نبذة إيمان شمس الدين

الموضوع بواسطة إيمان شمس الدين :

الدولة الرعوية في عصر العولمة

10 فبراير 2013
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
11 زيارة

 

لا يمكن لعاقل أن ينكر أثر العولمة التكنولوجية على التحولات الثقافية والفكرية والمعرفية في العقل العربي، خصوصا ذهنية الشعوب

وعادة أي تحولات جديدة لا بد لها من المرور في مراحل عديدة، كي يتم هضمها عقليا وعمليا، ولا بد لها أن تمر بمخاضات لتتبلور كما يجب نتيجة التجربة والخطأ والتصويب.

وفي ظل الثورات العربية التي هبت على المنطقة وحركت مياه الشعوب الراكدة، بل لا نبالغ لو قلنا الآسنة، من تراكم عقود الاستبداد، بدأت حركات الوعي تتسرب إلى العقل الشعبي، وإن كانت هذه الحركات مازالت تمر بمخاضات نتيجة غياب عوامل مهمة في الحركات التصحيحية والثورية، أهمها قيادة حكيمة وإيديولوجيا فكرية منهجية تتناسب والزمان والمكان، وتحاكي الواقع لا من حيث يريد الناس، بل من حيث يحقق مصلحة الناس في العدالة الاجتماعية.

ومن ضمن حركات الوعي هذه بعض الحراكات الشبابية الكويتية التي يعلو صوتها للمطالبة بالاصلاح ومحاربة الفساد، وتحقيق إصلاحات سياسية جذرية تعمق من التجربة الديموقراطية الكويتية، وتوسع من دائرة مكونات العمل السياسي، وهذا الحراك ينمو وإن كان بطيئا، إلا أن الإشكالية تكمن في كيفية تعاطي المسؤولين في الدولة مع هذه الحراكات المطلبية من قبل جيل الشباب الذي يعتبر وقود الدولة في الحاضر والمستقبل.

إن الالتفاف على هذه المطالب، «سواء بالمواجهة الأمنية أو بالتشويه والحجب الاعلامي، لتوجيه وعي المجتمع باتجاه معاكس، أو من خلال ممارسة الرعوية المالية بمنح مالية للشعب لإبعاده عن هذه الحراكاتلاسكات صوته»، لا يأخذ إلا من رصيد الأجيال ومن رصيد طاقة العطاء لدى أبناء هذا الشعب، ويحول هؤلاء من قدرة عطاء وإبداع إلى طاقة معطلة اعتادت المنح المالي من دون مقابل أو من دون إنتاجية تصب في مصلحة الفرد والمجتمع والدولة، فتصيب «كل فرد» التخمة والترهل العقلي والعملي.

فثقافة الدولة الرعوية الواهبة للمنح المالية كي تسترضي الشعب وتسكت الأصوات الاصلاحية، هي ثقافة لم تعد ذات تأثير واقعي وحقيقي في عصر العولمة التي فقأت كل أعين الرقابة والمنع والحجب، واخترقت كل العقول سواء بطريقة سلبية أو إيجابية،

بل الأجدى من المنح المالية، سواء على مستوى الشعب أو الدولة، هو الاستثمار في الإنسان من خلال تنمية قدراته وتفجير طاقاته للابداع والعطاء للوطن، للوصول به للاكتفاء الذاتي، وتحقيق المطالب الاصلاحية الحقيقية العقلانية وفق الأطر الدستورية والقانونية البعيدة عن الفوضى والغوغاء.

فكما أن لكل مواطن حقا، فكذلك على كل مواطن واجب، أما ممارسة المنح المالي لمجرد ثراء الدولة من دون وجود إنتاجية تنموية من قبل المواطن فهو يعكس حقيقة واحدة، وهي ان هذه الاستراتيجية لا تخدم الوطن، فبذهاب الثروة المالية وفق النظام الرعوي سيذهب الوطن، لان امتدادات الوطن والدولة وفق المفاهيم الحديثة تَعْبُر خلال جسر التنمية في الإنسان، ووضع استراتيجيات لذلك، ومنهجيات تضمن سريانها وفاعليتها مهما تغير الشخوص والهدف هو استمرار وجود الوطن وهذا هو مفهوم السيادة الحقيقية.

 

 

 

الحداثة وانتهاك الخصوصية

15 يناير 2013
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

 

موجة الحداثة التكنولوجية لها آثارها الكبيرة والمتفرقة بين إيجابيات تنعكس فعليا على كل واقعنا المعاش الشخصي والأسري والاجتماعي ، وسلبيات أيضا لها انعكاسات على واقعنا الشخصي  والأسري والاجتماعي.
 

ولعل دوما سوء الاستخدام هو جالب للسلبيات التي قد تكون أحيانا كارثية على الشخص والأسرة والمجتمع.

 

فقط بات من أسهل الأمور التقاط صورة ونشرها في هذه المواقع أو اقتباس مقولات مجتزأة أو ضرب مشاريع قائمة ثقافية  دون أدنى ضوابط أخلاقية أو عرفية بل جسد بعضنا مبدأ : كالبهيمة همها علفها وليس ما دعينا إليه " انظر لأقصى القوم وأعر لله جمجمتك". 

 

ورغم وجود حسابات خاصة لادعاء الخصوصية  لا يمكن دخولها إلا بإذن صاحب الحساب ، إلا أن هذا لا يعني أننا كسرنا أطر الخصوصية التي كانت تشكل حاضنة وحصنا للفرد والأسرة والمجتمع.

 

لأن الخصوصية لها دوائر تبدأ من الفرد وتتسع لكل العالم  ولهذه الخصوصية مجموعة من الحقوق للآخرين علينا لا يجوز انتهاكها ومجموعة من القيم الشخصية والاجتماعية والعرفية والذوقية لا يجب خرقها أيضا .

فالإنسان له شخصيتان حقوقيتان 
- شخصية حقيقية وهي ذاته

- شخصية حقوقية وهي علاقة ذاته بالمحيط الأسري والاجتماعي وما يفرضه عليه ذلك من مجموعة حقوق وواجبات

 

فدوائر الخصوصية وفق ذلك والتي تفرض حقوقا للأخرين علينا هي:

 
- الخصوصية الشخصية الذاتية 

- الخصوصية الزوجية وما تفرضه من حق لكليهما على الآخر في هذه الخصوصية.

- الخصوصية الأسرية وما تفرضة من حق لكل فرد في الأسرة على الآخر.

- الخصوصية الاجتماعية والتي تتسع وتضيق بحجم علاقات الفرد ومسؤولياته ومكانته والتي أيضا تفرض حق وفق كل مرتبة.

 

واليوم وصل الاختراق لدائرة الفرد الخاصة التي كانت سابقا دائرة شديدة الانغلاق والسرية وكانت تحفظ وتصون الفرد والأسرة والمجتمع.

 

والأخطر هو انتهاك دائرة الخصوصية الزوجية والأسرية سواء من أحد الزوجين أو من أحد أفراد الأسرة دون أدنى مراعاة لحق الآخرين وواجب الاسئذان وأخذ الرخصة ، وهو ما راكم كثيرا من المشاكل الأسرية والاجتماعية بل سبب انتهاكات خطيرة أخلاقية قد تصل لحد قتل أفراد عاديين أو ذو قيمة اعتبارية قتلا اجتماعيا من خلال إسقاط سمعتهم بصورة قد يكون لها ظروف وحكاية لم يطلع عليها أحد ووضعت في هذه المواقع وأصبحت سببا في دمار فرد أو أسرة.

 

فاليوم بات الهم هو نقل كل حركاتنا وسكناتنا للجميع دون مراعاة لأدنى خصوصية أو مراعاة لحق الآخرين بهذه الخصوصية ، وبات جل همنا نشر ثقافة الأكل والمطاعم والملابس بل تعدى ذلك للإباحية الأخلاقية بكل معنى الكلمة وكسر أطر الحواجز الشرعية في المحادثات بين المرأة والرجل لتوفر هذه الوسائل بشكل لحظي دون مراعاة حتى لصلاحية الوقت وخصوصية الفرد والأسرة وهو ما كسر حاجب الحياء والعفاف لدينا كمجتمعات إسلامية وعربية لها عاداتها وتقاليدها في ذلك .

 

وبعضنا أيضا بات يروج للثقافة الالتقاطية السطحية وانتهاك حقوق الملكية الفكرية فأصبح لدينا مثقف التويتر والفيس بوك الذي يخفي واقعا حقيقة شخصيته وموارده الثقافية والفكرية  بنشر المقولات المجتزأة  والالتقاطية، وتحولت ثقافتنا لوجبة سريعة وسطحية كما وجباتنا السريعة لبطوننا التي جلنا يعرف مضارها الصحية كما هي مضار الوجبات المعلوماتية السريعة الضارة بالعقل .

 

لست بصدد التهويل والتضخيم ولكن بصدد التنبيه لعواقب قد تكون غائبة عنا ، فخيركم من تفكر في العواقب.

 

أتمنى أن لا نروج لثقافات باتت تشكل نظرتنا عن الحياة وهي واقعا جزء لا يتجزأ من نظرة الرأسماليين لها، وأتمنى أن لا تتحول أهدافنا وأولوياتنا من أهداف سامية بسمو قيم إسلامنا العظيم  إلى أهداف  ذاتية ضيقة الأفق ووضيعة الآثار ومخلة بالقيم ومنتهكة للحقوق.

 

أتمنى أن لا نتحول إلى شيء لنروج لثقافة التشييء التي كانت أحد أهم منتجات ما بعد الحداثة السلبية ، والتي حولت الإنسان لشيء استهلاكي دعما للنظام الرأسمالي العالمي، فقد تكون حركة بسيطة نعمد لها لكنها واقعا هي كبيرة ومؤثرة في دعم الأهداف الاستراتيجية في النظام الرأسمالي .

 

لقد حصرنا همومنا في دائرة ذاتية فردية أو أسرية وانقطعنا عن الهم الأممي الذي رسخ له رسول الله صلى الله عليه وآله : من بات ولم يهتم بأمر المسلمين ليس بمسلم.

حتى بتنا لا نعلم ما وراء جدران منزلنا من آلام وهموم ومشاكل وعذابات وظلم ، وأغرقونا في همومنا الوهمية الذاتية وغالبا الاستهلاكية والهموم الضيقة الفردية والأسرية البعيدة عن سمو مكانة الإنسان العظيمة وسمو رفعة قيمه وأهدافه وغاياته .

لست مع عقلية المؤامرة ولكنني لا أنكر وجودها ، واستنكر رضانا بتهيأة أرضياتنا العقلية وإحداث ثغرات كبيرة في جسد أمتنا تتسرب إليها هذه المؤامرة وتغرس جذورها في صدورنا لتثبت وجودها وتقوم بثورة ناعمة في عملية الاحلال الثقافي التي رسمت لها استراتيجيات بعيدة المدى وهادئة الآليات، تتحقق دون ضجيج يلفت نظر الغافلين  وهم الشريحة الكبيرة ، لا أصحاب الوعي والبصيرة وهم الشريحة الأقل.

 

أتمنى أن لا نضرب أصالتنا وآدابنا وخلقنا بآليات الحداثة السلبية التي انتهكت حتى خصوصية الروح وأنهكتها وأثقلتها وخرقت عمق العقل وسطحت التفكير.

 

إننا اليوم أمام جدل إنساني من نوع آخر ، جدل بين الأصالة والمعاصرة تتحكم فيه: – ثقافات هجينة عمدت لنقل الثمار وزرعها في أرضنا دون أدنى مراعاة للخصوصيات الفكرية والثقافية والبيئية وباتت تستخدم كأدوات فاعلة في مشروع الحرب الناعمة

- وأخرى تنظر لحضارة الغرب من موقع الضعف وتستضعف ذاتها وقدراتها وثقافتها وتقبل بالاحلال الثقافي نتيجة انهزامها أمام واقعها أو قناعتها بأن الدين لا يقدم حلول لعدم تفرقتها بين حقيقة الدين والممارسة والفهم.

- وآخرين مناضلين لأجل المواكبة بالحفاظ على ما هو أصيل وإعادة صياغته بلغة معاصرة حقيقية لا تتخلى عن قيمنا ولا تراثنا الثابت ولا تضرب أعرافنا الشرعية والعقلية ولا منظومتنا الأخلاقية ، استطاعوا أن يميزوا بين الممارسة والفهم وبين الدين الحقيقي بل هي تجاهد في ساحات الجهاد الثقافي والفكري وتقدم لذلك التضحيات من أجل تقديم نموذج مشرق وبديل للاسلام يواكب العصر بأصالته ويسد الخلل في جسد الأمة ليمنع نفوذ تلك المؤامرات الثقافية التي تستهدف هويتنا وانتماءاتنا للدين والأمة وللتراب والإنسان والزمن.

وهؤلاء يواجهون بنضالهم عقبات مناهضة لحراكهم داخلية أكثر من مواجهتهم للعقبات الخارجية وهو موضوع له مبحث آخر خارج عن موضوعنا.

 

اليوم بتنا بحاجة لقراءة للدين أكثر مواكبة لإشكاليات العصر ، قراءة تنتج لنا فقه الحداثة وفقه التكنولوجيا وفقه العلاقات الاجتماعية تعالج هذه الاشكاليات الحقيقية وتطرح لها حلولا من الدين لما لذلك من تأثير عميق في الشعوب المتعلقة بالفطرة بالدين الذي يؤثر بالفتوى على كل واقع حياتها .

من غير المقبول اليوم أن تقف المؤسسة الدينية بمعزل عن مواكبة الحداثة ونتاجاتها وانعكاساتها على واقع مجتمعاتنا اليومية وضربها بسلبياتها لكل القيم والنظم الأخلاقية والأعراف العقلية والشرعية .

 

نحتاج معالجات واقعية من الدين لهذه المشاكل العصرية تكون معالجات جذرية واستراتيجية وليست موضعية وآنية ، أي نحن بحاجة لاستنطاق نظام متكامل من الدين يتعاطى مع المشروع الحداثي بقراءة جذرية ليقدم منظومة متكاملة جذرية ومبنائية تكون بديلا صالحا لمشروع الحداثة الغربي الذي أصاب أرواحنا بمقتل وأرهق وجودها وقابليتها ، وضرب الأسرة بعمقها الوجودي والوجداني وهي أهم بناء اجتماعي واجه به الاسلام على طول تاريخه النضالي  كل الانحرافات وحفظ به منظومة القيم والأخلاق والمبادئ ومقاصد الشرع .

 

لقد انعكس مشروع التغريب على واقع الإنسان الفكري والعملي، وإنساننا بالأصل مثقل من هم الفقر والجوع والاستبداد والجهل وهذه الحداثة بسلبياتها زادته ثقلا وهما وتجهيلا.وهو ما يزيد من مسؤولية كل من المثقف والمفكر والمؤسسة الدينية في مواكبة الحدث ومواجهته وحل إشكالياته ليس حلا ترقيعيا وإنما حلا جذريا بمشاريع بديلة وناجحة وناجعة الأثر.

 

 

المثقف والمفكر وأزمة القيم

14 يناير 2013
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

كشفت لنا الثورات العربية المبتورة عن عورة كثير من المفكرين والمثقفين، بل عن أزمة قيم أظهرت حجم توغل هؤلاء في علاقاتهم مع الأنظمة، ومدى أزمة الضمير التي يعاني منها غالبهم إن لم نقل جلهم.

فبينما كانت الثورة الفرنسية يقودها مثقفوها ومفكروها، وكانت الثورة ضد الكنيسة يقودها أحد تلامذتها، وكان للمثقفين في إيران دور بارز في رسم معالم الثورة بغض النظر عن تقييمنا لها، نجد أن المثقف والمفكر في الوطن العربي وفي الخليج يعيش مأزقا قيميا خطيرا لا يقل عن المأزق الذي يعيشه كثير من المتدينين والمتلبسين بسربال الدين.

تطلعنا أن يكون هو رائد الثورة ومنظرها ولكنه بات أول من انكفأ عليها وتحول لأداة سهلة ومرنة في يد الاستبداد، بل انقلب على كل نظرياته التي كان يملأ بها المحطات التلفزيونية ودفات الكتب وأوراق المجلات الفكرية والثقافية والمؤتمرات، حتى بات صراخه وشعاراته تتحول إلى صواريخ قاذفة تقض مضجع الحكومات ليتحول إلى قديس في ليلة الميلاد أو مقدس في يوم العروج.

وفجأة ينكشف القناع لنجده ينحر الثورات بسكين قلمه ويبدل شعاراته ونظرياته إلى مكانس على بوابات قصور الاستبداد، ليسترق من أنظمتها السمع والطاعة ويحول بندقيته من كتف إلى كتف ليطلق رصاصة الرحمة على كل القيم والمبادئ والمثل والنظريات، وتصبح الديموقراطية التي كان يصرخ لأجل استجلابها لوطنه نظرية غربية مؤامراتية لا تصلح لوطنه بحجة عدم أهلية الشعوب أو ثوبا يفصله وفق مقاسات خاصة بمصالحه وأفقه الضيق لذاته، وتصبح الحرية في عرفه مجونا وكفرا علينا إعدامها على مقصلة التغريب لأنها خالفت ما يصبو إليه، وتصبح الفتوى التي كان ينقدها ليلا ونهارا سلاحه الفتاك في وجه الثوار وسيفه المصلت على رقابهم لأنها تحقق ما يريد.

هذا ناهيك عن ثقافة سرقة الأفكار والكتب في عالم غالبية المثقفين والمفكرين، حيث تحولت الغايات من غايات قيمية إلى أخرى ذاتية هدفها الشهرة والبروز على حساب عقول الآخرين، بل كثير منهم بات يستخدم ثقافته وفكره لاصطياد كثير من الناشطات في الثورة أو في الوسط الاجتماعي بحجة التعاون والتبادل لأجل الثورة أو النهوض بالمجتمع، ويخفي تحت هذا الشعار ذكورة تخالف كل ما ينادي به من إنسانية جامعة للمرأة وحقوق يجب أن تعاد.

إن المثقف يفترض أن يشكل صمام الأمان في وعي الشعوب والراصد لمؤشرات الانحراف والفساد والاستبداد والمحرك الرئيس لوعي الجماهير بالابقاء على حالة الوعي ثائرة وحية وساخنة في ذهنيتهم.

لقد وقع المثقف في فخ الذات وتراجع عن منظومة القيم التي يفترض أن يكرسها في أول اختبار تحرري يتعرض له، إضافة لإحداثه ثغرة خطرة في ذهنية الشعوب يتسلل من خلالها لصوص الفكر والمعرفة الساعون دوما لكي الوعي والاحلال الثقافي.

إن تنامي ذات المثقف لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج طبيعي لبيئة جماهيرية وعقلية عربية اعتادت الترميز والتسليم للشخص، ومن ثم تقديس أفكاره، وعدم نقد الفكرة علميا.

فهل ستكشف لنا الثورات والحراكات الجماهيرية عن صياغة ثقافة وفكر يقودهما شباب خرجوا من رحم الجماهير ليقدموا نموذجا جديدا أكثر إشراقا، أم سيعاد استنساخ النماذج السابقة نفسها ولكن بوجوه جديدة وآليات جديدة تتناسب والحدث؟

 

المتدينون وعلمنة المجتمع

29 ديسمبر 2012
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

 جاء الدين كمنهج للحياة إذ ما من شيئ إلا ولله فيه حكم كما جاء في الأثر.

 

وللدين ثلاثية لا ينفصل أحدها عن الآخر كمنهج تغييري لأسلمة الذات ركز عليها المشرع وهي :

١. العقيدة التي جاءت لتنظم الفكر وتوجيه العقل نحو الحكمة النظرية وبناء النظريات الدنيوية من الدين بشكلها السليم.

٢. الأخلاق: وهي فقه الجوانح إن صح التعبير ، أي الأحكام الأخلاقية التي تضبط الداخل الإنساني وتميل بهواه إلى الهدي الإلهي فيمتلك إن هو التزم القلب السليم.

٣. الفقه : وهو مجموعة الأحكام الشرعية التي جاءت لتضبط الجوارح والسلوك العملي في الحياة وفق الارشادات الالهية.

 

فإن انتظم الفكر انقاد العقل ، وإن انتظمت الجوانح وفق الأسس الأخلاقية السليمة أذعن القلب لصوت العقل وبشكل بديهي تذعن الجوارح.

وأي خلل يحدث في هذه الثلاثية ينعكس هذا الخلل على الفرد وبالتالي على المجتمع.

والحياة الدنيا هي الساحة الوحيدة بكل مناحيها التي يطبق فيها الانسان هذه الثلاثية ويمارس دوره الخلافي على الأرض.

ولكن لو حاولنا استقراء الواقع الحياتي في المجتمعات المسلمة بشكل عام والمجتمعات المتدينة بشكل خاص للمسنا واقعا لا يعكس أبدا هذه الثلاثية إذ تحول الدين إلى العبادة الجوارحية  بالفقه  فقط ، وانحصر إلى دين الطقوس القشرية وأصبحت الشخصية المتدينة شخصية ازدواجية لها باطن وظاهر مع أن الإسلام جاء بالصدق ورفض النفاق وأصدق الصدق هو أن يتطابق الظاهر مع الباطن وتتلاحم العقول والقلوب أي الجوانح والجوارح بلحمة واحدة موحدة لله ومنتظمة في منهاج إلهي منظم لها جميعا. 

لذلك جاء في الأثر أن لا تنظروا لكثرة صلاة المرء بل انظروا لصدقه في الحديث، وهو ما يدلل على وعورة وصعوبة الوصول إلى مرحلة الصدق لأن الصدق الحقيقي هو صدق يجمع في لحمة واحدة العقل والقلب والجوارح.

وحصر الدين فقط في دور العبادة بكافة مصاديقها وتحول المتدين إلى خازن للجنة والنار يوزع صكوك الغفران لمن يريد. 

وأصبح الدين انتقائيا فآمنا ببعض الكتاب وكفرنا ببعض من خلال انتقائيتنا في عبادة الله .

فنحن نصلي على سبيل المثال ولكن صلاتنا لا تنهانا عن الفحشاء والمنكر، والنهي هنا يكون على مستوى الفرد والمجتمع.

ونحن نصوم وغالبا لا ننال من صيامنا سوى الجوع والعطش، والدليل أن حالنا بعد شهر رمضان هو غالبا كحالنا قبله مع أنه شهر جاء لعمل تغيير ثوري للإنسان ونقله من حالة الضعف والوهن والمعصية إلى حالة القوة والطاعة، أي هي إعادة برمجة كاملة فردية واجتماعية.

وانحصر حراك المتدين ضمن المسجد وضمن بيئته الاجتماعية التي يتوافق معها فكرا وتدينا وأخلى مسؤوليته عن باقي أفراد المجتمع، بل انحصرت أكثر ضمن التيار والحزب.

فأصبح هناك أماكن للمتدين وأماكن لغيره  لأن المعيار هو الظاهر غالبا في التشخيص  ،مع أن المؤمن الحقيقي يقتحم كل الساحات الممكنة كي يدعو إلى الله ويعصم مجتمعه من الفساد ويكرس ثقافة وهدف الصلاة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو في حالة صلاة دائمة على مستواه النفسي الفردي وعلى المستوى الاجتماعي إلا أن واقع الأمر حول الدين من دين الجماعة إلى دين الفرد ثم إلى فقه وعبادات ظاهرية مقتصرة في وجودها على دور العبادة الخاصة ومجتمعات المتدينين المغلقة على ذاتها.

فرفضنا العلمانية في واقعها النظري ومارسناها عمليا في واقعنا العملي، وفصلنا الدين عن واقع الحياة وحصرناه في زوايا خاصة مخالفين في ذلك صريح القرآن الذي يدعو دوما للتعارف والتخالط والاندماج بين كافة أفراد المجتمع وخير دليل على ذلك ما جسدته صحيفة المدينة المعروفة بدستور المدينة الذي أسسه رسول الله صلى الله عليه وآله.

فأصبح المتدين رافضا للعلمانية النظرية وممارسا لها عمليا ، وتحول الدين من دين ثلاثي الأبعاد إلى دين الفقه والطقوس والشعارات الخاوية المضمون.

وبات المتدين يعيش مأزق مع نفسه أولا لأنه لم يبذل جهدا في برمجة عقله وضبط جوانحه بل كل جهده انصب على الأحكام التي تضبط الجوارح ، ومأزقا مع مجتمعه لأنه لم يقدر على نفسه فبات عاجزا عن غيره إذ من قدر على نفسه بات على غيرها أقدر.

وتحول الدين بفعل المتدينين من منهج حياة يحكم الفرد والمجتمع الى منهج فردي شخصي طقوسي قشري فتعلمن المجتمع بيد المتدينين لا بيد غيرهم.

 

 

 

المال والسياسة والهوية

21 ديسمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

 

الهوية سؤال الكيف الذي له صولات وجولات على ساحات الفكر والثقافة بين المفكرين والمثقفين,من مناهض لعولمة الهوية الإنسانية إلى مبرر للواقع وانعكاساته على الهوية,إلى مؤيد بشكل تام لتحويل الهوية إلى هوية عولمية وليست عالمية والفرق شاسع والبون واسع.ونادرا ما وجدنا من يتبنى إنشاء وبلورة نظريات بذاتها ومن الذات منطلقة لتحصين الهوية والارتقاء بها إلى مستوى مقاومة جامحة وقادرة على منع التمييع وكسر حواجز المنع من التلاقح المفيد المثري مع الآخر.

 

واليوم في عالم يعيش كل التناقضات على المستوى الفكري والثقافي بل والتعارضات التي عسكرت وخندقة الإنسان بل شيأته ليصبح وسيلة لتحقيق غايات وأهداف مادية بدل أن يكون الغاية التي يجب أن يسخر لها الكون للحفاظ على كرامتها وكينونتها الانسانية,تتربع سلطة المال على عرش كل السياسات لتعولم منهاج رأسمالي يكرس تشييء الانسان وتمييعه وجعله في خدمة الانتاج.

 

*بين جدلية العلاقة وتناغمها:

 

الإنسان محور علاقات كونية أهمها ومنظمها خارج الحدود الكونية بل هو جاعل لها ومكونها ومؤسسها وفق سنن تحكم هذه العلاقات وتنظمها.

 

وهذه العلاقات الكونية هي:

 

1.علاقة الانسان مع أخيه الانسان

 

2.علاقة الإنسان مع الطبيعة

 

أما المنظم لها والخارج عن حدودها الكونية فهو الله تعالى لتتشكل لنا علاقة محورية في توجيه العلاقتين السابقتين على أسس قيمية وفكرية سليمة وهي:

 

3.علاقة الانسان مع الله

 

فإن كانت العلاقة تتناغم بين الانسان وأخيه الانسان وهو والطبيعة مع محورية الدوران الكوني حول التوحيد أصل الأصول فإن العلاقة ستتسم بالتناغم والتلاقح والتناهض نحو الكمال,لأن الأساس والمنطلق القاعدي لها نحو كل هذه العلاقات يرسخ بعدين رئيسين في بناء شخصية الفرد والمجتمع المتوازنة وهما البعد المادي والمعنوي دون أن يغفل عن أحدهما أو يرجح كفة أحدهما على الآخر,بل ينظم كل الحاجات في أبعادها المادية والمعنوية وفق أسسه القرآنية التي تشكل أهم  مصدر معرفي.

 

وأما إن كانت العلاقة بين الإنسان وأخيه الانسان وهو والطبيعة خارجة عن محورية التوحيد الكونية السنن,فإن العلاقة ستتسم بالجدلية والإلغائية المتعاظمة الذات والمتضخمة الأنا,لأن الأساس والمنطلق القاعدي لها نحو كل هذه العلاقات لا يرسخ إلا بعد واحد في بناء شخصية الفرد والمجتمع وهو البعد المادي هاملا البعد المعنوي مما يخلق شخصية مفرطة بتشديد الراء,بالبعد المعنوي لحساب البعد المادي فيختل التوازن وبالتالي يختل النظام المؤسس للفكر.

 

ومن هنا قد يتبين لنا عدة أمور:

 

1.جدلية العلاقة في الذات في الحالتين أي في حال وجود التوحيد كمحور كوني منظم أو عدم وجوده.

 

2.جدلية العلاقة بين الحالتين الأولى والثانية.

 

3.تناغم العلاقة في الذات وبين الحالتين.

 

 

 

ووفق الحالات الثلاث سننطلق نحو تشكيل رؤية عن المال والسياسة وأثرهما على الهوية.

الرأسمالية :

اليوم تشكل الرأسمالية الفكرية قاعدة تنطلق منها كل الأفكار والفلسفات  والنظريات الاقتصادية ليصبح المال محور السياسات والقائم عليه والموجه لها في العالم .

فالرأسمالية نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسية تقوم على أساس تنمية الملكية الفردية والمحافظة عليها، متوسعاً في مفهوم الحرية.

وبما أن الرأسمالية تنطلق من قاعدة حرية الفرد المطلقة في تجميع الثروة وبكافة السبل التي بدورها تنطلق من قاعدة الحريات العامة في الليبرالية التي تؤمن بأصالة الفرد وتستبعد محور التوحيد الكوني الذي ينظم الله فيه كمرجعية قانونية سننية كونية كل العلاقات فبالتالي سيكون المنطلق يركز على البعد المادي في الانسان ويحوله إلى وسيلة وآله لتحقيق الغايات الكبرى للرأسمالية في الهيمنة والسيطرة,وستوجه كل السياسات باتجاه تحقيق أهداف الرأسمالية المادية وستسخر كل الطاقات لذلك تسخيرا آليا.

 

وأبرز الأفكار التي ترسم إيديولوجيا الرأسمالية هي :

 

- البحث عن الربح بشتى الطرق والأساليب المشروعة، فلا يكون فيما تمنعه الدولة لضرر عام كالمخدرات مثلاً.أي هي تضع ضوابط عامة لحماية أمن واستقرار المجتمع بما لا يؤثر على كيان الدولة واستقرارها.

 

- تقديس الملكية الفردية وذلك بفتح الطريق لأن يستغل كل إنسان قدراته في زيادة ثروته وحمايتها وعدم الاعتداء عليها وتوفير القوانين اللازمة لنموها واطرادها وعدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية إلا بالقدر الذي يتطلبه النظام العام وتوطيد الأمن.

 

- المنافسة والمزاحمة في الأسواق. وفي ظل غياب منظومة قيم وفتح الحرية الفردية المطلقة لتنامي الثورة إلا في حدود الضوابط التي تحمي استقرار وأمن المجتمع فإن الباب سيفتح أمام الجشع والطمع والاستغلال تحت شعار قدسية الحرية والملكية الفردية.

 

- نظام حرية الأسعار وإطلاق هذه الحرية وفق متطلبات العرض والطلب، واعتماد قانون السعر المنخفض في سبيل ترويج البضاعة وبيعها. 

 

وفي ظل انفتاح عالمي لحرية بناء الثروة  وزيادة الانتاج وزيادة الحاجة للمواد الخام وعدم تغطية تلك المناطق الجغرافية في الغرب لهذه الحاجات ومع غنى منطقة الشرق الأوسط أو آسيا إن صح التعبير بالأسواق من جهة وبالمواد الخام من جهة أخرى فإن اجتماع هذه العوامل دفع تلك الدول في فترة زمنية لاستعمار منطقنا لتهيمن بشكل مباشر على منابع الثروة وتديرها بما يعود بالنفع على اقتصادها ورفاهية شعوبها .فلترويج منتجاتها تحتاج إلى أسواق ومواد خام لإعادة الانتاج التي تحتاج لها هذه الأسواق وهو ما يدفعها للبحث الدائم عن أسواق ثرية ومستهلكة و يتطلب الدفع نحو سياسات امبريالية تهيمن وهذه السياسات لم تنفع معها الحلول العسكرية لأنها تخلق لها توترا دائما داخليا وخارجيا,ولذلك كان البديل هو الغزو الفكري والثقافي القائم على الاحلال الهادئ الممنهج المعتمد على مصطلحات داخلية ولكن بمدلولات خارجية قادرة على تغيير الوجهة الثقافية والفكرية.ولعلنا نعيش هذه الأيام مظاهر حرب ناعمة نواتها رسم خارطة عقول النخب وصناعة وعي الشعوب وفق مفاهيم ظاهرها متفق عليه تماما لكنها وعاء يحمل ثقافة وبنيات فلسفية وفكرية تنطلق من بنية الغرب الفكرية بكل أبعادها المادية ومفهومها للأخلاق والقيم والطبيعة والكون والإنسان . 

"إن للحضارة الغربية بأفكارها ومفاهيمها وكيانها الثقافي عامة قاعدة فكرية تستند إليها .. وهي الحريات الرئيسية في المجالات الفكرية والدينية والسياسية  والاقتصادية . فإن هذه الحريات بمفهومها الحضاري الغربي هي حجر الزاوية في ثقافة الغرب والإطار الفكري الذي تدور في نطاقه الأفكار والمفاهيم الغربية عن الإنسان والحياة والكون والمجتمع وحتى أنه لعب دورا رئيسيا في تحديد الاتجاه العام لمفكري الغرب فيما يسمونه بالعلوم الانسانية والاجتماعية . فلم تستطع البحوث الإنسانية لهؤلاء المفكرين أن تتجرد عن تأثير الرساله التي يعتنقها الباحثون كقاعدة عامة" الشهيد محمد باقر الصدر – رسالتنا

 

ويقول في مورد أخر " الافكار التي تتكون منها كل حضارة ذات رسالة تخضع لمقاييس تلك الرسالة وتتجنب مناقضتها سواء أكانت مستنبطة منها أم لا" 

وهو ما يوضح مسألة مهمة جدا ان منشأ المعرفة الغربية مادي فلسفيا فبالتالي كل ما يترشح عنه يكون مبنيا على هذا الأساس لأنه يعتبر الحس والتجربة فقط مصدره للوصول للحقيقة وهما بطبيعة الحال مصدران محدودان لا يمكن احاطتهما باللامحدود.

 

ومن هنا يأتي دور هذه السياسات في تمييع الهوية من الداخل الهوياني,والاختراق الهاديء العملي لها وخاصة بين صفوف الجيل الشاب الذين يعتبرهم القرآن عماد ومستقبل الأمة,فتخلق جيلا ذا هوية مميعة من الناحية القيمية والفكرية والمنهجية ليصبح الشخص مسخا ظاهريا عن النموذج الذي طرح نفسه كبديل ليقود العالم وهو النموذج الأمريكي , أما داخليا وعقليا يكون خاويا حتى لا يفكر بل فقط يستهلك ما ينتجه لنا الآخرون. خاصة في مناطقنا المعروفة بوفرة النفط والمال والمعادن وخير مثال على ذلك اكتشاف مناجم معدنية مؤخرا في أفغانستان من قبل فرق استكشافية غربية سيحول الاقتصاد الأفغاني إلى اقتصاد ناهض وسوقا مغرية لما ينتجه الغرب بل مصدرا مهما للمواد الخام خاصة أن من ضمن المعادن المكتشفة النحاس وأن السياسات المهيمنة في فكر السلطة هناك هي سياسات متأثرة بالفكر الرأسمالي الليبرالي المادي.

 

 

 

محورية الصراع أولا داخل الذات:

 

ولكي نواجه لابد أن لا ننفعل حتى لا تكون مواجهتنا كرد فعل على أفعال مبنية على أساس منهجي استراتيجي,بل نحتاج إلى نقد للذات الهويانية وإعادة بلورة البناء الهوياني على أسس تحفظ لنا أصالتنا وتطرح الثوابت بلغة عصرية قابلة للانفتاح على الآخر والتلاقح مع أفكاره المفيدة والمتلاقية مع ثوابته والغير منغلقة دون ان نجد حرجا في أنفسنا من نقد الأفكار الدينية وليس الدين,ونؤسس عقل الشباب تأسيسا منهاجيا فكريا قائما على أسس العلاقات الآنفة الذكر التي يشكل التوحيد محورها الكوني لتنتظم العلاقة بين الانسان ونفسه وهو أخيه الأنسان وهو الطبيعة وتتحول جدلية الذات إلى تناغمها مع نفسها والكون.

 

ومن ثم طرح البديل الهوياني الذي يفترض به أن يبنى على أسس ذات أصالة وثوابت يناغم بها بين الأصالة والعصرنة ويمتلك المنهج في الفكر والرؤية الكونية لكي يكون بناءا متراصا أو كما ذكر في الذكر الحكيم:"صفا كأنهم بنيان مرصوص",وبالتالي وكنتيجة طبيعية سنجد جيلا متماسكا وعصيا على رياح التغيير والعولمة الثقافية والفكرية الهادفة لتمييعه وتحويله لأدوات استهلاكية خاوية المحتوى.لا جيلا انفعاليا يميل مع كل ريح لا حصانة ولا قدرة له على الثبات.

حيث تستهدف الرأسمالية العالمية إعادة صياغة منظومة الأولويات لدى الإنسان في العالمين العربي والاسلامي وفق السوق الانتاجية بما يتناسب ومنظومة قيمها ، فيتحول من إنسان منتج ومبدع ومفكر ويستهلك وفق حاجته وبطريقة هدفية تتناسب مع قيم السماء إلى إنسان شيئي مستهلك دون سقف يسعى وراء كل جديد دون هدف فقط لمجرد إما الوفرة المالية كما في دول الخليج أو لانتشار ثقافة الاستهلاك اجتماعيا مما يشكل وسيلة ضغط اجتماعي على الأفراد والأسرة تجبرها قصرا على الانجرار في السلوك الاجتماعي العام الاستهلاكي دون غاية وهدف ومنهاج وسقف.

إن إيمان الرأسمالية بالحرية الواسعة أدى إلى فوضى في الاعتقاد وفي السلوك مما تولدت عنه هذه الصراعات الغربية التي تجتاح العالم معبرة عن الضياع الفكري والخواء الروحي. وإن انخفاض الأجور وشدة الطلب على الأيدي العاملة دفع الأسرة لأن يعمل كل أفرادها مما أدى إلى تفكك عرى الأسرة وانحلال الروابط الاجتماعية فيما بينها

و كخطوة استقلالية يمكن أن تحدث حالة توازن مهمة هي محاولة وضع نظام اقتصادي اسلامي من خلال نظرية اقتصادية كاملة وهي مسألة تتطلب جهدا كبيرا وعملا كثيرا لأن النظام العالمي اليوم مرتبط بقطب الرحى أي النظام الرأسمالي والتفكيك يتطلب عمل مرحلي ومنهجي واستراتيجي ليتم التفكيك أولا ثم خرق ثغرة في هذا الجدار الرأسمالي ثانيا ، وأخيرا النفوذ بالنظام الاقتصادي الجديد بعد إثبات جديته وناجعيته العملية داخليا ليثبت وجوده عالميا ويحدث بذلك توازن قوى في الاقتصاد والسياسة .

 

محورية الصراع ثانيا مع الآخر:

 

أما الصراع مع الآخر المعولم لثقافته وأفكاره عولمة سلبية إلغائية للغير فنحتاج أن نطرح له النموذج في عالمية الأفكار بدل عولمتها,وذلك من خلال التلاقي معه على أسس قيمية وإنسانية فطرية تتلاقح وتتناضح فيها الأفكار المناسبة لثوابتنا وتبقي مساحة للاختلاف الإيجابي في الرأي القابل للنقاش العلمي الموضوعي الهادئ بين أهل التخصص,بحيث لا يكون نموذجنا المطروح نموذجا طاردا للآراء المختلفة بل نموذجا جاذبا لها نحو ساحات النقاش الفكري البناء الذي يحاور ويطرح الحقيقة بثبات على المستوى النظري وفق براهين وحجج معتد بها عقليا ,ويكون متسامحا وخلوقا على مستوى السلوك.

فالعولمة في غالبها فكرة إقصائية إحلالية والعالمية فكرة التقاء وتبادل واحترام واعتراف بالآخر المختلف على أساس نِدّي و توازن القوى .

 وجاءت العولمة أساسا لخدمة النظام الرأسمالي من خلال إنشاء شركات عابرة للقارات تهمين على الأسواق وتخرق سيادة دول بأسلوب ناعم يمكنها من رسم سياسات استهلاكية جديدة في وعي شعوب تلك المناطق ، من خلال الاعلام الذي أصلا هيمنت عليه وعولمته .

فأهم أشكال الرأسمالية اليوم هي : 

 

- نظام الكارتل: الذي يعني اتفاق الشركات الكبيرة على اقتسام السوق العالمية فيما بينها مما يعطيها فرصة احتكار هذه الأسواق وابتزاز الأهالي بحرية تامة. وقد انتشر هذا المذهب في ألمانيا واليابان.

 

- نظام الترست: والذي يعني تكوين شركة من الشركات المتنافسة لتكون أقدر في الإِنتاج وأقوى في التحكم والسيطرة على السوق.

 

بالإضافة إلى الرأسمالية المالية التي ظهرت بعد تطور وظيفة البنوك، حيث انتقلت هذه الأخيرة من دور إيداع وحفظ الأموال إلى المساهمة بشكل فعال في الاقتصاد، إن لم نقل العمود الفقري الرئيسي لكل الاقتصاد العالمي.

 

وختاما نخلص إلى أن اليوم المال والاقتصاد هو محور كل الصراعات على كافة المستويات وهو الموجه للسياسات العالمية التي تحقق له أهدافه وتزيد من سلطته وهيمنته,وأحد أهم الاهداف التي تستهدفها تلك السياسات هو تمييع الهوية في منطقة ثرية بالاسواق الاستهلاكية وبمواد الخام حتى تصل إلى مرحلة تخدر بها العقول بشعارات براقة خاوية المحتوى وبعيدة عن التطبيق كالحرية والديموقراطية وغيرها, مع الابقاء على سلطات مستبدة باسم الديموقراطية تحقق لها ما تريد.

وهو ما يتطلب منا رسم ديموقراطيات وفق ثقافتنا وإرثنا والانتباه إلى منظومة المعايير والقيم في هذه الجغرافيا المفاهيمية ، فالانزلاق في العولمة الفكرية التي تهدف لإعادة الوعي وصياغته وفق هذه الأفكار هو انزلاق نحو استعمار أخطر من الاستعمار العسكري لأنه يستهدف الهوية التي ترسم معالم ثقافة وتاريخ وانتماء الإنسان وتعيد صياغة هذه الهوية بأفكار تجعل انتماءه لمشروع استعماري واستحماري في نفس الوقت .

 

 

الحج بين العولمة والعالمية

28 نوفمبر 2012
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

أمام التحديات الكبرى التي تواجه الأمة يأتي هذا العام الحج في ظروف استثنائية , ليشكل فرصة مهمة في إعادة وصل الأجزاء المتناثرة لأفرادها في أصقاع الأرض, حيث يأتي كل منا قاصدا جهة واحدة لا اختلاف ولا خلاف عليها وهي مكة.
فالمقصد مكاني في وقت زماني وعل الزمان والمكان يكشفان لنا عن صفحات تاريخية مهمة تعيد بناء الداخل الإنساني من جديد وفق تجليات التوحيد السليمة لأن المقصود الحقيقي في كل ذلك هو الله.
فالحج إبراهيمي ، ذلك النبي الذي جمع بين الإمامة والنبوة مع نبي الله محمد صلى الله عليه وآله ,وما يجسده حراك إبراهيم من معاني مهمة تكشف لنا محورية النفس في علاقتها مع: الله – إبليس – الدين.
وحركة إبراهيم التي تمثلت في مواجهة إبليس بالرجم حينما كان يقف له حاجزا بالوسواس لتأدية ما يريده الله منه وطاعة الله بذبح إبراهيم, دون أدنى حرج في النفس وتطبيق دين الله كما ورد من أوامر ونواهي من قبل نبي الله صلى الله عليه وآله بطريقة التسليم والانصياع الجوارحي والجوانحي (العقل- الروح).وهي تجسد حركتنا في هذه الدنيا وصراعنا الأبدي الدائر في النفس.
وقبل الولوج للبحث أود العروج على منطقة مهمة منه وافتتاحية له وهي منطقة الاصطلاحات والمفاهيم التي تشكل الجسر نحو عالم المعرفة والفكر والتأصيل.
- المصطلحات:    
هناك اختلاف دلالي بين المفاهيم والمصطلحات والألفاظ,وحيث أن كل أمة لها حصيلتها الفكرية التي تتكئ على اللغة المعبرة عن هويتها ومنظومتها الفكرية والمعرفية فإن من الضرورة بمكان في بداية البحث التركيز على إجراء عملية تشريح منهجي للمفاهيم ودلالاتها حتى لا يصاب البحث في هيكله بالميوعة الدلالية فتتداخل المصطلحات والمفاهيم.
"لذلك فإن تحليل المفاهيم الأساسية لأي فرع أو حقل معرفي يعتبر المدخل الأول لتفكيك ذلك الفرع أو الحقل بشكل يسمح بتشخيصه وتحديد وضعيته,ومعرفة مبادئه ومداخله"    
فالمفاهيم ليست كالألفاظ تفهم بمترادفاتها بل هي مستودع تتجاوز الجذر اللفظي لتعكس كوامن فلسفة الأمة ودفائن تراكمات فكرها ومعرفتها.
من هنا تجلت ضرورة افتتاح البحث بتوضيح وتبيان المفاهيم التي لها صلة بموضوعنا.

إضافة إلى ضرورة فهم القواعد الفكرية والفلسفية التي تنطلق منها الحضارات المنتجة للمعرفة خاصة الحضارتين الإسلامية والغربية.

بين الحضارتين:

طبعا هناك اختلاف كبير جدا بين الحضارتين في القاعدة والبنية الفكرية لكليهما والتي على أساسها يتم البناء والانطلاق نحو كل العلوم والمعارف .
"إن للحضارة الغربية بأفكارها ومفاهيمها وكيانها الثقافي عامة قاعدة فكرية تستند إليها .. وهي الحريات الرئيسية في المجالات الفكرية والدينية والسياسية  والاقتصادية . فإن هذه الحريات بمفهومها الحضاري الغربي هي حجر الزاوية في ثقافة الغرب والإطار الفكري الذي تدور في نطاقه الأفكار والمفاهيم الغربية عن الإنسان والحياة والكون والمجتمع وحتى أنه لعب دورا رئيسيا في تحديد الاتجاه العام لمفكري الغرب فيما يسمونه بالعلوم الإنسانية والاجتماعية . فلم تستطع البحوث الإنسانية لهؤلاء المفكرين أن تتجرد عن تأثير الرسالة التي يعتنقها الباحثون كقاعدة عامة" الشهيد محمد باقر الصدر – رسالتنا

ويقول في مورد أخر " الأفكار التي تتكون منها كل حضارة ذات رسالة تخضع لمقاييس تلك الرسالة وتتجنب مناقضتها سواء أكانت مستنبطة منها أم لا"
وهو ما يوضح مسألة مهمة جدا ان منشأ المعرفة الغربية مادي فلسفي فبالتالي كل ما يترشح عنه يكون مبنيا على هذا الأساس لأنه يعتبر الحس والتجربة فقط مصدره للوصول للحقيقة وهما بطبيعة الحال مصدران محدودان لا يمكن إحاطتهما باللامحدود.
ويذكر أيضا الشهيد تصنيفا رائعا في السنن القرآنية لعناصر المجتمع بين الغرب والإسلام في كتابه السنن القرآنية ويستخلص من القرآن ثلاث عناصر
الأول: الإنسان
الثاني : الأرض أو الطبيعة على وجه عام
الثالث العلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بالأرض والطبيعة ومن ناحية أخرى تربط الإنسان بأخيه الإنسان
ويعتبر العنصر الثالث هو العنصر المرن المتحرك في تركيب المجتمع ولها صيغتان
الأولى صيغة رباعية والثانية صيغة ثلاثية
الصيغة الرباعية
هي الصيغة التي ترتبط بموجبها الطبيعة والإنسان مع الإنسان ، هذه ثلاث أطراف فإذا اتخذت صيغة تربط بموجبها هذه الأطراف الثلاثة مع افتراض طرف رابع وهو بعدا رابعا للعلاقة الاجتماعية وهذا الطرف الرابع ليس داخلا في إطار المجتمع وإنما خارج عن إطار المجتمع وتعتبر هذا الطرف – أي الصيغة الرباعية – مقوما من المقومات الأساسية للعلاقة الاجتماعية
وهذه الصيغة الرباعية طرحها القرآن تحت اسم الاستخلاف.
والطرف الرابع هنا هو المستَخْلَف أي الله
الصيغة الثلاثية
صيغة تربط بين الإنسان والإنسان وهو والطبيعة ، ولكنها تقطع صلة هذه الأطراف مع الطرف الرابع
تجرد تركيب العلاقة الاجتماعية عن البعد الرابع أي الله.
هذا التغييب بطبيعة الحال يغير من المثل الأعلى لكل جهة ، فالمجتمع ذو التركيبة الرباعية يكون الله مثله الأعلى وعلى هذا يرتبط بكله معرفيا ومنهجيا بالله وصفاته ومنهجه، أما ذو التركيبة الثلاثية التي غيبت الله فالإنسان هو محورها ومصادر معرفته حددناها بالحس والتجربة وبالتالي لكم أن تتخيلوا ماذا سيترشح عن هذا الإنسان المحدود .
مع التأكيد هنا على توصيف الحالة وليس تقييمها لان هناك نتاجات بشرية مهمة على هذا الصعيد.
ولكن هل يعني ذلك رفض كل ما يأتينا من الغرب مع إيماننا أيضا أن من مصادر معرفتنا التجربة ؟؟ فتكون بذلك التجارب البشرية موردا مهما لتدعيم بنيتنا المعرفية ؟
بالطبع لا ، ليس لعاقل أن يقول بذلك والقرآن يضج بالتفكر والتدبر الأنفسي والآفاقي وهي دعوة للإنسان بنا هو إنسان.
 
تعريف العولمة:
"يقول مارتن والتر في تعريف العولمة  من أنها عملية اجتماعية تتوارى فيها القيود والحواجز الجغرافية والأوضاع الثقافية والاجتماعية وبالتالي فإن الظاهرة لن تحدث بصورة مطلقة مرة واحدة ولكن سوف يتدرج حدوثها من المشاكل التي أخذت صفة العالمية
ويعرفها محمد عابد الجابري على أنها( ليست مجرد آلية من آليات التطور الرأسمالي بل هي أيضا وبالدرجة الأولى إيديولوجيا تعكس إرادة الهيمنة على العالم)
وقد حاول الدكتور محمد عابد الجابري وضع مقاربة للعولمة معتبرا بأنها ( نظام أو نسق ذو أبعاد تتجاوز دائرة الاقتصاد وأنها نظام عالمي يشمل المال والتسويق والمبادلات والاتصال كما يشمل أيضا مجال السياسة والفكر والإيديولوجيا)."
وباختصار يمكننا أن نقول عن العولمة هو تحويل العالم إلى قرية صغيرة,وعندما كانت دوافع الغرب منطلقة على أسس فلسفية مادية,فإن الفكر أو الأفكار التي تنطلق من عالمهم تكون مرتكزة على قاعدة فكرية مادية تؤمن بنظرية معرفة لا ترى إلا عالم الحواس والتجريبيات كمصدر لمعارفها المؤطر بعالم المادة.وهو ما ينعكس على أي حراك فكري غربي حيث تكون القبليات الإيديولوجية والفلسفية مؤثرة بشكل مباشر على هذا الحراك وموجهة له.
 
أثر العولمة على الثقافة والهوية والذات:

ومما سبق يتبين لنا الآثار التي يمكن أن تنعكس على ثقافتنا وهويتنا الذاتية ,إذ لا يمكننا أن ننظر لكل ما هو آت إلينا من الغرب أو الآخر على أنه شر مطلق ,ولكن المشكلة تكمن في أن الآتي إلينا يريد أن يصوغ لنا مشروعه الثقافي المنطلق من قاعدته الفلسفية لنظرية المعرفة والتي تؤسس للمشروع وفق نظرته المادية لهذه الحياة ,ويحله بديلا لثقافتنا رافضا كل ما لدينا ومؤمنا فقط بكل ما لديه وهو ما يشكل هاجسا وخطرا على ما نملك أو ما تبقى لدينا من فكر وثقافة وقيم,نعم نحن لا نرفض الآخر بما  يملك من إيجابيات شريطة أن يقبل الآخر ما نملكه من إيجابيات ولا يسعى إلى إلغاء ما لدينا لإحلال ما لديه بديلا يستطيع من خلاله أن يهيمن ويسيطر على مقدراتنا وثرواتنا.
إن عولمة الثقافة الغربية بكلها وكلكلها وإحلالها بديلا لثقافتنا له الأثر الكبير في ضياع الهوية والذات وغياب القيم التي منها نستقي وجودنا و بها نواصل مسيرتنا الإنسانية ,فتصبح شخصية المسلم والعربي شخصية خالية المضمون ركيكة المحتوى مهزوزة لا تملك رؤية بل هي خليط غير متجانس من الأفكار فتتيه في خضم هذا العالم و تسلب كل طاقاتها وإبداعاتها ويسخر ما تملكه ويوجه كما يريده أولئك العولميين وفيما يصب في صالحهم وهيمنتهم.فيتحول الإنسان من إنسان مريد مختار وحر إلى مسلوب الإرادة ومستعبد غير قادر على تمييز الغث من الثمين لانبهاره بالقادم إلينا وفقدانه للبديل الناجح والمساوي في القيمة والمستوى لذلك القادم من الغرب.
 
 ونستطيع أن نلخص سلبيات وإيجابيات العولمة فيما يلي:
 
1.إيجابيات العولمة:
فهي خيرة حينما تربط بين الحضارات والشعوب والبلدان متخطية العامل الجغرافي، وجاعلة من العالم قرية صغيرة، محررة الإنسان من كثير من القيود بفضل انتشار الإعلام ووضع المعلومات في متناول كل فرد بما يتيح له الاطلاع على ما يجري في العالم وهو في بيته، فأصبحت ثقافات الشعوب مكشوفة ومنتشرة بسبب العولمة الاقتصادية والثقافية والإعلامية بشكل خاص ولهذا أثره في:
1.اطلاع المجتمعات على صيغ العيش المشترك
2. معرفة حقوق الأفراد والمجتمعات اتجاه حكوماتها
3. التقليل من سيطرة الأنظمة على مقدرات الشعوب
4. وعي الشعوب بحقوقها وواجباتها وضغطها باتجاه ممارسة أكبر للحريات ومحاربة القمع والمنع.
5. القدرة على معرفة الحقيقة والواقع دون حجب رغم ما تمارسه بعض الدول من محاولات لحجب الحقائق لتسمتر في غيها وتحكمها في شعوبها.
6. سهولة الحصول على المعلومة والانفتاح على الآخر ومعرفته بعيدا عن التضليل الإعلامي والتزييف.  
 
2.سلبيات العولمة:
"ـ الإخفاق في تحقيق نسب نمو مرتفعة، وتفاقم مشكلة البطالة في العالم فمن المتوقع أن يرتفع معدل البطالة في العالم إلى الضعف خلال السنوات القليلة القادمة. فالمنافسة في الاقتصاد المعولم لا تعرف الرحمة، ولم يعد هناك فرص عمل، وقد أخذ قسم كبير من العمال والموظفين يتحول من عقود عمل نظامية إلى عقود عمل مؤقتة من حيث عدد ساعات العمل أو من حيث مدة العقد. كما أن الأجور في انخفاض مستمر. وخلال الأزمة المالية التي عصفت في المكسيك في عام 1995 فقد 3 ملايين عامل لعملهم وانخفضت القوة الشرائية إلى النصف. وفي ألمانيا أكثر من أربعة ملايين فرصة عمل مهددة بالضياع.
ـ القضاء على الطبقة الوسطى وتحويلها إلى طبقة فقيرة، وهي الطبقة النشطة ثقافياً وسياسياً واجتماعياً في المجتمعات المدنية، وهي التي وقفت في وجه تيارات التطرف وقاومت قوى الاستغلال والاحتكار تاريخياً.
ـ تهديد النظام الديمقراطي في المجتمعات الليبرالية وخضوع معظم الدول النامية لسيطرة المنظمات المالية الدولية وانشغال رجال السلطة فيها بمكافحة البطالة والعنف والجريمة والأوبئة القاتلة.
ـ زيادة الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة في المجالات الاقتصادية والثقافية والتكنولوجيا. ويضم العالم حالياً أكبر نسبة للفقراء من مجمل سكان الأرض هي الأعلى في التاريخ.
ـ إهمال البيئة والتضحية بها. فمن المتوقع أن ترتفع كمية الغازات الملوثة للبيئة بمقدار يتراوح بين 45
ـ 90%. وأصبح ارتفاع مستوى البحار لا مفر منه إذا بقيت كمية غاز ثاني أوكسيد الكربون ترتفع بهذه النسبة. وهذا يهدد المدن الساحلية، إذ أن أربعة أخماس التجمعات السكانية التي يزيد عدد سكانها عن نصف مليون نسمة تقع بالقرب من السواحل.
ـ احتمال تفاقم الحروب الداخلية والإقليمية في دول الجنوب لعدم الاستقرار في النظام العالمي والأنظمة الداخلية في تلك البلدان.
ـ ازدياد نزعات العنف والتطرف، وتنامي الجماعات ذات التوجهات النازية والفاشية في التجمعات الغربية، الموجهة ضد المهاجرين الأجانب وخاصة من الدول الإسلامية والدول الفقيرة.
ـ ارتفاع نسبة الجرائم وجرائم القتل في العالم فقد دل التقرير الذي أصدرته الأمم المتحدة عن الجريمة والعدالة لعام 1999 إلى أن الضغط الاجتماعي والاقتصادي الذي يقاس بالبطالة والتفاوت وعدم الرضا بالدخل ـ عامل رئيسي في ارتفاع معدل الجريمة.
كما أن انتشار أفلام هوليوود وأفلام العنف بما فيها أفلام الكرتون ساعد على انتشار أعمال العنف.
ـ ظهور طبقة فاحشة الثراء تسكن في أحياء خاصة تحت الحراسة المشددة وهي الطبقة التي صعدت على حساب الفقراء والطبقة الوسطى.
ـ هيمنة الثقافة الاستهلاكية وتهميش الثقافات الأخرى ومحاولة طمس الهويات الثقافية للشعوب."
- انهيار الأسرة من خلال محاولة عولمة قوانين وتشريعات دولية بعيدة عن روح الشريعة الإسلامية من خلال تقنين زواج المثليين والتأصيل لفكرة اللواط بطريقة لا تستفز الأذهان بل جعلها مسألة يتعاطف معها الناس تحت مسميات الحرية والحق.
- عولمة مفاهيم الحداثة ولكن وفق مبانيها الفكرية والفلسفية كالحرية والعدالة والمساواة والحقوق وهي مفاهيم لا يمكن ان يرفضها إنسان عاقل , لكن ما تحمله من دلالات في وعائها ومن أهداف هو مربط الفرس وبيت القصيد.
- تمييع القيم من خلال تحويل منظومتنا الفكرية حولها من قيم ثابتة إلى قيم نسبية وهو ما يضرب روح الدين بمقتل.
- العولمة أداة وظاهرة يراد منها الترويج لفكر الحداثة التي هي من آخر صيحات الموضة الفكرية ,فهي إجراء تمهيدي يرمي إلى تحقيق التبعية الفكرية والمركزية الغربية لكل المحدثات ومن ثم التبعية الاقتصادية والمادية.
- تهديد الحدود الوطنية والقوميات وجعلها عالمية دون سيادة,والتأثير في سياسات وكيانات دول قائمة وحضارات وثقافات ممتدة عبر التاريخ وتهدد مصدرية الشريعة الإسلامية في النظر للأمور سواء على مستوى الفرد أو المجتمع أو الكون أو الدولة.
- التأثير على الكيانات السياسية المختلفة بإزالة بعضها ودعم بعضها الآخر وإيجاد أنظمة سياسية لم تكن موجودة سابقا لخدمة الدول الأقوى وذات التأثير.  
فالعولمة ليست ثمرة تفاعل الجهد البشري وتلاقحه بل هي فرض عقل أوحد استطاع ان يهيمن على الطبيعة ويبتكر اكتشافات علمية هامة حولت العلم لديه لإله وتدريجيا تحول العلم لسلاح بيده وأصبح هو الإله الذي يريد أن يكرس من وجوده في كافة الميادين على حساب الموجودات الأخرى ويقوم بإلغائها والهيمنة عليها.
إلا أننا كمسلمين رغم ذلك نستطيع استغلال هذه الفكرة لصالحنا من خلال تحويل فكرة العولمة بما تحمله من قواعد فكرية تنطلق في أهدافها للهيمنة على العالم إلى فكرة أكثر خدمة للإنسانية ووقفا مع الإنسان وليس ضده وهي فكرة "العالمية".
العالمية:
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"

تختصر الدلالة التي يشير لها مصطلح العالمية,والتي هي انفتاح على كل العالم واحتكاك بكل العالم كثقافات وأفكار وقيم وتجارب بشرية مع الاحتفاظ بخصوصية الأمة وفكرها وثقافتها وقيمها ومبادئها على نحو من التدافع والتنافس لا من أجل الهيمنة ولكن من أجل الارتقاء بالإنسان في سيره التكاملي.حيث جعلت الكرامة عند الله ومعيارها التقوى.العالمية تذيب الطبقية وتؤسس للمساواة وفق منظور العدالة,في ظلها لا يوجد قوي وضعيف إلا بمعيار الحق,قوي في الحق وضعيف فيه.
فحددت بذلك إطار أخلاقي قيمي للتدافع في حركة الانفتاح العالمي:
1. العالمية حركة إثراء وليست إقصاء وحركة تبادل وليست إلغاء وفرض وهي تعددية لها أقطاب وليست قطبية مركزية,هي حركة اعتراف بالآخر كاملة تستفيد منه وتفيده دون أن تتنازل عما لديها من ثروة فكرية وهوية ذاتية.
2. حركة العالمية لا تعتدي على كيانات الآخرين بل تسعى للحفاظ عليها وإثراء وجودها والاستفادة منها.
3. تتحكم في العالمية مجموعة القيم الثابتة والمعايير والمبادئ ومنظومة أخلاقية تتناسب وفطرة البشر وتكون قادرة على خلق ضوابط عالمية تعزز من الاستقرار والأمن المجتمعي وتحقق رفاهية الإنسان بمعناها الحقيقي ,رفاهية معنوية ومادية.
4. تعزز العالمية من الاكتفاء الذاتي والاستقلال وتدعم مسيرة التطور لكافة الأقطاب وتوحد الجميع وفق مبدأ واحد هو "ألا يتخذ بعضنا بعضا أربابا",فهي لا تجعل لغير الله سلطة.
5. لتتحقق العالمية يجب أن تتحقق أولا في الذات وتنطلق من الذات إلى الأسرة إلى المدن إلى كل العالم فتعزز بذلك كل نواة … نواة النفس والأسرة والمجتمع ومن ثم  الأمة إلى العالم
"وما أرسلناك إلا رحمة للعاملين"
إذا العالمية لا تعني فرض شريعة الإسلام بل تعني فرض روح الشريعة ومقاصدها التي تدعو للوحدانية وتذوب كل الفروقات والانقسامات في وجهة واحدة هي الله تعالى,هي حركة جوهرية للنفس اتجاه الآخر فحينما تذوب في النفس كل ذات غير ذات الله ينعكس ذلك في تجلي صفات الله في هذه النفس والتي بدورها تتحول لنفس إلهية تتحرك باتجاه الناس انطلاقا من مبدأ الرحمة و الهداية وحيث أن الله تعالى للعالمين تصبح حركة الإنسان في أهدافها حركة عالمية في بسط نفوذ الله لتحقيق قيم العدالة التي هي منطلق نحو تحقيق الكرامة الإنسانية,فإذا تحققت الكرامة على ضوء القيم والمعايير والمبادئ الفطرية الثابتة التي تتبع في تحديدها الحسن والقبح العقليين,بالتالي ترتفع النفوس عن الرذائل وعن كل ما من شأنه أن يحط من كرامة وقيمة هذا الإنسان,وهو ما يحدث تبدلا في المفاهيم نتيجة تبدل المعايير والقيم وإعادة التوازن للعقل البشري.  
الحج وتفعيل عالمية الإسلام:

"وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق"الحج – 27
وفريضة الحج هي من أعظم مصاديق عالمية الرسالة الإسلامية بل من أكثرها خصوبة في تفعيل هذه العالمية,إذ يأتي الناس من كل فج عميق أي من كل البلدان البعيدة والقريبة ومن كل الثقافات والمشارب الفكرية القريبة والبعيدة.
وهنا تختلط الثقافات والحضارات والمسارات في وحدة واحدة لأن الوجهة المكانية واحدة وهي بيت الله وباتجاه رب وإله ومدبر واحد هو الله لتتوحد نية الناس ووجهتهم وقلوبهم نحو وجهة واحدة.
هذا اللقاء يتم به تحقيق التفاعل والتواصل بين كافة الأطراف وتبادل الخبرات في كيفية مواجهة معضلات الأمة وكيفية توحيد الأولويات بحيث يصبح الحج بمثابة دورة تدريبية كبرى تجتمع تحت مظلتها كل الأطياف والمشارب.
الحج يذيب كل الفروقات الاجتماعية والمذهبية والاقتصادية والجهوية فيوحد اللباس والنداء ليذكر الناس بميثاق العبودية لله ويعيد ترتيب أولوياتهم وفق مبدأ التوحيد ويذكرهم بأن الميثاق الوحيد الذي في عنقهم هو لله ولا إله غيره فيعيد حالة الرفض وشعار "اللا" في أبجدياتهم لكل من يحاول أن يمارس دور الإله ويسعى للهيمنة والتسلط والاستبداد.

أثر الحج على التفكير:

يرسم الحج مسارات جديدة في المعرفة الإنسانية فيراكم المعرفة تراكما تنمويا انفتاحيا على علاقاتها مع:
- الله
- الإنسان
- الدين
- الكون
 
فهو من جهة يفتح الآفاق للرزق التي وعد به المعصومين عليهم السلام من خلال رواياتهم حول منافع الحج وكما أشارت الآية الكريمة في سورة الحج"ليشهدوا منافع لهم".
فالرزق هنا له أبعاده المادية والمعنوية فرزق النفس يكون من خلال انفتاحها على الملكوت إذ الحج عروج نحو ملكوت الله الأعلى ليعيد صياغة كثير من المفاهيم والمعارف في عالم العقل والذي بدوره يصوغ تلك المفاهيم وفق معطيات الراهن ليحقق إنجازاته وفتحه العظيم في فهم الدين بشكل أعمق وفهم علاقاته كإنسان مع خالقه ونفسه وأخيه الإنسان وهذا الكون الرحب ويعيد صياغة وظيفته من جديد بعد أن جدد العهد مع الله تعالى وأزال كل الموانع المادية التي كانت تحجبه عن عالم الملكوت,حيث الحج كله سعي لتخليص النفس من كل الشوائب والرواسب التي حصلت له خلال الأعوام الماضية .
هذا الانفتاح يحقق واقعا إذا كان حقيقيا تحولا في مسارات الفعل الإنساني في عالم الوجود اتجاه المجتمع فالتغيير الأنفسي هو نواة التغيير المنزلي والمجتمعي والإنساني,من خلال رحلة أفاق النفس .
خروج الإنسان من نفسه إلى مجتمع صغير ثم هجرته من هذا المجتمع في موسم الحج إلى مجتمع أكبر هو مجتمع الحجيج في وسط يلبي لرب واحد ويتلو قرآن واحد ويتجه بكل هذه الأعداد باتجاه واحد يذيب كل الفوارق الطبقية والثقافية ويرتقي إلى مرتبة وجودية عامة لكل البشر في الحج هي "لبيك اللهم لبيك" هذه المرتبة التي يجب أن تنفي كل الشركاء وتزيل كل الفواصل كي يتوحد الناس بلباس واحد وشعار واحد.
هذه الحالة تنمي عند الإنسان الشعور بالحرية المسئولة اتجاه كل هموم الناس التي شاركته التلبية , وتشعره بضرورة الالتفات إلى مشروع الأمة الواحدة الذي يؤسس لتوحيد صادق يتحقق بتحقق العدالة في كافة المجالات.
الحج يرتقي بمستوى القيم والأخلاق والمبادئ ومن ثم يرتقي بإنسانية الإنسان ليتحول من إنسان المذهب إلى إنسان العالم ليصوغ مشروعه بما يتناسب وعالمية الإسلام .
فالحج لا يقتصر فقط على طقوس عبادية ومجموعة أحكام فقهية لا فلسفة لها ,بل الحج هو الطقوس والشعائر والأحكام الفقهية بفلسفتها وأبعادها الأخلاقية متحدا مع حركة جوهرية للنفس اتجاه كل العوالم الخارجية للتعرف على كيفية سريان التوحيد العملي في كافة الاتجاهات , فالله رفع بعضنا فوق بعض ليتخذ بعضنا من بعض سخرية,حيث تتسخر المعارف والعلوم والثقافات في الحج للتكامل مع الآخرين والاستفادة منهم بل ونقل الهموم المشتركة للأمة والاطلاع على ظروف الآخرين التي إما يتم التعتيم عليها أو أنها مهملة لأنها لا تحقق مصلحة مادية إلا أن نصرتها والاطلاع عليها يعتبر من صميم مشروع نصرة المستضعفين في الأرض.
في الحج تذوب الفروقات المادية من لون وقبيلة وعائلة ومنصب ومرتبة علمية كي تكون النفس مرآة صافية قادرة على استيعاب واستقبال الفيض الإلهي فتطفو على سطع النفس الفطرة السليمة التي تصلح ما أفسده الإنسان بلهوه وغفلته وتنبهه لوظيفته الحقيقية على الأرض.
إذا التواصل مع الجاليات الأخرى والتزاور ومعرفة أهم المستجدات على ساحات الآخرين وتبادل الخبرات وفتح أفق الحوارات والاطلاع على فهم الآخرين من المتخصصين للدين والاستفادة في هذا المضمار يعود بالنفع على مشروع وحدة الأمة وحل الإشكاليات التي يواجهها أفراد وجماعات هذه الأمة.
فالحج المصداق الجوهري للعالمية ولصياغة حركة الإنسان بشكل سليم في داخل المجتمع وإعادة رسم خارطة مفاهيمه العقلية على ضوء الراهن ومستجداته الفكرية والفقهية والثقافية والاقتصادية والسياسية وغيرها.
"إن شعائر الحج هي مذكرات هاجر, وكلمة هجرة مشتقة من اسمها, والمهاجر الأمثل من كانت قدوته (هاجر)أو كما يقول الرسول صلى الله عليه وآله "المهاجر من صار كهاجر"
فهاجر تعني باللغة الأثيوبية المدينة إذا هجرتنا تصبح كهاجر حينما نهاجر من الهمجية إلى الحضارة ومن الكفر إلى الإسلام ومن العبودية لغير الله إلى حق العبودية لله وكل ذلك يجعلنا نعيد صياغة منهجنا وسلوكنا وفق المشروع الإلهي العالمي الخارج عن إطار المذهب والطائفة والمحقق لمشروع الإنسان كخليفة وليس كأصل ورب.
"ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما"

الحج وتشويه الأهداف:

فرق كبير في موسم الحج بين ثقافات الحجيج القادمين من أصقاع مختلفة ومن ثقافات متبيانة وبيئات متغايرة يشتد في بعضها تجليات التمدن والحضارة وتضعف في أخرى ويظهر ذلك من خلال السلوكيات التي يمارسها هؤلاء الحجيج أثناء تأديتهم مناسك الحج.
وتعتبر المملكة العربية السعودية الأولى عالميا في تصدير النفط وهو ما يفترض أن يعزز مكانتها الاقتصادية إضافة للسياحة الدينية التي ترتفع وتيرتها في موسم الحج ويزداد مدخولها الاقتصادي منه.وهذا يجعلك كحاج في حين ذهابك في هذا الموسم الذي يحتضن هذا العدد الهائل من الحجاج أن تجد خدمات تليق بالأمكنة التي يؤدي فيها الحاج مناسكه . خاصة على مستوى النظافة والتنظيم والتعامل كي تعكس ثقافة الحج الحضارية للعالم. لينطبق الشعار في خدمة الحرمين على واقع التطبيق.
إلا أن ما يحدث واقعا لا يجعلك إلا تتساءل : لماذا هذا الكم الهائل من الإهمال والتراخي في نظافة أمكنة مقدسة كهذه رغم تجربة المملكة العريقة في السياحة الدينية ؟ فالأوساخ تملأ هذه الأماكن المقدسة بطريقة لا إنسانية وكأنك في غابة تعمها فوضى من القاذورات مما يعرض سلامة الحاج للخطر، فلا ينقص المملكة المال كي تستنفر كل طاقاتها في الحفاظ على نظافة هذه الأماكن بل وفي تعليم القادم من أماكن فقيرة ونائية على أسس الإسلام الحقيقية في النظافة بل إن كل مناسك الحج فيها دعوات صريحة للنظافة ، فالمظهر الحضاري الوحيد كان وجود قطار بين بعض المشاعر إلا أنه يفتقر لمظاهر التنظيم الحضاري .إن ترك الأمور على حالها في كل موسم حج دون تقديم معالجات حقيقية للحفاظ على صحة الحاج من الأمراض وللحفاظ على منسك الحج من التشويه وللحفاظ على نظافة وطهارة الأمكنة المقدسة هو خيانة حقيقية للحرمين ولرب الحرمين، فما هو تفسير قدم وضحالة الخدمات الصحية في عرفة ومنى ؟وما هو تفسير عدم تأمين طرقات تسع هذا الكم الهائل من وسائل النقل ؟ وما هو تفسير عدم تجهيز المزدلفة للمبيت فيها ومرافق صحية تليق بكرامة الإنسان الحاج ؟ وما هو تفسير عدم وجود حاويات منتشرة في كل مكان في منى وعرفة وعدم وجود جيوش من عمال النظافة لمتابعة التنظيف أول بأول ؟ وما هو تفسير التضييق على الحجاج في الطرقات لأن أمير يريد أن يمر بموكبه ليؤدي منسكه ؟؟ إن استمرار الحال هكذا لا يمكن أن يفسر إلا بخيانة الأمانة وليس بخدمتها ونأمل من المعنيين أن يحاولوا إعادة النظر في تشويه الحج إلى تحويله لمركز يشع بالحضارة والمدنية ليدخل الحاج في دورة تدريبية مسلكية وثقافية تعين المسلمين بالارتقاء بوعيهم على كافة المستويات.
فعالمية الحج لا يمكن أن تحقق أهدافها الحضارية إلا إذا تكاملت كل مقومات الحضارة العالمية من ثقافة ومعرفة وفكر وسلوك تهيمن على كل الإنسان في بعده الحسي والجسدي والمعنوي وتحيطه بما يليق بتحقق إنسانيته التي بها سينتقل لمرحلة أخرى من العالمية بعد انتهاء موسم الحج ليعود هذا الحاج بحمل معرفي جديد يكون هو فيه إعلاما متنقلا في بيئته وبلدته ينقل لهم تجربته وما تلقاه من معارف ومفاهيم وقيم وما شاهده من حضارة مسلكية قيمية في الحج.


المدرسة السلفية والدولة المدنية

22 سبتمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

- مقدمة
 
علّ بعض القراء يتساءلون، ماذا تكتب هذه الكاتبة؟ فالدنيا تضج بالمشكلات والجدليات، وقلمها يكتب في منطقة أخرى.
 
وهو حق لكل قارئ طرح هكذا تساؤلات، وحق لي أن أوضح أمورا أجدها مهمة.
 
لو يرصد الفرد المشكلات التي تحدث على الساحة، خصوصا السياسية، فسيجد أنها تتكرر بين الفينة والأخرى، ولكن بوجوه مختلفة، فهي أعراض لأمراض، فنقوم حين يطرأ العرض بالانفعال الشديد والتداعي القوي لمعالجة الأعراض، وهي معالجة آنية مبنية على سياسة رد الفعل والانفعال.
 
والواقع يفترض أن تكون المعالجات للأمراض وليس للأعراض بجميع أشكالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يتطلب علاجا جذريا متأنيا ترسم له استراتيجيات مرحلية، كي يتعافى المجتمع، وتتعافى الدولة من هذه الأمراض، يتصدى لها متخصصون حقيقيون درسوا كي ينفعوا وطنهم ومجتمعهم بما درسوه، لا أنهم حصلوا على شهادات لينتفعوا هم بها، ويحولوها إلى أدوات تسلطية على عقول الناس، بما يسمى إرهاب العلم، ويستخدموا هذه التخصصات وفق ما تدر عليه مصالحهم حتى لو زوروا الحقائق العلمية فلا ضير عندهم.
 
لذلك، أدعي أنني أحاول في هنا تسليط الضوء على المرض حينما يطرأ عرض على المجتمع متعلق خاصة بكل ما يؤثر على مكونات الدولة. وأهمها المجتمع في الأبعاد السياسية والاجتماعية.
 
- أزمة المعرفة 
 
إننا نهيم على وجوهنا في صحراء المعرفة لا ندرك من أين نستقي معارفنا، ومن أي منبع، وما هي الطريقة، وكيف يمكننا امتلاك عقل علمي موضوعي يتجرد عن كل القبليات والمذهبيات والقبيليات، كي يصل إلى الحقيقة أو يقترب منها، فيستطيع فعلا أن يبني عليها حكما وتصورا، ومن ثم يرتب الأثر عليها، ويرسم خريطة طريق للمعالجة والتصحيح.
 
ما يحدث اليوم هو فوضى إعلامية ومعرفية، سببها يتمركز في فوضى العقل، وادعاء امتلاك الحقيقة من دون برهان، والثقة بالنفس بطريقة أوصلتنا إلى التكبر، وأعمتنا عن البحث والتحري، والتكنولوجيا التي باتت مرتعا للغث والسمين، ووسائل التواصل الاجتماعي التي يكتب فيها الجميع من دون ضوابط ولا اعتبارات ولا تقوى، أو بمعنى أصح فوضى غياب العقل والتبعية العمياء والتقليد الأعمى والتسليم والترميز والتقديس، وسأحاول تسليط الضوء على كل مفهوم على حدة، لتحديد دلالاته وتشخيص خلله، وتقديم معالجات لأمراض حقيقية وليس لمجرد أعراض وأوهام تصنع لنا خيالات، فنصنع على أساسها الوهم، لنصل بعد ذلك إلى انحدار حتى نجد أنفسنا في الدرك الأسفل بين الدول.
 
فصناعة الحضارات لا تبنى على الأوهام، ولا التبعيات والتقليد والتقديس والتهويل والتعصب، إن الحضارة تصنعها العقول الناقدة الموضوعية التي تسعى إلى الحقيقة بتجرد، وبخلاف هوى النفس، أرأيت من اتخذ إلهه هواه، فأضله عن سبيله، والتجرد من أهواء النفس وانفعالاتها والمسبقات والعصبيات والبيئة أمر صعب، لكنه يحقق الكثير لنا ولأوطاننا، ويخرجنا من دائرة من ينعقون مع كل ناعق، ويميلون مع كل ريح إلى دائرة المتعلم على سبيل النجاة، كي نصبح في مصاف الدول التي لها وزنها العلمي، وثقلها السياسي في احترامها للعقول، ولإنسانية الإنسان.
 
هناك فرق واضح بين العلم والمعرفة، فالعلم مجموعة من المعلومات التي لا تؤثر في السلوك ومنهجية التفكير، مجرد معلومات يكدسها العقل، ولكن المعرفة حينما تتحول هذه المعلومات إلى منهجيات تفكير تؤثر في سلوك الإنسان، لذلك نجد أكاديميين كثرا لكن سلوكهم لا يعكس مستوى علمهم، لكننا قد نرى إنسانا متوسط التعليم لكنه عارف يمتلك وعيا منعكسا على سلوكه.
 
إن ما يحرك الكثيرين اليوم هو الغرائز والمصالح الشخصية رغم ما يحملونه من شهادات وخبرات على جميع المستويات، وما يحرك من ورائهم ليتبعوهم هو الجهل والتبعية وعدم الثقة بالنفس والميل نحو الانقياد، بسبب كسلنا في السعي والتحصيل والتنقيب وراء كل معلومة لنكشف من هو الكاذب ومن هو الصادق إنها فوضى، واستمرارها يعني الانهيار، لأن الاستمرار في فوضى السياسة وفوضى المجتمع وضرب أسس النظام والدستور وتمييع القانون، هو انحدار سريع نحو الزوال الذي لا يمكن أن يتمناه مواطن لوطنه، لكنه الجهل الذي يجهله أصحابه، فكثير منا يعتقدون بأنهم مصيبون، ولكن قلة من يحاول تمحيص ما لديه وتعريضه للدليل والبرهان لمعرفة الحقيقة، وإن خالفت هذه الحقيقة رأي الجميع، أو رأي من سبقنا من الآباء والأجداد أو حتى هوانا الشخصي والقبلي والمذهبي.
 
إننا اليوم أمام مأزق معرفي حقيقي سبّب أزمة عقلية أدخلت العقل في سجن التعطيل والتهميش وأطلقت العنان للأهواء والغرائز، وما نحتاجه فعليا هو وقفة مع النفس لتعرف كيف يمكنها الوصول للحقيقة، ومن ثم التحرك على أساسها. وأن نخرج أنفسنا من سجون الذات والقبيلة والمذهب والحزب إلى فضاء الوطن الذي يسع الجميع. إن من عجز أن يستعمرنا بالسلاح استطاع اليوم أن يستعمر عقولنا بالتفرقة واللعب على كل التمايزات التي جعلها الله بين الناس للتعارف والتكامل والتراكم المعرفي الذي يعود بالمنفعة على البشرية ليتحول بيد الإنسان إلى أداة قتل ومعول هدم وتمزيق.
- مصادر المعرفة
 
عل كثيرا من التساؤلات يطرحها الإنسان على نفسه أولها كيف أعرف وما هي مصادر المعرفة التي منها أستقي لأسعى في الوصول إلى الحقيقة في أي موضوع ؟ وماهي المنهجية السليمة في ذلك؟
خاصة وكما أسلفت آنفا أن كثيرا من مشاكلنا هي نتاج صراع فهم بشري لمدارس عدة شكلت أفهاما وأفكارا ورسمت لذلك أهدافا ووضعت آليات لتحقيقها،فالصراع السياسي اليوم واقعا نتاج جدل في العقل الإنساني شكل له رؤاه وأفكاره ومفاهيمه وسلوكه، وكثير منها سبب فوضى نبعت منها كثير من الفتن عبر التاريخ إلى يومنا هذا.
بالطبع هناك مدرستان رئيسيتان في مصادر المعرفة وكل مدرسة تتفرع منها مدارس .
المدرسة الأولى في المعرفة هي المدرسة الإسلامية التي حددت مصادر المعرفة ب:
الحس ، التجربة ، العقل ، الوحي بما يمثله من كتاب الله والسنة النبوية الشريفة الصحيحة سندا ومتنا.
والمدرسة الثانية هي المدرسة الغربية التي حددت مصادر المعرفة بالحس والتجربة.
من المدرسة الأولى تفرعت مدارس عديدة  على أساس علاقة العقل بالوحي ، وفي المدرسة الثانية أيضا كانت الانقسامات حول دور العقل في كل من الحس والتجربة وفي كلا المدرستين ظهرت مدارس تتمايز بين الافراط والتفريط وكان الاعتدال المدرسة الأكثر ضآلة وخفوتا في صراع ابتنى على فعل ورد فعل ترشحت عنه نظريات كثيرة بني على أساسها فكر ومنهج وسياسات واستراتيجيات كان لها وقعا كبيرا في حياة الإنسان سلبا وإيجابا.
 
- أثر نظرية المعرفة 
 
إذا الاطلاع على مصادر المعرفة يحدد لي من أين استقي تلك المعارف ، ويضع لي بعد ذلك منهجيات وآليات الوصول والبحث بطريقة تبني إنسانا بحاثا عن الحقيقة بطريقة منهجية علمية موضوعية إذا ما التزم بشروط المنهجية الموضوعية العلمية المعتدلة وإلا أصبح إما من مدرسة الافراط أو التفريط.
والسعي وراء هذه المعارف يساعد في تأسيس بنية العقل بنية معرفية ومعيارية تنأى بالإنسان عن الغوغائية والفوضى والازدواجية وتساعده في التحول إلى شخص ناقد مراقب وشخص تنموي إيجابي،بعكس ما هو واقع أغلبنا اليوم يحركه الصوت العالي من قبل الرموز ورفع الشعارات المستثيرة لكل أنواع العصبيات ، وازدواجية المعايير. إن بناء عقل معرفي يتجاوز كل هذه المعارك الوهمية إلى معركة الحياة الحقيقية في بناء حضارة وطن حقيقية يتحول فيها المواطن إلى مراقب معرفي موضوعي لكل متصدي في السلطتين التشريعية والتنفيذية وليس مجرد تابع تثيره العصبيات وتعطل عقله بما يمَكّن أصحاب الشعارات الواهية والمشاريع الوهمية من مزيد من السلطة والنفوذ بطريقة ملتوية بعيدة عن سلطة القانون والدستور.
إن كل مصدر من مصادر المعرفة يلعب دورا محوريا في نهضة الإنسان .
ولكن أين يقع الخلل الذي يبعدنا عن طريق العقل العلمي الموضوعي أو النظام ويدخلنا في الفتن والغوغائية والفوضى ؟ ما هو العقل ، وما علاقته بمصادر المعرفة ؟ وما علاقة العقل بكل من التقديس والترميز والتقليد والاتباع والتسليم ، وكيف يمكننا الوصول للعقل العلمي الموضوعي الذي يراقب ويحاسب الجميع لا يتبع ويسلم لأحد إلا وفق أسس وشروط ؟ وما علاقة ذلك في بناء الدولة المدنية؟
 للعقل دوراً محورياً في المعرفة  كمصدر من مصادرها ، لأن العقل يلعب دور الحاكم والقاضي الذي يعقل كل معلومة ويتدبرها ويوجهها وفق مجموعة معطيات منطقية، ووفق مجموعة شروط أهمها تجرده تماما من كل قبلية وكل مستمسكات بيئية وعقدية كي يستطيع الخروج برؤية موضوعية متجردة قدر الإمكان حول موضوع معين.
 
- العقل والوحي 
 
أجد أجدر نقطة لها أهميتها هي علاقة العقل بالوحي لما لذلك من أهمية في العالم الاسلامي تتعلق بتأثير الوحي في حياة الإنسان وتوجيه سلوكه العام.
 
وانقسمت على أساس علاقة العقل بالوحي المدرسة الاسلامية في نظرية المعرفة إلى مدارس كثيرة أدى اختلافها إلى خلاف كبير في النظريات وبالتالي في الفكر والعقديات وبالتالي ايضا في السلوك ومنهجيات الحياة بكل أشكالها.
 
المدرسة النصية التي مالت كثيرا إلى اعتماد النص وتطبيقه كما هو ولم تجعل للعقل دورا كبيرا في قراءته، بل كان دوره فقط في تفسير بعض الألفاظ والتحقق من السند والمتن ثم طبقت النص كما هو والتزمت خط الإفراط.
 
المدرسة العقلية التي اعتمدت العقل بشكل كبير في استقراء النص لدرجة تمييع المتن بطريقة ابتعدت عن مراد الوحي من النص فعقلنت النص بطريقة مُفرطَة.
 
المدرسة الحضارية التي التزمت بالنص كما هو ولكن كان للعقل دور بارز في قراءة النص وفق معطياته الزمانية والمكانية ووفق بيئاته واتخذت في ذلك الكثير من المنهجيات دون تأويل، واستطاعت قدر الإمكان الوصول إلى أقرب مراد من النص وأحدثت تغييرا حقيقيا في قراءة النصوص حافظت من خلالها على عنصري الاسلام: الاصالة والخلود، فأصبح النص ثابتا لكنه ديناميكيا صالحا لكل زمان ومكان، حيث ان التراكم العقلي المعرفي يساعد في استقراء النص واستخراج كنوزه.
 
فالعقل محوري جدا في نظرية المعرفة وفي قراءة النص بطريقة معتدلة تحافظ على ألفاظه ومتنه لكنها تقرأه وفق التراكم المعرفي للعقل ووفق مقتضيات الزمان والمكان ومقاصد الشرع.
 
وكان لكل مدرسة أثر في تشكيل كثير من الرؤى السياسية والاجتماعية والمعرفية التي أثرت في الحياة البشرية، خصوصا المدرسة النصية التي يميل لها السلف من كل المذاهب، حيث لعبت دورا في صناعة عقول شمولية تتعبد بالتسليم والتقديس والتبعية دون إعمال العقل، وكان شعارها اتباع السلف نصا دون تمحيص للعقل، ولا ننكر تطور فكر بعض هذه المدارس في الآونة الأخيرة إلا أن أثرها كان كبيرا في صناعة عقليات تعبدية مطلقا لم تراع تطور وتغير الزمن، والتعبد هنا نقصد به التزام كثير من أقوال السلف وافهامهم للدين لمجرد أن قائلها فلان دون تدخل العقل في النقد والتقييم العلمي، وهناك شخصيات موجودة حاليا في السلطتين التشريعية والتنفيذية من هذه المدرسة تمارس دورها وفق هذه الرؤية البعيدة عن زماننا وواقعنا مما حجّم تفكيرها السياسي على مشكلات هامشية وترك المشكلات الكبرى المتعلقة بالعدالة والتنمية واستكمال مشروع الدولة المدنية.
 
ولكن كيف لعبت المدرسة النصية دورا محوريا في بنية العقل المعرفي وما علاقة هذه البنية بواقعنا السياسي؟
 
 
- المدرسة النصية السلفية
 
كان من مخرجات المدرسة النصية السلفية عقول هيمنت على أفكارها ثلاثية كان لها أثر كبير في صناعة الرموز والأنظمة المستبدة.
 
هذه الثلاثية هي: التعبد والتسليم والتقديس، وطبعا العقل ضمن هذه الثلاثية لا يمكنه أن يجسر العلاقة بينه وبين الحس والتجربة المصادر الأخرى للمعرفة إلا في إطار هذه الثلاثية التي يلعب الوحي فيها أداة مهمة في يد المتنفذ سواء كان فردا أو نظاما أو حزبا.
 
فيخضع الحس والتجربة بشكل كامل لحكم الوحي من دون إعمال العقل إذ لا ضير في كون الوحي مرجعية ثابتة، ولكنه كذلك بشرط وجود العقل معه كشريك في هذه المرجعية شراكة مناصفة لا تفاضل فيها.
 
لكن المدرسة النصية السلفية تخضع كل شيء لمرجعية الوحي من دون إعمال العقل، وهو ما ينعكس على رؤيتها للكون ودور الإنسان ونظرتها للطبيعة، ومنها بنيتها الفكرية السياسية وخاصة المتعلقة ببناء الدولة المدنية، ومساحة تداخل الديني بالمدني وهيمنته عليه بعقلية المدرسة النصية السلفية التي لا تجد للعقل دورا في تشكيل رؤى حول المجتمع والإنسان والدولة.
 
فمنهجها هو التعبد بالسلف تعبدا كاملا لافهام هذا السلف للدين، بطريقة تعطيلية للعقل، حيث لا يمكنه إخضاع فهم السلف لسياقات النقد البناء وفق حيثيات الزمان والمكان، هذا التعبد اللاعقلي ينتج بشكل تلقائي تسليما مطلقا لكل تراث من دون تمحيص، ومن ثم اتباعا يتمظهر هذا الاتباع في بنية العقل المعرفي وفق تشكيل رؤاه الفكرية السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، وتتحول تدريجيا هذه الرؤى وأصحابها لمقدسات يحرم المساس بها، وهنا نصل لمرحلة التعطيل الكامل للعقل.
 
تكمن المشكلة في أن هذه الرموز تبدأ تستخدم أداة الوحي بعقلية المدرسة النصية السلفية في إثارة الجماهير عاطفيا، وتحشيدها بدواعي المساس بالمقدسات وبطبيعة الحال الجماهير متصلة اتصالا نفسيا وفطريا بالمقدس، وبذلك يسهل تحشيدها خاصة في أجواء يهيمن عليها الفكر النصي السلفي الذي يغيب فيه دور العقل وتستحضر فيه العواطف.
 
وعل أهم مصداق لذلك هو ما يحدث من قبل بعض التيارات السياسية أو الاسلامية بين الحين والآخر، ومن مختلف المذاهب في تحشيد جماهيرها حول قضية سياسية أو دينية بطريقة بعيدة كل البعد عن لغة العقل البرهاني، وعن لغة الدولة المدنية التي تؤخذ فيها الحقوق وتعالج فيها القضايا وفق القانون والدليل ونظام المؤسسات.
 
- العقل السلفي والدولة 
 
إن العقل النصي السلفي في رؤيته للدولة المدنية لا ينظر للعصر ومكوناته وحاجياته بل ينظر للدولة على أنها تقوم على النص الوحياني كما هو حتى لو لم يتناسب وزماننا ومكاننا، لأن العقل معطل بالثلاثية السابقة بالتالي لا يمكنه وفق ذلك إعادة قراءة النص وفق الزمان والمكان. بل هم ينظرون للدولة على أنها دينية بامتياز، ولا مدخلية للعقل في صياغة رؤى فكرية سياسية حول الحكومة والدولة المدنية.
 
وعل ما يحصل في دول دينية في المنطقة خير دليل، ومن يحاول اليوم من نواب المدرسة النصية السلفية في السلطة التشريعية في الكويت مثلا من تحويلها المن دولة ديموقراطية إلى دولة دينية، تشبه هذه الدول الدينية، لهو خير دليل على مخرجات هذه المدرسة في الفكر السياسي وأثرها على واقعنا السياسي اليوم، وفلتات ألسنة كثيرين منهم توضح تعطيلية العقل بناء على النص الوحياني الذي لا يرى أي قيمة وفق وجهة نظرهم للوطن والمواطنة وما يبتنى عليه من قيام دولة مدنية.
 
لا بد لي  أن أشير إلى أن العقل السلفي لا يرمز لطائفة أو مذهب بعينه، بل هو منهج وطريقة تفكير في التعاطي مع الوحي، كون الوحي والعقل من مصادر المعرفة البشرية وفق نظرية المعرفة الاسلامية.
 
وهذه المنهجية توظف العقل في مساحات ضيقة في النص، تكون وظيفته التأكد من المتن والسند وتحديد دلالات الالفاظ واستعمالاتها وانصرافات الذهن إليها، وغير ذلك لا يكون للعقل أي دور سوى التعبد بالنص، كما هو أو التعبد بقول السلف من العلماء وفهمهم له من دون التركيز على البعدين الزماني والمكاني، أو إعادة نقد الموروث طالما هو أفهام بشرية للنص.
 
وسبب تسليطنا الضوء على هذه المدرسة هو ما تمر به المنطقة، أو الكويت من تموجات وفتن تعود أسبابها الرئيسية لتصدي مصداق لهذه المدرسة للشأن السياسي، وخوضها للفعل السياسي، وما تمخض عنه من إشكاليات وتصادمات بين منهجيتها السلفية والدولة المدنية، مع تحفظنا على كون الكويت مصداقا حقيقيا للدولة المدنية وفق التعريف لها.
 
ومعرفة ذلك يفيد في تشخيص الخلل الحقيقي، ووضع معالجات جذرية لكيفية التعاطي مع هذه العقلية، ومواجهتها بطريقة تستخدم أدوات العصر، وتعيد للعقل موقعيته الحقيقية في كيفية كسب المعارف والحقائق.
 
الدولة المدنية مصطلح له منشأ كانت له ظروفه، ولضيق المساحة نحيل القارئ للبحث عن مناشئ هذا المصطلح الفلسفية والفكرية وكيفية صيرورته التاريخية.
 
وباختصار تتكون الدولة المدنية من سلطة تنفيذية وسلطة تشريعية وأخرى قضائية، وتقوم على نظام مؤسساتي تديره قوانين تم وضعها بناء على دستور الدولة التي يكون فيها الشعب مصدر السلطات. أهم مبادئها هي العدالة والمساواة والمواطنة التي تقوم على الحقوق والواجبات وفاعلية مؤسسات المجتمع المدني التي تمثل شريكا للدولة في عملية التنمية.
 
وهي توفر العيش بكرامة للإنسان بطريقة تفجر طاقاته وإبداعاته بما ينعكس إيجابا على تطور الدولة وتقدمها، إذن هي الديموقراطية ومقوماتها باختصار.
 
وحيث إن العقل السلفي وفق مبانيه لا يؤمن بأي نظرية سياسية للدولة خارجة عن إطار النص ولا مدخلية للعقل البشري فيها، بالتالي تكون نظرته إلى الديموقراطية نظرة سلبية، بل تطورت قليلا لتتحول لأداة يتم من خلالها تقويض هذه النظرية، وإعادة بناء مفهوم العقل السلفي للدولة وفق النصوص الدينية، أي كما مارسها الخلفاء الراشدون نصا وفعلا وتقريرا من دون أدنى تغيير أو إعمال للعقل في اختلاف الزمان والمكان.
 
بالتالي هو ينظر إلى الدستور والقانون على أنه وضع بشري يجب أسلمته، ولكن وفق فهمهم للأسلمة الذي يلغي كل دور للعقل، ويعيد قيام دولة راشدة على النسق الخلافي.
 
وكشاهد على علاقة هذه المدرسة بالدولة المدنية ما حدث أخيرا من قبل أحد النواب، حيث لم يقف لتحية العلم، بناء على نص فتوى أحد العلماء البارزين في تحريم ذلك، وآخر يصف العلم بخرقة أيضا، بناء على عقلية النص والفتوى في التعاطي مع مفهوم الدولة بالعصر الحديث.
 
و لا بد من التنويه بأن الدولة المدنية مسألة جدلية وللاسلام نظرته الخاصة بالدولة ومدنيتها، ومناشئ هذه المصطلحات وبيئتها موضوع خارج عن بحثنا. العقل الجماهيري في المدرسة النصية السلفية تهيمن عليه ثلاثية: التعبد والتسليم والتقديس. بالتالي هذه المدرسة قادرة على تحشيد الجمهور وكسبه لصفوفها بطريقة شعاراتية بعيدة عن العقل والدليل، وتميل بكلها لاستثارة العواطف، وما حصل في رد قانون المسيء للذات الالهية الأخير من تهديد بالنزول الى الشارع ورفع شعارات نصرة لله وللدين وللرسول وغيرها من الشعارات العاطفية التي تدغدغ البعد المقدس لدى الجماهير لدليل على عدم احترام الدستور والقانون وعدم اللجوء إلى الأدوات الدستورية في اعادته مجددا للسلطة التشريعية.
 
وهو خروج صارخ على مقومات الدولة المدنية، ولجوء إلى الناس في الشارع كي يمرروا ما يريدون من رؤيتهم المبنية على العقل النصي السلفية.
 
- وظيفة الشعب 
 
الا أن اليوم يجب على الشعب الوقوف أمام هذا الهدم الممنهج لمنجزات الديموقراطية الكويتية وتقويض الدستور وازدواجية المعايير في تطبيق القانون.
 
ما يحدث اليوم من تعدي بعض نواب الأمة على الدستور والقانون واسقاط هيبة الدولة وضعف السلطة التنفيذية في القيام بواجباتها وتنفيذ خطتها وتقديم برنامجها، يتطلب وعياً جماهيرياً خاصاً يبتعد عن ثقافة الهيجان العاطفي والصوت العالي، ويميل إلى العقل في معالجة المشكلات المتعلقة بالفساد من خلال بناء أولويات صحيحة في المعالجة والاعتماد في ما يقدم من قبل النواب على مرجعية الدستور والقانون وتقديم أدلة قطعية على أي تهمة أو فساد وعدم الرضوخ لمرجعية القبيلة والمذهب أو رمزية الشخص التي تحوله إلى مقدس لا ينطق عن الهوى. وطالما الدستور يقر بفصل السلطات فلا بد ألا يتدخل النواب وأعضاء الحكومة في عمل القضاء ويجب أن يرضخ الجميع لحكم القضاء اذا اتكأ على أسس قانونية، أي الخروج من هيمنة منطق التسليم والتعبد والتقديس، الى منطق الدليل والبرهان والدستور والقانون.
 
فمهما كانت رمزية الشخص فهو يجب ألا يعلو في ذهنية الشعب على المحاسبة والمراقبة ولا يعلو على الدستور والقانون.
 
فمحاربة الفساد لا تكون بفساد آخر، ومواجهة المفسد لا تكون بمفسد آخر، بل الفساد يحارب بالقانون والدستور، والمفسد يحارب بإثبات فساده قانونياً وتطبيق القانون عليه مهما كانت موقعيته. لأن في الدستور الناس سواسية أمام القانون. ولا توجد شخصية في السلطات الثلاث مقدسة ومنزهة عن الخطأ.
 
فهيمنة العقل النصي السلفي أو القبيلة أو المذهب يجب أن تتلاشى من ذهنية الجماهير أمام هيمنة القانون والدستور الذي جعل أحد مصادر تشريعه الإسلام.
 
ولم يرض بتشريعات تخالف العرف العام وتخل بشخصية المجتمع وآدابه وعاداته وتقاليده.
 
اذا هي مرجعية آمنة الى حد كبير على عمقنا الديني والعرفي، بما لا يجعل مجالاً لإرجاف المرجفين في تقويض بنية الدستور والقانون بحجة الأسلمة من خلال الالتفاف عليهما والنزول إلى الشارع حينما يتم تطبيقهما وفق الأصول، لأن ذلك لم يأت على هوى بعض النواب، خصوصاً أصحاب منهج العقل النصي السلفي، فالشعب كما هو مصدر السلطات اليوم، ومصدريته تتم من خلال فهمه للدستور والقانون وجعلهما مرجعيته في فهمه للدولة، فهو أيضاً مصدر مواجهة فساد هذه السلطات في حال خرجت عن هذه المرجعية.
 
 

المقدس والعقل والدولة

24 أبريل 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تختلف مستويات التفكير باختلاف منسوب سقف الحريات في فضاء الفكرة وسقف النقد والتصويب في الذهنية العامة والثقافة الاجتماعية، وهذا الاختلاف ينعكس حتماً على الفهم والممارسة.

فكلما ارتفع سقف الحرية الفكرية ومنسوب النقد والحوار ارتقى وعي الناس، وانعكس ذلك إيجابياً على الفهم والممارسة لها واقعياً على كل المستويات، خصوصاً السياسية والاجتماعية.

وما يحدث من ممارسات تتمايز في تشددها نسبيا منذ وصول التيارات الإسلامية ، حيث راوحت الآراء بين ثقافة المنع والقبول، وغالبا كان منشأ القبول لكثير من الحريات والقبول بالتعدديات لا ينطلق من ثقافة مترسخة تقودها القناعة، بل غالباً كان منشأه ثقافة المصلحة السياسية والاجتماعية، فالقناعة بأصل فكرة حرية الرأي والتعبير تكون ثابتة مهما تغيرت العناوين والمصاديق. أما ثقافة المصلحة، فمتغيرة بتغير الواقع ومواطن القوى، ومرتبطة أيضاً بمحاكاة الظروف الميدانية.

ما يحدث اليوم بعد وصول التيارات الإسلامية من ممارسات يطرح تساؤلاً كبيراً حول علاقة المتشددين دينياً بالدولة، وأصل فهمهم للممارسة السياسية، وللدولة المدنية الحديثة، وعلاقة كل ذلك بالمقدس؟

وكي نخرج برؤية حول القسم الأول من التساؤل، علينا فعلياً تناول القسم الثاني منه، وهو علاقة المتدين بالمقدس، وأثر هذه العلاقة في واقعه، خصوصاً السياسي والاجتماعي.

وسنؤسس لذلك عبر نقطة انطلاق تطرح مجموعة تساؤلات هي: ما حقيقة المقدس؟ وما علاقة الإنسان به؟ وما دور المقدس في حياة الإنسان الاجتماعية والسياسية؟ وما دور المقدس في فهم الإنسان للنص الديني، ومن ثم فهمه لواقع الحياة؟

وكيف نستطيع من هذه التساؤلات فهم علاقة المتشددين بالدولة، وانعكاس ذلك على سلوكهم الاجتماعي والسياسي؟

فما يحدث من أحداث سياسية واجتماعية هو نتيجة وليست صدفة، منطلقات هذه النتائج قاعدة فكرية يتحصن بها المتشددون نتيجة فهمهم للدين، وقراءتهم للنص الديني، وعلاقتهم بالمقدس في واقع الحياة، فأي معالجة لهذا الواقع السياسي القائم لا تتم إلا عبر مناقشة هذه القضايا الجذرية في عمق الفكر وتفكيكها، ومن ثم تشخيص الإشكالات ووضع الحلول المناسبة لها للنهوض بوعي الناس وتوسيع مداركهم واستنطاق دفائن العقول، لأن السلاح الأكثر فاعلية في تقدم أي مجتمع مرتبط بمدى وعيه وإدراكه الفكري والمعرفي وقدرته على تشخيص الخلل من الممارسات الاجتماعية، وكل ما يتعلق بالإنسان، ومن ثم معالجة هذه الإشكالات بأدوات معرفية وواقعية تقدم حلولاً تخدم المجتمع وتنهض بالإنسان كفرد وعضو فاعل في هذا المجتمع.

فالتشدد هو توصيف لفهم إنساني للظاهرة الدينية ينتج عنه سلوك يؤثر في المجتمع والدولة.

والفهم ومخرجات العقل حول الدين هما المحرك الأول للانسان بشكل عام، ويلعب المقدس دورا مهما في هذا السلوك، إذ أنه كما يقول هوبرت "الفكرة الأم في الدين"، "ويظهر المقدس كمقولة حساسة يستند اليها الموقف الديني، حيث تمنحه طابعه المخصوص، وتفرض على المؤمن شعورا خاصا بالاحترام يعطي لإيمانه مناعة ضد روح التمحيص والفحص، ويجعله في منأى عن النقاش، ويجعله خارج العقل وفيما وراءه" كما يقول روجيه كايوا.

والاسلام – كما يصنفه مصطفى ملكيان في كتابه العقلانية والمعنوية- "تارة عبارة عن النصوص الدينية والمذهبية المقدسة للمسلمين، أي مجموع القرآن والأحاديث الصحيحة، وتارة هو مجموعة الشروح والتفاسير والتبيينات والدفاعات الخاصة بالقرآن والأحاديث الصحيحة، أي هو نتاجات المتكلمين وعلماء الأخلاق والفقهاء والفلاسفة والعرفاء وغيرهم من علماء الثقافة الاسلامية، وأحيانا يعرف الاسلام بوصفه جملة الممارسات التي صدرت عن المسلمين طوال التاريخ، علاوة على الآثار والنتائج المترتبة على هذه الأفعال".

وتصنيف كهذا يجعلنا نميز منطقة المقدس ومساحات الدنيوي والبشري بما يمكنه فصل المقدس الحقيقي عن مقدسات فرضتها أفهام وسلوك البشر، وهذا الفصل له من الأهمية الكثير، حيث يمكن أن يعيد صياغة العقل الناقد للانسان بما ينعكس على سلوكه المؤثر في المجتمع والدولة.

وتأتي علاقة الانسان بالمقدس من خلال فهم الانسان للدين وضرورة وجود منطقة في النفس الانسانية تمده دوما بالاطمئنان والمعنوية وهي منطقة المقدس أو ما أطلق عليه الشهيد محمد باقر الصدر فيكتابه مجتمعنا " المثل الأعلى".

فما يتشكل من أفكار وفهم للدين في عقل الانسان يتحول الى أشكال من التفاعل الانساني مع مقدساته بسلوكيات تتخذ إجراءات عديدة لحماية المقدس والتضحية لأجله، للحصول بعد ذلك على كل صنوف العون والنجاح من المقدس كما يتوقعه الانسان المؤمن، فيتحول المقدس إلى منبع كل فاعلية إنسانية تتحرك لحماية هذا المقدس والدفاع عنه، ويكون المجتمع وساحات التفاعل الانساني هما منطقة اشتغال المؤمن في علاقته مع المقدس.

فالمقدس هو صفة تضفيها جهة قادرة علوية محيطة فوق بشرية على كل ما يترشح عنها عن طريق الوحي بما يمثل شريعة لدين إلهي لا مدخلية بشرية فيه ، بحيث يصبح تطبيقه والدفاع عنه لدرجة بذل النفس لأجله ضرورة انسانية دنيوية قبل آخروية هدفها صيانة الانسان وحفظ كرامته.

وكل ما هو خارج هذه الصبغة القدسية الالهية للدين الحقيقي بشريعته الصحيحة هو مقدسات بشرية أضفى عليها الانسان صبغة قدسية تحولت مع التراكم الزمني الى مقدسات فاعلة مع أنها – واقعا – وهمية وليست حقيقية، لكنها أثرت بشكل كبير في حياة الانسان في الدنيا وهي نتاج فهم بشري لا غير. وهو ما يتطلب تمحيصا وفحصا لفصل المقدس الالهي عن البشري لما لذلك من أثر كبير في حياة الانسان وكرامته، إلا أن المعني بهذا التمحيص والفحص هم أهل التخصص وأهل التحقيق، وآليات ذلك تعتمد على المرحلية وعدم الصدام ووفق قاعدة درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، وهو ما يعني النظر في كيفية التفكيك بين الانسان والمقدس غير الالهي لحساسية الرابطة بين الطرفين.

ولكن كيف ينعكس فهم الانسان للمقدس على واقعه الاجتماعي والسياسي؟

 علاقة الإنسان وخصوصا المتشددين دينيا بالمقدس نستطيع أن نخلص منها إلى تصور حول المنشأ الفكري الذي يتحرك منه هؤلاء، وكيف يتفاعلون مع واقعهم من خلاله، وكيف يمكن معالجة ذلك للتخفيف من شدة الصراعات التي تتمظهر بمجموعة من الممارسات السياسية والاجتماعية، وتنعكس سلبا على حالة الاستقرار الاجتماعي والأمن الوطني.

وكما ذكرنا أنفا أن الإسلام ينقسم – حسب ملكيان – إلى ثلاثة أقسام ووفقا لهذه الأقسام نستطيع أيضا توضيح مساحات العلاقة بين المقدس والعقل وكيف يمكن أن نعقلن فهمنا للمقدسات.

فالاسلام الأول، أي الذي هو عبارة عن النصوص الدينية والمذهبية المقدسة للمسلمين، أي مجموع القرآن والأحاديث الصحيحة، وحيث أن المسلمين منقسمون إلى مذاهب يعود فيها كل مذهب إلى القرآن ومجموعة ما توصل إليه من أحاديث صحيحة، فتكون العلاقة هنا مباشرة مع النص بما هو نص بغض النظر عن فهمه، وتعتبر هذه النصوص بذاتها مقدسة لأن منشأها هو الله وبالتالي تصبح نصوصا مقدسة بذاتها، والقرآن كتاب مقدس مجمع عليه ككلام ومحتوى لدى المسلمين، إلا أن الخلاف يأتي في منطقة النصوص الدينية والمذهبية للمسلمين من حيث توثيق السند وهو ما يختص به علم الرجال، أو توثيق المتن والذي تكون مرجعيته في التوثيق القرآن الكريم.

فما قد يعد عند بعض المذاهب معتبرا وصحيحا قد لا يعد عند الآخرين معتبرا وصحيحا، وهنا يختلف بذلك مستوى قدسية النص، فما يعد مقدسا لدى مذهب قد لا يعد مقدسا لدى آخر، هذا الاختلاف في مستوى المقدس ينشأ عنه اختلاف في منشأ الفكر والعقيدة وبالتالي اختلاف في التفاعل مع المقدس في ساحات الفعل الاجتماعي والسياسي.

في هذه المنطقة يأتي دور العقل في عقلنة هذه المقدسات من ناحية الدليل أو البرهان العلمي الذي يعتبر حجة في إثبات حقيقة السند والمتن، وبالتالي يوثق القدسية أو يضعفها، ومن ناحية أخرى يرشد العقل في ساحة التفاعل الانساني معه، فما يثبت بالدليل أو البرهان كنص فهو مقدس، ولكن تأتي مرحلة ما بعد الاثبات وهو الثبوت أي الفعل والواقع في كيفية التعاطي مع مقدسات الآخرين وما هي الأولوية في كل مقام، ففي مرحلة تكون الأولوية وفق تشخيص العقل وظروف الزمان والمكان للإنسان على حساب المقدس، وفي مرحلة تكون للمقدس على حساب الإنسان، هذه التشخيصات يفترض أن تحقق مسألة الأمان الاجتماعي والسياسي وتقضي على كل فوضى وفتنة غالبا ما تستخدم فيها المقدسات غير المتفق عليها في ضرب إسفين الخلاف في المجتمعات الإنسانية، فمثلا نلحظ أن أي إثارات هي إثارات في المقدس وغالبا في المقدسات المختلف عليها، أي هي مقدسات نسبية وليست ثابتة، فعلى سبيل المثال الكعبة «مقدس» لدى كل المسلمين فلا نلحظ أي إثارة حولها لأنها «مقدس» مجمع عليه، ولكن المراقد المطهرة لأئمة أهل البيت عليهم السلام هي مقدسات نسبية غير مجمع عليها، فإذا ما أراد الآخرون إشغال الأمة عما هو أهم قاموا بضرب تلك المراقد، كما حدث حينما فجرت المراقد في سامراء، وكان موقف المرجعيات الدينية السنية والشيعية في ذلك الوقت حازما ولكنها مارست أعلى حالة من الضبط وخففت من حالات رد الفعل على ما حدث، في توظيف للعقل في مصلحة الإنسان على حساب المقدس باعتبار أن انفلات الأمور سيؤدي بلا ريب لاشتعال نيران الفتنة.

أو كما حدث في فتنة النيل من زوجة النبي عائشة وقامت بعض المراجع الدينية باصدار فتوى تحرم المس بالسيدة عائشة كما فعل السيد علي الخامنئي.

إذا هنا يوظف العقل في ضبط القداسة والتفاعل الإنساني معها كي تحقق حالة الاستقرار والأمن الاجتماعي وتقي الأمة مما هو أعظم.

عادة ما يقع الخلط في موضوع المقدس بين النص وفهم النص وبين النظرية والممارسة، والذي أثارته كعاصفة تساؤلات تجربة الغرب مع الكنيسة، وأثر هذه التجربة في واقع الإنسان ومن ثم المجتمع.

 فبينما في الإسلام نجد أن لا قدسية إلا لما قدسه الله تعالى، إلا أن الناس في عمق لاوعيها تمارس دور الله في إضفاء القدسية على الأمور.

فالقداسة تارة تكون لمخرجات الوحي الإلهي ذاتية، وتارة تكون لأشخاص بعينهم قدسهم الله لأنهم وسائطه للناس، فقدسيتهم مكتسبة وعرضة للزوال كما صرح القرآن بذلك في حال لم يلتزموا ما أمرهم الله به، فهو قادر على استبدالهم.

فالنص الوحياني القرآني والروائي الموثق سندا ومتنا، هو مقدس بذاته لأنه قول الله، ولا يمكن أن تزول قدسيته، وأما الأشخاص كالأنبياء والأوصياء والأولياء فقدسيتهم مكتسبة وعرضة للزوال في حال نقضت شروط القدسية التي أملاها الله عليهم، فقدسيتهم مرتبطة بالتزامهم بالنهج الإلهي والوحي.

وقصة بلعم بن باعورة التي ذكرها القرآن خير دليل على قاعدة الاستبدال وزوال القدسية بنقض شروطها.

والإسلام بما هو مجموعة الشروح والتفاسير والتبيينات والدفاعات الخاصة بالقرآن والأحاديث الصحيحة، أي نتاجات المتكلمين وعلماء الأخلاق والفقهاء والفلاسفة والعرفاء وغيرهم من علماء الثقافة الإسلامية هو فهم بشري لأشخاص امتلكوا مواصفات العلم والورع والتقوى، إلا أن صفة القداسة ألحقت بهم من قبل الناس لأسباب أهمها: -سطوة سلطة العلم وإرهابها على المحيط لعبقرية وإبداع هؤلاء.

 

- التزام هؤلاء بأسس التقوى والورع والتزامهم نهج الأنبياء والأولياء.

 واجتماع هذين السببين كان جديرا في إضفاء صفة القدسية عليهم.

ومع التراكم التاريخي أصبحوا رموزا دينية أو مذهبية مقدسة لا تمس أقوالهم ولا أفهامهم للدين، ولا تنقد شخصياتهم، وكأنهم معصومون من قبل الله، رغم أنهم ليسوا أنبياء ولا أوصياء.

وهنا يقع الخلط لدى الكثيرين، ومنهم علماء ونخب، في عدم المس بأقوال وفهم هذه الرموز، ويأتي هنا دور العقل في التمحيص والتمييز، إذ أنه لا قداسة لفهم هؤلاء للدين، بل أفكارهم وأقوالهم هي عرضة للنقد والتقييم والتصويب وفق مبادئ علمية تعتمد الدليل والبرهان والموضوعية في عملية النقد وإعادة النظر، خاصة مع تبدل الزمان والمكان. وحتى أشخاصهم تقيّم من خلال مدى الالتزام بالنهج الرباني، فلا قدسية إلا ضمن هذه المعايير.

ومن هنا تنطلق معضلة التشدد والتمسّك بالسلف بطريقة غير موضوعية تقصي العقل وتهمل نظرية الزمان والمكان في قراءة هؤلاء، وتحوّلهم إلى مقدسات كأشخاص وكأفهام، مما يدفع بأتباعهم المرتبطين فكريا وعقديا بهم إلى الالتزام نصا بكل ما ورد عنهم نظرية وتطبيقا، رغم المسافة الزمنية الفاصلة بيننا وبينهم، ورغم التطورات الكبيرة التي طرأت على العقل البشري وقراءته للنصوص.

ومع وجود جماعات دينية تلتزم بشكل نصي بما توصل له السلف من أفهام بشرية للنصوص الدينية، تتمايز بتمايزها المقدسات، فينعكس ذلك على تنوع ألوان طيف المجتمع، وتنوع الممارسات الناشئة عن هذا الالتزام.

تكمن عادة المشكلة في كيفية التوليف بين هذا الالتزام بالمقدس، والعلاقة بالدولة التي تحكمها أطر قانونية ودستورية، والعلاقة بالمجتمع المتنوع في مشاربه ومقدساته.

بالطبع من أهم مقاصد الشرائع والأديان السماوية كافة هو العدالة وحفظ الكرامات، وفرع العدالة أي المساواة وحفظ الحقوق الإنسانية، بما يحقق العدالة والكرامة، وحماية الحريات بما يحفظ كيانية المجتمع واستقراره.

ومادمنا نعيش في مجتمعات تتمايز فيها المشارب الدينية والمذهبية، فإن هذا التمايز يوجد تمايزا في المقدسات والرموز المقدسة، بما ينعكس على استقرار المجتمع وأمنه، ولقد عالج القرآن الكريم هذا من خلال النهي عن سب آلهة الآخرين، حتى لا يعتدوا على آلهتنا، ولعل الإله هنا أعلى جهة مقدسة للإنسان، وتم النهي القرآني عن التعدي عليه، فإن ما دونها أيضا أولى بالاحترام وعدم التعدي، وهي مسألة عامة ومنطبقة على الجميع تجاه الجميع.

وفي نظام الدولة التي تؤمن بالتعددية الدينية والسياسية والتعدديات كافة، فإن الضابطة لا تكون بحكم الأغلبية على الأقلية، بحيث يجيز لها استباحة مقدسات الأقليات أو تشريع قوانين تنافي مقاصد الشرع والنهي القرآني، بل الضابطة هي ما ذكرناه سابقا كنص قرآني ناه عن التعدي بحق الجميع.

فبالنسبة إلى العلاقات داخل المجتمع ما يحكمها هو أسس التعايش، كما ذكر القرآن وكقاعدة قيمية تتناسب وجميع أذواق البشر وفطرتهم، وتقرها العقول وهي: «وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، فالتعايش والتعارف وقبول الآخر في داخل المجتمع هو ما يجب أن يكون الحاكم والضابط للتمايز والتنوع، ولا يجيز لفئة فرض مقدساتها على فئة أخرى استمزاجا، بل الاحتكام يكون للقانون الذي تسنه الدولة في هذا الاتجاه.

أما على مستوى العلاقة بالدولة، فيكون من خلال سن الدولة لقوانين تضبط قضية التميز والتنوع بما يحقق العدالة والمساواة، ويحفظ الكرامات ويحقق الحريات العامة.

وفي التشريع لأي قوانين جزائية للحفاظ على المقدسات من قبل السلطات التي تدير الدولة، فإن هذا التشريع عليه أن يراعي كل الشرائط والأسس والضوابط التي تحقق العدالة، ولا تنطلق من استمزاجات ورغبات شخصية أو من مقدسات جهة على حساب جهة أخرى، وحتى في حال شرعت قوانين تمنع التعدي على رموز ومقدسات أطياف المجتمع، فإن القوانين لابد أن تراعي كل الضوابط التي تحقق العدل والعدالة ولا توقع الظلم.

فالقانون كي يكون قابلا للتنفيذ لابد أن يستشعر فيه قابلية التنفيذ في داخل المجتمع، وهو ما يأخذ بالحسبان تحقيقه للعدالة، وعدم سلبه للحريات، وعدم تعديه على الكرامات أو تسببه في الظلم والانتهاك.

فعلى مستوى التعايش في داخل المجتمع تسن قوانين ضابطة ومحققة لهذا التعايش ضمن أطر العدالة وحفظ الكرامات، وعلى مستوى الدولة وعلاقتها بأطياف المجتمع كافة، فإن السلطات معنية بسن قوانين رادعة للتعدي الذي يضر باستقرار الدولة والمجتمع ويخل بأمنه، ولكنه رادع يحقق العدالة ويحفظ الكرامات.

ولذلك ما يضبط حركة الجماعات المتشددة دينيا الملتزمة نصا بأفهام بشرية للأديان هو القوانين التي تنظم علاقتها بالمجتمع من جهة، وبالدولة من جهة أخرى، بحيث لا تفرض هذه الجماعة من خلال علاقتها بالمقدس رؤاها وأفكارها على باقي أطياف المجتمع بطريقة غير عادلة أو سالبة للكرامة، أو مضيقة للحريات تحت ذريعة تطبيق ما يؤمن به في مقدساته المستوحاة من أفهام بشرية عرضة للتمحيص والنقد.

إلا أن الإشكالية تقع في مدى إيمان هذه الجماعات المتشددة بالدولة المدنية وبالديموقراطية كنظام حكم ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، وهو سؤال له علاقة أيضا في مدى ارتباط هذه الجماعات بالمقدس وخاصة فيما يتعلق بالتأسي بسلوك الرموز الدينية المقدسة لديهم عبر التاريخ في قيادة الدولة والمجتمع، وهو ما يتطلب بحثا آخرا يتعلق في كيفية استقراء التاريخ وغائية الحراك التاريخي لهذه الرموز ، ودور الزمان والمكان في هذا الاستقراء ، وهو ما قد نوضحه في أبحاث أخرى.



المواطنة والأقليات

24 أبريل 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

 طالما تردد مصطلح الأقليات في الآونة الأخيرة، وأعتقده مصطلحا طارئا على ثقافتنا، بل يحمل في دواخله بذور الأزمة والفتن دوما، فالثقافة الاسلامية التي تتماهى مع فطرة الإنسان لا تعرف أقليات وأكثريات، بل تعرف مواطنا له حقوق وعليه واجبات، ولا يختلف واحد عن مثيله إلا بالكفاءة أو ما وصفه القرآن بالتقوى.

والتقوى هنا ليست مصطلحا خاصا بالمؤمنين، بل هو ينساق على الجميع، فمن يلتزم القوانين ويبتعد عن المخالفات يعتبر من المتقين في حق وطنه، وهكذا أي أن للتقوى مصاديق كثيرة.

لذلك يعتبر مصطلح الأقليات طارئا وليس أصيلا، بل هو تمييز واضح بين الناس على أساس عرقي أو مذهبي أو ما شابه.

أما الأصل الذي يفترض أن نتبناه كواقع وحقيقة فهو المواطنة، التي يعيش في ظلها جميع الناس وفق أسس ومعايير الحق والواجب، حتى لو لم يكونوا من حملة جنسية البلد الذي يقطنون فيه، لأن المعيار هو الحق والواجب والالتزام بآداب وقوانين الدولة التي يحيا في ظلها الجميع.

فالشيعة ليسوا أقلية في بلد أكثريته سنية، بل هم مواطنون تحكمهم هذه المعايير، والسنة ليسوا أقلية في بلد أكثريته شيعية، والمسيحيون كذلك وهكذا، فالأصل ليس للمذهب ولا للعرق ولا لأي شيء يكون سببا في التفرقة بين الناس، إنما الأصل في التمييز هو الكفاءة والالتزام بالحق والواجب، وعند الله بالتقوى، وهي لا يعلمها إلا هو، وأما التقوى التي تخص المواطنة، فهي ما يحدده مدى التزام المواطن بواجباته، وأدائه لها بكفاءة، ومدى حرصه على قيام دولة القانون والمؤسسات.

إن الترويج لثقافة الأقليات هو بمنزلة من يحب أن تشيع الفاحشة بيننا، لأنها ثقافة لا تحمل إلا الفتنة، والفتنة أشد من القتل. وما يفترض أن نتبناه وفق ثقافتنا الاسلامية هو مبدأ المواطنة الصالحة في نظام الدولة، ومبدأ التقوى في نظام الله، وهو ما سينعكس تلقائيا على سلوك الأفراد ويرسخ التعايش السلمي في المجتمع، مهما تمايزت عروقه ومشاربه الفكرية ومذاهبه.

فترسيخ ثقافة المواطنة هو الذي يحفظ سلامة المجتمع وتعايشه، وهو دور السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

ولكن هل فعلا تؤدي السلطات هذه المهمة، أم أنها تلعب على التمايزات بكل أشكالها؟


ـ الأكثرية والتحول السياسي للأقليات  

في الديموقراطيات الغربية تطرح فكرة الأقليات على بساط البحث في الممارسات السياسية، وكيفية توصيفها من حيثية الحقوق والواجبات، وحقها في التمثيل البرلماني، وهو ما يدمجها في النسيج الاجتماعي لتكون جزءاً من وطن، وفاعلة في بناء الدولة.

لكن للأقليات منشأ بيئياً وحيثيات ثقافية وما نريد تناوله هو كيفية استغلال موضوع الأقليات سياسياً في التغيير الديموغرافي، من أجل توجيه الديموقراطيات باتجاه تكريس سلطة الاستبداد، وهو ما يجرمه القانون الدولي.

فهناك أقليات كانت تاريخياً أكثرية، إلا أنها تخالف في إجماعها سياسياً السلطة القائمة، وهو ما دفع بهذه السلطات إلى اللجوء إلى أساليب عدة، أعنفها كان الإبادة الجماعية، لتحويل هذه الأكثرية العددية إلى أقلية وكبح جماحها السياسي، وهناك أساليب أخرى. وفي وقتنا الحالي، وفي ظل قيام الدول الحديثة وترسيم حدودها الجغرافية وتخصيص هوية وطنية لكل دولة يحملها أبناؤها المنتمون إليها، أصبحت وسيلة التجنيس السياسي للتغيير الديموغرافي لتحويل الأكثريات المخالفة سياسياً لسلطة الدولة إلى أقليات، هي السمة الغالبة لتوجيه الديموقراطية القائمة باتجاه تكريس سلطة هذه الأنظمة وهي ، واقعاً، ما يجرمه القانون الدولي.

ورغم أن الغرب وأميركا يمنحان الجنسية وفق معايير محددة تقوم جلها على الكفاءة وحسن السير والسلوك، فإن التجنيس في بعض هذه الدول يقوم على أساس مذهبي أو عرقي أو غيره، ولا يأخذ في الحسبان مسألة الكفاءة وحسن السير والسلوك، وهو ما يدلل على أن همّ هذه الأنظمة شراء الأكثرية العددية التي تكرس سلطتها، وليس همها التنمية وبناء دولة قانون ومؤسسات ونهوض ديموقراطية فعلية، بل هي تمارس ديموقراطية تصنع نتائجها مسبقا من خلال تشكيل شعب يتناسب والمقاس الذي يبقيها في السلطة.

لكن انعكاس هذا التجنيس السياسي القائم وفق هذه المعايير سيكون سيئا على تركيبة المجتمع الثقافية والمعرفية، وهو ما سيسبب خللا واضحا في مخرجات هذه الدولة، بل قد يشكل في بعض الدول تهديدا للاستقرار الأمني والمجتمعي، ويتفاعل بطريقة معاكسة تقوض بنيان هذا النظام على المدى البعيد.


ـ هكذا ولد فكرياً

لكل مفهوم أو مصطلح ظروف ولادة ينشأ فيها ويترعرع، ويكون له مبناه وانعكاسه في عالم السياسة والمجتمع وعوالم أخرى.

والأقليات كذلك، إذ انه كمفهوم سياسي له بيئة ومحيط ومجموعة أحداث تمخض عنها وتم بناؤه في ظلها ليحل أزمة سياسية في تلك الحقبة.

وأهمية معرفة منشأ المفهوم من الناحية الفكرية تكمن في أنها تعطينا الأبعاد والأهداف التي وضع المفهوم لأجلها، والحاضنة الفلسفية التي ترعرع في حضنها كي نستوعب مقاصده وانعكاساته، ومدى ملاءمته لبيئتنا السياسية. فإعلان الأمم المتحدة حول حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية (أو عرقية) ودينية ولغوية، أكد على أهمية الحفاظ على حقوق الأقليات ومساواتهم في الحقوق مع الأغلبية. وهناك تعريف للأقليات يقول: الأقلية هي جماعة من مواطني الدولة تشكل أقلية عددية لا تحظى بصفة السيطرة أو الغلبة في الدولة، ويتميزون عن بقية أعضاء المجتمع عرقياً أو لغوياً أو دينياً، وهم يميلون إلى التضامن معاً، ويحرصون، وقد يكون هذا الحرص كامناً، على البقاء، ويهدفون إلى تحقيق المساواة مع الأغلبية واقعاً وقانوناً.

وللأقليات ظروف جدلية نشأ المصطلح فيها، حيث تذكر لنا دراسة لجاد الكريم الجداعي أن جذور هذه المسألة قديمة في تاريخنا، ترجع إلى ما قبل الفتوحات الإسلامية. فالإسلام الذي تقوم رؤيته على ثلاثة أركان مهمة هي: التوحيد أو الوحدة والتعدد والكونية، أبقى على الديانات والمذاهب التوحيدية، وجعل أتباعها في ذمة المسلمين. وأنتج الانشقاق الإسلامي.. مذاهب إسلامية تعمقت الفروق فيما بينها حتى طالت بعض مسائل العقيدة ذاتها. ودخلت في الإسلام أقوام شتى تعرّب بعضها واحتفظ بعضها الآخر بهويته الإثنية أو اللغوية الثقافية. وضمت الدولة الإسلامية مللاً ونحلاً وديانات ومذاهب وقوميات شتى دخلت جميعها، كلياً أو جزئياً، في النسيج الاجتماعي السياسي والثقافي العربي الإسلامي. وتؤكد آليات تشظي الدولة الإسلامية على أساس أقوامي حيناً ومذهبي حيناً آخر، أو عليهما معاً في معظم الأحيان، على عمق هذه المسألة في بنيتها. ومع سيطرة العثمانيين على مقاليد «الخلافة الإسلامية» أقاموا نظاماً مللياً قوامه المركزية العسكرية واللامركزية الإدارية انطلقت منه عملية تسييس مسألة الأقليات التي أخذت تتعمق طرداً مع تعمق الاختراق الرأسمالي ونشوء نظام «الامتيازات» ونظام «حماية الأقليات»، وصولاً إلى الاستعمار الكولونيالي وسياسته القائمة على مبدأ: «فرّق تسد». ولكن البنى القابلة للتفريق هي وحدها التي يمكن تفريقها.

ولكن كيف تم استغلال «الأقليات» وفي أي بيئة أُقرت حقوقها؟

 

ـ تسييس «حقوق الأقليات»

في دراسة لنفس  لباحث الجباعي حول مسألة الأقليات، يذكر أن أغلب الباحثين الغربيين والعرب يرجعون ازدياد الاهتمام بظاهرة الأقليات إلى مطلع القرن التاسع عشر، حينما تضمنت اتفاقيات فيينا (1814 ــــ 1815) نصوصا تدعو إلى الحرية الدينية والمساواة السياسية. ثم تطور ذلك الاهتمام الى تكثيف نشاط الحركة اليهودية، في الربع الأول من القرن العشرين، لحماية الأقليات عامة واليهودية منها خاصة، ومنحها المساواة في الحقوق المدنية والسياسية في الدول التي كانت تنكر عليها هذه الحقوق. وتزايد هذا الاهتمام بمناداة الحركة الاشتراكية العالمية بحق تقرير المصير عام 1918. وبعد ذلك أشارت اتفاقيات مؤتمر السلام في فرساي (1919 ــــ 1920)، في إطار عصبة الأمم، إلى الحقوق الثقافية والقومية للأقليات. ثم وضعت الأمم المتحدة إعلان حقوق الإنسان (1948/12/10) الذي منع التمييز على أساس العرق أو الدين أو اللون أو الاتجاه السياسي، وصولا إلى إعلان الأمم المتحدة الخاص بحقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو عرقية أو دينية أو لغوية الصادر في 1999/12/10. والعودة إلى هذه المعاهدات والمواثيق، تؤكد أن مسألة الأقليات كانت مندرجة دوما في النزاعات المحلية والإقليمية والدولية. سواء في محاولات إذكاء هذه النزاعات أو في محاولات إخمادها. وفي معاهدة سايكس بيكو تم تقسيم المنطقة العربية ورسم حدود جغرافية قلقة لها، تستطيع من خلالها دول الاستعمار استغلال مسألة الأقليات والتركيز على جانب الاختلاف لا التماثل، من أجل إذكاء الصراعات، سواء الداخلية أو الخارجية، مما يسمح لها بالتدخل تحت عنوان حماية حقوق الأقليات لتتمكن من تحقيق أهدافها ومصالحها.

وفي ظل هذه البيئة المأزومة رسمت معالم حقوق الأقليات ضمن ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يرسخ فكرة تكريس الفرقة، وليس تأصيل الوحدة في المجتمع الواحد، من خلال إبراز معالم الاختلاف بين أطيافه المختلفة رغم ما يستبطنه الاختلاف من تماثل في الذات الإنسانية، وما يلازمه من مبدأ المساواة بين الجميع باختلاف أطيافهم في الحقوق والواجبات. فلا يمكننا أن ننكر أن الأسرة الواحدة يتمايز أفرادها بعضهم عن بعض، لأن اختلاف البشر طبيعة تكوينية لا يمكن نكرانها، إلا أن هذا الاختلاف يوازيه تماثل مبني على أساس وحدة النوع الإنساني. ولكن مسألة الأقليات كي يتم تسييسها واستغلالها في تكريس النظام الرأسمالي من خلال بسط النفوذ والهيمنة الفكرية قبل العسكرية، لابد فيها من إبراز معالم الاختلاف وتثويرها وإذكاء نارها كي تحول محيطها إلى هشيم، لتقدم بذلك كل الذرائع لتدخل الخارج لحماية أقليات الداخل بحجة الحفاظ على حقوقها.

ولكن هل يعني ذلك إنكار هذه الحقوق وعدم الاعتراف بها، أم كيف يمكننا التعاطي مع هذه المسألة بتوازن؟


ـ المواطنة الحل الأمثل

الأقليات من الموضوعات النسبية التي يعتمد تحديدها على جغرافية كل أقلية، بمعنى أنه قد تعتبر جماعة أقلية في حدود جغرافية معينة، إلا أن هذه الجماعة نفسها هي أكثرية في دولة أخرى. وهو ما يشير إلى حتمية الاختلاف بين بني البشر التي تستبطن حتمية التماثل، فلا اختلاف مطلق، ولا تماثل مطلق، وهو ما يترتب عليه بناء منظومة حقوقية تحفظ حقوق الجميع نتيجة التمايزات بينهم، وأهم مبدأ يقوم بذلك هو المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات في دولة القانون والمؤسسات، هذه المساواة تقوم على أساس التماثل بين البشر في الذات الإنسانية، وضرورة حفظ الكرامة الإنسانية، وما يترتب على هذا الحفظ من مجموعة حقوق تشكل سوراً لهذه الكرامة يحميها من الانتهاكات، وإن اختلفوا دينياً أو مذهبياً أو فكرياً أو غير ذلك.

والملاحظ في ظل النظام الرأسمالي العالمي أن التركيز دوماً على الاختلاف وإبرازه كحالة خلافية دافعة للتنازع، حيث يتم إذكاء الفتنة وفقاً لديموغرافية كل دولة على حدة، ففي مصر على سبيل المثال، التمايز قائم على أساس طائفي غالباً بين المسلمين والمسيحيين، وفي الخليج بين السنة والشيعة، وفي المنطقة بين العرب والفرس، وهكذا يتم اختيار الاختلاف الذي يبذر بذور الخلاف ويذكي نار الفتنة تحت شعار فرّق تسد. وما يذكره لنا التاريخ من تعايش سلمي بين هؤلاء واجتماعهم غالباً على أساس المشتركات لهو دليل على أصالة التعايش بينهم، وأن الخلاف عادة ما تستدعيه عوامل خارجية، سواء كانت تنطلق من داخل الجسد كالمتعصبين والمتشددين، أو التي تنطلق من خارجه كالمتآمرين. وهو ما يتطلب معالجة موضوعية لمسألة الأقليات تحفظ حقوقهم من جهة، وتمنع أي استغلال خارجي لأي خلاف داخلي من خلال منظمات محلية حقوقية كمؤسسات مجتمع مدني لها ارتباط بمؤسسات دولية رقابية لها فاعليتها القانونية وتأثيرها على مستوى القرار وحياديتها، من دون أن يتم استغلال هذه الانتهاكات ضد الدولة المعنية، بحيث يتم الرصد في تقرير من مراقبين محليين محايدين ورفعه إلى تلك المؤسسات الدولية، ومن ثم تقديم الحلول للدولة المعنية عبر الراصدين المحليين أنفسهم، من دون أي تدخل خارجي. وبذلك تصبح مسألة الأقليات مسألة حقوقية إنسانية حقيقية وليست جسراً لعبور المتنفعين الرأسماليين للاستغلال والهيمنة.

ولكن هل القضية بهذه السهولة والمثالية؟


وهو سؤال أتركه للقارئ الكريم عل ذلك يستخرج دفائن العقل ، أو يحاول استثارة الباحثين للإجابة.


 


طردية العلاقة بين العدالة والكرامة

27 فبراير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

في دعوة الأنبياء ورسالة من أرسل منهم يلحظ وبشكل دقيق التركيز على قيمة العدالة وضرورة تحققها، بل كانت الدعوة للتوحيد غالبا ما تقرن بموضوع العدالة لما لهذه القيمية من مدخلية قوية في بناء مفهوم التوحيد بناءا معرفيا في ذهنية المتلقي والقابل.

إذ أن تحقيق العدالة بكافة مصاديقها تتطلب بداية إزالة كل ما تم تحميله من فهم لهذا المصطلح ، فهو يشكل المدخل السليم والحقيقي للتوحيد ، وأهم ما تحققه العدالة هو رفع الحجب التي فرضتها المسلكيات البشرية نتيجة الفهم البشري المتراكم للنص الديني والذي غالبا ما انحرف عن واقع الأمر، مما أدى إلى حجب الحقيقة وتشويه المفاهيم وتغييب منظومة القيم ،مما انعكس بالتالي على السلوك فتشكلت منظومة مفاهيمية بعيدة عن الحقيقة ورست على ضوئها منظومة سلوكية بعيدة عن الواقع، فحجبت الحقيقة وعلى ضوئها حجبت المعارف وألبست العدالة لباس آخر تحكمه الأهواء والاستمزاجات الشخصية .

إن تحقيق العدالة وفق واقع الأمر يعني رفع كل تلك الحجب عن العقل البشري ، واستجلاءالمفاهيم وفق دلالاتها واستعمالتها وبناءاتها الصحيحة ليتجلى الأمر بحقيقته بعد ذلك في النفس، لترى الحقيقة فتستقيم الذات وفق أسس العدالة السليمة ، وتنعكس عدالة الذات على تحقيق العدالة في الخارج فترتفع الحجب عن كثير من المعارف والعلوم،وتنتظم الحياة تحت عنوان القيم وجوهرها ألا وهي العدالة.

إن العدالة هي مطلب قيمي مهم في المجتمع ، لأن مقصد تحقيق العدالة هو تحقيق كرامة الإنسان، وتحقيق كرامة الإنسان مطلب لأداء وظيفته الاستخلافية وفق الرؤية الالهية في الأرض ليقيم المشروع الالهي فيها.

فوفق مقولة العدالة تتحقق الحريات بما يحقق العدالة ، وتكون المساواة وفق ما يحقق العدالة ، وتنتظم لذلك مجموعة الحقوق والواجبات وفق مطلب تحقيق العدالة ، وإذا تحققت هذه القيم في طول مطلب العدالة تحققت بذلك كل مقومات الكرامة الإنسانية وتأهلت النفس لأداء دور الخلافة على الأرض.

فكلما ازداد منسوب العدالة في النفس كلما ازداد في الخارج، كلما انتظمت القيم وبالتالي ارتقت كرامة الانسان، فالعلاقة بين العدالة والكرامة علاقة طردية .

فإذا قلنا نريد أن يرتفع سقف الحريات، تكون الحريات المطلوبة هي تلك التي تحقق العدالة بحيث لا يمكن لهذه الحرية أن تحقق نقيض العدالة بالظلم أو سلب الاخرين لحقهم ، فتكون الحرية المطلوبة حرية عادلة ، وهكذا المساواة وموضوعة الحقوق.

ولكن هل العدالة المطلوبة هي كما يراها الإنسان وعقله؟
عقل الإنسان محدود ، ولا يمكن للمحدود أن يحيط باللامحدود، قد يدرك هذا العقل حسن العدل وقبح الظلم ، ويدرك أهمية العدالة في بناء الكرامة الإنسانية ، ولكن ماهية العدالة وكيفها لا يمكن أن يدركه إلا بتعليم من الوحي، وهو ما سيصل له العقل إذا أدرك العدالة وأهميتها والتي يعتبر إدراكها مدخلا مهما لادراك التوحيد وعلى ضوء إدراك التوحيد من بوابة العدل،ستبنى منظومة المفاهيم والقيم وفق الرؤية الالهية التي تحقق حتما كرامة الإنسان بما يرتقي به إلى وظيفة .." إني جاعل في الأرض خليفة " .

إن السعي نحو الكمال الذي فطر عليه الإنسان هو الداعي العقلي الذي يدفعه دوما لإقامة العدل ، والبحث عنه ، ولكن تكمن المشكلة في فهم الكمال وآليات تحقيقه ومصاديقه ، فكلما ابتعد الانسان عن السماء -إن صح التعبير -كلما ابتعد عن تحقيق العدالة المطلوبة وكلما أصبحت كرامته عرضة للانتهاك .
فرغم السعي التاريخي الحثيث للإنسان نحو تحقيق العدالة في الأرض إلا أننا ما زلنا إلى الآن لم نقم جوهرة القيم (العدالة) ولم نحققها،ولعل أبرز الأسباب في هذا القصور هو الجدل الانساني الذي ينعكس في الواقع الخارجي إلى جدليات متشابكة الأهواء والمصالح ومتناقضة القيم والغايات، وهذا الجدل أدى إلى تشويه مفهوم الكمال  بعد الانحراف عن المبدأ والغاية والهدف وبالتالي انحراف آليات تحققه .لذلك كان التشديد على معرفة " من أين وفي أين  
وإلى أين" ، وهي معرفة ترسم خارطة طريق كاملة للإنسان في هذه الدنيا ليحقق هدف الكمال وآليات الوصول اليه.

إن القيم غاية يتطلب تحقيقهاوقيامها قيام جوهرها أي العدالة،وهذه الجوهرة تتطلب أن تحقق في ذات الإنسان كي تصبح لها قيامة في الأرض :" أقم العدل في نفسك يقوم العدل في أرضك" ، فالله لا يغير ما في القوم إلا إذا تغير ما في أنفسهم.
فالعدالة هدف السماء لأهل الأرض لأن بها تستقيم أمور الإنسان ويهتدي إلى الطريق الذي من خلاله تتحقق كرامته لتقوم خلافته ويؤدي بها وظيفته.
فإذا تحققت الكرامة بتحقق العدالة ترتقي النفوس وتترفع عن الرذائل التي تتنافى وتلك الكرامة التي حققتها العدالة كجوهرة للقيم كلها.