أحدث المقالات

الشيخ علي إلهي الخراساني(*)

ترجمة: نظيرة غلاب

 

مقدمة ــــــ

عمل كاتب مقال «تحقيق حول سليم بن قيس الهلالي»، وانطلاقاً من مجموعة من الكتب في مختلف الفنون، على أن يجري تحقيقاً ميدانياً حول شخصية سليم بن قيس الهلالي. وقد تسلح في هذا التحقيق بنظرة تاريخية وناقدة، ليخلص في النهاية إلى أن اسم سليم بن قيس مجرد اسم بلا مسمى، وأن ما ذكر به في بعض الكتب لا سند واقعياً له.

ما نراه أن سليم بن قيس اسم له ثقله بين المحققين والعلماء، وأقدم كتاب حديثي يرجع وينسب إليه. ومن خلال هذه النسبة فإن القول بأن هذا الشخص لا وجود عيني ولا حضور تاريخي له لا يقتصر على نقد شخصيته، بل يعنى نقد كبراه، وتكذيب أقدم كتاب حديثي، والحكم عليه بالوضع والجعل، وبالتالي ضرب ركن حديثي وإسقاط اعتباره. وهذا ما أراد ان يؤكد عليه كاتب المقال.

ونحن في هذا المقال سنسعى ـ على عكس ما ذهب إليه الدكتور جلالي ـ إلى إثبات صحة الكتاب، ومن ثم وبالتبع حقيقة وجود سليم بن قيس الهلالي، وأنه وجد بالفعل، وكان حقيقة تاريخية. نعم، إثبات وجود سليم وحضوره التاريخي لا يعتمد فقط على كتابه، ولكن في ردّ عدم اعتبار الكتاب دليلٌ كافٍ على وجود سليم. كما أن نقدنا للمقال السابق، والكشف عن اشتباهاته وتناقضاته، طريقٌ نحو هدفنا إلى الاستدلال على وجود سليم في الخارج والوجود العيني.

وأتمنى أن يلقى هذا المقال موقعه لدى محبّي وحماة حرمة الحديث والمحدثين. وهنا لا بّد من التنويه إلى أننا قمنا بعرض هذا المقال على سماحة السيد شبيري الزنجاني، وقد شملنا بلطفه وملاحظاته القيمة، كما نبَّهنا إلى بعض النقاط المهمة في البحث، ونحن في مقابل هذا اللطف نتوجه له بخالص الشكر والامتنان.

 

أدلة عدم الوجود الخارجي لسليم بزعم مؤلف المقال ـــــ

بنى الدكتور جلالي رأيه في عدم وجود قيس الفعلي على دليلين:

الأوّل: التحقيق والبحث في المصادر والمراجع الموجودة في التاريخ، والرجال، والقرآن، والتفسير، والحديث، والسيرة، والمناقب، والتراجم، وغيرها، وخلص من خلالها إلى عدم وجود أي تقرير أو خبر يفيد وجود سليم الحقيقي والواقعي.

والثاني: ملاحظته أن كل مَنْ تحدث عن قيس أو أشار إلى وجوده كان متّكؤه الكتاب المنسوب إليه، والمروي عن طريق أبان بن أبي عياش، الذي تؤكد كل الوثائق والمستندات المعرِّفة به أن أبان هو راويه الوحيد، والاستدلال به يوقع في الدور الباطل، ما يعني عدم معقولية الاستدلال به والاستناد إليه([1]).

لقد فرض علينا منهج الدكتور جلالي اتباع الخطوة التالية: مناقشة الكتب التي استند إليها في تحقيقه، وبعد ذلك سننظر في الكتب الرجالية؛ للاستقراء حول دليله الثاني.

 

الكتب التاريخية ـــــ

في البدء لابد من توضيح كيف يمكن أن يكون كتابٌ تاريخيّ دليلاً في إثبات وجود شخص أو نفيه. فمحض وجود اسم شخص في أحد الكتب التاريخية لا يمكن عدّه حجة في إثبات وجوده العيني، بل لابد أن يتوالى ذكر اسمه بالتفصيل في الكتب التاريخية من الدرجة الأولى، أي المصادر الأم في التاريخ، حتى يتم الاطمئنان إلى وجوده فعلياً، وذلك بلحاظ تجمع القرائن، وتقوية فرض الاحتمال.

أما الأسلوب الثاني المتبع فهو أن يذكر أحد الكتب التاريخية فرداً بأنه وجد في فترة تاريخية، وأن يكون جلّ رواة سند تلك الرواية مورد الاعتبار، ككتاب تاريخ الطبري، وكتاب تاريخ الإسلام، للذهبي، اللذين يعتمدان على الروايات في نقل أخبارهما، مع الإشارة هنا إلى أنه ليس ضرورياً أن يكون هذا السند الصحيح قد ذكر في كتب التاريخ، بل يكفي أن يكون ذلك السند مقبولاً لدى علماء الرجال وكتب الرجال.

وهذا ما يجعل هذا الأسلوب والمنهج عقلائياً معتبراً. فكلّ مَنْ تحدّث عن وجود هذا الشخص يكون مورد اعتماد، وكلّ راوٍ قد بين عمَّن أخذ الخبر، مما يبين أن هذا الإخبار كان عن حسٍّ، وليس عن حدس.

لكن بقراءة تدقيقات الدكتور جلالي تبين أنه لم يكن موفَّقاً في نتائجه في ما يخصّ الأسلوب الأول، أما في ما يخص الأسلوب الثاني، والذي ينظر إلى سند الرواية، فقد كان السند صحيحاً وثابتاً. وهو ما سنعرضه في مبحث الرجال وكتب الرجال.

مع كون سليم قد صاحب خمسة من الأئمة المعصومين^ نجد أنفسنا مجبَرين على طرح التساؤل التالي: كيف لم تتطرق كتب التاريخ لشرح حاله ووصفها؟

و الجواب المفروض لهذا السؤال يتم من خلال المقدمات التالية:

1ـ إن كل الكتب التاريخية، أو كل ما كتب في التاريخ، قد بقي سالماً ولم يوضع منه شيء.

2ـ إن كل الكتب التاريخية كانت مورد بحثنا وتحت أعيننا، ولم يغِبْ عنّا منها شيء.

3ـ إذا كان سليم شخصية واقعية فلابد أن يتم ذكره وشرح حاله في كتب التاريخ.

أما بالنسبة للمقدمتين الأوليين فالجواب عن كونهما غير متحققتين بديهي؛ وذلك لأن القليل من الكتب، مثل: فهرست الطوسي، ورجال النجاشي، بقي سالماً ووصل إلينا، وخصوصاً أن الشيعة كانوا دائماً، وعبر تاريخ الإسلام، ملاحقين من سلاطين الجور والساسة الظالمين، وقد ظلوا ولا زالوا في معرض تعسُّفهم وقهرهم، ولم يسلم من ذلك أيُّ شيء، من النفس، والمال، والكتب، التي تعد إرثاً معرفياً لهذه الأمة. ولعل مكتبة الشيخ الطوسي وما تعرضت له من إحراق وإتلاف دليل واضح لن يمحى على هذه المعاناة. وكذلك ما رواه السيد عبد الحسين شرف الدين أنه في زمن أحمد الجزار ـ الذي كان حاكم جبل عامل ـ كان يؤمِّن وقود أفران الخبز بإحراق كتب الشيعة لشهور طويلة.

أما بالنسبة لصحة المقدمة الثالثة فالظاهر أن سليماً كان راوياً وشخصية تعتني بالروايات، ولم يكن في موقع أو مرتبة كبار الأصحاب، الذين كان لهم وقعٌ تاريخيٌّ مهمّ في أحداث تلك الفترة، فلم يكن قائداً للجيش في صفين أو الجمل أو غيرها، كما أنه لم يكن صاحب منصب فعّال في تلك الأحداث. لذا ليس صحيحاً مقايسته ببعض الصحابة أو الأشخاص الذين لهم دورٌ مباشرٌ في الأحداث. ثم متى كانت كتب التاريخ تذكر كل الذين عاشوا في تلك الفترة؟! فالعديد من صحابة الإمام علي× قد ذكرت كتب التاريخ أسماءهم، لكنها لم تخصّهم بالوصف والشرح.

كما أن هناك احتمالاً آخر، وهو قويٌّ بلحاظ الواقع التاريخي والمذهبي. فسليم بن قيس كان مدوِّناً وراوياً لأحداث حسّاسة في تاريخ الإسلام، كحادثة السقيفة، وظلامة السيدة الزهراء÷، ولأن معظم كتب التاريخ التي تعد من مصادر الدرجة الأولى كانت من قبل المخالف فلا غرو أن يسكتوا عن ذكر اسمه، قاصدين بذلك السكوت عزله عن التاريخ؛ لأنهم متى ما ذكروه أجبروا على الاعتراف الضمني بما نقله من أخبار وأحداث.

ومن اللازم التنبيه إلى أن الدكتور جلالي في تحقيقه حول شخصية سليم قد اعتمد ضمن الكتب التاريخية على كتاب »وقعة صفين»، لنصر بن مزاحم، وكتب حوله يقول: »اختص هذا الكتاب بوصف ونقل أحداث واقعة صفين بين الإمام علي× ومعاوية، وقد ابتدأ من لحظة ورود الإمام علي× مدينة الكوفة، واختتم أبحاثه بعرض أسماء مَنْ سقطوا في هذه المعركة، وقد ذكر مجموعة من أصحاب الإمام علي×، أمثال: عمار بن ياسر (أكثر من ثلاثين مرة)، قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، سهل بن حنيف، هاشم بن عتبة، عمرو بن حمق، ابن عباس، عدي بن حاتم، وخزيمة بن ثابت (كل واحد أكثر من مرة، وفي مواضع مختلفة من الكتاب)، لكن اسم سليم لم يذكر ولو مرة واحدة. ونفس هذه الملاحظات أوردها في بحثه في كتاب «الجمل»، للشيخ المفيد([2]). وقد كتب المؤلف في بعض هوامش مقالته في خصوص نصر بن مزاحم: «نصر بن مزاحم المنقري من أصحاب بعض أئمة الشيعة([3])، من أهالي الكوفة، وصف بعدة أوصاف، مثل: مستقيم الطريقة، وصالح الأمر»، كما ورد فيه النقد، حيث قيل: إنه يروي عن الضعفاء([4]). نسبت إليه عدة كتب، مثل: صفين، الجمل، النهروان، الغارات، المناقب، مقتل الحسين وأخبار المختار([5])([6]).

وقد وقع الدكتور جلالي في المحظور، فلا يوجد كتاب تاريخي  قد ذكر شرحاً لحال نصر بن مزاحم، وإنما اكتفت بذكر اسمه. وقد قال مؤلف المقال المحترم أكثر من مرة: إن مجرد ذكر شخص في بعض الكتب التاريخية لا يعد دليلاً على حضوره التاريخي ووجوده الواقعي، ونتساءل: أليس ما قبله في حال نصر بن مزاحم كان يفرض عليه ـ وبالأولى ـ قبوله في ما يخص سليم بن قيس أم أن أساليب التحقيق والبحث ليست علمية وثابتة، وإنما هي حسب مقتضى الأهواء والرغبات؟!

فما هو الداعي الذي جعله يعترف ويقر بوجود نصر بن مزاحم، ويضع بذلك نفسه في التناقض؟ وكان عليه وفق منهجه أن لا يعترف به، وأن يقول فيه ما قاله في سليم »اسم بلا مسمى، موضوع ومصنوع، ولم يوجد شخص بهذا الاسم في تلك الفترة التاريخية، وإنما هو من صنع أفراد عمدوا إلى كتابة كتاب، ونسبوه إلى موهوم ليتحدث باسمهم»([7]).

ولا يقتصر الأمر على نصر بن مزاحم، بل لو قبلنا بمنهج ونظرية المؤلِّف لأجريناه على كل أسماء مؤلِّفي كتب التاريخ، ولسقطوا كلهم من الاعتبار؛ إذ لم يرِدْ شرح لحال أحدهم أو خبر عنه، وإنما ذكرت أسماؤهم وكتبهم، فهل يشملهم هذا الحكم غير العادل؟! ومن الواضح أنه حين يكون الوجود التاريخي لمؤلِّف كتاب موجود غير ثابت فإن الاستفسار أو الملاحظة حول الكتاب تصبح لغواً وبدون معنى، وبهذا نكون قد استعملنا في قضية نصر بن مزاحم نفس أسلوب صاحب المقال الذي استعمله في حق سليم بن قيس الهلالي.

كتب الرجال ــــــ

سنبيِّن ـ وبشكل مختصر ـ أسلوب كلٍّ من أصحاب الكتب الأربعة، وبعدها سنعرض نظر مؤلِّف المقال في كل واحد من هذه الكتب، من خلال ما أوردوه في سليم بن قيس:

 

اختيار معرفة الرجال، للشيخ الطوسي (رجال الكشي) ـــــ

بعد أن يذكر اسم كل راوٍ يورد في هامشه روايات ـ بسندها ـ في الراوي المذكور. من هنا يتضح أن مبنى المؤلف في هذا الكتاب كان ذكر الروايات التي وردت في مدح أو قدح الرجال، ولم يتعرض لترجمة أيٍّ من الرواة بدون ذكر الروايات فيه.

وما استخلصه صاحب المقال من هذا الكتاب في ما يخص سليم عبَّر عنه بقوله: لقد ذكر الشيخ الطوسي سليم بن قيس ثلاث مرات، وذلك بمناسبة نقله لروايات عنه([8])، ولكنه لم يخصِّصه بأي خبر أو شرح لحاله بشكل مستقلّ، يمكن أن نعتبره سنداً تاريخياً يثبت وجود سليم العيني([9]).

ومن خلال ما بينّاه بشكل مختصر عن مبنى المؤلف في رجال الكشي يتبين أن ما ذهب إليه مؤلف المقال لم يكن في محلّه، ونراه قد وقع في الخطأ والاشتباه.

 

رجال النجاشي ــــــ

بحكم أكثر المحقِّقين وعلماء الرجال فإن النجاشي هو أكبر علماء هذا الفن، وأكثرهم تخصُّصاً فيه، مع إحرازه السبق فيه على باقي العلماء الرجاليين. فقد كان ناقداً لم يرقَ أحدٌ إلى درجته، بل كان أكثر دقة في عرض آرائه وتقريراته حول الرجال، وفاق في ذلك العديد من فطاحلة هذا العلم، أمثال: الطوسي؛ والعلامة الحلي. كان له اطلاع ومعرفة كثيرة بالرجال، بأوصافهم وأنسابهم، كما أنه كان أكثر إلماماً بأحوالهم، ولا أحد يمكن أن يتخطى مقالة النجاشي في أحد الرجال أو يتجاوزها([10]).

وفي هذا الكتاب الجرح مستقل عنه التعديل، مستتبع ببيان، كما أن النجاشي يذكر طريقه لكل راوٍ.

في بداية الكتاب يقول النجاشي:…أنا أذكر المتقدمين في التصنيف من سلفنا الصالح، وهي أسماء قليلة([11]).

وبعد ذلك يذكر ستة أسماء، من بينهم: »سليم بن قيس»، بعنوان الطبقة الأولى([12])، وبعد ذلك يبدأ في شرح أحوال الرواة وفق الترتيب الألفبائي.

نظر صاحب المقال لهذا الكتاب وقال: في المرة الأولى ذكر اسم وكنية سليم، وقال: إن لديه كتاباً، وبعدها بيَّن طريقه إلى كتاب سليم. النجاشي توفي عام450هـ، يعني في النصف الأول من القرن الخامس، مع وجود احتمال قوي في أنه عاش بعد هذا التاريخ عشرات السنين، بينما تواجد سليم ـ حسب كتابه ـ في القرن الأول الهجري، مما يعني أن بين النجاشي وأول رواة كتاب سليم وسائط متعددة، وقد سماهم جميعاً([13]). وفي المرة الثانية التي ذكر فيها في رجال النجاشي كان في هامش ترجمة «هبة الله بن أحمد بن محمد الكاتب، المعروف باسم «ابن برنية». عن سليم: «هبة الله بن أحمد…. قد سمع كثيراً، وأخذ من هنا ومن هناك، وأنه عاش في محضر أبي الحسين بن شيبة العلوي الزيدي، وقد كان له كتابٌ… مع الإشارة إلى أن النجاشي لم يذكر أي خبر أو شرح حول حياة سليم أو ما يثبت أنه كان موجوداً بالفعل، وأنه كان على قيد الحياة ما بين سنة 14هـ (السنة التي ادعى فيها حضوره بالمدينة) وسنة 76هـ (السنة التي ادعي فيها وفاته في نوبندجان فارس)، أو أي تقرير حوله([14]).

يظهر من هذا القسم من كلام صاحب المقال أن النجاشي قد ذكر واسطته إلى كتاب سليم، وإذا كانت هذه هي الواسطة بين النجاشي وكتاب سليم فبلحاظ البعد الزماني بين الشخصين يصبح هذا الدليل فاقداً للاعتبار، وهذا الطريق إلى سليم بدون أي معنى. هذا هو رأي صاحب المقال. وهذا لعمري اشتباهٌ وخطأ كبير من صاحب المقال، فلو أن النجاشي ذكر كتاب سليم من دون أن يذكر طريقه إليه فما كان ليقبل قوله مطلقاً؛ وذلك للبعد الزماني بين النجاشي وسليم، بينما الشيخ النجاشي قد بيَّن طريقه، وذكر عمَّن سمعه، وهكذا، إلى أن وصل إلى زمن سليم: «أخبرني علي بن أحمد القمي قال: حدثنا محمد بن الحسن بن الوليد قال: حدثنا محمد بن أبي القاسم ماجيلويه، عن محمد بن علي الصيرفي، عن حماد بن عيسى وعثمان بن عيسى، قال حماد بن عيسى: وحدثنا إبراهيم بن عمر اليماني، عن سليم بن قيس، بالكتاب»([15]).

فإذا كان منظور صاحب المقال »أن الواسطة بين النجاشي وكتاب سليم متعددة» فلازم قوله نظرياً أن الآلاف من الأحاديث والروايات الموجودة في الكتب الأربعة، وباقي الجوامع الحديثية الشيعية، وكذا كتب التاريخ، والتي تذكر حوادث ووقائع بعيدة بمئات السنين عن تاريخ المؤلف، والمذكورة بسندها وسلسلة رواتها، هي بهذا اللحاظ فاقدة للاعتبار، ولا يحتج بها في إثبات وجود شخص أو نفيه.

أما أن النجاشي لم يخصّ سليماً بتقرير تاريخي أو خبر مستقلّ فهو انتظار في غير محله، وكلام خارج عن المعايير العلمية لهذا الكتاب، وهو مخالف لمبنى وأسلوب كتب الرجال. أما كونه لم يخصّ سليماً بخبر عن أحواله في هذا الكتاب فمع ملاحظة أن النجاشي قد ذكر اسم سليم ضمن الطبقة الأولى، وبيَّن طريقه إلى كتاب سليم، يكون كلام صاحب المقال فارغاً من أي معنى. إضافة إلى أنه كيف يمكن لعالم في مرتبة النجاشي، ومع ما له من دراية وفراسة في معرفة الرواة، وقد كتب كتابه «الرجال» بتنسيق مع فطاحل العلم وأسوده، أمثال: أحمد بن الحسين الغضائري، والشيخ أحمد بن علي السيرافي، وابن الجندي، وغيرهم، أن يكتب عن شخص موهوم ومجعول، وأن يتحدث عن طريقه إلى كتاب موضوع؟!

 

الرجال والفهرست، للشيخ الطوسي ــــــ

أما كتاب الرجال فالشيخ الطوسي اعتنى فيه بعرض أسماء صحابة النبي الأكرم| والأئمة^ بحسب طبقاتهم، ولم يتطرق إلى الحديث في وثاقتهم أو ضعفهم، أو الحديث عن كتبهم.

وفي هذا الكتاب أورد الشيخ الطوسي اسم سليم بن قيس ضمن صحابة: أمير المؤمنين علي، والإمام الحسن، والإمام الحسين، والإمام زين العابدين، والإمام محمد الباقر^([16]).

أما أسلوب الشيخ في الفهرست فقد تطرق إلى ذكر أصول ومصنفات الشيعة وأصحابهم وفق الترتيب الألفبائي، كما بيَّن طرقه إلى تلك الكتب والمصنَّفات، بدون أن يلحقها بحديث في الجرح والتعديل. وقد رأينا كيف أورد الشيخ اسم كتاب سليم بن قيس، وذكر أن له طريقين إليه بين أسماء الواسطة فيها([17]).

وقد كتب صاحب المقال في خصوص فهرست الطوسي قائلاً: في هذا الكتاب نجد الشيخ الطوسي قد ذكر اسم سليم مرة واحدة، وبعد أن ذكر كنيته (أبو صادق)، وأن له كتاباً، أخذ في تبيين طريقه إلى الكتاب، لكنه لم يورِد أي خبر أو معلومات عن سليم نفسه، تفيد أن سليماً قد تواجد بالفعل في تلك الفترة، وأنه كان حاضراً تاريخياً([18]).

وفي ما يخص كون الواسطة بين الشيخ الطوسي وسليم متعددة؛ وذلك بسبب البعد الزمني بينهما، فقد أجبنا عن هذا الإشكال حين تحدثنا عن كتاب رجال النجاشي.

أما في ما يخص مسألة عدم إتيان الشيخ الطوسي بخبر يشرح فيه حال سليم بن قيس، سواء في كتابه الرجال أو الفهرست، فالجواب أن أسلوب الشيخ الطوسي في الكتاب كان واضحاً بالنسبة إلى جميع مَنْ ذكرهم بالاسم، فهو في ذيل ذكره لأيّ اسم من تلك الأسماء لا يورد أي تحقيق أو جرح أو تعديل. فالمسألة لم تقتصر على سليم لوحده، إذاً فلا معنى لقول صاحب المقال ولنظره.

أما بالنسبة لكتاب الفهرست فقد بينّا أن الشيخ الطوسي عمل في هذا الكتاب على بيان طرقه إلى أصحاب الأصول والمصنفات، ولم يستطرد بتحقيق تاريخي حول حالهم أو كلام في الجرح والتعديل. ولا نرى إلا أن نظر صاحب المقال قد خرج عن ميزان العلمية، فكيف ينتظر من الكتابين شيئاً لم يخصّا به أشخاصاً كثيرين، وأراد الاستثناء بالنسبة لسليم؟! وإن نظر صاحب المقال هنا، وفي كتاب النجاشي، ينبئ عن كونه غير مطلع بالقدر الكافي على أصول وأسس الكتب الأربعة، ممّا يجرِّده علمياً من مقام إصدار الأحكام في وجود أو عدم وجود شخص من الشخصيات الروائية؛ لأننا لو أردنا اتباع نظره في أن مجرد ذكر اسم شخص في كتب الرجال، أو ذكر كتاب، لا يعدّ دليلاً على وجوده الخارجي، لحكمنا على مئات، بل آلاف، الرواة بأنهم أسماء بدون مسمى، وأنها أسماء موضوعة، وكتبهم مجعولة!! ولا معنى للاستثناء، فما يجري على سليم في الكتب الأربعة يجري على غيره من الرواة وأصحاب الأصول والمصنَّفات، فهل يريد منا صاحب المقال أن نرمي كل تلك الأسماء وتلك الكتب وراء ظهورنا، ونتخلص منها بهذه البساطة؟!

 

سليم في كتب الرجال الأخرى ـــــ

رجال البرقي ــــــ

يُعدّ الشيخ أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي من أصحاب الإمام الجواد والإمام الهادي’، وقد عاش إلى حدود أربعة عشرة سنة بعد شهادة الإمام الحسن العسكري×. وقد نظم كتابه وفق طبقات الرواة، ولم يستطرد بأي تحقيق أو بحث حول الرواة.

وقد ذكر الشيخ البرقي اسم سليم، وعدّه من أصحاب الأئمة: أمير المؤمنين والحسن والحسين والباقر^([19]).

 

رجال ابن الغضائري ــــــ

قال ابن الغضائري في كتابه (الضعفاء) حول سليم: «سليم بن قيس الهلالي العامري: روى عن أبي عبد الله والحسن والحسين وعلي بن الحسين^. وينسب إليه الكتاب المشهور، وكان أصحابنا يقولون: إن سليم لا يعرف، ولا ذُكر في خبر. وقد وجدت ذكره في مواضع من غير جهة كتابه، ولا رواية أبان بن أبي عياش. وقد ذكر له ابن عقدة في «رجال أمير المؤمنين×» أحاديث عنه. والكتاب موضوع لا مرية فيه، وعلى ذلك علامات تدلّ على ما ذكرنا، منها: ما ذكر من أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت. ومنها: أن الأئمة ثلاثة عشر، وغير ذلك. وأسانيد هذا الكتاب تختلف تارةً برواية عمر بن أذينة، عن إبراهيم بن عمر الصنعاني، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم؛ وتارة عن عمر، عن أبان، بلا واسطة»([20]).

وقد عمل صاحب المقال على ترجمة بعض ما جاء من هذه العبارات، وأضاف قائلاً: في قراءة لرأي وأقوال ابن الغضائري يتبين أنه في كل الميراث الحديثي الشيعي، أو لا أقل في ما وصل إلينا، لا يوجد أي خبر عن سليم. كما أنه لا خبر منه عن نفسه، باستثناء ما نسب إليه عن طريق كتاب سليم، الذي لم يروِه أحد غير ابن أبي عياش([21]). وقد عد كتاب سليم ضمن المشهور بالمنكرات، كما أورد نظره ونظر المعنيين من الشيعة في كتاب سليم، وقالوا: إنه موضوع ومجعول([22]).

وجوابنا يبتدئ من التحقيق في صحة نسبة كتاب (الضعفاء) إلى ابن الغضائري.

وقد كتب في هذا الشأن الشيخ باقر الإيرواني، فقال: »هو ابن الغضائري أحمد بن الحسين بن عبد الله الغضائري. وقد كان أحمد ابن الغضائري صديقاً لكلٍّ من الطوسي والنجاشي، وتتلمذوا معاً على يد والد أحمد، يعني عبيد الله الغضائري.

ذكر الشيخ الطوسي في مقدمة الفهرست أن لابن الغضائري كتابين: الأول: في ذكر المصنفات؛ والآخر: في الأصول. وأضاف: إنه لا أحد من أصحابنا قام باستنساخ هذين الكتابين، وقد مات أحمد ابن الغضائري موت الفجأة، وعمد بعض ورثته عن طريق العمد إلى إتلاف هذين الكتابين، ولم يقعا في أيدي غيرهم.

ومع وجود هذا الخبر فقد نقل العلامة الحلي والسيد ابن طاووس عن هذا الكتاب. أما ما يلزم من قوله في هذه الحال فهو أنه لا يمكننا الاعتماد على نقل العلامة والسيد ابن طاووس؛ إذ كيف تمكّنا من الحصول على كتاب رجال ابن الغضائري، في حين أن الشيخ الطوسي ـ وهو من أصحابه ـ يؤكِّد أن كتابيه قد أتلفا، ولم يبقَ لهما أثر؟!

وحتى لو تسامحنا وغضضنا الطرف عن كلام الشيخ الطوسي فإنه لا يمكن أن نعتمد على نقل العلامة والسيد ابن طاووس؛ لأنهما لم يذكرا طريقهما إلى هذا الكتاب، ولم يعرِّفا بها. ونحن نتساءل: لماذا لم يذكرا طريقهما إلى الكتاب حتى نعرف إن كانت صحيحة أو ليست كذلك؟ ونرى إن كانت مورد الاعتماد أم لا؟

أما قول البعض: إن ابن الغضائري كان مكثراً في قدح الأشخاص، وقليل هم الذين سلموا من قدحه وتجريحه، وهو ظاهر في تضعيفاته، فإن رأينا ـ وبكل بساطة ـ في هذا الكلام أنه في الوقت الذي تبين أن كتابي ابن الغضائري قد أتلفا، ولا أحد يملك نسخة عنهما، يصبح هكذا كلام لغواً، ولا قيمة له من الأصل»([23]).

وكذلك كتب السيد الخوئي& في كتابه النفيس «معجم رجال الحديث»، فقال: «وأما الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائري فهو لم يثبت، ولم يتعرض له العلامة في إجازاته، وذكر طرقه إلى الكتب، بل إن وجود هذا الكتاب في زمان النجاشي والشيخ أيضاً مشكوك فيه؛ فإن النجاشي لم يتعرض له، مع أنه في صدد بيان الكتب التي صنفها الإمامية، حتى أنه يذكر ما لم يره من الكتب، وإنما سمعه من غيره، أو رآه في كتابه، فكيف لا يذكر كتاب شيخه الحسين بن عبيد الله أو ابنه أحمد. وقد تعرض لترجمة الحسين بن عبيد الله وذكر كتبه، ولم يذكر فيها كتاب الرجال، كما أنه حكى عن أحمد بن الحسين في عدة موارد، ولم يذكر أن له كتاب الرجال. نعم، ذكر الشيخ في مقدمة فهرسته أن أحمد بن الحسين كان له كتابان، ذكر في أحدهما المصنفات، وفي الآخر الأصول، ومدحهما، غير أنه ذكر عن بعضهم أن بعض ورثته أتلفاهما، ولم ينسخهما أحد.

والمتحصِّل من ذلك أن الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائري لم يثبت، بل جزم بعضهم بأنه موضوع، وضعه بعض المخالفين، ونسبه إلى ابن الغضائري«([24]).

وقد تحدث العلامة الشيخ آغا بزرگ الطهراني& هو الآخر عن تحقيقه المفصَّل حول نسبة كتاب الضعفاء إلى ابن الغضائري([25])، وكان كلامه في خاتمة بحثه. قال: «وما ذكرناه هو الوجه للسيرة الجارية بين الأصحاب قديماً وحديثاً من عدم الاعتناء بما تفرد به ابن الغضائري من الجرح؛ فإن ذلك لعدم ثبوت الجرح، لا لعدم قبول الجرح عنه كما يسبق إلى بعض الأذهان». وبناء على كل هذا يتبين لنا أن نقل ما ورد في كتاب الضعفاء حول سليم بن قيس، ونسبته إلى ابن الغضائري، من جانب صاحب المقال، لا اعتبار له. أما ما قيل في أن علامات الوضع ظاهرة على كتاب سليم، نقلاً عن الضعفاء، فقولنا هو ما قاله علماؤنا الكبار، أمثال: المجلسي الأول([26])، وفاضل التفريشي([27])، والحر العاملي([28])، والعلامة المجلسي([29])، والوحيد البهبهاني([30])، والعلامة المامقاني([31])، والسيد محسن الأمين([32])، والسيد الخوئي([33])، وأخيراً الشيخ محمد تقي التستري([34])، الذين فصلوا في الجواب، بحيث لم يبقَ معه أي حرف للحديث عن علامات الوضع تلك في الكتاب.

ورغم محاولة صاحب المقال التركيز في كلام ابن الغضائري على العبارة التي نفى فيها وجود سليم، إلا أن ابن الغضائري أقرّ بعد ذلك أنه تعرف على سليم من طرق أخرى، غير طريق أبان بن أبي عياش، وهو تقدم إيجابي مع فرض صحة كتاب الضعفاء. هذا في إثبات وجود سليم.

وأما قوله في تقييم كلام ابن الغضائري، وقوله: إنه يكفي دليلاً على أن سليم لم يوجد في الخارج، وإنما هو من وضع الوضّاعين، وأن كل ما ذكر به كان من طريق راوي الكتاب الوحيد أبان بن أبي عياش، فإننا نرى وكأن صاحب المقال لم يفهم كلام ابن الغضائري كاملاً، أو أنه اعتنى بما يريد، وغضّ الطرف عن باقي كلام ابن الغضائري.

وإذا كان صرف النقل من كتاب الضعفاء، أو مدح رجلين له، مع عدم وجود أي تقرير أو خبر يثبت الوجود التاريخي للغضائري مقبولاً لديه، فما هو المانع أن يقبله في حق سليم، وكأن باء الغضائري تجرّ وباء سليم لا تجرّ؛ لأن كتاب سليم موجود لدينا، وقد نقل عنه محدِّثون كبار، كما أن هناك من العلماء ذوي الثقل من امتدحوا سليماً. واقتداءً بمنهج صاحب المقال في ابن الغضائري، وغيره من الشخصيات التي احتجّ بها في مقاله، نقول ـ وبثبات ـ: إن سليم شخصية واقعية، ولها حضورها التاريخي الفعلي. وهنا سؤال يفرض نفسه بإلحاح: كيف جعل صاحب المقال وجود ابن الغضائري أمراً مسلماً بينما في حق سليم ذهب يتقصى كتب التاريخ والرجال والحديث، وهلمّ جرا؛ سعياً منه ـ كما قال ـ للبحث عن خبر خاص ومستقلّ يثبت وجود سليم، وذلك وفق منهج وأسلوب كان سخياً في التخلي عنه في حقّ العديد من الشخصيات، التي لها نفس خصوصيات سليم بن قيس، وكأنه قد نسي أن أي منهج وأسلوب لا يكون علمياً إلا إذا التزم صاحبه الموضوعية والحياد. لقد ذكر اسم سليم في العديد من كتب الرجال ـ وسوف نذكر بعضها في محله ـ وامتدحوه بعدة أوصاف، نذكر منها: »ثقة جليل القدر، عظيم الشأن«، و»من صلحاء الأمة المنصفين في الدين«. كما حكموا بعدالته وصحة كتابه، بل لابدّ من الإشارة إلى هذه النقطة؛ لأهميتها القصوى، وهي أن أحداً من العلماء طوال اثني عشر قرناً لم ينكر وجود سليم بن قيس الهلالي، أما ما نسب إلى ابن الغضائري فلا اعتبار له. وعجيب أن يصدر هذا الكلام في نفس الكتاب الذي ينقل كلام ابن عقدة من كتابه »رجال أمير المؤمنين׫، والذي يعد من القدماء (ولد سنة 249هـ، وتوفي سنة333هـ([35]))، ووثاقته مورد قبول جميع العلماء. حيث أورد في سليم: وقد ذكر له ابن عقدة في »رجال أمير المؤمنين׫ أحاديث عنه([36]).

ومن كتب الرجال التي ذكرت اسم سليم نذكر على سبيل التذكرة: الفوائد الرجالية، لمحمد إسماعيل المازندراني الخواجوي([37])؛ ورجال العلامة الحلي([38])؛ والوجيزة، للمجلسي([39])؛ نقد الرجال، للتفريشي([40])؛ ومنتهى المقال، لأبي علي الجابري([41])؛ وتنقيح المقال، للعلامة المامقاني([42])؛ ومعجم رجال الحديث، للسيد الخوئي([43])؛ وقاموس الرجال، للتستري([44])؛ ومستدركات علم رجال الحديث، للشاهرودي([45]).

أما كتاب أصول علم الرجال للشيخ مسلم الداوري ـ وهو من تلامذة السيد الخوئي، وله شهرة وخبرة واسعة بعلم الرجال ـ فقد أورد مطالب مهمة حول سليم بن قيس، وسنتعرض لمقاطع منها.

أما جوابنا على الدليل الثاني الذي اتكأ عليه صاحب المقال في نفي وجود سليم، حيث قال: إنه ليس هناك طريقاً آخر إلى كتاب سليم غير طريق أبان بن أبي عياش، مع أننا سنبين أن هناك طرقاً صحيحة أخرى لهذا الكتاب، فهو: إن مؤلف كتاب سليم هو سليم بن قيس الهلالي، وهو من الأجلاء والثقات…. اختلفت الأقوال حول كتابه، فقال البعض: إنه أكبر أصل حديثي شيعي. فالنعماني (من علماء القرن الرابع الهجري) يعتقد أن كتاب سليم من أكبر الأصول التي تعتقد بها الشيعة، وترجع إليها في الحديث؛ وأما نظر ابن الغضائري فهو أنه كتاب موضوع بدون تردُّد، وعلامة الوضع ظاهرة عليه؛ وأما الشيخ المفيد فقد اتخذ موقفاً وسطاً بين القولين، وقال، حين رد الروايات التي رواها الشيخ الصدوق عن كتاب سليم: »معنى الروايات صحيح، أما الكتاب فليس مورد اطمئنان؛ وذلك لأنه خلط بين الصحيح وغيره، وكأن يد الوضع قد طالت الكتاب، فخلطت بين الروايات. ولكي نعرف الصحيح من الموضوع لابد من تطهير رواياته، وفصل الصحيحة عن غير الصحيحة«.

ومن هنا يتبيَّن أن نسخ الكتاب مختلفة، وهذا الاختلاف كان سبباً مباشراً في اختلاف آراء العلماء حوله. لكن يجب التذكير أن الشيخين النجاشي والطوسي حين تعرَّضا لكتاب سليم لم يذكرا شيئاً عن الوضع والجعل فيه، وهذا يكشف عن أن الكتاب ليس موضوعاً.

أما حول الطرق إلى الكتاب فقد قال العقيقي: إن الطريق الوحيد لكتاب سليم هي طريق أبان بن أبي عياش. لكن ما لوحظ من كلام الشيخين الطوسي والنجاشي أن له طرقاً أخرى متعددة، فقد قالا: إن عثمان بن عيسى وحماد بن عيسى وحماد بن عثمان رووا الكتاب عن إبراهيم بن عمر اليماني، ورواه بدوره عن أبان، وكذلك رواه عن إبراهيم الذي رواه عن سليم. أما روايات »البصائر« و »الاختصاص« فقد ورد في سندها أنّ للشيخين النجاشي والطوسي طريق إلى الكتاب عن علي بن جعفر الحضرمي، والذي رواه عن سليم بن قيس. كذلك يوجد في الكافي حديثان فيهما: إبراهيم بن عثمان وإبراهيم بن عمر اليماني، عن سليم([46]). ليتبين أن أبان بن أبي عياش لم يكن منفرداً برواية كتاب سليم، وبالتالي فكلام العقيقي لم يكن صحيحاً.

وحتى لو كان الطريق منحصراً في أبان، وهو سبب ضعفه، فلتعدد طرقه ـ وهو الواقع ـ يصبح الكتاب معتبراً؛ وذلك لأن إحدى الطرق تنتهي بإبراهيم بن عمر اليماني، وهو ثقة معتبر، إلا أن في طريق الشيخ النجاشي والطوسي محمد بن علي الصيرفي، وهو ضعيف. لذا تكون طريق النجاشي والطوسي إلى كتاب سليم ضعيفة. نعم، إذا كان الكتاب متواتراً فلن يكون في حاجة إلى طريق، لكن والحال غير ذلك لا نستطيع الاعتماد والاستناد إلى هذا الكتاب، رغم ذهاب الحر العاملي، صاحب (وسائل الشيعة)، إلى اعتبار الكتاب، وقال بالاعتماد عليه.

لكن يجب القول: إنه وبعد تتبُّع الإجازات وجدنا أن هناك طريقاً آخر للحر العاملي إلى الكتاب غير طريق فاضل المشهدي في إجازاته، وهو نفس الطريق إلى الكليني([47])، لكنّ هذه الطريق تنتهي إلى أبان بن أبي عياش ـ وهو ليس ثقة ـ. أما في ما سبق من الأبحاث، وحين كنا نتحدث عن أن أحد مشايخ النجاشي له طريقان إلى الكتاب: واحدة منها معتبرة، ولم نذكر اختلاف النسخ، لذا يمكننا إعادة تركيب الإسناد، ويصبح الكتاب بذلك صحيحاً ومورداً للاعتبار. تصحيح الرواية يكون بواسطة رواية حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر، عن سليم، وهي طريق صحيحة، وقد ذكرها النجاشي بواسطة الصيرفي([48]). أما طريق الكليني فهي صحيحة إلى أن تنتهي إلى حماد، وبعده إلى أبان ضعيفة، من هنا نعرض عن صدر سند النجاشي، الذي يشتمل على الصيرفي، ونضع ذيل سند النجاشي ـ ما بعد حماد ـ في مكان سند الكليني.

وبعبارة أيسر: المشترك بين السندين هو حماد بن عيسى، إذاً فما قبل حماد نضع في مكانه سند الكليني، وما بعد حماد نضع في مكانه سند النجاشي، وبهذا يصبح لدينا سنداً صحيحاً مورد القبول([49]).

كما أن شرح حال سليم قد ذكر في كتاب (الذريعة)، الذي يعتبر من فهارس المصنَّفات العمومية. وذكر كذلك في كتاب (أعيان الشيعة)، الذي يُعدّ من التراجم العامة([50])، لكنّ صاحب المقال أغفل ذكرهما، ولم يُشِرْ إلى ما ورد فيهما من شرح أحوال سليم.

 

الكتب الحديثية ـــــ

من بين الكتب التي اعتمد عليها صاحب المقال في إجراء تحقيقه حول سليم بن قيس الكتب الأربعة، وبعض المصادر العامة في الحديث الشيعي، وبيَّن أن هذه الكتب قد نقلت روايات من كتاب سليم([51])، وخرج من بحثه في كل هذه الكتب التي ذكرت سليماً بأنها لم تورد تقريراً أو خبراً يثبت وجود سليماً على أرض الواقع.

ونفس الخطأ الذي ارتكبه في بحثه في كتب الرجال يأتي مرة ثانية ليعيده في كتب الحديث؛ فأن تأتي هذه الكتب جميعها بتقرير حول سليم أمر مخالف لمنهجها ومبانيها. فـ (التهذيب) و(الفقيه) كتابان فقهيان، وكتاب (الكافي) اعتقادي وفقهي، وكتاب (الخصال) أخلاقي واعتقادي، وكتاب (كمال الدين وتمام النعمة) كتاب اعتقادي حول الإمام الرضا×. وما يبعث على التعجُّب هو أن صاحب المقال يريد من هذه الكتب أن تشرح حال سليم، وتثبت وجوده التاريخي!! صاحب المقال، وفي بحثه ضمن قسم المصادر العامة في الحديث الشيعي، أورد حكم ابن أبي الحديد حول سليم، حيث قال: أما رواية سليم فليست ذات أهمية، وقد عرف مذهب سليم وكتابه الذي عرف بينهم باسمه، ويكفي رد رواياته، ومع هذا فإني قد سمعت من أحد الشيعة أن هذا الاسم بدون مسمى، ولا يوجد في العالم أحد يعرف بسليم بن قيس الهلالي، والكتاب المنسوب إليه موضوع عليه، ولا أساس له، وقال بعض آخر من الشيعة: إنما أوردوه ضمن أسماء الرجال([52]). وفي البداية يجب أن نرى في أي قسم من أقسام كتابه أورد هذا الكلام؟ وبعد ذلك ما هي الروايات التي نقلها، ولم يقبلها؟ لقد خصّص الجزء الثاني عشر من شرح نهج البلاغة للحديث عن حياة عمر بن الخطاب، وما زعم له من مناقب وفضائل. كتب ابن أبي حديد في هذا الجزء، وتحت عنوان: »فصل في ذكر ما طعن به على عمر، والجواب عنه«، كتب يقول: نذكر في هذا الموضع ما طعن به على عمر في »المغني« من المطاعن، وما اعترض به الشريف المرتضى على قاضي القضاة، وما أجاب به قاضي القضاة في كتابه المعروف بـ »الشافي«، ونذكر ما عندنا في البعض من ذلك([53]). وبعد هذا أورد عشرة طعون مما ذكره مَنْ طعن به على عمر، ثم عمل على ردها والجواب عنها. أما الطعن الخامس على عمر فكان على الشكل التالي: إنه كان يعطي من بيت المال ما لا يجوز، حتى أنه كان يعطي عائشة وحفصة عشرة آلاف درهم في كل سنة، ومنع أهل البيت خمسهم الذي يجري مجرى الواصل إليهم من قبل رسول الله|، وإنه كان عليه ثمانون ألف درهم من بيت المال على سبيل القرض([54]).

وبعد ذلك أورد جواب قاضي القضاة في هذا الطعن، واعتراض السيد المرتضى على هذا الجواب، وضمن هذا الاعتراض كانت روايات عن سليم استند إليها السيد المرتضى في ردّه.

اعترض المرتضى فقال: أما تفضيل الأزواج فإنه لا يجوز؛ لأنه لا سبب فيهنّ يقتضي ذلك… فأما الخمس فهو للرسول ولأقاربه، على ما نطق به القرآن، وإنما عنى تعالى بقوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (الأنفال: 41) مَنْ كان من آل الرسول خاصة؛ لأدلة كثيرة لا حاجة بنا إلى ذكرها هاهنا. وقد روى سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت أمير المؤمنين× يقول: نحن والله الذين عنى الله بذي القربى، قرنهم الله بنفسه ونبيه|، فقال: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (الحشر: 7)، كل هؤلاء منّا خاصة، ولم يجعل لنا سهماً في الصدقة، أكرم الله تعالى نبيه وأكرمنا أن يعطينا أوساخ ما في أيدي الناس([55]).

وبعد هذا نجد ابن أبي الحديد يسعى في التفصيل أكثر في اعتراضه على ذلك الجواب، فيقول في رواية سليم: فأما رواية سليم بن قيس الهلالي فليست بشيء، وسليم معروف المذهب، ويكفي في ردّ رواية كتابه المعروف بينهم، المسمّى كتاب سليم. ليبين بعد ذلك أن الكتاب المنسوب إلى سليم منخور وموضوع، ولا أصالة له([56]).

والواضح من كلام ابن أبي الحديد، الذي كان سني المذهب، أن سليماً وأمثاله من الشيعة، ومذهبهم معروف غير خفي، وأن الاعتماد على أقوالهم محكومٌ بالبطلان.

والروايات التي استدل بها الشريف المرتضى، بالإضافة إلى وجودها في كتاب سليم([57])، موجودة في كتب أخرى للحديث، كالكافي([58])، وتهذيب الأحكام([59])، ووسائل الشيعة([60]).

أما إن كان مقصود »ذي القربى« عند علماء الشيعة جليلي القدر هو ما ورد في الرواية المرويّة عن سليم، فالشيخ الأعظم الأنصاري& يقول: المشهور بين أصحابنا هو أن المراد بذي القربى هو الإمام×، وهو المحكيّ عن المشايخ الثلاثة، وابن زهرة، وابن حمزة، وابن إدريس، والفاضلين، والشهيدين، والمحقق الثاني، وغيرهم. وعن الانتصار: دعوى الإجماع عليه. وعن مجمع البيان وكنز العرفان: إنه قول أصحابنا. وعن مجمع البحرين: إنه الظاهر من الفقهاء الإمامية.

ويدل عليه ما تقدّم من موثَّقة ابن بكير، والمرفوعة، والمرسلة، ورواية سليم بن قيس الهلالي في تفسير الآية، وفيها: »نحن والله عنى بذي القربى«، وغير ذلك من الأخبار، التي لا يقدح ضعف سندها بعد الانجبار بما عرفت من الشهرة المتحقِّقة، حيث لم ينسب الخلاف إلا إلى ابن أبي الحديد، بل عن الانتصار: الإجماع عليه، وعن الشيخ: نسبته إلينا، وعن كنز العرفان ومجمع البحرين: نسبته إلى أصحابنا([61]).

وبناءً عليه إذا كنا شيعة اثني عشرية، ومن أتباع أمير المؤمنين×، فالمفروض فينا عدم قبول كلام ابن أبي الحديد في خصوص رواية سليم، والذي هو ضد الشيعة، وأن لا نوليه أيّ قدر من الاعتبار، وأن لا نرى لحكم ابن الحديد في شأن سليم أية قيمة؛ لأنه لم يكن ليكون منصفاً في الحكم عليه وهو يعلم مذهبه.

وللأسف فصاحب المقال قد نقل كلام ابن أبي الحديد السني المعتزلي من دون أي تعليق أو نقد، بينما نجده يحمل على كلام كبار علماء الشيعة في سليم بن قيس، ويطالبهم بتقرير خاص يشرح حال سليم، ويوجه في كل مرة نقده إليهم وإلى آرائهم، ليخرج في آخر المطاف في ختام مقاله بحكم يفتقد كلّ مقومات الدعوى، ويقول: إن سليم بن قيس اسمٌ في التاريخ بلا مسمّى، وإن الكتاب من صنع الوضاعين.

والذي ظهر لنا من خلال دراستنا الجادة لمقال الدكتور جلالي أن ما زعمه نتيجة حتمية لدراسته وتحقيقه لم يكن في الحقيقة نتيجة، بل كان الفرض الذي انطلق منه، وبنى عليه تحقيقه. فقد أراد أن يثبت أن سليماً صناعة الوضّاعين، وكتابه موضوع ومجعول، فسعى بأخذه من الأدلة ما يثبت ذلك، وهذا ما سيلاحظه العارف بكل تلك الكتب التي استدلّ بها.

الهوامش:

(*) باحث وأستاذ في الحوزة العلمية.

([1]) عبدالمهدي جلالي، مقالة بعنوان: تحقيق حول سليم بن قيس الهلالي، حقيقة تاريخية أم صناعة وجعل؟، مجلة مطالعات إسلامي، العدد 6: 121.

([2]) المصدر السابق: 110.

([3]) رجال الطوسي: 147.

([4]) رجال النجاشي: 427 ـ 428.

([5]) رجال النجاشي: 428، الفهرست: 255.

([6]) عبدالمهدي جلالي، المصدر السابق: 110.

([7]) المصدر السابق:  122.

([8]) اختيار معرفة الرجال 1: 321 ـ 322.

([9]) عبدالمهدي جلالي، المصدر السابق: 11.

([10]) للمزيد من الاطلاع على الكتاب يرجع إلى: جعفر السبحاني، كليات في علم الرجال: 60 ـ 68.

([11]) رجال النجاشي: 3.

([12]) المصدر السابق: 9.

([13]) المصدر السابق: 8.

([14]) عبدالمهدي جلالي، المصدر السابق: 112 ـ 113.

([15]) رجال النجاشي: 8.

([16]) رجال الطوسي: 94، 96، 101، 114، 136.

([17]) الفهرست:  230 ـ 231.

([18]) عبدالمهدي جلالي، المصدر السابق: 112.

([19]) رجال البرقي: 43، 41، 35، 49، تحقيق: جواد فيومي الإصفهاني.

([20]) رجال ابن الغضائري: 63 ـ 64، تحقيق: محمد رضا جلالي؛ رجال العلامة: 82 ـ 83.

([21]) المازندراني، شرح الكافي الجامع 2: 139.

([22]) عبدالمهدي جلالي، المصدر السابق: 120.

([23]) دروس تمهيدية في القواعد الرجالية: 332 ـ 333.

([24]) معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة 1: 95 ـ 96، الطبعة الخامسة.

([25]) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 4: 288 ـ 291.

([26]) في روضة المتقين 14: 371.

([27]) نقد الرجال 2: 356 ـ 357.

([28]) وسائل الشيعة 20: 210.

([29]) بحار الأنوار 22: 150.

([30]) التعليق على منهج المقال: 171.

([31]) تنقيح المقال 2: 52.

([32]) أعيان الشيعة 5: 50، 293.

([33]) معجم رجال الحديث 8: 220.

([34]) قاموس الرجال 4: 452.

([35]) رجال الطوسي: 442.

([36]) رجال ابن الغضائري: 63.

([37]) تحقيق: السيد مهدي رجائي، ص323 ـ 328.

([38]) ص82 ـ 83.

([39]) ص221.

([40]) 2: 356 ـ 357.

([41]) 3: 379.

([42]) 2: 52 ـ 54.

([43]) 9: 226 ـ 238.

([44]) 5: 227 ـ 239.

([45]) 4: 116 ـ 117.

([46]) الكافي 8: 58  ـ 343.

([47]) بحار الأنوار 110 (كتاب الإجازات): 120.

([48]) رجال النجاشي: 8.

([49]) مسلم الداوري، أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 278 ـ 280.

([50]) الذريعة 2: 152؛ أعيان الشيعة 7: 293.

([51]) تهذيب الأحكام 4: 6، 328، 126، 9: 176؛ الكافي 1: 191، 62، 44، 2: 391، 8: 343، 58؛ من لا يحضره الفقيه 4: 189؛ الاعتقادات: 118، 123؛ الخصال: 139، 41، 475، 225؛ عيون أخبار الرضا× 2: 56، 52؛ كمال الدين وتمام النعمة: 240، 270، 274، 278، 284، 413، 262؛ بحار الأنوار 1: 77، 2: 106، 228، 4: 136، 23: 88، 24: 222، 28: 52، 30: 332، 36: 211، 69: 116، 92: 116، 101: 117.

([52]) عبدالمهدي جلالي، المصدر السابق: 115.

([53]) شرح نهج البلاغة 12: 195.

([54]) المصدر السابق: 210.

([55]) المصدر السابق: 211 ـ 212.

([56]) المصدر السابق 216 ـ 217.

([57]) كتاب سليم بن قيس الهلالي 2: 722 ـ 723.

([58]) الكافي 1: 539.

([59]) تهذيب الأحكام 4: 126.

([60]) وسائل الشيعة 9: الباب الأول من باب قسمة الخمس، 7: 512.

([61]) كتاب الخمس: 291 ـ 292، المسألة 27.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً