محمد … أكبر من أن يؤثر عليه فلم تافه

4 نوفمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

أولاً وقبل كل شيء أود بأن أبيّن بأنني لا أنطلق في مقالي هذا من منطلقات دينية وإنما أريد أن أعالج هذا الموضوع الحساس من نواحي ثقافية وفكرية بحتة, لقد حرصت شخصياً على البحث عن الفلم ومشاهدته لكي أرى مدى الإهانة التي استهدفت شخصية النبي محمد حتى أكتب عن علم وتثبت, رأيت الفلم ووجدت أن الفلم يصور النبي على أنه سفاك للدماء يحرّض أصحابه على القتال ليجبر الناس على اعتناق معتقداته ودينه الذي يبشر به, كما أنه مسرف في الأكل والجنس, وهناك مشاهد أخرى أربأ بقلمي عن الإشارة إليها لما فيها من وقاحة وانحطاط يندى له جبين الإنسانية المتحضرة التي يحمل لوائها الغرب!.

أبرز ما لفت انتباهي في هذا الفلم هو التركيز الشديد على إضفاء الصفة الكوميدية وإسقاطها على شخصية النبي محمد, فقد كان الممثل الذي مثل دور النبي يقوم ببعض الحركات البهلوانية والألفاظ الهزلية ليضحك المشاهد على شخصية النبي محمد تلك الشخصية التي يقدسها أكثر من مليار ونصف من سكان العالم, كما يحترمها ملايين الباحثين والمثقفين على وجه الكرة الأرضية, وأود هنا الإشارة إلى كتاب صدر في أمريكا نفسها تحت عنوان (The 100: A Ranking of the Most Influential Persons in History )  للكاتب الأمريكي مايكل هارت, وهو كتاب جمع فيه مؤلفه مائة شخصية يرى أنها أكثر الشخصيات تأثيراً في التاريخ, والملفت للنظر أنه جعل أسم النبي محمد في أول القائمة, وحينما ثارت عليه الأوساط المسيحية المتشددة هناك والتي تطالبه بوضع اسم النبي عيسى أجاب بجواب غاية بالدقة, قال ما مضمونه: (إن جميع الـ (99) الذين ذكرتهم ولدوا في بيئات حضارية ودرسوا في جامعات ثقافية وكان لهم آباء يدعمونهم, فكان من الطبيعي أن يكونوا عظماء, أما محمد فقد ولد في بيئة قاسية ونشأ في صحراء قاحلة, فَقد أباه وأمه وهو صغير السن, ومحمد لم يتلقَ تعليماً ولم يعرف القراءة ولا الكتابة ثم مع كل هذا جاء بالإسلام, ووّحد العرب وصنع منهم أمة عظيمة وقوية هزمت إمبراطورية الفرس وامبراطورية الروم وأسست لنفسها إمبراطورية ضخمة اجتاحت العالم ووصلت حتى أوروبا, مثل هكذا شخص لابدّ أن أضعه في صدر القائمة).

نعم هذا هو النبي محمد الذي يستهزئ به هذا الفلم التافه, وممولوه المشبوهون. هذا من جهة.

ومن جهة أخرى, لنناقش بعض المسائل التي وردت في الفلم, والتي اتخذوا منها وسيلة للتشنيع على النبي وتشويه صورته:

الفلم يصوّر النبي محمد وكأنه رجل يحب القتال ويحب إسالة الدماء الخ, وهنا لابدّ أن نشير إلى أن حروب النبي محمد كلها دفاعية, بمعنى أنه لم يبدأ قتال المشركين, وإنما كانوا هم من يبدأ, فيضطر النبي محمد للدفاع عن حياته وحياة أصحابه وكيانه, وأنا أدعو الجميع إلى التحقيق في ذلك ومراجعة النصوص التاريخية للتأكد من صحة كلامي, هذه مسألة

والمسألة الأخرى,إن محمداً كان يدعو إلى تطلعات الشعب العربي في ذلك الزمان, فقد كان شعباً جاهلاً ومحمد دعاه إلى العلم, وكان الشعب منقسماً إلى فقراء يكاد الفقر يقتلهم وأغنياء لا تسع المخازن ثروتهم فدعا محمد إلى توزيع الثروة بشكل عادل وشرع الزكاة والخمس في بعض الحالات لتحقيق العدالة الاجتماعية, فكان الوقوف بوجهه هو وقوف بوجه تطلعات الشعب المشروعة فكان من الطبيعي أن يقاتل في سبيل قومه ومبادئه العليا.

 ومَن الذين قاتلهم محمد؟ كلهم كانوا نفعيين وانتهازيين وجدوا في الإسلام خطراً عظيماً يهدد مصالحهم المالية والاجتماعية, ولا تسع هذه المقالة أن أطيل في هذا الموضوع, ولكن هذه كلها مؤشرات تشير إلى أن اتهام النبي محمد بأنه سفاك للدماء هي تهمة واهية ولا أساس لها, وليت شعري كيف يُتهم بذلك النبي محمد وهو القائل: (لزوال الدنيا جميعاً أهون على الله من دم يسفك بغير حق) كنز العمال, ج15, ص 32. وما عشت أراك الدهر عجباً!.

ثم يصوّر الفلم بأن النبي محمد كان يحب النساء والدليل هو كثرة أزواجه, وقد تزوج النبي محمد أكثر من زوجة, ولكن لم يكن ذلك بدافع الشهوة الجنسية كما يحب منتجو هذا الفلم أن يصوروا للمشاهِد, لقد كان أول زواج له من خديجة وقد كانت متزوجة برجلين قبله ولها منهم أولاد وعمرها أربعين عاماً حينما تزوجها النبي محمد بينما كان عمره خمسة وعشرين سنة فقط فهي أكبر منه بخمسة عشر سنة,  وهنا نلاحظ أن النبي كان أعزباً إلى حين بلوغه الخمسة والعشرين, ومعنى ذلك أنه لم يكن شهوانياً كما يصورونه, وحينما بلغ الخمسين توفيت زوجته ورفيقة دربه خديجة بنت خويلد فبقي سنتين بدون زواج وفاءً لها وحزناً عليها, وفي الفترة التي تلت ذلك تزوج بعدة زوجات ولكن لأسباب دينية واجتماعية, فمحمد لم يكن رجلاً عادياً في تلك الفترة, تزوج امرأتين تنتميان إلى أكبر ديانتين في ذلك الزمان, وهما صفية وكانت يهودية, وماريا وهي مسيحية من مصر, ليثبت لأهل تلك الديانتين بأنه ليس ضد الأديان السابقة, وتزوج البقية لأهداف نبيلة مثل الرحمة بالأرامل وتكريمهن فقد تزوج بسودة وأم سلمة وأم حبيبة وكلهن من الأرامل ليعطي للعرب درساً عملياً في الزواج من الأرملة بعد أن كانوا يستنكفون من ذلك, وتزوج من بعض القبائل التي تعادي الإسلام ليكسب قلوبهم ويحقن الدماء إلى غير ذلك من الأسباب المذكورة في محلها. فكان لهذه المصاهرات أعظم الأثر في تلطيف الأجواء بين المسلمين وغيرهم وحقن الدماء وتجنب الحروب, إذن لم يكن النبي شهوانياً يحب النساء فمحمد الشاب لم يتزوج إلا بخديجة ومحمد (الرسول) هو الذي تزوج بأكثر من امرأة للأسباب التي ذكرنا ولغيرها مما ذكر في الكتب المختصة.

ثم لماذا يُستهدف النبي محمد فقط بذلك والحال أن الكتب المقدسة عند الغربيين (التوراة والإنجيل) تذكر أن أنبياء آخرين كإبراهيم وداود وسليمان كانوا متزوجين (كذلك) بأكثر من زوجة, فلماذا لا نرى الأفلام والصحف الغربية تتحدث عن ذلك؟ لماذا النبي محمد فقط؟ أليس في هذا ما يشير إلى أن المسألة سياسية أكثر منها دينية؟ أليس في ذلك تنفيراً للأمة الغربية لاستعداء المسلمين؟ واستفزازاً للأمة الإسلامية لكراهية الغربيين؟ وهذا هو بالضبط ما يريده رجال السياسة في الغرب حتى يبارك لهم الشعب الغربي حروبهم الاستعمارية الظالمة على الشعوب الإسلامية المستضعفة.

والغريب أن العذر الذي يعتذر به مثقفو الغرب ومفكريهم هو (حرية التعبير) بمعنى أن أمريكا وغيرها من الدول التي يُهان فيها الإسلام ورموزه – هذه الدول كفلت حرية التعبير لمواطنيها, وبالتالي لا يمكن قانونياً منعهم من إنتاج الأفلام ورسم الصور الهزلية التي تسيء للأديان الأخرى وكل ذلك لحرية التعبير, وأنا مع حرية التعبير ولست ضدها ولكنني هنا أحب أن أتساءل: هل القوانين الغربية تكفل حرية التعبير بشكل مطلق وبدون قيود؟ بمعنى لو أن أبيضاً أمريكياً كتب مقالاً عنصرياً يهاجم فيه السود وسبب ذلك اضطرابات وحوادث اقتتال بين السود  والبيض في الأحياء والمدن الأمريكية, فهل ستسكت الدولة في هذه الحالة وتبقى تتفرج بحجة (حرية التعبير) لذلك الأبيض الذي سبب كل ذلك؟ طبعاً لا. إذن أنا أختتم مقالتي بسؤال لمشرعي القوانين الأمريكية: إذا كانت إهانة النبي محمد سببت مقتل سفيركم في ليبيا مع ثلاثة من الموظفين في السفارة وأنزلت علمكم من سفارتكم في القاهرة, وزعزعت هيبة أمريكا (أقوى دولة في العالم) ولا ندري ماذا ستفعل في المستقبل, ألا يكفي ذلك مبرراً لكم في تشريع قوانين تمنع إهانة المقدسات الإسلامية؟!!