أحدث المقالات
ترجمة: حيدر حب الله

تفكيك مقولة bالدفاع العقلاني عن الدينv  ــــــــــ

ماهو المراد بالضبط من bالدينv وbالعقلv في مقولة: bالدفاع العقلاني عن الدينv؟

ملكيان: لا بدّ لنا ــ بدايةً ــ من الإشارة إلى أن اتباع أيّ دينٍ أو مذهب يعتبرون شخصاً ما أو أشخاصاً معينين فوق النقد والمساءلة، أي أنّهم يرونهم مقدّسين وحجّة، وهذه القناعة تتكوّن لدى أتباع الديانات لسببٍ أو لمجموعة أسباب مجتمعة، مما يجعل تعاليم هؤلاء المقدّسين ونظرياتهم وأحكامهم متعاليةً عن الاستفهام أو التساؤل، وقد نسبت لهذا الشخص أو الأشخاص الكثير من الكلمات والمواقف، كما أنّ الأمر ما يزال ناشطاً على هذا الصعيد، ولا شك أنّه من غير الممكن الجزم بصدور هذه الكلمات والمواقف جميعها صدوراً واقعياً حقيقياً منهم، إنّ هذا اليقين يبدو غير منطقي بالنسبة إلينا، ومن هنا تبدو أهميّة التمييز بين الكلام الصادر عنهم وذاك غير الصادر، بل هو موضوع ومجعول عليهم، وهي عملية غير ممكنة دون طلب العون من منهاجيات العلوم التاريخيّة، وهي خطوة يجب أن نعترف بأنّها لم تتمّ بشكل كامل بعدُ في أيّ دينٍ أو مذهب.

وعلى أيّة حال، يمكننا تسمية مجموعة القضايا المحرز صدورها ــ بعد إعمال مناهج البحث التاريـخي ــ عن تلك المرجعيات المتعالية عن النقد والمساءلة في دينٍ ما.. يمكننا إطلاق اسم الدين عليها، من هنا يكون المراد من bالدينv في موضوعة bالدفاع العقلاني عن الدينv ــ أولاً وبالذات ــ مجموعة القضايا المعتبرة مقدّساً من وجهة نظر المتدينين، كما أنّه ــ ثانياً وبالعرض ــ مجموعتان أخريتان من القضايا هما:

1 ــ الفرضيات والأحكام المعرفية والوجودية المسبقة القائمة تلك القضايا عليها.

2 ــ لوازم ومستتبعات تلك المجموعة من القضايا.

وعليه، يمكننا القول في المحصّلة النهائية: إنّ المراد من الدين هنا مجموعة القضايا المقدّسة وبناءاتها القبلية ولوازمها الناجمة عنها.

أما bالعقلv فالمقصود منه هنا مجموعة العلوم والمعارف المتكوّنة عبر السبل العادية لاكتساب العلم وتكوين المعرفة، أي عن طريق الحسّ والتجربة (أعمّ من الحسّ الظاهر والحسّ الباطن)، وكذلك عن طريق التفكير وممارسة الاستدلال، والنقد التاريخي الممنهج.

هذه التوليفة من العلوم والمعارف تخضع لفعلٍ نقديّ مركز ومن ثم لعملية تصويب (stification) على أساس مناهج العلوم التجريبية، والرياضية، والمنطقية، والفلسفية، والعلوم النقلية والتاريخية.

لغنهاوزن: يرتبط المقصود بمقولة bالدفاع العقلاني عن الدينv ومجمل التوليفات والمجموعات الراجعة إليها بالسياق الذي يتم استخدامها فيه، فالمراد من الدين عموماً في مباحث الكلام الفلسفي أو فلسفة الدين في الغرب bالاعتقاد بالله الأحدv، وبالرغم من وجود أديان غير توحيديّة كالبوذية، إلا أنّ المعنية منها أكثر بموضوع الدفاع العقلاني عن الدين هي الأديان التوحيدية.

المقصود  بالمذهب Teism ــ طبقاً لدائرة المعارف الفلسفية ــ الاعتقاد بالإله الواحد الأحد الذي هو: أ ــ شخصي، ب ــ لائق بالعبادة، ج ــ منفصل عن العالم، د ــ فعّال فيه على الدوام، ويذعن جون هيغ بأن هذه الكلمة تعني بالدقّة الاعتقاد بالإله الواحد، إلا أنّ هذه المفردة تستعمل عموماً للدلالة على الاعتقاد بإلهٍ إنساني، ويبدي ريتشارد سوينبرن اعتقاداً بأّنّ الإنسان المنتمي لهذا المذهب هو ذاك المعتقد بإله هو شخصي لا جسم له، أي روح أزليّة وأبديّة، مختارة، قادرة على فعل أيّ شيء، عالمة بالأمور كافة، هي خير كامل، وذات (موضوع) في معرض العبادة والإطاعة الإنسانية، خالقة، حافظة لعالم الوجود.

وعندما ينشغل ج. ال. مكي في تحليل موضوع الإلحاد يؤيّد تعريف سوينبرن المتقدم، والجدير ذكره والانتباه إليه هنا أنّ هذه التعاريف برمّتها تحتوي على عنصر مشترك وهو أنها تستلزم الاعتقاد بإلهٍ شخصي.

لقد حظي تفسير شخص الأقنوم في أوساط المتكلّمين المسيحيين في القرون الوسطى بحيّز كبير من البحث والدراسة، ذلك أنّ اعتقاداً بوحدانية الله في عين كونه ثلاثة أشخاص (أقنوم ــ إنسان) كان قائماً في الوسط المسيحي في إطار تفسير مقولة التثليث المعروفة، إلا أنّ هذا المعنى لكلمة bالشخصv لا تتصل اتصالاً مباشراً بتعبير bشخصي أو إنسانيv المتقدّم الذكر، إذ إن معنى الإنساني في استخدامات المتكلّمين المسيحيين إنما يجري تداوله في مقابل ما يقع تفسيراً غير  إنساني للألوهية، حيث يتعامل بوحدة وتشابه طبقاً له بين الوجود غير المتناهي مع الوجود البحت والصرف والمحض، أو الكمال الوجودي أو الوحدة الأفلاطونية المحدثة أو حتى العدمية واللاشيئية.

عندما يعي الإنسان معنى هذا المذهب السائد في أوساط المتكلّمين والفلاسفة الغربيين يمكنه أن يدرك جيداً أنّ أي بحث عنه يفترض أن يكون مثار بحث في الوسط الإسلامي ومدعاةً للملاحظة والدراسة، ذلك أنّ فئات بين المفكرين المسلمين الكبار ــ وعبر قرون متمادية ــ يقترب تصوّرها لله تعالى من التصوّر الإنساني الشخصي في مدلولاته المسيحية، والذي يبدو لنا أنّ الفلاسفة والعرفاء هم من كانت لديهم تصوّرات عن الله تعدّ في منظومة مفاهيم المتكلّمين الغربيين تصوّرات غير إنسانية شخصية.

وليس موضوعنا هنا الحديث عن ردّ جماعة من المفكّرين من أمثال الفارابي وابن سينا وابن عربي وصدر المتألهين للتصوّر الإنساني الشخصي لمفهوم الله عبر الاستعانة بنظريات من قبيل حقيقة الوجود، إنّما الإشكالية في أنّهم كانوا يقولون بعدم وجود تناقض أو تعارض بين تصوّر الله بوصفه محبّاً للإنسان، مراقباً له، مشرفاً على كافّة أموره، وبين تصوّره موجوداً متعالياً جداً عن أيّ أمر يخضع للتصوّر الإنساني.

وفي الحقيقة، إنّ هذه الرؤية التي يمكنها أن تدرك الله من زوايا مختلفة إدراكاً ناقصاً، هي امتياز خاصّ بالتصوير القرآني عن الألوهية، وهو تصوير تمّ شرحه في كلمات النبي 3 والأئمة (، وقد شرح الإمام الخميني هذا التصوّر شرحاً جميلاً ورائعاً في تفسيره لسورة الحمد، مبدياً اعتقاداً بأنّ الاختلافات التي تظهر لنا في توصيف الله تعالى بين الفلاسفة والمتكلّمين والعرفاء إنما هي اختلافات لفظية بحتة، ترجع إلى نمط البيان وأسلوب التعبير، ومن ثمّ فلا توجد أيّة اختلافات جوهرية بين هذه الفئات.

وأرى أن التأكيد على هذه النقطة يحوز أهميةً خاصّة، وهي أنّ ما يريده المسلمون من bالدينv يشمل مفهوماً لله أوسع نطاقاً من ذاك المفهوم الذي تستوعبه التعاريف الغربية المعاصرة عن الدين.

المسألة الأخرى التي تجدر ملاحظتها لدى تحليل المقصود من الدين، وهي أنّ هذه النظرية لا تشمل الشريعة الإلهية، فكيف بجعلها منهجاً للحياة؟!

