مناهج الاجتهاد المعاصرة وتأثيرها على دراسة قضايا المرأة

22 سبتمبر 2019
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
161 زيارة

مناهج الاجتهاد المعاصرة وتأثيرها على دراسة قضايا المرأة

حيدر حبّ الله([1])

تحرير وتنظيم: الشيخ سعيد نورا

مقدّمة

سوف نحاول هنا أن ندرس تأثير بعض الاختلافات المنهجيّة في طرائق الاجتهاد المعاصرة على دراسة قضايا المرأة، من هنا سنتعرّف ـ من جهةٍ أولى وباختصارٍ شديد ـ على تنوّع مناهج الاجتهاد القائمة اليوم بين العلماء والمفكّرين والباحثين في قضايا الشريعة الإسلاميّة، كما سنستكشف ـ من جهةٍ أخرى ـ تأثيرات هذه الاختلافات المنهجيّة على الموضوعات القانونيّة والحقوقيّة والفقهيّة، وعلى رأسها قضايا المرأة.

أنواع المطالعات الفقهيّة

ثمّة ثلاثة أنواع من المعالجات الفقهيّة، نستطيع اعتبارها ثلاثة أشكال للفقه نفسه:

  • فقه المسألة: وهو الفقه الذي يدرس القضايا الفقهيّة مسألةً مسألة، بدءاً من كتاب «الطهارة» إلى كتاب «الديات».
  • فقه القاعدة: وهو دراسة القواعد الفقهيّة. والقاعدة الفقهيّة عبارة عن مبدأ معيّن له تطبيقات في أكثر من مكان، مثل قاعدة «الأمين لا يضمن»، فكلّ شخص يكون أميناً نضع عنده مالاً فهو لا يضمن إلا إذا قصّر، سواء كان ذلك عبر المضاربة أو الإجارة أو المساقاة والمزارعة، وكذلك مثل قاعدة «الفراغ» وهي الحكم بالصحّة بعد الفراغ من العمل، والتي تطبّق في مواضع عدّة من الفقه مثل الطهارة والصلاة وغيرهما.
  • فقه النظريّة: وهو تكوين رؤية منظوميّة متناسقة لملفّ كبير يمكنه إدارة قضيّة لها امتدادات متنوّعة في الحياة الإنسانيّة.

وهناك أنواع أخرى لا نحتاج إليها الآن.

أ ـ فقه المسألة

وهو الفقه الذي يدرس القضايا الفقهيّة مسألةً مسألةً، فيأتي إلى مسألة في كتاب الطهارة مثلاً، ثمّ يقوم بدراستها ليستعرض آراء الفقهاء فيها ويدرس اختلافاتهم، وليعرف ما هي الأدلّة وما هي المناقشات، على الطريقة السائدة في الدراسات الفقهيّة. فالفقيه يذهب خلف المسائل مسألةً تلو مسألة، مثل الكتب الفقهيّة في تراثنا عموماً، غاية ما في الأمر أنّه يقوم بوضع مجموعة مسائل ضمن أبواب فقهيّة متنوّعة مثل «باب الطهارة» أو «باب الديات».

والكتب التي صيغت على هذه الطريقة كثيرةٌ جداً، منها مختلف الشروح أو البحوث التي دارت على كتاب >شرائع الإسلام< أو >المختصر النافع< أو >العروة الوثقى< أو >منهاج الصالحين< أو >تحرير الوسيلة<..

إنّ خاصية هذا النوع من الاجتهاد هو التمركز على مسألة محدّدة، فكأنّ الفقيه يدخل إلى المدينة من شوارعها وزواريبها ويدرسها عن كثب، فعندما يعالج مسألة «أ» فهو يركّز كلّ عقله وتفكيره في هذه المسألة، وعندما يعالج المسألة «ب» يكون الأمر كذلك. نعم يمكن أن تكون ثمّة علاقة بين مسألتين أحياناً، فيضطرّ أن يأتي بشيءٍ من المسألة «ب» ليعينه في حلّ المسألة «أ» وهكذا، لكن بالإجمال العام الفقيه كعالم الكيمياء في مختبراته، يدرس مسألة محدّدة فقهيّة بمجهره الفقهيّ، ثمّ يكبّر هذا الجزء ويحلّله، وقد يرى بعض الخيوط التي تربط هذا الجزء الصغير بمسائل أخرى موجودة في الفقه، لكن مصبّ نظره هو على المسألة فقط.

ب ـ فقه القاعدة

نصعد قليلاً تجاهَ الأعلى لنجد أنّ الفقيه يجتهد في قواعد نعثر لها على تطبيقات في الأبواب الفقهيّة المتعدّدة، فالفقيه عندما يدرس القاعدة كأنّه يرتفع قليلاً في الفضاء، وينظر إلى قاعدة معيّنة حاضرة في عشرات المسائل الفقهيّة المختلفة في الأبواب الفقهيّة. ففيما يمشي فقيه «المسألة» في الطرقات والأزقّة، فيرى الأمور عن قُرب أكثر، يرتفع فقيه >القاعدة» قليلاً، ليرى خارطةً أوسع نسبيّاً، فهو يبحث عن قواعد لها تأثيرات في الأبواب الفقهيّة المختلفة.

وعلى سبيل المثال، يبحث عن قاعدة «حجيّة خبر الواحد في الموضوعات»، ليعرف هل إخبار شخصٍ عادل أو ثقة عن الموضوعات الخارجيّة الجزئيّة حجّة أو لا؟ وهذا موضوع يُطبّق في أكثر الأبواب الفقهيّة؛ إذ يمكن أن يكون هذا الخبر في باب «الطهارة» أو «القضاء» أو «المعاملات»..، فكأنّه يرى كلّ الأبواب مربوطة بهذه القاعدة، وكأنّما هناك خيوطٌ تمتدّ من القاعدة إلى مختلف الأبواب الفقهيّة.

إذن، هذه رؤيّة أكثر شموليّةً من الرؤية الأولى، حيث يركّز الفقيه في الرؤية الأولى على مسألة محدّدة، أمّا هنا فيذهب إلى الأعلى قليلاً وينظر إلى المسائل بروحيّة أشمل.

ج ـ فقه النظريّة

بعد أن دخل العالم رحاب القرن العشرين، وهو قرن تحدّي العلوم الإنسانيّة ـ إن صحّ التعبير ـ شعر الفقيه المسلم بضرورة عرض رؤية الإسلام عن قضايا العلوم الإنسانيّة، خاصّة على أساس الرؤية السائدة من الشموليّة التفصيلية للشريعة، فهو يقول: ما من واقعة إلا ولها حكم، ومن أهمّ هذه الوقائع، القضايا الإنسانيّة التي أخذت حيزاً كبيراً من اهتمام العلماء في العالم، فالفقيه المسلم المقتنع بهذه الفكرة لا يستطيع أن يقبل بتوجيهات العلوم الإنسانيّة غير الإسلاميّة. وهذه العلوم الإنسانيّة لم تعد ـ بعد هذا التطوّر الكبير فيها ـ مجرّد قضايا محدودة متناثرة، بل أصبحت نظريّات عملاقة، الأمر الذي اضطرّ الفقيه المنافِس لهذه النظريّات حسب رؤيته الشموليّة للدين، أن يبحث عن هذه النظريّات في الفقه، فنشأ عنده «فقه النظريّة» الذي ساهم فيه بشكل أساس أمثال السيد محمّد باقر الصدر.

لا تعارض هذه الطريقةُ في التعامل مع القضايا الفقهية، الطريقةَ الأولى أو الثانيّة، بل قد تستعين بهما على أساس بعض النظريّات في «فقه النظريّة» كنظريّة السيد الصدر نفسه، حيث كثيراً ما ينطلق في رؤيته هذه من دراسة المسائل الفقهية الجزئيّة، ليكوّن منها في نهاية المطاف نظريّةً فقهيّة منسجمة في موضوع معيّن.

لا يأخذ الفقيه في هذه الطريقة مسألةً واحدة ليدرسها، وكذلك لا يأخذ قاعدةً واحدة ليقوم برصد تأثيرات هذه القاعدة في الأبواب المختلفة، بل يأخذ موضوعاً عاماً مثل «الاقتصاد الإسلامي» أو «فقه المرأة» أو «فقه العقوبات»، ثمّ يقوم بدراسة الموضوع، لا على شكل مسألة مسألة كما كان يعمل الفقيه في المرحلة الأولى، بل بوصفه عناصر كليّة عامّة تشكّل هيكلاً عظمياً كاملاً للجسم، فهو لا يبحث في إصبعه أو يده أو كتفه، وإنّما يبحث في الجسم بأجمعه، فيقول مثلاً: إنّ الإسلام تحدّث عن الاقتصاد، ووضع بنية تحتيّة تتشكّل من خمسين مبدأ، ثمّ وضع بنية فوقيّة تتشكّل من مبادئ معيّنة، ثمّ وضع آليات للوصول إلى الغايات والأهداف المنشودة في مجال الاقتصاد، ثمّ كانت للآليات هذه نتائج، والنتائج هي عبارة عن كذا كذا. فهنا يرسم الفقيه خارطة كاملة تتضمّن:

  • المبادئ التصوريّة والتصديقيّة.
  • البنيات التحتيّة للموضوع.
  • البنيات الفوقيّة.
  • التأثيرات والارتباطات بين هذه النظريّة والنظريّات الأخرى.

فكأنّ الفقيه يجلس هنا في الطائرة لينظر إلى المدينة من الأعلى، ويرى كلّ الشوارع الرئيسة والضيّقة، بل ليرى الخارطة بشكلٍ أوضح ممّا لو كان داخل أحد الشوارع، فربّما لو كان داخل أحد الشوارع كان يرى الأمور أوضح؛ لأنّه قريب منها في فقه المسألة، لكن عندما يرتفع يرى أشياء لا يمكن لفقيه المسألة أن يراها؛ لأنّه صار يرى الأشياء من الأعلى ويستطيع أن يربط الخيوط ببعضها ليشكّل منها جسماً كاملاً وصورة مستوعبة، فيقدّم لنا نظريّة منسجمة عن موضوع أو ملفّ معيّن. فالفقيه هنا يملك رؤية استراتيجيّة شاملة تتعلّق بقضيّة جوهريّة في الحياة. هذا توضيح مختصر لما يسمّونه عادة بـ «فقه النظريّة».

لا نريد هنا أن نبحث في مسألة فقهيّة، ولا نريد أن نعالج قاعدة فقهيّة، وإنّما نتحدّث عن فقه المرأة، وهو جزءٌ من النظريّة العامّة المتعلّقة بالاجتماع والسياسة والاقتصاد و..

بناءً على ما تقدّم، فإنّ البحث عن فقه المرأة ـ بالدرجة الأولى ـ بحثٌ عن «فقه النظريّة»، أي عن الرؤية المتكاملة والمتناسقة مع بعضها بعضاً للشريعة الإسلاميّة تجاه المرأة وقضاياها، لترسم لنا شبكة كاملة مكتملة عن هذا الموضوع وتأثيراته وتأثّراته.

وهذا ما يفرض التفكير بعقليّة «فقه النظريّة»، لا بعقليّة «فقه المسألة» فقط، أو «فقه القاعدة الفقهيّة» فقط، الأمر الذي يفرض علينا التفكير برؤية أكثر بُعداً وشموليّةً واستيعاباً.

من هنا، سوف نرصد الاتجاهات المختلفة عند الفقهاء والعلماء والمفكّرين ـ خاصّة في الفترة الأخيرة ـ في معالجة «فقه النظريّة» عموماً على مستوى مناهج المعرفة واستنباط الأحكام ونحاول رصد تأثيراتها على مستوى «فقه المرأة»، وسنرى أنّ اختلافهم في المنهج أدّى إلى عشرات الاختلافات في قضايا المرأة؛ لأنّ المنهج يؤثّر على كثيرٍ من المصاديق والتطبيقات.

وسوف ندرس هذا الموضوع من زاويتين:

أ ـ الاتجاهات المختلفة في آليّات تكوين النظرية الفقهيّة عموماً.

ب ـ اختلاف مناهج الاجتهاد من حيث مصادر الشريعة الإسلاميّة.

أوّلاً: الاختلاف في آليّات تكوين النظريّة الفقهيّة

كيف تأثّر «فقهُ المرأة» بالاختلاف المنهجي الاجتهادي بين الفقهاء في فقه النظريّة عموماً؟

ثمّة اتجاهان أساسيّان في فقه النظريّة:

  • اتجاه الصعود من الأسفل إلى الأعلى: وهو الاتجاه الذي يمثّله السيد محمّد باقر الصدر.
  • اتجاه النزول من الأعلى إلى الأسفل: ومن أبرز ممثّليه الشيخ محمّد مهدي شمس الدين.

أ ـ الاتجاه الصعودي (من فقه المسألة نحو فقه النظريّة)

يرى السيد الصدر أنّ الفقيه إذا أراد أن يكوّن نظريّةً فقهية مثل «فقه المرأة»، عليه أن يدرس ـ بدايةً ـ المسائل الجزئيّة، بمعنى أن يكون الفقيهُ «فقيهَ مسألة»، فيجمع كلّ الفتاوى والمسائل الفقهيّة المتعلّقة بهذا الموضوع من أوّل كتاب «الاجتهاد والتقليد» إلى آخر كتاب «الديات» عند الفقهاء، ثمّ ينظمها على شكل جداول متناسقة ليقوم ببحثها واحدةً واحدةً.

وهذا يعني أنّ على الفقيه في البداية أن يشتغل على طريقة الفقه التجزيئي، وبعد أن يجتهد في خمسين مسألة فقهيّة أو ستين أو..، ويخرج بنتائج على الطريقة الفقهيّة السائدة، يأخذ هذه النتائج ليقوم بالتنسيق بينها فيرسم بها خارطةً شاملةً، وهذه الخارطة تساوي نظريّة الإسلام حول المرأة، فقيمة فقه النظرية تكمن هنا في وعي عمليات التناسق وكيفيّة وضع الأحكام في موضعها بطريقة يمكن تصوّر صورة كلية منها لها صلة بالمنطلق والغاية، بدل بقائها مبعثرة.

هذا هو الذي فعله السيد الصدر في كتابه «اقتصادنا» ويمكن تطبيقه هنا في قضايا فقه المرأة.

لكن تظهر أمامنا هنا مشكلة حقيقيّة انتبه لها الصدر نفسه، وهي عدم انسجام النتائج الفقهيّة هذه مع بعضها أحياناً، فالفقيه عندما يجتهد لا تتكوّن عنده صورة متناسقة، فهو يشبه رسّاماً يضع أجزاء الصورة الفسيفسائيّة إلى جانب بعضها بعضاً ليرسم لنا خارطة منسجمة عن رؤية الشريعة تجاه موضوع معيّن، وعلى سبيل المثال عندما يدرس «فقه الاقتصاد» يصل إلى أنّ الإسلام يحترم الملكيّة الخاصة، نجده يرى بعض الفتاوى والاجتهادات في الأبواب الفقهيّة مثل كتاب إحياء الموات وفقه الأراضي أو كتاب الحدود و..، توصلنا إلى عكس حقّ الملكيّة الخاصّة.

عندما يجتهد الفقيه على طريقة >فقه المسألة<، ثمّ يضع أجزاء الفسيفساء هذه على الحائط، فقد يواجه عدم تناسق بعض القطع الصغيرة مع القطع المحيطة بها أو يلاحظ قطعاً فارغة يحتاج أن يملأها بطريقة أو بأخرى، بينما يعتبر الانسجام والتكامل من مقوّمات «النظريّة»، إذ أبسط شروط النظريّة أن تكون حاوية على تناسق بين أضلاعها وأجزائها، وإلا فلا تسمّى «نظريّة».

وهذا يعني أنّ أوّل إشكاليّة يواجهها الاتجاه الأوّل في فقه النظريّة، هي المفارقات والتناقضات الداخليّة الآتية من المحصّلة النهائيّة لاجتهادات فقيه المسائل الجزئيّة، فالفقيه هنا يقف أمام النتائج هذه لتكوّن صورة كاملة ومنسجمة عن الموضوع، لكنّه قد يواجه أجزاءً غير متناسقة، الأمر الذي يعيق الوصول إلى نظريّة متكاملة.

عندما أراد الصدر نفسه أن يكوّن نظريّة شاملة في الاقتصاد الإسلامي، اصطدم بهذه المشكلة، حيث رأى أنّ بعض اجتهاداته أوصلته إلى ما لا يتناسب مع اكتمال أجزاء النظريّة المتناسقة، والفقيه محكوم للأدلّة والعمليّة الاجتهاديّة، فلا يستطيع أن يخالف هذه النتائج التي وصل إليها، والفقه ـ كما يقولون ـ قائمٌ على تفريق المؤتلفات وتأليف المفترقات، أي ثمّة أشياء تبدو غير منسجمة مع بعضها، لكنّ الفقيه لا حيلة لديه؛ لأنّه متعبّدٌ بالأدلّة من باب التسليم لله ورسوله‘، وإن أدّت هذه الأدلّة إلى هذه النتائج غير المتناسبة بظاهرها، لهذا نجد في الفتاوى كثيراً من هذه الأمور، والتي منها على سبيل المثال:

  • قد يكون اللحم حراماً لكن مَرَقه يكون حلالاً.
  • إنّ دية قطع أربعة أصابع للمرأة أقلّ من قطع ثلاثة أصابع.

وغير ذلك من الأمور التي تبدو متلازمة، لكنّ الفقيه يميّز بينها في النتيجة؛ لأنّ الدليل قاده إلى ذلك، وليس أمامه من سبيل مادام متعبّداً بالنصّ، وبهذا يقول: لقد استطعت أن أبني ثمانين بالمئة من النظريّة مثلاً، لكنّني عاجز عن اكتشاف كلّ زوايا الواقع التشريعي؛ لأنّ معلوماتي محدودة، وهذا أمر فرضه علينا الزمن، فكلّ ما نستطيع أن نصل إليه هو هذه النظريّة التي فيها بعض الثغرات.

أمّا السيد الصدر ، فقد طرح ـ فيما طرح ـ حلّاً لمعالجة هذه الأزمة بردم الثغرات الموجودة في النظريّة المبتلاة بالثغرات من خلال الإتيان بالاجتهادات الفقهيّة للآخرين سواء كانوا أحياء أم أمواتاً، والمتناسبة مع اكتمال الصورة باعتبار أنّها اجتهادات مشروعة فيضعها لإكمال الصورة.

من هنا، فالطريقة الأولى لاكتشاف فقه النظريّة، ومنه فقه المرأة، هو أن نذهب إلى المسائل الجزئيّة فنجمعها، وندرسها واحدةً واحدةً، ثمّ نقوم بترتيب النتائج على شكل أحجار صغيرة، وهذا يحتاج إلى جهد وعناء لنستخرج منها النظريّة الإسلاميّة المتكاملة في موضوع معيّن مثل قضايا المرأة.

ولهذا عبّرنا عن هذا الاتجاه باتجاه «الصعود من الأدنى إلى الأعلى»؛ لأنّه يبدأ من فقه المسألة التي تمثّل الدراسة التجزيئيّة والبنيّةَ التحتيّة ليبني الطابقَ العلوي الذي هو فقه النظريّة على ما اجتهد عليه في فقه المسألة، وهذا كلّه مبنيّ على الأصول الاجتهاديّة السائدة.

هذه هي الطريقة الأولى لدراسة فقه النظريّة عند جماعة من العلماء والمفكّرين في القرن الأخير.

ب ـ الاتجاه النزولي (من الدستور إلى القوانين)

تقع هذه الطريقة على عكس الطريقة الأولى تماماً، وهي تقول: نحن نبدأ من الأعلى إلى الأسفل، وهو كلام ربما يبدو للوهلة الأولى غير مفهوم.

إذا أردنا أن نكتشف رؤية متكاملة للإسلام في ملفّ معيّن مثل ملفّ المرأة، فيجب علينا أن نميّز الأدلّة والنصوص، فنقسّمها إلى قسمين:

أ ـ النصوص الحاكمة، ونسمّيها الأدلّة التشريعيّة العليا.

ب ـ النصوص المحكومة والتفصيلية، ونسمّيها الأدلّة التشريعيّة الدنيا.

هنا، يُفترض بالفقيه الذي يتجه لتكوين فقه نظريّة حول المرأة أو غيرها، أن يتّبع هذا السبيل؛ لأنّه هو الذي يسمح له بتكوين نظريّة متناسقة، ويتفادى المشاكل القائمة.

ومن أمثلة النصوص الحاكمة:

1 ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والْإِحْسَانِ..﴾ (النحل: 90)، فهذا النصّ حاكم؛ لأنّه في كليّة مضمونه غير قابل للنسخ أو التخصيص أو الاستثناء؛ إذ لا يمكن أن يأمر الله بغير العدل والاحسان؛ لأنّه أمرٌ بالظلم، والظلم أو الدعوة للظلم مما لا يصدر من الله سبحانه وتعالى، وبهذا يملك هذا النص قدرة التأثير على النصوص الأخرى، دون أن تؤثّر هي فيه.

2 ـ قوله سبحانه: ﴿..ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ..﴾ (البقرة: 228)، فهذه الآیة الشريفة تؤسّس لقاعدة عامّة في العلاقات الزوجيّة تمثّل مبدءاً قانونياً يستطيع أن يديرالمسائل المتعلّقة بالحياة الزوجيّة.

3 ـ قوله عزّ من قائل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِ..(النساء: 34)، حيث يمثّل قاعدةً عامّة بإمكانها إدارة النصوص الأخرى، فتکون من المبادئ التشريعيّة العليا.

تكمن خاصيّة هذه النصوص في كلّيّتها وفي الوقت نفسه قدرة تأثيرها في النصوص الأخرى، بينما لا تستطيع النصوص الأخرى أن تؤثّر فيها تضييقاً أو تخصيصاً، فهي نصوص تمثل في الحقيقة الدستور العام لقوانين الإسلام، فكما أنّ القوانين التي يسنّها البرلمان محكومة لنصوص الدستور وتكون تحت سطوتها، بحيث لا يستطيع البرلمان أن يواجه الدستور أو يسنّ قانوناً يخالف نصوصه أو روحه، كذلك الأمر هنا.

هذا بالضبط ما ينبغي أن نفعله للخروج بنظريّة متكاملة في الشريعة الإسلاميّة، فيجب أن نميّز بين النصوص الدستوريّة والنصوص القانونيّة التفصيليّة، فلا نتعامل مع نصوص الكتاب والسنّة على وتيرة واحدة.

هذه نقطة مهمّة جداً ـ من وجهة نظرهم ـ حيث تغيّر منهجَ فقه النظريّة ونتائجه، فتبدأ عمليّة الاجتهاد من النصوص العليا التي لها قدرة الهيمنة على النصوص التفصيليّة الجزئيّة، لا أن نبدأ بمسألة فقهيّة جزئيّة ونخصّص بها القواعد العليا في الشريعة.

وعلى سبيل المثال، إذا جاءتنا روايةٌ فيها دلالة على أمرٍ في علاقة الرجل بالمرأة، وهي واضحة في أنّها تنافي العدل والإحسان، نضع علامة استفهام على تلك الرواية؛ لأنّها تنافي مبدءاً تشريعياً أعلائياً غير قابلٍ للهدم.

إنّ ميزة هذه الطريقة ـ من وجهة نظر أصحابها ـ أنّها لا تبتلي بمشاكل الطريقة الأولى؛ لأنّ الباحث في الطريقة الأولى يجتهد في المسائل الجزئيّة ثمّ يريد أن يرسم منها صورة كاملة، وهنا قد يواجه ثغراتٍ لا يمكن تفاديها؛ لكنّ هذه الطريقة لن يواجه الباحث فيها أيّ ثغرة؛ لأنّ أيّ فكرة تنافي النصوص الحاكمة يمكن لهذه النصوص أن تردمها وتحيّدها جانباً، ممّا يؤمّن لهذه النظريّة حينئذٍ خاصية الانسجام والتكامل.

فإذا جاءنا في كتاب النكاح أو الطلاق أو.. أيّ نصّ ينافي النصوص التشريعيّة العليا فنحن نقوم بإلغائه، فهذه النصوص مثل >المحدلة< تلغي أيّ عنصرٍ شاذ أو نافرٍ أمامها وتسوّي الطريق بشكلٍ صحيح.

لكنّ قد يُتساءل هنا: إنّ النصوص الجزئيّة التي قد تبدو متنافرة مع النصوص العليا هذه، قد تكون آياتٍ قرآنيّة أو روايات صحيحة معتبرة لها أسانيدها ومصادرها الموثوقة، فبأيّ وجهٍ نستطيع أن نتخلّى عنها لمجرّد أنّها تنافي عموم آيةٍ قرآنيّة، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والْإِحْسَانِ ..﴾ (النحل: 90)؟! وما هو المبرّر العلمي والاجتهادي لهذا الإلغاء؟! أليس هذا من الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه الآخر؟! أليس هذا انتقاءً لبعض النصوص وتركاً لنصوصٍ أخرى؛ لأنها لم تنسجم مع الصورة التي يريد الباحث أن يرسمها؟!

يجيب هؤلاء على هذا التساؤل من خلال قراءتهم الخاصّة للنصوص التشريعيّة، فإنّ النصوص عندهم تنقسم إلى قسمين: نصوص إلهيّة تبليغيّة، ونصوص تدبيريّة مرحليّة؛ حيث إنّ النبي‘ والأئمّة^ كانوا يعيشون قرابة ثلاثمئة سنة بين الناس، في ظلّ متغيّرات الحياة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، فلا نستطيع أن نتعامل معهم كمراجع إفتاء فقط، فلم تكن وظيفتهم منحصرةً في الشأن التبليغي، بل كانت لديهم وظائف اُخَر، كهداية الأفراد والمجتمع وإدارة شؤونهم، ممّا يلزم صدور أحكام ونصوص منهم لا تمتّ لتبليغ الأحكام الإلهيّة بصلة، الأمر الذي يفرض علينا أن نفصّل بين هذه النصوص التي وصلتنا، فننظر إليها على أنّها:

نصوص أخبروا فيها عن حكم الله تبارك وتعالى، وهي تحمل أحكاماً ثابتة إلى يوم القيامة عادةً.

ونصوص صدرت عنهم بوصفهم ولاةَ الأمر، فسنّوا أحكاماً تدبيريّة لإدارة مرحلتهم بصفتهم الحاكم الحقيقي للمسلمين.

هذا يعني أنّ الأحاديث والنصوص التي بين أيدينا اليوم تقع على نوعين: نصوصٌ لها طابع الخلود في مضمونها، واُخرى لها طابع المرحليّة. ونصوص أدلّة التشريع العليا نصوصٌ خالدة، بينما النصوص التي تبدو عليها منافرة هذه النصوص العليا تُعتبر مرحليّةً زمنيّة، فلا إشكال في تقدّم هذه النصوص الدستوريّة على تلك النصوص التفصيليّة، بل هذه المنافرة بنفسها قرينة على أنّها نصوص تاريخيّة زمنيّة، وبهذا يتمّ حلّ المشكلة القائمة.

إنّ الأغلبيّة الساحقة من الآيات القرآنية إن لم يكن كلّها هي نصوص خالدة عند هؤلاء، فلا نستطيع أن نتصرّف فيها، أمّا الأحاديث المرويّة عن النبي‘ وأهل بيته^، فهي على نوعين: نصوص خالدة تحكي عن الأحكام الإلهيّة الثابتة، ونصوص مرحليّة يسنّ فيها النبيّ‘ أو الإمام× حكماً لمرحلة زمنيّة معينة، وهو ما يسمّيه بعض الفقهاء ـ مثل الشيخ المنتظري ـ بـ«الأحكام الموسميّة»، وبعضهم الآخر ـ مثل الشيخ شمس الدين ـ يعبّر عنه بـ«الأحكام التدبيريّة»، وبعضٌ ثالث يستخدم تعبير «الأحكام التاريخيّة».

إنّ مختلف الفقهاء المسلمين يتفقون على أصل وجود هذا النوع من الأحكام (التدبيريّة)، لكنّهم يختلفون في مدياته سعةً وضيقاً.

ونشير هنا إلى نصوص تحريم الحمُر الأهليّة، حيث حرّم النبي‘ لحمَها، وتصوّر بعضٌ أنّ هذا التحريم إلهيّ تأبيدي فأفتى بحرمتها، لكنّ الأئمّة^ كشفوا عن سرّ هذه الحرمة، وبيّنوا وجهها، حيث وصلتنا روايات صحيحة عنهم ذكروا فيها أنّ النبي‘ حرّمها نتيجةَ ظرف استثنائي بصفته وليّ الأمر؛ وإليك بعض هذه النصوص:

1 ـ ما نقله الكليني بسنده([2]) إلى محمّد بن مسلم وزرارة، عن أبي جعفر×، أنّهما سألاه عن أكل لحوم‏ الحمُر الأهليّة، قال: «نهى رسولُ الله| عنها، وعن أكلها يوم خيبر وإنّما نهى عن أكلها في ذلك الوقت؛ لأنّها كانت حمولة الناس،‏ وإنّما الحرام ما حرّم الله عزّ وجلّ في القرآن»([3]).

2 ـ رواية أبي الجارود([4]) عن أبي جعفر×، قال: سمعته يقول:‏ «إنّ المسلمين كانوا أجهدوا في خيبر، فأسرع المسلمون في دوابّهم، فأمرهم رسول الله| بإكفاء القدور، ولم يقل: إنّها حرام، وكان ذلك إبقاءً على الدوابّ»([5]).

تقع خيبر شمال المدينة المنوّرة، وتبعد عنها كثيراً، وعندما ذهب المسلمون للحرب إلى تلك المنطقة، طال بهم الزمن، فاستهلكوا مؤنهم في هذه المدّة؛ لأنّهم حاصروا خيبر طويلاً، ففقدوا ما جلبوا معهم من الأطعمة، وهنا فكّر بعض المسلمين في أكل ما يُركب من الحيوان مثل الحمير، بل قد يُفهم من بعض الروايات أن بعضهم فعل هذا، ونهاهم النبي‘ عن أكل لحم الحمير حتى يتمكّن الجيش من الرجوع إلى المدينة؛ لأنّ خبير كانت تبعد قرابة بضع مئات من الكيلومترات ، فالحكم كان مرحليّاً غير تأبيدي؛ لأنّ النبي‘ شخّص مصلحة زمنيّة مؤقّتة، وبصفته وليَّ الأمر أصدر حكماً مرحليّاً لتفادي الأزمة. بل تصرّح هذه الرواية بأن الحرام إنّما هو ما حرّمه الله عزّ وجلّ في القرآن، الأمر الذي يصبّ لصالح أصحاب هذا الاتجاه.

إذن، حجر الزاوية في الاتجاه النزولي هو التفصيل بين النصوص التشريعيّة العليا والنصوص التشريعيّة التفصيليّة، ولكي نستطيع أن نفصّل بينهما لا بد أن نميّز بين النصوص ذات الطابع الخالد والنصوص ذات الطابع الزمني.

ثمّة آليات مختلفة لتمييز النصوص المرحليّة عن النصوص الثابتة، منها:

أ ـ التمييز بين النصوص القرآنية والحديثيّة: فكما تقدّم يرى أصحاب هذا الاتجاه أنّ الأغلبيّة الساحقة من الآيات القرآنيّة، إن لم يكن كلّها، نصوص ثابتة تحكي عن الشريعة الإلهيّة الخالدة، بينما النصوص الحديثيّة على نوعين، منها نصوص ثابتة ومنها نصوص مرحليّة تاريخيّة، وهذا ما قد تؤيّده بعض الروايات التي وصلتنا كما تقدّم.

ب ـ التعابير الموجودة في النص: قد نستطيع أن نميّز النصوص التاريخيّة من خلال التعابير التي وردت فيها، فعلى سبيل المثال، يرى السيد الصدر أنّنا نستطيع أن نستكشف بعض النصوص ذات الطابع الزمني من خلال التعبير بمثل: «قضى رسول الله».

إنّ هذا التعبير يوحي بأنّ الحكم مرحلي أصدره النبي أو الإمام في ظروف معيّنة، وكأنّه حكم قضائي، والأحكام القضائية لها طابع جزئي، فنأخذه على أنّه حكم ولائي، ومن ثمّ لا نستطيع تعميمه بعد ذلك.

ثمّة معركة كبيرة مفترضة في كيفيّة التمييز بين الأحكام التاريخيّة وغيرها؛ إذ نحن بحاجة إلى وضع معايير موضوعيّة نميّز من خلالها الأحكام التاريخيّة عن الأحكام الإلهيّة الخالدة، وهذا في حدّ نفسه من أعقد الموضوعات التي أخذت جدلاً واسعاً ـ على مستوى التطبيق ـ بين العلماء والباحثين في الفترة الأخيرة.

يحتاج هذا التمييز إلى الأدلّة والشواهد الموضوعيّة، وإلا فإذا أطلقنا العنان لأنفسنا بأن نحوّل كلّ حكمٍ لم يُعجبنا إلى حكمٍ تاريخي ـ كما يفعل بعضٌ ـ ونحوّل كلّ حكم يُعجبنا إلى حكمٍ إلهي ثابت ـ كما يفعله بعضٌ آخر ـ فيمكن أن يؤدّي ذلك إلى فوضى في عمليّة الاجتهاد وفهم النصوص الدينيّة.

وعلى سبيل المثال، يستطيع أن يأتي أحدٌ اليوم ليقول بأنّ حكم الإسلام في قضيّة شهادة المرأة قضيّة تاريخيّة؛ لأنّ هذا الحكم كان باعتبار أنّ النساء في ذاك الزمان كنّ في وضع ثقافي وعلمي رديء، فما كان يُعتمد على تشخيصهنّ وآرائهنّ، أما اليوم وقد تغيّر الحال، حيث أصبحت النساء والفتيات في قمّة العلم والمعرفة، وتجاوزن الرجال في بعض الساحات، فلا تصلح تلك النصوص لزماننا.

لكنّ هذا لن يكفي للحكم بتاريخيّة هذا الحكم، بل علينا أن ندرس جميع الأدلّة والنصوص الموجودة بين أيدينا، لنعرف هل هناك شواهد موضوعيّة لهذه الفرضيّة أو أنّها ليست إلا فرضيّة ثبوتيّة جميلة لا تدعمها النصوص والأدلة الإثباتيّة؟

يعتبر هذا الموضوع، أي «التمييز بين النصوص التاريخيّة والثابتة»، من الموضوعات الجديدة، ولذلك مازالت القضيّة في بداياتها، والمحاولات فيها ماتزال أوليّة لا ترقى إلى أكثر من سبعين سنة، ومن أقدم النصوص الإماميّة هنا نصوص السيد محمّد باقر الصدر في كتابه «اقتصادنا» وغيره، وكذلك ثمّة نصوص نجدها عند الشيخ مرتضى مطهري، حيث كان يؤمن بهذه الطريقة، بل كان يعتبر الذهنيّة التاريخيّة هذه من طرق علاج التعارض بين الروايات، حيث يؤدّي اختلاف الظروف إلى إصدار حكمين ولائيّين مختلفين نتيجةَ تلك الظروف المختلفة، فما نراه تعارضاً في بعض الروايات ليست إلا نتيجةَ اختلاف الظروف التي أوجبت إصدار أحكام زمنية مؤقّتة لإدارة اللحظة.

وهذا ما نلمسه اليوم بوضوح، فبعد أن دخلت الحركة الإسلامية رحاب الحياة السياسية والاجتماعيّة وأخذت بزمام الأمور في أكثر من مكان، رأينا كيف أنّ الأحكام الولائيّة التي يُصدرها زعماء هذه الحركة تتغيّر تبعاً لتغيّرات الحياة السياسيّة والاجتماعيّة، فلا نستطيع أن نتحدّث كثيراً عن المطلقات، بل في كثير من الأحيان نواجه أحكاماً متغيّرة، شخّصها ولي الأمر تحت ظروف معيّنة ثمّ غيّر رأيه تِبعاً لتغيّرها؛ لأنّ الظروف تتغيّر دوماً، ونتيجة تغيّر الظروف تتغيّر مواقف الأحكام الولائية والحكوميّة.

إذن، عندما نريد أن ندرس موضوعاً على مستوى «فقه النظريّة» كموضوع «فقه المرأة»، نحن أمام سبيلين في آليّة الاجتهاد لتكوين الصورة الكاملة عن هذا الموضوع:

أ ـ بين أن نختار الطريقة الأولى التي اختارها جمعٌ من العلماء، والتي تقوم على الاجتهاد في المسائل التفصيليّة، ثمّ بناء الطوابق العلويّة وفقاً لهذا الاجتهاد في المسائل التفصيليّة، وإذا واجهنا ثغرات في رسم الصورة، فعلينا إمّا أن ناخذ بطريقة السيد الصدر من أخذ فتاوى العلماء الآخرين التي تتناسب مع سائر الأجزاء وإن خالفناهم فيها أو علينا أن نعترف بعدم إمكان الوصول إلى نظريّة كاملة.

ب ـ أو نختار الطريق الآخر الذي يدّعي بأنّ مفتاح الحلّ هو التمييز بين الأدلّة التشريعيّة العليا والأدلّة التشريعيّة التفصيليّة، والذي يقوم على التفصيل في الشخصيّة النبويّة والولويّة، بين الشخصيّة التبليغيّة المعنيّة بتبليغ الأحكام الإلهيّة الثابتة، والشخصية الولائيّة الإداريّة المعنيّة بإدارة اللحظة في ظلّ القواعد والأحكام الثابتة.

والعنصر المشترك بين هذين الاتجاهين، هو أنّهما يريدان اكتشاف «فقه النظريّة»، لطرح رؤية إسلاميّة عامة في ملفّ معيّن كقضيّة المرأة، وليست رؤى تجزيئيّة مبعثرة، لكنّهما يختلفان في أنّ الأوّل يعتمد المنهج الاجتهادي السائد ـ وهو منهج «فقه المسألة» ـ أساساً لبناء فقه النظريّة، أما الثاني فيعتبر الرجوع إلى النصوص التشريعيّة العليا والتمييز بين الشخصيّة التبليغيّة والولائيّة للمعصوم، أساساً في تكوين النظريّة الفقهيّة.

طبعاً ثمّة كلمات حول هذا الموضوع، أي «فقه النظريّة»، في كتب غير شيعيّة أقدم بكثير من السيد الصدر، ولا أدري هل اطّلع الصدر عليها أو لا؟ لكن إماميّاً أوّل من طرح هذا الموضوع ونظّر فيه ووضع المعالم الأولى له، هوالسيد محمد باقر الصدر، وهو أيضاً لم يبحثه مفصّلاً في الأبحاث الفقهيّة أو الأصوليّة التفصيليّة، وإنّما بحثه بالعَرَض عندما أراد أن يقوم بمشروعه في «اقتصادنا»، حيث حاول أن يؤسّس لمشروعه عبر مقدّمةٍ تعرّض فيها لهذه الفكرة، وربّما لو خاض في هذا الموضوع في بحثٍ مستقل، لوسّع فيه وبيّن معالمه أكثر.

وعلى أيّة حال، فقد تراجع في الفترة الأخيرة مشروع «فقه النظريّة» عموماً، فلا نجد اهتماماً كثيراً على المستوى الاجتهادي الفقهائي، ومازال «فقه المسألة» هو المسيطر، ولذلك قد لا نجد مجتهدين أو فقهاء كبار يتبنّون «فقه النظريّة» عملاً، على مستوى ما هو منشورٌ ومكتوب لهم وعنهم، وإن كان أصل مشروع فقه النظرية قد شقّ طريقه ولا عودة فيه لنقطة الصفر فيما يبدو.

هذا أوّل اختلافٍ منهجي، يؤثّر في كيفيّة دراسة «فقه النظريّة»، وعلى أساس هذا الاختلاف المنهجي تختلف طريقة قراءتنا لموضوع فقه المرأة.

ثانياً: اختلاف مناهج الاجتهاد من حيث مصادر الاجتهاد

يتأثّر موضوع «فقه المرأة» باختلاف العلماء في استحضار المصادر الاجتهاديّة، فالكلّ يتّفق على أنّ المصادر الأساسيّة للاجتهاد الإسلامي هي الكتاب والسنّة، لكنّهم يختلفون فيما بينهم في كيفيّة استحضارهما، ومديات كلّ واحد منهما سعةً وضيقاً.

ثمّة اتجاهان أساسيّان بين العلماء في كيفيّة استحضار الكتاب والسنّة في العمليّة الاجتهاديّة. وهذا الاختلاف الذي قد يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، له آثار كبيرة على مستوى التطبيقات الفقهيّة، فعادةً ما تكون الاختلافات ولو البسيطة في المنهج مفضيةً إلى اختلافات مهمّة في النتائج.

المنهج الأوّل: المنهج السائد (غلبة الفقه الروائي)

إنّ المنهج السائد اليوم في البحوث الفقهيّة والاجتهاديّة، يقوم على استحضار الروايات أكثر من استحضار الآيات القرآنيّة، فيقوم الفقيه باستحضار الروايات واحدةً واحدةً، ويدرسها من حيث السند تارةً، ومن حيث الدلالة والمضمون أخرى، وقد يشير إلى الإجماع والشهرة والسيرة العقلائية أو المتشرعيّة، ممّا يرجع في نهاية المطاف إلى الاستدلال بالسنّة بمعناها العام.

وأسمّي هذا المنهج بـ«الفقه الروائي»، حيث يغلب عليه الطابع الروائي، ويكون أساس الاستدلال في بحوثه الفقهيّة هي السنّة بالمعنى العام الذي يشمل سنّة النبي‘ وأهل بيته^ من قول أو فعل أو تقرير، وما يكشف عنها.

وعلى سبيل المثال، إذا أخذنا الشيخ النجفي (1266هـ)، وهو من كبار العلماء والفقهاء المعروفين، صاحب الكتاب الموسوعيّ «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام»، نجده عندما يأتي إلى >كتاب الإيلاء< يقول: «والأصل فيه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فٰاؤُ فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وإِنْ عَزَمُوا الطَّلٰاقَ فَإِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، بل منها يستفاد الوجه في جملة من أحكامه الآتية»([6]).

إنّنا نتوقّع من الشيخ النجفي ـ بعد هذا الكلام ـ أن يستند إلى هذه الآية الشريفة التي اعتبرَها الأصل في هذا الباب، لكنّه وإلى آخر كتاب الإيلاء لا نجد استحضاراً لهذه الآية القرآنيّة عنده! فهو يؤمن بأنّ الآية لها دلالة، لكنّه مع ذلك لا يذكر الآية دليلاً في بعض المسائل الفقهيّة التي يعتقد بأنّ الآية تدلّ علىها.

نحن لا نفسّر هذه الظاهرة بعدم إيمان هذا الفريق بمرجعيّة القرآن؛ إذ قد بحث الأصوليّون كثيراً في مرجعيّة القرآن، وناقشوا في ذلك أدلّةَ الإخباريّين المنكرين ـ في فريق كبير منهم ـ إمكان فهمنا للقرآن أو حجية هذا الفهم، مطلقاً أو غالباً، وكذلك لا نفسّر ذلك بعدم اهتمامهم بالقرآن، بل نفسّره بأنّ الفقيه اعتادَ على الاهتمام بالرواية أثناء البحث الفقهي؛ لكثرة الحاجة إلى الاشتغال بالروايات في الأبحاث الفقهيّة، وشيئاً فشيئاً وُضعت الآيات القرآنيّة جانباً، ولم تعد مصدراً أساسيّاً في الاستحضار، وإن كانت نظريّاً مصدراً أساسيّاً في عمليّة الاجتهاد والاستنباط عموماً.

بل بعض الفقهاء المعاصرين كَتَب كتاباً في آيات الأحكام، وعندما وصل إلى آيات الإيلاء، بحثها في صفحتين، لكنّ ذكر فيهما خمس روايات رغم أنّ كتابه في آيات الأحكام! لماذا يستحضر هذا الحجم من الروايات مع أنّه يؤلّف في آيات الأحكام؟!

يبدو لي أنّ السبب هو:

1 ـ كثرة البحوث التي يتطلّبها البحث الروائي:

إنّ كثرة الروايات الموجودة من جهة وحاجة الروايات إلى البحث الكثير من جهة أخرى، تجعل الفقيه مستغرقاً في البحث الروائي، بحيث يستنزف كلّ طاقة الفقيه، فإنّ دراسة الروايات ليست عمليّة بسيطة أبداً ـ كما يخيّل للكثيرين ـ بل ثمّة عقبات كثيرة عليه أن يذلّلها من دراسة المصادر والأسانيد، مروراً بمطالعة المضمون والدلالة، ووصولاً إلى الجمع بين الروايات المتعارضة والتوفيق بينها، حتى يصل إلى نتيجة معيّنة في قضيّة فقهيّة، وغالباً ما يؤدّي ذلك إلى عدم الالتفات لاستحضار الآية القرآنيّة الكريمة أو الآيات القرآنيّة ذات الصلة بالموضوع، بل كتب الفقه القرآني التي تختصّ بدراسة آيات الأحكام قليلةٌ هي الأخرى نسبيّاً.

إذن، إنّ الحالة السائدة التي يمكن أن نعبّر عنها بـ«الفقه الروائي» وأقصد به ذلك الفقه الذي يستنزف كلّ طاقات الفقيه في الاشتغال على الروايات، من الأسباب الرئيسة لضمور البحوث القرآنيّة في المباحث الفقهيّة، حيث تفرض على الفقيه جهداً مضاعفاً في مجال الاهتمام بالرواية.

2 ـ الحكومة التفسيريّة للروايات على الآيات القرآنيّة

بحسب الاجتهاد الأصوليّ عند مشهور الإماميّة بل المسلمين، فإنّ الرواية تستطيع تفسير الآية وتخصيصها وتقييدها والتصرّف في دلالتها، حتى لو كانت الرواية خبراً آحادياً ظنيّاً، والآية قطعيّة، لكن مع ذلك الرواية لها حاكميّة تفسيريّة على الآيات القرآنيّة الكريمة.

3 ـ اختصاص القرآن ببيان الأسس العامّة وإيكال التفاصيل إلى السنّة

إن النظريّة السائدة المطروحة في أوساطنا العلميّة، بل في أوساط المسلمين عموماً منذ قديم الأيام، أنّ وظيفة القرآن الكريم إنّما هو بيان الأسس العامّة للشريعة، وأمّا تفاصيلها فهي من شؤون السنّة. وهذه هي الفكرة السائدة والراسخة في الأذهان، ولذلك عندما يريد أن يشتغل الباحث بالتفاصيل الفقهيّة لا يرى حاجةً للرجوع إلى القرآن الكريم؛ لأنّ ثمّة فكرة مستكنّة في عقول الباحثين تسيطر عليهم في لاوعيهم هي أنّ القرآن لا يتعرّض للتفاصيل.

هذا كلّه أدّى إلى سيطرة البحوث الروائيّة على دراسة القضايا الفقهيّة ومنها قضايا المرأة، فعندما يريد كثيرٌ من الفقهاء والمفكّرين أن يشتغلوا بقضايا فقه المرأة، فهم يركّزون في الأغلبيّة الساحقة على الروايات، ليقدّموا لنا أجوبةً عن الروايات التي تتحدّث عن نقصان عقل المرأة أو نقصان دينها أو..، فيتّجهون دائماً نحو دراسة الروايات بعيداً عن النصوص القرآنيّة.إذن، إنّ المنهج الفقهي الأوّل يرى أنّ البحث في قضايا المرأة، ينبغي أن يكون في الروايات، وإذا أردنا مفتاحاً لحلّ هذه القضايا، فيجب أن نبحث في الروايات بأن نصنّفها ونفرز الروايات الصحيحة عن الضعيفة، ونحلّل الروايات التامّة الدلالة.. لنصل في نهاية المطاف إلى رؤية متكاملة حول المرأة.

المنهج الثاني: المنهج الجديد (غلبة الفقه القرآني)

في المقابل ثمّة منهجٌ آخر، ظهر بشكلٍ أساس قُبَيلَ ومع أمثال العلامة الطباطبائي والسيّد الصدر والسيد فضل الله والشيخ الصادقي الطهراني، حيث شهد الشيعة الإماميّة قفزةً تاريخيّة في علوم القرآن والتفسير خلالَ القرن الأخير لم يشهدوها طيلة قرون. وكلّ من يرصد الأمرَ تاريخيّاً يعلم أنّنا أمام قفزةً هائلة في مجالات الدراسات القرآنيّة وعلوم القرآن والتفسير.

إذن، ظهر اتجاهٌ يدعو للاهتمام بالقرآن الكريم في الدراسات الفقهيّة، وحاول أن يحفر في الآيات القرآنيّة أكثر فأكثر، علّه يستطيع أن يحصل على معطيات فقهيّة أكثر ممّا كنّا نتصوّر.

إنّ هذه الفكرة ليست جديدةً، بل نجد جذورها في عصر الأئمّة عليهم السلام، حيث كانوا يأمرون أتباعهم بلزوم عرض الأحاديث على الكتاب الشريف لمعرفة مدى موافقتها له، بل هناك نصوص عن النبيّ يأمر فيها بهذا الأمر، وقد تضاعف الاهتمام بمثل هذه النصوص خلال القرن الأخير.

لقد بدأنا نشهد أكثر من الماضي حديثاً عن الفقه القرآني والتفسير الموضوعي للقرآن الكريم و..، وأقصد من الموضوعي هنا غير ما قصده السيد محمّد باقر الصدر، حيث أعني أن نأخذ موضوعاً معيّناً في القرآن الكريم لندرس الآيات المتصلة به جميعاً ونحلّلها، وهذا ما اعتمده في الجيل الأخير أمثالُ الشيخ جعفر السبحاني والشيخ ناصر مكارم الشيرازي.

لقد اتّجه هذا الفر يق عموماً نحو تأسيس ما بتنا نسمّيه بـ«المرجعيّة الفقهيّة القرآنيّة»، فأخذ القرآن الكريم الصدارة في المصادر الاجتهادية، وأصبح الفقيه ـ عندما يريد أن يدرس أيّ مسألة فقهيّة ـ ملزماً بالذهاب أوّلاً إلى القرآن الكريم، ليبحث في جميع الآيات القرآنيّة التي تشير أو تصرّح أو تلوّح بشيءٍ يتّصل بالموضوع، ثمّ يجمعها ويعمل منها دراسة شاملة ليخرج في نهاية المطاف بنظريّة قرآنيّة حول المرأة، ثمّ بعد ذلك يذهب إلى الحديث.

تحظى هذه التراتبيّة بأهميّة بالغة في النتائج الفقهيّة، وقد طبقها في غير موضع أمثال العلامة الطباطبائي في تفسيره «الميزان»، حيث يدرس ـ ولو إثباتاً فقط ـ الآيات القرآنيّة بعيداً عن الروايات، ليفهم ما تريده الآيات، ثمّ يتعرّض في الختام للتفسير الروائي، فيدرس الروايات هذه في ضوء ما توصّل إليه في البحث القرآني؛ ليميّز الخبر الموافق عن المخالف للقرآن الكريم.

لكن لماذا يجب أن نذهب أوّلاً إلى القرآن ثمّ بعد ذلك نذهب إلى الحديث، مع أنّ الحديث أيضاً ـ حسب الفرض ـ حجّة معتبرة، فما هو الوجه في أن نؤخّر الحديث عن القرآن؟!

السببُ هو أنّنا مأمورون من قبل النبيّ والأئمّة^ أنفسهم بالأخذ بالحديث الموافق للقرآن وترك المخالف جانباً، فإن كان الخبر معارضاً للقرآن لم يكن حجّةً أصلاً، بل تعتبر الموافقة للقرآن أو عدم المخالفة له من مقوّمات حجيّة الخبر، فالخبر لا يكتسب اعتباره مادام لم نُحرز موافقته للقرآن أو عدم مخالفته له أو عدم ثبوت مخالفته.

ولكي نعرف هذه الموافقة أو المعارضة، علينا أن نذهب إلى القرآن ونبحث فيه لكي نكتشف رؤيته للموضوع، ثمّ نذهب إلى الحديث، لنرى هل هناك معارضة أو موافقة؟ فإن كان معارضاً نطرحه أو نردّ علمه إلى أهله، وإن كان غير معارض نأخذ به.

وبهذا نكتشف أنّنا لا نقصد من الفقه القرآني، طرحَ الروايات بأجمعها أو عدم استحضارها في العمليّة الاجتهاديّة، بل المقصود حصراً هيمنة القرآن على العمليّة الاجتهادية بحيث يكون المعيار ونقطة الانطلاق في الاجتهادات الفقهيّة هو القرآن الكريم، لتتمّ عمليّة فرز الروايات في ضوء الآيات القرآنيّة.

إنّ هذا هو ما أمرنا به رسول الله‘ والأئمّة^ في روايات متعدّدة، نشير هنا إلى بعضها إشارةً عابرة:

1 ـ خبر السكوني، عن أبي عبد الله× قال: «قال رسول الله|: إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صوابٍ نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه»([7]).

2 ـ خبر هشام بن الحكم وغيره، عن أبي عبد الله×، قال: «خطب النبي| بمنى، فقال: أيّها الناس، ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف‏ كتاب‏ الله‏ فلم أقله»([8]).

3 ـ خبر أيوب بن راشد، عن أبي عبد الله× قال: «ما لم يوافق من الحديث القرآنَ فهو زخرفٌ»([9]).

وقد بحثنا هذا الموضوع مفصّلاً في كتابنا المتواضع «حجيّة الحديث»، فليراجع([10]).

موافقة الكتاب بين الحرفيّة والمضمونيّة

لكنّ حجر الزاوية هنا يكمن في تحديد مفهومَي: «الموافقة» و«المخالفة»، فالكثير جداً من العلماء والمفكّرين يقبلون بفكرة عرض الأحاديث على القرآن الكريم، لكنّهم يختلفون في مفهوم الموافقة والمخالفة. وثمّة جدلٌ كبير بين العلماء ـ خاصّةً المتأخرين منهم ـ في معنى موافقة الكتاب ومخالفته.

أ ـ الموافقة الدقيّة أو البناء على مداريّة النسب الأربع

تعامل الكثير من الفقهاء والأصوليّين مع هذه الروايات بذهنيّةٍ فلسفيّة ـ منطقيّة، ولذلك نجد فكرة النسب الأربعة حاضرةً في کلمات الكثير منهم([11])، وعلى سبيل المثال نشير إلى كلام بعضهم في هذا الصدد، وهو ما ذكره السيّد الحكيم في تعريف هذه الموافقة: «ويراد بموافقة الكتاب أن يكون الحكم داخلاً ضمن إطار أحكامه العامّة أو الخاصّة، وبالمخالفة أن يصادمها على نحو التباين أو العموم والخصوص من وجه، أي في المواضع التي لا يمكن فيها الجمع العرفي أصلاً»([12]).

ويبدو لي أنّ هذا النوع من التفسير للنصوص الدينيّة، كان أحد الآثار السلبيّة لدخول الفلسفة اليونانيّة إلى الإسلام، حيث أثّر على كيفيّة الفهم العرفي للنصوص، وحوّلهَا إلى فهم تقعيدي أشبه بحلّ العمليات الرياضيّة منه إلى فهم النصوص العرفيّة.

هذا المنهج القائم على مقولة النسب الأربع المنطقية يقلّل كثيراً من مخالفة الحديث الموجود بين أيدينا للكتاب الكريم، إذ قلّما تجد نصاً يباين مباينةً تامةً القرآنَ الكريم، بحيث تغدو المباينة صريحة وجريئة وواضحة لا مجال للتأويل العرفي فيها، خصوصاً في دائرة العمليات كالفقه والأخلاق، حيث يمنع الكثير من الأصولييّن عن مقولات اكتشاف الملاك، فتبقى الأمور مفتوحةً، كما أنّ الوضّاعين لم يكونوا سذّجاً ليضعوا أحاديث تعارض القرآن بهذا الوضوح وبكثرة.

ب ـ الموافقة مع مزاج القرآن ومضمونه وروحه

ظهر اتّجاهٌ جديد في القرن الأخير، يرى أنّ المقصود بموافقة الكتاب، ليس الموافقة الحرفيّة، وإنّما الموافقة مع المزاج العامّ والروح العامّة للقرآن الكريم. فإذا قرأنا ظاهرة «الوضع» أو «الدسّ» في الأحاديث بقراءة اجتماعية وسيكولوجيّة، سندرك أنّ الرواة الكذّابين أيضاً لم يكونوا أطفالاً أو حمقى لكي يخالفوا القرآن الكريم بصراحة؛ إذ الذي يريد أن يسرّب أفكاره في الأحاديث يحتاج أن يمزجها بشيءٍ من الحقّ لكي يستطيع أن يؤثّر في النفوس، فيمرّر أكاذيبه هذه بين سطور الحقّ، بل الجعل في الحديث لا ينحصر في الكذّابين، فإنّ الصالحين أيضاً قد يقومون بوضع الحديث ظنّاً منهم أنّ في ذلك خدمة الدين والشريعة، فثمّة دوافع دينية وإيمانية صادقة كانت تعتقد ـ وربما ما تزال ـ بأنّ وضع الحديث أحياناً لغايات نبيلة يحقّق خدمةً للدين، وهذا النوع من الوضع والوضّاعين هو من أخطر أنواع الوضع، كما ذكر علماء الحديث والدراية([13]).

يعتقد هؤلاء أنّ وضع الأحاديث في القضايا الأخلاقية والروحية يرقّق قلوب العامّة، كما نسب إلى أحدهم، وكان من عظماء الزهد والأخلاق([14]).

والمتوقّع منهم أن يفعلوا ذلك ـ بصرف النظر عن بعض الشواهد التاريخيّة عن شخصٍ هنا وآخر هناك ـ هم أهل الزهد والإيمان الذين يملكون نزعات روحية عميقة، فإنّ هؤلاء قد يضعون الكثير من الروايات الأخلاقيّة والروحيّة، ومن روايات الآداب وفضائل الأعمال، ومن روايات القصص الوعظيّة ذات العبر، دفعاً للناس لليقظة والخروج من الارتهان لحطام الدنيا وزخرفها، وقد نجد في مرويّات هؤلاء تسفيهاً للفقهاء ومسلكهم؛ نظراً للخلاف التاريخي بين الطرفين، كما نلحظ في رواياتهم ظهوراً واضحاً لنزعة التأويل والأسطرة، ومن هذا القبيل رغبتهم في نقل الأفعال الخارقة والكرامات، كما يشير إلى بعض ذلك الشهيد الثاني([15]).

وفي إطار ثقافة الترغيب، تأتي روايات الثواب والعقاب والمبالغة فيها، حتى أنّ لقمة بطّيخ واحدة قد تزيل سبعين ألف سيئة، وفعلٌ صغير قد يعطيك حسنات جميع الأنبياء. وقد اشتهرت في هذا المجال روايات فضائل السور القرآنية. ومن طبع هذا النوع من التفكير أنه يميل للعزلة وتعظيم الأعمال البسيطة كالمستحبات اليومية، ويزهّد في العمل الاجتماعي والسياسي، فلعلّهم وضعوا مرويّات في ترك الجهاد أو العمل السياسي واجتناب السلاطين وعدم الخلطة وعدم التنعّم بالدنيا وترك طيب العيش واللجوء إلى الحياة الفردية.

خطورة هذه الظاهرة أننا لا نملك كشفاً دقيقاً برجالاتها؛ لأنّ المفروض صلاحهم وتديّنهم بحسب الظاهر، فما ذكره بعض العلماء من أنّ جهابذة أهل الحديث كشفوا هؤلاء جميعاً([16])، مجرّد ادّعاء لا يمكن بهذا اليُسر إثباته، فكيف نعرف أنه لم يخفَ عليهم بعض الصالحين الواضعين الذين قد يكونون وضعوا بضع مئات أو آلاف من الأحاديث المبثوثة في كتب الروايات عند فرق المسلمين؟ شخصٌ واحد له بضعة مئات من الروايات كفيل بتحقيق ذلك، فالأولى الترفّع عن مثل هذه الادّعاءات.

وثمة نصّ خطير يُنقل عن يحيى بن سعيد القطان، أحد أئمة الحديث والجرح والتعديل، حيث يقول: لم نرَ الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث، أو لم نر أهل الخير..([17]). إنه نصّ يستحق الوقوف عنده ملياً؛ للتنبّه من دسّ زاهد هنا أو هناك لحديثٍ ما قد نقع فريسة له.

إذن هم يكذّبون على لسان النبي|، ويبرّرون ذلك بأنّه ليس كذباً عليه وإنّما كذبٌ له؛ إذ يخدم دينَه وشريعته، بهدف أن نشجّع الناس على الأعمال الحسنة، وقد فسّروا الرواية المرويّة عنه|: «..أيها الناس، قد كثرت عليّ الكذابة، فمن كذب‏ عليّ‏ متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار..»([18]) بأنّ المقصود الكذب ضدّ النبي|، مستنتجين جواز الكذب لمصلحته.

وبهذا نلاحظ أنّ ظاهرة الوضع ظاهرةٌ معقّدة جداً([19]) لا نستطيع أن نتعامل معها ببساطة.

بناءً عليه، لن يكون الوضع والدسّ دوماً واضحاً جليّاً في الروايات المجعولة، فبالتأكيد ليس المقصود من معارضة الحديث للقرآن الكريم المعارضة الحرفيّة، حيث إنّ هذا النوع من المعارضة نادرٌ جداً، فلماذا نجد مثل هذا التركيز من الأئمّة^ على هذا الموضوع، حيث وصلنا أكثر من عشرين رواية في هذا الموضوع؟ وعليه فينبغي أن يكون المقصود من المعارضة مفهوماً آخر غير مجرّد المعارضة الحرفيّة.

من هنا ظهر اتجاهٌ جديد في الفترة الأخيرة، يفسّر هذه المعارضة بمعارضة المزاج العام للقرآن وروحه. وقد شكّلت هذه النظريّة مفتاحاً جديداً في الدراسات الفقهيّة والقرآنيّة. ومن أبرز شخصيّات هذا الاتجاه السيّد محّمد باقر الصدر، وهو يذكر لتوضيح فكرته هذه مثالاً للمخالفة وآخر للموافقة:

أما مثال المخالفة، فهو خبر الكليني بسنده([20]) إلى أبي الربيع الشامي، قال: قال لي أبو عبد الله×: «لا تشترِ من السودان أحداً فإن كان لابدّ فمن النوبة([21])، فإنّهم من الذين قال الله عز وجل: ﴿ومن الذين قالوا إنّا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكّروا به،‏ أما إنّهم سيذكرون ذلك الحظّ وسيخرج مع القائم× منّا عصابة منهم، ولا تنكحوا من الأكراد أحداً فإنّهم جنسٌ من الجنّ كشف‏ عنهم‏ الغطاء»([22]).

تنهى هذه الرواية عن شراء السودان من ناحية، ومن ناحية أخرى تمنع عن مناكحة الأكراد، وتصفهم بأنّهم جنسٌ من الجنّ كشف عنهم الغطاء. إنّ السيّد الصدر يقول: «فمثلاً لو وردت روايةٌ في ذمّ طائفة من الناس وبيان خسّتهم في الخلق أو أنّهم قسم من الجنّ‏، قلنا: إنّ هذا مخالفٌ مع الكتاب الصريح في وحدة البشريّة جنساً وحسباً ومساواتهم في الإنسانيّة ومسؤوليّاتها مهما اختلفت أصنافهم وألوانهم»([23]).

ليست هناك آية في القرآن الكريم تخالف هذه الرواية مخالفةً حرفيّة، لكنّ المزاج العامّ للقرآن الذي يستفاد من خلال الآيات التي تتحدّث عن تساوي نوع البشر، أو تجعل معيار الإكرام هو التقوى أو العلم([24]) وغيرها من الآيات التي يستوحى منها تساوي الإنسان في الحقوق والوظائف.. يخالف هذه الرواية، فنطرح هذه الرواية جانباً أو نكِل علمها إلى أهلها.

والآيات التي يستوحى منها هذا المزاج العام هي مثل قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ..﴾ (الإسراء: 70)، وكذلك قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات : 13).

ويمكن أن نذكر هنا مثالاً آخر وهو روايات ولد الزنا، حيث وردت روايات كثيرة تدلّ على عقابه وعدم قبول أعماله، بل قد نُسب القول بكفر ونجاسة ولد الزنا إلى السيد المرتضى والشيخ الصدوق أيضاً، بل ادّعي نفي الخلاف فيه والإجماع عليه([25]). ومن هذه الروايات:

1 ـ خبر أبي خديجة، عن أبي عبدالله× قال: «لو كان أحد من ولد الزنا نجا، نجا سائح بني إسرائيل»، قيل له: وما كان سائح بني إسرائيل؟ قال: «كان عابداً، فقيل له: إنّ ولد الزنا لا يطيب أبداً، ولا يقبل الله منه عملاً، فخرج يسيح بين الجبال، ويقول: ما ذنبي؟!»([26]).

2 ـ خبر نصر الكوسج، عن مطرف مولى معن، عن أبي عبد الله×، قال: «لا يدخل حلاوة الإيمان قلب سنديّ، ولا زنجي، ولا خوزيّ، ولا كرديّ، ولا بربريّ، ولا نبك الريّ، ولا من حملته أمّه من الزنا»([27]).

3 ـ خبر سعد بن عمر الجلاب، قال: قال لي أبو عبد الله×: «إنّ الله تعالى خلق الجنّة طاهرة مطهّرة، فلا يدخلها إلا من طابت ولادته»، وقال أبو عبد الله: «طوبى لمن كانت أمّه عفيفة»، وورد مضمونه في خبر عبد الله بن سنان أيضاً([28]).

إنّ الرواية الأولى من حيث السند صحيحة ومعتبرة، لكنّها تخالف القرآن الكريم؛ لأنّ القرآن الكريم يجعل المعيار لقبول الأعمال هو التقوى، حيث قال تبارك وتعالى ـ في إشارة قبول واعتراف بالمضمون ـ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالحقّ إذ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إنّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة : 27).

أمّا على الطريقة السائدة في الفقه فقد نستطيع ـ عادةً ـ أن نقول بأنّ ما أفاده القرآن الكريم من ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ قاعدة عامّة، بينما هذه الرواية خاصّة فتخصّصها، ومن هنا قال بعض الفقهاء في مقام حلّ هذه المشكلة بأنّ ولد الزنا يدخل في النار لكنّه يوضع في بيت يأتيه رزقه فيه، وثمّة رواية بهذا المضمون، ولا نريد أن ندخل هنا في هذا البحث بالتفصيل، فقد بحثناه مفصّلاً في الجزء الخامس من كتابنا المتواضع «دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر».

وأما مثال الموافقة، فهي خبر الكليني بسنده([29]) إلى أبي عبد الله×، قال: «أنّه كان إذا أهلّ‏ هلال‏ شهر رمضان، قال: اللّهم أدخله علينا بالسلامة والإسلام واليقين والإيمان والبّر والتوفيق لما تحبّ وترضى»([30]).

فهذه الرواية تحثّ على الدعاء عند رؤية الهلال، وهنا يقول الصدر: «وأمّا مجي‏ء رواية تدلّ على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلًا فهي ليست مخالفةً مع القرآن الكريم، وما فيه من الحثّ على التوجّه إلى الله، والتقرّب منه عند كلّ مناسبة، وفي كلّ زمان ومكان»([31]).

فالسيد الصدر فَهِمَ من مخالفة القرآن، المخالفةَ مع المزاج والجوّ العام للقرآن، فقد لا يخالف الحديث آيةً معيّنة وقد يكون أضيق دائرةً من آية، فتقبل التخصيص به، لكنّ المزاج العام للقرآن لا ينسجم معه فنطرحه ونكل علمه إلى أهله.

بهذا يعتبر هذا الفريق أنّه يتعامل على وفق القواعد، إذ تقول: يجب أن نحكّم النص القرآني في أخذ الروايات، بل الخبر المخالف للقرآن لا يحظى بحجيّة أساساً؛ كما جاء في الرواية: «..وما جاءكم يخالف‏ كتاب‏ الله‏ فلم أقله»([32]). فكأنّ النبي ـ ومثله الأئمّة^ ـ متعهّدون بأن لا يقولوا ما يخالف القرآن الكريم مهما كانت ظروف التقيّة صعبة، فنستطيع أن نحكم بعدم صدور الرواية المخالفة للقرآن، أو على الأقل نحكم بكونها تدبيريةً كما فعل بعضهم.

هذا المنهج له تأثير كبير في مختلف القضايا الفقهيّة والدينيّة ومنها قضايا المرأة، من هنا نجد العلامة الطباطبائي ـ مثلاً ـ عندما يدرس قضايا المرأة، يذهب في البداية إلى الآيات القرآنيّة، ويكوّن منها تصوّراً عاماً، ثمّ يأتي إلى الحديث، فيضع كلّ حديث لا يتناسب مع هذا المزاج العام جانباً ويوكل علمه إلى أهله.

وكذلك فعل تلميذه الشيخ مرتضى المطهري عندما درس الروايات التي تقول بأنّ المرأة خُلقت من فاضل طينة الرجل أو خلقت من ضلع الرجل، حيث لم يأخذ بهذه الروايات؛ لأنّها تخالف القرآن الكريم. وأمّا ما ورد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً..﴾ (النساء: 1)، فلا يدلّ على ذلك؛ إذ كلمة «من» هنا ليست تبعيضيّةً، وإنّما هي جنسيّة، أي خَلق من جنسها زوجَها، فتريد أن تقول: إنّ كليهما من جنس واحد.

وكذلك لا نأخذ بالروايات التي تقول بأنّ سبب خروج آدم من الجنّة هو حواء وأنّها كانت فتنته؛ لأنّها تخالف المزاج العام القرآني الذي يحدّثنا أنّ إبليس هو الذي أغواهما، ولا يشير إلى دور لحواء، قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ..﴾ (البقرة: 35 ـ 36).

إذن، نحن نشاهد أنّ العلماء بدأوا يتّجهون نحوَ تأسيس مدرسة جديدة ومعمّقة، تؤصّل لمرجعيّة القرآن الكريم، دون أن تلغي قيمة المصادر المعرفيّة الأخرى كالسنّة والعقل وما شابه ذلك. وهذا التعديل في تحليل مفهوم «معارضة القرآن»، من معارضة حرفيّة حديّة إلى المعارضة مع المزاج والجوّ العام للقرآن، أدّى إلى تغييرات كبيرة جداً، ودفع إلى قراءة مختلفة وأسّس لمرحلة جديدة في نقد متن الحديث.

الخلاصة والنتائج

إذا أردنا أن نرصد مناهج الاجتهاد وتأثيرها على قضايا المرأة، نستطيع أن نشير إلى خلافين أساسيّين في مناهج الاجتهاد، ممّا يؤدّي إلى تأثيرٍ كبير في مختلف القضايا الفقهيّة التي تتعلّق بالمرأة وهما:

1 ـ الاختلاف في آليّات تكوين النظريّة الفقهيّة: كيف نستطيع أن نكوّن رؤية منسجمة ومتكاملة للشريعة تجاه قضيّة معيّنة كقضايا المرأة؟ هل تبدأ هذه العمليّة من فقه المسألة كما فعله السيد الصدر أو علينا أن نبدأ من أدلة التشريع العليا كما ذهب إليه الشيخ شمس الدين؟

2 ـ اختلاف مناهج الاجتهاد من حيث المصادر: إنّ الكلّ يتّفق على مرجعيّة الكتاب والسنّة، لكنّ ثمّة اختلاف في الآليّة التطبيقيّة، بين من يذهب إلى الروايات مباشرة ويخصّص بها القرآن الكريم ويقيّدها، وبين من يُؤمن بحاكمية القرآن الكريم، ويؤكّد على عرض الأحاديث على القرآن، ويطرح مفهوماً جديداً عن المخالفة له، وهو المخالفة لروح القرآن ومزاجه العامّ، الأمر الذي يؤدّي إلى اختلافات كثيرة في مجال التطبيق.

______________________________

([1]) اُلقيت هذه المحاضرة في دار السيدة المعصومة للدراسات الإسلاميّة في قم، بتاريخ: 22 ـ 5 ـ 2013م، وقد قام الشيخ سعيد نورا بتقريرها وتحريرها، ثمّ راجعها المحاضرُ (الشيخ حبّ الله)، مجرياً عليها بعض التعديلات والإضافات والتوضيحات.

([2]) والسند هو: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة.

([3]) الكافي 6 : 245 ـ 246.

([4]) والسند هو: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان.

([5]) الكافي 6 : 246.

([6]) جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 33: 297.

([7]) الكليني، الكافي 1: 69.

([8]) المصدر نفسه.

([9]) المصدر نفسه.

([10]) راجع: حيدر حبّ الله، حجيّة الحديث: 213 ـ 279.

([11]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: لطف الله الصافي، بيان الأصول ‏1: 511، قم، الطبعة الأولى، 1428هـ.

([12]) محمد تقي الحكيم، الأصول العامة في الفقه المقارن: 354، قم، إيران، الطبعة الثانيّة، 1418هـ.

([13]) انظر: ابن الصلاح، علوم الحديث: 99؛ وفجر الإسلام: 214 ـ 215؛ وتدريب الراوي 1: 238؛ ومقباس الهداية 1: 409 ـ 412؛ والكركي، وصول الأخيار إلى أصول الأخبار: 415؛ والشهيد الثاني، الرعاية لحال البداية: 206؛ والمنهل الرويّ: 54.

([14]) انظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد 5: 284؛ وابن الجوزي، الموضوعات 1: 40؛ والذهبي، ميزان الاعتدال 1: 141.

([15]) الرعاية لحال البداية: 206.

([16]) انظر: الرعاية: 208؛ والخطيب، أصول الحديث: 428 ـ 429.

([17]) انظر: صحيح مسلم 1: 14 ـ 15؛ وتدريب الراوي 1: 238.

([18]) الكافي 1 : 158.

([19]) قد بحثنا ظاهرة الوضع في الحديث في كتابنا المتواضع «دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر» 3: 433 ـ 519.

([20]) والسند هو: علي بن إبراهيم، عن إسماعيل بن محمد المكي، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن الحسين بن خالد، عمّن ذكره.

([21]) النوبُ والنُوبَةُ أيضاً: جِيلٌ من السودان، الواحد نُوبِيّ (إسماعيل بن حمّاد الجوهري، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ‌1: 229، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1410هـ).

([22]) الكافي 5: 352.

([23]) محمّد باقر الصدر، بحوث في علم الأصول 7: 334، بقلم: محمود الهاشمي، قم، الطبعة الثالثة، 1417هـ.

([24]) مثل قوله تعالى: ﴿..إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر: 28)، وقوله عزّ وجلّ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إنّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 9).

([25]) انظر: الأنصاري، كتاب الطهارة 5: 155.

([26]) تفصيل وسائل الشيعة 20: 443.

([27]) الخصال: 352.

([28]) علل الشرائع 2: 564؛ والمحاسن 1: 139.

([29]) والسند هو: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله×.

([30]) الكافي 4: 74.

([31]) الصدر، بحوث في علم الأصول 7: 334.

([32]) الكليني، الكافي 1: 69.