أحدث المقالات

الأدلّة والأسباب

د. الشيخ محمد مرادي(*)

ترجمة: حسن علي مطر

1ـ المدخل

لقد عَدَّ الباحثون في الشأن القرآني والمفسِّرون المنهجَ النقلي، أو بعبارةٍ أخرى: الأثري والمأثور، من بين المناهج التفسيرية الثابتة. وهذا المنهج التفسيري يُعَدّ على المستوى التاريخي ـ بوصفه بداية لتفسير القرآن ـ منهجاً ممتازاً، كما يعتبر من ناحية الوثوق والاعتبار ـ مع توفُّر الظروف ـ من أرقى أنواع التفسير منزلةً. نسعى في هذا المقال إلى بيان الأسباب التي جعلت هذا المنهج التفسيري يحتلّ ـ عند طيف من المفسرين ـ الصدارة من بين مناهج التفسير، كما نحاول دراسة الأدلة الداعية إلى الإقبال على هذا النوع من التفسير.

لقد تم تنظيم أبحاث هذا المقال ضمن ثلاثة محاور:

المحور الأول: أدلة الإقبال على التفسير المأثور.

المحور الثاني: العناصر والأجواء التي ضاعفت من الإقبال على التفسير بالمأثور.

المحور الثالث: التداعيات والآفات الماثلة أمام الإفراط في التفسير الأثري، وحصر التفسير به.

 

2ـ التفسير الأثري

فُسِّر الأثر في كتب اللغة بـ «بقية الشيء»([1]). هذا، ولا يوجد اتفاق بين أهل الفنّ حول التعريف المصطلح للتفسير الأثري. فقد فسَّروه بالموقوف([2])، والمرفوع([3])، والخبر([4])، وأقوال الصحابة، وكلّ ما نقل في تفسير القرآن([5]). كما يتمّ التعبير عن التفسير الأثري بـ «التفسير المأثور»، و«التفسير المنقول»، و«التفسير الروائي»، في مقابل التفسير بالرأي، والتفسير الاجتهادي أيضاً. وبجملةٍ واحدة يمكن اعتبار الآثار التفسيرية مطلق الآثار المتبقية من القدم في تفسير القرآن. إن المفسِّر في هذا المنهج التفسيري يسعى إلى التوجُّه نحو النقل للكشف عن مقاصد ومعاني آيات القرآن الكريم.

يمكن اعتبار كل نوع من أنواع النقل مصدراً من مصادر التفسير المأثور، الأعم من أن يكون هذا النقل من ذات القرآن الكريم، أو أقوال النبي الأكرم‘ وأهل البيت^، وأقوال الصحابة والتابعين، والقصص التاريخية، وحتى الأساطير، ونصوص كتب العهدين. ففي هذا المقال تُعَدّ جميع هذه الأمور من التفسير الأثري.

ليس هناك اتفاق في وجهات النظر حول ماهيّة التفسير الذي يعتبر حجّةً في بيان آيات القرآن الكريم. والذي يعتبر حجة على نحو القطع واليقين بوصفه مصدراً من المصادر الرئيسة في التفسير هو القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. بَيْدَ أن علماء الإسلام لم يتفقوا بشأن أهل البيت^، وكذلك الصحابة والتابعين([6]). وأما سائر مصادر التفسير الأخرى فقد اعتبرت إما مخدوشة في الجملة، أو هناك الكثير من الجدل واللغط بشأنها، ومن هنا لا بُدَّ قبل الاستفادة منها من أن تخضع لمعايير النقد والتمحيص.

3ـ أهمِّية وضرورة التفسير الأثري

هناك من المفكِّرين، أمثال: ابن خلدون(732هـ)، مَنْ ذهب إلى الاعتقاد بأن القرآن قد نزل بلغة العرب وأساليبهم البلاغية، فهو بحيث كان يفهمه جميع العرب في عصر النزول، ويدركون معانيه ومراميه، من خلال التدبُّر في مفرداته وتراكيبه([7]). ولكنْ علينا في الوقت نفسه ـ رغم صحّة هذا الكلام النسبية ـ أن لا ننسى بأن بعض المسائل المطروحة في القرآن الكريم لا يمكن فهمها وسبر أغوارها العميقة ببساطة لأيٍّ كان. وبعبارةٍ أخرى: إن مفاهيم القرآن ليست من البساطة بحيث يمكن لكلّ شخصٍ أن يبلغ كنهها. هناك الكثير من الآيات التي لا يبدو للقارئ من ظاهرها سوى معاني الألفاظ، ويجب تفسيرها والتعرُّف على جذورها التاريخية من أجل الوصول إلى معناها الحقيقي. إن وجود الآيات المتشابهة في القرآن، وكثرة الاحتمالات المفهومية، وكذلك اشتماله على المعارف التي تسمو على المفاهيم الأرضية السائدة بين الناس، جعل منه كتاباً فوق الفهم المتعارف لسائر العرب. ومن هنا لا بُدَّ من أجل الوصول إلى معاني عددٍ من الآيات ـ في الحدّ الأدنى ـ من بذل مجهودٍ أكبر من الفهم المتعارف، وأكثر من مجرّد فهم معاني الألفاظ فقط.

إن التفسير الأثري يعتبر من جملة مبادئ فهم هذه المجموعة من الآيات. إن هذا التفسير؛ حيث يحظى بالجذور التاريخية، فإنه يتمتَّع بمكانةٍ خاصة في فهم مجموعة من آيات القرآن الكريم. ومن هنا لم يتمكَّن أغلب المفسرين من تجاهله في تفاسيرهم([8]). وهناك مَنْ اعتبره دخيلاً في فهم الآيات، وهناك مَنْ اعتبره الطريق الوحيد في هذا الشأن، وهناك مَنْ اعتبره ـ بعد تبلور التفسير الاجتهادي ـ من أهمّ أركان ومصادر التفسير([9]).

ومن ناحيةٍ أخرى فإن الفهم الدقيق والصحيح لمفاد ومغزى النص التاريخي ـ طبقاً لعلم الهرمنيوطيقا ـ رهنٌ بفهم المتقدِّمين والمعاصرين لذلك النصّ([10]).

الحقيقة أن الفهم الدقيق والصحيح للنص التاريخي، والوصول إلى حقيقة معناه وأبعاده، إنما يحصل بعد اتضاح جميع خلفيات صدوره وحواضنه وشرائطه الداخلية والخارجية بشكلٍ كامل، كما يجب التعرّف على طبقاته الخارجية والداخلية أيضاً. لو أخذ النص التاريخي مجرّداً عن المسائل والأحداث المحيطة به، رغم تأثيرها في ظهوره، فإن الشارح والمفسِّر سوف يخفق في الوصول إلى حقيقة معناه. وعلى هذا الأساس لا يمكن في تفسير القرآن ـ بوصفه نصّاً تاريخياً ـ تجاهل حاضنة صدوره ونزوله. إن تجاهل تلك الأمور في فهم النصّ، ولا سيَّما النصّ القرآني، الذي هو ـ بالإضافة إلى تاريخيّته ـ من وحي السماء، سيؤدّي إلى عدم الوصول إلى حقيقة معناه. وهذا ـ بطبيعة الحال ـ لا يعني اختزال جميع شرائط فهم النصّ، ولا سيَّما القرآن، بالمعطيات التاريخية فقط، وإنما التأكيد يركّز على الاهتمام بها وعدم تجاهلها.

ومن هنا فإن الاهتمام بالتفسير الأثري لا يبدو مناسباً فحَسْب، بل هو واجبٌ وضروري أيضاً، إلى الحدّ الذي ذهب بعضهم معه إلى القول بأن تجاهله يُعَدّ خطأً جوهرياً في تفسير كلام الله([11]).

إن كل هذا التأكيد والتوثيق يأتي في إطار تحذير المفسرين من مغبّة تجاهل الخلفيات التاريخية في تفسير كلام الله. وهذا ـ بطبيعة الحال ـ لا يمكنه أن يحل المشكلة الجادّة المتمثِّلة بالخدشة والخلل الذي تعاني منه مصادر التفسير الأثري؛ فإن مصادر هذا التفسير لم تسلم على مرّ الزمن من التلاعب، بإنقاصها أو الزيادة فيها؛ لمختلف الدوافع والأسباب. فهناك مَنْ أراد مدّ يد العَوْن إلى الدين ونشر الفكر الديني بين عامة الناس، وهناك مَنْ دفعه التفاخر على أقرانه، وهناك مَنْ دفعته المكائد والحيل السياسية نحو الاختلاق، أو الاعتماد على المعطيات من غير المصادر الموثوقة في هذا النوع من التفسير، وبذلك تسلَّل إليه الكثير من الأمور الدخيلة وغير الأصيلة. وقد كان هذا الأمر من الوضوح والخطورة بحيث اضطر معه محدِّثون، أمثال: أحمد بن حنبل ـ الظاهري والمتشبِّث بالنصّ ـ، إلى القول: «ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي، والملاحم، والتفسير»([12]).

وعلى أيّ حال فإن التفسير الأثري إذا كان هامّاً في فهم كلام الله، هناك في الوقت نفسه خطرٌ جادّ يتهدَّد هذا النوع من التفسير؛ بسبب المعطيات الخاطئة التي تسلَّلت إليه من الروايات التفسيرية، الأمر الذي قد يؤدي ـ في الحد الأدنى ـ إلى الابتعاد عن الحقيقة، أو الالتقاط في فهم القرآن، وظهور الشوائب فيه، وبالتالي فإن ذلك سيحول دون وصول المفسِّر إلى حقيقة المعنى الذي يريده.

كما أن لرشيد رضا ـ المفسِّر العقلاني المعاصر ـ كلاماً جديراً بالملاحظة في هذا المجال، إذ يقول: «إن أكثر المنقولات في التفسير الأثري تشكِّل حجاباً مانعاً من فهم القرآن»([13]).