أمّا الكفّار (الملحدون) الذين ينتقدون على الدوام عقلانية الإسلام، فإنّهم يركّزون انزعاجهم ــ فيما يظهرونه ــ على الأحكام الإلهيّة أكثر من الاعتقاد بوجود الله نفسه، إنّهم يعتقدون أنّ الإسلام إذا كان ديناً جيداً وحسناً فإنّما هو كذلك للعرب في القرن السابع الميلادي، إن الإسلام ــ من وجهة نظرهم ــ غير منسجم ولا متناغم مع حقوق الإنسان، إنّه يستسيغ الظلم للنساء، ويهلك حرّية التعبير دون قيامة، وفي النهاية: إنّه دين غير ديموقراطيّ ولا …

وبعبارة موجزة: إن الحملة العقلانية التي يشنّها الغربيّون على الإسلام أو أولئك المتأثرون بالأفكار الغربية تتمركز ــ بشكل أكبر ــ في مجال فلسفة الأخلاق، والفلسفة السياسية ــ الاجتماعيّة أكثر مما بات يُعرف في الغرب بفلسفة الدين.

إنّ مباحث فلسفة الدين في الغرب تتمحور حول مقولة: الله موجود، وأنّه يمكن إدراكه كالروح المتعالية، لكن على صورة إنسانٍٍ عارٍ من الجسم كما يطرحه علم الكلام المسيحي المعاصر، وذلك على خلاف ما كان عليه الحال عند القدماء في الحقبة القروسطية، إنّ أكثر فلاسفة الدين المسيحيين المعاصرين يرون الله جوهراً وذاتاً تبقى على مرور الزمان وتصرّم الأوقات، إنّ تصوّر الله ذاتاً في سيرورةٍ داخل الزمان مع مخلوقاته يلقى ترحيباً لدى الكثير من المفكّرين المسيحيين المعاصرين، بل يذهبون إلى اعتباره مستوحى من الكتاب المقدّس أكثر من كونه مستقى من النزعات الفلسفية وآراء الأفلاطونية المحدثة، رغم أنّ الكثير يرفضون نسبة مفهوم الذات والجوهر إلى الكتاب المقدّس، إنّ موقف الملحدين في هذا المجال يتمثل في لا معقوليّة الاعتقاد بموجود يجلس في السماء (الملكوت) على العرش.

إنّ الإنسان المسلم ربما يوافق الملحد في إنكار تلك الصورة المسقطة على الله بوصفه فيها إلهاً ذا طابع إنساني، تلك الصورة التي يوافق عليها جملة من الكتّاب المسيحيين، كما ربما يوافق المسيحيُّ الملحدَ في رفض اللاهوت السلبي الموجود عند المسلمين بهدف الإعجاز عن فهم الله تعالى وتصوّره حق الإدراك.

أمّا مفهوم العقلانية الموظف في قولنا: bالدفاع العقلاني عن الدينv، فلا بد لنا فيه من تجنّب التورّط اللاواعي في اتخاذ المقولات الأجنبية عن الإسلام، وممارسة المزيد من الدقّة في هذا المجال، فرغم إمكانية أن يفهم كل من المسلم والمسيحي والملحد بعضهم بعضاً لدى الحديث عن مقولة العقلانية، إلاّ أنّ ثمة امتيازات وتمايزات دقيقة وهامّة في طبيعة استنتاجاتهم وتصوّراتهم للعقل الذي يحظى عند الفرقاء الثلاثة بأهميّة بالغة.

فمن وجهة نظر الملحد، تعني المناهج العقلانية عادةً العلومَ الطبيعية والنظرية التي تحدّد أفق ودوائر العقلانية نفسها، إنّ منكري وجود الله ربما يعرّضون المعتقدات الدينية للنقد والتقريع في حالتين:

الأولى: ربما يدّعون أنّ الدين يستدعي مجموعةً من الاعتقادات والتصديقات التي تتناقض مع المناهج العلمية أو مع المكتشفات العلمية، وكمثالٍ على ذلك، ربما يذكرون أنّ الدين يتطلّب اعتقاداً بخلقةٍ حصلت عبر أيام ستة، فيما تعطينا أفضل الشواهد الموجودة والمتوفّرة تصوّراً مختلفاً تماماً، فالأرض وحدها استغرق تكوّنها ملايين السنين، وكمثالٍ آخر أيضاً، قد يدّعي الملحد أنّ الدين يحث أنصاره على اتخاذ مبادئ وأصول لازمة تجانب تلك الأصول والمبادئ المرعية الإجراء في العلوم وتختلف عنها، فالمفكّرون الدينيون يبدون ــ في الغالب ــ اعتقاداً بأنّ العالم المادي نوع من التجلّي والظهور، فيما يرى الملحدون أنّ هذا التصوّر مخالف للأصول العقلانية العلميّة.

في المقابل، ينكر الكثير من المفكّرين المسيحيين ــ لا جميعهم ــ فرص الدفاع العقلاني عن الدين؛ انطلاقاً مما يسمّونه مقام تنزّل العقل، ويقصد هؤلاء من ذلك أنّ الذات البشرية المذنبة تلوّث عقل الإنسان إلى حدّ أنها تُعجِزه حتى عن ممارسة فعل الإدراك الصحيح، فكيف بإثبات الكثير من الحقائق الدينية الهامّة؟! وهذا الموقف من العقل الإنساني يكتسي نزعةً إيمانية، تلك النزعة التي تذهب إلى الاعتقاد بأنّ وجود الله سبحانه يجب أن تقبله على أساس الاعتقاد، دون أن يكون العقل قادراً على ممارسة أيّ نوعٍ من أنواع الإرشاد أو التوجيه في هذا المضمار.

إننا نجد في التراث الإسلامي رؤيةً تختلف تمام الاختلاف في موقفها من العقل عمّا يذهب إليه المسيحيون أو الملحدون المعاصرون، ألا وهو الإقرار بنوعٍ من الفهم القائم على العقل والمرتكز عليه، مما أشار إليه القرآن الكريم، أو ما جاءت الرواية فيه في الكتاب الأوّل من أصول الكافي، وهذا النوع من الوعي والإدراك العقلي لا يتحدّد بالمناهج المعتمدة في العلوم الطبيعية، ولا تلك المرعية الإجراء في العلوم النظريّة،كما ولا تلك الخاصّة بقوانين المنطق الأرسطي أو ما بعد الطبيعة الأرسطية.

حاشا أن يتعارض العقل والقلب كما يدّعيه الإيمانيون المسيحيون، لقد وُصف العقل ــ نوعاً ــ في الموروث الإسلامي أباً للقلب وراعياً، بل لقد سيق في بعض النصوص مع الروح العقلانية ــ أي النفس الناطقة ــ مساقاً واحداً.

وإذا عدنا مرّةً أخرى إلى الموروث الإسلامي، للاحظنا أنّه يخصّص قدرة الإدراك الحقيقي الذي تعجز الحواس الظاهرة عن وعيه بكلّ من العقل والقلب على السواء، فالعقل غير ساقطٍ عن درجة الاعتبار كما يقال في التراث المسيحي، كلّ ما في الأمر أن النفس الآدمية تتخذ من هذا العقل مسافةً نتيجة خضوعها في الغالب لتأثيرات البدن، وهي ــ من هنا ــ تبدو عاجزةً عن فهم أهمية البصيرة التي يوفّرها العقل للذات الإنسانية.

إنّ هذه الحقيقة تخالف ما يتوهّمه بعضهم من تناقض العقل في المنظور الإسلامي مع منهاجيات العلوم الطبيعية والإنسانية، فالأمر ليس كذلك، إنّما يشتمل العقل في الإسلام هذه المناهج، بل يتعدّاها إلى مستوى أكثر رقيّاً.

إن هذا الوضع الخاص إنّما حصل في الحقبة المعاصرة في الغرب، حيث لم تعد يوجد اتفاق في وجهات النظر حول المعايير العقلانية أو فلسفة الأخلاق([1]).

من هنا، لا ينبغي استغراب انعدام الاتفاق ما بين الفلاسفة الغربيين حول المقصود من مقولة bالدفاع العقلاني عن الدينv، وكما تحوز معرفة هذا الأمر على أهمية، كذلك الحال في ضرورة أن نعي وجود امتياز جدّي ما بين مفهوم العقل في التراث الإسلامي ومفهومه المستعمل عند المسيحيين والملحدين.

أعواني: الدين خطاب الله للإنسان عبر الوحي، وعليه فله جانبان: أحدهما إلهي، والآخر بشري، بمعنى أنّ أحد الطرفين هو الله، فيما الطرف الآخر هو الإنسان نفسه، وهذا معناه أنّه المواجهة التي تقع بين الإنسان والله، أي بين المقيّد والمطلق، أمّا العقل فهو جوهر شريف في وجود الإنسان يدرك به هذا البشريُّ الحقائق ويفهم من خلاله أيّ معنى، ففهم المعنى ووعي المعاني هو فعل العقل، وبفهم المعنى ــ والذي يقصد منه وعي وإدراك المعاني الكلية ــ يمتاز الإنسان عن سائر الحيوانات.

