نبذة حيدر حب الله

الموضوع بواسطة حيدر حب الله :

الحاكم الشرعي ودوره في إدارة عملية الجهاد

26 فبراير 2013
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
719 زيارة

الحاكم الشرعي ودوره في إدارة عملية الجهاد

 
 تمهيد

موضوع هذه المحاضرة أو الكلمة ـ المبنية على التبسيط ـ هو الحاكم الشرعي ودوره في إدارة عملية الجهاد، ونحن هنا لن ندخل في أبحاث تخصصية أو دراسات قد تتناسب مع الجوّ الاستدلالي الحوزوي، وإنّما نريد الإطلالة فقط على هذا الموضوع من زاوية عامة.

 

الفقيه بين النزعة الانكماشية والاقتراب من الحدث السياسي والاجتماعي

بدايةً، نحن نعرف أنّ الفقه الشيعي واجه ـ نتيجة عدم خوضه لفترات طويلة في تجربة الدولة والعمل السياسي ـ مشكلةً أطلق عليها السيد محمد باقر الصدر عنوان: >النزعة الفردية الانكماشية<؛ فالفقيه لم يواجه منذ فترة طويلة تجربةً سياسية واسعة النطاق، كان يجلس في بيته، ويقتصر عمله في الغالب على المشكلات التي تأتيه وهو في البيت، كالعلاقات الزوجية والتجارة وغيرهما. وعندما تتراكم أمامه مجموعة مستجدات أو ما يسمى >فقه المستحدثات< يأخذ هذا الأمر المستجد فيبحث فيه، وعندما ينجز الفقيه الأوّل البحث في هذا الموضوع المستجد، يأتي الفقيه الآخر ليعلّق على كلام الأول.. وهكذا تدخل هذه المسألة إلى جسم الفقه الإسلامي.

هذا هو الشكل الطبيعي في الدراسات الدينية في الحوزات والمعاهد، فليس الفقيه مدير بنك يشرف على مئات من العمليات دفعة واحدة، ولم يكن وزير اقتصاد ليرى كلّ يوم المئات من أنواع الشركات التي تدخل وتخرج وتستجد، لم يكن الفقيه ينظر إلى هذا الواقع من الأعلى، والظروف أيضاً ما كانت تسمح له أن يكون في موضع الإشراف على حركة الأمور؛ لأسباب كثيرة؛ منها عزل هذا المذهب وفقهائه عن إدارة شؤون المجتمع.

وقد بدأ هذا الوضع بالتحوّل ـ شيعياً ـ منذ الحركة الدستورية في إيران >المستبدة والمشروطة< بداية القرن العشرين، فقد صار الفقيه هذه المرّة أقرب إلى الأحداث، وغدا يتداول قضايا السلطة على أعلى المستويات: هل الملك قادر على أن يبت في كلّ ما يريد دون أن نشرط قراراته بلجنة أو برلمان أو مجلس دستوري يشرف عليها أم لا؟.. كانت هذه من المرات القلائل التي يقترب الفقيه فيها من الواقع السياسي، لكنّ التجربة فشلت، واصطدمت بمشكلات عميقة، مع ذلك لم يتوقف المسار التصاعدي؛ فاستمرّ العمل السياسي للفقيه ـ ولو متقطعاً ـ يدفعه للاقتراب من الحدث، فجاءت مجموعة ثورات وحركات سياسية، من ثورة العشرين في العراق مروراً بحركة مصدّق، وصولاً إلى الثورات والحركات الإسلامية في إيران والعراق ولبنان وغيرها.

 

ظهور التقسيمات الجديدة للفقه: فقه فردي خاص وفقه اجتماعي عام

صار الفقيه هنا أكثر حضوراً وأكثر تماساً مع التحولات المعقدة في هذه الفترة؛ وإذا راجعنا كتابات وأدبيات هذه المرحلة سنلاحظ ظهور مقولات ومصطلحات جديدة لم تكن من قبل، نسمع علماء يتكلّمون عن فقه فردي وآخر اجتماعي، بعضهم يقول: فقه فردي شخصي أو فقه خاص وفقه عام، ويقصدون بالفقه العام فقه الدولة والسياسة والاجتماع، وقد تمّ تنشيط هذه المقولات إلى أن صار عندنا نوعان من الفقه، وإلا فقبل هذه الفترة لا نجد وضوحاً ولا ظهوراً لهذا التفكيك بين أنواع الفقه بهذه الطريقة، ليس هناك إثنينية جليّة.

من هذه المقدّمة ندخل إلى نقطة بالغة الأهمية، وهي أنّ كثيراً من العلماء قسّموا الفقه إلى فقه فردي وفقه اجتماعي، فقه خاص وفقه عام، إلى أن تكلّم الإمام الخميني ببعض الكلمات التي نتصل بهذا الموضوع، والتي ربما يمكن أن نستوحي منها أنه لا يوجد عندنا شيء اسمه فقه خاص وفقه عام، هذه الكلمات أطلقها الإمام الخميني في أواخر حياته بعد انتصار الثورة.

 

نظرية الاندماج والتواشج بين الفقهين: الخاص والعام

إذن ماذا يوجد؟

يوجد فقه واحد، لكن ليس هو الفقه الفردي، كما كان في الحال السابق، بل هو الفقه الذي يحمل من ناحيةٍ الفردية، ومن الناحية الثانية البعد الحكومي العام، أشبه بالكثرة في عين الوحدة كما يعبرون في الفلسفة.

ولكي أوضح هذه الفكرة، أقول من باب المثال: الآن لو فرضنا أن الفقيه يتشدّد في أمر الطهارة، فمن الطبيعي أنّه إذا أراد الإنسان أن يغتسل للجنابة فسوف يحتاج إلى مياه كثيرة، المواطن هنا ينظر إلى حياته الفردية، فلا يحسب حجم التأثير الاقتصادي والعام لهذه الفتاوى، ويعتبرها فتاوى فردية فحسب، لكنّها ليست كذلك؛ لأنك لو ذهبت إلى المسؤول عن المياه في هذه الدولة ربما تترك هذه الفتوى البسيطة بالنسبة إليه تأثيراً على صرف المياه في هذا البلد.

كذلك الحال ـ على مستوى مثال آخر ـ مسألة طهارة أو نجاسة أهل الكتاب، فقد يتصوّر أنّها محض شخصية فردية، لكنّك لو نظرت إليها من الأعلى وتصوّرت عشرات الجاليات المسلمة المنتشرة في العالم بعشرات الملايين من الناس، وأخذت تجربتهم وتأثير هذه الفتوى على حياتهم وطبيعة اختيارهم لأعمالهم، وعلى علاقاتهم الاجتماعية.. ستجد أنّها لم تكن فتوى شخصيّة فقط، وإنما هي عامّة ذات تأثير اجتماعي على ملايين الأشخاص.

من هنا، نرى أنّ الفتوى ـ ولو كانت فردية بسيطة ـ لها مساس بالشأن الاجتماعي والسياسي العام، فلا يمكن فصل الجانب الفردي في الفقه عن الجانب الاجتماعي، بل هما مندمجان في بعضهما، ولعلّ هذا هو مقصود الإمام الخميني فيما يقوله من أن الفقه بأكمله، مظهره ومكان تجسّده هو الدولة.

 

الموضوعات الخارجية بين المكلّف والفقيه

وإذا تخطّينا هذا كلّه، يمكن تقسيم قضايا الفقه الإسلامي وتطبيقاته إلى قسمين آخرين:

1 ـ مسائل فقهية توكل شؤون تطبيقها إلى آحاد المكلفين، أي أنّها بهذا المعنى تكون فرديةً، توكل إلى الفرد نفسه، فهو يحسب حسابات كيفية تطبيق هذه الفتوى أو تلك.

ومثال ذلك: إذا شككت أنّ هذا الماء نجس أو طاهر؟ فإجراء أصالة الطهارة أو الاستصحاب هنا يرجع إلى المكلف نفسه؛ حيث يقول له الفقيه في هذه الحالة: إنّ الموضوع الخارجي موكل إليك. وفي هذا النوع من الموضوعات الخارجية يمكن للفرد نفسه أن يدرس ملابسات الموضوع ويطبّق القاعدة الشرعيّة التي أعطاه إيّاها الفقيه مسبقاً.

هذا ما نسمّيه نحن هنا بالفقه الفردي، لكن بمعنى أنّ الفرد هو الذي يأخذ الفتوى ويتصرّف بها على أرض الواقع.

2 ـ القضايا الفقهية التي نسمّيها هنا بالفقه غير الفردي، لكن بمعنى آخر هذه المرّة، ولتوضيح ذلك نأخذ المثال التالي: محاربة إسرائيل، إذ لا يوجد نصّ قرآني أو من السنّة على محاربة هذه الدولة باسمها في هذا العصر، لكن عندنا قاعدة عامة تقرّر >الدفاع عن بلاد المسلمين<، فإذا قلت لعامّة الناس: >يجب عليكم أن تقاتلوا العدو إذا لم يكن في مقاتلته مفسدة<. يأتي زيد يقول: >أنا شخّصت لا توجد مفسدة فيجب أن أُقاتل<. ثمّ يأتي عمرو فيقول: >أنا شخّصت مفسدة فلا يجب القتال<.

في قضية طهارة الماء المعيّن هذا أو ذاك يرجع الأمر إلى المكلّف نفسه، لكن حينما توكل قضية عامّة إلى آحاد الناس كي يختار كلّ واحد منهم موقفاً أو يحدّد: هل هناك مصلحة أو مفسدة في الإقدام على مقاتلة إسرائيل؟.. في هذه الحال يختلف الأمر، فهناك لا يلزم أيّ محذور من إيكال الأمر إلى الآحاد، أمّا هنا فيلزم الهرج والمرج، فهذا يقاتل وذاك يمنع عن القتال وهكذا..

هذا النوع من الفتاوى والأحكام إذا ألقيناه إلى آحاد المكلفين على مستوى التطبيقات الخارجية يلزم الفوضى، واضطراب أمور الناس؛ لهذا لا تقبل الدول في العالم بذلك، من هنا لا نعتبر مثل هذه الأحكام فرديةً، على خلاف قضية طهارة هذا الماء أو ذاك، فهي قضيّة فردية بمعنى مرجعية نظر الفرد في الحكم عليها وممارسة فعل التطبيق في موردها.

بهذا نخرج ـ بعد أن أبطلنا وجود فقه خاص فردي وآخر عام سياسي واجتماعي منفصل كلّ واحد منهما عن الآخر ـ بوجود هذين الفقهين، لكن بمعنى آخر؛ يتبلور عبر القاعدة التي ستقول: كل حكم شرعي إذا أوكلته إلى آحاد المكلفين يلزم منه الهرج والمرج، لا يكون تحديده الموضوعي ـ بمعنى تحديد ملابسات الحكم ميدانياً ـ بيد الناس، بل بيد شخص آخر، وكلّ حكم لا يلزم من إيكاله للآحاد من الناس ذلك، يكون شأنه راجعاً للمكلّف نفسه؛ لعدم وجود دليل على ولاية أحد على المكلّفين في أمر التطبيق فيه. وربما تكون هذه القاعدة متفقاً عليها.

 

معنى جديد للفقه الخاص والعام

إذن، لا يوجد فقه فردي خاص وفقه اجتماعي عام، فهما في حالة دمج وانصهار، لكن يمكن أن نؤسّس لهما بتصوّر آخر، وهو أنّ الفقه الفردي هو الفقه الذي يمكن أن يحيل فتاواه وأحكامه ـ ميدانيّاً ـ إلى آحاد المكلفين ليكون أمره بيدهم فلا يحتاجون إلى مراجعة جهة أخرى، أما الفقه غير الفردي فهو الفقه الذي لا يمكن إيكاله إلى آحاد المكلفين للزوم الهرج والمرج من ذلك، فيكون شأن البتّ فيه لجهة أخرى.

من هذا الفقه العام غير الفردي ـ بهذا المعنى ـ بالذات، ندخل إلى فكرتنا الرئيسة حول قضية الجهاد؛ حيث يقول الفقهاء في كتابي: القضاء والاجتهاد والتقليد: mالفتوى هي الحكم الكلي على الموضوع الكليn؛ فالفقيه يقول: يحرم شرب الخمر، ولا يقول: يحرم شرب هذه الخمر، فلا  يتكلّم باسم الإشارة (هذا وهذه) ، وإنّما يأخذ الشرب كمفهوم كلي ويأخذ الخمر كمفهوم كلي، ويأخذ الحرمة أيضاً في السياق نفسه، فيقول لك: الحكم بالحرمة مترتب على الشرب المتعلّق بالخمر. فمن الواضح أنّ الواقع الخارجي ليس من شأن الفقيه، وإنّما هو من شأن القاضي الذي يتدخل في الواقع الخارجي باستخدام اسم الإشارة، حيث يقول: هذا المال لزيد وليس لعُبَيد، فبينما كان المفتي يضع الحكم الكلي على الموضوع الكلي، كان القاضي يطبّق الحكم على المصاديق الخارجية على أرض الواقع.

 

دور الحاكم في الفقه العام بالمعنى الجديد

إذا أخذنا بعين الاعتبار هذا التمييز بين الفتوى والحكم، فتوى المفتي وحكم القاضي، يمكننا أن نضع القضايا التي لا يمكن إيكالها إلى الآحاد من الناس، أو القضايا العامة أو ما يسمّيه العلامة شمس الدين >الفقه المجتمعي<، نضعها بيد الحاكم الشرعي؛ فهنا لا يمارس الحاكم موقع المفتي؛ فلا يكتفي بالفتوى الكلية، بل يقترب من موقع القاضي، ليدخل للمصداق ويحدّد موقفه منه، فهذه هي الطريقة التي ترفع الهرج والمرج، ولا أقلّ هي إحدى الطرق الممتازة.

 

أزمة الفردية في البحث الفقهي حول الجهاد

إذا جئنا إلى قضيّة الجهاد، نلاحظ أنّ الجهاد لا يمكن أن يكون فقه أفراد، رغم أنّ الكثير من الأبحاث الفقهية تعاملت معه ـ وبكامل الأسف ـ تعاملها مع الفقه الفردي، وأضرب مثالاً على ذلك مسألة ما إذا كان عدد العدوّ على الضِّعْفِ من عدد المسلمين، فكثير من الفقهاء يقولون: إذا كنت تقاتل في المعركة وجاءك ثلاثةٌ من الأعداء فلا يجب عليك القتال، بل يجوز الفرار. فنحن نلاحظ هنا بوضوح كيف أُخِذ مفهوم القوّة أخذاً فرديّاً، ولم تحسب المسألة على مستوى علاقة جيشين تابعين لدولتين، وإنما حصرت بفرد يقابله فردان أو ثلاثة في زاوية من زوايا المعركة، نعم، لقد نظر إلى هذا الموضوع الهامّ جداً نظرة بحت فردية!!

هذا النمط من قراءة بحث الجهاد بالغ الخطورة؛ حيث يؤدي إلى حصول نتائج خاطئة في الاستنتاج الفقهي العام، فيما نلاحظ أنّ الخطابات القرآنية الموجهة في قضايا الجهاد خطابات مجتمعية عامّة وليست فردية فقط؛ لأنّ الجهاد شأن مجتمعي عام لا يدخل في دائرة الفقه الفردي الذي توكل قضاياه إلى آحاد الناس، وهذا أمر عقلائي قامت عليه السيرة العقلائية في قضايا الحرب والسلم.

 

مشروعات تعطيلية ذات قراءة اجتهادية

وبهذه الخطوة التي خطوناها، نريد الآن أن ننظر لقضيّة الجهاد بأنواعه وأشكاله، لنرصد طبيعة حركة إدارته في المجال السياسي والاجتماعي؛ فنحن نلاحظ أنّ الفقه الإسلامي بمدارسه، وليس فقط الفقه الشيعي، قسّم الجهاد إلى قسمين: ابتدائي، ودفاعي. بل يعتبر بعضهم أنّ الأصل في الجهاد هو الابتدائي، أما الدفاعي فيلحق إلحاقاً بالجهاد. وعندما تحدّث الفقهاء عن أحكام هذين النوعين من الجهاد قالوا بأنّ الجهاد الابتدائي مربوط بالمعصوم، أما الدفاعي فليس كذلك بل ولا يرتبط بالحاكم الشرعي أيضاً؛ وهذا معناه أنّ الجهاد الابتدائي خاص بالمعصوم بحيث لو جاء الحاكم العادل ـ ولو كان فقيهاً ـ لا يمكنه أن يمارسه، فيما الجهاد الدفاعي ليس مربوطاً بأحد على الإطلاق، لا بالمعصوم ولا حتى بالحاكم الشرعي ولا غير الشرعي، فقيهاً كان الحاكم أم غير فقيه. بل أيّ فرد يمكنه أن يمارس الجهاد الدفاعي من تلقاء نفسه، تماماً كما يتعامل مع طهارة ماء منزله في هذا الإبريق أو ذاك.

هذا التعاطي مع قضيّة الجهاد ليس شأناً خاصّاً به، بل نحن نجد أنّ هناك عدّة فرائض كبرى ربطت ـ على صعيد بعض النظريات في الفقه الشيعي ـ بالإمام المعصوم، مثل وجوب صلاة العيدين، وكذلك صلاة الجمعة، وكذا إقامة الحدود والتعزيرات، وعلى المنوال عينه إقامة دولة إسلامية، وهكذا.

ولن نخوض في بحث فقهي استدلالي في هذا المضمار؛ فقد بحثنا هذه النقطة في محلّه، لكن ما يبدو أنّه السبب الأبرز الذي دفع الفقهاء إلى مثل هذه القناعات التي عطّلت بعض الفرائض في زمن الغيبة، هو وجود كلمة >إمام< في بعض الروايات التي تحدثت عن هذه الفرائض، وقد حصل إسقاط وتأثر بالدراسات الكلامية على هذه الموضوعات الفقهية، ونتيجة رسوخ التلازم بين هذا التعبير وبين الإمام المعصوم تصوّر بعض الفقهاء أنّ المقصود بالإمام هنا هو المعصوم.

على سبيل المثال، رواية مشهورة في كتاب الجهاد تعرف بخبر بشير الدهان، عن أبي عبد الله×: إني رأيت في المنام إني قلت لك أن القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. فقلت لي: >نعم هو كذلك<. فقال الإمام أبو عبد الله×: >هو كذلك، هو كذلك<.

معنى هذه الرواية ـ عندما نفسّر كلمة الإمام فيها بالمعصوم ـ أنّه يحرم على الإنسان أن يقاتل أو يجاهد إلا بحضور المعصوم.

في السياق نفسه خبر آخر هو رواية الأعمش، قال: >والجهاد واجب مع إمام عادل، ومن قاتل دون ماله ورحمه ونفسه فهو شهيد<. فالجهاد من خلال هذه الرواية مربوط أيضاً بالمعصوم.

دعونا نتأمل هاتين الروايتين ومعهما العديد من الروايات الأخرى، سنجد قضيّتين:

 

1 ـ نقد نظرية ربط الجهاد بالمعصوم

من الواضح أنّ هذه الروايات لا تقييد فيها بالجهاد الابتدائي، بل تتحدث عن مطلق حرب وقتال، ما لم يكن دفاعاً شخصيّاً عن النفس، إذاً فالمفترض أن نحرّم الحرب والجهاد حتى الدفاعي إلى ظهور الإمام، فأيّ معنى للتمييز بين نوعي الجهاد المتقدمين؟!

لا يوجد في أي رواية شيعية ولا سنيّة عبارة جهاد ابتدائي وأمثال ذلك، فلماذا نقيّد شرطية حضور المعصوم بمورد الجهاد الابتدائي دون الدفاعي؟! وإذا قلت لي: إنّ الجهاد الدفاعي ليس جهاداً، قلت لك: هذا تحكّم، فقد خاض النبي عدّة حروب دفاعية وكانت تسمّى جهاداً، وها نحن اليوم نخوض حروباً دفاعية في المنطقة أليست هذه جهاداً وقتالاً في سبيل الله؟! ألا يصدق عليها المفهوم القرآني للقتال؟! وما هو الدليل بعد اعتراف العرف والعقلاء بأنّها قتال؟ إذاً فالمفترض أنّ هذه الروايات تشمل نوعي الجهاد معاً، فهل يلتزم الفقهاء بذلك؟ أليس ذلك منبهاً على خطأ النتيجة الفقهية التي تربط الجهاد بالمعصوم؟

نعم الدفاع الشخصي ليس جهاداً وإن كان للمدافع أجر الشهيد، فليس مربوطاً بالإمام؛ لذلك ميّز الإمام في الرواية بين من يقتل دون ماله وعرضه وبين أصل مسألة الجهاد؛ فالدفاع الشخصي ليس مربوطاً بالإمام، ولكنه ليس جهاداً.

 

2 ـ تأصيل نظرية ربط الجهاد بمطلق الإمام العادل

لا يوجد عندنا في أيّ رواية من روايات هذا الموضوع تعبير (المعصوم)، وإنّما لدينا كلمة >إمام<، وهي ليست مصطلحاً خاصّاً بالمعصوم في لسان الروايات، وإنّما هي مطلقة بحسب دلالتها اللغوية والعرفية.

إذن، من ناحية لا يوجد عندنا في هذه الروايات تمييز بين الجهاد الدفاعي والابتدائي، ومن ناحية أخرى نجد أنّ هذه الروايات تربط الجهاد بأن يكون مع إمام عادل، ولا تقيّد هذا الإمام العادل بأن يكون معصوماً أو منصوصاً عليه من قبل الله تعالى؛ ممّا يجعلها تشمل كلاً من الجهاد الابتدائي والدفاعي من جهة والإمام المعصوم وغيره من جهة أخرى.

يضاف إلى ذلك، أنّ الجهاد الدفاعي كالابتدائي من القضايا العامّة التي تترتب عليها مصالح ومفاسد، ولا يمكن إيكالها إلى آحاد الناس؛ إذ لو استقر عدوّ مثل الكيان الصهيوني اليوم في بلد إسلامي كفلسطين، لا يمكن جعل قضية مواجهته بيد الآحاد، لاسيما مع اختلاف الأنظار، وهذا معناه أنّه يجب أن يكون الحاكم الشرعي الجامع للشرائط هو المشرف على قضية الجهاد الابتدائي والدفاعي معاً، باستثناء الدفاع الشخصي كما قلنا.

وبهذا يتبيّن أنّ ربط الجهاد الابتدائي بالمعصوم لا أساس له يمكن الركون إليه، كما أنّ تحرير الجهاد الابتدائي والدفاعي من الارتباط بالحاكم الشرعي هو الآخر يقع على خلاف متون الروايات، وعلى خلاف البناء العقلائي في إحالة مثل هذه القضايا إلى الجهات المشرفة على الشأن العام؛ فالصحيح ربط أيّ مواجهة تخوضها الأمة بإشراف الحاكم الشرعي.

وننبّه أخيراً، إلى أنّنا لا نحدّد هنا من هو الحاكم الشرعي، وما هي مواصفاته، وإنّما نأخذ مطلق الدولة الشرعية أو الجهة الشرعية التي لها إشراف على القضايا العامة للمسلمين، أمّا تحديد الأمور بشكل تفصيلي فهو بحث موكول إلى مسائل الفقه السياسي الإسلامي.

 

التيارات الإسلامية في لبنان – مطالعة عابرة في المشهد الثقافي والفكري(*)

20 يناير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
538 زيارة

التيارات الإسلامية في لبنان – مطالعة عابرة في المشهد الثقافي والفكري(*)

تمهيد
قد يكون صعباً جداً اختصار الحديث عن مشهد ثقافي وفكري إسلامي عرفه لبنان في نصف القرن الأخير، لأنّ التحوّلات كانت حادّة إلى حدّ التناقض، لكن من باب الإشارة فقط يمكن أن نفتح الحديث عن هذا الموضوع عبر محورين رئيسيين، يبدو لي إمكانية تمييز الحديث عنهما: المحور الشيعي والمحور السنّي.
وسوف يكون حديثنا مختصراً يعالج النقاط والملفات الأساسية، بعيداً عن التفاصيل التي لا حدّ لها.
 
1 ـ المشهد الثقافي والفكري الإسلامي في الوسط الشيعي
 
1 ـ 1 ـ الشيعة في النصف الأوّل من القرن العشرين، بداية الحراك الثقافي
كان الشيعة قد عرفوا في النصف الأوّل من القرن العشرين في لبنان، بدايات تحوّل، بدأت منذ مطلع القرن؛ حيث كانت الدولة العثمانية تضعف يوماً بعد آخر، وكان ذلك فسحةً للشيعة كي ينطلقوا أكثر فأكثر في بناء ذاتهم، والخروج من التاريخ القمعي الطويل الذي عرفوه في هذه المنطقة.
وقد تصاحبت هذه الأحداث مع التمدّد الغربي في العالم الإسلامي، فشهد المسلمون بعد حملات نابليون تحوّلات كبيرة في المنطقة، كانت منطلقاتها في الغالب آتيةً من مصر أو شبه القارة الهندية، ومثله مثل سائر بلدان المشرق الإسلامي.. خاض لبنان الشيعي حواراً بين أبنائه حول مجموعة من ضرورات التحديث، فانطلقت مجلة (العرفان) في صيدا، والتي كان يديرها أحمد عارف الزين، لتتحوّل إلى منبر ثقافي شيعي كبير يوازي منبر مجلة (المنار) في مصر، وعلى صفحات هذه المجلة في النصف الأول من القرن العشرين، شهد المجتمع الشيعي أهم التحوّلات الفكرية.
سعى الشيعة بأطيافهم في هذه الفترة لإثبات حضورهم في المحيط السنّي؛ فعمل السيد محسن الأمين والسيد عبد الحسين شرف الدين وغيرهما على الدفاع عن المعتقدات الشيعية وإثبات الوجود الشيعي في الوسط السنّي، وكتبهما معروفة، لاسيما mالمراجعاتn و mأعيان الشيعةn، وأبدت مجلة العرفان التاريخَ العريق للشيعة أيضاً، لكن مع ذلك، اندلعت خلافات في الداخل الشيعي آنذاك حول محاور عديدة، أرى أنّ أبرزها كان ما يلي:
1 ـ الخلاف الذي وقع حول تأسيس المدرسة العصرية، فقد انقسم العلماء في هذا الموضوع، وفيما كان السيد محسن الأمين يدافع عن تأسيس هذه المدرسة لتوعية الجيل الصاعد، كان فريق آخر يرفض هذا الأمر، وقيل: إنّ بين الفريق الآخر السيد عبد الحسين شرف الدين، الذي ما لبث أن عدل عن رأيه ليؤسّس بنفسه مدرسة عصرية، سميت بمدرسة الجعفرية في مدينة صور.
يعكس هذا الخلاف طبيعة القراءات الثقافية والوعي الثقافي الذي كان يملكه كبار قادة المجتمع الشيعي آنذاك، في الصورة التي يحملونها عن العلوم الحديثة وعن الانفتاح على الواقع الجديد الذي بات يغزو المنطقة برمّتها، وفي الاعتراف بمرجعيات علمية ثانية، صورة مصغّرة لما بتنا نسمّيه اليوم بالعلاقة بين الحوزة والجامعة أو العلاقة بين المثقف والفقيه.
2 ـ الخلاف حول مظاهر الطقوس الدينية المذهبية، في قضية إحياء الشعائر الحسينية؛ وربما كان هذا أكبر خلاف ثقافي ديني عرفه الشيعة في النصف الأوّل من القرن العشرين، وانقسموا فيه فريقين: فريق مناصر لتصحيح الشعائر تزعّمه السيد محسن الأمين، وناصره في ذلك الكادر الذي كان يحيط بمجلة العرفان، وبعض مرجعيات النجف، في مقابل السيد عبد الحسين شرف الدين في صور، والشيخ عبد الحسين صادق في مدينة النبطية، تناصرهما في ذلك تيارات معروفة في النجف.
كان هذا الخلاف تعبيراً عن ظهور تيار التحديث الديني في الوسط الشيعي، وهو التيار الذي يدعو لنقد الموروث الديني ووضع الشيعة ضمن حركة تصحيح عام، لا تختصّ بهم بل تعمّ المنطقة أيضاً.
 
2 ـ 1 ـ الإمام موسى الصدر ومشروع تكوين الجماعة الشيعية
لم ينته العقد الأول من النصف الثاني من القرن العشرين، إلا وغاب الإمامان: الأمين وشرف الدين، ليدخل الوضع الشيعي في مرحلة جديدة.
كانت المشاريع الأوّلية التي أطلقها هذان الإمامان بداية لتفكير جادّ في النهوض بالواقع اللبناني الشيعي، وبغيابهما قام الإمام موسى الصدر بلعب دور الخليفة، فأكمل المشروع عبر تأسيس مجموعة من المؤسّسات التي ما لبثت أن كوّنت الوعي الثقافي الشيعي الجديد، فأطلق (أفواج المقاومة اللبنانية/أمل) لتكون جامعاً سياسياً للشيعة الذين كان شبابهم قد تفرّقوا بين الأحزاب اليسارية والفلسطينية آنذاك، وشاد مؤسّسات اجتماعية وتربوية ودينية، مثل معهد الدراسات الإسلامية في صور، وجمعية البر والإحسان و.. إلى أن أنشأ عام 1967م المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي توكل إليه مهمّة أن يُشرف على الأوقاف والقضاء الجعفريين، ويدير الشؤون الدينية للشيعة، ويدافع عن مصالح الجماعة الشيعية في لبنان، وقد دعمته في إنشائه جهات عديدة في النجف وغيرها.
وكانت الإطلالة التي تميّز بها السيد الصدر تقوم على شيء من التوعية الثقافية البسيطة للشيعة، وجعلهم يحسّون بكيانهم الديني والثقافي بشكل أكبر، دون أن ينقطعوا عن المحيط التعدّدي الذين عرفه لبنان منذ سنين طويلة، والتعايش الإسلامي ـ المسيحي كان أطلقه الصدر منذ سنين بعيدة؛ لكي يحمي الشيعة من موجات دموية جديدة قد يواجهونها داخل الوطن اللبناني.
ويقوم مشروع الصدر الثقافي والفكري على مبادئ دينية محدّدة، فلم يتأثر موسى الصدر ـ خلافاً لابن عمّه الشهيد محمد باقر الصدر ـ فيما يبدو بالحركات الإخوانية في مصر أو حزب التحرير في بلاد الشام، ولا بالتيارات الثورية الإسلامية في إيران والعراق، ولم ينادِ بإقامة نظام إسلامي في لبنان، كما لم يكن من ضمن أولوياته تأسيس أحزاب دينية بالمعنى الذي بتنا نعرفه اليوم، ولم يرَ من لبنان ما يراه السيد باقر الصدر من العراق في طريقة دعم الثورة الإسلامية في إيران، وإنّما كان نشاطه الثقافي يقتصر على شيء مبسّط من نشر الثقافة الشيعية التي تسمح بإحساس الشيعة بكيانهم؛ ليعيدوا تموضعهم وتكوين منظومتهم بوصفهم قوّة مؤثرة في الساحة، بدل التهميش الذي مورس عليهم قبل وبعد انهيار الدولة العثمانية، نعم كان هذا هو الهدف الرئيس لموسى الصدر في مشاريعه الثقافية والسياسية التي أطلقها في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، مع فتح شبكة علاقات دولية ومحلية هائلة، وهذا ما نجده في خطبه ومحاضراته ودروسه التفسيرية، ووضع الشيعة في لبنان ربما هو الذي فرض عليه تغييراً في رسم هذه الأولويات عن الهموم التي كان يعيشها الشيعة في مثل إيران والعراق.
يحسب السيد موسى الصدر على الخطوط المعتدلة في الساحة الشيعية بحسب التقسيم السائد في تصنيف الحركات الإسلامية، فلم يستخدم السلاح لمواجهة الخصوم في الداخل، ولم يمارس النهج الثوري في تغيير الواقع، ولم يكن راديكاليّاً دينياً في التعامل مع الحياة الشيعية في لبنان، يقال: إنّه كان مقرّباً فكرياً من تيارات في إيران تختلف بعض الشيء عن الخطّ الذي عاد وانتصر في إيران إلى اليوم، ويرى المراقبون أنّ علاقته بمثقفي مجلّة mمكتب إسلامn وبتيارات د. شريعتي وأمثاله كانت أكبر من علاقته بفكر مثل الإمام الخميني؛ لهذا نظر إليه بعض رجالات الخط الثوري الإسلامي الذي جاء فيما بعد في الثمانينيات على أنّه غير متوالم مع مشروعهم، وكانت هذه نقطة بداية لتحوّلات حادّة واختلافات في وجهات النظر في الساحة الشيعية.
وفي الحقيقة، كانت هناك أكثر من ردّة فعل على الرؤية التي قدّمها السيد موسى الصدر، أهمها:
1 ـ ردّة الفعل المتمثلة بالتيارات المدرسية أو تلك التي كانت تملك رؤية كلاسيكية نسبياً، مثل الشيخ محمد جواد مغنية والسيد هاشم معروف الحسني وأمثالهما، فلم يكن هؤلاء مرتاحين للنهج الفكري والثقافي والسياسي الذي قام به الصدر، وكانوا يفضلون طريقة أخرى في التعامل مع الأمور، ربما تكون أقرب إلى بقاء الأوضاع على ما هي عليه، مع تغييرات طفيفة تقوم على سياسات مطلبية محدودة.
2 ـ ردّة فعل متمثلة في تيارات تُحسب على الحركة الإسلامية أو اليسارية عموماً، وأبرز شخصيّتين يمكننا ذكرهما، هما: السيد محمد حسين فضل الله، والسيد محمد حسن الأمين، فقد ذهب هذا الفريق ـ الذي كان يشارك الصدر في الخطوط العامّة للمشروع النهضوي ـ إلى أنّ الصدر أخطأ في أكثر من نقطة في مشروعه الثقافي والسياسي للشيعة، من بينها أنّه اعتمد النهج الجماهيري حيث تواصل مباشرة مع جماهير الشيعة قبل بناء كوادر شيعية قادرة على الإمساك بالوضع وإدارة الأمور، وأنه ربما شعر أنّ وجوده كان ضماناً لتدارك الوضع، فلما غاب انتكس مشروعه، فيما كان يفترض به أن ينهج نهج بناء الكوادر الشيعية، ثم في مرحلة لاحقة يقوم ببث هذه الكوادر في القاعدة الجماهيرية للشيعة لتغيير وضعهم الثقافي والاجتماعي والسياسي، كما ومن بين الملاحظات التي سجّلت عليه تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، إذ اعتبر هذا الفريق أنّ تأسيس المجالس المليّة يكرّس الطائفية في لبنان، والمفروض أن نعمل على تذويب الحالة الطائفية والثقافة الطائفية في هذا البلد العاجّ بالطوائف والمذاهب، فيما بيّن السيد الصدر في مؤتمر صحافي مشهور عام 1966م أوضاع الشيعة المتدهورة في لبنان ومبرّرات قيام مجلس لهم.
وبصرف النظر عن هذه الملاحظات أو تلك، طغى مشروع السيد موسى الصدر على غيره وسيطر على الساحة الشيعية في لبنان، وحكم بعقليّته التيارات كافّة، وفجأة اختفى نهاية السبعينيات، ليترك فراغاً هائلاً في حياة الشيعة اللبنانيين.
شكّل اختفاء السيد الصدر صدمة كبيرة للشيعة الذين كانوا خرجوا للتوّ من وضع حرج، وبدأ الوضع الشيعي يشهد تنافساً في مراحله الأولى بين اتجاه ينحو نحو علمنة مشروع السيد الصدر يقوده الرئيس نبيه بري، وآخر يريد أن يحفظ له ـ بقدر ما ـ صيغته الإسلامية كان من قادته الشيخ شمس الدين، لكن انتصر ـ داخل خط الصدر ـ مشروع العلمنة في نهاية المطاف، لكنّها كانت علمنة غير ملحدة، لم تكن علمنة لا دينية، صاحب ذلك انتصار الثورة الإسلامية في إيران؛ لينطلق المشروع الكبير في المنطقة على الصعيد الشيعي.
 
3 ـ 1 ـ ظهور التيارات الإسلامية السياسية الشيعية
تابع المثقفون الشيعة المعركة التي خاضها السيد محمد باقر الصدر مع التيارات الشيوعية في العراق، وأعجبوا بها، واستفادوا منها في مواجهة خصومهم من التيارات اليسارية والماركسية التي كانت غزت الجامعات ومختلف الطبقات في لبنان، حتى كانت الأحزاب الماركسية هي الأقوى في بداية الثمانينيات، ولمّا كان اللبنانيون الفئة الأنشط ميدانياً من حول السيد محمد باقر الصدر، ولما هجّروا نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات إلى لبنان من النجف، عاد فريقٌ منهم يحمل الأفكار التي كانت نمت في الوسط النهضوي العراقي، ومن حول السيد محمد باقر الصدر، أو على مقربة منه، دون أن يكونوا حتى الآن ـ أي بداية الثمانينيات ـ قد تأثروا بشكل جادّ بالمناخ الفكري في إيران، أو فكّروا في تحويل مرجعيتهم الدينية من النجف إلى قم.
في هذه الفترة التي بدأت تقريباً من عام 1972م، خرجت تيارات تمثل امتداداً للتيارات الفكرية السياسية الشيعية التي ظهرت في النجف، فبدأ العلامة محمد حسين فضل الله نشاطاته الفكرية في بنت جبيل وفي شرق بيروت بتشكيل (أسرة التآخي)، ومجموعة نشاطات فكرية متعدّدة، وكان هذا التيار يمتدّ عبر (اتحاد الطلبة المسلمين) الذي اتخذ من الضاحية الجنوبية لبيروت مقرّاً له، وتحلّقت حول اتحاد الطلبة وفضل الله مجموعات أولى تغايرت عقليتها تدريجياً عن الحركة التي كان يسير عليها السيد موسى الصدر ومن جاء بعده، كانت الأولويات للبعد التثقيفي الديني، ولتشكيل وعي سياسي ـ ديني، يؤمن بإقامة الحياة وفق أسس دينية، ويهتمّ بنقد الموروث الديني الراكد الذي كان يعيش الشيعة عليه في لبنان، إضافة إلى التنظير لآليات الدعوة الدينية ونشر الفكر الديني، كما اهتمّت هذه المجموعات بمطالعة الفكر الماركسي والغربي الجديد لتقديم تصوّرات دينية بديلة عنه بأسلوب الحوار واللغة الهادئة مبديةً الفكر الديني قادراً على الحضور في الساحة السياسية والاجتماعية والفكرية.
كان البعد الفكري هذه المرّة مهيمناً أكثر على نشاطات هذه المجموعة، بشكل يفوق ما كان قد حصل مع تجربة الإمام الصدر، ففي تلك التجربة لم يكن سوى العلامة محمد مهدي شمس الدين (2002م) يظهر بقوّة، عبر كتاباته التي نقد فيها الدكتور صادق جلال العظم في كتابه (نقد الفكر الديني) وغيره، مثل كتاب mالمطارحاتn وغيره، وقد شكّلت مشاركة العلامة شمس الدين حضوراً قويّاً للعلماء في ساحة المناقشات الفلسفية والفكرية الجديدة، وبلغة تختلف عن المنطق الخطابي والتعبوي.
كانت الأفكار التي نمت حول شمس الدين مشابهة كثيراً لتلك التي ظهرت مع فضل الله، مع فارق أنّ شمس الدين كان يحمل لغةً أكثر نخبوية وحضوراً أكثر رسمية بعد أن خلف الإمام موسى الصدر في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، فبدت أفكاره أقرب إلى طريقة تفكير السيد موسى الصدر، فيما اقترب السيد فضل الله من طريقة تفكير التيار الإسلامي العراقي المتمثل آنذاك بحزب الدعوة الإسلامية، من هنا بدا فضل الله أقرب إلى الخطاب الثوري وإلى نظرية تطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية، وحاكمية الفقه الإسلامي، فيما ذهب شمس الدين ـ الذي كان مقرّباً في النجف، كما يقال، من أسرة الحكيم ـ إلى أنّ المفترض اتّباع سياسة سلميّة أقرب إلى المطلبية لتحسين وضع الشيعة في أوطانهم.
كانت هذه بداية الاختلاف الفكري بين مدرستي: فضل الله وشمس الدين، وفي عام 1982م اجتاحت إسرائيل لبنان، وظهرت حركات المقاومة ذات اللون الجديد، فقد انهارت المقاومة الفلسطينية التي خرجت من بيروت عبر البحر، وانهار معها مسلسل من التيارات اليسارية الذي كان على صلةٍ بها، كان لبنان الشيعي على موعد مع حركة مقاومة شيعية ممتازة، قادتها حركة أمل وعلى المستوى الثاني جماعات متفرّقة متديّنة انطلقت من البقاع اللبناني حيث كان الحرس الثوري الإيراني قد اتخذ لنفسه للتوّ مواقع ومقرّات.
كانت الثورة الإسلامية وأفكارها بدأت بالحضور مع أولى طلائع الحرس الثوري الذي وصل إلى محيط مدينة بعلبك، وبدأ ينهج في التفكير والممارسة نمطاً جديداً، يختلف تمام الاختلاف عن فكري: شمس الدين وفضل الله، الذي كان أقرب إليه من شمس الدين.
عمل هذا التيار الذي تحوّل فيما بعد إلى تنظيم mحزب اللهn على نشر ثقافة لم تكن مألوفة جداً بين الشيعة اللبنانيين من قبل، جاءت مع هذا التيار الاتجاهات العرفانية والصوفية، وظهرت مفاهيم ولاية الفقيه والنظام السياسي الإسلامي، وآمن العلماء والمجاهدون في هذا الخطّ بمشروع الدولة الإسلامية الواحدة التي يقودها الولي الفقيه في إيران، انتشرت كتب الإمام الخميني العرفانية والأخلاقية على نطاق واسع، وتعمّقت ثقافة جديدة في الفكر الجهادي تقوم على الاستشهاد وتقديس الموت في الحروب الشريفة بل الرغبة فيه، وتدريجياً كانت كتب الشهيدين: مطهري والصدر إلى جانب كتب شريعتي والطباطبائي تلقى رواجاً كبيراً في الأوساط الدينية، وتشكّل بناءً متماسكاً للفكر الديني الذي بدأ يتكوّن في لبنان، وفي هذه الفترة عمّت الحياة الشيعية موجة تثقيفية دينية ربما لا يكون لها مثيل في تاريخ الشيعة الحديث في لبنان، فامتلأت المساجد بالنشاطات الدينية وتدريس الأحكام الشرعية والأخلاق وغيرها، بعد أن كان يقتصر التعرّف على الأحكام الشرعية على عدد قليل من الناس الكبار في السنّ عادةً، وحصل إقبال كبير على دراسة العلوم الدينية، وقام mحزب اللهn وما يزال بآلاف الدورات الثقافية ذات المراحل المختلفة، وحقق إنجازات كبرى على هذا الصعيد، وقد ناصر هذا الخط الجديد الكثير جداً من العلماء الشباب الداعين للتجديد، مثل الشهيدين: الشيخ راغب حرب، والسيد عباس الموسوي، والشيخ صبحي الطفيلي، والسيد حسن نصر الله، والشيخ عباس حرب، والشيخ إسماعيل مونّس، والشيخ نعيم قاسم، والشيخ محمد يزبك، والشيخ عبد الكريم عبيد، والشيخ عفيف النابلسي، والشيخ حسين غبريس وغيرهم من العلماء.
هذا التحوّل الفكري الذي عبّر عن انتقال الثقافة الشيعية التي تهيمن على الوعي الإيراني إلى لبنان، ومثّل الحدث الذي نظر الجميع إليه… تعدّدت المواقف منه، فهناك من تحمّس له، وهناك من تشدّد في رفضه، وهناك من رأى أنّ عليه ملاحظات لكن له إيجابيات كثيرة، ويمكن تلخيص المواقف كالتالي:
أ ـ التيارات التقليدية في الحياة الشيعية، وأكثرهم من العلماء الكبار في السنّ من الجيل السابق من خرّيجي النجف، فقد رفض هؤلاء النمط الجديد في التفكير الديني لقيامه على العرفان وتسييس الفقه والتشدّد في الالتزام الديني اليومي، فلم يرحّبوا بهذا الوضع، بل انتقدوه، كما كان قسم منهم قد انتقد مسيرة السيد موسى الصدر من قبل، وقد اعتقد هؤلاء أنّ فكرة النظام الإسلامي والدولة الدينية إمّا محرّمة وإمّا غير مطلوبة في مجتمع مثل لبنان، وكانوا يقولون ـ مثل الشيخ المرجع محمد تقي الفقيه والشيخ إبراهيم سليمان والشيخ محمد حسن قبيسي و.. ـ إنّ أيّ مشروع يحمل اسم الإسلام سواء كان جمهورية إسلامية أم حزباً أم.. سيُلحق بالإسلام العار عندما يفشل وتصدر منه مواقف لا تمثل الإسلام على الإطلاق.
هذا الفريق من علماء الدين كانت له امتداداته في بعض الأوساط الشعبية، وقد كاد يتلاشى لولا الحرب الداخلية التي اندلعت بين حركة أمل وحزب الله بين عامي 1988 و 1990م، فقد استفادت تيارات من حركة أمل من التغطية الدينية التي قدّمها هؤلاء لإعادة تعويم قسمٍ منهم، وأخذت أفكارهم بالرواج وظهر إلى العلن من بعضٍ نقدٌ صريح لولاية الفقيه وبطريقة بدت عنيفة، كان منها المواقف الفكرية والسياسية التي أطلقها في تلك الفترة السيد علي الأمين، الذي كان قبل فترة قصيرة من ذاك الوقت جزءاً من تيار حزب الله.
كان من الطبيعي أن لا يتفاعل هذا الفريق مع الأطروحات الجديدة، لاسيما وأنّه كان يرى أنّ في المشروع الجديد تهميشهاً للنجف وثقافتها، لصالح مدرسة قم الثورية، وهو شيء ليس فقط لم يألفه هذا الفريق في لبنان، بل لم تألفه الكثير من ألوان الثقافة الشيعية سابقاً، تبعاً لسلسلة من النظريات التي كان لها حضور في الفكر الشيعي إلى أن جاء مثل الإمام الخميني ومارس نقداً عليها.
ب ـ التيارات التي كانت تنتمي إلى الوعي السياسي ـ الإسلامي، لكنّها لم تكن متماهية تماماً من الناحية الثقافية مع النموذج الثقافي الإيراني، وهنا برزت نماذج ثلاثة، هي: أنموذج تيار الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وأنموذج تيار السيد محمد حسين فضل الله، وأنموذج تيار السيد محمد حسن الأمين والسيد هاني فحص، وهذه التيارات الثلاثة تلتقي في الكثير من النقاط لكنّها تختلف أيضاً في نقاط عديدة، ونحن في هذا العرض نشير إلى ذلك باختصار، ونعلم ـ بدايةً ـ أنّ هذه الأسماء الثلاثة تمثل ثلاثة خطوط في التفكير، حتى لو لم تكن تنظيمات منفصلة، كما أنّ داخل مناصري هذه الخطوط يوجد تداخل.
شارك أنموذج التشيّع الرسمي الذي تمثّل في اتجاه العلامة شمس الدين ومجموعة من القضاة والعاملين في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وأنصارهم، شارك بداية الثمانينيات في إطلاق مشروع المقاومة ضدّ المحتل الإسرائيلي، حيث أطلق شمس الدين mالمقاومة المدنية الشاملةn، ودعمها بالمال والتعبئة الروحية والفكرية، لكن سرعان ما امتاز هذا التيار عن التيارات الدينية التي تتخذ من إيران مصدراً فكرياً وملهماً ثقافياً لها، وذلك منذ عام 1983م، وبدا امتيازه واضحاً عندما كان أقرب إلى حركة أمل منه إلى حزب الله، بما يمثله هذان الفريقان من نمط فكري وثقافي واجتماعي وسياسي.
أمّا أنموذج التيار الحركي الذي يمثله العلامة فضل الله، فقد اقترب كثيراً من النموذج الإيراني، بل كاد يتطابق معه في المشروع السياسي، إن لم نقل: إنّه تطابق، لكن نقاط اختلاف كانت تظهر بين الفترة والأخرى حول بعض الأبعاد الثقافية، وبعض آليات العمل السياسي والديني، إلى جانب تحديد طبيعة العلاقة بين شيعة لبنان وإيران، وكانت بعض محاضراته ومقالاته التي نشرت في مجلة mالمنطلقn في النصف الثاني من العقد الثمانيني (وهي المجلة التي كان يديرها أنصار اتحاد الطلبة المسلمين وبرز من خلالها بعض المثقفين الشيعة مثل: الدكتور حسن جابر، والدكتورة زينب شوربة، والدكتور صادق فضل الله وغيرهم)، كانت بعض هذه المحاضرات والمقالات قد أحدثت جدلاً في بعض الأوساط، لكنّه كان محدوداً نسبياً، أي مقارنة بالجدل الذي أثارته أفكار فضل الله منذ أواسط التسعينيات.
أمّا أنموذج تيار العلمانية المؤمنة الذي يمثله السيد محمد حسن الأمين، فامتاز بضعف الحضور الجماهيري المتماسك، واتسامه بطابع نخبوي جمع من حوله الكثير من النخب الشيعية اليسارية، وواكب الأطروحات النقدية والعلمانية والليبرالية في العالم العربي، وكان داعماً لمشروع المقاومة والممانعة في المنطقة.
وألخّص نقاط الجمع والاختلاف بين هذه المدارس الأربع، بما يلي:
1 ـ إشكاليّة العلاقة مع الأنظمة: فقد اعتقد الشيخ شمس الدين بضرورة مصالحة الحركات الإسلامية للأنظمة العربية، ومارس تنظيراً فقهيّاً لرفض العنف المسلّح ضد الأنظمة الفاسدة، فيما كان السائد على مستوى الحركات الشيعية في الثمانينيات، وتلك المؤيّدة لإيران، هو الجهاد ضدّ هذه الأنظمة لقلبها والإمساك بالسلطة. من هنا كانت علاقة شمس الدين بالأنظمة علاقة ممتازة في هذا الإطار وبهذا المعنى، ونحن نعرف أن الحركات والتيارات الإسلامية الشيعية عدلت ـ في أغلبها ـ عن هذا النهج الذي رفضه شمس الدين منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، بل قد دعا السيد حسن نصر الله نهاية التسعينيات صريحاً الحركاتَ الإسلامية إلى ذلك، وكان هذا تحوّلا كبيراً، يقال: إنّ سببه يرجع إلى السياسات التي انتهجها الشيخ علي أكبر هاشمي رفسنجاني إبان توليه الرئاسة الإيرانية.
في هذا الإطار، كان اتجاه السيد محمد حسن الأمين يساريّاً، لكنّه لم ينظّر للثورة على الأنظمة، أمّا العلامة فضل الله فبدا منه الميل في تلك الفترة لمواجهة الأنظمة، لكن بطريقة مدروسة وغير فوضوية، فكانت ملاحظاته ـ التي نشرها في mالمنطلقn ثم جمعت في واحد من أهم كتبه وهو كتاب mالحركة الإسلامية هموم وقضاياn ـ ذات طابع تفصيلي في الآليات والوسائل، على خلاف شمس الدين الذي كان ينحو منحى الرفض المطلق لذلك، كما يبيّن كتابه mفقه العنف المسلّح في الإسلامn.
2 ـ إشكاليّة شرعية النظام السياسي: وتنبثق النقطة السابقة من نقطة خلاف فكري جذري هنا، وهي شرعية الأنظمة العربية، فقد كان التيار الثوري في لبنان ـ ومعه فضل الله ـ يرى عدم شرعية هذه الأنظمة التي لا تتخذ الإسلام نهجاً، فيما ذهب شمس الدين إلى الاعتقاد بنظرية ولاية الأمة على نفسها، فآمن بشكل من الديمقراطية الإسلامية، حتى لو لم يكن الإسلام هو الحاكم، والفقه هو المرجع، فالمهم أن لا يمارس الحاكم الظلم على الجماهير، وبهذا اقتربت المدرسة الثورية الشيعية من فكر سيد قطب، فيما ابتعد عنه شمس الدين كليّاً، لكنّ الأهم كان العلامة الأمين إذ ذهب أبعد مما ذهب إليه شمس الدين، ورأى أنّ العلمانية المؤمنة يمكن أن تكون حلاً لمشاكل المجتمعات العربية، وهو أمرٌ نجد بعض آثاره في كتابات شمس الدين أيضاً.
3 ـ إشكاليّة صيغة النظام السياسي بين ولاية الفقيه وغيرها: والتقاء بالنقطة السابقة أخذ التيار الثوري بنظرية ولاية الفقيه العامّة، واعتقدوا أنّ الولي الفقيه في إيران له الحاكمية على أمور الشيعة في لبنان، أمّا محمد حسن الأمين فرفض وجود أيّ صيغة لنظام سياسي في الإسلام، وقال: إنّ صيغ النظام السياسي بشرية نتواضع عليها، والإسلام أراد أن تهيمن قيمه على الحياة بأيّ شكل تواضعنا عليه يحترم الإنسان ويؤمن به، وبدرجة أخفّ، ذهب شمس الدين إلى أنّ الإسلام طرح نظرية ولاية الأمّة على نفسها، مقدّماً بهذه النظرية شكلاً من أشكال الديمقراطية الإسلامية، رافضاً بشكل صريح ـ ومنذ الثمانينيات ـ نظرية ولاية الفقيه جملةً وتفصيلاً، معتقداً أنّ المطلوب توعية الأمة لكي تأخذ بالإسلام منهاجاً لها، فكأنّه والسيد الأمين يقتربان بذلك مما طرحه المفكر السوداني أبو القاسم حاج حمد في مشروعه المعروف بمشروع mالإسلامية العالمية الثانيةn الذي أطلقه عام 1979م، والذي يقول ـ فيما يقول ـ بعلمانية الدولة وعدم علمانية المجتمع.
وبدرجة أخفّ أكثر، ذهب فضل الله القريب من النموذج الإيراني إلى الأخذ بولاية الفقيه العامّة، لكنّه في نهاية الثمانينيات طرح حديثاً حول تعدّدية الولي الفقيه، وأنّ بالإمكان أوليّاً أن يكون لكل منطقة إسلامية فقيه يتولّى أمورها، وإن أقرّ بأن العنوان الثانوي يستدعى الوحدة في هذه المرحلة، لكنّ هذه النظرية عادت وتلاشت من منظومة تفكير فضل الله بعد عام 2000م، إذ رفض نظرية ولاية الفقيه، معتبراً إيّاها ثابتة في حالة توقف حفظ النظام عليها فقط، وأنّ بإمكان المسلمين أن يتواضعوا على صيغة أخرى متى أرادوا بشرط أن لا تعارض الإسلام، وبهذا يكون فضل الله اقترب كثيراً ـ مرة أخرى ـ من فكر شمس الدين.
4 ـ إشكاليّة الجهاد وأساليبه: فقد اتفقت هذه الاتجاهات الأربعة على مبدأ الجهاد ضدّ المحتلّين، وخالفها في ذلك بعض الشخصيات في الاتجاه التقليدي الذي سبق أن تحدّثنا عنه، فقد ذهب بعضهم هناك إلى أنّ اتفاق أنور السادات مع إسرائيل يلزم جميع المسلمين، على أساس قانون: mيسعى بذمتهم أدناهمn، ولهذا فلا معنى للجهاد ضدّ اليهود، لكن مع اتفاق الأغلبية الساحقة على مبدأ المقاومة، إلا أنّه ظهرت تباينات في فهم آليات الجهاد وأساليبه، ففي الوقت الذي استخدم التيار الثوري فيه العمليات الاستشهادية ضدّ إسرائيل والوجود الغربي في لبنان، فقد نسب للسيد فضل الله ذهابه إلى تحريم هذا النوع من الجهاد، وإن يبدو الآن من أبحاثه المنشورة أنّه يرى شرعية هذا العمل، وفيما كان الخطّ الثوري يستخدم أسلوب خطف الرهائن الغربيين والطائرات المدنية في بيروت طيلة فترة الثمانينيات، تحفظ كل من فضل الله وشمس الدين على هذا النهج، كما أثيرت بعض الكلمات هنا وهناك حول شرعية المقاومة التي تؤدي إلى إلحاق الكثير من الخسائر في صفوف المدنيين، وهو ما عاد وبدا واضحاً على السطح بعد حرب تموز عام 2006م من جديد في المواقف التي أطلقها مثل السيد علي الأمين وبعض الشخصيات الدينية الصغيرة الحجم.
5 ـ أزمة القيادة وإشكاليّة العلاقة مع الخارج: يميل التيار الثوري بأغلبيّته الساحقة إلى اعتبار العلاقة مع إيران علاقة أيديولوجية اعتقادية تجعل منه تابعاً للولي الفقيه، وينطلق هذا التيار في فكرته هذه من تصوّرات فقهية يبرهن عليها، ويدافع عنها بقوّة، بل يتخذ من التجربة الميدانية الناجحة له دليلاً على أنّ هذه العلاقة كانت الأفضل لحماية المصالح اللبنانية الشيعية، لكن ومنذ الثمانينيات وإلى اليوم ظلّ هناك من يضع علامات استفهام حول طبيعة هذه العلاقة ويطالب بقدر من الاستقلالية عن القرار الإيراني، فقد اتُّهم السيد فضل الله بأنّه كان يهيئ الأمور لتزعّم الشيعة اللبنانيين بوصفه وليّاً فقيهاً لهم منذ أن بدأ يطرح نظرية تعدّدية الولاية في الثمانينيات، وأنّ إعلان مرجعيّته أواسط التسعينيات يصبّ في هذا الإطار، لكنّه كان ينفي ذلك دائماً. لكنّ الشيء المؤكّد أنّ أنصار اتجاه فضل الله لا يميلون إلى مبدأ التبعية التامّة لإيران، ويطالبون بالمزيد من لبننة الخطّ الثوري الشيعي، وهناك من يعتقد أنّ واحدة من تأثيرات هذا الخلاف ظهرت مع ثورة الجياع التي أطلقها الشيخ صبحي الطفيلي أواخر التسعينيات والذي يحسب على الخط المطالب بتعديل العلاقة وإعادة التوازن لها.
وبشكل أكبر، يطالب كل من شمس الدين والعلامة الأمين بعلاقات نديّة متوازنة واستراتيجية في آن مع إيران وسوريا، وانطلاقاً من نظريّتهما السياسية والفقهية فإنّهما يصرّان على المرجعية المحليّة في القرار المصيري للشيعة اللبنانيين.
6 ـ إشكاليّة فهم الدين والمرجعيات المعرفية: تركت الثقافة الدينية الإيرانية بصماتها على الخطّ الثوري، تجلّى ذلك في: النهج العرفاني الذي قوي بعد انتصار الثورة الإسلامية وترك مفاعيله في لبنان، والنهج المذهبي الذي يتعاطى بطريقة مختلفة مع القضايا المذهبية، والنهج السياسي في الدفاع عن نظرية ولاية الفقيه.
أ ـ على مستوى القضيّة الأولى، عمّت لبنان الشيعي الثقافة العرفانية والأخلاقية، وبدأت تظهر أفكار ونظريات لشخصيات ذات حجم صغير ومتوسّط تدافع عن النهج العرفاني الفلسفي، وتروّج له، وهو ما لم يكن مألوفاً في لبنان، إذ لا توجد تيارات صوفية في لبنان ذات نفوذ مثل ما هي الحال في الشمال الإفريقي وبلاد المغرب العربي، فعلماء الشيعة كانوا في الغالب ذوي نزعات فقهية في التفكير، وقلّما راج الدرس الفلسفي والعرفاني في أوساطهم تبعاً في ذلك للمناخ الفكري الذي كان مسيطراً على حوزة النجف.
ونتيجة حداثة التعرّف على هذا المناخ الجديد، ظهرت بعض الحركات الملتبسة والتي قد لا تكون فهمت العرفان والفلسفة بدقّة، وأثار هذا الجوّ العام رفض الفرقاء الآخرين كلّهم، إذ اتفقوا على أنّ هذا اللون الفكري هو لون إيراني وأنّه بعيد عن الإسلام، أقحمه الإيرانيون في الدين الإسلامي نتيجة ثقافتهم القديمة، لكنّ mحزب اللهn الذي لا يرفض هذا الخط قام في نهاية التسعينيات وإلى اليوم بترشيد هذه الحركة الصوفية، تارةً عبر توجيه ضربات للنماذج الإفراطية لها، وفكفكة مجموعاتها، وأخرى عبر إيجاد بعض المراكز الفلسفية البديلة التي من شأنها نشر توعية عامّة تحافظ على عقلانية هذا الخطّ، وكان من ذلك تأسيس mمعهد المعارف الحكميةn في بيروت والذي يرأسه الشيخ شفيق جرادي، وقد لعبت هاتان الخطوتان دوراً جيداً في نشر ثقافة معتدلة في هذا الإطار، وتهدئة الأجواء العامّة.
ب ـ أمّا على مستوى الموضوع المذهبي، فمنذ أواسط التسعينيات ونتيجة الحرب العنيفة التي دارت بين خطّ السيد فضل الله وخطّ الشيخ جواد التبريزي وأنصارهما، انتقلت إلى لبنان أفكار مذهبية مختلفة، وظهر جدل واسع حول قضايا من نوع: الشعائر الحسينية، والولاية التكوينية، وعلم النبي والأئمة، والهجوم على دار السيدة الزهراء، وعصمة الأنبياء والأئمة، ولعن الصحابة وأمهات المؤمنين، و… كان خط فضل الله يدافع عن إجراء ما يراه إصلاحات في منظومة الاعتقاد المذهبي الشيعي وبنية الفقه الإمامي، ويرى أنّ الكثير من هذه الأفكار جاءت من إيران، وأنّ شيعة لبنان لا يعرفون هذا التطرّف المذهبي، فيما كان العلامة السيد جعفر مرتضى يخوض حرباً نقدية عنيفة ضدّ فضل الله، الذي يراه أنصار الخط المذهبي متأثراً بالأفكار السنّية والسلفية.
ظلّ التيار الرسمي الشيعي القريب من خطّ شمس الدين والمجلس الشيعي يتفرّج على المشهد وأحياناً يدعم التيارات المناهضة لفضل الله، أمّا خط أمثال السيد الأمين، فلم يشاركوا في الموضوع رغم أنّهم يتفقون تماماً أو غالباً مع مثل أفكار السيد فضل الله في هذا المضمار، أمّا الخط الثوري، فقد أعلن الحياد ورفض الحديث في هذه الموضوعات، وطالب أنصاره بأن لا يشاركوا فيها إطلاقاً، لكنّ السيد فضل الله اتهم بعض الأجنحة داخل حزب الله بمساعدة المخالفين له لتصفية حسابات معه، وهو ما ينفيه كبار رجال الخط الثوري بمن فيهم السيد حسن نصر الله، وكان ذلك سبباً لتوتر العلاقات منذ منتصف التسعينيات مع فضل الله، لتعود المياه إلى مجاريها بقوّة بعد حرب تموز 2006م نتيجة المواقف القويّة الداعمة للسيد فضل الله لنهج المقاومة.
ج ـ أمّا الملف الأخير، فدارت الخلافات الفكرية والميدانية فيه بين عدّة فرقاء، فالمجلس الشيعي وتيار الشيخ شمس الدين يذهبون إلى نفي ولاية الفقيه وإلى الدفاع عن مرجعية النجف، لهذا ما زالوا يطرحون إلى اليوم مرجعاً نجفياً ليرجعوا إليه، أمّا خط العلمانية المؤمنة فلم يكن هذا الموضوع مهماً بالنسبة إليه، ذلك أنّه لا يتفاعل كثيراً مع قضايا المرجعية الدينية، وإن كان أقرب إلى النجف منه إلى قم، من جانبه، دافع خط السيد فضل الله دائماً عن مرجعية النجف باستثناء الفترة التي طرح فيها السيد الكلبايكاني، ولما تصدّى شخص السيد فضل الله للمرجعية تحوّل الوضع إلى الداخل اللبناني، وهنا يقف الخط الثوري مختلفاً مع هذه الاتجاهات كلّها، إذ يشدّد على مرجعية قم، في جانبها الثوري، معتقداً أنّ إعادة تعويم المرجعيات غير الثورية سيساعد في نهاية المطاف على إضعاف الخط الثوري برمّته، بل ظهر داخل حزب الله تيارات وقع خلاف داخل الحزب حولها، فقد ذهب بعضهم إلى وجوب وحدة المرجعية والقيادة، ودافعوا عنها بشدّة، وذهب فريق إلى أنّ ولاية الفقيه من الأمور العقائدية، بل من أصول الدين، وخاض هؤلاء سجالات طويلة حول هذا الموضوع.
كانت هذه أبرز عناصر المشهد باختصار بين التيارات الفكرية الشيعية في لبنان، ويبقى أن أشير إلى أنّ شيعة لبنان اليوم يقتربون من بعضهم أكثر من أيّ وقت مضى، وأنّ كثيراً من هذه الخلافات خفّت أو نزلت من السطح إلى القعر، حيث اتخذ كل فريق موقعه، وحجمه الطبيعي، كما أنّ رموز كلّ تيار نجدهم في الغالب يتحلّون بوعي سياسي واجتماعي كبير جداً، الأمر الذي ساعد على تماسك الشيعة في الفترة الراهنة، والحمد لله.
 
2 ـ المشهد الثقافي والفكري الإسلامي في الوسط السنّي
يجب أن نعرف بدايةً ـ وبإقرار من شخصيات سنّية فكرية بارزة ـ أنّ المجتمع السنّي اللبناني، لم يعرف في النصف الثاني من القرن العشرين وإلى يومنا هذا، شخصيات فكرية بارزة كتلك التي عرفها الشيعة، فأبرز هذه الشخصيات ذات النفوذ والتأثير كان الشيخ صبحي الصالح والشيخ حسن خالد، اللذين اغتيلا في حادثين متفرّقين، وكانت اهتماماتهما بحثية صرفة واجتماعية وسياسية ميدانية، ثم بعد ذلك الشيخ فتحي يكن.
ويجب أن أشير بدايةً أيضاً، إلى أنّ الكثير من التيارات الإسلامية السنّية غيّرت من أفكارها أو انتهجت سياسة أخرى بعد اغتيال رفيق الحريري؛ إذ كان تماسك الشارع السنّي ووقوفه بقوّة لصالح mالنائب سعد الحريريn، والصدمة التي تلقاها السنّة برحيل أكبر رجل سنّي قوي عرفوه منذ عقود بعيدة، كان ذلك سبباً في اقتراب بعض الحركات الإسلامية الكبرى من خطّ التيار الرسمي السنّي المتمثل بدار الإفتاء الذي يرأسه مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني، وتيار المستقبل العلماني، لهذا اتخذوا بعض المواقف التي قد لا تبدو منسجمةً مع تاريخهم الفكري والثقافي والسياسي.
شهد المجتمع السنّي ظهور تنظيمات قويّة نسبيّاً، إلى جانب تيارات اختلفت فيما بينها في طرائق التفكير ومناهج العمل، بعضها ينتمي للسلفية العلمية التقليدية، وبعضها ينتمي للسلفية الجهادية، وبعضها ذو منزع إخواني، وبعضها تقليدي اجتهادي لا يوافق لا السلفية ولا الإخوانية، وأبرز هذه التيارات:
 
1 ـ 2 ـ الحركات ذات النزعة الإخوانية
1 ـ 1 ـ 2 ـ الجماعة الإسلامية
تعتبر الجماعة الإسلامية، التنظيم الإسلامي الحركي الأول الذي نشأ في لبنان في خمسينيّات القرن الماضي، وذلك من رحم جماعة mعباد الرحمنn التي ولدت في مدينة طرابلس كردّ فعل على نكبة عام 1948م، وكان التأسيس الحقيقي للجماعة عام 1953م، عبر مؤتمر بحمدون في لبنان، والذي حضره كبار قادة الإخوان المسلمين في العالم، وحصلت على رخصة في العمل الحزبي في عام 1964م، وقد تبنّت هذه الجماعة فكر ونهج حركة mالإخوان المسلمينn، وأخذت إخوانيّتها من جهات عدّة، عبر رسائل حسن البنا ومجلّة الدعوة المصرية، وكذلك عبر mالإخوان السوريn وعلى رأسهم الشيخ مصطفى السباعي، لكن ورغم مشروع إقامة الدولة الإسلامية في الفكر الإخواني، إلا أنّ الجماعة الإسلامية في لبنان عملت على لبننة مشروعها، فخرجت بسرعة من إطار الجهاد القطبي، واستطاعت أن تتحوّل إلى إطار سياسي، يتحرك وفقاً لطبيعة الواقع اللبناني، وقد حملت الجماعة الإسلامية نظريّات إصلاحية؛ ولهذا ابتعدت عن نهج العنف معتمدةً الوسطية والاعتدال.
وقد برز الفكر الوسطي والاعتدالي عند الجماعة الإسلامية بقوّة عقب نشوء جماعات متشدّدة سنيّة في لبنان قامت بأعمال عنف، وقد قامت هذه المجموعات بعمليات أمنية مثل متفجرة البلمند، وأحداث الضنية، والهجمات على الجيش اللبناني، وأحداث شباط 2006، وقيام حركة mفتح الإسلامn، وقد قامت الجماعة بحملة مضادّة ضدّ هذا اللون من الفكر الإسلامي العنفي، فعقدت سلسلة من المؤتمرات ضدّ استخدام العنف في العمل السياسي، ودعت لتبنّي ميثاق إسلامي يعتمد الوسطية والاعتدال.
تتوزع الجماعة الإسلامية في معظم المناطق اللبنانية، إلا أنّ قوّتها الشعبية الكبرى تتركّز في الشمال، وتملك امتدادات فاعلة في بيروت وصيدا والعرقوب والبقاعين: الأوسط والغربي وإقليم الخروب. وما زالت الجماعة الإسلامية تعتبر التنظيم الإسلامي السنّي الأبرز، رغم ما تعرّضت له من ضغوط ومضايقات أيام الوجود السوري.
يبرز اسم الدكتور علي الشيخ عمار والشيخ فيصل المولوي، وإبراهيم المصري، كأبرز شخصيّات في الجماعة الإسلامية اليوم، التي تراجع نفوذها كثيراً نتيجة خلافات داخلية واجهتها، وصعود mتيار المستقبلn ونجم الرئيس الحريري الذي بزغ في الوسط السنّي منذ مطلع التسعينيات، إضافة إلى أن لسوريا تاريخاً صدامياً مع الإخوان المسلمين، لهذا فقد ضيّق على الجماعة في لبنان أيضاً طيلة الحقبة السورية الماضية، مما حدّ من نفوذهم وتناميهم، رغم أنّهم عقدوا مصالحة مع القيادة السورية، قيل: إنّ حركة حماس الفلسطينية كانت أحد عرّابيها، لكنّ سوريا ـ كما يرى بعضهم ـ أنشأت لمواجهة التنظيم الإخواني الأقوى في لبنان حركةً إسلامية منافسة، أطلق عليها اسم mجمعية المشاريع الخيرية أو حركة الأحباشn، وهي الحركة التي شنّت أعنف الحملات على الجماعة الإسلامية وفكرها، ورغم ذلك نجد نفوذ هذا التيار الإخواني بقوّة في الداخل السنّي، حيث نجح في بعض الفترات في إيصال عدّة أشخاص إلى البرلمان، كما أثبت حضوراً وقوّة في الانتخابات البلدية وانتخابات المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وهو أحد مجالس دار الفتوى السنّي، إلى جانب مجلس القضاء الشرعي الأعلى ومجلس المفتين، والمحاكم السنيّة والمديرية العامّة للأوقاف، وصندوق الزكاة، وأزهر لبنان وغير ذلك من مؤسسات دار الفتوى في لبنان.
تذهب الحركة إلى مبدأ المقاومة، وقد كان لها دور تأسيسي في المقاومة الإسلامية من خلال mقوات الفجرn، كما لعبت دوراً أساسياً في دحر الاحتلال من مدينة صيدا، وسقط للجماعة العشرات من الشهداء، وعلى رأسهم جمال حبال، كما اعتقل أحد قيادييها الشيخ محرم العارفي في سجن أنصار.
كان ظهور تيارات إسلامية سنّية وشيعية سبباً في تراجع نفوذ الجماعة الإسلامية، ففي الشمال ظهرت حركة التوحيد الإسلامي التي كان يتزعّمها الشيخ سعيد شعبان الذي كان مع الجماعة سابقاً، وفي بيروت والمناطق ظهرت جمعية المشاريع الخيرية، وفي التسعينيات ظهر تيار رفيق الحريري، ومنذ مطلع الثمانينيات ظهر حزب الله بوصفه أكبر قوّة إسلامية عرفها تاريخ لبنان الحديث؛ فلم تعد الجماعة ممثلاً للفكر الإسلامي؛ لهذا تراجع نفوذها كثيراً.
 
2 ـ 1 ـ 2 ـ جبهة العمل الإسلامي
وهي الحركة المنشقّة عن الجماعة الإسلامية، والمؤلّفة من مجموعة قوى صغيرة متفرّقة في الوسط السني، التأمت تحت هذا العنوان في مرحلة جديدة من العمل، قبل بضعة سنوات قليلة، وقد أسّسها الداعية الشيخ الدكتور فتحي يكن (مولود عام: 1933)، الذي يعدّ من مؤسّسي العمل الإسلامي والجماعة الإسلامية في الخمسينيات، وظلّ مسؤولاً عن أمانة الجماعة


فقه النزاعات المسلحة في الداخل الإسلامي(*)

20 ديسمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
555 زيارة

فقه النزاعات المسلحة في الداخل الإسلامي(*)

 
تعرّض الفقه الإسلامي منذ سنواته الأولى لفقه الصراع المسلّح في الداخل الإسلامي، وذلك تحت عنوان فقه البغي، استناداً إلى الآية الشريفة، وهي قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} (الحجرات: 9).
وقد اتخذ البحث في فقه أهل البغي محاور متعدّدة، سأطلّ على بعضها في هذه الورقة المختصرة، محيلاً إلى البحث الفقهي الخاصّ الذي قدّمته في هذا الإطار:
1ـ في ما يتعلّق بأصل جهادية مواجهة أهل البغي في الداخل الإسلامي نجد نظريةً طرحها بعض العلماء المعاصرين من فقهاء الإمامية ـ ومنهم: الشيخ محمد مهدي شمس الدين ـ وبعض المتخصّصين في فقه الجهاد عند أهل السنّة ـ من أمثال: الدكتور محمد خير هيكل ـ تتحدث عن أنّ مواجهة أهل البغي وقتالهم لا يتصل بمسألة الجهاد بالمعنى الفقهي المصطلح، أي إنّ قتال أهل البغي ليس جهاداً، وإن كان جائزاً ـ بل واجباً ـ شرعاً.
وتقوم هذه النظرية على الاعتقاد بأنّ الجهاد له أحكامه الخاصّة، مثل: ما يتعلّق بالشهيد في ساحة المعركة من حيث تغسيله وتكفينه أو دفنه في ثيابه، وأنّ هذه الأحكام قد لا تلحق شهداء معركة المواجهة مع أهل البغي في الداخل الإسلامي.
وعلى النقيض من هذه النظرية نجد اتجاهاً في الفقه الحنبلي يتحدّث عن أنّ جهاد البغي يعدّ أفضل من جهاد الكافرين؛ محتجّاً بأنّ الإمام عليّاً قد اشتغل في مدّة خلافته بقتال البغاة، دون جهاد الكفار.
وفي تقديري فإنّ كلتا النظريتين غير صحيحة؛ لأن العناصر التي تقوّم مفهوم الجهاد في سبيل الله موجودة في مجاهدة أهل البغي، ولاسيما مفهوم (القتال في سبيل الله)، الذي تختزنه الآية الكريمة هنا: {فقاتلوا…حتى تفيء إلى أمر الله}، وليس الجهاد متقوّماً ـ حتى لو سلّمنا جدلاً بعدم جريان أحكام الشهيد على الشهيد في حرب البغاة ـ بالأحكام الخاصّة بالشهيد؛ إذ لا مانع داخل فقه الجهاد من التفصيل في الأحكام بينها.
كما أنّ عدم شمول الكثير من آيات الجهاد القرآنية لحالة جهاد البغاة؛ لانصرافها إلى جهاد الكفار، لا يضرّ ـ لو سلّم ـ ببقاء مفهوم الجهاد الشرعي في جهاد البغاة؛ لكفاية آية البغي في هذا المجال، علماً أن الجهاد الدفاعي مذكورٌ في القرآن، وهو لا يختصّ بجهاد الكفار، وإن كان مورده ذلك؛ لأنّ مفهوم الدفاع مفهوم عقلائي، والآيات إنما ترشد للمرتكز العقلائي، ولا تؤسّس مفهوماً تعبدياً، والعقلاء لا يميزون في باب الدفاع بين شخص وآخر من حيث الدين، من الزاوية المبدئية، بل يرون الدفاع حقاً مشروعاً في الحالات جميعها، وإن قبلوا بعض التفاصيل الجزئية الخلافية.
كما أنه ليس من الواضح أنّ تفضيل جهاد أهل البغي على جهاد الكافرين بنحو إطلاقي؛ لأنّ سيرة الإمام علي بن أبي طالب دليلٌ صامتٌ، لا يمكن أن يمنحنا إطلاقاً في هذا المجال، مع عدم وجود نصّ شرعي يثبت الأفضليّة المطلقة. فما صدر عن أمير المؤمنين× لا يثبت المدّعى؛ من حيث إمكانيّة أن يكون بملاك أنّ الظرف لم يكن يسمح بغير ذلك، بحيث كان اختيار هذا الأمر بمثابة ترجيح للأولويات الزمنية، لا عملاً بمقتضى القاعدة الشرعية الأوّليّة في الموضوع. علماً أنّنا بحثنا مفصّلاً في محلّه (مجلّة الاجتهاد والتجديد، الأعداد: 8 ـ 12) عن شرعية الجهاد الابتدائي، وتحفَّظنا عن القول بوجود هذا الجهاد في الشريعة الإسلامية ـ خلافاً لمشهور الفقهاء ـ. فإذا أريد للإمام علي ابن أبي طالب أن يقدّم جهاد البغاة على غيرهم والحال هذه فلابدّ من إثبات وجود اعتداء من طرف الكفار في زمان خلافته على أطراف بلاد المسلمين، مع سكوته× عن ذلك، مفضِّلاً جهاد البغاة. وهو أمر يصعب تأكيده تاريخياً.
2ـ النقطة الثانية التي أجد أنّها نقطة هامة في ما يتعلق بفقه مواجهة أهل البغي في الداخل الإسلامي تتصل بتحرير هذا المفهوم من قيدين أساسيين:
القيد الأول: قيد العصمة في إمام المسلمين الذي تخرج عليه الفئة الباغية. فإنّنا لم نجد هذا القيد في كثير من الروايات، فضلاً عن الآية القرآنية الكريمة، التي هي الأصل في هذا التشريع. نعم، الخروج على الإمام المعصوم من أكبر مظاهر البغي، إلا أنّ الخروج لا يقف عند الإمام المعصوم، بل يشمل مطلق الحاكم الشرعي الذي تملك حكومتُه الشرعيةَ التامّة.
والمشكلة الأساسية تكمن في ما نلاحظه من تركيز البحث الفقهي ـ في الغالب ـ على البغي بمعنى الخروج على المعصوم، في حين أنّ هذه المسألة لا تقع إلا في حياة المعصوم وظهوره، فأيّ معنى للبحث المفصَّل عنها والمعصوم أدرى بتكليفه الشرعي، مع إهمال البحث عن فقه الخروج على الحاكم الشرعي أو خليفة المسلمين، وهي مسألة كثيرة البلوى على اختلاف نظريات المسلمين في شرعية هذا الحاكم أو ذاك.
القيد الثاني: وتحرير المفهوم منه يظلّ هو الأهم في هذا الإطار، وهو ثنائي: السلطة والمعارضة. فإننا إذا راجعنا كلمات الفقهاء المسلمين بمذاهبهم نجد أنّهم يربطون مفهوم البغي غالباً بمفهوم السلطة الشرعية، فيما العديد من الروايات الشريفة ـ مضافاً إلى الآية الكريمة نفسها ـ ليس فيها مثل هذا القيد، وإنما تشمل مطلق الصراع الداخلي بين المسلمين، سواءٌ بين جماعتين من قبيلتين أو عشيرتين أو حزبين أو تيارين سياسيين أو دولتين مسلمتين أو معارضة وسلطة شرعية. فالمهم أن يكون هناك اعتداء وظلم من فريق مسلم على فريق مسلم آخر، فيستطيع الفريق الآخر حينئذ، بل تستطيع الفئة المحايدة ـ بعد إجراء عمليات الصلح وفشلها ـ، التدخُّل لدعم المظلوم في مواجهة الظالم.
ولعلّ السبب في تماهي مفهوم جهاد أهل البغي مع ثنائي (السلطة والمعارضة) هو أنّ الذي يبدو من تضاعيف الفقه الإسلامي ومصادره القديمة أنّ التجربة العلوية شكّلت المصدر الرئيس لأحكام فقه البغاة، كما يبيّن ذلك العلامة الحلي(726هـ) في بعض كتبه (انظر: تذكرة الفقهاء 9: 392)؛ حيث اعتقد بعض الفقهاء أنّ فقه أهل البغي لا يؤخذ من الآية الكريمة، ولا من أكثر النصوص الحديثيّة الواردة في هذا الموضوع، وإنّما يعرف من سيرة الإمام علي بن أبي طالب في هذا المجال، بل قد نقل عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي(204هـ) أنّه كان يرى أنّنا لم نعرف فقه أهل البغي إلاّ من خلال سيرة الإمام علي. وهذا التفكيك يضعنا أمام صورة فقهية تكاد تتضح أكثر فأكثر، وهي أنّ لبعض الفقهاء ـ مثل: السيد الخوئي ـ اصطلاحين في أهل البغي: أحدهما: المفهوم العام للتقاتل الداخل ـ إسلامي، والمأخوذة أحكامه من الآية القرآنية الكريمة؛ وثانيهما: المفهوم الخاص للبغي، وهو الخروج على الإمام؛ وأنّ الأحكام التفصيلية التي ذكرت للحرب مع البغاة، مثل: التعامل مع جرحاهم وأسراهم وأموالهم وغنائمهم ونحو ذلك، راجع إلى البغي بالمعنى الثاني، لا الأوّل، وهذا ما جعل سيرة الإمام علي× المستند الرئيس في الفقه المدرسي لأخذ أحكام البغاة.
لكنّ بإمكاننا الأخذ بإطلاقات الآيات والروايات؛ لترتيب أحكام عامّة على البغي، مع تقييد بعض الأحكام الخاصّة ـ التي لم نجد لها مدركاً سوى سيرة الإمام علي ـ بقيود محدّدة، نقتصر فيها على القدر المتيقن من دلالة السيرة والفعل الصامت لأمير المؤمنين، كقيد المواجهة مع السلطة، وقيد كون السلطة معصومة و… وهذا غير جعل البغي مفهوماً خاصّاً من الأوّل، كما فعل جمهور الفقهاء.
هذا كلّه، فضلاً عن إمكانية التشكيك في وجود أحكام خاصّة بجرحى البغاة وأسراهم ومدبريهم، تزيد عمّا تقتضيه القواعد العامّة في التعامل مع مطلق المسلم؛ لضعف مستند النصوص الخاصّة اللفظية سنداً، على ما بحثناه مفصَّلاً في محلّه. وعلى تقدير تمييز الإمام علي× في هذا المجال فلا يعلم كونه من باب الحكم الإلهي؛ لاحتمال انطلاقه من ولايته على النفوس والأموال، انطلاقاً من حالة الصمت في أفعال المعصوم، كما قرّر في علم الأصول. فالحقُّ عدم الأخذ بهذا الحكم الخاصّ بالجرحى والأسرى والمدبرين، وفاقاً في ذلك للسيد الخوئي(1413هـ) في فتاواه (انظر: منهاج الصالحين 1: 389 ـ 390).
وهناك تحرير ثالث يمكن إضافته، لكنه ليس مقابلاً لأيّ تقييد فقهي بشكل دقيق، وإنما يواجه وعياً شعبياً موروثاً، وهو تحرير البغي من مفهوم الخصام المذهبي؛ فإنّ ربط البغي بفكرة الإمام المعصوم قد يعطي إيحاءً في الوعي الجماهيري بأنّ البغاة هم المعارضون للإمام في الثقافة الشيعية، وكل معارض للإمام لا يمكن أن يكون جزءاً من الداخل المذهبي، الأمر الذي يستدعي تلقائياً إدراجه في الآخر المذهبي، مما يوحي بأن قضية البغي قد دخلت في الثنائيات المذهبية، فعندما نقوم بتحرير مفهوم البغي من مسألتي العصمة في الإمام تارةً، والسلطة والمعارضة أخرى، كما شرحناه قبل قليل، فهذا ما سيخرج مفهوم البغي عن السياقات المذهبية، ويربطه بالسياقات الإنسانية أو الاجتماعية أو السياسية.
3ـ وإذا أخذنا مفهوم البغي وطبّقناه في ثنائي (السلطة والمعارضة) فلابدّ لنا من التمييز بين المعارضة السلمية والمعارضة المسلحة. إن عدم مبايعة الحاكم لا تعني بغياً، حتى لو كان الحاكم شرعياً، وكان عدم مبايعته غير جائز من الناحية الفقهية. والمعارضة السلمية التي تسلك السبل القانونية والشرعية في ممارسة معارضتها لا تمثل بغياً أيضاً؛ لأنّ البغي الذي تحدّثت عنه الآية القرآنية يتصل بموضوع الاقتتال، ولا يرتبط بموضوع الاختلاف أو الخلاف بنحو مطلق. فأية معارضة في الإسلام لا تنضوي تحت مفهوم البغي إلاّ إذا تحوّلت إلى معارضة سلبية مسلّحة، تواجه السلطة الشرعية بطريقة تتخطّى كلّ المعايير القانونية والقنوات الصحيحة في هذا المجال.
ومن هنا لا يحقّ للحاكم ـ حتى لو كان شرعياً في حكومته ـ أن يواجه أيّة حركة معارضة بطريقة عُنفية، ما لم تتحوّل حركة المعارضة هذه إلى حركة عُنفية، وعند ذاك فقط يكون من حقّ الحاكم أن يواجهها من منطلق ردّ البغي والظلم.
وبتعميم هذه الفكرة، بربطها بما أسلفنا الإشارة إليه آنفاً، يظهر بوضوح أن عدم الاعتقاد بإمامة الإمام المعصوم لا يمثل بغياً، بل حتى معارضته معارضة سلمية مهما وصفناه لن يكون بغياً بالمفهوم الشرعي والقانوني، فلا يصحّ الانتقال في الوعي العام من الغيرية المذهبية إلى مفهوم البغي، ولا يعني نقض أو نقد الإمام المعصوم بطريقة سلمية أن الناقد باغٍ أو ناصب، بصرف النظر عن كوننا نعذره في عدم اعتقاده أو لا نعذره، وفي أننا نصوّب مضمون ما يقول أو لا نصوّب، وهذه نقطة مهمة تصبّ في إطار رؤيتنا التحريرية لمفهوم البغي من قيود لا تتصل بمفهومه.
4ـ على خطٍّ آخر تقول النظرية المعروفة في الفقه الإسلامي ـ السنّي والشيعي ـ بأنه لابدّ في البغي أن يكون قائماً على تأويلٍ سائغ، أي على نظرية سياسية اجتهادية تعارض الحاكم في ما يقول وفي ما يسلك. ولا نجد في ما بأيدينا من أدلّة، ومن عمومات ومطلقات، أنّ هذا الشرط أساسيٌّ. فحتى لو خرجت الفئة الباغية بطريقة ظالمة، تعرف هي بظلمها، ولم تكن تملك نظريةً سياسية بديلة، أو تأويلاً اجتهادياً مبرّراً شرعاً، يظلّ من حق الحاكم أو الفئة المظلومة أن تواجه هذا البغي بالطرق التي تسمح بها الشريعة الإسلامية، وترتيب أحكام البغي على هذه الفئة. فالتأويل السائغ شكلٌ من أشكال مصاديق البغي، إلا أنه ليس الصورة الحصرية له على مستوى الواقع التطبيقي.
ولعلّ ما دفع الفقهاء إلى هذا التصوّر هو استحضار تجربة الإمام علي في أنّ معارضيه كانوا يملكون نظرية سياسية بديلة يتأولونها لتقديم وجهة نظرهم في الحياة السياسية الإسلامية. وقد أشرنا إلى أنّ السيرة العلوية بالغة الأهمية هنا، لكن لا يمكن الوقوف عندها، وتجاهل سائر العمومات والمطلقات الواردة في الكتاب والسنّة.
5ـ ولابدّ أن أشير أخيراً، في نهاية هذه المداخلة المتواضعة، إلى أنه من الضروري أن تُفتح فقهيات الصراع الإسلامي ـ الإسلامي؛ لأنّ هذه الفقهيات لم ينظّر لها منذ زمن بعيد، إما بحجّة أنّ مفهوم البغي مرتهن لعصر حضور المعصوم، أو بافتراض أنّه أسير لثنائي (السلطة والمعارضة)، مع هيمنة فكرة حقّ السلطة حتى لو كانت جائرة في ممارسة الحكم، دون أن يُسمح للمعارضة ـ حتى لو كانت محقّة ـ في أن تمارس دورها في نقد الحاكم ولو بالطريقة السلمية.
إنّ فتح الدراسات في عنوان الصراعات الإسلامية ـ الإسلامية، وتحديد الأحكام الفقهية المتصلة بهذا الموضوع، يظلّ ضرورةً لتطوير دراساتنا الجهادية والسياسية والعلائقية في ما يتصل بالداخل الإسلامي، إن شاء الله تعالى.
{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} (الحجرات: 9).
 
 
المصدر: موقع الشيخ حيدر حب الله  www.hobbollah.com
 
 
 


(*) نصّ الكلمة التي ألقيت في «ملتقى فقه التعايش في الشريعة الإسلامية»، في المملكة العربية السعودية (القطيف)، بتاريخ 11/2/2010م، بوصفها خلاصة للبحث الفقهي المقدَّم للملتقى، مع بعض التصرُّف والتعديل، ثم نشرت في العدد 15 من مجلة الاجتهاد والتجديد، صيف عام 2010م.

دلالات المنطق الثوري في التجربة الحسينية

1 ديسمبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
448 زيارة

دلالات المنطق الثوري في التجربة الحسينية

 تعلّمنا النصوص الدينية على نحت نماذج بشريّة تكون بمثابة معالم محسوسة للمثل العليا بهدف الاقتداء الشعبي بها، وظاهرة القصص القرآني تخبر عن ذلك بوضوح، فعندما تتركّز كل قصّة نبوية على ظاهرة محدّدة ـ إلى جانب المهمّة المشتركة التي هي عبادة الإله الواحد ـ فهذا يعني بقاء الموقف من ذلك المفهوم طالما ظلّت هذه القصّة قائمة في المصدر الديني، ليقوم الوعي الشعبي بإسقاطها في لحظتها المتجدّدة، فشعيب % يمثل مواجهة التطفيف، ولوط % مواجهة الانحراف الأخلاقي، وهكذا.. الأمر الذي يفسح في المجال واسعاً لإسقاط التجربة (الشعيبيّة) مثلاً على الواقع المتجدّد للتطفيف على المستويات السياسية والاجتماعية والعلائقيّة والاقتصادية أيضاً؛ بما يحمله مفهوم التطفيف من تعدٍّ ـ كما يراه بعض الفقهاء ـ عن المكيل والموزون إلى مساحات أكبر من ذلك يجمعها عدم الإنصاف في تقييم تجارب الذات والآخر.

وإذا أردنا تطبيق هذا المنطق عينه على تجربة أهل البيت النبوي ( سنجد أنّ تعدّدهم واختلاف ظروفهم يفسح لنا في تمثل نماذج متنوّعة تلتقي ـ على حدّ تعبير السيد الصدر ـ في الهدف وتختلف في الدور، فعندما تستكنّ في الوعي الشعبي صورة الإمام الحسين % بما تمثله من رفض راديكالي للظلم والانحراف، وما تعلنه من ثورة حقيقية للإصلاح والتغيير، فإنّ هذه الصورة تؤمّن لنا مرجعية أنموذجية كي نتمكّن من توظيفها في الحالات المشابهة، وكأنّها تريد أنّ تقول لنا بأنّ وجودها في التاريخ والتراث والوعي معناه أنّ الحاجة إلى منطق الثورة ـ بمعناها الواسع ـ تبقى قائمة في الحياة عندما يستدعي إصلاح الوضع الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو الأخلاقي عمليّةً قيصرية بامتياز.
إنّ وجود هذه الثورة في الوعي الجماهيري معناه حضور مفهوم الحلّ الراديكالي في الحياة ضمن شروطه ومستلزماته، فما يراه بعض المفكّرين والمثقّفين والعلماء في ساحتنا اليوم من إلغاء الخيار الثوري في معالجة بعض الأمور إلغاءً يبدو عليه طابع الكليانية والنظرية المستوعبة.. لا يبدو لنا صحيحاً، عندما نفترض مسبقاً أنّ التجربة المعصومة تمثل أنموذجاً في العمل الإلهي لمعالجة واقع بشري قابل للحدوث ولو بأشكال مختلفة، تعبيراً عن مرجعية الفعل المعصوم في هدي الأمّة.
وهكذا الحال في التجربة الحسنية وفي تجارب الأئمة ( بعد الإمام الحسين %، فإنّها تحكي عن أنّ منطق العمل السلمي والمنطق المراحلي في العمل الإسلامي هو الآخر أحد الخيارات التي لابد أن لا يقصيها العاملون في سبيل الله من حزمة الخيارات التي يعملون عليها في الحياة، إنّ تعدّد أداور الأنبياء والأوصياء يعني تعدّداً في الخيارات التي يملكها الإنسان المسلم في معالجة واقعه هنا أو هناك، شرط أن يعيَ بدقّة الظروف الموضوعية التي تسمح بإسقاط هذا الفعل المعصوم أو ذاك على تجربته هذه أو تلك.
وانطلاقاً من هذا المعطى الأيديولوجي الذي يتمّ الانطلاق به من خلال الاعتقاد بمرجعية أهل البيت النبوي، يظهر خطأ المقولة التي بدأت بالرواج مؤخراً في بعض الأوساط من أنّ التجربة الحسينية قد أكّدت لأهل البيت النبوي عقم منطق الثورة؛ لهذا عزفوا حتى عن التدخّل في الحياة السياسية بعد ذلك، رغم العروض المغرية نسبيّاً التي قدّمت لهم (تجربة الإمام الرضا % في ولاية العهد أنموذجاً)، فإنّه لو كان الأمر كذلك لما أسّس الأئمة اللاحقون منطق الإبقاء الحيّ على القضيّة الحسينية من خلال التركيز على الزيارة والعزاء والبكاء والرفض لقاتليهم، إنّ هذا التركيز يعني بمدلوله السياسي أنّ الأئمة لم يعزفوا عن المشروع الحسيني، وإنّما لم تسنح لهم الظروف؛ لأنّ الجوّ الذي كان يحيط بهم كان شديد الانقسام على نفسه، الأمر الذي لم يوفّر لأهل البيت فرصة خلق نواة عصامية للتغيير قادرة على الاستمرار معهم، فقد كانوا قلقين من أنّ العمل السياسي المباشر قد يفسح في المجال لمزيد من التشظي في الداخل الشيعي، وهو ما كان يؤلمهم على الدوام، وهذا هو تفسير حديثهم عن انتظار ولو أربعين رجلاً مستعدّاً كي يعلنوا الجهاد.
إنّ هذا الموضوع يحتاج إلى رصد دقيق ودراسة مستوعبة نتركها لمناسبة أخرى إن شاء الله تعالى.
 
المصدر: الموقع الرسمي لسماحة الشيخ حيدر حب الله
www.hobbollah.com

معايير الاجتهاد ومفهوم الأعلميّة(*)

24 نوفمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
515 زيارة

معايير الاجتهاد ومفهوم الأعلميّة(*)

يعرّف الكثير من العلماء الأعلميةَ بأنها الأقدرية؛ فالأعلم هو الأقدر على استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها، وهو الأدق في فهم مصادر الاستنباط([2]).

وهذا التعريف ـ مع تطعيمه بتوضيحات ـ أفضل من غيره، وقد راج في أوساط المتأخرين من علماء الإمامية، ولا نبحث الآن في الأعلمية والنظريات فيها، إنما سنجعل هذا المفهوم مدخلاً لإعادة قراءة المفاضلة العلمية ومعاييرها في المدارس الدينية.
أوّل المفاهيم التي تحضر إلى الذهن عند الحديث عن أعلمية ولو نسبية بين العلماء ـ وحديثنا بصرف النظر عن مسألة التقليد ـ هو مفهوم الدقّة العلمية؛ حيث يتصوّر الكثيرون من العلماء وطلاب الشريعة الإسلامية أنه كلّما كان هناك دقة في عملية الاجتهاد كشف ذلك عن مدى العمق والجودة اللذين يتمتع بهما هذا المجتهد أو ذاك. وهذا التصّور صحيح، ليس في العلوم الشرعية فحسب، وإنما في سائر العلوم الأخرى أيضاً.
لكنّ مقولة (الدقة) مقولة تخضع للمناخ الذي تمارس فيه؛ فدقّة الفيلسوف في أبحاثه الفلسفية، ودقة عالم الكيمياء في مختبراته العلمية، ودقة الطبيب في معالجاته الطبية، تختلف عن دقة وظرافة الأديب في نسجه لخيوط الصورة الخيالية عما يتحدّث عنه، وعن دقة الشاعر في نظمه الشكلي والمضموني لقصيدته الشعرية؛ فالمناخ يلعب دوراً في تعيين مصداق الدقة وتبلورها الخارجي.
من هذه النقطة بالذات؛ ندخل إلى العلوم الإسلامية، وأركّز هنا على علم الشريعة والفقه؛ حيث ـ وانطلاقاً من القرن الحادي عشر الهجري ـ شهد الفقه الإمامي منعطفاً خطيراً على هذا الصعيد، وذلك أنه بدأ يشهد نوعاً من الدقة تختلف عن مثيلاتها في مصنّفات علماء مدرسة النجف القديمة والحلّة وحلب وجبل عامل والبحرين؛ فهذه الفترة اللاحقة تطوّر فيها الفقه من حيث المنهجة والتنظيم والاستيعاب والإشراف والإحاطة والظرافة والعمق؛ وهذا منطق تطوّري طبيعي نحمد الله عليه؛ لكنّ هذا التطوّر اللافت في القرون الأخيرة صاحبته بعض المشاكل أيضاً، وهي مشاكل لابد من تلافيها حمايةً للمسيرة التطوّرية من الإخفاق أو التراجع أو الدوران السريع حول الذات.
وإحدى هذه المشاكل حصول تحوّل في العقل الجمعي في الوسط العلمي إزاء مفهوم (الدقة العلمية)، وقد بدا هذا التحوّل على صعد عدّة أبرزها:
1 ـ حصل تصوّر في بعض الأوساط وما يزال أنّ الهيمنة على كتب التراث تعدّ معياراً؛ وهذا ما سجّل في تقديري ضربة قاصمة للوعي، مع أنه لم يكن في حدّ ذاته سوى أمراً حسناً صائباً. وأقصد بما قلت أن الإشراف على التراث ومعرفة الكتب والعلماء وأقوالهم وتطوّر النظريات وسيرورتها وصيرورتها، كلّه من العلوم الخادمة للاجتهاد خدمةً جليلة؛ لهذا نجد هفوات عظيمة حتى عند بعض الكبار ناشئة من عدم اطلاعه على التراث وتحوّلاته، لكنّ الخطأ الذي حدث أن صار الفعل الإبداعي خاضعاً للعقل التراثي، أي أنك تجد شخصاً محقّقاً لكتب تراثية كثيرة مثلاً ويحفظ ما شاء الله من القصص العلمية والأحداث وأسماء الكتب والمساجلات و.. يعدّ في الوعي العام داخل المؤسسة الدينية رجلاً كبيراً قياساً بآخر قد يكون أقلّ منه في هذا المضمار غير أنه أفضل منه في إبداع الأفكار وطرح التصوّرات الجديدة وعدم اجترار التراث و… أو تجد آخر حفّاظاً للفتاوى والفروع الفقهية، حَفّاظاً للكتب القديمة وغيرها، كأنّ هناك صورة لهذه الفتاوى والتفريعات في ذهنه؛ لكنه أعجز عن أن يقدّم هو بنفسه لك تفريعاً جديداً.
إذن، فمعرفة التراث وما في الكتب ضرورة؛ ونحن من أشدّ المدافعين عن قراءة تاريخ العلوم والنظريات، لكن لا يفترض أن يغدو هذا العنصر مقوّماً وحيداً أو فريداً لمدى دقة العالم وعمقه وتبحّره وهيمنته على العلوم.
وفي هذا السياق عينه؛ نلاحظ في الأوساط العلمية مؤخراً شياع المؤتمرات والندوات والمؤلّفات التي تدور حول أشخاص ينتمون للتراث ـ ولو القريب منه ـ كما نجد تضخّماً كبيراً في مؤسّسات تحقيق التراث وإخراجه بحلّة جميلة، وكلّه مطلوب وحسنٌ ومنشود كما ألمحنا إلى ذلك في موضع آخر؛ لكن يجب أن لا يكون على حساب الإبداع، وعلى حساب إقامة المؤتمرات والندوات والمؤسّسات القائمة على الموضوعات الجديدة ليتم التناقش فيها، وليس ـ فقط ـ على شخصيات التراث وكتبه، إلا بقراءة إبداعيّة وتجديدية، فما هو حاصل اليوم مطلوب جداً، لكنه ليس كافياً.
2 ـ على خطٍّ آخر، نما في هذه الفترة علم الأصول نموّاً مذهلاً يستحقّ التقدير والاحترام، وليس من شك أنّ نموّ هذا العلم قدّم خدمات جليلة للاجتهاد الفقهي، لكنّ الذي حصل أن أخذ مفهوم (الدقة) في هذا العلم يصيّره علماً فلسفياً تجريدياً قائماً على التحليلات البعيدة عن حاجة الاجتهاد العملية، فتضخّمت فيه أبحاث وطرحت فيه أفكار تحت حجج كثيرة كشحذ الذهن وغيرها حرفت ـ إلى حدّ ما ـ الاجتهاد عن مساره، ولا نتحدّث هنا فقط عن بعض الموضوعات الدخيلة على هذا العلم أو ما ليس له فائدة عملية، بل يهمّنا أكثر الحديث عن حصول تشوّه في طرائق البحث والمعالجة، ففي اللغويات يصار لفهم النصوص عبر تأسيس قواعد لا تنتمي إلى روح اللغة وعرفيتها، حتى غدت أمام الفقيه صورة رياضية يُسْقِطها على النصوص في التعامل معها كقوانين عليا كالخاص والعام والمفهوم والمطلق والمقيّد و.. وعندما دخل هذا الأصولي مجال فهم النصوص وضع هذه الصورة على عينيه، فبدل أن يقرأ النص بعيداً عن حمولات قواعدية ليرى دلالته العرفية القائمة من خلال عناصره بأكملها، واجهه فوراً بعمل قواعدي ممّا بدّل حركة الاجتهاد من شكل عرفي إلى شكل رياضي، وهو في تقديري أخطر ما حصل في هذا المجال تحت مسمّيات الدقة والقدرة على تطبيق القواعد و…
ولا يعني ما نقول حتمية الفوضى الذوقية في فهم النصوص، بقدر ما يعني أن الذي يفترض أن يواجه النص ـ الذي هو بُنية لغوية ـ ليس قوالب قواعدية، وإنما عقل مفرّغ من هذه القوالب لينظر بعرفية تامة وبوجدانية لغوية، ثم إذا حصلت التباسات أو تردّدات عدنا للقواعد لتحدّد لنا ما نفعله، فالمنطلق ليس القواعد دائماً لنخرج بالفهم اللغوي، بل قد تكون القواعد هي السبيل الأخير، عندما لا تقدّم عفوية الفهم أيّ معطيات أو كثير معطيات، وهذا شيء يمكن أخذه حتى من المعايير التي وضعوها هم في أصول الفقه، فعندما يتحدث عن بحث المفاهيم فهم يقرّرون أنّ لهذه الجملة مفهوماً وتلك ليس لها مفهوم، ويقولون هذا في الحال الأوّلي حيث لا قرينة، وكذلك عندما يتحدّثون عن دلالة الأمر والنهي ـ مادّةً وصيغة ـ على الوجوب أو الحرمة، فهم يستثنون حال وجود القرينة، والأمر عينه في بحث الإطلاق والتقييد وبشكل أوضح، سيما عندما تعمّم القرائن للقرائن اللبّية واللفظية والمقالية والمقامية والحالية والسياقية وغيرها، إذاً فالقاعدة تأتي حيث لا نجد العناصر المضافة هذه.
وعندما نتحدّث عن عرفية الفهم، ونراهن على مصداقية هذه العرفية العفوية، فنحن نفترض سلفاً أنّ الفقيه ممّن يعيش روح اللغة وأذواقها ويتماهى معها، ولا ينزّه نفسه عن السباحة الممتعة في ثنايا كتب الأدب والشعر والتراث العربي القديم، ولا يراه عيباً يعاب عليه في المدارسة الدينية، أو علامة استفهام تطال مستواه العلمي، بل هو ذوّاق للّغة يعيش معها قدر المُكنة، يحياها ويشعر بها في وجدانه، هذا هو رهاننا على الفهم العرفي؛ ومن هنا ينشأ هذا الرهان، وليس فقط من مراجعة كتب اللغة ذات الطابع القواعدي ككتب النحو والصرف والبلاغة والمفردات، فهذه كلّها مداخل للغة وليست اللغة نفسها، هي مداخل صاغها العلماء فيما بعد، وجزاهم الله خيراً، فاللغة روح قبل أن تكون فلسفة، واللغة حياة قبل أن تكون قواعد، واللغة ذوق يلمسها الإنسان بالشهود وليس فقط بالعلم الحصولي، ولعمري هذه أكثر الأشياء خطورةً وأهمية ودقّة، والأسف كلّ الأسف أن تفرّق شمل اللغة العربية في أوساط كثير من المدارس الدينية، فلم تعد تجد الكثير من العلماء والفقهاء من أمثال السيد شرف الدين والسيد محسن الأمين والشيخ محمد رضا المظفّر والشيخ محمد أمين زين الدين و.. ممّن يفيض عليك من البيان العذب وروعة البلاغة وعيش اللغة وإحساسها والذوبان فيها وبلوغ النشوة في استذواق حلو طعمها، وستكون لنا وقفة في الحلقة القادمة ـ إن شاء الله ـ مع مسألة الفهم العرفي لنصوص القرآن والسنّة.
وفي المسار نفسه، ظهر تصوّر ما زال يهيمن أيضاً على تفكير طلبة العلوم الدينية؛ وهو تصوّر الفصل بين الفقه وأصول الفقه؛ فهناك من يتحدّث عن فلان الضليع في أصول الفقه وأنه مقتدر في هذا العلم، وهذا شيء جيد بل ممتاز، لكنّ التضلّع في أصول الفقه لا يمثل العالم الأعلم أو المفاضلة النهائية، حيث تجد ـ كما يقول السيد الخوئي([3])ـ من هو صاحب يد طولى في الأصول بيد أنه ضعيف في الاستنباط الفقهي، وما أكثر هؤلاء الذين تجد عندهم التضلّع والتفنّن في الأصول، لكنك عندما تحاورهم في قضية فقهية تصاب بالصدمة من ضحالة ما عندهم وضعفه؛ فليس هذا هو الأعلم الأنموذجي، أي الأعلمية القواعدية الكبروية؛ بل المهم في الأعلم جملة عناصر عملية الاجتهاد وليس فقط أحد عناصرها وهو أصول الفقه الإسلامي؛ من هنا عاب الإمام الخميني على النظر إلى أصول الفقه كعلم مستقل، وإنما هو علم آلي لخدمة العملية الفقهية([4])؛ وربما من هنا نلاحظ على بعضهم كالسيد الخوئي([5])، اعتبار علم الأصول هو العمدة، وهو كذلك إلى جانب غيره، لا أنّ غيره يأخذ دوراً ثانوياً أمامه سيما اللغة والتاريخ، بل نحن نلحظ أن بعض العلماء ـ مثل السيد محمد سعيد الحكيم([6])ـ عندما يريد تحديد الأعلمية ينظر إليها على شكل حلقات تبدأ من القواعد وتنتهي بالتطبيق لتلك القواعد؛ وهذا ما ناقشناه قبل قليل، فالاجتهاد ليس لزاماً أن يكون ذا هيكلية من هذا النوع، بحيث يشعر الفقيه أنه يحمل قواعد يريد إسقاطها على النصوص؛ بل ينطلق الاجتهاد ـ كما سنرى ـ من اللغة والتاريخ بنفس الدرجة التي ينطلق فيها من قواعد أصول الفقه الإسلامي.
ولعلّ هذا ما يؤيّده كلام السيد مصطفى الخميني؛ حين يرى أن مباحث الأصول إنما فصلت عن الفقه حذراً من التكرار([7])؛ إذاً فالأصول من رحم الفقه ويحمل روحه وحاجاته وهمومه وأنماطه لا أنه يُخارجه ثم يسقط عليه من الأعلى. وربما لهذا التزايد التجريدي في علم الأصول رفض الإخباريون هذا العلم؛ لما وجدوه من أنه بدأ يفارق روح القرآن والسنّة، ويتعامل بتجريدية عقلية لم يألفها الفقه من قبل، كما يحتمل ذلك بعض العلماء الباحثين([8])، وربما لهذا أيضاً تخلّى الاتجاه العام عند أهل السنّة منذ قرابة القرنين من الزمن عن هذا النموّ التجريدي في الأصول، والذي عرفوه قبل الشيعة بقرون، مع مثل كتب الخبازي وابن أمير الحاج وغيرهما.
والمؤسف أن بعض الأوساط العلمية تجعل معيار التقدّم هو حلّ المعضلات العالقة في علم أصول الفقه كاجتماع الأمر والنهي والمعنى الحرفي والعلم الإجمالي.. فيما تجد بعض هؤلاء لا خبرة لهم باللغة العربية وروح الأدب العربي، ولا اطلاع لهم على تاريخ القرون الأولى التي صدرت فيها النصوص، وسنتحدّث لاحقاً ـ بعون الله ـ عن مسألة التاريخ، وليس لهم طول باع في علمي الرجال والحديث، ولعمري إن هذا لممّا يؤسف له بحقّ.
إنّني أشبّه التصوّر السائد في بعض الأوساط بما كان يتصوّر في العلوم الحديثة قبل فترة، من أنّ الذكاء تحدّده علوم مثل الرياضيات، فهناك من يتصوّر أنّ الذكاء الحوزوي يظهر فقط في مثل علم الأصول، وقد تخلّى العالَم اليوم عن هذه النظرية، وصاروا يتحدّثون عن أكثر من اثني عشر نوعاً من الذكاء عند البشر، حتى وصلوا للذكاء العاطفي، فقد أكون ذكياً في الرياضيات لكنّي غبي في التجارة، فمن قال لي: إنّ ذكائي هذا مقدّم على ذكاء التجارة، أو الأدب الذي أعجز أنا عنه، وأسلّي نفسي بالذكاء في مجال آخر، لأسقط ذكاءَ الآخرين؟!
إنّ هذه المباحث الأصولية، على أهميّتها الفائقة وتأثيرها في تحديد المستوى العلمي للفقيه بلا شك ولا ريب، بيد أنها ـ وهذا ما نريده بالضبط ـ ليست المعيار الأوّل فضلاً عن أن تكون المعيار الوحيد؛ واللطيف الملفت في الأمر أنّ مثل هذه الأشياء عندما تجعل معياراً لا يهتمّ معها لكون هذا الفقيه مقلِّداً في علم الرجال والتاريخ واللغة والقرآنيات والأدب والمنطق وسنن التاريخ والاجتماع، قد لا يعرف عنها ـ وعن واقع الحياة ـ الكثير؛ فلماذا ـ إذاً ـ جعلت مسألة استصحاب العدم الأزلي أو توارد الحالتين أو التجرّي أو.. معياراً ـ من الدرجة الأولى ـ لعمق الاجتهاد، فيما الغربة عن علوم هامّة مثل ما أشرنا إليه لا تشكّل أيّ منقصة أو نقطة ضعف تلحظ في عملية التقويم والمقارنة؟! وكم أمضت المؤسّسة الدينية من عمر طلابها لعقود طويلة في المعنى الحرفي، فيما يقول السيد علي الخامنئي بأنّه لا يكاد يبتلي بأمثاله الفقيه إلا نادراً كل بضعة سنوات!!
من هنا، نرى أنّ تحديد أعلمية شخص رهين بوضع معايير جديدة للتقويم، وذلك بأن نعطي كلّ علم من العلوم الخادمة لعملية الاجتهاد، درجةً حسابية معيّنة، توازي دور هذا العلم في العملية الاجتهادية، فالعلامة القصوى هي عن مائة مثلاً، ونعطي للأصول ـ مثلاً ـ عشرين درجة، فيما نعطي للغة عشر درجات، ونعطي لعلم الرجال عشر درجات، ونعطي لفنّ ممارسة الاجتهاد الفقهي عشرين درجة، ولعلم التاريخ عشر درجات ـ وكلّه على سبيل المثال ـ وهكذا، وقد ندخل أيضاً الوعي الواقعي للحياة والسياسة والاجتماع وغيرها ممّا نراه يلعب دوراً في وعي الفقيه لنصوص السياسة والاجتماع في كلمات النبي وأهل بيته، ثم نحسب للفقيه كم عنده في هذا العلم وفي ذاك، ونجمع فنأخذ المعدّل الرئيس للقضية، فهذه هي الأعلمية المجموعية التي تأخذ المعدّل بعد الكسر والانكسار في الحساب، لا أن نجعل معيار علم المحقّق البلاغي كامناً ـ كما يقول بعض العلماء المعاصرين ـ في درجة فهمه لمسائل العلم الإجمالي في أصول الفقه، فهذا تبسيط للمسألة يحتاج إلى الكثير من التفكير.
وفي هذا المسار أيضاً ظهر ما يمكن وصفه أكثر المفاهيم التباساً، وهو مفهوم (الدقّة) في الفقه نفسه وعلاقتها باللغة والفهم العرفي؛ وأبدأ الحديث هنا من نصّ رائع للإمام الخميني يقول فيه متحدثاً عن العلوم التي تهمّ عملية الاستنباط: «ومنها: الأنس بالمحاورات العرفية وفهم الموضوعات العرفية، مما جرت محاورة الكتاب والسنّة على طبقها، والاحتراز عن الخلط بين دقائق العلوم والعقليات الرقيقة وبين المعاني العرفية العادية؛ فإنه كثيراً ما يقع الخطأ لأجله، كما يتفق كثيراً لبعض المشتغلين بدقائق العلوم ـ حتى أصول الفقه بالمعنى الرائج في أعصارنا ـ الخلط بين المعاني العرفية السوقية الرائجة بين أهل المحاورة المبنيّ عليها الكتاب والسنّة، والدقائق الخارجة عن فهم العرف. بل قد يوقع الخلط لبعضهم بين الاصطلاحات الرائجة في العلوم الفلسفية أو الأدق منها، وبين المعاني العرفية، في خلاف الواقع لأجله»([9]).
هذا النصّ مهم جداً في سياق تطبيقه والتعاطي الإيجابي مع تفاعله الميداني، وإلا فهو من الناحية النظرية واضح في المدارس الكبرى لعلم أصول الفقه الإسلامي؛ لأن علماء الأصول والاجتهاد يعترفون بأن المهم هو الفهم والظهور العرفي للكلام الموجود في الكتاب والسنّة، فهم يقرّون بمرجعية العرف اللغوي والاجتماعي العربي بوصفه حَكَماً في هذا المضمار، في الجملة، لكن المشكلة ليست في النظرية، ولهذا ألمح السيد الخميني في نصّه المتقدم إلى مشكلات تطبيقية لهذا الوضع، وهذا بالضبط ما نبحثه هنا.
وإذا تأملنا في الممارسات الاجتهادية الإسلامية، وجدنا الكثير من الأمثلة على وجود فهم غير عرفي وقع فيه بعض العلماء على مستوى التطبيق من حيث لا يقصدون، والتعرّض لأمثلة يخرجنا عن طاقة هذه الكلمات الموجزة؛ لأن هناك العديد من الأمثلة على مستوى فهم النص وعلى مستوى ملاحظة تطبيقات النص؛ وطبعاً هذا أمرٌ يختلف تقييمه ـ على مستوى النماذج ـ من شخص لآخر، فمثلاً الرواية تقول بأن الرجل إذا لم يقرب زوجته أكثر من أربعة أشهر وتركها كان آثماً([10])؛ وهنا بدل أن نفهم المقاربة ـ عدم الترك الجنسي ـ بمعناها الطبيعي بين الناس، فسّرت بمجرد إدخال الحشفة ولو للحظة؛ والرواية تقول بأن صلاة الوتيرة تكون بعد صلاة العشاء الآخرة([11])، ونحن فسّرناها بالبعدية التي تشمل ما قبل منتصف الليل، أو طلوع الفجر في النهار التالي ولو بلحظات، مع أنه لو قال لك شخص: سآتيك بعد العشاء الآخرة فصلى العشاء الآخرة في أوّل وقتها، ثم أتاك قبيل الفجر محتجاً بما قال، لسخرت منه، وهكذا لم يفهم بعض الفقهاء وجوب الخمس إذا حوّل إلى حسابك في البنك مبلغ مالي ولو كان مليون دولار؛ لأنك لم تقبض بيدك([12])، إلى غيرها من عشرات الأمثلة التي قد يكون سببها أحياناً القراءة الحرفية للنص، وأحياناً بطريقة تحليلٍ فلسفي، وأخرى الغياب عن المدلول المناخي والاجتماعي للنص لصالح الاستغراق في المدلول اللغوي الصرف، وثالثة عدم مواكبة التحوّلات المصداقية والميدانية للمفهوم عينه في مناخات جديدة تختلف عن المناخ التاريخي، بحيث يتورّط الباحث في الفقه بما يمكن تسميته: الاستنساخ الحرفي للتاريخ، ورابعة بالخلط بين المصطلحات واللغة العلمية التي ظهرت فيما بعد وبين لغة الكتاب والسنّة، وهو ما له مصاديق كثيرة مثل كلمات: العلم، اليقين، الظن، الشك، القلب، العقل، الروح، النفس، الجهاد، الإمام، الحكمة، المؤمن، العارف، الفقه، الفقيه و…
إن ممارسة الحرفية في فهم النصوص في مجال الروايات ينافي ـ عندما يخرج عن الحدّ العرفي ـ ظاهرة النقل بالمعنى في الروايات، وهي ظاهرة درسناها مفصّلاً في موضعه، وأثبتنا أنه لا دليل على النقل الحرفي للأحاديث إلا بشاهد وقرينة، فإذا كانت الرواية من صنع الراوي، فيما مضمونها من إفادات النبي أو الإمام، فأيّ معنى للغرق الزائد عن الحدّ الطبيعي في تفاصيل التعابير والكلمات، فيما المفترض أن يخضع هذا الأمر لمدى فقاهة الراوي وعلمه، بحيث يلعب علمه دوراً في دقة تعبيره عن القيود والتفاصيل؟! وليست أمانة الراوي لوحدها هنا كافية للالتزام بهذا التدقيق؛ لأننا لا نشكّك في أمانته، وإنّما في قدرته الذهنية واللفظية ـ ما دام النقل بالمعنى ـ على الوفاء بتمام حيثيات الجواب الذي صدر من المعصوم، وتفصيل الكلام يرجع فيه لمحلّه.
وربما في هذا السياق أيضاً، الظاهرة الحرفية في مجال الأصول العملية أيضاً، والتي تتجلّى في الأخذ بالصيغة المطلقة لنظرية الأصل المثبت، فهذه النظرية صحيحة في الجملة؛ لكن الإفراط في تطبيقها لا ينسجم إلا مع طريقة تفكير فلسفية وليست عرفية،فلا أظن العرف البعيد عن الذهنية الفلسفية العقلية الهندسية الرائجة في بعض الأوساط يلتفت أو يفهم أن استصحاب عدم وجود الحاجب لا يثبت وصول الماء إلى البشرة في الوضوء والغسل؛ لأنّه أصل مثبت([13])، كما لا معنى للغَرَق في التمييز بين كرية الماء على نحو مفاد كان التامة وكان الماء كراً على نحو مفاد كان الناقصة، حتى أمنع عن الاستصحاب في هذا المورد لإثبات الآخر؛ لأنه من الأصل المثبت، كما ذكروا في أصول الفقه([14]).
إن هذه الطريقة في التعامل مع النصوص أو مع تطبيقاتها هي التي ساهمت ـ رغم أن الفقهاء أثبتوا للإنصاف جدارة عالية في الفهم العرفي وتطبيقاته ـ في خلق نماذج لفقه تكثر فيه الامتيازات بين الشيء ولوازمه الطبيعية، مما صعّب من فرص خلق فقه نظرية أمام مثل السيد الصدر والذين أتوا بعده.
وإذا أراد الباحث في الفقه أن يكون عرفياً أكثر في تعاطيه مع النصوص أو تطبيقاتها المصداقية السيّالة، فيقترح عليه أمران:
أحدهما: إعادة عيش اللغة في تراكيبها وحياتها القديمة، ليس لغة الكتب الفكرية للمسلمين، وإنّما اللغات العادية التي يحصل عليها الإنسان من تتبع كتب التاريخ والشعر والنثر والقصص والحكايا، وليس فقط كتب الكلام والفقه والفلسفة والأصول القديمة .. لأن هذه الكتب هي كتب النخبة؛ ونحن لا نريد أن يأنس ذهننا ـ فقط ـ بكتب النخبة، بل نريد ما يوصلنا إلى التعاطي العفوي للغة في الشارع وفي الحياة اليومية، حيث خاطبت أكثر النصوص عامّة الناس أيضاً، فليس من المعيب أن يهتم مرجع معاصر ـ وهو السيد علي الحسيني الخامنئي ـ بكتاب «الأغاني»، كما سمعنا من بعضهم التعييب عليه في ذلك، بل هذه مفخرة لهذا المرجع أنه ـ مع عدم كونه عربياً ـ لم يقتصر على العيش مع كتب النحو والصرف و.. التي تعلّم الإنسان الكثير عن اللغة العربية، بل واصل مسيره لكي يطلع على روح اللغة وبساطتها العفوية اليومية، فهذه نقطة امتياز (له) لا (عليه). وليس من العيب أيضاً أن يكون مرجع معاصرٌ آخر ـ وهو السيد محمد حسين فضل الله ـ شاعراً متذوقاً ؛ فإنّ ذلك وسام يسجّل (له) ولا يكون (إدانة) في حقّه.
من هنا، ندعو بكل صدق ومحبة إدارة الحوزة العلمية والجامعة الدينية ـ أينما كانت ـ أن تطلق مشروع إعادة إحياء اللغة العربية الحيّة النابضة، عبر تغييرات جذرية في نظام التعليم اللغوي؛ لأن أنظمة تعليم اللغة في الكثير من المعاهد الدينية أنظمة نظرية يستخدم فيها الطالب قدرة التعقل والحفظ، ولا يدرس اللغة العربية كما يدرس أو ـ بتعبير أدق ـ يتعلّم اللغة الأم؛ لهذا نجد علماء فطاحل في اللغة نفسها وفي جداول الصرف والتصريف، لكنهم غير قادرين على عيش اللغة ولا على النطق بها، وهذا ذنب نظام التعليم أكثر من أن يكون مشكلةً عند هذا الفرد أو ذاك.
وفي هذا السياق المنشّط للغة العربية بجمالياتها ورونقها، تكمن الحاجة لتغيير بعض الكتب الدراسية في الحوزات مثل كتاب «كفاية الأصول» للمحقق الخراساني، ونحن هنا لا ننظر لهذا الكتاب وأمثاله من المنظار الذي اعتاد الدارسون لقضية المناهج في الحوزات أن ينظروا إليه منه؛ بل من منظار التركيبة اللغوية، فالطالب يعيش عدّة سنوات مع هذا الكتاب وغيره، فيتأثر بتركيبه للجمل والفقرات، بل واستخدامه للكلمات بطريقة خاصّة، فيحصل خلل ما في ذوقه اللغويّ العربي. وقد يجادلني الكثيرون فيما أقوله هنا، لكنني أقترح حَكَماً محايداً خبيراً باللغة العربية شاعراً وأديباً أو صاحب نثر عربي أصيل، لتعرض عليه هذه الكتب ويقول لنا: هل تساعد على تجويد الذوق للطالب أم على إحداث خلل في هذا الذوق؟ وأذكر هنا قصّة تنقل عن بعض فقهاء (آل ياسين) في النجف من أنه ترك بعد أيام من شروعه في درس الكفاية، هذا الدرس؛ وعندما انتقده الطلاب على عدم حضوره الدرس وعابوا عليه، أجابهم ـ فيما ينقل ـ بأنه رجل شاعر ذواق للغة والأدب ولا يريد أن يخرّب أو يتلف ذوقه الأدبي بمثل هذه التراكيب والنصوص، والحق معه ـ بنسبة كبيرة ـ فالمهم عندي أن أقرأ القرآن والسنّة، وغيرهما مقدّمة لهما، فلا يصحّ أن تعطى المقدّمة أولوية في بنيتها اللفظية على ذي المقدّمة. ولا أدعو هنا لجعل الكتب العلمية كتباً أدبية أو شعرية كما قد يتصوّر بعضنا، بل لجعل النثر عربياً بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ ولسنا نستغرب أن يكون بعض غير العرب أكثر أنساً ـ كما سمعنا منهم ـ بلغة «الكفاية» من لغة «حلقات» السيد الصدر؛ لأن هذا شيء طبيعي يؤكّد فكرتنا التي أشرنا إليها أعلاه.
نقول هذا كلّه، والله الشاهد على أننا لا نريد التنقيص من شأن أحد، لكننا نرى، ويوافقنا كل إخوتنا العاملين في حقل العلوم الدينية، أن المعرفة الدينية نفسها وسلامة سبل الوصول إليها أهم بكثير من هذا العالم أو ذاك، أو هذا الكتاب أو ذاك؛ أو هذا المنهج أو ذاك، فلندع الحساسية جانباً، ولنتشاور ونتدارس، وهناك في المؤسسة الدينية العديد من الناشطين في مجال اللغة العربية والحمد لله، فلماذا لا يتشاور هؤلاء الأساتذة الكرام لوضع حلّ لهذه القضية؟ ولماذا لا يكون عندنا منهج لغة سليم أو أكثر سلامة من المنهج النظري الذي نتبعه والذي تعود بعض كتبه إلى قرابة ثمانمائة عام من الزمن؟! فليجلس هؤلاء المختصّون وليقدموا اقتراحاتهم بهذا الصدد، ونحن على يقين بأن العديد من القيمين على شؤون الحوزات والمعاهد الدينية سيتقبلون هذا الأمر، بحكم وعيهم وغيرتهم على هذا الدين، والحمد لله.
ليس المهم في العلوم العربية مجرّد وعيها وفهمها، بل الغاية منها ـ كما يقول الإمام محمد عبده (1905م) رائد حركة الإصلاح في مناهج التربية والتعليم ـ : «أن يبلغ المرء بالتعلّم مبلغاً كان عليه العربيّ بالسليقة»([15]).
ثانيهما: أن يتواصل الباحث في الفقه مع حياة الناس العاديين: في السوق، والمدرسة، والعمل، والإدارة، والشارع و… ليرى كيف يتفاهمون، لأن الجوّ العلمي الخاصّ له طريقة خاصّة في التفاهم أحياناً؛ ولهذا يغلب عليه فهمٌ خاصّ للكلام، نتيجة الخلط بين الأمور العادية والقضايا العلمية كما أشار الإمام الخميني، أو الخلط بين الأمور الحقيقية والأمور الاعتبارية كما يراه العلامة الطباطبائي، فيفهم طريقة الإطلاق والعموم في الجمل بطريقة أقرب إلى نظام الموجبة الكلية المنطقية، فيما العرف كثيراً ما يطلق أو يعمم ويريد ما نسميه: الموجبة الأكثرية، وقد بحثنا هذا الأمر في محلّه، وسبب عدم تقبّل هذه الفكرة قد يكون هذا العيش الطويل في نظام لغة النخبة التي هي عموماً لغة دقيقة حاسمة ومحدّدة الأطراف، على خلاف نظام لغة العامّة من الناس ـ إذا جاز التعبير ـ فهي لغة محدّبة تقوم على التسامح والتساهل في التعبير، بصرف النظر عن المضمون، فلا ملازمة بين عرفية وعوامية التعبير وبين سطحية المضمون، فالأنبياء والأوصياء استخدموا اللغة العرفية، دون أن يكون المضمون سطحياً إطلاقاً.
إنّ العيش في لغة الشارع والسوق مهم جداً، إلى جانب لغة النخبة، ليعرف الفقيه طرائق البيان العرفية،وطرائق فهم التطبيق وليس أن يسمع بوجود طرائق بل يعيشها بنفسه، ولهذا ينقل عن بعض المراجع الكبار المتوفى في القرن العشرين، أنه كان في بعض المواضع يطلب بعض أهل السوق ليسألهم كيف يفهمون هذا التعبير أو ذاك؟ وماذا يفهم عندهم من إطلاق المعاملة هنا أو هناك؟ بدل أن يحلّل لوحده على طريقة الأصل أو القدر المتيقن أو ما شابه ذلك، فهذه الطريقة التي تنقل عن هذا المرجع الكبير طريقة مثلى بحقًّ في فهم النصوص وفهم تطبيقاتها الميدانية أيضاً .
وأختم كلامي هنا ـ والحديث يطول جداً ـ بكلام رائع للشيخ محمد رضا النجفي الإصفهاني (1362هـ) ـ أستاذ السيد الخميني ـ حين يقول في مباحثه الأصولية ما نصّه: «بلغني أن بعض فضلاء العجم اطّلع على أجزاء من هذا الكتاب، فقرّظه أبلغ تقريظ، وأثنى عليه أحسن الثناء، ولكنه انتقد عليه بعبارة فارسية محصلها: إن عبارته عريقة في العربية، لا تشبه متعارف الكتب الأصولية.
لك العتبى أيها الفاضل! فلك عليّ يدٌ لا أجحدها، ونعمة أشكرها، وذلك مني طبيعةٌ لا تطبّع، وجريٌ على ما تعوّدته لا تكلّف، وإني لم أتعوّد منذ نعومة الأظفار ومقتبل الشباب إلا هذا النمط من الكتابة. وصعبٌ على الإنسان ما لم يعود. على أن هذا عند ذوي الألباب لا يحطّ من قدر الكتاب، بل يزينه ولا يشينه، ويغلي قدره ولا يرخصه. وإذا محاسني التي أزهو بها صارت مثالب لي؛ فماذا أصنع؟! وشتان بين هذا الفاضل وبين أحد علماء العراق، وقد بلغني قوله فيه: هو أوّل كتاب في فنّ الأصول ملؤه دقائق عجمية، بعبارات عربية»([16]).
وفي هذا النص منه (رحمه الله) الكثير من الدلالات المعبّرة!!
وبعد هذا كلّه؛ ألا تكون اللغة بالمعنى الذي ذكرناه عنصراً أساسياً في معايير الاجتهاد والمفاضلة والأعلمية؟!
يُظهر الوعي التاريخي أهميته من خلال كون النصوص التي صدرت أو نزلت جاءت في سياق تاريخي، ومن الطبيعي أن السياق حجة وعنصر رئيس في فهم مراد المتكلّم، بل يتعداه إلى السياقات المقامية والحالية و..، وفي كثير من الأحيان يصعب فهم السياق بتمام عناصره ـ بما فيها العنصر غير اللفظي ـ إلا بالإطلالة على المعلومات والوثائق التاريخية ذات الصلة به، لتتكوّن عبرها العناصر الحافة بالكلام.
لنفرض أننا لا نملك معلومات تاريخية عن الظروف العصيبة التي كان يمرّ بها أهل البيت النبوي وأنصارهم في العصرين الأموي والعباسي.. هل كان لمفهوم التقية أن يكون حاضراً بهذه القوة التي نشهدها له اليوم؟ من الطبيعي أننا كلّما فهمنا الظروف التاريخية استوعبنا الملابسات التي تتصل النصوص بها، لتريد حلّ مشكلة أو الجواب عن تساؤلات ما.
في هذا السياق عينه، تأتي فكرة السيد حسين البروجردي (1380هـ) حين يتحدّث ـ كما ينقل بعض تلامذته ـ عن ضرورة فهم نصوص أهل السنّة ومواقفهم في الفقه والحديث؛ بوصف ذلك مقدّمةً لفهم نصوص أهل البيت([17])، فإن هذه الفكرة تستبطن قدراً وافياً من الحس التاريخي؛ عندما تؤكّد على دور التدخل الاستثنائي للنصوص في معالجة حالة تاريخية منحرفة هنا أو هناك، وإلا فما معنى هذه الضرورة لدراسة المشهد السنّي قبل مطالعة النصوص الحديثية الشيعية؟!
وفي الإطار عينه تأتي فكرة الوعي الاجتماعي للنصوص، لتتصل بمسألة فهم الظروف الاجتماعية الحافة؛ فعندما يطلق السيد محمد باقر الصدر (1400هـ) هذه المقولة ـ ولاسيما في سياق مدحه لتجربة الشيخ محمد جواد مغنية في كتاب فقه الإمام جعفر الصادق ـ فإنّه ينشط الحسّ الاجتماعي والتاريخي؛ لأنه لا يريدنا أن نعتبر الجمل والكلمات والحروف الماثلة أمام ناظرينا ممثلةً للحديث الشريف أو الكتاب الكريم، أعني أنّه لا يريد أن يعتبرها معطيات وحيدة يجري فهم المراد عبرها فقط، بل يرغب بإقحام عناصر أخرى تتصل بالسياق التاريخي والاجتماعي لمضمون الرسالة التي يريد هذا النصّ أو ذاك أن يوصلها إلينا.
وليس فقهاء المسلمين بغائبين عن ألوان السياق الأخرى، فقد أشاروا لذلك ومارسوه في الفقه والأصول والتفسير والقرآنيات، فنحن لا نبدع هنا ولا نبتدع، وإنما نوصّف ضرورةً قائمة.
لكن الشيء المهم في هذه القضية هو حجم استحضار التاريخ في وعينا للنصوص؛ هل كان هذا الاستحضار بالمقدار الكافي؟
أعتقد أن نقصاً ما يزال موجوداً؛ فنحن نلاحظ ضعف حضور التاريخ على عدّة جبهات، حبذا لو يُلتفت إليها أكثر؛ وهي:
1 ـ قلّة المعلومات التاريخية العامة، فأكثر المعلومات التاريخية التي يحملها المشتغلون في الفقه تكمن مشكلتها في أنها تعتمد ـ من جهة ـ على النصوص نفسها التي يجري البحث عن سياقها التاريخي لفهمها، كما تتضيّق ـ من جهة أخرى ـ عندما تكون الإطلالة على التاريخ من منظور التاريخ الشخصي، أي تاريخ شخص الأئمة عند الشيعة، أو شخص الصحابي أو الخليفة الراشد عند أهل السنّة.
هذا الوضع يجعل المشتغل بالفقه حاملاً لتصوّر منقوص عن المشهد التاريخي والصورة التاريخية، فنحن من جهة نريد الكشف عن التاريخ بعناصره السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية و.. ليعيننا ذلك على تكوين المناخ الطبيعي الذي جاءت داخله النصوص، مقدمةً لفهمها فهماً صحيحاً؛ فإذا تخلّيت عن كل الموروث التاريخي لأجعل النصوص الحديثية أو القرآنية وحدها مصدراً للتاريخ أكون قد وقعت في دور واضح، لا بمعنى العجز عن الفهم، وإنما بمعنى أن العلاقة هنا جدلية، فكما نطالب بجعل الكتاب والسنّة مصدراً تاريخياً كذلك نطالب بفهم الكتاب والسنّة مستعينين بسائر مصادر التاريخ. نعم، نحن نؤكّد على السيرة النبوية القرآنية، التي تستمدّ معلوماتها من القرآن نفسه، وقد دعا العديد من قبل لهذا الأمر، مثل محمد حسين هيكل في ما كتبه حول سيرة النبي، بل حتى بعض المستشرقين في هذا المجال.
نعم، وندعو لسيرة حسينية مصدرها روايات أهل البيت النبوي، وليس تاريخ الطبري أو غيره فقط، لكن في المقابل لا تعني الدعوة هذه هدراً لقيمة سائر النصوص التاريخية التي تعيننا على فهم نصوص الكتاب والسنّة، كما أن النصوص الشريفة تعيننا على فهم وتقويم فهمنا للتاريخ من خلال المصادر الأخرى.
أما التحقيب التاريخي على أساس واحد، مثل التحقيب على الأساس الشخصي ـ المشار إليه ـ، فهذا ما يؤدي إلى صور غير مكتملة؛ لأن أهل البيت أو الخلفاء الأوائل ـ مثلاً ـ لم يكونوا العنصر الوحيد في التاريخ، كما لم يكونوا على صلة ـ تاريخياً ـ بتمام أحداث عصرهم، فإذا كوّنا أيّة صورة للتاريخ على أساسهم لن نحصل على تاريخ عام، بل سنحصل على تواريخ شخصية لها إطلالات على التاريخ العام، وفرقٌ واضح بين الأمرين.
من هذا كلّه نحن بحاجة ماسّة إلى درس تاريخ شامل للحقبة الإسلامية الأولى، يساعدنا على التعرّف على السياق المحيط بصدور النصوص أو نزولها.
2 ـ عدم حضور الوعي التاريخي بشكل فاعل في النشاط الاجتهادي، فنحن نجد في الغالب أن الفقهاء يتعاملون مع النصوص، وقلّما يأخذون السياقات المحيطة تاريخياً بعين الاعتبار، وربما يكون ذلك لأسباب:
أ ـ ضعف الوثوق بالتاريخ، وهذا ما نجده عند بعض المتشدّدين في النقد التاريخي؛ إذ قد لا يسلم بين أيديهم واقعة أو حدث.
ب ـ الاعتقاد بأن «المورد لا يخصّص الوارد»، وهي القاعدة التي أصّلها المفسّرون وعلماء أصول الفقه المسلمون، فحموا بها النصوص عن الاختزال التاريخي أو اختناق الدلالة، وكانوا هادفين من ذلك فتح باب الضخّ الدلالي في النصوص بهدف حمايتها أن تهدر.
ج ـ عدم حصول وثوق بعلاقة حقيقية بين هذا الوضع التاريخي أو ذاك وبين النصّ الذي نفترض أنه يقع ضمن سياق هذا الوضع التاريخي؛ فإنّ العلاقة بين النص والسياقات المعروفة تظلّ أوضح من العلاقة بينه وبين السياق الزمكاني؛ لأن تراكيب اللفظ ظاهرة معلومة الاتصال بحكم وصول النص إلينا بالتواتر أو بأيّ طريق معتبر، أما علاقة النص بالواقع المحيط فقد تبدو مجرّد افتراض في كثير من الأحيان؛ إذ ليس في النصّ نفسه إشارة للواقع التاريخي بوصفه سياقاً حافاً، كما لا نملك معلومات موثقة عن هذا الارتباط العضوي بين الطرفين.
ربما لهذه الأسباب وغيرها تراجع تفعيل السياقات التاريخية في الاجتهاد الفقهي، لكننا نتحفّظ عن الاستسلام لهذه الاعتبارات، ونعلّق هنا عليها بتعليقات طفيفة، محيلين ذلك إلى البحث التفصيلي في موضعه، كما بحثناه في دراساتنا الأصولية.
أولاً: يظلّ إثبات الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية و.. العامة في التاريخ أوفر حظاً من إثبات النصوص الجزئية الصادرة من عمرو أو بكر، والوقائع الميدانية التفصيلية هنا وهناك؛ إذ وفقاً لنهج الاستقراء وحشد الشواهد والقرائن وتوفير المعطيات ذات الطابع المتراكم.. يمكن تكوين صور يقينية في التاريخ؛ بل لعلّ هذه الأكثر يقيناً في المراجعة التاريخية، والأكثر صموداً أمام معاول النقد التاريخي.
ثانياً: هناك فرق بين عدم تخصيص الوارد بالمورد وبين فهم الوارد بمعونةٍ من المورد، وهذا شيء يقرّ به المفسرون المسلمون؛ لهذا اهتموا بدراسة أسباب النزول لتعينهم ـ أحياناً ـ على فهم الآيات القرآنية؛ وبهذه الطريقة لا تُهدر دلالة النص لخصوصية المورد، ولا يضيع السياق الموردي أمام النص، بحيث يبدو النص وكأنه بُتر بتراً من سياقه المحيط، ومثال ذلك ما ذكره بعض أساتذتنا من كبار العلماء المعاصرين في أبحاثه حول الخمس، حيث جعل كلمة ]غنمتم[ الواردة في آية الخمس بمعنى غنائم الحرب، لا لتخصيص الوارد بخصوص المورد، بل لأنّ الكلمة مشترك لفظي له معانٍ متعدّدة في اللغة، يترجّح واحدٌ منها بقرينة السياق، ولو كان نظره هناك للسياق القرآني المحيط بآية الخمس.
ثالثاً: إن فرص التأكّد من العلاقة بين النص وسياقه تظلّ ممكنة، ولاسيما لمن مارسها؛ وحتى لو لم نجزم بها فقد ذكر علماء أصول الفقه أن الشك في قرينية الموجود يوجب الإجمال في الدليل، وهذا ـ على أبعد تقدير ـ نحوٌ من أنحاء الشك في قرينية الموجود (وهو السياق التاريخي المحيط)، الأمر الذي سيترك أكبر الأكثر في تعطيل بعض نواحي الإطلاق في النص أو غير الإطلاق أيضاً، وقد تعرّضنا بشيء من التفصيل لهذا الأمر عند بحثنا عن (تاريخية السنّة الشريفة)([18]).
من هنا نعتقد أنه كلّما كان الفقيه ذا ثقافة واسعة في التاريخ الإسلامي على امتداد أشكاله كانت مقاربته للنصوص وقراءته لها أفضل وأقرب إلى فهمها فهماً واقعياً، بدل قطع جذورها وأوصالها وقراءتها لوحدها كأنها مسقطة ـ بمعزل عن كل شيء ـ من السماء، فليس الصحيح أنّ الغرق في الفقه وأصوله دون تكوين خلفية ثقافية تاريخية هو علامة العمق العلمي، بل هذه الخلفية لها دورها أيضاً في هذا العمق، فما يتردّد في الوعي واللاوعي من أن مثل التاريخ وعلومه إنما هو مجرّد حاجة ثقافية عابرة لا تعني الفقيه المتضلّع ليس سوى وهم زائف يفتقد الكثير من عناصر الدقّة.
وثمّة حاجة أخرى ماسّة في تقويم عملية الاجتهاد؛ وهي وعي الفقيه للواقع الاجتماعي والسياسي و.. المعاصر؛ وذلك ليس اعتباطاً أو كلاماً خطابياً عن المعاصرة والحداثة والتجديد؛ بل ذلك حاجة علمية أيضاً، فصحيح أنّ حضور الفقيه في واقع الحياة قد يعطّل من قدرته العلمية، كما وجدنا عند بعضهم، وصحيح أنّ حضوره كذلك قد يفرض عليه ـ ولو من حيث لا يشعر ـ ضغطاً من الواقع لتطويع النص..، نعم، هذا كلّه صحيح، ويجب السعي لتفاديه، لكنّ ظهور آثار سلبية محدودة لأمرٍ ما لا يعني التخلّي عن هذا الأمر بالكلية، أو تعطيل رؤيتنا لنتائجه الإيجابية.
إن فهم الفقيه للواقع، وعيشه في متغيرات الحياة، ووعيه لطبائع البشر وأمزجة الخلق، وملاحظته لطبيعة المشاكل والأزمات التي يعاني منها الإنسان، سوف يمكّنه ذلك كلّه من فهم الرسالة المقصدية الأساسية التي تريدها النصوص، فيبتعد بذلك عن الفهم المجافي للحياة؛ بل تغدو مواقفه وفتاويه أقرب إلى الواقع من غيره، ففي عالم تشكّل (المالية) وليس (النقدية العينية) أساساً فيه كيف يمكن الإفتاء بأن وضع المال في البنوك يصيّره مجهول المالك، كما ذهب إلى ذلك بعضهم؟! وإلى فتح الحديث عن قيمة البيع المعاطاتي وسط مليارات البيوع المعاطاتية اليومية بين الناس، حتى قال بعض الفقهاء بأنّ الأصل في البيع المعاطاة؟! وكيف يمكن للفقيه أن يبتّ ـ مطمئناً ـ في قضية مثل قضية حقّ النشر والتوزيع والتأليف والاختراع و.. ـ ولو بعنوان ثانوي ـ دون أن يحمل تصوّراً حقيقياً عن هذا الموضوع البالغ الخطورة؟ هل يصحّ إصدار حكم بحق الاستنساخ ـ تلك العملية البالغة التعقيد طبياً وعملياً ـ قبل أن نكوّن وعياً ميدانياً بها وبتأثيراتها على أرض الواقع، وليس قال فلان، وأخبر فلان، أو على تقدير سؤال السائل؟
إذا لم يكن عقل الفقيه عقلاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً ـ ولا أقول متخصصاً في هذه المجالات الثلاثة ـ فإن من الصعب عليه في بعض الأحيان أن يضع الفتوى على موضعها الخارجي.
إن الابتعاد عن المقاصدية في فهم رسالة النصوص الدينية ورّط الفقه في مشاكل، فلست أدري حتى اليوم كيف يقبل الفقيه الذي يقرأ النصوص في إطار تطبيقها الميداني، وبُعدها المقصدي والرسالي، لا في الإطار الذي يبترها، أن يفتي بجواز مشاهدة الأفلام الإباحية لغير المسلمين بدون شهوة، ثم يستصرخ لمنع الطبيب من النظر بدون شهوة إلى بعض قليل من يد المرأة، عندما لا يبلغ حدّ الضرورة، ولا يكون فيه هتكاً عرفاً لحرمة المرأة؟!
إننا نعلم المبررات التي طرحت لتبرير كل هذه الفُهوم الفقهية؛ ولكننا نريد القول: إنه قد غاب عن بعض المشتغلين في الفقه تقديم فقه الحياة بعد أن غيّبتهم مقولات الحجية وبراءة الذمة؛ أما من يريد للفقه أن يحيا في عصر عدم وجود المعصوم، وأن يحكم وأن يمارس على المستويات كافة، فعلية أن يقدّم فقهاً يقبل هذه الممارسة، لا فقهاً يتناسب مع حياة الصحاري وانعدام المدنية على حدّ تعبير السيد الخميني([19])، الذي رفض بشدّة السماح للشيعة ـ بحجة فكرة التحليل ـ بقلع كل أشجار الغابات وسحب شطوط البحار وأعالي الجبال وبطون الوديان، ما سيؤدي إلى كوارث لا يمكن تصوّرها.
نعم، هذا ليس عنواناً ثانوياً دائماً، كيف وعصور التطوّر العلمي تكاد ت


الاستفتاءات والرسائل العملية الواقع، الإشكاليّات، الحاجات(*)

1 نوفمبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
424 زيارة

الاستفتاءات والرسائل العملية الواقع، الإشكاليّات، الحاجات(*)


 
   

تحوّلت <الرسائل العملية> ـ وهي الكتب التي يُصدرها مراجع التقليد معبّرةً عن حصيلة آرائهم الفقهية والشرعية ـ إلى حلقة وصل بين الناس والمرجع، ومن الضروري أن تخضع للتطوير ـ كأي وسيلة بشرية للتواصل ـ والإرفاد بالمقترحات التي تنمّي هذه العلاقة، وتوصل المكلّف إلى ما يريد من تحديد الموقف الشرعي.

إن الرسائل العملية وأساليب الإفتاء والاستفتاء تطوّرت بفعل الزمن، وقد ساهم العلماء أنفسهم في هذا التطوير عبر مراحل تاريخية مختلفة، فكانت طرق السؤال والجواب سائدةً، كما تشهد بذلك رسائل السيد المرتضى (436هـ)، والشيخ المفيد (413هـ) وغيرها، حتى وصل الحال إلى كتابة الرسائل العملية بشكلها المتأخر، خصوصاً مع رسالة <صراط النجاة> للشيخ مرتضى الأنصاري (1281هـ)، وبعدها رسالة <العروة الوثقى> للسيد محمد كاظم اليزدي (1337هـ)، التي شكلت منعطفاً في تاريخ تدوين الرسائل العملية، لتأتي بعدها رسائل: <وسيلة النجاة> لأبي الحسن الإصفهاني
(1365هـ)، و
<توضيح المسائل> للسيد حسين البروجردي (1380هـ)، ومنهاج الصالحين للسيد محسن الحكيم (1390هـ)، وهي ـ أي الرسائل الثلاث الأخيرة ـ التي يسير على طريقها اليوم أغلب الفقهاء ومراجع التقليد.

1 ـ أوّل مشكلة يواجهها عامة الناس في مراجعتهم للفتاوى المدرجة في الرسائل العملية، هي مشكلة التعقيد اللفظي؛ فإن اللغة التي تطرح فيها هذه الرسائل هي لغة علمية حوزوية، يفهمها ـ وأحياناً لا يحصل ذلك ـ طلاب العلوم الشرعية، وهي مليئة بالقيود والمصطلحات التي يصعب على الإنسان غير المختصّ فهمها ببساطة، حتى اضطرّ بعض العلماء لتدوين كتب تشرح مصطلحات الرسائل العملية، وقد كانوا في غنى عن ذلك لو أنّ الفقيه نفسه سهّل لغته وبسّطها بحيث يفهمها أغلب الناس، ولا نقول: جميعهم.

إنّ هذا التعقيد اللفظي إذا كان مفهوماً في الدراسات العلمية الاجتهادية، كونها دراسات متخصّصة، فهو غير مفهوم في <رسالة عملية> يفترض بها أن تكون مرجعاً للناس كي يتعرّفوا من خلالها على موقفهم الشرعي، نعم، هناك من يرى أنّ هذه الرسالة العملية ليست موضوعةً لعامة الناس، بل هي موضوعة لعلماء الدين والمبلّغين والدعاة كي يرجعوا إليها عندما يسألهم الناس عن أمرٍ لا يعرفونه أو نسوه، وهذه الفكرة ـ فضلاً عن أننا نناقش حتى في فهم العديد من علماء الدين لبعض ما جاء في الرسائل العملية، حتى يُنقل عن السيد محمد باقر الصدر أنه قال: إنه فهم بعض فتاوى السيد محسن الحكيم في منهاج الصالحين عندما راجع أبحاثه الفقهية في مستمسك العروة الوثقى ـ فضلاً عن ذلك، لم تعد دقيقةً، فلابد من كتاب يرجع إليه الناس عند فقدهم عالم الدين، وليس هناك ضرورة لحرمان الناس من معرفة الدين مباشرةً، كما أنه ليست كل المناطق يتوافر فيها وجود رجل دين.

وفي سياق التوضيح وسياسة البيان الشفّاف، تظهر مشكلة مصطلحات الاحتياط الوجوبي والاستحبابي، فماذا يضرّ لو كتبنا على كلّ واحدٍ عنوانه، فنقول: على الأحوط وجوباً، وعلى الأحوط استحباباً، ونريح الآخرين من الجدل في فهم طبيعة الاحتياط، كما يحصل وحصل كثيراً؟! بل حتى أشكال بيان الفتوى مثل: على الأقوى، والظاهر بل الأظهر، ولا يخلو من وجه و.. كلّها لا حاجة إليها، فليُذكر الحكم بصيغة البتّ، ولا تُدخل هذه المصطلحات التي تشير إلى قضايا تتصل بالبُعد الاجتهادي في هذه المسألة أو تلك، فلا فرق من الناحية العمليّة التي جاءت <الرسائل> للجواب عنها، بين أن يكون الفقيه قد وصل إلى هذا الرأي بهذه الطريقة أو ضمن هذا الوضع أو ذاك، بقدر ما المهم فهم النصّ للعمل على وفقه، والمؤسف أنّ بعض رموز التغيير في الوسط العلمي الديني انساقوا مع هذا الجوّ لمّا تصدّوا للمرجعية الدينية.

بل إنّ بعض صيغ الفتاوى في <الرسائل العملية> توجب إيهام القارئ؛ فإنّ قوله: يستحب كذا وكذا، وقوله: ذكروا من مستحبات الصلاة كذا وكذا.. لا يفرّق آحادُ الناس بينهما حينما يدرَجان في رسالة عملية، فيَظنّ أن المرجع يذكر المستحب هنا وهناك؛ لأنه يترقّب منه بيان الأحكام التي توصّل إليها له، ولا يدري أن الصيغة الأولى تعني الإفتاء بالاستحباب أما الثانية فلا تعني سوى نسبة الاستحباب إلى الفقهاء دون تبنّيه، بل قد يقع في الوهم ـ كما رأينا ـ الكثيرُ من طلبة العلوم الدينية، فلماذا هذا الشكل في البيان؟ ولماذا لا يجري التصريح بالموقف هنا وهناك؟

وعلى الطريقة نفسها عندما يُسأل الفقيه عن مسألة فيجيب بالإتيان برجاء المطلوبية، لكنه لا ينصّ على عدم الاستحباب، فإذا سُئل عن استحباب الغسل لزيارة الحسين % فهو لا يجيب بعدم ثبوت الاستحباب، وإذا أريد الإتيان بالغسل يؤتى به برجاء المطلوبية، بل يذكر في الرسالة أو في جواب الاستفتاء القسمَ الثاني فقط، وقد لا يفهم الكثيرون معنى ذلك فيظنّ أنه استحباب في حين كان يمكن رفع هذه الالتباسات ببعض الزيادة في الكلام بهدف التوضيح.

وعلى الخط عينه، تأتي مسألة الأمثلة التي لا يفهمها الكثيرون أو لا تدخل في دائرة الابتلاء اليوم، وكذا بعض المصطلحات، ويأتي تعريف الفرسخ حتى يصل إلى شعر البرذون، فيما بالإمكان حلّ الأمر للمكلّف بالتحديد المعاصر عبر الأميال أو الكيلومترات، ويأتي ذكر أنواع من الحيوانات البحرية وغيرها بأسماء قديمة لها، مع الحاجة إلى إرفاق الاسم المتداول اليوم، أو الأكثر تداولاً في بلاد المسلمين.

2 ـ وبهذا يتبيّن، أنّ ما لا ابتلاء به يُفترض حذفه، فلماذا تبقى أحكام الإماء والعبيد والعتق والتدبير منتشرةً في أبواب الفقه المختلفة؟ وما الحاجة إليها في الرسائل العملية؟ وما الحاجة أيضاً إلى فروع العلم الإجمالي المذكورة أحياناً بعد أحكام الشك والسهو في الصلاة؟ فلتترك للاستفتاء لقلّة الابتلاء بها، وفي المقابل ينبغي أن نذكر قضايا الفقه السياسي والجهادي الإسلامي اليوم؛ لكثرة الابتلاء بها، وإذا كان الفقيه لا يرى وجوب الزكاة في النقدين إلاّ نقدي الذهب والفضة، فلماذا يُدرج بحث الزكاة هذا في رسالته العملية؟ وهل هناك بلد إسلامي وغير إسلامي اليوم يتداول الذهب والفضة عملةً يومية؟! أليس من الأجدر توسعة بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكثرة الابتلاء به وتقليل بحث الظهار الذي كان عادةً عربية قديمة لم يعد لها حضور ـ يُذكر ـ اليوم؟

إذا حدّدنا دور الرسالة العملية وأهدافها نعرف أنها ليست فقط نتائج البحث الفقهي للمرجع، بل هي أيضاً مرشدٌ للناس في عملهم، فينبغي أن تخدم هذا الإرشاد وتساعد عليه.

من هنا، تظهر الحاجة لأسلوب الأمثلة المعاصرة، فبدل التمثيل بالحمار والحصان يمثل بالسيارة والطائرة، وبدل توضيح القبلة على طريقة الجدي ونجوم السماء، فليجري الحديث في الطرق المعروفة اليوم (البوصلة..)، وبدل البحث في استئجار الحيوان للركوب يتحدّث عن استئجار وسائط النقل المعاصرة.

إننا نلاحظ أنّ بعض أشكال التطوير ظهرت في كتب الاستفتاءات، لكنّ المطلوب أن تكون الرسالة العملية أيضاً مطوّرة؛ لأن تطويرها قد يخفّف من ثقل الاستفتاءات ويحلّ من مشاكلها، عبر بيان القضايا الابتلائية المعاصرة التي اطّلع عليها الفقيه من خلال تجارب الاستفتاء الواسعة على امتداد العالم الإسلامي، فيشحن رسالته العملية بالأمثلة التي تعبّر عن واقع يسأل المكلفون عنه عادةً أو أحياناً.

3 ـ ومن خلال هذه القضية ندعو إلى أن لا تكون الرسالة العملية مبوّبةً على تبويب الأبحاث الفقهية، بل على تبويب واقع حياة الناس؛ بحيث يسهل عليهم الوصول إلى الحكم الشرعي من خلالها، ومن التجارب الجيّدة في هذا المجال، تجربة الشهيد السيد محمد صادق الصدر (1999هـ) حين كتب في فقه العشيرة وأمثال ذلك، وتجربة السيد محمد سعيد الحكيم، والسيّد محمد حسين فضل الله، إنّ الكتابة في فقه المغتربين، وفقه المرأة، وفقه التربية، وفقه الحياة الجنسية، وفقه المعاملات البنكية والمصارف، وفقه التجارة، وفقه الصداقة، وفقه العشيرة، وفقه العمل الإداري والمؤسّسي، وفقه المجاهد والمقاوم و.. حتى لو حصل بعض التكرار معها، هي الوسيلة الملائمة لواقع تجربة الإنسان اليومية، فيمكنه الوصول إلى الحكم الشرعي عبر هذه الطريقة بسهولة، أما فقه البنك فأين يعرف المكلّف مصدره وموقعه في الرسائل العملية المتعارفة وكيف؟

وعلى هذا الأساس، كتاب القضاء من الرسالة العملية، المفروض وضعه للشأن القضائي، حيث لابدّ أن يترتب ويُصاغ بحسب حالات الترافع اليوم، وترصد فيه مشاكل المؤسّسات القضائية وأساليب التعامل فيها ومعها.. بحيث يجعلها القضاة أنفسهم مرشداً لعملهم.

وهذا ما يجعل إفراد المسائل المستحدثة في آخر الرسالة العملية خطأ، بل لابد أن تندرج هذه المسائل داخل الرسالة نفسها، ولا يحسّ الإنسان أنها تقع على هامش الفقه بل من صميمه.

4 ـ من الضروري أن تصاغ الرسالة العملية صياغة قواعد عامّة ولها استثناءات حتى يحدّد المكلّف مرجعيّته في وظيفته العملية، فالملاحظ أحياناً أن الرسالة العملية تكون عبارةً عن فروض جزئية يجري ذكر حلول لها، ولعلّ لهذا الأمر أسبابه التاريخية، فيما المطلوب وضع نصّ يمثل قاعدةً تستوعب حالات المكلّف مع الإشارة إلى تطبيقات جزئية، لا بياناً لمشكلة جزئية كي تحلّ؛ فيما تبقى القاعدة غائبةً.

5 ـ وفي سياق الرسائل العملية والاستفتاءات، تواجه بعض المرجعيات الدينية المعاصرة مشكلةً تتمثل في أنّها لا تجيب بالمباشرة عن استفتاءات القاعدة الشعبية؛ ربما لأسباب معقولة مثل عدم وجود إمكانية لتفرّغ المرجع لهذه الاستفتاءات لكثرتها الكاثرة، وهذا شيء طبيعي، لكنّ لجان الاستفتاء في مكاتب المرجعيات الدينية مطالبة بقدرٍ أكبر من الدقّة، تجنيباً لمكانة المرجعية الدينية عن الفوضى والقيل والقال، مع اعتقادنا بأنّ هذه اللجان لا ينبغي أن تكلَّف فوق طاقتها فليست العصمة إلا لأهلها، فقد رأينا بعض مكاتب المرجعيات الدينية تُصدر فتاوى متناقضة بين منطقة وأخرى، وكلّ واحد يأخذ استنتاجاً من نصٍّ هنا أو آخر هناك، فهذه الفوضى في عمليّة الإجابة عن الاستفتاءات أحياناً خلقت ردود أفعال سلبية وسط عامّة الناس؛ بسبب ارتباكات حادّة أفرزتها؛ فالمفترض بالقيّمين على هذه الشؤون أن يكونوا بمستوى المسؤولية والثقة التي وضعوا فيها، والجميع يقدّر طبيعة عملهم المضني ويشكر لهم جهودهم الطيبة الكريمة لمساعدة الناس على تحديد تكاليفها الشرعية.

على خطٍّ موازٍ في خصوص لجان الاستفتاءات ومكاتب المرجعيّات الدينية، هناك مشكلة أخرى، وهي توريط بعض المرجعيات في بعض القضايا التي لا نعلم أنّ المرجع نفسه راضٍ بها، وإنّما الخطأ في تقييمات لجان الاستفتاء يوجب إدخال مؤسّسة المرجعية في ارتباكات؛ فنجد أنّ بعض المكاتب ـ ودعونا نكون صريحين شفّافين جريئين في قول الحقّ ولو على أنفسنا ـ تُصدر فتاوى ضدّ بعض الشخصيات العلمائية والوجوه الدينية والاجتماعية، ولا يوجد ختم المرجع نفسه على هذه الفتاوى، فتتحمّل المرجعية مسؤولية ما يحصل، وأعتقد أنّه في مثل هذه القضايا الحسّاسة والميدانيّة يُفترض أن يكون القول الفصل للمرجع نفسه، بقدر ما هي كلمته ذات قيمة في هذا المجال أو ذاك.

إنّ حماية المرجعيّة الدينية لا تكون دوماً في إغراقها في الجزئيّات، وتصفية حسابات حتى لو كانت هناك أغراض دينية من ورائها، فالفتاوى الميدانية ذات
الطابع الجزئي الخاصّ يفترض أن تكون ـ كمّاً وكيفاً ـ بحيث تُبقي للفتوى قيمتها ومكانتها، لا إدخالها في سياقات تُكثر حولها القيل والقال، وأعتقد أنّ تجربة الإمام الخميني (1409هـ) كانت مميّزةً للغاية في هذا المجال، فبرغم كلّ الصراعات الواسعة الداخلية بين أجنحة الفكر والثقافة والدين في إيران قبل وبعد انتصار الثورة، إلا أنّنا وجدناه محجماً ـ غالباً إن لم يكن دائماً ـ عن الدخول في تفاصيل الأمور للتركيز على الخطوط العريضة التي لا تخلق الفتن الجزئية المتحرّكة، فوظّف الفتوى في قضايا الأمّة الكبرى لا في جزئيّات محدودة، ولا يُفترض تضخيم الأمور لنحوّل المفردة الصغيرة
إلى قضيّة يصبح الإسلام كلّه في خطر بسببها، فقد عرض على تاريخ الإسلام ما هو أكثر بكثير من هذا واستطاع الصمود وإبداء الممانعة الإيجابية في أكثر من موقع، والحمد لله.

6ـ يبقى أن نشير أخيراً إلى اقتراح في إرفاد الرسائل العملية، ولا أقلّ الاستفتاءات، بلمحة ولو سريعة عن مدرك الحكم الشرعي حيث يمكن، فنقول له: إن الأمر الفلاني حرام، ونستشهد بقولٍ لله تعالى أو حديثٍ لرسول الله2 مما يجعل المستفتي يشعر بمدرك الحكم، ويعي المنطلق الشرعيّ له ولو على نحو الإشارة حيث يمكن؛ وإن كنّا نعتقد بأن بعض المشتغلين في هذا المضمار قد لا يوافقون على ذلك؛ قناعةً بضرورة حجب آليات الوصول إلى الحكم عن عامة الناس، لأسباب هناك حاجة لدراستها ونقد الكثير منها على الأقلّ.

 

>قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ<

] الزمر: 9 [.
 
 

*     *     *




([1]) نشر هذا المقال في العدد الخامس من مجلة الاجتهاد والتجديد في بيروت، شتاء عام 2007م.      


الفتوى بين النصّ والواقع وقفة مع صياغة الفتوى والرسائل العملية(*)

20 أكتوبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
437 زيارة

الفتوى بين النصّ والواقع وقفة مع صياغة الفتوى والرسائل العملية(*)



اعتاد الفقه الشيعي، سيما في الفترات المتأخرة، على تنامي ظاهرة المرجعية الدينية، وصار للفقهاء مكانة بارزة ومرموقة على هذا الصعيد، واشتدّت وتفاعلت العلاقة بين الفقيه وطبقة عامة الناس، تحت إطار مفهوم التقليد، وكانت «الرسائل العملية»، وهي خلاصة فتاوى الفقهاء وما توصّلوا إليه، حلقة الوصل الأساسية بين المرجع ومقلّديه، ونريد هنا تسجيل ملاحظة واحدة سريعة حول هذه الرسائل العملية والفتاوى بشكل عام؛ تاركين مجموعة أفكار حول الفتوى والرسالة العملية إلى مناسبات لاحقة إن شاء الله تعالى.

ينظر الفقهاء أنفسهم ــ فضلاً عن غيرهم ــ للفتاوى والرسائل العملية على أنها أحكام شرعية أولية، بمعنى أنها تعبّر عن النتائج التي توصّل إليها الفقيه في أبحاثه العلمية في تعامله مع النصوص، بقطع النظر عن العناوين الطارئة التي قد تغيّر هذا الحكم أو ذاك، كما وبقطع النظر عن الحكم الولائي الحكومي المرحلي الذي قد يراه الفقيه في هذه المرحلة أو تلك.

وعلى هذا الأساس، فالرسائل العملية ــ غالباً ــ نتيجة تفاعل الفقيه مع النصّ، لا تفاعله مع الواقع والنصّ معاً، وإذا أراد أن يتفاعل مع الواقع ويأخذه بعين الاعتبار فإنه يمارس طريقة الاحتياط، فلا يفتي بل يحتاط وجوباً أو استحباباً، ولهذا تتخذ الرسائل العملية طابع الكلية والعمومية دون إشارة إلى طبيعة المرحلة.

ولنا هنا ملاحظة جزئية؛ ذلك أن الرسائل العملية تقع في مشكلين هنا، هي وظاهرة الفتوى عموماً، وعليها أن توازن حلولها للمشكلين معاً:

المشكل الأول: إن الرسالة العملية أو الفتوى لها طرفان: أحدهما المفتي، وثانيهما المقلِّد، المسمّى بالعامي عندهم، ويراد من الفتوى أن يعمل الناس عليها؛ إذاً فهي على صلة بالواقع العملي مباشرةً، فكيف لا يمكنها أن تأخذه بعين الاعتبار، فمثلاً يرى بعض الفقهاء أنّ الحربيّ من الكفار، ويقصدون به مطلق غير الذمي والمعاهد حتى لو لم يمارس الحرابة فعلاً، مهدور الدم والمال، ومعنى ذلك أنه يجوز سرقته ــ إن صحّ التعبير ــ بل قتله، وانطلاقاً من هذه الفتوى التي لا نحاكمها فعلاً، لا سلباً ولا إيجاباً،  يرى الفقيه نفسه أن التطبيق الميداني العملي لها ــ في الغالب ــ يؤدي إلى مفاسد بحسب طبيعة المرحلة التي نعيشها، لهذا نجده يتخذ موقفاً بالعنوان الثانوي يميل فيه إلى الحظر، لكن الرسالة العملية تبقى تحكي عن الحكم الأولي عنده، وهو الرخصة، فأيّ ضرورة لبيان هذا الحكم الأولي، والمفروض أنّ الرسالة العملية موصوفة بالعملية، لا بالعلمية؟

من هنا، يفرض هذا الواقع أن تكون الرسائل العملية قد أخذت بعين الاعتبار ليس العنوان الأولي والنتاج البحثي للمسألة فحسب، بل والعناوين الأخرى الطارئة التي يحقّ للفقيه الإفتاء على أساسها، سيما وأنّ ممارسات الفقهاء ــ عملياً ــ تقرّ بالتمييز بين المباحث الفقهية العلمية والفتاوى العملية الميدانية من حيث المبدأ وفق تخريجات فقهية؛ ولهذا نرى في الفتوى، أي فيما يسمّيه الناس فتوى، احتياطاً وجوبياً، فيما يكون البحث العلمي للفقيه نفسه قد توصّل إلى الرخصة والحلية مثلاً، من هنا يعتبرون أن الحجية إنما هي لفتوى الفقيه لا لرأيه العلمي، وهذا بحثٌ آخر لنا ملاحظات عامة عليه نتركها إلى مجال آخر.

المشكل الثاني: وهو على عكس المشكل الأول تماماً، فالفقيه ــ غير الحاكم الذي له الولاية ــ ليس معنياً بتحديد موضوعات الأحكام، أو مصاديقها، بمعنى أنه يقول لك: إن ملاقاة الدم للماء القليل تنجّسه، لكنه غير مسؤول عن تحديد حصول هذه الملاقاة في هذا الماء أو ذاك، وإنما الأمر على هذا المستوى موكولٌ إلى المكلّف نفسه.

وهذا مبدأ قَبِل به الفقه الإمامي، لهذا كانت الفتوى في مفهومهم لها عبارة عن الحكم الكلي على موضوعه الكلّي، أي إن الفقيه لا شأن له بالموارد الجزئية التطبيقية، وإلاّ دخل الفقه في متاهات.

وهذه الفكرة غاية في الأهمية في حدّ نفسها، لكنّ الفقه والفتاوى لم تعمل بها دائماً، فنحن نجد الكثير من الفتاوى في الرسائل العملية وغيرها لا تنطبق عليها هذه القاعدة، والناس اعتادت على اعتبار هذه الفتاوى حجة، رغم أنها ليست في حدّ نفسها حجةً وفقاً لقواعد الفقه نفسه، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، فيما ينتمي إلى غير ما يسمّى بالموضوعات المستنبطة، فنجد فقيهاً يفتي بحرمة التدخين، مع أنّه لا يوجد هكذا حكم في كتاب ولا سنّة على مستوى تعلّقه بعنوان التدخين، وإنما الموجود هو حرمة الإضرار بالنفس، وهو ــ أي الفقيه ــ اقتنع قناعةً شخصية أن التدخين فيه إضرار بالنفس، لذلك حكم بحرمته، على أساس صيرورته مصداقاً لمتعلّق الحكم بالحرمة، ألا وهو الإضرار بالنفس، مع أنّ هذا التحديد للموضوع ــ أي كون التدخين مضرّاً أو غير مضرّ ــ ليس من وظيفة الفقيه بما هو فقيه، ودليل حجية الفتوى عندهم لا يشمل مثل هذه النتائج الموضوعية، مع ذلك رأينا صيغة الفتوى هي التحريم المنصبّ على التدخين، مع أن الصيغة الحقيقية المفروضة هي أن يقول: يحرم الإضرار بالنفس، أو يحرم التدخين إذا أضرّ بالنفس، وهذا الإضرار المسبّب يرجع تحديده إلى المكلّف نفسه ــ وقد يقتنع بالضرر وقد لا يقتنع ــ لا إلى الفقيه، وفق الأصول المعمول بها في الفقه الإسلامي.

وهكذا يقول الفقيه: ثبت العيد اليوم، فهل قوله حجة مع عدم بنائه هو نفسه على حجية حكم الحاكم في ثبوت الهلال؟ فقهياً إذا كان حكم الحاكم في هذا المورد حجةً، وحَكَم، كان قوله حجةً على مقلّديه وغيرهم ممّن يقلّدون من يقول بحجية حكم الحاكم هنا على الأقلّ، أما مع عدم القول بحجية حكم الحاكم هنا، وصرّح المفتي أو المرجع بثبوت الهلال، فإنّ قوله لا قيمة له تشريعاً، إلاّ إذا أورث الناس ــ من خلال كونه مخبراً ــ اطمئناناً بصدق الشهود وعدالتهم، لا بوصفه فقيهاً، مع أن الناس لا تتعامل على هذه الطريقة، وهذا خطأ واضح.

ولو شئت أن أذكر الأمثلة على ذلك لما اتسع المجال أبداً، وهذه أخطاء شائعة في الفقه المتداول بين الناس، وثمة في الفتاوى الكثير من هذه الأنواع والألوان.

وعليه، فإذا كان المطلوب من الفقيه من جهة أن يواكب الواقع وتكون فتاواه ورسائله العملية قائمةً على الواقع والنصّ معاً، لا بعيدة عن الواقع تتعامل مع النصوص فقط، باعتبار أنه مرجع تقليد لا مجرّد باحث علمي فقيه لا أثر لرأيه في الواقع الاجتماعي و.. للناس، فحديثنا عن الفتوى بما تمثله من حلقة وصل المرجعية بالأمة.

وإذا كان المطلوب من الفقيه أيضاً ــ من جهة ثانية ــ أن ينضبط ضمن وظيفته المحدّدة في الفقه الإسلامي، وهي حجية الفتوى لا مطلق الرأي ولو كان في تحديد الموضوعات غير المستنبطة، فكيف يمكن الجمع بين الوظيفتين؟ وكيف يتسنّى للفقيه أن يواكب في فتاويه حركة الواقع مع كونه غير معنيّ ــ فقهياً ــ بغير الحكم الكلّي؟!

أعتقد أن الجواب يكون بالجمع والتوفيق طبقاً للأساسين التاليين، وهما:

أولاً: التمييز في عالم الموضوعات، لا بين الموضوعات المستنبطة وغيرها فحسب، بل بين الموضوعات التي يصحّ إيكالها إلى المكلّف وغيرها، فمثل تحديد حصول الملاقاة أو ما شابه ذلك شأن فردي يمكن إيكاله إلى المكلّف، ولا دليل يُلزم الفقيه ــ تكليفاً ــ بالتدخل، كما لا دليل يعطي رأيه ــ وضعاً ــ الحجية والاعتبار فيه، لهذا فهذه الموضوعات يفترض أن يتجنّب الفقيه الدخول فيها؛ لأن تدخله موجب لإيهام الناس حجية قوله، بل عليه أن يتركها لهم يحدّدوا فيها أمورهم.

نعم له ذلك من باب أنه صاحب جهة ونفوذ، فيمكنه القيام بما قد لا يمكن لغيره القيام به، مثل ما لو فرض أن جبنةً أو طعاماً ما شك في أمره على مستوى الحلية والحرمة، للشك في شأن موضوعي فيه لا حكمي، وأراد الفقيه ــ بحكم منصبه الديني في المجتمع ــ أن يتابع هذا الموضوع، كي يساعد الناس على تحديد أمرها إزاء هذا الطعام أو ذاك، فله ذلك؛ ولكنّ قوله لا يكون حجةً عليهم إلاّ إذا أورثهم الاطمئنان أو السبيل المعتبر، ويمكن لأي جهة لها نفوذ أن تقوم بهذه الخدمة أيضاً.

وعليه، فالموضوعات التي لا محذور من إيكالها إلى الأفراد توكل إليهم على مقتضى القاعدة كما شرحنا، أما الموضوعات التي إذا أوكلت إلى الأفراد لزم الفوضى أو الهرج والمرج أو مفاسد أخرى نوعاً، فإن مثلها يعود إلى الفقيه أن يتدخّل فيه، لكي يعطي الموقف هناك.

وعلى سبيل المثال، مسألة السرقة المتقدّمة، فإنّ إيكال تحديد عدم حصول مفاسد إلى الأفراد سيلزم منه حصول المفاسد في الخارج، فكلّ فرد سيقول: إن عملي متقن ولن يقع ما يوجب الضرر عليّ أو على أحد من المسلمين، أو يوجب هتك حرمة المؤمنين، فالنظرة الفردية تظلّ متفلّتة من القراءة المجتمعية العامة، والفقيه هنا؛ لكي يضبط الأمر من ناحية تشريعية، يحدّد الموضوع لا من زاوية فردية بل من زاوية عامة، حاصداً مجمل الصورة التي تقع في هذا المجال أو ذاك، ليصدر حكمه الثانوي طبقاً له، فإنّ هذا الحكم الثانوي بالحرمة وإن كان قائماً على أساس حرمة هتك سمعة المؤمنين مثلاً، إلاّ أنه لا يحقّ لآحاد المكلّفين أن يعتبروا تحديد هذا المعيار الذي قامت الفتوى على أساسه من شؤونهم وبيدهم، فكلّ أمرٍ يكون إيكاله إلى الآحاد موجباً للهرج والمرج أو المفسدة، أي يختلّ فيه الضبط العام، يُرجع في تحديد حكمه حينئذٍ إلى الفقيه، لا لأن الفقيه قام دليل على حجية فتواه هنا، بل لأنّ هذا هو السبيل الوحيد للالتزام بالشريعة، درءاً لمادّة الفساد أو سدّاً للذرائع، إذ لو ترك الأفراد أنفسهم لتحديد الأمر للزم ــ بقراءة عامة مجتمعية ــ حصول المفسدة، وهو أمرٌ لا يجوز، ولهذا لو عثرنا على سبيل ضبط آخر غير مرجعية الفقيه على المستوى الديني ــ وكلامنا على المستوى الديني ــ أمكن الأخذ بها لتحقيق المصلحة المذكورة أو دفع المفسدة.

ومن الطبيعي هنا أن يجري بحث في التمييز المصداقي بين نوعي الموضوعات، أي ما يوكل للمكلّفين وما لا يوكل، مما لا مجال لبحثه هنا، لكن ما أودّ أن أشير إليه أنّ القضية متحركة، فرب موضوعٍ ما في ظرف زمكاني خاص مما يصحّ إيكاله إلى الآحاد، فيما لا يصحّ ذلك في حقّ الموضوع نفسه في ظرفٍ آخر، والمعيار دائماً هو الواقع الميداني.

ثانياً: اللجوء إلى مقولة «حكم الحاكم»؛ باعتبار أنّ للحاكم صلاحية التدخل في الموضوع على خلاف الحال مع الفتوى، كما هو مبحوث في الفقه، وتبدو الحاجة إلى حكم الحاكم لحلّ المسألة التي نحن فيها في القضايا ذات الطابع العام أيضاً، والتي تحتاج إلى قدر أكبر ــ عادةً ــ من الصرامة، فمثلاً لو قيل: إن الفتوى الشرعية هي لزوم محاربة العدو الغاشم مثل إسرائيل، شريطة أن لا يلزم من الحرب معها مفاسد أعظم على أمة الإسلام، فيجري قانون التزاحم بين المفسدة والمصلحة لصالح ترجيح وجوب الجهاد تارةً أو لزوم السلم أخرى، فإن هذا العنوان الكلي لا يمكن إيكاله إلى المكلّفين؛ لأن معظم أحكام باب الجهاد من الشأن المجتمعي العام الذي يصعب إحالته إلى الآحاد؛ للزوم الفوضى وغيرها فيه؛ لهذا ثمة حاجة إلى قرار موحّد، ففي كلّ الدول، تتخذ الدولة القرار المذكور، دون أن تسمح لآحاد الناس أن يتعاطوا معه بمزاجية، وأما على الصعيد الشرعي فيُفترض إحالة مثل ذلك إلى الحاكم الشرعي؛ لأن مثل هذه الموضوعات تحتاج إلى قدر كبير من الصرامة والقاطعية، الأمر الذي يمنحنا إياه حكم الحاكم، بما له في الفقه الإسلامي من نفوذ حتى على الآخرين ممّن لا يقلّدون هذا الحاكم نفسه.

إذن، فحكم الحاكم وسيلة أخرى في مجالات محدّدة تسمح بدخول الفقيه مجال الموضوعات، وعليه، نعود إلى نقطة بحثنا لنرى أن الفتاوى والرسائل العملية يجب:

أ ــ أن تخلو من التدخل في الموضوعات غير المستنبطة والتي لا تنتمي إلى حكم الحاكم ولا إلى نوع الموضوعات التي لا يصحّ إيكالها إلى الآحاد، وهذا ما أظنّ أنه سوف يغيّر عدداً من الفتاوى الموجودة في الرسائل العملية أو على الأقل صيغتها.

ب ــ أن تخلو من الكلية والتجريدية، ففي الموضوعات التي لا يصحّ إيكالها إلى الآحاد، لا يصحّ وضعها بصورتها الأولية في الرسائل العملية أو الفتاوى، بل يفترض أن تحتوي الرسالة العملية أو الفتوى مباشرةً الحكمَ الثانوي، ويُترك الحكم الأولي للأبحاث العلمية الصرفة.

هذا، وأمّا تفاصيل هذه المباحث وتخريجاتها الاستدلالية مما ألمحنا إلى بعضه فنتركها إلى مجال أوسع.

>فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ

ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا<

] النساء: 65 [.
 



 


([1]) نشر هذا المقال في العدد الرابع من مجلة الاجتهاد والتجديد في بيروت، خريف عام 2006م.     


فقه الجهاد في الإسلام حاجات التجديد وضرورات المنهجة(*)

16 أكتوبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
484 زيارة

فقه الجهاد في الإسلام حاجات التجديد وضرورات المنهجة(*)

يحتاج الفقه الإسلامي، كسائر العلوم البشرية، إلى إعادة هيكلة وتبويب كل فترة؛ لأنّ تبويب الفقه وتقسيم مباحثه ليس أمراً جزافياً أو اتفاقياً عادةً، وإنما يلعب دوراً في مسيرة العلم، أو يكشف عن تصوّر له، فقد يعيق حركته، وقد يدفعه إلى الأمام، كما قد يجعله مواكباً للواقع، وقد يصيّره أعجز عن أن يؤثر فيه أو يصاحبه، من هنا تحتاج العلوم ـ عادةً ـ إلى إعادة هيكلة تستجيب لطبيعة التطوّرات من جهة، كما تدفع العلم نفسه نحو مزيد من الإنتاج، من جهة أخرى.

وفي هذا الإطار سنأخذ مباحث الجهاد من الفقه الإسلامي ــ سيما الشيعي ــ كي نحاول رصد الهيكلة والأهمية فيها.

1ــ النقطة الأولى التي تواجهنا في موضوع فقه الجهاد، ظاهرة عدم الاهتمام الفقهي الشيعي الجادّ بهذا الملف الهام، حيث نجد أن بعض الفقهاء حذف ــ كلياً ــ من دوراته الفقهية هذا البحث؛ فالمحقق النراقي (1254هـ) الذي لم يستعرض في كتابه القيّم «مستند الشيعة» مباحث الجهاد، نجده في حاشيته على كتاب الروضة البهية للشهيد الثاني (965هـ)، يُتمّ التعليق على كتاب الحج من الروضة، ثم يقفز لكتاب القضاء، دون أن يستعرض شيئاً من كتاب الجهاد الذي يقع في الروضة ما بين الحج والقضاء، فإذا كان باب الجهاد موجوداً في الروضة، وكان الكتاب في الأصل حاشيةً على الروضة، فلم تمّ القفز فوقه دون أي تعليقةٍ عليه؟!

وعلى المنوال عينه، السيد أحمد الخوانساري (1405هـ) صاحب كتاب «جامع المدارك»، فإنّ هذا الكتاب يمثل دورةً فقهيةً يعدّ كتاب «المختصر النافع» للمحقق الحلّي (676هـ) متناً لها، وفي المختصر النافع يوجد كتاب الجهاد، لكننا نرى أن السيد الخوانساري، عندما يصل إلى فقه الجهاد من المختصر، يقفز عنه، ولا يكتب حوله شيئاً، الأمر الذي لا يمكن تفسيره إلا على أساس التعمّد، لعدم احتمال السهو هنا.

والأمر عينه نجده مع الشيخ الصدوق (381هـ)، حيث حذف بشكل تام كتاب الجهاد من «المقنع»، فيما تعرّض له باختصار شديد في كتاب «الهداية»، وهما الكتابان الفقهيان الرئيسان له، تماماً كما حصل مع الشيخ المفيد (413هـ) في «المقنعة»، حيث دمج عنوان الجهاد والأمر بالمعروف مع بعضهما لكنه لم يتحدث عن الجهاد إطلاقاً رغم وضعه عنوانه في الأعلى.

ولست هنا بصدد استقصاء هذه الظاهرة، لكنني أعتقد أنها ذات دلالة، كما لا أقصد أن هناك تجاهلاً تاماً في الفقه الشيعي لمباحث الجهاد، فكتاب الجهاد في الفقه واضح موجود، إلاّ أنه لا يمكن مقارنة مباحث الطهارة به ولا مباحث البيع، فالاهتمام به كان من الدرجة الثالثة إن لم نقل: أقلّ.

وتؤكد هذه الظاهرة تجاهل فريق من الفقهاء لهذا الموضوع، ولعلّ السبب في ذلك يرجع إلى أن الفقه الإمامي لم يشعر أنه بحاجة إلى دراسة موضوع الجهاد، لقلّة بلواه به، سواء على مستوى الفرد الشيعي أو على مستوى الدولة أو الجماعة الشيعية، وما يعزّز ذلك أننا لاحظنا تدوين العديد من الرسائل الجهادية في الحقبة القاجارية، كالرسالة الجهادية للملا رضا الهمداني، كما نجد في الحقبة نفسها توسّع بحوث الجهاد، وأبرز أنموذجين على ذلك ما نلاحظه في كتاب «كشف الغطاء» للشيخ جعفر كاشف الغطاء (1227هـ)، وكتاب «رياض المسائل» للسيد علي الطباطبائي (1231هـ)، وهما من أبرز أعلام تلك الحقبة، حيث أفاضا في مباحث الجهاد؛ نظراً لابتلاء الدولة القاجارية آنذاك، وعلى مرحلتين، بحرب ضروس مع الروس، وهذا ما يؤكّد أن مسألة الابتلاء الشيعي بموضوع الجهاد وعدمه لعبت دوراً كبيراً في ضمور بحوث الجهاد أو توسّعها، ولهذا شاهدنا تراجعاً لمباحث الجهاد نهايات العصر القاجاري، كما أن السبب عينه هو ما يجعلنا نرى تطوّراً في دراسة موضوع الجهاد في الفقه السنّي، عندما نقارن ما كتبه السنّة بما كتبه الشيعة.

ومما يشير إلى مسألة الابتلاء ودورها ــ ولو إشارة فيها بعض الضعف ــ حذف السيد المرتضى (436هــ) كتاب الجهاد من «جمل العلم والعمل»، مع تعهّده بذكر ما عمّت به البلوى واحتاجه كلّ مكّلف، مما قد يوحي بعدم كون موضوع الجهاد موضوعاً ابتلائياً آنذاك.

2 ــ وعلى هذا الأساس، يُفترض إعادة تحريك ظاهرة الاهتمام بفقه الجهاد في الوسط العلمي؛ إذ الأمّة ــ من جهة ــ تعيش مفردات كثيرة لهذا الجهاد، وعلى صُعد مختلفة، داخلية وخارجية، كما أن المجتمع الشيعي مند بداية انطلاقة الثورة الإسلامية في إيران، والعراق، ولبنان.. شهد تجربةً جديدة، مليئة بالوقائع والابتلاءات والمستجدات والنوازل، فكيف يمكن بعد ذلك أن يتجاهل الفقهاء هذا البحث الهام، بعد كثرة الابتلاء به وعظيم الحاجة إليه؟! من هنا دعوتنا لمشاريع عمل فقهية فيما يخصّ «فقه الجهاد»، لا سيما على المستوى الشيعي.

3 ــ وهناك ما يفرض أحياناً إعادة قراءة باب الجهاد في الإسلام غير ظاهرة الابتلاء العام، وهو دخول موضوع الجهاد مجال السجال الفكري بين الغرب والإسلام، فمسألة الجهاد الابتدائي وحرية الرأي والمعتقد، وكذا موضوع الجزية والذميّة و.. ملفات ثقافية شائكة تحتاج إلى دراسة على ضوء آخر الأوضاع النقدية الموجودة، تماماً كمقولة انتشار الإسلام بالسيف، وأن العلاقات الدولية في الإسلام تؤسّس على الحرب، أو ما يسمّى بأصالة الحرب دون السلم، وفي هذا السياق يأتي دخول موضوع إهدار دماء الحربيين، بعد تعميم تعريفهم لكلّ من هو غير ذمّي ولا معاهد، مع دراسة مسألة المعاهدة على ضوء التعميم الذي مال إليه بعض الفقهاء المتأخرين من شمولها لمعاهدات الشعوب، أو لمعاهدة الأمم المتحدة، بحيث يؤدي ذلك إلى تغييرات جذرية تماماً في الموقف الفقهي على صعيد العلاقات مع غير المسلمين في العالم.

ولا نقصد بإعادة النظر تطويع الفقه الإسلامي للواقع، أو للآراء الجديدة الغربية وغيرها، وإنما التعامل معها على أساس الاحترام الفكري والجدية، ومن ثم فغياب مباحث الجهاد فترةً طويلة في ظلّ التطوّر المعرفي في العالم يستدعي حاجةً لقراءة جديدة غير انهزامية ولا تطويعية.

 4 ــ وفي هذا السياق، نلاحظ دخول ظواهر مستجدة قد تفرض إعادة النظر في مباحث سابقة، وكمثال على ذلك موضوع تقسيم الغنائم بين المقاتلين، فإن هذا الأمر، قد يقال: إنه لم يعد له اليوم معنى؛ إذ لا معنى لتقسيم الدبابات والطائرات بين المقاتلين على رأي بعضهم، أو مسألة أحكام المبارزة التي لم يعُد لها معنى اليوم، أو إعطاء الأمان من أيّ مسلم لأيّ كافر على بعض المعاني على الأقلّ، أو مسألة القتال في الأشهر الحرم مع حرمة النسيء مما بات يفسّره بعضهم على أنه حكم خاصّ بوضع الجزيرة العربية اقتصادياً آنذاك، أو تعميم مفهوم المرابطة لمطلق قوى الأمن المتواجدة على الحدود وفي الموانئ والمطارات و…

ولا نقصد تصحيح هذه الآراء فعلاً، إلا أنّ طبيعة مباحث الجهاد تتحمّل الكثير منها؛ باعتبار حراكية هذا الموضوع الذي تتحوّل ظروفه بتغيّر الزمان والمكان؛ مما يستدعي إعادة قراءته بشكل جديد، شرط عدم تملّك الروح الانهزامية للباحث نفسه؛ فيحافظ ــ بذلك ــ على أصالة الفقه وحراكيّته في آن.

5 ــ على صعيد آخر، اختلفت منهجة البحث في الجهاد بين الفقهاء اختلافاً كبيراً، ويمكن القول: إن أكثر بحوث الجهاد لم تقع منظّمةً على أساس خارطة واضحة ومنتظمة مسبقاً، وإنما جاءت على شكل مسائل متتالية، ونلاحظ على هذا الصعيد أنّ بعض المصنفات الفقهية أدرجت بحث المحارب في كتاب الجهاد، والمفروض إدراجه في الحدود كما هو المتعارف، وكذا الحال في بحث الارتداد، أو سبّ النبي، وبحث الأمر بالمعروف، والإشكالية التي تظهر هنا أنه ليس كلّ استخدام للقوّة جهاداً، حتى تقحم موضوعات تتعلّق بالأمن الداخلي للدولة أو بالجهاز القضائي في دائرة موضوع الجهاد.

كما أدرجت بعض المصنّفات ــ مثل جواهر الكلام للنجفي (1266هـ) ــ بعض أحكام باب النكاح والمعاملات الواقعة مع أهل الذمّة في باب الجهاد، فيما المفروض أن يكون بحث الذمة المتعلّق بالجهاد مقتصراً على مبدأ الذمام وشروطه وما يوجب سقوطه، دون التفاصيل اللاحقة ــ عملياً ــ عليه، من أحكام مناكحتهم أو قضائهم أو.. مما غدا ينتمي إلى قضايا الدولة الداخلية لا إلى جهازها الدفاعي، ويتصل بباب فقهي جديد في تبويبه هو فقه الأقليات، سواء الدينية أو العرقية أو اللغوية أو.. وهو ما ينفتح على مفهوم المواطنة في الدولة الإسلامية.

وهكذا نجد أنّ بعض الكتب الفقهية تعرّضت بشيء من التفصيل لأحكام الأراضي في باب الجهاد، بل تعرّضت لإحياء الأرض الموات، كما تعرّضت لمبحث الأنفال وتفاصيله، وبعض مسائل الخمس، والمفروض في ذلك كلّه أن يُدرج في النظام المالي والاقتصادي للدولة، وأن يُقتصر في مباحث الجهاد على أولياته، وموجبات دخول الأموال في ملكية المسلمين أو الدولة الإسلامية، بسبب نزاع عسكري أو نحوه.

والملاحظة المستجدة حول الموضوع أن المباحث الفقهية ينبغي إعادة تنظيمها تبعاً لتطوّر الدرس القانوني وانشعاباته، فمباحث قد تكون اليوم في كتاب الجهاد تغدو غداً في كتابٍ آخر والعكس صحيح؛ إذ لا توجد صيغة توقيفيّة لتقسيم الأبواب والبحوث في الفقه الإسلامي؛ حيث نلاحظ أن ترتيب الفقه ــ مثلاً ــ قبل صاحب الشرائع في القرن السابع الهجري كان مختلفاً عن ترتيبه بعده وهكذا.

من هنا، يفترض في التقسيم المقترح أن يرعى هذا الجانب، لذا نلاحظ أن المقصود بالجهاد هو فقه الحرب والسلم بما يشمل العلاقات العسكرية بين الدولة الإسلامية وما هو خارج جغرافيتها، إلى جانب الحرب التي تشنّها الدولة مستخدمةً القوّة العسكرية ضدّ حركات التمرّد، أو تستخدمها الحركة الإسلامية ضدّ النظام الحاكم بصورةٍ مسلّحة.

ومعنى ذلك أن البحث عن تأسيس نظام إسلامي في عصر الغيبة وشرعية هذا النظام وشكله خارجٌ عن دائرة بحث الجهاد، والداخل فيه خصوص النشاط المسلّح لإسقاط نظامٍ ما دون الحديث عن البديل ونوعه.

6 ـ ويبقى ــ في نهاية المطاف ــ موضوع ثقافة الجهاد في الوعي المجتمعي عند المسلمين، فهناك أزمة حقيقيّة على هذا الصعيد؛ حيث نجد تضارباً في وجهات النظر حاداً، بقدر حدّة المنعطفات التي تعيشها الأمة الإسلامية، ففريق يصرّ على جعل الأولوية القصوى لنوعٍ واحد من الجهاد، هو الكفاح المسلّح، متناسياً أن القرآن الكريم في بعض نصوصه المكية ــ أي قبل تشريع الجهاد ــ كان قد عبّر عن الجهود الدعوية و.. بالجهاد، فلا يصحّ الاستهتار بالجهود غير العسكرية في هذه الأمة، ووصمها دوماً بالتخاذل والعمالة، لصالح ــ أحياناً ــ أسلوب عنيف في الجهاد، لم يجرّ على الأمة سوى الموت والدمار وتشويه صورة الإسلام في العالم، بقتل الأبرياء، وذبح المدنيين، فهذا ليس جهاداً، بقدر ما هو انفجار احتقان الإحباط في هذه الأمة، تضفى عليه عناوين دينية.

وفي المقابل، ثمة من يطوي صفحة الجهاد بالمرّة، وكأن الجهاد الدفاعي حكم تاريخي، لم يعد له موضوع اليوم في ظلّ هجمات الاستكبار العالمي على الإسلام والمسلمين! وكأن الأساليب السلمية كانت ناجعةً دوماً في تحقيق المطلوب.

إذن، هناك حاجة لنشر ثقافة الجهاد الصحيح المتوازن في الأمة، الذي يقدّر حساب الأمور دوماً، ويزن المصالح والمفاسد بوعي، فلا يتهوّر في اندفاعه، ولا يجبن في انكفائه، وبهذا تتمكّن الأمّة من النهوض ــ بمختلف الأشكال ــ للدفاع عن نفسها من ظلم وجور الجائرين الفاسدين، بحولٍ من الله سبحانه.

 

>أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ<

 

 

______________________________________________________

]الحج: 39[.

 



 



الفقه الإسلامي المعاصر وإشكاليات التجديد(*)

1 أكتوبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
628 زيارة

الفقه الإسلامي المعاصر وإشكاليات التجديد(*)



ثمّة مدرستان كبيرتان تتجاذبان الفقه الإسلامي اليوم، بفريقيه: الشيعيّ والسنّي:

المدرسة الأولى: وهي المدرسة التراثية التي تميل أكثر إلى الأصول الاجتهادية التي قرّرها متقدمو العلماء، وتقوم بتطويرها تطويراً تدريجياً هادئاً، أي أنها تأخذ تلك الأصول ثوابت في الأعم الأغلب، وتنطلق عبرها، وترى أن مجال الاجتهاد وحرية البحث العلمي مفتوحةٌ على مستوى تفاصيل الأصول المذكورة، وأحياناً على مستوى بعض هذه الأصول وبشكل محدود نسبياً.

وتبدو للقارئ معالم شبه واضحة إلى واضحة تماماً ـ إذا لم نُرد أن نكون متفائلين ـ لأبرز العناصر والبُنيات التي تُقام عليها فقهيّات هذه المدرسة واجتهاداتها، فعنصر التراكم المعرفي لدى هذه المدرسة أكبر من المدرسة الأخرى، يساعد في ذلك مرور أجيال كثيرة ساهمت في تنقيح وتشييد وتهذيب وتشذيب أركان ومعطيات هذا اللون الاجتهادي في علم الفقه.

ورغم ذلك، نجد أن بعض الأصول والمنطلقات والقواعد التي ينطلق منها هذا الفريق من الفقهاء ما يزال غير مدروس على مستوى التدوين، أي أنه لا توجد بحوث مستقلّة فيه، يجري البحث حولها والتعليق عليها، ولهذا يمكننا القول: إن أصول الفقه الإسلامي في صورته المدرسيّة له وجهان: أحدهما ظاهر مدوّن بارز، نجده في المصنّفات الأصولية الإسلامية منذ القرن الثاني الهجري وإلى يومنا، وثانيهما مضمر مختبئ كامن في وعي الفقهاء، قائم في بعض الأحيان على تراكم الخبرات وتجارب التعامل مع النصوص والمعطيات الاجتهادية، ولا يصحّ اعتباره باطلاً لأنه لم يخرج إلى عالم التدوين والبحث الواعي بل ظلّ في اللاوعي.

نعم، هناك حاجة ماسّة لإخراج هذا المخزون المتراكم على صورة المفاهيم الملفوظة، لكي تدرس بشكل مركّز، وهنا يحصل أنّ بعض هذا المخزون عندما يصل إلى هذه المرحلة تشتدّ قوته، وتتراكم البراهين عليه، ويُصبح أشدّ وضوحاً ومنهجةً ودقة، كما يحصل أنّ بعض هذه المفاهيم ينكشف ضعفه وعدم وجود مستند علمي له، وأنّ الحالة النفسية هي التي لعبت دوراً في ترسيخه، فلمّا أخضعت لمجهر النقد العلمي بان أنّها ليست بشيء يستحقّ الوقوف عنده.

من هنا، نطالب بتفكيك هذه الأُسس اللاملموسة للفكر الاجتهادي، بغية انجلاء المعرفة أكثر فأكثر، واستحكامها من جهة، كما وتنقيتها من جهةٍ أخرى.

المدرسة الثانية: وهي ما نسمّيه ـ فعلاً ـ المدرسة المعاصرة التي تمثل بعض شرائح المجتمع العلمي، وتمتاز هذه المدرسة بميّزات، بعضها يعبّر عن نقاط ضعفٍ، وبعضها الآخر عن نقاط قوّة:

أ ـ من نقاط الضعف في هذه المدرسة، كثرةُ الأسس غير المدروسة صراحةً، وإنما هي مختزنة في اللاوعي نتيجة تراكم المعطيات الفكرية، تماماً كما حصل ـ وفق ما بيّناه ـ مع المدرسة التراثية، لكن مع فارقٍ في أن درجة التنظير المفاهيمي في المدرسة التراثية أكبر من المدرسة المعاصرة، وذلك ـ كما قلت ـ نتيجة الجهد المركّز على الأجيال، فإن هذا العمق التاريخي سمح لهذه المدرسة بالكشف عن بناءات كثيرة تقوم عليها، فيما المدرسة المعاصرة ما زالت تعاني ـ في بعض أوجهها ـ من درجةٍ كبيرة من اللاتنظير في هذه الأسس، وهو ما زاد من الغموض حولها أمام الطرف الآخر الذي لم يَعِش هذه الأسس في لاوعيه.

ولكي أعطي مثالاً، أذكر مسألة تاريخية النصّ الديني، فقد ذهب فريقٌ معاصر إلى القول بأن الأصل في الأحكام الفقهية أن تكون تاريخيةً، وأن الحكم الثابت الإلهي يحتاج إلى شاهد يدلّ عليه، فلو أصدر النبي (ص) حكماً فإن القاعدة تستدعي اعتباره حكماً تاريخياً مرحلياً لا نشاط له في الحقبة المعاصرة، إلا إذا ساعدتنا الشواهد الخاصّة على إثبات استمراريّته في الزمان والمكان، كما أن بعض أنصار التاريخية، ولو لم يصرّحوا بهذا المبدأ، إلاّ أنّهم كثيراً ما يتعاطون مع النصّ الديني بعقلية تاريخية.

وعلى العكس من ذلك المدرسة التراثية؛ حيث اعتبرت ـ بالأعم الأغلب منها على الأقلّ ـ أنّ الأصل في النصوص الدينية أن تكون إلهيةً ثابتة عبر الزمن، وأنّ الحديث عن تاريخيّتها يظلّ هو الاستثناء الذي يحتاج إلى شاهد أو قرينة؛ ولهذا قلّ توظيف المنطق التاريخاني في التعامل مع النصوص الدينية في الوسط التراثي، مع نسب مختلفة بين مثل مدرسة الرأي ومدرسة الحديث.

وهنا نلاحظ أنه من النادر أن يتصدّى الفريق المعاصر في الاجتهاد الفقهي لدراسة تاريخية النصّ الديني على صعيد أصول الفقه، وحتى لو تصدّى لذلك، فهو لا يقدّم التاريخية سوى مسلّمٍ أنتجته التراكمات المعرفية الفلسفية والألسنية، دون أن يكيّف هذا المفهوم في بناء الاجتهاد في أصول الفقه الإسلامي، أي أنه لا يقوم بعملية تبيئةٍ له في نطاق الاجتهاد الإسلامي؛ حتى يحظى بالاعتراف، وهذا ما يستدعي تسجيل ملاحظة، وهي أنّ ذلك أدّى إلى حالة من الفوضى أحياناً في التعامل مع بعض النصوص دون ضوابط تحدّد إطار الاستخدام التاريخاني للنصّ، مما أوجب قلق الفريق المدرسي في المؤسّسة الدينية.

من هنا، كانت هناك حاجة ماسّة لطرح البناءات التحتية على بساط البحث، تلك البناءات التي لم تتحوّل إلى مقولات مفاهيمية مدوّنة، فحركة التدوين من شأنها إلغاء حالة الاستنساب أحياناً، أو فوضى التطبيق أحياناً أخرى، أو عدم تحديد الدائرة والنطاق اللذين يتحرّك داخلهما هذا المفهوم أو ذاك.

ب ـ في هذا السياق، ثمّة نقطة ضعف أخرى تعاني منها هذه المدرسة على مستوى آليات عملها، فهذه المدرسة تمثل أنموذج الانفتاح على الآخر من الاتجاهات الفقهية المتنوّعة في الساحة الإسلامية، ولا تبدي كثير ممانعة من استقاء مقولات من مذاهب أخرى عندما تقتنع بها، أي أن الحاجز المذهبي ليس عقبةً أمامها في إنتاجها الفقهي، وهذه نقطة إيجابية في حدّ نفسها ومن حيث المبدأ.

لكن المسألة أنّ عملية التوظيف هذه يتمّ اقتطاعها ـ أحياناً ـ اقتطاعاً من داخل النسق المذهبي الآخر دون ملاحظة المناخ الذي تعيش فيه أو تنمو هذه المقولة أو تلك في إطاره، وحيث نعرف أن علم أصول الفقه قد وُلد تاريخياً ـ على الصعيد الشيعي ـ من رحم علم الكلام، لا فقط من رحم علم الفقه أو الحديث، خلافاً ـ تقريباً ـ لما يرى السيد محمد باقر الصدر (1400هـ)، كما تحدّثنا عن ذلك واستعرضنا الشواهد في دراسة أخرى، فإن معنى ذلك وجود ترابط وثيق بين علمي الكلام والأصول، وهذا الترابط وإن كان تاريخياً إلاّ أنه ما زال يلقي بظلاله على إنتاج أصول الفقه الإسلامي، ومن ثم يجب الأخذ بعين الاعتبار العناصر الكلامية المتواشجة مع المقولات الأصولية في المذاهب الأخرى؛ لأنّ التغافل عن هذا الموضوع سوف يؤدي إلى اصطدام مشروع النهضة الأصولية والفقهية بملفّ الخلاف المذهبي، والجميع يَعرف أن النصر سيكون لصالح الملفّ الكلامي والمذهبي من الزاوية النهضوية والاجتماعية والسياسية.

إذن، فمن الضروري أن تحدّد المناخات الكلامية و.. التي تحيط بالنتاج الأصولي والفقهي للمدارس المختلفة، لتحديد مدى إمكانية التوظيف بما لا يتصادم مع المناخات التي تحملها المدرسة الأخرى، وعدم الاستعجال في هذا الموضوع.

ج ـ وفي إطار الملاحظات، ثمّة فارق واضح بين هاتين المدرستين اللتين صدّرنا بهما الحديث هنا، وهو أن المدرسة التراثية تنطلق ـ عادةً ـ من النصّ إلى الواقع، فالواقع فيها منفعل، فيما النصّ هو الفاعل، حسب البناء الأيديولوجي الذي تؤمن به، وإذا ما احتاجت أحياناً إلى مراجعة الواقع قبل مطالعة النص فهي تراجعه من منطلق الحاجة إلى تحديد موضوع الحكم، حتى تضع الحكم الصحيح في مكانه الصحيح، وهذه خطوة جديرة وصحيحة ومنطقية أيضاً.

في مقابل ذلك، كثيراً ما نجد أنصار المدرسة الثانية ينطلقون من الواقع إلى النصّ، أي أن درجة ملامستهم للواقع وانفعالهم به تبقى أكبر، لهذا فهم يسعون لجعل الواقع مؤثراً ـ معرفياً وإيبستمياً ـ بالنص، فتتقيّد بذلك حركة النصّ طبقاً لمتطلّبات الواقع.

ولعلّ مثالاً مبسّطاً غير مفرط لهذا النوع من التفكير، هو ما جاء في كلام السيد محمد باقر الصدر في كتاب «اقتصادنا»؛ فقد لاحظ الصدر أنّ الاجتهاد السائد في المدارس الفقهية هو اجتهادٌ يتعامل مع النصوص ونظام الحجيّة وبراءة الذمّة، لهذا فعندما يواجه أي إنسان حالةً ما في الحياة فإنه يرجع إلى ما تتطلبه منه النصوص الدينية؛ لكي تبرأ ذمّته أمام ربه سبحانه وتعالى، ومهما كانت نتائج البحث الفقهي فإنها لن تبدو ذات ثغرات عندما نطبّقها على حياة فردية شخصية، اللهم إلاّ نادراً، أما عندما نريد تطبيقها على حياة مجتمعيّة وعلى مستوى الأمّة والدولة، فإن شيئاً من عدم الانسجام سوف يحصل داخل نتائج البحث الاجتهادي، وعندما واجه الصدر هذه المشكلة في إطار رسم معالم مشروع اقتصادي متكامل، اندفع ـ بقطع النظر عن التبرير الفقهي ـ إلى طرح فكرة الأخذ بالاجتهادات المختلفة للفقهاء عبر الزمن، وتركيب مكوّن جديد متوالف ومنسجم فيها، وهذا التوالف هو توالفٌ يفرضه الواقع، لكنه على الصعيد النصّي لمجتهدٍ ما ليس انسجاماً في نتائجه من حيث تبعيّتها للأسس الاجتهادية والأدلّة، كما هو واضح.

هذا اللون من التفكير يضغط الواقع لتبنّيه، تماماً كما نجد اليوم نزوعاً نحو المقاصدية في التشريع وعودةً إلى طروحات الشاطبي (790هـ)، حتى في بعض الأوساط الشيعية، اعتقاداً بأن المقاصديّة يمكنها التجاوب مع الواقع بشكلٍ أفضل، كما وهناك حديث جادّ عن فقه المصلحة، وهو حديث كان شبه محرّم في الوسط الشيعي قبل نصف قرن من الزمن، لكنّ تجارب الحياة وخوض الفقيه غمار تأسيس الدولة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فرض عليه تناول هذا الموضوع بشكل أكثر جدّيةً واهتماماً.

إذن، فما هو المنهج الصحيح؟ هل الواقع هو الأصل؟ أم النصّ هو الأساس؟ أم هي توليفةٌ ما بين النصّ والواقع؟ وما هي هذه التوليفة؟

من الطبيعي أن تعكس رؤيتنا للواقع موقفاً هنا، فمن يرى واقع الحياة اليوم في انحدار واندحار من الطبيعي أن يميل أكثر لمرجعية النصّ، أما من يراه عكس ذلك فلا أظن أن نزعةً تشاؤميةً بهذا القدر سوف تحكمه.

لست هنا بصدد اتخاذ موقف نهائي؛ فالآراء متعدّدة، إنما نريد أن نؤكّد أن الإفراط في تبنّي أحد الاتجاهين، لم يجلب الكثير من النجاحات، فنحن لا نريد الله وأحكامه ألعوبةً بيدنا نُنطقه بما نشاء والعياذ بالله، كما لا نريد أن نصدّر إسلاماً للبشر لا يمكن أن يتكيّف مع البشرية، ولو في أحد الأزمنة، ويحلّ مشاكلها التي يُعنى بها حقّاً، ما دمنا نعتقد بخلود هذا الدين واستمراريّته.

د ـ وفي السياق عينه، هناك نقطة أساسية أيضاً، وهي أنّ الفريق المعاصر لم يختبر بشكل جادّ أفكاره على أرض الواقع؛ إذ كان المهيمن غالباً هو التيار المدرسي، وكانت معطياته الفقهية والقانونية هي الأكثر حضوراً وتطبيقاً وإنجازاً؛ لهذا بدت عناصر النجاح والإخفاق فيها بشكلٍ أكبر، أما الأطروحات الجديدة فلم نجدها تهيمن على نمط الحياة الدينية، حتى ننظر في آثارها الإيجابية والسلبية على مدى مدّة زمنية يمكن من خلالها الخروج بنتائج، ولهذا ظلّت بعض عناصر الضعف في هذا اللون من التفكير خافيةً ومستورة؛ لأن الواقع العملي هو الذي يكشف ـ غالباً ـ ضعف أطروحات قانونية وتشريعية.

إذن، فمن الضروري عدم المبالغة في النزعة المثالية التي تقدّمها لنا معطيات المدرسة الجديدة، بقدر ما المطلوب رصد تطوّرات الساحة الميدانية لمعرفة مدى النجاح الذي تحقق؛ إذ من الممكن لرؤيةٍ ما أن ترفع عن كاهلنا رؤيةً سابقة ذات آثار سلبية، لكن المهم أن لا توقعنا في آثار سلبية أكبر من ناحية ثانية.

>وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لاسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا<

] سورة الجن: 16 [.
 



 
 
 

المشروع الإسلامي وتحدّيات المرحلة(*)

1 أكتوبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
521 زيارة

المشروع الإسلامي وتحدّيات المرحلة(*)


1 ـ ثمّة إشكالية أساسية طرحها غير واحد من المفكّرين الإسلاميين، وأعتقد أنّ الدكتور أبو القاسم حاج حمد كانت له مساهمة جيدة في ذلك من خلال بعض الدراسات التي نشرت له في نهاية السبعينيات من القرن الماضي..، وتناول فيها إشكالية العلاقة بين الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي.

فالدولة الإسلامية مفهوم، ظاهرة، كلمة…، ما شئت فعبّر…، تقرأ مرةً لوحدها، وأخرى يتمّ النظر إليها ضمن الحقل الذي نضعها فيه…، وأريد هنا أن أستعير البناءات الأساسية التي طرحها المفكر الياباني (توشيهيكو إيزوتسو) في كتابه «الله والإنسان في القرآن الكريم»..، فهو يقول بأنّ كل كلمة في القرآن الكريم لها معنى أوّلي، يسمّيه المعنى الأساسي، وأننا إذا ألقينا هذه الكلمة في حقل معرفي آخر سيصبح لها معنى جديد، يسمّيه هو بالمعنى العلائقيّ، ويقدّم إيزوتسو لذلك أمثلة كثيرة في دراسة مستفيضة ومهمة، فكلمة «ساعة» في اللغة العربية لها معنى أوّلي معروف لا يزال موجوداً حتى الآن، وهي تعني المدّة القليلة من الوقت، لكنّك حينما ألقيتها في القرآن الكريم ضمن إطار معرفي جديد اتّخذت معنى آخر، فهي تأتي مرةً بمعنى نهاية العالم، وأخرى بمعنى موعد لقاء الله، وثالثة تنصرف إلى العقاب، وهكذا، وهذا يعني أنّها اكتست ثوباً جديداً نتيجة وضعها ضمن نظام علاقات مع مفاهيم جديدة.

مفهوم الدولة الإسلاميّة يمكن النظر إليه بهذه الطريقة، فمرّةً ننظر إلى الدولة الإسلاميّة بوصفها نظاماً ومؤسسات، ثم نفصلها عن المناخ المعرفي وعن الحقل الذي تعيش فيه..، فهنا يمكن أن تتحول إلى معنى يفصح عن مؤسسات معيّنة أو عن دساتير أو نظم أو ما شابه ذلك، لكن المفترض لدراستها وضعها ضمن سياقها الطبيعيّ، وهو المجتمع؛ لأنّ العلاقة بين الدولة والمجتمع علاقة تواشج وطيدة لا يمكن بترها بحال من الأحوال.

ثمّة أطروحتان تساهمان في تكوين وعينا لمفهوم الدولة الإسلاميّة، هما:

أ ـ الأطروحة التي تذهب إلى أنّ قيام الدولة الإسلامية يسبق أسلمة المجتمع، أو لا أقلّ لا يستدعي أن يسبقه إسلام المجتمع، فنحن نقوم ـ بدايةً ـ بأسلمة الدولة، ثم بعد ذلك أسلمة المجتمع…، ولعلّ من هذا الباب ما ينقل عن بعض العلماء الكبار من أنّه كان يؤجِّل المشاريع الدينيّة الصغيرة إلى ما بعد تأسيس الدولة، وهذا ما يعطي إضاءة بأنّ الدولة هي مفتاح أسلمة كلّ المرافق الأخرى في الحياة الاجتماعيّة.

ب ـ الأطروحة التي ترى أنّ الدولة إفراز تلقائيّ وتعبير طبيعيّ عن حال المجتمع ووضعه، أشبه بالحديث الذي يقول: «كما تكونوا يُولّى عليكم» (كنز العمال 6: 89)، وهذا يعني أنّه يجب علينا خلق مناخ اجتماعيّ طبيعيّ لكي تولد الدولة الإسلاميّة السليمة فيه، وكلّما كان المجتمع إسلاميّاً كانت الدولة إسلاميّة، أمّا إذا افتقد المجتمع إسلاميّته فسوف تفقد الدولة قدرة الوصول إلى المبتغى الذي يرجى من وراء إقامتها.

لقد كان لهذه الفكرة وجود في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، لكنها الآن بدأت تنمو أكثر فأكثر وتعود إلى الواجهة من جديد، وهذا ما دفع د. حاج حمد إلى أن يقول: نحن مع علمانيّة الدولة وضدّ علمانية المجتمع؛ لأننا بهذه الطريقة نستطيع أن نحمي المجتمع من الاستبداد الدينيّ، وفي الوقت نفسه ننأى به عن الإلحاد، أو الخروج عن جادّة الدين، وعن القيم الدينية الرفيعة. إن عدم علمانية المجتمع ستؤمِّن تلقائياً دولةً إسلاميّة في وضع طبيعيّ غير استثنائيّ.

لا نتحدّث هنا عن شرعيّة الدولة وعدم شرعيتها فهذا موضوع آخر، وإنّما عن رؤية وقائعيّة ميدانية تنطلق من زاوية اجتماعيّة ومقصديّة تنظر في آليّات إحلال القيم الدينيّة في الحياة في عصرنا الراهن، هل الدولة مدخل لذلك أم أنّها نتيجة؟ هل هي مدخل ونتيجة معاً؟ وكيف؟

2 ـ ولو تجاوزنا قليلاً هذا الموضوع الإشكاليّ سنجد أنفسنا أمام موضوع وثيق الصلة به وأشدّ إشكالاً منه، فعندما يقوم مشروع الدولة الإسلاميّة في ظلّ مناخ إسلاميّ عامّ يسمح بقيامه، ثمّ تتتالى تطوّرات الحياة وتحصل التحوّلات في المجتمع نفسه على الصعد الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، حتى ليغدو مجتمع مرحلة الانطلاق مغايراً لمجتمع مرحلة البقاء..، وعندما يجرّب المجتمع الحياة الإسلاميّة، ويرى نقاط قوّتها وضعفها، وتتلاشى الصور المثاليّة المجافية للواقع لصالح الصور الواقعيّة الملموسة..، وعندما يتمّ اختبار المقدّس..، عند ذلك كلّه يولد المجتمع الجديد، فإذا كانت الدولة سابقةً على المجتمع فهذا معناه حصول القطيعة بينها وبينه، أو ظهور حالة الفرض والضغط والقمع وممارسة القوّة، أمّا إذا كانت نتيجةً له فهذا معناه أنّه يفترض أن تواكب ما يحدث بطريقة أو بأخرى، لكي تكون مستجيباً طبيعيّاً لحال المجتمع، تأميناً للديمومة والاستمرار؛ إذ لو لم تحصل هذه المواكبة فسيقع التصادم، وسينتقض الغرض من وجودها.

3 ـ القضيّة الأخرى التي قد نلحظها مرتقبة في سياق الخلاف بين الأطروحتين المتقدّمتين هي أنّ الدولة نفسها قد تغدو مقدّساً في الأطروحة الأولى، وهذا ما قد يعطيها أصالةً تلغي أو تفوق أصالة المجتمع بوصفه مجتمعاً مسلماً..، وعندما تأخذ الدولة بُعداً دينياً مقدّساً بهذه الطريقة تتضخَّم على حساب المجتمع، فيظلّ المجتمع في وضع أضعف من وضعها، ومن الطبيعي أن تتولّد عن ذلك إفرازات تلقائيّة، تماماً كما في أيّ مكان تصبح الدولة فيه أقوى من مجتمعها، فكيف إذا كانت فكرة البعض أن لا قيمة للمجتمع على مستوى تقرير المصير؟!

4 ـ الملف الآخر الذي خلق تحدّيات أمام تجربة المشروع الإسلاميّ هو العلاقة بين النظر والعمل، الفكر والواقع، النظرية والتطبيق، فقد ولدت التجربة ودخلنا في مرحلة العمل، ثم بعد أن دخلنا في مرحلة العمل بدأت تتكوّن النظرية..، وهذا شيء له سلبيّاته وله إيجابيّاته؛ فنحن ـ مثلاً ـ وإلى أوائل الثمانينيات لا نجد دراسات دينيّة ـ ولا فقهيّة ـ جادّة تنظّر لمفهوم الدولة، وتقدّم فقهاً سياسياً وحكومياً، باستثناء دراسات محدودة جداً وكراريس صغيرة للسيد الشهيد الصدر والشهيد المطهري، وبعض الأطر العامة التي طُرِحت من قبل الإمام الخمينيّ أو العلاّمة فضل الله أو العلاّمة الطباطبائيّ وأمثالهم.

لقد كان الحال على الوضع التاريخيّ للشيعة؛ لأنّ إرثهم التاريخي ـ أقصد الإمامية دون الزيديّة والإسماعيليّة ـ كان يفرض العزلة في عصر غيبة الإمام الثاني عشر؛ لاعتقادهم بأنه لا داعي للدخول في شأن السلطة أثناء غيبته، فاختاروا العزلة وليس المعارضة؛ لأنّ المعارضة تعدّ شكلاً من أشكال المشاركة في الحياة السياسية، ويمكن أن نجدها ـ أي المعارضة ـ مع الزيديّة والإسماعيليّة، وقليلاً ما نجدها مع الإماميّة؛ لأنّهم اختاروا العزلة، إلى أن جاءت الحركة الدستوريّة (المشروطة والمستبدّة) مطلع القرن العشرين، وهو التاريخ الذي يمكن أن نقول معه: إنّ الإمامية بدأوا رحلة العلاقة مع السلطة، سلباً في المعارضة أو إيجاباً في الحكم.

هذا الوضع كان مهيمناً على أغلب عناصر منظومة المذهب الإماميّ الفكريّة والثقافيّة في المجال السياسيّ، عكس المنظومة السياسية السنيّة، وأؤكد بشاهد على ذلك ومثال، ألا وهو تجربة الماوردي في القرن الخامس الهجريّ، وهي تجربة فقيه سنّي وضع صيغاً هائلة لأنظمة السلطة وللعلاقة بين الولاة والسلطان والدواوين والقضاة والمحاسبات والضرائب وغيرها…، بينما قد لا نكاد نجد إلى القرن الرابع عشر الهجريّ كتاباً شيعيّاً إماميّاً يشبه كتاب الماوردي..، لقد بدأنا نجد بعض الإسهامات على هذا المستوى بعد خوض التجربة، وبمعنى آخر نحن لا نملك فقه معارضة، ولا فقه سلطة، ولا نملك تنظيراً لشكل النظام السياسيّ، ولا حتى نقلاً للفقه من مرحلة الرسالة العمليّة إلى مرحلة جعله قوانين كما فعلت الدولة العثمانية في المجلة العدليّة؛ لأنّ الفقه الحنفيّ كان مهيّئاً أكثر من الفقه الإماميّ في هذا المضمار.

لقد دخلنا التجربة، وتحت ضغط الواقع بدأنا بإنتاج النظريّة، وهذا ما منحنا مُنْجَزات ضخمة، فالجميع يعلم بأن الفكر السياسيّ الإماميّ تطوّر منذ المشروطة والمستبدّة إلى اليوم بأضعاف مضاعفة على ما قدّمه في مجموع القرون السابقة، كانت التجربة فريدة من نوعها، وقدّمت أفكاراً كثيرة بفترة قياسية نسبةً للواقع الإسلاميّ العامّ، لكنّ سَبْقَ الواقع للنظريّة، وولادة النظرية تحت ضغطه بهذه الطريقة، سبّب لنا مشاكل كثيرة من ناحية أخرى؛ فصحيح أنّنا ربما نكون واقعيّين عندما أنتجنا النظريّة، ولكنّنا أنتجنا النظريّة تحت ضغط الواقع، وليس في حالة من الارتياح الطبيعيّ الذي نُنتج من خلاله النظريّات المصيريّة على هذا المستوى، يجب أن تولد النظريّات ضمن مناخ الواقع، لكنّ المطلوب منها أن تخلق واقعاً جديداً، فالعلاقة هنا جدليّة بامتياز.

هذا بالضبط ما حصل…، خضنا التجربة، وبدأ ضغط الواقع، ونتيجة ضغط معيّن للواقع هنا وهناك اتخذنا موقفاً يتناسب مع شدّة هذا الضغط أو ضعفه، ولست أتحدّث هنا عن مواقف سياسيّة، إنّما أتكلّم عن نظريّات في السياسة والاجتماع والقانون؛ ففي بعض البلدان الإسلاميّة التي تسير على الفقه الإسلاميّ يؤخذ القانون البلجيكيّ والقانون الفرنسيّ، وهذه القوانين يُعمل بها بطريقة استنسابيّة، حيث يتمّ شطب بعضها وأسلمة بعضها الآخر.

لا يعني ذلك أنه لا ينبغي الاستفادة من قوانين الغرب، لكنّ هذا يدلّ على أنه لم تتولّد رؤية قانونيّة خاصّة نابعة من خصوصيّتنا الدينيّة والحضاريّة.

بكل قاطعيّة يمكن القول بأنّ الكثير من الأحكام الفقهيّة النابعة من النصوص مجمّدة، وذلك لصالح مرجعيّة المصلحة، وهذا ما يفتح بالتأكيد على سجال طويل، يمتدّ في العمق المذهبيّ والتاريخيّ للمذهب الإماميّ في الخلاف بين مدرستي: النص؛ والمصلحة، في القرن الهجري الأوّل، وهذا يؤكّد أن قانون ضغط الواقع هو القانون الذي تؤسَّس في ضوئه التشريعات، ويصوَّت لها أو عليها في البرلمان أو في أيّ مجلس قانونيّ ومؤسّسة دستوريّة ذات طابع مرجعيّ، إنّ هذه القضية تعطينا مؤشِّراً على أن ضغوط الواقع هي التي كانت تولّد القوانين والتشريعات والنظم والنظريّات أيضاً.

5 ـ النقطة الأخيرة التي أودّ الإشارة إليها هي إشكاليّة نقض الغرض على المستوى الدينيّ والإيمانيّ، يجب علينا أن ندرس بجدّيّة وبمسؤوليّة ـ ولا نزجّ رؤوسنا في التراب ـ مدى صحّة ما يقال من أن ممارسة السلطة الدينية قد يفضي إلى إضعاف جذوة الإيمان في العصر الحاضر، نحن هنا لا نتكلّم عن أصل النظريّة، وإنّما عن ممارستها الزمنيّة اليوم، إنّ بعض الإخفاقات ربما تسبّبت ـ على حدّ ما تشير إليه بعض الإحصاءات في بعض التجارب الإسلاميّة ـ في تراجع نسبة التديّن، ووقوع الانفصال ما بين الشارع والقيم الدينيّة التي يراد تعميمها على جميع مرافق المجتمع.

ثَمّة قلق علينا أن لا نستهين به، وأن نفكّر جميعاً في معالجته بما يحفظ القيم الدينية على مستوى الدولة والمجتمع معاً…، ثمّة قلق من أن تتمتّع بعض الدول العلمانية المسلمة بنسبة تديّن (فرديّ في الحدّ الأدنى) يفوق مثيلتها في دولة يحكمها مفهوم تطبيق الشريعة..، إذا كانت الدولة طريقاً ومعبراً لإحلال القيم الدينيّة فنحن أمام سؤال حقيقي سيوجّه إلينا يوم القيامة: ماذا فعلنا عندما منحنا الله نعمه؟ وعلى كلّ الحريصين على الدين والقيم الأخلاقيّة أن يفكّروا في حلول لذلك، يسبقها دراسة دقيقة وحقيقيّة للواقع، لا تحترق بحرق المراحل والعيش في أبراج المثاليّة المتعالية، ولا تتعامى ـ في الوقت عينه ـ بتضخيم المنجزات، رهينةً للمفهوم التعطيليّ القائل: «ليس بالإمكإن أحسن ممّا كان».

إن النقد البناء وسيلة للبناء، أما محض التبجيل فلا عواقب له سوى الاصطدام المفاجئ بالواقع، فالنقد دليل الحرص، وليس فقط التبجيل.

 
__________________________________________

([1] ) المحاضرة التي ألقيت بتاريخ 10/09/2009م بدعوة من المركز الإسلامي الثقافيّ، في بيروت، مع بعض التعديل والتصرُّف، ونشرت في العدد 15 ـ 16 من مجلة نصوص معاصرة، صيف وخريف، 2008م.