 

4ـ اقتران ولادة التفسير الأثري بنزول القرآن

يشهد القرآن وتاريخه بوضوحٍ على أن هذا الكتاب السماوي قد اقترن نزوله بعرضه على الناس، وتفسيره لهم. إن المخاطبين الأوائل لآيات للقرآن وإنْ كانوا من المتكلمين باللغة العربية، ومن العالمين بالمفردات العربية، وجذور اشتقاقها، بل هناك منهم مَنْ هو على دراية بأساليب تراكيبه البلاغية المتنوِّعة، ويعرفون تركيب الآيات القرآنية، بَيْدَ أن هذا لوحده لم يكن كافياً لفهم المراد الحقيقي؛ إذ إن الإدراك الصحيح لمفاهيم القرآن يحتاج ـ بالإضافة إلى ما تقدَّم من الإحاطة باللغة وأساليبها الأدبية ـ إلى الرشد العقلي وقوّة الفهم المناسب أيضاً. فعلى المخاطبين بهذا الكتاب أن يتمتَّعوا بدرجةٍ عالية من الرشد العقلي؛ كي يتمكَّنوا من الإحاطة بجميع مفاهيمه وإدراك جميع مقاصد آياته. ولا شَكَّ في أن القرآن الكريم كان فوق المستوى المعرفي لهؤلاء المخاطبين. وحتّى لو كان هؤلاء يدركون بعض الآيات، إلاّ أنهم لا يستطيعون الغَوْر في عمق بعض الآيات الأخرى؛ فقد كانت هناك بعض الأسرار التي اكتنفت كلام الله، وكانت هذه الأسرار بحاجةٍ إلى مَنْ يفتح مغاليقها. وهذا ما كان يقوم به النبيّ الأكرم‘؛ بحكم تحمُّله لأعباء إبلاغ الرسالة الإلهية إلى كافّة الناس. ومن هنا كان المتعطِّشون إلى فهم الآيات يقصدون النبي الأكرم أو بعض الصحابة، ويسألون عن الأمور التي أشكل عليهم فهمها. وطبقاً لبعض التقارير التاريخية كان هناك من كبار الصحابة مَنْ لا يفهم حتّى المعنى اللغوي لبعض المفردات القرآنية([14])، ناهيك عن الوصول إلى فهم أسرارها.

كانت تقع بعض الأحداث التي تستدعي نزول آياتٍ من القرآن، أو قد يواجه بعض مَنْ أسلم حديثاً وقائع لا يعرفون حكمها، وكانوا لذلك يترقَّبون صدور تشريع من قِبَل الله يحدِّد لهم تكليفهم الشرعي تجاهها. وإن الإحاطة المعرفية بهذه الأحداث تمثِّل في الحقيقة والواقع أرضيةً للوصول إلى مصادر تفسير تلك الآيات أيضاً. وكانت هناك طائفة أخرى من الآيات القرآنية تنزل ابتداءً دون سابقة ذهنية، فتكون لذلك بحاجةٍ إلى بيان وتفسير. وقد كان النبي الأكرم‘ هو الذي يتولّى تفسيرها وشرحها للناس. وقد كانت حاجة الناس إلى فهم الأهداف من نزول الآيات القرآنية، وكذلك شرف فهم علوم القرآن، هو الذي يدفع الناس إلى طلب المزيد من العلم بشأن كتاب الله. وعليه يمكن القول: إن مرحلة نزول القرآن كانت في الوقت نفسه مرحلة ظهور وتبلور علم التفسير أيضاً. وبكلمةٍ أخرى: إن بداية ظهور تفسير كلام الله كان على يد رسول الله‘، وهو ما عُرف لاحقاً بـ «التفسير الأثري».

لقد كان هذا الشرح والتفسير منذ بداية ظهوره وحتّى هذه اللحظة في تطوّرٍ واتّساع مستمرّ، ولم يتوقَّف في أيّ مرحلة من المراحل. نعم، قد يكون هناك بعض المنعطفات أثناء التوجّه إلى الأنواع المختلفة الأخرى من التفسير، إلاّ أن هذا لم يؤدِّ إلى توقُّفٍ تام في المسار الرئيس لهذا النوع من التفسير. وقد يظهر هناك من حينٍ لآخر مَنْ يعمل على تفسير وبيان آيات القرآن على طبق الاتجاه العقلي أو النزعة النصِّية، إلا أنه لم يكن هناك أيُّ تخلٍّ عن أصل التفسير. وفي هذا البين كان التفسير المأثور يحظى على الدوام بمكانةٍ خاصة، ولم يصنَّف على مستوى أنواع التفسير الأخرى. لقد كان هذا التفسير ـ لأدلّةٍ وأسباب خاصّة ـ على رأس الأساليب والمناهج التفسيرية الأخرى، رغم ادّعاء البعض أن التفسير من دون الاعتماد على النقل والأثر أمرٌ ممكن، بل جائزٌ وسائغ([15]).

وطبقاً لصريح بعض آيات القرآن الكريم فإن من المهامّ الملقاة على النبيّ بيان وشرح آيات القرآن الكريم للناس، ومن ذلك: قوله تعالى:

ـ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: 44).

ـ ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (البقرة: 129؛ آل عمران: 164؛ الجمعة: 2).

كما تشهد الحقيقة والواقعية التاريخية على أن النبيَّ الأكرم‘ كان أوّل مَنْ بادر إلى تفسير القرآن الكريم([16]). ثم تطوّر التفسير الأثري لاحقاً ليتجاوز تفسير النبيّ، أو تفسير بعض الآيات من خلال الاستعانة بآياتٍ أخرى، وبذلك اتَّسعت دائرته بشكلٍ أكبر. واستمرّ نقل الروايات بشأن الآيات إلى مرحلة الدولة العباسية، وأضيف عليها الشيء الكثير.

وفي ما يلي نستعرض الأسباب التي دعَتْ إلى الإقبال على هذه الظاهرة. وفي رصدنا لهذه الظاهرة ميَّزنا بين السبب والعامل. وفي البداية سنتناول الأسباب التي أدَّتْ إلى هذه الظاهرة، لننتقل بعد ذلك إلى بيان الخلفيات والعوامل.

5ـ أدلة الإقبال على منهج التفسير الأثري

5ـ 1ـ التحذير من التفسير بالرأي وضرورة الرجوع إلى السنّة

هناك الكثير من الأحاديث الواردة في المصادر الروائية التي تصرِّح باختصاص بعض الأشخاص بفهم القرآن الكريم. ويتضح هذا الرأي عندما نجد القرآن الكريم يجعل بيان كلام الله من جملة مسؤوليات النبيّ الأكرم‘. ومن ذلك: الحديث القائل: «إنما يعرف القرآن مَنْ خوطب به»([17]).

وقد كان هؤلاء الأشخاص هم النبي الأكرم‘، وأهل بيته^، وهناك رأيٌ يرى هذا الشأن لبعض الصحابة أيضاً. فحيث كان القرآن الكريم كلام الله سبحانه وتعالى فإن الإحاطة بمعانيه السامية ومضامينه العالية فوق فهم عامة الناس، وقد اختصّ بفهمه بعض الخاصة فقط.

«ولهذه العلة وأشباهها لا يبلغ أحدٌ كُنْهَ معنى حقيقة تفسير كتاب الله تعالى، إلاّ نبيه وأوصياءه»([18]).

وممّا ورد من الروايات في هذا الشأن:

ـ «نحن الراسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله»([19]).

ـ «إنا أهل بيت لم يزل الله يبعث فينا مَنْ يعلم كتابه، من أوّله إلى آخره»([20]).

ـ «إن من علم ما أوتينا تفسير القرآن وأحكامه… ثم قال: ولو وجدنا أوعيةً أو مستراحاً لقلنا، والله المستعان»([21]).

ولم تقتصر الروايات على بيان اختصاص بعض الأشخاص بفهم كتاب الله فقط، بل عالجت المسألة من الناحية السلبية أيضاً، حيث نجد في بعضها تحذيراً شديداً من التفسير بالرأي والاجتهاد الشخصي، متوعِّدة على ذلك بالعذاب الإلهي، ومن ذلك الرواية القائلة: «مَنْ قال في القرآن بغير علمٍ فليتبوّأ مقعده من النار»([22]).

ولم يتمّ الاكتفاء بذلك، بل وصل الأمر إلى تحذير المفسِّرين من تطرُّق الخطأ إلى التفسير، واعتبر الذين يفسِّرون القرآن من دون علمٍ مخطئين في تفسيرهم، حتّى مع إصابة المعنى، ومن ذلك الرواية القائلة: «مَنْ فسَّر القرآن برأيه فأصاب الحقّ أخطأ»([23]).

وفي روايةٍ أخرى تمّ النهي بصراحةٍ عن تفسير القرآن، إلاّ على أساس النصّ: «إن تفسير القرآن لا يجوز إلاّ بالأثر الصحيح والنصّ الصريح»([24]).

وفي كلامٍ آخر عُرِّف تفسير القرآن بأنه فوق مستوى الذهن والفكر العادي لعامة الناس: «ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن»([25]).

وقد تحدَّثت روايةٌ عن قلق النبيّ الأكرم‘ من تفسير القرآن دون أخذ السنّة النبوية بنظر الاعتبار؛ إذ طبقاً لهذه الرواية تحدّث النبيّ عن رجلٍ بَطِر، يدعو الناس إلى العمل بمجرّد القرآن، في حين أن النبي قد نزلت عليه أشياء أخرى غير الوحي القرآني، ومن الضروري ملاحظة تلك الأشياء في فهم كلام الله: «ألا أني أوتيت الكتاب ومثله معه. ألا يوشك رجلٌ ينشأ شبعاناً على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموه»([26]).

وقد ذهب الزرقاني ـ بعد نقل هذه الرواية ـ إلى تفسير وصف النبيّ لهذا الرجل بالشبعان على أريكته، قائلاً: «إنه ممَّنْ أطغَتْه النعمة، وألهته عن السعي والبحث عن أحاديث الرسول»([27]).

هذا نَزْرٌ قليل من الروايات التي تحدثت عن أن التفسير يختص ببعض الخاصة من الأشخاص، أو حذَّرت من التفسير دون الاستناد إلى نصٍّ أو رواية. وهناك مَنْ فسّر هذه التحذيرات المشدّدة بضرورة الإقبال الكامل على التفسير المأثور، معتبراً ذلك هو الطريق الوحيد المؤدّي إلى تفسير القرآن وفهم حقائقه.

لقد تركت هذه التأكيدات أثرها بين المسلمين، ومن هنا فقد ظهرت أوائل الأعمال التفسيرية على هذا النهج والسياق. وكلما كان التفسير أقرب إلى عصر النزول كان التفسير الأثري ملحوظاً عليه بشكلٍ أكبر. إن أول تفسير جامع للقرآن ـ والذي ألَّفه محمد بن جرير الطبري سنة 310هـ ـ زاخرٌ بالروايات التفسيرية. وقد صرّح بشأن التفسير أن هناك آيات في القرآن لا يمكن الكشف عن المراد منها إلاّ ببيان الرسول، ثم استطرد قائلاً: «وذلك تأويل جميع ما فيه»([28]).

وقد اعتبر العلم ببعض آيات القرآن منحصراً بالله سبحانه وتعالى، وبعضها بكلّ عارفٍ باللغة نزل القرآن عليه([29]). وعلى الرغم من اعتماده في التفسير على المأثور عن التابعين إلى حدٍّ ما، واجتهاده في فهم معاني الآيات من خلال اللجوء إلى مصادر اللغة والشعر والأدب، إلاّ أنه لا يمكن عدُّه خارجاً عن زمرة التفاسير الأثرية.