أما علاقة الدين بالعقل، فيمكن تفسيرها بأنّ الدين ــ بوصفه كلاً واحداً ــ مندرج في مقولة المعنى، بدءاً من أصول الدين وعقائده كالتوحيد، والنبوّة، والمعاد، والعدل، والإمامة، وحتّى فروع الدين.. إنّها برمّتها حقائق قابلة للفهم، لكن لا بدّ لنا هنا أن نعرف أنّ للعقل نفسه مراتب ودرجات، فليس العقل هو ما يطلق عليه عوام الناس كلمة العقل، إنّ هذا العقل هو العقل الخارجي، هو ظاهر العقل، أو فلنقل: هو العقل الظاهر أو العقل العضوي، أما باطن العقل فهو العقل الإلهي، والعقل الكلّي، وهذا العقل هو ما أكّدت عليه الأديان وجاء ذكره في القرآن الكريم، إنّ هذا العقل الإلهي هو الذي يسهم إسهاماً مميزاً في وعي المعاني الدينية وحقائقها.

إذا كان العقل الجزئي أو الاستدلالي أو البحثي غير مستندٍ إلى العقل الكلّي والوحي فما أكثر ما يعارضه، تماماً كما حصل في الغرب الحديث بعد عصر النهضة، حيث أنكرت الأصالة الدينية والحقائق الوحيانية اعتماداً على العقل العقلاني، أما لو كان المراد من العقل ذاك العقل الكلي، أو العقل القدسي، أو العقل الإلهي فإنه سوف يكون قادراً على فهم حقائق الوحي، فيشتقّ طريقه واثقاً نحو كشف أسرار الكلام الإلهي ورموزه ولطائفه، بل يكون هو المخاطب بالوحي الإلهي، والموجّه إليه الثواب والعقاب.

داوري: إنّ الدفاع العقلاني عن الدين يعني ردّ شبهات أهل الشبهة وإقامة الدليل بقصد إثبات أصول الدين وأركانه، وهو ما يشتمل ــ في الحقيقة ــ تمامَ أبواب علم الكلام وفصوله، وعليه أرى أن نسأل عن أنّ علم الكلام عن أيّ دينٍ يدافع؟ وما معنى العقل في علم الكلام؟ وكلا هذين السؤالين هامان وأساسيان، إذا سلطنا نظرنا على اختلاف معاني الألفاظ في المواضع المتعدّدة فسرعان ما سنقع في ورطة المغالطة أو سنحرم من ممارسة الدقة في الفكر على الأقل، إنّ أولئك الذين يصرّون دائماً على حمل كلمتي العقل والتعقل على الفلسفة أو إحدى مظاهرها وأشكالها لا يقدّمون خدمة للعقل أبداً.

نعم، فما هو الدين في علم الكلام؟ وما معنى العقل؟ فإذا كان المراد من الدين هو ما يفهمه الجميع منه أو كان المتكلّم بصدد الدفاع عن دين العامّة من الناس لما كان يجدر بالغزّالي (505هـ) أن ينعت المتكلّمين بقطّاع الطرق، ولما قال رشيد الدين الميبدي: إن علم الكلام هلاك ومهلكة([2])، أو: إنّ علم الكلام هو ما عناه الله سبحانه بقوله: >وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم<، أو ما جاء من قوله: >زخرف القول غروراً<، وهذا هو ما قاله: >وإن يقولوا تسمع لقولهم< وهو تنحية لنصّ الكتاب والسنّة.. ومعرفة هذا العلم هو عين الجهل، يقول الشافعي: bالعلم بالكلام جهل، والجهل بالكلام علمv ([3]).

من هنا يعرفُ ــ بدرجةٍ أو بأخرى ــ معنى العقل في علم الكلام، لا أقلّ لدى فريقٍ من أهل العلم والدين والبصيرة، جاء في كشف الأسرار: bوالبحث والاجتهاد، أو هوى العقل الاستحسانv إنّنا نرى في هذا النص كيف وضع استحسان العقول وهوى النفوس في مقابل الاجتهاد الذي هو bإقامة الحجّة، وطلب الحقّ، وكشف الشبهةv([4]).

وعليه، فالعقل في علم الكلام عند الميبدي ليس إقامة الحجّة وطلب الحقّ وكشف الشبهة، رغم أنّ هذه جميعها مما يدّعيه المتكلّم، فإذا كنتم تعتقدون بقدرتهم على ممارسة دفاع عقلانيّ عن الدين أو أنّ ثمة علم كلامٍ آخر يغاير في حقيقته وبنيته علم الكلام القديم فهذا أمرٌ آخر، إنّ هذا المقدار من التشكيك أو الدغدغة في معنى الدين والعقل لا يقبله الكثيرون، ذلك أنّهم يقولون: إنّ العقل قوّة الاستدلال، أما الدين فيراد منه الاعتقاد بالأصول والعمل بأحكام الفروع، أي الشريعة.

بذلك، لا ينبغي لأي معتقدٍ أو مؤمن مناهضة علم الكلام، ذلك أنّ ردّ الشبهات وإثبات أصول العقائد أمرٌ واجب في حدّ ذاته، والمهم في هذا المضمار ــ أي مضمار رفع الشبهات وإثبات أصول الدين ــ تحديد ما هو ذلك الذي نسعى لرفعه؟ أو ذاك الذي يبذل المتكلّم جهده لإثباته؟ وكيف يفي المتكلّم بمسؤولية الدفاع عن الدين؟ وما هي النتائج المترتبة على عمله هذا؟ والمهم في زماننا هذا أن نعرف أنّ سمع العالم إلى أيّ حدّ منصت للدفاع العقلاني عن الدين بصورته المتداولة في علم الكلام؟! إنّ هذا السؤال يأخذ معناه بصورة خاصّة عندما نركّز نظرنا على جهود متكلّمي أوروبا المعاصرين.

لقد ركّز متكلّمو أوروبا على التفسير والتأويل، مستعيضين بذلك عن الجدل التقليدي الذي كان سائداً بين المتكلّمين من قبل، وقد ظهر إحساس مشابه لدى فرقاء من أهل العلم والفضل المسلمين، إذ أحسّوا بلا جدوائية المساجلات الكلامية العتيقة، بيد أنّهم ــ في غالبهم ــ تصوّروا أنّه بالإمكان منح الاعتقادات الدينية مزيداً من الاستحكام عبر ممارسة نوعٍ من التطابق والانسجام بين الدين من جهة والعالم المتجدّد وما يحمله من علوم ومناهج بحثية حديثة من جهة أخرى، فإذا ما أطلقنا على مثل هذه الخطوات مصطلح bالدفاع العقلاني عن الدينv فإنّ جوابي عن سؤالكم السالف الذكر هو أنّ الدين سوف يخرج بذلك عن حقيقته وتكوينه، بل سيتحوّل العقل نفسه ويبتلي بالانحصار والتضيّق حتى يغدو ــ كما قال برغسون ــ مجرّد مباينٍ للمادة.

سبحاني: الدين معرفةٌ ونهضة متعدّدة الأغراض والجوانب، تنحو منحى التكامل في أبعاد أربعة هي: إصلاح الفكر والعقيدة، وتربية المبادئ الأخلاقية الإنسانية السامية، وتجويد العلاقات الاجتماعية القائمة بين أفراد المجتمع، واستبعاد مختلف أشكال الإجحاف والتمييز اللامبرّر.

إنّ هذه الأبعاد برمّتها تكتسي ثوب التحقق والوجود على ضوء الإيمان بالله تعالى، ونحاول هنا طرح هذه الأبعاد كافّة بشكل مختصر ومكثف.

أ ــ الإصلاح الفكري

لا يتسنّى لعقل الإنسان أن يفرغ من محتوياته، فلا يقدر على العيش بلا عقيدة أو انتماء، إنّ الدين يقول هنا: إن عالم المادة المتلاطم الفيّاض هو عالم مخلوق ــ من حيث وجوده ومن حيث نظامه ــ لموجودٍ أعلى وأرفع، ذلك الموجود الذي أبدع المادّة نفسها ومنحها نظامها وكينونتها.

ويصاحب عقل الإنسان وذهنه أسئلة ثلاثة على الدوام، وهذه الأسئلة الملحّة هي: من أين أتيت؟ ولِمَ؟ وإلى أين سأذهب وأصير؟

ولكلّ واحدٍ من هذه الأسئلة الثلاثة جواب واضح بالنسبة للإنسان العارف بالله المؤمن به، فيما يفتقد جُماع هذه الأسئلة والاستفهامات جوابه في المذهب المادّي، ومن هنا بالضبط يلزمنا القول: إنّ للدين أبعاداً متنوّعة، وأنّ واحداً من هذه الأبعاد هو إصلاح الفكر نفسه.

وبمقارنة محتويات المدرستين الإلهية والمادّية، يمكن القول: إنّ الفكر يمتلك في ظلّ الدين تكامله ويجد ذاته الناضجة، فيما يكتنف مضمون المذهب المادّي إبهام بهيم وجهل مستشر وفقدان وعي شامل، بل لا معقولية أحياناً، إذ كيف يمكن التصديق بأنّ مادة هذا الكون قد منحت ذاتها نظماً ونظاماً؟!

