borneowebhosting video bokep indonesia bokepindonesia informasiku videopornoindonesia

نبذة حيدر حب الله

الموضوع بواسطة حيدر حب الله :

دلالات المنطق الثوري في التجربة الحسينية

1 ديسمبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
698 زيارة

دلالات المنطق الثوري في التجربة الحسينية

 تعلّمنا النصوص الدينية على نحت نماذج بشريّة تكون بمثابة معالم محسوسة للمثل العليا بهدف الاقتداء الشعبي بها، وظاهرة القصص القرآني تخبر عن ذلك بوضوح، فعندما تتركّز كل قصّة نبوية على ظاهرة محدّدة ـ إلى جانب المهمّة المشتركة التي هي عبادة الإله الواحد ـ فهذا يعني بقاء الموقف من ذلك المفهوم طالما ظلّت هذه القصّة قائمة في المصدر الديني، ليقوم الوعي الشعبي بإسقاطها في لحظتها المتجدّدة، فشعيب % يمثل مواجهة التطفيف، ولوط % مواجهة الانحراف الأخلاقي، وهكذا.. الأمر الذي يفسح في المجال واسعاً لإسقاط التجربة (الشعيبيّة) مثلاً على الواقع المتجدّد للتطفيف على المستويات السياسية والاجتماعية والعلائقيّة والاقتصادية أيضاً؛ بما يحمله مفهوم التطفيف من تعدٍّ ـ كما يراه بعض الفقهاء ـ عن المكيل والموزون إلى مساحات أكبر من ذلك يجمعها عدم الإنصاف في تقييم تجارب الذات والآخر.

وإذا أردنا تطبيق هذا المنطق عينه على تجربة أهل البيت النبوي ( سنجد أنّ تعدّدهم واختلاف ظروفهم يفسح لنا في تمثل نماذج متنوّعة تلتقي ـ على حدّ تعبير السيد الصدر ـ في الهدف وتختلف في الدور، فعندما تستكنّ في الوعي الشعبي صورة الإمام الحسين % بما تمثله من رفض راديكالي للظلم والانحراف، وما تعلنه من ثورة حقيقية للإصلاح والتغيير، فإنّ هذه الصورة تؤمّن لنا مرجعية أنموذجية كي نتمكّن من توظيفها في الحالات المشابهة، وكأنّها تريد أنّ تقول لنا بأنّ وجودها في التاريخ والتراث والوعي معناه أنّ الحاجة إلى منطق الثورة ـ بمعناها الواسع ـ تبقى قائمة في الحياة عندما يستدعي إصلاح الوضع الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو الأخلاقي عمليّةً قيصرية بامتياز.
إنّ وجود هذه الثورة في الوعي الجماهيري معناه حضور مفهوم الحلّ الراديكالي في الحياة ضمن شروطه ومستلزماته، فما يراه بعض المفكّرين والمثقّفين والعلماء في ساحتنا اليوم من إلغاء الخيار الثوري في معالجة بعض الأمور إلغاءً يبدو عليه طابع الكليانية والنظرية المستوعبة.. لا يبدو لنا صحيحاً، عندما نفترض مسبقاً أنّ التجربة المعصومة تمثل أنموذجاً في العمل الإلهي لمعالجة واقع بشري قابل للحدوث ولو بأشكال مختلفة، تعبيراً عن مرجعية الفعل المعصوم في هدي الأمّة.
وهكذا الحال في التجربة الحسنية وفي تجارب الأئمة ( بعد الإمام الحسين %، فإنّها تحكي عن أنّ منطق العمل السلمي والمنطق المراحلي في العمل الإسلامي هو الآخر أحد الخيارات التي لابد أن لا يقصيها العاملون في سبيل الله من حزمة الخيارات التي يعملون عليها في الحياة، إنّ تعدّد أداور الأنبياء والأوصياء يعني تعدّداً في الخيارات التي يملكها الإنسان المسلم في معالجة واقعه هنا أو هناك، شرط أن يعيَ بدقّة الظروف الموضوعية التي تسمح بإسقاط هذا الفعل المعصوم أو ذاك على تجربته هذه أو تلك.
وانطلاقاً من هذا المعطى الأيديولوجي الذي يتمّ الانطلاق به من خلال الاعتقاد بمرجعية أهل البيت النبوي، يظهر خطأ المقولة التي بدأت بالرواج مؤخراً في بعض الأوساط من أنّ التجربة الحسينية قد أكّدت لأهل البيت النبوي عقم منطق الثورة؛ لهذا عزفوا حتى عن التدخّل في الحياة السياسية بعد ذلك، رغم العروض المغرية نسبيّاً التي قدّمت لهم (تجربة الإمام الرضا % في ولاية العهد أنموذجاً)، فإنّه لو كان الأمر كذلك لما أسّس الأئمة اللاحقون منطق الإبقاء الحيّ على القضيّة الحسينية من خلال التركيز على الزيارة والعزاء والبكاء والرفض لقاتليهم، إنّ هذا التركيز يعني بمدلوله السياسي أنّ الأئمة لم يعزفوا عن المشروع الحسيني، وإنّما لم تسنح لهم الظروف؛ لأنّ الجوّ الذي كان يحيط بهم كان شديد الانقسام على نفسه، الأمر الذي لم يوفّر لأهل البيت فرصة خلق نواة عصامية للتغيير قادرة على الاستمرار معهم، فقد كانوا قلقين من أنّ العمل السياسي المباشر قد يفسح في المجال لمزيد من التشظي في الداخل الشيعي، وهو ما كان يؤلمهم على الدوام، وهذا هو تفسير حديثهم عن انتظار ولو أربعين رجلاً مستعدّاً كي يعلنوا الجهاد.
إنّ هذا الموضوع يحتاج إلى رصد دقيق ودراسة مستوعبة نتركها لمناسبة أخرى إن شاء الله تعالى.
 
المصدر: الموقع الرسمي لسماحة الشيخ حيدر حب الله
www.hobbollah.com

معايير الاجتهاد ومفهوم الأعلميّة(*)

24 نوفمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬029 زيارة

معايير الاجتهاد ومفهوم الأعلميّة(*)

يعرّف الكثير من العلماء الأعلميةَ بأنها الأقدرية؛ فالأعلم هو الأقدر على استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها، وهو الأدق في فهم مصادر الاستنباط([2]).

وهذا التعريف ـ مع تطعيمه بتوضيحات ـ أفضل من غيره، وقد راج في أوساط المتأخرين من علماء الإمامية، ولا نبحث الآن في الأعلمية والنظريات فيها، إنما سنجعل هذا المفهوم مدخلاً لإعادة قراءة المفاضلة العلمية ومعاييرها في المدارس الدينية.
أوّل المفاهيم التي تحضر إلى الذهن عند الحديث عن أعلمية ولو نسبية بين العلماء ـ وحديثنا بصرف النظر عن مسألة التقليد ـ هو مفهوم الدقّة العلمية؛ حيث يتصوّر الكثيرون من العلماء وطلاب الشريعة الإسلامية أنه كلّما كان هناك دقة في عملية الاجتهاد كشف ذلك عن مدى العمق والجودة اللذين يتمتع بهما هذا المجتهد أو ذاك. وهذا التصّور صحيح، ليس في العلوم الشرعية فحسب، وإنما في سائر العلوم الأخرى أيضاً.
لكنّ مقولة (الدقة) مقولة تخضع للمناخ الذي تمارس فيه؛ فدقّة الفيلسوف في أبحاثه الفلسفية، ودقة عالم الكيمياء في مختبراته العلمية، ودقة الطبيب في معالجاته الطبية، تختلف عن دقة وظرافة الأديب في نسجه لخيوط الصورة الخيالية عما يتحدّث عنه، وعن دقة الشاعر في نظمه الشكلي والمضموني لقصيدته الشعرية؛ فالمناخ يلعب دوراً في تعيين مصداق الدقة وتبلورها الخارجي.
من هذه النقطة بالذات؛ ندخل إلى العلوم الإسلامية، وأركّز هنا على علم الشريعة والفقه؛ حيث ـ وانطلاقاً من القرن الحادي عشر الهجري ـ شهد الفقه الإمامي منعطفاً خطيراً على هذا الصعيد، وذلك أنه بدأ يشهد نوعاً من الدقة تختلف عن مثيلاتها في مصنّفات علماء مدرسة النجف القديمة والحلّة وحلب وجبل عامل والبحرين؛ فهذه الفترة اللاحقة تطوّر فيها الفقه من حيث المنهجة والتنظيم والاستيعاب والإشراف والإحاطة والظرافة والعمق؛ وهذا منطق تطوّري طبيعي نحمد الله عليه؛ لكنّ هذا التطوّر اللافت في القرون الأخيرة صاحبته بعض المشاكل أيضاً، وهي مشاكل لابد من تلافيها حمايةً للمسيرة التطوّرية من الإخفاق أو التراجع أو الدوران السريع حول الذات.
وإحدى هذه المشاكل حصول تحوّل في العقل الجمعي في الوسط العلمي إزاء مفهوم (الدقة العلمية)، وقد بدا هذا التحوّل على صعد عدّة أبرزها:
1 ـ حصل تصوّر في بعض الأوساط وما يزال أنّ الهيمنة على كتب التراث تعدّ معياراً؛ وهذا ما سجّل في تقديري ضربة قاصمة للوعي، مع أنه لم يكن في حدّ ذاته سوى أمراً حسناً صائباً. وأقصد بما قلت أن الإشراف على التراث ومعرفة الكتب والعلماء وأقوالهم وتطوّر النظريات وسيرورتها وصيرورتها، كلّه من العلوم الخادمة للاجتهاد خدمةً جليلة؛ لهذا نجد هفوات عظيمة حتى عند بعض الكبار ناشئة من عدم اطلاعه على التراث وتحوّلاته، لكنّ الخطأ الذي حدث أن صار الفعل الإبداعي خاضعاً للعقل التراثي، أي أنك تجد شخصاً محقّقاً لكتب تراثية كثيرة مثلاً ويحفظ ما شاء الله من القصص العلمية والأحداث وأسماء الكتب والمساجلات و.. يعدّ في الوعي العام داخل المؤسسة الدينية رجلاً كبيراً قياساً بآخر قد يكون أقلّ منه في هذا المضمار غير أنه أفضل منه في إبداع الأفكار وطرح التصوّرات الجديدة وعدم اجترار التراث و… أو تجد آخر حفّاظاً للفتاوى والفروع الفقهية، حَفّاظاً للكتب القديمة وغيرها، كأنّ هناك صورة لهذه الفتاوى والتفريعات في ذهنه؛ لكنه أعجز عن أن يقدّم هو بنفسه لك تفريعاً جديداً.
إذن، فمعرفة التراث وما في الكتب ضرورة؛ ونحن من أشدّ المدافعين عن قراءة تاريخ العلوم والنظريات، لكن لا يفترض أن يغدو هذا العنصر مقوّماً وحيداً أو فريداً لمدى دقة العالم وعمقه وتبحّره وهيمنته على العلوم.
وفي هذا السياق عينه؛ نلاحظ في الأوساط العلمية مؤخراً شياع المؤتمرات والندوات والمؤلّفات التي تدور حول أشخاص ينتمون للتراث ـ ولو القريب منه ـ كما نجد تضخّماً كبيراً في مؤسّسات تحقيق التراث وإخراجه بحلّة جميلة، وكلّه مطلوب وحسنٌ ومنشود كما ألمحنا إلى ذلك في موضع آخر؛ لكن يجب أن لا يكون على حساب الإبداع، وعلى حساب إقامة المؤتمرات والندوات والمؤسّسات القائمة على الموضوعات الجديدة ليتم التناقش فيها، وليس ـ فقط ـ على شخصيات التراث وكتبه، إلا بقراءة إبداعيّة وتجديدية، فما هو حاصل اليوم مطلوب جداً، لكنه ليس كافياً.
2 ـ على خطٍّ آخر، نما في هذه الفترة علم الأصول نموّاً مذهلاً يستحقّ التقدير والاحترام، وليس من شك أنّ نموّ هذا العلم قدّم خدمات جليلة للاجتهاد الفقهي، لكنّ الذي حصل أن أخذ مفهوم (الدقة) في هذا العلم يصيّره علماً فلسفياً تجريدياً قائماً على التحليلات البعيدة عن حاجة الاجتهاد العملية، فتضخّمت فيه أبحاث وطرحت فيه أفكار تحت حجج كثيرة كشحذ الذهن وغيرها حرفت ـ إلى حدّ ما ـ الاجتهاد عن مساره، ولا نتحدّث هنا فقط عن بعض الموضوعات الدخيلة على هذا العلم أو ما ليس له فائدة عملية، بل يهمّنا أكثر الحديث عن حصول تشوّه في طرائق البحث والمعالجة، ففي اللغويات يصار لفهم النصوص عبر تأسيس قواعد لا تنتمي إلى روح اللغة وعرفيتها، حتى غدت أمام الفقيه صورة رياضية يُسْقِطها على النصوص في التعامل معها كقوانين عليا كالخاص والعام والمفهوم والمطلق والمقيّد و.. وعندما دخل هذا الأصولي مجال فهم النصوص وضع هذه الصورة على عينيه، فبدل أن يقرأ النص بعيداً عن حمولات قواعدية ليرى دلالته العرفية القائمة من خلال عناصره بأكملها، واجهه فوراً بعمل قواعدي ممّا بدّل حركة الاجتهاد من شكل عرفي إلى شكل رياضي، وهو في تقديري أخطر ما حصل في هذا المجال تحت مسمّيات الدقة والقدرة على تطبيق القواعد و…
ولا يعني ما نقول حتمية الفوضى الذوقية في فهم النصوص، بقدر ما يعني أن الذي يفترض أن يواجه النص ـ الذي هو بُنية لغوية ـ ليس قوالب قواعدية، وإنما عقل مفرّغ من هذه القوالب لينظر بعرفية تامة وبوجدانية لغوية، ثم إذا حصلت التباسات أو تردّدات عدنا للقواعد لتحدّد لنا ما نفعله، فالمنطلق ليس القواعد دائماً لنخرج بالفهم اللغوي، بل قد تكون القواعد هي السبيل الأخير، عندما لا تقدّم عفوية الفهم أيّ معطيات أو كثير معطيات، وهذا شيء يمكن أخذه حتى من المعايير التي وضعوها هم في أصول الفقه، فعندما يتحدث عن بحث المفاهيم فهم يقرّرون أنّ لهذه الجملة مفهوماً وتلك ليس لها مفهوم، ويقولون هذا في الحال الأوّلي حيث لا قرينة، وكذلك عندما يتحدّثون عن دلالة الأمر والنهي ـ مادّةً وصيغة ـ على الوجوب أو الحرمة، فهم يستثنون حال وجود القرينة، والأمر عينه في بحث الإطلاق والتقييد وبشكل أوضح، سيما عندما تعمّم القرائن للقرائن اللبّية واللفظية والمقالية والمقامية والحالية والسياقية وغيرها، إذاً فالقاعدة تأتي حيث لا نجد العناصر المضافة هذه.
وعندما نتحدّث عن عرفية الفهم، ونراهن على مصداقية هذه العرفية العفوية، فنحن نفترض سلفاً أنّ الفقيه ممّن يعيش روح اللغة وأذواقها ويتماهى معها، ولا ينزّه نفسه عن السباحة الممتعة في ثنايا كتب الأدب والشعر والتراث العربي القديم، ولا يراه عيباً يعاب عليه في المدارسة الدينية، أو علامة استفهام تطال مستواه العلمي، بل هو ذوّاق للّغة يعيش معها قدر المُكنة، يحياها ويشعر بها في وجدانه، هذا هو رهاننا على الفهم العرفي؛ ومن هنا ينشأ هذا الرهان، وليس فقط من مراجعة كتب اللغة ذات الطابع القواعدي ككتب النحو والصرف والبلاغة والمفردات، فهذه كلّها مداخل للغة وليست اللغة نفسها، هي مداخل صاغها العلماء فيما بعد، وجزاهم الله خيراً، فاللغة روح قبل أن تكون فلسفة، واللغة حياة قبل أن تكون قواعد، واللغة ذوق يلمسها الإنسان بالشهود وليس فقط بالعلم الحصولي، ولعمري هذه أكثر الأشياء خطورةً وأهمية ودقّة، والأسف كلّ الأسف أن تفرّق شمل اللغة العربية في أوساط كثير من المدارس الدينية، فلم تعد تجد الكثير من العلماء والفقهاء من أمثال السيد شرف الدين والسيد محسن الأمين والشيخ محمد رضا المظفّر والشيخ محمد أمين زين الدين و.. ممّن يفيض عليك من البيان العذب وروعة البلاغة وعيش اللغة وإحساسها والذوبان فيها وبلوغ النشوة في استذواق حلو طعمها، وستكون لنا وقفة في الحلقة القادمة ـ إن شاء الله ـ مع مسألة الفهم العرفي لنصوص القرآن والسنّة.
وفي المسار نفسه، ظهر تصوّر ما زال يهيمن أيضاً على تفكير طلبة العلوم الدينية؛ وهو تصوّر الفصل بين الفقه وأصول الفقه؛ فهناك من يتحدّث عن فلان الضليع في أصول الفقه وأنه مقتدر في هذا العلم، وهذا شيء جيد بل ممتاز، لكنّ التضلّع في أصول الفقه لا يمثل العالم الأعلم أو المفاضلة النهائية، حيث تجد ـ كما يقول السيد الخوئي([3])ـ من هو صاحب يد طولى في الأصول بيد أنه ضعيف في الاستنباط الفقهي، وما أكثر هؤلاء الذين تجد عندهم التضلّع والتفنّن في الأصول، لكنك عندما تحاورهم في قضية فقهية تصاب بالصدمة من ضحالة ما عندهم وضعفه؛ فليس هذا هو الأعلم الأنموذجي، أي الأعلمية القواعدية الكبروية؛ بل المهم في الأعلم جملة عناصر عملية الاجتهاد وليس فقط أحد عناصرها وهو أصول الفقه الإسلامي؛ من هنا عاب الإمام الخميني على النظر إلى أصول الفقه كعلم مستقل، وإنما هو علم آلي لخدمة العملية الفقهية([4])؛ وربما من هنا نلاحظ على بعضهم كالسيد الخوئي([5])، اعتبار علم الأصول هو العمدة، وهو كذلك إلى جانب غيره، لا أنّ غيره يأخذ دوراً ثانوياً أمامه سيما اللغة والتاريخ، بل نحن نلحظ أن بعض العلماء ـ مثل السيد محمد سعيد الحكيم([6])ـ عندما يريد تحديد الأعلمية ينظر إليها على شكل حلقات تبدأ من القواعد وتنتهي بالتطبيق لتلك القواعد؛ وهذا ما ناقشناه قبل قليل، فالاجتهاد ليس لزاماً أن يكون ذا هيكلية من هذا النوع، بحيث يشعر الفقيه أنه يحمل قواعد يريد إسقاطها على النصوص؛ بل ينطلق الاجتهاد ـ كما سنرى ـ من اللغة والتاريخ بنفس الدرجة التي ينطلق فيها من قواعد أصول الفقه الإسلامي.
ولعلّ هذا ما يؤيّده كلام السيد مصطفى الخميني؛ حين يرى أن مباحث الأصول إنما فصلت عن الفقه حذراً من التكرار([7])؛ إذاً فالأصول من رحم الفقه ويحمل روحه وحاجاته وهمومه وأنماطه لا أنه يُخارجه ثم يسقط عليه من الأعلى. وربما لهذا التزايد التجريدي في علم الأصول رفض الإخباريون هذا العلم؛ لما وجدوه من أنه بدأ يفارق روح القرآن والسنّة، ويتعامل بتجريدية عقلية لم يألفها الفقه من قبل، كما يحتمل ذلك بعض العلماء الباحثين([8])، وربما لهذا أيضاً تخلّى الاتجاه العام عند أهل السنّة منذ قرابة القرنين من الزمن عن هذا النموّ التجريدي في الأصول، والذي عرفوه قبل الشيعة بقرون، مع مثل كتب الخبازي وابن أمير الحاج وغيرهما.
والمؤسف أن بعض الأوساط العلمية تجعل معيار التقدّم هو حلّ المعضلات العالقة في علم أصول الفقه كاجتماع الأمر والنهي والمعنى الحرفي والعلم الإجمالي.. فيما تجد بعض هؤلاء لا خبرة لهم باللغة العربية وروح الأدب العربي، ولا اطلاع لهم على تاريخ القرون الأولى التي صدرت فيها النصوص، وسنتحدّث لاحقاً ـ بعون الله ـ عن مسألة التاريخ، وليس لهم طول باع في علمي الرجال والحديث، ولعمري إن هذا لممّا يؤسف له بحقّ.
إنّني أشبّه التصوّر السائد في بعض الأوساط بما كان يتصوّر في العلوم الحديثة قبل فترة، من أنّ الذكاء تحدّده علوم مثل الرياضيات، فهناك من يتصوّر أنّ الذكاء الحوزوي يظهر فقط في مثل علم الأصول، وقد تخلّى العالَم اليوم عن هذه النظرية، وصاروا يتحدّثون عن أكثر من اثني عشر نوعاً من الذكاء عند البشر، حتى وصلوا للذكاء العاطفي، فقد أكون ذكياً في الرياضيات لكنّي غبي في التجارة، فمن قال لي: إنّ ذكائي هذا مقدّم على ذكاء التجارة، أو الأدب الذي أعجز أنا عنه، وأسلّي نفسي بالذكاء في مجال آخر، لأسقط ذكاءَ الآخرين؟!
إنّ هذه المباحث الأصولية، على أهميّتها الفائقة وتأثيرها في تحديد المستوى العلمي للفقيه بلا شك ولا ريب، بيد أنها ـ وهذا ما نريده بالضبط ـ ليست المعيار الأوّل فضلاً عن أن تكون المعيار الوحيد؛ واللطيف الملفت في الأمر أنّ مثل هذه الأشياء عندما تجعل معياراً لا يهتمّ معها لكون هذا الفقيه مقلِّداً في علم الرجال والتاريخ واللغة والقرآنيات والأدب والمنطق وسنن التاريخ والاجتماع، قد لا يعرف عنها ـ وعن واقع الحياة ـ الكثير؛ فلماذا ـ إذاً ـ جعلت مسألة استصحاب العدم الأزلي أو توارد الحالتين أو التجرّي أو.. معياراً ـ من الدرجة الأولى ـ لعمق الاجتهاد، فيما الغربة عن علوم هامّة مثل ما أشرنا إليه لا تشكّل أيّ منقصة أو نقطة ضعف تلحظ في عملية التقويم والمقارنة؟! وكم أمضت المؤسّسة الدينية من عمر طلابها لعقود طويلة في المعنى الحرفي، فيما يقول السيد علي الخامنئي بأنّه لا يكاد يبتلي بأمثاله الفقيه إلا نادراً كل بضعة سنوات!!
من هنا، نرى أنّ تحديد أعلمية شخص رهين بوضع معايير جديدة للتقويم، وذلك بأن نعطي كلّ علم من العلوم الخادمة لعملية الاجتهاد، درجةً حسابية معيّنة، توازي دور هذا العلم في العملية الاجتهادية، فالعلامة القصوى هي عن مائة مثلاً، ونعطي للأصول ـ مثلاً ـ عشرين درجة، فيما نعطي للغة عشر درجات، ونعطي لعلم الرجال عشر درجات، ونعطي لفنّ ممارسة الاجتهاد الفقهي عشرين درجة، ولعلم التاريخ عشر درجات ـ وكلّه على سبيل المثال ـ وهكذا، وقد ندخل أيضاً الوعي الواقعي للحياة والسياسة والاجتماع وغيرها ممّا نراه يلعب دوراً في وعي الفقيه لنصوص السياسة والاجتماع في كلمات النبي وأهل بيته، ثم نحسب للفقيه كم عنده في هذا العلم وفي ذاك، ونجمع فنأخذ المعدّل الرئيس للقضية، فهذه هي الأعلمية المجموعية التي تأخذ المعدّل بعد الكسر والانكسار في الحساب، لا أن نجعل معيار علم المحقّق البلاغي كامناً ـ كما يقول بعض العلماء المعاصرين ـ في درجة فهمه لمسائل العلم الإجمالي في أصول الفقه، فهذا تبسيط للمسألة يحتاج إلى الكثير من التفكير.
وفي هذا المسار أيضاً ظهر ما يمكن وصفه أكثر المفاهيم التباساً، وهو مفهوم (الدقّة) في الفقه نفسه وعلاقتها باللغة والفهم العرفي؛ وأبدأ الحديث هنا من نصّ رائع للإمام الخميني يقول فيه متحدثاً عن العلوم التي تهمّ عملية الاستنباط: «ومنها: الأنس بالمحاورات العرفية وفهم الموضوعات العرفية، مما جرت محاورة الكتاب والسنّة على طبقها، والاحتراز عن الخلط بين دقائق العلوم والعقليات الرقيقة وبين المعاني العرفية العادية؛ فإنه كثيراً ما يقع الخطأ لأجله، كما يتفق كثيراً لبعض المشتغلين بدقائق العلوم ـ حتى أصول الفقه بالمعنى الرائج في أعصارنا ـ الخلط بين المعاني العرفية السوقية الرائجة بين أهل المحاورة المبنيّ عليها الكتاب والسنّة، والدقائق الخارجة عن فهم العرف. بل قد يوقع الخلط لبعضهم بين الاصطلاحات الرائجة في العلوم الفلسفية أو الأدق منها، وبين المعاني العرفية، في خلاف الواقع لأجله»([9]).
هذا النصّ مهم جداً في سياق تطبيقه والتعاطي الإيجابي مع تفاعله الميداني، وإلا فهو من الناحية النظرية واضح في المدارس الكبرى لعلم أصول الفقه الإسلامي؛ لأن علماء الأصول والاجتهاد يعترفون بأن المهم هو الفهم والظهور العرفي للكلام الموجود في الكتاب والسنّة، فهم يقرّون بمرجعية العرف اللغوي والاجتماعي العربي بوصفه حَكَماً في هذا المضمار، في الجملة، لكن المشكلة ليست في النظرية، ولهذا ألمح السيد الخميني في نصّه المتقدم إلى مشكلات تطبيقية لهذا الوضع، وهذا بالضبط ما نبحثه هنا.
وإذا تأملنا في الممارسات الاجتهادية الإسلامية، وجدنا الكثير من الأمثلة على وجود فهم غير عرفي وقع فيه بعض العلماء على مستوى التطبيق من حيث لا يقصدون، والتعرّض لأمثلة يخرجنا عن طاقة هذه الكلمات الموجزة؛ لأن هناك العديد من الأمثلة على مستوى فهم النص وعلى مستوى ملاحظة تطبيقات النص؛ وطبعاً هذا أمرٌ يختلف تقييمه ـ على مستوى النماذج ـ من شخص لآخر، فمثلاً الرواية تقول بأن الرجل إذا لم يقرب زوجته أكثر من أربعة أشهر وتركها كان آثماً([10])؛ وهنا بدل أن نفهم المقاربة ـ عدم الترك الجنسي ـ بمعناها الطبيعي بين الناس، فسّرت بمجرد إدخال الحشفة ولو للحظة؛ والرواية تقول بأن صلاة الوتيرة تكون بعد صلاة العشاء الآخرة([11])، ونحن فسّرناها بالبعدية التي تشمل ما قبل منتصف الليل، أو طلوع الفجر في النهار التالي ولو بلحظات، مع أنه لو قال لك شخص: سآتيك بعد العشاء الآخرة فصلى العشاء الآخرة في أوّل وقتها، ثم أتاك قبيل الفجر محتجاً بما قال، لسخرت منه، وهكذا لم يفهم بعض الفقهاء وجوب الخمس إذا حوّل إلى حسابك في البنك مبلغ مالي ولو كان مليون دولار؛ لأنك لم تقبض بيدك([12])، إلى غيرها من عشرات الأمثلة التي قد يكون سببها أحياناً القراءة الحرفية للنص، وأحياناً بطريقة تحليلٍ فلسفي، وأخرى الغياب عن المدلول المناخي والاجتماعي للنص لصالح الاستغراق في المدلول اللغوي الصرف، وثالثة عدم مواكبة التحوّلات المصداقية والميدانية للمفهوم عينه في مناخات جديدة تختلف عن المناخ التاريخي، بحيث يتورّط الباحث في الفقه بما يمكن تسميته: الاستنساخ الحرفي للتاريخ، ورابعة بالخلط بين المصطلحات واللغة العلمية التي ظهرت فيما بعد وبين لغة الكتاب والسنّة، وهو ما له مصاديق كثيرة مثل كلمات: العلم، اليقين، الظن، الشك، القلب، العقل، الروح، النفس، الجهاد، الإمام، الحكمة، المؤمن، العارف، الفقه، الفقيه و…
إن ممارسة الحرفية في فهم النصوص في مجال الروايات ينافي ـ عندما يخرج عن الحدّ العرفي ـ ظاهرة النقل بالمعنى في الروايات، وهي ظاهرة درسناها مفصّلاً في موضعه، وأثبتنا أنه لا دليل على النقل الحرفي للأحاديث إلا بشاهد وقرينة، فإذا كانت الرواية من صنع الراوي، فيما مضمونها من إفادات النبي أو الإمام، فأيّ معنى للغرق الزائد عن الحدّ الطبيعي في تفاصيل التعابير والكلمات، فيما المفترض أن يخضع هذا الأمر لمدى فقاهة الراوي وعلمه، بحيث يلعب علمه دوراً في دقة تعبيره عن القيود والتفاصيل؟! وليست أمانة الراوي لوحدها هنا كافية للالتزام بهذا التدقيق؛ لأننا لا نشكّك في أمانته، وإنّما في قدرته الذهنية واللفظية ـ ما دام النقل بالمعنى ـ على الوفاء بتمام حيثيات الجواب الذي صدر من المعصوم، وتفصيل الكلام يرجع فيه لمحلّه.
وربما في هذا السياق أيضاً، الظاهرة الحرفية في مجال الأصول العملية أيضاً، والتي تتجلّى في الأخذ بالصيغة المطلقة لنظرية الأصل المثبت، فهذه النظرية صحيحة في الجملة؛ لكن الإفراط في تطبيقها لا ينسجم إلا مع طريقة تفكير فلسفية وليست عرفية،فلا أظن العرف البعيد عن الذهنية الفلسفية العقلية الهندسية الرائجة في بعض الأوساط يلتفت أو يفهم أن استصحاب عدم وجود الحاجب لا يثبت وصول الماء إلى البشرة في الوضوء والغسل؛ لأنّه أصل مثبت([13])، كما لا معنى للغَرَق في التمييز بين كرية الماء على نحو مفاد كان التامة وكان الماء كراً على نحو مفاد كان الناقصة، حتى أمنع عن الاستصحاب في هذا المورد لإثبات الآخر؛ لأنه من الأصل المثبت، كما ذكروا في أصول الفقه([14]).
إن هذه الطريقة في التعامل مع النصوص أو مع تطبيقاتها هي التي ساهمت ـ رغم أن الفقهاء أثبتوا للإنصاف جدارة عالية في الفهم العرفي وتطبيقاته ـ في خلق نماذج لفقه تكثر فيه الامتيازات بين الشيء ولوازمه الطبيعية، مما صعّب من فرص خلق فقه نظرية أمام مثل السيد الصدر والذين أتوا بعده.
وإذا أراد الباحث في الفقه أن يكون عرفياً أكثر في تعاطيه مع النصوص أو تطبيقاتها المصداقية السيّالة، فيقترح عليه أمران:
أحدهما: إعادة عيش اللغة في تراكيبها وحياتها القديمة، ليس لغة الكتب الفكرية للمسلمين، وإنّما اللغات العادية التي يحصل عليها الإنسان من تتبع كتب التاريخ والشعر والنثر والقصص والحكايا، وليس فقط كتب الكلام والفقه والفلسفة والأصول القديمة .. لأن هذه الكتب هي كتب النخبة؛ ونحن لا نريد أن يأنس ذهننا ـ فقط ـ بكتب النخبة، بل نريد ما يوصلنا إلى التعاطي العفوي للغة في الشارع وفي الحياة اليومية، حيث خاطبت أكثر النصوص عامّة الناس أيضاً، فليس من المعيب أن يهتم مرجع معاصر ـ وهو السيد علي الحسيني الخامنئي ـ بكتاب «الأغاني»، كما سمعنا من بعضهم التعييب عليه في ذلك، بل هذه مفخرة لهذا المرجع أنه ـ مع عدم كونه عربياً ـ لم يقتصر على العيش مع كتب النحو والصرف و.. التي تعلّم الإنسان الكثير عن اللغة العربية، بل واصل مسيره لكي يطلع على روح اللغة وبساطتها العفوية اليومية، فهذه نقطة امتياز (له) لا (عليه). وليس من العيب أيضاً أن يكون مرجع معاصرٌ آخر ـ وهو السيد محمد حسين فضل الله ـ شاعراً متذوقاً ؛ فإنّ ذلك وسام يسجّل (له) ولا يكون (إدانة) في حقّه.
من هنا، ندعو بكل صدق ومحبة إدارة الحوزة العلمية والجامعة الدينية ـ أينما كانت ـ أن تطلق مشروع إعادة إحياء اللغة العربية الحيّة النابضة، عبر تغييرات جذرية في نظام التعليم اللغوي؛ لأن أنظمة تعليم اللغة في الكثير من المعاهد الدينية أنظمة نظرية يستخدم فيها الطالب قدرة التعقل والحفظ، ولا يدرس اللغة العربية كما يدرس أو ـ بتعبير أدق ـ يتعلّم اللغة الأم؛ لهذا نجد علماء فطاحل في اللغة نفسها وفي جداول الصرف والتصريف، لكنهم غير قادرين على عيش اللغة ولا على النطق بها، وهذا ذنب نظام التعليم أكثر من أن يكون مشكلةً عند هذا الفرد أو ذاك.
وفي هذا السياق المنشّط للغة العربية بجمالياتها ورونقها، تكمن الحاجة لتغيير بعض الكتب الدراسية في الحوزات مثل كتاب «كفاية الأصول» للمحقق الخراساني، ونحن هنا لا ننظر لهذا الكتاب وأمثاله من المنظار الذي اعتاد الدارسون لقضية المناهج في الحوزات أن ينظروا إليه منه؛ بل من منظار التركيبة اللغوية، فالطالب يعيش عدّة سنوات مع هذا الكتاب وغيره، فيتأثر بتركيبه للجمل والفقرات، بل واستخدامه للكلمات بطريقة خاصّة، فيحصل خلل ما في ذوقه اللغويّ العربي. وقد يجادلني الكثيرون فيما أقوله هنا، لكنني أقترح حَكَماً محايداً خبيراً باللغة العربية شاعراً وأديباً أو صاحب نثر عربي أصيل، لتعرض عليه هذه الكتب ويقول لنا: هل تساعد على تجويد الذوق للطالب أم على إحداث خلل في هذا الذوق؟ وأذكر هنا قصّة تنقل عن بعض فقهاء (آل ياسين) في النجف من أنه ترك بعد أيام من شروعه في درس الكفاية، هذا الدرس؛ وعندما انتقده الطلاب على عدم حضوره الدرس وعابوا عليه، أجابهم ـ فيما ينقل ـ بأنه رجل شاعر ذواق للغة والأدب ولا يريد أن يخرّب أو يتلف ذوقه الأدبي بمثل هذه التراكيب والنصوص، والحق معه ـ بنسبة كبيرة ـ فالمهم عندي أن أقرأ القرآن والسنّة، وغيرهما مقدّمة لهما، فلا يصحّ أن تعطى المقدّمة أولوية في بنيتها اللفظية على ذي المقدّمة. ولا أدعو هنا لجعل الكتب العلمية كتباً أدبية أو شعرية كما قد يتصوّر بعضنا، بل لجعل النثر عربياً بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ ولسنا نستغرب أن يكون بعض غير العرب أكثر أنساً ـ كما سمعنا منهم ـ بلغة «الكفاية» من لغة «حلقات» السيد الصدر؛ لأن هذا شيء طبيعي يؤكّد فكرتنا التي أشرنا إليها أعلاه.
نقول هذا كلّه، والله الشاهد على أننا لا نريد التنقيص من شأن أحد، لكننا نرى، ويوافقنا كل إخوتنا العاملين في حقل العلوم الدينية، أن المعرفة الدينية نفسها وسلامة سبل الوصول إليها أهم بكثير من هذا العالم أو ذاك، أو هذا الكتاب أو ذاك؛ أو هذا المنهج أو ذاك، فلندع الحساسية جانباً، ولنتشاور ونتدارس، وهناك في المؤسسة الدينية العديد من الناشطين في مجال اللغة العربية والحمد لله، فلماذا لا يتشاور هؤلاء الأساتذة الكرام لوضع حلّ لهذه القضية؟ ولماذا لا يكون عندنا منهج لغة سليم أو أكثر سلامة من المنهج النظري الذي نتبعه والذي تعود بعض كتبه إلى قرابة ثمانمائة عام من الزمن؟! فليجلس هؤلاء المختصّون وليقدموا اقتراحاتهم بهذا الصدد، ونحن على يقين بأن العديد من القيمين على شؤون الحوزات والمعاهد الدينية سيتقبلون هذا الأمر، بحكم وعيهم وغيرتهم على هذا الدين، والحمد لله.
ليس المهم في العلوم العربية مجرّد وعيها وفهمها، بل الغاية منها ـ كما يقول الإمام محمد عبده (1905م) رائد حركة الإصلاح في مناهج التربية والتعليم ـ : «أن يبلغ المرء بالتعلّم مبلغاً كان عليه العربيّ بالسليقة»([15]).
ثانيهما: أن يتواصل الباحث في الفقه مع حياة الناس العاديين: في السوق، والمدرسة، والعمل، والإدارة، والشارع و… ليرى كيف يتفاهمون، لأن الجوّ العلمي الخاصّ له طريقة خاصّة في التفاهم أحياناً؛ ولهذا يغلب عليه فهمٌ خاصّ للكلام، نتيجة الخلط بين الأمور العادية والقضايا العلمية كما أشار الإمام الخميني، أو الخلط بين الأمور الحقيقية والأمور الاعتبارية كما يراه العلامة الطباطبائي، فيفهم طريقة الإطلاق والعموم في الجمل بطريقة أقرب إلى نظام الموجبة الكلية المنطقية، فيما العرف كثيراً ما يطلق أو يعمم ويريد ما نسميه: الموجبة الأكثرية، وقد بحثنا هذا الأمر في محلّه، وسبب عدم تقبّل هذه الفكرة قد يكون هذا العيش الطويل في نظام لغة النخبة التي هي عموماً لغة دقيقة حاسمة ومحدّدة الأطراف، على خلاف نظام لغة العامّة من الناس ـ إذا جاز التعبير ـ فهي لغة محدّبة تقوم على التسامح والتساهل في التعبير، بصرف النظر عن المضمون، فلا ملازمة بين عرفية وعوامية التعبير وبين سطحية المضمون، فالأنبياء والأوصياء استخدموا اللغة العرفية، دون أن يكون المضمون سطحياً إطلاقاً.
إنّ العيش في لغة الشارع والسوق مهم جداً، إلى جانب لغة النخبة، ليعرف الفقيه طرائق البيان العرفية،وطرائق فهم التطبيق وليس أن يسمع بوجود طرائق بل يعيشها بنفسه، ولهذا ينقل عن بعض المراجع الكبار المتوفى في القرن العشرين، أنه كان في بعض المواضع يطلب بعض أهل السوق ليسألهم كيف يفهمون هذا التعبير أو ذاك؟ وماذا يفهم عندهم من إطلاق المعاملة هنا أو هناك؟ بدل أن يحلّل لوحده على طريقة الأصل أو القدر المتيقن أو ما شابه ذلك، فهذه الطريقة التي تنقل عن هذا المرجع الكبير طريقة مثلى بحقًّ في فهم النصوص وفهم تطبيقاتها الميدانية أيضاً .
وأختم كلامي هنا ـ والحديث يطول جداً ـ بكلام رائع للشيخ محمد رضا النجفي الإصفهاني (1362هـ) ـ أستاذ السيد الخميني ـ حين يقول في مباحثه الأصولية ما نصّه: «بلغني أن بعض فضلاء العجم اطّلع على أجزاء من هذا الكتاب، فقرّظه أبلغ تقريظ، وأثنى عليه أحسن الثناء، ولكنه انتقد عليه بعبارة فارسية محصلها: إن عبارته عريقة في العربية، لا تشبه متعارف الكتب الأصولية.
لك العتبى أيها الفاضل! فلك عليّ يدٌ لا أجحدها، ونعمة أشكرها، وذلك مني طبيعةٌ لا تطبّع، وجريٌ على ما تعوّدته لا تكلّف، وإني لم أتعوّد منذ نعومة الأظفار ومقتبل الشباب إلا هذا النمط من الكتابة. وصعبٌ على الإنسان ما لم يعود. على أن هذا عند ذوي الألباب لا يحطّ من قدر الكتاب، بل يزينه ولا يشينه، ويغلي قدره ولا يرخصه. وإذا محاسني التي أزهو بها صارت مثالب لي؛ فماذا أصنع؟! وشتان بين هذا الفاضل وبين أحد علماء العراق، وقد بلغني قوله فيه: هو أوّل كتاب في فنّ الأصول ملؤه دقائق عجمية، بعبارات عربية»([16]).
وفي هذا النص منه (رحمه الله) الكثير من الدلالات المعبّرة!!
وبعد هذا كلّه؛ ألا تكون اللغة بالمعنى الذي ذكرناه عنصراً أساسياً في معايير الاجتهاد والمفاضلة والأعلمية؟!
يُظهر الوعي التاريخي أهميته من خلال كون النصوص التي صدرت أو نزلت جاءت في سياق تاريخي، ومن الطبيعي أن السياق حجة وعنصر رئيس في فهم مراد المتكلّم، بل يتعداه إلى السياقات المقامية والحالية و..، وفي كثير من الأحيان يصعب فهم السياق بتمام عناصره ـ بما فيها العنصر غير اللفظي ـ إلا بالإطلالة على المعلومات والوثائق التاريخية ذات الصلة به، لتتكوّن عبرها العناصر الحافة بالكلام.
لنفرض أننا لا نملك معلومات تاريخية عن الظروف العصيبة التي كان يمرّ بها أهل البيت النبوي وأنصارهم في العصرين الأموي والعباسي.. هل كان لمفهوم التقية أن يكون حاضراً بهذه القوة التي نشهدها له اليوم؟ من الطبيعي أننا كلّما فهمنا الظروف التاريخية استوعبنا الملابسات التي تتصل النصوص بها، لتريد حلّ مشكلة أو الجواب عن تساؤلات ما.
في هذا السياق عينه، تأتي فكرة السيد حسين البروجردي (1380هـ) حين يتحدّث ـ كما ينقل بعض تلامذته ـ عن ضرورة فهم نصوص أهل السنّة ومواقفهم في الفقه والحديث؛ بوصف ذلك مقدّمةً لفهم نصوص أهل البيت([17])، فإن هذه الفكرة تستبطن قدراً وافياً من الحس التاريخي؛ عندما تؤكّد على دور التدخل الاستثنائي للنصوص في معالجة حالة تاريخية منحرفة هنا أو هناك، وإلا فما معنى هذه الضرورة لدراسة المشهد السنّي قبل مطالعة النصوص الحديثية الشيعية؟!
وفي الإطار عينه تأتي فكرة الوعي الاجتماعي للنصوص، لتتصل بمسألة فهم الظروف الاجتماعية الحافة؛ فعندما يطلق السيد محمد باقر الصدر (1400هـ) هذه المقولة ـ ولاسيما في سياق مدحه لتجربة الشيخ محمد جواد مغنية في كتاب فقه الإمام جعفر الصادق ـ فإنّه ينشط الحسّ الاجتماعي والتاريخي؛ لأنه لا يريدنا أن نعتبر الجمل والكلمات والحروف الماثلة أمام ناظرينا ممثلةً للحديث الشريف أو الكتاب الكريم، أعني أنّه لا يريد أن يعتبرها معطيات وحيدة يجري فهم المراد عبرها فقط، بل يرغب بإقحام عناصر أخرى تتصل بالسياق التاريخي والاجتماعي لمضمون الرسالة التي يريد هذا النصّ أو ذاك أن يوصلها إلينا.
وليس فقهاء المسلمين بغائبين عن ألوان السياق الأخرى، فقد أشاروا لذلك ومارسوه في الفقه والأصول والتفسير والقرآنيات، فنحن لا نبدع هنا ولا نبتدع، وإنما نوصّف ضرورةً قائمة.
لكن الشيء المهم في هذه القضية هو حجم استحضار التاريخ في وعينا للنصوص؛ هل كان هذا الاستحضار بالمقدار الكافي؟
أعتقد أن نقصاً ما يزال موجوداً؛ فنحن نلاحظ ضعف حضور التاريخ على عدّة جبهات، حبذا لو يُلتفت إليها أكثر؛ وهي:
1 ـ قلّة المعلومات التاريخية العامة، فأكثر المعلومات التاريخية التي يحملها المشتغلون في الفقه تكمن مشكلتها في أنها تعتمد ـ من جهة ـ على النصوص نفسها التي يجري البحث عن سياقها التاريخي لفهمها، كما تتضيّق ـ من جهة أخرى ـ عندما تكون الإطلالة على التاريخ من منظور التاريخ الشخصي، أي تاريخ شخص الأئمة عند الشيعة، أو شخص الصحابي أو الخليفة الراشد عند أهل السنّة.
هذا الوضع يجعل المشتغل بالفقه حاملاً لتصوّر منقوص عن المشهد التاريخي والصورة التاريخية، فنحن من جهة نريد الكشف عن التاريخ بعناصره السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية و.. ليعيننا ذلك على تكوين المناخ الطبيعي الذي جاءت داخله النصوص، مقدمةً لفهمها فهماً صحيحاً؛ فإذا تخلّيت عن كل الموروث التاريخي لأجعل النصوص الحديثية أو القرآنية وحدها مصدراً للتاريخ أكون قد وقعت في دور واضح، لا بمعنى العجز عن الفهم، وإنما بمعنى أن العلاقة هنا جدلية، فكما نطالب بجعل الكتاب والسنّة مصدراً تاريخياً كذلك نطالب بفهم الكتاب والسنّة مستعينين بسائر مصادر التاريخ. نعم، نحن نؤكّد على السيرة النبوية القرآنية، التي تستمدّ معلوماتها من القرآن نفسه، وقد دعا العديد من قبل لهذا الأمر، مثل محمد حسين هيكل في ما كتبه حول سيرة النبي، بل حتى بعض المستشرقين في هذا المجال.
نعم، وندعو لسيرة حسينية مصدرها روايات أهل البيت النبوي، وليس تاريخ الطبري أو غيره فقط، لكن في المقابل لا تعني الدعوة هذه هدراً لقيمة سائر النصوص التاريخية التي تعيننا على فهم نصوص الكتاب والسنّة، كما أن النصوص الشريفة تعيننا على فهم وتقويم فهمنا للتاريخ من خلال المصادر الأخرى.
أما التحقيب التاريخي على أساس واحد، مثل التحقيب على الأساس الشخصي ـ المشار إليه ـ، فهذا ما يؤدي إلى صور غير مكتملة؛ لأن أهل البيت أو الخلفاء الأوائل ـ مثلاً ـ لم يكونوا العنصر الوحيد في التاريخ، كما لم يكونوا على صلة ـ تاريخياً ـ بتمام أحداث عصرهم، فإذا كوّنا أيّة صورة للتاريخ على أساسهم لن نحصل على تاريخ عام، بل سنحصل على تواريخ شخصية لها إطلالات على التاريخ العام، وفرقٌ واضح بين الأمرين.
من هذا كلّه نحن بحاجة ماسّة إلى درس تاريخ شامل للحقبة الإسلامية الأولى، يساعدنا على التعرّف على السياق المحيط بصدور النصوص أو نزولها.
2 ـ عدم حضور الوعي التاريخي بشكل فاعل في النشاط الاجتهادي، فنحن نجد في الغالب أن الفقهاء يتعاملون مع النصوص، وقلّما يأخذون السياقات المحيطة تاريخياً بعين الاعتبار، وربما يكون ذلك لأسباب:
أ ـ ضعف الوثوق بالتاريخ، وهذا ما نجده عند بعض المتشدّدين في النقد التاريخي؛ إذ قد لا يسلم بين أيديهم واقعة أو حدث.
ب ـ الاعتقاد بأن «المورد لا يخصّص الوارد»، وهي القاعدة التي أصّلها المفسّرون وعلماء أصول الفقه المسلمون، فحموا بها النصوص عن الاختزال التاريخي أو اختناق الدلالة، وكانوا هادفين من ذلك فتح باب الضخّ الدلالي في النصوص بهدف حمايتها أن تهدر.
ج ـ عدم حصول وثوق بعلاقة حقيقية بين هذا الوضع التاريخي أو ذاك وبين النصّ الذي نفترض أنه يقع ضمن سياق هذا الوضع التاريخي؛ فإنّ العلاقة بين النص والسياقات المعروفة تظلّ أوضح من العلاقة بينه وبين السياق الزمكاني؛ لأن تراكيب اللفظ ظاهرة معلومة الاتصال بحكم وصول النص إلينا بالتواتر أو بأيّ طريق معتبر، أما علاقة النص بالواقع المحيط فقد تبدو مجرّد افتراض في كثير من الأحيان؛ إذ ليس في النصّ نفسه إشارة للواقع التاريخي بوصفه سياقاً حافاً، كما لا نملك معلومات موثقة عن هذا الارتباط العضوي بين الطرفين.
ربما لهذه الأسباب وغيرها تراجع تفعيل السياقات التاريخية في الاجتهاد الفقهي، لكننا نتحفّظ عن الاستسلام لهذه الاعتبارات، ونعلّق هنا عليها بتعليقات طفيفة، محيلين ذلك إلى البحث التفصيلي في موضعه، كما بحثناه في دراساتنا الأصولية.
أولاً: يظلّ إثبات الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية و.. العامة في التاريخ أوفر حظاً من إثبات النصوص الجزئية الصادرة من عمرو أو بكر، والوقائع الميدانية التفصيلية هنا وهناك؛ إذ وفقاً لنهج الاستقراء وحشد الشواهد والقرائن وتوفير المعطيات ذات الطابع المتراكم.. يمكن تكوين صور يقينية في التاريخ؛ بل لعلّ هذه الأكثر يقيناً في المراجعة التاريخية، والأكثر صموداً أمام معاول النقد التاريخي.
ثانياً: هناك فرق بين عدم تخصيص الوارد بالمورد وبين فهم الوارد بمعونةٍ من المورد، وهذا شيء يقرّ به المفسرون المسلمون؛ لهذا اهتموا بدراسة أسباب النزول لتعينهم ـ أحياناً ـ على فهم الآيات القرآنية؛ وبهذه الطريقة لا تُهدر دلالة النص لخصوصية المورد، ولا يضيع السياق الموردي أمام النص، بحيث يبدو النص وكأنه بُتر بتراً من سياقه المحيط، ومثال ذلك ما ذكره بعض أساتذتنا من كبار العلماء المعاصرين في أبحاثه حول الخمس، حيث جعل كلمة ]غنمتم[ الواردة في آية الخمس بمعنى غنائم الحرب، لا لتخصيص الوارد بخصوص المورد، بل لأنّ الكلمة مشترك لفظي له معانٍ متعدّدة في اللغة، يترجّح واحدٌ منها بقرينة السياق، ولو كان نظره هناك للسياق القرآني المحيط بآية الخمس.
ثالثاً: إن فرص التأكّد من العلاقة بين النص وسياقه تظلّ ممكنة، ولاسيما لمن مارسها؛ وحتى لو لم نجزم بها فقد ذكر علماء أصول الفقه أن الشك في قرينية الموجود يوجب الإجمال في الدليل، وهذا ـ على أبعد تقدير ـ نحوٌ من أنحاء الشك في قرينية الموجود (وهو السياق التاريخي المحيط)، الأمر الذي سيترك أكبر الأكثر في تعطيل بعض نواحي الإطلاق في النص أو غير الإطلاق أيضاً، وقد تعرّضنا بشيء من التفصيل لهذا الأمر عند بحثنا عن (تاريخية السنّة الشريفة)([18]).
من هنا نعتقد أنه كلّما كان الفقيه ذا ثقافة واسعة في التاريخ الإسلامي على امتداد أشكاله كانت مقاربته للنصوص وقراءته لها أفضل وأقرب إلى فهمها فهماً واقعياً، بدل قطع جذورها وأوصالها وقراءتها لوحدها كأنها مسقطة ـ بمعزل عن كل شيء ـ من السماء، فليس الصحيح أنّ الغرق في الفقه وأصوله دون تكوين خلفية ثقافية تاريخية هو علامة العمق العلمي، بل هذه الخلفية لها دورها أيضاً في هذا العمق، فما يتردّد في الوعي واللاوعي من أن مثل التاريخ وعلومه إنما هو مجرّد حاجة ثقافية عابرة لا تعني الفقيه المتضلّع ليس سوى وهم زائف يفتقد الكثير من عناصر الدقّة.
وثمّة حاجة أخرى ماسّة في تقويم عملية الاجتهاد؛ وهي وعي الفقيه للواقع الاجتماعي والسياسي و.. المعاصر؛ وذلك ليس اعتباطاً أو كلاماً خطابياً عن المعاصرة والحداثة والتجديد؛ بل ذلك حاجة علمية أيضاً، فصحيح أنّ حضور الفقيه في واقع الحياة قد يعطّل من قدرته العلمية، كما وجدنا عند بعضهم، وصحيح أنّ حضوره كذلك قد يفرض عليه ـ ولو من حيث لا يشعر ـ ضغطاً من الواقع لتطويع النص..، نعم، هذا كلّه صحيح، ويجب السعي لتفاديه، لكنّ ظهور آثار سلبية محدودة لأمرٍ ما لا يعني التخلّي عن هذا الأمر بالكلية، أو تعطيل رؤيتنا لنتائجه الإيجابية.
إن فهم الفقيه للواقع، وعيشه في متغيرات الحياة، ووعيه لطبائع البشر وأمزجة الخلق، وملاحظته لطبيعة المشاكل والأزمات التي يعاني منها الإنسان، سوف يمكّنه ذلك كلّه من فهم الرسالة المقصدية الأساسية التي تريدها النصوص، فيبتعد بذلك عن الفهم المجافي للحياة؛ بل تغدو مواقفه وفتاويه أقرب إلى الواقع من غيره، ففي عالم تشكّل (المالية) وليس (النقدية العينية) أساساً فيه كيف يمكن الإفتاء بأن وضع المال في البنوك يصيّره مجهول المالك، كما ذهب إلى ذلك بعضهم؟! وإلى فتح الحديث عن قيمة البيع المعاطاتي وسط مليارات البيوع المعاطاتية اليومية بين الناس، حتى قال بعض الفقهاء بأنّ الأصل في البيع المعاطاة؟! وكيف يمكن للفقيه أن يبتّ ـ مطمئناً ـ في قضية مثل قضية حقّ النشر والتوزيع والتأليف والاختراع و.. ـ ولو بعنوان ثانوي ـ دون أن يحمل تصوّراً حقيقياً عن هذا الموضوع البالغ الخطورة؟ هل يصحّ إصدار حكم بحق الاستنساخ ـ تلك العملية البالغة التعقيد طبياً وعملياً ـ قبل أن نكوّن وعياً ميدانياً بها وبتأثيراتها على أرض الواقع، وليس قال فلان، وأخبر فلان، أو على تقدير سؤال السائل؟
إذا لم يكن عقل الفقيه عقلاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً ـ ولا أقول متخصصاً في هذه المجالات الثلاثة ـ فإن من الصعب عليه في بعض الأحيان أن يضع الفتوى على موضعها الخارجي.
إن الابتعاد عن المقاصدية في فهم رسالة النصوص الدينية ورّط الفقه في مشاكل، فلست أدري حتى اليوم كيف يقبل الفقيه الذي يقرأ النصوص في إطار تطبيقها الميداني، وبُعدها المقصدي والرسالي، لا في الإطار الذي يبترها، أن يفتي بجواز مشاهدة الأفلام الإباحية لغير المسلمين بدون شهوة، ثم يستصرخ لمنع الطبيب من النظر بدون شهوة إلى بعض قليل من يد المرأة، عندما لا يبلغ حدّ الضرورة، ولا يكون فيه هتكاً عرفاً لحرمة المرأة؟!
إننا نعلم المبررات التي طرحت لتبرير كل هذه الفُهوم الفقهية؛ ولكننا نريد القول: إنه قد غاب عن بعض المشتغلين في الفقه تقديم فقه الحياة بعد أن غيّبتهم مقولات الحجية وبراءة الذمة؛ أما من يريد للفقه أن يحيا في عصر عدم وجود المعصوم، وأن يحكم وأن يمارس على المستويات كافة، فعلية أن يقدّم فقهاً يقبل هذه الممارسة، لا فقهاً يتناسب مع حياة الصحاري وانعدام المدنية على حدّ تعبير السيد الخميني([19])، الذي رفض بشدّة السماح للشيعة ـ بحجة فكرة التحليل ـ بقلع كل أشجار الغابات وسحب شطوط البحار وأعالي الجبال وبطون الوديان، ما سيؤدي إلى كوارث لا يمكن تصوّرها.
نعم، هذا ليس عنواناً ثانوياً دائماً، كيف وعصور التطوّر العلمي تكاد ت


الاستفتاءات والرسائل العملية الواقع، الإشكاليّات، الحاجات(*)

1 نوفمبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
738 زيارة

الاستفتاءات والرسائل العملية الواقع، الإشكاليّات، الحاجات(*)


 
   

تحوّلت <الرسائل العملية> ـ وهي الكتب التي يُصدرها مراجع التقليد معبّرةً عن حصيلة آرائهم الفقهية والشرعية ـ إلى حلقة وصل بين الناس والمرجع، ومن الضروري أن تخضع للتطوير ـ كأي وسيلة بشرية للتواصل ـ والإرفاد بالمقترحات التي تنمّي هذه العلاقة، وتوصل المكلّف إلى ما يريد من تحديد الموقف الشرعي.

إن الرسائل العملية وأساليب الإفتاء والاستفتاء تطوّرت بفعل الزمن، وقد ساهم العلماء أنفسهم في هذا التطوير عبر مراحل تاريخية مختلفة، فكانت طرق السؤال والجواب سائدةً، كما تشهد بذلك رسائل السيد المرتضى (436هـ)، والشيخ المفيد (413هـ) وغيرها، حتى وصل الحال إلى كتابة الرسائل العملية بشكلها المتأخر، خصوصاً مع رسالة <صراط النجاة> للشيخ مرتضى الأنصاري (1281هـ)، وبعدها رسالة <العروة الوثقى> للسيد محمد كاظم اليزدي (1337هـ)، التي شكلت منعطفاً في تاريخ تدوين الرسائل العملية، لتأتي بعدها رسائل: <وسيلة النجاة> لأبي الحسن الإصفهاني
(1365هـ)، و
<توضيح المسائل> للسيد حسين البروجردي (1380هـ)، ومنهاج الصالحين للسيد محسن الحكيم (1390هـ)، وهي ـ أي الرسائل الثلاث الأخيرة ـ التي يسير على طريقها اليوم أغلب الفقهاء ومراجع التقليد.

1 ـ أوّل مشكلة يواجهها عامة الناس في مراجعتهم للفتاوى المدرجة في الرسائل العملية، هي مشكلة التعقيد اللفظي؛ فإن اللغة التي تطرح فيها هذه الرسائل هي لغة علمية حوزوية، يفهمها ـ وأحياناً لا يحصل ذلك ـ طلاب العلوم الشرعية، وهي مليئة بالقيود والمصطلحات التي يصعب على الإنسان غير المختصّ فهمها ببساطة، حتى اضطرّ بعض العلماء لتدوين كتب تشرح مصطلحات الرسائل العملية، وقد كانوا في غنى عن ذلك لو أنّ الفقيه نفسه سهّل لغته وبسّطها بحيث يفهمها أغلب الناس، ولا نقول: جميعهم.

إنّ هذا التعقيد اللفظي إذا كان مفهوماً في الدراسات العلمية الاجتهادية، كونها دراسات متخصّصة، فهو غير مفهوم في <رسالة عملية> يفترض بها أن تكون مرجعاً للناس كي يتعرّفوا من خلالها على موقفهم الشرعي، نعم، هناك من يرى أنّ هذه الرسالة العملية ليست موضوعةً لعامة الناس، بل هي موضوعة لعلماء الدين والمبلّغين والدعاة كي يرجعوا إليها عندما يسألهم الناس عن أمرٍ لا يعرفونه أو نسوه، وهذه الفكرة ـ فضلاً عن أننا نناقش حتى في فهم العديد من علماء الدين لبعض ما جاء في الرسائل العملية، حتى يُنقل عن السيد محمد باقر الصدر أنه قال: إنه فهم بعض فتاوى السيد محسن الحكيم في منهاج الصالحين عندما راجع أبحاثه الفقهية في مستمسك العروة الوثقى ـ فضلاً عن ذلك، لم تعد دقيقةً، فلابد من كتاب يرجع إليه الناس عند فقدهم عالم الدين، وليس هناك ضرورة لحرمان الناس من معرفة الدين مباشرةً، كما أنه ليست كل المناطق يتوافر فيها وجود رجل دين.

وفي سياق التوضيح وسياسة البيان الشفّاف، تظهر مشكلة مصطلحات الاحتياط الوجوبي والاستحبابي، فماذا يضرّ لو كتبنا على كلّ واحدٍ عنوانه، فنقول: على الأحوط وجوباً، وعلى الأحوط استحباباً، ونريح الآخرين من الجدل في فهم طبيعة الاحتياط، كما يحصل وحصل كثيراً؟! بل حتى أشكال بيان الفتوى مثل: على الأقوى، والظاهر بل الأظهر، ولا يخلو من وجه و.. كلّها لا حاجة إليها، فليُذكر الحكم بصيغة البتّ، ولا تُدخل هذه المصطلحات التي تشير إلى قضايا تتصل بالبُعد الاجتهادي في هذه المسألة أو تلك، فلا فرق من الناحية العمليّة التي جاءت <الرسائل> للجواب عنها، بين أن يكون الفقيه قد وصل إلى هذا الرأي بهذه الطريقة أو ضمن هذا الوضع أو ذاك، بقدر ما المهم فهم النصّ للعمل على وفقه، والمؤسف أنّ بعض رموز التغيير في الوسط العلمي الديني انساقوا مع هذا الجوّ لمّا تصدّوا للمرجعية الدينية.

بل إنّ بعض صيغ الفتاوى في <الرسائل العملية> توجب إيهام القارئ؛ فإنّ قوله: يستحب كذا وكذا، وقوله: ذكروا من مستحبات الصلاة كذا وكذا.. لا يفرّق آحادُ الناس بينهما حينما يدرَجان في رسالة عملية، فيَظنّ أن المرجع يذكر المستحب هنا وهناك؛ لأنه يترقّب منه بيان الأحكام التي توصّل إليها له، ولا يدري أن الصيغة الأولى تعني الإفتاء بالاستحباب أما الثانية فلا تعني سوى نسبة الاستحباب إلى الفقهاء دون تبنّيه، بل قد يقع في الوهم ـ كما رأينا ـ الكثيرُ من طلبة العلوم الدينية، فلماذا هذا الشكل في البيان؟ ولماذا لا يجري التصريح بالموقف هنا وهناك؟

وعلى الطريقة نفسها عندما يُسأل الفقيه عن مسألة فيجيب بالإتيان برجاء المطلوبية، لكنه لا ينصّ على عدم الاستحباب، فإذا سُئل عن استحباب الغسل لزيارة الحسين % فهو لا يجيب بعدم ثبوت الاستحباب، وإذا أريد الإتيان بالغسل يؤتى به برجاء المطلوبية، بل يذكر في الرسالة أو في جواب الاستفتاء القسمَ الثاني فقط، وقد لا يفهم الكثيرون معنى ذلك فيظنّ أنه استحباب في حين كان يمكن رفع هذه الالتباسات ببعض الزيادة في الكلام بهدف التوضيح.

وعلى الخط عينه، تأتي مسألة الأمثلة التي لا يفهمها الكثيرون أو لا تدخل في دائرة الابتلاء اليوم، وكذا بعض المصطلحات، ويأتي تعريف الفرسخ حتى يصل إلى شعر البرذون، فيما بالإمكان حلّ الأمر للمكلّف بالتحديد المعاصر عبر الأميال أو الكيلومترات، ويأتي ذكر أنواع من الحيوانات البحرية وغيرها بأسماء قديمة لها، مع الحاجة إلى إرفاق الاسم المتداول اليوم، أو الأكثر تداولاً في بلاد المسلمين.

2 ـ وبهذا يتبيّن، أنّ ما لا ابتلاء به يُفترض حذفه، فلماذا تبقى أحكام الإماء والعبيد والعتق والتدبير منتشرةً في أبواب الفقه المختلفة؟ وما الحاجة إليها في الرسائل العملية؟ وما الحاجة أيضاً إلى فروع العلم الإجمالي المذكورة أحياناً بعد أحكام الشك والسهو في الصلاة؟ فلتترك للاستفتاء لقلّة الابتلاء بها، وفي المقابل ينبغي أن نذكر قضايا الفقه السياسي والجهادي الإسلامي اليوم؛ لكثرة الابتلاء بها، وإذا كان الفقيه لا يرى وجوب الزكاة في النقدين إلاّ نقدي الذهب والفضة، فلماذا يُدرج بحث الزكاة هذا في رسالته العملية؟ وهل هناك بلد إسلامي وغير إسلامي اليوم يتداول الذهب والفضة عملةً يومية؟! أليس من الأجدر توسعة بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكثرة الابتلاء به وتقليل بحث الظهار الذي كان عادةً عربية قديمة لم يعد لها حضور ـ يُذكر ـ اليوم؟

إذا حدّدنا دور الرسالة العملية وأهدافها نعرف أنها ليست فقط نتائج البحث الفقهي للمرجع، بل هي أيضاً مرشدٌ للناس في عملهم، فينبغي أن تخدم هذا الإرشاد وتساعد عليه.

من هنا، تظهر الحاجة لأسلوب الأمثلة المعاصرة، فبدل التمثيل بالحمار والحصان يمثل بالسيارة والطائرة، وبدل توضيح القبلة على طريقة الجدي ونجوم السماء، فليجري الحديث في الطرق المعروفة اليوم (البوصلة..)، وبدل البحث في استئجار الحيوان للركوب يتحدّث عن استئجار وسائط النقل المعاصرة.

إننا نلاحظ أنّ بعض أشكال التطوير ظهرت في كتب الاستفتاءات، لكنّ المطلوب أن تكون الرسالة العملية أيضاً مطوّرة؛ لأن تطويرها قد يخفّف من ثقل الاستفتاءات ويحلّ من مشاكلها، عبر بيان القضايا الابتلائية المعاصرة التي اطّلع عليها الفقيه من خلال تجارب الاستفتاء الواسعة على امتداد العالم الإسلامي، فيشحن رسالته العملية بالأمثلة التي تعبّر عن واقع يسأل المكلفون عنه عادةً أو أحياناً.

3 ـ ومن خلال هذه القضية ندعو إلى أن لا تكون الرسالة العملية مبوّبةً على تبويب الأبحاث الفقهية، بل على تبويب واقع حياة الناس؛ بحيث يسهل عليهم الوصول إلى الحكم الشرعي من خلالها، ومن التجارب الجيّدة في هذا المجال، تجربة الشهيد السيد محمد صادق الصدر (1999هـ) حين كتب في فقه العشيرة وأمثال ذلك، وتجربة السيد محمد سعيد الحكيم، والسيّد محمد حسين فضل الله، إنّ الكتابة في فقه المغتربين، وفقه المرأة، وفقه التربية، وفقه الحياة الجنسية، وفقه المعاملات البنكية والمصارف، وفقه التجارة، وفقه الصداقة، وفقه العشيرة، وفقه العمل الإداري والمؤسّسي، وفقه المجاهد والمقاوم و.. حتى لو حصل بعض التكرار معها، هي الوسيلة الملائمة لواقع تجربة الإنسان اليومية، فيمكنه الوصول إلى الحكم الشرعي عبر هذه الطريقة بسهولة، أما فقه البنك فأين يعرف المكلّف مصدره وموقعه في الرسائل العملية المتعارفة وكيف؟

وعلى هذا الأساس، كتاب القضاء من الرسالة العملية، المفروض وضعه للشأن القضائي، حيث لابدّ أن يترتب ويُصاغ بحسب حالات الترافع اليوم، وترصد فيه مشاكل المؤسّسات القضائية وأساليب التعامل فيها ومعها.. بحيث يجعلها القضاة أنفسهم مرشداً لعملهم.

وهذا ما يجعل إفراد المسائل المستحدثة في آخر الرسالة العملية خطأ، بل لابد أن تندرج هذه المسائل داخل الرسالة نفسها، ولا يحسّ الإنسان أنها تقع على هامش الفقه بل من صميمه.

4 ـ من الضروري أن تصاغ الرسالة العملية صياغة قواعد عامّة ولها استثناءات حتى يحدّد المكلّف مرجعيّته في وظيفته العملية، فالملاحظ أحياناً أن الرسالة العملية تكون عبارةً عن فروض جزئية يجري ذكر حلول لها، ولعلّ لهذا الأمر أسبابه التاريخية، فيما المطلوب وضع نصّ يمثل قاعدةً تستوعب حالات المكلّف مع الإشارة إلى تطبيقات جزئية، لا بياناً لمشكلة جزئية كي تحلّ؛ فيما تبقى القاعدة غائبةً.

5 ـ وفي سياق الرسائل العملية والاستفتاءات، تواجه بعض المرجعيات الدينية المعاصرة مشكلةً تتمثل في أنّها لا تجيب بالمباشرة عن استفتاءات القاعدة الشعبية؛ ربما لأسباب معقولة مثل عدم وجود إمكانية لتفرّغ المرجع لهذه الاستفتاءات لكثرتها الكاثرة، وهذا شيء طبيعي، لكنّ لجان الاستفتاء في مكاتب المرجعيات الدينية مطالبة بقدرٍ أكبر من الدقّة، تجنيباً لمكانة المرجعية الدينية عن الفوضى والقيل والقال، مع اعتقادنا بأنّ هذه اللجان لا ينبغي أن تكلَّف فوق طاقتها فليست العصمة إلا لأهلها، فقد رأينا بعض مكاتب المرجعيات الدينية تُصدر فتاوى متناقضة بين منطقة وأخرى، وكلّ واحد يأخذ استنتاجاً من نصٍّ هنا أو آخر هناك، فهذه الفوضى في عمليّة الإجابة عن الاستفتاءات أحياناً خلقت ردود أفعال سلبية وسط عامّة الناس؛ بسبب ارتباكات حادّة أفرزتها؛ فالمفترض بالقيّمين على هذه الشؤون أن يكونوا بمستوى المسؤولية والثقة التي وضعوا فيها، والجميع يقدّر طبيعة عملهم المضني ويشكر لهم جهودهم الطيبة الكريمة لمساعدة الناس على تحديد تكاليفها الشرعية.

على خطٍّ موازٍ في خصوص لجان الاستفتاءات ومكاتب المرجعيّات الدينية، هناك مشكلة أخرى، وهي توريط بعض المرجعيات في بعض القضايا التي لا نعلم أنّ المرجع نفسه راضٍ بها، وإنّما الخطأ في تقييمات لجان الاستفتاء يوجب إدخال مؤسّسة المرجعية في ارتباكات؛ فنجد أنّ بعض المكاتب ـ ودعونا نكون صريحين شفّافين جريئين في قول الحقّ ولو على أنفسنا ـ تُصدر فتاوى ضدّ بعض الشخصيات العلمائية والوجوه الدينية والاجتماعية، ولا يوجد ختم المرجع نفسه على هذه الفتاوى، فتتحمّل المرجعية مسؤولية ما يحصل، وأعتقد أنّه في مثل هذه القضايا الحسّاسة والميدانيّة يُفترض أن يكون القول الفصل للمرجع نفسه، بقدر ما هي كلمته ذات قيمة في هذا المجال أو ذاك.

إنّ حماية المرجعيّة الدينية لا تكون دوماً في إغراقها في الجزئيّات، وتصفية حسابات حتى لو كانت هناك أغراض دينية من ورائها، فالفتاوى الميدانية ذات
الطابع الجزئي الخاصّ يفترض أن تكون ـ كمّاً وكيفاً ـ بحيث تُبقي للفتوى قيمتها ومكانتها، لا إدخالها في سياقات تُكثر حولها القيل والقال، وأعتقد أنّ تجربة الإمام الخميني (1409هـ) كانت مميّزةً للغاية في هذا المجال، فبرغم كلّ الصراعات الواسعة الداخلية بين أجنحة الفكر والثقافة والدين في إيران قبل وبعد انتصار الثورة، إلا أنّنا وجدناه محجماً ـ غالباً إن لم يكن دائماً ـ عن الدخول في تفاصيل الأمور للتركيز على الخطوط العريضة التي لا تخلق الفتن الجزئية المتحرّكة، فوظّف الفتوى في قضايا الأمّة الكبرى لا في جزئيّات محدودة، ولا يُفترض تضخيم الأمور لنحوّل المفردة الصغيرة
إلى قضيّة يصبح الإسلام كلّه في خطر بسببها، فقد عرض على تاريخ الإسلام ما هو أكثر بكثير من هذا واستطاع الصمود وإبداء الممانعة الإيجابية في أكثر من موقع، والحمد لله.

6ـ يبقى أن نشير أخيراً إلى اقتراح في إرفاد الرسائل العملية، ولا أقلّ الاستفتاءات، بلمحة ولو سريعة عن مدرك الحكم الشرعي حيث يمكن، فنقول له: إن الأمر الفلاني حرام، ونستشهد بقولٍ لله تعالى أو حديثٍ لرسول الله2 مما يجعل المستفتي يشعر بمدرك الحكم، ويعي المنطلق الشرعيّ له ولو على نحو الإشارة حيث يمكن؛ وإن كنّا نعتقد بأن بعض المشتغلين في هذا المضمار قد لا يوافقون على ذلك؛ قناعةً بضرورة حجب آليات الوصول إلى الحكم عن عامة الناس، لأسباب هناك حاجة لدراستها ونقد الكثير منها على الأقلّ.

 

>قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ<

] الزمر: 9 [.
 
 

*     *     *




([1]) نشر هذا المقال في العدد الخامس من مجلة الاجتهاد والتجديد في بيروت، شتاء عام 2007م.      


الفتوى بين النصّ والواقع وقفة مع صياغة الفتوى والرسائل العملية(*)

20 أكتوبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
649 زيارة

الفتوى بين النصّ والواقع وقفة مع صياغة الفتوى والرسائل العملية(*)



اعتاد الفقه الشيعي، سيما في الفترات المتأخرة، على تنامي ظاهرة المرجعية الدينية، وصار للفقهاء مكانة بارزة ومرموقة على هذا الصعيد، واشتدّت وتفاعلت العلاقة بين الفقيه وطبقة عامة الناس، تحت إطار مفهوم التقليد، وكانت «الرسائل العملية»، وهي خلاصة فتاوى الفقهاء وما توصّلوا إليه، حلقة الوصل الأساسية بين المرجع ومقلّديه، ونريد هنا تسجيل ملاحظة واحدة سريعة حول هذه الرسائل العملية والفتاوى بشكل عام؛ تاركين مجموعة أفكار حول الفتوى والرسالة العملية إلى مناسبات لاحقة إن شاء الله تعالى.

ينظر الفقهاء أنفسهم ــ فضلاً عن غيرهم ــ للفتاوى والرسائل العملية على أنها أحكام شرعية أولية، بمعنى أنها تعبّر عن النتائج التي توصّل إليها الفقيه في أبحاثه العلمية في تعامله مع النصوص، بقطع النظر عن العناوين الطارئة التي قد تغيّر هذا الحكم أو ذاك، كما وبقطع النظر عن الحكم الولائي الحكومي المرحلي الذي قد يراه الفقيه في هذه المرحلة أو تلك.

وعلى هذا الأساس، فالرسائل العملية ــ غالباً ــ نتيجة تفاعل الفقيه مع النصّ، لا تفاعله مع الواقع والنصّ معاً، وإذا أراد أن يتفاعل مع الواقع ويأخذه بعين الاعتبار فإنه يمارس طريقة الاحتياط، فلا يفتي بل يحتاط وجوباً أو استحباباً، ولهذا تتخذ الرسائل العملية طابع الكلية والعمومية دون إشارة إلى طبيعة المرحلة.

ولنا هنا ملاحظة جزئية؛ ذلك أن الرسائل العملية تقع في مشكلين هنا، هي وظاهرة الفتوى عموماً، وعليها أن توازن حلولها للمشكلين معاً:

المشكل الأول: إن الرسالة العملية أو الفتوى لها طرفان: أحدهما المفتي، وثانيهما المقلِّد، المسمّى بالعامي عندهم، ويراد من الفتوى أن يعمل الناس عليها؛ إذاً فهي على صلة بالواقع العملي مباشرةً، فكيف لا يمكنها أن تأخذه بعين الاعتبار، فمثلاً يرى بعض الفقهاء أنّ الحربيّ من الكفار، ويقصدون به مطلق غير الذمي والمعاهد حتى لو لم يمارس الحرابة فعلاً، مهدور الدم والمال، ومعنى ذلك أنه يجوز سرقته ــ إن صحّ التعبير ــ بل قتله، وانطلاقاً من هذه الفتوى التي لا نحاكمها فعلاً، لا سلباً ولا إيجاباً،  يرى الفقيه نفسه أن التطبيق الميداني العملي لها ــ في الغالب ــ يؤدي إلى مفاسد بحسب طبيعة المرحلة التي نعيشها، لهذا نجده يتخذ موقفاً بالعنوان الثانوي يميل فيه إلى الحظر، لكن الرسالة العملية تبقى تحكي عن الحكم الأولي عنده، وهو الرخصة، فأيّ ضرورة لبيان هذا الحكم الأولي، والمفروض أنّ الرسالة العملية موصوفة بالعملية، لا بالعلمية؟

من هنا، يفرض هذا الواقع أن تكون الرسائل العملية قد أخذت بعين الاعتبار ليس العنوان الأولي والنتاج البحثي للمسألة فحسب، بل والعناوين الأخرى الطارئة التي يحقّ للفقيه الإفتاء على أساسها، سيما وأنّ ممارسات الفقهاء ــ عملياً ــ تقرّ بالتمييز بين المباحث الفقهية العلمية والفتاوى العملية الميدانية من حيث المبدأ وفق تخريجات فقهية؛ ولهذا نرى في الفتوى، أي فيما يسمّيه الناس فتوى، احتياطاً وجوبياً، فيما يكون البحث العلمي للفقيه نفسه قد توصّل إلى الرخصة والحلية مثلاً، من هنا يعتبرون أن الحجية إنما هي لفتوى الفقيه لا لرأيه العلمي، وهذا بحثٌ آخر لنا ملاحظات عامة عليه نتركها إلى مجال آخر.

المشكل الثاني: وهو على عكس المشكل الأول تماماً، فالفقيه ــ غير الحاكم الذي له الولاية ــ ليس معنياً بتحديد موضوعات الأحكام، أو مصاديقها، بمعنى أنه يقول لك: إن ملاقاة الدم للماء القليل تنجّسه، لكنه غير مسؤول عن تحديد حصول هذه الملاقاة في هذا الماء أو ذاك، وإنما الأمر على هذا المستوى موكولٌ إلى المكلّف نفسه.

وهذا مبدأ قَبِل به الفقه الإمامي، لهذا كانت الفتوى في مفهومهم لها عبارة عن الحكم الكلي على موضوعه الكلّي، أي إن الفقيه لا شأن له بالموارد الجزئية التطبيقية، وإلاّ دخل الفقه في متاهات.

وهذه الفكرة غاية في الأهمية في حدّ نفسها، لكنّ الفقه والفتاوى لم تعمل بها دائماً، فنحن نجد الكثير من الفتاوى في الرسائل العملية وغيرها لا تنطبق عليها هذه القاعدة، والناس اعتادت على اعتبار هذه الفتاوى حجة، رغم أنها ليست في حدّ نفسها حجةً وفقاً لقواعد الفقه نفسه، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، فيما ينتمي إلى غير ما يسمّى بالموضوعات المستنبطة، فنجد فقيهاً يفتي بحرمة التدخين، مع أنّه لا يوجد هكذا حكم في كتاب ولا سنّة على مستوى تعلّقه بعنوان التدخين، وإنما الموجود هو حرمة الإضرار بالنفس، وهو ــ أي الفقيه ــ اقتنع قناعةً شخصية أن التدخين فيه إضرار بالنفس، لذلك حكم بحرمته، على أساس صيرورته مصداقاً لمتعلّق الحكم بالحرمة، ألا وهو الإضرار بالنفس، مع أنّ هذا التحديد للموضوع ــ أي كون التدخين مضرّاً أو غير مضرّ ــ ليس من وظيفة الفقيه بما هو فقيه، ودليل حجية الفتوى عندهم لا يشمل مثل هذه النتائج الموضوعية، مع ذلك رأينا صيغة الفتوى هي التحريم المنصبّ على التدخين، مع أن الصيغة الحقيقية المفروضة هي أن يقول: يحرم الإضرار بالنفس، أو يحرم التدخين إذا أضرّ بالنفس، وهذا الإضرار المسبّب يرجع تحديده إلى المكلّف نفسه ــ وقد يقتنع بالضرر وقد لا يقتنع ــ لا إلى الفقيه، وفق الأصول المعمول بها في الفقه الإسلامي.

وهكذا يقول الفقيه: ثبت العيد اليوم، فهل قوله حجة مع عدم بنائه هو نفسه على حجية حكم الحاكم في ثبوت الهلال؟ فقهياً إذا كان حكم الحاكم في هذا المورد حجةً، وحَكَم، كان قوله حجةً على مقلّديه وغيرهم ممّن يقلّدون من يقول بحجية حكم الحاكم هنا على الأقلّ، أما مع عدم القول بحجية حكم الحاكم هنا، وصرّح المفتي أو المرجع بثبوت الهلال، فإنّ قوله لا قيمة له تشريعاً، إلاّ إذا أورث الناس ــ من خلال كونه مخبراً ــ اطمئناناً بصدق الشهود وعدالتهم، لا بوصفه فقيهاً، مع أن الناس لا تتعامل على هذه الطريقة، وهذا خطأ واضح.

ولو شئت أن أذكر الأمثلة على ذلك لما اتسع المجال أبداً، وهذه أخطاء شائعة في الفقه المتداول بين الناس، وثمة في الفتاوى الكثير من هذه الأنواع والألوان.

وعليه، فإذا كان المطلوب من الفقيه من جهة أن يواكب الواقع وتكون فتاواه ورسائله العملية قائمةً على الواقع والنصّ معاً، لا بعيدة عن الواقع تتعامل مع النصوص فقط، باعتبار أنه مرجع تقليد لا مجرّد باحث علمي فقيه لا أثر لرأيه في الواقع الاجتماعي و.. للناس، فحديثنا عن الفتوى بما تمثله من حلقة وصل المرجعية بالأمة.

وإذا كان المطلوب من الفقيه أيضاً ــ من جهة ثانية ــ أن ينضبط ضمن وظيفته المحدّدة في الفقه الإسلامي، وهي حجية الفتوى لا مطلق الرأي ولو كان في تحديد الموضوعات غير المستنبطة، فكيف يمكن الجمع بين الوظيفتين؟ وكيف يتسنّى للفقيه أن يواكب في فتاويه حركة الواقع مع كونه غير معنيّ ــ فقهياً ــ بغير الحكم الكلّي؟!

أعتقد أن الجواب يكون بالجمع والتوفيق طبقاً للأساسين التاليين، وهما:

أولاً: التمييز في عالم الموضوعات، لا بين الموضوعات المستنبطة وغيرها فحسب، بل بين الموضوعات التي يصحّ إيكالها إلى المكلّف وغيرها، فمثل تحديد حصول الملاقاة أو ما شابه ذلك شأن فردي يمكن إيكاله إلى المكلّف، ولا دليل يُلزم الفقيه ــ تكليفاً ــ بالتدخل، كما لا دليل يعطي رأيه ــ وضعاً ــ الحجية والاعتبار فيه، لهذا فهذه الموضوعات يفترض أن يتجنّب الفقيه الدخول فيها؛ لأن تدخله موجب لإيهام الناس حجية قوله، بل عليه أن يتركها لهم يحدّدوا فيها أمورهم.

نعم له ذلك من باب أنه صاحب جهة ونفوذ، فيمكنه القيام بما قد لا يمكن لغيره القيام به، مثل ما لو فرض أن جبنةً أو طعاماً ما شك في أمره على مستوى الحلية والحرمة، للشك في شأن موضوعي فيه لا حكمي، وأراد الفقيه ــ بحكم منصبه الديني في المجتمع ــ أن يتابع هذا الموضوع، كي يساعد الناس على تحديد أمرها إزاء هذا الطعام أو ذاك، فله ذلك؛ ولكنّ قوله لا يكون حجةً عليهم إلاّ إذا أورثهم الاطمئنان أو السبيل المعتبر، ويمكن لأي جهة لها نفوذ أن تقوم بهذه الخدمة أيضاً.

وعليه، فالموضوعات التي لا محذور من إيكالها إلى الأفراد توكل إليهم على مقتضى القاعدة كما شرحنا، أما الموضوعات التي إذا أوكلت إلى الأفراد لزم الفوضى أو الهرج والمرج أو مفاسد أخرى نوعاً، فإن مثلها يعود إلى الفقيه أن يتدخّل فيه، لكي يعطي الموقف هناك.

وعلى سبيل المثال، مسألة السرقة المتقدّمة، فإنّ إيكال تحديد عدم حصول مفاسد إلى الأفراد سيلزم منه حصول المفاسد في الخارج، فكلّ فرد سيقول: إن عملي متقن ولن يقع ما يوجب الضرر عليّ أو على أحد من المسلمين، أو يوجب هتك حرمة المؤمنين، فالنظرة الفردية تظلّ متفلّتة من القراءة المجتمعية العامة، والفقيه هنا؛ لكي يضبط الأمر من ناحية تشريعية، يحدّد الموضوع لا من زاوية فردية بل من زاوية عامة، حاصداً مجمل الصورة التي تقع في هذا المجال أو ذاك، ليصدر حكمه الثانوي طبقاً له، فإنّ هذا الحكم الثانوي بالحرمة وإن كان قائماً على أساس حرمة هتك سمعة المؤمنين مثلاً، إلاّ أنه لا يحقّ لآحاد المكلّفين أن يعتبروا تحديد هذا المعيار الذي قامت الفتوى على أساسه من شؤونهم وبيدهم، فكلّ أمرٍ يكون إيكاله إلى الآحاد موجباً للهرج والمرج أو المفسدة، أي يختلّ فيه الضبط العام، يُرجع في تحديد حكمه حينئذٍ إلى الفقيه، لا لأن الفقيه قام دليل على حجية فتواه هنا، بل لأنّ هذا هو السبيل الوحيد للالتزام بالشريعة، درءاً لمادّة الفساد أو سدّاً للذرائع، إذ لو ترك الأفراد أنفسهم لتحديد الأمر للزم ــ بقراءة عامة مجتمعية ــ حصول المفسدة، وهو أمرٌ لا يجوز، ولهذا لو عثرنا على سبيل ضبط آخر غير مرجعية الفقيه على المستوى الديني ــ وكلامنا على المستوى الديني ــ أمكن الأخذ بها لتحقيق المصلحة المذكورة أو دفع المفسدة.

ومن الطبيعي هنا أن يجري بحث في التمييز المصداقي بين نوعي الموضوعات، أي ما يوكل للمكلّفين وما لا يوكل، مما لا مجال لبحثه هنا، لكن ما أودّ أن أشير إليه أنّ القضية متحركة، فرب موضوعٍ ما في ظرف زمكاني خاص مما يصحّ إيكاله إلى الآحاد، فيما لا يصحّ ذلك في حقّ الموضوع نفسه في ظرفٍ آخر، والمعيار دائماً هو الواقع الميداني.

ثانياً: اللجوء إلى مقولة «حكم الحاكم»؛ باعتبار أنّ للحاكم صلاحية التدخل في الموضوع على خلاف الحال مع الفتوى، كما هو مبحوث في الفقه، وتبدو الحاجة إلى حكم الحاكم لحلّ المسألة التي نحن فيها في القضايا ذات الطابع العام أيضاً، والتي تحتاج إلى قدر أكبر ــ عادةً ــ من الصرامة، فمثلاً لو قيل: إن الفتوى الشرعية هي لزوم محاربة العدو الغاشم مثل إسرائيل، شريطة أن لا يلزم من الحرب معها مفاسد أعظم على أمة الإسلام، فيجري قانون التزاحم بين المفسدة والمصلحة لصالح ترجيح وجوب الجهاد تارةً أو لزوم السلم أخرى، فإن هذا العنوان الكلي لا يمكن إيكاله إلى المكلّفين؛ لأن معظم أحكام باب الجهاد من الشأن المجتمعي العام الذي يصعب إحالته إلى الآحاد؛ للزوم الفوضى وغيرها فيه؛ لهذا ثمة حاجة إلى قرار موحّد، ففي كلّ الدول، تتخذ الدولة القرار المذكور، دون أن تسمح لآحاد الناس أن يتعاطوا معه بمزاجية، وأما على الصعيد الشرعي فيُفترض إحالة مثل ذلك إلى الحاكم الشرعي؛ لأن مثل هذه الموضوعات تحتاج إلى قدر كبير من الصرامة والقاطعية، الأمر الذي يمنحنا إياه حكم الحاكم، بما له في الفقه الإسلامي من نفوذ حتى على الآخرين ممّن لا يقلّدون هذا الحاكم نفسه.

إذن، فحكم الحاكم وسيلة أخرى في مجالات محدّدة تسمح بدخول الفقيه مجال الموضوعات، وعليه، نعود إلى نقطة بحثنا لنرى أن الفتاوى والرسائل العملية يجب:

أ ــ أن تخلو من التدخل في الموضوعات غير المستنبطة والتي لا تنتمي إلى حكم الحاكم ولا إلى نوع الموضوعات التي لا يصحّ إيكالها إلى الآحاد، وهذا ما أظنّ أنه سوف يغيّر عدداً من الفتاوى الموجودة في الرسائل العملية أو على الأقل صيغتها.

ب ــ أن تخلو من الكلية والتجريدية، ففي الموضوعات التي لا يصحّ إيكالها إلى الآحاد، لا يصحّ وضعها بصورتها الأولية في الرسائل العملية أو الفتاوى، بل يفترض أن تحتوي الرسالة العملية أو الفتوى مباشرةً الحكمَ الثانوي، ويُترك الحكم الأولي للأبحاث العلمية الصرفة.

هذا، وأمّا تفاصيل هذه المباحث وتخريجاتها الاستدلالية مما ألمحنا إلى بعضه فنتركها إلى مجال أوسع.

>فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ

ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا<

] النساء: 65 [.
 



 


([1]) نشر هذا المقال في العدد الرابع من مجلة الاجتهاد والتجديد في بيروت، خريف عام 2006م.     


فقه الجهاد في الإسلام حاجات التجديد وضرورات المنهجة(*)

16 أكتوبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
783 زيارة

فقه الجهاد في الإسلام حاجات التجديد وضرورات المنهجة(*)

يحتاج الفقه الإسلامي، كسائر العلوم البشرية، إلى إعادة هيكلة وتبويب كل فترة؛ لأنّ تبويب الفقه وتقسيم مباحثه ليس أمراً جزافياً أو اتفاقياً عادةً، وإنما يلعب دوراً في مسيرة العلم، أو يكشف عن تصوّر له، فقد يعيق حركته، وقد يدفعه إلى الأمام، كما قد يجعله مواكباً للواقع، وقد يصيّره أعجز عن أن يؤثر فيه أو يصاحبه، من هنا تحتاج العلوم ـ عادةً ـ إلى إعادة هيكلة تستجيب لطبيعة التطوّرات من جهة، كما تدفع العلم نفسه نحو مزيد من الإنتاج، من جهة أخرى.

وفي هذا الإطار سنأخذ مباحث الجهاد من الفقه الإسلامي ــ سيما الشيعي ــ كي نحاول رصد الهيكلة والأهمية فيها.

1ــ النقطة الأولى التي تواجهنا في موضوع فقه الجهاد، ظاهرة عدم الاهتمام الفقهي الشيعي الجادّ بهذا الملف الهام، حيث نجد أن بعض الفقهاء حذف ــ كلياً ــ من دوراته الفقهية هذا البحث؛ فالمحقق النراقي (1254هـ) الذي لم يستعرض في كتابه القيّم «مستند الشيعة» مباحث الجهاد، نجده في حاشيته على كتاب الروضة البهية للشهيد الثاني (965هـ)، يُتمّ التعليق على كتاب الحج من الروضة، ثم يقفز لكتاب القضاء، دون أن يستعرض شيئاً من كتاب الجهاد الذي يقع في الروضة ما بين الحج والقضاء، فإذا كان باب الجهاد موجوداً في الروضة، وكان الكتاب في الأصل حاشيةً على الروضة، فلم تمّ القفز فوقه دون أي تعليقةٍ عليه؟!

وعلى المنوال عينه، السيد أحمد الخوانساري (1405هـ) صاحب كتاب «جامع المدارك»، فإنّ هذا الكتاب يمثل دورةً فقهيةً يعدّ كتاب «المختصر النافع» للمحقق الحلّي (676هـ) متناً لها، وفي المختصر النافع يوجد كتاب الجهاد، لكننا نرى أن السيد الخوانساري، عندما يصل إلى فقه الجهاد من المختصر، يقفز عنه، ولا يكتب حوله شيئاً، الأمر الذي لا يمكن تفسيره إلا على أساس التعمّد، لعدم احتمال السهو هنا.

والأمر عينه نجده مع الشيخ الصدوق (381هـ)، حيث حذف بشكل تام كتاب الجهاد من «المقنع»، فيما تعرّض له باختصار شديد في كتاب «الهداية»، وهما الكتابان الفقهيان الرئيسان له، تماماً كما حصل مع الشيخ المفيد (413هـ) في «المقنعة»، حيث دمج عنوان الجهاد والأمر بالمعروف مع بعضهما لكنه لم يتحدث عن الجهاد إطلاقاً رغم وضعه عنوانه في الأعلى.

ولست هنا بصدد استقصاء هذه الظاهرة، لكنني أعتقد أنها ذات دلالة، كما لا أقصد أن هناك تجاهلاً تاماً في الفقه الشيعي لمباحث الجهاد، فكتاب الجهاد في الفقه واضح موجود، إلاّ أنه لا يمكن مقارنة مباحث الطهارة به ولا مباحث البيع، فالاهتمام به كان من الدرجة الثالثة إن لم نقل: أقلّ.

وتؤكد هذه الظاهرة تجاهل فريق من الفقهاء لهذا الموضوع، ولعلّ السبب في ذلك يرجع إلى أن الفقه الإمامي لم يشعر أنه بحاجة إلى دراسة موضوع الجهاد، لقلّة بلواه به، سواء على مستوى الفرد الشيعي أو على مستوى الدولة أو الجماعة الشيعية، وما يعزّز ذلك أننا لاحظنا تدوين العديد من الرسائل الجهادية في الحقبة القاجارية، كالرسالة الجهادية للملا رضا الهمداني، كما نجد في الحقبة نفسها توسّع بحوث الجهاد، وأبرز أنموذجين على ذلك ما نلاحظه في كتاب «كشف الغطاء» للشيخ جعفر كاشف الغطاء (1227هـ)، وكتاب «رياض المسائل» للسيد علي الطباطبائي (1231هـ)، وهما من أبرز أعلام تلك الحقبة، حيث أفاضا في مباحث الجهاد؛ نظراً لابتلاء الدولة القاجارية آنذاك، وعلى مرحلتين، بحرب ضروس مع الروس، وهذا ما يؤكّد أن مسألة الابتلاء الشيعي بموضوع الجهاد وعدمه لعبت دوراً كبيراً في ضمور بحوث الجهاد أو توسّعها، ولهذا شاهدنا تراجعاً لمباحث الجهاد نهايات العصر القاجاري، كما أن السبب عينه هو ما يجعلنا نرى تطوّراً في دراسة موضوع الجهاد في الفقه السنّي، عندما نقارن ما كتبه السنّة بما كتبه الشيعة.

ومما يشير إلى مسألة الابتلاء ودورها ــ ولو إشارة فيها بعض الضعف ــ حذف السيد المرتضى (436هــ) كتاب الجهاد من «جمل العلم والعمل»، مع تعهّده بذكر ما عمّت به البلوى واحتاجه كلّ مكّلف، مما قد يوحي بعدم كون موضوع الجهاد موضوعاً ابتلائياً آنذاك.

2 ــ وعلى هذا الأساس، يُفترض إعادة تحريك ظاهرة الاهتمام بفقه الجهاد في الوسط العلمي؛ إذ الأمّة ــ من جهة ــ تعيش مفردات كثيرة لهذا الجهاد، وعلى صُعد مختلفة، داخلية وخارجية، كما أن المجتمع الشيعي مند بداية انطلاقة الثورة الإسلامية في إيران، والعراق، ولبنان.. شهد تجربةً جديدة، مليئة بالوقائع والابتلاءات والمستجدات والنوازل، فكيف يمكن بعد ذلك أن يتجاهل الفقهاء هذا البحث الهام، بعد كثرة الابتلاء به وعظيم الحاجة إليه؟! من هنا دعوتنا لمشاريع عمل فقهية فيما يخصّ «فقه الجهاد»، لا سيما على المستوى الشيعي.

3 ــ وهناك ما يفرض أحياناً إعادة قراءة باب الجهاد في الإسلام غير ظاهرة الابتلاء العام، وهو دخول موضوع الجهاد مجال السجال الفكري بين الغرب والإسلام، فمسألة الجهاد الابتدائي وحرية الرأي والمعتقد، وكذا موضوع الجزية والذميّة و.. ملفات ثقافية شائكة تحتاج إلى دراسة على ضوء آخر الأوضاع النقدية الموجودة، تماماً كمقولة انتشار الإسلام بالسيف، وأن العلاقات الدولية في الإسلام تؤسّس على الحرب، أو ما يسمّى بأصالة الحرب دون السلم، وفي هذا السياق يأتي دخول موضوع إهدار دماء الحربيين، بعد تعميم تعريفهم لكلّ من هو غير ذمّي ولا معاهد، مع دراسة مسألة المعاهدة على ضوء التعميم الذي مال إليه بعض الفقهاء المتأخرين من شمولها لمعاهدات الشعوب، أو لمعاهدة الأمم المتحدة، بحيث يؤدي ذلك إلى تغييرات جذرية تماماً في الموقف الفقهي على صعيد العلاقات مع غير المسلمين في العالم.

ولا نقصد بإعادة النظر تطويع الفقه الإسلامي للواقع، أو للآراء الجديدة الغربية وغيرها، وإنما التعامل معها على أساس الاحترام الفكري والجدية، ومن ثم فغياب مباحث الجهاد فترةً طويلة في ظلّ التطوّر المعرفي في العالم يستدعي حاجةً لقراءة جديدة غير انهزامية ولا تطويعية.

 4 ــ وفي هذا السياق، نلاحظ دخول ظواهر مستجدة قد تفرض إعادة النظر في مباحث سابقة، وكمثال على ذلك موضوع تقسيم الغنائم بين المقاتلين، فإن هذا الأمر، قد يقال: إنه لم يعد له اليوم معنى؛ إذ لا معنى لتقسيم الدبابات والطائرات بين المقاتلين على رأي بعضهم، أو مسألة أحكام المبارزة التي لم يعُد لها معنى اليوم، أو إعطاء الأمان من أيّ مسلم لأيّ كافر على بعض المعاني على الأقلّ، أو مسألة القتال في الأشهر الحرم مع حرمة النسيء مما بات يفسّره بعضهم على أنه حكم خاصّ بوضع الجزيرة العربية اقتصادياً آنذاك، أو تعميم مفهوم المرابطة لمطلق قوى الأمن المتواجدة على الحدود وفي الموانئ والمطارات و…

ولا نقصد تصحيح هذه الآراء فعلاً، إلا أنّ طبيعة مباحث الجهاد تتحمّل الكثير منها؛ باعتبار حراكية هذا الموضوع الذي تتحوّل ظروفه بتغيّر الزمان والمكان؛ مما يستدعي إعادة قراءته بشكل جديد، شرط عدم تملّك الروح الانهزامية للباحث نفسه؛ فيحافظ ــ بذلك ــ على أصالة الفقه وحراكيّته في آن.

5 ــ على صعيد آخر، اختلفت منهجة البحث في الجهاد بين الفقهاء اختلافاً كبيراً، ويمكن القول: إن أكثر بحوث الجهاد لم تقع منظّمةً على أساس خارطة واضحة ومنتظمة مسبقاً، وإنما جاءت على شكل مسائل متتالية، ونلاحظ على هذا الصعيد أنّ بعض المصنفات الفقهية أدرجت بحث المحارب في كتاب الجهاد، والمفروض إدراجه في الحدود كما هو المتعارف، وكذا الحال في بحث الارتداد، أو سبّ النبي، وبحث الأمر بالمعروف، والإشكالية التي تظهر هنا أنه ليس كلّ استخدام للقوّة جهاداً، حتى تقحم موضوعات تتعلّق بالأمن الداخلي للدولة أو بالجهاز القضائي في دائرة موضوع الجهاد.

كما أدرجت بعض المصنّفات ــ مثل جواهر الكلام للنجفي (1266هـ) ــ بعض أحكام باب النكاح والمعاملات الواقعة مع أهل الذمّة في باب الجهاد، فيما المفروض أن يكون بحث الذمة المتعلّق بالجهاد مقتصراً على مبدأ الذمام وشروطه وما يوجب سقوطه، دون التفاصيل اللاحقة ــ عملياً ــ عليه، من أحكام مناكحتهم أو قضائهم أو.. مما غدا ينتمي إلى قضايا الدولة الداخلية لا إلى جهازها الدفاعي، ويتصل بباب فقهي جديد في تبويبه هو فقه الأقليات، سواء الدينية أو العرقية أو اللغوية أو.. وهو ما ينفتح على مفهوم المواطنة في الدولة الإسلامية.

وهكذا نجد أنّ بعض الكتب الفقهية تعرّضت بشيء من التفصيل لأحكام الأراضي في باب الجهاد، بل تعرّضت لإحياء الأرض الموات، كما تعرّضت لمبحث الأنفال وتفاصيله، وبعض مسائل الخمس، والمفروض في ذلك كلّه أن يُدرج في النظام المالي والاقتصادي للدولة، وأن يُقتصر في مباحث الجهاد على أولياته، وموجبات دخول الأموال في ملكية المسلمين أو الدولة الإسلامية، بسبب نزاع عسكري أو نحوه.

والملاحظة المستجدة حول الموضوع أن المباحث الفقهية ينبغي إعادة تنظيمها تبعاً لتطوّر الدرس القانوني وانشعاباته، فمباحث قد تكون اليوم في كتاب الجهاد تغدو غداً في كتابٍ آخر والعكس صحيح؛ إذ لا توجد صيغة توقيفيّة لتقسيم الأبواب والبحوث في الفقه الإسلامي؛ حيث نلاحظ أن ترتيب الفقه ــ مثلاً ــ قبل صاحب الشرائع في القرن السابع الهجري كان مختلفاً عن ترتيبه بعده وهكذا.

من هنا، يفترض في التقسيم المقترح أن يرعى هذا الجانب، لذا نلاحظ أن المقصود بالجهاد هو فقه الحرب والسلم بما يشمل العلاقات العسكرية بين الدولة الإسلامية وما هو خارج جغرافيتها، إلى جانب الحرب التي تشنّها الدولة مستخدمةً القوّة العسكرية ضدّ حركات التمرّد، أو تستخدمها الحركة الإسلامية ضدّ النظام الحاكم بصورةٍ مسلّحة.

ومعنى ذلك أن البحث عن تأسيس نظام إسلامي في عصر الغيبة وشرعية هذا النظام وشكله خارجٌ عن دائرة بحث الجهاد، والداخل فيه خصوص النشاط المسلّح لإسقاط نظامٍ ما دون الحديث عن البديل ونوعه.

6 ـ ويبقى ــ في نهاية المطاف ــ موضوع ثقافة الجهاد في الوعي المجتمعي عند المسلمين، فهناك أزمة حقيقيّة على هذا الصعيد؛ حيث نجد تضارباً في وجهات النظر حاداً، بقدر حدّة المنعطفات التي تعيشها الأمة الإسلامية، ففريق يصرّ على جعل الأولوية القصوى لنوعٍ واحد من الجهاد، هو الكفاح المسلّح، متناسياً أن القرآن الكريم في بعض نصوصه المكية ــ أي قبل تشريع الجهاد ــ كان قد عبّر عن الجهود الدعوية و.. بالجهاد، فلا يصحّ الاستهتار بالجهود غير العسكرية في هذه الأمة، ووصمها دوماً بالتخاذل والعمالة، لصالح ــ أحياناً ــ أسلوب عنيف في الجهاد، لم يجرّ على الأمة سوى الموت والدمار وتشويه صورة الإسلام في العالم، بقتل الأبرياء، وذبح المدنيين، فهذا ليس جهاداً، بقدر ما هو انفجار احتقان الإحباط في هذه الأمة، تضفى عليه عناوين دينية.

وفي المقابل، ثمة من يطوي صفحة الجهاد بالمرّة، وكأن الجهاد الدفاعي حكم تاريخي، لم يعد له موضوع اليوم في ظلّ هجمات الاستكبار العالمي على الإسلام والمسلمين! وكأن الأساليب السلمية كانت ناجعةً دوماً في تحقيق المطلوب.

إذن، هناك حاجة لنشر ثقافة الجهاد الصحيح المتوازن في الأمة، الذي يقدّر حساب الأمور دوماً، ويزن المصالح والمفاسد بوعي، فلا يتهوّر في اندفاعه، ولا يجبن في انكفائه، وبهذا تتمكّن الأمّة من النهوض ــ بمختلف الأشكال ــ للدفاع عن نفسها من ظلم وجور الجائرين الفاسدين، بحولٍ من الله سبحانه.

 

>أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ<

 

 

______________________________________________________

]الحج: 39[.

 



 



المشروع الإسلامي وتحدّيات المرحلة(*)

1 أكتوبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
827 زيارة

المشروع الإسلامي وتحدّيات المرحلة(*)


1 ـ ثمّة إشكالية أساسية طرحها غير واحد من المفكّرين الإسلاميين، وأعتقد أنّ الدكتور أبو القاسم حاج حمد كانت له مساهمة جيدة في ذلك من خلال بعض الدراسات التي نشرت له في نهاية السبعينيات من القرن الماضي..، وتناول فيها إشكالية العلاقة بين الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي.

فالدولة الإسلامية مفهوم، ظاهرة، كلمة…، ما شئت فعبّر…، تقرأ مرةً لوحدها، وأخرى يتمّ النظر إليها ضمن الحقل الذي نضعها فيه…، وأريد هنا أن أستعير البناءات الأساسية التي طرحها المفكر الياباني (توشيهيكو إيزوتسو) في كتابه «الله والإنسان في القرآن الكريم»..، فهو يقول بأنّ كل كلمة في القرآن الكريم لها معنى أوّلي، يسمّيه المعنى الأساسي، وأننا إذا ألقينا هذه الكلمة في حقل معرفي آخر سيصبح لها معنى جديد، يسمّيه هو بالمعنى العلائقيّ، ويقدّم إيزوتسو لذلك أمثلة كثيرة في دراسة مستفيضة ومهمة، فكلمة «ساعة» في اللغة العربية لها معنى أوّلي معروف لا يزال موجوداً حتى الآن، وهي تعني المدّة القليلة من الوقت، لكنّك حينما ألقيتها في القرآن الكريم ضمن إطار معرفي جديد اتّخذت معنى آخر، فهي تأتي مرةً بمعنى نهاية العالم، وأخرى بمعنى موعد لقاء الله، وثالثة تنصرف إلى العقاب، وهكذا، وهذا يعني أنّها اكتست ثوباً جديداً نتيجة وضعها ضمن نظام علاقات مع مفاهيم جديدة.

مفهوم الدولة الإسلاميّة يمكن النظر إليه بهذه الطريقة، فمرّةً ننظر إلى الدولة الإسلاميّة بوصفها نظاماً ومؤسسات، ثم نفصلها عن المناخ المعرفي وعن الحقل الذي تعيش فيه..، فهنا يمكن أن تتحول إلى معنى يفصح عن مؤسسات معيّنة أو عن دساتير أو نظم أو ما شابه ذلك، لكن المفترض لدراستها وضعها ضمن سياقها الطبيعيّ، وهو المجتمع؛ لأنّ العلاقة بين الدولة والمجتمع علاقة تواشج وطيدة لا يمكن بترها بحال من الأحوال.

ثمّة أطروحتان تساهمان في تكوين وعينا لمفهوم الدولة الإسلاميّة، هما:

أ ـ الأطروحة التي تذهب إلى أنّ قيام الدولة الإسلامية يسبق أسلمة المجتمع، أو لا أقلّ لا يستدعي أن يسبقه إسلام المجتمع، فنحن نقوم ـ بدايةً ـ بأسلمة الدولة، ثم بعد ذلك أسلمة المجتمع…، ولعلّ من هذا الباب ما ينقل عن بعض العلماء الكبار من أنّه كان يؤجِّل المشاريع الدينيّة الصغيرة إلى ما بعد تأسيس الدولة، وهذا ما يعطي إضاءة بأنّ الدولة هي مفتاح أسلمة كلّ المرافق الأخرى في الحياة الاجتماعيّة.

ب ـ الأطروحة التي ترى أنّ الدولة إفراز تلقائيّ وتعبير طبيعيّ عن حال المجتمع ووضعه، أشبه بالحديث الذي يقول: «كما تكونوا يُولّى عليكم» (كنز العمال 6: 89)، وهذا يعني أنّه يجب علينا خلق مناخ اجتماعيّ طبيعيّ لكي تولد الدولة الإسلاميّة السليمة فيه، وكلّما كان المجتمع إسلاميّاً كانت الدولة إسلاميّة، أمّا إذا افتقد المجتمع إسلاميّته فسوف تفقد الدولة قدرة الوصول إلى المبتغى الذي يرجى من وراء إقامتها.

لقد كان لهذه الفكرة وجود في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، لكنها الآن بدأت تنمو أكثر فأكثر وتعود إلى الواجهة من جديد، وهذا ما دفع د. حاج حمد إلى أن يقول: نحن مع علمانيّة الدولة وضدّ علمانية المجتمع؛ لأننا بهذه الطريقة نستطيع أن نحمي المجتمع من الاستبداد الدينيّ، وفي الوقت نفسه ننأى به عن الإلحاد، أو الخروج عن جادّة الدين، وعن القيم الدينية الرفيعة. إن عدم علمانية المجتمع ستؤمِّن تلقائياً دولةً إسلاميّة في وضع طبيعيّ غير استثنائيّ.

لا نتحدّث هنا عن شرعيّة الدولة وعدم شرعيتها فهذا موضوع آخر، وإنّما عن رؤية وقائعيّة ميدانية تنطلق من زاوية اجتماعيّة ومقصديّة تنظر في آليّات إحلال القيم الدينيّة في الحياة في عصرنا الراهن، هل الدولة مدخل لذلك أم أنّها نتيجة؟ هل هي مدخل ونتيجة معاً؟ وكيف؟

2 ـ ولو تجاوزنا قليلاً هذا الموضوع الإشكاليّ سنجد أنفسنا أمام موضوع وثيق الصلة به وأشدّ إشكالاً منه، فعندما يقوم مشروع الدولة الإسلاميّة في ظلّ مناخ إسلاميّ عامّ يسمح بقيامه، ثمّ تتتالى تطوّرات الحياة وتحصل التحوّلات في المجتمع نفسه على الصعد الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، حتى ليغدو مجتمع مرحلة الانطلاق مغايراً لمجتمع مرحلة البقاء..، وعندما يجرّب المجتمع الحياة الإسلاميّة، ويرى نقاط قوّتها وضعفها، وتتلاشى الصور المثاليّة المجافية للواقع لصالح الصور الواقعيّة الملموسة..، وعندما يتمّ اختبار المقدّس..، عند ذلك كلّه يولد المجتمع الجديد، فإذا كانت الدولة سابقةً على المجتمع فهذا معناه حصول القطيعة بينها وبينه، أو ظهور حالة الفرض والضغط والقمع وممارسة القوّة، أمّا إذا كانت نتيجةً له فهذا معناه أنّه يفترض أن تواكب ما يحدث بطريقة أو بأخرى، لكي تكون مستجيباً طبيعيّاً لحال المجتمع، تأميناً للديمومة والاستمرار؛ إذ لو لم تحصل هذه المواكبة فسيقع التصادم، وسينتقض الغرض من وجودها.

3 ـ القضيّة الأخرى التي قد نلحظها مرتقبة في سياق الخلاف بين الأطروحتين المتقدّمتين هي أنّ الدولة نفسها قد تغدو مقدّساً في الأطروحة الأولى، وهذا ما قد يعطيها أصالةً تلغي أو تفوق أصالة المجتمع بوصفه مجتمعاً مسلماً..، وعندما تأخذ الدولة بُعداً دينياً مقدّساً بهذه الطريقة تتضخَّم على حساب المجتمع، فيظلّ المجتمع في وضع أضعف من وضعها، ومن الطبيعي أن تتولّد عن ذلك إفرازات تلقائيّة، تماماً كما في أيّ مكان تصبح الدولة فيه أقوى من مجتمعها، فكيف إذا كانت فكرة البعض أن لا قيمة للمجتمع على مستوى تقرير المصير؟!

4 ـ الملف الآخر الذي خلق تحدّيات أمام تجربة المشروع الإسلاميّ هو العلاقة بين النظر والعمل، الفكر والواقع، النظرية والتطبيق، فقد ولدت التجربة ودخلنا في مرحلة العمل، ثم بعد أن دخلنا في مرحلة العمل بدأت تتكوّن النظرية..، وهذا شيء له سلبيّاته وله إيجابيّاته؛ فنحن ـ مثلاً ـ وإلى أوائل الثمانينيات لا نجد دراسات دينيّة ـ ولا فقهيّة ـ جادّة تنظّر لمفهوم الدولة، وتقدّم فقهاً سياسياً وحكومياً، باستثناء دراسات محدودة جداً وكراريس صغيرة للسيد الشهيد الصدر والشهيد المطهري، وبعض الأطر العامة التي طُرِحت من قبل الإمام الخمينيّ أو العلاّمة فضل الله أو العلاّمة الطباطبائيّ وأمثالهم.

لقد كان الحال على الوضع التاريخيّ للشيعة؛ لأنّ إرثهم التاريخي ـ أقصد الإمامية دون الزيديّة والإسماعيليّة ـ كان يفرض العزلة في عصر غيبة الإمام الثاني عشر؛ لاعتقادهم بأنه لا داعي للدخول في شأن السلطة أثناء غيبته، فاختاروا العزلة وليس المعارضة؛ لأنّ المعارضة تعدّ شكلاً من أشكال المشاركة في الحياة السياسية، ويمكن أن نجدها ـ أي المعارضة ـ مع الزيديّة والإسماعيليّة، وقليلاً ما نجدها مع الإماميّة؛ لأنّهم اختاروا العزلة، إلى أن جاءت الحركة الدستوريّة (المشروطة والمستبدّة) مطلع القرن العشرين، وهو التاريخ الذي يمكن أن نقول معه: إنّ الإمامية بدأوا رحلة العلاقة مع السلطة، سلباً في المعارضة أو إيجاباً في الحكم.

هذا الوضع كان مهيمناً على أغلب عناصر منظومة المذهب الإماميّ الفكريّة والثقافيّة في المجال السياسيّ، عكس المنظومة السياسية السنيّة، وأؤكد بشاهد على ذلك ومثال، ألا وهو تجربة الماوردي في القرن الخامس الهجريّ، وهي تجربة فقيه سنّي وضع صيغاً هائلة لأنظمة السلطة وللعلاقة بين الولاة والسلطان والدواوين والقضاة والمحاسبات والضرائب وغيرها…، بينما قد لا نكاد نجد إلى القرن الرابع عشر الهجريّ كتاباً شيعيّاً إماميّاً يشبه كتاب الماوردي..، لقد بدأنا نجد بعض الإسهامات على هذا المستوى بعد خوض التجربة، وبمعنى آخر نحن لا نملك فقه معارضة، ولا فقه سلطة، ولا نملك تنظيراً لشكل النظام السياسيّ، ولا حتى نقلاً للفقه من مرحلة الرسالة العمليّة إلى مرحلة جعله قوانين كما فعلت الدولة العثمانية في المجلة العدليّة؛ لأنّ الفقه الحنفيّ كان مهيّئاً أكثر من الفقه الإماميّ في هذا المضمار.

لقد دخلنا التجربة، وتحت ضغط الواقع بدأنا بإنتاج النظريّة، وهذا ما منحنا مُنْجَزات ضخمة، فالجميع يعلم بأن الفكر السياسيّ الإماميّ تطوّر منذ المشروطة والمستبدّة إلى اليوم بأضعاف مضاعفة على ما قدّمه في مجموع القرون السابقة، كانت التجربة فريدة من نوعها، وقدّمت أفكاراً كثيرة بفترة قياسية نسبةً للواقع الإسلاميّ العامّ، لكنّ سَبْقَ الواقع للنظريّة، وولادة النظرية تحت ضغطه بهذه الطريقة، سبّب لنا مشاكل كثيرة من ناحية أخرى؛ فصحيح أنّنا ربما نكون واقعيّين عندما أنتجنا النظريّة، ولكنّنا أنتجنا النظريّة تحت ضغط الواقع، وليس في حالة من الارتياح الطبيعيّ الذي نُنتج من خلاله النظريّات المصيريّة على هذا المستوى، يجب أن تولد النظريّات ضمن مناخ الواقع، لكنّ المطلوب منها أن تخلق واقعاً جديداً، فالعلاقة هنا جدليّة بامتياز.

هذا بالضبط ما حصل…، خضنا التجربة، وبدأ ضغط الواقع، ونتيجة ضغط معيّن للواقع هنا وهناك اتخذنا موقفاً يتناسب مع شدّة هذا الضغط أو ضعفه، ولست أتحدّث هنا عن مواقف سياسيّة، إنّما أتكلّم عن نظريّات في السياسة والاجتماع والقانون؛ ففي بعض البلدان الإسلاميّة التي تسير على الفقه الإسلاميّ يؤخذ القانون البلجيكيّ والقانون الفرنسيّ، وهذه القوانين يُعمل بها بطريقة استنسابيّة، حيث يتمّ شطب بعضها وأسلمة بعضها الآخر.

لا يعني ذلك أنه لا ينبغي الاستفادة من قوانين الغرب، لكنّ هذا يدلّ على أنه لم تتولّد رؤية قانونيّة خاصّة نابعة من خصوصيّتنا الدينيّة والحضاريّة.

بكل قاطعيّة يمكن القول بأنّ الكثير من الأحكام الفقهيّة النابعة من النصوص مجمّدة، وذلك لصالح مرجعيّة المصلحة، وهذا ما يفتح بالتأكيد على سجال طويل، يمتدّ في العمق المذهبيّ والتاريخيّ للمذهب الإماميّ في الخلاف بين مدرستي: النص؛ والمصلحة، في القرن الهجري الأوّل، وهذا يؤكّد أن قانون ضغط الواقع هو القانون الذي تؤسَّس في ضوئه التشريعات، ويصوَّت لها أو عليها في البرلمان أو في أيّ مجلس قانونيّ ومؤسّسة دستوريّة ذات طابع مرجعيّ، إنّ هذه القضية تعطينا مؤشِّراً على أن ضغوط الواقع هي التي كانت تولّد القوانين والتشريعات والنظم والنظريّات أيضاً.

5 ـ النقطة الأخيرة التي أودّ الإشارة إليها هي إشكاليّة نقض الغرض على المستوى الدينيّ والإيمانيّ، يجب علينا أن ندرس بجدّيّة وبمسؤوليّة ـ ولا نزجّ رؤوسنا في التراب ـ مدى صحّة ما يقال من أن ممارسة السلطة الدينية قد يفضي إلى إضعاف جذوة الإيمان في العصر الحاضر، نحن هنا لا نتكلّم عن أصل النظريّة، وإنّما عن ممارستها الزمنيّة اليوم، إنّ بعض الإخفاقات ربما تسبّبت ـ على حدّ ما تشير إليه بعض الإحصاءات في بعض التجارب الإسلاميّة ـ في تراجع نسبة التديّن، ووقوع الانفصال ما بين الشارع والقيم الدينيّة التي يراد تعميمها على جميع مرافق المجتمع.

ثَمّة قلق علينا أن لا نستهين به، وأن نفكّر جميعاً في معالجته بما يحفظ القيم الدينية على مستوى الدولة والمجتمع معاً…، ثمّة قلق من أن تتمتّع بعض الدول العلمانية المسلمة بنسبة تديّن (فرديّ في الحدّ الأدنى) يفوق مثيلتها في دولة يحكمها مفهوم تطبيق الشريعة..، إذا كانت الدولة طريقاً ومعبراً لإحلال القيم الدينيّة فنحن أمام سؤال حقيقي سيوجّه إلينا يوم القيامة: ماذا فعلنا عندما منحنا الله نعمه؟ وعلى كلّ الحريصين على الدين والقيم الأخلاقيّة أن يفكّروا في حلول لذلك، يسبقها دراسة دقيقة وحقيقيّة للواقع، لا تحترق بحرق المراحل والعيش في أبراج المثاليّة المتعالية، ولا تتعامى ـ في الوقت عينه ـ بتضخيم المنجزات، رهينةً للمفهوم التعطيليّ القائل: «ليس بالإمكإن أحسن ممّا كان».

إن النقد البناء وسيلة للبناء، أما محض التبجيل فلا عواقب له سوى الاصطدام المفاجئ بالواقع، فالنقد دليل الحرص، وليس فقط التبجيل.

 
__________________________________________

([1] ) المحاضرة التي ألقيت بتاريخ 10/09/2009م بدعوة من المركز الإسلامي الثقافيّ، في بيروت، مع بعض التعديل والتصرُّف، ونشرت في العدد 15 ـ 16 من مجلة نصوص معاصرة، صيف وخريف، 2008م.

 

الفقه الإسلامي المعاصر وإشكاليات التجديد(*)

1 أكتوبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
876 زيارة

الفقه الإسلامي المعاصر وإشكاليات التجديد(*)



ثمّة مدرستان كبيرتان تتجاذبان الفقه الإسلامي اليوم، بفريقيه: الشيعيّ والسنّي:

المدرسة الأولى: وهي المدرسة التراثية التي تميل أكثر إلى الأصول الاجتهادية التي قرّرها متقدمو العلماء، وتقوم بتطويرها تطويراً تدريجياً هادئاً، أي أنها تأخذ تلك الأصول ثوابت في الأعم الأغلب، وتنطلق عبرها، وترى أن مجال الاجتهاد وحرية البحث العلمي مفتوحةٌ على مستوى تفاصيل الأصول المذكورة، وأحياناً على مستوى بعض هذه الأصول وبشكل محدود نسبياً.

وتبدو للقارئ معالم شبه واضحة إلى واضحة تماماً ـ إذا لم نُرد أن نكون متفائلين ـ لأبرز العناصر والبُنيات التي تُقام عليها فقهيّات هذه المدرسة واجتهاداتها، فعنصر التراكم المعرفي لدى هذه المدرسة أكبر من المدرسة الأخرى، يساعد في ذلك مرور أجيال كثيرة ساهمت في تنقيح وتشييد وتهذيب وتشذيب أركان ومعطيات هذا اللون الاجتهادي في علم الفقه.

ورغم ذلك، نجد أن بعض الأصول والمنطلقات والقواعد التي ينطلق منها هذا الفريق من الفقهاء ما يزال غير مدروس على مستوى التدوين، أي أنه لا توجد بحوث مستقلّة فيه، يجري البحث حولها والتعليق عليها، ولهذا يمكننا القول: إن أصول الفقه الإسلامي في صورته المدرسيّة له وجهان: أحدهما ظاهر مدوّن بارز، نجده في المصنّفات الأصولية الإسلامية منذ القرن الثاني الهجري وإلى يومنا، وثانيهما مضمر مختبئ كامن في وعي الفقهاء، قائم في بعض الأحيان على تراكم الخبرات وتجارب التعامل مع النصوص والمعطيات الاجتهادية، ولا يصحّ اعتباره باطلاً لأنه لم يخرج إلى عالم التدوين والبحث الواعي بل ظلّ في اللاوعي.

نعم، هناك حاجة ماسّة لإخراج هذا المخزون المتراكم على صورة المفاهيم الملفوظة، لكي تدرس بشكل مركّز، وهنا يحصل أنّ بعض هذا المخزون عندما يصل إلى هذه المرحلة تشتدّ قوته، وتتراكم البراهين عليه، ويُصبح أشدّ وضوحاً ومنهجةً ودقة، كما يحصل أنّ بعض هذه المفاهيم ينكشف ضعفه وعدم وجود مستند علمي له، وأنّ الحالة النفسية هي التي لعبت دوراً في ترسيخه، فلمّا أخضعت لمجهر النقد العلمي بان أنّها ليست بشيء يستحقّ الوقوف عنده.

من هنا، نطالب بتفكيك هذه الأُسس اللاملموسة للفكر الاجتهادي، بغية انجلاء المعرفة أكثر فأكثر، واستحكامها من جهة، كما وتنقيتها من جهةٍ أخرى.

المدرسة الثانية: وهي ما نسمّيه ـ فعلاً ـ المدرسة المعاصرة التي تمثل بعض شرائح المجتمع العلمي، وتمتاز هذه المدرسة بميّزات، بعضها يعبّر عن نقاط ضعفٍ، وبعضها الآخر عن نقاط قوّة:

أ ـ من نقاط الضعف في هذه المدرسة، كثرةُ الأسس غير المدروسة صراحةً، وإنما هي مختزنة في اللاوعي نتيجة تراكم المعطيات الفكرية، تماماً كما حصل ـ وفق ما بيّناه ـ مع المدرسة التراثية، لكن مع فارقٍ في أن درجة التنظير المفاهيمي في المدرسة التراثية أكبر من المدرسة المعاصرة، وذلك ـ كما قلت ـ نتيجة الجهد المركّز على الأجيال، فإن هذا العمق التاريخي سمح لهذه المدرسة بالكشف عن بناءات كثيرة تقوم عليها، فيما المدرسة المعاصرة ما زالت تعاني ـ في بعض أوجهها ـ من درجةٍ كبيرة من اللاتنظير في هذه الأسس، وهو ما زاد من الغموض حولها أمام الطرف الآخر الذي لم يَعِش هذه الأسس في لاوعيه.

ولكي أعطي مثالاً، أذكر مسألة تاريخية النصّ الديني، فقد ذهب فريقٌ معاصر إلى القول بأن الأصل في الأحكام الفقهية أن تكون تاريخيةً، وأن الحكم الثابت الإلهي يحتاج إلى شاهد يدلّ عليه، فلو أصدر النبي (ص) حكماً فإن القاعدة تستدعي اعتباره حكماً تاريخياً مرحلياً لا نشاط له في الحقبة المعاصرة، إلا إذا ساعدتنا الشواهد الخاصّة على إثبات استمراريّته في الزمان والمكان، كما أن بعض أنصار التاريخية، ولو لم يصرّحوا بهذا المبدأ، إلاّ أنّهم كثيراً ما يتعاطون مع النصّ الديني بعقلية تاريخية.

وعلى العكس من ذلك المدرسة التراثية؛ حيث اعتبرت ـ بالأعم الأغلب منها على الأقلّ ـ أنّ الأصل في النصوص الدينية أن تكون إلهيةً ثابتة عبر الزمن، وأنّ الحديث عن تاريخيّتها يظلّ هو الاستثناء الذي يحتاج إلى شاهد أو قرينة؛ ولهذا قلّ توظيف المنطق التاريخاني في التعامل مع النصوص الدينية في الوسط التراثي، مع نسب مختلفة بين مثل مدرسة الرأي ومدرسة الحديث.

وهنا نلاحظ أنه من النادر أن يتصدّى الفريق المعاصر في الاجتهاد الفقهي لدراسة تاريخية النصّ الديني على صعيد أصول الفقه، وحتى لو تصدّى لذلك، فهو لا يقدّم التاريخية سوى مسلّمٍ أنتجته التراكمات المعرفية الفلسفية والألسنية، دون أن يكيّف هذا المفهوم في بناء الاجتهاد في أصول الفقه الإسلامي، أي أنه لا يقوم بعملية تبيئةٍ له في نطاق الاجتهاد الإسلامي؛ حتى يحظى بالاعتراف، وهذا ما يستدعي تسجيل ملاحظة، وهي أنّ ذلك أدّى إلى حالة من الفوضى أحياناً في التعامل مع بعض النصوص دون ضوابط تحدّد إطار الاستخدام التاريخاني للنصّ، مما أوجب قلق الفريق المدرسي في المؤسّسة الدينية.

من هنا، كانت هناك حاجة ماسّة لطرح البناءات التحتية على بساط البحث، تلك البناءات التي لم تتحوّل إلى مقولات مفاهيمية مدوّنة، فحركة التدوين من شأنها إلغاء حالة الاستنساب أحياناً، أو فوضى التطبيق أحياناً أخرى، أو عدم تحديد الدائرة والنطاق اللذين يتحرّك داخلهما هذا المفهوم أو ذاك.

ب ـ في هذا السياق، ثمّة نقطة ضعف أخرى تعاني منها هذه المدرسة على مستوى آليات عملها، فهذه المدرسة تمثل أنموذج الانفتاح على الآخر من الاتجاهات الفقهية المتنوّعة في الساحة الإسلامية، ولا تبدي كثير ممانعة من استقاء مقولات من مذاهب أخرى عندما تقتنع بها، أي أن الحاجز المذهبي ليس عقبةً أمامها في إنتاجها الفقهي، وهذه نقطة إيجابية في حدّ نفسها ومن حيث المبدأ.

لكن المسألة أنّ عملية التوظيف هذه يتمّ اقتطاعها ـ أحياناً ـ اقتطاعاً من داخل النسق المذهبي الآخر دون ملاحظة المناخ الذي تعيش فيه أو تنمو هذه المقولة أو تلك في إطاره، وحيث نعرف أن علم أصول الفقه قد وُلد تاريخياً ـ على الصعيد الشيعي ـ من رحم علم الكلام، لا فقط من رحم علم الفقه أو الحديث، خلافاً ـ تقريباً ـ لما يرى السيد محمد باقر الصدر (1400هـ)، كما تحدّثنا عن ذلك واستعرضنا الشواهد في دراسة أخرى، فإن معنى ذلك وجود ترابط وثيق بين علمي الكلام والأصول، وهذا الترابط وإن كان تاريخياً إلاّ أنه ما زال يلقي بظلاله على إنتاج أصول الفقه الإسلامي، ومن ثم يجب الأخذ بعين الاعتبار العناصر الكلامية المتواشجة مع المقولات الأصولية في المذاهب الأخرى؛ لأنّ التغافل عن هذا الموضوع سوف يؤدي إلى اصطدام مشروع النهضة الأصولية والفقهية بملفّ الخلاف المذهبي، والجميع يَعرف أن النصر سيكون لصالح الملفّ الكلامي والمذهبي من الزاوية النهضوية والاجتماعية والسياسية.

إذن، فمن الضروري أن تحدّد المناخات الكلامية و.. التي تحيط بالنتاج الأصولي والفقهي للمدارس المختلفة، لتحديد مدى إمكانية التوظيف بما لا يتصادم مع المناخات التي تحملها المدرسة الأخرى، وعدم الاستعجال في هذا الموضوع.

ج ـ وفي إطار الملاحظات، ثمّة فارق واضح بين هاتين المدرستين اللتين صدّرنا بهما الحديث هنا، وهو أن المدرسة التراثية تنطلق ـ عادةً ـ من النصّ إلى الواقع، فالواقع فيها منفعل، فيما النصّ هو الفاعل، حسب البناء الأيديولوجي الذي تؤمن به، وإذا ما احتاجت أحياناً إلى مراجعة الواقع قبل مطالعة النص فهي تراجعه من منطلق الحاجة إلى تحديد موضوع الحكم، حتى تضع الحكم الصحيح في مكانه الصحيح، وهذه خطوة جديرة وصحيحة ومنطقية أيضاً.

في مقابل ذلك، كثيراً ما نجد أنصار المدرسة الثانية ينطلقون من الواقع إلى النصّ، أي أن درجة ملامستهم للواقع وانفعالهم به تبقى أكبر، لهذا فهم يسعون لجعل الواقع مؤثراً ـ معرفياً وإيبستمياً ـ بالنص، فتتقيّد بذلك حركة النصّ طبقاً لمتطلّبات الواقع.

ولعلّ مثالاً مبسّطاً غير مفرط لهذا النوع من التفكير، هو ما جاء في كلام السيد محمد باقر الصدر في كتاب «اقتصادنا»؛ فقد لاحظ الصدر أنّ الاجتهاد السائد في المدارس الفقهية هو اجتهادٌ يتعامل مع النصوص ونظام الحجيّة وبراءة الذمّة، لهذا فعندما يواجه أي إنسان حالةً ما في الحياة فإنه يرجع إلى ما تتطلبه منه النصوص الدينية؛ لكي تبرأ ذمّته أمام ربه سبحانه وتعالى، ومهما كانت نتائج البحث الفقهي فإنها لن تبدو ذات ثغرات عندما نطبّقها على حياة فردية شخصية، اللهم إلاّ نادراً، أما عندما نريد تطبيقها على حياة مجتمعيّة وعلى مستوى الأمّة والدولة، فإن شيئاً من عدم الانسجام سوف يحصل داخل نتائج البحث الاجتهادي، وعندما واجه الصدر هذه المشكلة في إطار رسم معالم مشروع اقتصادي متكامل، اندفع ـ بقطع النظر عن التبرير الفقهي ـ إلى طرح فكرة الأخذ بالاجتهادات المختلفة للفقهاء عبر الزمن، وتركيب مكوّن جديد متوالف ومنسجم فيها، وهذا التوالف هو توالفٌ يفرضه الواقع، لكنه على الصعيد النصّي لمجتهدٍ ما ليس انسجاماً في نتائجه من حيث تبعيّتها للأسس الاجتهادية والأدلّة، كما هو واضح.

هذا اللون من التفكير يضغط الواقع لتبنّيه، تماماً كما نجد اليوم نزوعاً نحو المقاصدية في التشريع وعودةً إلى طروحات الشاطبي (790هـ)، حتى في بعض الأوساط الشيعية، اعتقاداً بأن المقاصديّة يمكنها التجاوب مع الواقع بشكلٍ أفضل، كما وهناك حديث جادّ عن فقه المصلحة، وهو حديث كان شبه محرّم في الوسط الشيعي قبل نصف قرن من الزمن، لكنّ تجارب الحياة وخوض الفقيه غمار تأسيس الدولة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فرض عليه تناول هذا الموضوع بشكل أكثر جدّيةً واهتماماً.

إذن، فما هو المنهج الصحيح؟ هل الواقع هو الأصل؟ أم النصّ هو الأساس؟ أم هي توليفةٌ ما بين النصّ والواقع؟ وما هي هذه التوليفة؟

من الطبيعي أن تعكس رؤيتنا للواقع موقفاً هنا، فمن يرى واقع الحياة اليوم في انحدار واندحار من الطبيعي أن يميل أكثر لمرجعية النصّ، أما من يراه عكس ذلك فلا أظن أن نزعةً تشاؤميةً بهذا القدر سوف تحكمه.

لست هنا بصدد اتخاذ موقف نهائي؛ فالآراء متعدّدة، إنما نريد أن نؤكّد أن الإفراط في تبنّي أحد الاتجاهين، لم يجلب الكثير من النجاحات، فنحن لا نريد الله وأحكامه ألعوبةً بيدنا نُنطقه بما نشاء والعياذ بالله، كما لا نريد أن نصدّر إسلاماً للبشر لا يمكن أن يتكيّف مع البشرية، ولو في أحد الأزمنة، ويحلّ مشاكلها التي يُعنى بها حقّاً، ما دمنا نعتقد بخلود هذا الدين واستمراريّته.

د ـ وفي السياق عينه، هناك نقطة أساسية أيضاً، وهي أنّ الفريق المعاصر لم يختبر بشكل جادّ أفكاره على أرض الواقع؛ إذ كان المهيمن غالباً هو التيار المدرسي، وكانت معطياته الفقهية والقانونية هي الأكثر حضوراً وتطبيقاً وإنجازاً؛ لهذا بدت عناصر النجاح والإخفاق فيها بشكلٍ أكبر، أما الأطروحات الجديدة فلم نجدها تهيمن على نمط الحياة الدينية، حتى ننظر في آثارها الإيجابية والسلبية على مدى مدّة زمنية يمكن من خلالها الخروج بنتائج، ولهذا ظلّت بعض عناصر الضعف في هذا اللون من التفكير خافيةً ومستورة؛ لأن الواقع العملي هو الذي يكشف ـ غالباً ـ ضعف أطروحات قانونية وتشريعية.

إذن، فمن الضروري عدم المبالغة في النزعة المثالية التي تقدّمها لنا معطيات المدرسة الجديدة، بقدر ما المطلوب رصد تطوّرات الساحة الميدانية لمعرفة مدى النجاح الذي تحقق؛ إذ من الممكن لرؤيةٍ ما أن ترفع عن كاهلنا رؤيةً سابقة ذات آثار سلبية، لكن المهم أن لا توقعنا في آثار سلبية أكبر من ناحية ثانية.

>وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لاسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا<

] سورة الجن: 16 [.
 



 
 
 

الانسجام الإسلامي وأزمة النعرات القومية

15 سبتمبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
880 زيارة

الانسجام الإسلامي وأزمة النعرات القومية

مبدأ الوحدة مبدأ أصيل في الشريعة الإسلامية؛ فمن كلمة التوحيد تشرع الوحدة، وتصهر معها الحياة كلّها عندما ترتبط بالواحد الأحد، فيرى العارف صاحب البصيرة الأشياء كلّها منصهرة في هذه الوحدة تكاد أو فعلاً لا تتمايز عنها. فكل شيء من الله وإليه وحده، وكل سلوك له وحده، وكل قصد له وحده، فهذه هي رسالة التوحيد، ليس فقط التوحيد العقائدي الذهني وإنّما إيضاً التوحيد العبادي والعملي والسلوكي والروحي و.. .

1 ـ وعندما ندخل ـ مع ثقافة الوحدة ـ الى كيان الأمّة الإسلامية، الذي يفترض فيه أن يعبر عن هذه الوحدة ذات الأشكال والألوان، أو كما يقول الفلاسفة: وحدة في عين الكثرة .. نجد أن واقع الأمّة يختلف كثيراً عن هذه الصورة، فهي أمّة انتقلت من الخلاف الحق المشروع إلى الاختلاف الباطل المنبوذ؛ فليس هناك من أمّة ساء حال وحدتها كحال أمتنا اليوم، برنامج إعلاني تلفزيوني واحد قادر على إراقة دماء المسلمين بعضهم بعضاً في شوارع المدن والقرى.

2 ـ وتتعدّد أسباب هذه الحالة، ونرصد هنا فقط سبباً واحداً هو المسألة القومية واللغوية والعرقية … فهذه المسألة أخذت مأخذها من الثقافة الإسلامية عبر التاريخ، ونحن نعرف أن من جذور ثقافة التمييز القومي، مواقف بعض الخلفاء الأوائل الذين كانوا يميّزون في العطاء بين الناس، وكانوا يقدّمون العرب على الموالي، وهو ما أدّى إلى شيوع ثقافة راسخة في هذا المضمار، الأمر الذي رفضه جمعٌ آخر من الصحابة، كان على رأسهم الإمام علي بن أبي طالب×.

وربما كانت هذه المواقف اجتهادات أو رؤى تطبيقية لعناوين المصالح الإسلامية العليا آنذاك، وفق ما يراه هذا الخليفة أو ذاك؛ إلا أن التاريخ كشف لنا عن وجود خطأ في هذا الاجتهاد، فنزول القرآن باللغة العربية أو كون المجتمع النبوي الأوّل مجتمعاً عربياً لا يعني مفاضلة قومية أو عرقية، سيما بعد النصوص الدينية العديدة التي كسرت هذا المفهوم ـ القالب الذي كان مهيمناً على العقل هنا وهناك، قال تعالى:  {… إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ …} (الحجرات: 13)، وقال:  {… قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَْلْبابِ} (الزمر: 9)، فالمعيار في التفضيل عند الله تعالى هو التقوى والعلم، لا الجاه ولا المال ولا العرق ولا القومية ولا اللغة ولا اللون، وهذا ما تؤكّده سورة عبس، التي تركّز على هذا المفهوم.

وكما عرفت أوروبا ويلات النزعات القومية المتطرفة في القرن التاسع عشر والعشرين، ولاقت نتائجها في الحربين الكونيتين: الأولى والثانية، وتعلّمت من هذا الدرس أن تتّجه نحو الوحدة الأوروبية، وتخفف من النزعات القومية المتطرّفة، كان يفترض بالمسلمين فعل ذلك قبلها؛ لأن تجربتهم سبقت هذه التجربة، وكم جرّت النزعات القومية ـ المعلنة وغير المعلنة ـ على المسلمين من انقسامات وشعوبية و …

لا ترفض في الإسلام محبة الأهل والعشيرة والأوطان، إنما المرفوض هو المقولة التي تعيد رسم الأولويات في العقل الإنساني، فتصبح مصلحة العشيرة أهم من مصلحة الوطن، ومصلحة القومية أهم من مصلحة الدين وهكذا … بدل أن تشكّل هذه المصالح والعلاقات دوائر داخل بعضها، وتكون أوسعها: «أو نظير لك في الخلق» بحسب تعبير الإمام علي× في عهده لمالك الأشتر، أي الدائرة الإنسانية الكبرى.

3 ـ وعلى أية حال، فقد تجلّت الاضطرابات القومية في تاريخ الإسلام بأكثر من شكل، كان أساسها محاولة الهيمنة على العقل الديني، فنجد العرب يحاولون احتكار الإسلام لأنّه نشأ في مناخ الإطار العربي، وكان النبي وأهل البيت عرباً كما أكثر الصحابة أكثريةً ساحقة، ويتشبّث هذا الفريق بإطار معرفي لنظريته، حينما يرى أن نزول القرآن باللغة العربية وصدور السنّة بهذه اللغة معناه دخول المقولات الدينية إطار العقل العربي؛ لأن اللغة هي العقل نفسه في إحدى تمظهراته وأشكاله، فلا يمكن أن نفكّك بين العروبة كعقل وحياة وبين الإسلام الأوّل الذي هو منبع الثقافة الدينية عبر التاريخ الإسلامي.

ومن خلال هذه النقطة بالذات، يتمّ الدخول إلى نقطة أخرى، وهي أنّ اللغة لا  تمثّل القواعد النحوية والصرفية والبيانية حتى إذا أتقنّاها استطعنا النفوذ لفهم خطابات الكتاب والسنّة، بل هي روح وكيان ومشاعر وتراث وثقافة ينبغي أن تذوب في عقل القارئ ويذوب هو في امتداداتها وثناياها، لهذا تشوّه تفسير الإسلام عندما دخل أقواماً آخرين غير العرب، ففهموا النصوص فهماً خاطئاً لأنهم تعاملوا مع اللغة من خلال المعاجم والقواميس والقواعد والهياكل المرسومة، مما دمّر أهم جانب في اللغة في نفوسهم، ألا وهو الجانب الروحي لها، أي روح اللغة وضخّها الدلالي.

ونحن نوافق ـ من حيث المبدأ ـ على هذه الملاحظات كلّها، ومن خلالها نسجّل ملاحظة إضافية على مناهج التعليم اللغوي في الحوزات الدينية الشيعية؛ ذلك أننا نراها مناهج نظرية بحتة، يحفظ الطالب فيها قواعد الصرف كما يحفظ جداول الضرب تماماً، وهذا أمرٌ عايشناه في علاقاتنا مع غير العرب من طلاب الشريعة الإسلامية، وهي نقطة ضعف تلغي روح اللغة من نفس قارئها، وهو ما يؤدي إلى تشوّهات حادّة في تفسير النصوص أحياناً، ولعلّنا نتحدّث عن هذا الموضوع في مناسبة أخرى، من هنا نجد أن بعض العلماء لا يعرف التحدّث باللغة العربية ولا عيشها، حتى أنه في قراءة القرآن لا يستطيع النطق الصحيح، وأظنّ أن هذا سببه مناهج التعليم الأولى لهذه اللغة، وإلاّ ففي أوساط علمية أخرى يتقن الطالب اللغة العربية ببراعة مع بُعد لغته الأم عنها، مثل بعض اللغات الأفريقية و ..

إنّنا نؤمن بوجود هذه المشكلة؛ ونراها أيضاً مسؤولة عن بعض أشكال الخطأ في فهم الدين، لكن لا يعني ذلك سدّ باب المعرفة أمام غير العرب بتراث العرب وثقافتهم؛ وإلا أوقعنا القطيعة بين شعوب العالم، والغريب أن بعض الذين ينزعون هذه النزعة تجدهم مذهولين بفهم المستشرقين للتراث الإسلامي وتفسير نصوصه وكلماته رغم كونهم أبعد من الأتراك أو الفرس أو الهنود عن الثقافة العربية، إذاً فالمطلوب تعديل في مناهج التعليم يطال الأساسيات نفسها، دون ادّعاء استحالة المعرفة بالمطلق.

4 ـ في المقابل، يذهب الفريق الآخر إلى الحديث عن عدم وجود عقل عربي علمي أو فلسفي وأن العقل الذي نظم الإسلام ـ أي جعله نظاماً معرفياً وفلسفياً وقانونياً وعرفانياً ـ هو العقل الفارسي أو التركي، وهي مقولة طرحها بعض المستشرقين وتابعهم فيها كثير من الباحثين المسلمين، وبدايات هذه الخطوة في التاريخ الإسلامي بدأت مع التابعين الذين كان كثيرٌ منهم من الموالي الذين يعيشون في بيوت الصحابة وبين أيديهم.

وتؤكّد هذه المقولة الكثير من الشواهد التاريخية؛ حتى أن ابن خلدون نفسه يصرّح بذلك، لكن هل يمكن تعميم هذا الكلام؟ لست أريد الدخول في إحصاءات في هذا المجال فقد كتب حول ذلك الكثير، واستطاع العلماء المختصّون إثبات بطلان هذه المقولة، الأمر الذي لا يعطينا سوى نتيجة واحدة، وهي أن الجميع ساهم في بناء الحضارة الإسلامية كما ساهم في تراجعها، فكل فريق من العرب والأتراك والفرس والبربر و … كانت له مساهماته التنويرية والنهضوية، كما كان سبباً في تدهور الحضارة الإسلامية، والشواهد على هذا الأمر أكبر بكثير من الشواهد على عكسه، ومجاله لا يتسع له هذا المختصر.

5 ـ وتتعقّد المشكلة القومية ببُعدها المفرط عندما يختلط الخلاف القومي بالخلاف الطائفي، ويتم التسلّح بهذه الطائفة أو تلك حمايةً للمصالح القومية والامتياز القومي، وهو أمر يحصل على خطي: السلب والإيجاب في واقعنا المعاصر؛ فهناك حديث عن أن التشيّع صنيعة فارسية لتبرير الانشقاق عن السلطة المركزية في بغداد أو الأستانة ـ مركز الخلافة العباسية والعثمانية ـ وهذا يعني أن كل مقولات التمييز الطائفي إنّما أولدت من رحم الرغبة في التمايز القومي، مقدّمة للرغبة في الإمساك بزعامة الإسلام، فالخلاف تركي ـ فارسي أو عثماني ـ صفوي، وليس شيعياً ـ سنياً.

وهذه المقولة من أشدّ المقولات حاجة للدرس والنظر، ونحن لا نرتاب في أن بعض السلاطين المسلمين قد انطلق من هذه المنطلقات، وأن دوافع كامنة كانت وراء ذلك، فإذا كان همّ العثمانيين هو الإسلام السني، فلماذا لم يكن للعرب دورٌ في تسلّم الخلافة طيلة قرون الدولة العلية العثمانية، مع أن العرب كانوا ـ في غالبهم ـ من السنّة أيضاً، ولم يكن تسنّن الأتراك بأشدّ من تسنّن العرب السنّة آنذاك؟! وإذا كان التشيّع هو همّ السلاطين الصفويين أو القاجاريين فلماذا لم يشارك الشيعة العرب والأكراد والأتراك و … في إدارة هذه الدولة، بل لم تخرج الزعامة عن الأسرة الصفوية الحاكمة نفسها؟!

لكن هذا لا يعني أن بالإمكان الخروج بتعميم، بمعنى أن الحكم الكلي في غاية الصعوبة هنا، ومن ثم فافتراض أن كل علماء الشيعة أو السنّة إنما انطلقوا من منطلقات قومية ليس صحيحاً، والشواهد لا تساعد على هذا التعميم، وإن كان في الجملة صحيحاً، وهذه هي مشكلة الكثير من الدارسين المعاصرين أنه يحصل على شاهد أو شاهدين جزئيين ويريد أن يعمّم من خلالهما على مساحة أكبر بكثير منهما، وهو خطأ علمي ومعرفي واضح.

6 ـ والذي نجده عنصراً مساعداً على طفو الملفّ القومي على السطح واندفاعه إلى الواجهة، الكلمات الاستفزازية التي قد يطلقها فريقٌ أو شخص هنا وفريقٌ أو شخص هناك، فهذه التصريحات تخلق حاجة للدفاع عن إحدى هويات الإنسان، وهي الهوية القومية، وقد تكون الهوية الطائفية أو .. بل تخلق في نفسه إحساس هذه الهوية بشكل مضاعف، بعد أن كان هذا الإحساس مطموراً أو متراجعاً إلى الخلف أو غارقاً في الأعماق … فيندفع لامتلاك هويته والإحساس بها والتمترس داخلها، كي يجد نفسه ويشعر بها، فتحدث الأفعال المتبادلة سلباً ويظهر في هذا المناخ شعور عنيف بالنزعة القومية.

من هنا، تبدو الحاجة ماسّةً إلى ضبط إيقاع التصريحات والمواقف التي يصدرها أيّ شخص من هذا الطرف أو ذاك، حتى لا تشكّل حلقةً أولى في سلسلة أو لا تصبح كرةَ  ثلج؛ ويفترض بالسياسيين ورجال الدين والإعلاميين بالدرجة الأولى أن يتحمّلوا مسؤولياتهم إزاء أيّ قول أو فعل قد يشعل النيران القومية، خصوصاً إذا التحمت مع نيران الطائفية والمذهبية والانحياز.

7 ـ ويجدر أخيراً الإشارة إلى نقطة مهمة على هذا الصعيد تخصّ الداخل الشيعي، حيث يشهد الوسط الشيعي ـ كما كان من قبل ـ بعض الجدل في مسألة المرجعية الدينية؛ فنجد بعض العرب يتحدّث عن سعي الإيرانيين ـ كقومية على الأقلّ ـ لاحتكار مؤسّسة المرجعية، فيما نجد بعض الإيرانيين يتحدّث بشكل آخر أيضاً، فنسمع في الداخل الإيراني من ينحاز إلى أهل منطقته، فلا يقلِّد غير واحدٍ منهم وهكذا … ويهمنا هنا التعليق على:

أـ إن المرجعية الدينية شأن يتصل بالمذهب الشيعي كلّه من جهة وبالمؤهلات العلمية والدينية من جهة أُخرى، فلا معنى لهذا التجاذب القومي فيه، فإذا صحّ أن هناك من يفكّر بهذه الطريقة ـ كائناً من كان ـ فعليه أن يقدّر سوء صنيعه وتأثيره على الدين مباشرةً تبعاً لطبيعة موقع هذه المؤسسة؛ فالمرجعية مؤهلات لا جغرافيا فيها ولا غيرها، فأينما وجد المؤهلون كانت وإينما لم يوجدوا لم تكن، بل لا علاقة لهذا الموضوع بالمراكز الدينية الكبرى كالنجف وقم اليوم، كما الحلّة وحلب وجبل عامل والبحرين بالأمس، فهذا التلاعب بالمؤسسة الدينية لأغراض فئوية أو قومية لو نجح يوماً أو يومين فإن خسائره على المدى البعيد ستكون أكبر من ذلك.

ب ـ لا يصحّ من عامة الناس أيضاً أن يفكّروا بهذه الطريقة، ما لم يتوصّل المختصّون إلى صيغ أُخرى، كتلك التي قامت بها بعض الدول الإسلامية؛ فيقلّدون شخصاً فقط لأنه عربي أو فارسي أو تركي … وإذا صحّت نظرية تقليد الأعلم فيجب تقليده ولو كانت قوميته غير مسلمة أصلاً، ويفترض بالمعنيين ترشيد الناس في هذا السبيل كترشيد من يحاول أن يستفيد من هذه الورقة لمصالح ضيّقة، فلا يصبح حالنا كبعض الاتجاهات اليهودية في هذا المجال.

ويبقى العلم والدين مقولتان تتخطيان الحدود والأعراق والقوميات.

{يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13)



 






[1] ـ نشر هذا المقال في العدد الحادي عشر من مجلة نصوص معاصرة، صيف عام 2007م.


أعمال شريعـتي من الثورة إلى الإصلاح

9 سبتمبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
822 زيارة

أعمال شريعـتي من الثورة إلى الإصلاح


1 ـ ليس سهلاً ـ في مقالة توصيفية تحليلية ـ تناول نتاج مفكّر كبير مثل الدكتور علي شريعتي؛ لأنّ ما قدّمه شريعتي من أعمال علمية وثقافية لم يكن سهلاً ولا ذا تأثير بسيط، فهذا المصلح الديني البارز في إيران هيمنت أفكاره على الساحة الإيرانية بشكل قلّ نظيره، ويؤكّد لنا هيمنة أفكار شريعتي على المثقف والكاتب الإيراني وعلى الحياة الثقافية الإيرانية:

أ ـ الإحصاءات التي تصرّ على أنّ ما كُتب حول شريعتي في إيران يساوي مجموع ما كتب حول الأفغاني ومحمد إقبال ومهدي بازركان وطالقاني ومطهري، وأنّ هناك مائة وخمسين دراسة عنه حتى عام 1997م حسب إحصاء الباحث المتتبّع محمد اسفندياري، وهذا معناه أن المثقف الإيراني كان مشغولاً في جزء كبير من اهتماماته الثقافية والكتابية في التأمل بعلي شريعتي وأفكاره ونظرياته، ليس المثقف المعاصر له فحسب، بل الجيل الذي أتى بعده، لأنّ ما كتب حول شريعتي في المكتبة والصحافة الإيرانية بعد انتصار الثورة عام 1979م كان هو الأساس في هذه الإحصاءات.

ب ـ الإحصاءات والمعلومات الكاشفة عن حجم تداول كتابات الرجل في الساحة الإيرانية، فمن المعروف إيرانياً أن العقد الستيني من القرن العشرين كان عقد المهندس مهدي بازركان، فيما العقد السبعيني كان عقد الدكتور علي شريعتي، أما عقد الثمانينات فكان عقد الأستاذ مرتضى مطهري، فيما عقد التسعينات كان للدكتور عبدالكريم سروش.

لقد هيمنت كتب وكراسات شريعتي على الحياة الإيرانية في السبعينات سيما ما بين عام 1978 ـ 1980م، وقد طبعت أكثر من مائة كراسة وكتاب في هذه الفترة ودفعةً واحدة من ناشرين مختلفين في وقت واحد، حتى صار معدّل نُسخ كل كتاب من كتبه يتراوح بين العشرة آلاف والمائة ألف نسخة، فيما كان معدّل عدد نسخ الكتب العادية آنذاك لا يتجاوز الألفين إلى ثلاثة آلاف نسخة، حتى بلغت بعض الإحصاءات أن أكّدت أن مجموع ما طبع لشريعتي في السبعينات لمجموع كتبه وطبعاتها وصل إلى خمس عشرة مليون نسخة وهذا ما يؤكّده شريعتي نفسه ـ من حيث المبدأ ـ إذ يقول: إن كتابه حول الولاية وصل إلى مليون نسخة، ويؤكّد هو نفسه أن عدد الطلاب الجامعيين الذين سجلوا اسمهم في درسه بلغ خمسين ألف طالب، بل تفيد بعض التقارير التي نشرت عن وثائق السافاك الإيراني أن حسينية الإرشاد في السبعينات كانت تطبع كل ثلاثة أيام كتاباً لشريعتي كان طُبِعَ من قَبْل.

وإذا حسبنا ـ كما يقول الأستاذ بهاء الدين خرّمشاهي، الذي كان رئيساً آنذاك للمكتبة الوطنية ـ حسبنا كتب شريعتي مع الكتب الأُخرى سنجد أن معدّل طباعة كتب شريعتي أكثر بمائتي ضعف من غيرها، ولا ننسى ما قاله المهندس مير حسين الموسوي إحدى الشخصيات البارزة في الحزب الجمهوري الإسلامي الذي كان يقوده الدكتور بهشتي، إذ يقول: إنهم وعبر ملئ استمارات لأكثر من ثلاثة مليون شخص من الحزب تبيّن أن 90% من أعضائه كانت الكتب التي يطالعونها ترجع إلى شريعتي. وصغر حجم كتب شريعتي ـ التي أخذت تجمع فيما بعد على شكل كتب جامعة ـ ساعد أكثر فأكثر على نشر كتبه وانتشارها.

ولا يفوتنا أيضاً أن عدد سكان إيران آنذاك كان حوالي الخمسة وثلاثين مليوناً فقط، فيما لم يكن عدد طلاب الجامعات ليتجاوز المائة وخمسين ألفاً حسب الإحصاءات. وقصّة الصورة التي نشرت في إيران عام 1979م لا تدع مجالاً للشك في خيالية المشهد، فهذه الصورة تبيّن وجود صفّ طويل من الناس يقفون أمام محل لبيع الكتب بشكل مزدحم؛ ليشتروا من مكتبة (كتابفروشي آذر) المقابلة لجامعة طهران.. ليشتروا كتب شريعتي، إنها تشبه صفوف الفقراء على المخابز وأمثالها، وهو أمر لم تشهد إيران له مثيلاً.

وإذا أضفنا الكتب التي حملت اسم مؤلف مستعار وعرفت أنها لشريعتي، سوف تتضح الصورة أكثر، فقد كان لشريعتي الكثير من الأسماء المستعارة قبل انتصار الثورة تبلغ حوالي 24 اسماً، ومنها: علي علوي، علي خراساني، علي شريفي، علي سبزواري، ع، شمع، مصباح..

نعم، بعد انتصار الثورة وإلى مجيء الرئيس الإيراني السابق السيد محمد خاتمي حصل إعراض واسع ـ لأسباب متشابكة ـ عن كتب شريعتي، فالمسألة السياسية وتوظيف بعض المعارضين السياسيين لأفكار شريعتي في معارضة النظام الجديد للحدّ من سلطة المؤسسة الدينية كانت من جملة العناصر التي أحدثت ردّ فعل من طرف السلطة وحدّت من الاهتمام بكتب شريعتي؛ فصارت طبعاتها نادرة، حتى أنّك تجد في الأسواق الطبعات القديمة غير المصحّحة وفق قواعد التصحيح الحديثة، لكنّ مجيء خاتمي أعاد إحياء شريعتي وطباعة كتبه، وكتابة دراسات عنه، وعقد ندوات عديدة، وقد قام منظرو الحركة الإصلاحية بإعادة استحضار أفكاره وتحليلها، لاسيما من جهة مسألة الإصلاح الديني والسياسي، ومسألة العلاقة مع المؤسّسة الدينية. كما ظهرت في العالم العربي حركة ترجمة لنتاج شريعتي، طبع قسم مهم منها في بيروت.

2 ـ وإذا أردنا تحليل أعمال شريعتي، فلابدّ أن نعرف أنّ أحد الأسباب الرئيسية لهيمنتها على العقل الإيراني يعود إلى نزعة ثقافة الأيديولوجيا التي كان يحملها؛ لهذا تحوّل إلى قائد أيديولوجي يملك كاريزما نادرة، إضافةً إلى حركة النقد الداخلي التي مارسها شريعتي ضدّ الحياة الدينية الإيرانية، من كتابه التشيع العلوي والتشيع الصفوي، إلى كتابه مذهب ضدّ المذهب، إلى كتابه معرفة الإسلام، إلى كتابه «أبي وأمي نحن متهمون» و… إن وجود ثورة عارمة ضدّ الواقع والمفاهيم في بلد صاخب كإيران يجعل حركة النقد قائمةً على قدم وساق، وسيكون هذا النقد مقبولاً طالما لا يصبّ في صالح السلطة (الشاه) والدفاع عنها وسط حياة غاضبة منها ومن أعمالها، وهذا بالضبط ما كان لشريعتي؛ حيث جمعت كتاباته بين اتجاهين نقديين في حياة القرن العشرين هما:

أ ـ الاتجاه النقدي الثائر ضدّ الطبقية والاستبداد، وهو اتجاه غذّته في العالم الإسلامي آنذاك الحركة الشيوعية واليسارية عموماً، لهذا وجدنا عند شريعتي مقولات تشبه اشتراكية أبي ذر الغفاري، وحضوراً لافتاً للاقتصاد في نتاجاته تمثل في رفض المنطق البورجوازي بتمظهراته في المجتمع.. فتحدّث عن زهد علي.. وفي سياق رفضه الشامل للطبقية، بلغ الحال بشريعتي أن طرح مقولة «إسلام بلا رجال دين أو بلا مؤسسة دينية» وهي المقولة التي أثارت غضباً عاماً ضدَّه في الأوساط الدينية في إيران، أي في مجتمع كانت تركيبته الاجتماعية قائمة على هرمية يقف المرجع الديني على رأسها.

وأظن بأن أطروحة شريعتي الداعية إلى «بروتستانتية إسلامية» والتي أفرزت الدعوة إلى إلغاء طبقة علماء الدين، كانت وراء الانتقادات الأخرى التي سجلت ضدّه، مثل قضية الصلاة خلف أبي بكر قبيل وفاة رسول الله؛ لأنّ هذا التحليل لهذه القضية بالذات، والذي مارسه شريعتي من منطلق علم اجتماعي، وهو اهتمامه المعرفي الرئيس في كتاباته، لم يكن ليشكل بالضبط خوفاً على الحياة الشيعية المذهبية، فحركة نقد المقولات المذهبية في إيران آنذاك لم تكن لتشكل خطراً جدياً، وإن كانت موجودة مع أبي الفضل البرقعي وعبدالوهاب فريد وغيرهما، سيما عندما نأخذ بعين الاعتبار اهتمام الشيخ مطهري بهذه القضية بالخصوص في سياق نقده لشريعتي، وهو الذي كانت لديه انتقاداته المذهبية أيضاً.

إن الذي يعرف الحياة الثقافية والاجتماعية في إيران ويحلّل الخطاب الديني الإيراني لا ينتابه شك في أن المؤسسة الدينية ذات حضور بارز تحكي عن نفسها دوماً وترى أنها في موقع المؤامرة عليها، وأن الإسلام مربوط بها، وذلك بشكل أكبر مما هو موجود في العالم العربي، ولهذا من الطبيعي هنا أن يكون لهذه المقولة تأثير الصدمة في المجتمع الإيراني.

وفي سياق كسر الهيمنة الطبقية لرجال الدين ـ كما يراه شريعتي ـ وجدنا ظهور شريحة من رجال الدين في إيران، غير معهودة كثيراً في العالم العربي الشيعي، حيث لا ترتدي هذه الشريحة لباس رجل الدين، بل هناك ـ تحت تأثيرات وتداعيات مسألة الطبقية هذه ـ من خلع عمامته وجبّته دون أن يبالي بتداعيات هذا الأمر حتى صار أمراً سائداً إلى حدّ ما، وليس آخر من فعل ذلك ـ وهي إشارة معبّرة ـ الشيخ محمد مجتهد شبستري أحد أبرز رجال الدين الإصلاحيين في إيران الذي خلع مؤخراً عمامته وزيّه الديني كلياً، بعد عقود طويلة.

وهذا هو ما يفسّر ـ امتداداً لمسيرة شريعتي ـ نقد الدكتور عبدالكريم سروش لمقولة «وحدة الحوزة والجامعة» على أساس أنه ما دام رجل الدين هو صاحب السلطة ويقف في طبقة عليا فلن يمكن تحقيق وحدة أو تناغم بين الحوزة والجامعة، وهذا كلّه يرجع إلى المقول الطبقي الذي كان من أولويات عمل شريعتي، إلى غيرها من امتدادات هذه الجهود التي بذلها شريعتي، ليس آخرها نقد هاشم آغاجري لمسألة التقليد.

ب ـ الاتجاه النقدي الثائر ضدّ المقولات الدينية التي يعتقد أنها لعبت دوراً في تخلّف المسلمين، وهذه المادة النقدية التي قدّمها شريعتي في التشيع العلوي والتشيع الصفوي وغيره، شكّلت أحد المنطلقات التي صدرت على أساسها الفتاوى ضدّ كتبه التي اعتبرت كتب ضلال، حتى من بعض المرجعيات الكبيرة آنذاك، فطبيعة التشيّع السائد في إيران كانت ـ من وجهة نظر شريعتي ـ تاريخية، أي إنها من إفرازات ما يسمّيه شريعتي في بعض كتبه (الاستحمار) الذي تمارسه السلطة، إنه استخدام منطق الدين للتجهيل والاستغباء وتفريغ الوعي وتسطيحه.

3 ـ ورغم الحركة النقدية التي عرفتها كتب شريعتي، إلا أن أيديولوجيته وحماسته وثوريته كانت تساعده على تقديم شخصية ذات مصداقية على مستوى الرأي العام؛ لهذا نجد كتب شريعتي جماعاً من التفكير النقدي القائم على أسس سيسيولوجية من جهة، والمشروع النهضوي القائم على ثقافة الأيديولوجيا من جهة ثانية، والحركة الإصلاحية التي تمثلت في دعوته لبروتستانتية إسلامية، أي إعادة تمثل التجربة المسيحية واللوثرية.. من جهة ثالثة.

4 ـ لكنّ خطّ شريعتي تحوّل في التسعينات تحوّلاً جذرياً، فالتفكير النقدي لتياره لم يعد قائماً على أسس علم الاجتماع، بل على أساسيات علم المعرفة والإيبستمولوجيا مع الدكتور سروش و.. كما أن المشروع النهضوي تخلّى عن الإيديولوجيا بل ونقدها كما فعل سروش نفسه، ليستبدلها بحيادية العلم ـ ولو على مستوى الادّعاء ـ وصارت الثقافة الصوفية الإيمانية مشروعاً بديلاً لأدلجة الحياة، كما رأينا مع شبستري وملكيان وغيرهما، وهكذا ظهرت موجات نقد لبروتستانتية شريعتي، وتحدّث بعض كبار الباحثين مثل «نيكفر» عن استحالة الإصلاح الديني في الوسط الإسلامي، وأن نقل التجربة اللوثرية إلى عالمنا ـ كما أراد شريعتي ـ ضربٌ من الخيال.

هذه تحوّلات جذرية جادة في مدرسة شريعتي، لا ندري هل ستنمو أم ستعرض عليها ما عرض من مشاكل على تجربة شريعتي نفسه؟

5 ـ وأخيراً، ومهما تحدّثنا عن شريعتي المفكر العملاق فلا ينبغي أن نكون مقلّدةً له، كما يفعل كثيرٌ من مثقفينا، بل إنّ من حقوقه علينا أن ننتقده ونتخطّاه ونستفيد من تجربته تراثاً لنتقدّم نحو الأمام إن شاء الله، سيما وأنّ أكثر كتبه إنّما هو نتاج محاضرات وخطب، الأمر الذي يفسح المجال للعثور على ثغرات.

من هنا، نتحفّظ على الأسلوب الدعائي التهويلي الذي يستخدمه بعض الباحثين بهدف إحياء شريعتي، مؤجلاً نقده، أو مفترضاً أننا بحاجة إليه اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، فهذه الطريقة تناقض منهج شريعتي نفسه ومنهج أمثاله من الذين يرفضون ـ حدّ الإمكان ـ تعميم مقولة المقدّس.

اليوم، نحن بحاجة إلى إعادة قراءة شريعتي؛ لكن ليس لتوظيفه سياسياً ضدّ أحد، بل لاستخلاص العبر من تجربته في نقاط قوّتها وضعفها، وهذا ما يستدعي توازناً في مطالعة الرجل، لا ينحو منحى التبجيل ولا يتّجه ناحية التفسيق والتضليل، علّنا بذلك ـ سما مع تطوّر الدرس الديني اليوم ـ نستفيد من التراث بدل أن نستنسخه بحرفيّته.



 




[1]نشر هذا البحث في العدد العاشر من مجلة نصوص معاصرة، ربيع عام 2007م.


العمل الثقافي بين تنوّع الرؤى وتعدّد الاتجاهات

19 أغسطس 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
773 زيارة

العمل الثقافي بين تنوّع الرؤى وتعدّد الاتجاهات

في ساحتنا الإسلامية، هناك اتجاهان في رسم استراتيجية العمل الثقافي يتجاذبان الحياة الثقافية الإسلامية، اتجاه يميل نحو التغيير والإصلاح للأمور القائمة ثقافيّاً، واتجاه يتحفّظ من التغيير، ربما من حيث المبدأ إلا مع استثناءات طفيفة، وربما من حيث الحجم التغييري الذي يرتئيه الاتجاه الأوّل؛ لهذا يقف متوجّساً أحياناً من مشاريع التغيير التي تُقترح، ونقف هنا قليلاً على بعض النقاط البنيوية في تفكير الفريقين.

1ـ ثمّة ترابطٌ ما بين معطيات العقل النظري ومعطيات العقل العملي، فالوجود الواقعي للأشياء قد لا يدفع العقل العملي لإصدار أحكامه الأخلاقية، إنّما الوجود العلمي لها هو ما يدفع لذلك.

من هذا المنطلق، تتبع ردّات فعل كلّ إنسان إزاء الواقع المحيط به طبيعةَ الصورة التي يكوّنها عن هذا الواقع، وهذا شيء طبيعي، فإذا حصل علمٌ بأنّ بجانبي ناراً فعندئذٍ أتحرّك لدرء الضرر عن نفسي، أمّا إذا ما كنت لا أعلم بأصل وجودها أو بحجم ضررها فسوف تكون ردّة فعلي مختلفة.

قد يرجع الخلاف بين الاتجاهين المشار إليهما مطلع الحديث إلى الخلاف في فهم الواقع وقراءته، وليس فقط إلى الخلاف في الإجراء المناسب الذي يُفترض اتخاذه، من هنا أسمح لنفسي بتسمية هذا الخلاف بالمبنائي، أي الخلاف الذي يفترض التفتيش عنه في البناءات المسبقة لدى كلّ فريق، لا في الظواهر التي تطفو على السطح.

ولكي نطبّق هذه الفكرة هنا، نلاحظ أنّ الصورة التي يحملها الفريق المتحفّظ عن واقعنا الثقافي والفكري صورةٌ إمّا لا ترى أنّ هناك مشكلةً داخليّة، أو تعتقد أنّها موجودة ولكنها طفيفة، أو أنّها كبيرة يمكن تفاديها عبر حلول تدريجية بعيدة المدى، وربما نرجّح ـ تخميناً ـ أنّ قسماً كبيراً يميل إلى الاحتمال الأخير، تماماً ـ والأمثلة تُضرب ولا تقاس ـ كشخصٍ يعتقد بأنّ زيداً ليس بالمريض حتى نُجري له عمليةً جراحية، أو هو مريضٌ بمرضٍ عارضٍ طفيف بحيث يمكن ببعض الأدوية الخفيفة تفادي مرضه والحصول على البرء والشفاء، أو مريض بمرض شديدٍ عضال لكنّ طريقة المثابرة على دواءٍ بعيد المدى سوف يحلّ مشكلته، وعلى أيّة حال، لا يحتاج إلى عمليّة جراحيّة أو ما شابه ذلك.

أمّا الصورة التي يحملها الفريق الداعي للتغيير ـ وربما يكون مخطئاً في رسمها أو غير موضوعي ـ فهي ترى أنّ هناك على هذا الصعيد أزمةً حقيقيّة، بكلّ ما لكلمة "أزمة حقيقيّة" من معنى، وأنّ هذه الأزمة يلعب مرور الوقت دوراً في تعميقها والمضاعفة من خطورتها، إذاً فنحن ـ من وجهة نظر هذه الصورة المرسومة عن الواقع ـ بحاجةٍ إلى عمل مكثّف وسريع وجذري، وطبعاً عقلاني.

من هنا، تختلف أساليب كلّ فريق من الفريقين، فلا ينبغي للفريق الأوّل أن يرى في خطوات الفريق الثاني تسرّعاً وعجلةً و..، كما لا يصحّ للفريق الثاني أن يرى في خطوات الفريق الأوّل تخاذلاً أو خمولاً أو ترنّحاً، وإنّما المفروض بالفريقين أن يسعيا لإعادة رسم صورتهما عن الواقع، وإقناع بعضهما بهذا الأمر، وهذه نقطة أساس فيما نفترض.

2ـ وانطلاقاً من النقطة السالفة، نجد في حياتنا الثقافية المعاصرة فريقين: فريقٌ يرى أنّ المشكلة الرئيسة تقع خارج جسمنا الإسلامي مثل الغرب، أو خارج جسمنا الشيعي مثل الفرقة السلفية السنيّة، لهذا يضع أولويات العمل على جبهة الدفاع، ويسعى ـ لأجل ذلك ـ لتفادي أيّ خلل داخلي، حتى لو كان معتقداً بوجود مشكلة داخلية، أمّا الفريق الآخر فهو يرى أنّ أساس المشكلة داخلي، أي توجد أزمات فكرية في منظوماتنا ويجب إصلاحها، والإصلاح ـ كما أشرتُ سابقاً في مناسبةٍ أخرى ـ لا ينحصر بنسف ما مضى، بل يتمّ أيضاً بمراكمة أجزاء جديدة عليه توجب تطوّراً حقيقيّاً في صيغته، وليس من الصحيح أن نكل كلّ شيء إلى الخارج، كما أن التغاضي عن المشاكل الداخلية سيفاقمها بمرور الزمن.

ولعلّ وجهة النظر الأصوب هي تلك التي ترجّح الجمع بين الرؤيتين المذكورتين، مع إعطاء بعض الأولوية ـ حاليّاً ـ للرؤية الثانية، ومعنى ذلك أنّ إعادة بناء وضع مأزوم يمكن أن يكون بحاجة إلى حالة عصف أفكار قد يمرّ خلالها ما هو غير مقبول ـ شبه ما يُقال في علم أصول الفقه من إعطاء الحجية للظنّ بملاك التزاحم الحفظي مع مرور بعض ما هو غير مطابق للواقع وربما حرّمه الله ـ لكن المهمّ هو السعي للوصول إلى نتائج، وهذا ما يجعل الحركات التغييريّة متورّطةً عادةً في أخطاء ربما تصاحب مرحلة التغيير، ممّا يعرف بعيوب مرحلة الانتقال.

3ـ وربما يكون المبرّر الشرعي للتغييريين عادةً في هذا المجال هو قاعدة التزاحم وتقديم الأهمّ على المهم، بحسب ما يحملون من رؤيةٍ عن الواقع الخارجي، تجعل لديهم صورةً عن حسابات المصالح والمفاسد، تقدّم عندهم مصلحةً ما على أخرى، الأمر الذي تُصاحبه بعض المفاسد تلقائيّاً، تماماً كأي موردٍ من موارد قانون التزاحم الذي تفوت فيه مصلحةٌ ما أو تقع فيه مفسدةٌ كذلك لصالح درء مفسدةٍ أكبر أو تحقيق مصلحةٍ أعظم، يظلّ تحديدها ـ عادةً ـ تابعاً للتقييمات البشرية للواقع الخارجي؛ لأن هذا القانون يلعب نوع الرؤية المكوّنة فيه عن الواقع دوراً كبيراً في تطبيقه عادةً.

4ـ وقد يُتساءل عن ضمانات لعمليّة التغيير هذه، حيث لا يصحّ الانطلاق في مشاريع تفتقد الضمانات، وقد يجيب الفريق الآخر بأنّ من الضروري السعي لتحقيق ضمانات، لكن يجب أن نعلم أن لا أحد في العالم يمكنه إعطاء ضمانات حاسمة في مشاريع تغييرية كبرى أو وسطى، وليُقرأ التاريخ وليُنظر كيف أن ذهاب الجيل المؤسّس أدّى في كثيرٍ من الأحيان إلى الانجراف عن المسير الأصلي المرسوم، وربما كان هذا من سنن الله في خلقه، وعلينا أن نبذل جهدنا لا أن نعيش دوماً القلق الذي يوقف حركتنا، أو يعرقلها.

5ـ ومن الممكن أحياناً أن تتّحد رؤية الطرفين للواقع المحيط، لكن مع ذلك تختلف الإجراءات المتبعة، ربما لأنّ بعضهم يرى في هذا الإجراء مردودات إيجابية أكبر، فيما يرى الفريق الآخر مردودات عكسيّة، وهذا شيء عام بين بني البشر، بل لعلّ شخصيّة هذا الطرف تلعب دوراً، فقد تجد إنساناً انفعاليّاً في شخصيّته يواجه الأشياء بالغضب فتجده عنيفاً في إصلاح الأوضاع وربما ارتدّ إصلاحه عليه فأفسد بنفسه مشروعه، والعكس صحيح أيضاً، وهنا ـ فيما أتصوّر ـ تدخل فكرةٌ في غاية الحساسيّة على مستوى العمل الديني، وأسمح لنفسي هنا باستعراضها لأنّني أراها مهمّة.

في التفكير الديني، هناك قاعدة يغلب ـ ولا نقول دوماً ـ حضورها في الوعي واللاوعي، حتى لو أبطلت في مباحث أصول الفقه وعلم الكلام إبطالاً نظرياً عند بعضهم، وهذه القاعدة هي: mدفع المفسدة أولى من جلب المصلحةn، فالإنسان المتديّن حريصٌ على الدين، ولنِعم الخصلة فيه هذه، لهذا فهو ينطلق دوماً في أيّ مشروع من موقع الحرص هذا، وعندما يريد أن يقوم بخطوة ـ خصوصاً الخطوة الإصلاحية داخل الدين ـ سوف تمثل أمامه إيجابيات الأمور وسلبيّاتها، فقد يرى بعض الإيجابيات، لكنه سيرى أيضاً بعض السلبيات، من هنا تجده في لا وعيه أكثر اهتماماً بأمر السلبيات التي ستقع منه بأمر الإيجابيات ـ وطبعاً نفترض هنا أنه رأى إيجابيات ونفترض أنها متساوية أو الإيجابيات أكثر بحيث لا تلحق السلبيات بحدّ العدم ـ فقد يعطّل المشروع خوفاً من تلك السلبيات ما دام عجز عن ضمان عدم وقوعها؛ إيماناً منه بالدين وخوفاً منه عليه، ولا ينظر ـ أحياناً ـ إلى أن تعطيله هذا هو بنفسه سلبية على الوضع الديني ستتراكم إلى جانب بعضها بمرور الأيام ما دام كلّ واحد يفكّر بهذه الطريقة؛ لأنه يعتبر أن السلبية الناشئة من عدم الفعل أخفّ على النفس ـ وربما عقلياً ـ من تلك الناشئة عن الفعل، فالإنسان عندما يترك أمراً يترتب على تركه خللٌ ما قد لا يرى شدّةً ـ لو راجع وجدانه ـ فيما فعله أمام أن يُقدم على أمر تحصل سلبيات من إقدامه عليه، فإن نسبة الفعل وآثاره إلى الفاعل قد تكون أشدّ وأوضح من نسبة الآثار إلى الترك في الشؤون الاجتماعية، لهذا يتراءى المثل الفارسي أمامنا والذي يقول: إن من لا يتكلّم لا يخطأ ليس لأنه بارع بل لأنه لم يتكلّم، حُسباناً من المثل المذكور أنّ عدم الكلام لا يمثل خطأ أحياناً.

هذا المفهوم ـ من وجهة نظري القاصرة ـ أساسي ورئيس؛ لأنه كلّما ازداد حضور مقول دفع المفسدة كلّما حصل انكفاء عن القيام بمشروع، سيما المشاريع ذات الطابع الجذري، لا الطابع المرحلي الجزئي الموردي المحدود.

6 ـ وفي هذا السياق، يحصل التباس أمام العامل في المجال الديني، وهو أنه عندما يحسب السلبيات ينظر إلى أنّ الأصل عدمها، وأن هذا المشروع سوف يأتي بها، وهذا صحيح من الناحية الوجودية الأنطولوجية، فالمشروع هو الذي حمل السلبيات،والمشروع هو الذي احتوى الأخطار المفترضة، لكنّ هنا سؤالاً يُفترض أن نجيب عنه سوياً: كيف نحسب قيمة مشروعٍ ما؟ هل يوجد مشروع لا سلبيات له؟

وحيث لكل مشروع ـ عادةً ـ سلبيات، فيجب أن نقيسها على حجم المشروع، فمثلاً لو كان مشروعي أن أهدي شخصاً إلى الدين وكانت المردودات السلبية أن يحصل ضلال شخص فهذا المردود السلبي ذو حجم كبير نسبةً إلى حجم المشروع ومنجزاته، أمّا لو كان المشروع هداية مليون شخص وكان ذلك يؤدي إلى ضلال عشرة من الناس فإن الأمور ستختلف.

وعليه، فالأمر يتبع رؤية كلّ شخص للمشروع ومدى أهميته وإنجازاته، وكذلك تأثيراته الفاعلة وحجمه، ثم يقيس تلك السلبيات، التي يجب عليه فعل أقصى ما يمكن لتفاديها، على المشروع ليحصل له تصوّرٌ شامل، فليس الموضوع موضوع وجود سلبيات بقدر ما هو موضوع قياسها إلى حجم العمل ودائرة تأثيراته الإيجابية، التي ينبغي أن يؤخذ معها بعين الاعتبار عنصر المساحة المكانية والامتداد الزمني أيضاً، لا أن يلحظ آنٌ واحد ليُفصل عن سائر المراحل والآنات.

7 ـ وأركّز هنا على مفهوم حسّاس، وهو أنّ أمر الدين يتساوى فيه إنقاص شيء منه وزيادة شيء عليه، فإذا كنت معنياً بأمر الدين، فعليّ أن أهتمّ بكل المحاولات التي أراها تُنقص هذا الدين وتحذف مفاهيمه وتُبطل بعض ما فيه، تماماً كما أهتمّ أيضاً ـ وبالدرجة عينها من حيث المبدأ ـ بكل إضافة على هذا الدين لا أراها منه ولا أجدها فيه، من هنا أظنّ أنه ليس من الصحيح أن أنظر إلى محاولات تصفية الدين بوصفها محاولات مشبوهة، أما محاولات الإضافة عليه فأراها مخطئة لكنها منطلقة من حبّ الدين والإخلاص له؛ إذاً فالمواجهة معها تختلف، فبعيداً عن تفسير النوايا يُفترض بمن يحمل همّ الدين أن يحمل الهمّين معاً، فلعلّ من نراه يُنقص إنما يرى أنه يصفّي، ولعلّ من نراه يزيد قد يهدف إعادة الاعتبار إلى ما رآه قد أنقص، وازدواجية المعايير على هذين الخطين قد تترك آثاراً سلبية.

8ـ وختاماً، وتعقيباً على النقطة الأخيرة يأتي الحديث عن مسألة الهمّ الديني، فلا ينبغي اتّهام أحد الفريقين: فريق تصفية الدين وفريق ردّ الاعتبار إلى بعض مقولاته، في نواياهم الدينية، وحسن سلوكهم الإيماني، فهل يحقّ ـ والأمثلة تُضرب ولا تقاس ـ للسيّد الكلبايكاني وهو يرى ـ على ما قيل ـ في الفلسفة ما يؤدي إلى الضلال ـ حتى مع إرفاق البحث الفلسفي بنقد الباطل فيه ـ أن يتّهم السيد محمد حسين الطباطبائي أنّه لا يحمل همّ الدين؛ لأنه رفع أعلام الفلسفة في الحوزة العلمية وشاد بناء النـزعات الصدرائية؟ لقد دان علماء الإمامية المولى محمد أمين الاسترآبادي على قسوته على العلامة الحلي الذي اتهمه أنّه اقتبس بعض أفكار أهل السنّة في مجال الفقه والأصول والحديث، هل كان يصحّ اتّهامه في حرصه على التشيّع وهو ـ أي العلامة ـ ممّن رفع شأن هذا المذهب وشاد أركانه؟

لهذا يحسن بالناشطين في الميدان الثقافي أن لا يُغرقوا أنفسهم في محاولة اكتشاف النوايا، فهذا عمل غير ثقافي، وإنما هو عمل يعنى به السياسيّون ورجال الأمن وأمثالهم ممّن تكون وظيفته مثل هذه الأمور وحتى من المنطلق الشرعي أحياناً.

إنّنا دوماً ندعو إلى التواضع في فهم الحقيقة وامتلاكها، وفي ادّعاء الوصول إليها؛ فالعلم والفكر والحقيقة أكبر ممّا نتصوّر بكثير، وقد قيل لبعض الحشرات: كيف هو الله؟ فأجابت: إنّ له قرني استشعار، وعلى حدّ مضمون قول الفراهيدي فيما ينقله عنه صاحب السرائر: إنّ الإنسان لا يعرف خطأ أو حجم أستاذه إلا أن يرى غيره، فالفكر والمعرفة مدارس واتجاهات، ولا تؤخذ الأمور بالبساطة، وعلى الجميع تحمّل المسؤولية الشرعيّة في هذا المجال.

وأخيراً، وحيث خصّصت مجلة "نصوص معاصرة" ملفّاً حول المرأة من وجهة نظر فريق في الساحة الثقافية الإيرانية، ونشرته في عددها التجريبي (صفر)، تكمل مشروعها هذا بملف حول المرأة من وجهة نظر أخرى، لتكتمل صورة المشهد عند القارئ الكريم، فكان ملفّ هذا العدد حول القراءات النقدية في مسألة المرأة.

>وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ …< ]الأنفال: 105[.




[1] . نشر هذا المقال في العدد السادس من مجلة نصوص معاصرة، ربيع عام 2006م.