borneowebhosting video bokep indonesia bokepindonesia informasiku videopornoindonesia

نبذة حميدة عامري - ترجمة: محمّد تقي معدّل وآلاء معدّل

الموضوع بواسطة حميدة عامري - ترجمة: محمّد تقي معدّل وآلاء معدّل :

الاحتجاب أم العفاف – قراءة في التصوّر الإسلامي

21 أغسطس 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

 

 

((اللهم إني أَسأَلك الهدى والتقى والعفاف والغنى والعمل بما تحب وترضى))([1])

 

أرسل الله تعالى الرسل والأنبياء والقادة المصلحين إلى الاُمم المختلفة، وبيّن لهم سبل هداية وسعادة البشرية، فكان الإسلام أكملها وأتمّها، فأحكامه القائمة على أساس المعرفة الدقيقة بأبعاد حياة الإنسان المختلفة، تضمن له الفوز بالحياة الكريمة وبلوغ الكمال الحقيقي، وسلامة الروح والبدن.
وقد بُنيت برامج التربية ـ طبق تعاليم الإسلام المقدسة ـ على أساس إحياء جميع النـزعات الفطرية وتوجيه الميول الطبيعية، وأهم أسس تربية الإنسان معرفة نزعاته الفطرية وإشباعها بصورة صحيحة متوازنة.
وهذه التربية المتناسقة مع النظام الحكيم والدقيق لخلقة الإنسان، والمطابقة لقانون الوجود، تجعل منه إنساناً قويماً وراعياً قيّماً، وتهيئ له مُستلزمات سعادته الأبدية.
قال تعالى: >فأقم وجهكَ للدين حنيفاً فطرة الله التي فطرَ الناسَ عليها<([2]).
إنّ منشأ الميل إلى الجمال كحبّ الأناقة، واللباس الجميل، والكلام الحسن، والزينة واستعمال العطور، والنـزعات الجنسية، منشأها جميعاً الفطرة الإنسانية.
والمهم هو حفظ الحرمات وعدم الخروج عن حدّ الاعتدال فيها، دون التفريط بالميول والنـزعات الفطرية والروحية ووأدها وإماتتها، ولا الإفراط فيها وتجاوز حد الاعتدال في إشباعها، وهذا هو معنى العفاف، أي إنّ العفيف الطاهر هو ذلك الشخص الذي يستطيع السيطرة على شهواته وغرائزه، ويحفظها من الزيغ عن حدود التوازن والاستقامة.
وقد أكّد الدين الإسلامي على العفاف ومنـزلته، حتى قرن إمام المتقين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب C وساوى بين منـزلتي العفيف والشهيد في سبيل الله ومقاميهما، قال قالC: ((ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممن قدر فعفّ، لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة))([3]).
ولكن، وللأسف الشديد، نرى ـ في حين تعرج البشرية إلى آفاق السماء وتتجلى التقنية العلمية والفنية من عقول وتصميم البشر ـ في مثل هذا الحال أنّ ملائكة العفّة والأخلاق قد رحلت وتلاشت في كثير من المجتمعات، إذ أصبحت المرأة التي هي مظهر العفاف والحياء، ومثال الطهارة والنقاء وأمّاً للبشرية، وتجسيداً لصفات الملائكة على وجه الأرض، وحفظ العلائق الأسرية، أصبحت وسيلةً رخيصة في الشوارع، وسلعة بأيدي الطامعين، يتداولها أصحاب أسواق الأهواء والنـزوات النفسية، تتعرض لمخاطر التيارات المنحرفة السياسية والإعلامية الخبيثة، من جميع الجهات، فسقطت في هاوية الانحطاط، ودفنت كرامتها الإنسانية تحت غبار الغفلة والنسيان.
منذ ذلك الحين، انقلبت معايير الزواج، واستبدلت بالالتفاف والحوْم حول لهيب الشهوة ونيرانها، وتفكّكت النظم الدقيقة التي وضعت خلال القرون المنصرمة من حياة البشرية لإدارة الأسرة وبقائها، وكذلك تقطّعت أعظم الروابط الروحية الإنسانية بين المرأة والرجل، وقلّ اعتبار قيمة المرأة لدى الرجال الذين كانوا قد شيدوا سوراً ملكوتياً للوصول إلى كعبة وجود المرأة، حتى أُبيح كل ما ينطوي تحت عنوان: الإساءة والإثم والمعصية والخيانة وضعف الإرادة والاعتداء على المرأة ومقامها الشامخ.
لا شك أنّ احتفاظ الدول الرأسمالية والاستعمارية بالهيمنة الاقتصادية والسياسية والعسكرية على سائر الدول والمناطق المتخلفة لا تستمر ولن تدوم بدون الهيمنة الثقافية والسيطرة على ثقافة شعوب هذه البلاد وأفكارها وعقائدها، لذا استغل الاستعمار مختلف الوسائل والسبل من كتب دراسية، ومقالات علمية، وأفلام سينمائية، وبرامج إذاعية وتلفزيونية، وأقمار صناعية، وأشرطة فيديوية وغيرها، وبمختلف الصور من أجل الوصول إلى أهدافه الخبيثة متوخياً فصل الناس عامة والأمة الإسلامية خاصة ـ سيما المفكرين الشباب منهم ـ وعزلهم عن تاريخ حضارتهم وإشاعة الفكر الاستعماري فيهم بدلاً من فكرهم الأصيل، والأكثر خطراً من ذلك التركيز على انحطاطهم الذاتي وغرس حب التبعية للأجانب فيهم.
إنّ الحل الوحيد الذي يصون المجتمعات من هذه الأفكار الخبيثة ومن الاضمحلال والسقوط في هاوية الفناء إنّما هو إشاعة ثقافة العفاف الدقيقة وتبيين أبعاده المختلفة في المجتمع، وقد اختير هذا المقال لأداء هذا الغرض.
 
مفهوم العفاف وتعريفه ــــــــــــــــ
العفّة في التعاليم الإسلامية تعني السيطرة على الشهوات ومنعها من تجاوز حدّ الاعتدال.
هذه الكلمة مأخوذة من جذر عففَ بمعنى احترزَ من المحرّمات، وامتنع من القول أو الفعل المذموم([4])، وجميع المشتقات المأخوذة منه تدلّ على هذا المعنى.
فمعنى التعفّف هو: ((كفّ النفس عن المحرمات، وعدم الطلب من الناس))([5]).
يقول الراغب الإصفهاني: ((العفّة: حصول حالةٍ للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة))([6]).
إذن، العفّة: ترك الشهوات من كل شيء، وغلب في حفظ الفرج مما لا يحلّ([7]).
وفي القرآن الكريم جاء كذلك بنفس المعنى؛ أي الحالة النفسية التي تردع الشهوة، ويطلق لفظ العفيف في القرآن الكريم على الشخص الذي هو منيع الطبع رادع للنفس([8]).
ويختلف معنى هذا اللفظ باختلاف المصاديق والموارد المختلفة، فمثلاً:
أ: العفّة ـ بالنسبة إلى الفقير ـ تعني القناعة وحفظ النفس وكبحها عن الميول الشهوانية، تحاشياً من الوقوع في المحرمات.
قال تعالى:>للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهلُ أغنياءَ من التعفّفِ تعرفهم بسيماهم لا يسألونَ الناسَ
إلحافا
<(
[9]).
ب: العفّة ـ بالنسبة إلى الغني ـ تعني كف النفس وحفظها عن الشهوات التي تحصل للغني نتيجة سعة حاله ووفرة إمكاناته المالية، قال تعالى: >ومن كان غنيا فليستعفف<([10]).
ج: العفّة ـ بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يستطيعون النكاح ـ وهو: كفّ النفس عن الشهوات وحفظها عن التلوّث بالذنوب بالصوم والعبادة وذكر الله بلسانه وقلبه والتفكّر فيما يرضيه، قال تعالى: >وليستعفف الذينَ لا يجدونَ نكاحاً حتى يغنيهم اللهُ من فضلهِ<([11]).
د: العفّة ـ بالنسبة إلى القواعد من النساء ـ تعني حفظ النفس مما يستهويها، كإظهار الزينة والتزين([12])، قال تعالى: >والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجاتٍ بزينةٍ وأن يستعففن خير لهنّ<([13]).
وأمّا في علم الأخلاق: فالعفّة مقابل القوة الشهوانية والنفس البهيمية، أي أنّ القوى الشهوانية كلّما اعتدلت ولم تتجاوز عن حدّها وأطاعت العقل ولم تغرق في الشهوات ولم تخالف أوامر القوة العاقلة أو تخرج عن سلطانها ـ سيما في الموارد الشهوانية ـ يقال لصاحبها حينئذ: عفيف، ويتّصف بصفة العفّة الحميدة([14]).
يقول الملاّ أحمد النراقي صاحب كتاب معراج السعادة في تعريفه العفّة: ((العفّة عبارة عن طاعة القوة الشهوانية وانقيادها للقوة العاقلة فتَتّبع أوامر العقل في مجال الأكل والشرب والنكاح والجماع، وتجنب ما ينهى عنه))([15]).
 
جذور العفاف في الفطرة ــــــــــــــــ
حقيقة البشر واحدة ولكن الحياة ذات بعدين، مادي ومعنوي، ولكلّ من هذين البعدين القابلية على التكامل والنمو، ولتكامل أي منهما أو تناقصه تأثير مباشر على الآخر، ورغم انفصال كل من هذين البعدين عن الآخر، ولكن لا ينفك تأثير أحدهما عن صاحبه.
ويؤثر على الحياة الإنسانية أكثر من هذين البعدين (المادي والمعنوي) نوع وكيفية رؤية كلّ فرد إلى نفسه، وإلى العالم الذي يحيط به، وهذه الرؤى والتغييرات لها أثر مباشر على قبض وبسط سعة الحياة المادية والمعنوية للإنسان، ولذا تختلف حياة الإنسان وأهدافه الحالية عن الماضي اختلافاً شاسعاً.
مع ذلك، يجب ألاّ نتصور تغيرُّ كلّ شيء مع هذه التغيرات والتحولات بحيث لم تبق هناك نقطة اشتراك، بل هناك نقاط اشتراك عديدة بقيت ثابتة ومهمّة في جميع العصور، كحبّ العدالة، وحبّ النوع البشري، وحبّ الصدق، وتكريم المصلحين الاجتماعيين، ومقاومة الظلم، و… ذلك كلّه يدلّ على أنّ هناك اعتقادات ومفاهيم عامّة مشتركة لدى جميع أفراد البشر وفي جميع العصور؛ وإن تفاوتت المصاديق، وتتسمى هذه الاعتقادات في الأديان السماوية بـ ((الفطرة)).
الفطرة أمر جعله الله تعالى في ذات كلّ فرد، بحيث يميل ويرغب إليه كلّ شخص بدون أي اكتساب، والعفاف أحد هذه الاعتقادات التي قلنا: إنها فطرية، حيث تحكم العفّة والتعفّف روح الإنسان منذ بدء خلق البشر وحتى الآن.
طبعاً، يمكن أن تتغير بعض أبعادها كالشكل والمقدار والكيفية في مختلف الأدوار، ولكنها تبدو ظاهرة دائماً.
يذكر القرآن الكريم هذه الخصلة الفطرية في قصّة خلق آدم وحواء، فيقول: >فدلاّهما بغرور فلمّا ذاقا الشجرةَ بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة<([16]).
كما أُوصي بالعفاف والحياء في الأديان الإلهية الأُخرى كثيراً.
وردَ في رسالة بولس في العهد الجديد ما يلي: ((فلتتزين النساء بلباس الحياء والتقوى لا بالشعر والذهب والدرّ والثياب الفاخرة))([17]).
واستنتج البعض ـ استناداً إلى التماثيل والرسوم والخطوط التاريخية والآثار الباقية ـ أنّ العلة الأساسية لانتخاب الملابس الحياء وستر العورة، وليس الحرّ والبرد([18]).
وكانت النساء الإيرانيات في العصور المختلفة يرتدين الملابس للستر، في عهد الهخامنشيين والأشكانيين والساسانيين.. ([19]).
كتب فريد وجدي في هذا المجال: عادة احتجاب النساء قديمة جداً، فقد جاء في دائرة معارف ((لاروس)) ما خلاصته: كان من عادة نساء اليونانيين القدماء أن يحجبن وجوههنّ وأجسامهنّ بطرف مآزرهن إلى الأقدام… وقد ذكر الحجاب بين كلمات قدماء المؤلّفين اليونان، حتى أنّ بنيلوب زوجة الملك عوليس كانت ترتدي الحجاب أيضاً وتظهر محتجبة، كما كان لنساء مدينة ثيب حجابٌ خاص بحيث كنّ يغطين وجوههن بقماش ترك فيه ثقبان أمام العينين كيما يرين بصورة واضحة، وفي إسبرطا كانت الفتيات ترتدي الحجاب بعد الزواج.
وهناك نقوش وآثار باقية تدل على أن المرأة كانت ترتدي حجاباً يغطي رأسها عدا وجهها، ولكنها عندما تذهب إلى السوق تغطي حتى وجهها سواء كانت عذراء أم متزوجة.
ونساء سيبريا وسكان آسيا الصغرى أيضاً، كان لهنّ حجاب، وأما حجاب نساء رومانيا فكان أشدّ التزاماً، لدرجة أن المرأة كانت لا تخرج من دارها إلاّ مخفورةً ملثمة باعتناء زائد، وعليها رداء طويل يلامس الكعبين، وفوق ذلك عباءة لا تسمح برؤية شكل قوامها([20]).
هذه الموارد جميعها تشير إلى أنّ الحياء والعفاف خصلة إنسانية يميل إليها البشر بأجمعهم ـ طبقاً للفطرة والخلقة ـ وما زالت القوانين العالمية تؤكد على منع الأعمال المنافية للعفة، وإن كان العمل بها وميزان تطبيقها لا يستوي في جميع المناطق.
 
إنبات العفاف في ظل الوراثة والتربية ــــــــــــــــ
لعاملي التربية والوراثة دور مهم ومؤثّر في تربية السجايا الأخلاقية كالعفّة والسعادة وتوفيق الإنسان، حيث يمكن تربية جيل طاهر وسليم وسعيد باتّباع الاُسس التربوية والتعليمية الصحيحة والمناسبة، لذا وجب على الإنسان أن يولي هذين الموضوعين معرفة واهتماماً كافيين.
((الوراثة هي: انتقال القوى الطبيعية من الموجود الحي إلى الجيل الذي يليه، سواء كانت خاصة بهذا الجيل أو مشتركة بين جميع أفراد هذا النوع أو ببعض أفراده))([21]).
وبتعبير آخر: ((انتقال الصفات والخصوصيات الجسمية والروحية والحالات والخصوصيات الأخلاقية والعملية من الأب والاُم والأجداد إلى الأجيال التالية))([22]).
هذه الصفات والخصوصيات تؤثر على الأفراد سلباً وإيجاباً، فصحّة الوالدين وسقمهما، والاختلالات الروحية والعاطفية، والعفّة والدعارة، ومستوى الإدراك والاستيعاب، والثقافة، والإيمان، والعقائد، والصفات، وأخلاق الوالدين تؤثر جميعها على حياة الإنسان.
((وقد أثبت علم نفس الأجنّة أنّ حالة الزوج والزوجة النفسية حين انعقاد النطفة تؤثر في الأولاد؛ فالاضطراب والتشويش والشعور بالاطمئنان والأمن وحتى الإحساس بالذنب والانخداع كلّها عناصر تؤثر في مصير الطفل))([23]).
يقول أمير المؤمنين C في بيان هذا الموضوع المهم: ((إذا كرم أصل الرجل كرم مغيبه ومحضره))([24]).
ويقول في مكان آخر: ((حسن الأخلاق برهان كرم الأعراق))([25]).
كما روي أيضاً عن النبي الأكرم 2 أنه قال: ((الشقي شقي في بطن أمه، والسعيد سعيد في بطن أمه))([26]). وبناءً على هذا، فإنّ في الاهتمام ببناء وتقوية جسد وروح الوالدين بالتقوى والعفاف وتجنّب المحرمات والمعاصي تأثيراً عميقاً في سعادة الطفل.
ويعتبر الشيخ المرحوم مرتضى الأنصاري S أنّ تقدّمه العلمي والمعنوي كان نتيجة جهود والدته واهتمامها، وهكذا يرى علماء وشخصيات آخرون كآية الله المطهري وآية الله البهشتي ـ ممن كان لهم دور مهم في نشر الثقافة والمعارف الإسلامية ـ أنّهم كانوا يحظوْن بأمهات عفيفات مؤمنات شجاعات طاهرات([27])، وهذا ما دلّ عليه الحديث النبوي الشريف: ((طوبى لمن كانت اُمه عفيفة))([28]).
وأمّا المحيط الذي يلد ويتربى فيه الطفل وينمو في ظلّه فله تأثير كبير في سعادته أو شقاوته، فإنّ الآباء والاُمهات الذين يهيئون الأجواء المساعدة على تربية أولادهم تربيةً صحيحة، ويخاطبونهم بكلام طيّب ويتعاملون معهم بالحسنى، ويطبقون التعاليم التربوية الصالحة والفضائل الأخلاقية الحميدة في تربية أولادهم خطوةً خطوة، يمكنهم تربية أفراد صالحين من جميع الجهات؛ وهم ـ عبر ذلك ـ يؤدّون وظائفهم وواجباتهم تجاه أولادهم ومجتمعهم، ويطيعون الأوامر الإلهية فيهم.
إنّ معظم المشاكل الاجتماعية والانحطاطات الأخلاقية وفساد الشباب إنما يقع بسبب محيط الأسرة، ونتيجة التربية الخاطئة، أو نتيجة عدم مراقبة الآباء أولادهم.
فقد جاء في الحديث المأثور: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه))([29]).
وبناءً على هذا، فإن الوراثة وتربية الأسرة، هما معاً أساس شخصية الفرد، فيمكنهما أن يجعلاه إنساناً عفيفاً خلوقاً وموفقاً، أو إنساناً فاسداً منحرفاً ومضراً.
 
سعة العفاف ــــــــــــــــ
إنّ دراسة أبعاد العفاف المختلفة ومدى سعته في الشؤون الفردية والاجتماعية تشمل آفاقاً واسعة نستطيع ـ بالاستفادة من القرآن الكريم والسنّة الشريفة ـ أن نشير إلى الموارد التالية منها:
1 ـ عفّة الفكر:
نور العقل أعظم رأسمال وهبه الله للبشر، فجميع الأعمال والمشاعر والسلوكات وحتى القدرات والإمكانات الذاتية قائمة على أساس الفكر، وكلّ عمل وسلوك ـ سواءٌ كان حسناً أو سيئاً وكانت نتائجه خيراً أو شراً ـ منشؤه الفكر، بعبارة أخرى: إنّنا نعمل بما نفكّر.
وكلّما ترقّى فكر الإنسان أكثر، ووافق فطرته التي تميل إلى الكمال أكثر وتنـزّه عن الدنس والخبث مضى في طريق الكمال أسرع فأسرع، وكما قال مولى المتقين علي C: ((من عَقِل عَفَّ))([30])، وقال أيضاً في موضع آخر: ((يستدلّ على عقل الرجل بالعفّة والقناعة))([31]).
ولذا، كان العقل أحد العوامل المؤثرة في تقويم الأهواء النفسانية وانقياد الغرائز البشرية، إنّه يحدّد حرية الإنسان بموازين دقيقة ومقاييس صحيحة، ويبين له ـ في مسيرة حياته ـ الطريق السوي والسبيل المنحرف المضلّ، ويميز له الحق من الباطل، ويمكن أن يقيس العقل رغبات الإنسان وشهواته ويقوّم أهواءه ويصحّحها، كما يمكنه أن يقود الغرائز ويهديها نحو الخير والصلاح، ويمنعها من الطغيان والتعدّي، فالعقل ـ إذاً ـ هو الدليل الذي يؤدي باتّباعه إلى السعي والعمل على فوز البشرية وفلاحها، يقول الإمام
علي C في هذا المجال: ((فكرك يهديك إلى الرشاد))(
[32]).
فالشريف من كانت أفكاره شريفة، والوضيع المذنب من كانت أفكاره خبيثة وملطّخة.
والخلاصة: نحتاج من أجل بلوغ الحياة السعيدة الكاملة إلى فكر عفيف وعقل صادق وموثوق به.
2 ـ عفة البصر:
ترجع أهمية هذا الموضوع إلى أنّ البصر بوابة القلب، فما يراه المرء من هذه النافذة قد يوصله إلى رياض السعادة ومواطنها، وقد يؤدّي به إلى هاوية السقوط وحضيضها. إنّ ما يراه البصر يحسّه القلب ويشعر به، فيحلّله ويهيئ الأرضية المناسبة للانفعال به طبقاً للظروف والشروط التي تحيط به، ثمّ يتحرك نحو كسب الحالات وتسخيرها، وهذا صحيح؛ إذ يقال: ما تراه العين يذكره القلب، ولا فرق بين كون هذه النظرة صواباً أو شططاً غير مسموح به.
وبما أنّ الله خالق الإنسان ويعلم جميع صفاته وحالاته وأخلاقياته، وبالتالي يعلم مصلحته وخيره وصلاحه في كل شيء، لذا أوصانا بعفّة النظر، وحذّر الإنسان من النظرة المريبة قائلاً عز من قائل: >قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم… * وقل للمؤمناتِ يغضضن من أبصارهن<([33]).
تصرّح هذه الآيات بحرمة نظر الرجل الأجنبي للمرأة الأجنبية وبالعكس، فكلمة((يغضوا)) مشتقّة من ((غَضَّ))، وقد ذكر المفسرون لها معانٍ متعددة منها:
1 ـ غضّ البصر: بمعنى غمْض العين، وعدم النظر، أي إطباق الجفن على الجفن([34]).
2 ـ عبر عنه البعض بتقليل النظر، وعدم الإمعان في الشيء، أي ينقصوا نظرهم عمّا حرم الله([35]).
الجدير بالذكر أنّ متعلّق الفعل لم يُذكر في هذه الآية، أي لم يذكر الله تعالى ما يلزم غض النظر عنه، ولكن يتبيّن من سياق الآيات ـ خصوصاً الآية 31 من سورة النور التي ذكر فيها مسألة الحجاب ـ بوضوح أنّ معنى غض البصر، عدم النظر إلى النساء الأجنبيات.
ولكن الآية لم تذكر بدقّة حدود ومشخّصات النظر، لذا يعتقد البعض حرمة مطلق النظر دون أيّ قيد أو شرط لمنع النظر عموماً، ولذا تشمل كلّ نظرة.
ولكن البعض الآخر يرى عدم وجوب ستر الوجه والكفين؛ لقرينة وجود ((من)) في الآية السالفة والتي تفيد التبعيض، ولقوله تعالى: >إلا ما ظهر منها<، لذا لا منع للنظر مطلقاً، وإنما هناك استثناءات، وهي:
1 ـ النظر إلى البنت أو المرأة التي يُقصد الزواج منها، بشرط أن يكون النظر:
أ ـ بدون تلذّذ وشهوة.
ب ـ احتمال الموافقة على الزواج منها.
ج ـ عدم وجود مانع من الزواج، كأن تكون المرأة في عدّة شخص آخر.
د ـ النظر لازدياد معرفته بها، وإلاّ فلا.
هـ ـ الاكتفاء بالنظر بمقدار يؤمّن قصده للتعرف عليها.
و ـ لا يحق للرجل النظر إلى النساء الأجنبيات ليجد من يتزوج منها.
2 ـ النظر إلى نساء أهل الكتاب وأهل الذمّة والكفار جائز، بشرط:
أ ـ ألاّ يكون بقصد التلذذ والشهوة.
ب ـ ألاّ يخشى منه خطر ارتكاب الذنب والحرام.
ج ـ اختصاص جواز النظر إلى ما يظهر عادةً للآخرين.
3 ـ يمكن للطبيب أو الممرّض النظر إلى المرأة الأجنبية أو لمس بدنها ـ بقدر الضرورة ـ بشرط:
أ ـ إذا انحصرت الطبابة بالرجل فقط.
ب ـ إذا كان النظر أو اللّمس ضرورياً لتشخيص المرض.
ج ـ يجب الاكتفاء بمقدار الضرورة إذا كان جائزاً.
4 ـ يشمل الحكم أعلاه ـ أي جواز النظر ـ نجاة الغريق وإطفاء الحريق والسوانح الاُخرى.
5 ـ يجوز النظر إلى الأطفال الذين لم يبلغوا بعدُ العمر المتعارف إذا لم يكن بريبة([36]).
وأمّا ثاني التعاليم التي وردت في هذه الآيات فهو: حفظ الفروج >… ويحفظوا فروجهم …<، >… ويحفظن فروجهنّ…<، ويراد منها سترها عن الأجانب، وليس بمعنى حفظها من الزنا واللواط؛ يقول الإمام الصادق C في هذا المجال: ((كل آية في القرآن فيها ذكر الفروج نهي عن الزنا، إلاّ هذه الآية فإنها من النظر)).
وعبارة: >… ذلك أزكى لهم…<التي وردت في الآية السالفة، تشير إلى التوصية بالعفاف ولزوم غض النظر وامتناع المرأة من التبرّج، ذلك كلّه من أجل تطهير الروح والنفس من الذنب والدنس والانحطاط الأخلاقي في الاُسرة والمجتمع، وهذا يرتبط أيضاً بسعادة كلّ من الرجل والمرأة والأجيال الإنسانية جمعاء.
إنّ النظر شرارة تشتعل منها نار الشهوة: ((النظرة بعد النظرة تزرع في القلب شهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة))([37])،و((النظر سهم مسموم من سهام إبليس، وكم من نظرة أورثت حسرة طويلة))([38]).
إن الذين لا يغضّون أبصارهم يتعبون ويجهدون أرواحهم وأنفسهم أكثر من الآخرين، كما يعرّضون أنفسهم للإصابة بالقلق والاضطراب، وثورة الانفعالات وهيجانها، وهذه الطعمة الملوثة بالأهواء الشيطانية توقعهم وغيرهم في وحل الفضيحة، ولهذا كان الأئمة E يحدّثون أتباعهم في مدح من يغضّ بصره، ويحذرونهم من عاقبة الوقوع في دوامة النظر المريب بأنّ لهم عذاباً شديداً.
يصرّح الإمام الصادق C في هذا المجال قائلاً: ((من نظر إلى امرأة فرفع بصره إلى السماء أو غضّ بصره لم يرتد إليه بصره حتى يزوّجه الله من الحور العين))([39]).
ويقول الرسول الأكرم 2: ((ما من مسلم ينظر إلى المرأة أوّل رمقة ثم يغضّ بصره إلاّ أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها في قلبه))([40]).
ويقول الإمام الصادق C أيضاً: ((من ملأ عينه حراماً ملأ الله عينه يوم القيامة من النار، إلاّ أن يتوب ويرجع))([41]).
3 ـ عفّة المعاشرة:
من الواضح أنّ نشاطات النساء الاجتماعية وحضورهنّ في مختلف الميادين سيكون باعثاً على خلق أرضية تعامل وارتباط أكثر بين المرأة والرجل، وإثر الحضور الاجتماعي للمرأة تبرز كثير من الاستعدادات والقابليات، كما تتحقّق كثير من الأمور في مجالات كثيرة ومختلفة، كالتعلّم والتعليم، والتقدم والتنمية التكنولوجية، وارتفاع مستوى الفهم السياسي، ومعرفة التحولات الاجتماعية.
كما يتحقّق أداء الوظيفة الشرعية إثر النشاطات الاجتماعية، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لذا فمن محفّزات الدعوة إلى مشاركتها الاجتماعية رفع مستواها العلمي والمعنوي والاجتماعي، ولا يمكن تحقيق هذا الدور المهم إلاّ بحضورهن الفعلي، وإلا سيكون عسير المنال.
من جهة أخرى، تمتاز شريعة الإسلام والسنّة النبوية الشريفة بكونها سهلة يسيرة سمحة، يقول الله تعالى في القرآن الكريم: >يريد الله بكم اليسرَ ولا يريد بكم العسر<([42])، ولو فرضنا أن المرأة أدّت ما يلزمها من تكاليف وواجبات عن طريق محارمها وبقيت هي في البيت تؤدّي شؤون منـزلها، وتهتم بتربية الأطفال وإنجابهم وإرضاعهم، فسوف لا تخلو حياة الجميع من الحرج والصعوبة.
لقد كانت النساء في عصر الرسالة الأول يسألنَ رسول الله 2 ما لديهنّ من أسئلة، ولم يمنعهنّ رسول الله قط، ويبدو من آيات القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة وسيرة الأئمة المعصومين E أنّ النساء كنَّ يعاشرن ويتحدثنَ مع رسول الله 2 والأئمة المعصومينE، وكان هذا أمراً عادياً وطبيعياً.
وقد ذكر القرآن الكريم مسألة بيعة النساء، وهي إحدى أبرز نماذج مشاركة المرأة سياسياً واجتماعياً، قال تعالى: >يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لا يُشْرِكْنَ بِالله شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ<([43]). وقد بايعت النساء النبي الأكرم 2 في أكثر من موضع، عند اعتناقهنّ الإسلام، وعند مبايعته 2 رئيساً للدولة الإسلامية.
وفي موقع آخر، يؤكّد القرآن ـ صراحةً ـ مالكية النساء والرجال، كل حسب كسبه، قال تعالى: >وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ الله مِن فَضْلِهِ إِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا<([44])، وهذا يدلّ على أنّ الله لا يخصّ الرجال بالملكية والكسب والعمل الاقتصادي، وإنما يرى للنساء في ذلك نصيباً أيضاً.
ونجد مثل هذا التعامل بوضوح في القرآن الكريم، ففي سورة القصص ـ مثلاً ـ يتحدث عن رعي بنات شعيب C الأغنام: >ولمّا ورد ماءَ مديَن وجَد عليه اُمة من الناس يسقون ووجد من دونهم إمرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير<([45]).
ولا يخفى على أحد دور النساء الهام في صدر الإسلام وما بعده، ومشاركتهنّ في ميادين الحروب، كتحضير الطعام، ومداواة المجروحين، بل وحمل السلاح، ومجابهة العدو أحياناً، وهذا كلّه يدلّ على حضور المرأة المؤثر، وهو أمر بمنتهى الوضوح، بحيث خصّصت له أبواب في كتب الحديث والسيرة، وهناك باب في صحيح البخاري وصحيح مسلم باسم: غزوة النساء مع الرجال.
إذن، فمن وجهة نظر الإسلام يجوز للمرأة المشاركة الاجتماعية والتعامل مع الآخرين في المجالات السالفة، لكن لهذه الروابط والعلاقات آداب وضوابط، سميناها: عفّة الروابط الاجتماعية أو عفّة المعاشرة، ومن جملة هذه الآداب:
أ ـ الاحتراز من مفاكهة المرأة: وهي عبارة عن التحدّث الذي يمتزجه اللهو والهزل والفتنة، يقول الرسول الأكرم2: ((من فاكه امرأةً لا يملكها حبسه الله بكل كلمة كلّمها في الدنيا ألف عام))([46]).
ب ـ الاحتراز من الاختلاء: يقول الإمام موسى بن جعفر C نقلاً عن الرسول 2: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبت في موضع يسمع نفس امرأة ليست له بمحرم))([47])، ويقول الرسول الأكرم 2 أيضاً: ((ألا لا يخلونّ رجل بامرأة إلاّ كان ثالثهما الشيطان))([48]).
ج ـ الاحتراز من المصافحة: يقول الرسول الأعظم 2: ((من صافح امرأةً تحرم عليه فقد باء بسخطٍ من الله عزوجل))([49])، ويقول 2 أيضاً في مكان آخر: ((من صافح امرأةً تحرم عليه يقاد يوم القيامة بالأغلال ويلقى في جهنم)).
د ـ عدم استعمال العطور: يقول رسول الله 2: ((أيّ امرأة تطيّبت وخرجت من بيتها فهي تُلعن حتى ترجع إلى بيتها ما رجعت))([50]).
ويقول في مكان آخر: ((إذا تطيّبت المرأة لغير زوجها فإنّما هو نار وشنار))([51]).
 
4 ـ العفّة في الزينة:
أحد ميول البشر الفطرية ميله إلى الجمال، وتلذّذه بالمناظر الجميلة مخامرٌ لذاته ورشح من فطرته، قال تعالى: >قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده<([52]).
يقول العلاّمة الطباطبائي في تفسير هذه الآية: ((يشير الله عزوجل في هذه الآية إلى الزينة التي خلقها لعباده، يبيّن الزينة التي أوجدها في فطرتهم وألهمهم استعمالها، ومن الواضح أنّ الفطرة لا تلهم شيئاً إلاّ وكان وجود وبقاء البشر منوطاً به ومحتاجاً إليه))([53]).
ومن البيّن ـ أيضاً ـ أنّ معرفة الأشياء الجميلة ودَرك الجمال الطبيعي ليس فقط يحتاج إلى الحسّ الفطري وحب الجمال، وإنّما يجب صقل وتنمية هذه القدرة الطبيعية على ضوء خطّة تربوية صحيحة.
ويمكن للتربية الصحيحة أن تكشف القابليات وتُخرجها من القوّة إلى الفعل، وكلّما ارتفع مستوى العلم والثقافة في بلدٍ ما أكثر وبرزت عواطف الناس أكثر، عُرف الجمال أكثر؛ إذ قد اتجهت أنظار الشعوب والمجتمعات الراقية في العصر الحاضر وفي كل الطبقات الاجتماعية.. اتجهت نحو الج


الاحتجاب أم العفاف قراءة في التصوّر الإسلامي

15 فبراير 2010
التصنيف: بحوث و دراسات، مقالات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

أرسل الله تعالى الرسل والأنبياء والقادة المصلحين إلى الاُمم المختلفة، وبيّن لهم سبل هداية وسعادة البشرية، فكان الإسلام أكملها وأتمّها، فأحكامه القائمة على أساس المعرفة الدقيقة بأبعاد حياة الإنسان المختلفة، تضمن له الفوز بالحياة الكريمة وبلوغ الكمال الحقيقي، وسلامة الروح والبدن،…