نبذة مشتاق بن موسى اللواتي

الموضوع بواسطة مشتاق بن موسى اللواتي :

مداخلة على مقالة حول إباحة الخمس

5 أبريل 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬665 زيارة

مداخلة على مقالة حول إباحة الخمس

مقدمة: تصدر بين فترة وأخرى مقالات وكتب سجاليه تنشر في بعض المواقع الإلكترونية ووسائل النشر الأخرى، تحمل دعوى مزاولة الإصلاح وكشف الزيف الذي وقع في بعض المدارس الفكرية المسلمة – حسب زعمها -. ولإيهام القراء – لاسيما غير المتابعين – يقوم بعضهم بالتواري خلف أقنعة أسماء مجهولة وإضافتها الى بعض العوائل المعروفة كالحسيني والموسوي وما […]

 التوثيق التاريخي المبكر لواقعة كربلاء

1 ديسمبر 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬550 زيارة

 التوثيق التاريخي المبكر لواقعة كربلاء

لقد توافرت لواقعة كربلاء الدامية من العوامل التي جعلتها موضع اهتمام المسلمين ،  نظرا  لما تمثله الشخصية المحورية فيها و المتمثلة في الامام الحسين عليه السلام من اهمية دينية كبيرة  لدى المسلمين . و للعناية   الكبيرة التي  حظي بها الإمام الحسين (ع) و مقتله  في احاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم و أئمة اهل البيت عليهم السلام ، […]

قراءة في منهج تفسير القرآن في نظر العلامة الطباطبائي

16 أغسطس 2014
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
5٬960 زيارة

قراءة في منهج تفسير القرآن في نظر العلامة الطباطبائي

يتركز اهتمام المقالة على قراءة الملامح العامة لمنهج التفسير التي رسمها العلامة محمد حسين الطباطبائي (ره) في المقدمة التفسيرية المقتضبة و المكثفة التي صدر بها تفسيره الموسوعي المعروف و المعنون ب ” الميزان في تفسير القرآن ” ، و لا تعنى المقالة بالنظر في كيفية تطبيقات تلكم الملامح و تجلياتها في متن التفسير المذكور . […]

جدل إسقاط مفهوم الغزو على الثقافة

2 مارس 2013
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
1٬084 زيارة

جدل إسقاط مفهوم الغزو على الثقافة

يقرر ابن خلدون أنّ شيوع ظاهرة محاكاة الرموز الثقافية وتقمص العادات الاجتماعية للقوى المحتلة والمهيمنة هو شكل من أشكال الاستيلاء والاستحواذ ليس على البلد فحسب بل على الوعي الجمعي للمغلوبين. وذلك حين تخبو فيهم جذوة المقاومة وتسيطر عليهم حالة الانسحاق أو يتحكم فيهم شعور الانبهار بالغالب. وقد يكون مبعث بعض تلكم التصرفات في بعض الأحيان مجرد المسايرة والمجاراة.

ويقدم ابن خلدون مثلا حيا وقع في زمانه فيقول " كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم و الكثير من عوائدهم و أحوالهم حتى رسم التماثيل في الجدران و المصانع والبيوت، حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء"
ومن الواضح أنّ النص الخلدوني السالف لا يشير إلى مظاهر الاستيلاء العسكري، فهي واضحة جلية للعيان، بل إلى بعض الإفرازات النفسية والانعكاسات الثقافية التي تطرأ على الطرف المغلوب والمهزوم، ولهذا خصص استشعار الحالة المستبطنة للناظر بعين الحكمة و ليس لجميع الناس.
 وأحسب أنّ هذا المفهوم يلتق في عمق مضمونه و بعض دلالاته وتجلياته مع عدد من المفاهيم المعاصرة التي يستخدمها بعض الكتاب والباحثين في العادة في سياقات مشابهة من قبيل "الغزو الثقافي "و" الاختراق الثقافي " ومآلاتها مع بعض الفوارق.
وثمّة جدل مستمر يدور بين الباحثين حول استعمال مثل هذه التعبيرات التي تحمل مدلولات أمنية وعسكرية على المجال الفكري والثقافي وهناك من يتضجر من هذه الاستعمالات. ولكنها لا تعدوا أن تكون استعارات لغوية وقد غدت سائدة في الخطابات المعاصرة في مختلف المجالات الفكرية والعلمية. فحين نتأمل في بعض التعبيرات التي يكثر استعمالها في بعض البحوث من قبيل الإنفجار السكاني والإنفجار المعرفي والبنية التحتية والفوقية والحرب الباردة والقوة الناعمة والعصف الذهني وغيرها من التعبيرات نجد أنّه بات أمرًا سائغًا ومقبولا استعمالها في الكتابات العلمية فضلا عن الأدبية. وطالما كانت هذه الاستعمالات متقبلة في الأنظمة اللغوية و دارجة في المحاورات العرفية وسائدة في الخطابات العلمية. وطالما كانت أبواب البلاغة العربية شارعة وقواعد المجاز المرسل تستوعب كل هذه الاستعمالات، فلا معنى لإثارة الجدل حيالها.
  إنّ من نافل القول الإشارة إلى أن إسقاط مفاهيم الغزو والاختراق على الحقل الفكري والثقافي ليس مختصًا ببعض اتجاهات الفكر العربي الإسلامي أو التراثي التقليدي الماضوي، كما يحلو لبعض أن ينعتها. بل إنّ بعض الأدبيات الغربية التي قد ينظر إليها البعض كنماذج متقدمة تزخر بمثل هذه التعبيرات. و قد يقال إنه من قبيل المفارقة أن يتم استدعاء نماذج غربية لتبرير مثل هذه الاستعمالات في الخطاب الثقافي العربي في مقال يعنى بالاختراق الثقافي! ولكن يمكن حسبانه من زاوية أخرى على أنه من مقتضيات التفاهم طبق مرجعيات متعددة قد تكون أكثر مقنعة لبعض النخب الثقافية العربية.
 فالفرنسيون دأبوا على استعمالها منذ عقود، ففي نهاية السبعينيات صدر كتاب لهنري غوبار بعنوان "الحرب الثقافية "واستخدم فيه تعبير "المطرقة الثقافية الأمريكية " وفي سنة 1988 أصدر كالو ريبا مينا وزير الثقافة في السوق الأوروبية بيانا نبه فيه بشدة إلى خطر التهميش الذي تتعرض له الثقافات الأوروبية في عالم تسوده الصور و الرسائل الأمريكية. وفي عام 1990 صدر للكاتب التقدمي الفرنسي جان مارس دوميناش كتاب " أوروبا والتحدي الثقافي" ذكر فيه أنّ جعل اللغة الإنجليزية كلغة أوروبا الموحدة سيؤدي إلى عملية أمركة أوروبا.
كما استخدمت الباحثة الإنجليزية فرانسيس ستونو سوندرز في كتابها الذي صدر عام 1999 عنوان " الحرب الثقافية الباردة " واستعملت فيه تعبير أسلحة ثقافية.
 إنّ بعض المنظمات الدولية هي الأخرى شغلها هاجس القضاء على التنوع الثقافي في العالم، ومنها منظمة اليونسكو التي اسشعرت مبكرًا مخاطر العولمة على الهوية الثقافية للشعوب. فقد ندد المؤتمر الدولي للسياسات الثقافية المنعقد في المكسيك سنة 1982 بمواقف الولايات المتحدة التي تبذل جهودا كبيرة لنشر الثقافة الأمريكية واستعمال جميع الوسائل المتاحة لتحقيق هذا الهدف.
بل إنّ بعض الدول الغربية مثل فرنسا وألمانيا وكندا اشتكت من جراء الاتجاهات الساعية نحو فرض أنماط ثقافية معينة عليها واعتبرتها بمثابة غزو لثقافاتها وهويّاتها. كما أن عددًا من الساسة الفرنسيين كالرئيس ديستان وميتران اشتكوا من طغيان الإنتاج الأمريكي في التلفزيون الفرنسي وأبدوا خشيتهم على الهوية الفرنسية والأوروبية.
حتى أنّ وزير الخارجية الكندي الأسبق فولكنر تحدث عن تدفق البرامج الثقافية الأمريكية على كندا حتى جعل الأطفال فيها لا يدركون أنهم كنديون وقال: إن كان الاحتكار أمرا سيئا في صناعة استهلاكية فإنه أسوأ أقصى درجة في صناعة الثقافة حيث لا يقتصر الأمر على تثبيت الأسعار وإنما يتعداه إلى تثبيت الأفكار.
 و في فرنسا رفع المنتجون في الميدان السمعي و البصري و مديرو الصحف شعار " الاستثناء الثقافي " وفرض على القنوات الفرنسية أن تكون 60% من برامجها أوروبية و تغريم من لا يلتزم بذلك. وثمة اتجاه هناك يدعو إلى إيقاف أمركة أوروبا.
 كما حددت كل من الصين واليابان موقفيهما من موقع القوة والاقتدار تجاه الغربنة والأمركة و ميزتا بينهما وبين العولمة. و مؤخرًا قررت الصين تقليص البرامج الترفيهية في قنوات البث الفضائي إلى الثلثين من جراء الغزو الثقافي الغربي وللحد من الأنماط الاستهلاكية الغربية بين سكانها.
 

وكيف ما كان، فإنّ بعض الدول والشعوب تنظر إلى كثافة الحملات والبرامج الإعلامية والثقافية التي توجه إليها وبشكل غير متكافئ وغير طبيعي على أنّها أشبه بغزو من الخارج يستهدف التأثير على ثقافاتها ولغاتها وأنماط العيش المستقرة فيها. و تنظر إلى ما بات يعرف ببرامج نشر الديمقراطية والحريات الفردية وثقافة العولمة ودعم مؤسسات المجتمع المدني وما شابه على أنّها بعض أشكال الاختراق الثقافي.
وإذا كانت دول غربية مثل فرنسا وكندا التي تربطهما مع شعوب الولايات المتحدة الأمريكية أواصر و وشائج وأصول عرقية وثقافية وفكرية ودينية تخشى من هيمنتها على ثقافاتها وهوياتها و لغاتها، فإنه يغدو مفهوما ومبررا لأن يخشى العرب والمسلمون وبعض الشعوب الشرقية من عموم الهيمنة الغربية وسطوتها على قيمها وأصولها الثقافية والحضارية.
إنّ وقائع التاريخ تشير إلى أن مختلف الشعوب وبصرف النظر عن انتماءاتها الدينية والثقافية وفي ظل العلاقات غير المتكافئة بينها وبين غيرها من القوى المهيمنة، أو العلاقة الملتبسة بين المراكز والأطراف، تنتابها مثل هذه الهواجس والمحاذير على أصولها وخصوصياتها حين تمر بأوضاع مشابهة.
 لكن السؤال الحيوي الذي يهمنا حين تناول هذا القضية هو: هل ثمة مشروع ثقافي توعوي ووقائي عربي يقوم على تعميق الفهم للعصر واستيعاب تحدياته والتعامل معها في ضوء قيمنا وأصولنا الفكرية؟

 

 

قراءة سريعة لكتاب دروس تمهيدية في تاريخ علم الرجال عند الإمامية

3 نوفمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬230 زيارة

قراءة سريعة لكتاب دروس تمهيدية في تاريخ علم الرجال عند الإمامية

اسم الكتاب: دروس تمهيدية في تاريخ علم الرجال عند الإماميّة
للأستاذ حيدر حب الله ، حرّره الفاضل أحمد عبد الجبار السمين.
نشر: دار الفقه الإسلامي المعاصر 2012م.


 
الكتاب يطرق باب الاهتمام بتاريخ علم الرجال  ، و ان كان هناك من تناول بعض المفردات التاريخية له في ثنايا بعض الكتب ، و لكن تخصيص  دروس و تحريرها في كتاب  خاص تعد خطوة مهمة في هذا المسار .

استرعى نظري و أنا في مطلع المطالعة عنوان جذبني و هو :  مقترح لنهضة رجالية و حديثية . ( ص 47) دعا فيه الى قبول آراء الرجاليين من المسلمين الشيعة و السنة لبعضهم ، على الأقل بناء على بعض الاتجاهات. و قد سبق للشيخ شمس الدين ان دعا لمثل ذلك  بناء على الوثوق بالصدور .
يبدو لي ان اللمؤلف بسط المسألة كثيرا و جردها  من تراكماتها التاريخية دون معالجات جدية عميقة . بل اكتفى بتقديم تخريجات مبسطة جدا على بعض الاتجاهات لدى الفريقين . و يظهر لي اذا تمت حسب الاتجاه الأول و هو الخبروية ، فكيف تتم حسب الثاني  و الثالث ؟ هل يعتبر الرجاليون من هذا الفريق أو ذاك ثقاة في النقل ؟ ان الفجوة القائمة مردها الى أزمة الثقة في النقول   ثم التكاذب بين مختلف الأطراف . و عدم قبول قول المبتدع فضلا عن شهادته !
ثم ان الناظر لجملة من كتب الرجال و شروح الحديث و كتب المصطلح و الدراية و ما كتب فيها سيلحظ هناك اتجاهات متشددة سعت الى تقديم تنظيرات لرد روايات ليس فقط لرواة لمجرد انتسابهم لفريق معين  كم قبيل كونه عامي أو رافضي  و ما شابه  ، أولاعتقادهم  ببعض المعتقدات ، كالرجعة و التفضيل و ما الى ذلك . و المشكلة تكمن في التساهل في رمي  كثير من الرواة لهذا الفريق المرفوض أو ذاك ليس بناء على معلومات علمية  موثوقة بل بمجرد النظر في مضامين رواياتهم  فيما اذا كانت تحمل مضامين معينة مثل فضائل أهل البيت عليهم السلام  ، و هكذا بناء على النظر في متون الروايات ، لا يكتفى برد تلكم الروايات لمخالفتها لمباني معينة ، بل يكتشف منها الاتجاه الفكري للرواة فيرمون بكل تهمة مسقطة كالتشيع مثلا . و قد جر ذلك الى رمي بعض كبار المحدثين و المؤرخين بذلك من قبيل أبي جعفر الطبري و الحاكم النيسابوري و النسائي و ما الى ذلك .

و السؤال هنا ، كيف يمكن الاعتماد على مثل هذه الاتجاهات و المواقف من مختلف الفرقاء ، دون مراجعة لهذه القواعد  و النظرات السلبية في البداية و تقديم تفسيرات و مراجعات لها . صحيح ان الكتاب ذكر بعدم الاعتماد على من يتهم الرواة لمجرد الانتماء ، و لكن ماذا عن رد المرويات بناء على تناولها لفضائل أهل البيت ؟  و بناء عليه تم إهمال كثير من الرواة و مروياتهم  حتى في المدونات الحديثية الموصوفة بالصحيحة  أو المعتبرة  عند هذا الفريق أو ذاك . و السؤال الذي يطرح على المؤلف هو هل يعتمد روايات الصحيحين ؟ لأن من روى عنهما أو رويا عنه  فقد جاز القنطرة ،  كما قيل .  و تاليا ما هو الموقف من  المستدركات أو صحيح بن خزيمة و بن حبان  و ما شابه  ، و ان نسبت بعضها الى التساهل ؟ مع العلم بأن جملة من رجال الصحيحين نسبوا الى التدليس  و منهم  من  نقد من الرجاليين  ، إلى أمور أخرى لسنا بصددها .  و  ما الموقف من الرواة الذين جرحوا لمضامين مروياتهم و ليس بناء على معرفة أحوالهم من حيث التوثيق أو التجريح و التعديل ؟  فكيف التعامل معهما و مع تصحيحات الجمهور ؟ المطلوب تقديم قواعد أو ما يشبهها لا مجرد طرح أفكار قد تكون مورد جدل  بين مستحسن لها و معترض عليها . و ان كان هذا أيضا يسهم في تقديم الأفكار على مدى الزمن .
نعم المقترح الذي قدمه حول إعداد موسوعة رجالية مشتركة جدير بالاهتمام من قبل الجوامع و الحوزات و المرجعيات الاسلامية . و لكنه كمترح يبدو جيدا و لكنه أيضا يحتاج الى مجهودات و بلورة رؤى تمهيدية حياله .

حول بدايات الكذب في الحديث : حول الروايات  الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله  في التحذير عن الكذب عليه ، اختار المؤلف لفظ البخاري في المتن ، و ذكر في الهامش بانها وردت في الكافي باختلاف يسير . ( ص 54)  و يلاحظ ان  رواية البخاري لا  تتضمن وقوع الكذب في عصره ، و رواية الكافي  أخالها من طريق سليم  بن قيس تتضمن بوضوح الى هذا المضمون و مفاده لقد كثرت علي الكذابة .. و هي أكثر تناسبا مع مضمون الفكرة التي اسشهد بها الكاتب ، إلا لأن لدى المؤلف نظر في السند  كما أوضح  في مقام آخر . ( 59) على  انه في موارد عدة في الكتاب لم يدقق في السند . ( ص ، 60 ، 61 ، 55)  كنت أتوقع ان يتوقف المؤلف  وقفة تحليلية  موسعة  على هذه الرواية المفصلة عن أمير المؤمنين عليه السلام ، بدل الاكتفاء بشرح المعنى فقط  و هي وثيقة تاريخية  مهمة تشير الى أمهات  العوامل لظهور الروايات المختلفة و المكذوبة . ثم و ان كانت سندا بها كلام حسب بعض المباني ، و لكن مضمونها منطقي و ينسجم مع التطورات التاريخية و مع منطق الأشياء  ، و تعززه روايات أخرى ، و مروي في الكافي و النهج مع خلاف يسير جدا .
انتهى الكتاب  الى تأخر علم الرجال عند الإمامية كعلم مستقل (64) و كان المطلوب بيان الأسباب و العوامل التي أدت لذلك ، طالما  الكتاب تاريخي  . و هل هناك أسباب موضوعية تاريخية ، كما هو الحال بالنسبة لأصول الفقه و الفقه التفريعي .
                                                        
كما كنت أتمنى لو قدم نبذة عن ظهور أبرز القواعد الرجالية عند الفريقين أو أهم القواعد المشتركة عند الفريقين و تاريخ ظهورهما  . كما  من المهم التوقف عند بعض الظواهر  اللافتة  من قبيل تمازج القواعد الدرائية و الرجالية مع الفقه الاستدلالي عند الإمامية ، بينما الوضع مختلف عند بعض الفرق الأخرى ، بحيث نجد ان علوم الحديث و الدراية و المصطلح و الرجال تكاد تكون منفصلة عن الفقه و أصوله ، بل ظهرت موسوعات حديثية صحيحة مستقلة لدى بعض الاتجاهات ووجدت تخصصات علمية في الجامعات و الجوامع تفصل بشكل واضح بين هذه العلوم و المجالات . بينما كثيرا ما نجدها تكاد تندمج عند الإمامية في البحوث الاستدلالية فقها و أصولا . من جهة أخرى ، يلاحظ بعض الباحثين بأن بعض تجارب الصحاح بما فيها المعروفة و المعتمدة جدا في موارد غير قليلة لم تراعي قواعد الجرح و التعديل في الرواة  على الرغم من انها تحمل عناوين الصحاح و ما شابه .  و في جميع الأحوال فلكل أسلوب انعكاساته و آثاره إيجابية كانت أو سلبية بحسب المناظير المختلفة .

المرحلة الثانية : صحيح ان كتاب الالفاظ  لهشام بن الحكم من حيث العنوان مشترك  بين المنطق و النحو و الأصول  ، و لكن نظرا لاهتمامه بالجدل و نقض منطق أرسطو و و نقد المانوية و مذاهب  فكرية و فلسفية أخرى  ، فلا  يبعد القول انه في المنطق . و لكن في نفس الوقت ،  يمكن البحث في مروياته الأصولية  الكلامية و  الفقهية ، فان كانت لها طابع أو مضمون تأصيلي كما في بعض مرويات بعضهم كزرارة مثلا ، يمكن ان يستشف الكاتب  منها ميوله  الفقهية و الأصولية ، ان كانت له ، و إن كان  لا يمكن الجزم بذلك .
بالنسبة لبعض الكتب المؤلفة  التي  تحمل العناوين الرجالية  ، كما  للعقيقي و ابن محبوب  ، مع ان الأخير لديه كتاب آخر حول معرفة الرواة  و هو قريب الدلالة في المقام .  و أذكر ان السيد الخوئي رجح ارجاع البدايات الى ابن محبوب في بعض بحوثه . و لكن  المؤلف  بعد التشكيك في طبيعة كتاب العقيقي الرجالية ، ( 68)  ذكر بأن كتاب العقيقي كان عند ابن داوود و نقل عنه في موارد  . ( 81)
من وجهة نظري ، حينما لا تكون لدى الباحث معطيات واضحة ، فان من الطبيعي ان يصار البحث الى محاولة تجميع  القرائن و الشواهد و الإشارات   من قبيل اسم الكتاب أو التشابه في العناوين  و ميول و اهتمامات صاحبه و الجو العلمي العام  و مدى وجود إرهاصات  و كلمات المؤرخين  مثل  الطوسي  و ما شابه للبناء عليها . ثم ان تواصل التأليف في الرجال بنفس العناوين ( الرجال و المشيخات ) في القرن الثالث  الى ان ظهرت الكتب الواصلة الينا يعضد كون العناوين السابقة كانت لنفس المضمون . كما  ان شهادة الشيخ الطوسي  في العدة تؤكد على ان التعامل مع رجال الحديث و التدقيق في احوالهم كانت عادتهم منذ القدم  . و تفيد هذه الشهادة  بانهم  كانت لديهم ألفاظ معينة و تعبيرات متبانى عليها في  الجرح و التعديل . و حيث ان الطوسي كان قريب عهد بأصحاب الأصول و المصنفات  السالفة و قد  اهتم بجمعها  و تنقيحها و تصنيفها ، بل ان كلماته و  انتاجه المتنوع يدللان  على ان كثيرا منها كانت لديه ، و في ضوئه فإن شهادته   تستند على أصول ووقائع  و أعراف و تقاليد  في الوسط العلمي  امتدت  الى زمانه . و لعل ما يعززها ان الشيخ الكليني  كان له  كتاب الرجال  ( لم يشر اليه الكتاب اليه )  ، و ان ابا غالب الزراري كتب في رسالته مشايخ آل أعين ، و و أستاذ الصدوق بن الوليد كانت له نظرات رجالية و اهتمام  بالتدقيق في الرواة  و الصدوق كتب في الرجال ، و كان في بعض الأحوال يعتمد على أستاذه ، كما ان تشدد بعضالقميين معروف  .  و المفيد أيضا  أبدى اهتما بها في رسالته العددية  ، كما ذكر بعض التوثيقات في بعض كتبه التاريخية  و تأكيد بعضهم في مقدمات الكتب باعتمادهم على الثقاة ، مما اعتبرت توثيقات عامة  ، كما في الكامل و تفسير القمي  و غيرهما ،  الى ان تأتي النوبة الى  البرقي و أصحاب الأصول الرجالية .
 
من الأمور اللافتة  ان الشيخ المفيد على الرغم من أستاذيته و مشيخته لجملة وافرة من العلماء الذي أسهموا بأعمال كبيرة  متنوعة معروفة ، و لكن المفيد نفسه لم يكن له إسهام ملحوظ  لا في الأصول و لا الحديث و لا الرجال  ! و أكثر اهتمامه و تركيزه على الكلام و الجدل و تراجم أهل البيت ع  و الفقه  . و مع ذلك كانت له نظرات قوية في نقد الروايات العقدية من جهة المتن  و مدى افادة العلم  . و هذه الحالة تحتاج الى دراسة .

 ومن ذلك   يبدو للباحث ان الحراك الفكري لدى الإمامية كان طبيعيا جدا و ان التأخر النسبي لتبلور بعض العلوم لديهم كانت له أسباب موضوعية راجعة الى اعتقادهم باستمرار النص المعصوم  الى الأئمة الإثني عشر عليهم السلام  . و هذا لم يمنع ان تنضج لديهم الملكات العلمية في مختلف العلوم و تبرز لديهم قامات متنوعة فيها  مثل الهشام و مؤمن الطاق و زرارة و محمد بن مسلم  و أبان وأبو بصير و غيرهم . و خلال ما يقرب من قرنين بعد الغيبة الكبرى تم استكمال البنى و الهياكل لمختلف المجالات الفكرية الدينية الحديثية و الفقهية و الأصولية و الرجالية و التفسيرية  .  فبدء من ظهور الموسوعات الحديثية  التي  كان عليها المدار ثم الى الفقه الروائي ثم الى الفقه المجرد ثم الى الفقه التفريعي  . و هكذا بالنسبة لجمع الروايات ثم وضع القواعد للتعامل مع المختف أو المتعارض  ، كما في الأستبصار  و كذا الاهتمام ببقية العلوم  كالأصول و الرجال  . 
                                       

 و قدر للشيخ الطوسي ان يتضلع بدور رائد في أغلب هذه المجالات  و في  أكثر من مرحلة  تأسيسية و انتقالية  . و يبقى ان نحدد العلاقة التاريخية لظهور هذه الاهتمامات و الأعمال العلمية  . 
و يظهر للمتتبع ان التطور الفكري كان طبيعيا في مدرسة الإمامية  ، و لو لم  يكن للسالفين اهتمام برجال الحديث عندهم لما وصل الأمر الى المستوى  الذي وجد زمن النجاشي و الطوسي  ، و هذا ما تؤكده الشواهد الى جانب بعض الشهادات و المؤشرات التاريخية  .  كما ان  انفتاح المدرسة البغدادية على سائر اتجاهات الفكر عند المسلمين واضح يتجلى في نتاجات أقطابها كالمفيد و المرتضى و الطوسي  ، في الكلام و الأصول و الفقه و التفسير .
 
دور المشاريع المكملة :  يبدو لي لو اعتبرت  منجزات هذه الفترة كمرحلة مستقلة  تالية و متواصلة لما قبلها ،  لكان منطقيا جدا و متسقا  مع طبائع التطور .  و برصد  خصائصها و الإشارة الى مظاهرها و رموزها و أهم الأعمال التكميلية التي طرحت فيها   و إن اعتمدت  في الأصول على  المرحلة السابقة ، يلاحظ انها تحمل سماة مرحلة  قد تكون انتقالية  . كما ان الفترة التاريخية الطويلة  لما يقرب من أربعة قرون تناسب  أن تعتبر مرحلتين .
العلامة و تضعيفات بن الغضائري : ذكر ان العلامة الحلي اعتمد تضعيفات بن الغضائري إلا عند تعارضها مع توثيقات غيره ، و هو مخالف لقاعدة ان الجرح مقدم على التعديل . ( 140)  و الواقع ان القاعدة ليست على اطلاقها بل هناك من قيدها فيما اذا كان الجرح معللا ، و ينظر في أسبابه و علله . ثم ان ذلك قد يعني بأن العلامة غير متيقن او مقتنع بتضعيفه أو تعامل معه على خلاف التضعيف  .

الأصول الأربعمائة : توقعت  ان الكتاب سيتناول ظهور مصطلح الأصول الأربعمائة  الذي أخاله ظهر زمن المحقق  ، و ما إذا كان له علاقة بما قيل عن الرواة الذين جمعهم بن عقدة عن الإمام الصادق عليه السلام ،    و خلفياته و معانية و استعمالاته من قبل الرجاليين  واعتبار المتأخرين انها قرينة  ايجابية في بعض الأحوال .

مناقشة الإنتقادات  :  تطرق الكتاب  الى بعض الانتقادات الموجهة الى علم الرجال عند الإمامية و تولى مناقشتها و الاجابة عليها  ، كما  حول ما نسب الى  كتاب النجاشي . و كنت اتمنى لو توسع و عمق المضامين .  و يلاحظ هنا انه لم يوثق اسماء الكتب و المؤلفين الذين وجهوا الانتقادات و لم يذكرهم في الهوامش كما هو المتعارف . ( 129)  و نفس الأمر يلاحظ عند مناقشته لما قيل عن أعمال العلامة الحلي ، لم يشر الكاتب الى اسماء الناقدين و مقالاتهم و كتبهم . ( 196) كذلك الحال فيما قيل بان الإمامية لم يعرفوا علم الرجال في القرون الأولى حسب ابن تيمية  ، و ما إذا كان  العلامة الحلي  قد تأثر به . يلاحظ عدم التوثيق للمقولات و لا المصادر و لا المؤلفين . ( 222)
الإنفتاح الى المنجز السني : أشار  الى  وجود انفتاح واضح على المنجز السني ، و لم يذكر أمثلة كافية تدل عليه ، باستثناء ما ورد عن الشهيد الثاني  أو ما ذكره  عن العلامة . ( 236) . و في نظري المتواضع ان انفتاح الفكر الإمامي على بقية اتجاهات الفكر عند المسلمين لم يتوقف ، منذ تمركز الزعامة العلمية في بغداد و النجف و الحلة ، و المساجلات  و النتاجات الكلامية و الأصولية و التفسيرية و الفقهية تشهد على ذلك ، بل كان ثمة تداخل على مستوى الرواية و التتلمذ بين بعض الزعامات الفكرية الكبيرة  ، حتى لقد نسب بعضهم الى مذاهب و اتجاهات أخرى ، كالطوسي و العلامة . و الناظر في بعض الأعمال الكلامية للمفيد و المرتضى و الطوسي ، و في الأعمال الأصولية و الفقهية و التفسيرية لكل من المرتضى و الطوسي يجد حضورا كبيرا و واضحا للآراء المتعددة لمختلف الاتجاهات و المذاهب . بل ان تفسير التبيان  و كتاب الخلاف في الفقه للطوسي يعتبران بحق من أوائل الأعمال المقارنة في هذين المجالين المهمين  . و لئن كان طابع المساجلة و الانتصار  ظاهرا فيها فانه يعبر عن ثقافة العصر بشكل عام .

الشيخ النوري و النقد الموجه اليه : توقعت ان يبحث و لو بشكل عام عن مناشئ التقد اللاذع الذي وجهه السيد الخميني للشيخ النوري ( 368) مع كونه من المتخصصين في الرجال و الدراية و له جهود معروفة في التتبع و التحقيق و آراء نقدية في المجال . كما ترك تأثيرا على جملة من تلامذته الذين واصاوا البحث و قدموا أعمالا علمية  .  و هل هناك من يشارك السيد الخميني في نقده ؟

 أشار الكتاب في أكثر من موضع حول محاولات النظم في علم الرجال في بعض المراحل ، و توقعت  ان يذكر أمثلة منها . (  248، 362)
منهج المجلسي : تطرق الكتاب الى بعض أعمال و اسهامات المجلسي في مجال الرجال و تصنيف الحديث على الرغم من كونه أقرب الى منهج المحدثين . ( 314)  و كنت أتمنى ان يشير الى منهجه في التصنيف و مصطلحاته الخاصة به كما تظهر في مرآة العقول ، بحيث كثيرا ما نجده يصرح بما مفاده ضعيف على المشهور صحيح عندي ، و ما شابه ، مما يدلل على تميزه ووجود قواعد خاصة به و  مصطلح خاص به .

مباني متشددة : ذكر الكاتب بانه حسب بعض المباني كما للسيد الخوئي و العاملي  صاحب المدارك ، تسقط آلاف الروايات عن الحجية ، ( 254 ، 399 )  و كنت أتمنى لو يوضح كيف تعامل هذان العلمان  مع هذا الوضع و هل انعكس بهذه القوة على آرائهما .
 
الخوئي و البروجردي : لم يتضح سبب تقديم الخوئي على البروجردي خلافا للتاريخ الزمني لهما . ( 392، 413)
أشار الكتاب بأن الاتجاه الموروث – حسب تعبيره – الذي أصل له السيد الخوئي من نقده لعدد من القواعد الرجالية في مجال توثيق الرواة حسب مبنى الوثاقة السندية التي انتصر لها السيد الخوئي ،  يتعرض للتحول نحو مبنى الوثوق الخبري و المضموني و الاطمئنان الشخصي  من جراء المخاوف و المحاذير على التراث الحديثي و حفظ الهوية . ( 410) و أشار الكاتب الى ما أسماه بمظلومية السيد الخوئي بعدم وجود دراسات أو مؤتمرات علمية حوله على الرغم من جهوده و اسهاماته الكبيرة في العلوم الحوزوية . ( 412) و قد بدى لي طغيان الطابع الإنشائي  و الأسلوب الخطابي العاطفي  هنا . فلم يقدم أمثلة واضحة على ذلك ، و قدم تفسيرا سريعا له . مع ان مبنى الوثوق ليس جديدا بل له جذوره في الفكر الإمامي ، و هو أقرب الى الاتجاهات البحثية الحديثة التي  لا تعول كثيرا على التوثيقات السندية .  ثم ان هناك نقد غير قليل تعرض له مبنى الوثاقة و أساليب التوثيق السندي ، حتى ان ابن خلدون ذكر بأنه أسلوب لا يتناسب مع البحث التحليلي في تاريخ العمران البشري . نعم  كنت أتمنى لو ان الكاتب ذكر أبرز نقاط القوة و الضعف لكليهما ، و بحث في تاريخيهما و ذكر  كيف يمكن تفادي نقاط ضعفهما معا .
لم يشر الى بعض الأعمال من قبيل العتب الجميل على أهل الجرح و التعديل للعلامة عقيل و كذا الى كتاب ثقاة الرواة  للاصفهاني  ، على الرغم من رصده و تتبعه الواسعين .
توقعت ان يرصد الكتاب تطور أدبيات التعديل و التجريح و التوثيق و ألفاظها و مصطلحاتها و كيفية التعامل معها في كل دور و مرحلة ، و التطور الحاصل في كل مرحلة ، و العوامل التي أدت الى ظهورها او انكفائها او اختفائها .

و على كل حال  ، فالكتاب  بشكل عام  جهد مقدر للكاتب ، وقد  اعتمد على تتبع و استقراء واسعين و قدم صورة موجزة و بلغة واضحة عن  نشأة العلم و أصوله و رموزه  و  تطوره  حتى يومنا هذا  . أتمنى للمؤلف و المقرر كل التوفيق و التسديد ، سائلا المولى ان يوفقهما للمزيد من الأعمال العلمية المفيدة.


الأعمال المسيئة و مسؤولية العرب و المسلمين

22 سبتمبر 2012
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
811 زيارة

الأعمال المسيئة  و مسؤولية  العرب و المسلمين

إثر المسيرات الإحتجاجية على الفلم المسيئ ، طرح تساؤل مشروع مفاده ،  ان هناك  كتابات لعدد من المستشرقين و غيرهم لا تقل سوء في مضمونها من هذا الفلم المسيئ ! و قد تكون تلكم الأعمال هي المرجعية الفكرية التي ترفد مثل هذه الأفلام بالمادة و المضمون الفكري . فلماذا لا تثير كل هذا الغضب الشعبي العارم  مع ان خطورتها لا تقل عن بعض الأعمال المسيئة الأخرى ؟
 و هنا يجب أن نأخذ في الإعتبار عدة أمور ، منها :  ان الكتابات الاستشراقية المسيئة ، صدر أغلبها  في القرون الماضية  ، و كانت  تتداولها نخب مثقفة محدودة  ، فلم تكن في متناول الجميع  ،  مضافا الى انها لم تكن بالصوت و الصورة المتحركة  ،  و من ثم فقد كانت تأثيراتها و انعكاساتها محدودة .  و قد صدرت دراسات و رسائل نقدية في مناقشتها و الرد على مقولاتها .
و في سياق المطالبة  بمنع  انتهاك الأديان و المقدسات  ، يلزم  التفريق   بين الأعمال النقدية العلمية  و السجالات الفكرية و الدراسات التحليلية  لمفكري الأديان و المذاهب ،  للبنى الفكرية و العقدية لمختلف الأديان و المذاهب الدينية و لأفكارها و آرائها  ،  و بين الأعمال المعيبة و اللا أخلاقية التي تتهجم على الأديان و العقائد و تنتهك حرمة  الكتب المقدسة كالقرآن الكريم و تتناول بشكل مسيئ و مقزز للرموز الدينية مثل الرسل و الأنبياء صلوات الله عليهم .
من جهة أخرى ، إن  سلسلة الإساءات و الإنتهاكات المتكررة المتعمدة لأقدس مقدسات المسلمين المتمثلة في النيل و التطاول على شخصية خاتم الأنبياء و المرسلين و الرحمة الإلهية المهداة للبشرية و مجسد الخلق العظيم  محمد صلى الله عليه و آله و سلم  ، و كذلك الإساءة البالغة التي وجهت  للقرآن الكريم بحرقه في احتفال عام  ، و ما شاكل من أعمال و تصرفات  مشينة و معيبة  ،  تضع كافة الدول العربية و المسلمة ، كما تضع الجامعة العربية و منظمة التعاون الإسلامي أمام مسؤوليات جسام  أمام التاريخ و أمام الشعوب العربية و  المسلمة  ، و قبل ذلك كله أمام ربها و نبيها و قرآنها و دينها الحنيف  .
و السؤال الذي يطرح في هذا الصدد هو : ترى هل يكفي أن تصدر بعض الدول العربية و بعض الدول المسلمة بيانات الشجب و الإستنكار التي باتت  عباراتها و أدبياتها محفوظة و معلومة سلفا لدى الجميع ؟  هل ان كل ما بوسع دول العرب و المسلمين أن تفعله بإزاء انتهاك كرامتها و عزتها و النيل من عقيدتها  هو الصريخ و العويل ؟ هل هذا كل ما يحسنه العرب و المسلمون على المستوى الرسمي و الشعبي ؟ و هل هذا كل  ما بوسع  بيت العرب  العتيد – مع كل تصدعاته –  و منظمة التعاون للمسلمين التي أنشئت ابتداء للدفاع عن أحد المقدسات الإسلامية و هو المسجد الأقصى إثر حادث الحريق المعروف ؟
أخال ان هذه الأسئلة و أمثالها جد مشروعة و هي بالفعل مطروحة بشكل أو آخر من قبل كثير من العرب و المسلمين .
و بتقديري  المتواضع ان بوسع الدول العربية و الدول المسلمة و جامعة العرب و منظمة التعاون و بقية المنظمات العربية ،  القيام بحزمة من الأعمال و البرامج لمواجهة هذه الإعتداءات المتكررة و المتعمدة على الإسلام و المسلمين ، و منها على سبيل المثال :
1- أن تسعى لإيجاد و بلورة قناعة لدى مختلف الدول في العالم لاتخاذ التدابير الإدارية و القانونية المناسبة  لمنع صدور مثل هذه الإنتهاكات ضد الأديان و المذاهب الدينية . و حيث انه لا تخلو دولة في العالم من وجود تعددية دينية و مذهبية و عرقية و طائفية و إثنية ، فإنه يعني ان الحيلولة دون وقوع الفتن و الإضطرابات و الصراعات على الأسس الدينية و العقدية هي قضية مشتركة بين كثير من دول العالم
2- أن تتبنى طرح هذه القضية في المحافل الدولية  و المنظمات الحقوقية المختلفة ، و تعمل جاهدة لإيجاد قناعة مشتركة  لإصدار وثيقة تؤكد  على أهمية احترام الأديان و العقائد و تدعو إلى منع  انتهاك المقدسات الدينية و العقدية للأمم و الشعوب و اعتبارها مخالفة للقانون . و تطالب دول العالم على وضع الأطر القانونية و الإدارية  لتحقيق ذلك .
3- تشكيل فريق من الخبراء القانونيين لدراسة مدى إمكانية و جدوى مقاضاة أولئك الذين يوجهون  مثل هذه الإساءات للمقدسات الإسلامية ، و كشف الجهات التي تدعمهم و تمولهم و ملاحقتها هي الأخرى قضائيا .
4-  تبني مشروع واسع لمراجعة مصادر التراث لدى العرب و المسلمين  و تنقية هذا التراث من كل ما شابه من إسرائيليات  أو تسلل إليه  من حكايات و أخبار  و قصص و آراء سقيمة   من شأنها تقديم صورة مشوهة عن الرسول محمد صلى الله عليه و آله و سلم و عن القرآن و الإسلام  . إذ من المعروف ان كثيرا من المستشرقين و غيرهم اعتمدوا على بعض ما ورد في مصادر التراث الحديثي و التفسيري و الفقهي و التاريخي و الأدبي للمسلمين .
5- تبني مشروع متكامل لعرض مبادئ الرسالة الإسلامية  السامية  و تولي االمناقشة و الرد على  الكتابات الإستشراقية و غير الإتشراقية  التي شوهت شخصية  الرسول الكريم صلى الله عليه و آله و سلم ، و أساءت إلى القرآن الكريم و إلى أحكام الشريعة الإسلامية الغراء .
6- إنتاج أعمال إعلامية  فنية راقية و بمواصفات عالمية عن حياة النبي محمد صلى الله عليه و آله و سلم و عن الرسالة و قيم الرسالة الإسلامية و عن تعاليم القرآن الكريم و مبادئه السمحة ، و عن حضارة العرب و المسلمين و علمائهم و إسهامات المسلمين في الحضارة العالمية  ، على غرار بعض الأعمال التي أنتجها المخرج الراحل مصطفى العقاد ، مثل فلم الرسالة و عمر المختار.
7- تدشين حوار جاد بين المسلمين و أتباع بعض الديانات المعروفة ، و بالأخص الديانات السماوية ، على أن تكون له أهداف واضحة ، فلا يستغرق في بحث المسائل اللاهوتية ، بل يركز اهتمامه على القضايا المعاصرة التي تهم أتباع هذه الديانات . و أن ينطلق من قاعدة المشتركات الفكرية و الأخلاقية و الإنسانية ، و يسعى لتعميق العلاقات و الروابط القائمة على الإحترام المتبادل و العيش المشترك و حماية المصالح المشتركة و مواجهة التحديات و الأخطار المشتركة .  
 
هذه بعض الأعمال التي يمكن ان يقوم بها العرب و المسلمون على المستوى الرسمي  و الشعبي .  و من  الطبيعي انها ليست أعمالا  سهلة  و تتطلب   مجهودات و إسهامات  قانونية و فكرية وفلسفية و إعلامية و فنية و مالية و  سياسية كبيرة  ، و لكن لا بد من البدء في التفكير و التخطيط لذلك  ، و لا بد قبل كل شيئ  من توافر الإرادة السياسية و القرار السياسي  . فلا يفيدنا أن نلعن الظلام  ، بقدر ما ينفعنا أن نوقد شمعة وسط الظلام . 
على صعيد آخر ، لا بد من بذل جهود تربوية و دينية و إعلامية  كبيرة  نحو ترشيد حالة الإلتزام الديني  في البلدان المسلمة  .  و من الضروري العمل لتوعية  المسلمين على كيفية  التعامل مع مثل هذه الأعمال المسيئة التي تستهدف  النيل من مقدساتهم . فلا يحسن أن يحتج المسلمون على تلكم الإساءات و الإنتهاكات ، بأعمال غير قانونية  أو يقوموا  بتصرفات تنتهك الأحكام و القيم الإسلامية ذاتها  .
من الأهمية بمكان ترشيد و ضبط ردود الفعل الغاضبة التي تصدر من المسلمين غيرة على دينهم و مقدساتهم .
فمن المهم  أن تخرج مسيرات حاشدة  و في مختلف دول العالم  للإحتجاج على هذه الإساءات و الإنتهاكات السافرة للمقدسات الدينية ، و لكن يلزم  ان تكون منظمة و ذات طابع سلمي  حتى ترسل رسالة الرفض و الإستنكار و تطالب الدول و المنظمات الدولية و الحقوقية لإدانة مثل هذه الأعمال المشينة . إن المسيرات المنفلتة و غير المرتبة  و التي  يرافقها الضجيج و الصريخ والعويل   و يصاحبها  التخريب و التكسير لممتلكات الغير  من شأنها أن ترسل رسالة مغلوطة و معكوسة تماما إلى العالم .  و لا يبعد أن  يوظها الإعلام المضاد للعرب و المسلمين  في خدمة ما يعرف بالإسلامو فوبيا .  إن من  المفترض أن يكون هدف الخروج في مثل هذه المسيرات واضحا و معروفا لدى  المشاركين فيها .  انهم لا يخرجون للتنفيس عن الإحباطات المتراكمة التي يعيشونها و لا يخرجون لتفريغ حالة الغضب المتراكم على بعض الجهات من جراء بعض المواقف و السياسات المرفوضة ، إنما ثمة هدف محدد لمثل هذه المسيرات و ثمة  رسالة يراد توصيلها لمن يهمه الأمر .
 

الثقافة ومشاريع الهيمنة…

18 يناير 2012
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
932 زيارة

الثقافة ومشاريع الهيمنة…


إن التاريخ الحديث يشهد بأن الثقافة كان لها حضور بارز ومستمر في مشاريع الهيمنة والاستتباع الغربية. فقد شكل التبشير والاستشراق ورحلات الاستكشاف مقدمات تمهيدية للاستعمار الغربي، الى جانب دورها التسويغي له ومساهمتها في استمراريته. ويكفي هنا أن نشير ان نابليون في حملته على مصر اصطحب معه مجمعا علميا كاملا أو (اكاديمية) كما يعبر ادوارد سعيد في الاستشراق.
وفي مرحلة ما سمي بالحرب الباردة لم يغب دور الثقافة بل كانت هناك حرب ثقافية باردة أيضا، حسب تعبير الباحثة الانجليزية فرانسيس ستونو سوندرز في دراستها الوثائقية" من دفع أجرة العازف: سي آي إيي والحرب الثقافية الباردة "

فقد كشفت هذه الباحثة كيف كان يتم إيجاد بعض المؤسسات والواجهات الثقافية وتوظيف محتلف الفعاليات والوسائل الثقافية لتحقيق الاهداف السياسية للجهات التابعة لها. وفي هذا السياق تطرقت الى دور مؤسسة ثقافية أنشئت في أوروبا باسم " رابطة حرية الثقافة " التابعة للوكالة الأميركية المذكورة، وأنشئت لها سلسلة من المكاتب والفروع في أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا ومنها الهند وباكستان وكذا في بعض الدول العربية مثل لبنان والقاهرة لتمرير سياساتها وأهدافها عبر واجهات ووسائل ثقافية متنوعة .

وأشارت الباحثة المذكورة الى أهداف الرابطة الثقافية الآنفة وهي أن تشكل مجموعة عمل تكون مهمتها المزدوجة أن تقوم بتطعيم أو تحصين العالم ضد عدوى الشيوعية وتسهل تحرير السياسات الخارجية الأميركية في الخارج. وأضافت الباحثة بأن المؤسسة قامت دون ان يردعها او يكشفها أحد لأكثر من عشرين عاما، بإدارة واجهة ثقافية متطورة جيدة التمويل في الغرب ومن أجل الغرب باسم حرية التعبير بعد ان اعتبرت الحرب الباردة معركة العقول. أما عن أسلوب عملها، فذكرت بأنها جمعت ترسانة من الاسلحة الثقافية متمثلة في الصحف والكتب والمؤتمرات وحلقات النقاش والمعارض الفنية والحفلات الموسيقية والجوائز. وذكرت الكاتبة سوندرز في كتابها المذكور: إن قلة فقط من الكتاب او الشعراء او الفنانين او المؤرخين او العلماء او النقاد في اوروبا ما بعد الحرب الذين لم ترتبط أسماؤهم بطريقة ما بهذا المشروع السري وما يهمنا من ذكر هذا النموذج كشاهد على حضور الثقافة في المشاريع السياسية الدولية.

أما بعد الحرب الباردة، فيمكن استحضار ما أكده المنظر السياسي الأميركي المعروف صموئيل هنتجتون في مقالته الشهيرة " صدام الثقافات " والتي نشرها سنة 1993 في مجلة " الشؤون الخارجية " التي تخاطب صناع السياسة الأميركية. حيث وجه الساسة الغربيين فيها بأن على الغرب ان يستغل الخلافات والصراعات بين الدول الكونفوشية والإسلامية … ويدعم ما في الحضارات الأخرى من جماعات تتعاطف مع القيم والمصالح الغربية … ويعزز المؤسسات الدولية التي تعكس المصالح والقيم الغربية وتضفي الشرعية عليها.

وأخيرا نستذكر كلمة الرئيس الأميركي الأسبق بل كلنتون حيث قال " ان أميركا تؤمن بان قيمها صالحة لكل الجنس البشري واننا نستشعر ان علينا التزاما مقدسا لتحويل العالم على صورتنا "
و هذه الكلمة تكشف بوضوح عن التوجه نحو تعميم المشروع الثقافي والقيمي الأميركي على العالم ، وجعل العالم من هذه الناحية على النمط الأميركي.

والسؤال الذي يطرح هنا: ترى أي هذه القيم الأميركية صالحة لجميع البشر؟ ومن يقرر بأنها كذلك ؟ ووفق أية مرجعيات ؟ وما مصير منظومات القيم التي تعتز بها المجتمعات البشرية و تحترمها وتنتمي إليها ؟
ثم ان هناك أمما أخرى أيضا تعتقد ان منظوماتها الفكرية والقيمية صالحة لكل زمان ومكان، فهل هذا وحده يسوغ لها ان تسعى لتحويل العالم على صورتها؟ والسؤال الأهم في هذا السياق هو: كيف يتم هذا التحويل؟ وباستخدام أية طرق ووسائل وأدوات؟

وطبعا لا نحتاج الى التذكير بأنه نفس المسوغ " الأخلاقي " الذي طرحه الغرب لغزو بلدان العالم وهو " تحديث الشعوب المتخلفة واستعمارها "!

ولعل هنا يتجلى المغزى من مقولة هنتنجتون في " صدام الثقافات"، حيث ذهب الى إمكانية إندماج معظم الحضارات بالحضارة الغربية على عكس الحضارة الإسلامية والكونفوشية باعتبارهما تسعيان للتحديث وترفضان التغريب.

وفي ضوئه يمكن القول ان الصراع الحضاري الحتمي – حسب هذا المنظور – يتركز بين جهات تريد تغريب العالم وأخرى ترحب بالتحديث ولكنها تقاوم التغريب.

وباستدعاء  نظرية الداروينية الاجتماعية لهربرت اسبنسر والتي يسيطر مضمونها على عقلية قوى الهيمنة في العالم، يمكننا تحليل مجريات الصراع المفترض بين الثقافات وتنازعها في سبيل البقاء. و مرورا بإسقاط قاعدة الانتخاب الطبيعي على الساحة الاجتماعية، فإن النتيجة الحتمية لهذا الصراع والصدام الحضاري تنتهي إلى يقاء الأقوى ومن ثم سيادته!

وبناء عليه، فإن أي أمة اذا أرادت أن تحمي ثقافتها وقيمها وأصالتها من الإنصهار والإندثار، عليها أن تتعرف على مكامن قوتها فتعززها في خططها ومناهجها وفي نفس الوقت عليها أن تحدد نقاط ضعفها فتعالجها في برامجها.

وإلا فإن مصيرها المحتوم- و في أحسن الفروض – سيكون العرض في متاحف التراث الثقافي والحضاري وحفلات الفلكلور الشعبي وقصص كان يا ما كان!