نبذة الشيخ حسين الخشن

الموضوع بواسطة الشيخ حسين الخشن :

ذرِّيّة الرسول (ص)

29 ديسمبر 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
223 زيارة

ذرِّيّة الرسول (ص)

الخيط الرفيع بين المحبّة والطَّبَقيّة الشيخ حسين الخشن(*)   تمهيد غير خافٍ أنّ من أهم المبادئ التي أرساها الإسلام، وحرص الرسول الأكرم| على التبشير بها، مبدأ التساوي بين الناس، سواءٌ في أصل الخِلْقة الإنسانيّة، أو في الوظيفة والدور، أو في الحقوق والواجبات، محارباً كلّ أشكال التمييز العنصري والتفاوت الاجتماعي، رافضاً الارستقراطيّة القرشيّة ومعاييرها الظالمة في […]

وقف المنافع والحقوق في الفقه الإسلامي

4 ديسمبر 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬461 زيارة

وقف المنافع والحقوق في الفقه الإسلامي

تطبيقات معاصرة تمهيداً للبحث عن وقف المنافع والحقوق أرى من الضروري التطرق لبعض المقدمات؛ لما لها من أهمية. المقدمة الأولى: مشروعية الوقف وعموماته 1ـ مشروعية الوقف أجمع المسلمون على مشروعية الوقف واستحبابه؛ مستدلين على ذلك: أـ بالسيرة العملية للمسلمين، المستمرة منذ زمن رسول الله’ إل يومنا هذا، وهي قائمة على وقف الأملاك من العقارات والبساتين […]

مدخل إلى فقه النظام العام – محاولة تقعيد فقهية جديدة

9 يونيو 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬558 زيارة

مدخل إلى فقه النظام العام – محاولة تقعيد فقهية جديدة

تمهيد في المقولة والمفهوم ليس النظام العام مجرّد مقولة تتردّد على الألسن أو فكرة طارئة ومستجدّة، وإنما هو مفهوم متجذّر سعت وتسعى المدارس الفكرية كافّة إلى إقراره والإسهام فيه، فما هي أبعاد هذا المفهوم ومداليله وضوابطه؟ وماذا عن موقف الإسلام ورؤيته في هذا المجال؟ وما هي علاقة النظام العام بالعقيدة الدينية والشريعة الإسلامية والحياة الاجتماعية […]

التطبير: رؤية إسلامية فقهية

8 ديسمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

 
لعل من أغرب الوسائل المتبعة في إحياء الذكريات الدينية تلك الوسيلة أو الطريقة التي يعتمدها البعض في إحياء ذكرى شهادة الإمام الحسين (ع) والمتمثلة بضرب الرؤوس بالسيوف، وهو العمل الذي اصطلح عليه في بعض الأوساط بــ "التطبير" 1،  فماذا عن شرعيّة هذه الوسيلة؟ ومتى جاءتنا ومن أين؟ وما هي مبرّرات المدافعين عنها؟ وهل هي مبرّرات مقبولة؟ 
 
في المقابل، ما هو مستند المعارضين لها وحجتهم في رفضها؟ هذا ما نحاول تسليط الضوء عليه فيما يأتي:
 
عادة حادثة ودخيلة
 
إنْ لم يكن من الواضح عندنا بشكلٍ تفصيلي متى وكيف نشأت هذه العادة؟ ومَن هو أوّل مَن قام بهذا العمل أو سنّ هذه السنة؟  إلّا أنّه من المؤكّد أنّها عادة مستحدثة ولم تكن في عصر النبي(ص) ولا الأئمّة من أهل البيت (ع)، ولم ترد أيّة إشارة في شأنها، لا في كتب الحديث والروايات، ولا في كتب التاريخ ولا في غيرها من المصادر، وذلك بالرغم من توفّر الدواعي لنقل مثل هذا التصرّف، ليس بسبب غرابته فحسب، بل وبسبب منافاته للتعاليم الإسلامية الآمرة بالصبر على المصائب والناهية عن الجزع وخمش الوجوه وشق الجيوب عند المصيبة.
 
 وهكذا لم يُعهد ولم ينقل حدوث مثل هذا التصرّف فيما تلا عصر الأئمّة (ع) من قرون؛ لأنّ ما نقله بعض المؤرّخين – كالمقريزي في خططه، وأبي الفداء في تاريخه – عن مظاهر الاحتفال بعاشوراء في العصر الفاطمي والبويهي، ليس فيه إشارة إلى هذه العادة .2
 
يقول السيد محسن الأمين: "ولم ينقل ناقل أنّ أحداً فعلها من عوامّ الشيعة، ولا أنّ أحداً أجازها من علمائهم في الأعصار التي كانت ملوك البلاد الإسلامية فيها كلّها شيعةً"، ويذكر السيد مثالاً على تلك الدول : دولة الفاطميين والحمدانيين والبويهيين، ثم يضيف: "مع ما كان عليه بنو بويه من التشدُّد في نشر إقامة العزاء، حتى كانت في زمانهم تعطّل الأسواق في بغداد يوم عاشوراء، وتُقام مراسم العزاء في الطرقات" .3
 
   ويرجّح الكثير من العلماء والباحثين أن تكون هذه العادة قد تسربت إلى الفضاء الإسلامي الشيعي من خارجه، وتبرز أمامنا عدة آراء في تحديد المنشأ أوالمصدر القادمة منه، فبينما يرجِّح السيد هاشم معروف الحسني أن تكون هذه العادة التي وصفها بالدخيلة والتي لا يقرّها الشرع قد تسرّبت إلى بعض الأقطار بعد أنْ حكمها الشيعة من الهنود القدامى 4، فإنّ الشهيد مطهّري يذهب إلى "أنَّ الطبل والتطبير عادات ومراسم جاءتنا من أرثودكس القفقاز وسَرَتْ في مجتمعنا كالنّار في الهشيم" .5
 
أمّا عن ظهورها في جبل عامل، فيقول السيّد محسن الأمين: "ولم تكن هذه الأعمال معروفة في جبل عامل، ولا نقل أنّ أحداً فعلها فيه، وإنّما أحدثها فيه في هذا العصر بعض عوامّ الغرباء، وساعد على ترويجها بعض من يرتزق بها، ولم ينقل عن أحد من علماء جبل عامل أنّه أذن فيها أو أمر بها في عصر من الأعصار…" .6
 
أجل، ثمّة إشارة بالغة الدلالة أشار إليها محمد بن طولون الصالحي الدمشقي في كتابه "إعلام الورى"، في أحداث سنة 907هـــ، حيث قال ما نصّه:
"في يوم عاشوراء، اجتمع جماعة من الأوباش والأعجام والقلندرية بدمشق، وأظهروا قاعدة الروافض من إدماء الوجوه وغير ذلك، وقام عليهم بعض الناس، وترافعوا إلى نائب الغيبة (وكيل الوالي أثناء غيابه) المذكور، فنصر أهل البدعة وشوّش على القائم عليهم" .7
 
صحيح أنَّ هذا النص يتحدَّث عن إدماء الوجوه لا الرؤوس، إلّا أنّ ذلك لا يقلِّل من دلالته على أنّ قضية الإدماء كانت منتشرةً في بعض الأوساط في بداية القرن العاشر وربّما فيما سبقه، ولاسيما بملاحظه قوله: وأظهروا "قاعدة الروافض" التي تشير إلى أنَّ قضيّة إدماء الوجه كانت معروفةً عند مَن أسماهم ابن طولون بــ "الروافض" وهو مصطلح يُنبَز به الشيعة كما هو معروف
 
ولكن هذا النصّ لا يثبت امتداد هذه العادة إلى ما قبل القرن التاسع فضلا عن اتصالها بزمن الأئمّة (ع) كما لا يخفى، كما أنّه لا يدلّ على شرعيّة هذا التصرُّف كما هو واضح.
 
 التطبير وخدمة القضيّة!
 
      في ضوء ما تقدم من كون هذه العادة طارئة وغير متصلة بزمن المعصومين، يكون من الضروري أن نطلّ على الوجوه والمستندات التي تمسّك بها المدافعون عنها، لنلاحظ مدى تماميّتها وهل هي كفيلة بإثبات شرعيتها
ولكن قبل ذلك يجدر بنا هنا أن ننبه إلى قضيةٍ في غاية الأهمية،وهي أنّه عندما نريد أن نحوِّل عملا ما إلى سُنّة نواظب عليها ونهتم بها ونعتمدها في إحياء الذكرى الحسينية أو غيرها من المناسبات، ونخرج بها إلى الرأي العام ، فإنّا علينا أن لا نقتصر في تقييمها على السؤال عن مدى إباحتها بالمعنى الفقهي، بل يجدر بنا أن نسأل عن مدى مساهمة هذه الوسيلة في خدمة القضية التي نتبناها ونؤمن بها والخط الذي ننتمي إليه، وهذا ما علينا أن نعرفه فيما يرتبط بعادة التطبير، إن لجهة مساهمتها في التعريف بأئمة أهل البيت(ع) وإيصال فكرهم إلى الآخرين وفتح قلوب الناس عليهم، أو – على الأقلّ – لجهة تأثيرها في تهذيب نفوس الذين يقومون بهذا العمل وهو ضرب رؤوسهم بالسيف ويحيون عاشوراء بهذه الطريقة الدموية، فهل يستطيع المدافعون عن هذه العادة أن يذكروا لنا مدى مساهمتها في تحقيق هذه الأهداف؟
 
أَوَليس جرح الرؤوس بالسيوف، ثم ضربها بالأكُفّ حتى ينزف الدم ويملأ الوجه والرأس واليدين ويلطخ الثياب كلّها يعدّ مشهداً منفِّراً للآخرين، ومثيراً لدهشتهم وتعجبهم، كما أنّه مفزع للأطفال ومرعب للنساء، وبالتالي يكون الإستمرار في هذا العمل مساهما في إغلاق قلوب الناس عن التعرف على مدرسة أهل البيت (ع) تحت عنوان إحياء ذكرهم؟! وبعبارة أخرى : نكون بهذا العمل قد ساهمنا من حيث لا نشعر في إماتة ذكرهم (ع) بدل أن نحييه وننشره!.
 
دعوة إلى المدافعين عن التطبير
 
ودعونا نتحدث بلغة الأرقام والإحصاءات، نتجنب لغة التهويل أو التخوين و اتهام المتمسكين بالتطبير والمدافعين عنه في نواياهم، كما قد يفعل بعضهم عندما يتهمون المعارضين لهم بالتقصير بحق أهل البيت (ع)، ونحن عندما لا نتهمهم فلأنه لا يحق لنا ذلك، كما لا يحق لهم ذلك أيضا، بل دعوني أقول: إننا لا نشك بإنتفاء نية الإساءة أو قصد التشويه عند معظم هؤلاء، بل وحرص الكثيرين منهم على نشر فكر أهل البيت(ع)، لكن من جهتنا، فإننا نختلف معهم، ليس فقط في شرعية هذا العمل، بل في تقييم الفائدة المرجوة منه، إذ نحن على قناعة تامة بأنه عمل يسيء إلى مدرسة أهل البيت (ع) وأتباعهم .
 
 وفي ضوء ذلك، فإننا سوف نتحدث معهم بلغة الأرقام والإحصاءات،ونوجهها دعوة جديّة للمدافعين عن هذا العمل والمروجين له، ومفاد هذه الدعوة: أن تعالوا واختاروا أية جهة موثوقة من الجهات المختصة بالعمل الإحصائي وكلّفوها بالقيام بإجراء عملية استطلاع رأي واسعة تشمل شريحة كبيرة وواسعة من الناس ويكون المستهدف بهذا الإستطلاع ليس خصوص المسلمين الشيعة أو السنة ، بل وغير المسلمين أيضا، على أن يكون السؤال الموّجه إليهم واضحا ومحددا وبعيدا عن الاعتبار الديني أو المذهبي حتى لا تأتي الإجابة مبنية على موقف مذهبي مسبق سلبيا كان أو إيجابيا تجاه هذه الظاهرة، لنسأل – مثلا – السؤال التالي: لو رأيت أشخاصا يدمون أنفسهم بالسيوف أو السلاسل الحديدية تعبيراً عن حزنهم على موت فقيد أو قائد لهم، فما هو انطباعكم الأولي إزاء ذلك، هل تستسيغ هذا العمل ؟ أو أنك تستغربه وتستهجنه وتستنكره ؟  ويمكننا أن نقدّم للمستطلعَين صورةً عن أحد مواكب التطبير والإدماء ونسأل كل واحد منهم: ما هو رأيك بهذا العمل الذي يقوم به أصحاب هذه الصورة ؟   وعلى ضوء هذه الإجابات يمكننا أن نعرف إلى أي حد تخدم ظاهرة التطبير فكرنا وقضيتنا.
 
المؤيِّدون ومبرِّراتهم
 
وهنا نصل إلى المقاربة الفقهية لهذه المسألة الحساسة، وسوف نبدأ أولا بملاحظة أدلة المدافعين عن هذه العادة، ثم ننتقل إلى ملاحظة أدلة المعارضين والرافضين لها.
 
 أما المدافعون عن التطبير فقد تشبَّثوا بعدّة وجوه وشواهد وهي ما يلي:
 
الأول:إنّه لا دليل على حرمة هذا العمل رغم أنَّ فيه إضراراً بالنفس، ولكن هذا المقدار من الإضرار لم تثبت حرمته، وإنّما ثبتت لدينا حرمة قتل النفس أو قطع الأعضاء أو نحو ذلك، أمّا ما دون ذلك من إلحاق الأذى بالنفس، فهو محكوم بالحليّة، بمقتضى أصالة البراءة والحلية الثابتة بحكم العقل القاضي بقبح العقاب بلا بيان، وبحكم الشرع، من خلال قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}. (الإسراء:15).
 
ولكن نقطة الضعف في هذا الاستدلال هي نهوض الدليل على الحرمة، كما سيأتي، ومعه، فلا مجال للتمسك بالأصل المذكور، كما هو معلوم ومحقق لدى الفقهاء والأصوليين.
 
 
الثاني:إنّه لا ريب في أنَّ البكاء والإبكاء على الإمام الحسين(ع) مطلوب ومستحبّ، كما نصت عليه الروايات العديدة والمتظافرة الواردة عن الأئمة (ع)، والبكاء أو الإبكاء فعلٌ يحتاج إلى محفّز، والمحفّز إمّا قوليٌّ كذكر المصائب وإنشاد المراثي، أو عمليٌّ كضرب الرأس بالسيف.
 
والجواب: إنّ ما دلّ على محبوبيّة البكاء والإبكاء ناظر إلى الطرق الإنسانيّة المألوفة لذلك، ولا يشمل الوسائل غير المتعارفة في التعبير عن الحزن، كما هو الحال في عادة ضرب الرأس بالسيف. هذا إنْ لم يثبت لنا حرمة هذه العادة، وإلّا سيكون خروجها عمّا دلّ على مطلوبيّة البكاء والإبكاء واضحاً وجليّاً؛ لأنّ ما يدلّ على مطلوبيّة شيء لا يستفاد منه مطلوبيّته ولو بالوسائل المحرَّمة، ألَا ترى أنّ ما دلّ  على استحباب إدخال السرور على قلب المؤمن – مثلاً – لا إطلاق له، لصورة إدخال السرور على قلبه بالطرق المحرَّمة كالغيبة أو الزنا أو نحو ذلك؟ .8
 
 
الثالث: إنّ في هذا العمل (إدماء الرأس) اقتداءً بالحسين(ع) وصحبه، ومواساةً وتعزيةً "لآل البيت (ع)"، ولا ريب في أنّ الاقتداء بالحسين(ع) مطلوب ومحبوب، ومواساة أهل البيت (ع) هي من أعظم القربات.
 
والجواب على هذا الاستدلال الذي هو من غرائب الكلام
 
أولا :إنّ الاقتداء بالإمام الحسين (ع) يكون بأن نُقتَل حيث قُتِل، ونجرح رؤوسنا حيث جَرَح رأسه، وهو لم يجرح نفسه بعقل بارد وهو يسير في الطرقات، وإنّما جرح نفسه وضحَّى بنفسه وهو في ساحة المعركة، يقاتل في سبيل الله، فلنجرح رؤوسنا ونبذل دماءنا في مواجهة العدو، فبذلك يكون الاقتداء .9
 
ثانيا:أمّا مسألة المواساة، فإنّها مطلوبة ومستحبَّة بالتأكيد، ولكن السؤال : كيف تكون المواساة، ثم لمن تكون ؟
 
أمّا السؤال الأول عن كيفية المواساة، فجوابه : أنها تكون بالطرق المألوفة والمتعارفة، دون الطرق المستهجنة أو المحرّمة، ومسألة أن يجرح الإنسان نفسه لأنَّ حبيبه جُرِح، أو يجلد ظهره لأنّ حبيبه جُلِد، ليست من أساليب المواساة لدى العقلاء، ليشملها ما دلّ على مطلوبيّة المواساة.
 
وأما السؤال الثاني، وهو : مَنْ نُواسي بهذه التصرُّفات؟
 
فالذي يتردَّد على الألسن أنّنا نواسي سيدتنا الزهراء (ع) أو رسول الله (ص) أو أمير المؤمنين (ع) ، نواسيهم بدمعتنا ولطمنا على الصدور وجرح رؤوسنا.
 
 إلّا أنّ ملاحظتنا الأساسية على هذا الكلام هي: إنّ استخدام مفهوم المواساة في المقام وعلى الرغم من شيوعه على الألسنة لا يخلو من لبس أو مصادرة أو اشتباه، وذلك لأنّ المواساة إنّما تكون للإحياء بسبب تأثّرهم وحزنهم وانفعالهم البشري على فقد حبيب أو عزيز أو صديق، أمّا الموتى الذين توفاهم الله فلا معنى لمواساتهم! صحيح أنّ رسول الله (ص) وابنته فاطمة الزهراء (ع) ووصيّه أمير المؤمنين (ع) وغيرهم من آل البيت(ع) هم أحياء عند ربّهم يُرزقون إلّا أنّه وفق مقاييس ذلك العالم، فليس واضحا أنّهم يعيشون الحزن والغمّ والألم، لنواسيهم أو نخفف عنهم، بل هم في شوقٍ وفرح للقاء أحبابهم ومصيرهم إليهم { فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنزن } ( آل عمران 170) ، وفرح اللقاء هذا يغمرهم حيث إنهم سوف يعيشون معا في كنف رضوان الله وجنته البرزخية التي أعدّها للصالحين من عباده وأولياءه
 
ولو سلّم أنّ الموتى يتأثرون ويتألمون في عالمهم البرزخي لما يجري على أقربائهم وأحبابهم في عالم الدنيا، فلا يبعد انصراف أدلة المواساة إلى مواساة الأحياء في عالمنا هذا، دون الأحياء في عالم البرزخ.
 
ومن اللطيف ما ذكره الشهيد مطهَّري تعليقاً على قضيّة مواساة الزهراء، قال (رحمه الله): "إنّ هذا أمر مثير للسخرية، فهل تحتاج الزهراء بعد مرور 1400 عام على المأساة إلى المواساة، في الوقت الذي نعلم أنّها الآن مجتمعة مع الحسين (ع)… وهل إنَّ فاطمة عندكم طفلة صغيرة حتى تظلّ تلطم وتبكي بعد 1400 عاماً حتى نأتي لنعزّيها ونأخذ بخاطرها هذا هو الكلام الذي يخرّب الدين" .10
 
 
الرابع:إنّ العقيلة زينب الكبرى (ع) عندما رأت رأس أخيها الحسين(ع) مرفوعاً فوق الرمح أمام محملها نطحت جبيبنها بمقدَّم المحمل حتى سالَ الدم وتقاطر من تحت قناعها11، وقد حصل هذا العمل بمرأى الإمام زين العابدين (ع) وقد أقرّه وأمضاه ولم ينهها عنه.
 
ولكن هذا الدليل مردود لعدة وجوه أهمها
 
 أولا :إنّ الرواية التي نقلت ذلك ضعيفة السند؛ لأنّها مرسلة، كما صرّح بذلك العلامة المجلسي 12، قال: "رأيت في بعض الكتب المعتبرة رُوي مرسلاً عن مسلم الجصاص"، ثم ذكر الرواية، ومع ضعف الرواية سنداً فلا تصلح لإثبات حكم شرعي، وهو إباحة ضرب الرؤوس بالسيوف، والظاهر أنَّ الكتاب الذي نقل عنه المجلسي هذه الرواية هو "المنتخب" للطريحي، كما ذكر العلامة النقدي 13، وكون الكتاب معتبراً عند المجلسي كما ذكر في كلامه، لا يعني أنّ رواياته كلّها معتبرة عنده، فضلاً عن غيره، كما هو واضح.
 
ثانيا:إنّ من المستبعد صدور هذا الفعل من العقيلة زينب(ع)؛ لأنّه مخالف لوصيّة أخيها الإمام الحسين (ع)، فإنّه أوصاها قائلاً: "أُخيّة، إنّي أقسمت فأبري قسمي، لا تشُقِّي عليَّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور إذا أنا هَلَكْت" 14. وهذه الوصيّة فضلاً عن كونها واردة في مصادر أكثر اعتباراً من تلك الرواية، فإنّها منسجمة مع العمومات أوالمطلقات الكثيرة الناهية عن خمش الوجه، وفي بعضها النهي عن لطمه15، واستناداً إلى هذه الروايات أفتى فقهاؤنا بحرمة خمش الوجه ولطمه، بل ادعي عليه الإجماع .16
 
فإذا كان الحسين (ع) ينهى زينب(ع) عن مجرّد خمش وجهها، فكيف تنطح جبينها حتى يسيل الدم؟
 
وقد تطرح محاولتان لرفع المنافاة المذكورة بين ما تضمنته تلك الرواية وما اشتملت عليه الوصية :
 
المحاولة الأولى:أن يقال: إنّ الإدماء لم يكن مقصوداً لزينب(ع) ولا كانت تتوقّعه عندما لطمت رأسها، فلا يتنافى فعلها هذا مع وصية الإمام (ع) لها.
 
ولكنّ هذا التوجيه لئنْ رفع المنافاة، فإنّه سيقضي على إمكانية الإستدلال بالرواية لإثبات جواز الإدماء؛ لأنّ إدمائها (ع) لرأسها غير مقصود لها بحسب الفرض.
 
المحاولة الثانية:أن يقال: إنّ وصية الحسين (ع) نهتها عن خمش الوجه، وكلامنا في إدماء الرأس.
 
بيد أنّ هذه المحاولة أضعف من سابقتها، وذلك لأننا في هذه المرحلة من البحث لا نبغي الاستدلال بما جاء في الوصية على حرمة التطبير ليورد علينا بما ذكر، وإنّما نريد القول بأنّ الوصية معارضة للرواية المذكورة، والمعارضة محققة، لأنّ تلك الرواية لم ترد في إدماء الرأس ليقال بعدم المنافاة بينها وبين الوصية، وإنما نصّت على أن زينب نطحت جبينها حتى سال الدم، والجبين جزء من الوجه، فالتعارض بينها وبين الوصية الناهية عن خمش الوجه محكم، هذا على أن لقائل أن يقول: إنّ ما ورد في الروايات من النهي عن خمش الوجه يستفاد منه حرمة إدماء الرأس أيضا ولو في غير الوجه أيضا، لأنّ خمش الوجه هو بنظر العرف مثال للإدماء، أو أنه تعبير عن الجزع.
 
 
الخامس:إنّه ورد في الخبر عن الإمام الرضا (ع): "… إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا…" 17، بتقريب أنّ تقريح الجفون معناه جرحها .
 
ولكنّ هذه الرواية، فضلاً عن كونها غير نقيّة السند18، ، فإنّها لا تدلّ على المدعى وهو جواز التطبير، إذ يمكن الاعتراض على دلالاتها:
 
أولا:إنَّ تقريح الجفون هو عبارة عن ظهور أثر البكاء على جفون العين، فترى محمرة لذلك، وهذا التقريح لا يصل إلى حد الجرح كما لا يصل ضرره إلى حدّ ضرب الرأس بالسيف وما يستتبعه من نزف كثير للدم وربّما إغماء، ولذا فإنّ الكثير ممن يضربون قاماتهم يضطرون إلى مراجعة المستشفيات والأطباء، كما نرى ذلك رأي العين، وعليه، فلا يقاس الأعلى بالأدنى.
 
ثانيا:إنَّ تقريح الجفون – كما يرى السيّد الأمين في رسالة التنزيه – يحصل بصورة قهرية، نتيجةً لكثرة البكاء وليس عن اختيار وتعمُّد – كما في ضرب الرأس – وإنْ لم يمكن الجزم بذلك، فلا أقل من احتماله احتمالاً قوياً يمنع من الاستدلال. وعِلْمُ الإمام (ع) بترتّب القرح على بكائه غير معلوم إلّا من باب عِلْم الغيب الذي لو سلم لا يكون مناطاً للتكليف.
 
 
 السادس:إنّ الإدماء هو من مصاديق الجزع، والجزع وإن كان مبغوضاً في المصائب لكنه جائز في خصوص مصيبة أبي عبد الله الحسين(ع)، بل ومحبوب، طبقاً لما جاء في الأخبار الواردة عن الأئمة الأطهار (ع) والتي تتقدم على العمومات والمطلقات الناهية عن الجزع تقدم الخاص على العام والمطلق على المقيد.
 
 ويلاحظ على ذلك:
أولاً:إنّ الرواية الأساس والتي عليها الاعتماد من روايات الجزع هي رواية معاوية بن وهب عن الصادق (ع) والتي جاء فيها: "كل الجزع والبكاء مكروه ما خلا الجزع والبكاء لقتل الحسين (ع)" 19 ، وبصرف النظر عن سند ها وما فيه من إشكال 20، وبصرف النظر أيضاً عما قيل بشأنها أو يقال من منافاتها لحكم العقل باعتبار أنّ الجزع في بعض تعبيراتها العنيفة كالتطبير أو نحوه مما قد يدخل تحت ظلم النفس هو أمر قبيح في ذاته 21، أو هو في الأقل صفة غير حسنة في الإنسان بل مستقبحة عقلائياً، وبصرف النظر عما قد يُطرح كمعارضٍ لرواية الجزع تلك، والمعارض هو ما تقدم من نهي الإمام (ع) لزينب عن خدش وجهها حزناعليه، باعتبار أنّ الخدش من مصاديق الجزع كما هو واضح، وبصرف النظر أيضاً عن منافاته – أي الجزع- لقيمة الصبر التي أكدّ عليها القرآن بتأكيدات لا تقبل التقييد، الأمر الذي يجعل من الصعب الركون إلى هذه الرواية أو غيرها في إثبات هذا الحكم المخالف  للمطلقات والعمومات الناهية عن الجزع ولا سيما بناءً على مبنى حجية الخبر الموثوق، أقول: بصرف النظر عن ذلك كله، فإنّ هذا الخبر يتضمن ما لا يمكن الالتزام به وهو الحكم بكراهة البكاء إلاّ على الإمام الحسين (ع)،  فإن هذا مما لا يمكن  الإلتزام به،  إذ كيف يُحكم بكراهة مطلق البكاء، والحال أنه أمر فطري، وقد بكى رسول الله(ص) على ولده إبراهيم (ص) وعلى جعفر بن أبي طالب،  وبكت الزهراء (ع) على أبيها(ص)  وعلى أختها رقية بنت رسول الله (ص)، وبكى الكثير من الأئمة (ع) في موارد مختلفة . 22
 
 ولأجل ما ذكرناه من الإشكال فقد  سعى غير واحد من الفقهاء لتوجيه الكراهية الواردة في هذا الخبر بتوجيه يرفعع الإشكال والإعتراض ، وقدّم في هذا المجال توجيهان:
 
الأول: ما ذكره الشيخ يوسف البحراني حيث قال: إنّ "المراد بالكراهة هنا عدم ترتب الثواب والأجر عليه مجازاً لا الكراهة الموجبة للذم" .23
 
الثاني:ما ذكره السيد الخوئي رحمه الله من أنّ "المراد بالكراهية فيه الكراهية العرفية، لعدم مناسبته – أي البكاء- مع الوقار والعظمة والمنزلة" .24
 
إلا أنّ هذين التوجيهين مخالفان للظاهر، ولا سيما الثاني، فلا يصار إليهما، والسيد الخوئي رحمه الله معترف بأنّ ما ذكره هو تأويل للخبر، فلا ملزم للأخذ به، لأنّنا ملزمون باتباع الظواهر دون الإحتمالات والتأويلات، ومن الواضح أنّ حمل الكراهية في كلام المعصوم على الكراهة العرفية هو مجرد احتمال يحتاج إلى قرينة، لأن المعصوم هو في صدد بيان الأحكام الشرعية، لا الأحكام العرفية، على أن كراهية البكاء عرفا وعدم مناسبته للوقار أمرغير دقيق، إذ لنا أن نسأل أين هو العرف الذي يستنكر البكاء؟ وهل يستنكره بالنسبة للرجال أم للنساء ؟ لا يخفى أنّ النساء من دأبهن البكاء ولا يعيبهن ذلك، والرجال أيضا يبكون في المصائب ولا يعيبهم ذلك ولا ينافي وقارهم، أجل المكروه عرفا هو مرتبة من البكاء تبلغ حد الجزع، وفي ضوء ما تقدم من عدم وجود جواب مقنع للإشكال المتقدم، فسوف يضعف الوثوق بالخبر المذكور، ويزداد وهنا على وهن، ولا سيما على مبنى القائلين بحجية الخبر الموثوق.
 
ثانياً:مع التسليم بصحة الرواية وقابليتها لتخصيص المطلقات وإمكان توجيه كراهة البكاء الواردة فيها بشكل أو بآخر، إلاّ أنّ كون التطبير من مصاديق الجزع  غير واضح، لأن التعبير عن الجزع لدى الناس لم يعهد من خلال الإدماء ولم يُعرف عن أحداً أنه كان يعبر في حالات جزعه بجرح رأسه وإدماء نفسه بشكل متعمد واختياري، وإن كان قد يحصل الإدماء ويترتب على بعض تصرفات الإنسان الجزع بشكل غير مقصود له.
 
ثالثاً:مع التسليم بمصداقية التطبير للجزع إلا أنّ ما دلّ على حرمة التطبير ولو بالعنوان الثانوي – كما سيأتي- يخرجه عن المصداقية المذكورة إخراجاً حكمياً، لأنّ الجزع – على فرض إباحته – لا يُؤدى بطريقة محرمة، أترى هل يتوهمنّ أحد أنّ دليل الجزع يشمل صورة خلع الإنسان ثيابه بالكلية والمشي عارياً أمام الناظر المحترم باعتبار أنّ ذلك من مصاديق الجزع؟! أو يشمل صورة خلع المرأة لحجابها وكشفها لأجزاء من جسدها بنفس الإعتبار؟ وهل يتحقق الجزع بقطع الإنسان لبعض أصابع يده؟! بالطبع لا، لأنّ دليل الجزع ليس مشرّعا أو مبيحا للمحرمات، وإنما يؤدى الجزع – على فرض شرعيته في نفسه – بالطرق المشروعة، وعليه، فلا بدّ من إثبات عدم حرمة التطبير في الدرجة الأولى ليتمسك بعد ذلك بدليل الجزع لإثبات إباحته.
 
 رابعاً:إنّ المستفاد من بعض الروايات أنها وضعت سقفاً أعلى للجزع فلا يُتجاوز، ففي خبر جابر عن أبي جعفر (ع)، قال: "قلت له: ما الجزع؟ قال: أشد الجزع الصراخ بالويل والعويل ولطم الوجه والصدر وجز الشعر من النواصي" 25. فهذا هو أقصى الجزع وأشده أما ما هو غير ذلك أو أعنف منه كالتطبير فلا يدخل في الجزع، وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة السند، إلاّ أنّها تؤيد ما ذكرناه
 
وهناك حجج أخرى لمؤيّدي التطبير أضعف ممّا تقدّم فلا ضرورة لذكرها.
 
المعارضون وحججهم
 
تمسَّك معارضو التطبير بأحد وجهين:
 
الأول:أنَّ هذا العمل فيه إضرار واضح بالنفس، وكلّ إضرار بالنفس حرام، ويدلّ على ذلك العقل الذي يحكم بقبح ظلم النفس، وسيرة العقلاء المستقرة على ذمّ من يجرح نفسه ويدميها بغير سبب مشروع، وهكذا النصوص الكثيرة، مثل ما ورد عن إمامنا الباقر (ع): "ولكنّه سبحانه خَلَقَ الخَلْق، فعلِم ما تقوم به أبدانهم فأحلّه لهم… وعَلِم ما يضرّهم فنهاهم عنه…" 26، إلى غير ذلك من الروايات المستفيضة والأدلّة التي يُستفاد منها حرمة الإضرار بالنفس ولو لم يصل إلى حدّ الهلاك المحتم. (راجع للتوسّع في شأن هذا الدليل وما أورد عليه ما ذكرناه في كتاب: "في فقه السلام الصحيّة التدخين نموذجاً").
 
وقد اتّفق الفقهاء، كما ينقل السيّد محسن الأمين: أنّه إذا خاف المكلّف حصول الخشونة في الجلد وتشقّقه من استعمال الماء في الوضوء، انتقل فرضه إلى التيمُّم ولم يجز له الوضوء، مع أنّه أقل ضرراً وإيذاءً من شقّ الرؤوس بالمدى والسيوف .27
 
 وقد تمسّك بهذا الدليل في المقام كلٌّ من السيد الأمين والسيد فضل الله، وقد اعترف الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء رحمه الله في كتابه "الفردوس الأعلى" بأنّ مقتضى القواعد الفقهية من حرمة الإضرار وإيذاء النفس وإلقائها في التهلكة هو حرمة التطبير والإدماء، وإن حاول رحمه الله في استدراك له أن يثبت الحلية في صورة ما لو صدر هذا العمل بنحو العشق وقصد الحب لأبي عبد الله الحسين(ع)، ولكن محاولته هذه غير موفقة، لأن النوايا الحسنة لا توجب تغيير الحكم الشرعي كما لا توجب تغيير الموضوع في المقام وهو الإضرار بالنفس .28
 
الثاني:إنّ هذا العمل لو افترضنا أنّه مباح بالعنوان الأولي، ولكن بما أنّه صار موجباً لوهن المذهب وهتكه، ورمي أتباعه بالوحشية والتخلّف والسخرية منهم، فيحرم بالعنوان الثانوي، ولا سيما أنّ  الأئمّة (ع) قد أمروا أتباعهم بأن لا يفعلو ما يُسيء إليهم: "كونوا زيناً ولا تكونوا شيناً، حبِّبونا إلى الناس، ولا تُبغِّضونا، جرّوا إلينا كلّ مودّة، وادفعوا عنّا كلّ قبيح…" 29. وقد تمسّك بهذا الدليل كثيرون من العلماء والفقهاء (كالسّادة: الأمين وفضل الله والخامنئي وهاشم معروف الحسيني، والشيخ مغنيّة..)، وأقرّ آخرون بأنّ هذا العمل لو كان موجباً للهتك والسخرية فهو محرَّم، كالسيد الحكيم الذي أفتى "بأنّه لا مانع منها إن لم يكن فيها خوف الضرر… ولم تكن موجبةً للسخرية وتهييج عداوة الغير" 30، ونظير هذا الكلام قاله السيد الخوئي في الإجابة على بعض الاستفتاءات .31
 
وطبيعي أنّ صدق عنوان الهتك والتوهين أو السخرية – كما عبَّر السيد الحكيم – لن يدركه أو يتوجه إليه إلّا مَنْ له اطّلاع على أصداء المسألة في الواقع العالمي، وما تعكسه وسائل الإعلام من ردود الفعل تجاهها، وما تتركه من انطباعات سيّئة في نفوس الآخرين إزاء أتباع مدرسة أهل البيت (ع).
 
وقد يقول قائل: إذا كان استهزاء الآخر وسخريته موجباً لترك هذه العادة وتحريمها، فهذا يستلزم رفع اليد عن الحجّ والصلاة وغيرهما من العبادات؛ لأنَّ الغير قد يسخر من حجّنا وما فيه من أعمال قد تبدو غريبة، مثل رمي الجمرات أو الطواف بالبيت أو السعي بين جبلي الصفا والمروة.. وهكذا قد يَسخَرْ الآخرون من صلاتنا وما فيها من ركوع وسجود.. أفهل نترك الحج والصلاة أو غيرها من الشعائر حتى لا يسخر منا الآخرون؟!
 
والجواب: إنّ الصلاة والصيام والحجّ هي من العبادات والفرائض التي قام عليها الدين، وما كان كذلك فلا مجال لرفع اليد عنه بسبب سخرية الآخرين واستهزائهم، وأمّا التطبير فليس واجباً، وإنّما هو – إن لم يكن محرماً- على أحسن التقادير عمل مباح، والمباح يتغيَّر حكمه بتغيّر العناوين، أو طروء عناوين ثانوية عليه كعنوان الهتك أو نحوه، ولا يقاس بالواجب إطلاقاً.
 
هذا كلّه لو كان هذا العمل (التطبير) يؤتى ويؤدى لا بقصد القربة والعباديّة، وأمّا مع الإتيان به بعنوان التعبُّد والتقرُّب إلى الله سبحانه، كما هو الملحوظ خارجاً فسوف يبرز أمامنا وجه ثالث للتحريم، ألَا وهو عنوان البدعة، فإنَّ أي عمل عبادي أو شعائري يؤتى به بكيفيّة خاصةً، إن لم يقم عليه دليل خاص، كان ابتداعاً في الدين وتقوّلاً على الله بما لم يقله.
 
ولكن يمكن التعليق على ذلك بأنه يكفي لخروج العمل عن الإبتداع وجود الأمر به ولو كان دليله عاما، ولا حاجة للدليل الخاص، فتأمل.  
 
موقف العلماء من ضرب الرأس
 
قد يحلو للبعض أن يقول: إنَّ القول بتحريم التطبير شاذٌّ ولم يتبنَّاه من يُعتدُّ به من العلماء والفقهاء، ولكن هذا الكلام ناشئ من قلّة الاطّلاع على آراء العلماء، فإنّ الكثير من علمائنا وفقهائنا وقفوا بوجه هذه العادة وغيرها من العادات الدخيلة، يقول الإمام الخميني في إشارة نرجِّح أنّها ناظرة إلى مسألة التطبير: "فنحن لا نقول ولا يقول أحد من المؤمنين إن كلّ عمل يقام بهذا العنوان هو عمل مقبول، بل إنّ العلماء الكبار اعتبروا الكثير من هذه الأعمال غير جائزة وكانوا يمنعون منها" .32
 
ويُعتبر العلامة الكبير السيد محسن الأمين من أشجع العلماء في مواجهة هذه العادة وغيرها من "المنكرات والبِدَع" – على حدِّ تعبيره – التي أدخلت على الشعائر الحسينية، وقد قاد (رحمه الله) حركةً إصلاحيةً في مواجهتها، وناصره في حركته هذه السيد أبو الحسن الأصفهاني، – مفتياً بحرمة ضرب الرأسوالسيد هبة الدين الشهرستاني والشيخ عبد الكريم الجزائري المجتهد الكبير، وهكذا العلامة الشيخ محسن شرارة والسيد مهدي القزويني وغيرهم .33
 
وقد اعترف الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء 34 بأنَّ مقتضى القواعد حرمة إدماء الرأس كما أسلفنا، وإن دافع عنه في بعض كتبه الأخرى، ونُقل عن السيد الحكيم قوله: "إنَّ ضرب القامة غُصَّة في حلوقنا" .35
 
وهكذا هاجم هذه العادة علماء آخرون، فالسيد هاشم معروف الحسني اعتبرها ظاهرةً شاذّةً ودخيلةً، وأنّها من الزيادات التي أساءت إلى المآتم الحسينية وإلى التشيّع، وقد استغلّها أعداء الشيعة للتنديد والتشويه والسخرية، وصاروا يقصدون بلدة النبطية يوم العاشر من المحرّم ويسمُّونه يوم جنون الشيعة، ويضيف بأنَّ الأئمّة بلا شكّ لا يرضون بهذه المظاهر ويتبرَّأون منها .36
 
وهكذا وجدنا الشيخ عبد الله نعمة يراها من الشوائب الغريبة البعيدة عن روح الذكرى وجلالها وأهدافها، وأنّها لا تتّصل بالدين بسبب أو نسب، وإنّما هي عادة دخيلة على المجتمع الشيعي امتصّها من خارجه 37، وبالجرأة عينها تصدَّى العلامة المرجع السيد فضل الله لمواجهة هذه العادة وتحريمها.
 
وأخيراً وليس آخراً، فقد دعا سماحة السيد الخامنئي إلى محاربة هذه الظاهرة والمنع منها؛ لأنّها تسيء إلى التشيُّع وتشوِّه صورته. وإثر موقف السيد الخامنئي هذا، فقد صدرت العديد من المواقف العلمائية المؤيّدة له والداعمة لرأيه.
 
ونختم الحديث بكلمة للشيخ محمد جواد مغنية تصوّر موقف العلماء اتّجاه هذه العادة، يقول رحمه الله: "وعلماء الشيعة بكاملها دون استثناء ينكرونها أشدَّ الإنكار، وإذا سكت عنها مَن سكت وغضّ الطرف، فإنّما يسكت خوفاً من بعض العوام الذين اتخذوها سبيلاً للاتّجار والكسب" {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران:175] .38
 
 
 
 
 * تعود كتابة هذا البحث حول التطبير إلى ما يقرب من عقد من الزمن، وقد نشر حينها في جريدة بينات الصادرة عن مكتب المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله وقد أجرينا عليه بعض التعليقات الطفيفة وألحقنا به بعض الإضافات.
1-  أصل الكلمة مأخوذ من اللغة الفارسية، فإنّ "الطّبر والطبرزين: الفأس من السلاح، والكلمتان فارسيّتان"، (المنجد في اللغة 459، ونحوه ما في المعجم الوسيط، ج2، ص555).
2-  راجع كلماتهما في سيرة الأئمّة الاثني عشر، للسيد هاشم معروف الحسني، ج2، ص107.
3-  التنزيه ص31.
4- من وحي الثورة، ص167.
5-  راجع كتاب: الإمام عليّ (ع) في قوتيه الجاذبة والدافعة ص165.
6-  التنزيه، ص30.
7-  نقلاً عن دائرة المعارف الشيعيّة، ج7، ص432.
8-  راجع المكاسب المحرَّمة للشيخ الأنصاري، ج1، ص308.
9-  أنظر: حديث عاشوراء للسيد فضل الله ، ص134.
10-  الملحمة الحسينيّة، ج1، ص35.
11- فتاوى العلماء في الشعائر الحسينيّة، ص100،141.
12- بحار الأنوار، ج45، ص114.
13-  زينب الكبرى، ص112.
14-  الإرشاد، ج2، ص94 ورواه الطبري.

نظرة حول التداوي بالقرآن والأحراز والطبّ النبوي

18 نوفمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2 زيارة

يسود في بعض الأوساط الإسلامية اعتقاد خاطىء بشأن مسألة الاستشفاء والتداوي، ويتلخص هذا الاعتقاد بأن قضية التداوي تعتبر قضية غيبية يرجع فيها إلى النصوص، ووصايا النبي (ص) وأهل بيته (ع)، وليس إلى أهل الخبرة من الأطباء، فهل أن لهذا الكلام نصيباً من الصحة ؟
 وبيان الموقف من هذا الاعتقاد يفرض علينا من الناحية المنهجية أن نتوقف في البداية عند المبدأ الأساس في قضية التداوي والاستشفاء، فهل هي قضية غيبية تعبدية وتؤخذ من النصوص الدينية؟ أم أنها قضية تعتمد على معطيات مادية يرجع فيها إلى أهل الاختصاص؟ ثم ننتقل بعد ذلك للتوقف عند النصوص الدينية الكثيرة الواردة في التداوي ، لنتسائل عن كيفية التعامل مع هذه النصوص؟
 لشفاء وقانون العلية:
وعلينا في البداية أن نستذكر القاعدة القرآنية العامة التي تحدثنا عنها في بداية الكتاب وحاصلها : أن سنّة الله جرت على ارتباط المسببات بأسبابها، وفق قانون العلّيّة الحاكم على هذا الكون، فمن رام الرزق فعليه بالكد والعمل، ومن أراد النصر فعليه بإعداد العدّة والعدد، ومن رغب بالشفاء والعافية، فعليه استعمال الدواء المناسب، هذه هي القاعدة الصحيحة المستفادة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وعلى الإنسان أن يتحرك وفقها، ليكتشف أسباب الأمراض وعوارضها، بالملاحظة والتجربة، ويتعرف على مضاداتها وطرق علاجها بالوسائل العلميّة، دون أن يعني ذلك المسّ بقدرة الله وصفاته، فالله سبحانه هو الشافي حقيقة، لكنه يشفي من خلال الأسباب الطبيعية، وبتوسط الأدوية التي أودع فيها خاصية الشفاء، تماماً كما يرزق العباد بتوسط أسباب الرزق المتعددة، من دون أن يعني ذلك إلغاء دور الدعاء، وطلب العافية من الله سبحانه، فإنّنا نطلب منه أن يَمُن علينا بالعافية مع خلال استعمالنا للدواء، وأخذنا بأسباب الشفاء، ومنه يتضح معنى قوله تعالى على لسان ابراهيم: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}[الشعراء : 80]، فإبراهيم(ع) لا يريد القول بأنّ الله يشفيه بشكلٍ مباشر، وبعيداً عن أسباب الشفاء، وهذا ما يشهد به السياق، أعني قوله تعالى قبل هذه الآية: {هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ}[الشعراء : 79] ، فمن المعلوم أن سنته تعالى جرت على أن لا يطعم الإنسان بشكل مباشر، بعيداً عن طلب الرزق، والأخذ بأسبابه، وإنما يطعمه من خلال الطريقة المألوفة في الأخذ بالأسباب .
 
وأما ما جرى أو يجري مع بعض الأولياء، أو غيرهم من حصول الشفاء دون استعمال الدواء، أو الرزق من دون طلب، كما حصل لمريم(ع) التي حدثنا القرآن، أنّ رزقها كان يأتيها من عند الله" {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}[آل عمران : 37]، فهي حالات استثنائية ونادرة، تدخل في إطار المعاجز والكرامات، والحياة لا تتحرك على أساس المعاجز ولا تسير على أساس العجائب، فهذا الطريق إذن طريق استثنائي وغير مضمون النتائج وليس متاحاً لكلّ الناس، وهكذا لا يمكن التعويل على مجرد الدعاء وحده، لأنّ الله قد لا يستجيب الدعاء لبعض الموانع، أو لفقد بعض شروط الاستجابة، أو لبعض المصالح التي لا يعلمها غيره، الأمر الذي يحتم علينا التحرك وفق القاعدة العامة، أعني قاعدة العلّية وارتباط الأمور بأسبابها، وإنّ الشواهد القرآنية و الحديثية التي تؤكد هذا المبدأ أكثر من أن تحصى، ويكفي أن نشير هنا إلى أنّ رسول الله(ص) أمر بالتداوي ليس تعبّداً، بل لأنّ الذي خلق الداء خلق الدواء، وسأله رجل: "أأعقل ناقتي وأتوكل أو أدعها وأتوكل؟ فقال(ص): "إعقلها وتوكل" .
 
المفيد وتوقيفية الطب:

هذا ولكن للشيخ المفيد رأياً مختلفاً لا يخلو من غرابة، إن حمل على ظاهره، وحاصل ما يراه: أنّ مسألة الطب و المداواة مسألة توقيفية، ترتبط بالوحي دون سواه، قال رحمة الله:
"الطب صحيح، والعلم به ثابت، وطريقه الوحي، وإنما أخذه العلماء عن الأنبياء، وذلك أنّه لا طريق إلى علم حقيقة الداء إلا بالسمع، ولا سبيل إلى معرفة الدواء إلاّ بالتوقيف، فثبت أنّ طريق ذلك هو السمع عن العالم بالخفيات تعالى" .
 
وبالإمكان أن نثير أمام هذا الكلام عدة ملاحظات:
 
أولاً: أنّ الأخذ به على ظاهره, والالتزام بتوقيفية علم الطب، وأنّ طريقه هو الوحي فحسب، يعني نسف علم الطب وإلغائه من رأس، والتنكر لكلّ الجهود الطبية الهادفة للتعرف على أسباب الداء، وخصائص الدواء من خلال التجربة و الملاحظة.
 
ثانياً: إن الداء هو اعتلال جسدي له أسبابه الطبيعية المفهومة، أو التي يمكن تفهمها والتعرف عليها، كما أن الدواء هو علاج ومضاد يحوي خصائص طبيعية معينة، من شأنها في حال اكتشافها القضاء على المرض أو محاصرته، فلا الداء أمر غيبي ولا الدواء أمر توقيفي، و عليه فالسبيل الأمثل لمعرفة المرض وأعراضه، والدواء وخصائصه، هو التجربة والملاحظة الدقيقة، لا الوحي والغيب، لأنّ النبيّ محمد(ص) كغيره من الأنبياء لم يُبعث طبيباً، بل بُعث هادياً ورسولاً للناس كافة، أجل هو طبيب النفوس والقلوب، كما وصفه علي(ع) :"طبيب دوار بطبه قد أحكم مراهمه واحمى مواسمه، يضع ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عمي وآذان صم وألسنة بكم، متتبع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة…" .
 
ثالثاً: وأعتقد أنّ القضية لا تنتهي عند ما قدمناه، بل نرى ضرورة مقاربتها من زاوية أخرى، هي الأهم في المقام، وهي تحتاج إلى دراسة ومتابعة، وحاصلها: انّ ما هي علاقة النبي(ص) كمعصوم بالطب، فهل أن ما يصدر عنه في هذا المجال – إن ثبت صدوره- يعتبر وحياً إلهياً ينطبق عليه قوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}[النجم : 4] أم أن سبيله هو سبيل الخبرة المكتسبة من تجارب الحياة؟
 
والإجابة على ذلك تقودنا إلى الحقل العقائدي الكلامي، لمعرفة أنّه هل يشترط في النبي(ص) أن يكون عارفا بكل العلوم والصناعات واللغات، مما لا تمت إلى الدين بصلة، أم أنه لا يشترط ذلك؟ فإذا بنينا على أن المعرفة بذلك هي شرط في النبوّة، فمن الطبيعي أن نلتزم في المقام بأنّ معرفته (ص) الطبّية تنطلق من خلال وحي الله، وتعليمه له، مما لا مجال معه للخطأ والاشتباه.
 
وأمّا إذا أخذنا بالرأي الآخر الأقرب إلى الصواب، والقائل: بأنه ليس من شرط النبوة، المعرفة بذلك والاطلاع عليه، كما اختاره جمع من الأعلام، أمثال المفيد والمرتضى والسيد محسن الأمين قدس الله أسرارهم ، فعند ذلك ينفتح باب الاحتمال في أن يكون ما صدر عنه في الطب ونحوه، منطلقاً من موقع الخبرة التي اكتسبها (ص) من تجارب الامم الواصلة اليه، مضافا إلى تجربته الخاصة، ومعه تغدو الروايات الطبّية حتى على فرض صحتها خاضعة للسياق التاريخي والظرف الزمني الصادرة فيه، فهي تراث طبي، انطلق من ثقافة ذلك المجتمع وخبراته المتراكمة، التي أضحت ثقافة متواضعة، بالقياس إلى الثورة العلمية الكبيرة على المستوى الطبّي مما توصل إليه الإنسان في القرن الأخير، وقد عرضنا لهذا الموضوع في كتاب الشريعة تواكب الحياة، وسجّلنا على القول بالخبرة بعض الملاحظات.
 
وفي ضوء ما تقدّم من ملاحظات، فإننا نسجل تحفّظا على ما قد يصطلح عليه البعض بالطب الديني والروحاني أو الدواء الشرعي، فإن الشرع ليس له أدوييته وعقاقيره الخاصة فيما يرتبط بصحة الإنسان، بعيداً عما تكشف التجربة جدواه، وتبرهن على فعاليته، والمرجع في ذلك هم أهل الخبرة، من الأطباء المختصين، وليس علماء الدين والفقهاء، فإذا وصف الطبيب دواء للمريض ينبغي له الأخذ به، بل ربما وجب عليه ذلك، وإن لم يكن هذا الدواء وارداً في النصوص، كما لو أنه نهاه عن إستعمال دواء، لأنه مضر بصحته فعلى المريض اجتنابه، و إن كان وارداً في النصوص والروايات.
 
الأئمة (ع) يراجعون الأطباء:
وإنّ خير دليل على صحة ما ذكرناه، من أنه لا تعبّد في قضايا الطب، لجهة استعمال الدواء أو تشخيص الداء، هو ما جاء في سيرة النبي (ص) و أهل بيته(ع)، فقد أمروا بالتداوي، لأن الذي خلق الداء خلق الدواء، ولم يسجل التاريخ لهم موقفا سلبيا من الطب والأطباء، بل كانوا أنفسهم يستدعون الأطباء للمعالجة أو يأذنون بذلك، ولا يمانعون منه إذا ابتلوا هم أو أصحابهم ببعض الأمراض، ففي الحديث عن الإمام الصادق(ع) إنّ قوماً من الأنصار، قالوا يا رسول الله إن لنا جاراً اشتكى بطنه، أفتأذن لنا أن نداويه؟ قال: بماذا تداوونه؟ قالوا: يهودي عندنا يعالح من هذه العلة، قال: بماذا؟ قالوا: يشق بطنه فيستخرج منه شيئاً، فكره ذلك رسول الله(ص) فعاودوه مرتين أو ثلاثاً، فقال: إفعلوا ما شئتم، فدعوا اليهودي فشق بطنه، و نزع منه رجرجاً كثيراً، ثم غسل بطنه ثم خاطه وداواه، فصح، فأخبر النبي(ص) فقال: "إنّ الذي خلق الأدواء خلق لها دواء …" .
وفي الحديث أن علياً(ع) لما ضربه ابن ملجم بالسيف على رأسه "جُمع له أطباء الكوفة، فلم يكن منهم أحد أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هاني السكوني، وكان مطبباً صاحب كرسي يعالج الجراحات، وكان من الاربعين غلاماً الذين كان خالد بن الوليد أصابهم في عين التمر فسباهم، وإن أثير لما نظر إلى جرح أمير المؤمنين(ع) دعا برئة شاة حارة واستخرج عرقاً منها، فأدخله في الجرح، ثم استخرجه، فإذا عليه بياض الدماغ، فقال له: "يا أمير المؤمنين إعهدْ عهدك، فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى ام رأسك، فدعا علي(ع) عند ذلك بصحيفة ودواة وكتب وصيته.."
 
هكذا تأخّر المسلمون:
وهكذا فليس غريباً أن يتأخر المسلمون في علم الطب، بعد أن كانوا رواداً في هذا المجال وأغنوا بمؤلفاتهم التراث الطبي في الشرق والغرب،كما يقول الدكتور فليب حتي، ليس مستغرباً أن يتأخروا، بعد أن سادت بينهم فكرة الطب التعبدي، الذي يفتش أصحابه عن طرق وأساليب المداواة في النصوص والروايات، بدل التعرف على أسباب الأمراض وعوارضها، اعتماداً على التجربة والملاحظة الحسية، ومن ثم يعمل على اكتشاف مضادتها الحيوية، من خلال ما أودعه الله في هذا الكون الفسيح، من مكونات الشفاء وخصائصه.
 
وليس أقل غرابة من ذلك، انتشار فكرة التداوي بالتمائم والأحراز، أو سور القرآن الكريم، اعتماداً على نظرة خاطئة، وفهم مبتور لبعض الآيات والروايات التي تؤكد على ضرورة اللجوء إلى الله سبحانه، وطلب العون منه، بما لا ينافي مبدأ الأسباب والمسببات كما تقدّم.
 
وقد وصل الأمر ببعض الناس إلى حدّ الاستشكال في مراجعة الأطباء، لأنّ ذلك بزعمهم ينافي إخلاص التوحيد لله سبحانه، لأنه هو الشافي والمعافي وبيده الأمور كلّها، مع أنّ من الواضح أنّ استعمال الدواء والرجوع إلى أهل الخبرة من الأطباء، لا ينافي كون الله هو الشافي، باعتبار أنه تعالى هو الذي خلق خاصية الشفاء في الدواء، وهو علّة العلل.
نظرة تأملية في الروايات الطبية
وبعد هذا الكلام التأصيلي حول علاقة الوحي بالطب ،لا بد لنا أن نطل على تراثنا الإسلامي الذي يضم مجموعة وفيرة من الروايات الواردة عن النبي (ص) والأئمة من أهل البيت(ص)، وتتحدّث عن خصائص الأدوية والعقاقير، وكيفية التداوي بالأعشاب وغيرها، وبيان منافعها ومضارها، أو حول التداوي بالقرآن .. وقد ألّفت في هذا الصّدد مصنّفات عديدة مثل كتاب طبّ الأئمّة لابن بسطام، وطب الإمام الرّضا (ع) المعروف بالرسالة الذّهبيّة، وطبّ الإمام الصّادق(ع) ، وكذا الطّب النبويّ لابن القيم الجوزية، إلى غير ذلك من العناوين و الأسماء التي كثر تداولها مؤخرا، وراج سوقها، كتابة و طباعة، وقراءة.
 
وفي تقييم عام وأوّلي لتراثنا الطبي يمكننا تصنيفه إلى عدّة مجاميع:
 
التداوي بالقرآن
المجموعة الأولى: هي الروايات التي تحث على المداواة بالقرآن وسوره وآياته، أو بالأدعية والأذكار والرقى والأحراز، وتَعتبر ذلك الأسلوب الناجع، وربما الوحيد في معالجة الأمراض، ويتبنّى هذا الاعتقاد بعض العلماء، ومنهم الشيخ الصدوق رحمه الله، حيث قال:
"وأمّا أدوية العلل الصحيحة عن الأئمة، فهي آيات القرآن، وسوره، والأدعية على حسب ما وردت به الآثار بالأسانيد القوية والطرق الصحيحة" .
ويعتمد أصحاب هذا الاعتقاد على ما ورد في الكتاب والسنة، مما يؤكّد أنّ الشفاء بيد الله تعالى كما في قوله سبحانه: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}[الشعراء : 80], وقوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً}[الإسراء : 82] .
ولكن هذا الاعتقاد غير دقيق بنظرنا، فالتداوي بآيات القرآن وسوره، أمر غير ثابت، ويفتقر إلى الدليل الصحيح، لأنّ قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}[الإسراء: 82]، لا يُراد به بحسب الظاهر أنه عقار ودواء لأمراض الجسد، و إنما هو شفاء لأمراض القلوب والأرواح، وأمراض المجتمع، فعن أمير المؤمنين(ع): "إنّ في القرآن شفاءً من أكبر الداء، وهو الكفر والنفاق والبغي والضلال" .
 
يقول العلامة الطبطبائي رحمه الله في تفسير الآية المتقدمة:
"فالقرآن شفاء ورحمة للقلوب المريضة، كما أنه هدى ورحمة للنفوس غير الآمنة من الضلال، وبذلك تظهر النكتة في ترتب الرحمة على الشفاء"، ويضيف: "فمعنى قوله: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين": وننزل إليك أمراً يشفي أمراض القلوب ويزيلها، ويعيد إليها حالة الصحة والاستقامة، فتتمتّع بنعمة السعادة والكرامة" .
وأمّا الروايات الواردة في الاستشفاء بآيات القرآن الكريم، فهي بحسب التتبع ضعيفة الإسناد، كما في مرسلة ابن سابور في طب الأئمة، عن أبي عبد الله(ع) "ما اشتكى أحد من المؤمنين شكاة قط، فقال بإخلاص نية، ومسح موضع العلّة: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً}[الإسراء : 82] إلاّ عُوفيَ من تلك العلة، أية علة، ومصداق ذلك في الآية حيث يقول {شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} . ثم لو صحت هذه الروايات، فإنّ سبيلها سبيل الروايات الواردة في مسألة التداوي بالأحراز والرقى والعوذات، مما يأتي الحديث عنه في المجموعة الثانية.
 
التداوي بالأحراز:
المجموعة الثانية: هي ما ورد حول التداوي بالأحراز والرقى والأدعية.. وقد نقلها العلماء في كتب الأدعية، فذكروا لكلّ داء رقية ، ولكلّ وجع عوذة، وملاحظتنا الأساسية على هذه الروايات ـ مع صرف النظر عن أسانيدها ـ ، أنها لا ترمي إلى القول بارتباط الشفاء بشكل مباشر بالأحراز أوالرقى أو العوذات ونحوها، بل تهدف إلى تأكيد مبدأ الإرتباط بالله، واللجوء إليه في كلّ المصاعب والشدائد، وهذا الارتباط له تأثير بالغ في حصول الشفاء ولو بشكلٍ غير مباشر، لأنّ من الثابت علمياً والمشاهد بالعيان، أنّ الألم النفسي الذي يصيب الإنسان بفعل الحزن والخوف والاضطراب والقلق هو منشأ الكثير من الأمراض، كما أنه يمكّن المرض من الفتك بجسم الإنسان، ما يجعل الدواء غير ذي جدوى، إلاّ إذا اقترن بتقبّل المريض لمرضه، وإنّ أفضل أسلوب يعتمده الإنسان في محاولة التغلّب على المرض، هو اللجوء إلى الله، والركون إلى حسن تدبيره وقضائه، ومن هنا تأتي هذه الأدعية والأحراز والعوذات، كغذاء روحي يبعث على الأمل والتفاؤل لدى المريض، ويحضّه على التسليم بما قسم له الله، مما يساعده على التوازن وعدم السقوط أمام المرض، أمّا أن يكون لها تأثير مباشر ومستقلّ في الشفاء، بعيداً عن قانون العلّية وعن الأخذ بالأسباب الطبيعية، فهذا أمر لا تساعد عليه الأدلّة، ولا هو ثابت إلاّ على نحو الكرامة، وهي حالة استثنائية ونادرة، كما أسلفنا.
 
الآداب الشرعية
المجموعة الثالثة: ما يندرج في سياق الآداب الشرعية، أوالرسوم الأخلاقية ، وذلك من قبيل التسمية على الطعام ،ففي الحديث عن علي (ع) في وصيته لكميل: "إذا أكلت الطعام فسم باسم الذي لا يضرّ مع اسمه داء .." ، أو من قبيل ما ورد في الحث على الأكل باليمين وأن يأكل المرء مما يليه، فعن رسول الله (ص) مخاطباً أحدهم: "سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك" ، وكذا ما ورد في الحث على خلع النعال أثناء الطعام، فعن رسول الله (ص): "اخلعوا نعالكم عند الطعام فإنّه سنُّة جميلة" ، إلى غير ذلك من التعاليم ذات الطابع الأخلاقي، والتي يجدر بالمرء المسلم مراعاتها، لأنّها تندرج في سياق العادات الاجتماعية الحسنة، والسنن الإسلاميّة الطيّبة.
 
النصائح الطبية
المجموعة الرابعة: ما يندرج ويصنّف في دائرة النصائح الطبية و الصحية العامة، من قبيل ما ورد عن رسول الله(ص) "المعدة بيت كلّ دواء والحمية رأس كلّ دواء" ، ورُويت هذه الحكمة عن علي(ع) ، وقيل: إنها من حكم الحرث بن كلدة، طبيب العرب المشهور ، وكذا ما ورد عنه (ص): "صوموا تصحّوا" ، أو ما ورد عن علي (ع) من كلامه لابنه الحسن(ع): "يا بني ألا أعلّمك أربع خصال تستغني بها عن الطب؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين(ع)، قال: لا تجلس على الطعام إلا و أنت جائع، ولا تقم عن الطعام إلا وأنت تشتهيه، وجوّد المضغ، وإذا نمت فاعرض نفسك على الخلاء…" ، أو ما ورد في الحث على غسل اليدين قبل الطعام وبعده، ففي الحديث عن أمير المؤمنين(ع): "غسل اليدين قبل الطعام وبعده زيادة في العمر، وإماطة للغمر (الغمر: ريح اللحم ودسومته) عن الثياب، ويجلو البصر" .. إلى غير ذلك من الوصايا ذات الطابع الوقائي، مما أثبتت التجربة صحّتها، وأكّدها أهل الاختصاص، وهذه المجموعة لا تثير إشكالية في المقام، بل ربّما شكّلت شاهد صدق لصالح الرسول والرسالة.
 
الروايات العلاجية
المجموعة الخامسة: هي الروايات التفصيلية ذات الطابع العلاجي وهي تبلغ المئات، و ربما لامست حدود الألف ، ويندج في هذه المجموعة ما ورد بشأن خواص الأطعمة والأشربة والفواكه والأعشاب .
وهذه المجموعة بحاجة إلى دراسة توثيقية موضوعية تحليلية، بهدف غربلتها، ووضعها في نصابها الصحيح، وهذا وإن لم يسع المقام للقيام به بشكلٍ تفصيلي، فإنّنا نقتصر على تسجيل ملاحظتين أساسيتين، وإذا ما أُضيف إليهما ملاحظة ثالثة وهي ما تقدّم في فقرة "المفيد وتوفيقية الطب"، فسوف يتّضح الموقف في التعامل مع هذه الأخبار.
 
بين مشرحتي علم الطب وعلم الرجال:
وأول خطوة على هذا الصعيد هي عرضها على مشرحة علم الرجال، لتقييم أسانيدها ومعرفة ما يصح منها وما لا يصح، و هكذا دراسة لم تحصل لحد الان، رغم أنها ضرورية، خاصة بملاحظة حصول الوضع والكذب في الروايات الطبية، كما سيأتي الاعتراف بذلك من أحد كبار العلماء المطّلعين على الأخبار والمصنّفين فيها، عنيت بذلك الشيخ الصدوق رحمه الله، لكن الشائع عند العلماء عدم الاهتمام بأسانيد هذه الروايات، وأمثالها مما لا ربط له بالحكم الشرعي، وفقاً لقاعدة التسامح في أدلة السنن، يقول العلامة المجلسي وهو يقيّم مصادر كتابه بحار الأنوار، تعليقاً على كتاب طب الائمة:
"إنّه ليس في درجة سائر الكتب لجهالة مؤلفه ولا يضر ذلك، إذ قليل منه يتعلّق بالأحكام الفرعية، وفي الأدوية والأدعية لا نحتاج إلى الأسانيد القوية" .
لكن الملاحظة التي يمكن تسجيلها هنا: أنّ قاعدة التسامح المذكورة غير ثابتة، بل ثبت وهنها في علم الأصول، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنّ الروايات الطبّية وإنْ لم ترتبط بالعمل والسلوك، لكنها ترتبط بصحّة الإنسان، مما لا يصح التساهل فيها وتعريضها للمخاطر، فلا يسوغ وضع الأحاديث العلاجية- قبل توثيقها – في متناول عامة الناس، كوصفات وإرشادات طبية، خوفاً من آثارها السلبية المحتملة.
 
ثم إنّ دراسة السند في المقام لا تكفي، بل لا بدّ أن تتبعها خطوة أخرى، تعمل على دراسة المضمون أيضاً، لأنّ التعبد لا معنى له في الروايات الطبية، وربما كان الأسلوب الأجدى في دراسة المضمون، هو عرضه على مشرحة علم الطب، استناداً إلى الحقائق والمعطيات الطبية الثابتة، فإنّ المعصوم لا يتكلّم بما يخالف الحقائق التكوينية، لأنّه يصدر عن نبع صافية، ولعل من الأحاديث المخالفة للمعطيات العلمية اليقينية: ما رواه أبو هريرة عن رسول الله(ص): "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإنّ في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء" .
ومما يخالف المعطيات الطبية الثابتة و اليقينية: ما ورد في بعض الأحاديث من نفي العدوى وتأثيرها، فقد روي عنه (ص): "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة.." ، فهذا الخبر وأمثاله إن لم يتمّ توجيهه وحمله على بعض المحامل، فلا بد من التوقف بشأنه وردّ علمه إلى أهله، لمنافاته لما هو محسوس وبديهي في علم الطب من واقعية العدوى، ولذا يتم الحجر الصحي على المصاب بالامراض المعدية، كما انه يتنافى مع ما ورد عن النبي (ص) ممّا يؤكد واقعية العدوى، كقوله (ص): "فرّ من المجذوم فرارك من الاسد" ، أو قوله لأصحاب الإبل: "لا يورد ممرض (أي ذو عاهة) على مصح" ، وقد تعرضت لهذا الأمر في كتاب "الإسلام و البيئة" فليراجع.
 
النطاق الزمني للروايات:
و الخطوة الثالثة في المقام بعد دراسة السند والمتن، هي ملاحظة مدى الإطلاق في هذه الروايات، وصلاحيتها لاعطاء قاعدة عامة لكلّ الاشخاص ولمختلف الأمكنة والأزمنة، وقد تنبه الشيخ الصدوق لهذا الأمر، وتحدث في كلام له عن تعرض التراث الطبي للوضع والدس، وأنّ بعضه وارد في نطاق محدود ولا يشكل قاعدة عامة، قال رحمة الله في كلام هام يعكس قدم الإشكالية في التراث الطبي:
"اعتقادنا في الأخبار الواردة في الطب أنّها على وجوه:
منها: ما قيل على هواء مكة و المدينة، فلا يجوز استعماله في سائر الأهوية، ومنها: ما أخبر به العالم(ع) على ما عرف من طبع السائل، ولم يتعد موضعه، إذ كان أعرف بطبعه منه، ومنها: ما دلّسه المخالفون في الكتب، لتقبيح صورة المذهب عند الناس، ومنها: ما وقع فيه سهو من ناقله، ومنها: ما حفظ بعضه ونسي بعضه…" .
ولم يسع المفيد في تصحيح الاعتقاد، وعلى خلاف عادته إلاّ موافقة الصدوق فيما قاله، وإن أضاف إليه إضافة هي محل إشكال، كما سلف.


المنهج التكاملي في البناء العقائدي

4 يوليو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

من الطبيعي أن يعتمد العلم ـ أي علم كان ـ على منهج يتلاءم وموضوعه، وينسجم ومضمونه وأهدافه، ويشكل تأصيل المنهج، المدخل الأساسي لتحديد معالم العلم وتركيز أسسه وتنظيم مباحثه وترشيد عملية البحث فيه لتصل إلى أهدافها المنشودة، وإن علماً لا يعتمد منهجاً واضحاً هو عرضة للتخبط والتجاذب والعشوائية.
وإذا كانت العلوم التجريبية تعتمد منهجاً واضح المعالم ينظم عملية البحث ويوجهها، سواء أكان منهجاً تجريبياً بحتاً أو استقرائياً أو غير ذلك، فإن العلوم الإسلامية، كعلم الكلام أو الفقه أو التفسير، لم تعتمد منهجاً واحداً وإنما تعددت مناهج البحث فيها، فثمة منهج عقلي يعتمد البراهين العقلية الأقيسة المنطقية، وآخر نقلي يعتمد النص مرجعاً نهائياً ووحيداً، وثالث وجداني يعتمد الكشف ويرتكز على العلم اللدني وفق أسلوب التخلية ثم التحلية ـ كما يقال ـ وقد تحول كل واحد من هذه المناهج إلى مدرسة لها جمهورها وأنصارها.
أمام تنوع المناهج وتعددها يقع التساؤل عن المنهج المعتمد والمختار في عملية الاستنباط الكلامي، فهل هو المنهج العقلي أو النقلي أو الوجداني؟هذا ما نبغي الحديث عنه باختصار دون الدخول في محاكمة تفصيلية للاتجاهات المتنوعة التي نشأت داخل هذه المناهج أو على هامشها.
المنهج التكاملي:
أعتقد أن طبيعة المعارف الإسلامية ـ وتحديداً علم الكلام  في شقه المتصل بتحصيل القناعات العقائدية ـ تفرض اختيار واعتماد منهج وسطي تكاملي يجمع بين المناهج المتقدمة، أي بين البرهان والقرآن والوجدان، فلا يتحتم اختيار منهج بعينه ورفض البقية أو فتح باب وسد بقية الأبواب، لأن كل واحد من هذه الأبواب أو المناهج قد يكون موصلاً إلى الحق أو معيناً على ذلك، وقد قيل: إنّ الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق.
 إنّ النظرة العميقة تؤكد الحاجة إلى كل من البرهان والقرآن والوجدان في عملية بناء العقيدة الصحيحة، فهي بمثابة أضلاع ثلاثة لجسد واحد يشد بعضها بعضاً ويعضده ويؤازره، فالعقل يحتاج إلى النقل والوحي، لأنه ـ أي العقل ـ يقف عاجزاً عن اقتحام بعض ميادين الغيب، فيحتاج إلى مصباح الوحي، كما أن النقل لا يستغني عن العقل، لأن العقل أساس حجيته، وهكذا لا يمكن إقصاء المنهج العرفاني رغم وعورة طريقه أمام سالكيه، فإنّ غاية ما ينشده المنهج العقلي وكذا النقلي هو إيصال الإنسان إلى حق اليقين والأخذ بيده إلى شاطئ الاطمئنان، وإذا كان العرفان كعلم نظري ليس بالضرورة أن يوصل إلى ذلك، وإنما الذي يوصل إليه جانبه العملي، لأن مجاهدة النفس قد تفتح الباب أمام مريدي الحقيقة وطالبي المعرفة.
 إننا ومن خلال التأكيد على المنهج التكاملي المشار إليه لا نرمي إلى ابتداع منهج توليفي يلفق بين المناهج الثلاثة المشار إليها، وإنما نحاول القول: إن المنهج الإسلامي في بناء العقيدة الصحيحة هو منهج وسطي جامع يستقي من قبس العقل ونور الوحي وطهر الوجدان وصفاء الفطرة.
السُّنة والمنهج التكاملي:
 إن هذا المنهج التكاملي ـ فضلاً عن اعتضاده بالدليل والحجة العقلية ـ فهو مستفاد من الروايات الواردة عن النبي(ص) والأئمة من أهل بيته(ع)، ففي الحديث عن الإمام الكاظم(ع): "إنّ لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة(ع) وأمّا الباطنة فالعقول"(الكافي1/16)، وفي حديث آخر عن الإمام الصادق(ع): "حجة الله على العباد النبي، والحجة فيما بين العباد وبين الله العقل"(الكافي1/25)، هذا بالنسبة لطريقي العقل والوحي، وأما فيما يرتبط بالوجدان فيكفيك الحديث الموثق عن الإمام الصادق(ع): " إن رسول الله (ص) صلى بالناس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفراً لونه قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه فقال له رسول الله(ص)؛ كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أصبحت يا رسول الله موقناً، فعجب رسول الله(ص) من قوله، وقال: إنّ لكل يقين حقيقة فما حقيقة يقينك؟ فقال: إنه يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها، حتى كأني أنظر إلى عرش ربي وقد نُصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون في الجنة ويتعارفون، وعلى الأرائك متكئون، وكأني أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذبون مصطرخون، وكأني الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي، فقال رسول الله(ص) لأصحابه: هذا عبدٌ نوّر الله قلبه بالإيمان، ثم قال له: إلزم ما أنت عليه، وفي خبر آخر: أبصرت فاثبت، قال الشاب: ادع لي يا رسول الله أن أرزق الشهادة معك فدعا له رسول الله(ص) فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي(ص) فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر"(الكافي2/53).
 وهكذا نلحظ في أدعية الأئمة من أهل البيت (ع) وجود إشارات واضحة إلى إمكانية وصول الإنسان إلى الحقيقة عن طريق الإلهام والكشف، ففي دعاء السحر المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي يخاطب الإمام زين العابدين(ع) ربه بالقول:"بك عرفتك وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك ولولا أنت لم أدرِ ما أنت"، إلى غير ذلك من الأدعية والروايات، ويهمني معاودة التأكيد على وعورة هذا الطريق أمام سالكيه واحتفافه بالمخاطر، وكثرة السقوط والانزلاق في هذا المسار إلاّ للأوحدي من الناس ممن شرح الله قلبه للإيمان وتحصن بسياج القرآن وساطع البرهان كما سنشير.
وفي ضوء ذلك تعرف أن الإصرار على انتهاج طريق واحد دون سواه في بناء العقيدة ونفي ما عداه لا مبرر له، بل إنه قد يعبر عن جهل بحقيقة المنهج الإسلامي في هذا المجال، كما هو الحال في طغيان المنحى النقلي لدى غلاة المدرسة الإخبارية الذين يصادرون دور العقل ويتنكرون لدور الوجدان، أو كما هو الحال في طغيان المنحى الوجداني لدى غلاة المدرسة الصوفية، أو طغيان المنحى العقلي لدى بعض الفلاسفة أو المتكلمين.
مرجعية العقل:
لكن يبقى أن ثمة تساؤلاً مشروعاً وملحاً يفرض نفسه وهو: أنه لو ظهر أو تبدى نوع من التضارب والتباين بين الطرق الثلاثة التي يعتمد عليها المنهج التكاملي، أعني العقل والنقل والوجدان فما هو الحكم والمرجع؟
يمكن القول: إنّ العقل يمثل دور المرجع والموجه والحكم، لأنه هو الذي يفسر النصوص وفي ضوئه يتم فهمها ومحاكمتها، بل هو أساس حجتها، فإن العقل هو الذي يفرض الإيمان بالأنبياء والرسل، كما أنه ـ مع ثابت الوحي ـ يمثل ويعتبر المرجع في ضبط إيقاع أهل الكشف، والحصن المنيع الذي يقي من الوقوع في شطحات الصوفية، ويركّز الكشف على قاعدة الشرع الحنيف قال تعالى {… واتقوا الله ويعلمكم الله…}(البقرة:282).
إنّ مرجعية العقل المشار إليها لا تحتاج إلى تجشم عناء الاستدلال، بل هي من القضايا التي قياساتها معها كما يقول المناطقة، مع ذلك فإن الكتاب والسنة قد نصّا على هذه المرجعية، فالقرآن الكريم استخدم الاستدلالات العقلية في أمهات القضايا العقدية، وتكررت دعوته إلى التأمل والتفكر، كما ذمّ الذين لا يستخدمون عقولهم ولا يَزِنون القضايا وفق ميزان العقل، قال تعالى:{إنّ شرّ الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون}(المائدة:58)، أما السنّة فحدث ولا حرج وقد ذكرنا بعضها، ولكن الحديث التالي الوارد عن علي(ع) واضح الدلالة حول مرجعية العقل وحاكميته على القلب، فضلاً عن الحواس، قال(ع) فيما روي عنه: " العقول أئمة الأفكار، والأفكار أئمة القلوب، والقلوب أئمة الحواس، والحواس أئمة الأعضاء"(بحار الأنوار 1/96) فالعقل إذن عند علي(ع) هو ميزان القلب وإمامه، كما أنه إمام في تفسير مطلق النصّ، ومصفاة حقيقية تتم في ضوئها غربلة تراثنا الحديثي تحديداً.

 


الاستخارة: مفهومها ومشروعيتها ومواردها

15 سبتمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

ثمة ظاهرة منتشرة في أوساط المؤمنين من أتباع أهل البيت(ع)، هي ظاهرة الاعتماد على الاستخارة في الكثير من الأمور والقضايا سواء التجارية منها أو الاجتماعية أو الشخصية، من قبيل ما يتّصل بأمر الزواج أو السفر أو غير ذلك من الحاجات، وهذه الظاهرة تستوقف الكثيرين ويتساءلون عن مغزاها وجدواها ومشروعيتها؟

   وقد يعتبرها البعض من جملة الأسباب المعيقة لتطوّر الإنسان، لمخالفتها لقانون العليّة والسّنن الطبيعية القائمة على أنّ الأمور إنّما تُعرف بأسبابها، ويستدلّ عليها بالتبصّر في عواقبها ونتائجها، لا بعدد حبات السبحة ولا بالقرعة ولا بالرقاع. إنّ الأخذ بالاستخارة –بنظر هؤلاء- يعني تجميد العقل وتعطيله عن التفكير، ولذا ارتأينا أن من المناسب بل الضروري التطرّق إلى هذا الموضوع، لأهميته، وينبغي هنا أن نتحدّث:

 أولاً: عن مفهوم الاستخارة.

 ثانياً: عن مشروعيتها.

 ثالثاً: عن ضوابط العمل بها وموارد استخدامها.

   وسنحرص في هذا البحث أن نبتعد قدر المستطاع عن استخدام اللغة الفقهية واستدلالاتها التفصيلية في تناول هذه المسألة، فإنّ ذلك متروك إلى مباحث علم الفقه.

مفهوم الاستخارة:

   الاستخارة في اللغة تأتي بمعنى طلب الخير، كما أن الاستنصار يأتي بمعنى طلب النصر، وهكذا.. وأما في المفهوم الشرعي، فإنّ الاستخارة تأتي بمعنيين:

 المعنى الأول: أن يراد بها طلب الخير من الله، انسجاماً مع معناها اللغوي بحيث يتوجّه العبد إلى الله سبحانه بالدعاء، طالباً منه أن يختار له الأصلح فيما يريد أن يقدم عليه من زواج أو سفر.. من دون أن يلجأ إلى وسيلة معينة للتعرف على وجه الخير، بل يعتمد على ما يلهمه الله ويلقيه في قلبه، وقد يراد بها طلب الخير من الله، ثم يمضي العبد إلى عمله.

   المعنى الثاني: أن يستخير العبد ربه ويستشيره، طالباً منه أن يريه وجه الخير فيما يقدم عليه من خلال وسيلة معينة، كالرقاع، أو حبات السبحة، أو من خلال مضمون آيات القرآن، أو غير ذلك .

 دليل المشروعية :

 والسؤال: ما هو الموقف الشرعي من الاستخارة بمعنينها المتقدمين؟

   والجواب: أما بالنسبة للمعنى الأول، فلا شبهة في مشروعيته، لأنه مظهر من مظاهر التوكل على الله والاعتماد عليه، وهو يعبر عن إيمان العبد واعتقاد بأنّ أموره هي بيد الله، وهذا ينسجم كامل الإنسجام مع عقيدة التوحيد، فعندما يرغب العبد في أن يُقدم على الزواج والارتباط بشريك، أو على عمل تجاري معيّن، ويتوجّه إلى الله، مبتهلاً إليه أن يجعل الخير رائده والتوفيق قائده، ويوفّقه في ما يقدم عليه، فإنّ ذلك يختزن إيماناً واعتقاداً لديه بأنّ الله سبحانه وتعالى هو الرازق والمالك والمقدّر وبيده خزائن السماوات والأرض، ولهذا فإنّ الاستخارة بهذا المعنى تعبّر عن أدب إسلامي رفيع في التوكّل على الله واستحضاره عند كلّ الحاجات والملمّات والطلبات حتى لا يغيب الله عن أذهاننا طرفة عين أبداً، أو نتوهّم أن لنا قدرة بصرف النظر عن قدرته، أو طولاً بعيداً عن طوله.

وفي ضوء ذلك، يتضح أن مشروعية هذا النحو من الاستخارة جارٍ على طبق القاعدة، ولا يحتاج إلى دليل خاص، لأن الاستخارة بهذا المعنى تمثّل مصداقاً من مصاديق الدعاء والابتهال إلى الله، ومع ذلك فإنّ بالإمكان الاستدلال على مشروعيتها واستحبابها، استناداً إلى النصوص الواردة في ذلك من طرق السنة والشيعة معاً، ولذا لم يشكك أحد من المسلمين في مشروعيتها، بل أجمعوا على استحباب ذلك ومطلوبيته، ففي الحديث عن رسول الله (ص): "إذا همَمْتَ بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك فإنّ الخير فيه"[1][1].

   وفي حديث آخر عنه(ص): "من سعادة ابن آدم استخارته لله، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله"[2][2]..

 وفي الحديث عن أبي عبد الله الصادق(ع): "إذا عَرَضَتْ لأحدكم حاجة فليستشر الله ربه، فإن أشار عليه اتبع، وإن لم يشر عليه توقف، قلت: يا سيدي، كيف أعلم ذلك؟ قال: يسجد عقيب المكتوبة ويقول اللهم خر لي، ثم يتوسل بنا ويصلي علينا ويستشفع بنا، ثم تنظر ما يلهمك تفعله، فهو الذي أشار عليك به"[3][3].

 وتُحَدِّثنا بعض الروايات الواردة من طرق السنة والشيعة أيضاً أنّ ثمة صلاة خاصة للاستخارة بهذا المعنى، ففي الحديث عن جابر بن عبدالله قال: "كان رسول الله (ص) يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنتَ تعلمُ أنّ هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، (أو قال: في عاجل أمري وآجله) فاقدره لي ويسّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري (أو قال: في عاجل أمري وآجله) فاصرفه عني واصرفني عنه وأقدر لي الخير حيث كان، ثم رضّني به، ويسمي حاجته"[4][4].

   وعن الإمام الصادق(ع): "إذا أراد أحدكم شيئاً فليصل ركعتين، ثم ليحمد الله ويثني عليه ويصلي على محمد وأهل بيته، ويقول: اللهم إن كان هذا الأمر خيراً لي في ديني ودنياي فيسره لي، وأقدره، وإن كان غير ذلك فاصرفه عني"[5][5].

  الاستخارة المتداولة

   هذا كلّه فيما يرتبط بالمعنى الأول للاستخارة، أما المعنى الثاني وهو الذي يُراد به اكتشاف وجه الخير واستعلام ذلك من خلال بعض الأدوات كالسبحة أو نحوها، وهو الشائع في أوساط المؤمنين الشيعة  ـ دون بقية المسلمين ـ منذ قرون عديدة، وإن كنا لا نعلم على وجه التحديد متى انتشر ذلك وشاع الأخذ به[6][6]،  وأول ما يواجهنا في هذا النحو من الاستخارة هو سؤال الشرعية؟

   ففي حين يظهر من مشهور الفقهاء مشروعية الاستخارة بهذا المعنى، وعلى ذلك جرت سيرتهم العمليّة، فإنّ بعضهم يشكّك في شرعيتها، ويأتي على رأس هؤلاء ابن ادريس الحلي، فقد أنكر الاستخارة بالرقاع واصفاً رواياتها بأنّها من أضعف أخبار الآحاد وشواذ الأخبار، ووافقه المحقق الحلي فقال: "وأما الرقاع وما يتضمن إفعل ولا تفعل، ففي حيّز الشذوذ فلا عبرة بها"[7][7].

وهكذا فإنّ المحقق الأردبيلي[8][8] قد استشكل في شرعية الاستخارة لاندراجها – على بعض التفاسير- في مفهوم الاستقسام بالأزلام، ، الذي حرمه الله في القرآن الكريم في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ}[المائدة:3] حيث فُسِّر الاستقسام بالأزلام بأنه عبارة عن الضرب بالسهام لاستعلام الخير والشر في الأفعال، وتمييز النافع من الضار، فقد كان شائعاً عند العرب أنَّ مَنْ يريد سفراً أو زواجاً، أو ما شاكل ذلك يضرب بالسهام لتشخيص ما فيه الخير فيعمل به، وقيل: "إن الرقاع التي كانوا يضربونها لهذا الغرض مكتوب على بعضها: "أمرني ربي" وعلى بعضها الآخر: "نهاني ربي"، وبعضها غفل لم يكتب عليه شيء، فإذا أرادوا سفراً، أو أمراً يهتمون به، ضربوا على تلك الأقداح، فإن خرج السهم الذي عليه "أمرني ربي" مضى الرجل في حاجته، وإن خرج الذي عليه "نهاني ربي" لم يمضِ، وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها"، ، ومن المعلوم أن الاستخارة المتداولة اليوم، ولا سيما خيرة ذات الرقاع هي من قبيل الاستقسام بالأزلام.

   وقد يعترض على المحقق الأردبيلي بأن الاستقسام بالأزلام له معنى آخر، وهو عبارة عن شراء جزور وتقسيمه إلى عشرة أقسام: سبعة ذات نصيب، وثلاثة بلا نصيب، ويكتب ذلك على سهام عشرة، ثم يجال عليها، فمن خرج باسمه أحد السهام السبعة دفعت له حصة من الجزور بلا ثمن، ومن خرج له أحد السهام الثلاثة تكفل بدفع ثلث قيمة الجزور من دون ان يحصل على أي شيء من اللحم، وهذا المعنى لا يلتقي بالاستخارة في شيء، كما هو واضح، بل هو نوع قمار، ويشهد له سياق الآية، الذي يتحدث عن حرمة اللحم على اختلاف أنواعه من الميتة إلى لحم الخنزير والمنخنقة… كما أن هذا المعنى ينطبق عليه عليه الاستقسام، بخلاف المعنى الأول، فليس فيه استقسام ولا طلب للقسمة.

   ويؤيد تفسير الآية بالمعنى الثاني أيضاً الحديث المروي عن الإمام الباقر(ع)، حيث فسَّر(ع) الاستقسام بالأزلام بأنهم "كانوا يعمدون إلى الجزور فيجزونه عشرة أجزاء ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام ويدفعونها إلى رجل، والسهام عشرة: سبعة لها أنصباء، وثلاثة لا أنصباء لها…"[9][9].

أدلة شرعية الاستخارة:

   ولكن ما هو دليل القائلين بشرعية الاستخارة فإنّ تفنيد دليل الرافضين لها لا يكفي لإثبات شرعيتها؟

   والجواب: إنّ ما يمكن أن يستدل به لإثبات شرعية الاستخارة بالمعنى الثاني هو عدة أمور:

1-  التمسك ببعض الروايات المروية عن أئمة أهل البيت(ع)[10][10] .

   ولكن الظاهر أن الروايات المشار إليها تفتقر إلى السند الصحيح، سواء فيما ورد في شأن خيرة ذات الرقاع أو الاستخارة بالسبحة[11][11]،  الأمر الذي يمنع من الاعتماد عليها في إثبات الشرعية .

2-  التمسّك بروايات القرعة[12][12] من قبيل صحيحة محمد بن محمد حكيم: "كل مجهول ففيه القرعة"[13][13]،  وفي صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله(ع): "ليس من قوم تقارعوا ثم فوضوا أمرهم إلى الله إلا خرج سهم المحق .."[14][14].

   لكن هذا الدليل غير تام، لأنّ عمومات القرعة يُشك في شمولها لما نحن فيه، أو يقال: إنّها منصرفة عرفاً عما نحن فيه، فالقرعة منتشرة في حياة العقلاء، وموردها هو الحالات التي نفتقر فيها إلى أي دليل لحسم الموقف مع أنّ من الضروري حسمه، ولا يستخدم العقلاء القرعة لاستعلام المغيبات ومعرفة ما إذا كان هناك مصلحة في الإقدام على هذا العمل أو ذاك، وأمّا عموم صحيحة محمد بن حكيم فهو غير مراد حتماً ولم يلتزم به أحد، وصحيحة أبي بصير موردها حالات التنازع ولا يمكن إلغاء الخصوصية عنها.

3-  الاستدلال على شرعية الاستخارة بأدلّة الدعاء، "فإنّ المستخير إنما يدعو الله ويلح عليه، طالباً منه أن يظهر له وجه الخير فيما يريد فعله أو تركه من خلال السبحة مثلاً، وأي محذور في تشخيص الواقع المجهول له من خلال السبحة وغيرها؟"[15][15]  

ويؤيد ذلك أنّ الاستخارة من المجرّبات التي ثبتت فاعليتها.

   ولكن لنا أن نتأمّل في هذا الاستدلال، لجهة أنّه وإن لم يكن هناك محذور في أن يرشد الله عبده إذا ما توجّه إليه وأقبل عليه إلى ما هو الأصلح له، إلاّ أنّ الكلام ليس في الإمكان أو في وجود مذور يمنع من أن يكشف الله الواقع لعبده من خلال السبحة وإنّما الكلام في دليل الشرعية، والإمكان لا يثبت الشرعية، أضف إلى ذلك أنّ للمرء أن يتساءل: إذا كان للاستخارة هذه الأهمية كوسيلة لاستكشاف الواقع المجهول، لِمَ لَم يتم العمل بها من قبل النبي(ص) والأئمة (ع)، ولا عمل بها أصحابهم، وإلاّ لبلغنا ذلك من خلال الأخبار المستفيضة، ولَنُقِلَ ذلك إلينا، مع أنّنا لم نجد في الروايات شيء من ذلك، بل إنّ بعض أخبار الاستخارة كأخبار الخيرة بالسبحة- لم تُذكر في المصادر الحديثية الأساسية، وإنّما أورده السيد ابن طاووس في كتابه في الاستخارات مرسلة عن صاحب الزمان!

فلا يبقى إلاّ أن يُقال: إنّه قد حصل لنا الاطمئنان بشرعية الاستخارة، استناداً إلى الروايات المذكورة مؤيّدة بالتجربة وعمل الأصحاب.

 الخيرة في ميزان العقل:

  وبعد الفراغ من سؤال الشرعية فإنّ ثمة سؤالاً آخر يطرح نفسه في المقام حول موقف العقل من الاستخارة.

ويمكننا القول: إنّه في حال لم تتمّ عندنا أدلّة القرعة ولم تثبت شرعيتها فلا داعي عندها لمحاولة تبريرها وتوجيهها من الناحية المنطقية، وأما لو أننا ارتضينا بعض الأدلة المتقدمة لإثبات شرعية الاستخارة فهنا يكون التوجيه ضرورياً، ويمكن لنا عندئذ توجيه الاستخارة بأحد توجيهين:

التوجيه الأول: أن نؤمن بها إيماناً تعبّدياً منطلقاً من إيماننا الديني العام، وهذا الإيمان كما يثبت شرعية الاستخارة، فإنّه سيجعل منها عملاً مفهوماً وكاشفاً عن الواقع، وذلك على قاعدة اللطف الإلهي واستجابة الله  دعاء عبده، وهو القادر على كلّ شيء، وهذا التوجيه من الطبيعي أن يكون مقبولاً عند المؤمنين بشرعية الاستخارة وكذا عند مَنْ يؤمِن بمرجعية النص الديني بناءً على ثبوت روايات الاستخارة.

التوجيه الثاني: أن نتعامل مع الاستخارة وننظر إليها باعتبارها طريقة لحسم الموقف عند التحيّر وضبابية الصورة، الأمر الذي يُسبِّب ارباكاً وربما عجزاً عن إتخاد القرار المناسب بسبب تعارض الوجوه المرجحة للفعل مع الوجوه المرجحة للترك، وكثيراً ما يصل المرء إلى مثل هذه الحالة من التردد لا بسبب ضعفه عن اتخاد القرار الحاسم أو تهربه من تحمل المسؤولية، وإنّما لأن الموقف قد تشابكت فيه الوجوه وتساوت مرجحات الفعل والترك، فيحار الشخص، ويحتاج إلى أدنى دافع، أو مرجح ولو كان غير منطقي ليختار أحد الوجوه، فعلاً أو تركاً، وإذا سألته لما اخترت هذا الطريق دون سواه فلن يجد جواباً مقنعاً أفضل من القول: هذا ما جرى، ولم أجد مرجحاً لسبيل على آخر.

   وهذا التفسير أو التوجيه قد يكون هو الجواب الأقرب على سؤال من يسأل عن موقف العقل من الاستخارة ـ  بمعناها الثاني ـ ومبررها المنطقي؟ فإنه إذا وضعنا الاستخارة في النطاق المشار إليه وهو اعتبارها مرجح الإختيار في حالات تكافؤ المصالح والمفاسد، فسوف تكون مفهومة عقلائية، أو على الأقل ليست مستنكرة لدى العقل والعقلاء، تماماً كما لا تكون القرعة مستنكرة عندهم، بل هي مقبولة لديهم ويعملون بها في بعض الحالات.

   إن قيل: إن الاستخارة بنظر من يعمل بها من المؤمنين هي طريق إلى الواقع، فهي تكشف وجه المصلحة أو المفسدة المجهولة لهم، ولا ينظرون إليها باعتبارها مجرد وسيلة للخروج من حالة التردد، وإلا فما الفرق بينها وبين أي وسيلة أخرى لا تعتمد الدعاء والتوجه إلى الله؟ ولم لا يعتمد اسلوب القرعة مثلاً، فإنها ـ أعني القرعة ـ على ما هو المعروف وسيلة لحسم الموقف ورفع التردد؟

   كان الجواب: إن هذا صحيح عند من تتم عنده أدلة الاستخارة، وأما من لا يؤمن بها ولا يقتنع بكاشفيتها عن الواقع – مع أن الكاشفية  ممكنة بعد لجوء الإنسان إلى الله وطلبه إليه أن يظهر له وجه الخير فيما يريد أن يقدم عليه من فعل أو ترك – فليس له أن يُسفِّه الآخذين بها، أو ينعتهم بالتخلف أو غيره من النعوت، وذلك لثبوت مشروعيتها عندهم، ولأن بالامكان تفهمها ـ عقلاً ـ باعتبارها وسيلة لحسم الموقف في حالات التردّد  وعدم وجود المرجح لخيار على آخر، لكن دون أن يتم إسنادها إلى الدين حينئذٍ، حذرا من الوقوع في شرك التشريع والابتداع.

شروط وضوابط:

   ثم إنّ الالتزام بالاستخارة بعد الإقرار بشرعيتها، لا ينبغي أن يفهم خطأً، فنتوسع في استخدامها في غير موردها، ونبادر اليها في الصغير والكبير، وبسبب أوبدون سبب، ونربط كلّ أعمالنا وحركتنا اليومية ونعلقها على الاستخارة؛ إن هذا مرفوض بالتأكيد، فالاستخارة – بناءً على مشروعيتها- لها مواردها وظروفها وشروطها، وإليك التوضيح والتفصيل:

الخيرة عند الحيرة:

   الشرط الأول: أن لا يتم اللجوء إلى الاستخارة إلاّ بعد أن تتشابك الأمور عند الإنسان وتتشابه عليه الخيارات، ولا يتضح له وجه المصلحة من المفسدة، فيظل محتاراً متردداً لا  يهتدي سبيلاً ولا يعرف ماذا يفعل، في هذه الحالة يكون للاستخارة مجال واسع، أما مع اتضاح الصورة لديه وتشخيصه  ـ ولو بمشورة الآخرين ـ أنّ في الإقدام على هذا العمل أو ذاك مصلحة بيّنة، أو مفسدة بيّنة، فلا مجال للاستخارة حينئذ.

   وعلى سبيل المثال: لو أنّ بعض المؤمنين ابتلى هو أو أحد أطفاله بمرض، فلجأ إلى الاستخارة، ليحدد على ضوئها إذا كان ثمة مصلحة في أن يذهب إلى الطبيب أم لا،  فإنه بذلك يرتكب خطأً، لأنّ هذا ليس مورداً للاستخارة، إذ الموقف في هذه الحالة واضح وبيّن، وهو أن عليه أن يذهب إلى الطبيب بهدف العلاج، لأنّ الذي خلق الداء خلق الدواء، والرجوع إلى أهل الخبرة يمثّل قاعدة عقلائية وشرعية، قال تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[الأنبياء: 7]، نعم لو أنّه عزم على مراجعة الطبيب، لكنه تردّد بين طبيبين ماهرين من أهل الاختصاص عينه، فهنا لا مانع من الرجوع إلى الاستخارة لحسم الموقف وترجيح أحد الطبيبن.

الاستخارة ليست بديلاً عن التفكير:

   الشرط الثاني: أن يستنفذ المرء التفكير في المسألة ودراستها من جميع جوانبها بهدف التعرف على ما فيه مصلحته أو مفسدته ليقدم على الفعل أو الترك وهو على بصيرة من أمره. إنّ هذه الدراسة لا بدّ منها، لأنّ الاستخارة ليست بديلاً عن التفكير، ولا ترمي إلى تجميد العقل، أو إقالته من مهامه، والله سبحانه وتعالى أراد لنا ان نتحرك وفق منطق السنن، وأن ندرس الأمور بروية وتدبر، وعليه فما يفعله بعض المؤمنين من المبادرة إلى استخدام الاستخارة قبل أن يُكَلِّف نفسه عناء البحث ودراسة الأمور في سبيل التعرف على ما هو الأصلح له، إنّ ذلك ـ بالتأكيد ـ عمل غير مرضي من الناحية الدينية، وربما مثّل نوع انحراف عن المسار العقلائي العام الذي أرادنا الله أن نتحرك في ضوئه في حياتنا، كما أن ذلك يعكس أيضا شخصية اتكالية متردّدة لا تملك الثقة  بالنفس، وليس لديها جرأة اتخاذ القرار، ولذا تلجأ إلى الاستخارة، تهربا من تحمل المسئولية.

 الاستشارة قبل الاستخارة :

   الشرط الثالث: كما أنّ التفكير العقلائي الجاد لا بدّ أن يسبق الاستخارة، فإنّه لا بدّ أن تسبقها المشورة أيضاً، فبعد أن تتم دراسة المسألة من جميع وجوهها ولا يصل المرء إلى نتيجة مرضية، أو يبقى حائرًا، فيجدر به  ـ وقبل اللجوء إلى الاستخارة ـ أن يلجأ إلى أهل الرأي والعقل، ليستشيرهم ويستنير بآراهم، قال أمير المؤمنين(ع): "من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها"[16][16] ، وإذا بقي المرء محتارًا ومتردداً حتى بعد مشاورة الآخرين من ذوي الرأي والتجربة، فبإمكانه – آنذاك- أن يلجأ إلى الله من خلال الاستخارة.

لا خيرة في أحكام الله:

   الشرط الرابع: أن نبتعد عن العمل بالاستخارة في ما يكون حكمه الشرعي واضحاً، فالاستخارة ليس لها مجال في أحكام الله ولا في موضوعات الأحكام الشرعية، فحينما يستخير شخص على ترك الصلاة، أو على شرب الخمر، أو على ارتياد نادي للقمار، أو على قطيعة الأرحام، أو على الفرار من الزحف والجهاد، فهو بذلك يرتكب خطأ كبيراً، وينحرف عن الصراط السوي، لأنّ الله سبحانه وتعالى لم يُعلِّق امتثال أحكامه الشرعية على أذن أحد، ولا ربطها بتحقّق شرط أو قيد، باستثناء شروط التكليف العامة من البلوغ والعقل والقدرة، أوالخاصة والتي تختلف من مورد لآخر، أما ما سوى ذلك، كمشورة الأخرين أو الاستخارة ـ مثلاً ـ فلا تناط بها أحكام الشرع لا ثبوتاً ولا امتثالاً وسقوطاً، تماماً كما لم تعلق أحكام الله على القرعة.

 وما قلناه في الأحكام الشرعية نقوله أيضاً في موضوعات الأحكام، فلا تشرع الاستخارة لتحديد وتعيين الطاهر من النجس من الثياب أو الأواني.. ولا لتحديد أن هذا اليوم من رمضان، أو شوال، مثلاً، إلى غير ذلك..

 الخيرة والتنبؤ بالمستقبل:

   وربما يلجأ بعض الناس إلى الاستخارة للتعرف على المغيبات والتعرف على ما سيحدث في مستقبل الأيام، وما تخبأه له الأيام، وهل أن المولود الذي سيرزق به ذكر أو أنثى، أو أنه سينجح في الامتحان أو لا، وهذا أيضاً يمثّل استخداماً خاطئاً للاستخارة، ولا تساعد عليه أدلتها، ولم يلتزم به أحد من الفقهاء، وباختصار إنّ هذا ليس مورداً سليماً للاستخارة.

 تكرار الاستخارة:

   ومن موارد استخدام الاستخارة بطريقة خاطئة، تكرار الاستخارة على الأمر الواحد لمرات عديدة، كما يحصل مع بعض الأشخاص، فإنّ هذا لا مبرّر ولا وجه له، فإن الاستخارة في كلّ أمر تكون مرة واحدة[17][17]، اللهم إلاّ إذا تغيّرت الظروف وتبدّل الموضوع، وقد يكون دفع الصدقة عاملاً في تبدل الموضوع، لأنّ الصدقة تدفع البلاء، وعلى سبيل المثال: لو أنّ شخصاً استخار على السفر فخرجت نهياً، فعاود الاستخارة في الوقت عينه على السفر نفسه، فإنّ عمله هذا يُعتبر لعباً وعبثاً غير مقبول.

 الابتعاد عن مخالفة الخيرة:

   إننا وإن كنا لا نستطيع تبني حرمة مخالفة الخيرة شرعاً، لعدم الدليل على الحرمة، ولكن من الأفضل عدم مخالفتها، لأنّ من استخار أحداً أو استشاره فأشار عليه بأمرٍ، لكنه خالفه، فإنّ فعله مستقبح عقلاً، فكيف إذا استخار العبد ربّه، ثم لم يرضَ بما اختار الله له؟! وإذا كنا نفترض ونؤمن أن الشخص في حال توجّه إلى الله طالباً منه إظهار الخير، فالاستخارة والحال هذه تعيّن له المصلحة وتكشف الواقع، ما يعني أنَّ المصلحة في اتباعها، أمّا مخالفتها فقد تجرّ عليه المتاعب، أو تبعث على الندم، فمخالفة الاستخارة هي من قبيل مخالفة الأمر الارشادي  لا المولوي




[1][1]  كنز العمال ج7 ص813

[2][2]  مستدرك الحاكم ج1 ص518

 

[3][3]  وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب الاستخارة الحديث 3

[4][4] صحيح البخاري ج6 ص162

[5][5]  الكافي ج3 ص472

 

[6][6]  الذي يظهر من بعض الفقهاء أن الاستخارة بالسبحة لم تكن معروفة قبل زمان السيد الآوي الحسني، قال في الذكرى حول الاستخارة بالعدد: "ولم تكن هذه مشهورة في العصور الماضية قبل زمان السيد الكبير العابد رضى الدين محمد بن محمد الآوي الحسني المجاور بالمشهد المقدس الغروي(رضي الله عنه)(ذكرى الشيعة ج4 ص269)، وأمّا استخارة ذات الرقاع فيبدو أنّها كانت معروفة قبل ذلك، فإنّ نصوصها موجودة في الكافي، وقد أنكرها ابن ادريس الحلي، والذي يظهر من موقف المحقق الأردبيلي الرافض لهذا النوع من الاستخارة أنها كانت منتشرة في زمانه، ويشير الشيخ محمد حسن النجفي الشهير بصاحب الجواهر إلى اشتهار الاستخارة في زمانه وما تقدمه، أنظر: جواهر الكلام ج12 ص175

[7][7]  أنظر: الحدائق الناظرة ج10 ص528

 

[8][8]  راجع زبدة البيان ص 626.

[9][9]  الخصال للصدوق ص452

 

[10][10]  أورد أخبارها الحر العاملي في وسائل الشيعة ج8 ص68 وما بعدها، أبواب الاستخارة وما يناسبها، والمجلسي في بحار الأنوار ج88 ص247، والبروجردي في جامع أحاديث الشيعة ج8 ص234

[11][11]  وقد أشار بعض الأعلام إلى ضعف هذه الأخبار، أنظر: الأحاديث المعتبرة في جامع أحاديث الشيعة ص164-165، فقد أكد على أنّ أخبار الاستخارة على أنواعها ضعيفة، ولذا فقد ترك هو –كما يقول- منذ زمن الاستخارة بالسبحة..

 

[12][12]  أنظر: القواعد الفقهية للأيرواني ج2 ص31

[13][13]  وسائل الشيعة ج ص الباب 13 من أبواب كيفية الحكم الحديث11

 


الخطاب العاشورائي قراءة في المفهوم والمصادر

22 يونيو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

إنَّ الجمهور العام معنيّ بأن يفتح عقلهويقيّم كلّ ما يُلقى عليه، فأنتم، أيُّها الأحبّة، لستم مجرّد أشخاصٍتستمعون وتصدّقون كلّ ما يُلقى عليكم، أنتم أجلّ من ذلك، علينا جميعاً أننكون أصحاب عقلٍ ووعي وتحليل .

 
نبالغ عندما نقول إنّ نهضة الإمام الحسينكانت نهضةً إنسانيّةً بامتياز، إنسانيّةً في أهدافها ومنطلقاتها وفكرها ورسالتها، وهي تحمل كلّ عناصر الفكر الإنسانيّ، وكلّ القيم الإنسانيّة المتسامية. وإنَّ النّهضة الإنسانيّة بحاجةٍ في استمراريّتها ودوام تأثيرها، إلى خطاب إنسانيّ يحمل قيم هذه النّهضة، ويبشّر بها وينشرها بين النّاس، فإذا ما افتقدت أيّ نهضة مثل هذا الخطاب الإنسانيّ، فإنّها بالتّأكيد ستنتهي وسيؤول أمرها إلى الزّوال .
والسّؤال : هل إنّ الخطاب العاشورائيّ ارتقى إلى مستوى هذه النّهضة ومشروعها وحمل قيمتها الإنسانيّة ورسالتها الإسلاميّة ؟
الإنصاف يقتضي منّا القول بأنَّ الخطاب العاشورائيّ، رغم إيجابيّاته الّتي لا يمكن إنكارها، لم يرق إلى مستوى النّهضة، بل إنّه عرف الكثير من الإخفاقات والسّلبيّات.
 
الخطاب العاشورائيّ :
وفي البدء، لا بدّ من أن نشير إلى أنّ الخطاب العاشورائيّ، لا نقصد به ما يتلوه قارئ العزاء أو الخطيب الحسينيّ فحسب، فما يتحفنا به قارئ العزاء، هو جزء مهمّ ومصداق بارز لهذا الخطاب العاشورائيّ، لكنّه لا يختصره، بل إنّ كلَّ جهدٍ شفهيّ أو كتابيّ، سرديّاً كان أو تحليليّاً، أدبيّاً أو نثرياً، قصصيّاً أو فنيّاً… إنّ كلّ جهدٍ إنسانيّ من هذا القبيل، هو خطاب يعكس هذه النّهضة وأهدافها.
وفي ضوء ذلك، يغدو كلُّ واحدٍ منّا معنيّاً بهذا الخطاب ومنتجاً له، فعندما تشرح لصديقك معنى النَّهضة وأهدافها وشخصيَّة رجالاتها، فأنت تقوم بخطابٍ عاشورائيّ، وكذلك الأستاذ الّذي يشرح لطلابه أهداف هذه النَّهضة الإنسانيَّة، والفنّان الّذي يرسم بريشته لوحةً لمشهدٍ عاشورائيّ، أو الفنّان الّذي ينتج فيلماً عن هذه النّهضة… إنّ هؤلاء يساهمون في تقديم خطابٍ عاشورائيّ .
في ضوء هذا البيان والتّعريف للخطاب العاشورائيّ، لا يشكلنَّ أحدٌ علينا بأنّه ما الدّاعي لطرح قضيّة الخطاب العاشورائيّ من على هذا المنبر الّذي يخاطب الجمهور العام، فهذا الإشكال ليس في محلّه :
أولاً : لأنّنا كلّنا معنيّون بالخطاب العاشورائيّ، وكلّنا يمكن أن نساهم في تقديمه، كما أسلفنا.
ثانياً : لأنّ الجمهور العاشورائيّ لا يجوز أن يبقى جمهوراً مستمعاً ومتلقّياً فحسب، بل لا بدَّ من أن يكون جمهوراً مشاركاً بفاعليّة، وعندما يستمع، فعليه أن يستمع بعقلٍ مفتوح وبأذنٍ واعية… ففي الحديث عن أبي جعفر: " من أصغى إلى ناطق فقد عبده ، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله ، وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان ، فقد عبد الشيطان " .
إنَّ الجمهور العام معنيّ بأن يفتح عقله ويقيّم كلّ ما يُلقى عليه، فأنتم، أيُّها الأحبّة، لستم مجرّد أشخاصٍ تستمعون وتصدّقون كلّ ما يُلقى عليكم، أنتم أجلّ من ذلك، علينا جميعاً أن نكون أصحاب عقلٍ ووعي وتحليل.
 
مزايا الخطاب العاشورائي :
في ضوء هذا التّعريف للخطاب العاشورائيّ، أدخل الآن إلى تقييمه، فكما قلت، إنّه يحمل الكثير من الإيجابيّات، ويمتلك الكثير من العناصر الجيّدة :
الإيجابية الأولى : أنَّه يمتلك قدرةً على الاستقطاب الجماهيريّ قلَّ نظيرها، فقد لا تجد شخصاً مهما كان متفوِّهاً يستطيع أن يستقطب النَّاس كما يستقطبهم الخطيب الحسينيّ والمنبر الحسينيّ، وقد لا يكون منشأ هذه القدرة على الاستقطاب هو قوّة الجذب في الخطاب العاشورائيّ، بل المنشأ هو حرارة القضيَّة، "إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لن تبرد أبداً  "، هذه الحرارة هي الّتي تمتلك هذه القوَّة من الجذب.
الإيجابية الثانية : هي دوره الاستنهاضيّ والتَّعبويّ، فهو كان ولا يزال قادراً على استنهاض الأمَّة وتعبئتها، ودفعها نحو الحركة والثَّورة، وربَّما في هذا السّياق، جاءت كلمة الإمام الخميني المعروفة: "كلّ ما عندنا فهو من كربلاء ومن عاشوراء".
الإيجابية الثالثة : فهي دوره الثَّقافيّ والتَّنويريّ، فنحن لا ننكر أنَّ بعض الخطباء العاشورائيّين والعلماء المفكّرين، ممن تحدَّثوا وكتبوا عن الثَّورة الحسينيّة، يمتلكون خطاباً تنويريّاً تثقيفيّاً، ولعلّ صاحب هذا المنبر، العلامة الرّاحل والفقيه المجدّد، السيّد محمد حسين فضل الله، كان إمام التّنويريّين في هذا العصر بامتياز.
هذه، أيّها الأحبة، بعض الخصائص الإيجابيّة للخطاب العاشورائيّ .
 
السّلبيَّات والثَّغرات :
وإلى جانب هذه الخصائص الإيجابيَّة، هناك إخفاقات وسلبيّات، لا بدَّ من أن نشير إليها بهدف تلافيها وتصحيحها، بما يخدم أهداف النّهضة الحسينيّة :
السلبية الأولى : إنَّ هذا الخطابَ لا يزال في الأعمِّ الأغلب خطاباً مذهبيّاً، يحبس الإمام الحسينونهضته في إطارٍ مذهبيٍّ ضيِّقٍ، ليغدو إمام الطّائفة وإمام الجماعة، وليس إمام المسلمين، فضلاً عن أن يكون إمام الإنسانيّة.
السلبية الثانية : إنَّ هذا الخطاب لا يزال خطاباً عاطفيّاً بامتياز، ويطغى عليه المنحى العاطفيّ الّذي يستهدف إبكاء النّاس، ليغدو ذلك هدفاً للخطيب الحسينيّ، ومقياساً لنجاحه.
السلبية الثالثة : إنَّ الخطاب العاشورائيّ يعتمد التَّسامح والتَّساهل في العرض التَّاريخيّ، ليس هناك في الأعمّ الأغلب تدقيقٌ في مصادر التَّثقيف العاشورائيّ، ولعلَّ غلبة المنحى العاطفيّ المشار إليه، هي الّتي أدَّت إلى التَّسامح في قراءة المصدر التَّاريخيّ، لأنَّه إذا كان الغرض هو إبكاء الجمهور، فلا بدَّ من أن يتوسَّل الخطيب كلَّ شيءٍ يستدرّ الدَّمعة، بصرف النَّظر عن صحّته أو عدم صحّته.
أيّها الأخوة، ما أبتغيه في هذه الكلمة، هو التَّركيز على هذه السلبيَّة الثَّالثة، أي التّسامح في مصادر الخطاب العاشورائيّ، لأنّي أعتقد أنَّ لهذا الأمر سلبيَّاتٍ كثيرةً ونتائج خطيرة على الوعي وعلى صورة الإمام الحسين وهدفيّة ثورته.

لهذا، لابدّ لي أوّلاً من أن أبيّن ما هي المصادر الصّحيحة والمعتبرة للثّقافة الحسينيّة والعاشورائيّة، ثم أبحث ثانياً عن المصادر غير المعتبرة :

 

المصادر المعتبرة للثقافة العاشورائية :
أمّا المصادر المعتبرة، والّتي ينبغي أن تتثقّف الأمَّة على أساسها، لأنَّ التّثقيف مسؤوليّة، وهي مسؤوليّة مشتركة بين الخطيب الّذي يقوم بتثقيف النّاس، والمستمع الّذي لا بدَّ له من أن يعرف كيف يتثقَّف وعمَّن يأخذ ثقافته، فإنَّ المصادر المعتبرة للثّقافة العاشورائيّة وللثّقافة الإسلاميّة عموماً هي :
الأولى : القرآن الكريم ويأتي على رأس هذه المصادر، فهو المصدر الأوّل للثّقافة الإسلاميّة، بل يمتاز بأنّه المرجع الّذي تُحاكم على ضوئه كافّة المصادر مما ستأتي الإشارة إليها.
وإذا لم يكن هناك شكٌّ في أنَّ القرآن الكريم هو مصدر الثَّقافة الإسلاميَّة الأوّل، فإنَّ المهمّ أن نعرف كيف نفهم القرآن، وكيف نقدّمه إلى النّاس، لأنّ البعض ربما يفتح بعض الأبواب في تأويل القرآن، مما هي في حقيقتها خروجٌ عن ظاهر القرآن، بل ربّما كانت تحريفاً للقرآن. فمثلاً، تسمع في بعض الأحيان من يفسِّر لك قوله تعالى في "كهيعص": الكاف هي كربلاء، والهاء هلاك العترة، والياء يزيد، والعين عطش الحسين، والصّاد صبر الحسين… ونحن نتساءل: ما مصدر هذا الكلام؟ فإنَّ القرآن الكريم ليس ألغازاً ولا أحاجي، القرآن الكريم هو بيان وتبيان للنّاس، كما هو نصّ الآيات الكريمة، وهل أئمّة أهل البيت اعتمدوا هذا المنهج التأويلي في تفسير القرآن؟ بالطّبع لم يعتمدوا هذا المنهج. عندما سُئل بعض الأئمّة: إنّ بعض أصحابك يقولون في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90]: فهل الخمر والميسر يقصد بهما رجال، واجتنبوه يعني اجتنبوا فلاناً وأبغضوا فلاناً؟.. فماذا علّق الإمام؟ قال: " ما كان الله ليخاطب خلقه بما لا يعلمون " ، أي إنَّ الله أجلّ من أن يخاطب قومه بما لا يعقلون وما لا يفقهون. إذاً القرآن الكريم هو المصدر الأوّل للثّقافة الإسلاميّة.
ثانياً : المصدر الثّاني للثّقافة العاشورائيّة الإسلاميّة هو السنّة، وأقصد بالسنّة هنا ما يشمل السّيرة والتّاريخ الصّحيح، ولكن حتَّى يجدر بنا أن نثقِّف النَّاس بالسنَّة، لا بدَّ من التوثّق منها، وأن تكون معتبرة.
والاعتبار هنا، أيّها الأحبّة، ليس بالضّرورة أن يكون بالمعنى الفقهيّ للاعتبار، يعني أن نمتلك حديثاً صحيحاً يرويه الثّقاة، لأنّه إذا كان الأمر على هذه الشّاكلة، فأكثر الخطباء لا بدَّ من أن يتوقّفوا عن صعود المنبر، إذ كلّ روايةٍ أو قصّةٍ يراد نقلها، لا بدَّ من أن تكون واردةً في سندٍ صحيح، وهذا ما لا يتيسّر غالباً.
بل إنّنا قد نكتفي بالاعتبار التّاريخيّ عندما لا تتّصل القضيّة بمفهومٍ عقيديّ أو حكمٍ شرعيّ، ونقصد بالاعتبار التّاريخيّ، أن يكون للحادثة الّتي ننقلها إلى النّاس مصدر تاريخي معتبر.
ولكن عندما نقول بأنّ السنّة هي مصدر للثّقافة العاشورائيّة، فإنَّ لذلك شروطاً وضوابط، فالخبر والسنّة والحديث المعتبر، إنَّما يكون حجّةً بشرط أن لا يعارض كتاب الله، ولا يعارض العقل الفطريّ، ولا يعارض المسلّمات العلميّة، فالخبر الّذي يعارض القرآن الكريم لا يساوي فلساً، حتّى لو كان صحيح السّند، فضلاً عمّا إذا لم يكن صحيح السّند.
ولهذا، لا بدَّ من أن نتوثّق من الأخبار لتكون منسجمةً مع المفاهيم القرآنيّة، عندما يقدّم لنا الخطيب حديثاً أو قصّةً فيها ما يهتك حرمة الإمام الحسينوينافي عزّته وكرامته، فلا يمكن قبول ذلك.
إنّ أيّ خبرٍ يخدش حرمة مؤمنٍ عاديّ، فضلاً عن أن يخدش حرمة نبيّ أو وليّ، يُضرب به عرض الحائط، لأنّه يُنافي الكتاب الكريم الّذي أكّد كرامة الإنسان وعزّة الرّسول وكرامة المؤمن: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70]، ﴿وَلِلَّـهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8].
عندما يأتيني خبر على سبيل المثال يذمّ بعض الأقوام وبعض الشّعوب وبعض الأعراق، هذا لا بدّ من طرحه، يوجد لدينا بعض الرّوايات تقول: "إنّ الأكراد حيّ من الجنّ كُشف عنهم الغطاء"، فمثل هذه الأخبار تنافي روح القرآن ومفاهيمه الأصيلة الّتي جاءت لتقول: لا فرق بين مسلمٍ وآخر، بين إنسانٍ وآخر، إلا بالتّقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13].
وهكذا، لا بدَّ لأيّ خبرٍ من أن لا يتنافى مع معطيات العقل الفطريّ، فالخبر الّذي تشعر بأنّه يتنافى مع فطرتك، عليك التأكّد من صحّته. طبعاً هنا لا بدّ من أن ننتبه إلى أنّ المعيار في رفض الخبر ليس مخالفته للذّوق أو الاستحسانات الخاصّة، وإنّما المعيار هو العقل الفطريّ، والفطرة السّليمة المودعة في الإنسان، والّتي كانت إحدى وظائف الأنبياء أن يحرّكوها. جاء في نهج البلاغة عن الإمام عليّوهو يحدّد وظائف الأنبياء تجاه الأمّة، يقول: "ويثيروا فيهم دفائن العقول"، يعني أن َّالعقل قد يعلوه الغبار والصّدأ، ويأتي النبيّ ليثير هذه الدّفينة وهذا الكنز الّذي اسمه العقل أو الفطرة.
فهذا إذاً معيار، وعندما نطرح سيلاً من الأحاديث والأخبار على النّاس ولا نتوثّق منها، ولا نطابقها مع مفاهيم القرآن، فإنَّ على النّاس أن تتصدّى لذلك، وأن تُحاكم، وأن لا تستسلم لكلّ ما يُلقى عليها.
هذه إطلالة سريعة على أهمّ المصادر المعتبرة للثّقافة العاشورائيّة والإسلاميّة.
 
المصادر غير المعتبرة :

أنتقل إلى الحديث عن المصادر غير المعتبرة في الثّقافة العاشورائيّة، والّتي يعتمدها الكثيرون من الخطباء والمتكلّمين الحسينيّين، من قرّاء العزاء وغيرهم.

 

ومن هذه المصادر:
أولاً : الأخبار والرّوايات غير الموثّقة ، والّتي ليس لها اعتبار فقهيّ، ولا اعتبار تاريخيّ، كما هو الحال في كثيرٍ من أخبار كتاب "أسرار الشّهادة" للدّربندي، أو غيره من الكتب الّتي يعتمدها بعض قرّاء العزاء، وينقلونها إلى النّاس دون تثبت، مع أنّ وجود الرّواية في كتاب معتبرٍ ـ فضلاً عن أن يكون غير معتبر ـ ألّفه عالم جليل لا يعني أنّها معتبرة، كما هو الحال في روايات بحار الأنوار، حيث إنّ العلامة المجلسي هو نفسه لا يضمن صحّة أخبار كتابه، بل قد يقول: "وجدْتُ في كتابٍ قديم"، فهو نفسه يشهد بأنّ مصادر كتابه ـ فضلا عن رواياته ـ  ليست بأجمعها معتبرةً، ومجرّد أنّ الرّواية مذكورة في البحار أو غيره، لا يبرّر لك أن تأتي وتثقّف الناس بها..
أجل، إنّ بعض الأخبار قد لا يكون لها إسناد بالمعنى المعروف فقهياً، لكنّها تمتاز بقوّة في مضمونها، ولها كيمياء خاصّة، وعليها حلاوة تشهد بصدورها عن الإمام، وقد ورد في بعض الرّوايات: "إنّ على كلّ حقٍّ حقيقةً،وإن على كلّ صوابٍ نوراً"، فإذا كان للكلام هذه القوّة في المضمون، وكان منسجماً مع القرآن، حينئذٍ يمكن أن أطرحه على النّاس وأنقله إليهم وأثقّفهم به، أمّا الأخبار الّتي لا تملك اعتباراً فقهيّاً، ولا اعتباراً تاريخيّاً، والتي لا تملك هذه القوّة في مضمونها، لا يجوز أن أثقّف النّاس بها. ومن الغريب أنّ بعض الخطباء يسندون بعض القصص والأخبار إلى "أرباب المقاتل" دون تثبّت، أو يقول لك: حدَّثَ بعض الخطباء، فيصبح المصدر هو بعض الخطباء، خطيب ينقل عن خطيب؛ إنّ هذا ليس مصدراً معتبراً لنقل الرّواية ولبناء الثّقافة الإسلاميّة.
ثانياً : المنامات ؛ حيث نلاحظ أنّ بعضهم يكثر سرد المنامات على المنابر، ويستشهد بها ويثقّف الناس بها، فهل المنام حجّة شرعاً، أو هل يمكن أن يشكّل مصدراً للثّقافة الإسلاميّة ؟
والجواب : إنّ منام النبيّ هو وحي، فعندما يرى النبيّ إبراهيم في منامه أنّه يذبح ابنه، فهذا وحي من الله، ولكنّ منامي أنا أو أنت، هل هو حجّة شرعاً، وهل يشكّل مصدراً للثّقافة الإسلاميّة؟ الجواب: كلا، هو ليس حجّةً شرعاً، فالأحكام الشّرعيّة لا تؤخذ من المنامات. فقد ورد في الحديث عن الإمام الصّادق، وهو صحيح السّند، وقد سئل عن بعض الأمور العباديّة الّتي رُئِيَتْ في المنام، فقال: "إن دين الله أعزّ من أن يُرى في المنام". ولذلك ينقل عن الشّيخ جعفر كاشف الغطاء: "إنّ الأحلام ليست شواهد الأحكام، باتّفاق علماء الإسلام".
هذا بالنّسبة إلى الأحكام الشّرعيّة، وهكذا الحال في التثقيف العام، في المفاهيم، في الأخلاق، لا يمكن اعتماد المنام كحجّةٍ أو دليل، ولا سيّما أنّ المنام بحاجةٍ إلى من يعبّره لنا، بحيث يكون عندنا شخصٌ مثل يوسفالّذي خصّه الله بقدرةٍ على تفسير الرّؤى والأحلام، ولذا عندما رأى العزيز سبع بقراتٍ سمان يأكلهنّ سبع عجاف، لم يستطع أحد سواه تعبير هذا المنام. على أنّ بعض المنامات ليس لها تعبير، وإنّما هي مجرّد أضغاث أحلام، كما ينصّ القرآن الكريم، لهذا لا يمكن لي أن أقف على منابر المسلمين وأطرح عليهم سيلاً من المنامات الّتي لا يُعرف من رآها، وهل لها اعتبار أم لا، وهي ليست ذات اعتبار، وإن كانت قد تصلح لأن تكون بشائر أو نذراً، كما جاء في بعض الرّوايات. فعلينا أن نحاذر جيّداً من هذا الأمر.
ثالثاً : ومن المصادر غير المعتبرة بحسب اعتقادي، أو الّتي لا بدَّ من التأمّل فيها، هي محاولة تثقيف الأمّة بما يُعرف بأخبار العجائب والغرائب والكرامات. بدايةً ، اسمحوا لي بأن أقول: إنّنا نؤمن بمنطق المعجزة والكرامة، فالقرآن الكريم حدّثنا عن معاجز الأنبياء، فلا بدَّ من أن نؤمن بذلك، ولا نتردّد فيه، فما نصّ عليه القرآن ـ مثلاً ـ نقبله بدون تردّد، لكن الّذي يحصل في كثيرٍ من الحالات هو التوسّع في نقل الكرامات، والإسهاب في تثقيف النّاس بها، والاستشهاد بها بهدف إثبات حقانيّة عقيدتنا أو مذهبنا، ولذا يتمّ الحديث عن أنّ فلاناً حصل معه كذا، وفلاناً شفي في المكان الفلانيّ وما إلى ذلك؛ هل هذه الطّريقة صحيحة؟ أنا لي عدّة ملاحظات على اعتماد هذا الأسلوب في التّثقيف العام :
1- إنّ التّقدير الإلهيّ أو القانون الإلهيّ، قضى أن يجري هذا الكون وفقمنطق السّنن وليس وفق منطق المعاجز والكرامات، إنّ المعاجز، وكذا الكراماتهي استثناء، حتّى بالنّسبة إلى الأنبياء، وليس من شرط النبيّأن يقوم بمعجزة، ولا قامت حياة الأنبياء على أساس المعاجز، وإنما كانوايعيشون حياةً طبيعيّةً، وأحياناً كانوا إذا ما طلب النّاس منهم معجزةً، لايستجيب الله لطلبهم، بل يأتي الجواب: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾[الإسراء: 93]. إذاً هذه نقطة مهمَّة، وهي أنّ الإسلام يعلّمنا أنّ الحياة لا بدّ من أن تسير وفق منطق السّنن، منطق العلّة والمعلوليّة.
إنَّ الأمّة عندما ابتعدت عن الأخذ بمنطق السنن، وأصبحت تفتّش عن أدويةٍلأمراضها من خلال التَّداوي بالقرآن أو بالأحراز، وتطلب النّصر بالدّعاءبدل إعداد القوّة، عندها تخلّفت وتأخّرت وأصبحت على هامش الأمم.. هذاأوّلاً.
2- لا بدّ من التوثق من هذه المعاجز أو الكرامات قبل أن تطرح على الرّأيالعام، فعندما يأتي شخصٌ ويقول لك: هناك شجرة في المكان الفلانيّ، يرشحمنها الدّم في العاشر من محرّم كلّ عام، فلا تقبل ذلك ببساطة وسذاجة، بلتوثّق من الخبر. أنا أذكر أنّ أحدهم جاء إلى أحد علمائنا الكبار، أحدالفقهاء، وقدَّم له كتاباً ألّفه حول قصَّة هذه الشّجرة الّتي يرشح منهاالدّم في عاشوراء، وطلب منه أن يكتب له مقدّمةً لذلك الكتاب، فقال لهالفقيه: أنا مستعدّ، لكن بشرط أن تجلس أنت تحت هذه الشَّجرة 365 يوماً،فإذا لم يرشح منها الدَّم  في كلّ هذه المدّة، باستثناء اليوم العاشر،ساعتئذٍ أفكِّر في أن أكتب لك مقدّمةً لكتابك، لذا لا بدَّ من التّوثّق منهذه الأمور. إنَّ كثيراً من الأمور تلقى على عواهنها، وهي لا أساس لها منالصحّة.
3- إنّ منطق الأمور العجائبيّة، ربما لا يكون هو المنطق السّليم لإحقاقالحقّ ودحض الباطل، فغيرنا يطرح الكثير من هذه الأمور، وأنتم تسمعون بذلكوتشاهدونه على شاشات التّلفزة، مما يُحكى عن بركةٍ لتمثالٍ رشح منه الزَّيتوشفي منه فلان أو فلان، إلى غير ذلك من القصص العجائبيّة الّتي تنقلويتداولها النّاس، وربما يتمّ في ضوئها تطويب بعض الكهنة، ولو أنّناتجاوزنا أصحاب الأديان السّماويّة، وذهبنا إلى الهندوس، سنرى أمثال هذهالقضايا الّتي قد تكون أحياناً مبنيّةً على علمٍ معيّن أكثر مما تكونكرامة.
ولهذا، فإنّنا نعتقد أنّ حقّانيّة الدّين أو المذهب، هي في امتلاكهالحجّة، واعتماده على المنطق، وإنّ قوّة المنطق في رسالة الحسين، هي الّتيتثبت حقّانيّة هذه النّهضة، وليس حصول عجيبة أو كرامة مع فلان أو فلان.
إنّ كلامي هذا لا يشكّل دعوةً إلى التّشكيك أو رفض كلّ ما ينقل إلينا منالكرامات، بل إنّي أدعو إلى التّعامل مع هذه الأمر وفق القاعدة المعروفةالمنقولة عن ابن سينا: "كلّ ما طرق سمعك فذره في بقعة الإمكان، حتى يذودكعنه قاطع البرهان". لكنّني في الوقت نفسه، أدعو نفسي، وأدعو غيري منالخطباء، إلى احترام عقول النّاس، وأن نثقّفهم بالثقافة المثمرة على أقلّتقدير، فلا نطرح الأمور التي تثير انقساماً وبلبلةً في وسط من يستمع إلينا،وربما يسمنا الآخرون بالكثير من الصّفات السلبيّة، ولنكن على الأقلّ ممنيعمل بوصيّة رسول الله : "إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم".
4- ومن المصادر غير المعتبرة في التّثقيف العاشورائيّ، اعتماد ما يعرفبلسان الحال، الّتي يكثر استخدامها على لسان الخطباء، حيث ينقلون الكثير منالأحداث والقصص والمحاورات بعنوان لسان الحال، أو بصيغة: كأنّي به يقول. ولي على هذه الوسيلة بعض الملاحظات :
الملاحظة الأولى : أنّه من الّذي يعرف لسان حال المعصوم ليحكي حاله؟! أنت عندما تريد أن تتكلّم بلسان حال إنسانٍ، فلا بدّ من أن تكون ملمّاً بحاله ومشاعره وتطلّعاته، هذا في الإنسان العاديّ، فما بالك بالمعصوم؟ فإذا أردت أن تتحدّث عنه بلسان الحال، فإنّ عليك أن تعرف المعصوم معرفةً جيّدة، في فكره وعقله، وفي تطلّعاته ومشروعه، وفي مواصفاته السّامية، ومَنْ الّذي يجرؤ على القول: إنّه محيطٌ بحال الإمام الحسين، أو أنه ملمّ بما كان يفكّر فيه ويجول في خاطره ظهيرة العاشر من محرّم، حتى يتحدّث بلسان حاله؟! إنَّ الكثير مما ينقل إلينا بلسان حال الإمامإنّما يحكي ويعكس لسان حال المتكلّم أكثر من لسان حال المعصوم.
على سبيل المثال: عندما يتحدّث بعض الشّعراء، ممن نحترم، ويتكلّم بلسان حال الحسينقائلاً:
سادة نحن والأنام عبيد   ولنا طارف المجد والتليد
فإنّنا نتساءل : هل هذا لسان حال الأئمّة من أهل البيت؟! هل يتحدَّثون بهذا المنطق؟! طبعاً لا، والاسترسال في قضيَّة لسان الحال خطرة جداً، لأنّنا أحياناً نعكس حالاً للمعصوم هو أبعد شيءٍ عنه وعن حاله ورسالته.
الملاحظة الثانية : أنّ قضيَّة لسان الحال كانت مدخلاً لتسرّب الكثير من الأكاذيب إلى النّهضة الحسينيّة، مثلاً، لو أنّني سألتكم عن صاحب هذا البيت الشّعريّ :
إن كان دين محمد لم يستقم    إلا بقتلي يا سيوف خذيني
لأجابني كثيرون أنّه للإمام الحسين، وهذا خطأ شائع ، وربما وقع فيه بعض العلماء والخطباء، فهذا بيتٌ من قصيدةٍ قالها الشاعر العراقيّ الشّيخ محسن أبو الحبّ، منذ مئة عامٍ تقريباً، لكن بما أنّه قيل بلسان الحال بادئ الأمر، أصبح بعد ذلك يحكى بلسان المقال. ولعلّ بعض الأحداث الّتي لا أصل لها هي من هذا القبيل، كما في قصّة عرس القاسم، أو قضيّة وجود ليلى في كربلاء، وأنّها دخلت الخيمة ونشرت شعرها، ودعت قائلةً: يا رادّ يوسف… إلخ. إنّ هذه القضيّة لا وجود لها في أيّ مصدرٍ من المصادر، فالعلامة المجلسي، رغم تتبّعه، يقول: لم أجد أيَّ نصٍّ عليها، وهكذا الشَّيخ عبّاس القمّي، بل إنّ المحدّث النّوري يقول إنّ هذه القضيّة الّتي تحكي قصّة ليلى هي كذبٌ في كذب، فربّما طرحت هذه القضايا بلسان الحال، وأصبحت تُتلى على المنابر بكرةً وعشيّة، وبمرور الوقت، غدت حقيقة، ولعلّ الكثير من الأمور الّتي لا مصدر لها في النّهضة الحسينيّة، انتقلت بهذه الطّريقة.
وختاماً أقول : إنَّنا معنيّون بتقديم الحسين الإنسان، وبالصّورة الّتي تليق به وبنهضته.
انتماؤنا إلى الحسين يفرض علينا أن نقدِّمه في رسالته الإنسانيَّة، فهو ليس حسين المهانة والذلّة الّذي يردّد في آخر لحظات حياته : "يا قوم إنّي عطشان"!، بل إنّ الحسين الحقيقيّ هو حسين "هيهات منّا الذلّة". إنّ الحسين الإنسانيّ والحقيقيّ ليس هو حسين الحقد، هو حسين الحبّ لله وللنّاس، كيف وهو الّذي قال للقوم: "أمهلونا سواد هذه اللّيلة لنصلّي لربّنا،فإن الله يعلم أنّي أحبّ الصّلاة". إنّ الحسين الحقيقيّ ليس حسين الموت والحزن، بل حسين الحياة، ورسالة الحسين هي رسالة الحياة. إنّ الحسين الإنسانيّ ليس هو حسين الدّمعة فحسب، بل حسين العاطفة والفكر والسّلوك .
 

موقعية العقل في الميزان الإسلامي

6 مايو 2010
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

من المفترض أن تكون مرجعية العقل في مجال الاجتهاد الكلامي من المسلمات التي لا نقاش فيها حتى لدى أصحاب المنهج النصوصي، لأن النص لا يُثبت حجية نفسه إلاّ على نحو دوري كما هو واضح، وهذه النقطة تمثّل أحد وجوه الفرق بين علمي الفقه والكلام، ففي حين يُعتبر "الكلام" من العلوم البرهانية التي يُمثِّل العقل فيها مساحة كبيرة، فإن الفقه يعتمد على النص بشكل رئيسي، ويحتل العقل فيه دوراً هامشياً، لدرجة أنّ بعض الفقهاء لم ير في الأحكام الشرعية ما يتوقف على استدلال عقلي. (الفتاوى الواضحة للشهيد الصدر).


مدخل إلى فقه النظام العام محاولة تقعيد فقهية جديدة

28 نوفمبر 2009
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة








ليس النظام العام مجرّد مقولة تتردّد على الألسن أو فكرة طارئة ومستجدّة، وإنما هو مفهوم متجذّر سعت وتسعى المدارس الفكرية كافّة إلى إقراره والإسهام فيه، فما هي أبعاد هذا المفهوم ومداليله وضوابطه؟ وماذا عن موقف الإسلام ورؤيته في هذا المجال؟ وما هي علاقة النظام العام بالعقيدة الدينية والشريعة الإسلامية والحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؟ هذا ما سنحاول نحاول الإجابة عنه في هذه الصفحات.

ثمّة تعاريف متعدّدة للنظام العام، تحاول كلّها تسليط الضوء على المفهوم في