كما يُعَدّ كتاب (التبيان)، للشيخ الطوسي(385 ـ 460هـ)، أول تفسير جامع لدى الشيعة، حيث نلاحظ عليه هذا المنهج التفسيري بشكلٍ واضح، رغم أنه عمد إلى تأويل الروايات الناهية عن التفسير بالرأي، وذهب إلى القول بجواز التفسير الاجتهادي([30]).

إن هذا التوصيات رسخت ثقافة الرجوع إلى الآثار في التفسير، إلى الحدّ الذي ذهب معه البعض إلى وجوبه في التفسير، واعتبر أحياناً أفضل أساليب ومناهج التفسير، حيث قال في ذلك: «إن أصحّ الطرق في ذلك تفسير القرآن بالقرآن… الثاني: فإنْ أعياك ذلك فعليك بالسنّة؛ فإنها شارحة للقرآن وموضِّحة له. الثالث: وحينئذٍ إذا لم نجد التفسير في القرآن، ولا في السنّة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة… إذا لم نجد التفسير في القرآن، ولا في السنّة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين. وأما تفسير القرآن بمجرّد الرأي فحرامٌ»([31]).

لقد أجمع المتقدِّمون من المفسرين على القول بأن التفسير الأثري هو من أفضل أنواع تفسير القرآن. فقد نقل القرطبي عن ابن الخطابي(317 ـ 388هـ) أن الخوارج والروافض قد ضلّوا باكتفائهم بظاهر القرآن، وتركهم السنّة المبيِّنة للقرآن([32]).

وقد اعتبره السورآبادي(494هـ) من أفضل أنواع التفسير([33]).

واعتبره ابن كثير(701 ـ 774هـ) من أحسن الطرق([34]).

ومن المعاصرين ذهب كلٌّ من: محمد عبده ورشيد رضا ـ وهما من الدعاة إلى التفسير العقلي، والمنكرين بشدّةٍ للقول بحصر التفسير بالتفسير الأثري ـ إلى القول بضرورته في بعض المواضع، ومن ذلك: قولهم: «فمنها ما هو ضروريٌّ»([35]).

وقد ذهب الفيض الكاشاني إلى القول بأن فهم القرآن مختصٌّ ببعض الأشخاص، وأن أسرار تأويله تختصّ بمَنْ خوطب به، إذ يقول في ذلك: «إذ لا يوجد معالم التنزيل إلاّ عند قومٍ كان ينزل في بيوتهم جبرئيل، ولا كشاف عن وجوه عرائس أسرار التأويل إلا مَنْ خوطب بأنوار التنزيل»([36]).

وقال في موضعٍ آخر: «إن كثرة الأخطاء في التفسير، والدخول في زمرة المفسرين بالرأي، نتيجة طبيعية لعدم الاهتمام بالسماع والحديث»، ليخلص بالتالي إلى ضرورة السماع والنقل؛ إذ يقول: «فالنقل والسماع لا بُدَّ منه في ظاهر التفسير»([37]).

في هذه التوصيات لم يتمّ الاكتفاء باعتبار التفسير الأثري من أفضل التفاسير، وهناك منهجٌ شائع بين علماء المسلمين ـ وهو المنهج الأخباري ـ لا يرتضي غير التفسير الأثري. وقد دافع الشيخ البحراني عن هذا الرأي بكلّ صراحةٍ، ورأى وجوب الرجوع إلى الروايات في التفسير، وعندما لا تكون هناك روايةٌ أوصى بضرورة التوقُّف، ومن ذلك: قوله: «فالأخذ بتفسيرهم أخذٌ بالكتاب، وأما ما لم يَرِدْ فيه تفسيرٌ عنهم ـ صلوات الله عليهم ـ فيجب التوقُّف فيه؛ وقوفاً على تلك الأخبار، وتقييداً لهذه الأخبار بها»([38]).

وقال في موضعٍ آخر، مستخدماً ذات الصراحة([39]): «بل يجب التوقُّف حتى يأتي تأويله عنهم»([40]).

وقد خصَّص الشيخ الحُرّ العاملي(1104هـ) في كتاب (وسائل الشيعة) ـ المشتمل على الأحاديث الفقهية ـ باباً لهذا الموضوع. وحيث دأب على بيان آرائه الفقهية التي يفهمها من الأحاديث ضمن عناوين كتابه فقد عنون هذا الباب قائلاً: «عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلاّ بعد معرفة تفسيرها من الأئمة»([41]).

وقد جمع في هذا الباب اثنين وثمانين حديثاً. ويبدو أن الحُرّ العاملي ـ تبعاً لأصحاب المنهج الأخباري ـ قد أخذ هذا الأمر من الشيخ الإسترآبادي(1033هـ) في الفوائد المدنية؛ لأنه بدوره قال في ما يتعلَّق بالقرآن: ليس هناك من طريقٍ لفهم الأحكام الشرعية ـ الأعمّ من الأصلية والفرعية ـ سوى الاستماع إلى أقوال الأئمة المعصومين^. كما ذهب في بيان تقسيم علماء الإمامية إلى: الأصوليين؛ والأخباريين، وضرورة التمسُّك بالعترة، إلى وجوب التمسُّك بهم في تفسير كلام الله؛ «إذ معنى التمسُّك بالمجموع هو التمسُّك بكلامهم؛ إذ لا تفسير لكتاب الله إلاّ التفسير المسموع منهم، ولذلك قال‘: لن يفترقا»([42]).

وفي نهاية المطاف أمر ـ في موارد عدم وجود أو عدم وجدان قول المعصوم في تفسير القرآن ـ بالتوقُّف([43]). وبعد أن تبلور هذا التيار لاحقاً أصبح التعبير بـ «يجوز ولا يجوز» في التفسير لازمةً متأصلة عند الكثيرين من الذين يرَوْن التفسير منحصراً بالتفسير الأثري.

وقد عمد الشيخ محمد أمين الإسترآبادي، في الفصل الذي خصَّه لبيان انحصار المسائل غير الضرورية بالسماع عن المعصومين^ ـ وذكر هناك ثمانية أدلة ـ، إلى تخصيص دليلين منها بلزوم الرجوع إلى المعصومين في التفسير:

الدليل الأول: ليس هناك من دليل شرعي على الرجوع إلى غير المعصوم([44]).

الدليل الثاني: إن دلالة حديث الثقلين المتواتر تقوم على وجوب التمسّك بكلام المعصومين. وقد بيَّن السرّ في ذلك على النحو التالي: «والسرّ فيه أنه لا سبيل إلى فهم مراد الله إلاّ من جهتهم^؛ لأنهم عارفون بناسخه ومنسوخه، والباقي منه على الإطلاق، والمؤوّل، وغير ذلك، دون غيرهم، خصَّهم الله والنبيّ بذلك»([45]).

5ـ 2ـ إدراك حقيقة المعنى والمراد من الآيات

إن الحقيقة هي:

أـ إن من آيات القرآن الكريم ما هو عامّ ومطلق، ومجمل، ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، ومنها ما يشتمل على التأويل. ويجب عرض العام منها على الخاص، والمطلق على المقيِّد، والمجمل على المبين، والمجمل على المفصَّل، والمنسوخ على الناسخ، والمتشابه على المحكم؛ كي نتمكن من إبداء الرأي بشأن القرآن.

ب ـ لم تَرِدْ جميع المسائل المرتبطة بموضوعٍ واحد في موضعٍ واحد من القرآن؛ ليتمكن القارئ من الحصول على وجهة نظر القرآن في ذلك الموضع الواحد. إن النزول التدريجي للقرآن الكريم، والبِنْية الخاصّة له، بحيث يجب جمع كافّة الآيات المرتبطة بموضوعٍ واحد، وضمّها إلى بعضها، وعرض بعضها على بعض، من أجل الوصول إلى النتيجة النهائية التي يريدها القرآن. وفي هذا الشأن يمكن ملاحظة الموارد الآتية، على سبيل المثال:

1ـ ورد في المسجد الحرام قوله تعالى: ﴿فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ (آل عمران: 97)، وجاء في تفسير «الآيات البيِّنات»: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ([46]).

2ـ وفي مورد قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ (عبس: 31) ورد أيضاً: ﴿مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ (عبس: 32).

3ـ ورد في نزول القرآن في ليلةٍ مباركة في موضع من القرآن بقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (الدخان: 3)، وتمّ بيان وتفسير هذه الليلة المباركة بقوله تعالى في موضعٍ آخر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: 1).

4ـ وقد ورد بشأن مراودة امرأة العزيز للنبيّ يوسف قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ (يوسف: 32)، لينتهي الحوار القرآني بعد ذلك إلى قوله تعالى، حكايةً عن سيدنا يوسف×: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (يوسف: 33).

وبعد الالتفات إلى هذه الحقائق لا بُدَّ في فهم الآيات ذات الإطلاق والعموم والإجمال بشكلٍ دقيق من الرجوع إلى السنّة الشريفة.

ج ـ لقد عرَّف القرآن بأنه يشتمل على بطن، وليس من السهل الوصول إلى ذلك البطن([47]):

ـ «إن القرآن له ظهرٌ وبطن»([48]).

ـ «والقرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق»([49]).

وفوق ذلك هناك رواية تصف القرآن باشتماله على عدّة بطون، من قبيل: «إن للقرآن بطناً، وللبطن بطناً»([50]).

فما هو الطريق المضمون للوصول إلى بطون هذا النوع من الآيات؟ قد يمكن لغير المعصوم أن يكتشف من بعض الطرق معاني بوصفها من بطون القرآن، ولكنْ هل يمكن القول: إن هذه المعاني هي المرادة للمتكلِّم حقيقةً؟ ولا سيَّما إذا أضيف إلى ذلك الروايات التي تعتبر أن للقرآن أربع مراتب، وأنها تسلَّلت إلى ثقافة التفسير، وهناك مَنْ تلقاها بالقبول. فقد ورد في بعض الروايات: «كتاب الله على أربعة أشياء، على العبارة والإشارة واللطائف والحقائق. فالعبارة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء»([51]).

ففي هذه الرواية التي لا ترقى إلى ما قبل القرن الخامس الهجري، ولم تَرِدْ في المصادر الروائية المتقدمة، تمّ تخصيص فهم بعض الأبعاد والطبقات الباطنية من القرآن بأصناف خاصّة من الناس.

فإذا كان الأمر كذلك تعيَّن على الذين يلتمسون المعنى الصحيح والكشف عن الأسرار والطبقات الخافية من القرآن أن يختاروا أحد أمرين، وهما: الرجوع إلى النقل؛ أو اللجوء إلى التأويل. ولا يخفى أن أفضل الطرق في هذا الشان بالنسبة إلى الذين ترعرعوا في مدرسة الدين هي أن يأخذوا عقائدهم من المصادر الدينية، وأفضل المواضع في هذه الموارد هو كلام المفسِّرين الرئيسين للقرآن. وإذا نظرت إلى كتابات العرفاء والصوفيين ستجد أنهم يسعَوْن إلى ربط فهمهم بالروايات والأحاديث؛ بغية إضفاء الشرعية على أفهامهم([52]).

5ـ 3ـ تَبَعية بعض العلوم القرآنية للنقل

يأتي التعرُّف على بعض الأبحاث المرتبطة بالقرآن ـ من قبيل: شأن النزول، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، واختلاف القراءات، والتأويلات الخاصّة لبعض الآيات، وما إلى ذلك من الأمور الأخرى ـ من طريق معاصرة مرحلة التشريع ونزول الأحكام والآيات أو نقلها. إن هذه المجموعة من العلوم تحظى بمكانة هامّة في تفسير كلام الله، وتعتبر جزءاً من العلوم النقلية، ولا مسرح للعقل والاستدلال فيها. وعليه يجب اللجوء إلى النقل في هذه المجموعة من الأبحاث.

وبعد أن نقل الزركشي(745 ـ 794هـ) كلام أبي حيّان بشأن ضرورة الرجوع إلى النقل في التفسير قال بأن ذلك يختصّ بالموارد التي يتوقَّف عليها التفسير، من قبيل: أسباب النزول، وبيان المجمل: «الحقّ أن علم التفسير منه ما يتوقف على النقل»([53]).

وفي روايةٍ عن الإمام الصادق× مؤاخذة لطائفة من المفسِّرين؛ بسبب مجازفتهم في التفسير دون أن تكون لهم معرفة بالناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، ومن ذلك: قوله: «احتجّوا بالمنسوخ وهم يظنون أنه الناسخ، واحتجّوا بالخاصّ وهم يظنون أنه العام، واحتجّوا بأوّل الآية وتركوا السنّة في تأويلها»([54]).

وقال الفيض الكاشاني، بعد نقله بعض المسائل بشأن التفسير بالنقل: «ولا يعلم تمييز ذلك كله إلاّ مَنْ نزل في بيته، وذلك هو النبيّ وأهل بيته. فكل ما لا يخرج من بيتهم فلا تعويل عليه»([55]).

فقد نقل عن قتادة بشأن قوله تعالى: ﴿قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: 142) أن النصارى كانوا يصلّون إلى بيت المقدس قبل دخول المدينة بسنتين، وقد صلّى النبي إليها بعد الهجرة ستة عشر شهراً، ثم حوّل قبلته إلى الكعبة، وإثر ذلك قال البعض: إن النبي إنما فعل ذلك حبّاً بوطنه، فنزلت هذه الآية؛ للردّ على هذا الادّعاء الباطل بشأن النبيّ الأكرم‘([56]).

5ـ 4ـ الإجمال في بيان التكاليف الشرعية

يشتمل القرآن الكريم على تعاليم وأحكام فقهية وتكاليف يجب على المكلَّفين أداؤها، ويجب على كل مسلم أن يمتثلها. ولكنْ لم تَرِدْ كيفية أدائها في القرآن الكريم، وإنما اكتفت الآيات ببيانها على نحو الإجمال.

وقد تحدَّث الدكتور أحمد عمر هاشم ـ في سياق تحليل وبيان دور السنّة في مقابل القرآن الكريم ـ عن خمسة أدوار للسنة في هذا الشأن. فبعد تصريحه بوجود الإبهام والإجمال في القرآن، وضرورة الرجوع إلى السنة الشريفة في هذا الشأن، وجد أن السنة تارةً تؤيد الآيات والأحكام القرآنية؛ وتارةً تفسِّرها ـ وهو الغالب ـ؛ وتارةً تبين ناسخ القرآن، باعتبار أن النسخ نوعٌ من البيان أيضاً؛ وتارةً لبيان تلك المجموعة من الأحكام التي لم يَرِدْ ذكرها في القرآن، وهذا النوع الأخير يحمل إشارةً في القرآن إلى هذا النمط من الأحكام. وقد نقل ذلك عن الشاطبي أيضاً([57]).

إن هذه المجموعة من الأحكام والتكاليف تحتاج في تطبيقها إلى البيان والتوضيح.

ففي ما يتعلق بالصلاة تمّ الاكتفاء في القرآن بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (البقرة: 43)، دون التعرُّض إلى بيان تفاصيلها وشرائطها، من قبيل: الطهارة، واستقبال القبلة، والساتر، وعدد الركعات، والركوع، والسجود، والتشهد، والتسليم، وأمثال ذلك. كما ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ (البقرة: 238)، فما هي تلك الصلاة الوسطى؟([58]).

وجاء في الحجّ قوله تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (آل عمران: 97)، دون بيان كيفية مناسك الحجّ، ومن أين يبدأ؟ وما هي مقدماته؟ وما هي الأعمال الواجبة والمحرّمة فيه؟

وكذلك ورد في الأمر بأداء التكاليف المالية، كما في قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (الأنعام: 141)، وقوله تعالى: ﴿وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: 43) بشكلٍ عامّ، دون بيان المقادير والمواقيت.

وفي روايةٍ مأثورة عن الإمام الصادق× بيان بعدم تفصيل الأحكام في الآيات، مشيراً إلى أن تفصيلها قد جُعل على عاتق النبيّ الأكرم‘: «إن رسول الله‘ نزلت عليه الصلاة، ولم يسمِّ الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتّى كان رسول الله‘ هو الذي فسَّر ذلك لهم. ونزلت عليه الزكاة، ولم يسمِّ لهم من كلّ أربعين درهماً درهم، حتّى كان رسول الله‘ هو الذي فسَّر ذلك لهم. ونزل الحج فلم يقُلْ لهم: طوفوا أسبوعاً، حتّى كان رسول الله‘ هو الذي فسَّر ذلك لهم»([59]).

ومن هنا نجد رسول الله‘ يقول: «صلّوا كما رأيتموني أصلي»([60]).

وقال‘ أيضاً: «خذوا عني مناسككم»([61]).

وفي ما يتعلق ببداية وقت الصوم والإمساك عن الطعام قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (البقرة: 187)، وقد ورد في ذلك عَنْ عَدِي بْنِ حَاتِمٍ [الطائي] ـ رضي الله عنه ـ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي الليْلِ فَلاَ يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ‘، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ الليْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ»([62]).

والحقُّ هو أن هذا النوع من التعاليم والأحكام لا يمكن أن يكون تابعاً للاستنباط والاجتهاد الشخصي؛ إذ إن الاجتهاد فيها رهنٌ بوجود البيان، في حين لا يوجد في القرآن أيّ بيان بشأنها؛ كي يتم الاجتهاد على أساسه. إن الآيات المشتملة على الأحكام العملية هي بمثابة الدستور العام غير المبيّن. ومن هنا فقد التفت بعض المفسرين إلى هذه المسألة، وقسّموا الآيات ـ في ما يتعلق بوجوب الرجوع إلى الأثر وعدمه ـ إلى قسمين، وصنفوا هذه المجموعة من الآيات ضمن الآيات التي نحتاج في تفسيرها إلى مراجعة النقل والرواية. ومن هؤلاء: الشيخ أبو الحسن الشعراني([63]). وقد قال في هذا الشأن: «إن ما لا يناله العقل البشري دون الاستعانة بالوحي الإلهي، من قبيل: دقائق الفقه، وبعض مسائل الأصول، والتوحيد والقيامة، لا يمكن تفسيره واستنباطه من آيات القرآن بالظنّ والحَدْس والقياس، إلاّ بالنصّ الصريح المرويّ عن الإمام»([64]).

وإن ما ورد في الخبر من أن الصحابة كانوا يتعلَّمون الآيات من النبيّ عشرة عشرة إنما كان الهدف منه هو الإدراك والاستيعاب الصحيح للآيات، والعمل بها([65]).

5ـ 5ـ اشتمال القرآن على بعض المسائل التاريخية المجملة أو المبهمة

يشتمل القرآن الكريم على آيات بشأن عالم التكوين والأحداث التاريخية على نحو الإجمال. إن هذه الآيات من الكثرة بحيث دفعت المفسِّرين إلى إيضاح المراد منها، وبيان مصاديقها، وبيان ما لم يذكر فيها من المنعطفات التاريخية في ذكر الوقائع والأحداث والكشف عن مختلف الزوايا التي تكتنفها، الأمر الذي اضطرّهم إلى البحث في المصادر الروائية والتاريخية، ومن هنا تبلور التفسير الأثري. بل ذهب البعض من هؤلاء المفسِّرين إلى أبعد من ذلك، حيث توجه إلى المصادر غير الإسلامية المشتملة على أمورٍ شبيهة بتلك التي ورد ذكرها في القرآن الكريم. وبذلك فتح الباب على مصراعيه لتسلُّل بعض القصص والأساطير التاريخية غير الثابتة، والتي يتنافى بعضها مع التعاليم الإسلامية. وبذلك تطرَّق الكثير من الإسرائيليات من المصادر اليهودية والمسيحية إلى التفسير.

وفي ما يتعلق بعوامل حماية الصحابة للقرآن والسنة أشار الزرقاني إلى ثلاثة عشر عاملاً في هذا الشأن، وعَدَّ من بين مهام السنّة في القرآن ـ ومنها: الارتباط الوثيق بين كلام الله والسنّة النبوية ـ ما يرتبط بالأحداث والوقائع([66]).

إن موضوع الكشف عن «مبهمات القرآن»، والعثور على مصاديقها، من الأهمية القصوى بحيث قام عددٌ من المؤلِّفين إلى الكتابة في هذا الموضوع([67]). إن هذا النوع من الآيات يشتمل على مسائل بشأن خلق العالم، وبداية الخلق، واتساع الخلق وكيفيته، والأحداث والوقائع التاريخية أو الرجال والأشخاص.

ومن ذلك، على سبيل المثال: مَنْ هم الذين عناهم الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ (الحمد: 7)؟ لقد ذكرت المصادر العديد من الأقوال في هذا الشأن([68]).

وهكذا الأمر بالنسبة إلى التعريف بالأشخاص الذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (البقرة: 243). وهناك بهذا الشأن الكثير من الأقوال والآراء المذكورة في الروايات والتفاسير وبيانها([69]).

وقد ذكر الملا فتح الله الكاشاني، ضمن نقله الأخبار الخاصة بالمنع من التفسير بالرأي وضرورة اتّباع المعصوم في التفسير، قائلاً: «إن هذه الأخبار [المانعة من التفسير بالرأي] خاصّة بالآيات المجملة والمتشابهة، ولا تشمل مطلق الآيات»([70]).

6ـ أسباب الإقبال على التفسير الأثري

6ـ 1ـ قداسة النصوص الدينية

هناك ارتباطٌ وثيق بين الأمور الدينية والأمور المقدّسة، فحيثما كان الأمر الديني قائماً تمّ التعاطي معه بوصفه شيئاً مقدَّساً. إن للأمر المقدَّس ماهية ميتافيزيقية، حيث تحيط به هالةٌ من الأسرار، يخضع الإنسان لتأثيرها؛ إذ ينظر إليها بمهابةٍ وإجلال. ويرى المؤمن نفسه ملزماً تجاهها وخاضعاً ومذعناً لها، وقلَّما يسعى إلى إحداث التغيير فيها، أو أن يعمل على تأويلها، أو التمرّد عليها بوحيٍ من مزاجه أو ذوقه الخاصّ. إن الأمر المقدَّس محفوفٌ بالأسرار، وهذا الأمر هو الذي يجعله محاطاً بحرمة تدفع الإنسان إلى الخضوع في حضرته، وحيث يكون الأمر كذلك فإن الفرد لا يسمح لنفسه بتجاوز حريم وحدود ذلك المقدَّس، أو أن يناقش أو يجادل فيه. يسعى المؤمنون بالأمور المقدَّسة إلى احترامها والتماهي معها. وفي هذا السياق يكون التفوّق للشخص الذي يبدي من نفسه خضوعاً أكبر من خضوع الآخرين تجاه الأمر المقدَّس، وهذه المسألة تستدعي الكثير من التأمُّل.

6ـ 2ـ الاطمئنان إلى كلام المعصوم والمعاصرين لمرحلة النزول

إن المفسرين الرئيسين للدين ـ طبقاً للتعاليم الكلامية ـ هم المعصومون الأطهار المنزّهون من جميع أنواع المعاصي والذنوب. وإن كلام هؤلاء المعصومين يمثِّل حجّةً للناس. ومن ناحيةٍ أخرى حيث يكون منشأ الدين هو الوحي، والوحي بدوره أمر سماوي محاط بالأسرار، فإن شرحه وتفسيره إنما يكون من أكثر الشروح والتفاسير إذا كان صادراً عن المفسّرين الصادقين والشرّاح الحقيقيين للدين. يمثِّل كلام وشرح المعصوم كلمة الفصل بالنسبة إلى طلاب الفهم. نضيف إلى ذلك تعلُّق المسلمين وشغفهم بالنبيّ الأكرم‘ وأهل بيته^، بمعنى أن الذي يورث الطمأنينة بالنسبة إلى المسلم من الناحية النفسية هو الحصول على معلوماته ومعتقداته من مصدرٍ متّصل بالوحي أو من شخص شهد الأحداث والوقائع بأمّ عينيه.

وعندما تحدَّثت الأستاذة (هدى جاسم) عن التفسير الأثري، في معرض كلامها التحليلي بشأن تفسير القرآن، قالت بأن أفضل أنواع التفسير الأثري هو: تفسير القرآن بالقرآن؛ وتفسير القرآن بالسنّة الشريفة. ورأت أن السبب في ذلك يعود إلى أن هذين الأمرين ينتميان إلى مصدرٍ واحد. ومن ذلك: قولها: «من الواضح أن خير ما يفسِّر كلام الله هو القرآن الكريم نفسه، ومن ثم السنّة النبوية المطهَّرة؛ لأنهما صنوان لمشروعٍ واحد»([71]).

ثم ذكرت الأستاذة (هدى جاسم) ثلاثة خصائص للتفسير الأثري. وإحدى تلك الخصائص الثلاثة إمكانية الاطمئنان والركون إليه؛ لكونه مستنداً إلى النصوص([72]).

6ـ 3ـ الجمود والنزعة الظاهرية

يتلخَّص جوهر الدين في الخضوع والعبودية لله عزَّ وجلَّ. إن أفضل العباد هو الأكثر خضوعاً وتسليماً وامتثالاً لأوامر الله ونواهيه. إن مفردة «التعبُّد» هي من أكثر الألفاظ والمفردات استعمالاً على ألسنة وكتابات المتكلِّمين والفقهاء، ولا سيَّما في الأحكام العملية والفقه. ويُعَدّ الإحجام عن توجيه الأحكام؛ للفرار من المسؤولية، والالتزام بفروع الدين وأصوله من لوازم العبودية والتديّن. إن هذا الاتجاه وإنْ كان محموداً، إلا أنه قد يؤدّي ببعض المسلمين أحياناً ـ بسبب سوء الفهم وعدم الإدراك الصحيح ـ إلى الجمود والسطحية المفرطة، بل قد يؤدي بالبعض إلى تعطيل العقل أيضاً. ومن بين هؤلاء: الحشوية، والسلفية، والظاهرية. إن ظهور نوع من التفكير السطحي بين المسلمين، متمثِّلاً بالاتجاه الأخباري عند الشيعة، والاتجاه الظاهري عند أهل السنة، يعتبر ثمرة ونتيجة لهذه النزعة الفكرية. صحيحٌ أن هناك الكثير من التعاليم الدينية التعبُّدية التي يتعيَّن على المكلَّفين الخضوع والتسليم بها، دون مراءٍ ولا جدل، بَيْدَ أن هذا لا ينسحب على جميع الأحكام والتعاليم الدينية. بَيْدَ أن حكمة وأسرار الأجزاء التعبُّدية قد تمَّتْ تسريتها ـ من قبل بعض الأشخاص ـ إلى جميع التعاليم الدينية، وبالتالي أصبحت الأمور المعرفية وغير التعبُّدية بدورها تابعةً وموازية للأمور التعبدية.

إن أصحاب النزعة السطحية وأنصار الجمود على الظواهر، من الذين يختزلون التديُّن في التعبُّد، ويرفضون أيَّ تفكير أو تعقُّل في مجال الدين، قد تمكَّنوا من الوصول إلى مراكز الاقتدار والسلطة في مختلف المراحل الإسلامية، وأخذوا يستغلّون ذلك في التأكيد بشدّة على الظواهر الإسلامية. إن هذا الإصرار والجمود على الظواهر قد ترك بتأثيراته، ولم تذهب الكثير من ظواهر الألفاظ إلى أبعد مَدَياتها، ولم تسمح لنفسها بإجالة الفكر والتعقل، فحصل ما حصل. ولا بُدَّ من التأكيد على هذه الحقيقة، وهي أن أصحاب النزعة الظاهرية كلَّما أمسكوا بزمام السلطة عمدوا إلى تضييق الخناق على التفكير الحرّ، وكانت نتيجة ذلك أن ظل الدين حبيساً وقابعاً خلف قضبان الألفاظ والمفردات. إن تأليف الكتب الدينية ـ ولا سيَّما مصادر التراث الروائي منها ـ في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي، وبلوغها الذروة، يستعرض بوضوحٍ جانباً من خصائص التاريخ الإسلامي. وفي جميع هذه المراحل هبط مستوى الإنتاج الفكري إلى الحضيض. وفي نهاية المرحلة الأموية شهدنا تبلور وتعزيز اتجاهين دينيين، وهما: الجمود على ظواهر النصوص الدينية والتمسُّك بها في الشكل والمحتوى؛ وعدم الاهتمام بالشكل والتسامح في العقيدة والظواهر. وقد تمكَّن الاتجاه الأول ـ بالنظر إلى الفضاء الغالب وتمتُّعه بدعم السلطات الحاكمة ـ من أن يترك تأثيره العميق، وأن يقوى الاتجاه الظاهري، ويغلب الجمود على ظاهر الحديث. وفي هذه المرحلة تبلورت المدارس الفقهية القائمة على ظواهر الأدلة([73]). وقد ترك هذان الاتجاهان تأثيرهما على التفسير أيضاً([74]).

6ـ 4ـ التأثير التاريخي للتفسير الأثري

لقد تركت التحذيرات الكثيرة من التفسير بالرأي أثرها منذ المراحل الأولى للتفسير، وسادت الأذهان ثقافة التوجُّس من الخوض في التفسير، حتى أن البعض في المراحل اللاحقة لم يجِدْ من نفسه الجرأة على تقحُّم هذا المعترك حتّى في الأطر المعروفة للتفسير، حيث وجد فيه الكثير من المزالق الخطيرة. ويذهب الظن إلى أن أوّل تفسير شهد النور ـ بحَسَب رواية ابن النديم ـ هو (معاني القرآن)، للفرّاء(207هـ)، حيث عمد فيه إلى بيان معاني مفردات القرآن وألفاظه. قال أبو العباس ثعلب: كان السبب في إملاء كتاب الفراء في المعاني أن عمر بن بكير كان من أصحابه، وكان منقطعاً إلى الحسن بن سهل، فكتب إلى الفراء: أن الأمير الحسن بن سهل ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن فلا يحضرني فيه جوابٌ، فلئن رأيت أن تجمع لي أصولاً أو تجعل في ذلك كتاباً أرجع إليه فعلت، فقال الفراء لأصحابه: اجتمعوا حتّى أملي عليكم كتاباً في القرآن([75]). وهكذا ظهر إلى الوجود أوّل تفسير أثري.

وقد كان لهذا الكتاب ـ بوصفه باكورة هذه الحركة ـ دوراً محورياً في الاتجاه نحو التفسير الأثري، وأسَّس لسلوك علمي اعتبر تجاوزه وتجاهله كسراً للتقليد العلمي. وقد ترسخت هذه الفكرة في الوجدان، بحيث قلَّما سمح شخصٌ لنفسه بالتخلي عنها. وللوقوف على هذه الظاهرة يمكن للقارئ أن ينظر إلى المشاهد التاريخية التالية:

عن عبيد الله بن عمر قال: «لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون القول في التفسير»([76]).

وسُئل سعيد بن جبير أن يُفسِّر شيئاً من القرآن فقال في الجواب: «تقع جوانبي خيرٌ من ذلك»([77]).

وسألوا سعيد بن المسيَّب ذات الشيء فكان جوابه: «أنا لا أقول في القرآن شيئاً»([78]).

وقد ورد هذا النقل عن ابن سعد في كتابه (الطبقات الكبرى) عن بعض كبار العلماء، حيث كانوا يتجنَّبون تفسير القرآن، ويقولون في ذلك: لقد ذهب الذين كانوا يعرفون القرآن. ومن ذلك على سبيل المثال: أن حمّاد بن زيد [روى] عن عبيد الله قال: «كان القاسم لا يفسِّر، يعني القرآن». وعن محمد بن عمر، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: «ما كان القاسم يجيب إلاّ في الشيء الظاهر»([79]).

وكذلك روى عن عبيد الله بن عمر بن حفص: «كان سالم لا يفسِّر»([80]).

وقال أبو وائل، ضمن رفضه لتفسير القرآن، معلِّلاً ذلك بأن بيان الله في القرآن يجزي عن ذلك، إذ قال: «قد أصاب الله الذي به أراد»([81]).

ونقل الشاطبي(790هـ) عن مسروق قوله: «اتَّقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله».

وعن إبراهيم: كان أصحابنا يتَّقون التفسير، ويهابونه».

وعن هشام بن عروة: «ما سمعت أبي تأوَّل آيةً من كتاب الله، وإنما هذا كله توقٍّ وتحرز أن يقع الناظر فيه في الرأي المذموم، والقول فيه من غير تثبُّت»([82]).

وبالإضافة إلى التأسيس لثقافة الإحجام عن التفسير بالرأي، والرجوع إلى أهل الخبرة وذوي الاختصاص في التفسير، كان العامل التاريخي الآخر الذي أثار حساسية لدى البعض قد تمثَّل بظهور الفرق الفقهية والكلامية، من قبيل: المعتزلة، وعمد بعض الأشخاص إلى الوقوف بوجه هذه الظاهرة؛ منعاً لوقوع الانحراف المحتمل في التفكير الديني، الأمر الذي أدّى إلى تعزيز ودعم التفسير الأثري.

6ـ 5ـ التفسير التأويلي العرفاني والصوفي

إن وجود المادة التأويلية في القرآن دعا الكثيرين إلى الإقبال على التأويل بالتدريج، وأن يقوموا لاحقاً بتأويل الآيات المحكمات أيضاً. إن هذا التيار رغم غيابه في بداية تبلور التفسير، إلاّ أنه أخذ يزدهر في القرون التالية، الأمر الذي دفع الكثير من أتباع الجمود على النص إلى دراسة هذه الظاهرة، ووضعها تحت مجهر النقد. إن مواجهة هذا التيار ـ الذي كان ينظر إلى جميع آيات القرآن الكريم بوصفها إشارات ورموزاً دالّة على غير الأمور الظاهرية ـ شكَّلت بدورها دافعاً إلى الإقبال وتوجيه الآخرين إلى الأثر. وقال الفيض الكاشاني في هذا الشأن: «وقد يستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة؛ لتغرير الناس ودعوتهم إلى مذهبهم الباطل، فينزلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعاً أنه غير مراد به»([83]).

وذهب الشاطبي إلى رفض تفسير بعض آيات القرآن وكلماته، من قبيل: الحروف المقطَّعة، تفسيراً كشفياً، مثل: تفسير عبارة ﴿الم﴾ في مستهلّ سورة البقرة بأن الألف تشير إلى الله، واللام تشير إلى جبريل، والميم إلى محمد. واستدلّ على رفضه هذا النوع من التفسير بأنه غير معهود بين العرب في صدر الإسلام. وقال في مورد اكتشاف هذا المعنى: «ودعوى الكشف ليس بدليلٍ في الشريعة على أيّ حال، كما أنه لا يُعَدّ دليلاً في غيرها»([84]).

ثم استطرد بعد ذلك يذكر بعض النماذج ـ على سبيل المثال ـ عن تفسيرات الشيخ عبد الله التستري قائلاً: «ومن ذلك أنه نقل عن سهل بن عبد الله في فهم القرآن أشياء ممّا يُعَدّ من باطنه، فقد ذكر عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 22)، أي أضداداً، قال: وأكبر الأنداد النفس الأمارة بالسوء، الطواعة إلى حظوظها»([85]). وردّ الشاطبي على ذلك بقوله: «وهذا مشكل الظاهر جدّاً؛ إذ كان مساق الآية ومحصول القرائن فيها يدلّ على أن الأنداد الأصنام أو غيرها مما كانو يعبدون، ولم يكونوا يعبدون أنفسهم، ولا يتَّخذونها أرباباً، ولكنْ له وجهٌ جار على الصحة، وذلك أنه لم يقُلْ: إن هذا هو تفسير الآية، ولكنْ أتى بما هو نِدٌّ في الاعتبار الشرعي الذي شهد له القرآن»([86]).

كما أن لابن تيمية رؤية جديرة بالتأمل بشأن هذا النوع من التفسير؛ إذ إنه يفرِّق من هذه الناحية بين الدليل والمدلول، مدَّعياً أن الكثير من تفسيرات الصوفية والوعاظ والفقهاء صحيحة في ما يتعلَّق بالمدلول، دون الدلالة، بمعنى أنهم ذكروا في تفسير الآيات كلاماً صحيحاً في نفسه، ولكنْ لا صلة له بالقرآن، ثم مثَّل لذلك بأبي عبد السلمي، قائلاً: «مثل كثير ممّا ذكره السلمي في الحقائق»([87]).

يضاف إلى ذلك ما رُوي عن أبي عبد الله× في حديث احتجاجه على الصوفية ـ لمّا احتجوا عليه بآيات من القرآن في الإيثار والزهد ـ؛ إذ قال لهم بعد أن عدَّد لهم العلوم التي يجب على المفسِّر اعتمادها في التفسير: «دعوا عنكم ما اشتبه عليكم، مما لا علم لكم به، وردّوا العلم إلى أهله تؤجروا وتعذروا عند الله»([88]).

وعلى الرغم من أن الصوفية كانوا من القائلين بالنظر، وأنه يجب الاستناد إلى النقل في الأمور التوقيفية، من قبيل: أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، ولا يقولون بأيّ موضع أو دور للعقل في هذه الأمور([89])، إلا أن جذورهم الفكرية تقوم على الاستفادة من التأويلات الذوقية والاعتباطية في تفسير آيات القرآن الكريم.

وعلى أيّ حال فإن ظهور هذا النوع من التوجُّه نحو التفسير دفع بالكثيرين إلى التأكيد على التفسير المستند إلى المباني الدينية المعتمدة على النقل، الأمر الذي طغى بالكامل على الاجتهاد والتفسير العقلي.

7ـ النزعة الروائية في التفسير، الآفات والانتقادات

لا شَكَّ في أن للتفسير الأثري دوراً لا يمكن إنكاره في فهم مراد الله سبحانه وتعالى. بَيْدَ أن هذا المنهج التفسيري قد تعرَّض ـ مثل الكثير من المناهج التفسيرية الأخرى ـ إلى بعض الآفات والأضرار، التي شكَّلت بدورها مانعاً وعقبة أمام الوصول إلى مراد الله سبحانه وتعالى. وليس أمامنا في هذه العجالة سوى الإشارة إلى بعض هذه الآفات.

إن الذين قالوا بأن التفسير منحصرٌ بالتفسير الروائي لم يكتفوا بذلك، وإنما لم يسلم من مبضع تفكيرهم حتّى منهج تفسير القرآن بالقرآن أيضاً. فقد عمد السيد هاشم البحراني في أحد الأبواب التمهيدية لتفسيره المأثور إلى نقل روايةٍ تقول: «ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعضٍ إلاّ كفر»([90])، وقال على هامش ذلك، دون أن يبدي بشأنه أيَّ إيضاحٍ أو نقد: «عن محمد بن عليّ بن بابويه، في كتاب (معاني الأخبار)([91])، قال: سُئل أحد العلماء عن هذا الحديث فقال: هو أن يفسِّر آيةً بتفسير آيةٍ أخرى»([92]).

كما عمد الشيخ الحُرّ العاملي ـ وهو من القائلين بذات المذهب الفكري ـ، بعد نقله لهذا الحديث، إلى نقل سؤال الشيخ الصدوق (أستاذه) محمد بن الحسن عن معنى هذا الحديث، فأجابه: «هو أن يجيب الرجل في تفسير آيةٍ بآيةٍ أخرى»([93]).

وبذلك فإن هذه الطائفة من المفسرين لا تقصر تفسير القرآن على أشخاص خاصين بعينهم، بحيث لا يحق لغيرهم الخوض في التفسير فحَسْب، بل لا يحقّ لأحدٍ أن يفسِّر القرآن بالقرآن نفسه أيضاً. وعليه كيف يمكن التعامل مع الآيات التي تنتقد بشدّةٍ أولئك الذين يتركون التدبّر والتفكير في القرآن، واعتبار القرآن معياراً لإثبات صحة الحديث، والدعوة إلى التمسُّك بالقرآن بوصفه وسيلةً للخلاص والنجاة؟!

إن من الآفات الجوهرية في منهج التفسير الأثري حصر معاني الآيات بالروايات الموجودة، وعدم الذهاب إلى أبعد منها، والتخلّي عن بذل الجهد والاجتهاد في التفسير. وقد ذهب أصحاب هذا النهج إلى حدّ اعتبار القرآن من دونه غير قابلٍ للفهم، بمعنى أن هذا القرآن الذي يهدي الناس إلى السعادة، والذي يمثِّل الملاك والمعيار للتمييز بين الغثّ والسمين من التعاليم الدينية، يعتبر من وجهة نظر هذا الاتجاه تابعاً للغير، ولا يمكن فهمه بشكلٍ مستقلّ. وكان من تداعيات هذه الرؤية المتطرِّفة للحديث أن جعلت الروايات محوراً تدور حوله الأبحاث الدينية، في حين أن هذه الروايات لا تمتلك حجية في حدّ ذاتها، وإنما حجّيتها رهنٌ بتأييد القرآن لها، خلافاً للقرآن الذي تعتبر حجيته ذاتية.

وحيثما ازدهر الاتجاه المتمحور حول الحديث كان ذلك على حساب القرآن، فكلما ارتفع شأن الحديث انخفض الاهتمام بالقرآن، كما شهدنا ذلك في العصر الصفوي، حيث شاع على الألسنة وانتشر في الكتب للمرّة الأولى مقال: «إن القرآن لا يمكن فهمه بمعزل عن الحديث». وقد ذهب الميرزا أبو الحسن الشعراني ـ الذي يذهب بدوره إلى القول بضرورة التفسير الأثري ـ إلى اعتبار منشأ ظهور القول بأن القرآن غير قابلٍ للفهم يعود إلى نهاية العصر الصفوي، مدَّعياً أن هذه الظاهرة لم يكن لها من وجود قبل ذلك، وأن ذلك لم يخطر على ذهن أحد([94]).

وقد تحدَّث ابن عاشور، في مقدمته التفصيلية على تفسيره (تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد)، بشأن التفسير بالرأي، وعمل على نقده وتمحيصه. وقد ذكر للتفسير بالرأي، الذي تمّ التحذير منه، خمسة احتمالات؛ لكي يتعرّف من خلال ذلك على التفسير الممنوع. ويمكن بيان تلك الاحتمالات الخمسة([95]) التي ذكرها ابن عاشور في هذا الشأن على النحو التالي:

1ـ إبداء الرأي بشأن الآيات اعتماداً على ما يخطر في الذهن، من دون استناد إلى دليلٍ.

2ـ عدم التدبُّر أو التدقيق، وإبداء الرأي البدوي، دون إحاطة بالموضوع.

3ـ الانحياز إلى رأيٍ سابق، والعمل على تأويل الآيات على أساس ذلك.

4ـ القطع برأيٍ، والظنّ بعدم وجود معنىً آخر للآية.

ثم فسَّر ابن عاشور التحذيرات الكثيرة من التفسير بالرأي، قائلاً: إنها ترمي إلى دعوة المفسِّر وتشجيعه على التدبُّر الشامل والجامع، وحثّه على عدم الاقتصار في تفسيره على الرؤية المجتزأة([96]).

وقد ذهب هذا المفسِّر إلى الاعتقاد بأن الجمود على التفسير بالرأي ناشئٌ من عدم الإدراك الصحيح للموضوع. وعمد إلى الردّ على ذلك بدليلٍ نقضي؛ وآخر حَلّي. فقد قال بشأن هذا الموضوع: إن الصحابة ـ الذين عاصروا النبي الأكرم‘، وكانوا على معرفة بتفاصيل الأمور إلى حدٍّ ما ـ لم يكتفوا بمجرّد التفسير بالمأثور عن النبي فقط، وإنما كانوا يجتهدون ويعتمدون على آرائهم في التفسير أيضاً([97]). كما أن النبي نفسه حثّ الصحابة ـ في روايةٍ عنه ـ إلى التفسير من القرآن إذا كان منسجماً مع ظواهره، ومن ذلك قوله: «الْقُرْآنُ ذَلُولٌ ذُو وُجُوهٍ، فَاحْمِلُوهُ عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِهِ»([98]).

وروي عن النبي الأكرم‘ قوله: «إذا جاءكم عنا حديثٌ فأعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالفه فاطرحوه أو ردّوه إلينا»([99]).

وقال القرطبي ما معناه: «إن الصحابة كانوا يقرأون القرآن، ويختلفون في تفسيره، ولم يكن كلُّ ما يقولونه في هذا الشأن قد سمعوه من النبيّ»([100]).

وقد ذهب الشيخ الطوسي، في بداية (تفسير التبيان) ـ بعد نقل الأدلة على عدم جواز التفسير دون الاستناد إلى الأثر وظواهر الأخبار ـ، إلى القول بحجِّية ظواهر القرآن، مستنداً في ذلك إلى الآيات والروايات الأخرى، ثم قال: «وكيف يكون حجة ما لا يفهم منه شيء؟!»، ثم استطرد بعد ذلك قائلاً: «وكيف يمكن العرض على كتاب الله، وهو لا يفهم به شيء؟ وكلّ ذلك يدلّ على أن ظاهر هذه الأخبار متروكٌ»([101]).

ثم قسَّم الآيات، من حيث قبولها للفهم، إلى أربعة أقسام:

1ـ ما اختص الله تعالى بالعلم به، فلا يجوز لأحدٍ تكلُّف القول فيه، ولا تعاطي معرفته.

2ـ ما كان ظاهره مطابقاً لمعناه، فكلُّ مَنْ عرف اللغة التي خوطب بها عرف معناها.

3ـ ما هو مجمل، لا ينبئ ظاهره عن المراد به مفصَّلاً.

4ـ أن يكون اللفظ مشتركاً بين شيئين([102]).

وقد سار صاحب تفسير (مجمع البيان) على ذات هذا النهج أيضاً([103]).

الهوامش

(*) كاتبٌ في الحوزة العلميّة، وباحثٌ ومدرِّس في كلِّية القرآن والحديث في قم.

([1]) انظر: الفيروزآبادي، القاموس المحيط، دار الفكر، بيروت، 1415هـ ـ 1995م.

([2]) الموقوف: هو كلّ حديث نقل عن أصحاب المعصومين. (انظر: زين الدين العاملي، شرح البداية في علم الدراية: 45، إخراج: محمد علي البقال، مكتبة چهل ستون، ط1، طهران، 1402هـ).

([3]) المرفوع: هو الحديث المنسوب إلى المعصوم، بسند متصل أو غير متصل. (انظر: زين الدين العاملي، شرح البداية في علم الدراية: 100).

([4]) انظر: الفيروزآبادي، القاموس المحيط.

([5]) انظر: جلال الدين السيوطي، الدرّ المنثور في التفسير المأثور 1: 11 (المقدمة).

([6]) انظر: إحسان أمين، التفسير بالمأثور وتطوّره عند الشيعة الإمامية، دار الهادي، بيروت، 1421هـ ـ 2000م.

([7]) انظر: عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون 2: 890، مركز انتشارات علمي وفرهنگي، ط4، طهران، 1362هـ.ش.

([8]) انظر على سبيل المثال: جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 4: 207 ـ 208، تحقيق: محمد إبراهيم أبو الفضل، منشورات الرضي، بيدار، عزيزي، قم، 1367هـ.ش؛ محمد بن أحمد بن جزي، التسهيل لعلوم التنـزيل 1: 7 ـ 8، دار الفكر؛ روح المعاني 1: 14 ـ 15.

([9]) انظر: محمد هادي معرفت، التفسير الأثري الجامع 1: 5 ـ 6 (مقدمة المؤلف)، التحقيق والنشر: مؤسسة التمهيد، ط1، 1383هـ.ش ـ 1425هـ.

([10]) انظر: محمد رضا ريخته گران، منطق ومبحث علم هرمنوتيك: 181، نشر المؤتمر بالتعاون مع مركز الدراسات والتحقيقات الثقافية لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ربيع عام 1378هـ.ش (مصدر فارسي).

([11]) انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 4: 207.

([12]) عبد الله بن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال 1: 119، تحقيق: سهيل زكار، دار الفكر، ط2، بيروت، 1409هـ. قال ابن عدي: سمعت هذا الكلام من محمد بن سعيد الحراني، وقد ذكر أنه سمعه من عبد الملك الميموني، وأنه سمعه من أحمد [بن حنبل] مباشرةً.

([13]) محمد رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم، الشهير بـ (المنار) 1: 10، دار المعرفة، بيروت، 1414هـ ـ 1993م.

([14]) انظر مثلاً: ابن أبي شيبة، المصنف 7: 180، تحقيق: سعيد محمد اللحام، دار الفكر، 1409هـ، حيث روى أن عمر بن الخطاب قد اعتلى المنبر، وتحدث عن الآية الحادية والثلاثين من سورة عبس، فقال: (الفاكهة قد عرفناها، فما الأبّ؟).

([15]) انظر مثلاً: خادم حسين إلهي بخش، القرآنيون وشبهاتهم حول القرآن، مكتبة الصديق، 1409هـ/1989م. في عام 1902م قام رجلٌ باكستاني اسمه (عبد الله جكر ألوي) بتأسيس جماعة أطلق عليها اسم (أهل الذكر والقرآن)، ولم تَرَ هذه الجماعة أيّ مكانةٍ للسنّة في فهم القرآن الكريم، واعتبرت القرآن كتاباً مستقلاًّ للفهم، فشكلت بذلك نهضة بدأت بشعار القرآن، ثم واصلت نشاطها تحت مختلف المسمَّيات والعناوين. لقد رفع هؤلاء شعار (حسبنا كتاب الله)، وأنكروا السنة بذريعة أنها ليست من الوحي، ورأوا كفاية اللغة العربية وكتاب الله ذاته في فهم القرآن، وعمدوا ـ مثلاً ـ إلى تفسير الصلاة بالدعاء؛ اعتماداً على المعنى اللغوي. (انظر: القرآنيون وشبهاتهم حول السنة: 276). وقد تمثَّلت أصول هذه الجماعة بـ: (حسبنا كتاب الله)، واللغة العربية، وتأويل بعض آيات القرآن الكريم.

([16]) لمزيدٍ من الاطلاع انظر: هدى جاسم محمد أبو طبرة، المنهج الأثري في تفسير القرآن الكريم: حقيقته، ومصادره، وتطبيقاته، مركز النشر لمكتب الإعلام الإسلامي، ط1، قم، 1414هـ ـ 1372هـ.ش.

([17]) محمد بن يعقوب الكليني، الكافي (الروضة) 8: 311، تحقيق: علي أكبر غفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1388هـ؛ محمد بن الحسن الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل الشريعة 18: 136، تحقيق: محمد الرازي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

([18]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 18: 148.

([19]) الكليني، الكافي 1: 213.

([20]) الميرزا حسين النوري، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل 17: 334، تحقيق: مؤسسة آل البيت^ لإحياء التراث، 1408هـ.

([21]) الكليني، الكافي 1: 229.

([22]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 18: 140 ـ 150.

([23]) المصدر السابق 18: 151.

([24]) المصدر نفسه.

([25]) المصدر السابق: 149 ـ 150.

([26]) مسند أحمد بن حنبل 4: 131، دار إحياء التراث العربي ودار صادر.

([27]) محمد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان 2: 70، دار الكتب العلمية، بيروت، 1416هـ ـ 1996م.

([28]) محمد بن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن 1: 56، دار الكتب العلمية، بيروت، 1412هـ ـ 1992م.

([29]) انظر: المصدر السابق 1: 56 ـ 57.

([30]) انظر: محمد بن الحسن الطوسي، التبيان في تفسير القرآن 1: 4 ـ 7، تحقيق: أحمد قصير العاملي، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، 1409هـ.

([31]) دقائق التفسير، الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية، تحقيق: محمد السيد الجليند، مؤسسة علوم القرآن، 1406هـ ـ 1986م.

([32]) انظر: أبو عبد الرحمن بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 1: 43، تحقيق: صدقي محمد جميل، والشيخ عرفان العشّا، دار الفكر، بيروت، 1414هـ ـ 1993م.

([33]) انظر: أبو بكر عتيق النيسابوري، تفسير سورآبادي 1: 7، تصحيح: أكبر سعيدي سيرجاني، فرهنگ نشر نو، طهران، 1381هـ.ش.

([34]) انظر: إسماعيل بن أبي الفداء، تفسير القرآن العظيم 1: 8، تحقيق وتعليق: محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، 1419هـ ـ 1998م.

([35]) انظر: محمد رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم، الشهير بـ (المنار) 1: 7 ـ 10.

([36]) المولى محمد محسن الفيض الكاشاني، الأصفى في تفسير القرآن 1: 2 ـ 3، تحقيق: محمد حسين درايتي ومحمد رضا درايتي، مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي، ط1، قم، 1418هـ ـ 1376هـ.ش.

([37]) المصدر السابق 1: 37.

([38]) الشيخ يوسف البحراني، الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة 1: 30، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1363هـ.ش.

([39]) يبدو من صاحب المقال أنه خلط بين السيد هاشم البحراني(1107 أو 1109هـ) صاحب (البرهان في تفسير القرآن) وبين الشيخ يوسف البحراني(1107 ـ 1186هـ) صاحب كتاب (الحدائق الناضرة). ولا يخفى أنهما عالمان مختلفان. المعرِّب.

([40]) هاشم الحسيني البحراني، البرهان في تفسير القرآن 1: 6 (مقدّمة المؤلف)، تحقيق: قسم التحقيق لمؤسسة البعثة، مؤسسة البعثة، 1415هـ.

([41]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 18: 129.

([42]) الشيخ محمد أمين الإسترآبادي، الفوائد المدنية: 44، دار النشر لأهل البيت^.

([43]) انظر: المصدر السابق: 47 ـ 48.

([44]) انظر: المصدر السابق: 128.

([45]) المصدر نفسه.

([46]) المصدر نفسه.

([47]) انظر: الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 18: 134.

([48]) المصدر نفسه.

([49]) نهج البلاغة، الخطبة رقم 18.

([50]) أحمد بن محمد بن خالد البرقي، المحاسن 2: 300، تحقيق: السيد جلال الدين الحسيني، دار الكتب الإسلامية.

([51]) حسين بن محمد الحلواني، نزهة النواظر وتنبيه الخواطر: 110، تحقيق ونشر: مدرسة الإمام المهدي، 1408هـ. تنسب هذه الرواية إلى الإمام عليّ×، انظر: ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللآلي العزيزية في الأحاديث الدينية 4: 105، تحقيق: السيد المرعشي والشيخ مجتبى العراقي، 1403هـ ـ 1983م. ونسبت في بعض مواضع البحار إلى الإمام الحسين×، انظر: العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 75: 278. ونسبها الفيض الكاشاني أحياناً إلى الإمام الصادق×، انظر: محمد محسن الفيض الكاشاني، الصافي 1: 31، تحقيق وتصحيح: الشيخ حسين الأعلمي، منشورات مكتبة الصدر، ط2، 1416هـ ـ 1374هـ.ش. ولم يَرِدْ لهذا الحديث ذكرٌ في المصادر الروائية المعتبرة، وأوّل مَنْ ذكره هو حسين بن محمد الحلواني(من أعلام القرن الخامس الهجري)، حيث أورده في كتابه (نزهة النواظر وتنبيه الخواطر).

([52]) انظر على سبيل المثال: تفسير أبي عبد الرحمن السلمي.

([53]) بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن 2: 312، تحقيق: يوسف عبد الرحمن المرعشلي والشيخ جمال حمدي الذهبي وعبد الله الكردي، دار المعرفة، بيروت، 1415هـ ـ 1994م.

([54]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 11: 148.

([55]) الفيض الكاشاني، الصافي 1: 8.

([56]) انظر: الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن 2: 5.

([57]) انظر: أحمد عمر هاشم، السنة النبوية وعلومها: 30 ـ 33، مكتبة غريب.

([58]) انظر على سبيل المثال: الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن 2: 267 ـ 554.

([59]) الكليني، الكافي 1: 286 ـ 287.

([60]) علي بن عمر الدارقطني، سنن الدارقطني 1: 280، تحقيق: مجدي بن منصور الثوري، دار الكتب العلمية، 1407هـ ـ 1996م.

([61]) النوري، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل 9: 420.

([62]) محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري 3: 71، تحقيق: قاسم الشماعي الرفاعي، دار القلم، 1407هـ ـ 1987م.

ومن الجدير ذكره أن هذه الطائفة من الروايات، التي قال النبيّ فيها: إن كيفية أداء الصلاة والحج تابعة لسيرته وأفعاله، لم تَرِدْ في المصادر الشيعية الأولى، وإنما وردت في المصادر الروائية لأهل السنة. بَيْدَ أنها مع ذلك شكلت مستنداً للكتب الفقهية الشيعية، وموضع اهتمام الفقهاء الشيعة منذ بداية عصر الاجتهاد عندهم وحتّى هذه اللحظة. انظر على سبيل المثال: السيد المرتضى، الانتصار: 151، تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي، 1415هـ؛ محمد بن الحسن الطوسي، الخلاف 1: 314، تحقيق: السيد علي الخرسان والسيد جواد الشهرستاني ومحمد مهدي نجف، مؤسسة النشر الإسلامي، 1417هـ؛ محمد حسن النجفي، جواهر الكلام 8: 5 فما بعد، تحقيق: عباس القوجاني، دار الكتب الإسلامية، ط3، طهران، 1367هـ.ش.

([63]) الشيخ أبو الحسن بن محمد بن غلام الشعراني الطهراني(1320 ـ 1393هـ): عالم دين، من أحفاد الآخوند الملا فتح الله الكاشاني، صاحب تفسير منهج الصادقين. المعرِّب.

([64]) الملا فتح الله الكاشاني، منهج الصادقين 1: 18 (المقدمة).

([65]) انظر: النوري، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل 4: 372؛ المجلسي، بحار الأنوار 89: 106.

([66]) محمد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان 1: 290 ـ 310.

([67]) انظر على سبيل المثال: محمد بن علي بن عسكر، التكملة والإتمام لكتاب التعريف والإعلام في ما أبهم من القرآن، تحقيق: حسين إسماعيل مروة، دار الفكر، بيروت، 1997 م؛ محمد بن جماعة، التبيان في مَنْ لم يسمّ في القرآن، منشورات جامعة الدراسات الإسلامية، كراتشي، 1410هـ؛ محمد بن علي بلني، تفسير مبهمات القرآن، تحقيق: حنيف قاسمي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1991م؛ عبد الجواد خلف، مباحث في مبهمات القرآن الكريم، دار البيان، مصر، 1992م؛ عبد الرحمن سهيلي، غوامض الأسماء المبهمة والأحاديث المسندة في القرآن، تصحيح: هيثم عيّاش، دار الفكر العربي، 2000م؛ جلال الدين السيوطي، مقحمات الأقران في مبهمات القرآن، تصحيح: طه عبد الرؤوف سعد، المكتبة الأزهرية للتراث، مصر، 1992م.

([68]) انظر على سبيل المثال: محمد بن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن 1: 115 ـ 125.

([69]) وقد ورد في بعض الروايات أن هؤلاء عبارةٌ عن جماعة بلغ عددهم سبعين ألف شخص. انظر: الكليني، الكافي (الروضة) 8: 198.

([70]) الملا فتح الله الكاشاني، منهج الصادقين 1: 12.

([71]) هدى جاسم محمد أبو طبرة، المنهج الأثري في تفسير القرآن الكريم: حقيقته، ومصادره، وتطبيقاته: 219.

([72]) انظر: المصدر السابق: 223.

([73]) انظر: مساعد مسلم عبد الله آل جعفر، أثر التطوّر الفكري في التفسير في العصر العباسي: 135 ـ 255، مؤسسة الرسالة، 1405هـ ـ 1914م.

([74]) انظر: المصدر السابق: 66 ـ 67.

([75]) محمد بن إسحاق، الفهرست: 104، المكتبة التجارية الكبرى.

([76]) إسماعيل بن أبي الفداء، تفسير القرآن العظيم 1: 7.

([77]) المصدر نفسه.

([78]) المصدر نفسه.

([79]) ابن سعد، الطبقات الكبرى 5: 187، دار صادر، بيروت.

([80]) المصدر السابق: 200.

([81]) المصدر السابق 6: 100. وقد نقل مؤلف كتاب مكاتب تفسيري (المدارس التفسيرية) هذه الأقوال عن عددٍ من كبار علماء القرن الثاني الهجري بالتفصيل، وقام بدراستها ونقدها، انظر: علي أكبر بابائي، مكاتب تفسيري: 269 ـ 270، بژوهشكده حوزه ودانشگاه، قم، 1381هـ.ش (مصدر فارسي).

([82]) أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة 3: 317، دار المعرفة، ط2، 1395هـ ـ 1975م.

([83]) الفيض الكاشاني، الصافي 1: 37.

([84]) أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة 3: 397.

([85]) الشاطبي، التفسير: 27.

([86]) أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة 4: 339 ـ 401.

([87]) السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 4: 207.

([88]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 18: 135 ـ 136.

([89]) انظر: عبد المنعم الحنفي، الموسوعة الصوفية: 686، مكتبة مدبولي، 1424هـ ـ 2003م.

([90]) انظر: محمد بن مسعود بن عياش السمرقندي، تفسير العياشي 1: 18، تحقيق: السيد هاشم رسولي محلاتي، المكتبة العلمية الإسلامية، طهران.

([91]) انظر: محمد بن علي بن بابويه (الصدوق)، معاني الأخبار: 190.

([92]) هاشم الحسيني البحراني، البرهان في تفسير القرآن 1: 43. ومن الجدير بالذكر أن نص العبارة التي ساقها الصدوق في (معاني الأخبار) كما يلي: «هو أن تجيب الرجل في تفسير آيةٍ بتفسير آيةٍ أخرى».

([93]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 18: 135.

([94]) الملا فتح الله الكاشاني، منهج الصادقين 1: 20 (المقدمة).

([95]) لم يذكر صاحب المقال ـ على ما سيتّضح ـ سوى أربعة احتمالات من بين تلك الاحتمالات الخمسة فقط. المعرِّب.

([96]) انظر: محمد بن عاشور، التحرير والتنوير 1: 28 ـ 31، دار التونسية للنشر ـ الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان.

([97]) انظر: المصدر السابق: 32.

([98]) سنن الدارقطني 4: 144.

([99]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 14: 356.

([100]) انظر: أبو عبد الرحمن بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 3: 33.

([101]) محمد بن الحسن الطوسي، التبيان في تفسير القرآن 1: 4.

([102]) انظر: المصدر السابق 1: 4 ـ 7.

([103]) انظر: أبو علي الطبرسي، مجمع البيان 1: 39 ـ 40.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً