أحدث المقالات

في أسلمة العلوم الإنسانيّة

 

د. السيّد يحيى يثربي(*)

ترجمة: السيد حسن علي مطر الهاشمي

1- ظهور الحضارة الغربيّة الحديثة ـــــــ

ظهرت منذ حوالي أربعة قرون حركة فكريّة جديدة، شكلت محور الحضارة الغربيّة الراهنة بما تتمتع به من تقدّم وازدهار ضرب بأجرانه على جميع أنحاء الكرة الأرضيّة، وقد كانت هذه الحضارة جديدة في محتواها وفي معطياتها، كما كانت مناسبة لحجم الرقعة الجغرافيّة من حيث الأدوات والإمكانات.

وقد شملت هذه الحضارة جميع الآفاق، بل وتغلغلت في أعماق الأنفس؛ حيث جسّدت بعثة أرضيّة شغلت أذهان الناس وانتفعوا من معطياتها الجبّارة والهائلة. حيث قامت جماعة في رقعةٍ من هذه الأرض بدعوة الناس إلى مناخ فكريّ جديد، وتمكنت من تقديم طرق ناجعة في مجال مكافحة الأمراض، وزيادة المحاصيل الزراعيّة، وتطوير التجارة، وإقامة الأنظمة الإداريّة والحكوميّة الحديثة، والعشرات من الإنجازات النافعة. ولم تجعل هذه الإنجازات حكراً إلى شعوبها أو حصراً على رقعتها الجغرافيّة، بل عمدت إلى تعميمها على جميع أنحاء الكرة الأرضيّة؛ وذلك لأنّ هذا التفكير الجديد قد حمل معه وسائل الانتقال والاتصال الحديثة من الصحف والإذاعة والتلفزة وشبكات الإنترنت والأقمار الصناعيّة.

وقد كان لهذا النوع الجديد من التفكير والحضارة الحديثة إبداعات في مجال العلوم الطبيعيّة والصناعة والتكنولوجيا أيضاً. وكما تقدّم أن ذكرنا فإنّ هذه الحضارة والنمط الفكري ـ وللظروف التي خلقها ـ لم يبق محشوراً في قوقعته، بل تخطّى الحدود الجغرافيّة، وبدأ صراعاً شديداً مع الحضارات الأُخر.

وقد اختبرت الحضارة الحديثة هذا الصراع منذ بداية تكوّنها في مناخها الغربي الذي نشأت فيه، وقد خرجت منتصرة ومرفوعة الرأس في صراعها هذا مع  المذهب المتمثل في سلطة الكنيسة والحكومات الاستبداديّة، وأقرّت مذهب الشك والتعدديّة([1])، وعملت على تهميش الدين، وأقامت الحكومات الديمقراطيّة على أنقاض الحكومات الاستبداديّة.

  1. الواقع الفكري للحضارة الحديثة ـــــــ

إنّ الواقع الفكري للحضارة الغربيّة الحديثة، عبارة عن:

1-2. إعادة تقييم العقل ـــــــ

كان الاعتقاد السائد منذ القدم يقوم على أنّ للعقل قابليّة فهم حقائق العالم وإدراكه، بحيث يكوّن رؤية عينيّة وخارجيّة صحيحة وواقعيّة عن العالم. وتعود جذور هذا الاعتقاد إلى الفيلسوفين اليونانيين الكبيرين: (أفلاطون) الذي كان يؤمن بنظريّة المثل، بمعنى أنّ كلّ المعلومات كانت موجودة في ذواتنا وعقولنا الباطنة، غاية الأمر أننا قد نسيناها ولابد لنا كي نستذكر تلك الحقائق المنسيّة من ملاحظة العالم الخارجي، وعلينا أن نتعلمه ونمارسه.

والآخر (أرسطو) الذي كان يؤكد قابليّة العقل وكفاءته من جهةٍ أُخرى، حيث يذهب إلى تقديم العقل على التعليم ويراه هيوليّاً، وبعد التعلم يراه فعليّاً. مما يُثبت قيام اعتقاد (أرسطو) على وجود جميع المعلومات لدى العقل بالقوة، وأنه بحاجة إلى إيصالها الى مرحلة الفعليّة فحسب.

وخلافاً لذلك فقد تنزل العقل عن هذه المرتبة في الفكر الغربي الحديث، بحيث كان يتعيّن الحصول على جميع الموضوعات من مصدرٍ واحد، وإلا كانت عديمة السند وفاقدة للقيمة. وتكتمل هذه الرؤية من خلال العنصر الآتي.

2-2. الطبيعة بوصفها المصدر الموثوق لا غير ـــــــ

يذهب التفكير الغربي الحديث إلى أنّ المعيار الوحيد الذي يقبله العقل هو الذي تثبت صحته من خلال ارتباطه بالطبيعة ودعمه بالواقع الخارجي، وإلاّ كان مجرّد افتراض أو خيال ذهني لا يتمتع بأيّ قيمةٍ علميّة، والطبيعة ـ بالمعنى العام للكلمة ـ تعني الحقيقة الخارجيّة التي تكون بمتناول أيدينا، وتختلف معطياتها عن معطيات (ما وراء الطبيعة) تماماً.

وهذه الرؤية وإن أنكرت كفاءة العقل واستغناءه الذاتي، ولكنها بعد إنكار الوحي والمكاشفة منحت العقل مرجعيّة منحصرة.

3-2. التقدّم أساس التنوير الغربي ـــــــ

يُعدّ التقدّم من العناصر الأساسيّة للتنوير الغربي الذي أفرز الحضارة الحديثة. في حين كان العالم الغربي السابق للتنوير يرى نفس رؤية المجتمعات الشرقيّة نفسها في منح الأصالة للتعاليم والتقاليد الموروثة. وكانت تحيط الشخصيّات الماضية بهالة من التقديس، وتنظر إليهم بوصفهم أبطالاً لا سبيل  إلى قهرهم والتغلب عليهم، وكانت آراؤهم تشكل المحور الأساس لجميع المسائل، وكانت جميع الجهود تصبّ في فهم وحفظ الموروث.

وبذلك أخذ الغرب بتغيير اتجاهه بمقدار مئة وثمانين درجة، فأهمل النظر إلى الماضي، وأحلّ محلّه الاهتمام بالمستقبل. فلم تعد الأنظار مقصورة على الأساتذة، بل أخذت تطالب المتعلم بالتفوّق على أُستاذه والإتيان بجديدٍ، أو في الأقل تقديم ما يعدّ مكمّلاً لجهود أُستاذه.

4-2. أصالة الإنسان ـــــــ

يسمو الإنسان في التفكير الغربي ليبلغ مرتبة الإله، ويغدو محوراً لجميع الأشياء، فهو كائن عالمٌ ومقتدر وحرّ ومسيطر على سائر الكائنات، ومن خلال جعل مصلحته محوراً للخير والشرّ في حياته الفرديّة والاجتماعيّة يحدد وظيفة جميع الأمور؛ فهو يتعرّف على طبيعة الأشياء ويتصرّف فيها. ويحدّد القيم في ضوء مصالحه ولذاته، ويدير أُمور المجتمع وشؤونه بوحي من إرادته واعتباراته. حتى أصبح  بإمكانه التصرّف في الظواهر الاجتماعيّة. والنظر إلى  أفراد الإنسانيّة بعين المساواة، بحيث يمكن لكلّ فرد أن يقيم حياته على أساس ما يراه ضامناً لسعادته؛ وفي ضوء هذه الأصالة لا يتحرّر الإنسان من عبادة الله فحسب، بل لا يقرّ سيطرة أيّ شخص على غيره، ويطرح الديمقراطيّة بوصفها أفضل الحلول لتحرير الإنسان من ربقة سلطة الآخرين.

وانطلاقاً من هذا التفكير قال المفكر الألماني الشهير (كانط) وهو أحد رواد التفكير الحديث: >إنّ الحكومة التي تقوم أحياناً على أساس الخير للناس… هي حكومة متسلطة… وهي من أسوأ ما يمكن تصوّره من أنواع الحكومات المستبدة<.

  1. الحضارة الحديثة والإسلام ، معضل التضادّ في العلوم الإنسانيّة ــــــ

ليس هناك من شك في وجود التضادّ بين الشرق والغرب بشكلٍ عام، أو بين الفكر الإسلامي والحضارة الغربيّة الحديثة بشكل خاص. وقد تجلّى هذا التضاد بعد قيام الحكومة الإسلاميّة في إيران بشكل أوضح.

لقد كانت مواجهتنا للغرب في مجال العلوم الطبيعيّة والعمران والثروة بحكم تقابل الوجود والعدم، أي أننا لم نكتشف الصناعة أو التقنيّة الغربية، وعليه لم تكن لدينا مندوحة من أخذها من الغرب والعمل على تأصيلها للاستفادة منها والعمل على استثمارها كوسيلة لإدارة وتطوير حياتنا الفردية والاجتماعية.

ولم تكن هناك مشكلة سوى المشكلة الإداريّة، أي كان من الضروري لمجتمعنا أن يمتلك التكنولوجيا الحديثة، دون أن تكون هناك أيّ مشكلة من الناحية الدينيّة والثقافيّة، وحتى التضاد بين العلم والدين الماثل في مجتمعنا إنما يقوم على تقليد الغرب، إذ خلافاً للغرب فإنّ هذه المسألة ولأسباب عديدة لا تحظى بأهميّة في مجتمعنا.

وأما في مجال العلوم الإنسانيّة، فيعدّ التضاد بين الدين والتقاليد السائدة في مجتمعنا وبين معطيات الفكر الغربي الحديث مسألة في غاية الأهمية، وفيما يأتي نشير  إلى بعض موارد هذا التضاد:

1-3. التضاد المعرفي ـــــــ

ذكرنا أنّ البناء المعرفي لدى الغرب يقوم على عدم اعتبار العقل المجرّد من التجربة، ونتيجة لذلك فقدت المسائل الميتافيزيقيّة والكثير من القيم الأُخرى مكانتها.

2-3. التضاد في اعتبار السند ـــــــ

إنّ التفكير الغربي الحديث إنما يعد المنافذ العقلية إذا كانت مدعومة بالوقائع الخارجيّة الملموسة، وكان لها سندٌ من الطبيعة بالمعنى العام للكلمة، وعليه تسقط عن الاعتبار الكثير من التعاليم النظريّة والعملية المستندة إلى الوحي والنصوص الدينيّة. في حين أننا في مجال التفكير الإسلامي نرجع إلى الوحي والنصوص الدينيّة بوصفها سنداً معتبراً.

3-3. التضاد في رؤية الإنسان ـــــــ

يقع الإنسان في الفكر الغربي الحديث محوراً لكلّ شيء، فقد احتلّ مكان الإله، وأصبحت مصالحه محوراً للخير والشر، وسنّ التكاليف والقوانين. في حين تذهب الأسس المقبولة في التفكير الإسلامي إلى أنّ إرادة الله وأوامره هي المحور لجميع الأحكام والقيم، وأنّ الغاية من جميع التكاليف والسلوكيات لا تعود إلى تلبية الحاجات الطبيعيّة والمنافع الدنيوية، بل للحصول على السعادة الأُخرويّة.

وعليه، فإنّ الغرب يتحدّث عن الحقوق الطبيعيّة للإنسان، بينما نمنح ـ نحن ـ الأصالة للحقوق الشرعيّة. ولذلك يحتدم حاليّاً صراعٌ حادّ بين موروثنا الفكري وبين الأفكار الغربيّة الحديثة في مختلف مجالات العلوم الإنسانيّة، سواءٌ في ذلك العلوم المعرفيّة  والميتافيزيقيّة والحقوقيّة  والسياسيّة والاقتصادية والأخلاقيّة، والسعادة الفرديّة والاجتماعيّة وما الى ذلك…

  1. أسلمة العلوم الإنسانيّة ودور الحوزة والجامعة ـــــــ

ما هو المراد من أسلمة العلوم الإنسانيّة؟

يمكن تصوير العلوم بما لها من صفة الأسلمة على ثلاثة أشكال:

الأول: أن نرى الإسلام والنصوص الدينيّة مصدراً لهذه العلوم، بمعنى تمخّض هذه العلوم من رحم المصادر الدينيّة.

الثاني: أن نأخذ هذه العلوم من مصادر أُخر، ونمنحها صبغة إسلاميّة من خلال الظروف اللازمة للفعل والانفعال في طرفي القضيّة.

الثالث: أن يبادر المفكرون من المسلمين من خلال الالتفات الى المشاكل الإنسانيّة العامّة إلى تأسيس العلوم الإنسانيّة والاستفادة من جميع المصادر لرفع مستواها.

والتصوّر الأوّل يرتبط بأُصول الدين والأحكام الشرعيّة التي لا يمكن قيامها إلاّ من خلال الاهتمام بالتعاليم الدينيّة ومصادرها. وبطبيعة الحال ينبغي أن لا يكون هناك تضادٌ بينها وبين العقل، إذ إنّ الدين الإسلامي ـ خلافاً للديانة المسيحيّة ـ لا يفصل الإيمان عن العقل.

وأما فيما يتعلق بالمسائل الأُخر، من قبيل: السياسة والحقوق والأخلاق والاقتصاد والإدارة والتربية وما شابه ذلك، فلابد من القيام بأعمالٍ تأسيسيّة، بمعنى الاطلاع على معطيات الغرب والعمل على نقدها، وإضافة معطياتنا إلى ما نرتضيه من المعطيات الغربية لتأسيس علومٍ إنسانيّة مؤصّلة ومؤسلمة، وهذا هو الافتراض الثالث.

وأما إذا أعملنا الافتراض الثاني، فعلينا تقليد الغرب من جهة، وتجاهل الإسلام من جهةٍ أخرى. ومن خلال الالتفات إلى هذا التعريف لأسلمة العلوم الإنسانيّة، علينا تقييم النشاط الجامعي والحوزوي، ومن ثَمَ نطرح المقترحات اللازمة لتحسين الجهود في هذا المجال:

1-4. نشاط الحوزة والجامعة في مجال أسلمة العلوم الإنسانيّة ـــــــ

اقتصر نشاط الحوزة العلميّة حتى الفترة المتأخرة على المسائل الفقهيّة والأعمال التبليغيّة، فحتى المسائل الاعتقاديّة كانت تبحث بوصفها من الأمور الهامشيّة. وبعد الحرب العالميّة الثانية دخلت إلينا الأفكار الشيوعيّة من جهة، كما تغلغلت معطيات العلوم الحديثة في مختلف ميادين العلوم الإنسانيّة من جهةٍ أُخرى. واقتصر جلّ اهتمام الحوزات العلميّة في السنوات المتأخرة على ردّ الأُسس الفكريّة الشيوعيّة، ولم تبذل تلك العناية المطلوبة تجاه المسائل والموضوعات الأُخر. وبعد انتصار الثورة الإسلاميّة دعت الحاجة إلى بذل المزيد من الجهود في هذا المجال.

وأما مراكزنا الجامعية، فبرغم أنه كان ينبغي عليها لأسباب مختلفة أن تسبق الحوزة العلميّة في هذا النشاط، إلاّ أنها ـ وللأسف الشديد ـ لم تقم بأي نشاط يذكر في مجال تأسيس العلوم الإسلاميّة، لا قبل الثورة ولا بعدها.

لماذا حصل الإخفاق في إبداع إلهيات حديثة إسلامية ذات حضور عالمي؟ ـــــ

تمثل الإلهيّات أساس تفكيرنا ونظامنا الديني، وقد رصدنا الكثير من أجلها بأكبر اهتمامنا، إلاّ أنّ الحوزة والجامعة لم يحالفهما النجاح حتى الآن في تدوين إلهيّات حديثة يمكن طرحها على المستوى العالمي. ويبدو أنّ أسباب إخفاق الحوزة والجامعة في هذا المجال تتلخص فيما يأتي:

أ ـ التصوّر الخاطئ عن الفكر الغربي ـــــــ

غالباً ما ننظر إلى الغرب بوصفه كياناً يعاني فراغاً فكريّاً وانحرافاً أخلاقيّاً واعتبرناه نمراً ورقيّاً. في حين أنّ هذه الرؤية تثبت ضعفنا وقصور باعنا وسطحيتنا. ومما لا شكّ فيه أنّ المفكرين الغربيين في العصر الحديث قد حطموا قيود الأساطير  والتقاليد الموروثة، وأخذوا يخوضون غمار البحث برؤية جديدة وثقة عالية بالنفس، وأعادوا النظر في كلّ أنحاء الوجود ومظاهره ابتداءً من الذرّة إلى المجرّة، ومن المادّة إلى الفكر والثقافة والماضي والمستقبل والفنون والصناعات والأساطير.

إنّ الإنسان الغربي لم يشتطّ حتى في ابتعاده عن الدين. فهو إنما تمرّد على الدين الذي يمنح الجنان من خلال التضحية بالعقل. وكان الغرب يستفهم ويسأل عن الأسانيد المعتبرة كيما يقبل الأفكار ويعتنقها. وهذا هو مقتضى المنطق والعقل. لقد بذل المفكرون الغربيون جهوداً كبيرة في مجال المعرفة والسياسة والاقتصاد والإلهيّات، ولا تزال جهودهم متواصلة في هذه المجالات للوصول الى نتائجَ جديدة.

إلاّ أننا لم نأخذ هذه الجهود الصادقة بجدّيّة أبداً، كما أننا لم نشارك في هذه الجهود المخلصة.

ب ـ ضعف التنظير في إعداد البديل للديانة المسيحيّة ـــــــ

تعرّف الغرب على الدين من خلال مصداقه المسيحي، وليس من شكّ في أنّ المسيحيّة لم تعكس صورة ناصعة عن الدين؛ فإنّ إلهيّاتها غير المعقولة في مجال الأُصول، وتعاليمها التي لا تنسجم مع الوجدان والتي لا تتفق وحرمة الإنسان في مجال الفروع، عرّضت هذا الدين لأضرار فادحة. وإنّ أُصولاً من قبيل: الثالوث والتجسّد والتضحية وطقوس العشاء الأخير والاعتراف وصكوك الغفران، مضافاً إلى  ماضي الكنيسة غير المشرّف وسلطتها في القرون الوسطى، تمنح الإنسان الغربي الحقّ كاملاً في التمرّد على هذه الديانة.

فهل قدّمنا بدورنا برغم جميع الإمكانات العلميّة المتاحة في الحوزة والجامعة طرحاً مدروساً لعرض الدين الإسلامي الحنيف بوصفه خير بديل عن المسيحيّة؛ لما يحتوي فيه من الأُصول المعقولة والفروع المنسجمة مع الفطرة؟!

إننا ـ وبدلاً من التأسيس لإلهيّات عالميّة ـ اكتفينا بالبحوث التقليديّة أو سرنا على ذات النهج الذي سلكته الإلهيّات المسيحيّة المتداعية والانشغال ببحوث غير ذات صلة، من قبيل: التضاد بين العلم والدين، ولغة الدين، والتفسير التاريخي وتناغم المتون، والتجربة الدينيّة، والشك والإيمان وما إلى ذلك.

ج- هدر الطاقات ـــــــ

إننا نهدر الإمكانات والطاقات لإسبابٍ كثيرة، ويمكننا بهذا الشأن أن نذكر الأسباب الآتية باختصار:

ــ انعدام المنهج المنتظم، حيث لا نعرف من أين بدأنا وإلى أين انتهينا؟ فالنشاطات في غالبها مشتتة ومتأثرة بأعمال الترجمة، كما أنها متأثرة بالسياسة في بعض مواردها، لذا برغم أننا لم نتداول فيما لدينا من علم المنطق والمعرفة ومسائل من قبيل: المقولات، والحدّ، والرسم، بدأنا مناقشات حادّة لأفكار (كانط) و(هيجل) و(راسل) و(بوبر).

ــ الجهود المشتتة، وهذا المورد متفرع بدوره عن المورد السابق، فحينما لا يكون هناك منهج منتظم، أو برنامج أو غاية محدّدة، فسوف تكون الجهود الناتجة عن ذلك بطبيعة الحال مشتتة وغير مترابطة. وكما أنه لا يمكن أن يكون لنا أبحاث جادّة في مجال صناعة المونتاج المقطعي، كذلك لا يمكن أن نحظى بتحقيقات منظمة ومتماسكة في حقل الإلهيّات. ولذلك من دون أن ندرك مدى تقدّمنا وما هي المشاكل التي تواجهنا؟ غالباً ما نخلق المشاكل بأنفسنا، فتارة نثير مسألة الأسس الديالكتيكيّة، وتارة ثانية نستعرض مسألة القبض والبسط، وثالثة نبحث التناغم، ورابعة مكانة التحديث!

ـــ النفعيّة، من الطبيعي في ظلّ هذه الفوضى أن يتلفع البعض بعباءة التعليم والتحقيق، وذلك في ظل غياب المتابعة والمحاسبة، فيقدمون على كلّ ما يحلو لهم! فيبادر البعض إلى مهاجمة المعرفة الغربية، ويظهر من يهاجم (كانط) و(هيوم)، ويبرز من يسمّي نفسه فيلسوفاً. وليس من البعيد أن يظهر غداً من يعرّف نفسه على أنه باحثٌ في القرآن، وبعد غدٍ نواجه متكلماً مناهضاً للفلسفة، ويظهر في هذه المعمعة بعض المتحينين للفرص، فيشغلون أحياناً مناصب في العديد من المراكز التعليميّة والمؤسسات البحثية ليقوموا بتوزيع الأجوبة الجاهزة عن جميع الأسئلة؛ لأنهم سادة هذه المشاريع. فلا وجود لبرنامج منظم، ولا وجود لهدفٍ محدّد، وهم في مأمنٍ من أنّ أحداً سوف لن يسألهم: ما الذي تمّ تحقيقه في هذا الكمّ الهائل من المراكز القانونيّة الحكوميّة وغيرها؟

2- 4. المقترحات ـــــــ

في ظلّ هذه المشاكل، يمثل أمامنا طريقان:

ـ مواصلة الوضع الراهن.

ـ العمل بشكلٍ منطقي بغية إعداد الأرضيّة الإسلاميّة لأسلمة العلوم.

ومن الواضح أنّ الاستمرار في الوضع الراهن لا يؤدّي إلى شيءٍ. وعليه، لابدّ من العمل بشكل عاجل للقيام بمسار منهجي يهدف إلى تأسيس علوم إنسانيّة إسلاميّة. ولكن، من أين نبدأ؟ وما هي الأعمال التي ينبغي إنجازها؟ أرى ضرورة إعطاء الأولويّة بشكلٍ جادّ للموارد الآتية:

أ ـ حشد الطاقات ـــــــ

فمن المهم جدّاً أن نعثر على طاقات فاعلة ومخلصة تبذل كلّ وقتها في البحث مع الحفاظ على القناعة بمستويات العيش المتوسطة.

ب ـ  التخطيط وتحديد نقطة الانطلاق وبيان المسار التكاملي ـــــــ

علينا مثلاً تحديد البداية لتأسيس علم معرفة الإنسان الإسلامي أو الحقوق أو السياسة الإسلاميّة، وكيف يمكن التأسيس لنظامٍ علميّ مقبول لمواجهة الرؤى الغربيّة والوثوق بأنها ستكون مقنعة لأصحاب الرأي في هذا المجال؟

ج ـ المركزيّة والتنسيق ـــــــ

 لا شكّ في أنّ سعة رقعة العلوم وتعدد فروعها لا يتناسب مع الجهود الفرديّة؛ فلابد إذن من اضطلاع مجموعة بحثية كفوءةٍ بهذه المسؤوليّة الخطيرة.

د ـ تعزيز الأسس ـــــــ

لا يخفى على الخبراء قيام العلوم الإنسانيّة الحديثة على الأُسس الفكرية الجديدة لدى الغرب. ونتيجة لذلك فإنهم لا يعترفون بالأُسس والمصادر الميتافيزيقيّة. من هنا يتعيّن علينا لضمان إمكانيّة المنافسة مراجعة أُسسنا الميتافيزيقيّة بدقة، وأن نستعرض أُسساً ثابتة للعلوم الإنسانيّة الإسلاميّة من خلال رفع الإشكالات والنواقص.

هـ ـ تأسيس نواة مركزيّة قابلة للتطوير ـــــــ

كما تقدم أنْ ذكرنا، فإنّ مراكزنا الفكرية مبتلاة ـ  للأسف الشديد ـ  بتشتيت الجهود، ولذلك لا نجد ارتباطاً بين مجموعة علومنا الإنسانيّة بجذع متين مع النواة المركزيّة. ففي حين تغتنم المجتمعات المتقدّمة أوقاتها لحظة بلحظة، مستفيدة من أعقد الوسائل وأكثرها تطوّراً، تجدنا في العالم الثالث نمضي أكثر أوقاتنا بأعمال رتيبة متكرّرة لا تقوم على أُسس متينة، ومراكزنا البحثية رغم كثرتها ليس لها أيّ ارتباطٍ ببعضها، ولا يعدّ جهد أيّ باحث امتداداً لجهود باحث سابق له. في مثل هذه الظروف كان ينبغي على أولئك الذين يديرون دفة أبحاث العلوم الإنسانيّة أن يكونوا أكثر فاعليّة مما هم عليه، أو  يواصلوا العمل بجديّة أكثر، كي ينعم مجتمعنا بتيّار ومسارٍ بحثي ممنهج تصبّ فيه كل الجهود في حلّ مشاكل محدّدة. وأن يشكل الماضي تمهيداً للمستقبل، وأن يكون المستقبل امتداداً للماضي، وأن يكون كلّ باحث سنداً لباحث آخر، وكل مؤسّسة ظهيراً لمؤسسة أخرى، ويكون الجميع في خدمة دوحة كبيرة ومثمرة في مجال العلوم الإنسانيّة الإسلاميّة.

لا شكّ في كفاءة الإسلام والفرد الإيراني في تقديم العون للإنسانيّة في اكتشاف سبلٍ جديدة من خلال استعراض مجموعة متكاملة من العلوم الإنسانيّة على المستوى العالمي، فإذا أمكننا مدّ العقول ببضاعةٍ فكريّة وثقافيّة ذات جودة عالية، فليس هناك من شكٍّ في أنّ العقول ستعمل على فهمها وتقبّلها. ومن هنا تتجلّى مسؤوليتنا ومسؤوليّة الإسلام والعقل والوجدان، فعلينا أن لا ننسى رسالتنا في هداية الناس وبيان الطريق لهم. ولحسن الحظ إذا كانت عقائد الناس في الأزمنة الغابرة خاضعة لسيطرة الحكومات، فإننا حاليّاً نقترب شيئاً فشيئاً من مرحلة ينعم فيها الناس في جميع أرجاء العالم بحريّة التحديد والاختيار بأنفسهم دون تدخل ضغوطٍ خارجة عن إرادتهم. فإن عملنا على تأسيس مجموعة من العلوم الإنسانيّة القائمة على التعاليم الإسلاميّة والعقل والفطرة لغدا من السهل علينا تعميمها على أجزاء كبيرة من العالم وتصديرها قبل كلّ شيء إلى البلدان الغربيّة التي تقبل على كلّ شيء بذهنيّة منفتحة. ولكن مما لا شكّ فيه فإنّ إنجاز مثل هذا المشروع رهنٌ بتوفر العقول والمعلومات والبحوث والتخطيط والمثابرة. وإننا بحاجة إلى أدوات ومناهج دقيقة ومدروسة. وربما كان من الضروري أن نبدأ العمل من الصفر، فمن غير المهم أن نواصل عملاً غير متكامل الأبعاد، بل المهم أن نباشر العمل.

   الهوامش

(*) أستاذ جامعي، وعضو الهيئة العلمية في جامعة طهران، ورئيس قسم الفلسفة في معهد الثقافة والفكر الإسلامي.

([1]) مذهب يقوم على أنّ الواقع يتألف من عدّة حقائق مطلقة، وأنه ليس هناك تفسيرٌ واحد أو نظريّة واحدة قادرة على تفسير ظواهر الحياة. ]المترجم[.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً