أحدث المقالات

نظريّة المعرفة عند الإمام الشافعي

قراءة في البناءات الأوّلية

محمد تقي الكرمي(*)

ترجمة: عباس الأسدي

حياة الشافعي

محمد بن إدريس الشافعي مؤسِّس المذهب الشافعي. ولد سنة 150 هـ في عسقلان في فلسطين، وقيل في اليمن في السنة التي توفي فيها في العراق أبو حنيفة مؤسس المذهب الحنفي. عربي الأصل، يعود نسبه إلى قريش. توفي والده وهو طفل صغير، فهاجر مع أمّه إلى مكة، وكان الحجاز آنذاك موطن الكثير من المحدّثين والفقهاء والمفسِّرين.

في مكة سادت طريقة ابن عباس في التفسير، فيما أرسى في المدينة مالك بن أنس مدرسته الفقهية، وكان للمحدثين آنذاك مكانة خاصة.

بعد اجتيازه لمراحل التعليم الأولى المعروفة، مثل حفظ القرآن وبعض الأحاديث النبوية وتعلّم الكتابة، يمّم الشافعي وجهه صوب البادية لتعلم العربية الفصيحة، لأن لغة المدينة فقدت أصالتها بسبب اتساع رقعة الإسلام واختلاط اللغات والثقافات، وظلّت البادية وثقافتها ولغتها بمنأى عن هذه الظاهرة، فاحتفظت اللغة بصحتها وفصاحتها وأصالتها؛ لهذا كان علماء اللغة يتركون المدن نحو البادية لتصحيح لغتهم وضبطها وتأسيس “علم لغة” صحيح يُصار فيه إلى ضبط اللغة وتدوينها واكتساب معالم الثقافة العربية.

اللغة العربيّة وحياة البادية:

ولا نبالغ إذا قلنا: إنَّ اللغة العربية هي وليدة الحياة البدوية الأعرابية قبل أن تكون ثمرة لثقافة المدينة العربية. ويكفي لإثبات ما ذهبنا إليه أن نمرّ مرور الكرام على الموسوعة اللغوية المعروفة “لسان العرب” التي كتبت في القرنين السابع والثامن الهجري يتبيَّن، حيث سنلاحظ أن معظم مصطلحاتها التي تربو على ثمانين ألف مصطلح لا تتجاوز حدود حياة البادية البسيطة الساكنة والخشنة، ولا تعكس حالة الترف والنعيم والبذخ لحياة عرب المدينة؛ فلن تجد فيها مثلاً المصطلحات التجارية والصناعية والطبية والهندسية التي كانت متداولة يومذاك، ولا المفاهيم النظرية، مثل المفاهيم الفلسفية والكلامية والرياضية التي سادت في تلك البرهة الزمنية. هذا الأسلوب في تدوين كتب اللغة يكشف بوضوح عن ذهن مكرّس لضبط اللغة وتدوينها وروايتها، وقد وضع المؤلف ثلاثة معايير رئيسية لتمييز الفصيح من غيره هي:

1 _ المرحلة الزمنية: أي يجب أن يعود الشعر أو النَّص الذي يستند عليه إلى العهد الجاهلي، وإلى النصف الأول من القرن الهجري الثاني كحدّ أقصى.

2 _ أن تكون المفردة المستعملة بدوية بعيدة عن لغة الحضر وثقافته، لأنهم اعتقدوا بفساد لغة المدينة بسبب اختلاطها مع اللغات والثقافات
الأجنبية. وتدلّ بعض المصطلحات التي تداولها أهل اللغة، مثل “غير النجدي” و”المولَّد” و”الجرمقاني”، على هذا التمايز الذي وضع بين اللغة البدوية واللغة الحضرية.

3_ يجب أن يكون الشعر أو النَّص وليد الفطرة والبداهة حتى إن كان مضمونه تافهاً، إذ يرقى على غيره ويضفى عليه الاعتبار وإن كان محتواه خيالياً.

يظهر من التأكيد على هذه المعايير الثلاثة أنَّ علماء اللغة القدامى، شأنهم شأن المحدثين، كانوا يتحرّون فقط وثاقة الرواية المنقولة وأصالتها (سواء كانت الرواية نبوية أم لغوية)؛ لهذا أصبح كلام البادية بمثابة النصّ المقدس، وكأنّ هذه البداوة هي الضامنة لمنع أي انحراف أو خطأ(1)؛ فلم تنحصر لغة البادية في كونها مصدراً مهماً في ضبط اللغة وتدوينها، بل أصبحت هي البنية التحتية للغة وبالنتيجة إطاراً للعقل الإسلامي _ العربي.

المرجع في العربية الفصحى

 بلحاظ ما ذكرناه نواجه السؤال الآتي: لماذا لم يستند الرواة وعلماء اللغة على القرآن بدلاً من اعتمادهم على البادية في إرساء العربية الفصيحة؟، ويلاحظ أن عامة الأبحاث النحوية، أو اللغوية، في القرون الأولى، تخلو عن عمد من أي استدلال بالنص القرآني أو استناد إليه(2)3، ويدلّ مصطلح “شاهد” المتداول بين أهل النحو واللغة على الشعر والنثر العربيّين من أن يشمل الآي القرآني؛ ولم تُذكر شواهد من القرآن في كتب النحو واللغة إلاّ بعد استقرار أصول النحو واللغة في القرن الثامن وما تلاه(3).

هذه الظاهرة أثارت استغراب معظم المؤمنين وأهل الشريعة وخصوصاً في العهود المتأخرة، فنرى الفقيه الظاهري ابن حزم _ على سبيل المثال _ يتعجب من اعتماد عامة أهل اللغة والنحو على أشعار الجاهليين كامرئ القيس، وعدم استنادهم على كلام اﷲ أو النبي (4). في الردّ على هذا السؤال نقول: إن بعض الباحثين يرى أن السبب هو القراءات المختلفة والمتواترة، في الوقت نفسه، الموجودة للنَّص القرآني، بحيث أصبح من المشكل توفيق هذه القراءات القرآنية مع القواعد النحوية واللغوية التي تتغذى من نصوص أقدم كانت قد بلغت مرحلة الكمال؛ فإمّا أن يصار إلى تجاوز القواعد العلمية لصالح القرآن، أو أن يُعرّض القرآن لتأويلات مختلفة؛ الأمر الذي يبدو أنه بعيد عن الاحتياط. ولكن هذا الردّ ينطوي على صيغة كلامية وبعد دفاعي، إذ يُعتقد بأنَّ السبب وراء اجتناب أهل النحو واللغة للاستناد على القرآن أكثر تعقيداً وعمقاً، لاسيما إذا أخذنا بالاعتبار بعض المعطيات العلمية والتاريخية؛ ويمكن أن نعدَّ الثقافة العربية نفسها سبباً من هذه الأسباب، إذ أنها قامت على أساس نسيج وتركيب شفويَّين، أمّا المكتوب فإنه لا يرقى إلى مستوى الاعتبار إلاّ حينما يؤسّس على الرواية الشفوية أو “الحفظ”, بمعنى أن عنصر الرواية الشفوية يؤدي دوراً مصيرياً في تكوين النصّ؛ لهذا يعدّ “السماع”، أو الرواية الشفوية، هو الطريق الأفضل والأكثر وثوقاً في نقل الحديث أو الشعر واللغة، وبلغ الأمر حد أن يكتم رواة اللغة والشعر، أو ينكروا أحياناً، معرفتهم بالكتابة من أجل أن تكون رواياتهم أكثر وثوقاً واطمئناناً.

هذا الأمر كان أكثر وضوحاً بخصوص أعراب البادية، حيث كان العلماء يتشددون، ويتوسّل بعضهم بمختلف الأساليب قبل أن يروى شعراً عن أعرابي للتأكد من كونه أمياً، لأنه إن لم يكن كذلك لما كان لكلامه وقع على حدّ تعبير الجاحظ(5)، وكان بعض الأعراب، غير الأميين، الذين يدخلون المدن يحاولون كتمان معرفتهم بالكتابة، ويطلبون في حال افتضاح أمرهم للرواة أن يتستروا على هذا السرّ(6). وقد استخدم بعض المحدثين والرواة مصطلحات مثل “سمعت” أو “حدّثنا” لإخفاء معرفتهم بالكتابة خلف هذه الألفاظ، وبالتالي إضفاء صفة الاعتبار على ما يروون.

بلحاظ ما أشرنا إليه يمكن القول إن القرآن ورغم منزلته الرفيعة نصّ مكتوب، ولابدّ لتثبيته من تبديله إلى نص مقروء, أي أن تُسند صورته المكتوبة بالضبط الشفوي.

 من الواضح جداً أن اللغة القياسية الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها هي لغة العرب قبل الإسلام (خصوصاً الشعر) التي تم بناؤها على يد علماء اللغة والنحو حتى أخذت شكلها النهائي. بكلام آخر، فإن علوم اللغة من صرف ونحو أدَّت دوراً أساسياً في تثبيت القرآن وقراءته عن حفظ؛ لهذا حصل خلط في البصرة منذ البداية بين القارئ وبين النحوي واللغوي، فقد عُرف كل من “نصر بن عاصم” و”يحيى بن معمر” بوصفه قارئاً ونحوياً ولغوياً على الترتيب(7).

مشكلة المصطلحات المعرَّبة في القرآن

أوجد تثبيت القرآن باللغة العربية القياسية مشاكل، منها مشكلة المصطلحات المعرّبة في القرآن التي يعود سببها إلى تأثير لغة أهل مكة والمدينة وثقافتهم على النصّ القرآني، ذلك أن هاتين المدينتين (وخصوصاً مكة) كانت على الدوام محلّ التقاء اللغات واللهجات المحلية للقبائل المختلفة بسبب وضعها الديني والاقتصادي، وكان من الطبيعي أن تنعكس هذه الثقافة على القرآن لكونه نصّاً حيوياً خاطب في بدايته أهل مكة والمدينة، وبالنتيجة فإن مصطلحاته تجاوزت الحدود اللغوية المختلفة لشبه الجزيرة العربية، واحتوت السريانية والعبرية والفارسية. هذا الأمر وضع علماء اللغة والنحو القدامى، وتبعاً لذلك المفسِّرين أمام مشكلة جدية، وتحوّل البحث في المعاني الدقيقة للمصطلحات القرآنية وما إذا كانت عربية أم معربة إلى سجال متواصل؛ لأن القرآن عرّف نفسه بأنه كتاب عربي (السورة 12، الآية 2)، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الأبحاث والقواميس اللغوية (النحوية والصرفية) القائمة على أساس لغة البادية لا تعطي المعنى الدقيق لهذه المصطلحات. ومن الضروري أن نضيف هنا أنَّ اللغة العربية الفصيحة المعترف بها رسمياً من قبل علماء اللغة والأوساط الرسمية هي لغة منتقاة ونتاج مشترك، لأنها لا تعكس اللهجات المختلفة والحوار التقليدي اليومي للقبائل العربية البدوية، وتتوفر مثل هذه اللغة على خاصيتين عامتين: الأولى، أنها أرقى من مستوى عامة الناس، بمعنى أن العامة لا تستخدمها في كلامها؛ والثانية، أن خصائصها وعناصرها التي تتشكل منها لا ترتبط بمجتمع محلي محدَّد، بعبارة ثانية فإن اللغة المشتركة ليس فيها خصائص أي من اللهجات المحلية، بل إنها لغة مستقلة بذاتها لا يمكن نسبتها إلى أي مجتمع في الجزيرة العربية(8).

حاول بعض الباحثين اللجوء إلى حلول كلامية لفكّ هذا اللغز والبحث عن تفسير لمشكلة المصطلحات الأجنبية في القرآن، ومنهم الإمام الشافعي وأبو عبيدة وابن فارس؛ فذهبوا إلى أن وجود هذه المصطلحات الغريبة يستلزم الحكم بنقصان اللغة العربية التي جاء بها آخر وحي إلهي وأكمله، وهذا محال، لأن الله يختار أكمل لغة من أجل أن يخاطب الناس بآخر وحيه(9).

ولحلّ هذا التعارض قالوا بغنى اللغة العربية وسعتها، بحيث لا يستطيع الفرد العادي أن يحيط بمفرداتها ومصطلحاتها، وفي هذا الصدد يقول الشافعي: لا يستطيع أحد الإحاطة باللغة سوى النبي .

إذن فاللغة العربية الفصيحة (لغة القياس) تعدّ “لاشيء” مقارنةً بسعة لغة القرآن وكذلك اللغات العربية المحلية(10).

مهما يكن، فإن الشافعي ذهب إلى قبيلة هذيل لتعلّم اللغة والآداب والتقاليد العربية الأصيلة، وبقي هناك عدة سنوات اكتسب خلالها فنون الشعر والأدب، وبلغ به الأمر مرتبة جعلت الراوي واللغوي الألمعي العربي الأصمعي يستند عليه في الرِّواية.

عاد الشافعي إلى مكة بعد إقامة طويلة في البادية، ودرس فيها الحديث والفقه، ثم انتقل إلى المدينة مستفيداً من علوم مؤسس المذهب المالكي مالك بن أنس، وبقي فيها حتى وفاة أستاذه سنة 179. ولا شك في أن الإمام مالك ترك تأثيراً عميقاً في بلورة شخصية الشافعي العلمية ومنهجه الفقهي. ثم عاد ثانية إلى مكة، ومنها انتقل إلى نجران في اليمن بحثاً عن لقمة العيش وليتسلّم المنصب الإداري الذي أوكل إليه، ولكن لم تمض مدَّة طويلة حتى دبّ الخلاف بينه وبين الوالي، فدبّر له هذا الأخير مكيدة اتهمه فيها لدى الخليفة العباسي هارون الرشيد بأنه يخطّط مع بعض العلويين للثورة عليه، فاستُدعي الشافعي إلى بغداد، لكنه لم يعاقب لمعرفة هارون بفضله وعلمه ولوساطة الفقيه البغدادي المعروف آنذاك محمد بن الحسن الشيباني.

تأثير المدرسة البغدادية على الشافعي

اغتنم الشافعي هذه الفرصة وتعلّم أساليب الاستدلال والاستنباط الفقهي في العراق على يد الشيباني، إذ كانت المدرسة البغدادية متأثرة بتعليمات أبي حنيفة الفقهية وتختلف تماماً عن المدرسة الفقهية، في المدينة. كان الشافعي يعرّف نفسه في بغداد بأنَّه من أنصار المذهب الفقهي المالكي، لكن حقيقة الأمر أنه تأثر بالمنهج العقلي ـ القياسي لمدرسة العراق الفقهية التي تركت بصماتها واضحة في تكوين أفكاره الفقهية وصياغتها، ويمكن للباحث أن يلاحظ الارتباط بين هذين المذهبين الفقهيين المختلفين في كتاب “الرسالة” وكتاب “الأم”. ومن بغداد عاد الشافعي إلى مكة، وأقام مجلس درس مستقل في المسجد الحرام، وخلال تسع سنوات من إقامته في مكة استطاع إرساء مبانيه الفكرية، والالتقاء بعدد كبير من العلماء والفقهاء الذين يؤمّون مكة لأداء فريضة الحج من كل صوب.

رجع الشافعي سنة 195 إلى بغداد ثانية ولكن ليس تلميذاً، وإنما أستاذ وصاحب رأي وفتوى. يقول المؤرخون: إن الشافعي كتب “الرسالة” في هذه البرهة الزمنية بطلب من المحدث العراقي الكبير عبد الرحمن بن مهدي، كما ألّف في هذه المرحلة كتابه المعروف في الفقه الذي اشتهر باسم “البغدادي”، وهو عبارة عن مجموعة من الآراء والفتاوى الفقهية الشافعية، وكتبه قبل كتاب “الأم”. ويطلق مصطلح “المذهب الفقهي القديم” للشافعي على هذه المرحلة من حياته، حيث بقي خلالها في بغداد حتى سنة 198، حين وصلت الخلافة إلى المأمون الذي أطلق يد أهل الكلام لاسيما المعتزلة، عندها رأى الشافعي أن الأرض قد ضاقت به فرحل إلى مصر لكون واليها من قريش التي ينتمي إليها هو.

أجمع المؤرخون على أهمية هذه المرحلة من عمر الشافعي، لأنه أقدم خلالها على تأسيس مذهب جديد، جدّد فيه النظر في الكثير من آرائه الفقهية، وقام أيضاً بتحرير جديد لـ”الرسالة” عدل فيه عن معظم فتاواه السابقة، وقدّم نظريات وآراء جديدة ألّف على أساسها كتاب “الأم”؛ كما قام في هذه المرحلة بتصنيف أو إملاء كتب جديدة، وأصبح يطلق على هذه البرهة من عمره مصطلح “المدرسة الفقهية الجديدة”.

تتلمذ على يد الشافعي في مكة وبغداد ومصر فقهاء كبار، أمثال أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني (ت 264هـ) وأبي يعقوب يوسف البويطي (ت231هـ) وربيع بن سليمان المرادي (ت 270هـ) في مصر، وتنسب إلى هذا الأخير رواية جميع كتب الشافعي التي ألّفت في مصر.

بعد مرض طويل، توفي الشافعي سنة 204 هـ، وهو في الرابعة والخمسين من العمر(11).

يعدّ الشافعي بحقّ مؤسس علم أصول الفقه؛ فقد أعطى بتأليفه “الرسالة” التي مثّلها الفخر الرازي بأرغنون أرسطو تفسيراً علمياً لمباني الاستنباط، وأضفى نظاماً منطقياً ومستقلاً، في الوقت نفسه، على آراء أسلافه من الفقهاء وأبحاثهم المتفرقة المشتتة، ولهذا خضعت كتب الشافعي ولاسيما كتابه المهم “الرسالة”، ومنذ القدم، للبحث والدراسة الجادة؛ ولا يمكننا هنا أن نغضّ الطَّرف عن الدور الذي أدَّاه بعض المستشرقين المعروفين في هذا المجال، أمثال غولدزيهر وشاخت وغيرهما، حيث احتفظت أبحاثهم بأصالتها رغم نواقصها المنهجية واستنساخ بعض نتائجها، مما سنذكره في مبحث تدوين السنة النبوية، حيث سنشير إلى بعض آراء هذين المستشرقين.

“الأيديولوجية الوسطية” في فكر الشافعي

من الأبحاث المهمة التي نشرت خلال الأعوام الأخيرة والتي حاول كتّابها تقديم قراءة جديدة للشافعي، يمكن أن نشير إلى كتاب “الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية”، للمفكِّر المصري المعروف نصر حامد أبو زيد، وقد طُبع هذا الكتاب، للمرة الأولى، في مكتبة مدبولي في القاهرة سنة 1992، ثم طبع ثانية سنة 1996 مع إضافات في المقدمة للمؤلف، ويعدّ هذا الكتاب توسيعاً لمقالة تحت عنوان: “الأيديولوجية الوسطية التلفيقية في فكر الشافعي” التي نشرت في مجلة الاجتهاد في عددها الثامن سنة 1990.

رغم أن الكتاب يبدو للوهلة الأولى غير دقيق وألّف بشكل عاجل، إلاّ أنه يتضمّن إشارات وملاحظات تستحق الاهتمام، ولو جرى التوسّع فيها وتبيينها بنحو مستدلّ لشكلت خطوة مهمة في طريق فهم التراث الإسلامي؛ لاسيما أن المؤلف سعى إلى إماطة اللثام عن العلاقة الخفية بين السلطة والحقيقة، ليثبت أنَّ هذه الأخيرة ليست منزَّهة ولا بريئة كما يقال، بل إنها على علاقة دقيقة ومعقدة بالسلطة، فالعناصر الأيديولوجية للسلطة تقوم بدور مصيري في بلورة المعرفة والحقيقة، لتكونها بالشكل الذي تريده والأنموذج الذي تطمح إليه.

ويتطرق أبو زيد، من خلال تقييمه لفكر الإمام الشافعي، إلى نقد الحوار الديني المعاصر، ويضع الأسئلة التالية أمام معارضيه: ألم يكن الأئمة الأربعة وخصوصاً الإمام الشافعي من جنس البشر؟ ثم ألا يخضع اجتهادهم للأحكام والاجتهادات البشرية المحكومة بقوانين الصواب والخطأ؟ فلماذا إذن يُتّهم من ينتقد أفكارهم أو يقيّمها بالخروج من الدين والشريعة؟ ألا يعدّ دفاع الحوار الديني عن التراث الإسلامي دفاعاً عن منهج تقليدي في الفكر ونأياً عن أي إبداع؟؛ ثم يضيف: ليس من باب العفوية أن يُحاط فكر الشافعي، في مثل هذه الأجواء، بهالة من القداسة، ويُسلب من الناقدين والمفكرين حق تقييمه أو الحكم عليه.

إن وجه التمايز بين الفكر الديني المعاصر والفكر الديني المنفتح هو كالفرق بين التقليد والإبداع، والتعصب والتسامح. فالحوار الديني يخشى دائماً من نقد التراث الإسلامي وتقييمه، بينما تقوم حياة هذا التراث على أساس هذا النقد والتقييم المستمرين.

إننا نقف على أكتاف كبار كالشافعي وأمثاله، ونتطلع إلى أفق بعيد لم يتسنّ للسلف أن يتطلع إليه. ولا يعني الرجوع إلى السنّة والاعتماد عليها إلاّ استثمار ما توصّل إليه فطاحل أمثال الشافعي، لنخطو إلى الأمام بإحكام ونطرد عنّا الكسل والعجز، ولا نتوقف عند السبل المعهودة والتقليدية.

“نظرية المعرفة” عند الشافعي

مهما يكن، فإن هذا المقال ليس في صدد شرح الآراء الفقهية للشافعي، بل هو بحث في “نظرية المعرفة” عند الإمام الشافعي. بعبارة ثانية، فإننا سنبحث في الأصول والمبادئ النظرية التي أقام عليها الشافعي أدوات استدلاله واستنباطه الفقهيَّين، ومن الأفضل أن نقول: إنه بحث في “المنهج” بمعناه الفلسفي، هذا المنهج الذي لم يذكره الشافعي بصريح العبارة، إنما نستشفّه من مطاوي أفكاره بشكل ضمني، حيث سنحاول الكشف عن أدوات هذه المعرفة، لهذا فإننا مضطرون إلى اتخاذ أصول موضوعة وافتراضات مسبقة خاصة نبيّنها كما يأتي:

1_ إن جميع العلوم والمعارف منسوجة بعضها مع بعض في سياق ثقافي محدّد، فالعلوم ليست مستقلة ومنفصلة بعضها عن بعض، بل ترتبط بوشائج وثيقة لتكوّن نظاماً معرفياً خاصاً؛ مثال ذلك وجود تناسب تام بين علم النحو وعلم اللغة مع بعض العلوم العربية _ الإسلامية الأخرى؛ ويسري هذا الحكم على المعارف الأخرى مثل العلوم القرآنية والحديثية. على هذا الأساس يمكن القول: إن الشافعي والأشعري والغزالي يدخلون في إطار منظومة معرفية واحدة رغم أن كلاًّ منهم ينتمي إلى دائرة معرفية خاصة.

2_ يمثّل أي فكر مرآة تعكس المسائل والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية لعصر ذلك الفكر، فالمفكّر لا يفكّر في فراغ، إنما يجسّد فكره مقتضيات عصره ومجتمعه ويعدّ ثمرة لحياة ذلك المجتمع. عليه لا يمكن أن نعدّ فكر الشافعي مجرّداً وخالصاً، إنما هو من جنس المعرفة التي تنمو وتتكامل في ظروف معينة، إذ أن قوانين الطبيعة لا يمكن أن تتخلف أو تتغير. لهذا فإنَّه من المهم جداً الالتفات إلى تأثير الرغبات الاجتماعية في فكره، ومعرفة العامل الذي أدى _ على سبيل المثال_ إلى أن يدافع الشافعي عن “عروبة” القرآن، وسبب تأكيده على “السنة النبوية”، والإجابة عن أسئلة من هذا القبيل توضّح ما يريده الشافعي حقاً وتكشف عن جوهر خطابه.

3_ رغم الاشتراك في النظرة الاجتماعية والمعرفية العامة للكون بين جميع المدارس والاتجاهات الفكرية العاملة في إطار الفكر العربي _ الإسلامي، فأن لكل من هذه المذاهب والفرق أسس ومبادئ معرفية خاصة بها تميزها عن غيرها؛ مثال ذلك ما يشترك فيه الأشاعرة والمعتزلة في نظرتهم الكونية، إلاّ أن المعتزلة أوجدت دائرة معرفية خاصة في البلاغة والنحو والفقه تميزها من الأشاعرة، وأخذت تفسّر الحقائق والمعارف بنحو خاص ينسجم مع عناصرها المعرفية. من هنا يمكن أن نستنتج أن “الصدق” و”الكذب” من الأمور النسبيَّة أو التأريخيَّة على حدّ تعبير علم الاجتماع. ويمكن على أساس هذا الفهم الكلام على أيديولوجيات مختلفة في إطار الفكر الإسلامي، وإطلاق صفة الاعتدال على الإمام الشافعي.

نفذ مصطلح “الأيديولوجيا” إلى الثقافة العربية من العالم الغربي في القرن العشرين، ليتحول سريعاً إلى مفهوم كثير التداول في ميادين العلوم السياسية والاقتصادية والفلسفية والأدبية المختلفة؛ ويراد منه مجموعة القواعد المرتبطة بالصواب والخطأ والثواب والعقاب (بمعناه الاجتماعي)، والسواء والشذوذ التي تكوّن نظرة خاصة إزاء الأفراد، أو حيال فئة معنية؛ وهذه القواعد لا تتسم بالضرورة والحتمية، وليس بالضرورة أن تكون مطابقة للحقائق العينية الخارجية لأنها تُنتج وفقاً لأنموذج معرفي خاص في وعي الفرد أو الجماعة, ولهذا يمكن أن نطلق عليها تسمية معرفة كاذبة.

4_ تستخدم جميع الفرق الفكرية المختلفة لغة الدين في مقام الدفاع عن آرائها الفكرية، أو المناظرة مع الخصم، بمعنى أن جميع النِّزاعات بين المذاهب والفرق الكلامية _ الدينية ترجع بشكل أو بآخر إلى مسألة “التأويل” المهمة. بتوضيح أدق، فإن هذا النِّزاع هو في الأساس حول شرعية التأويل، ومن له الحقّ في استثمار “النصوص”. ويمكن اعتبار تاريخ الفكر الإسلامي بأنه يمثل ثمرة للنِّزاع حول شرعية تأويل النصوص الدينية؛ فقد حاول المعتزلة الإمساك بالحقيقة المطلقة، ولم يدّخروا جهداً إلا واستخدموه للقضاء على منافسيهم؛ كما تشبّث الحنابلة، الذين اشتهروا، في ما بعد، بلقب أهل السنة والجماعة، بالقوة لإزاحة المنافس المعتزلي؛ وذلك حينما تسلّم المتوكل العباسي الخلافة، ولم يألوا جهدا أيضاً في التعريض بالمعتزلة واتهامهم بأنَّهم ليسوا على سنّة السلف الصالح وخارجون عن الشرعية.

5 _ يمكن الاستنتاج، على أساس ما مضى، أنَّ تغلّب فكر معين في برهة زمنية محدّدة لا يعني أن بقية الفرق محكومة بالكفر الضلال، لأن مفاهيم الضلالة والكفر أصبحت أدوات سياسية في خدمة الطبقة الحاكمة أو المنافس القوي قبل أن تكون مفاهيم دينية.

6 _ المفاهيم الراسخة، في الفكر الديني المعاصر، تمتد جذورها في أغلب الأحيان إلى التراث الإسلامي العريق؛ هذا الارتباط بين الماضي والحاضر يكون واضحاً أحياناً، ويحتاج أحياناً أخرى إلى عملية جراحية عميقة لفهم هذه الصلة؛ أي أن هناك حاجة لرموز علم الحفريات في المعرفة ليتاح لنا إرجاعها إلى عناصرها الأصلية.

حينما نتوصل إلى اكتشاف الأسس الأيديولوجية لبعض هذه الحقائق الثابتة والأصول الاعتقادية المسلّم بها، سوف ندرك أنَّ هذه الحقائق والأصول ليست مسلّمة وخالدة كما افترضت، بل إنها تاريخية اكتسبت طابع القداسة في مرحة معينة وفي ظل أهداف وظروف واضحة، وأصبحت في آخر المطاف نصوصاً مقدسة؛ فيما يستطيع المنهج التحليلي _ النقدي الجديد أن يزيح النقاب عن وجه الاعتقادات والمسلّمات، ويكشف أنَّ هذه المقدسات تخفي وراءها عقائد فئة من الناس تعتاش عليها. ويكمن السرّ في مخالفة الفكر الديني العلنية مع هذه الأساليب في أنه لا يريد أن يخضع لمثل هذه العملية الجراحية العميقة.

“النصّ” واستخداماته

يوضّح المؤلّف، في مقدمة الكتاب، بعض المصطلحات والمفاهيم الرئيسية التي يعتقد بأنها غامضة على أذهان الكثير من المتخصصين ناهيك عن عامة الناس، والمصطلح الأول الذي يناقشه أبو زيد هو “النص Text“, ويُستخدم في إطار علم التحليل الكلامي من جهة، وفي علم الإشارات من جهة أخرى، رغم أن استعماله في الحالة الثانية أوسع من الحالة الأولى، ويشمل الأنظمة اللغوية وغير اللغوية، وعلى هذا الأساس يمكن إطلاقه أيضاً على المراسم والاحتفالات وموضات الملابس والفنون السمعية _ البصرية والرسوم والكاريكاتور. أما في الحالة الأولى فلا يمكن إطلاقة إلاّ في حدود معينة، أو على علامات لغوية ذات معنى، وهذا ما نريده من مصطلح النصّ.

طبقاً لهذا الرأي، هناك حدّ فاصل يوضع بين “النصوص الأولية” و”النصوص الثانوية”، وإذا أردنا تطبيق هذا الأمر على التراث الإسلامي فإن القرآن يعدّ من النصوص الأولية, والحديث النبوي من النصوص الثانوية لاعتماده على النصّ الأول، ثمّ تلي ذلك اجتهادات الفقهاء والمحدثين التي تستند بدورها على النصّ النبوي، ولا نقصد من هذا الترتيب أن الحديث النبوي أقل أهمية من غيره، إنما هو مجرد تصنيف وصفي وليس تقييمياً، لتوضيح الأنواع المختلفة من النصوص وكيفية بنائها وقيامها على أساس النصّ الأول، والفرق بين النصوص الأصلية والنصوص التفسيرية.

أدرجت النُّصوص الثانوية، في تاريخ الثقافة العربية _ الإسلامية، في دائرة النصّ الأول لأسباب اجتماعية وتاريخية مختلفة، لتصبح بعد مدة قاعدة لكل تفسير أو تأويل. بعبارة ثانية: أقحمت اجتهادات أئمة الفقه وتفاسيرهم في دائرة النصّ الأول رغم كونها أفكاراً بشرية, وأصبحت جزءاً من المنظومة الأساسية التي لا يمكن للعقل مناقشتها، ولهذا يوصف العقل العربي _ الإسلامي بأنه يدور في حلقة مرجعية النصوص.

المسألة الأساسية الأخرى التي تناولها المؤلف هي كيفية التدوين من خلال الذاكرة أو العقل الشفوي، في إشارة واضحة إلى تدوين سنة النبي والصحابة في القرن الهجري الثاني. ومعروف أن هذه النصوص تمّ جمعها وتدوينها اعتماداً على النقل الشفوي (الذاكرة) فقط، لكن الأهم من ذلك هو كيفية تدوينها؛ فقد واجه علماء هذه المرحلة سؤالاً رئيسياً عن الأسس التي تقوم عليها عملية النقل والتدوين، هل يتم ذلك على أساس العقل (الرأي) أو النقل والشرع؟، وكانت هذه نقطة البداية لنزاع طويل ومشهور بين أهل الرأي وأهل الحديث، وما إذا كان المرجع النهائي هو العقل (التأويل) أم الشرع؟ ولمن تكون الأولوية عند التعارض؟

من هذه النقطة بالذات ينهض الشافعي بدور مهم وتاريخي في محاولة اختيار الطريق الوسط, ويسعى إلى تأسيس أيديولوجية الاعتدال، رغم أنه انحاز أخيراً إلى جانب أهل الحديث كما سنرى.

نستنتج مما مرّ بنا أَّن النصوص، بحدّ ذاتها، لا تتوفر على أية قوة أو مرجعية، رغم أن أي نصّ يفعل فعله في إعمال سلطته ضمن حدود معرفية معينة، ويحاول أن يتقدم على النصوص السابقة بما يحمله من ثراء ومتانة، ذلك أن العلة الوجودية لأي نصّ جديد هي تناول ما لم تتناوله سائر النصوص؛ ومع ذلك فإن هذه القدرة لا يمكن بأي وجه من الوجوه، أن تصل به إلى مستوى من الاعتبار بحيث يصبح مرجعاً نهائياً، وأنموذجاً ثقافياً واجتماعياً كاملاً، إلاّ أن يتمّ تحميله على التكوين الاجتماعي والعقلي للمجتمع من قبل عناصر خارجية؛ وهذا ما حصل بالضبط في القرون الأولى لتكامل الفكر الإسلامي، حتى أصبح للقرآن والسنة النبوية مرجعية مطلقة شاملة بهمّة الفقهاء والمحدّثين المتشددين.

إن الهدف من الدعوة للتخلص من قيود النصّ المقدس هو تخليص عقولنا المخدوعة من المرجعية الشاملة والمطلقة لهذه النصوص؛ وهذه هي النقطة التي يولد منها التعارض بين العقل والنقل، وهذا التعارض يقع في الحقيقة، بين العقل مع المرجعية الشاملة والمطلقة للنصوص وليس مع النصّ نفسه، لأن العقل هو الوسيلة الوحيدة للمعرفة والتي يتمّ بها تفسير النصوص وشرحها، وأي جهد لإلغائه ينتهي مباشرة إلى إلغاء النصوص.

يعتقد المؤلف بأن مفاهيم، مثل مرجعية النصوص وسلطتها متآصرة بعضها مع بعض، بل هي وجهان لعملة واحدة، وفيها دلالة على معنىً واحد، وهي مفاهيم وليدة المراحل المتأخرة، وقد تأثرت بالتاريخ الاجتماعي للمسلمين قبل أن تكون مفاهيم دينية أو اعتقادية، ويمكن التحرّي عن بداياتها في أفكار أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، لينتشر هذا المفهوم بشكل واسع في العهود التي تلت ذلك.

يوضح أبو زيد، في فقرة أخرى من كتابه، أنَّ التحقيق العلمي لا يكتفي بالتحليل العلمي وحسب، بل يخوض في تفسير المفاهيم وتحليلها، ثم يطرح هذا السؤال المهم: لماذا يؤكد الشافعي على السنّة وشموليتها رغم اتخاذه لجانب الاعتدال؟, ويلتحق بهذا السؤال استفسار آخر وهو: لماذا هبّ الشافعي للدفاع عن عروبة القرآن، وتحديداً عن اللهجة والقراءة القرشيَّتين؟ وعمَّ يبحث الشافعي في لهجة قريش ليدافع عنها بهذه الصورة؟

ينقل الشافعي في كتاب “الأم”، بعض الروايات النبوية في فضل قريش، ولا يهمّه في هذا السياق أن ينقل روايات المراسيل والبلاغات (الروايات التي تبدأ بعبارة “بلغني”) ويستند عليها، رغم أنه يسقط الاعتبار عن مثل هذه الروايات إلاّ إن أيَّدتها روايات مسندة. توضح هذه الأسئلة الهدف الذي يتوخّاه الشافعي، وترشدنا في الوقت نفسه إلى المنطلقات الأيديولوجية لفكره التي سنبادر، في ما يأتي إلى توضيحها وتحليل عناصرها.

المنطلقات الإيديولوجية في فكر الشافعي

يبتدئ منهج هذا البحث من تحليل فكر الشافعي وتوضيحه ليبين من ثم منطلقاته السياسية والمعرفية، بعبارة ثانية: إننا اخترنا المنهج التحليلي الذي ينتقل من الفكر إلى الواقع، تلافياً للمنهج الميكانيكي الذي ينتقل من الواقع إلى الفكر. ومن الواضح أن فكر الشافعي لا يمكن فهمه إلاّ في السياق الفكري الذي كان سائداً عصره ومرحلته التي يمكن أن نطلق عليها اسم مرحلة المنازعات والإشكاليات الكبرى بين أهل الرأي وأهل الحديث والمعتزلة والأشاعرة، وكذلك النِّزاعات الطائفية بين العرب والإيرانيين التي تجلّت في بعض الحركات مثل الشعوبية وغيرها.

يمثِّل الكتاب والسنة والإجماع والقياس، في رأي الشافعي، الأركان الأربعة للأدلة الشرعية (أصول الفقه)، حيث تتوالى بنحو خاص، وتعتمد حجية كل منها على الآخر حتى تنتهي إلى الكتاب. كان هاجس الشافعي الأول أن يضفي الشرعية على “السنة” بوصفها مصدراً معتبراً، لذلك لم يكتف بتبيينها، وإنما وضعها في مصاف “الكتاب” وعدّها جزءاً أساسياً في بنائه الدلالي (ما سنوضحه لاحقاً). على هذا المنوال أسند حجية الإجماع إلى الكتاب (المتألف من الكتاب والسنة)، ثم أجرى الحكم نفسه على القياس والاجتهاد، وفي هذا سعى الشافعي إلى إدراج كل الأدلة الشرعية في دائرة النص لإبداع نظام من نوع خاص، ليصبح النص ليس دالاً على القرآن وحسب، وإنما يشمل السنة والإجماع والقياس (الاجتهاد). ولم يأت هذا النظام الذي أسسه الشافعي من فراغ ، إنما كان له منطلقه الأيديولوجي الذي سعى أبو زيد إلى توضيحه وإماطة اللثام عنه.

قسّم أبو زيد كتابه على أساس أدلّة التشريع الأربعة، وتطرق في القسم الأول منه إلى النصّ القرآني، وطرح في بداية الأمر سؤالاً عن السبب الذي حمل الشافعي للدفاع عن عروبة القرآن.

لم يطق الشافعي الرأي الذي يعتقد بوجود مصطلحات أعجمية دخيلة في القرآن، ويرى أن مفرداته عربية كلها، ويحكم تبعاً لذلك بسعة اللغة العربية وشموليتها، بحيث لا يمكن أن يحيط بها إلاّ الأنبياء(12). فإذا كانت العربية بهذه السِّعة اللامتناهية، فإنَّه من المشكل والمتعذر إذن فهم القرآن وتفسيره، سواء في مفرداته أم في تركيبه، لأنه يمثل نسخة مصغرة وشاملة عن اللغة العربية، ولا يمكن تبديل هذا المشكل إلى الممكن إلاّ عبر الاستعانة بالسنّة، فهي اللغة التفسيرية القادرة على تيسير عملية الفهم القرآني؛ وعليه لا تختزل مشروعية السنّة في كشف المعنى القرآني، وإنما تؤدي دوراً أساسياً في بناء دلالة النص.

يقرّ الشافعي، شأنه شأن أبي عبيدة قاسم بن سلام (224 هـ)، بأنَّ جذور بعض المصطلحات القرآنية أعجمية، بيد أنه يدعي أنها أصبحت جزءاً من منظومة المصطلحات العربية بعد أن دخلت في نطاقها، لكنه ينكر، في الوقت نفسه، وجود مصطلحات معربة في القرآن، ويدافع عن عربية القرآن ونقاء اللغة العربية. وأراد من وراء ذلك تحقيق هدف محدد، وهو انتقاء لهجة قريش من بين اللهجات العربية المختلفة. فمن المعروف أن القرنين الأولين شهدا نزاعاً مشهوراً بين الفقهاء وعلماء القرآن حول القراءات المختلفة وحجّيّتها، مصدره الرواية المعروفة الواردة عن النبي في أن القرآن نزل بسبعة أحرف، ما أدى إلى ظهور نحو أربعين تفسيراً مختلفاً لهذه العبارة(13)؛ فهل يقصد من هذه الأحرف القراءات أو اللهجات العربية المختلفة (مثل لهجة بني هوازن وثقيف وقريش وخزاعة )، أو أن هناك معاني أخرى لها؟، من الواضح أن تحديد العبارة بلهجة أو لهجات معينة كان يمكن أن يترك تأثيراً عميقاً على بلورة الثقافة الإسلامية، لأن ذلك من شأنه أن يفضي إلى إسقاط الاعتبار عن بقية القراءات. ورغم أن هذا النِّزاع بلغ نهايته المحتومة في عهد الشافعي، وتم اختيار قراءة عثمان القرشية (وعثمان قرشي) بوصفها اللهجة الرسمية المعتبرة، إلاّ أن الشافعي كان عارفاً بالتأثير الذي يمكن أن تؤدِّيه لغة الدين على المجتمع الإسلامي الذي كان في طور التكوين حينذاك، ولهذا دافع بضراوة عن عروبة القرآن، للدفاع في حقيقة الأمر عن لهجة قريش، لأنه كان يريد إثبات سيادة قريش وتفوّقها من جميع الجوانب حتى لو تمّ ذلك عبر تأويل لغة الدين.

الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة

اتسم رأي الشافعي في الخلافة وإحرازها بالتعصب، ولم يكتف بمواكبة جمهور أهل السنة بالقول: إن الخلافة تنحصر بقريش، بل رأى أنها تستحقها حتى لو حصلت عليها بالقوة والغلبة، ولا تتوقف صحتها على بيعة الأمة وإجماعها. كما أن الفتاوى الفقهية للشافعي لم تنأَ عن التعصب، فقد أفتى في كتاب الأم(14) بأن صحة الصلاة تتوقف على القراءة العربية الفصيحة، الأمر الذي أحرج المسلمين من غير العرب الذين ليست لهم القدرة على العربية الفصحى. ويمكن أن ندرك جوهر هذه الفتوى متى ما تم بحثها في سياقها التاريخي، لاسيما حينما تقاس بفتوى أبي حنيفة الفقيه الذي ينحدر من أصول إيرانية، فهو لم يشترط فيها فصاحة العربية لصحة الصلاة، بل أباح القراءة حتى باللغة الأعجمية لمن لا يتمكن من العربية مع كراهة. ورغم أن الاختلاف في الآراء بين الشافعي وأبي حنيفة يبدو للوهلة الأولى أنَّه سطحي ويتلخص في الفروع من دون الأصول إلاّ أن جذوره تمتد بعمق حتى يصل إلى المنطلقات الإيديولوجية لكل منهما، الأمر الذي أدى بهما إلى تفسير النص وتأويله كل حسب منطلقه المعرفي _ الإيديولوجي. بعبارة ثانية فإن الاختلاف بين الشافعي وأبي حنيفة يتركز على ماهية النصّ القرآني، وما إذا كان المراد منه معانيه، أم أنه يشمل على اللفظ أيضاً، وبخاصة اللهجة القرشية، ويشكّل جزءءاً منفصلاً عن تأثير ماهيته. وقد أثر هذا الاختلاف بشكل كبير على كيفية تفسير المفاهيم القرآنية (منهج الاستنباط).

مبدأ خطير في فكر الشافعي

أرسى الشافعي المبدأ الخطير والأساسي، وهو: “جامعية القرآن وشموليته” اعتماداً على تفسيره الخاص للغة، ما جعله نصاً قادراً على حلّ جميع المشكلات السابقة واللاحقة، وألقى هذا التصور بظلاله على كل التاريخ العقلي والفكر الديني، وجعل من العقل العربي عقلاً مطيعاً تابعاً تقتصر وظيفته على شرح النصّ وتفسيره، وكانت أولى نتائج هذا الفهم إلغاء العقل، ورغم أن الشافعي ليس هو من أبدع هذا المبدأ، فإنَّه أدّى دوراً رئيسياً في تثبيته وتركيزه، ما يمكن ملاحظته بوضوح في آرائه، وبخاصَّة في بحث الاستحسان والمصالح المرسلة.

يعتقد الشافعي بأنَّ شمولية النصّ القرآني منبثقة من عربيّته، هذه اللغة التي لا يمكن أن تحاط، من حيث سعتها، إلا من جانب الأنبياء. وجعل هذا التلازم بين شمولية “النص القرآني” وسعة “اللغة العربية” من تفسير هذا النصّ وفهمه أمراً متعذراً يتطلب الكثير من الجهد، ولا يتيّسر إلا للمفسّر المنحدر من أصول عربية، لأن الأعجمي لن يتوصّل إلى عمق الدلالة القرآنية مهما بذل من جهد ومشقة لفهم القرآن. على هذا الأساس شيّد الشافعي كل الأساليب البيانية القرآنية من النص والظاهر إلى الخاص والعام على فهم العرب له، ولم يرجع غموض دلالته ووضوحها إلى عناصر داخلية في النصّ، إنما ربط ذلك بعامل خارجي عن النص وهو أصل المتلقي، أو بكلمة أدق جنسيته وعنصره.

العربي القُح (أو العربي القرشي حسب الشافعي) لا يخلط أبداً بين العام الظاهر والعام في معناه الخاص، ويعلم حقّ المعرفة أنَّ المراد مثلاً من الناس في الآية 173 من سورة آل عمران: )الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ(، وكذلك في الآية 199 من سورة البقرة: )ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ(، ليس عامة الناس، بل يفهم من مدلولها أنَّها فئة خاصة من الناس(15)، لأن العرب أجازت مثل هذا الاستخدام (إرادة مدلول خاص من اللفظ العام)(16). كما أقام الألفاظ المترادفة أو المشتركة في مقام الدلالة على العربية وفهم العرب لها، واعتبر ذلك عاملاً مصيرياً وأساسياً في تعيين المدلول الحقيقي للكلام.

حاول الشافعي تثبيت وظائف السنّة بطرحه مسألة وجود الألفاظ العامة والخاصة في النصّ القرآني وكيفية دلالتها؛ وتبوّأت السنة عنده منزلة متقدمة ليست أقل من مكانة النصّ القرآني، وقال في توضيح هذا الأمر: إن اللفظ العام عنصر جوهري في تكوين اللغة العربية، لا نستطيع من دونه أن نتوصل إلى تعبير عن المفاهيم والتصورات الكلية في سياق ثقافي معين. ومع ذلك فإن اللفظ العام يخضع دائماً للتخصيص تحت تأثير عوامل داخلية وخارجية, ليتقابل العام والخاص ثنائياً بحيث يحتوي كل منهما إشارة إلى الآخر، ما أدى إلى أن يعدّ الشافعي، وخلافاً للأحناف، الدلالة العامة على العموم دلالة ظنية (غير قطعية) حتى إن كانت غير مخصّصة.

لإثبات هذا الرأي، استند الشافعي على قول ابن عباس: “ما من عام إلاّ وخُصّص”، وأوضح أن الاحتمال قوي في أن يكون لكل عام مخصص في مقام الدلالة، لأن من النادر أن نجد لفظاً عاماً من دون تخصيص، وهذا يعني أن الدلالة العامة ليست قطعية على العموم، وتنطوي على حكم المجمل الذي يحتاج إلى التبيين والتفسير لعدم وضوحه تلقائياً. وبناءً على هذا، فإن ألفاظ القرآن في غالبها عامة، وبالنتيجة فهي ظنية الدلالة وتحتاج إلى تخصيص لإخراج دلالتها من الإجمال وبلوغها المستوى القطعي، وهذه مسؤولية خطيرة تتبناها السنة التي تخصص الألفاظ العامة للنصّ القرآني في مقام الدلالة، لهذا فإن السنة ترقى إلى مرتبة النصّ القرآني لتصبح عنصراً لا ينفصم عن القرآن، بحيث تُعلّق الدلالة القرآنية وتدخل في حالة من غموض المعنى وإجماله من دون أخذها بنظر الاعتبار.

في مقابل الدلالة الظنية للعام، هناك “النص” و”المحكم”، فالأول هو التَّنزيل الذي لا يحتاج إلى التأويل، وأمّا الثاني فهو الكلام الذي يستلزم الشرح والتفصيل، ما توفِّره له السنة أيضاً التي تؤدّي وظيفتين مهمتين إزاء النصّ القرآني، إذ تكشف عن دلالة المحكم من جهة، وتخصص العام من جهة أخرى.

بلحاظ ما ذكرنا يمكن القول: إن القرآن يعتمد، في مقام الدلالة على السنة، من دون أن يتوفر على الاستقلالية من جهة، وتعدّ اللغة العربية من جهة أخرى مرجعاً لتفسير ألفاظه الغامضة وتبيينها. خلاصة القول: إنَّ النصّ القرآني يحتاج إلى السنة في “المحكم” و”العام الظاهر”، ويحتاج إلى اللغة العربية في “العام” المخصص وفي “الترادف” و”الاشتراك اللفظي” و”الاستعارة والكناية”. و”النصّ” هو الدال الوحيد القائم بذاته الذي لا يحتاج إلى “تأويل” أو “تفسير” ، لكنه نادر وقليل الوجود.

في بحث السنة _ وهو الأوسع في كتابه _ يركّز أبو زيد على العناصر التي تقوم بدور رئيسي في تأسيس السنة وإضفاء الشرعية عليها، ويراد من السنة، في معناها اللغوي، الطريق والعادة والمنهج، وقد استخدم القرآن هذا المصطلح بمعانٍ مختلفة(17).

لم يتبلور المعنى الاصطلاحي للسّنة في القرنين الأول والثاني، لهذا كان يراد منه المعنى اللغوي الذي يدلّ على سيرة النبي والسلف الصالح؛ ولكي تتجاوز السنة النبوية معناها اللغوي وتأخذ مداها الاصطلاحي وشرعيتها بوصفها مصدراً ثانياً في التشريع كانت الحاجة قائمة إلى توضيحها عقلياً وشرعياً؛ ولما كان تزوير الأحاديث ووضعها شائعاً وتلفيق الأكاذيب متداولاً في تلك المرحلة، فقد ذهب أهل الرأي إلى أن سلامة الشريعة تكمن في الاكتفاء بتعاليم الوحي القرآني، لاسيما أن معظم الصحابة كانوا يتجاهلون عملياً الروايات المتعارضة مع القرآن، من هنا جاء تأكيد الشافعي _ كما ذكرنا _ على دور السنة في تبيين مقاصد القرآن وشرحها، بل إنه سعى إلى وضع السنّة موضع القلب من النصّ القرآني، واعتبارها عنصراً بناءً في تكوين الدلالة القرآنية، بحيث أصبح النصّ القرآني رهين السنّة في مقام تفسير المفاهيم وبيانها، وفي إطار تخصيص العام وتفصيل المجمل (رغم أن السنّة تقتبس شرعيتها من الوحي القرآني). وقد صنّف الشافعي السنة إلى ثلاثة أقسام قياساً بالقرآن، فجعلها في القسمين الأوّلين في امتداد القرآن، وحدّد مسؤوليتها بشرح أحكام القرآن وبيانها فقط؛ ثم أضاف أن العلماء أجمعوا على وجود هذين القسمين؛ أما السنة في القسم الثالث فتتجاوز مرتبة الشرح والبيان إلى كونها مصدراً مستقلاً للتشريع، يرقى إلى مرتبة القرآن. وأصبح هذا القول مصدراً للخلاف بين أهل الرأي وأهل الحديث، فقد سعى الشافعي وأهل الحديث إلى توسيع نطاق الوحي استناداً على قوله تعالى: )وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى( [النجم، الآيتان 3و4]، واعتبار أقوال النبي وأفعاله وتقريره جزءاً من الوحي بعد إلغاء البعد البشري عنه. وفي المقابل ذهب أهل الرأي إلى أن السنة لا ترقى إلى مستوى الكتاب السماوي رغم مكانتها الرفيعة والخطيرة، فضلاً عن أن تقوم مقام الدلالة الحاكمة على القرآن. ليست السنة النبوية على هذا الأساس من جنس الوحي، و”الإلقاء في القلب” المذكور في بعض الروايات ليس دليلاً على وحيانية السنة، كما أن الاستناد على الآية )وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى( لا يثبت ما ذهبوا إليه، لأن الضمير “هو” لا يعود على الفعل “ينطق” إنما يعود على القرآن؛ ونزلت الآية في الردّ على مشركي مكة الذين كذبوا كون القرآن من الوحي(18).

أصبحت العلاقة بين القرآن والسنة (بوصفها مصدراً للتشريع وليس من حيث معناها اللغوي) من أكثر المباحث الكلامية _ الفقهية إثارة أواخر القرن الأول والقرن الثاني، وتكمن أهمية الشافعي في أنه استطاع أن يجد علاقة بين المعنى الاصطلاحي للوحي (ارتباط الوحي الذي يتمّ عبر الملائكة) ومعناه اللغوي (الإلهام) من خلال تأويل مصطلح “الحكمة” _ الذي يُذكر في القرآن إلى جانب الكتاب كما في الآية الثانية من سورة الجمعة _ بالسنة النبوية، وأن يجعل الاثنين في مرتبة واحدة؛ لينتهي هذا الاستنباط إلى القول بـ”وحيانية” السنة النبوية وبالنتيجة عدم خطئها؛ بمعنى أنه تجاهل البعد البشري في النبي ، وجعل جميع أقواله وأفعاله وتقريره فوق الزمن؛ وتبعاً لهذا أصبح شخص النبي كائناً متسامياً ميتافيزيقياً بعيداً عن ساحة الحياة المادية وإطار الزمان والمكان. لا شك في أن هذا النمط من الفهم للسنّة، وتأويل بعض الآيات القرآنية، مسبوق بخلفية أيديولوجيّة ينكشف بعضها في مقام المجادلة مع منكري حجية السنة. في هذا السياق يستند الشافعي على رواية عن النبي يقول فيها: “ما تركت شيئاً مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه وأن الروح الأمين قد ألقي في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها فأجملوا في الطلب”، ثم يضيف: إن جميع أوامر
النبي
ونواهيه لا تتم إلاّ من خلال الوحي، لأن هذا الوحي يتجلّى في صورتين:

الأولى: الوحي المتلو وهو القرآن، والثاني: الوحي غير المتلوّ وهو السنة النبوية التي ألقيت في روع النبي ؛ وهاتان الصورتان تتسمان بشرعية متساوية، وكلاهما ملزمتان للفرد المكلَّف: )وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً( [الأحزاب/36].

على هذا الأساس عدَّ الشافعي الكتاب والسنة بأنهما نصّاً واحداً، والنتيجة المنطقية لمثل هذا الرأي أن يحكم في باب نسخ أحكام الكتاب أو السنة، بجواز نسخ أحدهما من جانب الآخر، لكن الشافعي لم يفعل ذلك ولم يجعل الاثنين في مرتبة واحدة، وأفتى بعدم جواز نسخ الكتاب من قبل السنة، لأنه رأى أن
النبي
هو الوحيد الذي تلقى الوحي الإلهي وليس بوسعه أن يستبدله، مستنداً على الآية: )قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ( [يونس/15]، وقد غاب عنه أن الاستشهاد بهذه الآية ينفي جميع استدلالاته السابقة، ويكشف بوضوح أنَّ التشريع هو من قبل الله فقط، ولا يستطيع النبي أن يقوم بعملية التشريع بصورة مستقلة، ليصبح مستوى السنّة النبوية ليس بمستوى الكتاب، لأنها لو كانت كذلك لتطلب الأمر منطقياً أن يستويا في كل الأمور، ولا يمكن استثناء “النسخ” منها. بيد أن الشافعي يعود ويميز بين الكتاب والسنة من خلال إفتائه بعدم جواز نسخ الأول من جانب الثاني، ليرجع بالسنّة إلى الحدود البشرية بعد ما كان يعدها إلهية وأنها تمثل نوعاً آخراً من الوحي، ويختزل وظيفتها في تكرار ما جاء في كتاب الله وشرحه وتفسيره، هذا رغم أن الشافعي حاول تأويل هذه الآية حتى لا تتعارض مع أقواله السابقة، فيستند على قول بعض “أهل العلم” في أن القيد المذكور في الآية يبين أن النبي يستطيع أن يشرّع من عنده في الأمور التي لم ينزل فيها وحي أو نصّ.

حدود السُنّة

هنا يطرح السؤال المهم الآتي: ما هي السنة، وما هو مداها، وإلى أين تمتد حدودها؟ لا ريب في أن هذه المسألة شغلت أذهان المسلمين في القرنين الأولين كثيراً، بحيث أصبحت المصدر لكل النِّزاعات بين أهل الحديث وأهل الرأي. وعُرف عن الشافعي أنه أنهى هذا النِّزاع، واختار طريقاً وسطاً بين الاثنين يعتمد بنحوٍ متساوٍ على النقل والقياس العقلي، ولا شك في أن جذور هذا النِّزاع سبقت عصر الشافعي، وتعود إلى عصر الخلفاء الراشدين والأحداث التي أفضت إلى مقتل الخليفة الثالث. وقد دافع أهل الحديث عن شمولية النص وحاكميته، فيما دافع أهل الرأي عن العقل الذي تجلّى في مفاهيم مثل “المصالح المرسلة” و”الاستحسان” و”الاستصلاح”؛ وتبدّل هذا النِّزاع في عصر الشافعي _ الذي اشتهر في ما بعد بعصر تأسيس الحضارة والثقافة الإسلاميَّتين _ إلى تحدٍّ قوي بين المذاهب الفكرية المختلفة لاستقطاب العقل الجمعي للمسلمين. ولمّا كان هذا الأمر يعتمد على صياغة قواعد معينة تُصقل على أساسها الذاكرة الجماعية، فقد اشتد النِّزاع بين المذاهب الفكرية لاسيما بين أهل الحديث وأهل الرأي حول ما إذا كانت هذه القواعد تشكل على أساس مرجعية النقل أو النص أو مرجعية العقل؛ في الحالة الأولى يتحول العقل الجمعي إلى ذاكرة تحتوي مجموعة الكلام الموروث الذي يسترجع في الذاكرة من خلال تكراره، أما في الحالة الثانية فإن العقل الجمعي يتبدل إلى قوة فكرية ترتكز على البرهان والاستنباط.

سجال “العقل” و”النقل”

كان النِّزاع بين أهل الحديث وأهل الرأي يشتد أحياناً حتى يقذف كل منهما الآخر بأنواع التهم، وينقل في هذا الصدد أن الشعبي (ت 109هـ) أوصى تلاميذه بتجنب أتباع الهوى (العقل) في الردّ على الأسئلة التي توجّه إليهم، لأن الله تعالى قال: )أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ (، وكذلك تجنب القياس لئلا يحللوا حراماً أو يحرموا حلالاً.

إن الصراع بين أهل الرأي وأهل الحديث على حجية القياس هو في الواقع نزاع على حجية “العقل” مقابل “النقل”، وما إذا كان القياس يمكن أن يأخذ مكانته بوصفه مصدراً في التشريع بإزاء الأحاديث (النصوص الدينية القطعية أو الظنية)؟ لكي يتجنب أهل الحديث إقحام الرأي في الشرع صنّفوا روايات الآحاد التي تفتقر للقطعية من حيث الصدور ضمن الروايات المعتبرة، خلافاً لأهل الرأي الذين لم يهتموا بأخبار الآحاد، وقدموا عليها القياس حتى وإن كان ظني الدلالة، ذلك أن القياس يستند بشكل عام على القرائن والأحكام الإسلامية العامة التي اشتهرت في ما بعد باسم “المقاصد العامة للشريعة”.

ومثل أهل الحديث، أضفى الشافعي الاعتبار على الخبر الواحد، وألّف رسالة موسعة في إثبات حجيته، وقدّمه على القياس في مقام التعارض بينهما، وشبّه النصوص الدينية والقياس بالماء والتيمّم الذي لا يجوز بوجود الأول؛ يكشف هذا الأمر بوضوح عن الميول الشديدة للشافعي نحو مشرب أهل الحديث، رغم أنه اشتهر بتأسيس مذهب الاعتدال. إن إضفاء صفة الاعتبار على الخبر الواحد لدى الشافعي هو محاولة لتوسيع دائرة السنّة وتقليص تدخل الرأي (الاجتهاد) في التشريع ما أمكن إلى ذلك سبيلا. ولا يعني دفاع الشافعي عن حجية الأخبار أنها ترقى إلى مستوى الأخبار المتواترة, فلهذه الأخيرة دلالة قطعية ويقينية؛ أما حجية الخبر الواحد فقد اختلفت الآراء حولها، وقدَّم الشافعي الخبر الواحد _ كما ذكرنا _ على القياس، وجعله في مرتبة أدنى من الخبر المتواتر الذي أجمع على قطعيته الشافعي وكذلك الكثير من أهل الرأي، فيما شكك بعضهم في الروايات المتواترة أيضاً، وأسقطوا حجيتها عبر إسقاط حجية الخبر الواحد، أو أنهم أخذوا بها ولكن بكثير من الشك والتردُّد، لأن الأحاديث المتواترة ما هي إلاّ مجموعة من الروايات التي يعدّ كلاًّ منها خبراً واحداً، ومجرد اجتماعها أو تعدّد رواتها لا يقدم دليلاً على صحتها، لتصبح الأحاديث المتواترة بالنتيجة غير يقينية (لدينا الكثير من الروايات التي أبطلت رغم تواترها).

بعد ذلك، يدعو أبو زيد إلى دراسة ظاهرة “التواتر” من زواياها المختلفة؛ كيف يحصل التواتر، وما هو تأثيره من الناحية الاجتماعية على أفراد المجتمع؟ وما هو دور القوى السياسية في ذلك، وكيف يتم انتشاره وما هي الوسائل التي تستخدم في ذلك؟

وضع الشافعي الأحاديث المرسلة أيضاً في دائرة الاعتبار ليوسع من شمولية السنّة النبوية وجامعيتها.

“الإجماع” في فكر الشافعي

في القسم الثالث من الكتاب، يتناول أبو زيد بحث الإجماع ورأي الشافعي فيه، ويستنتج عدم توفّر هذا اللفظ على معنى واضح وصريح، لأن الشافعي يتوسّع في تحديد إطار السنّة إلى الحد الذي يدرج في هذا الإطار إجماع الصحابة أيضاً، بينما ساد الخلاف بين علماء عصره حتى لا يمكن العثور معه على دليل أو علامة مميزة لوجود الإجماع أو الادعاء بتحققه، لهذا يميز الشافعي في “الرسالة” بين التواتر (الإجماع في الرواية) والاجماع الفقهي؛ ومع ذلك فإنه يسعى إلى إرجاع الإجماع إلى السنة لإثبات حجيته، مع افتراض أن مضمون الإجماع لا يمكن أن يخالف السنة، لأن الأمة لا يمكن أن تجمع على شيء تعارضه السنّة أو لا تشير إليه بعلامة.

فالإجماع إذن يستند على نصّ ربما كان منطوقه خافياً على بعضهم، لكن مضمونه واضح للجميع. وقد أنكر الشافعي في حقيقة الأمر تاريخية الإجماع بإرجاعه إلى النص الديني الثابت والوحي، وتجاهل دور الوعي الجمعي للعلماء الذي أفرزه الجدل مع الحقائق الاجتماعية والتاريخية. ومهما يكن فإن الشافعي عدَّ الإجماع واجب الاتباع كالسنة المنقولة عن النبي ، مع فارق أن السنة تعتمد على النقل “المسموع”، أما الإجماع فإنها سنة غير مسموعة.

غير أن الشافعي أيقن، بعد أن ذهب إلى مصر وشاهد الاختلاف الكبير الذي يشقّ صفّ الأمة، أنَّ حجية الإجماع ليست إلاّ مفهوماً نظرياً ليس له أي تحقّق خارجي، وأن الإجماع في الأحكام ليس سوى مجرد ادعاء إذا استثنينا الفرائض منها، ولا وجود للحجية إلاّ في الكتاب والسنة؛ ومع ذلك فقد سعى إلى إضفاء صفة الحجية على الإجماع، لكي تكون ملزمة مثل السنة، رغم أنه حدّد أخيراً حجية الإجماع في نطاق السنة المتواترة.

يضع الشافعي في تصنيف وجوه العلم المتواترات في المرتبة الأولى، تليها النصوص التي يمكن تأويلها، ثم الإجماع في المرتبة الثالثة، ويعني اتفاق آراء المسلمين على حكم أو أمر ما شريطة أن يكون قد حصل الإجماع عليه أيضاً من قبل مسلمي الصدر الأول. فمثل هذا الإجماع يتسم بالحجية شأنه شأن السنة رغم أنه ليس من الكتاب ولا من السنة؛ لأن إجماع الصحابة كما نعلم لا يقوم على “الرأي”، فلو كان كذلك لما تحقّق الإجماع مطلقاً، ذلك أن “الرأي” يقود أساساً إلى الخلاف والفرقة.

القياس عند الشافعي

في القسم الأخير من كتابه، يناقش أبو زيد القياس من وجهة نظر الشافعي، ويرى أنه عمل اجتهادي لكشف الحكم الموجود في النصوص الدينية، رغم أن هذا الحكم بقي خافياً. يعتمد هذا التعريف على افتراض أساسي مسبق، وهو أن حكم أي حدث موجود في الكتاب مصداقاً لقوله تعالى: )تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ(، لكنه وجود مستور يحتاج إلى الاجتهاد لكشفه. فالاجتهاد على هذا الأساس هو عملية تحرٍّ لكشف هذا الحكم الموجود بالفعل لكنه مجهول.

وتقتصر مسؤولية المجتهد _ أو القياسي _ على البحث عن دلائل في الكتاب والسنة تكشف عن هذا الحكم الموجود. بناءً على ذلك، يتضمن الكتاب نوعين من الدلالة: مكشوف ومضمر، ويتوقف الانتقال من الدليل (العلامات الظاهرية الموجودة في الكتاب والسنة) إلى المدلول (الحكم الموجود المجهول) على العلم بالعلاقة بين الاثنين؛ ويعتقد الشافعي بأنَّ هذه الرابطة تتم في إطار القياس بطريقينهما: “المماثلة” و”المشابهة”.

للمماثلة أو التمثيل، مراتب ودرجات من حيث الوضوح والخفاء تنتقل من الشدة إلى الضعف، وأوضحها هي مرتبة “المماثلة القائمة على الكمّ”، مثال ذلك أن الله حرّم المرتبة الضعيفة من فعل معين، فيمكن عندئذ الحكم بأن المرتبة الأعلى منه هي حرام بطريق أولى، ولكن هناك من يرى أن هذا القسم ليس نوعاً من القياس من دون أن يتعرض لأي انتقاد من قبل الشافعي.

المرتبة الثانية (وهي دون الأولى) قياس “المشابهة”، وفيها يتم الكشف عن حكم لحدث معين يشابه حدثاً آخر منصوصاً عليه. ببيان آخر يمكن التوصل إلى تشابه العلة في كليهما من خلال الشبه بينهما.

نلفت هنا إلى ملاحظة مفادها أَّن الارتباط بين الدال والمدلول في جميع أنواع القياس يقوم على أساس نوع من التصنيف يبدأ من الأمر المشهور والشائع وينتهي إلى الأمر غير المشهور والنادر. ويذكّر هذا التصنيف بتقسيمات أهل البلاغة في باب التشبيه حينما يبدأون من الأمر الحسي وينتهون إلى الأمر العقلي، وترتبط قيمة التشبيه هنا بجهات الاختلاف والبعد أو تعقّد الصلة بين الأمرين، بمعنى أن التشبيه يكون أجمل كلما زادت جهات الاختلاف والبُعد والعلاقة المعقدة بينهما؛ لأن ذلك من شأنه أن يكشف عن مهارة الفنان في إدراك الارتباطات الدقيقة والمعقدة بين العناصر والأشياء والمفاهيم، هذه الارتباطات التي لا يستطيع الفنان إبداعها، إنما اكتشافها فقط.

يختزل الشافعي، شأنه شأن البلاغيين، عمل المجتهد أو (القياسي) بكشف الدلالة الخفية في النصوص الدينية، والتي تكشف عن علاقة الأمور المستحدثة بهذه النصوص، وتقدم الحلّ والحكم المناسب، من دون أن يتخطى إطار النصوص الدينية أو يبدع فيها؛ وفي غير ذلك يخرج قياس المجتهد عن الإطار الشرعي، ولا يمكن أن يسمَّى عندئذ دليله الاستنباطي قياساً، بل هو ضرب من الرأي. ومن الواضح أن وضع الشافعي هذا الشرط لصحة القياس يجعل الكثير من اجتهادات أهل الرأي الذين يقحمون العقل في مقام تعليل الحكم وصدوره خاطئة وغير مشروعة بنظره. يظهر من ذلك أن الشافعي لا يفكّر إلاّ في مرجعية النصوص الدينية وحاكميتها، ويحكم على أي اجتهاد بشري من قبيل الاستحسان بالبطلان، ويعدّه ضرباً من الميول النفسية، ومن أسباب النِّزاع والاختلاف بين الأمة، ولا شك في أن لهذه النظرة منطلقات أيدلوجية سبق أن أشرنا إليها، وهذا يقودنا إلى التشكيك في القول الشهير بأن الشافعي مؤسس طريقة الاعتدال، لأنه يحاول عبر إرجاع النصّ الثانوي إلى الأولي، توسعة النص الديني من جهة، ويسعى من جهة أخرى إلى إبطال أي اجتهاد عقلي بشري من خلال الإجماع والقياس، وهذا هو الفكر نفسه الذي سعى الأشعري من بعده إلى تنظيمه في إطار العقائد، ثم حاول الغزالي بعد قرنين تقديم تفسير فلسفي _ أخلاقي له في دائرة علم الأخلاق.

*    *     *

 

الهوامش

 


(*)باحث من إيران.

 


(1) على سبيل المثال، انظر انتقاد ابن مالك لسيبويه لأنَّه عدَّ الأعراب على خطأ في مسألة خاصة في النحو، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام الانصاري، ج. 2، ص.621.

(2)  انظر، على سبيل المثال: الكتاب لسيبويه، والمقتضب للمبرد، والخصائص لابن جنّي.

(3) مثال ذلك ما أورده ابن هشام الأنصاري لاسيما في كتاب “شذور الذهب في معرفة كلام العرب”.

(4) الأحكام في أصول الأحكام، ابن حزم الأندلسي، ج. 4، ص. 36.

(5) البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، ج. 1، ص. 163.

(6) أنظر: أدب الكاتب لابن قتيبة، ص. 62.

(7) على عتبة القرآن، رجى بلاشر، ص127؛ انظر كذلك: الشواهد والاستشهاد في النحو، عبد الجبار علوان؛ مطبعة الزهراء، بغداد 1976، حيث يقدم مادة مفيدة في هذا المجال.

(8) واژه هاى دخيل در قرآن مجيد(المصطلحات الدخيلة في القرآن المجيد(، مقدمة فريدون بدره اى، ص. 15 و16، نقلاً عن كتاب مباحث في فقه اللغة وعلوم العربية لرمضان عبد التواب، طهران 1367، ص. 92_ 96.

(9)المصدر نفسه، ص. 62.

(10) للمزيد من التفصيل، يمكن مراجعة المصادر المهمة الآتية: الرواية والاستشهاد باللغة؛ دراسة لقضايا الرواية في ضوء علم اللغة والحديث، محمد عيد، عالم الكتب، القاهرة، 1976؛ تكوين العقل العربي، محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1994، ص. 75_ 96.

(11) للمزيد من المعلومات عن أحوال الشافعي راجع: مناقب الشافعي، أبو بكر أحمد بن حسين البيهقي، تحقيق أحمد الصقر، مكتبة دار التراث، القاهرة، 197. عن أفكاره وآراؤه راجع: الشافعي، حياته وآرائه، محمد أبو زهرة، مطبعة العلوم، القاهرة، 1945.

(12) الرسالة، ص. 42.
(13) راجع: لسان العرب ج. 10، ص. 385.
(14) باب الصلاة، ج. 1، ص. 94.
(15) الرسالة، ص. 59.
(16) المصدر نفسه، ص. 61.
(17) الأنفال/38، والإسراء/77.
(18) تفسير الطبري، ج. 27، ص. 25.

 

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً