borneowebhosting video bokep indonesia bokepindonesia informasiku videopornoindonesia

نبذة حيدر حب الله

الموضوع بواسطة حيدر حب الله :

لماذا «نصوص معاصرة»؟

21 أبريل 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬199 زيارة

لماذا «نصوص معاصرة»؟

الوضوح والشفافية من العناصر اللازمة في الفكر والمشاريع الفكرية المعاصرة، بل إن واحدةً من أزماتنا المعاصرة في العالم الإسلامي غياب روح الشفافية عن ساحتنا الفكرية والثقافية، فضلاً عن الساحات الأخرى. من هنا، نحاول في هذه المقدمة تحديد تصوّرنا عن مشروعنا وأسسه الفكرية والثقافية، لكي تنجلي الصورة وتتضح، ونقدّم لذلك بمدخل بالغ الإيجاز في صورة المشهد […]

الفقه الإسلامي المعاصر – وإشكاليات التجديد

20 أبريل 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
942 زيارة

الفقه الإسلامي المعاصر – وإشكاليات التجديد

ثمّة مدرستان كبيرتان تتجاذبان الفقه الإسلامي اليوم، بفريقيه: الشيعيّ والسنّي: المدرسة الأولى: وهي المدرسة التراثية التي تميل أكثر إلى الأصول الاجتهادية التي قرّرها متقدمو العلماء، وتقوم بتطويرها تطويراً تدريجياً هادئاً، أي أنها تأخذ تلك الأصول ثوابت في الأعم الأغلب، وتنطلق عبرها، وترى أن مجال الاجتهاد وحرية البحث العلمي مفتوحةٌ على مستوى تفاصيل الأصول المذكورة، وأحياناً […]

التأسيس القرآني لحجيّة السنّة النبويّة – قراءة وتقويم

17 أبريل 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬877 زيارة

التأسيس القرآني لحجيّة السنّة النبويّة – قراءة وتقويم

تمهيد اكتسب موضوع حجية السنّة أهميةً فائقة في القرن الأخير بعد سجالات طويلة دارت حوله، وانقسام في الرأي بدا إزائه، وقد شهدت الساحة السنيّة جدلاً واسعاً، لا يُقاس به ما لحظناه في المشهد الشيعي؛ حيث لم يأخذ هذا الموضوع حيزاً كبيراً من الاهتمام، بل ظلّ جزءاً من الواضحات التي قلّما دخلت حيّز تجديد النظر وإعادة […]

الاجتهاد والتجديد – قراءة في هموم الفقه الإسلامي المعاصر

8 أبريل 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬784 زيارة

الاجتهاد والتجديد – قراءة في هموم الفقه الإسلامي المعاصر

تمهيد الفقه الإسلاميّ وما يتّصل به من أبرز مظاهر الحضارة الإسلامية، وليس من شك في مدى الجهد الهائل الذي بذله العلماء المسلمون لبناء هذا الصرح الحضاري القانوني؛ ليكون نبراساً تهتدي به قوانين عدّة في العالم، ومظهراً رائعاً من مظاهر قراءة النصّ، وتحليل أدوات التفكير، ومقاربة الظواهر الاجتماعية و.. والتكيّف مع الواقع، ثم إعادة صياغته. بحقّ […]

في البداية

8 أبريل 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬120 زيارة

في البداية

بات النتاج الإيراني ـ ولأسباب عدّة ـ يعني الباحثين في العالم العربي أكثر من ذي قبل، وهي أسباب تتخطّى الانتماءات المذهبيّة والقومية و..، وباتت هناك حاجة لمدّ جسورٍ محكمةٍ وقويّةٍ ثقافيّاً وفكرياً بين هذين العالمين الجارين المنتميين إلى أمّة الإسلام الواحدة. إنّ الوحدة الإسلامية، كما تتطلّب تعايش أبناء المذاهب الإسلامية المختلفة، تعايشاً يقرّ الاختلاف بل […]

نقد المتن في التجربة الإماميّة – الأصول والتجارب، الموانع والمعوقات(*)

9 مايو 2013
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬389 زيارة

نقد المتن في التجربة الإماميّة – الأصول والتجارب، الموانع والمعوقات(*)

تمهيد نظرية نقد المتن من النظريات التي اشتغل عليها العلماء المسلمون منذ قديم الأيام، سواء فيما كتبوه عن الموضوعات في الأحاديث أم فيما ذكروه بشكلٍ متفرّق في مطاوي أبحاثهم الكلامية والفقهية وغيرها، لاسيما في مناخ المساجلات المذهبية، حيث كان كلّ فريق يسجّل ملاحظاته المتنية على بعض روايات الفريق الآخر. لكنّ هيمنة السند ـ خاصّة في […]

الحاكم الشرعي ودوره في إدارة عملية الجهاد

26 فبراير 2013
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
979 زيارة

الحاكم الشرعي ودوره في إدارة عملية الجهاد

 
 تمهيد

موضوع هذه المحاضرة أو الكلمة ـ المبنية على التبسيط ـ هو الحاكم الشرعي ودوره في إدارة عملية الجهاد، ونحن هنا لن ندخل في أبحاث تخصصية أو دراسات قد تتناسب مع الجوّ الاستدلالي الحوزوي، وإنّما نريد الإطلالة فقط على هذا الموضوع من زاوية عامة.

 

الفقيه بين النزعة الانكماشية والاقتراب من الحدث السياسي والاجتماعي

بدايةً، نحن نعرف أنّ الفقه الشيعي واجه ـ نتيجة عدم خوضه لفترات طويلة في تجربة الدولة والعمل السياسي ـ مشكلةً أطلق عليها السيد محمد باقر الصدر عنوان: >النزعة الفردية الانكماشية<؛ فالفقيه لم يواجه منذ فترة طويلة تجربةً سياسية واسعة النطاق، كان يجلس في بيته، ويقتصر عمله في الغالب على المشكلات التي تأتيه وهو في البيت، كالعلاقات الزوجية والتجارة وغيرهما. وعندما تتراكم أمامه مجموعة مستجدات أو ما يسمى >فقه المستحدثات< يأخذ هذا الأمر المستجد فيبحث فيه، وعندما ينجز الفقيه الأوّل البحث في هذا الموضوع المستجد، يأتي الفقيه الآخر ليعلّق على كلام الأول.. وهكذا تدخل هذه المسألة إلى جسم الفقه الإسلامي.

هذا هو الشكل الطبيعي في الدراسات الدينية في الحوزات والمعاهد، فليس الفقيه مدير بنك يشرف على مئات من العمليات دفعة واحدة، ولم يكن وزير اقتصاد ليرى كلّ يوم المئات من أنواع الشركات التي تدخل وتخرج وتستجد، لم يكن الفقيه ينظر إلى هذا الواقع من الأعلى، والظروف أيضاً ما كانت تسمح له أن يكون في موضع الإشراف على حركة الأمور؛ لأسباب كثيرة؛ منها عزل هذا المذهب وفقهائه عن إدارة شؤون المجتمع.

وقد بدأ هذا الوضع بالتحوّل ـ شيعياً ـ منذ الحركة الدستورية في إيران >المستبدة والمشروطة< بداية القرن العشرين، فقد صار الفقيه هذه المرّة أقرب إلى الأحداث، وغدا يتداول قضايا السلطة على أعلى المستويات: هل الملك قادر على أن يبت في كلّ ما يريد دون أن نشرط قراراته بلجنة أو برلمان أو مجلس دستوري يشرف عليها أم لا؟.. كانت هذه من المرات القلائل التي يقترب الفقيه فيها من الواقع السياسي، لكنّ التجربة فشلت، واصطدمت بمشكلات عميقة، مع ذلك لم يتوقف المسار التصاعدي؛ فاستمرّ العمل السياسي للفقيه ـ ولو متقطعاً ـ يدفعه للاقتراب من الحدث، فجاءت مجموعة ثورات وحركات سياسية، من ثورة العشرين في العراق مروراً بحركة مصدّق، وصولاً إلى الثورات والحركات الإسلامية في إيران والعراق ولبنان وغيرها.

 

ظهور التقسيمات الجديدة للفقه: فقه فردي خاص وفقه اجتماعي عام

صار الفقيه هنا أكثر حضوراً وأكثر تماساً مع التحولات المعقدة في هذه الفترة؛ وإذا راجعنا كتابات وأدبيات هذه المرحلة سنلاحظ ظهور مقولات ومصطلحات جديدة لم تكن من قبل، نسمع علماء يتكلّمون عن فقه فردي وآخر اجتماعي، بعضهم يقول: فقه فردي شخصي أو فقه خاص وفقه عام، ويقصدون بالفقه العام فقه الدولة والسياسة والاجتماع، وقد تمّ تنشيط هذه المقولات إلى أن صار عندنا نوعان من الفقه، وإلا فقبل هذه الفترة لا نجد وضوحاً ولا ظهوراً لهذا التفكيك بين أنواع الفقه بهذه الطريقة، ليس هناك إثنينية جليّة.

من هذه المقدّمة ندخل إلى نقطة بالغة الأهمية، وهي أنّ كثيراً من العلماء قسّموا الفقه إلى فقه فردي وفقه اجتماعي، فقه خاص وفقه عام، إلى أن تكلّم الإمام الخميني ببعض الكلمات التي نتصل بهذا الموضوع، والتي ربما يمكن أن نستوحي منها أنه لا يوجد عندنا شيء اسمه فقه خاص وفقه عام، هذه الكلمات أطلقها الإمام الخميني في أواخر حياته بعد انتصار الثورة.

 

نظرية الاندماج والتواشج بين الفقهين: الخاص والعام

إذن ماذا يوجد؟

يوجد فقه واحد، لكن ليس هو الفقه الفردي، كما كان في الحال السابق، بل هو الفقه الذي يحمل من ناحيةٍ الفردية، ومن الناحية الثانية البعد الحكومي العام، أشبه بالكثرة في عين الوحدة كما يعبرون في الفلسفة.

ولكي أوضح هذه الفكرة، أقول من باب المثال: الآن لو فرضنا أن الفقيه يتشدّد في أمر الطهارة، فمن الطبيعي أنّه إذا أراد الإنسان أن يغتسل للجنابة فسوف يحتاج إلى مياه كثيرة، المواطن هنا ينظر إلى حياته الفردية، فلا يحسب حجم التأثير الاقتصادي والعام لهذه الفتاوى، ويعتبرها فتاوى فردية فحسب، لكنّها ليست كذلك؛ لأنك لو ذهبت إلى المسؤول عن المياه في هذه الدولة ربما تترك هذه الفتوى البسيطة بالنسبة إليه تأثيراً على صرف المياه في هذا البلد.

كذلك الحال ـ على مستوى مثال آخر ـ مسألة طهارة أو نجاسة أهل الكتاب، فقد يتصوّر أنّها محض شخصية فردية، لكنّك لو نظرت إليها من الأعلى وتصوّرت عشرات الجاليات المسلمة المنتشرة في العالم بعشرات الملايين من الناس، وأخذت تجربتهم وتأثير هذه الفتوى على حياتهم وطبيعة اختيارهم لأعمالهم، وعلى علاقاتهم الاجتماعية.. ستجد أنّها لم تكن فتوى شخصيّة فقط، وإنما هي عامّة ذات تأثير اجتماعي على ملايين الأشخاص.

من هنا، نرى أنّ الفتوى ـ ولو كانت فردية بسيطة ـ لها مساس بالشأن الاجتماعي والسياسي العام، فلا يمكن فصل الجانب الفردي في الفقه عن الجانب الاجتماعي، بل هما مندمجان في بعضهما، ولعلّ هذا هو مقصود الإمام الخميني فيما يقوله من أن الفقه بأكمله، مظهره ومكان تجسّده هو الدولة.

 

الموضوعات الخارجية بين المكلّف والفقيه

وإذا تخطّينا هذا كلّه، يمكن تقسيم قضايا الفقه الإسلامي وتطبيقاته إلى قسمين آخرين:

1 ـ مسائل فقهية توكل شؤون تطبيقها إلى آحاد المكلفين، أي أنّها بهذا المعنى تكون فرديةً، توكل إلى الفرد نفسه، فهو يحسب حسابات كيفية تطبيق هذه الفتوى أو تلك.

ومثال ذلك: إذا شككت أنّ هذا الماء نجس أو طاهر؟ فإجراء أصالة الطهارة أو الاستصحاب هنا يرجع إلى المكلف نفسه؛ حيث يقول له الفقيه في هذه الحالة: إنّ الموضوع الخارجي موكل إليك. وفي هذا النوع من الموضوعات الخارجية يمكن للفرد نفسه أن يدرس ملابسات الموضوع ويطبّق القاعدة الشرعيّة التي أعطاه إيّاها الفقيه مسبقاً.

هذا ما نسمّيه نحن هنا بالفقه الفردي، لكن بمعنى أنّ الفرد هو الذي يأخذ الفتوى ويتصرّف بها على أرض الواقع.

2 ـ القضايا الفقهية التي نسمّيها هنا بالفقه غير الفردي، لكن بمعنى آخر هذه المرّة، ولتوضيح ذلك نأخذ المثال التالي: محاربة إسرائيل، إذ لا يوجد نصّ قرآني أو من السنّة على محاربة هذه الدولة باسمها في هذا العصر، لكن عندنا قاعدة عامة تقرّر >الدفاع عن بلاد المسلمين<، فإذا قلت لعامّة الناس: >يجب عليكم أن تقاتلوا العدو إذا لم يكن في مقاتلته مفسدة<. يأتي زيد يقول: >أنا شخّصت لا توجد مفسدة فيجب أن أُقاتل<. ثمّ يأتي عمرو فيقول: >أنا شخّصت مفسدة فلا يجب القتال<.

في قضية طهارة الماء المعيّن هذا أو ذاك يرجع الأمر إلى المكلّف نفسه، لكن حينما توكل قضية عامّة إلى آحاد الناس كي يختار كلّ واحد منهم موقفاً أو يحدّد: هل هناك مصلحة أو مفسدة في الإقدام على مقاتلة إسرائيل؟.. في هذه الحال يختلف الأمر، فهناك لا يلزم أيّ محذور من إيكال الأمر إلى الآحاد، أمّا هنا فيلزم الهرج والمرج، فهذا يقاتل وذاك يمنع عن القتال وهكذا..

هذا النوع من الفتاوى والأحكام إذا ألقيناه إلى آحاد المكلفين على مستوى التطبيقات الخارجية يلزم الفوضى، واضطراب أمور الناس؛ لهذا لا تقبل الدول في العالم بذلك، من هنا لا نعتبر مثل هذه الأحكام فرديةً، على خلاف قضية طهارة هذا الماء أو ذاك، فهي قضيّة فردية بمعنى مرجعية نظر الفرد في الحكم عليها وممارسة فعل التطبيق في موردها.

بهذا نخرج ـ بعد أن أبطلنا وجود فقه خاص فردي وآخر عام سياسي واجتماعي منفصل كلّ واحد منهما عن الآخر ـ بوجود هذين الفقهين، لكن بمعنى آخر؛ يتبلور عبر القاعدة التي ستقول: كل حكم شرعي إذا أوكلته إلى آحاد المكلفين يلزم منه الهرج والمرج، لا يكون تحديده الموضوعي ـ بمعنى تحديد ملابسات الحكم ميدانياً ـ بيد الناس، بل بيد شخص آخر، وكلّ حكم لا يلزم من إيكاله للآحاد من الناس ذلك، يكون شأنه راجعاً للمكلّف نفسه؛ لعدم وجود دليل على ولاية أحد على المكلّفين في أمر التطبيق فيه. وربما تكون هذه القاعدة متفقاً عليها.

 

معنى جديد للفقه الخاص والعام

إذن، لا يوجد فقه فردي خاص وفقه اجتماعي عام، فهما في حالة دمج وانصهار، لكن يمكن أن نؤسّس لهما بتصوّر آخر، وهو أنّ الفقه الفردي هو الفقه الذي يمكن أن يحيل فتاواه وأحكامه ـ ميدانيّاً ـ إلى آحاد المكلفين ليكون أمره بيدهم فلا يحتاجون إلى مراجعة جهة أخرى، أما الفقه غير الفردي فهو الفقه الذي لا يمكن إيكاله إلى آحاد المكلفين للزوم الهرج والمرج من ذلك، فيكون شأن البتّ فيه لجهة أخرى.

من هذا الفقه العام غير الفردي ـ بهذا المعنى ـ بالذات، ندخل إلى فكرتنا الرئيسة حول قضية الجهاد؛ حيث يقول الفقهاء في كتابي: القضاء والاجتهاد والتقليد: mالفتوى هي الحكم الكلي على الموضوع الكليn؛ فالفقيه يقول: يحرم شرب الخمر، ولا يقول: يحرم شرب هذه الخمر، فلا  يتكلّم باسم الإشارة (هذا وهذه) ، وإنّما يأخذ الشرب كمفهوم كلي ويأخذ الخمر كمفهوم كلي، ويأخذ الحرمة أيضاً في السياق نفسه، فيقول لك: الحكم بالحرمة مترتب على الشرب المتعلّق بالخمر. فمن الواضح أنّ الواقع الخارجي ليس من شأن الفقيه، وإنّما هو من شأن القاضي الذي يتدخل في الواقع الخارجي باستخدام اسم الإشارة، حيث يقول: هذا المال لزيد وليس لعُبَيد، فبينما كان المفتي يضع الحكم الكلي على الموضوع الكلي، كان القاضي يطبّق الحكم على المصاديق الخارجية على أرض الواقع.

 

دور الحاكم في الفقه العام بالمعنى الجديد

إذا أخذنا بعين الاعتبار هذا التمييز بين الفتوى والحكم، فتوى المفتي وحكم القاضي، يمكننا أن نضع القضايا التي لا يمكن إيكالها إلى الآحاد من الناس، أو القضايا العامة أو ما يسمّيه العلامة شمس الدين >الفقه المجتمعي<، نضعها بيد الحاكم الشرعي؛ فهنا لا يمارس الحاكم موقع المفتي؛ فلا يكتفي بالفتوى الكلية، بل يقترب من موقع القاضي، ليدخل للمصداق ويحدّد موقفه منه، فهذه هي الطريقة التي ترفع الهرج والمرج، ولا أقلّ هي إحدى الطرق الممتازة.

 

أزمة الفردية في البحث الفقهي حول الجهاد

إذا جئنا إلى قضيّة الجهاد، نلاحظ أنّ الجهاد لا يمكن أن يكون فقه أفراد، رغم أنّ الكثير من الأبحاث الفقهية تعاملت معه ـ وبكامل الأسف ـ تعاملها مع الفقه الفردي، وأضرب مثالاً على ذلك مسألة ما إذا كان عدد العدوّ على الضِّعْفِ من عدد المسلمين، فكثير من الفقهاء يقولون: إذا كنت تقاتل في المعركة وجاءك ثلاثةٌ من الأعداء فلا يجب عليك القتال، بل يجوز الفرار. فنحن نلاحظ هنا بوضوح كيف أُخِذ مفهوم القوّة أخذاً فرديّاً، ولم تحسب المسألة على مستوى علاقة جيشين تابعين لدولتين، وإنما حصرت بفرد يقابله فردان أو ثلاثة في زاوية من زوايا المعركة، نعم، لقد نظر إلى هذا الموضوع الهامّ جداً نظرة بحت فردية!!

هذا النمط من قراءة بحث الجهاد بالغ الخطورة؛ حيث يؤدي إلى حصول نتائج خاطئة في الاستنتاج الفقهي العام، فيما نلاحظ أنّ الخطابات القرآنية الموجهة في قضايا الجهاد خطابات مجتمعية عامّة وليست فردية فقط؛ لأنّ الجهاد شأن مجتمعي عام لا يدخل في دائرة الفقه الفردي الذي توكل قضاياه إلى آحاد الناس، وهذا أمر عقلائي قامت عليه السيرة العقلائية في قضايا الحرب والسلم.

 

مشروعات تعطيلية ذات قراءة اجتهادية

وبهذه الخطوة التي خطوناها، نريد الآن أن ننظر لقضيّة الجهاد بأنواعه وأشكاله، لنرصد طبيعة حركة إدارته في المجال السياسي والاجتماعي؛ فنحن نلاحظ أنّ الفقه الإسلامي بمدارسه، وليس فقط الفقه الشيعي، قسّم الجهاد إلى قسمين: ابتدائي، ودفاعي. بل يعتبر بعضهم أنّ الأصل في الجهاد هو الابتدائي، أما الدفاعي فيلحق إلحاقاً بالجهاد. وعندما تحدّث الفقهاء عن أحكام هذين النوعين من الجهاد قالوا بأنّ الجهاد الابتدائي مربوط بالمعصوم، أما الدفاعي فليس كذلك بل ولا يرتبط بالحاكم الشرعي أيضاً؛ وهذا معناه أنّ الجهاد الابتدائي خاص بالمعصوم بحيث لو جاء الحاكم العادل ـ ولو كان فقيهاً ـ لا يمكنه أن يمارسه، فيما الجهاد الدفاعي ليس مربوطاً بأحد على الإطلاق، لا بالمعصوم ولا حتى بالحاكم الشرعي ولا غير الشرعي، فقيهاً كان الحاكم أم غير فقيه. بل أيّ فرد يمكنه أن يمارس الجهاد الدفاعي من تلقاء نفسه، تماماً كما يتعامل مع طهارة ماء منزله في هذا الإبريق أو ذاك.

هذا التعاطي مع قضيّة الجهاد ليس شأناً خاصّاً به، بل نحن نجد أنّ هناك عدّة فرائض كبرى ربطت ـ على صعيد بعض النظريات في الفقه الشيعي ـ بالإمام المعصوم، مثل وجوب صلاة العيدين، وكذلك صلاة الجمعة، وكذا إقامة الحدود والتعزيرات، وعلى المنوال عينه إقامة دولة إسلامية، وهكذا.

ولن نخوض في بحث فقهي استدلالي في هذا المضمار؛ فقد بحثنا هذه النقطة في محلّه، لكن ما يبدو أنّه السبب الأبرز الذي دفع الفقهاء إلى مثل هذه القناعات التي عطّلت بعض الفرائض في زمن الغيبة، هو وجود كلمة >إمام< في بعض الروايات التي تحدثت عن هذه الفرائض، وقد حصل إسقاط وتأثر بالدراسات الكلامية على هذه الموضوعات الفقهية، ونتيجة رسوخ التلازم بين هذا التعبير وبين الإمام المعصوم تصوّر بعض الفقهاء أنّ المقصود بالإمام هنا هو المعصوم.

على سبيل المثال، رواية مشهورة في كتاب الجهاد تعرف بخبر بشير الدهان، عن أبي عبد الله×: إني رأيت في المنام إني قلت لك أن القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. فقلت لي: >نعم هو كذلك<. فقال الإمام أبو عبد الله×: >هو كذلك، هو كذلك<.

معنى هذه الرواية ـ عندما نفسّر كلمة الإمام فيها بالمعصوم ـ أنّه يحرم على الإنسان أن يقاتل أو يجاهد إلا بحضور المعصوم.

في السياق نفسه خبر آخر هو رواية الأعمش، قال: >والجهاد واجب مع إمام عادل، ومن قاتل دون ماله ورحمه ونفسه فهو شهيد<. فالجهاد من خلال هذه الرواية مربوط أيضاً بالمعصوم.

دعونا نتأمل هاتين الروايتين ومعهما العديد من الروايات الأخرى، سنجد قضيّتين:

 

1 ـ نقد نظرية ربط الجهاد بالمعصوم

من الواضح أنّ هذه الروايات لا تقييد فيها بالجهاد الابتدائي، بل تتحدث عن مطلق حرب وقتال، ما لم يكن دفاعاً شخصيّاً عن النفس، إذاً فالمفترض أن نحرّم الحرب والجهاد حتى الدفاعي إلى ظهور الإمام، فأيّ معنى للتمييز بين نوعي الجهاد المتقدمين؟!

لا يوجد في أي رواية شيعية ولا سنيّة عبارة جهاد ابتدائي وأمثال ذلك، فلماذا نقيّد شرطية حضور المعصوم بمورد الجهاد الابتدائي دون الدفاعي؟! وإذا قلت لي: إنّ الجهاد الدفاعي ليس جهاداً، قلت لك: هذا تحكّم، فقد خاض النبي عدّة حروب دفاعية وكانت تسمّى جهاداً، وها نحن اليوم نخوض حروباً دفاعية في المنطقة أليست هذه جهاداً وقتالاً في سبيل الله؟! ألا يصدق عليها المفهوم القرآني للقتال؟! وما هو الدليل بعد اعتراف العرف والعقلاء بأنّها قتال؟ إذاً فالمفترض أنّ هذه الروايات تشمل نوعي الجهاد معاً، فهل يلتزم الفقهاء بذلك؟ أليس ذلك منبهاً على خطأ النتيجة الفقهية التي تربط الجهاد بالمعصوم؟

نعم الدفاع الشخصي ليس جهاداً وإن كان للمدافع أجر الشهيد، فليس مربوطاً بالإمام؛ لذلك ميّز الإمام في الرواية بين من يقتل دون ماله وعرضه وبين أصل مسألة الجهاد؛ فالدفاع الشخصي ليس مربوطاً بالإمام، ولكنه ليس جهاداً.

 

2 ـ تأصيل نظرية ربط الجهاد بمطلق الإمام العادل

لا يوجد عندنا في أيّ رواية من روايات هذا الموضوع تعبير (المعصوم)، وإنّما لدينا كلمة >إمام<، وهي ليست مصطلحاً خاصّاً بالمعصوم في لسان الروايات، وإنّما هي مطلقة بحسب دلالتها اللغوية والعرفية.

إذن، من ناحية لا يوجد عندنا في هذه الروايات تمييز بين الجهاد الدفاعي والابتدائي، ومن ناحية أخرى نجد أنّ هذه الروايات تربط الجهاد بأن يكون مع إمام عادل، ولا تقيّد هذا الإمام العادل بأن يكون معصوماً أو منصوصاً عليه من قبل الله تعالى؛ ممّا يجعلها تشمل كلاً من الجهاد الابتدائي والدفاعي من جهة والإمام المعصوم وغيره من جهة أخرى.

يضاف إلى ذلك، أنّ الجهاد الدفاعي كالابتدائي من القضايا العامّة التي تترتب عليها مصالح ومفاسد، ولا يمكن إيكالها إلى آحاد الناس؛ إذ لو استقر عدوّ مثل الكيان الصهيوني اليوم في بلد إسلامي كفلسطين، لا يمكن جعل قضية مواجهته بيد الآحاد، لاسيما مع اختلاف الأنظار، وهذا معناه أنّه يجب أن يكون الحاكم الشرعي الجامع للشرائط هو المشرف على قضية الجهاد الابتدائي والدفاعي معاً، باستثناء الدفاع الشخصي كما قلنا.

وبهذا يتبيّن أنّ ربط الجهاد الابتدائي بالمعصوم لا أساس له يمكن الركون إليه، كما أنّ تحرير الجهاد الابتدائي والدفاعي من الارتباط بالحاكم الشرعي هو الآخر يقع على خلاف متون الروايات، وعلى خلاف البناء العقلائي في إحالة مثل هذه القضايا إلى الجهات المشرفة على الشأن العام؛ فالصحيح ربط أيّ مواجهة تخوضها الأمة بإشراف الحاكم الشرعي.

وننبّه أخيراً، إلى أنّنا لا نحدّد هنا من هو الحاكم الشرعي، وما هي مواصفاته، وإنّما نأخذ مطلق الدولة الشرعية أو الجهة الشرعية التي لها إشراف على القضايا العامة للمسلمين، أمّا تحديد الأمور بشكل تفصيلي فهو بحث موكول إلى مسائل الفقه السياسي الإسلامي.

 

التيارات الإسلامية في لبنان – مطالعة عابرة في المشهد الثقافي والفكري(*)

20 يناير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
774 زيارة

التيارات الإسلامية في لبنان – مطالعة عابرة في المشهد الثقافي والفكري(*)

تمهيد
قد يكون صعباً جداً اختصار الحديث عن مشهد ثقافي وفكري إسلامي عرفه لبنان في نصف القرن الأخير، لأنّ التحوّلات كانت حادّة إلى حدّ التناقض، لكن من باب الإشارة فقط يمكن أن نفتح الحديث عن هذا الموضوع عبر محورين رئيسيين، يبدو لي إمكانية تمييز الحديث عنهما: المحور الشيعي والمحور السنّي.
وسوف يكون حديثنا مختصراً يعالج النقاط والملفات الأساسية، بعيداً عن التفاصيل التي لا حدّ لها.
 
1 ـ المشهد الثقافي والفكري الإسلامي في الوسط الشيعي
 
1 ـ 1 ـ الشيعة في النصف الأوّل من القرن العشرين، بداية الحراك الثقافي
كان الشيعة قد عرفوا في النصف الأوّل من القرن العشرين في لبنان، بدايات تحوّل، بدأت منذ مطلع القرن؛ حيث كانت الدولة العثمانية تضعف يوماً بعد آخر، وكان ذلك فسحةً للشيعة كي ينطلقوا أكثر فأكثر في بناء ذاتهم، والخروج من التاريخ القمعي الطويل الذي عرفوه في هذه المنطقة.
وقد تصاحبت هذه الأحداث مع التمدّد الغربي في العالم الإسلامي، فشهد المسلمون بعد حملات نابليون تحوّلات كبيرة في المنطقة، كانت منطلقاتها في الغالب آتيةً من مصر أو شبه القارة الهندية، ومثله مثل سائر بلدان المشرق الإسلامي.. خاض لبنان الشيعي حواراً بين أبنائه حول مجموعة من ضرورات التحديث، فانطلقت مجلة (العرفان) في صيدا، والتي كان يديرها أحمد عارف الزين، لتتحوّل إلى منبر ثقافي شيعي كبير يوازي منبر مجلة (المنار) في مصر، وعلى صفحات هذه المجلة في النصف الأول من القرن العشرين، شهد المجتمع الشيعي أهم التحوّلات الفكرية.
سعى الشيعة بأطيافهم في هذه الفترة لإثبات حضورهم في المحيط السنّي؛ فعمل السيد محسن الأمين والسيد عبد الحسين شرف الدين وغيرهما على الدفاع عن المعتقدات الشيعية وإثبات الوجود الشيعي في الوسط السنّي، وكتبهما معروفة، لاسيما mالمراجعاتn و mأعيان الشيعةn، وأبدت مجلة العرفان التاريخَ العريق للشيعة أيضاً، لكن مع ذلك، اندلعت خلافات في الداخل الشيعي آنذاك حول محاور عديدة، أرى أنّ أبرزها كان ما يلي:
1 ـ الخلاف الذي وقع حول تأسيس المدرسة العصرية، فقد انقسم العلماء في هذا الموضوع، وفيما كان السيد محسن الأمين يدافع عن تأسيس هذه المدرسة لتوعية الجيل الصاعد، كان فريق آخر يرفض هذا الأمر، وقيل: إنّ بين الفريق الآخر السيد عبد الحسين شرف الدين، الذي ما لبث أن عدل عن رأيه ليؤسّس بنفسه مدرسة عصرية، سميت بمدرسة الجعفرية في مدينة صور.
يعكس هذا الخلاف طبيعة القراءات الثقافية والوعي الثقافي الذي كان يملكه كبار قادة المجتمع الشيعي آنذاك، في الصورة التي يحملونها عن العلوم الحديثة وعن الانفتاح على الواقع الجديد الذي بات يغزو المنطقة برمّتها، وفي الاعتراف بمرجعيات علمية ثانية، صورة مصغّرة لما بتنا نسمّيه اليوم بالعلاقة بين الحوزة والجامعة أو العلاقة بين المثقف والفقيه.
2 ـ الخلاف حول مظاهر الطقوس الدينية المذهبية، في قضية إحياء الشعائر الحسينية؛ وربما كان هذا أكبر خلاف ثقافي ديني عرفه الشيعة في النصف الأوّل من القرن العشرين، وانقسموا فيه فريقين: فريق مناصر لتصحيح الشعائر تزعّمه السيد محسن الأمين، وناصره في ذلك الكادر الذي كان يحيط بمجلة العرفان، وبعض مرجعيات النجف، في مقابل السيد عبد الحسين شرف الدين في صور، والشيخ عبد الحسين صادق في مدينة النبطية، تناصرهما في ذلك تيارات معروفة في النجف.
كان هذا الخلاف تعبيراً عن ظهور تيار التحديث الديني في الوسط الشيعي، وهو التيار الذي يدعو لنقد الموروث الديني ووضع الشيعة ضمن حركة تصحيح عام، لا تختصّ بهم بل تعمّ المنطقة أيضاً.
 
2 ـ 1 ـ الإمام موسى الصدر ومشروع تكوين الجماعة الشيعية
لم ينته العقد الأول من النصف الثاني من القرن العشرين، إلا وغاب الإمامان: الأمين وشرف الدين، ليدخل الوضع الشيعي في مرحلة جديدة.
كانت المشاريع الأوّلية التي أطلقها هذان الإمامان بداية لتفكير جادّ في النهوض بالواقع اللبناني الشيعي، وبغيابهما قام الإمام موسى الصدر بلعب دور الخليفة، فأكمل المشروع عبر تأسيس مجموعة من المؤسّسات التي ما لبثت أن كوّنت الوعي الثقافي الشيعي الجديد، فأطلق (أفواج المقاومة اللبنانية/أمل) لتكون جامعاً سياسياً للشيعة الذين كان شبابهم قد تفرّقوا بين الأحزاب اليسارية والفلسطينية آنذاك، وشاد مؤسّسات اجتماعية وتربوية ودينية، مثل معهد الدراسات الإسلامية في صور، وجمعية البر والإحسان و.. إلى أن أنشأ عام 1967م المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي توكل إليه مهمّة أن يُشرف على الأوقاف والقضاء الجعفريين، ويدير الشؤون الدينية للشيعة، ويدافع عن مصالح الجماعة الشيعية في لبنان، وقد دعمته في إنشائه جهات عديدة في النجف وغيرها.
وكانت الإطلالة التي تميّز بها السيد الصدر تقوم على شيء من التوعية الثقافية البسيطة للشيعة، وجعلهم يحسّون بكيانهم الديني والثقافي بشكل أكبر، دون أن ينقطعوا عن المحيط التعدّدي الذين عرفه لبنان منذ سنين طويلة، والتعايش الإسلامي ـ المسيحي كان أطلقه الصدر منذ سنين بعيدة؛ لكي يحمي الشيعة من موجات دموية جديدة قد يواجهونها داخل الوطن اللبناني.
ويقوم مشروع الصدر الثقافي والفكري على مبادئ دينية محدّدة، فلم يتأثر موسى الصدر ـ خلافاً لابن عمّه الشهيد محمد باقر الصدر ـ فيما يبدو بالحركات الإخوانية في مصر أو حزب التحرير في بلاد الشام، ولا بالتيارات الثورية الإسلامية في إيران والعراق، ولم ينادِ بإقامة نظام إسلامي في لبنان، كما لم يكن من ضمن أولوياته تأسيس أحزاب دينية بالمعنى الذي بتنا نعرفه اليوم، ولم يرَ من لبنان ما يراه السيد باقر الصدر من العراق في طريقة دعم الثورة الإسلامية في إيران، وإنّما كان نشاطه الثقافي يقتصر على شيء مبسّط من نشر الثقافة الشيعية التي تسمح بإحساس الشيعة بكيانهم؛ ليعيدوا تموضعهم وتكوين منظومتهم بوصفهم قوّة مؤثرة في الساحة، بدل التهميش الذي مورس عليهم قبل وبعد انهيار الدولة العثمانية، نعم كان هذا هو الهدف الرئيس لموسى الصدر في مشاريعه الثقافية والسياسية التي أطلقها في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، مع فتح شبكة علاقات دولية ومحلية هائلة، وهذا ما نجده في خطبه ومحاضراته ودروسه التفسيرية، ووضع الشيعة في لبنان ربما هو الذي فرض عليه تغييراً في رسم هذه الأولويات عن الهموم التي كان يعيشها الشيعة في مثل إيران والعراق.
يحسب السيد موسى الصدر على الخطوط المعتدلة في الساحة الشيعية بحسب التقسيم السائد في تصنيف الحركات الإسلامية، فلم يستخدم السلاح لمواجهة الخصوم في الداخل، ولم يمارس النهج الثوري في تغيير الواقع، ولم يكن راديكاليّاً دينياً في التعامل مع الحياة الشيعية في لبنان، يقال: إنّه كان مقرّباً فكرياً من تيارات في إيران تختلف بعض الشيء عن الخطّ الذي عاد وانتصر في إيران إلى اليوم، ويرى المراقبون أنّ علاقته بمثقفي مجلّة mمكتب إسلامn وبتيارات د. شريعتي وأمثاله كانت أكبر من علاقته بفكر مثل الإمام الخميني؛ لهذا نظر إليه بعض رجالات الخط الثوري الإسلامي الذي جاء فيما بعد في الثمانينيات على أنّه غير متوالم مع مشروعهم، وكانت هذه نقطة بداية لتحوّلات حادّة واختلافات في وجهات النظر في الساحة الشيعية.
وفي الحقيقة، كانت هناك أكثر من ردّة فعل على الرؤية التي قدّمها السيد موسى الصدر، أهمها:
1 ـ ردّة الفعل المتمثلة بالتيارات المدرسية أو تلك التي كانت تملك رؤية كلاسيكية نسبياً، مثل الشيخ محمد جواد مغنية والسيد هاشم معروف الحسني وأمثالهما، فلم يكن هؤلاء مرتاحين للنهج الفكري والثقافي والسياسي الذي قام به الصدر، وكانوا يفضلون طريقة أخرى في التعامل مع الأمور، ربما تكون أقرب إلى بقاء الأوضاع على ما هي عليه، مع تغييرات طفيفة تقوم على سياسات مطلبية محدودة.
2 ـ ردّة فعل متمثلة في تيارات تُحسب على الحركة الإسلامية أو اليسارية عموماً، وأبرز شخصيّتين يمكننا ذكرهما، هما: السيد محمد حسين فضل الله، والسيد محمد حسن الأمين، فقد ذهب هذا الفريق ـ الذي كان يشارك الصدر في الخطوط العامّة للمشروع النهضوي ـ إلى أنّ الصدر أخطأ في أكثر من نقطة في مشروعه الثقافي والسياسي للشيعة، من بينها أنّه اعتمد النهج الجماهيري حيث تواصل مباشرة مع جماهير الشيعة قبل بناء كوادر شيعية قادرة على الإمساك بالوضع وإدارة الأمور، وأنه ربما شعر أنّ وجوده كان ضماناً لتدارك الوضع، فلما غاب انتكس مشروعه، فيما كان يفترض به أن ينهج نهج بناء الكوادر الشيعية، ثم في مرحلة لاحقة يقوم ببث هذه الكوادر في القاعدة الجماهيرية للشيعة لتغيير وضعهم الثقافي والاجتماعي والسياسي، كما ومن بين الملاحظات التي سجّلت عليه تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، إذ اعتبر هذا الفريق أنّ تأسيس المجالس المليّة يكرّس الطائفية في لبنان، والمفروض أن نعمل على تذويب الحالة الطائفية والثقافة الطائفية في هذا البلد العاجّ بالطوائف والمذاهب، فيما بيّن السيد الصدر في مؤتمر صحافي مشهور عام 1966م أوضاع الشيعة المتدهورة في لبنان ومبرّرات قيام مجلس لهم.
وبصرف النظر عن هذه الملاحظات أو تلك، طغى مشروع السيد موسى الصدر على غيره وسيطر على الساحة الشيعية في لبنان، وحكم بعقليّته التيارات كافّة، وفجأة اختفى نهاية السبعينيات، ليترك فراغاً هائلاً في حياة الشيعة اللبنانيين.
شكّل اختفاء السيد الصدر صدمة كبيرة للشيعة الذين كانوا خرجوا للتوّ من وضع حرج، وبدأ الوضع الشيعي يشهد تنافساً في مراحله الأولى بين اتجاه ينحو نحو علمنة مشروع السيد الصدر يقوده الرئيس نبيه بري، وآخر يريد أن يحفظ له ـ بقدر ما ـ صيغته الإسلامية كان من قادته الشيخ شمس الدين، لكن انتصر ـ داخل خط الصدر ـ مشروع العلمنة في نهاية المطاف، لكنّها كانت علمنة غير ملحدة، لم تكن علمنة لا دينية، صاحب ذلك انتصار الثورة الإسلامية في إيران؛ لينطلق المشروع الكبير في المنطقة على الصعيد الشيعي.
 
3 ـ 1 ـ ظهور التيارات الإسلامية السياسية الشيعية
تابع المثقفون الشيعة المعركة التي خاضها السيد محمد باقر الصدر مع التيارات الشيوعية في العراق، وأعجبوا بها، واستفادوا منها في مواجهة خصومهم من التيارات اليسارية والماركسية التي كانت غزت الجامعات ومختلف الطبقات في لبنان، حتى كانت الأحزاب الماركسية هي الأقوى في بداية الثمانينيات، ولمّا كان اللبنانيون الفئة الأنشط ميدانياً من حول السيد محمد باقر الصدر، ولما هجّروا نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات إلى لبنان من النجف، عاد فريقٌ منهم يحمل الأفكار التي كانت نمت في الوسط النهضوي العراقي، ومن حول السيد محمد باقر الصدر، أو على مقربة منه، دون أن يكونوا حتى الآن ـ أي بداية الثمانينيات ـ قد تأثروا بشكل جادّ بالمناخ الفكري في إيران، أو فكّروا في تحويل مرجعيتهم الدينية من النجف إلى قم.
في هذه الفترة التي بدأت تقريباً من عام 1972م، خرجت تيارات تمثل امتداداً للتيارات الفكرية السياسية الشيعية التي ظهرت في النجف، فبدأ العلامة محمد حسين فضل الله نشاطاته الفكرية في بنت جبيل وفي شرق بيروت بتشكيل (أسرة التآخي)، ومجموعة نشاطات فكرية متعدّدة، وكان هذا التيار يمتدّ عبر (اتحاد الطلبة المسلمين) الذي اتخذ من الضاحية الجنوبية لبيروت مقرّاً له، وتحلّقت حول اتحاد الطلبة وفضل الله مجموعات أولى تغايرت عقليتها تدريجياً عن الحركة التي كان يسير عليها السيد موسى الصدر ومن جاء بعده، كانت الأولويات للبعد التثقيفي الديني، ولتشكيل وعي سياسي ـ ديني، يؤمن بإقامة الحياة وفق أسس دينية، ويهتمّ بنقد الموروث الديني الراكد الذي كان يعيش الشيعة عليه في لبنان، إضافة إلى التنظير لآليات الدعوة الدينية ونشر الفكر الديني، كما اهتمّت هذه المجموعات بمطالعة الفكر الماركسي والغربي الجديد لتقديم تصوّرات دينية بديلة عنه بأسلوب الحوار واللغة الهادئة مبديةً الفكر الديني قادراً على الحضور في الساحة السياسية والاجتماعية والفكرية.
كان البعد الفكري هذه المرّة مهيمناً أكثر على نشاطات هذه المجموعة، بشكل يفوق ما كان قد حصل مع تجربة الإمام الصدر، ففي تلك التجربة لم يكن سوى العلامة محمد مهدي شمس الدين (2002م) يظهر بقوّة، عبر كتاباته التي نقد فيها الدكتور صادق جلال العظم في كتابه (نقد الفكر الديني) وغيره، مثل كتاب mالمطارحاتn وغيره، وقد شكّلت مشاركة العلامة شمس الدين حضوراً قويّاً للعلماء في ساحة المناقشات الفلسفية والفكرية الجديدة، وبلغة تختلف عن المنطق الخطابي والتعبوي.
كانت الأفكار التي نمت حول شمس الدين مشابهة كثيراً لتلك التي ظهرت مع فضل الله، مع فارق أنّ شمس الدين كان يحمل لغةً أكثر نخبوية وحضوراً أكثر رسمية بعد أن خلف الإمام موسى الصدر في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، فبدت أفكاره أقرب إلى طريقة تفكير السيد موسى الصدر، فيما اقترب السيد فضل الله من طريقة تفكير التيار الإسلامي العراقي المتمثل آنذاك بحزب الدعوة الإسلامية، من هنا بدا فضل الله أقرب إلى الخطاب الثوري وإلى نظرية تطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية، وحاكمية الفقه الإسلامي، فيما ذهب شمس الدين ـ الذي كان مقرّباً في النجف، كما يقال، من أسرة الحكيم ـ إلى أنّ المفترض اتّباع سياسة سلميّة أقرب إلى المطلبية لتحسين وضع الشيعة في أوطانهم.
كانت هذه بداية الاختلاف الفكري بين مدرستي: فضل الله وشمس الدين، وفي عام 1982م اجتاحت إسرائيل لبنان، وظهرت حركات المقاومة ذات اللون الجديد، فقد انهارت المقاومة الفلسطينية التي خرجت من بيروت عبر البحر، وانهار معها مسلسل من التيارات اليسارية الذي كان على صلةٍ بها، كان لبنان الشيعي على موعد مع حركة مقاومة شيعية ممتازة، قادتها حركة أمل وعلى المستوى الثاني جماعات متفرّقة متديّنة انطلقت من البقاع اللبناني حيث كان الحرس الثوري الإيراني قد اتخذ لنفسه للتوّ مواقع ومقرّات.
كانت الثورة الإسلامية وأفكارها بدأت بالحضور مع أولى طلائع الحرس الثوري الذي وصل إلى محيط مدينة بعلبك، وبدأ ينهج في التفكير والممارسة نمطاً جديداً، يختلف تمام الاختلاف عن فكري: شمس الدين وفضل الله، الذي كان أقرب إليه من شمس الدين.
عمل هذا التيار الذي تحوّل فيما بعد إلى تنظيم mحزب اللهn على نشر ثقافة لم تكن مألوفة جداً بين الشيعة اللبنانيين من قبل، جاءت مع هذا التيار الاتجاهات العرفانية والصوفية، وظهرت مفاهيم ولاية الفقيه والنظام السياسي الإسلامي، وآمن العلماء والمجاهدون في هذا الخطّ بمشروع الدولة الإسلامية الواحدة التي يقودها الولي الفقيه في إيران، انتشرت كتب الإمام الخميني العرفانية والأخلاقية على نطاق واسع، وتعمّقت ثقافة جديدة في الفكر الجهادي تقوم على الاستشهاد وتقديس الموت في الحروب الشريفة بل الرغبة فيه، وتدريجياً كانت كتب الشهيدين: مطهري والصدر إلى جانب كتب شريعتي والطباطبائي تلقى رواجاً كبيراً في الأوساط الدينية، وتشكّل بناءً متماسكاً للفكر الديني الذي بدأ يتكوّن في لبنان، وفي هذه الفترة عمّت الحياة الشيعية موجة تثقيفية دينية ربما لا يكون لها مثيل في تاريخ الشيعة الحديث في لبنان، فامتلأت المساجد بالنشاطات الدينية وتدريس الأحكام الشرعية والأخلاق وغيرها، بعد أن كان يقتصر التعرّف على الأحكام الشرعية على عدد قليل من الناس الكبار في السنّ عادةً، وحصل إقبال كبير على دراسة العلوم الدينية، وقام mحزب اللهn وما يزال بآلاف الدورات الثقافية ذات المراحل المختلفة، وحقق إنجازات كبرى على هذا الصعيد، وقد ناصر هذا الخط الجديد الكثير جداً من العلماء الشباب الداعين للتجديد، مثل الشهيدين: الشيخ راغب حرب، والسيد عباس الموسوي، والشيخ صبحي الطفيلي، والسيد حسن نصر الله، والشيخ عباس حرب، والشيخ إسماعيل مونّس، والشيخ نعيم قاسم، والشيخ محمد يزبك، والشيخ عبد الكريم عبيد، والشيخ عفيف النابلسي، والشيخ حسين غبريس وغيرهم من العلماء.
هذا التحوّل الفكري الذي عبّر عن انتقال الثقافة الشيعية التي تهيمن على الوعي الإيراني إلى لبنان، ومثّل الحدث الذي نظر الجميع إليه… تعدّدت المواقف منه، فهناك من تحمّس له، وهناك من تشدّد في رفضه، وهناك من رأى أنّ عليه ملاحظات لكن له إيجابيات كثيرة، ويمكن تلخيص المواقف كالتالي:
أ ـ التيارات التقليدية في الحياة الشيعية، وأكثرهم من العلماء الكبار في السنّ من الجيل السابق من خرّيجي النجف، فقد رفض هؤلاء النمط الجديد في التفكير الديني لقيامه على العرفان وتسييس الفقه والتشدّد في الالتزام الديني اليومي، فلم يرحّبوا بهذا الوضع، بل انتقدوه، كما كان قسم منهم قد انتقد مسيرة السيد موسى الصدر من قبل، وقد اعتقد هؤلاء أنّ فكرة النظام الإسلامي والدولة الدينية إمّا محرّمة وإمّا غير مطلوبة في مجتمع مثل لبنان، وكانوا يقولون ـ مثل الشيخ المرجع محمد تقي الفقيه والشيخ إبراهيم سليمان والشيخ محمد حسن قبيسي و.. ـ إنّ أيّ مشروع يحمل اسم الإسلام سواء كان جمهورية إسلامية أم حزباً أم.. سيُلحق بالإسلام العار عندما يفشل وتصدر منه مواقف لا تمثل الإسلام على الإطلاق.
هذا الفريق من علماء الدين كانت له امتداداته في بعض الأوساط الشعبية، وقد كاد يتلاشى لولا الحرب الداخلية التي اندلعت بين حركة أمل وحزب الله بين عامي 1988 و 1990م، فقد استفادت تيارات من حركة أمل من التغطية الدينية التي قدّمها هؤلاء لإعادة تعويم قسمٍ منهم، وأخذت أفكارهم بالرواج وظهر إلى العلن من بعضٍ نقدٌ صريح لولاية الفقيه وبطريقة بدت عنيفة، كان منها المواقف الفكرية والسياسية التي أطلقها في تلك الفترة السيد علي الأمين، الذي كان قبل فترة قصيرة من ذاك الوقت جزءاً من تيار حزب الله.
كان من الطبيعي أن لا يتفاعل هذا الفريق مع الأطروحات الجديدة، لاسيما وأنّه كان يرى أنّ في المشروع الجديد تهميشهاً للنجف وثقافتها، لصالح مدرسة قم الثورية، وهو شيء ليس فقط لم يألفه هذا الفريق في لبنان، بل لم تألفه الكثير من ألوان الثقافة الشيعية سابقاً، تبعاً لسلسلة من النظريات التي كان لها حضور في الفكر الشيعي إلى أن جاء مثل الإمام الخميني ومارس نقداً عليها.
ب ـ التيارات التي كانت تنتمي إلى الوعي السياسي ـ الإسلامي، لكنّها لم تكن متماهية تماماً من الناحية الثقافية مع النموذج الثقافي الإيراني، وهنا برزت نماذج ثلاثة، هي: أنموذج تيار الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وأنموذج تيار السيد محمد حسين فضل الله، وأنموذج تيار السيد محمد حسن الأمين والسيد هاني فحص، وهذه التيارات الثلاثة تلتقي في الكثير من النقاط لكنّها تختلف أيضاً في نقاط عديدة، ونحن في هذا العرض نشير إلى ذلك باختصار، ونعلم ـ بدايةً ـ أنّ هذه الأسماء الثلاثة تمثل ثلاثة خطوط في التفكير، حتى لو لم تكن تنظيمات منفصلة، كما أنّ داخل مناصري هذه الخطوط يوجد تداخل.
شارك أنموذج التشيّع الرسمي الذي تمثّل في اتجاه العلامة شمس الدين ومجموعة من القضاة والعاملين في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وأنصارهم، شارك بداية الثمانينيات في إطلاق مشروع المقاومة ضدّ المحتل الإسرائيلي، حيث أطلق شمس الدين mالمقاومة المدنية الشاملةn، ودعمها بالمال والتعبئة الروحية والفكرية، لكن سرعان ما امتاز هذا التيار عن التيارات الدينية التي تتخذ من إيران مصدراً فكرياً وملهماً ثقافياً لها، وذلك منذ عام 1983م، وبدا امتيازه واضحاً عندما كان أقرب إلى حركة أمل منه إلى حزب الله، بما يمثله هذان الفريقان من نمط فكري وثقافي واجتماعي وسياسي.
أمّا أنموذج التيار الحركي الذي يمثله العلامة فضل الله، فقد اقترب كثيراً من النموذج الإيراني، بل كاد يتطابق معه في المشروع السياسي، إن لم نقل: إنّه تطابق، لكن نقاط اختلاف كانت تظهر بين الفترة والأخرى حول بعض الأبعاد الثقافية، وبعض آليات العمل السياسي والديني، إلى جانب تحديد طبيعة العلاقة بين شيعة لبنان وإيران، وكانت بعض محاضراته ومقالاته التي نشرت في مجلة mالمنطلقn في النصف الثاني من العقد الثمانيني (وهي المجلة التي كان يديرها أنصار اتحاد الطلبة المسلمين وبرز من خلالها بعض المثقفين الشيعة مثل: الدكتور حسن جابر، والدكتورة زينب شوربة، والدكتور صادق فضل الله وغيرهم)، كانت بعض هذه المحاضرات والمقالات قد أحدثت جدلاً في بعض الأوساط، لكنّه كان محدوداً نسبياً، أي مقارنة بالجدل الذي أثارته أفكار فضل الله منذ أواسط التسعينيات.
أمّا أنموذج تيار العلمانية المؤمنة الذي يمثله السيد محمد حسن الأمين، فامتاز بضعف الحضور الجماهيري المتماسك، واتسامه بطابع نخبوي جمع من حوله الكثير من النخب الشيعية اليسارية، وواكب الأطروحات النقدية والعلمانية والليبرالية في العالم العربي، وكان داعماً لمشروع المقاومة والممانعة في المنطقة.
وألخّص نقاط الجمع والاختلاف بين هذه المدارس الأربع، بما يلي:
1 ـ إشكاليّة العلاقة مع الأنظمة: فقد اعتقد الشيخ شمس الدين بضرورة مصالحة الحركات الإسلامية للأنظمة العربية، ومارس تنظيراً فقهيّاً لرفض العنف المسلّح ضد الأنظمة الفاسدة، فيما كان السائد على مستوى الحركات الشيعية في الثمانينيات، وتلك المؤيّدة لإيران، هو الجهاد ضدّ هذه الأنظمة لقلبها والإمساك بالسلطة. من هنا كانت علاقة شمس الدين بالأنظمة علاقة ممتازة في هذا الإطار وبهذا المعنى، ونحن نعرف أن الحركات والتيارات الإسلامية الشيعية عدلت ـ في أغلبها ـ عن هذا النهج الذي رفضه شمس الدين منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، بل قد دعا السيد حسن نصر الله نهاية التسعينيات صريحاً الحركاتَ الإسلامية إلى ذلك، وكان هذا تحوّلا كبيراً، يقال: إنّ سببه يرجع إلى السياسات التي انتهجها الشيخ علي أكبر هاشمي رفسنجاني إبان توليه الرئاسة الإيرانية.
في هذا الإطار، كان اتجاه السيد محمد حسن الأمين يساريّاً، لكنّه لم ينظّر للثورة على الأنظمة، أمّا العلامة فضل الله فبدا منه الميل في تلك الفترة لمواجهة الأنظمة، لكن بطريقة مدروسة وغير فوضوية، فكانت ملاحظاته ـ التي نشرها في mالمنطلقn ثم جمعت في واحد من أهم كتبه وهو كتاب mالحركة الإسلامية هموم وقضاياn ـ ذات طابع تفصيلي في الآليات والوسائل، على خلاف شمس الدين الذي كان ينحو منحى الرفض المطلق لذلك، كما يبيّن كتابه mفقه العنف المسلّح في الإسلامn.
2 ـ إشكاليّة شرعية النظام السياسي: وتنبثق النقطة السابقة من نقطة خلاف فكري جذري هنا، وهي شرعية الأنظمة العربية، فقد كان التيار الثوري في لبنان ـ ومعه فضل الله ـ يرى عدم شرعية هذه الأنظمة التي لا تتخذ الإسلام نهجاً، فيما ذهب شمس الدين إلى الاعتقاد بنظرية ولاية الأمة على نفسها، فآمن بشكل من الديمقراطية الإسلامية، حتى لو لم يكن الإسلام هو الحاكم، والفقه هو المرجع، فالمهم أن لا يمارس الحاكم الظلم على الجماهير، وبهذا اقتربت المدرسة الثورية الشيعية من فكر سيد قطب، فيما ابتعد عنه شمس الدين كليّاً، لكنّ الأهم كان العلامة الأمين إذ ذهب أبعد مما ذهب إليه شمس الدين، ورأى أنّ العلمانية المؤمنة يمكن أن تكون حلاً لمشاكل المجتمعات العربية، وهو أمرٌ نجد بعض آثاره في كتابات شمس الدين أيضاً.
3 ـ إشكاليّة صيغة النظام السياسي بين ولاية الفقيه وغيرها: والتقاء بالنقطة السابقة أخذ التيار الثوري بنظرية ولاية الفقيه العامّة، واعتقدوا أنّ الولي الفقيه في إيران له الحاكمية على أمور الشيعة في لبنان، أمّا محمد حسن الأمين فرفض وجود أيّ صيغة لنظام سياسي في الإسلام، وقال: إنّ صيغ النظام السياسي بشرية نتواضع عليها، والإسلام أراد أن تهيمن قيمه على الحياة بأيّ شكل تواضعنا عليه يحترم الإنسان ويؤمن به، وبدرجة أخفّ، ذهب شمس الدين إلى أنّ الإسلام طرح نظرية ولاية الأمّة على نفسها، مقدّماً بهذه النظرية شكلاً من أشكال الديمقراطية الإسلامية، رافضاً بشكل صريح ـ ومنذ الثمانينيات ـ نظرية ولاية الفقيه جملةً وتفصيلاً، معتقداً أنّ المطلوب توعية الأمة لكي تأخذ بالإسلام منهاجاً لها، فكأنّه والسيد الأمين يقتربان بذلك مما طرحه المفكر السوداني أبو القاسم حاج حمد في مشروعه المعروف بمشروع mالإسلامية العالمية الثانيةn الذي أطلقه عام 1979م، والذي يقول ـ فيما يقول ـ بعلمانية الدولة وعدم علمانية المجتمع.
وبدرجة أخفّ أكثر، ذهب فضل الله القريب من النموذج الإيراني إلى الأخذ بولاية الفقيه العامّة، لكنّه في نهاية الثمانينيات طرح حديثاً حول تعدّدية الولي الفقيه، وأنّ بالإمكان أوليّاً أن يكون لكل منطقة إسلامية فقيه يتولّى أمورها، وإن أقرّ بأن العنوان الثانوي يستدعى الوحدة في هذه المرحلة، لكنّ هذه النظرية عادت وتلاشت من منظومة تفكير فضل الله بعد عام 2000م، إذ رفض نظرية ولاية الفقيه، معتبراً إيّاها ثابتة في حالة توقف حفظ النظام عليها فقط، وأنّ بإمكان المسلمين أن يتواضعوا على صيغة أخرى متى أرادوا بشرط أن لا تعارض الإسلام، وبهذا يكون فضل الله اقترب كثيراً ـ مرة أخرى ـ من فكر شمس الدين.
4 ـ إشكاليّة الجهاد وأساليبه: فقد اتفقت هذه الاتجاهات الأربعة على مبدأ الجهاد ضدّ المحتلّين، وخالفها في ذلك بعض الشخصيات في الاتجاه التقليدي الذي سبق أن تحدّثنا عنه، فقد ذهب بعضهم هناك إلى أنّ اتفاق أنور السادات مع إسرائيل يلزم جميع المسلمين، على أساس قانون: mيسعى بذمتهم أدناهمn، ولهذا فلا معنى للجهاد ضدّ اليهود، لكن مع اتفاق الأغلبية الساحقة على مبدأ المقاومة، إلا أنّه ظهرت تباينات في فهم آليات الجهاد وأساليبه، ففي الوقت الذي استخدم التيار الثوري فيه العمليات الاستشهادية ضدّ إسرائيل والوجود الغربي في لبنان، فقد نسب للسيد فضل الله ذهابه إلى تحريم هذا النوع من الجهاد، وإن يبدو الآن من أبحاثه المنشورة أنّه يرى شرعية هذا العمل، وفيما كان الخطّ الثوري يستخدم أسلوب خطف الرهائن الغربيين والطائرات المدنية في بيروت طيلة فترة الثمانينيات، تحفظ كل من فضل الله وشمس الدين على هذا النهج، كما أثيرت بعض الكلمات هنا وهناك حول شرعية المقاومة التي تؤدي إلى إلحاق الكثير من الخسائر في صفوف المدنيين، وهو ما عاد وبدا واضحاً على السطح بعد حرب تموز عام 2006م من جديد في المواقف التي أطلقها مثل السيد علي الأمين وبعض الشخصيات الدينية الصغيرة الحجم.
5 ـ أزمة القيادة وإشكاليّة العلاقة مع الخارج: يميل التيار الثوري بأغلبيّته الساحقة إلى اعتبار العلاقة مع إيران علاقة أيديولوجية اعتقادية تجعل منه تابعاً للولي الفقيه، وينطلق هذا التيار في فكرته هذه من تصوّرات فقهية يبرهن عليها، ويدافع عنها بقوّة، بل يتخذ من التجربة الميدانية الناجحة له دليلاً على أنّ هذه العلاقة كانت الأفضل لحماية المصالح اللبنانية الشيعية، لكن ومنذ الثمانينيات وإلى اليوم ظلّ هناك من يضع علامات استفهام حول طبيعة هذه العلاقة ويطالب بقدر من الاستقلالية عن القرار الإيراني، فقد اتُّهم السيد فضل الله بأنّه كان يهيئ الأمور لتزعّم الشيعة اللبنانيين بوصفه وليّاً فقيهاً لهم منذ أن بدأ يطرح نظرية تعدّدية الولاية في الثمانينيات، وأنّ إعلان مرجعيّته أواسط التسعينيات يصبّ في هذا الإطار، لكنّه كان ينفي ذلك دائماً. لكنّ الشيء المؤكّد أنّ أنصار اتجاه فضل الله لا يميلون إلى مبدأ التبعية التامّة لإيران، ويطالبون بالمزيد من لبننة الخطّ الثوري الشيعي، وهناك من يعتقد أنّ واحدة من تأثيرات هذا الخلاف ظهرت مع ثورة الجياع التي أطلقها الشيخ صبحي الطفيلي أواخر التسعينيات والذي يحسب على الخط المطالب بتعديل العلاقة وإعادة التوازن لها.
وبشكل أكبر، يطالب كل من شمس الدين والعلامة الأمين بعلاقات نديّة متوازنة واستراتيجية في آن مع إيران وسوريا، وانطلاقاً من نظريّتهما السياسية والفقهية فإنّهما يصرّان على المرجعية المحليّة في القرار المصيري للشيعة اللبنانيين.
6 ـ إشكاليّة فهم الدين والمرجعيات المعرفية: تركت الثقافة الدينية الإيرانية بصماتها على الخطّ الثوري، تجلّى ذلك في: النهج العرفاني الذي قوي بعد انتصار الثورة الإسلامية وترك مفاعيله في لبنان، والنهج المذهبي الذي يتعاطى بطريقة مختلفة مع القضايا المذهبية، والنهج السياسي في الدفاع عن نظرية ولاية الفقيه.
أ ـ على مستوى القضيّة الأولى، عمّت لبنان الشيعي الثقافة العرفانية والأخلاقية، وبدأت تظهر أفكار ونظريات لشخصيات ذات حجم صغير ومتوسّط تدافع عن النهج العرفاني الفلسفي، وتروّج له، وهو ما لم يكن مألوفاً في لبنان، إذ لا توجد تيارات صوفية في لبنان ذات نفوذ مثل ما هي الحال في الشمال الإفريقي وبلاد المغرب العربي، فعلماء الشيعة كانوا في الغالب ذوي نزعات فقهية في التفكير، وقلّما راج الدرس الفلسفي والعرفاني في أوساطهم تبعاً في ذلك للمناخ الفكري الذي كان مسيطراً على حوزة النجف.
ونتيجة حداثة التعرّف على هذا المناخ الجديد، ظهرت بعض الحركات الملتبسة والتي قد لا تكون فهمت العرفان والفلسفة بدقّة، وأثار هذا الجوّ العام رفض الفرقاء الآخرين كلّهم، إذ اتفقوا على أنّ هذا اللون الفكري هو لون إيراني وأنّه بعيد عن الإسلام، أقحمه الإيرانيون في الدين الإسلامي نتيجة ثقافتهم القديمة، لكنّ mحزب اللهn الذي لا يرفض هذا الخط قام في نهاية التسعينيات وإلى اليوم بترشيد هذه الحركة الصوفية، تارةً عبر توجيه ضربات للنماذج الإفراطية لها، وفكفكة مجموعاتها، وأخرى عبر إيجاد بعض المراكز الفلسفية البديلة التي من شأنها نشر توعية عامّة تحافظ على عقلانية هذا الخطّ، وكان من ذلك تأسيس mمعهد المعارف الحكميةn في بيروت والذي يرأسه الشيخ شفيق جرادي، وقد لعبت هاتان الخطوتان دوراً جيداً في نشر ثقافة معتدلة في هذا الإطار، وتهدئة الأجواء العامّة.
ب ـ أمّا على مستوى الموضوع المذهبي، فمنذ أواسط التسعينيات ونتيجة الحرب العنيفة التي دارت بين خطّ السيد فضل الله وخطّ الشيخ جواد التبريزي وأنصارهما، انتقلت إلى لبنان أفكار مذهبية مختلفة، وظهر جدل واسع حول قضايا من نوع: الشعائر الحسينية، والولاية التكوينية، وعلم النبي والأئمة، والهجوم على دار السيدة الزهراء، وعصمة الأنبياء والأئمة، ولعن الصحابة وأمهات المؤمنين، و… كان خط فضل الله يدافع عن إجراء ما يراه إصلاحات في منظومة الاعتقاد المذهبي الشيعي وبنية الفقه الإمامي، ويرى أنّ الكثير من هذه الأفكار جاءت من إيران، وأنّ شيعة لبنان لا يعرفون هذا التطرّف المذهبي، فيما كان العلامة السيد جعفر مرتضى يخوض حرباً نقدية عنيفة ضدّ فضل الله، الذي يراه أنصار الخط المذهبي متأثراً بالأفكار السنّية والسلفية.
ظلّ التيار الرسمي الشيعي القريب من خطّ شمس الدين والمجلس الشيعي يتفرّج على المشهد وأحياناً يدعم التيارات المناهضة لفضل الله، أمّا خط أمثال السيد الأمين، فلم يشاركوا في الموضوع رغم أنّهم يتفقون تماماً أو غالباً مع مثل أفكار السيد فضل الله في هذا المضمار، أمّا الخط الثوري، فقد أعلن الحياد ورفض الحديث في هذه الموضوعات، وطالب أنصاره بأن لا يشاركوا فيها إطلاقاً، لكنّ السيد فضل الله اتهم بعض الأجنحة داخل حزب الله بمساعدة المخالفين له لتصفية حسابات معه، وهو ما ينفيه كبار رجال الخط الثوري بمن فيهم السيد حسن نصر الله، وكان ذلك سبباً لتوتر العلاقات منذ منتصف التسعينيات مع فضل الله، لتعود المياه إلى مجاريها بقوّة بعد حرب تموز 2006م نتيجة المواقف القويّة الداعمة للسيد فضل الله لنهج المقاومة.
ج ـ أمّا الملف الأخير، فدارت الخلافات الفكرية والميدانية فيه بين عدّة فرقاء، فالمجلس الشيعي وتيار الشيخ شمس الدين يذهبون إلى نفي ولاية الفقيه وإلى الدفاع عن مرجعية النجف، لهذا ما زالوا يطرحون إلى اليوم مرجعاً نجفياً ليرجعوا إليه، أمّا خط العلمانية المؤمنة فلم يكن هذا الموضوع مهماً بالنسبة إليه، ذلك أنّه لا يتفاعل كثيراً مع قضايا المرجعية الدينية، وإن كان أقرب إلى النجف منه إلى قم، من جانبه، دافع خط السيد فضل الله دائماً عن مرجعية النجف باستثناء الفترة التي طرح فيها السيد الكلبايكاني، ولما تصدّى شخص السيد فضل الله للمرجعية تحوّل الوضع إلى الداخل اللبناني، وهنا يقف الخط الثوري مختلفاً مع هذه الاتجاهات كلّها، إذ يشدّد على مرجعية قم، في جانبها الثوري، معتقداً أنّ إعادة تعويم المرجعيات غير الثورية سيساعد في نهاية المطاف على إضعاف الخط الثوري برمّته، بل ظهر داخل حزب الله تيارات وقع خلاف داخل الحزب حولها، فقد ذهب بعضهم إلى وجوب وحدة المرجعية والقيادة، ودافعوا عنها بشدّة، وذهب فريق إلى أنّ ولاية الفقيه من الأمور العقائدية، بل من أصول الدين، وخاض هؤلاء سجالات طويلة حول هذا الموضوع.
كانت هذه أبرز عناصر المشهد باختصار بين التيارات الفكرية الشيعية في لبنان، ويبقى أن أشير إلى أنّ شيعة لبنان اليوم يقتربون من بعضهم أكثر من أيّ وقت مضى، وأنّ كثيراً من هذه الخلافات خفّت أو نزلت من السطح إلى القعر، حيث اتخذ كل فريق موقعه، وحجمه الطبيعي، كما أنّ رموز كلّ تيار نجدهم في الغالب يتحلّون بوعي سياسي واجتماعي كبير جداً، الأمر الذي ساعد على تماسك الشيعة في الفترة الراهنة، والحمد لله.
 
2 ـ المشهد الثقافي والفكري الإسلامي في الوسط السنّي
يجب أن نعرف بدايةً ـ وبإقرار من شخصيات سنّية فكرية بارزة ـ أنّ المجتمع السنّي اللبناني، لم يعرف في النصف الثاني من القرن العشرين وإلى يومنا هذا، شخصيات فكرية بارزة كتلك التي عرفها الشيعة، فأبرز هذه الشخصيات ذات النفوذ والتأثير كان الشيخ صبحي الصالح والشيخ حسن خالد، اللذين اغتيلا في حادثين متفرّقين، وكانت اهتماماتهما بحثية صرفة واجتماعية وسياسية ميدانية، ثم بعد ذلك الشيخ فتحي يكن.
ويجب أن أشير بدايةً أيضاً، إلى أنّ الكثير من التيارات الإسلامية السنّية غيّرت من أفكارها أو انتهجت سياسة أخرى بعد اغتيال رفيق الحريري؛ إذ كان تماسك الشارع السنّي ووقوفه بقوّة لصالح mالنائب سعد الحريريn، والصدمة التي تلقاها السنّة برحيل أكبر رجل سنّي قوي عرفوه منذ عقود بعيدة، كان ذلك سبباً في اقتراب بعض الحركات الإسلامية الكبرى من خطّ التيار الرسمي السنّي المتمثل بدار الإفتاء الذي يرأسه مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني، وتيار المستقبل العلماني، لهذا اتخذوا بعض المواقف التي قد لا تبدو منسجمةً مع تاريخهم الفكري والثقافي والسياسي.
شهد المجتمع السنّي ظهور تنظيمات قويّة نسبيّاً، إلى جانب تيارات اختلفت فيما بينها في طرائق التفكير ومناهج العمل، بعضها ينتمي للسلفية العلمية التقليدية، وبعضها ينتمي للسلفية الجهادية، وبعضها ذو منزع إخواني، وبعضها تقليدي اجتهادي لا يوافق لا السلفية ولا الإخوانية، وأبرز هذه التيارات:
 
1 ـ 2 ـ الحركات ذات النزعة الإخوانية
1 ـ 1 ـ 2 ـ الجماعة الإسلامية
تعتبر الجماعة الإسلامية، التنظيم الإسلامي الحركي الأول الذي نشأ في لبنان في خمسينيّات القرن الماضي، وذلك من رحم جماعة mعباد الرحمنn التي ولدت في مدينة طرابلس كردّ فعل على نكبة عام 1948م، وكان التأسيس الحقيقي للجماعة عام 1953م، عبر مؤتمر بحمدون في لبنان، والذي حضره كبار قادة الإخوان المسلمين في العالم، وحصلت على رخصة في العمل الحزبي في عام 1964م، وقد تبنّت هذه الجماعة فكر ونهج حركة mالإخوان المسلمينn، وأخذت إخوانيّتها من جهات عدّة، عبر رسائل حسن البنا ومجلّة الدعوة المصرية، وكذلك عبر mالإخوان السوريn وعلى رأسهم الشيخ مصطفى السباعي، لكن ورغم مشروع إقامة الدولة الإسلامية في الفكر الإخواني، إلا أنّ الجماعة الإسلامية في لبنان عملت على لبننة مشروعها، فخرجت بسرعة من إطار الجهاد القطبي، واستطاعت أن تتحوّل إلى إطار سياسي، يتحرك وفقاً لطبيعة الواقع اللبناني، وقد حملت الجماعة الإسلامية نظريّات إصلاحية؛ ولهذا ابتعدت عن نهج العنف معتمدةً الوسطية والاعتدال.
وقد برز الفكر الوسطي والاعتدالي عند الجماعة الإسلامية بقوّة عقب نشوء جماعات متشدّدة سنيّة في لبنان قامت بأعمال عنف، وقد قامت هذه المجموعات بعمليات أمنية مثل متفجرة البلمند، وأحداث الضنية، والهجمات على الجيش اللبناني، وأحداث شباط 2006، وقيام حركة mفتح الإسلامn، وقد قامت الجماعة بحملة مضادّة ضدّ هذا اللون من الفكر الإسلامي العنفي، فعقدت سلسلة من المؤتمرات ضدّ استخدام العنف في العمل السياسي، ودعت لتبنّي ميثاق إسلامي يعتمد الوسطية والاعتدال.
تتوزع الجماعة الإسلامية في معظم المناطق اللبنانية، إلا أنّ قوّتها الشعبية الكبرى تتركّز في الشمال، وتملك امتدادات فاعلة في بيروت وصيدا والعرقوب والبقاعين: الأوسط والغربي وإقليم الخروب. وما زالت الجماعة الإسلامية تعتبر التنظيم الإسلامي السنّي الأبرز، رغم ما تعرّضت له من ضغوط ومضايقات أيام الوجود السوري.
يبرز اسم الدكتور علي الشيخ عمار والشيخ فيصل المولوي، وإبراهيم المصري، كأبرز شخصيّات في الجماعة الإسلامية اليوم، التي تراجع نفوذها كثيراً نتيجة خلافات داخلية واجهتها، وصعود mتيار المستقبلn ونجم الرئيس الحريري الذي بزغ في الوسط السنّي منذ مطلع التسعينيات، إضافة إلى أن لسوريا تاريخاً صدامياً مع الإخوان المسلمين، لهذا فقد ضيّق على الجماعة في لبنان أيضاً طيلة الحقبة السورية الماضية، مما حدّ من نفوذهم وتناميهم، رغم أنّهم عقدوا مصالحة مع القيادة السورية، قيل: إنّ حركة حماس الفلسطينية كانت أحد عرّابيها، لكنّ سوريا ـ كما يرى بعضهم ـ أنشأت لمواجهة التنظيم الإخواني الأقوى في لبنان حركةً إسلامية منافسة، أطلق عليها اسم mجمعية المشاريع الخيرية أو حركة الأحباشn، وهي الحركة التي شنّت أعنف الحملات على الجماعة الإسلامية وفكرها، ورغم ذلك نجد نفوذ هذا التيار الإخواني بقوّة في الداخل السنّي، حيث نجح في بعض الفترات في إيصال عدّة أشخاص إلى البرلمان، كما أثبت حضوراً وقوّة في الانتخابات البلدية وانتخابات المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وهو أحد مجالس دار الفتوى السنّي، إلى جانب مجلس القضاء الشرعي الأعلى ومجلس المفتين، والمحاكم السنيّة والمديرية العامّة للأوقاف، وصندوق الزكاة، وأزهر لبنان وغير ذلك من مؤسسات دار الفتوى في لبنان.
تذهب الحركة إلى مبدأ المقاومة، وقد كان لها دور تأسيسي في المقاومة الإسلامية من خلال mقوات الفجرn، كما لعبت دوراً أساسياً في دحر الاحتلال من مدينة صيدا، وسقط للجماعة العشرات من الشهداء، وعلى رأسهم جمال حبال، كما اعتقل أحد قيادييها الشيخ محرم العارفي في سجن أنصار.
كان ظهور تيارات إسلامية سنّية وشيعية سبباً في تراجع نفوذ الجماعة الإسلامية، ففي الشمال ظهرت حركة التوحيد الإسلامي التي كان يتزعّمها الشيخ سعيد شعبان الذي كان مع الجماعة سابقاً، وفي بيروت والمناطق ظهرت جمعية المشاريع الخيرية، وفي التسعينيات ظهر تيار رفيق الحريري، ومنذ مطلع الثمانينيات ظهر حزب الله بوصفه أكبر قوّة إسلامية عرفها تاريخ لبنان الحديث؛ فلم تعد الجماعة ممثلاً للفكر الإسلامي؛ لهذا تراجع نفوذها كثيراً.
 
2 ـ 1 ـ 2 ـ جبهة العمل الإسلامي
وهي الحركة المنشقّة عن الجماعة الإسلامية، والمؤلّفة من مجموعة قوى صغيرة متفرّقة في الوسط السني، التأمت تحت هذا العنوان في مرحلة جديدة من العمل، قبل بضعة سنوات قليلة، وقد أسّسها الداعية الشيخ الدكتور فتحي يكن (مولود عام: 1933)، الذي يعدّ من مؤسّسي العمل الإسلامي والجماعة الإسلامية في الخمسينيات، وظلّ مسؤولاً عن أمانة الجماعة


فقه النزاعات المسلحة في الداخل الإسلامي(*)

20 ديسمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
785 زيارة

فقه النزاعات المسلحة في الداخل الإسلامي(*)

 
تعرّض الفقه الإسلامي منذ سنواته الأولى لفقه الصراع المسلّح في الداخل الإسلامي، وذلك تحت عنوان فقه البغي، استناداً إلى الآية الشريفة، وهي قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} (الحجرات: 9).
وقد اتخذ البحث في فقه أهل البغي محاور متعدّدة، سأطلّ على بعضها في هذه الورقة المختصرة، محيلاً إلى البحث الفقهي الخاصّ الذي قدّمته في هذا الإطار:
1ـ في ما يتعلّق بأصل جهادية مواجهة أهل البغي في الداخل الإسلامي نجد نظريةً طرحها بعض العلماء المعاصرين من فقهاء الإمامية ـ ومنهم: الشيخ محمد مهدي شمس الدين ـ وبعض المتخصّصين في فقه الجهاد عند أهل السنّة ـ من أمثال: الدكتور محمد خير هيكل ـ تتحدث عن أنّ مواجهة أهل البغي وقتالهم لا يتصل بمسألة الجهاد بالمعنى الفقهي المصطلح، أي إنّ قتال أهل البغي ليس جهاداً، وإن كان جائزاً ـ بل واجباً ـ شرعاً.
وتقوم هذه النظرية على الاعتقاد بأنّ الجهاد له أحكامه الخاصّة، مثل: ما يتعلّق بالشهيد في ساحة المعركة من حيث تغسيله وتكفينه أو دفنه في ثيابه، وأنّ هذه الأحكام قد لا تلحق شهداء معركة المواجهة مع أهل البغي في الداخل الإسلامي.
وعلى النقيض من هذه النظرية نجد اتجاهاً في الفقه الحنبلي يتحدّث عن أنّ جهاد البغي يعدّ أفضل من جهاد الكافرين؛ محتجّاً بأنّ الإمام عليّاً قد اشتغل في مدّة خلافته بقتال البغاة، دون جهاد الكفار.
وفي تقديري فإنّ كلتا النظريتين غير صحيحة؛ لأن العناصر التي تقوّم مفهوم الجهاد في سبيل الله موجودة في مجاهدة أهل البغي، ولاسيما مفهوم (القتال في سبيل الله)، الذي تختزنه الآية الكريمة هنا: {فقاتلوا…حتى تفيء إلى أمر الله}، وليس الجهاد متقوّماً ـ حتى لو سلّمنا جدلاً بعدم جريان أحكام الشهيد على الشهيد في حرب البغاة ـ بالأحكام الخاصّة بالشهيد؛ إذ لا مانع داخل فقه الجهاد من التفصيل في الأحكام بينها.
كما أنّ عدم شمول الكثير من آيات الجهاد القرآنية لحالة جهاد البغاة؛ لانصرافها إلى جهاد الكفار، لا يضرّ ـ لو سلّم ـ ببقاء مفهوم الجهاد الشرعي في جهاد البغاة؛ لكفاية آية البغي في هذا المجال، علماً أن الجهاد الدفاعي مذكورٌ في القرآن، وهو لا يختصّ بجهاد الكفار، وإن كان مورده ذلك؛ لأنّ مفهوم الدفاع مفهوم عقلائي، والآيات إنما ترشد للمرتكز العقلائي، ولا تؤسّس مفهوماً تعبدياً، والعقلاء لا يميزون في باب الدفاع بين شخص وآخر من حيث الدين، من الزاوية المبدئية، بل يرون الدفاع حقاً مشروعاً في الحالات جميعها، وإن قبلوا بعض التفاصيل الجزئية الخلافية.
كما أنه ليس من الواضح أنّ تفضيل جهاد أهل البغي على جهاد الكافرين بنحو إطلاقي؛ لأنّ سيرة الإمام علي بن أبي طالب دليلٌ صامتٌ، لا يمكن أن يمنحنا إطلاقاً في هذا المجال، مع عدم وجود نصّ شرعي يثبت الأفضليّة المطلقة. فما صدر عن أمير المؤمنين× لا يثبت المدّعى؛ من حيث إمكانيّة أن يكون بملاك أنّ الظرف لم يكن يسمح بغير ذلك، بحيث كان اختيار هذا الأمر بمثابة ترجيح للأولويات الزمنية، لا عملاً بمقتضى القاعدة الشرعية الأوّليّة في الموضوع. علماً أنّنا بحثنا مفصّلاً في محلّه (مجلّة الاجتهاد والتجديد، الأعداد: 8 ـ 12) عن شرعية الجهاد الابتدائي، وتحفَّظنا عن القول بوجود هذا الجهاد في الشريعة الإسلامية ـ خلافاً لمشهور الفقهاء ـ. فإذا أريد للإمام علي ابن أبي طالب أن يقدّم جهاد البغاة على غيرهم والحال هذه فلابدّ من إثبات وجود اعتداء من طرف الكفار في زمان خلافته على أطراف بلاد المسلمين، مع سكوته× عن ذلك، مفضِّلاً جهاد البغاة. وهو أمر يصعب تأكيده تاريخياً.
2ـ النقطة الثانية التي أجد أنّها نقطة هامة في ما يتعلق بفقه مواجهة أهل البغي في الداخل الإسلامي تتصل بتحرير هذا المفهوم من قيدين أساسيين:
القيد الأول: قيد العصمة في إمام المسلمين الذي تخرج عليه الفئة الباغية. فإنّنا لم نجد هذا القيد في كثير من الروايات، فضلاً عن الآية القرآنية الكريمة، التي هي الأصل في هذا التشريع. نعم، الخروج على الإمام المعصوم من أكبر مظاهر البغي، إلا أنّ الخروج لا يقف عند الإمام المعصوم، بل يشمل مطلق الحاكم الشرعي الذي تملك حكومتُه الشرعيةَ التامّة.
والمشكلة الأساسية تكمن في ما نلاحظه من تركيز البحث الفقهي ـ في الغالب ـ على البغي بمعنى الخروج على المعصوم، في حين أنّ هذه المسألة لا تقع إلا في حياة المعصوم وظهوره، فأيّ معنى للبحث المفصَّل عنها والمعصوم أدرى بتكليفه الشرعي، مع إهمال البحث عن فقه الخروج على الحاكم الشرعي أو خليفة المسلمين، وهي مسألة كثيرة البلوى على اختلاف نظريات المسلمين في شرعية هذا الحاكم أو ذاك.
القيد الثاني: وتحرير المفهوم منه يظلّ هو الأهم في هذا الإطار، وهو ثنائي: السلطة والمعارضة. فإننا إذا راجعنا كلمات الفقهاء المسلمين بمذاهبهم نجد أنّهم يربطون مفهوم البغي غالباً بمفهوم السلطة الشرعية، فيما العديد من الروايات الشريفة ـ مضافاً إلى الآية الكريمة نفسها ـ ليس فيها مثل هذا القيد، وإنما تشمل مطلق الصراع الداخلي بين المسلمين، سواءٌ بين جماعتين من قبيلتين أو عشيرتين أو حزبين أو تيارين سياسيين أو دولتين مسلمتين أو معارضة وسلطة شرعية. فالمهم أن يكون هناك اعتداء وظلم من فريق مسلم على فريق مسلم آخر، فيستطيع الفريق الآخر حينئذ، بل تستطيع الفئة المحايدة ـ بعد إجراء عمليات الصلح وفشلها ـ، التدخُّل لدعم المظلوم في مواجهة الظالم.
ولعلّ السبب في تماهي مفهوم جهاد أهل البغي مع ثنائي (السلطة والمعارضة) هو أنّ الذي يبدو من تضاعيف الفقه الإسلامي ومصادره القديمة أنّ التجربة العلوية شكّلت المصدر الرئيس لأحكام فقه البغاة، كما يبيّن ذلك العلامة الحلي(726هـ) في بعض كتبه (انظر: تذكرة الفقهاء 9: 392)؛ حيث اعتقد بعض الفقهاء أنّ فقه أهل البغي لا يؤخذ من الآية الكريمة، ولا من أكثر النصوص الحديثيّة الواردة في هذا الموضوع، وإنّما يعرف من سيرة الإمام علي بن أبي طالب في هذا المجال، بل قد نقل عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي(204هـ) أنّه كان يرى أنّنا لم نعرف فقه أهل البغي إلاّ من خلال سيرة الإمام علي. وهذا التفكيك يضعنا أمام صورة فقهية تكاد تتضح أكثر فأكثر، وهي أنّ لبعض الفقهاء ـ مثل: السيد الخوئي ـ اصطلاحين في أهل البغي: أحدهما: المفهوم العام للتقاتل الداخل ـ إسلامي، والمأخوذة أحكامه من الآية القرآنية الكريمة؛ وثانيهما: المفهوم الخاص للبغي، وهو الخروج على الإمام؛ وأنّ الأحكام التفصيلية التي ذكرت للحرب مع البغاة، مثل: التعامل مع جرحاهم وأسراهم وأموالهم وغنائمهم ونحو ذلك، راجع إلى البغي بالمعنى الثاني، لا الأوّل، وهذا ما جعل سيرة الإمام علي× المستند الرئيس في الفقه المدرسي لأخذ أحكام البغاة.
لكنّ بإمكاننا الأخذ بإطلاقات الآيات والروايات؛ لترتيب أحكام عامّة على البغي، مع تقييد بعض الأحكام الخاصّة ـ التي لم نجد لها مدركاً سوى سيرة الإمام علي ـ بقيود محدّدة، نقتصر فيها على القدر المتيقن من دلالة السيرة والفعل الصامت لأمير المؤمنين، كقيد المواجهة مع السلطة، وقيد كون السلطة معصومة و… وهذا غير جعل البغي مفهوماً خاصّاً من الأوّل، كما فعل جمهور الفقهاء.
هذا كلّه، فضلاً عن إمكانية التشكيك في وجود أحكام خاصّة بجرحى البغاة وأسراهم ومدبريهم، تزيد عمّا تقتضيه القواعد العامّة في التعامل مع مطلق المسلم؛ لضعف مستند النصوص الخاصّة اللفظية سنداً، على ما بحثناه مفصَّلاً في محلّه. وعلى تقدير تمييز الإمام علي× في هذا المجال فلا يعلم كونه من باب الحكم الإلهي؛ لاحتمال انطلاقه من ولايته على النفوس والأموال، انطلاقاً من حالة الصمت في أفعال المعصوم، كما قرّر في علم الأصول. فالحقُّ عدم الأخذ بهذا الحكم الخاصّ بالجرحى والأسرى والمدبرين، وفاقاً في ذلك للسيد الخوئي(1413هـ) في فتاواه (انظر: منهاج الصالحين 1: 389 ـ 390).
وهناك تحرير ثالث يمكن إضافته، لكنه ليس مقابلاً لأيّ تقييد فقهي بشكل دقيق، وإنما يواجه وعياً شعبياً موروثاً، وهو تحرير البغي من مفهوم الخصام المذهبي؛ فإنّ ربط البغي بفكرة الإمام المعصوم قد يعطي إيحاءً في الوعي الجماهيري بأنّ البغاة هم المعارضون للإمام في الثقافة الشيعية، وكل معارض للإمام لا يمكن أن يكون جزءاً من الداخل المذهبي، الأمر الذي يستدعي تلقائياً إدراجه في الآخر المذهبي، مما يوحي بأن قضية البغي قد دخلت في الثنائيات المذهبية، فعندما نقوم بتحرير مفهوم البغي من مسألتي العصمة في الإمام تارةً، والسلطة والمعارضة أخرى، كما شرحناه قبل قليل، فهذا ما سيخرج مفهوم البغي عن السياقات المذهبية، ويربطه بالسياقات الإنسانية أو الاجتماعية أو السياسية.
3ـ وإذا أخذنا مفهوم البغي وطبّقناه في ثنائي (السلطة والمعارضة) فلابدّ لنا من التمييز بين المعارضة السلمية والمعارضة المسلحة. إن عدم مبايعة الحاكم لا تعني بغياً، حتى لو كان الحاكم شرعياً، وكان عدم مبايعته غير جائز من الناحية الفقهية. والمعارضة السلمية التي تسلك السبل القانونية والشرعية في ممارسة معارضتها لا تمثل بغياً أيضاً؛ لأنّ البغي الذي تحدّثت عنه الآية القرآنية يتصل بموضوع الاقتتال، ولا يرتبط بموضوع الاختلاف أو الخلاف بنحو مطلق. فأية معارضة في الإسلام لا تنضوي تحت مفهوم البغي إلاّ إذا تحوّلت إلى معارضة سلبية مسلّحة، تواجه السلطة الشرعية بطريقة تتخطّى كلّ المعايير القانونية والقنوات الصحيحة في هذا المجال.
ومن هنا لا يحقّ للحاكم ـ حتى لو كان شرعياً في حكومته ـ أن يواجه أيّة حركة معارضة بطريقة عُنفية، ما لم تتحوّل حركة المعارضة هذه إلى حركة عُنفية، وعند ذاك فقط يكون من حقّ الحاكم أن يواجهها من منطلق ردّ البغي والظلم.
وبتعميم هذه الفكرة، بربطها بما أسلفنا الإشارة إليه آنفاً، يظهر بوضوح أن عدم الاعتقاد بإمامة الإمام المعصوم لا يمثل بغياً، بل حتى معارضته معارضة سلمية مهما وصفناه لن يكون بغياً بالمفهوم الشرعي والقانوني، فلا يصحّ الانتقال في الوعي العام من الغيرية المذهبية إلى مفهوم البغي، ولا يعني نقض أو نقد الإمام المعصوم بطريقة سلمية أن الناقد باغٍ أو ناصب، بصرف النظر عن كوننا نعذره في عدم اعتقاده أو لا نعذره، وفي أننا نصوّب مضمون ما يقول أو لا نصوّب، وهذه نقطة مهمة تصبّ في إطار رؤيتنا التحريرية لمفهوم البغي من قيود لا تتصل بمفهومه.
4ـ على خطٍّ آخر تقول النظرية المعروفة في الفقه الإسلامي ـ السنّي والشيعي ـ بأنه لابدّ في البغي أن يكون قائماً على تأويلٍ سائغ، أي على نظرية سياسية اجتهادية تعارض الحاكم في ما يقول وفي ما يسلك. ولا نجد في ما بأيدينا من أدلّة، ومن عمومات ومطلقات، أنّ هذا الشرط أساسيٌّ. فحتى لو خرجت الفئة الباغية بطريقة ظالمة، تعرف هي بظلمها، ولم تكن تملك نظريةً سياسية بديلة، أو تأويلاً اجتهادياً مبرّراً شرعاً، يظلّ من حق الحاكم أو الفئة المظلومة أن تواجه هذا البغي بالطرق التي تسمح بها الشريعة الإسلامية، وترتيب أحكام البغي على هذه الفئة. فالتأويل السائغ شكلٌ من أشكال مصاديق البغي، إلا أنه ليس الصورة الحصرية له على مستوى الواقع التطبيقي.
ولعلّ ما دفع الفقهاء إلى هذا التصوّر هو استحضار تجربة الإمام علي في أنّ معارضيه كانوا يملكون نظرية سياسية بديلة يتأولونها لتقديم وجهة نظرهم في الحياة السياسية الإسلامية. وقد أشرنا إلى أنّ السيرة العلوية بالغة الأهمية هنا، لكن لا يمكن الوقوف عندها، وتجاهل سائر العمومات والمطلقات الواردة في الكتاب والسنّة.
5ـ ولابدّ أن أشير أخيراً، في نهاية هذه المداخلة المتواضعة، إلى أنه من الضروري أن تُفتح فقهيات الصراع الإسلامي ـ الإسلامي؛ لأنّ هذه الفقهيات لم ينظّر لها منذ زمن بعيد، إما بحجّة أنّ مفهوم البغي مرتهن لعصر حضور المعصوم، أو بافتراض أنّه أسير لثنائي (السلطة والمعارضة)، مع هيمنة فكرة حقّ السلطة حتى لو كانت جائرة في ممارسة الحكم، دون أن يُسمح للمعارضة ـ حتى لو كانت محقّة ـ في أن تمارس دورها في نقد الحاكم ولو بالطريقة السلمية.
إنّ فتح الدراسات في عنوان الصراعات الإسلامية ـ الإسلامية، وتحديد الأحكام الفقهية المتصلة بهذا الموضوع، يظلّ ضرورةً لتطوير دراساتنا الجهادية والسياسية والعلائقية في ما يتصل بالداخل الإسلامي، إن شاء الله تعالى.
{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} (الحجرات: 9).
 
 
المصدر: موقع الشيخ حيدر حب الله  www.hobbollah.com
 
 
 


(*) نصّ الكلمة التي ألقيت في «ملتقى فقه التعايش في الشريعة الإسلامية»، في المملكة العربية السعودية (القطيف)، بتاريخ 11/2/2010م، بوصفها خلاصة للبحث الفقهي المقدَّم للملتقى، مع بعض التصرُّف والتعديل، ثم نشرت في العدد 15 من مجلة الاجتهاد والتجديد، صيف عام 2010م.

دلالات المنطق الثوري في التجربة الحسينية

1 ديسمبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
623 زيارة

دلالات المنطق الثوري في التجربة الحسينية

 تعلّمنا النصوص الدينية على نحت نماذج بشريّة تكون بمثابة معالم محسوسة للمثل العليا بهدف الاقتداء الشعبي بها، وظاهرة القصص القرآني تخبر عن ذلك بوضوح، فعندما تتركّز كل قصّة نبوية على ظاهرة محدّدة ـ إلى جانب المهمّة المشتركة التي هي عبادة الإله الواحد ـ فهذا يعني بقاء الموقف من ذلك المفهوم طالما ظلّت هذه القصّة قائمة في المصدر الديني، ليقوم الوعي الشعبي بإسقاطها في لحظتها المتجدّدة، فشعيب % يمثل مواجهة التطفيف، ولوط % مواجهة الانحراف الأخلاقي، وهكذا.. الأمر الذي يفسح في المجال واسعاً لإسقاط التجربة (الشعيبيّة) مثلاً على الواقع المتجدّد للتطفيف على المستويات السياسية والاجتماعية والعلائقيّة والاقتصادية أيضاً؛ بما يحمله مفهوم التطفيف من تعدٍّ ـ كما يراه بعض الفقهاء ـ عن المكيل والموزون إلى مساحات أكبر من ذلك يجمعها عدم الإنصاف في تقييم تجارب الذات والآخر.

وإذا أردنا تطبيق هذا المنطق عينه على تجربة أهل البيت النبوي ( سنجد أنّ تعدّدهم واختلاف ظروفهم يفسح لنا في تمثل نماذج متنوّعة تلتقي ـ على حدّ تعبير السيد الصدر ـ في الهدف وتختلف في الدور، فعندما تستكنّ في الوعي الشعبي صورة الإمام الحسين % بما تمثله من رفض راديكالي للظلم والانحراف، وما تعلنه من ثورة حقيقية للإصلاح والتغيير، فإنّ هذه الصورة تؤمّن لنا مرجعية أنموذجية كي نتمكّن من توظيفها في الحالات المشابهة، وكأنّها تريد أنّ تقول لنا بأنّ وجودها في التاريخ والتراث والوعي معناه أنّ الحاجة إلى منطق الثورة ـ بمعناها الواسع ـ تبقى قائمة في الحياة عندما يستدعي إصلاح الوضع الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو الأخلاقي عمليّةً قيصرية بامتياز.
إنّ وجود هذه الثورة في الوعي الجماهيري معناه حضور مفهوم الحلّ الراديكالي في الحياة ضمن شروطه ومستلزماته، فما يراه بعض المفكّرين والمثقّفين والعلماء في ساحتنا اليوم من إلغاء الخيار الثوري في معالجة بعض الأمور إلغاءً يبدو عليه طابع الكليانية والنظرية المستوعبة.. لا يبدو لنا صحيحاً، عندما نفترض مسبقاً أنّ التجربة المعصومة تمثل أنموذجاً في العمل الإلهي لمعالجة واقع بشري قابل للحدوث ولو بأشكال مختلفة، تعبيراً عن مرجعية الفعل المعصوم في هدي الأمّة.
وهكذا الحال في التجربة الحسنية وفي تجارب الأئمة ( بعد الإمام الحسين %، فإنّها تحكي عن أنّ منطق العمل السلمي والمنطق المراحلي في العمل الإسلامي هو الآخر أحد الخيارات التي لابد أن لا يقصيها العاملون في سبيل الله من حزمة الخيارات التي يعملون عليها في الحياة، إنّ تعدّد أداور الأنبياء والأوصياء يعني تعدّداً في الخيارات التي يملكها الإنسان المسلم في معالجة واقعه هنا أو هناك، شرط أن يعيَ بدقّة الظروف الموضوعية التي تسمح بإسقاط هذا الفعل المعصوم أو ذاك على تجربته هذه أو تلك.
وانطلاقاً من هذا المعطى الأيديولوجي الذي يتمّ الانطلاق به من خلال الاعتقاد بمرجعية أهل البيت النبوي، يظهر خطأ المقولة التي بدأت بالرواج مؤخراً في بعض الأوساط من أنّ التجربة الحسينية قد أكّدت لأهل البيت النبوي عقم منطق الثورة؛ لهذا عزفوا حتى عن التدخّل في الحياة السياسية بعد ذلك، رغم العروض المغرية نسبيّاً التي قدّمت لهم (تجربة الإمام الرضا % في ولاية العهد أنموذجاً)، فإنّه لو كان الأمر كذلك لما أسّس الأئمة اللاحقون منطق الإبقاء الحيّ على القضيّة الحسينية من خلال التركيز على الزيارة والعزاء والبكاء والرفض لقاتليهم، إنّ هذا التركيز يعني بمدلوله السياسي أنّ الأئمة لم يعزفوا عن المشروع الحسيني، وإنّما لم تسنح لهم الظروف؛ لأنّ الجوّ الذي كان يحيط بهم كان شديد الانقسام على نفسه، الأمر الذي لم يوفّر لأهل البيت فرصة خلق نواة عصامية للتغيير قادرة على الاستمرار معهم، فقد كانوا قلقين من أنّ العمل السياسي المباشر قد يفسح في المجال لمزيد من التشظي في الداخل الشيعي، وهو ما كان يؤلمهم على الدوام، وهذا هو تفسير حديثهم عن انتظار ولو أربعين رجلاً مستعدّاً كي يعلنوا الجهاد.
إنّ هذا الموضوع يحتاج إلى رصد دقيق ودراسة مستوعبة نتركها لمناسبة أخرى إن شاء الله تعالى.
 
المصدر: الموقع الرسمي لسماحة الشيخ حيدر حب الله
www.hobbollah.com