ب ــ تنمية المبادئ الأخلاقية

يعدّ الدين دعامةً هامّةً للأصول والمبادئ الأخلاقية، ذلك أنّ مراعاة المبادئ الأخلاقية تصاحبها سلسلة من مظاهر الحرمان، فالتضحية والفداء مثلاً، وكذلك مساعدة المحتاجين، ورعاية الأمانة و… وكلّ واحدةٍ منها مبدأ أخلاقي مسلّم، لا يخلو واحد منها من المصاعب والمتاعب والعذابات، فكلّما أصلحنا الفكر عبر الدين، وتذكّرنا أنّ الله تعالى قد أمر بمراعاة الأصول الأخلاقية، بل ألزَمَنا بها بجعلها على صورة فرضٍ وتكليف، واضعاً مقابل كلّ مخالفة تقع عقوبةً وجزاءً.. تحوّلت الأخلاق إلى وظيفةٍ دينية، وغدت ــ من ثم ــ في حركة ذاتيةٍ نحو التحقق والوجود، وفي غير هذه الحالة لن تكون الأخلاق سوى مجموعة توجيهات وتوصيات ليس ما يضمن تنفيذها على أرض الواقع، فيأخذ بها فريق ويرعى حقّها فيما يذرها فريق آخر عرضةً لعصف الرياح أو يضعها تحت قدميه.

ج ــ تحسين علاقات أفراد المجتمع

وكما يكون الدين سنداً للأخلاق، فهو كذلك دعامة للمبادئ الاجتماعيّة أيضاً، فالمبادئ الاجتماعية تعتبر ــ لدى الأفراد المتديّنين ــ تكليفاً مقدّساً ووظيفةً دينية، أمّا عند غيرهم فلن تكون هذه المبادئ مضمونة التنفيذ والإجراء سوى في صورتها القانونية وتحت سلطة رجال الشرطة والقوى الأمنية والعسكرية، أمّا حيث لا تمتدّ يد السلطة المادية الدنيوية فإنّ الأصول الاجتماعية والقوانين الوطنية الداخلية ليس ما يضمن تحققها على أرض الواقع، وما نقوله يتضح بجلاء بأدنى مراجعة لحياة الناس غير المتدينين.

د ــ إلغاء مختلف أشكال التمييز الظالم

يعتقد المتديّنون أن أفراد البشر كافّة كأسنان المشط الواحدة، فالجميع مخلوق لله تعالى، إذاً لماذا التمييز؟! ولماذا تمتلئ بطون فريقٍ من الناس فيما ينام فريق آخر فارغ البطن خائراً من الجوع؟!

وهنا، نجد أنفسنا مضطرّين ــ بعد ذكر هذه الأبعاد الأربعة للدين ــ للإشارة إلى أمرين:

الأوّل: لا يتسنّى لأيّ دين أن يحقّق هذه الأبعاد الأربعة في الحياة الشخصية والاجتماعية للإنسان، وليس هناك من دين قادر على ذلك إلا إذا اعتمد على العقل أو شاد بناءه عليه، وإلا فإن هذا الدين لن يكون سوى حفنةٍ من الخرافات المقدّسة، والرهبانية الزائفة، والانعزال عن الحياة بمعناها الإيجابي، والنزوع الصوفي السلبي، مما نرى نماذج له في الحياة الغربية الآلية، وإذا ما حكم فريق على الدين بأنّه معيق للرقي والتقدّم أو داعٍ إلى الرجعية الجاهلية والتخلّف فإن نظره لن يكون حينئذٍ سوى إلى مثل هذه الأديان التي جرّت وراءها عواقب وخيمة على البشرية.

الثاني: إن الدين يلغي التمييز لا الاختلاف، فالاختلافات ذات الطابع الإيجابي والتي تقوم بين أفراد المجتمع ليست بالتي يمكن إلغاؤها، أمّا الاختلافات القابلة للإلغاء والإبعاد فهي تلك التي لا تنبع من الفطرة الإنسانية والطينة البشرية، وإنّما تفرضها السلطة والقدرة ومظاهر الجبر والقهر والإلزام السلبي.

أمّا ما يرجع إلى الشقّ الثاني من السؤال حول تحديد العقل وما هو؟ فالجواب عنه: إنّ العقل هو ذاك الإدراك اليقيني الذي يفرض ذاته في مراحل إثبات الذات الإلهية والصفات والأفعال كذلك، العقل المصاحب للدين، أمّا العقل الرياضي فهو أمرٌ آخر لا ارتباط له بالتوظيف الديني للعقل.

إنّ العقل الذي يمكنه تأييد الدين ومساندته، ومنحه المزيد من الاستحكام والوثوق هو معرفةٌ للعالم بوصفه واجب الوجود، ومن ثم معرفةٌ لصفاته وأفعاله، ومن الطبيعي أن يكون لمعرفة الأفعال أسس ومبادئ خاصّة.. إنّ هذا العقل يرافق الدين على الدوام ويصاحبه.

العقل وأزمة الشرعية المنطقية ــــــــــ

هل تعتبرون حجية العقل ذاتية أم شرعية؟ وما هو الدليل؟ ألا نقع في ورطة الدور إذا ما شدنا قضايا من نوع bالعقل طريق موصل للواقعv أو bالاستدلال العقلي معتبرv على العقل نفسه؟!

داوري: لقد وضعتم ــ بسؤالكم هذا ــ الطرف الآخر في معضلة يصعب التحرّر منها أو الانفلات، فالعقل حجّة في المواضع كلّها والحالات بأسرها، في كل مكان وكل شيء، لكن العقل لا يتبدّى دائماً وفي المواضع كلّها على صورةٍ واحدة، وإنما يكتسي ظهورات وصور ومعاني مختلفة، ويمكن لهذا العقل أن يكتسب شهادة صحته وصوابه عندما يحكم في أشياء يمتلك معها تناسباً وسنخيّة، وعندها ستكون حجيته ذاتية.

مثلاً، حجية العقل الرياضي حجيةٌ ذاتية، لكن ماذا نقول عندما لا تكون الحجية ذاتيةً؟

إنّ الحجية الذاتية والحجية الشرعية للعقل محفوظتان في مجالهما لا نناقش في ذلك، إلا أنني أعتقد بأنّ الحجية تثبت للعقل في بعض المجالات دون بعضها الآخر، ومن ثم فإذا نفذ العقل في أحكامه تلك المساحات التي لا تمتّ إليه بصلة فإن تدخّله هذا يكون فضولياً، إنّ السؤال الذي تفضلتم به إنما يمكنني الجواب عليه عندما أعتبر العقل أمراً واحداً وثابتاً، بمعنى أن يكون هو هو دائماً وفي كل مكان وعند الأفراد كافّة، أمّا فرانسيس بيكون الذي كتب bارغنونv ورينيه ديكارت الذي علّم المناهج الصحيحة لاستخدام العقل وأنصارهما وخلفهما فقد كانوا جميعاً مظهراً لعقل آخر مغايرٍ لعقل القرون الوسطى.

إنني لا أتحدّث هنا عن وجهة نظر أولئك الذين يرون العقل قدماً خشبية غير مكينةٍ ولا مستحكمة، إلا أنني لا أظن أن الإقرار بأن العقل في المدرسة العقلانية الجديدة مختلف عن العقل البرهاني أمرٌ صعبٌ أو عسير، فالذي يذهب إلى أنّ للعقل حجيةً ذاتيةً عليه ــ في البداية ــ أن يعرّف قصده من العقل، أيّ عقلٍ هو؟ هل العقل الأفلاطوني أو الأرسطي، هل العقل الكلامي؟ عقل الفارابي أم عقل ابن سينا؟ عقل ديكارت؟ عقل كانط؟ عقل برغسون أم العقل البراغماتي؟ عقل العقلانيين المحدثين؟ هل المراد العقل المتآلف مع النقل أم المضاد له والمقابل؟

المسألة الأخرى التي أثرتموها في السؤال تدور حول إثبات حجية العقل بالعقل نفسه، وقد فرضتم الدورَ في هذه الحال، إن أولئك الذين يفرضون للعقل حجيةً يؤولون في محاولاتهم هذه إلى المبادئ العقلية نفسها دون أن يثبتوا هذه المبادئ، ذلك أنّها إن لم تكن بديهيةً فهي غير مخارجةٍ للمقبولات والمسلّمات، من هنا قلّما يجري التساؤل عن طبيعة العقل وما هو؟ والذين يتعرّضون للحديث عن العقل والمنطق تكون لديهم عادةً صورة ــ ولو مبهمة مجملة ــ للعقل يشيدون عليها أحكامهم.

نعم، إنّهم يعتبرون هذا العقل عقلاً مطلقاً أو عقلاً أصلياً أصيلاً، دون أن يبحثوا في العقل نفسه، وما أجمل لو فعلوه، إن التحرّش بموضوعة حجية العقل واعتباره دون الحديث عن معانيه المختلفة لا يقلّ في مفاسده وأضراره عن فسحه المجال واسعاً لنموّ مغالطات والتباسات، مما يبدّل الموقف إلى عمليات اجترار وتكرار لا تغدو سوى تبديل طفيف في الألفاظ والتراكيب الكلاسيكية.

والخلاصة إنّ حجية العقل وعدمها أمر غير قابل للإثبات، واللازم فهم ذلك، والمهم كيف نحقّق هذا الفهم؟

أعواني: أعتقد أن حجية العقل ذاتية، ذلك أنّه لو استمدّ العقل اعتباره من الشرع لأدّى ذلك إلى اختلاف الأحكام العقلية تبعاً لاختلاف الشرائع، وأعتقد أن نفس إثارة هذا السؤال حول ذاتية حجية العقل أو استمدادها من الشرع، قائم على حكم مسبق فرض مسلّماً دون إثبات، وقد أخذ هذا الحكم المفروض جواباً عن السؤال عينه، فهذا السؤال مسبوق بافتراض تضادّ حاصل بين الشرع والعقل، وأنّ ما يستمدّ حجيته من العقل لا يمكن أن يستند في حجيته هذه إلى الشرع، وبعبارة أخرى هذا السؤال ينبني على افتراض وقوع انفصال حقيقي ما بين العقل والشرع، والحال أن ثمة احتمال في كون العقل والشرع ذوا حقيقة تتسم بنوعٍ من أنواع الوحدة والاشتراك، وفقط في التفاسير العقلانية يلبس العقل كسوة التضاد والتنافي مع الشرع، أما إذا كان العقل في معناه مغايراً للتفسير السائد في أوساط مدرسة أصالة العقل الجزئي أو المذهب العقلاني، ومتماهياً مع مفهوم العقل الإلهي، ولوحظت الشريعة ــ بمعنى الدين ــ في أبعادها كافة، فإنه لن يكون هناك مجال بعد ذلك لتصوّر التعارض والاختلاف، بل ستغدو النسبة بينهما تلازماً وارتباطاً.

أما السؤال: ألا نقع في ورطة الدور إذا ما شدنا قضايا من نوع: bالعقل طريق موصل إلى الواقعv أو bالاستدلال العقلي معتبرv على العقل نفسه؟.. فيمكن الجواب عنه من جهات مختلفة، إذ يمكننا القول مثلاً: إن هذه الشبهة شبهةٌ منطقية شبيهة بشبهة الكاذب، فإذا أخبر شخص بأنه يقول الكذب، فلا محالة هنا من الحكم بصدقه على تقدير أنه كاذب، والحكم بكذبه على تقدير صدقه فيما قال، وعلى كلا التقديرين نتورّط في جوابنا عن هذا السؤال في تناقض ومفارقة، وقد قدّم المناطقة أجوبةً متعدّدة الزوايا عن هذه الإشكالية، فقولنا: bمعتبرv في جملة السؤال: bهل الاستدلال العقلي معتبرv لا يعني سوى bالصدق المنطقيv.

من جهةٍ أخرى يمكن القول: إنّ العقل قوّة إلهيّة، وأنّ السنخية لها جانب من الإطلاق والعينية، أو نقول: إن العلم والمعرفة ممكنة للإنسان، ولها بعد عيني لا مجرّد بعد ذهني صرف، وفي هذه الحالة يستدعي الأمر منا أن نحكم بعينية العقل، وبإمكان نقده، بل يمكن فرضه كياناً ذا متعلّق عيني في صورته، والحديث أو الاستدلال حوله وممارسة تفكير فيه نفسه، أو نقول: إن العقل لا يملك قدرة التعقّل ونقد الذات ومن ثم يغدو العلم ــ وفقاً لذلك ــ أمراً ممتنعاً.

لا بد أن نوجّه السؤال إلى أنفسنا: من هو المخاطب في الوحي الإلهي؟ وأيّ قوى النفس هو المعاتب والمتحدّث إليه؟

من البديهي أنّ تلك القوّة الإلهيّة هي ذاك العقل نفسه، ولهذا السبب كانت هناك عناية خاصة في الكتاب الإلهي المبين بالتعقل، والفهم، والتدبّر و… مما هو من لوازم العقل ذاته.

سبحاني: إن من يطرح مثل هذه الأسئلة مقرّ ــ من حيث لا يشعر ــ بحجية العقل ومعترف بها، فإذا ما زعم شخصٌ ما أنّ العقل لا يملك قدراً ولا اعتباراً فإنّ عليه أن يقيم دليلاً على عدم اعتباره ومتى؟ فإذا ما قدّم العقل دليلاً على عدم حجيّة نفسه فقد أقدم بذلك على الانتحار والقضاء على ذاته.

يحاول العقل ــ على الدوام ــ سحب النظريات إلى البديهيات وإرجاعها إليها، وعندما يبلغ البديهيات لا يملك في ساحتها تردداً أو تذبذباً، إنّه يدرك هناك بوعي تام النتيجة القاضية بأنّ ما أدركته فهو صحيح، وكما نقول في المجال الرياضي والهندسي: إنّ العقل حجّة، كذلك عندما لا تتوفر موضوعة تجربية، وإنما يكون هناك جرّ للنظريات إلى البديهيات علينا أن نقول الأمر نفسه، وكذلك الحال أيضاً في سائر المعارف والموضوعات والأخلاقيات، وغاية ما يثار عادةً في مجال المعارف هو بلوغ الاستدلال مبدأ عدم التناقض، فيما تنتهي الأخلاقيات وما يتصل بالحكمة العملية إلى مجال الحسن والقبح، وبناءً عليه، فإن للعقل حجيةً ذاتيةً بالطبع، وإذا ما كانت حجيته شرعية لزم الدور، ذلك أنّ الشرع ما يزال ــ حتى اللحظة ــ غير حجة، فكيف يمكنه أن يمنح العقل الحجية والاعتبار؟!

لقد جاء في نهاية هذا السؤال: ألا نقع في معضلة الدور لو حاولنا ممارسة استدلال عقلي لإثبات قضايا من نوع: العقل طريق موصل إلى الواقع أو الاستدلال العقلي معتبر؟

والجواب: كلا، إننا لا نقع في دورٍ أصلاً، ولهذا فنحن نقيم دليلاً وبرهاناً على القضية الأولى: العقل طريق موصل إلى الواقع، وكذلك القضية الثانية: الاستدلال العقلي معتبر، ذلك أنّه إذا كانت قضايا العقل نظرية كلّها فإن الدور يسيطر على المواقف، إلا أننا نملك نافذة مضيئة وهي: رجوع النظريات إلى البديهيات.

لا بدّ لنا من إرجاع التجربيات إلى البديهيات، ذلك أنها جزء من اليقينيات كما يحسبونها، إلا أنّهم عادةً ما يناقشون في هذا الأمر، بحيث لا يعدّون بعض التجربيات قضايا يقينية، وهذا معناه أنّه يلزمك أن ترجع إلى البديهيات عبر طريقٍ آخر، أليس كذلك؟

سبحاني: إنّنا نعتقد التجربيات أموراً يقينية، شريطة أن نعرّف التجربة تعريفاً سليماً، ذلك أنّ بعضهم يخلط ما بين التجربة من جهة وكلٍّ من التمثيل والاستقراء من جهةٍ أخرى، وفي أكثر الحالات يحصل تداخل سلبي بين التجربة والاستقراء، إذ من المسلّم أنّ الاستقراء لا يفيد يقيناً، ما لم تتمّ الإحاطة فيه بتمام الأطراف ذات العلاقة بالموضوع، وهي ليست بالتي يمكن أن تحلّ محلّه.

إننا نملك في التجربة برهاناً عقلياً واضحاً، وحسب المصطلح المعروف فإن الاستقراء ليس من نوع الحكم على المماثل، على خلاف التجربة التي تختزن حكماً على المماثل، وحيث يتم في الاستقراء إجراء مقارنات بين الأمور المتشابهة لذا لم يكن يقينيّاً، أما التجربة فإن الحكم فيها يجري تعميمه على المماثل لا المشابه، مما يفسح المجال للقاعدة العقلية اليقينية القاضية: bحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحدv.

لكن هذا الحكم هو الآخر غير بديهي.

سبحاني: لماذا؟ إنه يؤول إلى مسألة صدور المعلول بلا علّة؛ ذلك أنّه لو اختلفت آثار المتماثلات من تمام الجهات يُعلم أنّ لدينا أمراً موجوداً وآخر غير موجود، وإلا لو كان الجميع على مثال بعضهم بعضاً فلا ينبغي أن تتغاير الآثار، وهنا يقال: يلزم تحقق المعلول بلا علّة.

وعليه، ففصلنا التجربة عن الاستقراء جيداً، وإقامتنا الأولى على المماثلات والثانية على المتشابهات، من الأمور المسلّمة اليقينية.

هذا على تقدير إمكانية وصولنا إلى حقيقة شيء ما، وإدراكنا ماهيّته جيداً، وعلى تقدير وجود اتحاد ماهوي بين الأطراف و…

سبحاني: إننا نكتفي باتحاد الظروف، لقد فرضنا أنه موضوع ومتماثل.

حسناً، لكن بأيّ شيء استدلّينا على قاعدة: bالعقل طريق موصل إلى الواقعv؟ إن هذه القاعدة نظرية وليست بديهية، إذاً فما هو دليلها؟

سبحاني: حذراً من أن نكون سوفسطائيين؛ إذ السوفسطائية باطلة عندنا.

كيف يمكننا إدراك حاقّ الأشياء؟

سبحاني: إنّ ما ندركه مطابق للواقع، لكن إدراكنا لا يستوعب الواقع كلّه، فالواقع أكثر سعةً من إدراكاتنا، تماماً كما تشاهد أنت دوران النجوم وحركتها، وأشاهد أنا ذلك، والأمر نفسه يشاهده الشيخ الرئيس ابن سينا، ويشاهده المنجّم و… ومن البيّن المسلّم أن استنتاجات كل واحد تختلف عن استنتاجات الآخر.

لغنهاوزن: حجية العقل هي موضوع الفلسفة الدائم، حيث يمكن سرد جملة أجوبة حولها وفقاً لرؤى فلسفية مختلفة، إننا نلحظ اختلافاً بين الباحثين في تكوين العقل وماهيته، ولذلك لا يجدر بنا استغراب مشاهدة نظريات متعدّدة ومختلفة حول حجية العقل، فبعض الفلاسفة ــ على سبيل المثال ــ يذهب إلى تفسير العقل في نطاق محدود، ثم يرتّب على ذلك نفي الاعتبار المطلق لهذا العقل، فالاتجاه الإيماني الذي أشرنا إليه سابقاً يحسب العقل ــ إلى حدّ ما ــ كياناً جافّاً جامداً عديم الروح، لذلك فهو يعتقد أنّ قيمة الإيمان أرفع من قيمة العقل، وهذا الأمر يلاحظ وجوده بشكل رئيس في كتابات كيركجارد.

من ناحية أخرى، يحاول التيار الحسّي التجريبي أحياناً أن يبرّر اعتبار العقل على أساس إمكانية إثبات أحكامه عن طريق التجربة، وهذا ما نجده ــ مثلاً ــ في نتاجات جون ستيورات ميل.

أما المذهب العقلي فيرى أن حجيّة العقل تدرك عن طريق حضوري شهودي، ونجد ــ على سبيل المثال ــ تصويراً واضحاً لموقف العقليين الإسلاميين في كتاب bآموزش فلسفةv في الدرس الثاني عشر منه، للأستاذ محمد تقي مصباح اليزدي.

وثمة بحث بين المناطقة الغربيين يدور حول الأصول المنطقية المتعارفة، وهو بحث على صلةٍ بمسألتنا هنا.

يدّعي بعضهم أن القوانين المنطقية قوانين توصيفية، فيما يبدي بعض آخر اعتقاداً بأنّ المنطق يضع بين يدي الإنسان قوانين التفكير وضوابطه، إنه يقول لنا كيف يمكننا أن نفكّر، وقد كان سبب هذا العامل القانوني الكامن في القضايا المنطقية موضوعاً للمباحثة والجدل، ودراسة مجمل الرؤى المطروحة هنا يحتاج إلى ما لا يقلّ عن كتاب كامل.

النظرية الأكثر جذابيةً من وجهة نظري في موضوع حجية العقل هي تلك القائمة على تلفيق يحتوي قدراً من التشابك والتعقيد بين النظريات المختلفة، فبالإمكان موافقة العقليين في أنّ الحجية الأولية ادعاءٌ عقلي قائم على الشهود العقلاني، وعلى سبيل المثال، عندما يوافق الإنسان على مبدأ التوازي الاقليدسي، فإن هذا الاعتبار الأوّلي يهيء ــ للوهلة الأولى ــ هذا التبرير القائل بإمكانية ممارسة الجرح والتعديل لهذا المبدأ في ظلّ ملاحظات مكثفة، وبناء عليه فإن الحجية التي يمتلكها العقل في مجال مبدأ موضوع التوازي ليست مطلقة.

ويمكننا ــ من خلال الدراسات العقلانية ــ ردّ وإبطال النتائج الضمنية لهذا الأصل الموضوعي، ومن بينها كشف الموضوع نفسه..

يمكننا إعادة النظر في أحكامنا المبنية على الشهود العقلاني الأوّلي، وعبر هذا المنهاج نرى أنّ العقل الإنساني يمتلك قدرات ملحوظة إزاء تنظيم ذاته وبث الانسجام داخل أعضائه.

ويمكن ممارسة نقد وتقويم لبعض تلك الأصول الأوّلية العقلانية، وذلك على ضوء مبادئ أخرى مصاحبة للمكتشفات التجربية والعملية، والذي يبقى من الحجية المطلقة للعقل حينئذٍ عدم إمكانية التخلّي عن العقل بشكل كامل أو تعريضه لنقد شامل وعام، إلا أنّه ــ مع ذلك ــ يمكن تفكيك العناصر المختلفة للعقل نفسه، ومن ثم تعريضها لنقد عقلاني على ضوء المعطيات المكتسبة من المجال العملي.

والمثال المعروف الذي ينقله الأغلب لتوضيح هذا الأمر، هو مثال كواين ويقول: سنبقى كالبحّارة، يعيدون بنا سفنهم وهم وسط البحار وبين أمواج المحيطات، إنّ القيام بهذا العمل أمرٌ غير ممكن أبداً، إلاّ أنّه لو تمّ القيام بهذا المشروع خطوة خطوة فإنّه سوف يكون أكثر عملانية وواقعية.

أمّا إشكالية الدور المشار إليها في السؤال، فقد كانت هي الأخرى نقطة بحث وجدل موسّع شارك فيه أغلب المناطقة والفلاسفة، فإذا فُهمَ العقل في أعمّ معانيه الممكنة بحيث يغدو مستوعباً لمطلق أنواع الاستدلال وأشكاله، فيمكن حينئذٍ الادّعاء بأنّ أيّ حكم عقلاني سيصدر حول عقلانية العقل (الاستدلال) سيكون دوراً بالتأكيد، إلا أنّ استيعاب هذا الأمر مع الأخذ بعين الاعتبار عدم وجود بديل آخر أمام الإنسان، ومدى ضرورة النظر بجدّية إلى هذا الموضوع .. يغدو صعباً جداً.

من هنا، تبدو لنا مسألة عقلانية العقل مشابهةً تماماً لأخلاقية الأخلاق، فإذا ما حصرنا الدليل على أخلاقية أمر بالاستدلالات الأخلاقية سقطنا ــ لا محالة ــ في دور قاتل، إلا أنّ هذا لا يعني أننا نواجه في الأخلاق أو في الموضوع المثار هنا في السؤال مشكلةً جادّة، فهناك أشكال مشابهة تقع على تماس مع الجهود المنجزة لتقديم تبرير عقلاني للعقلانية، فما هو المشكل ليس العقلانية، إذ الحاجة إلى تبرير الذات خالٍ من الدور (ضرورة أن الحصول على تبرير للذات لا يحتوي دوراً).

والأمر الأكثر إثارةً في موضوع حجية العقل، هو كيفية الحكم ما بين الاستنتاجات المتعارضة عن العقلانية النظرية والعملية، فقد قدّم أغلب المشتغلين بهذا الموضوع نوعاً من التفسير السيكولوجي النفسي، بحيث غدا الاعتقاد مركّزاً على أنّ الرؤية الصحيحة هي تلك التي تتواءم مع الحالة النفسية المرغوبة، والطمأنينة الذهنية حسب رأي سكتوس امبريكوس، والاعتقاد الجازم الراسخ غير المهتزّ حسب رأي ديكارت، ونفي الشك وتثبيت الاعتقاد حسب رأي بيرس.

وثمّة في كلمات الغزالي تصوّر آخر، إنّه يرى أن السبيل للإطاحة بالشك يكمن في الإقدام على الخطوات التي تحول دون التورّط في الخطأ في الحكم، ولا شك أنّ على الإنسان الشروع في تكوين صورة عن العقلانية يمكن على أساسها وزن الأخطاء وتقويمها، ثم يتلو ذلك في مرحلة لاحقة دراسة المناهج التي من شأنها توريط الإنسان في الخطأ عبر التعصّب و…، ثم سعي حثيث لإزالة هذه الأسباب والعوامل، ويمكن في نهاية المطاف أن يرفض الإنسان حتّى تصوّره الخاص الأولي عن العقلانية نفسها أو إعادة النظر فيه.

النقطة الأساسية هنا هي أنّ المنشأ الأساسي للأخطاء يكمن في تعصّبات الميول الدنيوية، ومن هنا يجب على الإنسان أن يسعى دوماً للسيطرة على ذاته لكي يجتث جذور أخطائه في الحكم على الأشياء، وعبر ذلك، نشق طريقنا من مسألة المعايير العقلانية المناسبة ــ وهي مسألة نظرية ــ إلى عملانيات تهذيب النفس وبناء الذات، رغم أنّ تهذيب النفس لا يضمن لنا توافر القدرة على الحكم بحق وسط المعايير المتعارضة. إنّ منهج الغزالي يرشدنا إلى التواشج ما بين المناهج غير العقلانية وتقويم المنهاجيات العقلانية.

ملكيان: أظنّ أن مقصدكم من العقل في السؤال تلك القوّة التي يوظفها البشر جميعاً ويستفيدون منها، وربما اعتبروها أحياناً القوّة الوحيدة التي لا تكتسي أحكامها صبغةً شخصية أو نفسيّة، وإنما تحظى باعتراف عام وشامل.

لقد اعتقد المفكّرون منذ القدم أنّ هذه القوّة ذات جزءين أو بتعبير أكثر دقّةً ذات دورين وعملين هما: جزء أو أداء شهودي يرى الإنسان من خلاله الحقائق أو الأمور الانتزاعية كالذوات أو الكليّات مثلاً، وجزء أو فعلٌ استدلالي يبلغ الإنسان عبره النتائج من خلال المرور على المقدّمات، وهو ما يسمّى بالعقل الاستنتاجي أو المستدلّ أو البرهاني، ومن المؤكّد أنّ هذين الأداءين ليسا بمنعزلين عن بعضهما البعض، ذلك أنّ العبور من المقدّمات إلى النتيجة ليس في واقعه شيئاً آخر غير شهود العلاقة ما بين المقدّمات والنتيجة ورؤيتها.

وهكذا ساد اعتقاد منذ القدم أيضاً بأنّ مجموعة العلوم والمعارف البشريّة تنشطر إلى مجموعتين كبيرتين هما:

أ ــ العلوم والمعارف البديهية.

ب ــ العلوم والمعارف النظرية.

وتمثل الفئة الأولى تلك العلوم والمعارف الناتجة عن الفعل الأوّلي للعقل، أي أنها نتاج الشهود العقلي والرؤية العقلية، أما الفئة الثانية فهي التي لم تنبثق عن شهودٍ مباشر للعقل فاقدٍ للوسيط، وإنّما تظهر إثر نشاط ثانوي للعقل، بمعنى أنّ العقل نفسه يولّد تلك المعلومات عن طريق الربط والدمج، وكذلك عن طريق توفير مجموعة المعارف الأوّلية، ومن الطبيعي أنّ عمليات الدمج وتوحيد الإيقاع وخلق المعلومات الأولية ليس أمراً اعتباطياً يفتقد القاعدة، بل المفترض أنه تابع ــ تماماً ــ لقوانين المنطق الصوري الذي يعدّ بذاته نتاجاً شهودياً عقلياً، إذ تحسب معطيات هذا المنطق على معارف الفئة الأولى.

وبناءً على هذا، تغدو المعلومات النظريّة كافّة مبتنيةً على المعلومات البديهية الشهودية، وبعبارةٍ أخرى، تكون المعطيات النظرية كافّة نتائج لسلسلةٍ من الاستدلالات التي ترجع موادّها إلى معلومات بديهية، فيما تتبع صُوَرها قواعد المنطق الصوري، وهي قواعد تؤول بدورها إلى معلومات بديهية أيضاً، والملاحظ ــ وفقاً لهذا الاعتقاد ــ أنّ مآل المعلومات كافّة إلى تلك الشهودات العقلية نفسها.

ويمكن هنا إثارة تساؤلين هما:

أ ــ هل المعلومات النظريّة بتمامها هي ــ من الناحية الواقعية والعملانية ــ على الشاكلة التي يطرحها هذا التصوّر؟ أي أنه تمّ فيها استنتاج الصورة مع رعاية القواعد المنطقية من المعطيات البديهية أم لا؟

الذي يبدو أنّ الجواب عن هذا السؤال سلبي، نعم، كمال المطلوب هو أن تقوم المعلومات والنظريات كافّة على بناء منطقي مشادٍ على المعطيات البديهية، إلا أنّ هذا الكمال المطلوب لا يحصل أبداً، وما أكثر ما يكون غير قابل للتحقّق.

ب ــ من أين أخذت المعلومات البديهية الشهودية اعتبارها وقيمتها؟ وأظنّ أن سؤالكم يتمركز هنا، ولكي نجيب عليه، لا بد أنّ نقول: إن بداهة أيّ قضية تعني أنّ العقل البشري يصدّق مضمونها ويعجز عن التصديق بنقيضها، إنّ معنى قولنا: إن العقل قد أدرك القضيّة الفلانية إدراكاً شهودياً هو أنّه لا يقدر أبداً على التصديق بنقيضها.

وهنا نسأل جميعاً: كيف يمكن من عجز العقل عن التصديق بنقيض (أ) استنتاج أنّ (أ) صادقة ومطابقة للواقع؟ وبعبارةٍ أخرى، من أين أحرزنا صدق القضية القائلة: bكل قضية لا يتمكن العقل من التصديق بنقيضها فهي مطابقة للواقعv؟ وبعبارة ثالثة، كيف أمكن استنتاج صدق (أ) من عجز العقل عن تصديق نقيضها؟

ولعلّه يقال: إن قضيّة: bكل قضية يعجز العقل عن التصديق بنقيضها فهي صادقةv هي بنفسها قضية شهودية بديهية.

إلا أنّ هذا الكلام يجاب عليه بأنّه على افتراض ذلك، يمكن نقل السؤال مرّةً أخرى إلى عين هذه القضية البديهية الشهودية، حيث نستفهم عن صدقها، ومن أين أحرزناه؟

ما أريد قوله هو أن معادلة bإنّ قضية يعجز العقل عن تصديق نقيضها هي قضية صادقةv تمثل فرضية مسبقة بالغة الأهمية، حيث لا مفرّ ولا خلاص لنا عن افتراضها، إلا أنّها ــ على أية حال ــ مجرّد فرضية مسبقة لا أكثر.

والنتيجة، إنّ قضية bالعقل سبيل للواقعv أو قضية bالاستدلال العقلي معتبرv وأمثال هذه القضايا لا يمكن الاستدلال عليها بعملية برهنة عقلية، وإنّما تؤخذ فرضيةً مسلّمةً مسبقة.

تحديد معالم الموضوع الكلامي الخاضع لمنطق الدفاع العقلاني ــــــــــ

ما هو موضوع البحث في علم الكلام؟ هل تمام القضايا الكامنة في النصوص المقدّسة أم تلك الناظرة منها إلى الواقع دون تلك المعنية بالقيم أم بعض القضايا الحاكية عن الواقع لا جميعها؟ هل أنّ مبادئ القضايا الدينية والمذهبية ولوازمها تقع هي الأخرى في مركز البحث والدراسة كلامياً، ومن ثم تخضع لعمليات الدفاع الكلامي؟

سبحاني: لعلم الكلام موضوع واحد ذو أبعاد ثلاثة هي: ذات واجب الوجود، وصفاته، وأفعاله، تلك الأفعال التي نقول عنها: إنّ منها التكويني ومنها التشريعي، ويقصد بالأفعال التكوينية ما يرجع إلى حكمة الخلق والغاية من إبداع العالم، أما الأفعال التشريعية فهي ما يرجع إلى بعثة الأنبياء وإنزال الكتب وما أتتنا به من أحكام.

بناءً عليه، لا يمكن اعتبار علم الكلام خالياً عن الموضوع أو فاقداً له، فإنّ موضوعه هو ما أشرنا إليه، لكن مع شرح أفعال الله تعالى حتّى يستوعب تمام الموضوعات، لكننا ــ مع ذلك ــ غير قادرين على الدفاع عن نصوص الكتب المقدّسة برمّتها.

لغنهاوزن: ثمّة في الأديان كافة مجموعة من الادعاءات الأساسية المتنوّعة، وثمة في مقابل هذه الادعاءات انتقادات حقيقية وموهومة يمكن أن تثار، فالإلهيات (أو اللاهوت) عبارة عن دراسة التعاليم الدينية والانتقادات المسجّلة عليها، ولهذا كان هناك تداخل بين فلسفة الدين وعلم الكلام في الغرب وبين الإلهيات بوصفها شعبةً من الفلسفة وعلم الكلام والعرفان النظري في الثقافة الإسلامية، فأساس الاعتقادات الدينية، أي وجود الله تعالى يمثل أحد الموضوعات الرئيسة في علم الكلام وفلسفة الدين، كما هو كذلك في العلوم الإسلامية: الحكمة، والكلام، والعرفان.

من الخطأ تقسيم القضايا التي يقدّمها لنا النص الديني إلى توصيفية ومعيارية قيمية، ذلك أن هذا التقسيم يفترض مسبقاً وجود قضايا ذات طبيعة توصيفية بحتة وأخرى ذات طبيعية قيمية صرفة، وهذا الافتراض المسبق لا أساس له ولا مستند يمكن أن يعتمد عليه، فلو أننا قبلنا بطيفٍ من المفاهيم الوصفية والمعيارية فسنعي جيداً أن هذه المفاهيم كانت في النصوص الدينية المقدّسة لأديان العالم كافة متداخلة تداخلاً معقداً ومتشابكاً يولّف منها عنصراً موحداً، فالفلسفة التاوية الصينية تملك أوصافها لعالم الوجود وفهمها وقراءتها له، كما تملك تصوّراً عن وظيفة الإنسان ومسؤولياته، وهكذا الحال في الإرادة الإلهية الموحاة إلى الأنبياء (، فهي توصيفية ــ بلحاظ التوقعات الإلهية ــ كما أنها قانونية معيارية، وحتى شهادة التوحيد: bلا إله إلا اللهv؛ إذ كما تدلّ على إبداء حقيقةٍ عينية، كذلك تعيد تصوّر الإنسان للمبدأ المتعالي للخير وللاعتبار الأخلاقي، فشهادة التوحيد التزام بموقف تعبدي أمام الله تعالى.

داوري: إن تعيين موضوع علم الكلام أمر معقد وبالغ الصعوبة، وإذا ما سألني شخص: ما هو موضوع العلم؟ وهل يلزم العلوم جميعها أن يكون لها موضوع يبحث فيها عن عوارضه الذاتية؟ لعلّ بإمكاني القول: إن موضوع علم الكلام هو أصول الدين، بوصفها مقولات خضعت للتساؤل والتشكيك والإنكار، ووفقاً لذلك لن تغدو القضايا الخبرية التي احتواها النص الديني المقدّس ولا غيرها مما جاء في السؤال.. لن تغدو موضوعاً لعلم الكلام، رغم إمكان صيرورتها مسائل له، فالسؤال عن علم الكلام: هل هو ــ على حدّ تعبير آية الله طالقاني ــ من العلوم الحقيقية أم لا بد من اعتباره واحداً من العلوم الاعتبارية؟ سؤال يستدعي بحثاً شاقاً.

يعتقد بعض المعاصرين البارزين أن علم الكلام داخل في زمرة العلوم الحقيقية، وبين العلماء المتقدّمين ثمة من ذهب إلى اعتبار هذا العلم دراسةً جادةً في حقائق الموجودات عن طريق إعمال الفكر فيها مع الالتزام بالوحي، ووفقاً لهذا الرأي تحدث مقاربة واضحة بين علمي الكلام والفلسفة، حتى يمكن القول بأن موضوعهما قد غدا هنا واحداً، كما أن موضوع علم الكلام على هذا سوف يكون وجود الله سبحانه.

ملكيان: لا يدور علم الكلام في صورته التي عرفها حتى اليوم في الثقافة الإسلامية المتداولة حول تمام القضايا التي تستكنّ داخل النصوص الدينية المقدّسة، ذلك أنه يستبعد تماماً من دائرة عمله تلك القضايا الناظرة إلى البعد القيمي مثل: >فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ< البقرة: 194؛ >وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا الله< الحشر: 19، بل حتى القضايا الناظرة للواقع (لا للقيم) لا تدخل برمّتها نطاقَ الدرس الكلامي، مثل: >وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ< الأنبياء: 30؛ >وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ< العنكبوت: 64، بل يتركز هدفه على مهمّ هذا النوع من القضايا، مثل تلك ذات الصلة بصفات الباري وأفعاله، والنبوّة العامة والخاصّة، والمعاد و…، وربما انشغل أحياناً ببعض الفرضيات المسبقة أو اللوازم والمستدعيات اللاحقة التي تتصل بتلك القضايا الناظرة للواقع.

أما ما يسمّى اليوم في الثقافة الغربية بعلم الكلام وبتعبير أدق: اللاهوت (Theology)، فيشمل تمام القضايا والمعطيات التي تقدّمها لنا النصوص المقدّسة، أعم من تلك الناظرة للواقع أو للقيم والمعايير؛ فعندما يقال: إن اللاهوت السائد اليوم في الغرب يتناول حتى القضايا القيمية في الدين ويدافع عنها، ربما يتوهّم شخص أن اللاهوت صار يستوعب علم الفقه وأمثاله، وهذا ما يستدعي ــ تلقائياً ــ إشكالية تبدّد الحدود الفاصلة بين هذين العلمين اليوم في الغرب، إلا أن الأمر ليس كذلك، فالفقيه ــ من حيث هو فقيه ــ لا يحقق نجاحاً في عمله إلا عندما يثبت أن الحكم الفلاني (القيمي) ــ سياسياً كان أم قضائياً أم جزائياً أم اقتصادياً ــ قد تمّ استنباطه واستخراجه من النصوص الدينية المقدّسة مع المراعاة الدقيقة لقواعد الاستنباط وضوابط الاجتهاد، والتي جاء الحديث عن بعضها في bمباحث الألفاظv من علم أصول الفقه، وبعبارةٍ أخرى ليس شأن الفقيه، بل لا يتوقع منه، غير بناء فتاويه على النصوص الدينية، فإذا ما أنجز عمله هذا بضبطٍ وانتظام فإنه يكون ــ من الزاوية التي ننظرها هنا ــ قد أتمّ عمله على أحسن حال.

ومن هنا بالضبط يبدأ عمل المتكلّم، إذ مع فرض كون الحكم القيمي منتمياً حقيقةً إلى أحكام الدين الواقعية، أي مع الأخذ بقول الفقيه، يبدأ المتكلّم رحلته في الدفاع عنه، لا أنه يدافع عن وجود هذا الحكم في النصوص الدينية مما يتكفل به الفقيه نفسه، إذاً فهو يدافع عن صوابية الحكم بعد الفراغ عن وجوده في النص الديني.

ومن الطبيعي هنا أن تسأل: ماذا تقصد بالصواب هنا؟

ولكي نوضح المفهوم لا بد أن نضيف أنه حيث كانت الغاية القصوى لجهود المتكلّم الدفاع عن المعتقدات الدينية والمذهبية، وأن هذه المعتقدات تنشطر إلى قسمٍ ناظرٍ إلى الواقع وآخر ناظرٍ إلى القيم والمعايير.. كان من وظائف المتكلّم الدفاع عن هذين القسمين معاً، أي أن عليه أن يمارس نوعين من الدفاع: أحدهما دفاع عن القضايا الحاكية عن الواقع، وآخر عن تلك المتكفلة بيان القيم والمعايير، والدفاع الأول دفاع عن صدق تلك القضايا، بمعنى مطابقتها للواقع، أما الدفاع الثاني فيظلّ التساؤل حائماً حوله: كيف يكون؟ ومن أي جهة؟ فهل لهذه القضايا صدق وكذب حتى يتسنّى لنا الدفاع عن صدقها؟

الذي نراه أنه لا يصحّ اعتبار هذا النوع من القضايا متصفاً بالصدق والكذب، مما يعني أن الدفاع عنها لا يعني دفاعاً عن صدقها، إنما دفاع عن قدرة الإنتاجية الكامنة فيها، قدرتها على حلّ المعضلات الإنسانية، وحصيلة القول: إن الدفاع عن صوابية الحكم الديني أعمّ من الصدق (في الأحكام الواقعية) والإنتاجية والعملانية (في الأحكام القيمية).

وأرى أن التذكير هنا لا يخلو من فائدة، إن على المتكلّم كي يحقق نجاحاً في دفاعه عن جدوائية الأحكام الدينية القيمية، أن يحدّد ــ بدايةً ــ المسائل التي جاءت هذه الأحكام لوضع حلول لها، فما هي المشاكل التي استهدفت هذه الأحكام تفكيكها وتبديدها؟ وما هي المعضلات كذلك؟ ذلك أنه ما لم يحدّد هذا الأمر تماماً لا يمكن معرفة هل هذا الحكم أو ذاك ذو جدوائية أم لا؟

وعليه، لا بدّ سلفاً من حسم موضوع هادفية الدين، فما هي المشكلات والملفات التي استهدف الدين تقديم حلولٍ لها؟ وهذا ما يدفع المتكلّم دفعاً نحو مواجهة إحدى أهم معضلات الفكر ومشاقه، ألا وهو الجواب عن التساؤل التالي: ما هي حاجة الإنسان للدين؟

ــ يتبع ــ

*    *     *

الهوامش



(*) د. مصطفى ملكيان أستاذ جامعي بارز، وأحد أكبر منظري الإصلاح الديني في إيران، يحمل نـزعةً إيمانية لا تركّز على مفردات العقيدة بقدر مبدأ العلاقة الروحية مع الله، له نقد على نظرية القبض والبسط للدكتور سروش، وهو مترجم عن اللغات الأجنبية، أما الدكتور محمد لغنهاوزن، فهو باحث أمريكي مسلم، وأستاذ في جامعة الإمام الخميني في إيران، أما الدكتور غلام رضا أعواني فهو أستاذ الفلسفة الغربية في جامعة طهران، وكانت له حوارات عدّة مع المستشرق هنري كوربان، وأما الشيخ جعفر السبحاني فهو من أبرز علماء الكلام المعاصرين في إيران، وصاحب مؤلفات كثيرة جداً، وأما الدكتور رضا داوري فهو أستاذ الفلسفة الغربية في جامعة طهران، ورئيس مجمع العلوم الإيرانية.



[1] ــــ راجع: عدالة من؟ أيّ عقلانية؟ لمؤلفه مكيپنتاير:

Notre Dame Universiy of Notre Dame Press 1988..

[2] ــــ كشف الأسرار 3: 241.

[3] ــــ المصدر نفسه: 242.

[4] ــــ المصدر نفسه 7: 420.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً