإنّ شيعتنا من ذلك وآباءهم في حلّn هو حليّة مطلق ما لهم^ للشيعة، لا خصوص المناكح.

لكنّ التحقيق أنّ المراد من كلمة mذلكn في قوله: mألا وإن شيعتنا من ذلك وآباءهم في حلّn إشارة إلى الحق الذي غصبه الناس، والذي تحدّث عنه بقوله: هلك الناس في بطونهم وفروجهم، لا إلى مطلق حقّهم^ عليهم، وبهذا يكون الحديث خارجاً عن المقصود، ويدلّ على ما هو المتعارف جيلاً بعد جيل وعصراً بعد عصر بين الشيعة من أنّهم إذا ابتلوا في معاملاتهم بالعامة، واختلطوا بهم، ووقع من أموالهم ـ التي ثبت حقّ الإمام فيها ـ شيء في أيدي الشيعة، فلا يجب عليهم أن يحترزوا منها، ولا يجب عليهم أداء حق الإمام الثابت فيها عندما كانت في أيدي العامة، وهذا لا يدلّ على أنه إذا تعلّق الخمس بما في أيدي الشيعة لا يجب عليهم أداؤه، بل غاية ما هنالك دعوى الإجمال، وينحلّ العلم الإجمالي بالتحليل إلى العلم التفصيلي بتحليل ما في يد السنّي إذا وقع في يد الشيعي الثابت تحليله على كلا الاحتمالين، والشك البدوي في تحليل غيره.

يضاف إلى ذلك أنّه بعد تسليم كون كلمة mذلكn إشارة إلى مطلق حقهم فإن كلمة mوآباءهمn قرينة على اختصاص الإباحة بالمناكح المغنومة من الكفار؛ ذلك أنّ من المقطوع به عدم كون إباحة أب الشيعي من جهة كونه أباً للشيعي بما هو كذلك ولو كان من أسس التسنّن كأبي بكر الذي هو أبو محمد الشيعي، بل إنما يكون ذلك من باب التطرق إلى انتفاع الابن الشيعي، وذلك يكون بحلّية المولد، فهذه قرينة على أنّ التحليل مختصّ بالمناكح، وليس شاملاً لمطلق ما ذكر حرمته في صدر الحديث بقوله: mهلك الناس في بطونهم وفروجهم..n، المقتضي ـ بظاهره ـ كون الحلية المذكورة في الذيل أيضاً بالنسبة إلى البطون والفروج ومطلق الحق، وبهذا نرفع اليد عن هذا الظهور بهذه القرينة، أعني كملة mآباءهمn.

إلا أن يقال: لعلّ النظر إلى تحليل مطلق الحق، حتى يحلّ المأكل أيضاً؛ لتنعقد نطفة الشيعي من الحلال، لا تحليل خصوص المناكح، كما ذكر صاحب الجواهر([53]) هذا الاحتمال بالنسبة إلى ما في بعض الأخبار من التعليل بأن يطيب مولد الشيعة، لكنّ الإنصاف أن كون نظره× إلى هذا المطلب الأخلاقي بعيدٌ جداً.

نعم، يمكن أن يقال: إن كملة mوآباءهمn قرينة على الاختصاص بالمناكح، لكنّ هذه الكلمة موجودة في نقل الشيخ الطوسي بسنده إلى أحمد بن محمد بن عيسى، عن العباس بن معروف، عن حمّاد بن عيسى، عن الفضلاء الثلاثة، أمّا بحسب نقل الشيخ الصدوق في mعلل الشرائعn عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، فقد وردت كلمة mوأبناءهمn مكان كلمة mوآباءهمn؛ وطبقاً لهذا النقل يختلف الحال؛ لأنّ ابن الشيعي ليس كأبيه؛ لإمكان أن يقال: إن المراد من ابن الشيعي الذي ليس شيعيّاً، ليس الابن الذي كبر واختار مذهب أهل السنّة؛ فإنّ هذا داخلٌ في الناس الذين مضى أنهم هالكون، بل أطفال الشيعة، ومعلوم أنّ الطفل الشيعي ـ بما هو كذلك ـ يستحق الكرامة بحكم الإمام بالتحليل له، كما حكم عليه في الشرع بالطهارة مثلاً.

ونحن هنا لا ندري ـ بعد هذا ـ هل الصحيح هو نقل الطوسي أم الصدوق؟

1 ـ فإن احتملنا أنهما روايتان؛ بأن سمع الفضلاء هذا الكلام من الإمام× مرّتين: إحداهما جاء فيها تعبير الآباء؛ والأخرى وردت بلفظ الأبناء، ونقلوا ذلك لحمّاد بن عيسى مرّتين، كما قام حمّاد بدوره بنقل الحديث مرّتين للعباس بن معروف، ونقله العباس كذلك مرّةً لأحمد؛ وأخرى للصفار..؛ إذا كان كذلك فلابد من الحمل على التعدّد؛ حيث نقل لنا الثقتان كلامين، ونقلُ كليهما حجّة بمقتضى إطلاق دليل الحجية، وأحد الخبرين، وإن كان محفوفاً بالقرينة، لكنّ إطلاق الخبر الآخر يظلّ كافياً في الاستدلال.

والحقّ أنّ هذا الاحتمال في غاية البُعد إلى حدّ يُطمأنّ بخلافه.

2 ـ أمّا إذا قطعنا أو حصل لنا اطمئنان بكونهما خبر واحداً:

ـ فإن قطعنا أو حصل لنا اطمئنان بأنّ الإمام× لم يجمع بين كلمتي: الآباء والأبناء، وإنما قال إحداهما، واشتبه أحد الراويين في النقل، فيقع الشك في وجود القرينة المتصلة، ولا يخفى أن احتمال وجود قرينة متصلة غير احتمال قرينية الموجود المتصل، حيث يقال بسريان الإجمال في الثاني، وأما في الأول؛ فإن دفعنا احتمال وجود القرينة بشهادة الراوي ـ كما هي الحال في سائر الموارد ـ؛ فإنّ من المحتمل في كل رواية وجود قرينة متصلة، لكنّ الراوي يشهد ـ بلسان حاله ـ عند ترك ذكر القرينة بعدم وجودها..، فلا إشكال، لكن فيما نحن فيه لا يمكن التمسّك بشهادة الراوي؛ لتعارض الشهادتين؛ فالكلام مبني على ما في علم الأصول من أنه هل يكون احتمال وجود قرينة متصلة ـ إذا لم يكن مدفوعاً بشهادة الراوي ـ موجباً للإجمال ـ كما هو الحق([54]) ـ أم لا، كما عليه المشهور والمحقق الخراساني([55])؟ فعلى الثاني يتمّ الإطلاق، دون الأول.

ـ أمّا إذا لم نقطع بأنّ الإمام× لم يجمع بين الكلمتين ـ كما هو كذلك ـ فإنه يحتمل أنّه× جمع بينهما، لكن أسقط أحد الراويين إحداهما وأثبت الأخرى، فيما أسقط الراوي الثاني الثانية وأثبت الأولى، فهنا تعارض أصالة عدم النقيصة في كلّ منهما أصالةَ عدم الزيادة في الطرف الآخر؛ لأنّ عدم نقص كلّ منهما مستلزم لزيادة الآخر، فيُبنى الكلام حينئذٍ على ما في علم الأصول، من أنه هل تقدّم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة أم لا؟ فعلى الأول يثبت أن الإمام ذكر كلتا الكلمتين، فالقرينة موجودة، فلا إطلاق؛ وعلى الثاني يقع أيضاً الشك في وجود قرينة متصلة، ويُبنى الكلام على ما عرفت من أنه هل يكون احتمال وجود قرينة متصلة موجباً للإجمال أم لا؟

وكيف كان فبعد الغض عن الإشكال من هذه الجهة نقول بعدم تماميّة دلالة الحديث على المطلوب؛ لأن كلمة mذلكn ليست إشارة إلى مطلق حقّهم^؛ وذلك أنه لو كان تعبيره× هكذا: ألا وإن ذلك حلال لشيعتنا، لأمكن أن يقال: إنّ كلمة mذلكn إشارة إلى مطلق الحقّ، لا إلى الحقّ المغصوب؛ لأنّ المذكور في الكلام السابق ليس هو الحق المغصوب، بل عنوان الحق، غاية الأمر أنّه حمل عليه محمولان: أحدهما في صدر الحديث، وهو غصب الناس له، والثاني في ذيله، وهو حليته للشيعة، لكنّ الإنصاف عدم رجوعه إلى مطلق الحق أيضاً، بل إلى الحقّ المغصوب؛ فإنّ كلمة mحقناn المذكورة في الصدر مفعولٌ لقوله: mلم يؤدّواn، فهو حقّ خاص، وهو الحق المغصوب، لا مطلق الحق.

وبالجملة: لو كان تعبيره× كما عرفت كان لدعوى رجوع اسم الإشارة إلى مطلق الحقّ مجال، لكنّه× لم يعبّر بهذا التعبير، بل قال: mإلا وإنّ شيعتنا من ذلك في حلّn، وكون الشيعة من ذلك في حلّ غير كون المال حلالاً لهم، نظير قول أبي عبد الله× لأصحابه: أنتم في حلّ من بيعتي، فهذا لا يعني أنّ بيعتي لكم حلال، بل كأنّهم كانوا مشدودين بالبيعة، وكانت البيعة ثقلاً ومشقّة عليهم، فقال لهم×: أنتم مرسلون ومطلقون وغير مشدودين بها، وكلمة mوذلكn في ما نحن فيه ترجع إلى عدم أداء العامة؛ فإنّ عدم أدائهم مع مخالطة الشيعة لهم ووقوع أموالهم في أيديهم شدّ وثقل ومشقة على الشيعة؛ لهذا قال×: أنتم في حلّ من ذلك، أي من عدم أداء العامة، وليس المراد أنكم في حلّ من حقنا، حيث المراد منه في هذا الحديث ما يستحقّه الإمام، الذي هو عين من الأعيان، لا الاستحقاق؛ فإنه لا يقال: أنت في حلّ من العين الكذائية إلا بتأويل، وإرادتُه فيه، أو إرادة الاستحقاق من كلمة mذلكnـ الراجعة إلى الحقّ من قبيل الاستخدام المذكور في فنّ البيان ـ، خلافُ الظاهر.

وهذا بخلاف ما لو قال: ذلك حلال للشيعة، فإنّه لا يصح إرجاع mذلكn إلى عدم أداء العامة، ولا معنى لأن يقال: إنّ عدم أدائهم حلال للشيعة.

وكيف كان فبعد تمامية إطلاق الحديث وفرض كون كلمة mذلكn إشارة إلى مطلق حقّهم، لا يكون هذا الحديث سوى كلاماً مطلقاً قابلاً للتقييد، ومقيَّداً بما دلّ على عدم تحليل الخمس، ممّا سيأتي ذكره إن شاء الله.

واعلم أنّه يمكن أن يقال بأنّه عند تعارض أصالة عدم الزيادة مع أصالة عدم النقيصة تقدّم الأولى على الثانية، لا لأنّ دلالة الكلام على عدم النقيصة بالإطلاق وعلى عدم الزيادة بالنص، ولا لأنّه إن قلنا بكون الدلالة على عدم النقيصة بالظهور العرفي لا بالإطلاق فدلالته على عدم الزيادة بالنص ويكون قرينة عرفاً، فنرفع اليد عن ذلك الظهور العرفي..، كيف ونصّ كلام شخص لا يكون قرينة على رفع اليد عن كلام شخص آخر وإطلاقه؟!، بل لأنّ ملاك أصالة عدم الزيادة وعدم النقيصة هو موهونية احتمال الزيادة والنقيصة، ومن المعلوم أنّه مع العلم الإجمالي بالزيادة أو النقيصة ليس احتمال النقيصة موهوناً، كيف واحتمال النقيصة أقرب من احتمال الزيادة؟!، ويبقى احتمال الزيادة موهوناً، وهو وإن كان أقلّ موهونية لكنّه في فرض عدم العلم الإجمالي بالزيادة والنقيصة، لكنّ بناء العقلاء الذي هو الدليل على الأصلين ثابت على طرح احتمال الزيادة دون احتمال النقيصة مهما ثبت هذا التعارض.

يضاف إلى ذلك أنّنا أثبتنا في علم الأصول أنّ الدليل التعبدي على حجية خبر الواحد متكفل لإثبات عدم الغفلة فيما أخبر به، كما هو متكفّل لإثبات عدم الكذب، وهنا المخبر قد أخبر بأنّ هذه الكلمة المحتملة الزيادة قد صدرت من الإمام، فدليل الحجية يثبت عدم الزيادة تعبّداً، ولم يخبر بعدم النقيصة، وإنّما دلّ كلامه على أنّه حين سماعه من الإمام هذا الكلام لم يلتفت إلى أزيد من هذا، وأمّا احتمال كون ذلك من باب الغفلة فليس منفيّاً عنده ولا عندنا إلا بأصالة عدم الغفلة، فالدليل على عدم النقيصة ليس إلا أصالة عدم النقيصة المفروض عدم تحقّقها هنا؛ لعدم بناء العقلاء عليها عند التعارض مع أصالة عدم الزيادة، بل يتساقطان أو تسقط هي وحدها، والدليل على عدم الزيادة هو أصل الدليل التعبدي على حجية خبر الواحد.

هذا مضافاً إلى أنّه لو فرض عدم انهدام أصالة عدم النقيصة مع معارضتها بأصالة عدم الزيادة فالدليل التعبدي على عدم الزيادة، الدال بالملازمة على نقيصة الآخر، مقدّم على أصالة عدم النقيصة، نظير تقدّم الدليل على ثبوت القرينة على أصالة عدم القرينة.

ب ـ وأمّا مكاتبة علي بن مهزيار فهي وإن وردت في مطلق الخمس [الحق]، ولا يمكن إخراج الخمس بالتقييد؛ لأنّ السؤال كان عن خصوص الخمس، لكنّ قوله: mمن أعوزه شي من حقّي فهو في حلّn إنما يدلّ على التحليل من قبل نفسه×، وأما بعد قيام أبنائه مقامه فلا دلالة في الحديث عن أنّهم حلّلوا حقهم أم لا.

كما أنّ هذا الحديث غير مختصّ بالشيعة، وهو مقيّد بصورة الإعواز، وهو هنا أعمّ من الفقر الشرعي؛ إذ ربما يصدق الإعواز والاحتياج على غير الفقر الشرعي أيضاً.

ولا يُتوَّهم جريان استصحاب عدم نسخ التحليل بعد زمان أبي جعفر×؛ فإنه يرد عليه:

أولاً: منع استصحاب عدم النسخ في نفسه؛ فإنّه إن أريد استصحاب الجعل فاستصحاب الجعل غير صحيح؛ وأمّا إذا أريد استصحاب المجعول كان ذلك استصحاباً تعليقياً؛ ذلك أنّه× علّق الحلية على الإعواز، وقبل تعلّق الخمس بمال لا يصدق إعواز حقّه الثابت في المال، وليس شيءٌ حلالاً له من مال الإمام؛ فبعد تعلّقه لا يمكن استصحاب الحلية إلا على نحو الاستصحاب التعليقي الذي أبطلناه في علم الأصول([56]).

ثانياً: بعد التسليم لا يجري في ما نحن فيه؛ لتعدّد الموضوع وعدم اتحاد القضية المتيقنة مع القضية المشكوكة، وكيف يمكن تحليل المالك المتأخر باستصحاب تحليل المالك المتقدم؟!

ثالثاً: إنّ ما سيأتي من الأخبار يدل على مطالبة المالك المتأخر بالخمس، وتلك الأخبار حاكمة على هذا الاستصحاب، كما أنه بعد تسليم إطلاق الحديث لكلّ زمان إذا ورد دليل على لزوم إعطاء خمس خاص في زمان خاص، أو مطلق الخمس في زمان خاص، وجب تقييده بهذا الدليل.

ج ـ وأمّا ما جاء في موثق يونس بن يعقوب فحاله حال الصحيح الأول؛ لأنّ ظاهر قوله: mتقع في أيدينا الأموال والأرباح وتجارات نعلم أن حقّك فيها ثابتn هو ثبوت حقّه× فيها قبل وقوعها في يد الشيعي، فلا يدل على أنه إذا تعلّق الخمس بما في يد الشيعي كان حلالاً له.

نعم، يدلّ هذا الموثق على ما دلّ عليه الحديث الأول من أنه إذا وقع في يده ما كان في يد العامّة وفيه حقّه× كان حلالاً له، كما يدلّ بإطلاقه أيضاً ـ مع قطع النظر عن ذيله ـ على ما لم يدلّ عليه الحديث الأول، وهو أنه إذا وقع في يده ما كان في يد شيعيٍّ آخر قبله، وكان تعلّق حقّه× به، ولم يكن أعطاه عصياناً ـ مثلاً ـ، كان حلالاً لهذا الشيعي الثاني.

من هنا كنّا نفتي في السابق ـ ولا ندري وجود موافق لنا أم لا ـ بأنه إذا مات من تعلّق بأمواله الخمس، وكان وارثه إمامياً، كان حلالاً للوارث، ولا يجب عليه إخراج خمسه إن كان الخمس متعلّقاً بعين المال، أما إذا كان ثابتاً في ذمة الميت فلا؛ لأنّ الإرث إنما يكون من بعد وصيّةٍ يوصي بها أو دين، والدَّين مطلقٌ؛ فموضوع الإرث غير ثابت هنا.

لكنّ التحقيق منع هذا الإفتاء؛ بالنظر إلى ذيل هذا الحديث، وهو قوله: mما أنصفناكم إن كلّفناكم ذلك اليومn؛ إذ فيه احتمالان:

الاحتمال الأوّل: إنّ المراد من (اليوم) في قوله: mإن كلفناكم ذلك اليومn ما يقابل يوم السقيفة؛ فكأنّ الإمام× يقول: لو كنا نريد المطالبة بحقنا منهم لكنّا نكلّفكم في يوم السقيفة، وبعد أن لم نكلّفكم في ذلك اليوم ولم نطالب بحقّنا وصبرنا وفي العين قذى وفي الحلق شجى.. فليس من الإنصاف أن نكلّفكم في هذا اليوم ونطالب بحقنا؛ وعليه يكون لكلامه× إطلاق يشمل زماننا هذا، لكنّه ليس له إطلاق يشمل ما كان في يد شيعيٍّ آخر، وكان تعلّق به حقه×؛ فإنّ هذا التحليل قرينة على أن المراد هو عدم مطالبة الإمام× بحقّه الثابت في المال الذي كان في يد السنّي الغاصب له؛ لكون غصبه ناشئاً من غصب حقّهم^ في يوم السقيفة، لا الحق الثابت في المال الذي كان في يد شيعيٍّ آخر لم يعطِ الخمس لفسقه، فإنّه مع فرض عدم وقوع ما وقع في يوم السقيفة ربما يكون الشيعي فاسقاً ـ أيضاً ـ ولا يعطي الخمس.

الاحتمال الثاني: أن يقال: إنّ قوله: mاليومn ليس في مقابل يوم السقيفة، فيشمل بإطلاقه المال الذي كان في يد الشيعيّ الآخر، لكن لا يشمل إطلاقه زماننا هذا؛ لاحتمال كون قوله: mاليومn إشارة إلى ذلك اليوم الثابت فيه التقية مثلاً.

ونتيجة الكلام أنّه× لم يبيّن أمد تحقّق عدم الإنصاف، وقد مضى عدم جريان استصحاب التحليل، كما ظهر ممّا ذكرناه أنّ هذا الحديث قاصرٌ من هذه الجهة أيضاً عن إفادة إباحة الخمس في زماننا.

وبعد الغض عن جميع ما ذكرنا يدلّ الحديث على إباحة مطلق حقّه×، فيقيّد بما دلّ على عدم تحليل الخمس الذي سيأتي ذكره، إن شاء الله.

كما أنّ هذا الحديث لو تمتّ دلالته فإنما يدل ـ وفق مجمل ما قلناه ـ على حليّة خصوص حقّه الثابت في المال قبل وقوعه في يد هذا الشيعي، بل يمكن الاستشكال في دلالته على حليّة ذلك أيضاً بحيث يشمل زماننا هذا؛ لما عرفت من إجمال كلمة mاليومn.

هذا ولكنّ التحقيق تمامية دلالته بهذا المقدار؛ وذلك أنّ في قوله: mما أنصفناكم إن كلّفناكم ذلك اليومn احتمالات ثلاثة، هي: الأول([57]).

الهوامش

([1]) انظر: الطوسي، الخلاف 3: 525؛ والعلامة الحلي، تذكرة الفقهاء (ط.ق) 2: 400؛ والسبزواري، كفاية الأحكام 2: 544 (نفي الخلاف)؛ والأنصاري، كتاب الخمس: 349 ـ 350 و..

([2]) الطوسي، تهذيب الأحكام 4: 126 ـ 127.

([3]) المصدر نفسه: 133، 149.

([4]) المصدر نفسه: 134.

([5]) الحر العاملي، تفصيل وسائل الشيعة 9: 531 ـ 532، أبواب الأنفال وما يختصّ بالإمام، باب 1، ح 20.

([6]) محمد بن مسعود العياشي، تفسير العياشي 2: 48.

([7]) السيد علي الطباطبائي، رياض المسائل 7: 549 ـ 550، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، قم، إيران، الطبعة الأولى، 1415هـ.

([8]) محمد حسن النجفي، جواهر الكلام 21: 169.

([9]) النجفي، جواهر الكلام 38: 18.

([10]) مرتضى الأنصاري، فرائد الأصول 4: 97 ـ 98.

([11]) الحر العاملي، تفصيل وسائل الشيعة 25: 414 ـ 415، كتاب إحياء الموات، باب 3، ح2.

([12]) انظر: الإصفهاني، حاشية المكاسب 3: 16.

([13]) تفصيل وسائل الشيعة 9: 487، كتاب الخمس، أبواب ما يجب فيه الخمس، باب2، ح5.

([14]) لمزيد من الاطلاع على حال هذا الراوي انظر: الخوئي، معجم رجال الحديث 12: 234 ـ 251، رقم: 7846.

([15]) تفصيل وسائل الشيعة 9: 531 ـ 532، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، باب1، ح20.

([16]) المصدر نفسه: 523، ح1.

([17]) انظر: الصدر، بحوث في علم الأصول 3: 198 ـ 211.

([18]) محمد حسن النجفي، جواهر الكلام 16: 118.

([19]) المصدر نفسه 38: 15.

([20]) تفصيل وسائل الشيعة 15: 111، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب 41، ح2.

([21]) المصدر نفسه: 158، باب 72، ح1.

([22]) انظر: جواهر الكلام 21: 171.

([23]) تفصيل وسائل الشيعة 25: 411، كتاب إحياء الموات، باب 1، ح1.

([24]) المصدر نفسه: 412، ح4.

([25]) المصدر نفسه، ح5.

([26]) المصدر نفسه: 411، باب 1، ح2.

([27]) المصدر نفسه: 415.

([28]) المصدر نفسه: 414، باب 3، ح1.

([29]) المصدر نفسه: 413، باب 1، ح8.

([30]) المصدر نفسه: 414 ـ 415، باب 3، ح2.

([31]) المصدر نفسه 9: 549، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، باب 4، ح13.

([32]) النجفي، جواهر الكلام 38: 23.

([33]) ذهب السيد محمد باقر الصدر إلى أنّ الإعراض موهنٌ للخبر في دورته الأصوليّة الأولى، فراجع: بحوث في علم الأصول 4: 426؛ لكنّه عدل عن ذلك في دورته الثانية، فراجع: مباحث الأصول 2: 585 ـ 590، وبهذا يصرّح أيضاً السيد كاظم الحائري ـ مقرّر بحثه ـ في المصدر الأخير: 88؛ وقد ذهب الصدر في بعض أبحاثه الفقهية إلى الأخذ بقاعدة الوهن، فراجع له: بحوث في شرح العروة الوثقى 3: 345، و4: 105.

([34]) فرائد الأصول 1: 136 ـ 137.

([35]) ضياء الدين العراقي، مقالات الأصول 1: 208 ـ 244؛ ونهاية الأفكار 1: 160 ـ 163، 179 ـ 180؛ وكان السيد الصدر في بحثه الآخر حول الموضوع نفسه قد نسب هذا الكلام للمحقق الخراساني، وعلّقنا هناك، فانظر: الصدر، إحياء الموات، دراسات في فقه الأراضي في الشريعة الإسلامية، تحقيق: حيدر حب الله، مجلة الاجتهاد والتجديد، العدد الخامس: 23، 35.

([36]) راجع: بحوث في علم الأصول 7: 288 ـ 312؛ ومباحث الأصول ق2، ج5: 660 ـ 682.

([37]) انظر: كفاية الأصول: 514 ـ 516، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، قم، ط3، 1415هـ.

([38]) راجع: فوائد الأصول 4: 740 ـ 748.

([39]) راجع: بحوث في علم الأصول 7: 361 ـ 362، 370 ـ 375.

([40]) ابن أبي جمهور، عوالي اللآلي 4: 5.

([41]) الشهيد الأوّل، حاشية قواعد الأحكام: 62، النسخة الحجرية لكتاب القواعد.

([42]) جواهر الكلام 16: 152.

([43]) الهمداني، مصباح الفقيه 3: 127، الطبعة الحجرية.

([44]) انظر: الصدر، بحوث في شرح العروة الوثقى 2: 102.

([45]) تفصيل وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، باب 3، ح4.

([46]) محسن الحكيم، مستمسك العروة الوثقى 1: 38 ـ 39.

([47]) تفصيل وسائل الشيعة 9: 543، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، باب 4، ح1.

([48]) المصدر نفسه، ح2.

([49]) المصدر نفسه: 545، ح6.

([50]) المصدر نفسه: 547، ح10.

([51]) المصدر نفسه: 548، ح12.

([52]) المصدر نفسه: 550، ح12.

([53]) محمد حسن النجفي، جواهر الكلام 16: 152 ـ 153.

([54]) انظر نظرية السيد الصدر حول مسألة الشك في القرينة المتصلة في: بحوث في علم الأصول 4: 266 ـ 270.

([55]) الخراساني، كفاية الأصول: 329.

([56]) الذي هو موجود في تقريرات السيد الشهيد قبوله ـ على تفصيل ـ بالاستصحاب التعليقي، فانظر: مباحث الأصول ق2، ج5: 386 ـ 417؛ وبحوث في علم الأصول 6: 280 ـ 292.

([57]) النسخة الخطية للبحث ختمت بهذا الكلام، وهو ناقص، فإنّ بيان هذه الاحتمالات ـ إضافة إلى دراسة مجمل النصوص المعتبرة وغيرها، وكذلك كون التحليل ابتدائيّاً أم إمضائيّاً، وغير ذلك ـ قد ورد مفصّلاً في تقرير السيد كاظم الحائري لهذه الدروس عينها، فيمكن مراجعة ذلك، وقد نشرنا تقرير السيد الحائري في مجلة الاجتهاد والتجديد، في العددين السادس والسابع، تحت عنوان: فقه الأراضي ونظرية التحليل، بحوث في إحياء الموات، ويمكن مراجعة ما سقط هنا من تقرير السيد عبد الغني الأردبيلي هناك، في العدد 7: 27 ـ 42.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً