نبذة حيدر حب الله

الموضوع بواسطة حيدر حب الله :

أعمال شريعـتي من الثورة إلى الإصلاح

9 سبتمبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
856 زيارة

أعمال شريعـتي من الثورة إلى الإصلاح


1 ـ ليس سهلاً ـ في مقالة توصيفية تحليلية ـ تناول نتاج مفكّر كبير مثل الدكتور علي شريعتي؛ لأنّ ما قدّمه شريعتي من أعمال علمية وثقافية لم يكن سهلاً ولا ذا تأثير بسيط، فهذا المصلح الديني البارز في إيران هيمنت أفكاره على الساحة الإيرانية بشكل قلّ نظيره، ويؤكّد لنا هيمنة أفكار شريعتي على المثقف والكاتب الإيراني وعلى الحياة الثقافية الإيرانية:

أ ـ الإحصاءات التي تصرّ على أنّ ما كُتب حول شريعتي في إيران يساوي مجموع ما كتب حول الأفغاني ومحمد إقبال ومهدي بازركان وطالقاني ومطهري، وأنّ هناك مائة وخمسين دراسة عنه حتى عام 1997م حسب إحصاء الباحث المتتبّع محمد اسفندياري، وهذا معناه أن المثقف الإيراني كان مشغولاً في جزء كبير من اهتماماته الثقافية والكتابية في التأمل بعلي شريعتي وأفكاره ونظرياته، ليس المثقف المعاصر له فحسب، بل الجيل الذي أتى بعده، لأنّ ما كتب حول شريعتي في المكتبة والصحافة الإيرانية بعد انتصار الثورة عام 1979م كان هو الأساس في هذه الإحصاءات.

ب ـ الإحصاءات والمعلومات الكاشفة عن حجم تداول كتابات الرجل في الساحة الإيرانية، فمن المعروف إيرانياً أن العقد الستيني من القرن العشرين كان عقد المهندس مهدي بازركان، فيما العقد السبعيني كان عقد الدكتور علي شريعتي، أما عقد الثمانينات فكان عقد الأستاذ مرتضى مطهري، فيما عقد التسعينات كان للدكتور عبدالكريم سروش.

لقد هيمنت كتب وكراسات شريعتي على الحياة الإيرانية في السبعينات سيما ما بين عام 1978 ـ 1980م، وقد طبعت أكثر من مائة كراسة وكتاب في هذه الفترة ودفعةً واحدة من ناشرين مختلفين في وقت واحد، حتى صار معدّل نُسخ كل كتاب من كتبه يتراوح بين العشرة آلاف والمائة ألف نسخة، فيما كان معدّل عدد نسخ الكتب العادية آنذاك لا يتجاوز الألفين إلى ثلاثة آلاف نسخة، حتى بلغت بعض الإحصاءات أن أكّدت أن مجموع ما طبع لشريعتي في السبعينات لمجموع كتبه وطبعاتها وصل إلى خمس عشرة مليون نسخة وهذا ما يؤكّده شريعتي نفسه ـ من حيث المبدأ ـ إذ يقول: إن كتابه حول الولاية وصل إلى مليون نسخة، ويؤكّد هو نفسه أن عدد الطلاب الجامعيين الذين سجلوا اسمهم في درسه بلغ خمسين ألف طالب، بل تفيد بعض التقارير التي نشرت عن وثائق السافاك الإيراني أن حسينية الإرشاد في السبعينات كانت تطبع كل ثلاثة أيام كتاباً لشريعتي كان طُبِعَ من قَبْل.

وإذا حسبنا ـ كما يقول الأستاذ بهاء الدين خرّمشاهي، الذي كان رئيساً آنذاك للمكتبة الوطنية ـ حسبنا كتب شريعتي مع الكتب الأُخرى سنجد أن معدّل طباعة كتب شريعتي أكثر بمائتي ضعف من غيرها، ولا ننسى ما قاله المهندس مير حسين الموسوي إحدى الشخصيات البارزة في الحزب الجمهوري الإسلامي الذي كان يقوده الدكتور بهشتي، إذ يقول: إنهم وعبر ملئ استمارات لأكثر من ثلاثة مليون شخص من الحزب تبيّن أن 90% من أعضائه كانت الكتب التي يطالعونها ترجع إلى شريعتي. وصغر حجم كتب شريعتي ـ التي أخذت تجمع فيما بعد على شكل كتب جامعة ـ ساعد أكثر فأكثر على نشر كتبه وانتشارها.

ولا يفوتنا أيضاً أن عدد سكان إيران آنذاك كان حوالي الخمسة وثلاثين مليوناً فقط، فيما لم يكن عدد طلاب الجامعات ليتجاوز المائة وخمسين ألفاً حسب الإحصاءات. وقصّة الصورة التي نشرت في إيران عام 1979م لا تدع مجالاً للشك في خيالية المشهد، فهذه الصورة تبيّن وجود صفّ طويل من الناس يقفون أمام محل لبيع الكتب بشكل مزدحم؛ ليشتروا من مكتبة (كتابفروشي آذر) المقابلة لجامعة طهران.. ليشتروا كتب شريعتي، إنها تشبه صفوف الفقراء على المخابز وأمثالها، وهو أمر لم تشهد إيران له مثيلاً.

وإذا أضفنا الكتب التي حملت اسم مؤلف مستعار وعرفت أنها لشريعتي، سوف تتضح الصورة أكثر، فقد كان لشريعتي الكثير من الأسماء المستعارة قبل انتصار الثورة تبلغ حوالي 24 اسماً، ومنها: علي علوي، علي خراساني، علي شريفي، علي سبزواري، ع، شمع، مصباح..

نعم، بعد انتصار الثورة وإلى مجيء الرئيس الإيراني السابق السيد محمد خاتمي حصل إعراض واسع ـ لأسباب متشابكة ـ عن كتب شريعتي، فالمسألة السياسية وتوظيف بعض المعارضين السياسيين لأفكار شريعتي في معارضة النظام الجديد للحدّ من سلطة المؤسسة الدينية كانت من جملة العناصر التي أحدثت ردّ فعل من طرف السلطة وحدّت من الاهتمام بكتب شريعتي؛ فصارت طبعاتها نادرة، حتى أنّك تجد في الأسواق الطبعات القديمة غير المصحّحة وفق قواعد التصحيح الحديثة، لكنّ مجيء خاتمي أعاد إحياء شريعتي وطباعة كتبه، وكتابة دراسات عنه، وعقد ندوات عديدة، وقد قام منظرو الحركة الإصلاحية بإعادة استحضار أفكاره وتحليلها، لاسيما من جهة مسألة الإصلاح الديني والسياسي، ومسألة العلاقة مع المؤسّسة الدينية. كما ظهرت في العالم العربي حركة ترجمة لنتاج شريعتي، طبع قسم مهم منها في بيروت.

2 ـ وإذا أردنا تحليل أعمال شريعتي، فلابدّ أن نعرف أنّ أحد الأسباب الرئيسية لهيمنتها على العقل الإيراني يعود إلى نزعة ثقافة الأيديولوجيا التي كان يحملها؛ لهذا تحوّل إلى قائد أيديولوجي يملك كاريزما نادرة، إضافةً إلى حركة النقد الداخلي التي مارسها شريعتي ضدّ الحياة الدينية الإيرانية، من كتابه التشيع العلوي والتشيع الصفوي، إلى كتابه مذهب ضدّ المذهب، إلى كتابه معرفة الإسلام، إلى كتابه «أبي وأمي نحن متهمون» و… إن وجود ثورة عارمة ضدّ الواقع والمفاهيم في بلد صاخب كإيران يجعل حركة النقد قائمةً على قدم وساق، وسيكون هذا النقد مقبولاً طالما لا يصبّ في صالح السلطة (الشاه) والدفاع عنها وسط حياة غاضبة منها ومن أعمالها، وهذا بالضبط ما كان لشريعتي؛ حيث جمعت كتاباته بين اتجاهين نقديين في حياة القرن العشرين هما:

أ ـ الاتجاه النقدي الثائر ضدّ الطبقية والاستبداد، وهو اتجاه غذّته في العالم الإسلامي آنذاك الحركة الشيوعية واليسارية عموماً، لهذا وجدنا عند شريعتي مقولات تشبه اشتراكية أبي ذر الغفاري، وحضوراً لافتاً للاقتصاد في نتاجاته تمثل في رفض المنطق البورجوازي بتمظهراته في المجتمع.. فتحدّث عن زهد علي.. وفي سياق رفضه الشامل للطبقية، بلغ الحال بشريعتي أن طرح مقولة «إسلام بلا رجال دين أو بلا مؤسسة دينية» وهي المقولة التي أثارت غضباً عاماً ضدَّه في الأوساط الدينية في إيران، أي في مجتمع كانت تركيبته الاجتماعية قائمة على هرمية يقف المرجع الديني على رأسها.

وأظن بأن أطروحة شريعتي الداعية إلى «بروتستانتية إسلامية» والتي أفرزت الدعوة إلى إلغاء طبقة علماء الدين، كانت وراء الانتقادات الأخرى التي سجلت ضدّه، مثل قضية الصلاة خلف أبي بكر قبيل وفاة رسول الله؛ لأنّ هذا التحليل لهذه القضية بالذات، والذي مارسه شريعتي من منطلق علم اجتماعي، وهو اهتمامه المعرفي الرئيس في كتاباته، لم يكن ليشكل بالضبط خوفاً على الحياة الشيعية المذهبية، فحركة نقد المقولات المذهبية في إيران آنذاك لم تكن لتشكل خطراً جدياً، وإن كانت موجودة مع أبي الفضل البرقعي وعبدالوهاب فريد وغيرهما، سيما عندما نأخذ بعين الاعتبار اهتمام الشيخ مطهري بهذه القضية بالخصوص في سياق نقده لشريعتي، وهو الذي كانت لديه انتقاداته المذهبية أيضاً.

إن الذي يعرف الحياة الثقافية والاجتماعية في إيران ويحلّل الخطاب الديني الإيراني لا ينتابه شك في أن المؤسسة الدينية ذات حضور بارز تحكي عن نفسها دوماً وترى أنها في موقع المؤامرة عليها، وأن الإسلام مربوط بها، وذلك بشكل أكبر مما هو موجود في العالم العربي، ولهذا من الطبيعي هنا أن يكون لهذه المقولة تأثير الصدمة في المجتمع الإيراني.

وفي سياق كسر الهيمنة الطبقية لرجال الدين ـ كما يراه شريعتي ـ وجدنا ظهور شريحة من رجال الدين في إيران، غير معهودة كثيراً في العالم العربي الشيعي، حيث لا ترتدي هذه الشريحة لباس رجل الدين، بل هناك ـ تحت تأثيرات وتداعيات مسألة الطبقية هذه ـ من خلع عمامته وجبّته دون أن يبالي بتداعيات هذا الأمر حتى صار أمراً سائداً إلى حدّ ما، وليس آخر من فعل ذلك ـ وهي إشارة معبّرة ـ الشيخ محمد مجتهد شبستري أحد أبرز رجال الدين الإصلاحيين في إيران الذي خلع مؤخراً عمامته وزيّه الديني كلياً، بعد عقود طويلة.

وهذا هو ما يفسّر ـ امتداداً لمسيرة شريعتي ـ نقد الدكتور عبدالكريم سروش لمقولة «وحدة الحوزة والجامعة» على أساس أنه ما دام رجل الدين هو صاحب السلطة ويقف في طبقة عليا فلن يمكن تحقيق وحدة أو تناغم بين الحوزة والجامعة، وهذا كلّه يرجع إلى المقول الطبقي الذي كان من أولويات عمل شريعتي، إلى غيرها من امتدادات هذه الجهود التي بذلها شريعتي، ليس آخرها نقد هاشم آغاجري لمسألة التقليد.

ب ـ الاتجاه النقدي الثائر ضدّ المقولات الدينية التي يعتقد أنها لعبت دوراً في تخلّف المسلمين، وهذه المادة النقدية التي قدّمها شريعتي في التشيع العلوي والتشيع الصفوي وغيره، شكّلت أحد المنطلقات التي صدرت على أساسها الفتاوى ضدّ كتبه التي اعتبرت كتب ضلال، حتى من بعض المرجعيات الكبيرة آنذاك، فطبيعة التشيّع السائد في إيران كانت ـ من وجهة نظر شريعتي ـ تاريخية، أي إنها من إفرازات ما يسمّيه شريعتي في بعض كتبه (الاستحمار) الذي تمارسه السلطة، إنه استخدام منطق الدين للتجهيل والاستغباء وتفريغ الوعي وتسطيحه.

3 ـ ورغم الحركة النقدية التي عرفتها كتب شريعتي، إلا أن أيديولوجيته وحماسته وثوريته كانت تساعده على تقديم شخصية ذات مصداقية على مستوى الرأي العام؛ لهذا نجد كتب شريعتي جماعاً من التفكير النقدي القائم على أسس سيسيولوجية من جهة، والمشروع النهضوي القائم على ثقافة الأيديولوجيا من جهة ثانية، والحركة الإصلاحية التي تمثلت في دعوته لبروتستانتية إسلامية، أي إعادة تمثل التجربة المسيحية واللوثرية.. من جهة ثالثة.

4 ـ لكنّ خطّ شريعتي تحوّل في التسعينات تحوّلاً جذرياً، فالتفكير النقدي لتياره لم يعد قائماً على أسس علم الاجتماع، بل على أساسيات علم المعرفة والإيبستمولوجيا مع الدكتور سروش و.. كما أن المشروع النهضوي تخلّى عن الإيديولوجيا بل ونقدها كما فعل سروش نفسه، ليستبدلها بحيادية العلم ـ ولو على مستوى الادّعاء ـ وصارت الثقافة الصوفية الإيمانية مشروعاً بديلاً لأدلجة الحياة، كما رأينا مع شبستري وملكيان وغيرهما، وهكذا ظهرت موجات نقد لبروتستانتية شريعتي، وتحدّث بعض كبار الباحثين مثل «نيكفر» عن استحالة الإصلاح الديني في الوسط الإسلامي، وأن نقل التجربة اللوثرية إلى عالمنا ـ كما أراد شريعتي ـ ضربٌ من الخيال.

هذه تحوّلات جذرية جادة في مدرسة شريعتي، لا ندري هل ستنمو أم ستعرض عليها ما عرض من مشاكل على تجربة شريعتي نفسه؟

5 ـ وأخيراً، ومهما تحدّثنا عن شريعتي المفكر العملاق فلا ينبغي أن نكون مقلّدةً له، كما يفعل كثيرٌ من مثقفينا، بل إنّ من حقوقه علينا أن ننتقده ونتخطّاه ونستفيد من تجربته تراثاً لنتقدّم نحو الأمام إن شاء الله، سيما وأنّ أكثر كتبه إنّما هو نتاج محاضرات وخطب، الأمر الذي يفسح المجال للعثور على ثغرات.

من هنا، نتحفّظ على الأسلوب الدعائي التهويلي الذي يستخدمه بعض الباحثين بهدف إحياء شريعتي، مؤجلاً نقده، أو مفترضاً أننا بحاجة إليه اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، فهذه الطريقة تناقض منهج شريعتي نفسه ومنهج أمثاله من الذين يرفضون ـ حدّ الإمكان ـ تعميم مقولة المقدّس.

اليوم، نحن بحاجة إلى إعادة قراءة شريعتي؛ لكن ليس لتوظيفه سياسياً ضدّ أحد، بل لاستخلاص العبر من تجربته في نقاط قوّتها وضعفها، وهذا ما يستدعي توازناً في مطالعة الرجل، لا ينحو منحى التبجيل ولا يتّجه ناحية التفسيق والتضليل، علّنا بذلك ـ سما مع تطوّر الدرس الديني اليوم ـ نستفيد من التراث بدل أن نستنسخه بحرفيّته.



 




[1]نشر هذا البحث في العدد العاشر من مجلة نصوص معاصرة، ربيع عام 2007م.


العمل الثقافي بين تنوّع الرؤى وتعدّد الاتجاهات

19 أغسطس 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
807 زيارة

العمل الثقافي بين تنوّع الرؤى وتعدّد الاتجاهات

في ساحتنا الإسلامية، هناك اتجاهان في رسم استراتيجية العمل الثقافي يتجاذبان الحياة الثقافية الإسلامية، اتجاه يميل نحو التغيير والإصلاح للأمور القائمة ثقافيّاً، واتجاه يتحفّظ من التغيير، ربما من حيث المبدأ إلا مع استثناءات طفيفة، وربما من حيث الحجم التغييري الذي يرتئيه الاتجاه الأوّل؛ لهذا يقف متوجّساً أحياناً من مشاريع التغيير التي تُقترح، ونقف هنا قليلاً على بعض النقاط البنيوية في تفكير الفريقين.

1ـ ثمّة ترابطٌ ما بين معطيات العقل النظري ومعطيات العقل العملي، فالوجود الواقعي للأشياء قد لا يدفع العقل العملي لإصدار أحكامه الأخلاقية، إنّما الوجود العلمي لها هو ما يدفع لذلك.

من هذا المنطلق، تتبع ردّات فعل كلّ إنسان إزاء الواقع المحيط به طبيعةَ الصورة التي يكوّنها عن هذا الواقع، وهذا شيء طبيعي، فإذا حصل علمٌ بأنّ بجانبي ناراً فعندئذٍ أتحرّك لدرء الضرر عن نفسي، أمّا إذا ما كنت لا أعلم بأصل وجودها أو بحجم ضررها فسوف تكون ردّة فعلي مختلفة.

قد يرجع الخلاف بين الاتجاهين المشار إليهما مطلع الحديث إلى الخلاف في فهم الواقع وقراءته، وليس فقط إلى الخلاف في الإجراء المناسب الذي يُفترض اتخاذه، من هنا أسمح لنفسي بتسمية هذا الخلاف بالمبنائي، أي الخلاف الذي يفترض التفتيش عنه في البناءات المسبقة لدى كلّ فريق، لا في الظواهر التي تطفو على السطح.

ولكي نطبّق هذه الفكرة هنا، نلاحظ أنّ الصورة التي يحملها الفريق المتحفّظ عن واقعنا الثقافي والفكري صورةٌ إمّا لا ترى أنّ هناك مشكلةً داخليّة، أو تعتقد أنّها موجودة ولكنها طفيفة، أو أنّها كبيرة يمكن تفاديها عبر حلول تدريجية بعيدة المدى، وربما نرجّح ـ تخميناً ـ أنّ قسماً كبيراً يميل إلى الاحتمال الأخير، تماماً ـ والأمثلة تُضرب ولا تقاس ـ كشخصٍ يعتقد بأنّ زيداً ليس بالمريض حتى نُجري له عمليةً جراحية، أو هو مريضٌ بمرضٍ عارضٍ طفيف بحيث يمكن ببعض الأدوية الخفيفة تفادي مرضه والحصول على البرء والشفاء، أو مريض بمرض شديدٍ عضال لكنّ طريقة المثابرة على دواءٍ بعيد المدى سوف يحلّ مشكلته، وعلى أيّة حال، لا يحتاج إلى عمليّة جراحيّة أو ما شابه ذلك.

أمّا الصورة التي يحملها الفريق الداعي للتغيير ـ وربما يكون مخطئاً في رسمها أو غير موضوعي ـ فهي ترى أنّ هناك على هذا الصعيد أزمةً حقيقيّة، بكلّ ما لكلمة "أزمة حقيقيّة" من معنى، وأنّ هذه الأزمة يلعب مرور الوقت دوراً في تعميقها والمضاعفة من خطورتها، إذاً فنحن ـ من وجهة نظر هذه الصورة المرسومة عن الواقع ـ بحاجةٍ إلى عمل مكثّف وسريع وجذري، وطبعاً عقلاني.

من هنا، تختلف أساليب كلّ فريق من الفريقين، فلا ينبغي للفريق الأوّل أن يرى في خطوات الفريق الثاني تسرّعاً وعجلةً و..، كما لا يصحّ للفريق الثاني أن يرى في خطوات الفريق الأوّل تخاذلاً أو خمولاً أو ترنّحاً، وإنّما المفروض بالفريقين أن يسعيا لإعادة رسم صورتهما عن الواقع، وإقناع بعضهما بهذا الأمر، وهذه نقطة أساس فيما نفترض.

2ـ وانطلاقاً من النقطة السالفة، نجد في حياتنا الثقافية المعاصرة فريقين: فريقٌ يرى أنّ المشكلة الرئيسة تقع خارج جسمنا الإسلامي مثل الغرب، أو خارج جسمنا الشيعي مثل الفرقة السلفية السنيّة، لهذا يضع أولويات العمل على جبهة الدفاع، ويسعى ـ لأجل ذلك ـ لتفادي أيّ خلل داخلي، حتى لو كان معتقداً بوجود مشكلة داخلية، أمّا الفريق الآخر فهو يرى أنّ أساس المشكلة داخلي، أي توجد أزمات فكرية في منظوماتنا ويجب إصلاحها، والإصلاح ـ كما أشرتُ سابقاً في مناسبةٍ أخرى ـ لا ينحصر بنسف ما مضى، بل يتمّ أيضاً بمراكمة أجزاء جديدة عليه توجب تطوّراً حقيقيّاً في صيغته، وليس من الصحيح أن نكل كلّ شيء إلى الخارج، كما أن التغاضي عن المشاكل الداخلية سيفاقمها بمرور الزمن.

ولعلّ وجهة النظر الأصوب هي تلك التي ترجّح الجمع بين الرؤيتين المذكورتين، مع إعطاء بعض الأولوية ـ حاليّاً ـ للرؤية الثانية، ومعنى ذلك أنّ إعادة بناء وضع مأزوم يمكن أن يكون بحاجة إلى حالة عصف أفكار قد يمرّ خلالها ما هو غير مقبول ـ شبه ما يُقال في علم أصول الفقه من إعطاء الحجية للظنّ بملاك التزاحم الحفظي مع مرور بعض ما هو غير مطابق للواقع وربما حرّمه الله ـ لكن المهمّ هو السعي للوصول إلى نتائج، وهذا ما يجعل الحركات التغييريّة متورّطةً عادةً في أخطاء ربما تصاحب مرحلة التغيير، ممّا يعرف بعيوب مرحلة الانتقال.

3ـ وربما يكون المبرّر الشرعي للتغييريين عادةً في هذا المجال هو قاعدة التزاحم وتقديم الأهمّ على المهم، بحسب ما يحملون من رؤيةٍ عن الواقع الخارجي، تجعل لديهم صورةً عن حسابات المصالح والمفاسد، تقدّم عندهم مصلحةً ما على أخرى، الأمر الذي تُصاحبه بعض المفاسد تلقائيّاً، تماماً كأي موردٍ من موارد قانون التزاحم الذي تفوت فيه مصلحةٌ ما أو تقع فيه مفسدةٌ كذلك لصالح درء مفسدةٍ أكبر أو تحقيق مصلحةٍ أعظم، يظلّ تحديدها ـ عادةً ـ تابعاً للتقييمات البشرية للواقع الخارجي؛ لأن هذا القانون يلعب نوع الرؤية المكوّنة فيه عن الواقع دوراً كبيراً في تطبيقه عادةً.

4ـ وقد يُتساءل عن ضمانات لعمليّة التغيير هذه، حيث لا يصحّ الانطلاق في مشاريع تفتقد الضمانات، وقد يجيب الفريق الآخر بأنّ من الضروري السعي لتحقيق ضمانات، لكن يجب أن نعلم أن لا أحد في العالم يمكنه إعطاء ضمانات حاسمة في مشاريع تغييرية كبرى أو وسطى، وليُقرأ التاريخ وليُنظر كيف أن ذهاب الجيل المؤسّس أدّى في كثيرٍ من الأحيان إلى الانجراف عن المسير الأصلي المرسوم، وربما كان هذا من سنن الله في خلقه، وعلينا أن نبذل جهدنا لا أن نعيش دوماً القلق الذي يوقف حركتنا، أو يعرقلها.

5ـ ومن الممكن أحياناً أن تتّحد رؤية الطرفين للواقع المحيط، لكن مع ذلك تختلف الإجراءات المتبعة، ربما لأنّ بعضهم يرى في هذا الإجراء مردودات إيجابية أكبر، فيما يرى الفريق الآخر مردودات عكسيّة، وهذا شيء عام بين بني البشر، بل لعلّ شخصيّة هذا الطرف تلعب دوراً، فقد تجد إنساناً انفعاليّاً في شخصيّته يواجه الأشياء بالغضب فتجده عنيفاً في إصلاح الأوضاع وربما ارتدّ إصلاحه عليه فأفسد بنفسه مشروعه، والعكس صحيح أيضاً، وهنا ـ فيما أتصوّر ـ تدخل فكرةٌ في غاية الحساسيّة على مستوى العمل الديني، وأسمح لنفسي هنا باستعراضها لأنّني أراها مهمّة.

في التفكير الديني، هناك قاعدة يغلب ـ ولا نقول دوماً ـ حضورها في الوعي واللاوعي، حتى لو أبطلت في مباحث أصول الفقه وعلم الكلام إبطالاً نظرياً عند بعضهم، وهذه القاعدة هي: mدفع المفسدة أولى من جلب المصلحةn، فالإنسان المتديّن حريصٌ على الدين، ولنِعم الخصلة فيه هذه، لهذا فهو ينطلق دوماً في أيّ مشروع من موقع الحرص هذا، وعندما يريد أن يقوم بخطوة ـ خصوصاً الخطوة الإصلاحية داخل الدين ـ سوف تمثل أمامه إيجابيات الأمور وسلبيّاتها، فقد يرى بعض الإيجابيات، لكنه سيرى أيضاً بعض السلبيات، من هنا تجده في لا وعيه أكثر اهتماماً بأمر السلبيات التي ستقع منه بأمر الإيجابيات ـ وطبعاً نفترض هنا أنه رأى إيجابيات ونفترض أنها متساوية أو الإيجابيات أكثر بحيث لا تلحق السلبيات بحدّ العدم ـ فقد يعطّل المشروع خوفاً من تلك السلبيات ما دام عجز عن ضمان عدم وقوعها؛ إيماناً منه بالدين وخوفاً منه عليه، ولا ينظر ـ أحياناً ـ إلى أن تعطيله هذا هو بنفسه سلبية على الوضع الديني ستتراكم إلى جانب بعضها بمرور الأيام ما دام كلّ واحد يفكّر بهذه الطريقة؛ لأنه يعتبر أن السلبية الناشئة من عدم الفعل أخفّ على النفس ـ وربما عقلياً ـ من تلك الناشئة عن الفعل، فالإنسان عندما يترك أمراً يترتب على تركه خللٌ ما قد لا يرى شدّةً ـ لو راجع وجدانه ـ فيما فعله أمام أن يُقدم على أمر تحصل سلبيات من إقدامه عليه، فإن نسبة الفعل وآثاره إلى الفاعل قد تكون أشدّ وأوضح من نسبة الآثار إلى الترك في الشؤون الاجتماعية، لهذا يتراءى المثل الفارسي أمامنا والذي يقول: إن من لا يتكلّم لا يخطأ ليس لأنه بارع بل لأنه لم يتكلّم، حُسباناً من المثل المذكور أنّ عدم الكلام لا يمثل خطأ أحياناً.

هذا المفهوم ـ من وجهة نظري القاصرة ـ أساسي ورئيس؛ لأنه كلّما ازداد حضور مقول دفع المفسدة كلّما حصل انكفاء عن القيام بمشروع، سيما المشاريع ذات الطابع الجذري، لا الطابع المرحلي الجزئي الموردي المحدود.

6 ـ وفي هذا السياق، يحصل التباس أمام العامل في المجال الديني، وهو أنه عندما يحسب السلبيات ينظر إلى أنّ الأصل عدمها، وأن هذا المشروع سوف يأتي بها، وهذا صحيح من الناحية الوجودية الأنطولوجية، فالمشروع هو الذي حمل السلبيات،والمشروع هو الذي احتوى الأخطار المفترضة، لكنّ هنا سؤالاً يُفترض أن نجيب عنه سوياً: كيف نحسب قيمة مشروعٍ ما؟ هل يوجد مشروع لا سلبيات له؟

وحيث لكل مشروع ـ عادةً ـ سلبيات، فيجب أن نقيسها على حجم المشروع، فمثلاً لو كان مشروعي أن أهدي شخصاً إلى الدين وكانت المردودات السلبية أن يحصل ضلال شخص فهذا المردود السلبي ذو حجم كبير نسبةً إلى حجم المشروع ومنجزاته، أمّا لو كان المشروع هداية مليون شخص وكان ذلك يؤدي إلى ضلال عشرة من الناس فإن الأمور ستختلف.

وعليه، فالأمر يتبع رؤية كلّ شخص للمشروع ومدى أهميته وإنجازاته، وكذلك تأثيراته الفاعلة وحجمه، ثم يقيس تلك السلبيات، التي يجب عليه فعل أقصى ما يمكن لتفاديها، على المشروع ليحصل له تصوّرٌ شامل، فليس الموضوع موضوع وجود سلبيات بقدر ما هو موضوع قياسها إلى حجم العمل ودائرة تأثيراته الإيجابية، التي ينبغي أن يؤخذ معها بعين الاعتبار عنصر المساحة المكانية والامتداد الزمني أيضاً، لا أن يلحظ آنٌ واحد ليُفصل عن سائر المراحل والآنات.

7 ـ وأركّز هنا على مفهوم حسّاس، وهو أنّ أمر الدين يتساوى فيه إنقاص شيء منه وزيادة شيء عليه، فإذا كنت معنياً بأمر الدين، فعليّ أن أهتمّ بكل المحاولات التي أراها تُنقص هذا الدين وتحذف مفاهيمه وتُبطل بعض ما فيه، تماماً كما أهتمّ أيضاً ـ وبالدرجة عينها من حيث المبدأ ـ بكل إضافة على هذا الدين لا أراها منه ولا أجدها فيه، من هنا أظنّ أنه ليس من الصحيح أن أنظر إلى محاولات تصفية الدين بوصفها محاولات مشبوهة، أما محاولات الإضافة عليه فأراها مخطئة لكنها منطلقة من حبّ الدين والإخلاص له؛ إذاً فالمواجهة معها تختلف، فبعيداً عن تفسير النوايا يُفترض بمن يحمل همّ الدين أن يحمل الهمّين معاً، فلعلّ من نراه يُنقص إنما يرى أنه يصفّي، ولعلّ من نراه يزيد قد يهدف إعادة الاعتبار إلى ما رآه قد أنقص، وازدواجية المعايير على هذين الخطين قد تترك آثاراً سلبية.

8ـ وختاماً، وتعقيباً على النقطة الأخيرة يأتي الحديث عن مسألة الهمّ الديني، فلا ينبغي اتّهام أحد الفريقين: فريق تصفية الدين وفريق ردّ الاعتبار إلى بعض مقولاته، في نواياهم الدينية، وحسن سلوكهم الإيماني، فهل يحقّ ـ والأمثلة تُضرب ولا تقاس ـ للسيّد الكلبايكاني وهو يرى ـ على ما قيل ـ في الفلسفة ما يؤدي إلى الضلال ـ حتى مع إرفاق البحث الفلسفي بنقد الباطل فيه ـ أن يتّهم السيد محمد حسين الطباطبائي أنّه لا يحمل همّ الدين؛ لأنه رفع أعلام الفلسفة في الحوزة العلمية وشاد بناء النـزعات الصدرائية؟ لقد دان علماء الإمامية المولى محمد أمين الاسترآبادي على قسوته على العلامة الحلي الذي اتهمه أنّه اقتبس بعض أفكار أهل السنّة في مجال الفقه والأصول والحديث، هل كان يصحّ اتّهامه في حرصه على التشيّع وهو ـ أي العلامة ـ ممّن رفع شأن هذا المذهب وشاد أركانه؟

لهذا يحسن بالناشطين في الميدان الثقافي أن لا يُغرقوا أنفسهم في محاولة اكتشاف النوايا، فهذا عمل غير ثقافي، وإنما هو عمل يعنى به السياسيّون ورجال الأمن وأمثالهم ممّن تكون وظيفته مثل هذه الأمور وحتى من المنطلق الشرعي أحياناً.

إنّنا دوماً ندعو إلى التواضع في فهم الحقيقة وامتلاكها، وفي ادّعاء الوصول إليها؛ فالعلم والفكر والحقيقة أكبر ممّا نتصوّر بكثير، وقد قيل لبعض الحشرات: كيف هو الله؟ فأجابت: إنّ له قرني استشعار، وعلى حدّ مضمون قول الفراهيدي فيما ينقله عنه صاحب السرائر: إنّ الإنسان لا يعرف خطأ أو حجم أستاذه إلا أن يرى غيره، فالفكر والمعرفة مدارس واتجاهات، ولا تؤخذ الأمور بالبساطة، وعلى الجميع تحمّل المسؤولية الشرعيّة في هذا المجال.

وأخيراً، وحيث خصّصت مجلة "نصوص معاصرة" ملفّاً حول المرأة من وجهة نظر فريق في الساحة الثقافية الإيرانية، ونشرته في عددها التجريبي (صفر)، تكمل مشروعها هذا بملف حول المرأة من وجهة نظر أخرى، لتكتمل صورة المشهد عند القارئ الكريم، فكان ملفّ هذا العدد حول القراءات النقدية في مسألة المرأة.

>وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ …< ]الأنفال: 105[.




[1] . نشر هذا المقال في العدد السادس من مجلة نصوص معاصرة، ربيع عام 2006م.


الفكر الديني بين العقل الفلسفي والعقل النصي(*)

15 أغسطس 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
901 زيارة

الفكر الديني بين العقل الفلسفي والعقل النصي(*)

للفلسفة والدراسات العقلية عموماً دور بيّن في تكوين عقل الإنسان وطريقة تفكيره، ولا نستطيع إلاّ أن نسمّي ذلك: عقلاً فلسفياً، له خصائصه وسماته وآلياته في التعاطي مع العلوم والفنون.

1 ـ انطلاقاً من ذلك نجد الدرس الفلسفيّ ـ بالمعنى العام للفلسفة، أيّ فلسفة كانت ـ ضرورةً استثنائية للمعاهد الدينية والحوزات العلمية؛ لأنّ هذا الدرس يساعد على تنشيط الفكر، وينضج من تصوّرات العقل الديني عن العالم والإنسان والحياة، وقد لاحظنا ـ بالتجربة الدينية ـ كيف ظهرت بعض النتائج السلبية في الفترات التي غاب فيها هذا الدرس عن الحواضر العلمية الدينية، ليحلّ مكانه أحد درسين هما: الدرس الصوفي، والدرس النصّي.

ونقصد بالدرس الصوفي النزعات الصوفية غير المرشّدة بوعي منطقي، فعندما حظرت الفلسفة في العصر الصفوي مثلاً أو في بعض فتراته على الأقلّ، ونفي صدر المتألهين الشيرازي (1050هـ) إلى خارج المدينة العلمية، ليعيش فترةً في قريةٍ نائية، كانت التيارات الصوفية وحركة الدروشة تضرب في العمق المجتمعَ الإيراني، بل وتهز العاصمة الصفوية نفسها (إصفهان)، لتخيف الفقهاء وغيرهم.

ونقصد بالدرس النصّي شيوع ظاهرة الدوران حول الموروث في عملية استهلاك له، دون ضخّه بحياة جديدة، فتكثر الشروح والحواشي والتعليقات والمختصرات، وتتصارع المدارس على تفسير هذه الكلمة لهذا العالِم أو ذاك، وليس في تصارعها هذا ضيراً، بل الضير في استهلاك طاقاتها في هذا التصارع حتى النفس الأخير، فيدخل العقل والفكر مدارات مغلقة ويدور في حلقة مقفلة.

2 ـ من هنا، تتجاذب العقل الديني ـ عادةً ـ تيارات عدّة أبرزها: التيار العقلاني الفلسفي، والتيار التراثي النصّي، ولا نعني بالعقلاني سلب العقل عن النصيّة الدينية، والعياذ بالله، بل سلب محوريته عنها، وفرق كبير بين الأمرين.

ولابدّ لنا من رصد أبرز المعالم الفاصلة ـ منهجياً ومعرفياً فقط ـ بين هذين التيارين، كي تتحدّد أمام الإنسان المعالم ليختار سبيله، على ضوء ما ترشده إليه الأدلّة والحجج بينه وبين الله تعالى.

3 ـ يسعى العقل الفلسفي لفهم العالم والمعرفة و.. فهماً مباشراً، بمعنى الانطلاق من المعطيات التي يكوّنها بنفسه للوصول إلى هذا الفهم، ولهذا نجده معتزاً بجهوده واثقاً من نفسه وقناعاته فاهماً ما توصّل إليه، أما العقل النصي فلا يسعى لفهم العالم على هذه الطريقة بل عبر وسيط، وهو النص نفسه، فهو يجهد لفهم رأي الآخر عبر تحليل نصوص، أكان هذا الآخر هو الله تعالى أو النبي 2 أو غيرهما، فالثقة بصاحب النص (على أساس مفهوم العصمة مثلاً)، ولنسمّه (الناصّ) هي التي تمنحه الثقة بتصوّراته عن الكون والحياة.

4 ـ وانطلاقاً من العنصر السابق البالغ الأهمية تنفتح أمام العقل النصي مساحة جديدة من المجهول؛ لأنك عندما تبني تصوّراتك عن العالم على أساس الثقة هذه، فهذا يعني أنك مستعدّ لتبنّي تصّورات عن العالم لم تفهمها بمعطياتك الذهنية وإنما حصلت عليها بمعطيات غيرك، وانطلاقاً من قناعتك بهذا الغير ـ وهي قناعة لم تنشأ من فراغ بل نشأت من براهين أقمتها تبرّر الوثوق به ـ صدّقت هذا التصوّر أو ذاك، دون أن تنتجه بنفسك.

من هنا، يغدو العلم بمضمون النص ومحتواه، بمعنى عدم الوصول المباشر إليه، أساساً في بعض الأحيان لدى العقل النصيّ، أما العقل الفلسفي فهو على النقيض من ذلك، إذ بسعيه لتكوين قناعاته من نفسه لا يسمح بالمجال لعدم العلم لصياغة تصوّره عن العالم، بل هذا التصوّر ينشأ عنده من المعلومات التي عرفها عن العالم، ولا تساهم المعلومات المجهولة لديه في بناء التصوّر، بل تساهم في نقصانه، فالعقل النصّي لا ينزعج من هذا bاللاعلمv، بل يكمل بناء منظومته المعرفية اعتماداً عل الناصّ، فيما لا يمكن للعقل الفلسفي، إكمال البناء دون توصّل مباشر للمعرفة.

إذن، فالعقل النصي يشيد تصوّراته عن العالم في ظلّ مبدأين: أحدهما الثقة بالناصّ وثانيهما: الجانب غير المفهوم ولا المعقلن من العالم، ولا تضادّ بين هذين المبدأين، أما العقل الفلسفي فيشيد تصوّراته على مبدأ واحد هو المعلوم الذي توصّل إليه لا غير، ومن هنا لم يكن للتعبّد والتعبديات مجال عنده، على خلاف العقل النصي الذي يستسيغ وبدرجة عالية مقولة التعبد بقول الغير حتى مع الجهل دون أن يرى في ذلك أية منقصة.

5 ـ واستتباعاً لما سبق، يغدو اندفاع العقل النصي قائماً على الثقة واللامعقول عنده، على خلاف العقل الفلسفي الذي يندفع على أساس المعقول والذات، ولهذا يتراءى من بعيد أن الفكر النصّي فكر غير عقلاني، ونحن لا نحكم في هذا الموضوع هنا، لكننا نحلّل هذه الصورة، إذ سببها ما أشرنا إليه.

6 ـ ونعلم جميعاً أن هذا النص الذي تدور حوله حركة العقل النصي كانت في الزمان والمكان، وهذه الزمكانية فيه بالنسبة لنا اليوم ماضوية، بمعنى أن نصّ القرآن مثلاً أو نصّ التوراة نصّ جاء في الماضي، ولحظة صدوره تعود إلى زمن بعيد.

إن الدوران حول النص الديني الصادر في الماضي سيفضي تلقائياً إلى انشداد غير عادي لما مضى، وحيث يمثل النص الديني الأصلي قمّة التطوّر المعرفي في العقل النصي، فهذا يعني ـ غالباً ـ أنه كلّما تحرّكنا نحو الحاضر كلّما ابتعدنا عن المصدر الأصلي، وهذا ما يفسح المجال لبناء صورة انحدارية عن الصيرورة التاريخية للإنسانية، فالأقرب لعصر النص أقرب إلى المثال والنموذج، فيما الأبعد على خلافه، أو لا أقلّ على شكٍ من أمره، حتى أنك لا تكاد تستطيع القول: إن هذا المتدين المعاصر خيرٌ من ذلك الصحابي (العادي)، وكأن في هذا القول خطأ.

أما العقل الفلسفي، فيرى ـ عادةً ـ أن الحال في تطوّر، لأن بناءاته قائمة على المعرفة، ومرور الزمان يساعد في التراكم المعرفي، مما يمنح العقل تحسّناً في أموره.

لكن على أيّة حال، تغدو المثالية الماضوية في العقل النصي سبباً أحياناً لرغبة جامحة في الاستنساخ الحرفي، لهذا نجد نحواً من التماهي مع الماضي حتى في شكلانيات الأمور، ونمط الحياة، وأسلوب العيش، إيماناً صادقاً بأن في ذلك مقاربة للأنموذج الأعلى، ومن هنا بالضبط تخرج بعض ظواهر السلفية والحرفية أحياناً، فنجد ركوداً في الحياة، وجموداً في صورتها، وخوفاً من التغيير، وقلقاً من حصول تبدّلات.

وعلى العكس من ذلك العقل الفلسفي الذي نجده أحياناً مندفعاً بشره للتغيير، والتحوّل، والصيرورة ونحو ذلك، حتى كأنه ينكر ـ أحياناً ـ القديم لقِدَمه ويأخذ بالجديد لجدته، وكأن قِدَم فكرةٍ يُبطل مفعولها، أو كأن المفاهيم تبلى جميعها بمرور الأيام.

7 ـ وأرغب في التركيز هنا على نقطة حسّاسة، وهي أن الأمل في استحضار الماضي والعيش في كنفه على الدوام في العقل النصي، يجعل هذا العقل ـ أحياناً ـ يعيش الماضي ويتفاعل معه، ويحياه بروحه وعقله وقلبه ولسانه ولحمه ودمه، فقضايا الماضي هي الروح والمصدر، وما يحصل أحياناً أن يؤدي هذا الاستغراق في العيش إلى حصول تمثل للماضي؛ فيحيا الإنسان وكأنه في عمق الأحداث الماضية، مما يثير فيه الغضب تارةً، والبكاء أخرى، والمحبة ثالثة، و.. وهذا ما يساعد على انفعال العقل النصي المتواصل إزاء أحداث الماضي وكأنها تحصل اليوم، فيرغب في الانتقام ممن أساء في الماضي، ويحب إكرام من أحسن فيه.

وتتطوّر هذه الحالة في بعض الأحايين لتحدث تصادماً في العصر، وطائفية وخصاماً، فيما طرفا الخصام اليوم ليس بينهما شيء مثلاً، إنما الشيء كان بين أطراف الماضي وتياراته.

أما العقل الفلسفي، فقد يفرط أحياناً فيوقع القطيعة مع الماضي، وينسحب منه، ويتركه، فتنبتر أوصال الاستمرارية الحضارية،وتحصل بعض ظواهر الارتماء في أحضان الآخر الحضاري.

8 ـ من هذا كلّه نجد الاختلاف الكبير بين نمطي التفكير هذين، لكن السؤال: ألا يمكن إزالة سلبيات التيارين للحصول على صورة جديدة؟ هل يمكن الجمع بين العقلين؟ كيف؟ هل فرز المساحات وإيلاء كل مساحة لطرف هو الحل؟ فنقول: تصوّرات العالم للعقل الفلسفي فيما التكاليف والحياة والحقوق للعقل النصي، كما راجت هذه النزعة كثيراً؟ هل يصحّ وضع أولويات وتقدّم وتأخر في علاقة العقلين مع بعضهما؟ وكيف يمكن التوصّل إلى حلّ هنا؟

ولا نقصد بالحلّ مشروع مصالحة توفيقية على الطريقة السياسية، يتنازل فيها كل طرف للوصول إلى حلّ دون أن يقوم الحلّ على معطيات معرفية ومنطقية جادة تضمن بمنطقيّتها ديمومتها وسلامتها في الاستمرار والمستقبل، ولهذا لا نهدف في مشاريع المصالحة هنا حلولاً مؤقتة، أو عابرة، بل حلول جذرية تعطي العقل والنص دورهما دون أحكام مسبقة مسقطة سلفاً، تعيق الإنتاج المعرفيّ الجديد.

لكن مع هذا، ورغم كلّ الدعوات العلمية لمعالجة هذا الموضوع المشكل والمساهمات الفكرية في هذا المضمار، إلاّ أنه يمكن تناول الإفراط والتفريط في الطرفين معاً؛ لممارسة نقد مركّز لهما، أي الإفراط والتفريط، بغية الحدّ من ظواهرهما التي لا تشرعنها الاتجاهات نفسها، فأن يغرق طلاب العلوم الدينية في الموروث، وينظروا بعين الاحتقار لكلّ منتجٍ جديد، ويتطلّعوا بسخرية لما يرفد الغربُ أو الإنسان المعاصر المعرفة الدينية من معطيات، وكأن المعاهد الدينية والحوزات العلمية هي الممثل الوحيد وإلى الأبد للمعرفة الدينية، لا يُحاد عن منتجاتها قيد أنملة مهما تغيّرت المعرفة أو تطوّرت مناهج التفكير.. هذا كلّه إفراط في النصية ومرجعية التراث المتبقي، يمكن نقده حتى على أساس الموروث نفسه، أي نقداً داخلياً صامتاً.

وهكذا الحال مع الاتجاهات الفكرية المعاصرة، فقد تكون أحياناً أشدّ قسوةً في سخريتها وتقزيمها للطرف الآخر، وكأن التراث أضحوكة أو مهزلة يمكن تجاوزه ببساطةٍ لأمّة أنتج تراثها حضارةً عريقة، وكأن نقاط الضعف في الموروث أو وجود بعض الثغرات فيه حجة كافية لتجاوزه بقسوة، انطلاقاً من مرجعية العقل، إن هذه الطريقة من التفكير يمكن نقدها حتى وفق الأسس الداخلية للتيار العقلي، ويمكن إبراز نقاط ضعفها من زاوية معرفية مغايرة لزوايا النص والموروث.

من هنا، ندعو ـ ويفترض ـ كلّ طرف من الطرفين، لا لتجاوز أوّلياته وأوالياته ونمط تفكيره، بل لممارسة نقد الظواهر المتطرفة الناتجة عن طريقة التفكير التي يتبعها، فلكل منهج عثرات أو فلنقل: نتائج خاطئة تظهر عبر الزمن، عند أنصاره وموظِّفيه، لكن بإمكان هذا المنهج، وبممارسة نقد داخلي هادئ، إعادة بناء نفسه وتطهيرها من أخطاء تطبيقه هنا أو هناك، وبذلك نصل إلى الحدّ الأدنى من التقارب أو الحلّ بين نزعتي: العقل والنص.

لعلّ في هذه الدعوة الكلمة السواء، التي تهيء لإعادة تواشج التيارين، عبر منطلقات معترف بها لديهما معاً، إن شاء الله تعالى.

 

>قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ…<.

 





(*) نشر هذا المقال في العدد الخامس من مجلة نصوص معاصرة، شتاء عام 2006م.


الاجتهاد والتجديد قراءة في هموم الفقه الإسلامي المعاصر(*)

10 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
750 زيارة

الاجتهاد والتجديد قراءة في هموم الفقه الإسلامي المعاصر(*)



تمهيد

الفقه الإسلاميّ وما يتّصل به من أبرز مظاهر الحضارة الإسلامية، وليس من شك في مدى الجهد الهائل الذي بذله العلماء المسلمون لبناء هذا الصرح الحضاري القانوني؛ ليكون نبراساً تهتدي به قوانين عدّة في العالم، ومظهراً رائعاً من مظاهر قراءة النصّ، وتحليل أدوات التفكير، ومقاربة الظواهر الاجتماعية و.. والتكيّف مع الواقع، ثم إعادة صياغته.

بحقّ يجب أن ننحني ـ دون مجاملةٍ أو نزعة أيديولوجية ـ أمام أولئك العظماء عبر الزمن الإسلامي، من علماء فقهٍ وأصول وحديث ورجال وبيان.. على تلك الجهود المضنية التي بذلوها لخدمة هذا الدين في هذا الميدان الرحب الفسيح، فكلّما نظر الإنسان في تراجم هؤلاء وتاريخ نضالهم الفكري تلاشت نفسه وتصاغر أمامهم، لا يجد لنفسه رصيداً أمام معاناة لا حدود لها بذلها هؤلاء بأطيافهم، وقضوا بها أيّامهم ولياليهم، لا يفترون ولا يهدؤون، لا يملّون ولا يسأمون، فأيّ لسانٍ هذا القادر أن يصف ما قدّموه وما بذلوه وما فعلوه؟! وليس أجدى هنا من أن نقول: إن السكوت المنطلق من العجز خير تعبير نملكه لمدح هذا التراث العريق، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، وأنعم عليهم في جناته، ونسأل الله تعالى أن يُلحقنا بركبهم صالحين علماء متقين، لا نرجو سوى الله، ولا نطلب غير رضاه، بحولٍ منه سبحانه.

مكانة الفقه الإسلامي وأزمة الفرضية

وليس من ريب ـ فيما يبدو ـ لمن يقرأ التراث الإسلامي أنّ لعلم الفقه والشريعة وما يتصل به من علومٍ خادمة كالأصول والحديث والرجال والبيان، مكانةً مميّزة في منظومة التفكير الإسلامي، وأهمّ ما يميّز مكانة الفقه واقعيّتُه واتّصاله بحياة الناس، فليس علماً نخبويّاً صرفاً ولا ترفاً فكرياً بحتاً، إنما هو علم الحياة، وهو الاستجابة الطبيعية لفكرة تنظيم الحياة على الوجه الأكمل، من هنا تُناقض النزعةُ الفرضيّة الفقهَ بل وتقتله؛ لأن هذا العلم إنما يعبّر عن مواكبةٍ للحياة واستجابة لها، ومتابعة لشؤونها، فلا معنى لأن ينشغل بفروضٍ غير واقعية، ما دامت الحياة لا تهدأ بوقائعها الجديدة، سيّما العصر الحاضر الذي يتحفنا كلّ يوم بمستجدّاته التي لا تكاد تنتهي، وقديماً قال الأصوليون: إن الوقائع غير متناهية، ومهما ناقشناهم في هذا الكلام فممّا لا شك فيه أنّ الوقائع كثيرة جداً لا تكاد تتوقف في تدفّقها.

وليست النزعة الفرضية نزعةً جديدةً في حياة الفقه الإسلامي، بل عرفها المسلمون منذ القرن الثاني مع جماعة فقه العراق التي عرف فريقٌ منها بـ bالأرأيتيينv، نسبةً إلى قولهم: أرأيت لو كان كذا، فالتقدير بـ bلوv عندهم كان حاضراً على الدوام تقريباً، في إشارةٍ دالّة إلى جلوسهم في بيوتهم يرغبون بالافتراض، حتى ظهرت تساؤلات لا مجال هنا لاستعراضها، مثل: هل يجوز الزواج من الجنّ؟ وهل تُحسب الزوجة من الجنّ من الأربع نساء حتى لا يجوز الزواج من خامسة إنسية؟.. وفي السياق نفسه ظهرت ما تسمّى في الفقه الشيعي: فروع العلم الإجمالي، التي ذكرت في مباحث الصلاة، حاملةً فروضاً نادرة الوقوع في أكثرها.

وهكذا يبتعد الفقه عن الحياة وينزوي داخل السجالات التجريدية؛ فيغيب عن الحياة ويحلّ محلّه فقهٌ آخر، كالفقه الوضعي الغربي و.. وبهذا تبدو ضرورة واقعيّة الفقه وأن يعيش طلابه وفقهاؤه همّ الواقع المتدفّق بقضاياه اليوم، سيّما بعد دخول هذا الفقه مجال الحياة السياسية بكلّ تعقيداتها.

ولعلّ ما يساعد على ذلك ـ في بعض الجوانب ـ الرغبة في استخدام طريقة التفريع والتشقيق المنطقي القائم على سرد التقسيمات الثنائية، وهي طريقة رائعة استخدمها الفقهاء المسلمون؛ إذ كانوا يحاولون فرز المحتملات والصور المتوقعة إمكاناً للموضوع، ليجيبوا عن تمام الصور المفترضة المتصوّرة، فتكون إجاباتهم مستوعبة لتمام احتمالات الواقع، وفي هذا الإطار يجدون أنفسهم يعالجون افتراضات غير واقعية لكنها محتملة الوقوع، إن روعة هذا المنهج لا ينبغي أن تغرق الفقيه في المفروضات ذات الطابع غير العملاني، بل يركّز جهوده بشكل مضاعف على الصور المفترضة العملية، حتى لا يغرق في احتمالات لا تمتّ إلى الواقع بصلةٍ عملياً، وإن احتملها نظرياً وفلسفياً.

الفقه الإسلامي وترتيب الأولويات

وقد لا يُمنى الفقه بنزعةٍ فرضيةٍ كالتي ألمحنا إليها، لكن ميزان الأولويات يختلّ عنده، فمباحث التخلّي والوضوء من مباحث الواقع، ليست مجافيةً له ولا بعيدةً عنه، لكنّ الأمر ليس في واقعيّة هذا البحث الفقهيّ أو ذاك فحسب، بل في الحاجة إليه أيضاً، والأهم تقدير مدى هذه الحاجة.

من هنا، تأتي عملية اصطفاء الموضوعات الفقهية لوضعها ضمن هيكل يقدّم ما حقّه التقديم ويؤخّر ما حقّه التأخير، فصحيحٌ أن مباحث التخلّي أو الوضوء واقعيةٌ وهامّة، إلاّ أنه يجب أن نقايس في كلّ عصرٍ وزمان درجة الأهمية؛ فقد نجد أنّ مباحث الاستنساخ، والتلقيح الصناعي، وفقه البنوك والمصارف والبورصات و.. تحتوي درجةً مستعجلة من الجواب، فيما التخلّي والوضوء والصلاة على درجة أقلّ، سيما وأنّ هناك مباحث سابقة في هذا دون ذاك، فحينما نتحدّث عن أولويات ونطالب المعاهد الدينية والحوزات العلمية بالتركيز على ملفّاتٍ دون ملفات لا نقصد البتّة تهميش أيّ حكم شرعيّ إلهي أو اعتباره سخيفاً والعياذ بالله، بل الحديث عن الاهتمام المعرفي بهذا الموضوع أو ذاك، انطلاقاً من مبدأ أن الفقه استجابةٌ للواقع وردّ على أسئلته.

وعندما نتحدّث عن رسم الأولويات في الدرس الفقهي وعلوم الشريعة فلا يعني ذلك عملاً فنياً صرفاً لبناء أشكال هرمية أو عامودية أو مستطيلة، بل بلورة أنظمة التفكير ـ ومعها أنظمة التعليم ـ وفقاً لمبادئ واقعيّة الفقه وأولوياته، فما معنى اليوم ـ وهذه وجهة نظر شخصية بحتة ـ لأن يأتي فريقٌ من الفقهاء يدرّسون ـ على مستوى الأبحاث العليا ـ مباحث الطهارة في عشرة سنوات أو أكثر؟! هل هذا شيء مقبول؟! وأساساً لماذا ما يزال التفكير في تدوين أو تدريس دورةٍ فقهية أو أصولية كاملة؟! وهل هناك معنى لذلك في عصر تضخّم العلوم الدينية فضلاً عن غيرها؟ لماذا لا يُصار إلى اعتماد الموضوعات والملفات والمحاور العصرية أو الأكثر حاجةً ليدرّسها الفقيه أو يجتهد فيها بدل أن يُجبر على تدريس بابٍٍ بأكمله ربما تكون ثلاثة أرباع موضوعاته غير ضروريةٍ اليوم بالمعنى الذي قلناه؟ ففي أبواب الطهارة ندرّس بعض المسائل الحسّاسة أو التي تشهد جدلاً معاصراً أو التي يكثر الابتلاء بها مثل طهارة الإنسان أو تنجيس المتنجّس أو..

نعم، نحن نعتقد بأنّ هذا الفقه متواشجٌ متداخل، وهذه نقطة لا ينبغي أن نغفل عنها، فمن الممكن أن تساعدنا مباحث لم تعد مفيدةً اليوم في دراسة موضوعات بالغة الأهميّة، ولكي أعطي مثالاً، أذكر مسألة الستر والحجاب للأَمَة المملوكة، فقد ذُكر جواز كشف شعرها مثلاً، ورغم أن هذا الموضوع لم يعد محلّ ابتلاءٍ اليوم إلاّ أنه قد يثير عند فقيهٍ تساؤلاً حول معايير الحجاب في الإسلام، فيرى أنّ حرمة المرأة ومكانتها يلعبان دوراً في إلزامها بستر جسدها، وإلاّ فقد تكون الأمة مثيرةً للغرائز كالحرّة فكيف نفسّر الموقف؟!

لست أريد هنا الحديث عن هذا الموضوع ولا تبيين رؤيةٍ بقدر ما أريد التركيز على عنصر التواشج في الموضوعات الفقهية، الأمر الذي يفرض عدم تغييب بحثٍ من الفقه، بحيث ينشأ طلاب الشريعة لا يعرفون شيئاً عن هذا الباب الفقهي أو غيره، فيحصل نوعٌ من الخلل في رؤيتهم الفقهية حتى لموضوعات هامّة اليوم.

نعم، نحن نؤمن بهذا التداخل ولسنا نريد تجاهله، لكنّ هذا شيء يقع على مستوى المعرفة والاطلاع لا على مستوى رصد الجهود لدراسته، فمن المفيد أن يكون طلاب الشريعة مطّلعين على مجمل الموضوعات الفقهية، لكنّ هذا لا يعني أن يصبّوا دراساتهم على غير الموضوعات الحيّة والمعاصرة ذات الأهمية والمبتلى بها، ومعنى ذلك أنّه لا يوجد أيّ تنافر بين اعتماد منطق الأولويات في الدرس الفقهي وبين مبدأ تواشج الموضوعات الفقهية، بل يمكن الجمع بينهما وإيجاد الملائمة والانسجام، فإذا اصطدمنا بموضوع درسناه حينئذٍ.

وربما نجد وجهة نظرٍ تقول: إن بعض الموضوعات الفقهية قد يفتقد الحضور العمليّ له، فيخرج عن دائرة التداول ـ عموماً أو جزئياً ـ على الصعيد الميداني، إلاّ أنه يظلّ يشتمل على خاصّية تفرضه في الممارسة الاجتهادية، وهذه الخاصية هي طبيعة التعقيدات والصعوبات والمشاق التي تكتنف موضوعاً فقهياً ما ممّا يجعله محكّاً لاختبار جدارة الفقيه، فيكون الاهتمام به لا من باب الحاجة العملية الميدانية له وإنّما من باب الحاجة العلمية التي تفرض شحذ الذهن وخوض المعقّد من الموضوعات الشرعية.

وعلى سبيل المثال، هناك مباحث جرى الاهتمام الكبير بها بين الفقهاء في القرنين الأخيرين، مثل مباحث كتاب bالمكاسبv للشيخ مرتضى الأنصاري (1281هـ)، فبعض موضوعات هذا الكتاب ربما يكون غير ذي أهميّةٍ على الصعيد الميداني؛ لأنه يحاكي وضعاً سابقاً في الحياة الاقتصادية، إلاّ أنّ أهميّة الاجتهاد فيه تظلّ قائمةً مهما اتسعت هذه الثغرة؛ انطلاقاً من أن الاجتهاد في موضوع شائك كثر فيه القيل والقال والردّ والتفريع تبقى له قيمته على الصعيد العلمي لبناء جيل مجتهد متضلّع في تعقيدات البحث الفقهي.

وليس من شك في واقعيّة هذه الفكرة، لكن السؤال: هل انتهت الموضوعات التي تجمع خاصية العلمية والعملانية حتى نفتّش في مثل هذه الأوراق لشحذ الذهن وتربية الاجتهاد فيه؟ وإذا كنّا نحمل همّاً في مواكبة الفقه لآخر أوضاع العالم أليس بمقدورنا وضع حلّ يجمع بين الخاصيتين المذكورتين؟ ثم من قال: إنّ هذه الموضوعات ليس من أضرارٍ ناجمةٍ عن الغرق فيها رغم الفوائد العلمية التي ترافقها؟ هل الاجتهاد غايةٌ أم وسيلة؟ وهل الاجتهاد رسالةٌ لخدمة الدين وتحقيق غايات أخرى أم هو رغبة في التفنّن العقلي فحسب؟

إننا نعتقد أنّ الاجتهاد لا يفقد خاصية الرسالية بمعنى صيرورته نقطة الانطلاق لتقديم حلولٍ للواقع على ضوء معطيات الدين ضمن الدائرة الدينية، ومن ثم فلا يمكن لمجتمع علمي يدّعي القدرة على صياغة نظامٍ أفضل من غيره للعالم أن يُغرق نفسه ويبني ثقافته على التفنّن العقلي والغرق في السجالات الفكرية التي لا مردود رئيس لها على حساب الغاية النهائية المطلوبة من وراء الفقه، إن نزعة التفكير الفلسفية قد تكون مسؤولةً ـ بعض الشيء ـ عن هذا الواقع القائم، وسيأتي الحديث عن موضوع التدخّل الفلسفي في مباحث الشريعة.

من هنا، تتضح ضرورة المطالبة باستحضار عنصري الدقّة العلمية والحاجة العملانية معاً في بلورة مناهج التدريس من جهة، واهتمامات الفقهاء والباحثين من جهة أخرى، لا الاقتصار على أحد هذين البُعدين على حساب الآخر الذي لا يقلّ عنه أهميّةً، ولو جمعناهما معاً لتوصّلنا إلى صيغة تفي بهما، طبقاً لوفرة العطاء الفقهي في غير بابٍ من أبواب دراسة الشريعة.

الفقه الإسلامي والنظام التعليمي

ومن هذا المدخل ـ منطق الواقعية ومبدأ الأولويات ـ نلج موضوع النظام التعليمي، وهو موضوع طويل، إن إصلاح نظام التعليم أهمّ مدخل ـ كما كان يعتقد الشيخ محمد عبده (1905م) ـ لإصلاح بُنيات التفكير و.. ولست أريد الولوج المطوّل في هذا الموضوع، فقد قيل حوله الكثير، لكنّي أرغب في الإشارة إلى نقاط، أتصوّر أنّها دالّة:

أولاً: إن النظام التعليمي هو الذي يخلق التفكير الأحاديّ والتعدّدي، وهذه نقطة جديرة بالوقوف عندها، فنحن نلاحظ أنّ الحوزات العلمية والمعاهد الدينية عندما تدرّس طلاب العلوم الدينية علمَ المنطق فإنها لا تقدّم لهم سوى منطق أرسطو، فينشأ الطالب ظانّاً أن معادلات هذا المنطق كأنّها متفقٌ عليها عند عقلاء العالم، وتمرّ السنون وهو لا يدري أنّ علوماً منطقية قد ظهرت، وأنّ منطق أرسطو قد اجتاحته أمواج النقد العاتية فأعملت فيه مظاهر التعرية، ولسنا بذلك نزعم أنّ منطق أرسطو قد بلى وحكمنا عليه بالمقصلة، بل كلّ ما في الأمر أننا نريد أن ينشأ الطالب على وجود اتجاهات وآراء، ولا يظنّ أن للدنيا لوناً واحداً فحسب؛ مما يخلق في تفكيره تصوّراً أحادياً عن العالم، لا يلامس الواقع والحقيقة المعرفية الموجودة.

وهكذا الحال في علم الفلسفة الإسلامية؛ فنحن نلاحظ أن الحوزات العلمية تركّز ـ إلاّ مؤخراً وبصورة جزئية ـ على الفلسفة العقلية الصدرائية ـ نسبةً إلى الملا صدرا الشيرازي (1050هـ) ـ وكأنه لا وجود في العالم لفلسفةٍ إلاّ الفلسفة الإسلامية، وأنّ الفلسفة الإسلامية قد اختُزلت في الحكمة المتعالية، تماماً كما نلاحظ حالة الإفراط هذه لدى بعض مثقفي المغرب العربي في رؤيتهم للفلسفة الرُّشدية، وهذا ما سبّب استخدام منطق التهميش للفلسفات الأخرى والتعامل معها بدونيّةٍ دون كثير اطلاع على مصادرها وأفكارها.

ولا تقتصر هذه الحالة على المنطق والفلسفة، بل تنال الفقه نفسه، فرغم التنوّع الموجود اليوم في الدرس الفقهي، وهو تنوّع لا يكاد يُنكر، إلاّ أنّ ثمّة مشاهد تظلّ مغيّبةً عن طلاب الشريعة، يتربّون على غيابها، مثل الفقه السنّي في الوسط الشيعي، والفقه الشيعي في الوسط السنّي، أو الفقه الوضعي في الوسطين معاً، فلا يطّلعون عليها إلاّ بعد مرحلة الاكتمال الفكري، التي تفرض رؤيةً أيديولوجية ذات أحكام مسبقة على الآخر في كثيرٍ من الأحيان، وستكون لنا وقفةٌ مع موضوع تنوّع المشهد الفقهي قريباً إن شاء الله تعالى.

وبهذا يجدر أن لا نستهين بالأحادية التعليمية التي ينغمس طالب الشريعة في أجوائها ما لا يقلّ عن عقدٍ كاملٍ من الزمان، وهو أمرٌ تُسأل عنه البرامج التعليمية الحالية، مع تقديرنا لجهود مشكورة تقوم بها المعاهد والحوزات الدينية في هذا المضمار.

ثانياً: ثمّة أزمة ثقة يعانيها طلاب الشريعة الآملون في التغيير، وهي أزمة تخلق ـ فيما يبدو ـ نوعاً من انفصام الشخصية أو من الازدواجيّة، ولعلّ هذه الأزمة المزدوجة (الثقة ـ الازدواجية) من أخطر الأزمات التي تعانيها الحوزات العلمية اليوم.

ولكي أوضح هذه الفكرة، أجد نفسي مضطراً لذكر هذه القصّة، فقد التقيت بأحد أبرز تلامذة الشهيد السعيد محمد باقر الصدر (1400هـ)، وهو من الفقهاء المعاصرين البارزين، وكان حديثٌ عن الفقه و.. فسألته عن السبب الذي دفع مفكّراً كبيراً كالسيد الصدر، وهو رجل المرحلة، والعارف بزمانه، أن لا يدرّس في حوزة النجف آنذاك فقه الاقتصاد، أو فقه الأسرة، أو فقه العقود وأنظمة المال، أو فقه القضاء، وهي ملفّات شائكة وبالغة الأهمية، وجميعنا يعرف لو ولجها الصدر بعقليته الفقهية و.. لقدّم نماذج مهمّة تحتاجها الأمة وتنمو بها المعرفة، بل يستبدل ذلك كلّه بتدريس كتاب الطهارة، إلى مباحث الحيض، في مدّةٍ لا تقل عن ستة عشر عاماً، وما طُبع له في مباحث الطهارة على العروة الوثقى لم يكن سوى بعض تلك الدروس لا جميعها.

كان جواب هذا الفقيه البارز أنّ بعض تلامذة الشهيد الصدر هو من أقنعه بأن يدرّس كتاب الطهارة، مع رغبة الصدر في تدريس فقه العقود مقارناً بآخر النظريات الوضعية في الفقه الغربي، والسبب في ذلك أنّ الحوزة لن تعترف بك ـ أيّها الصدر ـ إذا درّست مباحث جديدة، بل علينا الشروع بمباحث تقليدية حتى يُصار إلى كسب الاعتراف، ثم الانطلاق بعد ذلك في المشروع الخاص، وهكذا شرع الصدر في مباحث الطهارة، ليدرّسها أكثر من ستة عشر عاماً.

كيف يمكن لنا تصوّر حجم الخسارة التي مُنيت بها الحوزة العلمية بهذه الخطوة؟ لقد صرف الصدر أقلّ من نصف هذا الوقت ليكتب bفلسفتناv، و bاقتصادناv، و bالأسس المنطقية للاستقراءv، تلك المشاريع الثلاثة التي لا يحتاج الأمر للحديث عنها، فلو صرف ستة عشر عاماً للتنظير للفقه الاجتماعي بأبعاده ماذا كنّا وجدنا اليوم؟ كيف يمكن غفران هذا الحدث؟! ومن هوالمسؤول عنه، وعن كثيرٍ من أمثاله؟!

بهذا المثال التقريبي أبدأ فكرتي، إشكالية تتجاذب المصلح الديني في المؤسسات الفكرية الدينية، هل يشرع ـ لكسب الاعتراف به ـ بنمط تقليدي مدرسي فتمرّ الأيام ثم تمرّ المشاريع وتذوب بعد الغرق في تعقيدات الأوضاع التقليدية، أم يبدأ في عملية التغيير وفق قناعاته منذ البداية لكنه يصطدم بعدم الاعتراف به مما يُعجزه عن التغيير؟

سؤال رئيس، وجوابه ـ في الوقت عينه ـ معقّد متشابك، فقد رأينا في حياتنا أشخاصاً متذبذبين خائفين أن يُنبذوا أو لا يُقَرّ لهم باجتهاد أو فقاهة، فاضطرّوا للتخلّي عن قناعاتهم مرحلياً، لكن مرور الأيام قضى على تلك القناعات وجعلها رذاذاً منثوراً.

من هنا، تبدأ معاناة طلاب الشريعة، حيث التذبذب بين المناهج، فيضطرّ الطالب لدراسة كتب لا يؤمن بعظيم الفائدة من دراستها، مع كلّ الاحترام لها ولمؤلّفيها، لا لشيء سوى الخوف من أن يُنعت بالضعيف علمياً أو…، وبهذا تموت القدرات والطاقات وتذهب الآمال رويداً رويداً، وتبقى المظلّة الكلاسيكية تخيّم فوق رؤوس الجميع، وقبل كلّ شيء فوق رؤوس ألدّ أعدائها، إنه القدر الذي أصاب ويصيب غير صرحٍ علمي في حياتنا الدينية، ولهذا لا بدّ من تفكير جادّ، ليس شكلياً بل جوهري، تفكيرٍ لا يعيش عقدة الخوف ولا يبحث عمّن يشهد له أو يمتدحه، تفكير لا يريد إلاّ الله حتى لو ذمّه العالم، ولا يسعى إلاّ خلف رضوانه حتى لو عاداه الخلق كلّه، يعرف المدارة لكنه لا يقتل نفسه داخلها، إنّه لا يصنع أفكاراً واهمة تجعله كدودة القز تقتل نفسها بنفسها، فيسلّي نفسه تارة بأنه يقوم بتغيير تدريجي، أو يؤنسها أخرى بأنه يمارس تكتيكاً…

مسؤولية مَنْ تلك أن نبعث في نفوس طلاب الفقه والشريعة الثقةَ بأنفسهم حتى لو لم يسيروا وفق المألوف الذي لا يؤمنون به؟ أليست مسؤوليّة أساتذة الحوزات العلمية ومربّيها أن يعملوا على ذلك؟ إلى متى الارتكاس والخوف؟ وإلى متى القلق على مصالحي ومصالحك أن تصدر بنا فتاوى أو تنهال ضدّنا البيانات الصاخبة؟ لو كان الإمام آية الله الخميني يفكّر بهذه الطريقة لما شاهدنا كلّ هذه الإنجازات التي قدّمها؟

كيف يمكن ـ بعد اليوم ـ أن نتناول هذه الملفّات بابتسار أو استخفاف؟ لقد وضع مرشد الثورة الإسلامية آية الله السيد علي الخامنئي حفظه الله تعالى كلّ ثقله وما يملك من نفوذ لإيجاد تغييرات في الحوزة العلمية، وبعد أكثر من عقدٍ من الزمن على مشروعه هذا ومع كلّ الإنجازات الرائعة التي تحققت، ما زلنا نجد وضعاً في غاية المأساوية، فإذا كانت الحال كذلك فأيّ أملٍ يرتجى إذا لم ينهض الجميع ويأخذوا الأمور بجدّية أكبر؟!

من الضروري التفكير بإعادة الثقة للطلاب الطالبين للتغيير، ولست أتكلّم هنا مع الفريق الذي لا يؤمن بتغييرات في مناهج التعليم، فإنه يختلف معنا جذرياً، وهذا حقّه ووجهة نظره التي نحترمه عليها، إنما الحديث هنا مع دعاة التغيير والمؤمنين به، لماذا الصمت وإلى متى نترنّح اعتماداً على ما قدّمه الصدر والمظفر و.. قبل عقودٍ عديدة؟!

يجب أن نشير أخيراً إلى حالة جديرة بالثناء، انبعثت مؤخراً في أوساط طلاب العلوم الدينية في الحوزات العلمية بإرشادٍ ودعم من المؤسّسات المشرفة على عمل الحوزة في إيران وغيرها، وكلّنا معهم ـ مهما كانت الأخطاء ـ نشدّ على أيديهم، وإذا لم يكن من سبيل للخدمة فلا أقلّ من الرضا والدعاء.

الفقه الإسلامي ومسألة التجديد

ومسألة التجديد هي الأخرى مسألة طويلة معقّدة، لا تستهدف هذه الأوراق الخوض فيها، إنما تعنيها بعض وقفاتٍ نوليها أهميةً.

1 ـ أولى قضايا الهمّ التجديدي، مسألة الانكماش النفسي أمام هذه المقولة في الأوساط الدينية، فهناك خوفٌ حقيقي منطلق من معطيات موضوعية من مشاريع التغيير والتجديد، هناك قلقٌ على المسألة الدينية ككلّ؛ ذلك أنّ العديد من مشاريع التجديد الديني في الغرب والشرق، وفي ساحتنا الإسلامية، كانت لها مردودات سلبية واضحة على الحسّ الديني عموماً، وقد دفعت هذه التجارب ـ إلى جانب حساسية الموضوع الديني ـ جملةً من العلماء للحذر من محاولات التغيير، خصوصاً في ظلّ العولمة الثقافية التي يقودها الغرب، وفي ظلّ الاستمداد المعرفي (وأحياناً الاستلاب) الذي يمارسه التجديديّون إزاء الغرب، كونه يمثل بنظرهم حضارةَ اللحظة ومعرفة العصر.

من هنا، تشابكت في الوسط الديني مسألة التجديد مع سلب الهويّة، ودخل موضوع تغيير الواقع في جوٍّ من الخوف على انفلات الأمور نحو ما لا تُحمد عقباه، وللحقّ يقال: إن مقداراً من هذه المخاوف منطقيّ ومبرّر.

لكن هل يصحّ تحكيم هذه المخاوف لتمثل ثقافةً تقدّم دفع المفسدة على جلب المصلحة دوماً؟ لنفرض أنّ أخطاءً قد وقعت، وبعضُها فادح، هل ينسف ذلك أصل المشروع؟ وهل يجعل المبدأ دوماً عرضةً للتساؤل؟ سيّما مع وجود عيّنات تجديديّة ممتازة ومُرضية استطاعت تقديم صورةٍ إيجابية عن المشروع التجديدي، لماذا إذا اتّهم الغربُ الإسلام بتهمة عذرنا بأنّ ذلك كان خطأ في التطبيق هنا أو هناك، أما عندما يحصل خطأ في الطرف المقابل لا نستخدم الأمر نفسه؟

نحن نعتقد أنّ الخطأ في مثل هذه الحال قد يطال المبادئ والنظريات، لكن ذلك ليس على نحو العجالة، بل لابدّ من درس الأمر لتحديد أن مسؤولية الخطأ هل ترجع إلى المشروع نفسه أم إلى بعض امتداداته أو بعض تطبيقاته؟ وبعد ذلك نحكم بجدوائيته أو عدمها، لا إصدار قرار عام، سيما إذا كنا نؤمن سلفاً بضرورة المشروع من حيث المبدأ.

كما أنّ وجود أخطاء في مشروعٍ ما يجب أن يدفعنا إلى النظر في مدى قابليته للإصلاح والإحياء، فهل هذه الأخطاء بحدٍّ تمنع أساس انبعاثه سليماً مستقيماً أم أنّها بحيث يمكن تفاديها ضمن الحدّ المعقول والمنطقي؟ إضافةً إلى أنّه لا يخلو مشروعٌ تغييري من مفاعيل عكسية، ولا نسمّيها أخطاء؛ لأن الخطأ الذي يُلام صاحب مشروعٍ عليه هو الخطأ الذي يخرج عن الحدّ الوسطي من الاشتباهات، وإلا فلا يحاسب غير المعصوم وكأنّه معصوم؛ كي لا نكون مثاليين في تعاطينا مع الظواهر والأحداث.

من هنا، لابد من حساب مجموع المساوئ والمحاسن مع لحاظ تمام هذه الأمور؛ لكي لا نشطب على مشروع بالمرّة أو نختزله في صور بائسة لا تكاد تفعل شيئاً على أرض الواقع.

على أنّ هناك نقطةً جديرة، وهي أنّ رفض المشروع قد يدفع فرقاء آخرين في الساحة لتبنّيه، الأمر الذي يزيد الأمور تعقيداً ويفتح الهوّة أكثر فأكثر بين الطرفين، أما لو بادرت الجهات المعنيّة التي تعيش قلقاً من الآخر لخوض غمار هذه التجربة فلربما حققت نجاحاً مضموناً؛ كون الأمور بيدها، كما ولربما سحبت شرعية الطرف الآخر الذي قد يغذّي وجودَه على تقليديّة الطرف الأول وانزوائه ومزيد تشدّده، فقد يُنشؤ التطرّف في طرفٍ شرعيةً للطرف الآخر وحجّة، فيما يذيبه الاعتدال أو إقدام الآخر على المشروع نفسه.

2 ـ ما هو الذي نريد أن نجدّد فيه؟ سؤال اختلفت حوله الأجوبة، فبعضهم يرى أنّ المطلوب التجديد في اللغة؛ بأن نبقي الأفكار فيما نغيّر طريقة عرضها، وبعضهم يطالب بتجديدات شكلية أوسع نطاقاً.

أما ما نعتقده حاجةً للتجديد، فليس فقط البُعد الإداري أو التعليمي أو اللغوي أو.. وإنما الخطاب الذي يعني بُنية التفكير وطرائق التعقل، فهذا هو المحور الرئيس الذي يرفد سائر المحاور التجديدية، فعندما تتداوى المعدة يصبح الشكل الخارجي للوجه أكثر نضارةً بزوال البثور عنه، من هنا كان اعتقادنا بأن فشل جملة من تجارب الإصلاح إنما جاء من سطحية تناولها للمشكلة، فعندما تبسّط المشكلة ثم تضع حلاً لها فأنت لا تكون قد فعلت سوى عملية تخدير مرحلية، سكّنت الأوجاع، ثم ما تلبث أن تتجدّد، وربما يكون التجدّد تأزيماً أكبر للواقع؛ لأن مرور الزمان يزيد الأمور تعقيداً وتفاقماً.

من هنا الإصرار على ضرورة تناول الملفات الحسّاسة، ذات الطابع المعرفي والمنهجي؛ لأنها التي تمثل عصب التفكير، وبإعادة النظر فيها وإعادة ضخّ التفكير حولها يمكن وضع الإصبع على الجرح، وإن كان المهمّ ـ قبل ذلك ـ أن نحسّ بهذا الجرح ونتألّم.

لهذا كان تناول الموضوعات الحساسة فكرياً حاجةً، لا لرغبةٍ في التشكيك أو جموحٍ نحو الذاتية، بل لرؤية تجد أنّ في بنية التفكير أزمةً، وفي الممارسة أزمة، فعلى كلّ منّا السعي لاستلام ملفّ من هذه الملفات لدراسته ووضع تصوّر عنه.

3 ـ هل هناك علاقة بين التجديد والتضليل؟ وهل أنّ مشروع التجديد يؤدّي عادةً إلى تضليل الناس، سيما غير المختصّين منهم؟ وكيف يمكن التوفيق بين الرسالية الدينية وبين الهمّ التجديدي؟

يذهب فريقٌ كبير من علماء الدين المسلمين إلى أنّ عملية التغيير والتجديد لا يمكن القبول بها داخل نظام حريّة الرأي، فالتجديديّون يقولون: إن حركة التغيير لا يمكن أن تحصل في ظلّ قمع وانحصارية وشمولية واستبداد، لهذا كان من الضروري أن تصاحب العملية حرية في الرأي والفكر والتعبير، حتى يتسنّى ـ بإيجاد موجةٍ من الحراك الفكري والجدل المعرفي ـ إحداث قفزة في التفكير عبر ضرب الآراء ببعضها، بل قد تعدّى الدكتور أركون هذا الأمر ليتحدّث عن موضوع الأشكلة، إنّه يرى أنّه لا يمكن تناول موضوعٍ ما قبل أشكلته، بمعنى تحويله الى موضوعٍ إشكالي غير مسلّم به، بل مشكّك فيه؛ إذ بهذه الطريقة يتمّ إسقاط القداسة أو الهالة المصطنعة حوله؛ ممّا يفسح المجال لمعالجته بطريقةٍ علمية غير مؤدلجة أو قلقة.

وهذا الموقف هو ما زال يثير حفيظة التيار المدرسيّ في المعاهد الدينية؛ لأن فسح المجال لحريّة الرأي سوف يؤدي إلى نشر الأفكار الضالّة والمنحرفة، الأمر الذي لا تجيزه الشريعة ولا يقرّه الإسلام، فكيف يمكن أن نسمح للأفكار الضالّة المنحرفة أن تأخذ حرّيتها في مجتمع الإسلام والمسلمين فتضلّ الشبابَ البسطاء، وينطلي أمرها على العامّة من الناس غير المختصّين بالعلوم الدينية؟! فحتّى لو كانت لها فائدة إلاّ أن مضرّات ذلك على تديّن الناس لا تسمح لنا بتبنيّها، من هنا فإذا سمحنا لكلّ جديدٍ فقهيّ مخالفٍ للإجماع أو المشهور أو سيرة السلف أن ينتشر بين الناس فسوف نسقط هيبة الفقه والفقهاء، ولن يثق الناس بعد ذلك برأي هذا الفقيه أو ذاك، بل سيبادرون إلى اعتبارهم أنفسَهم أكثر فهماً منه بحجّة كذا وكذا..

وأمام الموقف الداعي إلى حرية الرأي في العلوم الدينية، سيّما الفقهية وما يتصل بها، والموقف المتحفّظ من ذلك الراغب في أن تبقى أيّ عملية تغيير داخل القنوات الخاصّة بالمؤسسة الدينية حذراً من مخاطر على العامّة من الناس، يفترض أن نسجّل موقفاً يبيّن طريقة تفكيرٍ لمعالجة هذا الموضوع الإشكالي.

أستخدم ـ لهذا الغرض ـ مدخل: استراتيجي وآني؛ ذلك أنّ الموقف من هذا الموضوع يفترض أن يحسب جيداً الأرباح والخسائر، لكن لا بأخذ قطعةٍ زمانية أو مكانية محدودة وإجراء الاختبار أو الدرس عليها، وإنما بتوسعة دائرة التجربة ليُقرأ الحدثُ على المستوى الحضاري العام، فقد أنظر إلى جماعة المؤمنين في مدينتي أو قريتي فأجد bالآنv أنّ نشر وجهات النظر المختلفة فيما بينهم سوف يؤدي إلى انحراف ولو خمسة في المائة منهم عن جادّة الطريق الذي ـ وطبعاً ـ أؤمن أنا به، وأعدّ الانحراف عنه ضلالاً وزيغاً.

ومعنى ذلك أنّ هناك أمرين: أحدهما: اعتبار أفكاري هي المعيار، ثم افتراض أنّ أيّ حيادٍ عنها يعني درجةً من الانحراف عن الحق، وثانيهما: أخذ عيّنة bالآنv وما يحيط بها زمانياً، وكذا بعض العيّنات المكانية الوسيعة أو الضيّقة في الحسبان، وعلى ضوء هذين العنصرين جرى الحكم.

قد لا يكون معنى للريب في أن نتيجة الحكم ستكون موقفاً سلبياً من الرأي الآخر؛ إذ كلّ الشواهد تصبّ في خانة المعطيات السلبية الناتجة عن فسح المجال له، لكن ماذا يمكن أن يحصل لو عدّلنا الصورة؟

إذا قمنا بحساب الأمور ضمن نطاقٍ محدود، فسوف تنتج معطيات، لكن الأمور عينها إذا حسبناها على نطاقٍ واسع وممتدّ في الزمان فسوف تعطينا تصوّراً مختلفاً، ففي بعض الدول ذات الكثافة السكّانية حدّدت الدولة طفلاً واحداً لكلّ أسرة، لكي تحول دون حصول المزيد من التضخّم السكاني المفضي إلى أزمات اقتصادية رهيبة، والذي حصل أنّ كلّ أسرة فكّرت بحسابها فوجدت أنه عندما يعلم الوالدان بأنّ الطفل أنثى سوف يعملان على إسقاط الجنين؛ لأن الحاجة إلى الذكر أكبر، وحيث إن الخيار محدود، وهو طفل واحد، كان معنى ذلك اختيار أفضل الخيارين الجيدين في حدّ نفسيهما، وهكذا كثر الأولاد الذكور، وبعد مضي عقود من الزمن زاد عدد الذكور في البلاد ثلاثين مليون نسمة عن عدد الإناث، مما خلق أزمة اجتماعية أكثر رعباً وخوفاً.

هكذا تختلف القراءة من قراءة تنظر ضمن إطار، إلى قراءة تحاول أن تستشرف المستقبل والوجود الجمعي للأمة والمجتمع، لا وجود هذا الفرد أو ذاك.

على خطٍّ آخر، ليس من حكم نحكم به لا سلبية فيه، فإذا كان معيار ضعف حكم اشتماله على نقطةٍ سلبية فحسب، عنى ذلك أن أغلب القوانين سوف تزول وتندثر؛ لأن فيها جميعاً عناصر سلبية على أرض الواقع، إنما المهمّ ضرب السالب بالموجب لنخرج من ذلك بحصيلةٍ جامعة، تكون هي ـ لا غير ـ معيار صواب حكمٍ أو عدم صوابه.

ما نتصوّره أن منح الحرية الفكرية داخل الساحة الإسلامية بأطيافها وتوجّهاتها قد تكون له مضارّ دينية على جماعة أو شريحة لزمنٍ أو لفترة، لكن ما نريد أن ننظر إليه هو القراءة على المستوى الحضاري الممتدّ لعقود، لننظر أيّ الخيارين هو الصحيح وفق هذه النظرة؟

إنّ الجواب عن هذا الموضوع لا يكون إلاّ بقراءة التاريخ، فأيّ فترات التاريخ هي الأخصب معرفياً وفكرياً وحضارياً؟ حُقب الاستبداد وإحراق كتب الفلسفة أم حقب التعدّد والانفتاح؟ أليست حقبة المأمون من الحقب الإيجابية لما نشرته من فكرٍ غربي وما سمحت به للعلماء من المناظرة والاختلاف؟ لو مورس القمع في الاختلاف الفقهي هل كنا سنجد هذا التراث الضخم من تعدّد الآراء والمناقشات؟ متى تنمو النظريات والأفكار والمعارف؟ إنّنا نسأل الطرف الذي يمارس القمع اليوم بأشكاله ـ جميعاً أو بعضاً ـ هل كان سيقبل باستخدام منطقه في حقّه؟! ألا ينادي الإسلاميون اليوم في البلاد العربية بالديمقراطية وحرية التعبير، فما بال بعضهم عندما تغدو الأمور بيده يظهر أسوأ من الواقع الذي نقده؟! هل هي ازدواجية المعايير التي ندين الغرب عليها أم حكم المصالح الذي نرفضه على مستوى القيم العليا؟! كيف يمكن أن تنهض أمّة لا تسمح بتعدّد الآراء واختلاف وجهات النظر، هل غدت المكتبة الإسلامية والموروث الديني الذي نتغنّى به ونفتخر بكل هذا الثراء بما فسحه التاريخ للآراء جميعها من مجال أم غدت كذلك بالقمع والتكفير و..؟! ولو قدّر لفريق واحد وفقط واحد في ميادين المعرفة الدينية المختلفة أن يبطش بيدٍ من حديد هل أصبحنا حضارةً ومدنية؟!

حذار من المقولات المتناقضة، نمتدح أمراً ثم نذمّ منطلقاته التي أتت به، أو نذمّ أمراً ثم نمتدح مظاهره ونعتزّ بها، فالمفترض أن نكون أكثر منطقيةً وانسجاماً في أفكارنا.

إننا نتكلّم على الصعيد الفكري والعلمي والثقافي، ولا شأن لنا هنا بالحريات الشخصية والإعلامية والسياسية والاقتصادية.

من هنا، يُفترض أن يحسب الأمر على مستوى مصالح الأمّة في مشروعها النهضوي بأطيافها ومدارسها، لا أن نحسب الأمور على حساب قريةٍ أو مدينة، صحيح أن بعض السلبيات سوف تظهر، لكننا مطالبون بالسهر على تفاديها قدر الإمكان، فالعلم لا يسير بفتاوى التكفير بل بقلم المعرفة وعين المنطق.

إن أكبر أخطاء المشروع الإسلامي أن يتعامل في الفكر والثقافة بمنطق العسكر والأمن وأجهزة الاستخبارات، أو يتعامل في قضايا الأمن والعسكر بمنطق الثقافة والفنّ، لا يوجد اليوم عقلٌ واحد يمكن أن يدير حقول المعرفة، فلكلّ حقل عقل، ولكل علم تفكيره، فلا يصحّ التعامل مع الفلسفة بمنطق الفهم العرفي اللغوي المتسامح، ولا يُحكم الفقه بعصا فلسفية، كما لا ينتج الأدب والفنّ في مدارس الرياضيات والفيزياء، وهذه حقيقة يجب وعيها، يجب أن ندرك جيداً أننا في الحياة العلمية نريد رجال علم مزيّنين بسلطة اجتماعية و..، ولسنا نهدف إلى رجال سلطة مزيّنين بعلمٍ ومعرفة، فهذا خطأ تاريخي قلب موازين التفكير في أكثر من واقع إسلامي.

من هنا، نؤمن بمفهوم تعدّدية الفكر في مجال الفقه والأصول وكلّ ما يخدمها من علوم، لا احتكار للمعرفة هناك ولاسرقة لها، إنما فارس الميدان هو الفكر والقول والإقناع والقلم واللسان، ولا نمانع من التوافق على صيغ تضبط حركة الحرية الفكرية تبعاً للخصوصيات المجتمعية والحضارية، شرط أن لا يستغلّ هذا الأمر ـ كما يحصل كثيراً ـ لنسف أصل المشروع واختزاله وإلغائه عملياً.

كما لا بدّ أن نشير هنا إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي مرجعية الإجماع أو الشهرة أو سنّة السلف أو ما شابه ذلك من مفاهيم، كعمل أهل المدينة في المذهب المالكي و.. إنّ هذه المقولات رغم أنها تساعد في بعض الأحيان على التوصّل إلى نتائج في الاجتهاد الفقهي، وهذا شيء لا ننكره، إلاّ أن حجم تأثيرها أقلّ بكثير من الصورة المرسومة لها ولدورها في الاستنباط، ومن ثم فهم رجال ونحن رجال، وكم ترك الأوّل للآخر، فلا يصحّ اعتبارهم مرجعاً نهائياً نضيفه على الكتاب والسنّة، ولو سمّيناه بالطريق إلى السنّة، فإن هذه التعديلات في التسمية لا تغيّر من واقع الأمر شيئاً، وهو أن الكثيرين اليوم يخافون من التوصّل إلى آراء تقع على طرفٍ آخر مما ساد الدرس الفقهي والأصولي، وهذه العقلية القلقة ـ بالمعنى غير الإيجابي للكلمة ـ لن تقدر على تقديم جديد يُذكر، وستبقي الاجتهاد نحواً من التقليد، يدور في مدارات الآخر الذي مضى، فيما المطلوب الخروج من هذا النفق.

ولسنا نريد دراسة هذا الموضوع هنا، بقدر ما نقدّم تصوّرنا عنه، ونراه مسؤولاً عن كثير من مظاهر الضعف والعجز والفشل الذي أصاب ويصيب المؤسسة العلمية في عالمنا الإسلامي.

كما لا نقصد ما يقصده بعضهم من الرغبة في مخالفة رأي مشهور العلماء، سعياً وراء الشهرة أو الصيت ـ والعياذ بالله تعالى ـ فقد عايشنا بعض من أشغف قلبه بحبّ الخلاف، طلباً لذلك، كما نلفت إلى أنّ قيمة الأبحاث العلمية ليست بنتائجها، وأنّها موافقة لرأي من سلف أو لا، بل في مستوى البحث وعمقه ودقته وعلميّته وأمانته وموضوعيته، فما صار شائعاً في بعض الأوساط من احترام شخصٍ لمخالفته للمشهور ليس علامةً صحيّة في الموازين العلمية، وإن دلّت على شجاعة، بل المفروض الجمع بين هذه الشجاعة المعرفية وجرأة المعرفة من جهة، وبين الأكاديمية العلمية والإنصاف وطلب الحقيقة وتوخي شروط المعرفة والبحث من جهة أخرى.

الفقه الإسلامي ومستويات الخطاب

لكلّ علم لغته المختصّة التي تحوي مصطلحاته وتراكيبه، ولا تظهر هذه المصطلحات عبثاً، إنما تمثل عادةً مراكمة التطوّر المعرفي لهذا العلم، وهذا ما جرى على علم الفقه وما يتصل به.

لكنّ الملاحظ في علم أصول الفقه السنّي في بعض حُقبه، كما فيما بعد القرن السابع الهجري إلى قرابة قرنين من هذا العصر، وعلم أصول الفقه الشيعي في القرون الثلاثة الأخيرة، دخول العلم حيّز التعقيد اللغوي، مما يجعله بعيداً عن تناول فئات أخرى من المجتمع، ولا ضير في هذه اللغة عندما تكون ضمن الحدّ المعقول، أمّا عندما تدخل دائرة الإفراط والمبالغة التي تتفنّن بتعقيد الكلام حتى لا يكاد يفهمه بعض مختصّي الفنّ أنفسهم، كما عُرف عن بعض كتب أهل السنّة، مثل كتاب التحرير لابن الهمام الحنفي (861هـ)، وشرحه التقرير والتحبير لابن أمير الحاج (879هـ)، وكتاب المغني في أصول الفقه، لجلال الدين الخبازي (691هـ)، أو بعض كتب الشيعة مثل كتاب: كفاية الأصول، لمحمد كاظم الخراساني (1329هـ) و.. ففي هذه الحالة لا يغدو الأمرُ ظاهرةً صحيّة بل حالةً مرضية داخل العلم؛ لأنها تشغل مختصّيه ـ فضلاً عن غيرهم ـ ردحاً من الزمن بتفكيك الكلمات وتقليب الألفاظ، فيضيع الإبداع في المعنى لصالح الإبداع في التركيب اللفظي.

بل قد تجد من يريد أن يفتخر بهذا التعقيد، فتسمع من أبناء الطائفة الشيعيّة العلماء من يريد نشر نتاجات الشيعة الفقهية والأصولية بين أهل السنّة، وعندما تطالبه بتبسيط اللغة كي تصل الأفكار إلى الطرف الآخر، فهو لا يبالي، بل يعتز بأنّهم لا يفهمون منها شيئاً، في إشارةٍ إلى رغبة في إيصال رسالةٍ للطرف الآخر بالاقتدار العلمي، بدل أن يكون نشر الفكر هو رسالة العلماء والباحثين لا استعراضاً للقوى والتخايل بها.

هنا تموت الرساليّة في المعرفة إلى مصارعة ومطاحنة، ويموت الهدف الرئيس الذي من أجله جاء العلم، ليفهم الإنسانية نفسها ووجودها ومبدءها ومعادها، لا لكي يبخل على الناس بالمعرفة، ادّعاءً بحماقة البشر إلاّ نفسه، وجهالتهم إلاّ هو، فليحسب طلاب العلوم الشرعية الغارقون في دراسة الكتب والمناهج الفقهية والأصولية في الوسط الشيعي، وليتحدّثوا مع أنفسهم في هذا الأمر، كم من عمرهم صرفوا ليفهموا مراد هذا العالم أو ذاك المصنّف بعد صراعات مريرة على تفكيك نصّه وتحليل كلماته؟! ولو أنّ لغة العلم غدت واضحةً شفافة، لا مبتذلةً مستهلكة ولا معقّدة متشابكة، لاختصرنا الوقت وكسبناه في آنٍ معاً، وصرفنا جهودنا الجبّارة على تفكيك المعاني ونقدها وتطويرها وإبداعها.

ولعلّ التأثير الفلسفي على علمَي الفقه وأصوله ساعد على بناء هذه اللغة المعقّدة، وهو خلل منهجي ليس على مستوى اللغة والخطاب العام، بل على مستوى آليات البحث أيضاً؛ فقد جرى استخدام منهج فلسفي في مباحث بحت لغوية استظهارية دلالية، لا تحليلية، كما تأثر الفقهاء أحياناً بالفلاسفة والعرفاء في إقصاء أفكارهم عن التداول العام، كان من أسبابه في الفلسفة والعرفان والتصوّف تصادم مقولات هذه العلوم مع الرأي العام والوعي الديني الشعبي، بل مع وعي الفقهاء الرسميين أيضاً، وبسبب الخوف بأشكاله، اضطرّوا لتعمية مفاهيم عبر إغلاق النصوص وتعقيدتها، بل لقد تواصوا بذلك فيما بينهم، كما حصل مع إخوان الصفا وغيرهم، إلاّ أنّ هذا الأمر لا ينطبق على جهود الفقهاء والأصوليين والمحدّثين و.. ومن ثم فلا معنى لاستعارة هذا المناخ الفلسفي ـ الصوفي إلى علوم تحسب عندهم ظاهرية، ولعلّ ال


إشكاليّة العلاقة بين المثقَّف والفقيه، جولة عابرة في سياقات تجربة السيد الصدر أنموذجاً (*)

10 يونيو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
920 زيارة

إشكاليّة العلاقة بين المثقَّف والفقيه، جولة عابرة في سياقات تجربة السيد الصدر أنموذجاً (*)

 
 
 
تمهيد
عندما نتحدث عن إشكالية العلاقة بين المثقَّف والفقيه عند السيد الشهيد السعيد محمد باقر الصدر(1400هـ) لا نملك معالجةً علميةً مستقلّةً مدوّنةً تركها لنا السيد الشهيد في هذا الخصوص، فلا توجد له في هذا المضمار دراسة من الزاوية الفقهية، ولا من الزاوية الفكرية العامة، قدّم فيها حلاًّ لهذه الإشكالية المتنقّلة التي عرفها العالم الإسلامي منذ النهضة الأخيرة فيه، مع رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني وغيرهم. إذاً فنحن مضطرّون ـ لكي ندرس إشكالية العلاقة بين المثقّف والفقيه عند السيد الصدر ـ أن نمارس تحليلاً ما، ومقاربةً لبعض المواقف والوقائع، علّنا نخرج باستنتاجٍ ما في هذا الموضوع.
 
تعريف المثقَّف، خصائص الظاهرة
من هو المثقَّف؟ ومن هو الفقيه؟ مصطلحٌ ملغومٌ. وكثيرون يملكون تفاسير متعدّدة حول المثقَّف والفقيه.
وقد قيل بأنّ الفقيه هو عالم الدين الذي يقوم بقراءة النص الفقهي وما يتصل بالنص الفقهي الموجود في الكتاب والسنّة. إنّه مصطلحٌ معروفٌ له حضوره في الأمّة منذ مئات السنين، ولا يبدو أنه ملتبس.
أما مفهوم المثقّف فهو مفهوم مازال حتى الساعة ملتبساً، وما تزال هناك نظريات في تعريفه، فكلٌّ يقدّم رؤيةً نابعةً من طريقة تفكيره ومعالجته للأمور.

وسآخذ هنا ثلاثة عناصر أساسية تمثّل هوية المثقَّف، سواءٌ كان مثقَّفاً دينياً أم لم يكن كذلك، لأنّ الثقافة ليست حكراً، لا على الدين ولا على غيره:

 

العنصر الأول: الوعي التجربي الميداني.
وهذا هو الذي يميِّز المثقَّف أيضاً عن المتعلِّم، فليس كلّ متعلِّم مثقَّفاً، وليست النسبة بين المتعلِّم والمثقَّف هي نسبة التساوي بحسب الاصطلاح المنطقي. فهناك مثقَّف متعلِّم؛ وهناك مثقَّف غير متعلِّم، ولا يملك أيّة شهادة جامعيّة؛ كما وهناك متعلِّم مثقَّف؛ وهناك متعلِّم لا حظّ له من الثقافة. وهذا معناه أنّ الثقافة ليست مراكمة معلومات، وليست درساً تخصّصياً ندرسه في جامعة أكاديمية أو حوزة أو صرح علمي هنا أو هناك، وإنّما هي قبل كلّ شيء وعيٌ وأفقٌ، كأنه وعي تجربي ينبع من اتصال الإنسان بالواقع. فهناك أشخاص كثيرون ربما يكونون في العلم صروحاً بأنفسهم، ولكنك إذا جئت بهم إلى أرض الواقع لكي يقرأوا الأمور، أو جئت بهم لكي يدرسوا الأمور دراسةً شاملةً واعيةً، فإنك تجدهم غير قادرين على ذلك.
دعوني أقرِّب الأمر بشكل مبسَّط عبر موضوعة فقه النظرية والفقه التجزيئي. فهناك الكثير من الفقهاء بارعون وممتازون في الفقه التجزيئي أو فقه المسائل، فإذا أنتَ أعطيته أيّة مسألة فقهية بإمكانه أن يعالجها معالجةً علميةً تفصيليةً، لكنّكَ إذا قلتَ له: نريد منكم مولانا أن تقدّموا نظريةً في فقه الاقتصاد في الإسلام فإنه يجد الأمر صعباً. إنه مجتهد مسألة، ولكنه ليس مجتهد نظرية.

الوعي عبارة عن أفق رحب في العقل، يستطيع من خلاله أن يقرأ الأمور، ويملك بُعد النظر، وليس فقط أن يراكم المعلومات في ذهنه، بحيث يملك معلومةً أو اثنتين أو ثلاث أو أربع أو أكثر من ذلك. وهذا كلّه يعني أنّ أهم عنصر من عناصر المثقَّف ـ خاصّةً في تجربتنا الإسلامية في القرنين الأخيرين ـ، أو لا أقل ما يدّعى أنه مثقَّف، هو عنصر الوعي والأفق العقلي المنفتح على قضايا العصر، وعلى قضايا الواقع، وعلى قضايا الإنسان، والذي يقدر على توظيف الفكر في خدمة الإسلام، وعلى أن يعيد تشكيل عناصر المعرفة بما يقدّم الأمة الإسلامية نحو الأمام.

 

 

العنصر الثاني: التحرّر.

وهذا أهم شعار تطرحه التيارات المثقَّفة في عالمنا العربي والإسلامي.
إنهم يقولون بأنه لا يمكن أن يكون هناك مثقَّف غير متحرِّر. وهذه ليست قضية مطروحة فقط في عالمنا الإسلامي، بل حتى المثقَّف في التعريف الغربي أخذ فيه قيد التحرُّر، أي إنّ المثقَّف غير خاضع للسلطة بمعناها العام، حتى أنّ بعضهم من شدّة ما تصوَّر أنّ المثقَّف لابد أن يكون متحرِّراً توهَّم أنه لابُدّ في كلّ مثقَّف أن يكون معارضاً للسلطة. وهذا غير صحيح؛ لأنّ التحرّر هو عنصر انطلاقة العقل، فإذا كان العقل مكبّلاً ـ حتى بمفهوم المعارضة ـ، خائفاً، غير قادر على أن يتحرّر، لا يمكن أن ينفتح على عالم جديد، بل سيبقى في دائرة الانغلاق، وفي موقع الحاشية، وتعليقة الحاشية، وشرح تعليقة الحاشية، ثم تلخيص الشرح، ثم كتابة تعليق على التلخيص، ثم شرح التعليق. سيبقى في حلقة دائرية يدور وتدور معه، دون أن يعرف إلى أين تنتهي به الأمور.

عندما نقول: «التحرّر من كلّ القيود» فإنّنا نعني قيود عالم المعرفة، إلا القيود التي توصّل المثقَّف إلى القناعة بها، فلا توجد قيود تفرض عليه من الأعلى ما دام لم يقتنع بها. وهذا معناه أنّه يجب عليه أن يكون منسجماً مع نفسه. فالمثقَّف لا يمكن أن يكون مثقَّفاً إذا لم يكن متحرِّراً من التراث، ولم يكن متحرِّراً من الواقع. وهذا لا يقتضي بالضرورة أنّ يكون متفلِّتاً، فليس التحرّر معاداةً للتراث، وإنّما هو أن لا يعيش المثقَّف عقدة التراث، أن لا يعيش دائماً حالةً من الرهبة والخوف وعدم القدرة على التفكير داخل إطار هذا التراث أو خارج إطار ذاك التراث. فبعض الناس هناك أشياء تحكمه، ولا مبرّر لها حتى من وجهة نظره، لكنه يقول لك: أنا لا أقدر على أن أخرج من هذا المربّع الذي أنا فيه!!

هذا هو التحرُّر القائم على معطيات علمية، دون القائم على الرغبة في التحرّر لا غير.

 

العنصر الثالث: النقد.
وهذا العنصر نتيجةٌ طبيعيةٌ للتحرُّر.
فالمثقَّف دائماً نقّاد، حتى أنهم في بعض المدارس الأدبية قالوا: ليس لك أن تصبح مثقَّفاً إلا أن تصبح نقّاداً. فالنقد هو الدليل والوثيقة والسند المثبت لكونك متحرِّراً، ولست بخائفٍ ولا مرتبك، هو الدليل على أنّك تفكّر ولا يفكّر عنكَ أحدٌ. والنقد هنا لا يعني الرغبة في النقد بما هو هو، أو أن تعيش عقدة النقد، كما يحصل مع كثير من مثقَّفينا في العالم العربي والإسلامي. فبعضنا لكي يثبت هويّته ووجوده الثقافيّين، ولكي يثبت أنّه مثقَّف، يقول لك: أنا لابدّ أن أنتقد، فلو لم أنتقد لا أكون مثقَّفاً.
نحن نقول: النقد ليس مقدَّساً في حدّ ذاته، وإنّما يغدو كذلك عندما يقع في سيرورة الإبداع، فيكون مقدّمةً له، فلا تُبدع أمّة قبل أن تنتقد واقعها، فإذا لم تنتقد واقعك فعلامَ تفكّر لكي تبدع؟! إذا كنت ترى أنّ واقعك كاملٌ، وأنّ الواقع المحيط بك ـ من علمٍ ومعرفة، ومن ممارسة وعمل، ومن نظم اجتماعية وسياسية ـ كاملٌ تامٌّ لا مشكلة فيه، فلماذا تبدع شيئاً جديداً ما دام الواقع كاملاً؟! هذا يعني أنّه لكي تخطو الخطوة الأولى نحو الإبداع لابد أن تكون عندك رؤية نقدية. يجب أن نلتفت في البداية إلى الثغرات الموجودة في الأمر الواقع، ثم نبدأ بسدّ هذه الثغرات. يجب أن ندرك النواقص الموجودة في منظومتنا المعرفية والفكرية لكي نقوم بالتعويض عنها بواسطة منظومات معرفية جديدة.
إذاً العناصر الرئيسة التي تجمع التعريفات الكثيرة للمثقَّف، هي: الوعي، والتحرّر، والنقد. وليس من الضروري أن نأخذ هذه العناصر الثلاثة بشكلها السلبي. وإذا طبّقها بعضُهم بطريقة سلبية فلا شأن لنا بتطبيق الآخرين.
 
سياقات تاريخية لإشكاليّة العلاقة بين الفقيه والمثقَّف
وبناءً على ما تقدّم نجد أنّه لا يوجد تباين بين مفهومي: الفقيه؛ والمثقَّف، خلافاً لما بات متعارفاً في أدبياتنا في العالم العربي، حيث يجري التركيز دائماً على إشكالية التباين بين الفقيه والمثقَّف، بل قد تجد فقيهاً مثقَّفاً، وقد تجد مثقَّفاً فقيهاً. فإذا كان هذا الفقيه متحرّراً في فكره، ونقّاداً لواقعه عندما يرى فيه النواقص، وكان واعياً لما يحيط به، منفتحاً على أفق معرفيّ رحب، ومستعداً للحوار..، إذاً فهذا فقيهٌ مثقَّف. فليست الثقافة مباينةً للفقاهة، كما تُصوّرها أدبياتنا العربيّة، بل والإسلاميّة المعاصرة، ولا الفقاهة مباينةً للثقافة، بل يمكن الجمع بينهما بشكل أو بآخر.
المشكلة الأساس تكمن في أنّ العلاقة بين المثقَّف والفقيه ظلّت علاقةً إشكاليةً منذ فترات بعيدة. ولعلّه يمكن القول بأنّ إشكالية العلاقة بين المثقَّف والفقيه ترجع ـ في خلفيّتها التاريخية ـ إلى إشكالية العلاقة بين الفقيه والفيلسوف في القرون الهجرية الأولى. فالأزمة التي عرفها المسلمون بين الفقهاء والفلاسفة، وبين المعتزلة وأهل الحديث، أو بين النزعة العقلية والنزعة النصية ـ إذا جاز التعبير ـ، هي شكلٌ من أشكال الخلاف بين المثقَّف والفقيه، لكنْ على الطريقة القديمة. وما فعله ابن رشد كان محاولة لحلّ إشكالية العلاقة بين المثقَّف والفقيه، لا أقلّ من وجهة نظره. وهكذا عندما جاء الملا صدرا الشيرازي أراد تحقيق الهدف نفسه، بجمعه بين الحقيقة والطريقة والشريعة، حتى لو لم تكن تسمية المثقَّف والفقيه متداولةً في تلك العصور.
هذا كلّه يعني أنّ أزمة العلاقة القائمة بين المثقَّف والفقيه قد يمكن إرجاعها بأشكال مختلفة إلى القرون الغابرة. ولكنّ شكلها الجديد يعود إلى بضعة عقود من الزمن، عندما ظهرت ألوان التفكير الفلسفي والإنساني البعيد عن الدين، وبُنيت العلوم الإنسانية بناءً جديداً بطريقة لا تقوم على أسس دينية، فظهر مثقَّفٌ يفكّر في قضايا الإنسان، دون أن يكون مضطرّاً للرجوع إلى نصٍّ من كتابٍ أو سنّة.
 
تطوّرات مشهد العلاقة المأزومة في المرحلة المتأخِّرة
الظاهرة الجديدة التي حصلت هي أنّ هذا المثقَّف أخذ شكلين نسمّيهما: المثقَّف الخارج ـ ديني؛ والمثقَّف الداخل ـ ديني.
أمّا المثقَّف الخارج ـ ديني فهم بالدرجة الأولى المثقَّفون الماركسيون وغالبيّة الاشتراكيّين، الذين عرفهم العالم الإسلامي في القرن العشرين. كانوا يفكّرون وينتقدون ويحلّلون ويدرسون واقعهم ـ ومنذ البداية ـ بمعزل عن النصّ الديني. فهم لم يُتعبوا أنفسهم في الدخول في أعماق النص الديني؛ ليحاولوا منحه تفسيراً آخر، بل قالوا من البداية: نحن نقع خارج إطار هذه النصوص الدينية القديمة التي عندكم، ونفكّر بطريقتنا الخاصّة، ونعي الواقع والإنسان بطريقتنا الخاصّة، ونتحرّر بطريقتنا الخاصّة، وننتقد بطريقتنا الخاصّة، ونبدع وفق نظمنا الفكرية الخاصّة. فمنذ البداية كانت هناك حالة تخارج بينهم وبين النصّ، بل بينهم وبين الدين.
هذا الأمر كان ظاهراً في الخمسينيات وإلى أواسط الثمانينيات، حيث كان الغالب على المثقَّف أنه خارج ـ ديني؛ نظراً لهيمنة المدارس الوضعية والماركسية والاشتراكية على حركة المثقَّف في عالمنا الإسلامي عموماً.
وقد كان أهمّ مثقَّف يواجهه السيد الشهيد الصدر هو هذا النوع من المثقَّف، أعني المثقَّف الخارج ـ ديني، الذي أتى بالماركسية والشيوعية والاشتراكية ومفاهيم الإلحاد بمعناه النظري والعملي. هذا النوع من المثقَّف هو الذي كان يواجهه السيد الصدر، وهذه نقطةٌ جديرةٌ بالانتباه.
لكن الذي حصل أن تعقّدت الأمور أكثر ممّا نتصوّر عقب انهيار المعسكر الشرقي، فاندحرت الماركسية والاشتراكية والوضعيّة لصالح التيار الإسلامي، الذي بلغ أوْجَهُ في الثمانينيات، ليمسك بزمام المعارضة اليسارية في العالم العربي والإسلامي، خلفاً لهذه التيارات. وهنا واجهت فلول الماركسيين والاشتراكيين والوضعيين والمثقَّفين الخارج ـ دينيين، كما سمّيناهم، واقعاً صعباً، فلم يعُدْ لديهم أيّ ركن حفيظ يلجأون إليه، فكيف سيقفون أمام المدّ الإسلامي الزاحف؟ هنا اختلفت قواعد اللعبة. فبدل أن يواجهوا المفاهيم الدينية من الخارج دخلوا في النصّ الديني نفسه، وبدأوا يعيدون فهمه بالطريقة التي تستطيع أن توصلهم لنفس الأهداف. وهذا مفترق طرق حسّاس لم يكن ظاهراً بقوّة قبل ذلك. نعم، كانت هناك جماعات محدودة استخدمت هذا النهج؛ لأسباب مختلفة، وكان لها حضورها في إيران ومصر خاصّة، لكنّها شهدت نموّاً مطّرداً ومذهلاً بعد انهيار المعسكر الشرقي.
ويقول هؤلاء: نحن متديّنون ـ بالمعنى العام للكلمة ـ، ونؤمن بالقرآن، وقد انتهينا من المرحلة التي نريد أن نواجه فيها الكتاب والسنّة من الخارج. لم نعد نريد إطلاق الرصاص على الكتاب والسنّة، أو على الفكر الديني من الخارج. لا، نحن سنندمج وننصهر داخل المنظومة الدينية، ونقول: لدينا تفسيرٌ آخر للقرآن يُنتج إسلاماً اشتراكياً، ويصبح معه أبو ذرّ الغفاري شيخ مشايخ الاشتراكيين. نحن لدينا تفسيرنا للقرآن والسنة نستطيع من خلاله الوصول إلى أكثر المفاهيم ليبراليةً وعلمانيةً.
هذا واقعٌ حصل. وهذا لا يبطل فهمهم الجديد للنصوص الدينية، ولا يثبت صحّته. نحن نوصِّف المشهد فحسب. فكثيرون لم تكن لهم أيّة علاقة بالمفاهيم الدينية، لكنّهم بعد انهيار المعسكر الاشتراكي خاضوا غمار فهم النصّ الديني، وتحليل بُنيته الخطابية والكتابية. والغريب أنّ بعضهم صارت علاقته جيّدة بالسلطة رغم يساريّته العتيقة. ولا نريد الدخول في أسماء هنا. وهذا لا يعني أنّ كل من لديه مثل هذه الأفكار هو اشتراكيّ أو ماركسيّ. وأرجو التنبّه لهذا الأمر جيّداً.
إذاً كانت المواجهة من خارج النصّ فصارت الآن داخله. فبدل القول بأنّ القرآن باطل لا قيمة له، يمكن القول بأنّه مطلق التاريخية، بمعنى أنّه بمجيء عصر النهضة في أوروبا انتهى عصر القرآن.
من هنا ندرك أنّ المشهد الذي كان يواجهه السيد الصدر في تقديري هو في الغالب مشهد المثقَّف الخارج ـ ديني (الماركسي، والاشتراكي، و..)؛ أمّا المشهد الذي بتنا نواجهه اليوم فهو مختلف تماماً. فقواعد اللعبة تغيّرت، ويجب أن تتغيّر، لأن التموضع من جانب أطراف اللعبة يترك أثراً بالغاً عليها.
ويبدو لي أنّ بعضنا لم يَعِ بعدُ أنّ قواعد اللعبة قد تغيّرت، فظلّ مصرّاً على استخدام الأساليب التي كانت متَّبعةً مع الفريق الأول مرّةً أخرى مع الثاني.
وفي تقديري أنّ هذا خطأٌ ليس مجال الحديث عنه الآن. وكلّ ما يمكنني قوله: إنّ الحرب عندما تقع والعدوّ في خارج أرضك تختلف عنها ـ في طرقها وأساليبها ـ عندما يكون العدوّ داخلها وبين ظهرانيك وفي صفوف قوّاتك المسلّحة.
ولعلّ تشبيهاً بسيطاً لا نقصد منه الاتهام أو الظِّنة، يمكنه أن يساعدنا على فهم طبيعة التغيّر في قواعد اللعبة، فالرسول الأكرم’ كان يميّز بين الكافرين والمنافقين، ورغم شدّة لحن الخطاب القرآني مع المنافقين فإنّ أدوات المواجهة وأسلوبها وطبيعة استيعاب الأحداث كان يترك أثراً كبيراً على نوعية الأداء النبوي مع المنافقين، بما جعل سياسته معهم تختلف عن سياسته مع الكفر والإلحاد.
ربما يساعدنا هذا التبسيط والتشبيه في فهم ضرورة التمييز بين المثقف الخارج ـ ديني والمثقف الداخل ـ ديني على مستوى كيفية التعاطي إذا اشتركا معاً في القناعات والأهداف والنتائج، فضلاً عما إذا اختلفا.
 
لماذا الاشتباك بين المثقَّف والفقيه؟!
لماذا ولدت المشكلة، سواء مع المثقَّف الخارج ـ ديني أم المثقَّف الداخل ـ ديني؟
هناك أسباب كثيرة، لكنّني سوف أقتصر على ثلاثة منها، وأرجو أن نتأمّل فيها جيّداً:
 
1ـ إشكالية المنهج
هنا يقال بأنّ الفقيه شخصٌ يفسِّر نصّاً ويطوف حوله، فهو يتعامل مع نصّ ثابت لا ينتجه ـ كما يقول السيد الصدر في «اقتصادنا» عندما يتحدّث عن اكتشاف النظام الاقتصادي، وليس إبداعه ـ. فالفقيه يحاول أن يكتشف النصّ، ويعتبر أنّ اكتشاف النص ومدلولاته كافٍ في إثبات الحقّ والحقّيّة. وبعبارة أخرى: إذا أردنا الآن أن نعرف هل يجوز للإنسان أن يأخذ الفائدة البنكيّة أم لا؟ فإنّنا نرجع إلى النصّ، فنثبت صدوره، ونتأمّل إطلاقاته وعموماته، ونفحص في مقيّداته ومخصّصاته، ونرصد معارضاته هنا وهناك، فإذا ثبتت هذه العناصر كلّها خرجنا بنتيجة تقول: إنّ الكتاب والسنّة يحكمان ـ مثلاً ـ بحرمة الفائدة البنكيّة. وهنا يقول لك الفقيه: الحقّ أنّ الفائدة البنكية حرام. هكذا يعبّر في نهاية البحث.
حسناً، من أين عرف الفقيه حقّيّة هذه النتيجة، وأنّ الفائدة البنكيّة تحوي مفاسد شديدة تبلغ درجة التحريم القانوني؟ الجواب بديهيٌّ وواضح: إنّه النصّ الذي كشف له حقّيّة هذا الاستنتاج.
المثقَّفون في عالمنا الإسلامي ـ أو مَنْ سُمّوا بذلك ـ على اتجاهاتهم ومدارسهم وأطيافهم؛ لأنهم ليسوا حزباً واحداً…، يقول كثيرٌ منهم بأنّ هذه الطريقة في إثبات أحقّيّة الأشياء والمفاهيم يجب أن نطوي عنها كشحاً، إنّهم يقولون لك بأنك ترى أنّ هذا النص مقدّس، وتريد أن تقول: إنّ النتيجة التي خرجت بها مقدّسة أيضاً، أمّا نحن فنريد أن نختبر المقدّس. اختبار المقدّس هنا معناه أن تضعه على أرض الواقع، ولنطبِّقه سنةً أو سنتين أو ثلاثاً أو..، ثم لننظر هل سيتحسّن الاقتصاد؟ هل ستتقدّم التنمية؟ إذا رأينا أنّ التنمية حصلت فهذا يعني أنّ النتيجة التي توصّلتَ إليها تغدو صحيحةً؛ لأنّها قدّمت معطياتها على أرض الواقع، أمّا إذا لم تكن النتيجة كذلك، بل تدهور الاقتصاد، وتراجعت معدّلات النموّ، فهذا يعني أنّ القول بحرمة الفائدة البنكيّة ليس حقّاً، ولا أقلّ في هذه المرحلة خاصّة.
هنا تكمن إشكاليّة المنهج. فحقّيّة الأشياء في الأمور العملية لا تنبع من ترتيب المقدّمات ترتيباً ذهنياً صحيحاً، وإنما تنبع من اختبار نتائج هذه المقدّمات على أرض الواقع؛ فإن نجحت فأهلاً وسهلاً بها؛ وإلاّ فهذه النظرية باطلة بهذا المعنى النسبيّ الذي أشرنا إليه، وهنا ننتقل إلى نظرية أخرى.
هذا خلافٌ أساسيٌّ بين طريقتَيْ تفكير: المثقَّف؛ والفقيه. وفي الوقت الذي يختبر المثقَّفُ نتائج الاجتهاد في النصّ يعترض الفقيه، ويقول: ليس من حقّك أن تقول بأنّ حرمة الفائدة البنكيّة ليست حقّاً؛ فلعلّك أنت الذي قصّرتَ في التطبيق؛ لعلّ هناك ملابسات لم تلتفت أنتَ إليها؛ لعلّ هناك قيوداً لم تتنبّه أنتَ لها.
هنا تختلف المرجعيّات وتتجاذب، بين مرجعية الاختبار العمليّ ومرجعية النص والنظرية. فهناك مرجعٌ نظريّ يعتبر أنّ الحقّ يكمن في ترتيب المقدّمات، إنّه يحيا حياة عالم الرياضيّات؛ وهناك مرجعٌ عمليّ يعتبر أنّ الحقّ يكمن في اختبار الأمور على أرض الواقع، وليس له شأن بالنظريات. هذا خلاف منهجيّ أساسيّ جدّاً يشبه النمط الوضعيّ في التفكير، والذي يرى أنّ القضايا الفلسفية ليست بقضايا، أو هي قضايا لا معنى لها ما دام لا يمكن اختبارها بالحسّ والتجربة.
هناك حاجة ماسّة للتفكير في هذا الموضوع، فأيُّ النظريتين صحيح؟ وهل يمكن إيجاد مصالحة بينهما أم لا؟
 
إشكاليّة المرجعيّة الماضويّة
وفي هذا السياق تتجلّى المرجعيّة عند الفقهاء في النصّ الذي هو حدثٌ وقع في الزمن الماضي؛ لأنّ القرآن الكريم نزل في الزمن الماضي، والسنّة الشريفة صدرت في ذلك الزمان أيضاً. فالمرجعيّة هي الماضي، وخصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار السنّة العمليّة للمعصوم؛ إذ إنّك هناك تتكلّم عن تجارب وقعت في الماضي، وتعتبرها مرجعاً لك في العصر الحاضر.
إنّ الكثير من التيارات المثقَّفة تعاني من مشكلة مع هذا النوع من التفكير. وهذا ما أدّى إلى تصادمها ـ محقّةً أو غير محقّة؛ إذ نحن نوصّف لحلّ المشكلة، ولا نحلّها بالفعل ـ. فهي ترى أنّ هذه المرجعية الماضويّة تعاني من الكثير من المشاكل؛ لأنّ هذا النوع من المرجعيّات يساوي استنساخ التاريخ، وأيّة عملية استنساخ للتاريخ لن تكون ناجحة. فلا يمكن لتاريخٍ مضى قبل ألف وخمسمائة عام أن يُعاد استنساخه في حياة بشر يختلفون في نظمهم الاجتماعية والاقتصادية وأنماط عيشهم عن الذين كانوا يعيشون في النظم الزراعية. فتلك حياة زراعيّة، ثم جاءت حياة صناعيّة، وهناك من يقول بعد السبعينات بظهور الحياة ما بعد الصناعيّة، فكيف تريد أنتَ أن تجعل مرجعيّتي تجربةً ظهرت في العصر الزراعيّ والقبليّ، ووضعت نظماً ناجعةً ومتفوّقةً، ونحن اليوم نعيش في العصر ما بعد الصناعي، ونريد أن نطبّق تلك النظريات؟!
هنا وقع الخلاف بين المثقَّف والفقيه. فالفقيه يقول: نحن خاضعون للنصوص؛ لأنّها قد صدرت من الله تبارك وتعالى، الذي هو أعلم منّا بمصالحنا، والذي هو أدرى منّا بأسرار نفوسنا، واجتماعنا، وتاريخنا، واقتصادنا، ونظمنا، فيما أنتَ تريد بعقلك القاصر والناقص أن تستبدل تلك المرجعية الإلهيّة الرشيدة بمرجعية غير مضمونة!! ذلك أنّه على المستوى العقلي ثمّة تغيّرات في فهم الأشياء، وكلّ يوم تظهر نظريات جديدة، ولاسيّما في العلوم الإنسانيّة، فكيف يمكن أن نتخلّى عن مرجعية معصومة، هي مرجعية الله والنبيّ، لنأتي بمرجعية غير مضمونة، ولا نهائيّة، حتّى عند أصحابها؟!
ويظهر هذا الأمر جليّاً في الاتجاه الذي بدأ يسود في العصر ما بعد الحداثوي، حيث أصبحنا نسمع مقولات من نوع: العقل ليس سلطاناً مقدَّساً يجلس على كرسيّ العرش بلا منازع، كما كان يريد أرسطو وديكارت، بل قدراته محدودة. فقد اعترف أصحاب الانتصار للعلوم الطبيعية والإنسانيّة أنفسهم بأنّ عصر النهضة والحداثة قد وقعا في الخطأ بظنّهما أنّ العقل قادرٌ على كلّ شيء، وأنّه لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون، وقد تراجعوا الآن، فكيف يُراد لنا أن نعتمد على مرجعيّة العقل هذه، ونترك مرجعية الماضي، التي تعني مرجعيّةً مقدّسة إلهيّة؟!! هنا وقعت الإشكالية، واحتدم الاشتباك الذي لابدّ من فضّه بطريقةٍ أو بأخرى. ولسنا في صدد المعالجة، ولا الترجيح بين وجهات النظر فيها.
 
2 ـ إشكاليّة السلطة
الإشكاليّة الثانية، التي قد تكون في تقديري أهمّ من الإشكاليّة الأولى (إشكاليّة المنهج) هنا، هي إشكالية السلطة. وحينما نقول: السلطة فإنّنا نأخذ مفهومها الواسع على المستوى السياسي، والاجتماعي، والمالي، والديني، أي إنّها تعني هنا مطلق النفوذ. فالعلم سلطة، والثقافة سلطة؛ لأنّها أسلحةٌ بيد أصحابها. ولا تنحصر السلطة بالسلطة السياسيّة، والجيش والقوات المسلّحة.
يجب أن أشير هنا إلى أنّ كلمة (سلطة) تمثِّل مصطلحاً سلبيّاً مع الأسف في الثقافة العربيّة المعاصرة، وكأنّها شتيمة. لكنّنا هنا لا نقصد (السلطة) بالمعنى السلبيّ الذي يشي بحبّ الذات والتسلّط، وإنّما نريد بها مطلق المطالبة بأن يكون لك نفوذ في الحياة الاجتماعيّة، إنّها أشبه شيء بحقٍّ غريزيٍّ فطريٍّ.
إنّني أعتقد بأنّ هناك إشكالاً سلطويّاً بين المثقَّف والفقيه. ولكي ننبِّه لهذا الادّعاء يمكن أن نحثّ على ملاحظة بعض الموضوعات الملتهبة التي وقعت بين الفقهاء والمثقّفين خلال العقود الأخيرة. فمثلاً: هناك مَنْ انتقد موضوع التقليد بشدّة، ولم يقبل به، وذهب إلى أنّه يجب علينا أن نغيّر نظرنا فيه، ولا يصحّ أن نبقى متّبعين للمراجع بهذه الطريقة، بل أطلقوا أوصافاً خاصّة، وقالوا: لا يصحّ ولا يحقّ لمرجع التقليد أن يبقى مهيمناً على العالم الإسلامي وعلى أرواح الملايين بهذه الطريقة التي تدفع الناس للاتّباع الأعمى!! وفي المقابل هناك دفاع مستميت من الفريق الآخر للمحافظة على الوضع القائم في قضيّة التقليد، وربطه بجوهر الدين ومصيره. برأيك كيف نفسّر هذا الخلاف؟! أعتقد أنّه خلاف سلطة.
إنّ المثقَّف هنا يدعو لإحداث زحزحة في قضيّة التقليد، وكأنّه في اللاوعي يقول: إذا لم تحصل زحزحة فليس لنا مرقد عنزة، فيجب حصول تحوّل حتى نتمكّن من أن يكون لنا نفوذ في المجتمع الإسلاميّ، وإلاّ سنبقى دائماً مطيعين لهذا المرجع.
إنّهم يدافعون عمّا يرونه حقاً لهم بالقول: نحن نُعدّ بالملايين، نحن شريحة كبيرة في المجتمع، تملك علماً وخبرةً وفهماً، ولها صولاتها وجولاتها في الفكر والثقافة والاجتماع والممارسة. إذاً فمن حقّنا الطبيعي أن نتقاسم هذه السلطة بيننا وبين الطرف الآخر. فعلينا ـ عندما نعجز عن التغيير بالقوّة ـ أن نُحدث تحوّلاً من خلال تغيير مسار المفاهيم نفسها.
يريد المثقَّف أن يكون له دور في النفوذ الاجتماعيّ، ويرى الفقيه أيضاً أنّ من حقّه ـ من موقع امتلاكه للعلم والمعرفة والدين، وهذه كلُّها سلطة ـ أن يكون له دوره أيضاً. وهنا تتصادم المصالح ـ لا بالمعنى السلبيّ للكلمة ـ، وتقع المشكلة.
موضوع السلطة هذا موضوعٌ إشكاليٌّ ومهمٌّ جداً. فليست الأمور دائماً فكريّةً بحتة، كما نحبّ أن نصوّرها، وليست الخلافات ثقافيّة وعلميّة فقط، بل تقبع خلف هذه الخلافات اتجاهات ودوافع، نبيلة وغير نبيلة، سليمة وغير سليمة. ولا شأن لنا بنوايا الناس.
هذا ما أردت أن نسلّط الضوء عليه في فهم هويّة الخلاف بين المثقَّف والفقيه في واحد من أضلاعها الرئيسة.
 
3 ـ إشكاليّة الاعتراف
الإشكالية الثالثة ـ والأخيرة ـ التي نودُّ طرحها هنا هي إشكالية الاعتراف. وهي أيضاً إشكاليّةٌ كبيرةٌ جدّاً. فهناك شعور من الفرقاء المتنازعين بأنّ الآخر ليس بشيء. الآن، لو سألتَ غير واحدٍ في الحوزة العلميّة والمؤسّسة الدينية يقول لك: هؤلاء المثقَّفون ـ بمَنْ فيهم المثقَّفون الدينيّون ـ ليس لهم حظٌّ من العلم، كلامهم أدبيّات وأشعار وصحف، وليس لديهم عمق ودقّة مثلنا. وإذا ذهبنا إلى الوسط الجامعي أيضاً فسيُقال لك: هؤلاء المشايخ ليس لهم حظٌّ من العلم، هم مجموعة حفظة للكتاب، والسنّة، وللقصص والحكايا، وبعض الأحداث التاريخية، ويعرفون قَدْراً من اللغة.
المشكلة أنّ كلَّ فريقٍ لا يعترف بصاحبه الاعتراف المطلوب، الموجب لحصول حالة التراضي والاطمئنان الذاتي.
وأخطر المشاكل التي تؤدّي إلى تضعضع السِّلْم الأهليّ وتوازن الحياة الاجتماعيّة هو عدم الاعتراف؛ لأنّ الإنسان بغريزته الفردية والجماعية يريد من الآخرين أن يعترفوا به وبوجوده وبحقّه. وهذا أمر طبيعيٌّ. فعندما يقال له: إنّك لست بشيءٍ فمن الطبيعيّ أن تحدث المشكلة. وعندما يقول هو لكَ أيضاً: أنت لست بشيء فمن الطبيعيّ أن تدافع عن نفسك.
إذاً هذا التصادم بين الفقيه والمثقَّف يبدأ من المنهج، أي من طريقة التفكير بينهما، ويمرّ برغبة كلّ واحدٍ من الطرفين في أن يكون له حجمه الاجتماعيّ الموازي لما يراه حجمَه المعرفيّ، أي إشكاليّة السلطة، وينتهي بإشكاليّة الاعتراف، أي أنا موجود فعليكَ الاعتراف بي، وأيُّ إنكار منك لوجودي معناه أنني سوف أناضل وأشتبك معك.
هذه إشكالياتٌ ثلاثٌ تعبِّر عن نماذج المعضلة القائمة، لننظر وفقها ماذا فعل السيّد الصدر في هذا المضمار، فهل كانت له محاولاتٌ أم لا؟ وهل كانت الخطوات التي قام بها ولو لم يربطها صراحةً بموضوع حديثنا… هل كان لها دور في تخفيف حدّة التأثيرات السلبية لهذه الإشكاليات الثلاث؟ وهل كان سلوكه&، بوصفه فقيهاً مثقَّفاً، عاملاً مساعداً على إيجاد التقارب بين هاتين الشريحتين الكبيرتين أم لا؟
 
فضّ الاشتباك بين المثقف والفقيه
إذا جئنا إلى الحلول التي قد نلمحها بالتحليل في نصوص وتجربة السيد الشهيد الصدر، فإنّنا نوجّه لأنفسنا السؤال التالي: هل سعى السيد الصدر لحلّ هذه المعضلات الثلاث المتقدّمة (إشكاليّة المنهج، إشكالية السلطة، إشكاليّة الاعتراف)، سواء عبّر عنها هو نفسه بأنها حلول لإشكالية العلاقة بين المثقَّف والفقيه أم لا؟
في تقديري إنّ الجواب سيكون بالإيجاب، فقد كان هذا السعي واضحاً وملموساً، وذلك عبر الخطوات التالية التي نلمسها في تجربته:
 
1ـ تثقيف الفقيه وتفقيه المثقَّف
لعلّ هذا هو أوّل الخطوات في طريق الحلّ. فعندما تثقّف الفقيه وتفقّه المثقَّف يقترب الاثنان من بعضهما فكريّاً، أي يحصل نوع من التقارب الفكريّ والمزاوجة الفكريّة بين الطرفين. وعندما تكون هناك عزلة وجفاء وغربة وقطيعة بين الفريقين، فلا يعرف الفقيه شيئاً عن تفكير المثقّف وطريقته، ولا يعرف المثقَّف شيئاً عن فكر الفقيه وطريقة تفكيره، تزداد الإشكاليّات حدّة.
عندما نقول: ثقّف الفقيه فأنا أخدم مشروع حلّ الإشكالية بين المثقّف والفقيه؛ لأنني أقترب بالفقيه من أن يصبح على تماس مع طريقة تفكير المثقّف، ويتماهى معه، ويتقمّصه. وعندما أقول للمثقَّف: تعالَ كي تتعرّف على الفقه والعلوم الحوزوية أكون قد كسرت جبل الجليد الموجود بين الفريقين. طبعاً بشرط أن تكون ظروف التعرّف على بعضهما غير صداميّة، أي في حال طبيعيّة.
عندما يكتب السيد محمد باقر الصدر كتابه (المعالم الجديدة للأصول(، ويراد لهذا الكتاب أن يعرّف الجامعيين والأكاديميين على علم أصول الفقه الموجود في الحوزات العلميّة، والذي هو من أكثر العلوم الإسلامية أصالةً، بعد إنتاجه من رحم التجربة الحضارية الإسلامية، على خلاف مثل: الفلسفة والمنطق، المشوبان بنطفة يونانية، وإنْ تطوّرا بشكل هائل في التجربة الإسلامية، فإنّه يهدف للتقريب بين الصرحين العلميّين الكبيرين: (الحوزة؛ والجامعة)؛ إذ لماذا يريد أن يعرّف المثقَّف أو الجامعي أو الأكاديمي على الحقيقة والمجاز والتبادر والعلم الإجماليّ والاستصحاب؟! ولماذا يريد تعريفه بالتخصيص والتقييد واستصحاب العدم الأزليّ؟! وما هي الفائدة من وراء ذلك؟!
لا توجد ضرورة، لكن عندما يريد السيد الشهيد الصدر منه أن يتعرّف فهو يهدف إلى تقريبه من المناخ الفكريّ الموجود في داخل الحوزة، وكأنّه يريد أن يفقّهه.
في هذه المناسبة يُنقل عن السيد الصدر أنّه كان يقول: يمكنني أن أمنح كلّ شخص جامعيّ ويحمل إجازة ما يحتاجه في وضعه المادّي على أن يأتي إلى الحوزة العلمية. ولعلّه أراد بذلك أن يشكّل في داخل الحوزة الشريحة الوسطى، أي الجامعيّ الحوزويّ والحوزويّ الجامعيّ.
ما معنى ذلك؟ دعونا نحلّل قليلاً. إنّني أتوقع أن الذي كان يؤرّقه هو إشكالية التصادم. فعندما كان يريد منه أن يأتي فهو يقصد تكوين الفقيه المثقَّف الجامعيّ والأكاديميّ الفقيه المتضلّع في العلوم الإسلامية؟ وإلا فبماذا نفسّر مشروع المعالم الجديدة للأصول؟! وكيف نفسّر مشروعه الثاني أو مشروع تعريف الحوزويين بالعلوم الإنسانية أو ما شابه ذلك.
إذاً هناك رغبة ـ أعتقد أنها واضحة إلى حدٍّ ما ـ عند الصدر في أن يُنتج فقيهاً مثقّفاً ومثقّفاً فقيهاً. وإذا حصلنا على فقيه مثقّف ومثقَّف فقيه فبالإمكان ردم الهوّة الموجودة بين الفريقين.
 
2ـ تحرير العلم والثقافة من الوضعيّة
من أعقد مشكلات الثقافة اليوم في علاقتها مع الدين والفلسفة أنّ الثقافة صارت رهينةً للتيار الوضعي والمدرسة الوضعيّة، إلى حدّ أنّه عندما يقال لك: ثقافة دينية، ومثقف متديّن، فإنّك تتصوّر في الأمر مفارقةً؛ إذ كيف يكون هناك اجتماع بين الثقافة بما تمثِّله من النزعة العلمية والدين بما يمثِّله من النزوع الفلسفي الميتافيزيقي؟! كيف يلتقيان وليس في الدين حريّة فكرية، ولا نقدٌ، ولا ذات؟!
لعلّ أهم خطوة يمكن للحوزات العلمية القيام بها؛ خدمةً للتقارب بين المثقَّف والفقيه، هي السعي لتقديم أنموذج قادر على أن يكون ثقافةً معاصرة بكلّ ما للكلمة من معنى، دون أن يكون وضعيّاً ملحداً.
ومن المناسب الاستشهاد بما أثاره العلاّمة الفقيد الشيخ محمد مهدي شمس الدين من التحفّظ على العلوم الإنسانيّة القائمة اليوم كلّها؛ لأنّها ـ من وجهة نظره ـ قد بُنيت على أصول فلسفيّة بشريّة في الغرب، تراكمت منذ عصر النهضة، واتخذت المنحى المادي التجربي. وهذه الأصول الفلسفية الغربية لا نؤمن نحن بها، من حيث إنّنا نملك رؤية فلسفية خاصّة عن المعرفة والوجود والعالم والإنسان والبدايات والنهايات. فمثلاً: المناهج التربوية والتعليمية قائمة على نظريات في العلوم الإنسانيّة مبنيّة بدورها على أصول فلسفيّة غير صحيحة إسلاميّاً، فهل يمكن القيام بوضع علوم إنسانية وفقاً لأصول فلسفيّة دينية؟ إنّ هذا الموضوع طويل يتّصل بقضايا أسلمة العلوم الإنسانية، وهي أسلمة قُدِّمت تصوّراتٌ كثيرةٌ مغلوطة حولها، في الوقت الذي تظلّ فيه ضرورة بمعنى من المعاني.
وهنا إذا استطعنا أن نقول بأنّ الأساس العلميّ الذي يعطي العلوم الطبيعية والإنسانية اعتبارها وقيمتها المنطقيّة هو نفس الأساس العلميّ الذي تستنتج منه الحقائق الدينية فإنّنا نكون قد اقتربنا منهجياً من المصالحة بين الفقيه والمثقَّف؛ لأنّنا شيّدنا المعرفة الدينيّة على أصول علميّة معاصرة، في الوقت الذي نكون قد حرّرنا الثقافة من الوضعيّة.
هذا هو ـ في تقديري ـ مشروع (الأسس المنطقيّة للاستقراءn الذي قام به الصدر. فهذا الفيلسوف قد توصّل ـ في مقام التأسيس المعرفيّ الذي شهده هذا الكتاب، وليس في مقام الجدل ـ إلى أنّ المنهج العلميّ والفكريّ الذي يُراد له أن ينتج العلوم الطبيعية والإنسانية هو بعينه المنهج الذي يمكن من خلاله إنتاج المعرفة الدينية، وذلك بنسبة من الاختلاف بسيطة، ألا وهو المنهج الاستقرائي في صيغته المعرفية الصدرية التي تمثلت في mالمذهب الذاتي للمعرفة

علم الكلام الجديد قراءة أوليّة

26 أكتوبر 2010
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬068 زيارة

علم الكلام الجديد قراءة أوليّة

يلعب علم الكلام الديني دوراً رئيسياً في المنظومة المعرفيّة لأيّ دينٍ كما يحتل مركزاً حسّاساً فيها، ومن الطبيعي وفقاً لهذه الموقعيّة التي يتميز بها أن يمثل التنامي أو التغييرات أو التعديلات الطارئة على هذا العلم تغيراً بنيوياً بالنسبة لكافة خطوط الخارطة المعرفية الأخرى، ومن هنا قد يكون هناك مجال للتحفظ إزاء عمليات إعادة النظر أو البناء التي تمارس في نطاق المسائل الفقهية والقانونية أو المسائل الأخلاقية والتربوية … وذلك بمعزل عن ملاحظة التعديلات التي طرأت وتطرأ أو التي لابد أن تطرأ على علم الكلام،…


فقه النزاعات المسلحة في الداخل الإسلامي

20 أغسطس 2010
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
980 زيارة

فقه النزاعات المسلحة في الداخل الإسلامي







تعرّض الفقه الإسلامي منذ سنواته الأولى لفقه الصراع المسلّح في الداخل الإسلامي، وذلك تحت عنوان فقه البغي، استناداً إلى الآية الشريفة، وهي قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} (الحجرات: 9).

وقد اتخذ البحث في فقه أهل البغي محاور متعدّدة، سأطلّ على بعضها في هذه الورقة المختصرة، محيلاً إلى البحث الفقهي الخاصّ الذي قدّمته في هذا الإطار:

1ـ في ما يتعلّق بأصل جهادية مواجهة أهل البغي في الداخل الإسلامي

 


فقه العلاقات الإسلامية مقترح مشروع فقهيّ حول الخلاف والوفاق

16 يوليو 2010
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
759 زيارة

فقه العلاقات الإسلامية مقترح مشروع فقهيّ حول الخلاف والوفاق




يقصد بفقه العلاقات الإسلاميّة ذاك الفقه الذي يشتغل على قضايا الوصل والفصل بين المذاهب الإسلاميّة، ويدرس ما يتّصل بتواصل المسلمين وتقاطعهم، بتقاربهم وتباعدهم؛ ليدرسها دراسة جادّة متأنّية.

وفي هذا السياق أريد أن أقدّم بعض التصوّرات الأوّليّة الضروريّة، وذلك كما يلي:

1ـ لا نكاد نجد دراسة فقهيّة اجتهاديّة إسلاميّة تتـناول قضايا العلاقات الداخليّة الإسلاميّة باستيعاب وشمول، فالذي يغلب على الدراسات الفقهيّة في هذا المجال إما الحديث عن أصل



الإصلاح الديني الثغرات، الإخفاقات، والإشكاليات ــ الحلقة الأولى ــ

1 يوليو 2010
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
900 زيارة

الإصلاح الديني  الثغرات، الإخفاقات، والإشكاليات ــ الحلقة الأولى ــ




شهد العالم الإسلامي منذ أواسط القرن التاسع عشر حركات نهوض وإصلاح وإحياء، تسارعت وتائرها إلى النصف الثاني من القرن العشرين، وما تزال مستمرةً إلى يومنا هذا.

ولا شك أنّ مقولات النهضة والإصلاح والإحياء ظلّت تلاحق المفكّرين المسلمين طيلة هذين القرنين، وقد حُقّقت إنجازات كبرى على هذا الصعيد، وقدّمت أفكار وتصورات ونُظُم سعت لسدّ الثغرات، وحلّ المشكلات، وإصلاح الأوضاع… وقد تعرّض المصلحون الدينيون في الساحة الإسلاميّة خلال هذه المدّة للكثير من الظلم والقمع والإقصاء والتهميش والتهشيم، لكنّهم ظلّوا



الإصلاح الديني الثغرات، الإخفاقات، والإشكاليات ــ الحلقة الثانية ــ

1 يوليو 2010
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
974 زيارة

الإصلاح الديني  الثغرات، الإخفاقات، والإشكاليات ــ الحلقة الثانية ــ




لا تتوقف مسيرة الإصلاح والنهوض عند حدّ؛ لأنّ الأمة بحاجة ليس إلى نهضة واحدة، وإنّما إلى سلسلة متتالية من النهضات؛ فالمشكلات كثيرة، والتحدّيات كبيرة. وهنا، ومن شدة صعوبة تحقيق منجز استثنائي يحصل أن تحقّق حركة النهضة والإصلاح بعض المنجزات الكبيرة، فتخشى من زوالها وفقدان هذا المنجز مرّة أخرى، فتضع ثقلها في الحفاظ عليه. وهذا أمرٌ طبيعي ومطلوبٌ في الوقت عينه.

لكنّ الذي يحصل أن تغرق حركة الإصلاح في همّ الحفاظ على ما أُنجز، فتنسى إكمال المسيرة أو تؤجِّل ذلك إلى حين، بل قد تضحّي ببعض ما كانت تريد تحقيقه