أحدث المقالات

 

أ. عماد الهلالي(*)

 

مقدّمة

للتفسير الدينيّ هوية جمعية، بمعنى أنّه لا يمكن أن ينحصر أو ينتهي عند حدٍّ معيَّن، تحدث عنه مفسر من المفسرين أو عبرّت عنه مدرسة تفسيريّة معينة تتبع مذهباً من المذاهب أو طائفة من الطوائف. فلكي يكون التفسير عضواً في نادي «المعرفة الدينيّة»([1]) عليه أن يقبل بجميع شروط العضوية في هذا النادي، التي من ضمنها أن تكون هوية التفسير «هوية جمعية»، أي عليه أن يقرّ بأن العضوية فيه ليست فرديّة، ولا تخصّ فقط أصحاب التفاسير الصحيحة (الرسمية)، كما أنها تعبّر عن رؤى بشريّة نسبيّة وغير مطلقة. وعليه فإنَّ أيّ تفسير للدين والشريعة منتمٍ للمعرفة الدينيّة ما هو إلاّ تفسير واحد ضمن مجموعة كليّة من التفاسير التي ظهرت في الماضي والحاضر وسوف تظهر في المستقبل. وبالتالي لا يمكن الإقرار بوجود عضوٍ واحد فقط أو عدة أعضاء محدّدين في نادي المعرفة الدينيّة، وإنّما هناك مفسِّرون مختلفون من البشر الخطّائين، تجمعهم في هذا النادي الهويّة الجمعية. والهويّة الجمعية لأيّ معرفة لا تخص فقط المعرفة الدينيّة، وإنّما تستوعب جميع المعارف التي اكتشفها الإنسان.

 

1ـ الإسلام والسياسة

بعد الثورة الإسلاميّة عام 1979م سيطرت على الجدل السياسيّ في إيران تكهّنات حول الإسلام والسياسة بعامّة، وحول الإسلام والديمقراطية أو الإسلام والعلمانية([2]) بخاصّة. وانعكس هذا الجدل في شتى أبعاد الحياة الاجتماعيّة. ومنذ قيام الجمهوريّة الإسلاميّة انضم العلماء التقليديّون وجماعة من أساتذة الجامعة إلى مختلف القوى «لأسلمة»([3]) الحياة العلميّة في إيران. ولتطبيق أفكارهم أنشأوا «المجلس الأعلى للثورة الثقافيّة»؛ لتطهير هيئة التدريس، وإعادة كتابة مناهج التدريس في العلوم الاجتماعيّة. وفي الوقت نفسه دمجوا مناهج إسلاميّة جديدة ومعاهد علميّة جديدة في الحياة الفكريّة. وعُهد إلى هذه المعاهد بوضع برنامج أكاديمي مشترك: دراسات دينيّة تقليديّة؛ ومقررات حديثة عاديّة. ونتيجة لذلك ساد الحياة الأكاديمية في إيران نظامٌ مزدوج: معاهد علميّة مؤسلمة ومهجّنة. وكانت هذه المعاهد العلميّة إمّا أنشئت حديثاً في التعليم الدينيّ أو ضمن النظام التعليميّ الحكومي([4]).

وتحت تأثير وصاية علماء الدين التقليديّين قَبِل بعض الأساتذة وصايتهم، وأقاموا معاهد تعليميّة مهجّنة تحت إشرافٍ مباشر من رجال الدين، إلاّ أنّ هناك أساتذة آخرين آمنوا بالمساواة في التعامل بين الباحثين التقليديّين والمحدثين، ودعوا بعض علماء الدين التقليديّين لحضور نوعٍ آخر من المعاهد التعليميّة العليا التي ترعاها وزارة العلوم والتقنيّة (وزارة التعليم العالي والبحث العلميّ)؛ لتكون السيطرة عليها لعلماء الدين، كما يرغبون.

 

2ـ أسلمة العلوم والجامعات

وأشهر هذه الجامعات والمعاهد الخاضعة للإشراف المباشر لعلماء الدين:

1ـ جامعة الامام الصادق ـ طهران (الشيخ مهدوي كني).

2ـ جامعة الشهيد مطهري ـ طهران (الشيخ إمامي الكاشاني).

3ـ مؤسسة الإمام الخميني ـ قم (الشيخ مصباح اليزدي).

4ـ جامعة الشيخ المفيد ـ قم (السيد الموسوي الأردبيلي).

5ـ جامعة باقر العلوم ـ قم (مجموعة من رجال الدين).

6ـ جامعة الأديان والمذاهب ـ قم (السيد أبو الحسن نوّاب).

7ـ جامعة المصطفى العالميّة ـ قم، مشهد، إصفهان (الشيخ علي رضا أعرافي).

8ـ جامعة العلوم الإسلاميّة (علي معصومي).

9ـ جامعة علوم الحديث ـ طهران، قم (الشيخ محمد محمّدي الريشهري).

ولكن أستاذنا الشيخ محمد مجتهد شبستري لم يرضخ لأيٍّ من هذه المعاهد ـ الدينيّة أو المهجّنة ـ، مع أنّه كان من أبرز رجال الدين آنذاك!

وقد شهد المشهد الثقافيّ الإيرانيّ ولادة معرفيّة جديدة هامة، زادت
من حرارته في السنّين الأخيرة، والأمر يتعلَّق بظهور دراسات دينيّة جديدة
آلت على نفسها الجواب عن بعض الإشكالات التي أغفلتها الأبحاث
الكلاميّة الكلاسيكية، من قبل تساؤلات الحداثة وأثرها على الفكر الدينيّ،
وإعادة تفسير القرآن الكريم بلحاظ أعمال الهرمنوطيقا([5]) واللسانيّات الحديثة([6])، ونسبيّة المعرفة الدينيّة، والتعدّدية الدينيّة([7])، والعقلانيّة الدينيّة([8]) (أو عقلنة الدين([9]) كما يقال)، وأثر الواقع على الخطاب الدينيّ التأسيسي، وغيرها من الإشكالات والمعارف، التي لم يسبق لها أن طرحت على بساط البحث في إطار علم الكلام الكلاسيكي([10]) (المدرسي)، سواء في إطار اللامفكَّر فيه أو المستحيل التفكير فيه، أو لأنّ الواقع الثقافيّ الدينيّ في حينه لم يطرح هكذا شبهات بنفس التدقيق وبنفس الزخم الذي يشهده المشهد الثقافيّ الدينيّ العالميّ.

 

3ـ الحركة التنويرية الإيرانيّة

ويثور هذه الأيام جدلٌ في إيران عن دور المثقَّفين، أي المتنوِّرين([11]) بحسب الترجمة الفارسيّة، في الحياة الثقافيّة؛ إذ ينظر المتديِّنون بعين الشكّ والريبة لهم، بينما المتنوِّرون يفسحون لهم المجال للمشاركة في بناء إيران جديدة تجسد شعار الحرّيّة.

إذاً فالمتنوِّرون في إيران هم المثقَّفون الذين لا يفترض بهم أن يكونوا متديّنين، ولا يفترض بهم أن يكونوا من مقلِّدي الغرب. ولكن يكفي أن يكونوا اطَّلعوا على الحضارة الغربيّة وثقافتها، وتأثَّروا بها، وكتبوا ويكتبون عنها باستمرار.

والتسمية «روشن فكر» يعني صاحب الفكر المتنوِّر أو المضيء، فالمتنوِّرون في إيران هم الذين يحملون أفكاراً متنوِّرة بنور الغرب، الذي انبهروا به، ويدعون له.

والمشهد الثقافيّ والسياسيّ للمتنوِّرين في إيران يشير إلى أن المتنوِّرين ـ وهم بعبارة أخرى: المثقَّفون أيضاً ـ لا يحصرون أنفسهم في مقهى ليلي، أو بكتاب يتأبَّطونه، أو صحيفة يدمنون قراءتها، فقد تحوّلوا منذ انتخاب الرئيس محمد خاتمي عام
(1997م) إلى طبقة سياسيّة راقية، حيث يدخلون بذلك في صراع قيمي، وحتّى حضاريّ، مع المتمسِّكين بنهج الثورة، وممَّنْ انبهر بشخصية الإمام الخميني الكارزمية([12])، وبخطاباته التي تؤسِّس لواقع جديد يحمل مضامين ومفاهيم وأنماط ومصطلحات عن الاستقلال الحضاريّ والإقدام الفكريّ على أنقاض الانبهار والاستلاب.

 

مدخل للسياق التاريخيّ لولادة شبستري المفكِّر

1ـ ولادته ونشأته

ولد محمد مجتهد شبستري عام 1936م([13]) في مدينة شبستر، التابعة لمحافظة آذربايجان (شمال غرب إيران)، ثم انتقل برفقة والده إلى مدينة تبريز (مركز المحافظة) في الرابعة عشرة من عمره. وفي عام 1951م ترك تبريز، وتوجَّه نحو مدينة قم؛ للدراسة في الحوزة العلميّة الدينيّة هناك. وخلال ثمانية عشر عاماً تفرّغ لتحصيل العلوم الإسلاميّة، كالفقه وأصوله، والفلسفة، والعرفان (التصوّف)، والكلام، والتفسير. وكانت لـه أبحاثٌ ودراسات في مجالات الحقوق والفلسفة والمجتمع وعلم النفس والسياسة في الإسلام.

انضمّ شبستري أيام دراسته في قم إلى إدارة تحرير مجلة «مكتب إسلام»، منبر التيّار التجديدي الإسلاميّ في الحوزة الشيعيّة في الستينات. وترجم كتابين من العربيّة إلى الفارسيّة، هما: علوم القرآن، للدكتور صبحي الصالح(1986م)؛ وعقائد الإماميّة (مع حذف بحوث التقية)، للشيخ محمد رضا المظفّر(1964م).

كان شبستري من بين أولئك الطلاب الشبّان الذين كانوا يطمحون إلى أكثر ممّا تمنحه إياهم الملخّصات التشريعيّة في أغلب الأحيان، والذين اهتمّوا بميادين الفلسفة والعرفان (التصوّف)، التي تمّ تهميشها من طرف أغلبيّة الفقهاء الكلاسيكيّين.

وكان هناك بصفة خاصّة أستاذان يباشران تدريس هاتين المادّتين في ذلك الحين، وكانت لهما جاذبية على الطلاب آنذاك، وهما: العلاّمة محمد حسين الطباطبائي(1981م)([14])، الفيلسوف ومصنِّف كتاب (الميزان في تفسير القرآن)؛ والإمام روح الله الموسويّ الخميني(1989م)، وهو الذي سيغدو قائد الثورة و«أب» الجمهوريّة الإسلاميّة فيما بعد.

 

2ـ من مناصر للثورة الإسلاميّة إلى منتقد للنظام

إنّ ما كان يبهر شبستري وعدداً كبيراً آخر من الطلاب في شخصية الإمام الخميني، إلى جانب فلسفته ودروسه في التصوّف (العرفان)، هو فكرُه السياسيّ. كانت الأخلاقيّات الإسلاميّة بالنسبة للإمام الخميني لا تقف عند حدود معاملات الأفراد مع بعضهم، بل كان يرى أنه ينبغي لها أن تكرّس أيضاً على صعيد النظام السياسيّ وطريقة الحكم رؤيةً، كان الإمام الخميني منذ الستينات يربطها بانتقاداته لنظام الشاه (محمد رضا بهلوي)(1980م)، التي ما فتئت تزداد كل يوم علنية ووضوحاً.

وفي إطار المناخ السياسيّ العامّ الذي كان سائداً لدى الشيعة الإيرانيّين خلال الستينات والسبعينات كان شبستري يشعر بقرابة ذهنيّة مع أفكار مثقَّفين (متنوِّرين) متديّنين، من أمثال: الأديب جلال آل أحمد (1969م)، والدكتور علي شريعتي (1977م)، والمهندس مهدي بازرگان (1994م)، والسيد محمود الطالقاني (1979م)، وكذلك الشخصية الروحانية ذات الاهتمامات الفلسفيّة والسياسيّة مرتضى مطهري(1979م)([15]).

خلال السبعينات تسلّم شبستري إدارة المركز الإسلاميّ (الشيعيّ) لجامع الإمام عليّ في مدينة هامبورغ([16]) الألمانيّة (1970 ـ 1979م)، وتلاه فيما بعد الرئيس الأسبق محمد خاتمي. وأثناء فترة إقامته في هامبورغ تعرّف على علم الكلام (اللاهوت) المسيحيّ الحديث، وتحوَّلت اهتماماته إلى البحث عن مصالحة فكريّة بين الدين والحداثة. وعمل شبستري بقوّة على دعم الحوار المسيحيّ الإسلاميّ، ووسَّع من دائرة نشاطات الجامع، بأنْ فتح أبوابه لكلّ المسلمين على مختلف مشاربهم.

3ـ الدخول إلى الفكر الغربيّ

وإلى جانب ذلك تعلّم اللغة الألمانيّة، وأصبح بإمكانه أن يواصل بشكل مكثَّف متابعة الاهتمامات ـ التي كان يغذّيها منذ سنوات إقامته في مدينة قم ـ بالفلسفة الغربيّة وعلم اللاهوت المسيحيّ، والبروتستانتيّة([17]) منها على وجه الخصوص.

وقد ركَّز شبستري في دراسته على علماء لاهوت([18]) معظمهم من الألمان، مثل:

1ـ بول تيليتش: الفيلسوف اللاهوتيّ الألمانيّ، صاحب النظريّة اللاهوتيّة الثقافيّة.

2ـ كارل بارث([19]): اللاهوتيّ السويسري، صاحب نظريّة الفصل بين الله والإنسان، أو الفرق النوعيّ اللامتناهي بين الزمن والأبديّة، الله في السماء والإنسان على الأرض.

3ـ رودولف بولتمان([20]): اللاهوتيّ والفيلسوف الألمانيّ، زعيم حركة نزع الطابع الميثولوجي «Mythological» عن الديانة المسيحيّة، وقد استلهم فكرة مجموعة اللاهوتيّن الذين أطلق عليهم «لاهوتيّي موت الله».

وكذلك الفكر الفلسفيّ لكلٍّ من:

4ـ إيمانويل كَنْط([21]): الفيلسوف والناقد الألمانيّ الشهير، الذي ترك بصماته على كلّ مَنْ أتى من بعده من الفلاسفة. وأهمّيّة (كَنْط) ترجع إلى أنّه وضع (مسألة) نظريّة المعرفة([22]) في المكان الذي يجب أن توضع فيه. ومن وجهة النظر الحديثة فإنّه جعل لاستعمال القوى العارفة الأساس الأوّل والأخير في عمليّة المعرفة. وتناول في طريقته المتماسكة «النظرة النقديّة» في المعرفة والأخلاق وعلم الجمال.

5ـ فلهلم دِلتاي([23]): الفيلسوف الألمانيّ، وصاحب فكرة الروح الحيّة التي تتطوّر في أشكال تاريخيّة. ويَحُضّ دلتاي الفيلسوف على أن لا يقتصر تأمُّله في الحياة على الدّاخل أو من حوله، بل عليه أن يقوم بتوسيع تأمّله على أوسع معرفة ممكنة بالحياة، وهي فلسفة الحياة([24]).

6ـ هانز جورج غادامير([25]): من أشهر الفلاسفة الوجوديّين الألمان في العصر الحاضر. اشتهر بنظريّة فلسفة التأويل([26])، التي تقول بأنّ أيّ بحث فلسفيّ أو أيّة أطروحات فلسفيّة يجب وضعها في إطارهما الفكريّ والتاريخيّ والاجتماعيّ؛ لأنّ لكل عصر زمنيّ «مفاهيمه» و«تحدّياته» للأفكار، تختلف عن بقية العصور.

4ـ العودة إلى إيران

وكواحدٍ من أتباع الإمام الخميني، مدافعٍ عن الثورة الإسلاميّة، عاد شبستري في سنة 1979م إلى إيران. وفي العام نفسه أصدر شبستري أوّل مجلة نقديّة وفكريّة وثقافيّة (نصف شهرية) تحمل عنوان: «أنديشه إسلامي»، أي الفكر الإسلاميّ([27]). كانت هذه المجلة هادئة في إيران الثورة. انتقد شبستري في إحدى افتتاحيّاتها احتلال السفارة الأمريكية من قبل بعض الطلاب (الثوريّون). أغلقت المجلة بعد صدور العدد الخامس عشر، ولا ندري ما هي الأسباب التي دعت إلى إغلاق هذه المجلة، حيث احتفظ شبستري لنفسه بحيازة اللقب الأوّل في إصدار صحيفة تنويريّة بعد الثورة الإيرانيّة([28]).

وبعد مدة قصيرة تمّ انتخاب شبستري نائباً عن مقاطعة آذربايجان في المجلس البرلماني للجمهوريّة الإسلاميّة. إلاّ أنّه سرعان ما ترك النشاط السياسيّ، ليدخل في مجال التدريس في الجامعة، حيث كان يدرّس الإلهيّات المسيحيّة، العرفان المسيحيّ، تاريخ المسيحيّة واليهوديّة، علم الكلام والفرق الإسلاميّة، العرفان الإسلاميّ، والعرفان المقارن بين اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام. بدأ شبستري يتعامل بريبة متزايدة مع أيديولوجية([29]) الجمهوريّة الإسلاميّة، وممارسات حكومتها. وكتب نقداً صريحاً للمنهج التعليميّ الذي تسير عليه المعاهد (الحوزات) والمراكز الدينيّة في إيران، قائلاً: «أدّى انعزال حوزتنا (معاهدنا) الدينيّة عن العلوم الإنسانيّة، وانشغالها بقضاياها الخاصّة دون معرفة ما يجري في تلك العلوم، إلى عدم وجود فلسفة حقوقيّة مدوَّنة لدينا، ولا فلسفة أخلاقيّة، ولا فلسفة سياسيّة، ولا فلسفة اقتصاديّة. وهل يمكن الحديث عن أحكام ومُثُل عالميّة وأبديّة، أو الصعود إلى الأوساط العلميّة العالميّة، دون وجود نظريّات متقَنة ورصينة في هذه المجالات؟

ويؤكِّد كاتب هذه السطور على أنّ الكثير من مشاكل الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة يتيسَّر حلّها فيما إذا قبلت الكثير من النظريّات الجديدة في مجال التغيُّرات الاجتماعيّة للإنسان في ثقافتنا الدينيّة. وهذا يتحقَّق فيما إذا كانت هذه النظريّات قد حظيت بالقبول مسبَقاً في أوساطنا الدينيّة (الفقهيّة)»([30]).

ويشدِّد على مواجهة التراث بروح نقديّة، ويقول: إنّ عدم إصلاح الفكر السلطاني السابق، والحيلولة وإبداء الممانعة إزاء طرح البُنى المعرفيّة المنسجمة والبنى السياسيّة الديمقراطية، ومن ثمّ الإصرار على المحافظة على البناء السياسيّ القديم…، كلّ ذلك من العوامل الهامّة في توليد ظاهرة العنف في المجتمع الإسلاميّ في العصر الراهن([31]). والإصرار على كون المفاهيم السياسيّة المعاصرة حاضرةً في نصوصنا الدينيّة الماضية، أو في السيرة (السنّة النبويّة)، كذلك لا يحلّ المشكلة، بل يضاعف منها. والطريق الصحيح هو أن نثير ـ نحن المسلمون ـ هذا السؤال، وهو: ما هي العلاقة والموقف اللذان لابدّ لنا من اتّخاذهما وتأسيسهما فيما بيننا وبين العلوم والمفاهيم السياسيّة المعاصرة التي لا يمكنا العيش من دونها؟ هل أن إيماننا الدينيّ يسمح لنا بالقبول بهذه المفاهيم والإقبال على هذه العلوم أو لا؟

إن الجواب الدينيّ عن هذا التساؤل إيجابيٌّ تماماً([32]).

وفي عام 2005م أُحيل شبستري إلى التقاعد (الإجباري)، وعندما اعترض رئيس الكلّية (كلّية الإلهيّات والمعارف الإسلاميّة) والطلبة على هذا القرار صرّح رئيس جامعة طهران الشيخ عباس علي عميد زنجاني (الفقيه) بأنّ الجامعة ليست بحاجة إلى أمثال شبستري([33])!

وفي سياق كسر الهيمنة الطبقيّة لرجال الدين خلع شبستري ـ أحد أبرز رجال الدين الإصلاحيّين في إيران ـ عمامته وجبّته، أي خلع زيّه الدينيّ كلّيّاً بعد عقود طويلة، دون أن يبالي بتداعيات هذا الأمر([34]).

 

5ـ من أجل فهم نقديّ للإسلام

في ذلك الوقت طرأ تحوُّل على فكر شبستري، من مقولة «الإسلام هو الحلّ» إلى مفهوم تحرّري نقدي أيديولوجي للدين. تحوَّل غداً بكلّ بساطة نموذجاً يُقتدى به بالنسبة لمثقَّفين دينيّين قياديين، ومفكِّرين إصلاحيّين، كانوا جميعهم على شاكلته، من الأتباع المقتنعين بفكر الإمام الخميني وطلائع الجمهوريّة الإسلاميّة.

ومنذ عام (1981م) إلى عام (2005م) شغل شبستري كرسيّ أستاذ محاضر في الفلسفة والفرق الإسلاميّة، والتصوّف المسيحيّ والإسلاميّ، والإلهيّات المسيحيّة، في جامعة طهران (كلّية الإلهيّات والمعارف الإسلاميّة). وعلى الرغم من إحالته على التقاعد (الإجباريّ) ما يزال مواظباً إلى اليوم على تنظيم مؤتمرات عالميّة منتظمة حول موضوع الحوار الإسلاميّ المسيحيّ. كما شرع منذ مستهلّ التسعينات في نشر العديد من المقالات على صفحات الصحف اليومية والمجلات الليبرالية أو القريبة منها، كصحيفة: نشاط؛ وجامعه؛ وحيات نو ـ وهذه الثلاثة من الصحف المحظورة ـ؛ وإيران؛ ومجلة: كيان؛ وآفتاب؛ ومدرسه ـ وهذه الثلاثة من المجلات المحظورة أيضاً ـ، يدافع فيها عن فكر نقديّ جديد للدين. وعن طريق هذا النشاط الكتابي، وكذلك سلسلة المحاضرات التي يلقيها داخل الجامعة، وفي منابر عمومية أخرى، غدا شبستري عنصراً نشطاً في الجدال السياسى الدينيّ، وأصبح أحد الوجوه الهامّة من نخبة المثقَّفين الدينيّين في إيران المعاصرة([35]).

 

6ـ مصلحٌ وناقد

إن المشهد الثقافيّ النقديّ في إيران أبعد عن أن يكون متناغماً. فهناك العناصر النشيطة في مجال حقوق الإنسان، ذات التوجُّه الليبرالي([36])، والتي لا تعتمد في النضال من أجل مزيد من الحقوق المدنية على الاعتبارات الدينيّة أساساً، وتكتفي بالإحالة على مرجعيّات القانون الدولي، دون غيره.

إلى جانب هؤلاء هناك عناصر نشيطة أخرى تناضل هي أيضاً من أجل تجديد شامل للنظام القانوني، وفقاً للنمط العالميّ، لكنّها تنطلق في ذلك من منطلق اعتبارات إسلاميّة.

هذه المجموعات، التي كثيراً ما يلتقي ممثلون عنها في إطار تدخلات موحَّدة، تمارس عملها النضالي في مجالات المسائل الجزئيّة، كمحامين مثلاً يتولون الدفاع أمام المحاكم عن حقوق وحرّيات الأفراد. وتمثِّل كلٌّ من المحاميتين: «مهرانگيز كار»؛ و«شيرين عبادي»، الحائزة على جائزة نوبل، نموذجين بارزين يجسِّدان هذا التيّار.

بينما ينهض بدورٍ مختلف نوعاً ما مثقَّفون دينيّون، وعناصر نشطة، وسياسيّون، من الذين يعلنون بطرق مختلفة عن تمسُّكهم بنظام الجمهوريّة الإسلاميّة ـ من منطلقات براغماتية([37])، أو عن قناعة ـ، لكنّهم يناضلون من أجل تجديد هذا النظام عن طريق إدراج إصلاحات على دستور الجمهوريّة الإسلاميّة.

ومن أشهر الممثِّلين لهذه المجموعة نذكر على سبيل المثال: الكاتب الصحفي والمفكِّر هاشم آغاجري، وأكبر گنجي، وسعيد حجاريان، وعلي رضا علوي تبار، والأستاذ الجامعي (المُقال) الدكتور السيد جواد الطباطبائي، والدكتور حسين بشيريّة، الذي تحظى تحليلاته الاجتماعيّة باهتمام خاصّ بين العلمانيّين والإصلاحيّين، ورجل الدين محسن كديور، ومحمد مهدي خلجي، وأحمد قابل، وبصفة خاصّة رئيس الجمهوريّة الأسبق محمد خاتمي.

ينتمي محمد مجتهد شبستري، إلى جانب عبدالكريم سروش، ومصطفى ملكيان، إلى أولئك المفكِّرين الإيرانيّين اللامعين، الذين نادراً ما يتدخَّلون في المسائل السياسيّة اليومية، أو يدعون إلى إصلاح الدستور. وشبستري لا يتدخَّل في ذلك النقاش القائم حول مفهوم جديد لنظريّة الحكم القائمة على «سيادة الفقهاء» (ولاية الفقيه)، كما يظلّ ملازماً للحذر في ما يتعلَّق بالنقد المباشر لممثِّلي المؤسّسة السياسيّة الدينيّة العليا.

ولعلّ الفضل يعود إلى هذا الموقف الحذر في كونه لم يجد نفسه حتّى الآن في مواجهة خطيرة مع القضاء الإيرانيّ، الذي التجأ في العديد من الأحيان إلى إخماد أصوات المنتقدين عن طريق عقوبات قاسية بالسجن لسنواتٍ عديدة، بل وصلت إلى عقوبة الإعدام في بعض الأحيان، وإنْ لم ينفَّذ الحكم([38]).

ومع ذلك تعرَّض شبستري لانتقادات من رجال الدين وغيرهم، حيث زعموا أن شبستري قد أساء إلى مبادئ الإيمان الإسلاميّ؛ وذلك بسبب اعتماده على معتقدات (بوبر)([39]) في «مبدأ القابلية للدحض»، وعلى (لاكاتوش)([40]) في «مناهج البحث»، وعلى (همبل)([41]) في «مفارقة التأييد»([42]).

ومع ذلك فإنّ معظم كتابات شبستري يمكن تصنيفها ضمن الكتابات الثقافيّة السياسيّة، التي تنضوي ضمن الخطاب السياسيّ الدينيّ المعاصر، وخاصّة في دفاعه عن ضرورة الاعتراف غير المشروط بحقوق الإنسان العالميّة، وبالديمقراطية والعلمانيّة، دون الاستناد في ذلك إلى مرجعيّة الإسلام، أو استقائها منه، أو محاولة تشذيبها عن طريقه.

قراءةٌ تاريخيّة ومعاصرة للإسلام

1ـ مقدّمة

إنَّ حقوق الإنسان والديمقراطية في نظر شبستري إحدى نتاجات العقل البشريّ، التي تطوّرت، وستظل تتطوّر مع مرور الزمن. وهي في ما هي عليه من هذا التطوّر ليست ممّا جاء في القرآن أو السنّة (النصّ)، بل على العكس من ذلك فإنّه ليس هناك نصٌّ صريح يقرّ بحقوق الإنسان في مفهومها الحديث، ومع ذلك فإنّ هذه الأخيرة لا تتعارض والحقيقة الإلهيّة التي يتضمَّنها القرآن([43]).

 

2ـ التأويلات الحديثة للنصّ

يرفض شبستري؛ اعتماداً على التأويل الحديث، كلّ تصوّر يقول: إنّه بإمكان الإنسان أن يكون على اتّصال مباشر بمبدأ الحقّ الإلهيّ. ويرى في مثل هذا الادّعاء أمراً مشابهاً للتجسيد الرباني، ويعتبر تعدّياً على مبدأ التوحيد والوحدة، والتعالي الإلهيّ. وبالتالي فإنّ معرفة الله وتعاليمه تكون على الدوام معرفة إنسانيّة، وهي بما هي كذلك متغيِّرة، وليست مطلقة.

ولا تمثِّل الافتراضات والتوقُّعات، أو بصفة أدقّ مساءلات المتأوِّلين لنصّ الوحي، نقيصةً من شأنها أن تكدِّر صفو الفهم السليم، بل هي بالأحرى شروط ضروريّة لكلّ سعي لفهم ظاهرة الوحي.

فالمتأوِّل هو الذي يدفع عن طريق أسئلته ومواقفه بالنصّ إلى الإفصاح عن معانيه. إلا أنّه من الضروري أيضاً أن يكون المتأوِّل على بيّنة واعية قدر الإمكان من افتراضاته.

 

3ـ معرفة ظروف النصّ

فالفقيه الذي يريد على سبيل المثال أن يصدر حكماً شرعيّاً لابدّ أن يكون على معرفة بموضوع حكمه. وهو ما يُشترَط في العالم أن يكون قادراً على الاستناد إلى معارف عصره، وذلك بأن يكون مطَّلعاً على العلوم الحديثة،؛ ذلك أن الاستناد إلى ملخَّصات التشريعات التقليديّة غير كافٍ للإيفاء بالغرض.

كما أنه لا يكفي الاحتكام إلى مواقع بعينها من القرآن والسنّة، واجتثاثها من سياقها؛ بهدف استعمالها كأجوبة عن أسئلة الحاضر؛ ذلك أن أغلب الأحكام، كما يرى شبستري، هي أجوبةٌ على أسئلة الواقع الاجتماعيّ لزمن محمّد| نبي الإسلام، وهي غير قابلة لأن تطبَّق حرفياً على واقع الحاضر([44]).

ولأنّ الشريعة بقيت معطَّلة قروناً عدّة، وانكمش نطاق البحث الدينيّ من الإطار الواسع للدين إلى الحدود الضيِّقة للفقه المتعلِّق خصوصاً بسلوك الأفراد، وثمة اقتناعٌ لدى عددٍ من الباحثين بأنّ الفقه التقليديّ قد فقد اتّصاله بالحياة الواقعيّة، وعلى نحو أوْلى بالحياة الحديثة ومجرياتها([45])، وهكذا فإنّ شبستري يدعو إلى تناول الوحي تناولاً تاريخيّاً بشريّاً. إنَّه ظاهرة تاريخيّة([46]) برزت في زمن محدَّد ومكان محدَّد وضمن شروط اجتماعيّة بعينها. كلّ الآيات القرآنيّة وكلّ الأحاديث النبويّة ناظرة ضرورةً إلى زمن الرسول، وهي في معناها الحرفي ذات صلاحيّة تقتصر على ذلك الزمن وحده.

 

4ـ الأفق التاريخيّ للنصّ

يستخدم شبستري فكرة «الأفق التاريخيّ» لتهوين القيمة العلميّة لمنهج الاجتهاد المتداول في المعاهد الشرعيّة (الحوزة العلميّة). يعتمد هذا المنهج بشكل أساسيّ على استخدام التقنيات اللغويّة، ويركز على فهم التركيب النحوي للجملة العربيّة التي تحتوي النص، والحادثة التاريخيّة التي استهدف النصّ تكييفها، كوسيلة لاستخراج الحكم الشرعيّ المتضمن في النص، وبالتالي تحديد مبتغى الشارع المقدس. بناءً على منهج التأويل الفلسفيّ، يجادل شبستري في أنَّ الصيغة اللغويّة هي مجرد وعاء للقيمة الدينيّة وليست جزءً منها، ويرجع اختيار هذا الوعاء إلى ضرورات الأفق التاريخيّ للمجتمع الذي خاطبه النصّ عند نزوله. وهو أمرٌ مفهوم، فقد كانت الرسالة بحاجة إلى الالتفات لعقول المجموعة الأولى من المؤمنين وقلوبهم، من أجل أن يصدّقوها ويعيدوا إنتاجها في قالب دعوة إلى سائر الناس([47]). يكمن جوهر الرسالة السماويّة في القيم المتضمَّنة في تلك الصيغة اللغويّة وليس في الصيغة نفسها([48]). ويعتقد شبستري بأن الفقه التقليديّ قد أضاع عقلانيّته بسبب تقديسه للإطار اللغويّ، وهو موقَّتٌ ومشروط بظرفه الخاصّ، على حساب المحتوى القيمي الذي ينطوي عليه. وهذا يفسّر، في رأيه، التفاوت العميق بين التعاليم الدينيّة ومتطلبات الحياة المعاصرة([49]).

 

5ـ عدم قدسيّة النصّ

يرى شبستري أنّ القيم القاعدية للدين هي المنظومة الدينيّة الوحيدة التي تتمتع بالقداسة والعمومية والامتداد عبر الزمان والمكان. يمكن للقيم أن تتمظهر في أشكال مختلفة في الأزمنة المختلفة. وباستثناء أحكام العبادة بالمعنى الدقيق فإنّ الأكثرية الغالبة من الأحكام الدينيّة المتعلقة بجوانب الحياة المختلفة، لا تتمتع بالقدسيّة أو الثبات أو العمومية([50]). وهذا يشمل الأحكام المنصوص عليها، كما يشمل بطبيعة الحال آراء الفقهاء واجتهاداتهم. وأظنّ أن شبستري هو واحد من قلّة نادرة من المفكِّرين المسلمين الذين يعتقدون بإمكانيّة تغيير الأحكام التي وردت فيها نصوص قرآنيّة أو نبويّة؛ ذلك أن الاتجاه الغالب يميل إلى حصر إمكانيّة التغيير في الأحكام غير المنصوصة وفقاً للمقولة الشيعيّة الشائعة: «لا اجتهاد في مقابل النصّ». والحقيقة أن نقطة القوّة الرئيسيّة في احتجاجات شبستري تكمن في تفسيره المختلف لفكرة «أسباب النزول» الشائعة في المدارس الفقهيّة، إضافة إلى تمييزه الدقيق بين مراد النصّ وفهم المجتهد ـ أو المجتمع ـ لذلك المراد. وهو يرى أن تغيّر ظروف الحياة ومتطلّباتها وتغيّر ثقافة الناس وهمومهم يستدعيان قيام كل جيل من أجيال المسلمين بصوغ القواعد ومنظومات العمل التي يحتاجها لتطوير حياته بالرجوع إلى العقل الجمعي، ومن دون تقيّد شديد بالصيغ والأشكال الموروثة، التي هي وسائل للتوصل إلى نتائج عقلانيّة، ولا يصحّ أن تكون قيداً عليها. القيد الوحيد الذي يستوجب الرعاية هو قِيَم الدين الأساسيّة التي لا ينبغي أن تُخرَق في أيّ حال([51]).

 

6ـ العدالة كمبدأ أبديّ

ضروريٌّ بالتالي أن تقع التفرقة بين ظاهرتين في الوحي من ناحية النواة الجوهريّة للرسالة، ومن ناحية ثانية شروط الإطار الاجتماعيّ التي أضفت عليها شكلها المحدَّد. وعليه فإنّه ينبغي تجريد الوحي من ذلك الشكل المحدَّد؛ حتى يُتوصَّل إلى إدراك الغايات والقيم الجوهرية التي ترتكز عليها الرسالة النبويّة؛ ذلك أن الشكل الذي وردت على هيئته الرسالة، أي النصوص الخاصّة بالتشريعات والسنّة النبويّة، هي في الحقيقة وسائل في خدمة الغاية والأهداف الجوهرية.

إلاّ أنّ شبستري لا يقدِّم جرداً نهائيّاً ثابتاً للقيم والأهداف. وهو غالباً ما يذكر مفهومي الحرّيّة والمسؤوليّة. وقد يكون مبدأ العدل ـ وهو في حدّ ذاته مثالٌ نموذجي بالنسبة للفكر الإسلاميّ ـ القيمة المركزية التي يذكرها شبستري كحكم إلهيّ خالد يتوجَّب على كلّ مسلم احترامه.

لكن ليست هناك نظريّة حكم ملموسة تنحدر من صلب القرآن، بل إن من شأن العقل البشريّ أن يظلّ على الدوام مطالباً بإعادة النظر في مفهوم الحكم العادل، وكذلك العدالة بصفة عامّة.

هنا يطرح السؤال: أليس هذا الجزء المتبقي من الوحي كعنصر خالد غير متغيّر، أو مجرّد هيكل عظمي ينحصر في بعض المفاهيم المجردة؟! أليس هذا بصراحة شيئاً ضئيلاً إذا أخذنا في الاعتبار أنّ القرآن يمثِّل كلمة الله الخالدة بالنسبة إلى كل المسلمين؟!

ويضرب شبستري مثلاً على ذلك نظام الحكومة. ويجادل في أنّ الإسلام لم يحدِّد صورة خاصّة ثابتة لنظام الحكم. ما يهمّ الشارع في هذا الصدد هو جوهر الحكم، أي العدالة، وليس شكل النظام أو عنوانه([52]).

إن الإمام عليّاً× أسوة العدالة، بيد أنّه أسوةٌ لتلك المصاديق من العدالة التي كانت موجودة في ذلك العصر. فكل شخص أسوةٌ لعدالة زمانه، وليست لدينا قدوةٌ في العدالة تتجاوز التاريخ. فالعدالة في المنظومة المناهجية الكلاسيكية تعني عدم كون الحاكم مطلق العنان، وأن لا يمارس سلوكاً ظالماً تجاه رعاياه، أمّا اليوم فإننا نواجه تساؤلاً عن معيار التنظيم الاجتماعيّ العادل. فإذا كان الإمام علي× اليوم أسوةً لنا أيضاً فذلك ناتج عن كونه مظهراً يُنبئ عن مسار خاصّ، أي ذلك المسار المتحرّك نحو العدالة، وما يجب علينا فعله أن نضع يدنا ونحصل من هذا المسار الحركي العامّ على المضمون والرسالة الموجَّهة إلينا. لكنّ التفسير المجدِّد للعدالة، وتحديد مصاديقها سلباً أو إيجاباً في هذا العصر، أمرٌ موكولٌ إلينا نحن([53]).

تأويل القرآن والكتب المقدّسة عند شبستري

1ـ الظاهرة التاريخيّة للأديان

يقول شبستري: إنّ أوّل مسألة تبدو أمامنا بشأن فهم الدين حقيقة أن الإسلام نزل في الجزيرة العربيّة في فترة خاصّة من التاريخ بواسطة النبي الأكرم؛ ليتم عرضه وتبليغه للبشريّة كافة. وعلى هذا الأساس يبدو الدين الإسلاميّ كظاهرة تاريخيّة، وظهور النبي ظاهرة تاريخيّة، والكتاب المنزل (القرآن) ظاهرة تاريخيّة أيضاً.

وبه يتبيّن أنّ الفهم الإسلاميّ هو عبارة عن فهم لظاهرة تاريخيّة، فعندما كان القرآن يتلى بين المخاطبين به في عصر النزول، وحينما كان الرسول يتحدث إليهم، كان أولئك المخاطبون يفهمون تلك الظاهرة([54])، وهذا الكلام (القرآن)، على أساس أدوات تتمثَّل بما كان لهم من مسلَّمات، وما يحملونه من تصوّرات عن التوحيد، والنبوة، والآخرة، والإنسان، وأمثال ذلك. ولكن ما هي طبيعة تلك المبادىء والمسلمات والتصوّرات والمفاهيم التي كانت سائدة بين العرب؟ وما هو المقدار الذي كان مترسباً عن الديانات السابقة؟ وما هو المقدار الذي يرتبط بثقافتهم الخاصّة؟

يعتبر الدكتور محمد مجتهد شبستري أنّ القرآن يتوفر على لغة تفسيريّة ونقديّة وتاريخيّة، بوصفه لغة دينيّة([55]). وعند عدم الانتباه لهذه الحقيقة فإنّ آثار التفسير القرآنيّ ستكون خطيرة، وربما تبعدنا عن الدين بقدر ما نظنّ أننا في صلبه.

 

2ـ كيف نتعامل مع النصوص المقدّسة؟

وعليه فإن الطريقة السليمة للتعامل مع الكتب المقدّسة([56]) أو النصوص المقدسة تتجلى في المنطلقات الثلاث التالية:

أوّلاً: يجب على مَنْ يعود إلى القرآن أو الكتب المقدّسة أن لا يتخذ موقفاً جزمياً إزاء مقبولاته الذهنيّة وتوقعاته المسبقة، حتّى لو كانت هذه الأخيرة قد خضعت لتنقيح كامل.

ثانياً: يجب على مَنْ يعود إلى القرآن والكتب المقدّسة أن لايكون فاعلاً وأصيلاً، إلا في الحالة التي يبلغ فيها الإنسان إلى درجة من الابتهال والانقطاع، أي أن يحسّ الإنسان فعلاً أن معطيات العقل والعلم البشريّ لا تفي بإجابة عن تلك القضايا التي تعدّ الأصل والغاية في وجوده وحياته.

ثالثاً: بعد تنقيح المقبولات الذهنيّة والتوقعات المسبقة، وتأهيل الإنسان نفسه كي يكون مستعداً لأيّ تحول أو تغيير محتمل في ما يحمله من مسبقات، عن طريق العرض على الكتب المقدّسة وبواسطته، وبعد أن يبلغ الإنسان حالة من الابتهال والانقطاع، يحلّ له فهم الكتب المقدّسة في الجملة.

بهكذا أوّليّات يصحّ البحث في التفسير، ما دام هذا الأخير في الحقيقة جوهر الدين وأساسه ولبّه. ففي الأديان السماويّة ينظر إلى كلامٍ ما باعتباره ظواهر تبلغ بالإنسان معاني رفيعة. وذلك الكلام هو الوحي الذي يمثِّل في الواقع ظواهر كلاميّة تنتشل الإنسان من آفاقه الضيّقة، وتسمو به نحو بلوغ الوحي. وبعبارة أخرى: تيسِّر للإنسان فهم الوحي عن طريق إنسان آخر. وهذه اللغة هي لغة التفسير([57]).

وما هذه المقدّمات الثلاث إلا ثمرة ما خلص إليها علماء الهرمنوطيقا في خصوص عمليّات التفسير وفهم النصوص. وهي خمس قضايا:

1ـ قبليات وأوّليّات المفسِّر (الدور الهرمنوطيقي).

2ـ ميول وتطلعات المفسِّر.

3ـ استنطاقه للتاريخ.

4ـ تشخيص مركز المعنى (البؤرة)، وتفسير النصّ كمجموعة تدور حول هذا المركز.

5ـ ترجمة النصّ إلى الإطار التاريخيّ للمفسِّر (إسقاط النصّ على الظروف التاريخيّة للمفسِّر)([58]).

وقد عمد الدكتور شبستري إلى تجميع هذه المرحليات الخمس في ثلاث نقاط، بمسبقات عقدية إسلاميّة لازمة، لكنّه وفي جميع الأحوال يكون من المناسب الوقوف قليلاً عند منظور الدكتور شبستري لهذه المراحل.

 

مراحل فهم النص

1ـ قبليات المفسِّر والدور الهرمنوطيقي

على هذا المستوى يوضِّح الدكتور شبستري أنّ لكل باحث أو محقِّق، سواء كان مجال عمله خاصّ بالتفسير أو بشيء آخر، قبليات ومعلومات أوّليّة حول الموضوع الذي يريد دراسته، والمعرفة الجديدة المنبثقة عن عمليّات التفسير أو عمليّات التبيين تستند دائماً إلى قبليّات معينة، تبدأ باستعمال هذه القبليات، ولا تكون إلاّ بها. وهذه نقطة تكتسب أهمّيّة بالغة لمتابعة كيفية فهم النصوص.

وإنّ هذه القبليات تتأسَّس على توسعة دائرة المطالعة ومضاعفة المعلومات حول الموضوع، ممّا يجعل منها قبليات أساسيّة تدفعه إلى مزيد من المطالعة، فتتضخَّم القبليات حتّى تتقوّى الإحاطة بالموضوع. ومن البيِّن جداً أن هذه الحركة تستبطن نوعاً من «الدور» و«المراجعات»، وهو ما نسميه بالدور الهرمنوطيقي.

والمرحلة الثانية اللاحقة التي تواجه الباحث تتمثَّل في تقييم ودراسة المصادر والاقتباس منها. وفي هذه المرحلة أيضاً تنطوي على دور هرمنوطيقي؛ لأن الباحث يقوم بالموازنة والمقايسة، لينتقل إلى مرحلة التأليف، وهي دور هرمنوطيقي بامتياز أيضاً؛ لأنه وفي هذه المرحلة يتمّ وضع الهيكل العامّ، ويتم تغيير مواقع العناوين بشكلٍ يضمن بنية النصّ([59]) وفق المنظور المتبنّى من الباحث.

فمجمل هذه المراحل هي نفسها مراحل فهم النصوص. فليس «ثمة نصّ يفهم دفعة واحدة، وبلا مقدّمة، وبدون السير من مرحلة إلى أخرى، وتكميل المرحلة السابقة بفهم المرحلة اللاحقة، والمراجعات المتعدِّدة، والذهاب والإياب بين مراحل العمل المختلفة»([60]).

هذا من مصاديق وجود القبليات. وهناك مصداق آخر، وهو أن أي فهم لا يكون إلاّ جواباً عن سؤال مسبق. وطبعاً إن أيّ سؤال ليس إلاّ ثمرة معرفة أوّليّة معينة بدرجة معينة، فهذا مصداق آخر من مصاديق وجود القبليات عند المفسِّر.

إذاً يؤكِّد شبستري على أن «مفسّري الوحي الإسلاميّ يفسِّرون الكتاب والسنّة وفقاً لما لديهم من تصوّرات مسبقة، وبناءً على رغباتهم وميولهم»، بدون أي استثناء. ثم يلفت نظر علماء الدين إلى قضيّة مفادها: «تعتبر التطلعات والميول المسبقة للمفسِّرين والفقهاء في كلّ عصر شرطاً أساسيّاً لأيّ تفسير وإفتاء مقبول، ولا يتيسّر تكامل العلوم الدينيّة بدون ذلك»([61]).

2ـ ميول وتطلُّعات المفسِّر

هنا نجد شبستري ينصّ على أن ميول وتطلّعات ومحفّزات المفسِّر، التي تدفعه لاستنطاق النصّ وإثارة الاستفهامات على النصّ وفهمه، إحدى أنواع القبليات والمقدمات في عمليّة الفهم. والظاهر أن الإنسان يتحفز للسؤال من داخله. وإنّ تنقيح القبليات والأسئلة والميول والتطلعات للانطلاق في تفسير النصوص الدينيّة يكتسب أهمّيّة مضاعفة بالقياس إلى التنقيح اللازم لتفسير وشرح النصوص الأخرى. فالنصوص الدينيّة تتناول معنى الوجود ومصير الإنسان. وتنقيح وضبط القبليات والأسئلة والميول والتطلعات؛ استعداداً لتفسير هذه النصوص المكتظّة بالأسرار والتعقيد، عمليّة في منتهى الصعوبة والإجهاد، وتحتاج إلى قابليات خاصّة. لهذا لم يتصدَّ لتفسير النصوص الدينيّة إلاّ ذوي العقليّات الدينيّة القويّة([62]).

والحقيقة أنّ هذه المعطيات هي من باب المسلَّمات إلى حدٍّ ما، لكنّ موضع الإشكالية: ما هي ضمانتنا بأنّ ميول وتطلعات المفسِّر تطابق تطلعات مؤلِّف النصّ؟ وخصوصاً إذا تعلَّق الأمر بنصٍّ دينيّ قديم العهد؟ هنا تأتي أهمّيّة المرحلة الثالثة: استنطاق التاريخ.

3ـ استنطاق التاريخ

هنا يوضِّح الدكتور شبستري أنّ القبليات والميول والتطلعات والاستفهامات، وحتى الاطّلاع على تفاسير الآخرين، كلّها تقود المفسِّر إلى البحث عمّا يريد أن يقوله النصّ. وفي هذه المرحلة يتحتَّم على المفسِّر أن يقوم باستنطاق التاريخ والإصغاء إليه. لذا لا يتيسر ذلك إلاّ بمنهجيّة تاريخيّة تحليلية دقيقة محايدة، والتعرُّف على قواعد وأسس اللغة والحوار التي كان القدماء يستعملونها، ويسمّونها أحياناً «قواعد التفسير»، والإحاطة بكل مباحث الألفاظ في علم الأصول. وقد ظهرت حديثاً أبحاث في أساليب النقد التاريخيّ فتحت أبواباً واسعة أمام هذا الموضوع. وفي ما يلي أشير إلى عدّة نقاط أساسيّة حول الموضوع «ماذا يقول النصّ؟» لابدّ لأيّ مفسِّر أن يتطرَّق إليها:

1ـ التعرّف على المعنى المباشر للمفردات والجمل.

2ـ دراسة الدور التغييري والتعبوي للنصّ، أي البحث في تأثير النصّ على مخاطَبيه، ضمن شكله الخاصّ والظروف الاجتماعيّة العامّة.

3ـ المعرفة بالقصد الجادّ لصاحب النصّ، فما هو يا ترى هدف الخطيب أو الكاتب من النصّ؟

4ـ التأثير الذي يتركه النصّ، بغضّ النظر عن أهداف صاحبه أو غيره من الأشخاص.

وأهمّ ما يثير الدكتور شبستري هو النقطة الثانية. فالبيانات اللغويّة، ومن ضمنها الكتابات، تترك أثراً في المتلقّي، وتعلب دوراً خطابياً تعبوياً في علاقتها معه. وهي بطبيعة الحال تطالب بردّة فعلٍ من مخاطبيها، يمكن تقسيمها إلى نوعين أساسيّين:

الأوّل: معرفة حقيقة معيّنة (دعوة معرفيّة).

الثاني: المبادرة إلى فعل شيء محدَّد، أو ترك العمل بشيء معين (الدعوة السلوكيّة).

وأهمّ أنواع الدعوة المعرفيّة: الاستفهام التقريري (دعوة المتلقّي إلى الإيمان)، والاستدلال (هادف إلى منح رؤية معينة للمخاطب)، وإخبار (يرمي إلى الإعلام وإلإنباء)، وتحذير (تنبيه المخاطب إلى أمر أو حالة معينة)، وإيضاح (تفهيم المتلقي)، وإيجاب (الهادف إلى تصديق المخاطب).

أمّا الدعوة السلوكيّة، التي ترمي إلى دفع المخاطب صوب القيام بعمل معين أو تركه لعمل معين، فيمكن أن تكون إيجاباً أو تحريماً.

وكلّ هذه أدوات لفهم المعنى الذي يقصده مؤلّف النصّ، ويمكن استخدام هذه الأدوات عبر سلسلة من المواقف والأحكام. والمسألة المهمّة هنا هي الملاك الدقيق في مناط ومعيار هذه المواقف، ودراسة منابتها وأصولها. صحيحٌ أن النصّ يفيد معنىً معيناً، لكن هذه الإفادة لا تصبح ممكنة إلاّ عندما يحدِّد المفسِّر مفروضة معينة في ما يقصده المؤلِّف من المعاني، وما ليس بإمكانه أن ينوي إيصاله من المعاني. وتشخيص هذه الإمكانيّات يحتاج إلى معايير ومناطات دقيقة([63]).

 

4ـ تشخيص بؤرة المعنى

يحدِّد شبستري المراد بـ «بؤرة معنى النصّ» وجهة النظر الرئيسيّة التي تدور حول محورها جميع معطيات النصّ. وواضحٌ أنّه من المهمّ جداً تشخيص هذا الأساس، وفهم كلّ النصّ باعتباره بناءً يقوم على هذا الأساس. ولا يمكن تشخيص بؤرة المعنى بطريقة غير ممنهجة، وبدون معايير وأساليب دقيقة. وأسلوب التشخيص هو «استنطاق التاريخ» أو «الإصغاء للتاريخ» الذي أسلفنا القول فيه، وهذا عين القول بوحدة النصّ بوصفه كياناً متفرّداً بمعنى عامّ تامّ. فجميع أجزاء النصّ تفهم ضمن علاقتها ببؤرة معنى النصّ، وإلاّ بطل أن يكون فهماً صحيحاً للنصّ. لكنّ المعضلة التي تقف أمام علماء الهرمنوطيقا، هي كيف يتيسَّر الوصول إلى بؤرة معنى النصّ؟ وما هي الضمانات على أن ما وصلنا إليه هو البؤرة أم غير ذلك؟ لا زالت أبحاث العلماء تتعمق على هذا المستوى؛ للخلوص إلى آلية متَّفق عليها حدّ الإجماع.

5ـ ترجمة النصّ إلى الإطار التاريخيّ الذي يعيشه المفسِّر

وطبعاً هذه المرحلة من المسلَّمات؛ لأنه عندما يختلف الإطار التاريخيّ الذي عاشه المؤلِّف عن الإطار التاريخيّ الذي يعيشه المفسِّر فإنّ التجارب ستكون مختلفة كلّياً، وعليه يضحى من اللازم ترجمة النصّ بتحويله إلى الإطار التاريخيّ الذي يعيشه المفسِّر. وطبعاً هذه الترجمة ما هي إلاّ إحياءٌ للنصّ في الإطار التاريخيّ المعاش من قبل المفسِّر. وطبعاً مفتاح فهم نصوص العصور الخالية يتمثَّل في فهم تجارب البشر في تلك العصور. فهو نوعٌ من التمثُّل المبدئيّ الأوّليّ، على أساس من الموضوعيّة، دون إسقاط الأفهام المعاصرة على الأفهام القديمة في العصور، وإلاّ عُدَّ هذا تحريفاً، وليس فهماً تاريخاً للنصّ، ومن ثمّة يكون من الضروري الحفاظ على البيان الأصليّ للنصّ، وعدم ترجمته إلى الإطار التاريخيّ المعاصر في المرحلة الأولى، وإلاّ شكَّل هذا الأمر سقطة هرمنوطيقية يتعيَّن تجاوزها. فـ «التفسير الصحيح لا يحصل، والفهم الحقيقيّ لا يتأتّى، إلا عندما يندمج المفسِّر ومخاطبوه بالنصّ، ويأخذ المعنى بالإفصاح عن نفسه. وفي حالة الإبقاء على البيان الأصليّ للنصّ، وعدم ترجمته إلى الإطار التاريخيّ المعاصر، أو في حالة تطبيق النصّ على قبليات المفسِّر (مع أهمّيّة هذه الأخيرة)، لن يحصل الاندماج المطلوب، ولن يتَّضح المعنى الخفيّ»([64]).

وتبقى الضمانة الكبرى لتحقُّق الفهم الصحيح للنصّ في أيّ عصر هي اعتماد المشترك الإنسانيّ([65])، بوصفه المنطق العامّ لإنتاج النصوص وفي جميع العصور، فهو إلى حدٍّ ما الإجماع التناصصي بين الأمم، وغربلة القبليات، بإخضاعها لمنطق النصّ الباطني، والتوفر على مجموعة من القبليات المحيطة بموضوع النصّ.

إذاً يقدِّم شبستري قراءة تاريخيّة للإسلام، ويرفض المبدأ القائل بإمكان أن يتَّصل الإنسان بالحقّ الإلهيّ، معتمداً على مدارس التأويل الحديثة في الدحض والمناقشة، والتي تنفتح على القول بأنّ المعرفة الدينيّة، بما فيها المعرفة بالله، هي معرفة دائماً إنسانيّة، أي متغيّرة، لا مطلقة.

 

6ـ هل احتوى القرآن على كلّ شيء؟

ويردّ شبستري على بعض الذين يقولون: إن القرآن الكريم حوى كلّ صغيرة وكبيرة، بناء على قولـه تعالى: ﴿تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، فيرى أنّ لها ظرفها الخاصّ.

فالقرآن يتضمَّن بيان الهداية، وهو ينطوي على تفاصيل ذلك. وهذه الهداية هي وظيفة النبي، ولكن يجب أن ننظر إلى معنى الهداية التي هي وظيفة النبي وحدودها ومجالها. وهذا أمر يتمّ بيانه وإيضاحه بتلك المباني الفلسفيّة والكلاميّة (الهرمنوطيقا).

يقول: أنا لا أفهم من الوحي الإسلاميّ الكتاب المجموع بين الدفتين، وبالتالي يجب أن نغيِّر منظارنا لرؤية الأمر. فالمنظار السابق لا يكفي، لا يكفي النظر إلى المتن كمصحف كما كانوا يذهبون، ليس هذا هو معنى الفهم الآن، ليس فقط بالنسبة إلى القرآن، بل إلى الكتب الأخرى أيضاً. فعندما نريد أن نفهم كتاب «المثنوي المعنوي» لجلال الدين الرومي، أو ديوان الشاعر حافظ الشيرازي، ففهم المثنوي هو فهم عالَم جلال الدين، فهم القرآن هو فهم عالَم النبي، عالم الوحي؛ لأنَّ ما يهمني وأريده هو واقعيّة الوحي في الإسلام. نحن مخاطبون بالوحي، إنّه يتوجَّه إلينا بالكلام، ويناجي قلوبنا، ويغيّر فينا، وفي كلّ الأحوال هو الذي سخّر وجودنا([66]).

ويرى شبستري أنّ المنهج الأفضل في تفسير الكتاب والسنّة هو أن نفهمهما فهماً تاريخيّاً. لكنّ الفقهاء لم يلتفتوا إلى هذه المسألة، فكان فهمهم للنصوص الدينيّة غير تاريخيّ. والمراد بالفهم غير التاريخيّ أن لا تدخل الظروف التاريخيّة والاجتماعيّة لنزول الوحي وصدور الروايات في فهمهما والاعتبار الشرعيّ لهما، ونتصوّر أن الآيات والروايات تبيِّن أحكاماً مطلقة، دون أن تكون ناظرةً إلى ظروف تاريخيّة واجتماعيّة خاصّة، لهذا ينبغي العمل بها في أيّ ظرف كان، فهي ما فوق التاريخ. ويعود كثير من الأحكام في العهد النبويّ، سواءً ما ورد في القرآن أو في الأحاديث، إلى الأهداف والقيم الثانويّة، والعرضية، والمقطعيّة([67]).

يقول شبستري: لعلّ الحوادث التاريخيّة كانت تسير بشكل آخر، وتنزل أحكام أخرى، ويصبح تأريخ الإسلام والإيمان غير ما هو عليه، لو لم يعارض المشركون دعوة الرسول، ولم يضطرّ إلى الهجرة، ولم يتصدَّ للشأن السياسيّ، وهذا ما أقصده بقولي: إن كثيراً من الأحكام جاء من باب الصُّدفة، لأنَّ الأحكام ناظرة إلى حوادث تاريخيّة وجدت نتيجة صدفة([68]).

هذه مجمل مقاربة الشيخ شبستري لأوليّات الهرمنوطيقا لمقاربة النصّ، مع تبيان معتمداته، والتي على أساسها أظهر المرحليّات المحوريّة الثلاث المتبناة من قبله، والتي سبق لنا أن نوَّهنا إلى أنه تجميع للمرحليّات الخمس، كما أشار إليها أساطين الفكر الهرمنوطيقي.

 

ـ يتبع ـ

الهوامش:

(*) باحثٌ في مجال الأديان والمذاهب، من العراق.

([1]) «Religious Knowledge».

([2]) «Secularism».

([3]) «Islamisation».

([4]) يعتقد عالم الاجتماع الإيراني والأستاذ في جامعة طهران «سابقاً» وجامعة سرِاكيوز «Syracuse» الأمريكية «حالياً» الدكتور حسين بشيريّة أنّ الصراع الاجتماعيّ والسياسي في تاريخ إيران الحديث هو في الغالب نتاج لانقسام ثقافيّ حول الحداثة. (انظر: موانع توسعه سياسي در إيران (عقبات التطور السياسي في إيران: 133، منشورات كام نو، طهران، 2001م).

([5]) الهرمنوطيقا «Hermeneutics»: اللفظ الإفرنجي له علاقة بهرمس «Hermes»، الذي هو رسول الله لدى اليونانيين، ولهذا كان عليه أن يفهم ويؤوِّل أولاً ما يريد الآلهة توصيله للبشر، قبل أن يترجم ويشرح مقاصد الآلهة نحو البشر، ومن هنا فإنّ التأويل مرادف للهرمنوطيقا.

أصبحت الهرمنوطيقا علماً في عصري النهضة والإصلاح الدينيّ لمواجهة السلطة الدينيّة، التي تزعم أنّ لها وحدها الحق في فهم النصوص المقدّسة. ولهذا تبنّى المصلحون البروتستانت «Protestant» مبدأ الكفاية الذاتيّة للنصّ المقدّس. وقد بلور هذا المبدأ ماثياس فلاسيوس إيليركيوس
«Mathias Flacius Ilyricus» في كتابه (clavis scripturae sacrae, 1567)، وهو يدور على حجّتين رئيسيّتين:

الأولى: مفادها أنّه إذا كان الكتاب المقدس «Bible» لم يفهم تماماً فهذا لا يعني أن تفرض الكنيسة تأويلاً برانياً؛ لكي تجعله معقولاً.

الثانية: يشترك فيها إيليريلوس مع مارتن لوثر «Martin Luther»، اللاهوتيّ الألمانيّ ومؤسس المذهب البروتستانتي، في أنّ الكتاب المقدس ينطوي على اتّساق جواني واتّصال آياته بعضها ببعض.

وحصر فلاسفة التنوير الهرمنوطيقي في مجال المنطق «Logic»، وحاولوا الكشف عن مبادئها العامة التي يمكن تطبيقها في جميع مجالات المعرفة. وأثار كريستيان فولف «Christian Wolff»، في كتابه (المنطق)، قضايا هرمنوطيقية في عديد من الفصول، مثل: العلاقة بين المؤلّف والنصّ، واللغة بمعنى بيان مدى توفيق المؤلّف في التعبير عن مقصده. فإذا كان النصّ غامضاً فمعنى ذلك أنّ المؤلّف لم يفلح في الاستخدام الصحيح للغة، وفي تأسيس البناء الملائم لحججه.

([6]) «Modern Linguistics».

([7]) «Religious Ploralism».

([8]) «Religious Rationalist».

([9]) «Rationalization of Religion».

([10]) «Classical Theology».

([11]) التنوير «Enlightenment»: هو اتّجاه ثقافيّ ساد أوروبا الغربيّة في القرن الثامن عشر، بتأثير طبقة المثقَّفين، المعروفين باسم المتفلسفين، من أمثال: فولتير «voltaire» (1694 ـ 1778) الكاتب والفيلسوف الفرنسيّ؛ ودنيس ديدرو «Denis Diderot» (1713 ـ 1784) الفيلسوف الفرنسيّ؛ وكوندورسيه «condorcet» (1743 ـ 1794) الفيلسوف والرياضيّ الفرنسيّ؛ وهولباخ
«Holbach» (1723 ـ 1789) الفيلسوف الألمانيّ الفرنسيّ، الذي أحرق أهمّ كتاب له «نظام الطبيعة» في عام 1770م بصورة علنيّة، بأمر من برلمان باريس(Paris)؛ وسيزار بيكاريا
«Cesare Beccaria» (1738 ـ 1794) المفكِّر والفيلسوف الإيطاليّ، الذي لاقى كلّ الاستحسان من جماعة فلاسفة الموسوعة الفرنسيّة، التي كان يشرف عليها ديدور «Diderot».

وكان التنوير نتاج عصر العقل، وأفكار تقوم على ثلاث وحدات تتعلَّق بالعقل والطبيعة والتقدّم، وتكوّن في مجموعها الفلسفة والأخلاق الطبيعيّين، وأساسها العلم باعتباره طريق العقل، ليس لبلوغ الحقيقة، ولكن لتنظيم الحياة، ولتكون الأرض مدينة الله، بعد أن يئس الإنسان من بلوغ مدينة الله في السماء. وشعار التنوير لذلك: «العلم للجميع»؛ و«القراءة للجميع».

([12]) «Charisma».

([13]) الدكتور مهرزاد بروجردي، المستنيرون الإيرانيّون والغرب: 288، ترجمة: حيدر نجف، دار الهادي، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، 2007م.

([14]) يقول محمد مجتهد شبستري: الشخصية الوحيدة التي تأثرت بها طوال حياتي هي شخصية العلامة الطباطبائي. (فصلية «مدرسه»، العدد 6: 57، طهران، 2007م).

([15]) دافع شبستري في تلك الفترة عن حركة تأميم النفط، بقيادة الدكتور محمد مصدّق(1967م)، رئيس وزراء إيران آنذاك(1951 ـ 1953م)، وكذلك عن حركة جمال عبدالناصر(1970م) في مصر.

([16]) «Hamburg».

([17]) البروتستانتية «Protestantism»: مذهب أسّسه مارتن لوثر «Martin luther»(1546م)، الذي انشقَّ عن الكنسية الكاثوليكية في فترة حركة الإصلاح «Reformation»، التي بدأت في النصف الأول من القرن السادس عشر.

وأصبحت البروتستانتيّة تطلق على عدد من الكنائس المستقلّة، التي تختلف في مبادئها الاعتقاديّة مع الكنيسة الكاثوليكيّة. والفارق الأساسيّ بين البروتستانتيّة والكاثوليكيّة يقوم على عدّة عقائد «Dogmes»، منها: أنَّ البروتستانتيّة لا تخضع لسلطة غير سلطة الكتاب المقدّس «Bible»، وترفض السلطة الكنسيّة المتمثّلة في البابا والإكليروس. وهي ترفض الاعتراف بأيّ دور للملائكة والقدّيسين والعذراء، ولا تقرّ إلاّ بعبادة الثالوث المقدّس.

وقد انتشرت البروتستانيّة في البلاد الإسكندنافيّة وألمانيا وسويسرا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. وقد اعتقد الكثير من المفكّرين وعلماء الاجتماع أنّ البروتستانتية قد ساعدت على تبلور المسؤوليّة الشخصية والروح الفرديّة، وفتحت الطريق أمام الحريات الشخصية والديمقراطيّة، ومهّدت السبيل إلى ظهور الروح الرأسماليّة، ومن بين هؤلاء: ماكس فابير، في كتابه المشهور «الأخلاق البروتستانتيّة وروح الرأسماليّة»، الذي صدر عام 1905م.

([18]) اللاهوت «Theology»: الخالق، والناسوت: المخلوق. وربما يطلق الأول على الروح، والثاني على البدن. وربما يطلق الأول على العالم العلوي، والثاني على العالم السفلي، وعلى السبب والمسبّب، وعلى الجنّ والأنس. وعلم اللاهوت هو العلم الذي يبحث في الله وصفاته، وعلاقته بالعالم والإنسان، ويرادفه علم التوحيد، وعلم الكلام، وعلم الربوبية. وعلم اللاهوت قسمان:

1ـ علم اللاهوت الطبيعيّ، المبني على التجربة والعقل.

2ـ وعلم اللاهوت الدينيّ أو الاعتقاديّ، المبني على الوحي، أي على كلام الله المحفوظ في الكتب المقدّسة.

ويسمى علم اللاهوت الطبيعيّ بالإلهيّات، أو علم الربوبية، أو الفلسفة الإلهيّة، وموضوعه البحث في العناية الإلهيّة والحرّيّة الإنسانيّة وأسباب وجود الشر.

([19]) «Karl Barth»(1968م).

([20]) «Rudolf Bultmann»(1976م).

([21]) «Immanuel Kant»(1804م).

([22]) نظريّة المعرفة «Knosiology»: هي البحث في طبيعة المعرفة، وأصلها، وقيمتها، ووسائلها، وحدودها. وهي غير السيكولوجيا التي تقتصر على وصف العمليّات العقليّة، وغير المنطق الذي يقتصر على صياغة القواعد المتعلقة بتطبيق المبادئ العامة، دون البحث في أصلها وقيمتها. وقيل: إن نظريّة المعرفة قسم من علم النفس النظريّ الذي يصعب فيه الاستغناء عن علم ما بعد الطبيعة؛ لأن غرضه البحث عن المبادئ التي يفترضها الفكر متقدّمة على الفكر نفسه. ومعنى ذلك أن نظريّة المعرفة هي البحث في المشكلات الفلسفيّة الناشئة عن العلاقة بين الذات المدركة والموضوع المدرك، أو بين العارف والمعروف. وأقدم صور هذه النظريّة بحث الفلاسفة عن درجة التشابه بين التصوّر الذهنيّ والشيء الخارجيّ لمعرفة حقيقة المطابقة بينهما. وأحدث صورها تلك التي تبحث عن طبيعة الذات المدركة لمعرفة الأثر الذي تتركه هذه الذات في تصوّر الشيء الخارجيّ.

([23]) «wilhelm Delthey»(1911م).

([24]) «Philosophy of Livef»: اتجاه نشأ في الفلسفة الألمانيّة في بداية القرن العشرين. وكان شوبنهاور «Arthur Schopenhauer»(1860م) أوّل مَنْ فلسف هذا الاتجاه. وقد حاولت فلسفة الحياة أن تسدّ النقص الحاصل في المادّيّة الآلية. ويقوم المفهوم الأساسيّ لهذه الفلسفة على أنّ الحياة هي «المبدأ المطلق» الذي يعجز العلم عن إدراكه؛ لأن الحياة لا تدرك بواسطة الحواس أو التفكير المنطقيّ، بل أنها تدرك حدسيّاً «Intuitively»؛ لأنها «مبدأ» متعدّد الأشكال، وفي حركة أبدية، وعلى النقيض من «المادّة» أو «الوعي»، كما يمكن أن تدرك بالعاطفة الدينيّة. لذلك كان هناك تمييز بين مجموعتين أساسيّتين من أتباع فلسفة الحياة:

الأولى: ويمثّلها هنري برغسون «Henri Bergson»(1941م). وتفهم الحياة بمعناها البيولوجي، لكنها تمدّ نطاق الصّفات البيولوجية لتشمل الواقع كله.

الثانية: فيمثلها فردريك نيتشه «Friedrich Nietzsche»(1900م)، وفلهلم دلتاي(1911م)، وجورج سيميل «George Simmel»(1918م). وتتصوّر الحياة على أنها الإرادة العاطفية الداخليّة، أو العرض اللاعقلانيّ للقوى الروحيّة.

([25]) «Hans George Gadamer»(2002م).

([26]) «Philosophical Hermeneutics».

([27]) انظر: مجلة نقد ونظر، العدد (45 ـ 46): 233، 2007م، مقالٌ للأستاذ محمّد تقي سبحاني، تحت عنوان: «در آمدى بر جريان شناسي أنديشه اجتماعي ديني در إيران معاصر».

([28]) انظر: المصدر نفسه.

([29]) «Ideology»: من أعقد وأغنى المفاهيم الاجتماعيّة. يعتبر المفكر الاجتماعيّ اليهوديّ المجري كارل مانهايم «Karl Mannheim»(1947م) أنّ هناك صنفين من الأيديولوجيا:

1ـ المفهوم الخاصّ؛ 2ـ المفهوم الشامل.

فالأيديولوجيا بمعناها الخاصّ هي منظومة الأفكار التي تتجلى في كتابات مؤلِّف ما، تعكس نظرته لنفسه وللآخرين، بشكل مدرك أو بشكل غير مدرك.

أمّا الأيديولوجيا بمعناها العامّ فهي منظومة الأفكار العامة السائدة في المجتمع.

والمصطلح أصلاً مركَّب من كلمتين يونانيتي الأصل، هما: idea؛ وLogy، ومعناها اللغويّ هو (علم الأفكار).

([30]) انظر: محمّد مجتهد شبستري، هرمنوتيك كتاب وسنّت: 48 ـ 49، منشورات طرح نو، طهران، 1966م.

([31]) فصلية «الحياة الطيبة»، العدد 9: 45، ربيع: 2002م ـ 1423هـ، في حوار بين محمد مجتهدي شبستري ومحسن كديور.

([32]) المصدر السابق: 53.

([33]) انظر: فصلية «مدرسه»، العدد 6: 61، طهران، 2007م.

إنارة: ذكرت إحصاءات رسمية، طبقاً للأمم المتحدة، أن ما بين 150 إلى 180 ألف جامعي يهاجرون من إيران سنوياً، بينهم عدد كبير من ذوي المؤهلات العالية. وتقدر الحكومة الخسائر الناجمة عن هذه الهجرة بما يزيد عن 50 مليارد دولار سنوياً. (مجلة «شهروند إمروز»، 21 سبتمبر 2008، طهران: 14؛ صحيفة «إيران» العدد 2739: 18، 3 مارس 2003، طهران). وطبقاً لاستقصاء للرأي بين أساتذة الجامعات الإيرانيّة في العام 2002 فإن 70% منهم يفكر في الهجرة إلى خارج إيران. (صحيفة «إيران»، العدد 2210: 6، 13 أغسطس 2002، طهران).

([34]) انظر في ذلك: فصلية «نصوص معاصرة»، العدد 10: 8 ـ 9، ربيع 2007م، بيروت.

([35]) للمزيد عن حياة شبستري انظر: فصلية «مدرسه»، العدد 6: 56 ـ 61، يونيو 2007م، طهران؛ وكذلك انظر: محمد مجتهد شبستري، مدخل إلى علم الكلام الجديد: 53 ـ 57، دار الهادي، بيروت، 2000م.

([36]) «Liberalism».

([37]) البراغماتية «Pragmatism»: مذهب تجريبي يتَّخذ القيمة العمليّة، أي النجاح، معياراً للحقيقة. والمذهب البراغماتي يحدِّد قيمة الصدق بفائدته العمليّة.

أوّل ظهور هذا المذهب مع تشارلز ساندرس بيرس «Charles pierce» في عام 1878م في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد كانت البواعث على نشأته بواعث دينيّة. فقد كان المفكِّرون يبحثون دائماً عن تعريف الحقيقة الدينيّة، أي عن الأساس الفلسفيّ الذي ينبني على التصديق أو عدم التصديق بما تقوله الأديان. وهذا ما أدّى بهم إلى نظرة عمليّة في تصوّر الحقيقة بصفة عامة، أي إلى إيجاد معيار لنميّز به الحقيقة من الباطل. وقد توصّلوا إلى هذا المعيار العمليّ تحت تأثير فلسفة كنت «Immanuel Kant». فالحقائق المتيافيزيقيّة «Metaphysics» التي لا يمكن معرفتها بالعقل النظريّ يمكن أن تحلّ مسألة إمكانها كمعرفة، إذا واجهناها على أساس نتائجها العمليّة في حياتنا، لا على أساس مطابقتها لأشياء موجودة خارجاً عنّا. ويعطينا بيرس مثلاً: إنّ معنى الله لا نستطيع أن نحقق منه بالرجوع إلى وجود خارجيّ ما، فهذا غير ممكن، وإنّما فقط بالنظر إلى النتائج المختلفة لسلوكنا المبنيّ على الاعتقاد بالألوهيّة وما تحدثه من فروق في حياتنا، ممّا لا يتيسَّر مثله للملحد. فمجموع نتائج هذا السلوك المؤمن هو الذي يوضِّح ويعرِّف في ذهننا معنى الألوهيّة.

([38]) حكم على الكاتب والصحفي هاشم آقاجري بالإعدام؛ (لاتهامه بالارتداد) من قبل محكمة الثورة؛ لانتقاده بعض رجال الدين والحوزة العلميّة، وخاصّة مسألة التقليد، ثم عفا عنه مرشد الثورة الإسلاميّة السيد علي الخامنئي؛ بسبب الأزمة التي مرّت بها إيران.

وبداية المحنة كانت قبل أربعة أشهر من قرار الإعدام، وتحديداً في يونيو (حزيران) 2002. وبدأت ملامحها في المحاضرة التي ألقاها آقاجري في الذكرى الـ 25 لرحيل المفكِّر علي شريعتي (1977م). وفيها حاول آقاجري استلهام روح شريعتي؛ لتشريح ونقد ممارسات المؤسسة الدينيّة التقليديّة، والتي من شأن استمرارها أن تقود للجمود والتخلُّف على كافة الأصعدة. في تلك المحاضرة، التي أسماها «شريعتي والپروتستانتية الإسلاميّة»، بلور العديد من النقاط التي اعتبرها هامّة لتنشيط وعي الإيرانيّين بما حولهم، ومن أهمّها:

1ـ نقد مقولات أنّ المقدّس والروحيّ أطهر من العقل والعلم.

2ـ نقد مقولة وسطية رجال الدين الإلزامية بين المسلم وفهم القرآن وما به من أحكام وتشريعات؛ لكونها ردّة لمرحلة عبادة الأصنام التي سادت قبل الإسلام.

3ـ نقد مفهوم الدين الرسمي ومقوّماته التقليديّة، أو ما أسماه «انحطاط الدين الرسميّ»؛ بهدف تجديد عناصر الدين الحقيقيّ الموجودة في الأصل، وليس في التراكمات التاريخيّة التي أحاطت به.

4ـ الدعوة للفصل بين الإسلام الذاتيّ والإسلام التاريخيّ. فالأول هو أصل الدين، بينما الثاني حصيلة تفكير وتجارب الروحانيين والعلماء على مدى الحقب الماضية.

وفي النهاية ختم آقاجري محاضرته بضرورة الفصل بين الدولة والمؤسسة الدينيّة، وليس الإسلام، حتى لا ينتهي بها المطاف إلى ما آلت إليه الكنيسة الكاثوليكية في روما. (للمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع راجع: صحيفة «نوروز»، العدد 353: 3، 22 يونيو 2002؛ والعدد 356: 1 ـ 2، 25 يونيو 2002، طهران).

([39]) Carl Popper(1994م).

([40]) Imre Lakatos(1974م).

([41]) Carl Hempel(1997م).

([42]) يقول (بوبر) في مبدأ القابلية للدحض أن المعيار في تمييز العلم من شبه العلم ليس البرهان التجريبي ـ كما يرى الاستدلال الاستقرائي للوضعيين المنطقيّين ـ، وإنما هو القابلية للدحض عن طريق المشاهدة. ويذهب (بوبر) إلى الاعتقاد بأن العلم ثورة دائمة، وأن العلم يؤدي مهمّته من خلال تهافت النظريّات المرفوضة، وتطور النظريّات القابلة للدحض.

وخلاصة القول هي أن (بوبر) لا يرى قيمة إلاّ للنظريّات التي تتيح إظهار خطئها. وقد استدلّ (لاكاتوش) ـ زميل (بوبر) ـ على أنّ العلم يسير بحالة أكثر تدريجية ممّا يستشفّ من معتقدات بوبر في الحدس، والدحض، وتهافت النظريّات. ويرى (لاكاتوش) أن الإنسان عند العلماء لا يتعامل مع نظريّة واحدة، وإنّما مع مجاميع متعددة من النظريّات، وأنصار هذه المجاميع مترابطون فيما بينهم بمناهج بحث واسعة.

([43]) انظر في ذلك: مجلة «آفتاب»، العدد 33: 90 ـ 91، سنة 2004م، طهران، مقال للأستاذ شبستري، تحت عنوان: حقوق بشر، متون أديان إبراهيمي وحاكميّت حقوقي خداوند «حقوق الإنسان، نصوص الأديان الإبراهيمية والحاكمية القانونية لله».

([44]) يقول شبستري بالحرف الواحد: «إن القرآن والسنّة هما مجموعة من النصوص الوحيانية التي تبيّن حركة الإنسان وأهدافه في سلوكه التوحيدي، وهذه النصوص تعمل على الإجابة عن الأسئلة وعلامات الاستفهام التي تواجه الإنسان في سلوكه النظريّ والعمليّ، وعلى هذا الأساس فالعلاقة التي تربط الإنسان بهذه المجموعة من النصوص هي بعينها التي تحدّد علاقة الإنسان بفهم المعنى والمصير النهائيّ لذاته، ومن ثم طريق الفلاح في محضر الله تعالى.

مثلاً: مداخلات القرآن والسنة في صياغة الروابط العائلية والاجتماعيّة في ميدان الحكومة والقضاء وأمثال ذلك لا تمثّل صياغة قوانين في هذا المجال؛ لأنَّ مثل هذه القوانين كانت موجودة في ذلك المجتمع، وكان الناس يعيشون في علاقاتهم هذه القوانين، ولكن مساحة المداخلات كانت على مستوى المنع فقط، أي منع ما يخالف الأخلاق والكرامة الإنسانيّة والعدالة، ومنع ما يمثّل حجر عثرة في طريق السلوك التوحيدي المعنويّ». (محمد مجتهد شبستري، إيمان وآزادي (الإيمان والحرّيّة): 85 ـ 86، منشورات طرح­ نو، طهران).

([45]) محمد مجتهد شبستري، نقدي بر قرائت رسمي أز دين (نقد القراءة الرسمية للدين): 65، منشورات طرح نو، طهران، 2000م.

([46]) التاريخيّة «Historicism»: منهج يقوم على مبدأ أساسيّ، وهو أننا لا نستطيع أن نحكم على الأفكار أو الحوادث إلاّ بالنسبة إلى الوسط التاريخيّ الذي ظهرت فيه، لا بالنسبة إلى قيمتها الذاتيّة وحدها؛ لأننا إذا نظرنا إليها من الناحية الذاتيّة فقط ربما وجدناها خاطئة، ولكننا إذا نسبناها إلى الوسط التاريخيّ الذي ظهرت فيه وجدناها طبيعيّة وضروريّة.

([47]) محمد مجتهد شبستري، هرمينوتيك كتاب وسنّت (تأويل الكتاب والسنّة): 48، منشورات طرح نو، طهران، 1996م.

([48]) المصدر السابق: 66.

([49]) انظر: نقدي بر قرائت رسمي أز دين (نقد القراءة الرسمية للدين): 65.

([50]) هرمينوتيك كتاب وسنّت (تأويل الكتاب والسنّة): 88.

([51]) انظر: توفيق السيف، حدود الديموقراطية الدينيّة: 235، دار الساقي، لندن ـ بيروت، 2008م.

([52]) انظر: نقدي بر قرائت رسمي أز دين (نقد القراءة الرسمية للدين): 50.

([53]) فصلية «الحياة الطيّبة»، العدد 9: 74، ربيع 2002م ـ 1423هـ، في حوارٍ بين محمد مجتهد شبستري ومحسن كديور.

([54]) أثيرت نظريّة «اختصاص الخطاب بالمشافهين» ـ في ما يبدو ـ عند علماء الأصول (الشيعة) في العصر الذي تلا الوحيد البهبهاني(1205هـ)، من قبل الميرزا القمي(1231هـ)، صاحب كتاب (قوانين الأصول)، وفي خضم الحديث عن انسداد باب العلم. وقد أخذت جدلاً هامّاً وحيّزاً أساسيّاً من الدراسات الأصوليّة، فقد بحثها الأصوليّون الشيعة في مباحث الألفاظ من علم أصول الفقه، وفي بحوث العام والخاصّ بالتحديد، رغم أنها تقبل أن تكون أوسع دائرةً من بحث العامّ والخاصّ، وبالذات بحث التأويل (الهرمنوطيقا) في النصوص المقدّسة.

وتتلاقى هذه النظريّة مع نظريّة أخرى، كما يفهم من كلمات علماء الأصول، ولا سيما المحقق الخراساني(1329هـ)، صاحب كتاب «كفاية الأصول»، وهي نظريّة اختصاص حجّيّة الظهور بالمقصودين بالإفهام، تلك النظريّة التي تواتر رفضها جيلاً بعد جيل عند علماء الأصول. (للمزيد حول هذا الموضوع انظر: حيدر حب الله، نظريّة السنّة في الفكر الإماميّ الشيعيّ، التكون والصيرورة: 745 ـ 747، مؤسسة الإنتشار العربيّ، بيروت، 2006م).

([55]) انظر: محمد مجتهد شبستري، مدخل إلى علم الكلام الجديد: 68، 134، دار الهادي، بيروت، 2000م.

([56]) «Sacred Texts».

([57]) التفسير «Explanation»:

1ـ تحديد دقيق لما هو مجهول وغامض.

2ـ بيان أن موضوع معرفة ما متضمَّن في حقائق مسلَّم بها، أو في مبادئ ليس فقط مسلَّم بها، بل هي أيضاً واضحة، أي مستندة إلى أحكام ضرورية.

يعرِّفه الجرجاني (صاحب التعريفات) بأنّه «في الأصل هو الكشف والإظهار. وفي الشرع توضيح معنى الآية وشأنها وقصّتها والسبب الذي نزلت فيه بلفظ يدلّ عليه دلالة ظاهريّة».

([58]) انظر: محمد مجتهد شبستري، هرمنوتيك كتاب وسنّت (هيرمنوطيقا ـ تأويل ـ الكتاب والسنة): 16 ـ 29، منشورات طرح نو، طهران، 1996م.

([59]) «Explicit Text».

([60]) انظر: هرمنوتيك كتاب وسنّت: 16 ـ 22.

([61]) المصدر السابق: 7 ـ 8.

([62]) انظر: المصدر السابق: 22 ـ 24.

([63]) انظر: المصدر السابق: 24 ـ 26.

([64]) المصدر السابق: 28 ـ 29.

([65]) الإنسانيّة أو الأنسنة «Humanism»: أطلق هذا اللفظ للدلالة على الحركة الفكريّة التي يمثِّلها المفكِّرون في عصر النهضة، ممَّن اشتهروا باسم الإنسانيّين، مثل: إيراسموس «Erasmus» (1469 ـ 1526) في هولندا، وفرنسوا ربلية «F. Rabelais» (1494 ـ 1553)، ومونتين «Montaigne»
(1533 ـ 1592) في فرنسا، وتوماس مور «Thomas More» (1478 ـ 1535) في إنجلترا. وهي حركة أوضح سماتها السعي إلى الإعلاء من سلطان العقل، ومقاومة السلطة والجمود وسبيل أنصارها تحطيم قيود العصر الوسيط.

وفي عام 1980م ظهرت حركة فلسفيّة جديدة تحت عنوان: الإنسانيّة العلمانية «Humanism Secular» معتمدة من ثمانية وخمسين فيلسوفاً، منهم: سدني هوك «Sidny Hook» الفيلسوف الأمريكي؛ وآخرون. والبيان يرصد المبادئ العشرة للإنسانيّة العلمانية:

1ـ البحث الحرّ: وهو يعني الحقّ في الاختلاف، ليس فقط في العلم والحياة اليومية، بل في السياسة والاقتصاد والأخلاق والدين.

2ـ فصل الكنيسة عن الدولة: وبذلك يتأسَّس مجتمع مفتوح وديمقراطي، تمتنع فيه السلطة الدينيّة عن التشريع الأخلاقيّ والفلسفيّ والسياسيّ والتربويّ والاجتماعيّ.

3ـ الحرّيّة: وهي لا تعني فقط التحرُّر من القبضة الدينيّة، وإنّما أيضاً من القبضة الحكومية.

4ـ أخلاق: أساسها العقل الناقد، أي أخلاق مستقلّة عن الدين، ومحكومة بالعقل الناقد، ومناقضة للأخلاق المطلقة.

5ـ التربية الأخلاقيّة: وهي تستلزم عدم ادّعاء ملّة بأنها قابضة على القيم الحقيقيّة، حتّى يمكن توفير الاختيار الحرّ. ولهذا فمن المرفوض فرض عقيدة معينة على الشباب قبل أن يكونوا قادرين على إبداء الموافقة.

6ـ الشكّ الدينيّ: بمعنى الشكّ في ما هو فائق للطبيعة، وفي الرؤية التقليديّة لله والألوهيّة، ورفض التفسير الحرفي للنص الدينيّ؛ ذلك أن الكون محكوم بقوى طبيعيّة نفهمها بالبحث العلميّ.

7ـ العقل: بمعنى الاهتمام بالهجوم اللاعلماني على العقل والعلم، والالتزام بالمنهج العقلانيّ في البحث عن الحقيقة، والانفتاح على أي تغيير للمبادئ برمتها.

8 ـ العلم والتكنولوجيا: بمعنى الاعتقاد في قدرة المنهج العلميّ على فهم العالم، ومن ثم التطلُّع إلى العلوم الطبيعيّة والبيولوجية والاجتماعيّ والسيكولوجية لمعرفة مكانة الإنسان في هذا العالم، وإلى علم الفلك والفيزياء؛ لمعرفة الأبعاد الجديدة للكون، وذلك بفضل غزو الفضاء.

أما الأضرار الناشئة من سوء استخدام التكنولوجيا فالوعي بها مطلوب، ولكن مع مقاومة التيّار الذي ينشد الحدّ من التقدم التكنولوجي والعلميّ، بدعوى تجنّب الأضرار.

9ـ التطور: بمعنى الدفاع عن نظريّة التطوّر من هجمات الأصوليّين، على الرغم ممّا تتّسم به هذه النظريّة من ضعف. فهذه الهجمات من شأنها تهديد الحرّيّة الأكاديميّة.

10ـ التعليم: بمعنى أنّه المنهج الأساسيّ لبناء المجتمعات الإنسانيّة الحرّة الديمقراطية، وأن من غايته تنمية العقل الناقد في كلّ من الفرد والجماعة.

([66]) انظر: مجلة «المنطلق»، العدد 113: 118، خريف 1995م ـ 1416هـ، بيروت.

([67]) انظر: نقدي بر قرائت رسمى أز دين (نقد القراءة الرسمية للدين): 268.

([68]) المصدر السابق: 278.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً