نبذة حيدر حب الله *

الموضوع بواسطة حيدر حب الله * :

الدين والاستيعاب التشريعيّ

12 يوليو 2017
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
699 زيارة

الدين والاستيعاب التشريعيّ

جولةٌ في بعض المنطلقات العقلانية والقرآنية لقاعدة (ما من واقعةٍ إلاّ ولها حكمٌ) حيدر حبّ الله(*)   تمهيد منذ قديم الأيّام كان هناك سؤالٌ أقلق المجتهد المسلم، وهو: كيف يمكن للنصوص المتناهية أن تحكم في الوقائع غير المتناهية؟ (راجع: الشهرستاني، الملل والنحل 1: 199). وقد دفع ذلك ـ أحياناً ـ لتبنّي خيارات مكمّلة تسدّ النقص […]

المدرسة التفكيكية وسؤال المنهج/هل تثور إيران المتصوّفة على الحكمة المتعالية والعرفان الشهودي؟!

2 يوليو 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة









سؤال المنهج أهمّ أسئلة الثقافة الدينية اليوم، وأصعبها، وأشقّها على الباحث الحصيف، سؤال يتخطّى الغرق في جزئيات الموضوعات، ويتجاوز إطار الجدل العقيم، ويحكم برؤاه على المعطيات المعرفية عمومها، تبعاً لدرجته وحساسيته.

والمدرسة التفكيكية جواب ــ من الأجوبة ــ عن سؤال المنهج، آمن به قوم، ورفضه قوم آخرون، لكن أهمية الجواب التفكيكي المعاصر في الوسط الشيعي تفوق غيره، لأسباب نأتي على ذكر بعضها.

1 ــ ما هي المدرسة التفكيكية؟ وماذا تعني؟ بالتأكيد لا يراد بهذا المصطلح هنا المدرسة التفكيكيّة المعروفة في الغرب، بل المراد مدرسة أخرى، عرفها الشرق الإسلامي المعاصر، وهذا المصطلح وُضِع لاتجاه حديث ومعاصر عرفه المناخ الشيعي الإيراني بالخصوص.

ظهر هذا الاتجاه منذ بدايات القرن الرابع عشر الهجري، مع شخصيات عديدة من شرق إيران (خراسان) وغربها (قزوين و..)، من أمثال السيد موسى الزرآبادي، والشيخ مجتبى القزويني، والأهم: الشيخ الميرزا محمد مهدي الإصفهاني، وقد تتالت أجيال التفكيكيّين حتى وصلت إلى عصرنا الحاضر، حيث يتزعّم حركتهم اليوم الأستاذ محمد رضا الحكيمي المعاصر، صاحب كتاب «الحياة» المعروف.

وقد كانت انطلاقة الحركة الجديدة للتفكيكيين من غرب إيران ووسطها، لكن هجرة محمد مهدي الإصفهاني إلى بلاد خراسان ــ حيث مرقد الرضا B ــ حوّل مركز التفكيك إلى ناحية الشرق، وتعتبر مدينة مشهد اليوم عاصمة الاتجاه التفكيكي، ومركز إشعاعه الأوّل، حيث ترك التفكيكيون بصماتهم على حوزاتها العلمية، ومعاهدها الدينية و..

2 ــ تقوم فكرة التفكيك على ضرورة فصل المناهج فصلاً تاماً تقريباً، واعتبار الخلط المنهجي في الدرس الديني أكبر خطأ تاريخي وقع فيه المسلمون، ويعني التفكيكيون بفصل المناهج، فصلَ المنهج الفلسفي عن المنهج الديني القائم على فهم نصوص الوحي من جهة، وفصل المنهج الديني المذكور عن المنهج العرفاني الكشفي الصوفي القائم على شهود القلب من جهة أخرى، فلا يمكن فهم الدين من العقل الفلسفي، كما لا يمكن بلوغه من قلوب الإشراقيين الشهوديين.

إنّ هذا الفصل أحرج المدرسة التفكيكية، ذلك أنّه سمح لخصومها المحدَثين بتصويرها حركةً أخبارية، سلفية، ظاهرية، متزمّتة، وهو ما أنكرته المدرسة التفكيكية بقوّة وشدّة.

ولكي تعيد رسم تصوّراتها لمصادر المعرفة الدينية، وفقاً للتفكيك المشار إليه، عمدت الحركة التفكيكية إلى دراسة العقل وحجيّته، معتبرةً أنّ العقل العملي أساس لا ينبغي الحياد عنه، وبهذا تلاقت المدرسة التفكيكية بقوّة ــ هذه المرّة ــ مع الاتجاه الكانطي في الثقافة العالمية، دون أن تنكر دور العقل النظري، بل أبقت عليه في حدود البديهيات، غير أنّها لم تسمح للقسم النظري الموغل في النظرية منه بالدخول إلى ساحة الدين، وإن قبلت به حَكَماً في مجالات الفكر، والعلم، والثقافة الأخرى، مثل الطب، والرياضيات، والنجوم و.. ومعنى ذلك، شرعيةً مطلقةً للعقل العملي، وأخرى مطلقة للعقل النظري خارج حدود النطاق الديني، والاعتراف به أيضاً في حدود البديهيات حتى داخل الدين.

وهذا ما حصل أيضاً مع تيار الكشف والشهود، فلم ينكر التفكيكّيون الكشف والشهود بقدر ما أرادوا إنكار مساهمته الموغلة في تفسير النصّ الديني.

3 ــ لكنّ القضية لم تمضِ بهذه البساطة، فالمجتمع الشيعي الإيراني أرض خصبة دائماً لجهود فلسفية كبرى، وأنشطة في التصوّف تكاد لا تضاهى، وما زالت إيران إلى اليوم ساحة حراك غاصّة بمختلف أشكال الفعل الفلسفي في الدين، وأنماط النشاط الصوفي والعرفاني، حتى كاد هذا الوضع، بل صار، جزءاً من الثقافة العامّة، ولهذا وجدنا أن الحركة الإصلاحية الدينية الإيرانية منذ بدايات القرن العشرين، كانت ــ وما تزال ــ تعتبر التصوف والمتصوّفة، وكذلك الفلاسفة والحكماء، خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه، يؤكّد ذلك أبرز رجالات النقد الديني المعاصرين من أمثال: عبدالكريم سروش، ومصطفى ملكيان، ومحمد مجتهد شبستري…

إذن، فالخطوة التفكيكية كانت ــ وهنا حساسيتها ــ مواجَهةً ضروساً مع ثقافة مجتمع بأكمله، اعتاد على فهم الدين من خلال الفلسفة (التي لا يسمح التفكيكيون بمرادفتها للعقل)، والتصوّف (الذي لا يسمح التفكيكيون بمرادفته للأخلاق وأسس العقل العملي).

4 ــ ومعنى ثقافة فهم الدين فهماً فلسفياً وعرفانياً ازدهار حركة التأويل، تلك الحركة التي ما فتئ التفكيكيُّ يحاربها، يعتقد التفكيكيون أنّ الخطاب الديني يمكنه أن يعتمد ــ لتتميم فراغاته ــ على العقل البديهي، أي بدهيّات العقل بما فيه النظري، وهذا أمرٌ طبيعي، إلاّ أنّه غير قادرٍ على أن يعتمد في حواره العام على العقل النظري الفلسفي، بل يفترض به أن يسمح لنا بتأويله ضمن نظام تفاعلي داخل النص، أي وجود شواهد في النص ــ المتصلة أو المنفصلة ــ على إرادة معنى مجازي، ولا يمكن أن تكون قرينة المجاز برهاناً عقلياً احتاجت الإنسانية لقرون حتى تبلغه، إذن، فنظام التأويل نظام يخضع لإطار النص ولا يتجاوزه، وهذا ما رفضه المجاز الاعتزالي، كما رفضه التأويل الصوفي والفلسفي، سيما عند ابن عربي (638هـ) وصدر المتألهين الشيرازي (1050هـ).

إن تطويع النصّ تطويعاً غير عفوي، إن صحّ التعبير، لصالح المقولات الفلسفية النظرية أو كشوفات الروح أمر مرفوض عند التفكيكيين إطلاقاً، فالنص غنيّ بذاته، قادر على خلق نظام إشاري فيه يحلّ مشكلاته الداخلية بصورة دينامية نشطة.

5 ــ وتبدو عظمة الاختراق الذي أحدثته المدرسة التفكيكية في الثقافة الإيرانية جلياً عندما يتعرّض صدر الدين الشيرازي (1050هـ) لحملة ناقدة، وما أدراك ما يمثله صدر المتألهين في الثقافة الإيرانية!! حتى كاد ــ بل صار ــ صنماً يصعب تجاوز ثوابته، لكن التفكيكيين اعتبروه خليطاً من مدارس متكاثرة ومختلفة ومتباينة، إنّه وليد غير شرعي ــ إن صحّ التعبير ولاق ــ من وجهة نظرهم، لهذا يجب كسر صنميته وتحطيم الهالة المقدّسة المفتعلة حوله.

إنّ التفكيكيين ــ مهما كان تقويمنا لرؤاهم الفكرية ــ عبرّوا عن شجاعة عالية في نقد الملا صدرا ومدرسته، وهي شجاعة تبقى ضروريةً على الدوام، ليس مع الملا صدرا فحسب، بل مع كلّ رجال الفكر والمعرفة، فحسن الظنّ بالمفكرين شيء، وصواب أفكارهم شيء آخر.

6 ــ وقد لاحظنا في الاتجاه التفكيكي في الفترة المعاصرة حركةً نحو المقاصدية، لاحت سابقاً في كتاب «الحياة»، ويقود هذه الحركة الأستاذ محمد رضا الحكيمي، حيث يذهب إلى اعتبار العدالة الاجتماعية مقصداً أساسياً للتشريع الإسلامي، يجدر ملاحظته ورصده، وتقويم تمام المعطيات الفقهية على ضوئه، وهذا الاتجاه يجعلنا نشعر بوجود تطوّر ملحوظ في النشاط الفكري عند التفكيكيين، الذين يلاحظ عليهم لغتهم التبجيلية في التعامل مع التراث المدرسي أحياناً، كما يلاحظ عليهم تعظيمهم الزائد عن الحدّ بعض الشيء لرجالاتهم وشخصياتهم.

وتبقى الحركة التفكيكية ضرورة لتنويع قراءاتنا للدين، وضرورة لكسر الطوق المضروب داخل الثقافة على مشاريع النقد والتقويم.

7 ــ ومن ميزات رجال المدرسة التفكيكيّة أنّهم اهتمّوا كثيراً بالرصد التاريخي للعلوم الإسلامية، فلم يهمّهم كثيراً التحليل التجريدي الثبوتي للفلسفة والعرفان، بل عناهم الواقع التاريخي لهذين العلمين في الثقافة الإسلامية، وقد لاحظوا ـ عبر رصد الواقع التاريخي ـ أنّ هذين العلمين كانا على خصام مع النصوص الدينية.

وهذا الاهتمام التاريخي يسجّل عنصر قوّة لصالح المدرسة التفكيكية، سيّما وأن المعاهد الدينية لا تستسيغ ولا تألف هذا النوع من تناول المشكلات الفكرية، بل يعنيها التفكيك التحليلي للمعطيات، بعيداً عن اختبارها في المسار التاريخي، الذي توكل نقاط ضعفه عادةً إلى عقبات ميدانية، تحمي بُنية العلم الأساسية من النقد أو الإصابة بالرمي.

ويعود هذا المنحى في المعاهد الدينية إلى المرجعية المنطقية الأرسطية القائمة على تحليل بنية العقل في ذاته لا في تاريخه وسيرورته.

ولم تقف محاولة التفكيكيين عند حدود العرفان والفلسفة، بل سعوا ــ أيضاً ــ لرصد مجمل أعضاء الثقافة الإسلامية في العمق التاريخي لها.

8 ـ وعبر الرصد التاريخي نفسه، كشف التفكيكيون عن بعض ما اعتبروه ثغرات قاتلة في النظريات التي حملها العلماء غير التفكيكيين، فسلّطوا الضوء على نظرية المعاد التي يراها صدر الدين الشيرازي، واعتبروا (فبركةً) لنظرية المعاد الروحاني، خلاصاً من التناقض مع النصّ، كما كشفوا النقاب عن موضوعة الخلود التي طرحها بعض الفلاسفة والعرفاء، وما نسب إلى الملا صدرا من إنكار الخلود في العذاب.

وهكذا انتقد التفكيكيون، ورطة الجبر التي سقط فيها ـ حسب رأيهم ـ الآخوند الخراساني، صاحب كفاية الأصول، واعتبروها منافيةً لمبدأ الأمر بين الأمرين المنصوص عليه في الموروث الحديثي الشيعي.

وهكذا أبدى التفكيكيون، مثل هذه العثرات لتأكيد الدور التخريبي للتدخل الفلسفي والعرفاني في القضايا الدينية.

9 ـ وحينما نتحدّث عن المدرسة التفكيكية المعاصرة فلا نعني أنّها نتاج إيراني صرف، إلاّ أنّ أهميّتها الإيرانية تكمن في ظهورها وسط حشد من التراكمات الفلسفية والعرفانية في الثقافة الدينية الإيرانية بالخصوص، وإلاّ فإنّ مظاهر مدرسة التفكيك موجودة ــ بالتأكيد ــ في العالم الشيعي العربي المعاصر.

وإذا أردنا أن نقدّم نماذج لذلك كان بإمكاننا طرح اسم العلامة السيد محمد حسين فضل الله، ذلك أننا نعتبره من أبرز وجوه التفكيك، بالمعنى العام للكلمة، في العالم العربي، إنّه يؤمن بالعقل ودوره، بيد أنّه رافض تماماً لأشكال الإقحام الفلسفي أو الصوفي في الثقافة الدينية.

وهذا ما كنّا نراه أيضاً مع المغفور له العلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وبنسبة معينة مع شخصيات عديدة أخرى، تمثل وجوهاً شيعية بارزة، مثل السيد عبدالأعلى السبزواري، والشيخ عبدالهادي الفضلي، والسيد هاشم معروف الحسني و..

______________________________________________

*







نشر هذا المقال في العدد الثاني من مجلة نصوص معاصرة، ربيع، 2005م.








علم الكلام عند العلامة فضل الله، قراءة في إشكاليّات النقد والتحديث

25 يونيو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

   تمهيد

قبل أن نشرع في قراءة التجربة الكلامية للعلامة السيد محمد حسين فضل الله من الضروري الاعتراف بوجود درجة من الغموض العام ـ وليس بالضرورة الشخصي ـ فيما يخص فهم آراء ومواقف وتوجهات هذه التجربة، والسبب في ذلك يعود إلى حداثة ظهور التجربة ظهوراً واضحاً جداً أولاً، ودخول هذه التجربة ثانياً في دوامات الجدل والخلاف الحاد، وتداخل الجانبين السياسي والثقافي في هذه التجربة ثالثاً، ووفقاً لذلك تتسم قراءة هذه التجربة كتجربة الدكتور عبد الكريم سروش في إيران ـ مع فارق ـ وهما تجربتان معاصرتان، تتسمان بدرجة من الغموض العام، بيد أن التشابه الحاصل بين التجربتين هو في درجة تدخل اصحاب التجربة انفسهم في تكوين هذا الغموض، بمعنى أن هاتين التجربتين لا تتمتعان في حد ذاتهما على الصعيد العلني بوضوح كبير في هذه المرحلة على الأقل، وعدم الوضوح هذا يمكن إرجاعه إلى سببين هما:
1 – وجود درجة معينة من اللغة الأدبية في الخطاب الثقافي والكلامي لهاتين التجربتين، فعلى خط تجربة الدكتور سروش نلاحظ مدى استخدامه نفسه الكثير جداً من التعابير الأدبية والجمالية الفارسية، بل ونلاحظ مدى حضور الأدباء والشعراء الايرانيين الكبار في داخل الخطاب الكلامي والفلسفي للدكتور، وكنموذج بارز على هذا الموضوع حضور اشعار المثنوي لجلال الدين الرومي حضوراً كبيراً وبارزاً في دراسته حول التعددية الدينية([2])، وهو ما عابه عليه خصومه وناقدوه في هذه النظرية([3]).
أما على خط تجربة السيد فضل الله فمع كونه شخصاً من الشعراء ولديه بعض دواوين الشعر([4])، وهو أمرٌ ليس بمعيبٍ في حد ذاته أبداً، إلا أن الخطاب الجماهيري الذي طبع تجربته فرض على هذه التجربة درجةً من الابتعاد عن اللغة العلمية الواضحة والشفافة فرضاً منطقياً، وهو ما أدى ـ إلى جانب ان هذا التواصل الجماهيري يتطلب اختزال الأفكار أو انتقاءها أو الاختصار أو التبعيض ـ إلى نوعٍٍ من الغموض في خطاب هذه التجربة.
ومن هنا يلاحظ أن الخطاب العلمي، لا أقل في عصرنا الراهن ـ يتطلب مخاطبين من نوع خاص، وهذا شيءٌ مغاير لما سيأتي معنا من جمهرة علم الكلام، لاننا هنا نتكلم عن الخطاب في مرحلة الابداع والتخصصية لا في اطار الاحتكار والنخبوية، وسوف يتضح معنا لاحقاً الفرق بين هذين الأمرين، فهناك واقع لا مفرّ منه، وهو أن طبيعة المخاطَب تفرض نوعاً خاصاً من الخطاب على المخاطِِب نفسه.
2 – التوتر والتشنّج الذي أحاط كلتا التجربتين لاسباب عديدة، فهذا التوتّر أدّى ويؤدي إلى ظهور اتجاهات افراطية وتفريطية من كافة الاطراف، ويغلّب الشخصيات الحادة على الشخصيات المعتدلة، ويمنح الاولى موقع الصدارة والتمايز فيما يلقي باللائمة على الثانية، ويتهمها بالجبن والتخاذل والحياد اللامبرر وأمثال هذه التعابير.
والأهم من كل ذلك هو طفو القراءات الاسقاطية على السطح نتيجة تسييس الصراع (بالمعنى العام للكلمة) أو تحزيبه وتأطيره، ومن ثم القيام بعمليات فرز وفصل منظّمين، وعندما تطفو القراءات الاسقاطية للآخر فإن هذا يعني طبيعةً غياب الآخر في القراءة وحلول الموقف منه محلّ ذلك، وهو ما سيؤدي إلى امتزاج ما لدى الآخر بما لدى القارىء، ومن هنا بالذات تبدأ عملية الغموض، بين نفي الآخر وإثبات الاول والعكس و…
إذن مهما كانت الاسباب ـ ولا يعنينا تحديدها بالدقة ـ فإن الغموض الذي يتحمّل مسؤوليته ـ في تقدير الكاتب ـ كل من أصحاب وأنصار التجربة ومعارضيها وناقديها معاً… ان هذا الغموض موجودٌ لا محالة مما يصعّب من إمكانية قراءة التجربتين، وهذا هو الفارق بين قراءة التجربة في زمانها، وبين قرائتها بعد طيها مراحلها كاملة.
لكن هذا الغموض يبدأ بالانحسار حينما نخرج من دائرة المفردات الكلامية (أو غيرها) إلى دائرة المنهج، يمكن لصاحب مشروع ان يخفي أو يثير الضباب والدخان حول مفردة كلامية يراها، بيد أنه غير قادر على اخفاء المنهج غالباً، ويمكن لخصوم اتجاه ان يثيروا الدخان حول فكرةٍ ما بيد أنهم لن يتمكنوا من إثارتها ـ امام القارىء العلمي المحايد ـ على مستوى المنهج والاسلوب المعرفي، ولذلك فإن درجة الغموض في هذه الدراسة هنا ستكون ـ تلقائياً ـ أقل نسبياً منها لدى معالجة المفردات التي دار فيها جدل واسع على صعيد التجربتين المتقدمتين من أمثال مفردات تكامل المعرفة الدينية، والعصمة، والرجعة، والتعددية الدينية، وعلم المعصوم، والولاية التكوينية، واحياء الدين، والدين والايديولوجيا، وفهم النص الديني و…
وعلى أية حال سوف نحاول دراسة أبرز التميّزات المنهجية لتجربة العلامة السيد محمد حسين فضل الله ضمن النقاط التالية:
 
1 – النخبوية والجماهيرية في علم الكلام، أو حرية العقل الفردي.
تواجه علم الكلام المعاصر مشكلة جادّة وحقيقية تتمثل في موقفه من العقل العام والعقل النخبوي من جهة، وفي تحديده النخبوية الكلامية من جهةٍ أخرى، فالموقف المعتزلي المعروف كان يقضي بضرورة تحصيل كلّ فردٍ يقينه الخاص القائم على الأدلة والوسائل التي يقتنع بها([5])، كما أن الموقف الشيعي من هذه القضية كان يقضي ـ هو الآخر ـ برفض التقليد منطلقاً في المسائل العقائدية ما دام التقليد لا ينتج قناعة ذاتية([6])، وهذا الموقفان يستبطنان التأكيد على الاعتراف بالعقل العام ـ أي عقول الأفراد ـ كحاكم محترمٍ معترفٍ به في القضايا العقائدية دون وجود أي مانع يحول دون ترشيد هذا العقل أو ذاك أو وضع مقارنات ومفاضلات بينهما.
لكن المشكلة التي واجهت علم الكلام المعاصر (والكلام القديم بدرجة أخرى وبشكلٍ آخر) انطلقت من طبيعة المواقف العامة المعارضة للنخبويين الكلاميين من رجال الدين، فبرزت ظاهرتان هامتان في المجتمع الإسلامي:
أ ـ الظاهرة الأولى: وقد تمثلت في ظهور تيارٍ منفصلٍ عن المؤسسة الدينية أخذ بممارسة نوعٍ من التخصصية في المعارف الدينية، وتخرّج ابناؤه من المعاهد الدينية الجامعية أو انفصلوا عن مؤسسة رجال الدين بعد ان انتموا اليها أو كانوا يدورون في فلك هذه المؤسسة ورجالاتها لكنهم أبدوا فيما بعد معارضةً لتوجهاتها، وقد سعى هذا التيار الى تشكيل نوع من النخبة المتدينة (وغير المتدينة) أخذت بممارسة البحث والدراسة في موضوعات دينية فلسفية وكلامية وغيرها، وقد برز من بين هؤلاء الدكتور نصر حامد ابو زيد، والدكتور حسن حنفي، والدكتور علي شريعتي، وعلي عبد الرازق، والدكتور عبدالكريم سروش، والاستاذ أحمد الكاتب، والدكتور رضوان السيد، والدكتور محمد شحرور، والسيد تقي زاده وغيرهم، ولظهور هذا التيار اسبابه ومبرراته الداخلية والخارجية التي لا تهمّنا فعلاً هنا.
هذه الظاهرة هزّت أركان علم الكلام بوضعه السائد وتركت تأثيراً كبيراً جداً حتى على الاوساط الداخلية لمؤسسة رجال الدين، أو لنقل لمؤسسة الكلام الرسمية، والشيء الذي كان يحصل هو أن الآليات والادوات والانماط الفكرية التي كان يستخدمها هذا التيار الجديد اختلفت اختلافاً كبيراً أحياناً ومتوسطاً أحياناً أخرى عن النمط المدرسي المتداول، وقد اتهم هذا النمط الجديد من قبل المدرسيين بأنه نمطٌ غير دقيق ومتسرّع وسطحي ومتأثر بالغرب وغير تحقيقي، وقد أثارت هذه النقطة بالذات اشكالية الاعتراف بالعقل غير النخبوي بالمعنى الخاص للنخبوية لدى مؤسسة الكلام الرسمي، وتمّ تدريجياً سحب المشروعية من هذه الفئة الجديدة، وانطلقت مقولات تنفي الأحقّية لهذه النخبة الجديدة في البت في قضايا الدين، لأن النخبوية والتخصصية بنظر المدرسيين هي نخبوية تتطلب مساراً خاصاً من التفكير والتطوّر مقيداً ضمن آليات كلاسيكية جرى تداولها سلفاً.
ب ـ الظاهرة الثانية: لقد أدّى تطور الانسان المسلم والعربي عقلياً ومعرفياً إلى بروز تساؤلات جديدة عنده، وقد انطلقت هذه التساؤلات من فضاء ثقافي تأثر احياناً بالغرب والعلوم الحديثة، وكانت البنية المنطقية والمرجعية الفكرية لهذا النوع من التساؤلات مختلفة في الشكل والجوهر احياناً كثيرة عن بنية ومرجعية التفكير المدرسي التي اتخذتها مؤسسة الكلام الرسمي، فعلى سبيل المثال يُعد العثور على نصٍّ دينيٍّ صحيح السند أو نصين كذلك يحكيان عن فكرةٍ عقائديةٍٍ ما فاصلاً منطقياً للنزاع العقائدي (أو على الأقل لبعض الموضوعات العقائدية كالموضوعات الفرعية)، فلو قدّم أحد الاطراف هذا النص وأكّده من الناحيتين السندية والدلالية لأدى ذلك إلى تدعيم موقفه اكثر امام خصمه، ولتراجع الخصم خطوةً الى الوراء، لأن النص الديني ولو غير اليقيني يمثل مرجعيةً يمكن الأيلولة اليها للتحاكم، فهذه الآلية المنطقية هي آلية اقناعية قوية لدى الكلام الرسمي، والذي حصل هو أن المتكلم الكلاسيكي تصوّر ان هذا النوع من المرجعيات يفترض ان يشكل حاسماً للخلافات العقائدية أو غيرها كما اعتاد هو في الكلام أو كما درج عليه في العلوم الفقهية، لان الجوّ الثقافي العام الذي عاشه هذا المتكلم قد فرض نوعاً من السلطة لهذا النوع من المرجعيات، ومن هنا بدأت ازمة تخاطب تبدو في الأفق، لان عقول الافراد التي نزعت نحو عقلانية محدثة غربية قد فقدت الثقة لسبب أو لآخر (لا نريد الآن تقييمه) بهذا النوع من المرجعيات، وهو ما أدى الى فقدان المتكلم الرسمي موقعيته وحضوره ومرجعيته او جزءاً كبيراً منها في الوسط الكلامي العام، وتطوّر الوضع الى ان بدأت النخب الجديدة التي تكلمنا عنها بالحلول محل النخب الكلاسيكية، وحيث كانت النخب الجديدة نفسها موضع شك وعدم ثقةٍ معرفيةٍ (وأحياناً أخلاقية) من جانب النخب الكلاسيكية فبطريقٍ أولى كانت الافراد المنضوية في فلك هذه النخب موضع شكٍّ كبيرٍ لدى الكلام الرسمي.
ومن هنا بدأت أزمة الثقة تظهر بين علم الكلام وبين العقل الآخر، فواجه علم الكلام اشكالية منح الشرعية لعقول الافراد بمن فيهم النخبويون الجدد، فالصيغة التي كان يحملها هذا العلم ترفض التقليد والظن والاتباع في علم الكلام، أي انها تعتبر اليقين الكلامي يقيناً شخصياً لا رسمياً، وليس الحال كالفقه وفروع الدين يكفي فيها يقين الرسميين والعلماء، لكن علم الكلام من جهةٍ أخرى شعر بالقلق من تنامي التفكير الآخر غير المستساغ له فرفضه عملياً، ومن ثم رفض شرعية الفكر الآخر وأخذ ينفذ فيه التفكير القائل بأن العقائديات لابد هي الاخرى ان يرجع فيها الى رجال الدين لا تماماً كالفقه، وانما بمعنى انه من غير الصحيح البتّ في الاعتقاديات دون الرجوع الى هذه الطائفة من الناس، وهو ما ترك تأثيرٍاً على قضية أخرى سنأتي قريباً على ذكرها، إن شاء الله تعالى.
وقد بدأت بذور خطوة الاعتراف بالعقل الفردي في الاعتقاديات عند الشهيد محمد باقر الصدر، وبدرجة اكبر على مستوى علم أصول الفقه، فقد قام الصدر بتأليف كتاب "المعالم الجديدة للأصول" كمعبّر عن قناعته بضرورة فك الطوق عن هذا العلم في نطاق آلية التفكير الاصولية عند الشيعة([7])، وكانت هذه بداية اشراكٍ للشرائح المثقفة الاُخرى في هذا العلم بدرجةٍ من الدرجات.
والعلامة الطباطبائي بالرغم من أنه ـ كالشيخ محمد رضا المظفر في عقائد الإمامية وكاشف الغطاء في أصل الشيعة وأصولها ـ كان من السبّاقين لنشر المعرفة العقدية بين الناس عامةً، كما يشهد بذلك مشروعه التبسيطي الديني في علم الكلام وغيره([8])، والذي هدف منه نشر المفاهيم العقدية الإسلامية في الغرب قبل غيره، لكنه لا يمكن تصنيف جهوده بالجماهيرية، لأن هذه الجهود كانت تلقينيةً ولم تكن إشراكاً وإسهاماً للآخر أو دعوةً لهذا الإسهام تماماً كما هو الحال في الرسائل العملية الفقهية، لكنها على أية حال كانت خطوةً جديدةً في مرحلة البدايات التي تخرج علم الكلام من حدوده المحصورة.
لكن العلامة السيد محمد حسين فضل الله مثّل مرحلة متقدّمة على هذا الصعيد، فقد نظّر من جهة لعقائديات غير رسمية، أي انه لم يؤمن في علم الكلام بنوع من الاورثوذكسية الرسمية، وكان أهم إسهام قام به هو تخطي حدود النخبوية في الخطاب العقائدي الى نوع من الجماهيرية، ايماناً منه بحق الفرد ـ النابع من احترام عقله ـ في تقرير مصيره العقائدي، فالسيد فضل الله لم يخاطب في علم الكلام طبقات خاصة او معينة، وانما خاطب عامّة الناس من خلال طبيعة الوسائل التي استخدمها ـ وما يزال ـ وهي وسائل اتصال عامة وعالمية كالفضائيات والراديو والتلفزيون والانترنت والمنبر والخطابة…
لقد رفض السيد فضل الله بشدّة حجب علم الكلام عن الجماهير، لانه اعتبر أن هذا العلم هو بالدرجة الاولى علم جماهيري وليس علماً نخبوياً، بل إن نخبويته ما هي سوى نتاج تاريخي للتضخمات الكمّية فيه، وهي تضخمات سنرى ان السيد فضل الله لا يؤمن بأكثرها انطلاقاً من رفضه للفكر الفلسفي وتأثيراته في تأويل النص أيضاً.
ويلعب البعد الاجتماعي والحركي لعلم الكلام عند السيد فضل الله دوراً مهماً على صعيد جمهرة علم الكلام وإخراجه من ابراجه العاجية وأسواره العالية ونزعته الفوقية ولونه الداكن…، تماماً كما هي النزعة العلم اجتماعية التي قرأ فيها الدكتور علي شريعتي الدين عموماً، وكما هو منحاه العملاني في هذه القراءة([9]).
لكن الشيء الذي يمكن ان يمنحنا معرفةً جديدةً حول هذه النقطة عند العلامة فضل الله هي طبيعة الخطاب العام الذي امتاز به واشتهر مما اشرنا له في مطلع هذه الدراسة، فهذا النوع من الخطاب ترك اثراً بالغاً في عقل السيد فضل الله نفسه، فطريقة السؤال والجواب الشفاهيين بين عالم وجاهل ـ لا جلسة حوار بين علماء ـ لا يمكنها عادةً ان تنتج خطاباً نخبوياً، وهذه الطريقة التي أحاطت الكثير من نتاجات فضل الله([10]) صاغت بصورة طبيعية ومتوقعة منظومته الكلامية، فعندما يريد السيد فضل الله ان يقرأ مسألةً عقائديةً فإن قراءته لها (أي تلك القراءة التي تصلنا) ستكون بالطبع متناغمة وطبيعة وسائل الاتصال الثقافي التي يستخدمها لنقل فكره، وتغلب الطابع الخطابي (أي الخطاب لا الخطابة) على حركيات السيد فضل الله صاغ عنده كلاماً يتصل بالخطاب الاسلامي العام، وهو ما ادى الى انحسار النخبوية في تفكيره ككل ومنه التفكير الكلامي.
لا يراد هنا الانقاص من شأن النتاج الكلامي لفضل الله بقدر ما يراد التأكيد على ان هذا النتاج هو نتاج تواصل مع الجماهير، ومن الطبيعي ان تنحسر في هذه الاجواء فرص النخبوية، ويتسم الموقف العام بنوع من الجماهيرية وعقول الأفراد.
ومن هنا نستطيع أن نرى بوضوح وبصورة منطقية النتيجة التي ارتآها السيد فضل الله في موضوع عقل النخبة او عقل الفرد.
بل لو تجاهلنا هذه المرحلة من تفسير السياق الذي تولّدت فيه هذه الفكرة لوجدنا أن ان هذا الموضوع يواجه اشكالية اساسية يقع فيها علم الكلام المعاصر، وهذه الاشكالية تكمن في ان علم الكلام المعاصر لم يعد على الحال التي كان عليها في بدايات ظهوره على غرار ما هو الحاصل على صعيد كافة العلوم الاسلامية، ذلك ان علمية المعارف الدينية تعدّ ظاهرةً متأخرةً عن القيم والمعارف الدينية نفسها من الناحية الزمنية ومن ناحية طبيعة الاشياء، فالأصول الاعتقادية التي جاء بها الاسلام على سبيل المثال كالتوحيد والنبوة والآخرة و… تختزن بعداً خبرياً، أي انها في الحقيقة مجموعة من القضايا في نهاية مطافها، لكن مجرّد وجود مجموعة قضايا معينة لا يعني وجود علم يتعلق بهذه القضايا، لان مرحلة ظهور العلم تستدعي بروز مجموعة عناصر تاريخية ومنطقية تحوّل هذه القضايا من تبعثرها الى انضمامها المنطقي وترتيبها الذهني، وهذا معناه ان العقيدة الاسلامية سوف تنفصل بهذا التصوّر عن علم العقيدة الاسلامية، لان علم العقيدة يتخذ من القضايا والموضوعات العقائدية موضوعاً واساساً لعمله وفق اقتضاء الموضوعية لها في هذا العلم، فلا يمكن افتراض وحدة بين العقيدة والعلم المختص بها، وهذا الأمر يسمح لنا بالاطلالة على العقيدة وعلمها إطلالة تاريخية، وهذا معناه ان العقيدة الدينية كانت موجودةً في الصدر الاول والمرحلة النبوية دون ان يكون هناك وجود لعلم مختص بها يحتوي خصائص العلم كفرعٍٍ معرفيٍّ حتى لو فرض وجود بذور لهذا العلم تشتمل تساؤلات صدرت عن الصحابة فيما يخص الصفات الالهية كما ورد في بعض الحوادث التاريخية زمن حياة الرسول (ص)، فمرحلة عقيدية العقيدة أسبق ـ وبالتالي ـ مختلفة عن مرحلة علميتها.
والذي حصل هو أن النسق النبوي (إن صح التعبير) للحديث عن العقيدة كان من الطبيعي ان يختلف عن النسق المتأخر الذي اعقب ظهور علم العقيدة، ونظراً لتعاطي العلماء والباحثين مع الموضوعات العقائدية في الفترة المتأخرة تعاطياً علمياً ادى ذلك إلى بروز طبيعي ومترقب لنوعٍ من النخبوية في التفكير الكلامي، فنخبوبة هذا التفكير هي نتيجة طبيعة لعلمية العقيدة (وربما هناك اسباب اخرى دخيلة ايضاً)، أي انني عندما اتصل بالعقائديات بواسطة شبكة علمية مفاهيمية فمن الطبيعي ان تكون قراءتي لها علمية ونخبوية، لان هذه الشبكة هي نتاج تراكمات معرفية لا يطلع عليها كلّ الناس.
وهذا ما يجرّنا إلى تحليل منهج العلامة فضل الله في التعاطي مع العقائديات من هذه الزاوية، فهذا المنهج يتجاوز عملياً المرحلة التاريخية لعلم الكلام والتي كوّنته كعلم من العلوم، وبالتالي العودة بهذا العلم الى المنطق النبوي الذي كان يعيشه في مراحله الأولية، لان خطاب الجماهير لن يخرج عادةً عن احد شكلين:
أ ـ تنازل عن الصيغة العلمية للفكرة ومن ثمّ جمهـرتها بتحويلها الى قضية مفرّغة من نسق علمي (بمعنى العلم لا بمعنى انها غير علمية).
ب ـ ابتكار صياغات علمية غير نخبوية.
أي بين طريقتين في التفكير، طريقة تتنازل عن المهمة العلمية التخصّصية، وأخرى تحاول ان ترفع الجماهير الى مستوى المعرفة العلمية.
وبعبارة اوضح هاتان طريقتان يجب على علم الكلام ان يحدد موقفه منهما، هل هو علم تخصصي كباقي العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء والرياضيات أم انه تناولات ثقافية جماهيرية دون ان يتم تبلوره في كينونه علمية؟ ومن الطبيعي اننا لا نحكي هنا عن صياغات لفظية تبسط فكرة أو تعقّدها بقدر ما نحكي عن نمط تفكير مارسه العلامة فضل الله في نطاق نتاجاته، والسؤال هو اذا اردت ان افكر في قضية كلامية ولنفرضها الولاية التكوينية للمعصوم او موضوعة الرجعة فكيف افكّر؟ هل هناك خارطة مسبقة انطلق في التفكير منها؟ هل اقوم بوضع فرضية ثم اقرأ التجارب الميدانية وأحاول معرفة ما اذا كانت هذه التجارب تعزز هذه الفرضية أو لا، على طريقة العلوم الطبيعية؟ هل اتعامل في غرفتي وعلى مكتبي وبيدي القلم والاوراق والكتب او أي وسائل اتصال متطورة … هل اتعامل بطريقة منظمة مضبوطة محكمة صارمة محددة سلفاً كما يفعل الكيميائي في مختبره، لان أي خطأ قد يحدث كارثة احياناً ام أنني اخرج من هذا الاطار المتحكم القاسي واطلق الافكار في ذهني ثم اميل الى واحدة منها؟ افترض فكرة سليمة وأجد لها بعض المؤيّدات ايجاداً عفوياً ثم اميل وارجح دون استنفار للمحتملات او استقصاء للفروض؟ هل اجالس مجموعة من الاصدقاء ونتبادل الرأي في فكرةٍ واخرج بنتيجةٍ ما، أم أمرّ بمعاناة فكرية واستنـزاف للجهود في المتابعة والملاحقة والتقصّي؟ هاتان هما الطريقتان.
والسؤال ما هو موقف العلامة فضل الله في نتاجاته من هاتين الطريقتين؟ (نؤكد على اننا نحاكم السيد فضل الله كنتاج ولا نُعني بما يمارسه شخصياً في تفكيره).
والجواب هو ان قراءة نتاج فضل الله وملاحظة جماهيرية تعاطيه مع الافكار ترجح أنه يتبع الطريقة الثانية، فنحن لا نملك على مستوى نتاجه الكلامي الا مقداراً ضئيلاً جداً من النماذج التي تؤكد المنهج الاول، ومن هنا قلنا بان السيد فضل الله من الطبيعي ان يتخذ موقفاً ايجابياً من جمهرة علم الكلام واخراجه من اسوار التخصصية العالية.
ويمكن لتوضيح الفكرة التي نحن بصددها القيام بتطبيق مقارن ما بين السيد فضل الله والشهيد محمد باقر الصدر، سواء على مستوى موضوع وجود الله تعالى، أو على مستوى قضايا الإمامة (والداخل الشيعي) مما خاض فيه السيد الصدر نفسه، فإن أبسط نظرة تعطي القارئ إحساساً بوجود فرق في المنهج والآليات وتجعله يرجح تخصصية منهج السيد الصدر على تخصصية مفترضة عند السيد فضل الله.
وحتى الشهيد مرتضى مطهّري الذي غلبت الخطابة وأساليب المحاضرة على نتاجاته التي جُمعت فيما بعد كان يمتاز بمنطق (وخطاب) علمي تخصصي أكثر من السيد فضل الله.
 
علم الكلام وإشكالية الخطاب النخبوي
لكن اذا تجاوزنا السيد فضل الله كيف يمكن لعلم الكلام ان يوفق بين حاجات التخصص وضرورات الجمهرة؟ وهل سبق له ان وفق في التوفيق؟ ونعني بكلمة "وفّق" ان علم الكلام نجح في الحفاظ على دقة الجانب التخصصي فيه كعلم من العلوم المنضبطة في محددات ومصادرات ومنهج، وفي نفس الوقت استطاع اشباع حاجات الجماهير دون ان يسقط في أتون عمليات تسطيح المعرفة او تنصيفها وتربيعها، كما ودون ان يقتصر دوره مع الجماهير على النشر والتبليغ القائمين على سياسة التلقين.
والعنصر المميّز لعلم الكلام عن اغلب العلوم الدينية وغيرها هو أن المعادلة في علم الكلام تقع بين العقل الفردي والحقيقة العقائدية، أي أن هذا العلم يعتمد على قيام كل فرد بالتوصل بطريقته الى القناعة بمجموعة معتقدات يلتزم بها، وبالتالي فعلم الكلام يتميز عن الفيزياء والكيمياء، لان عامة الناس (نقصد غير المتخصصين) لا تعبر في هذين العلمين عن قوّة مساهمة في صنع معرفة كيميائية او فيزيائية، وبالتالي فمن يمارس عملية الفعل والصنع انما هم العلماء الطبيعيون المتخصّصون في هاتين المادتين المعرفيتين، واذا كان ثمة مساهمة لعامة الناس فهي لا تعدو ارشاد او اعانة الباحث الطبيعي في بحثه على طريقة الشورى غير الملزمة لولي الامر في الفكر السياسي الاسلامي، بل الأمر كذلك على صعيد علمٍ كعلم اصول الفقه أو علم الحديث والرجال، فهذه العلوم وفق ما تنبني هي عليه من قضايا ومعطيات لا يساهم عقل عامة الافراد في صنع شيء اساسي فيها الا في دائرة اعانة المتخصّص في عملية الصنع والابداع، بل الامر يتعدّى ذلك حتى الى علم كعلم الفقه وفقاً للنظرية المعروفة القائلة بالتقليد ورجوع الناس الى الفقيه لمعرفة احكام دينهم، فالناس لا يقومون ـ في هذا العلم ـ بلعب دور المساهم في صنعه بهذا المعنى للمساهمة، والمساهم الجوهري هم المختصون بهذا العلم القادرون على البت في قضاياه، فيما دور الناس هو الاستماع والإنصات والتقيّد بما يقوله الخبراء.
ولا نقصد من ذلك الحديث عن فردانية في الفكر والعقل الفقهي أو الاصولي او الحديثي او … بل نحن نؤمن ونؤكد على العقل الجمعي في مثل هذه الامور، بمعنى ان مسارات حركة هذه العلوم تعتمد على حركة جمعية متكاملة متظافرة تشكل المكوّن الكلي لها.
لكن كما قلنا علم الكلام مختلف عن هذا الوضع او على الاقل هو يقول لنا انني علم مختلف، ذلك انه علم عقدي يهدف الى ان تقتنع الناس بقضايا العقيدة ـ أي عقيدة ـ وهو لا يكتفي بمجرد الاذعان العملي من طرف عامة الناس لمتخصّصي هذا العلم عندما يتكلم عن اقتناع الناس بعقائدياتهم، بل يصر على وصول الانسان ـ كل انسان ـ الى حالة استقرار نفسي بالقضية العقدية التي ينتمي او يريد ان ينتمي اليها، بقطع النظر عن الطرق التي توصله الى هذا الاستقرار، فحتى لو كان تقليده واتباعه لمذهب ديني معين يوجب قناعته بعقائديات هذا المذهب فهذا يكفي، لا لأن التقليد جائز في العقائديات بل لانه تحوّل من مضمون مستقل ذا ناحية موضوعية الى مجرد طريق ووسيلة وجسر للوصول الى القناعة، وعملية التجسير هذه تخرج التقليد عن لعب دور مستقل.
حسناً، اذا كان الامر كذلك فإن علم الكلام غير قادر ذاتياً على ايجاد نوع من النخبوية التي تفرض تجاهل شرائح المجتمع الاخرى، أي ان علم الكلام ليس بمقدوره ان يرفض او يعنّف أي محاولة تفكير كلامي من طرف أي شخص كان لا لسبب اخلاقي بل لسبب معرفي ارتكز هذا العلم عليه، وهذا معناه ان جمهرة علم الكلام ـ كما ارتآه السيد فضل الله ـ هي النتيجة الصحيحة والمنطقية للرؤية المعرفية لهذا العلم نفسه، بالتالي فليس من الصحيح التشكيك او سلب المشروعية عن تفكير أي شخص كان على هذا الصعيد، لا بل المطلوب حينئذ تفعيل دور هذه الجمهرة ونشر طرائق تفكير هذا العلم ـ لا انجازاته فحسب ـ في اوساط المجتمع بكل طبقاته وشرائحه، ومعنى هذا انه من الضروري الاعتراف بحرية التفكير على هذا الصعيد ما دام تفكيراً ومعرفة وجهداً علمياً.
لكن المشكلة التي تبرز ـ وقد تقدمت ووقع فيها الى حد ما نفس السيد فضل الله ـ هي انه كيف نحافظ على الناحية العلمية في هذا العلم؟ أي كيف نمنحه الجودة والدقة والتخصصية والتطوّر العامودي دون تشكيل نخب متخصصة يفرض تشكيلها عقلاً نخبوياً بالمعنى السلبي للكلمة أي ذاك العقل الاحتكاري؟ وكيف ينبغي لهذه النخب ان تمارس دورها؟ وهل من المنطقي افتراض المساواة بين النخب وجهود عامّة الناس على صعيد هذا العلم؟
في الحقيقة هذا الأمر لا يمثل مشكلةً كبيرةً، فبمقدور علم الكلام ان يمارس دور الجهد العلمي الناضج بتشكيل نخب متخصصة تفكر بعقل تخصصي، لكن من دون ان يمارس عملياً نوعاً من اقصاء الفكر الآخر إيماناً منه برؤيته المعرفية وليس فقط الحقوقية والأخلاقية (لأن كلامنا هنا معرفي وليس حقوقي أو أخلاقي)، فبدل ان يقوم هذا العلم ـ كما يحاوله الكثير من العلماء اليوم ـ باحتكار الفكر لصالح جماعة يعترف معرفياً ـ ومن ثم اخلاقياً وحقوقياً ـ بحقّ أي فئةٍ اخرى مهما كانت متدنية المستوى بالتفكير والتوصل الى نتائج، وهذا معناه في العمق التخلي عن احتكار الحقيقة من جهة والايمان بجمعية التفكير العقدي من جهةٍ اخرى، دون ان يعني كل هذا رفع اليد عن المعتقد الصحيح لدى أي إنسان، والتعددية المعرفية (بالمعنى الإيجابي للكلمة الذي لا يتورّط في النسبية الواقعية او النسبية المعرفية) يمكنها هنا ان تساهم في تجويد اداء علم الكلام على هذا الصعيد.
وفي النتيجة ومع تقدير المنحى الذي نحاه السيد فضل الله في جمهرة علم الكلام بالمعنى الذي قصدناه، غير اننا نلاحظ عليه نوعاً من الافراط على هذا الصعيد تجلّى في غياب الخطاب الأكاديمي المستقرِئ وحلول محاولات غالباً ما كانت منقوصة بالنسبة للقارئ أو المخاطب العلمي.
نعم تبقى مسألة اللغة الكلامية وهل هي لغة نخبوية او جماهيرية؟ وهو أمرٌ آخر لا علاقة له فعلاً بالنقطة المثارة هنا.
 
2 ـ الجرأة المعرفية وكسر حاجز الرتابة
في تاريخ كل علم ـ حسب الظاهر ـ مراحل طفرة وقفزة وانطلاق يزدهر فيها هذا العلم، كما هناك في المقابل حقبات رتابة وضمور وكساد تشل فيها حركته، ولهذا الامر اسباب كثيرة سياسية ومالية واجتماعية وتربوية…
واذا جاز ان نقرأ علم الكلام من هذه الزاوية وجدنا ان بذور نهضة جديدة وانطلاقة متجددة لهذا العلم كانت مع الافغاني وعبده واللاهوري والطهطاوي وغيرهم وصولاً في التنامي التصاعدي للصدر والمطهري وحنفي وغيرهم…، لكن المشكلة في الثورة العلمية داخل النطاق الديني هي مشكلة نفسية إيمانية قبل ان تكون مشكلة معرفية علمية، فالحس الديني بطبعه حسٌّ مرهفٌ ازاء قضاياه، وهو لذلك يتوجّس من أي تبدلات قد تطرأ ربما تضر ـ ولو على المدى البعيد ـ بقضايا الدين والتدين، وهو من هنا بالذات قد يقال انه بطيء الحركة معرفياً، لا بمعنى انه كسل مستقيل بل بمعنى ان طبيعة التفاعلات الذاتية فيه تعدّ تفاعلات مؤطرة ومحددة، ومن هنا حصلت انفجارات وثورات علمية دينية عندما فرض الآخر ذاته وفكره على الدين فاضطر لرفع مشكلة أو درء خطر أدّيا به الى إعادة انتاج في نهاية المطاف.
لا يمكننا ـ اذا كنا واقعيين ـ أن نلوم هذه الظاهرة، لان علمية الدين ـ كما اشرنا فيما يخص علم الكلام ـ لا تقف لوحدها في الميدان، بل هناك الى جانب هذه العلمية احاسيس ومشاعر ويوميات واجتماعيات وسلوكيات و… فليس من المنطقي محاكمة علم ديني كعلم الكلام كما نحاكم علم الطب أو الفيزياء الحديثة أو علوم المعلوماتية، ولا نقصد أنه ليس لهذه العلوم تأثيرات ميدانية، بل نعتقد أنه ليس معها (لا مؤدّاها) عوامل غير علمية بهذه القوّة والفعالية.
ومن هنا من الضروري ـ اذا لم نكن نريد الاعتراف بمجموعة العوامل غير العلمية هذه… ـ من الضروري أن نقدرها دون ان نمارس بحقها نوعاً من السخرية والاستهزاء أو الاحتقار أو التغاضي…
لكن مشكلة هذه القضية تكمن عندما تتضخم العوامل والظروف غير العلمية لتتجاوز حجمها الطبيعي فتعيق الزاوية العلمية وتشل حركتها وتقف سداً منيعاً دون ممارسة نوع من الازدهار والتطوّر([11]).
والشيء الجوهري على الصعيد الديني ـ وخصوصاً على صعيد علم الكلام ـ هو أن الظاهرة الدينية ككل تتصل بشكل كبير بالظاهرة التاريخية، لا يمكننا فصل الدين عن التاريخ، واذا ما فعلنا فإن الدين سيفرّغ من مضمونه، لنأخذ مثالاً بسيطاً الشهادة الثانية لمحمد بانه رسول الله، اليست تختزن وضعاً تاريخياً؟ أليس محمداً (ص) كيان تاريخي يعود إلى أربعة عشر قرناً؟ هل يمكننا أن نتشهد الشهادة هذه دون ان نتبلّل بالمياه التاريخية؟ وهكذا الحال في صلب المسيح وقيامته في الديانة المسيحية…
من الغني عن التعريف ان التاريخ جزء لا يتجزء من العقل والتفكير الديني عموماً وهذا امرٌ لايبدو ان ثمة من يناقش فيه.
هذا الحضور التاريخي في الدين يفرض على أي متدين ـ بالمعنى العام للكلمة ـ ان يديم النظر إلى الوراء زمنياً، والذي يحصل هو توسعة المتديّن من حجم التاريخ ونطاقه، لانه ما دامت القيم والاصول تاريخية، أي انها في الماضي اذن فكل ماضٍ ديني من الممكن ان يختزن الاصول والقيم، وهذا معناه توسعة العقل الديني لنطاق التاريخ ليبدأ من حدود التجربة النبوية في الاسلام فيمتد إلى الصحابة ثم التابعين أو من تجربة الأئمة (ع) إلى تجربة الفقهاء والعلماء المتقدمين، فيتسع نطاق التاريخ ويُخلع عليه باجمعه لباس القداسة والقيمة، وهنا تبدأ المشكلة أو الاشكالية، تتراكم صور القداسة والقيمة يوماً بعد يوم لتحوّل هذا التاريخ ـ بمعناه الجديد ـ إلى خط أحمر فيصبح محظور التجاوز أو أحياناً محظور النقاش.
وفي هذا الجو يصبح من الصعب جداً على علم الكلام ـ وأي علم ديني آخر ـ أن ينهض ويقود ويصنع ويمارس فعلاً وانتاجاً جديدين، لان أي جهد فكري سوف يكون عرضةً للقضاء عليه في المهد اذا ما تجاوز هذه الخطوط الحمراء المصطنعة، ومن هنا تظهر حاجة ماسّة للقيام بخطوةٍ ما تخترق هذه الخطوط والحواجز لتكون مقدّمة لاطلاق الحرية للعقل في التفكير والإنتاج، ولا يبدو أن ثمة من قام بذلك على صعيد علم الكلام الشيعي المعاصر بقدر ما فعله العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي، وأخيراً السيد محمد حسين فضل الله عملياً، فقد كسر (فضل الله) هذا الحاجز النفسي والمعرفي، وأكد من الناحية النظرية ـ ومراراً ـ بأن الماضوية لا تمنح صاحبها أية قداسة أو فوقانية([12])، ولم تقتصر القضية عند السيد فضل الله على هذا الأمر ـ أي البعد النظري في المواقف ـ بل تعدّته إلى ترجمة عملية فقد قام بنفسه باختراق هذا النوع من الحواجز دون ان يأبه بشيء في بعض الأحيان([13]).
وحتى لو فشل السيد فضل الله في دفع الجسد العلمي الديني العام في اتجاه المزيد من تقدير العقل الحالي، لكن الظروف الثقافية العالمية وعولمة الثقافة سوف تصبّ ـ على المدى البعيد ـ في صالحه أو صالح هذا النوع من المشاريع، لان درجة الوعي العام بدأت بالاختلاف ربما وصولاً إلى حالة من الافراط، وهذا ما يعني ان المؤسسة الدينية سوف تُمنى بعزلة قاهرة إذا لم تعترف بهذا الواقع أو تواكبه حتى لو خسرت بعض القضايا والمواقع.
ولم يقتصر السيد فضل الله على الجانب الكلامي في مشروع الحدّ من تأثيرات هذا النوع من الخطوط الحمراء، بل يبدو أنه كان إطار عاماً يحكم طريقة تفكيره، وهذا معناه ان عملية التغيير لم تنطلق في هذه التجربة (تجربة السيد فضل الله) من منطلق كلامي، وانما من منطلق معرفي عام، فعلى صعيد علمي الفقه والاصول كان الامر كذلك، فنقد العلامة فضل الله للولاية التكوينية، والرجعة، وعلم المعصوم، واستبدال ذلك ببشرية النبي أو الإمام كان يقابله على الصعيد الفقهي والأصولي حكمه بتوسعة الحق الجنسي للزوجة، وجواز استمناء المرأة، واللعب بآلات القمار بلا مقامرة، واستماع الغناء غير المثير، ورفض نظرية تقليد الحي، والأعلم، وعدم تخصيص العام بمخصص بعيد زمناً، ورفض كل الآلية العقلية الفلسفية في علم الأصول وغير ذلك مما أشرنا له في الهامش، وهذا يعني أن الصورة لم تكن مجزّأة وهي نقطة ايجابية أخرى يمكننا أن نضيفها هنا، لأن التجزئة في مثل هذه القضايا لا تنتج عادةً سوى جُزُر من المشاريع لا تلبث فيما بعد أن تزول، فخدمة علوم اخرى من الضروري أن نعرف بأنها تساهم في خدمة علم الكلام، وهذا الفصل بين العلوم انما هو مرحلة ولا يعني انه فصل واقعي نهائي إلا بمقدار معين، وهذا هو ما نحتاجه فعلاً، أي تعميم الخطوة حينما تكون قابلة للتعميم، لان هناك عناصر مشتركة بين كافة العلوم الدينية لا يمكن القيام بإصلاح جزئي لها في دائرة علم واحد، لان هذا الاصلاح الجزئي ما يلبث أن يتلاشى امام ضغط الواقع الموجود في العلوم الاخرى التي لا تنفصل عن هذا العلم، أي ان المطلوب نوعٌ من الراديكالية والثوروية العقلانية في هذا الخصوص وعلى هذا الصعيد بالذات، وهو ما يمكن القول بان تجربة السيد فضل الله قد حققته بدرجةٍ معينةٍ.
وانما نقول بدرجة معينة لأن الوضع السياسي والاجتماعي اجبر السيد فضل الله على التراجع أو على اقل تقدير المراوحة، وفي ظن كاتب هذه السطور ان السيد فضل الله كان يهدف الى خطوات اكبر من هذه وأكثر ايغالاً في العمق لكنه لم يستطع بفعل مجموعة مؤثرات خارجية لا تعنينا.
 
دور التاريخ في الفكر الكلامي
لكن في المقابل يحقّ لنا إثارة التساؤل حول مدى صحة النزعة المفرطة في التنكرّ للماضي بما فيه ذاك الماضي الذي استجد عقب التجربة الأم وهي التجربة النبوية (المقدار المتفق عليه بين المسلمين)، وحصيلة تساؤلنا هل من الخطأ على مستوى علم التاريخ ان نقرأ حقبةً تاريخيةً ما ثم نفصلها عن كل الحقبات والظروف التي احاطت بها واعقبتها؟ هل يستطيع مؤرّخٌ أن يتناول حادثة اجتماعية كبرى ليقرأها ويتعرّف عليها بيد أنه يحصر مصادره في وثائق تعود الى نفس الحقبة والظروف؟ ألا يحق للمؤرخ الفاحص ان يستوحي من تداعيات هذه الظاهرة الاجتماعية في المراحل اللاحقة؟ الا تقوم علوم الحفريات بقراءة التاريخ من واقع حالي ولكن ضمن قوانين علمية محدّدة؟ لماذا كل هذا الحصر لقراءة التاريخ في حدود الجغرافيا الضيقة له؟ الا نستكشف ـ كعلماء اجتماع ونفس ـ من سلوكيات جماعة انماط تفكير قادتها في بعض الأحيان؟ اليس في ذلك توسعة ورحابة للقراءة ووسائل البحث؟…
اذا اردنا أن نكون منصفين يجب علينا ان نقرأ التبريرات التي يضعها التيار الآخر لتمسكه بهذا التاريخ العريض والموسّع، ولنكون واقعيين سنجد في كثير من الاحيان اجوبة غير واضحة المعالم علمياً بيد ان بعض الاجوبة تستدعي نوعاً من التوقف، فما طرحه السيد الشهيد محمد باقر الصدر في دراساته الأصولية فيما يخص نظريتي السيرة المتشرعية والسيرة العقلائية عبر عن تفسير متقدّم وعلمي للتمسك بدائرة تاريخية أوسع، وهكذا ما طرحه على صعيد الاجماع والشهرة بقطع النظر عن المصداق الميداني المتوفّر للصيغة النظرية التي قدّمها([14])، وهذا معناه انه ينبغي أن تكون هناك موازنة في نظرتنا للتاريخ الديني، فهناك تاريخ يحوي القيمة نفسها وهناك تاريخ يكشف لنا عن تلك القيمة، وهذا هو الفارق ما بين التاريخ النبوي والتاريخ الصحابي او التابعي على الصعيد السنّي وما بين تاريخ الائمة (ع) وتاريخ متشرعة وفقهاء الغيبة الصغرى على الصعيد الشيعي، فالتاريخ الذي يحمل القيمة والمضمون هو التاريخ الاول، أما التاريخ الثاني فهو تاريخ لا قيمة له من حيث ذاته وانما تكمن قيمته في انه يساعدنا على تكشف التاريخ الأوّل.
ولعل هذا الأمر كان مركوزاً في وعي العلماء والمتكلمين والفقهاء إلى ان صاغه بدقة كبار علماء أصول الفقه المتأخرون لا سيما الشهيد محمد باقر الصدر وآخرون، بيد أن المشكلة في ان ما يعتقد به نظرياً لم يكن ليتم الأخذ به عملياً ولو لغفوة، فالعالم الديني أو الفقيه كان يقرّر في الصورة النظرية نوعاً من التميّز في النطاق التاريخي أحياناً لكنه ـ وتحت تأثير عوامل مختلفة ـ كان يخضع للتاريخ بنحو شبه إطلاقي.
والذي يبدو لدى تحليل موقف السيد فضل الله هو أنه كان يهدف إلى تجاوز هذا النوع من الازدواجية الميدانية، ولم يكن ليقرر نظرياً حصر الامتداد المعرفي بالتاريخ النبوي مثلاً، والذي يشهد لنا على ذلك أنه آمن على مستوى مواقفه الاصولية بفكرة جبر الخبر الضعيف بعمل مشهور المتقدمين ووهن الخبر الصحيح بإعراضهم، وهذا معناه أنه ما يزال يتحرّك ضمن الدائرة بدرجةٍ من الدرجات نظراً لكون هذين المبنيين يستبطنان الاعتراف بكاشفية الحقبات التاريخية الاخرى عن الحقيقة الدينية.
اذن فالخطوة التي قام بها السيد فضل الله كانت في دعوته نظرياً وطرحه وشفافيته وبتكرارٍ متواصل وممارسته عملياً إلى حد كبير فكرة اسقاط القداسة عن كل التاريخ واعادة نشر هذه القداسة والقيمة في المساحات المحددة لها([15]).
وليس ثمة شك جوهري ـ بنظر الكاتب ـ في ان نفوذ هذا النمط من التفكير في علم الكلام سوف يعيد انهاضه، إذ سوف يتلاشى تدريجياً اكثر من عامل نفسي واجتماعي كان له دور في إعاقة فتح باب الحوار والجدل حول موضوعات كثيرة، ومن المؤكد على ما يبدو ان إعادة فتح باب الجدل الداخلي ـ لا الجدل بين اكثر من طرف ـ سيكون له اكبر الاثر في تطوير وتنمية علم الكلام دون ان ننئى به عن العديد من السلبيات سيما في المراحل الانتقالية الاولى التي تستدعي عيوباً اعتيادية مترقبة.
 
3 – منهج قراءة النصوص الكلامية
عندما نريد الحديث عن منهج قراءة النص الكلامي فقد يبدو الأمر غير واضح في البداية، فقراءة النص هي في نهاية المطاف قراءة نص، قد لا يكون هناك ميزة لمضمونه عند الحديث عنه كنص، فسواءٌ كان نصاً دينياً فلسفياً أو كلامياً أو فقهياً او اخلاقياً فإن منهج قراءته يبقى واحداً خاضعاً لطبيعة التعامل مع نص، فتارة نتكلم عن التعامل مع الفكرة التي يحكي عنها النص واخرى نريد ان نقرأ النص نفسه، ومن الممكن ان تكون قراءتنا للفكرة متفاوتة تبعاً لتفاوت الفكرة من حيث طبيعة انتمائها الى فرع علمي معين، اما حينما يكون الحديث عن نص فإن آليات الفهم يفترض ان تكون واحدة.
هذا ما قد يجري تصوّره في البداية، لكن الواقع التاريخي لم يكن على هذا المنوال، فإذا اردنا قراءة نص تاريخي فإن المؤرخ يستخدم آلية في قراءته لهذا النص تختلف عما يقوم به الفيلسوف عندما يقرأ نصاً دينياً فلسفياً، والسبب في ذلك هو ان الفيلسوف مثلاً حينما يقرأ النص الديني الذي يعنيه يفترض في لاوعيه ـ على أقل تقدير ـ ان مخزوناته المعرف