بحوث و دراسات

نظرية الإجماع في الفكر الأصولي- نقد المنطلقات النصيّة المشرعنة

11 أغسطس 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

مدخل:
استند الكلاميّون في مبحث الإمامة، والأصوليّون في فصل حجيّة الإجماع، إلى حديث: «لاتجتمع أمّتي على ضلالة»، ورأوه يؤسّس لحجيّة الإجماع من منطلق نصّي، ونريد هنا دراسة هذا المنطلق لرصد هذا المستند الحديثي والبحث حوله ـ سنداً ودلالة ـ معتمدين على المعطيات العلمية.
 
نقد البُعد الصدوري في نصوص حجيّة الإجماع:
روي هذا الحديث في السُنن والمسانيد، ومصادر أصول الفقه عند أهل السنّة والشيعة:
أ ـ أما المصادر السنّية، فقد رواه الحافظ أبو عبدالله محمّد بن يزيد القزويني (207 ـ 275 هـ)، قال: حدّثنا العبّاس بن عثمان الدمشقي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدثنا معان بن رفاعة السلاميّ، حدّثني أبو خلف الأعمى، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: سمعت رسول الله -، يقول: «إنّ أمّتي لا تجتمع على الضلالة؛ فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم».
وقد علّق محقّق الكتاب ـ نقلاً عن «مجمع الزوائد» للهيثمي ـ بالقول: في إسناده أبو خلف الأعمى، واسمه حازم بن عطا، وهو ضعيف، وقد جاء الحديث بطرقٍ في كلّها نظر، قاله شيخنا العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي([1]).
أقول: أبو خلف الأعمى، قال عنه الذهبي: يروي عن أنس بن مالك، كذّبه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم: منكر الحديث([2]).
وإنّما أمر بالتمسّك بهم باعتبار أنّ اتفاقهم أقرب إلى الإجماع، قال السيوطي: السواد الأعظم أي جماعة الناس ومعظمهم.
وقد استعمله الإمام أمير المؤمنين % في بعض خطبه، فقال: «الزموا السواد الأعظم، فإنّ يد الله مع الجماعة، وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشاذّ من النّاس للشيطان، كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب، ألا مَن دعا إلى هذا الشعار فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه»([3]).
كما روى الحديث أيضاً الترمذي (209 ـ 297 هـ) في سننه، قال: حدّثنا أبو بكر بن نافع البصري، حدّثني المعتمر بن سليمان، حدّثنا سليمان المدني، عن عبدالله بن دينار، عن أبي عمر، عن رسول الله -، قال: «إنّ الله لا يجمع أمّتي ـ أو قال: أمّة محمّد - ـ على ضلالة، ويدُ الله مع الجماعة ومن شذَّ شذَّ إلى النار».
قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وسليمان المدني هو عندي سليمان بن سفيان، وقد روى عنه أبو داود الطالسي، وأبو عامر العقدي، وغير واحد من أهل العلم، مضيفاً: وتفسير الجماعة عند أهل العلم، هم أهل الفقه والعلم والحديث.
قال: وسمعت الجارود بن معاذ، يقول: سمعت علي بن الحسن، يقول: سألت عبدالله بن المبارك: مَا الجماعة؟ قال: أبو بكر وعمر، قيل له: قد مات أبو بكر وعمر؟ قال: فلان وفلان، قيل له: قد مات فلان وفلان؟ فقال عبدالله بن المبارك: أبو حمزة السكّري جماعة، ثمّ أضاف: أبو حمزة، هو محمد بن ميمون، وكان شيخاً صالحاً، وإنّما قال هذا في حياته عندنا([4]).
أقول: فيما ذكره من تفسير «الأمّة» بخصوص أهل الفقه والعلم والحديث! نظر واضح، إذ عنوان الأمّة يشمل جميع من آمن برسالة الرسول-.
وأغرب منه تفسيرها بالخليفتين، ثمّ تفسيرها بفلان وفلان، هكذا مهملاً؟ أما تطبيقها على أبي حمزة السكّري، فليس إلاّ من باب المغالاة في الرجال، من هنا نطمئنّ بأنّ الحديث أصبح ذريعةً لمن يريد تبرير ملتزماته الفكريّة والاجتماعية.
وروى الحديث أيضاً أبو داود (202 ـ 275هـ) في سننه قال: حدثنا محمّد بن عوف الطائي، حدّثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، قال أبو عوف: وقرأت في أصل إسماعيل، قال: حدّثني ضمضم، عن شريح، عن أبي مالك ـ يعني الأشعري ـ قال: قال رسول الله -: «إنّ الله أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيّكم فتهلكوا جميعاً، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحقّ، وأن لا تجتمعوا على ضلالة»([5]).
وفي السند محمد بن عوف الطائي، ذكره الذهبي، قال: محمد بن عوف، عن سليمان بن عثمان، مجهول الحال([6])، كما وفيه ضمضم، ذكره الذهبي، وقال: ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد. وثّقه يحيى بن معين، وضعّفه أبو حاتم، روى عن جماعة([7]).
وقد اتّفقت السنن الثلاثة هنا على لفظ «ضلالة»، ولم نجد في شيء منها لفظ «على خطأ».
كما روى الحديث أيضاً أحمد بن حنبل (164 ـ 241هـ) في مسنده، قال: حدثنا أبو اليمان، حدثنا ابن عياش، عن البختري بن عبيد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي ذر، عن النبي -، أنّه قال: «إثنان خيرٌ من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة؛ فإنّ الله عزّ وجلّ لن يجمع أمتي إلاّ على هدى»([8]).
وفي السند ابن عياش الحميري، قال عنه الذهبي: مجهول([9])، وكذلك البختري بن عبيد، ذكره الذهبي، وقال: ضعّفه أبو حاتم، وغيره تركه، فأمّا أبوحاتم فأنصف فيه، وأمّا أبو نعيم الحافظ، فقال: روى عن أبيه موضوعات، وقال ابن عدي: روى عن أبيه قدر عشرين حديثاً عامّتها مناكير، منها أشربوا أعينكم الماء، ومنها الأذنان من الرأس، ثمّ قال: وله عند ابن ماجة حديث عن أبيه عن أبي هريرة: صلّوا على أولادكم([10]).
وجاء الحديث في مستدرك الحاكم النيسابوري (321 ـ 405هـ)، بأسانيد سبعة تجتمع في المعتمر بن سليمان، قال: فيما احتجّ به العلماء على أنّ الإجماع حجّة، حديث مختلفٌ فيه عن المعتمر بن سليمان قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم الأصمّ ببغداد، حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر، حدّثنا خالد بن يزيد القرني، حدّثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله -: «لا يجمع الله هذه الأمّة على الضلالة أبداً، وقال: يد الله على الجماعة، فاتّبعوا السواد الأعظم، فإنّه من شذّ شذّ في النار»([11]).
قال الحاكم ـ بعد نقله للحديث بأسانيد سبعة ـ: فقد استقرّ الخلاف في إسناد هذا الحديث على المعتمر بن سليمان، وهو أحد أركان الحديث من سبعة أوجه، لا يسعنا أن نحكم أنّ كلّها محمولة على الخطأ بحكم الصواب، لقول من قال عن المعتمر عن سليمان بن سفيان المدني، عن عبدالله بن دينار، ونحن إذا قلنا هذا القول، نسبنا الراوي إلى الجهالة فوهن به الحديث، ولكنّا نقول: إنّ المعتمر بن سليمان، أحد أئمّة الحديث، وقد روي عنه هذا الحديث بأسانيد يصحّ بمثلها الحديث، فلابدّ من أن يكون له أصل بأحد هذه الأسانيد، ثمّ وجدنا للحديث شواهد من غير حديث المعتمر لا أدّعي صحتها ولا أحكم بتوهينها، بل يلزمني ذكرها لإجماع أهل السنّة على هذه القاعدة من قواعد الإسلام، فممّن روي عنه هذا الحديث من الصحابة عبدالله بن عبّاس..
وأمّا معتمر الذي وقع في سند الحديث، فذكره الذهبي، وقال: معتمر بن سليمان التيمي البصري أحد الثقات الأعلام، وقال خرّاش: صدوق يخطئ من حفظه، وإذا حدّث من كتابه فهو ثقة، قلت: هو ثقة مطلقاً، ونقل ابن دحية، عن ابن معين: ليس بحجّة([12]).
هذا ما عند أهل السنّة لهذا الحديث مسنداً، وأمّا روايته مرسلاً فقد تضافرت في كتبهم، بل أرسلوه إرسال المسلّمات، فقد ذكره الغزالي (450 ـ 505هـ) في «المنخول» قال: وممّا تمسّك به الأصوليّون، قوله-: «لا تجتمع أمّتي على ضلالة» وروي «على خطأ»، ولا طريق إلى ردّه بكونه من أخبار الآحاد؛ فإنّ القواعد القطعيّة يجوز إثباتها بها، وإن كانت مظنونة، فإن قيل: فما المختار عندكم في إثبات الإجماع؟ قلنا: لا مطمع في مسلك عقلي إذ ليس فيه ما يدلّ عليه، ولم يشهد له من جهة السمع خبر متواتر، ولا
نصُّ كتاب، وإثبات الإجماع بالإجماع تهافت، والقياس المظنون لا مجال له في القطعيّات(
[13]).
والتناقض في كلامه ظاهر حيث قال: «إنّ القواعد القطعيّة يجوز إثباتها بأخبار الآحاد وإن كانت مظنونة»، وهذا ينافي ما قاله أخيراً: «القياس المظنون لا مجال له في القطعيّات»، وذلك أنّ الخبر الواحد والقياس من حيث إفادة الظنّ سيّان، فكيف تثبت القواعد القطعيّة بالظنّ مستنداً إلى خبر الواحد، ولا تثبت بالقياس؟!
وأعجب منه إثباته القواعد القطعيّة بالظنّ، مع أنّ النتيجة تابعةٌ لأخسّ المقدّمتين.
نعم، قال الغزالي في «المستصفى»: تظافرت الرواية عن رسول الله - مع اتّفاق المعنى في عصمة هذه الأمّة من الخطأ([14]).
أمّا تاج الدين السبكي عبدالوهاب بن علي (771هـ)، فبعد ذكره طرق الحديث ورواته في كتابه «رفع الحاجب على ابن الحاجب»، قال: أمّا الحديث فلا أشكّ أنّه اليوم غير متواتر، بل لا يصحّ، أعني لم يصحّ منه طريق على السبيل الذي يرتضيه جهابذة الحفّاظ، ولكنّي أعتقد صحّة القدر المشترك من كلّ طرقه، والأغلب على الظنّ أنّه «عدم اجتماعها على الخطأ»، وأقول: مع ذلك جاز أن يكون متواتراً في سالف الزمان ثمّ انقلب آحاداً([15]).
ب ـ وأمّا المصادر الشيعيّة، فلم ينقله مسنَداً، إلاّ الصدوق في الخصال، ومنه أخذ صاحب الاحتجاج ونقله فيه، وورد أيضاً في رسالة الإمام الهادي % التي كتبها في الردّ على أهل الجبر والتفويض، نقلها ابن شعبة الحرّاني في «تحف العقول»، مرسلةً لا مسندةً، ونقله أيضاً الأصوليّون منهم عند البحث في الإجماع، وإليك ما وقفنا عليه من نصوص هذا الحديث، عندهم.
فقد رواه الصدوق (306 ـ 381هـ) في الخصال، قال: حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان قال: حدّثنا عبدالرحمان بن محمد الحسيني، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن حفص الخثعمي، قال: حدثنا الحسن بن عبدالواحد، قال حدثني أحمد بن التغلبي([16])، قال: حدّثني أحمد بن عبدالحميد، قال: حدّثني حفص بن منصور العطّار، قال: حدّثنا أبو سعيد الورّاق، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه، قال: «لمّا كان من أمر أبي بكر وبيعة النّاس له، وفعلهم بعليّ بن أبي طالب % لم يزل أبو بكر يظهر له الانبساط، ويرى منه انقباضاً، فكبُر ذلك على أبي بكر، فأحبّ لقاءَه واستخراج ما عنده والمعذرة إليه لما اجتمع الناس عليه وتقليدهم إيّاه أمر الأمّة، وقلّة رغبته وزهده فيه، أتاه في وقت غفلة، وطلب منه الخلوة ـ ثمّ نقل بعض ما دار بينهما من الكلام إلى أن قال ـ : فقال له علي %: فما حملك عليه إذا لم ترغب فيه، ولا حرصت عليه، ولا وثقت بنفسك في القيام به، وبما يحتاج منك فيه؟، فقال أبو بكر: حديث سمعته من رسول الله -: إنّ الله لا يجمع أمّتي على ضلال، ولما رأيت اجتماعهم اتّبعت حديث النبي - وأحلت أن يكون اجتماعهم على خلاف الهدى وأعطيتهم قود الإجابة، ولو علمت أنّ أحداً يتخلّف لامتنعت.
فقال علي %: أمّا ما ذكرت من حديث النبي -: إنّ الله لا يجمع أمّتي على ضلال، أفكنتُ من الأمّة أو لم أكن؟ قال: بلى، قال: وكذلك العصابة الممتنعة عليك من سلمان وعمار وأبي ذر والمقداد وابن عبادة ومن معه من الأنصار؟ قال: كلّ من الأمّة، فقال علي %: فكيف تحتجّ بحديث النبي - وأمثال هؤلاء قد تخلّفوا عنك، وليس للأمّة فيهم طعن، ولا في صحبة الرسول - ونصيحته منهم تقصير؟!»([17]).
والملاحظ أنّ السند مشتملٌ على رجال مجهولين، أو مهملين، فلا يمكن الاحتجاج به، على صحّة ما فيه، أضف إلى ذلك أنّه من المحتمل أن يكون قبول الإمام للحديث من باب الجدل والردّ على الخليفة إلزاماً له بما سلكه.
كما روى الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرّاني ـ وهو من أعلام الشيعة في القرن الرابع الهجري ـ عن أبي علي محمد بن همام (336 هـ)، المعاصر للصدوق (381هـ)، أستاذ الشيخ المفيد (336 ـ 413هـ)، قد روى في كتابه القيّم «تحف العقول» رسالة الإمام الهادي إلى الأهوازيّين في الردّ على أهل الجبر والتفويض، وجاء فيها ما نصّه:
bوقد اجتمعت الأمّة قاطبة لا اختلاف بينهم على أنّ القرآن حقّ لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق، وفي حال اجتماعهم، مقرّون بتصديق الكتاب وتحقيقه، مُصيبون، مُهتدون، وذلك بقول رسول الله: «لا تجتمع أمّتي على ضلالة»، فأخبر أنّ جميع ما اجتمع عليه الأمّة كلّها حقّ، هذا إذا لم يخالف بعضها بعضاًv([18]).
والرسالة مرسلة لم نجد لها سنداً، ونقلها الشيخ الطبرسي في «الاحتجاج»([19]) بلا إسناد أيضاً، كما رواها المجلسي في «بحار الأنوار» مرسلةً([20]).
هذا مجموع ما ورد في كتب الحديث للشيعة، وأمّا غير الكتب الحديثية فقد جاء في غير واحد من المصادر الأصولية؛ فالشيخ الطوسي (385 ـ 460هـ)، نقل الحديث عند البحث عن حجيّة الإجماع في نظر أهل السنّة، فقال: واستدلّوا أيضاً على صحّة الإجماع بما روي عن النبي - أنّه قال: «لا تجتمع أمّتي على خطأ»، وبلفظ آخر: «لم يكن الله ليجمع أمّتي على الخطأ»، وبقوله: «كونوا مع الجماعة»، وبقوله: «يد الله على الجماعة»، وما أشبه ذلك من الألفاظ.
ثمّ أجاب عن الاستدلال بهذه الأحاديث فقال: وهذه الأخبار لا يصحّ التعلّق بها؛ لأنّها كلّها أخبار آحاد لا توجب علماً، وهذه مسألة طرقها العلم، وليس لهم أن يقولوا: إنّ الأمّة قد تلقّتها بالقبول وعملت بها؛ لأنّا ـ أوّلاً ـ لا نسلّم أنّ الأمّة كلّها تلقّتها بالقبول، ولو سلّمنا ذلك لم يكن أيضاً فيها حجّة؛ لأنّ كلامنا في صحّة الإجماع الذي لا يثبت إلاّ بعد ثبوت الخبر، والخبر لا يصحّ حتّى يثبت أنّهم لا يجمعون على خطأ.
إلى أن قال: ولو سلّم جميع ذلك، لجاز أن يُحمل على طائفة من الأمّة، وهم الأئمّة من آل محمّد -؛ لأنّ لفظ الأمّة لا يفيد الاستغراق على ما مضى القول فيه، وذلك أولى من حيث دلّت الدلالة على عصمتهم من القبائح.
وإن قالوا: يجب حمله على جميع الأمّة؛ لفقد الدلالة على أنّ المراد بعض الأمّة، كان لغيرهم أن يقول: أنا أحمل الخبر على جميع الأمّة من لدن النبيّ إلى أن تقوم الساعة؛ حيث إنّ لفظ الأمّة يشملهم ويتناولهم، فمن أين كان إجماع كلّ عصر حجّة؟
وأمّا ما في الخبر الثاني من قوله: «لم يكن الله ليجمع أمّتي على خطأ»، فصحيح ولا يجيء من ذلك أنّهم لا يجتمعون على خطأ، وليس لهم أن يقولوا: إن هذا لا اختصاص فيه لأمّتنا بذلك دون سائر الأمم؛ لأنّ الله تعالى لا يجمع سائر الأمم على الخطأ؛ وذلك أنّه ـ وإن كان الأمر على ما قالوه ـ فلا يمتنع أن يخصّ هؤلاء بالذكر، ومن عداهم يُعلم أنّ حالهم كحالهم بدليل آخر، ولذلك نظائر كثيرة في القرآن والأخبار، على أنّ هذا هو القول بدليل الخطاب الذي لا يعتمده أكثر من خالفنا([21]).
وقد عدّ العلاّمة الحلّي في فصل خصائص النبي من كتاب النكاح، أنّ من خصائصه أنّ أمّته لا تجتمع على الضلالة([22])، ونقل المحقّق التستري أنّ العلاّمة نقل الحديث في كتابيه: «الألفين» و«المنتهى».
أقول: أمّا كتاب الألفين، فقد ذكر أنّ من فوائد الإمام عصمة الأمّة، قال ما نصّه: امتناع الخطأ والإمامة([23]) مع تمكّن الإمام من المكلّف.. إلى آخر ما ذكره([24])؛ فهو يعدّ الأمّة معصومةً لأجل وجود الإمام من دون إشارة إلى الحديث.
وأمّا «المنتهى» فلم نعثر فيه على الحديث.
وقال المحقّق التستري: وأقوى ما ينبغي أن يُعتمد عليه من نقل الحديث: «لا تجتمع أمّتي على الخطأ»، وما في معناه؛ لاشتهاره وقوّة دلالته، وتعويل معظمهم ـ ولا سيّما أوائلهم ـ عليه، وتلقيهم له بالقبول لفظاً ومعنى، وادّعاء جماعةٍ منهم تواتره معنى.. إلى أن قال: حكى بعض المحدّثين عن التحف مرسلاً عنه % أنّه قال أيضاً: «إنّ الله قد احتجّ على العباد بأمور ثلاثة: الكتاب، والسنة، وما أجمع عليه المسلمون».
وقد روي في هذا الباب أخبار أخر من طرقنا تقتضي حجيّة الإجماع الواقع على الحكم بنفسه، ووجوب العمل بخبر أجمع على العمل به، أو على روايته مع قبوله، كما تقتضي إمكان وقوع الإجماع والعلم به، وهي أخبار شتّى.. إلى أن قال: مؤيدة بما ورد في المنع من فراق الجماعة وغيره، ولتطلب جميعاً من كتاب المناهج، وفّق الله سبحانه لإتمامه([25]).
هذا ما وقفنا عليه في كتب أصحابنا الإماميّة إلى أواخر القرن الثالث عشر من مصادر هذا الحديث مسنداً ومرسلاً.
وقد ذكر هذا الحديث في كتب علم الأصول الاستدلالية عند المتأخرين، ولا داعي للإطالة بالنقل عنها([26]).
 
نقد البُعد الدلالي في نصوص حجية الإجماع:
ويمكن بيان مدلول الحديث، بالتأكّد ممّا يلي:
1ـ إنّ الرواية من أخبار الآحاد، لم تنقل بسندٍ صحيح في كتب الفريقين، وقد عرفت وجه الضعف في كلّ سند عند نقله من كتب الصحاح والمسانيد.
2ـ إنّ المنقول مسنداً هو بلفظ «ضلالة» لا لفظ «على غير هدى»، كما في مسند أحمد، ولا لفظ «خطأ»، الذي جاء في المصادر الأخرى، غير الحديثيّة.
3ـ إنّ الحديث ـ على فرض ثبوته ـ يرجع إلى المسائل العقائديّة التي عليها مدار الهداية والضلالة، أو ما يرجع إلى صلاح الأمّة من وحدة الكلمة والاجتناب عن التشتّت فيما يمسّ وحدة المسلمين، وأمّا المسائل الفقهية فلا يوصف المصيب والمخطئ فيها بالهداية والضلالة، كما لا يكون مصير الشاذّ فيها مصير النار أو نصيب الشيطان؛ ويتأكّد ذلك بعدم ورود كلمة «خطأ» في النصوص المسندة إطلاقاً، بل جاء ذلك في بعض المراسيل.
وعلى ذلك، فالاستدلال به على حجيّة الإجماع في المسائل الفقهية غير تامّ.
4ـ لو سلّمنا دلالة الحديث ـ كما فُرضت ـ فالمصون من الضلالة إنّما هو الأمّة بما هي، لا خصوص الفقهاء فقط، ولا أهل العلم، ولا أهل الحديث؛ وعلى ذلك ينحصر مفاد الحديث بما اتّفقت عليه الأمّة جميعها بأطيافها.
5ـ إنّ مصونيّة الأمّة كما يمكن أن يكون لعصمتها كما قيل، كذا يمكن أن يكون لوجود معصومٍ فيهم؛ لما ثبت في محلّه من أنّ الزمان لا يخلو من إمامٍ معصوم، والرواية ساكتةٌ عن سبب العصمة من الضلالة؛ فلا يمكن أن يستدلّ بها على أنّ الأمّة ـ مع قطع النظر عن المعصوم ـ مصونةٌ عن الخطأ؛ لاحتمال أن تكون عصمة الأمّة بعصمة الإمام لا مطلقاً.
قال أمير المؤمنين %: «اللهمّ بلى، لا تخلو الأرض من قائمٍ لله بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته»([27]).
وروى العيّاشي بإسناده إلى إسماعيل بن جابر عن أبي عبدالله الصادق %، قال: «قال رسول الله -: يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين، وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين، كما ينفي الكير([28]) خبث الحديد»([29]).
 
*     *     *
الهوامش

 

 
المصدر: الاجتهاد والتجديد، العدد الاول.




([1]) ابن ماجة، السنن 2: 1303، الحديث: 3950.
([2]) الذهبي، ميزان الاعتدال 4: 521، رقم: 10156.
([3]) نهج البلاغة، طبعة محمّد عبده، الخطبة رقم: 123، وفي طبعة صبحي الصالح، رقم: 127.
([4]) الترمذي، السنن 4: 466، رقم: 2167، كتاب الفتن.
([5]) سنن أبي داود 4: 98، رقم: 4253.
([6]) ميزان الاعتدال 3: 676، رقم: 8030.
([7]) المصدر نفسه 2: 331، رقم: 3960.
([8]) مسند أحمد بن حنبل 5: 145.
([9]) ميزان الاعتدال 4: 594، رقم: 10821.
([10]) المصدر نفسه 1: 299، رقم: 1133.
([11]) المستدرك 1: 115.
([12]) ميزان الاعتدال 3: 143، رقم: 8648.
([13]) الغزالي، المنخول: 305 ـ 306، طبع دار الفكر.
([14]) الغزالي، المستصفى 1: 111.
([15]) السبكي، رفع الحاجب عن ابن الحاجب، الورقة: 176، ب من المخطوط في الأزهر.
([16]) هو أحمد بن عبدالله بن ميمون التغلبي، قال ابن حجر: ثقة زاهد.
([17]) الصدوق، الخصال 2: 548 ـ 549، أبواب الأربعين، الحديث: 30.
([18]) ابن شعبة، تحف العقول: 458، باب ما روي عن الإمام الهادي %.
([19]) الاحتجاج 2: 478، رقم: 328.
([20]) المجلسي، بحار الأنوار 4: 15.
([21]) الطوسي، العدّة 2: 625 ـ 626، نقلناه بتلخيص.
([22]) العلامة الحلّي، تذكرة الفقهاء 2: 568 هـ / 17.
([23]) كذا في النسخة المطبوعة في مؤسّسة دار الهجرة، ولعلّ الصحيح: على الأمّة.
([24]) الألفين: 211.
([25]) التستري، كشف القناع: 6 ـ 7، طبع عام 1316هـ.
([26]) ونذكّر بأنّ الحاكم النيسابوري (405هـ) جمع أحاديث باب «لا يجمع الله أمّتي على الضلالة»، ذكر ذلك في معرفة علوم الحديث: 251، قال: «الأبواب التي جمعتها وذاكرت جماعةً من أئمّة الحديث ببعضها».
([27]) نهج البلاغة، قسم الحكم، رقم: 147.
([28]) الكير: جلد غليظ ذو حافات نفخ فيه الحداد.
([29]) الكشي، الرجال: 10، رقم: 5، فصل فضل الزيارة والحديث.
 

مظــاهر الإبــداع الأصــولـي في فكر الإمام الخوئي

11 أغسطس 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

تمهيد:
مدرسة النجف الأشرف في طليعة المدارس التي ازدهرت فيها الحركة العلمية واشتهرت بعلمائها ونشاطاتهم الفكرية، وهي مدينة العبقريات والتاريخ؛ إذ تخرّج من لدن زمان شيخ الطائفة الطوسي إلى عصرنا الحاضر آلاف العلماء الأفذاذ وزعماء الفقه الإسلامي وأئمة الأصول والحديث والتفسير، وفي مقدّمتهم المرجع الديني الأعلى للعالم الإسلامي وزعيم الطائفة سيدنا الأستاذ الأعظم سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (1992م).
فقد كان بحقّ رجل العلم والتاريخ والفكر، وتمثالاً للعدالة والاستقامة بلا منازع، وكانت فيه قدسيّة كبيرة ونفسية سامية مزوّدة بملكات فاضلة وصفات حميدة وطاقات ذاتية قلّ نظيرها، وكان مخلصاً في عمله مجدّاً مثابراً، لا تحرّكه العواصف ولا العواطف يمنةً ويسرة، ولا تزعزعه المشاكل والصعاب مهما كان لونها، ومن صفاء روحه وورعه وتقواه عدم إشغال باله إلاّ بمحاسبة نفسه أمام الله تعالى، وعدم اهتمامه بما قيل أو يُقال في حقّه؛ فقد رافقتُه قرابة خمسة وثلاثين عاماً، فما رأيته ولا سمعته قطّ تجرّأ على أحد، أو انتقص من آخر، وليس هذا إلاّ دليلاً على سموّ النفس ورفعة التقوى.
أمّا ما يتعلق بأفكاره وآرائه، فقد جمع عمق الفكرة إلى سلامة الذوق ودقّة النظر، جمالَ البيان والتعبير، وكانت لديه موهبة رائعة ومقدرة علمية عالية، ففي عهده تجلّت الحركة العلمية النابضة بالأفكار والآراء وهو قُطب رحاها، فكان بعيد الغور، عميق الأثر، يعرف كيف يتصرّف في المسائل العويصة والقواعد المعقّدة ـ نظرياً وتطبيقياً ـ من مختلف الجهات، وكانت مهارته العلمية ونبوغه الفكريّ باديان من خلال عرض المسائل الصعبة الغامضة عليه وكيفية تلقّيه لها، وسرعة انتقاله إلى نكاتها ورموزها ودقائقها، واستيعابه لمختلف نواحيها، ومن ثم الاتيان بحلّ دقيق وجوابٍ متقن رصين، وذلك بأسلوبٍ جذاب بليغ، وعرض شائق رفيع، وذوق أدبي سليم، حيث كان مسيطراً على المسائل مهما كان نوعها ودرجتها من التعقيد، فكان العلم ينحدر من منبره ويفور من معدنه فوران الماء من منبعه والطيب من مسكه.
وكانت له اليد الطولى في الجدل والنقاش، فقد أبدى مقدرةً عالية ومهارة فنية فائقة بجودة إدراكه ودقّة استيعابه المسائل من جوانبها كافّة، المثبتة والنافية، وكيفية اقتحامها وردّها على الخصم والخروج عنها، فلذا كلّما ردّت عليه المسألة ردّها بأسلوب آخر، وهذا لا يكشف إلاّ عن ذهنيته النقّادة وقدرته العلمية، وأنه مجهّز بطاقات غزيرة من العلم والذكاء الحادّ.
من هنا، ينبغي أن يُقال في حقّه: إن مقام ثبوته أقوى وأرقى من مقام إثباته، رغم أن علوّ مقام إثباته قد أصبح جليّاً وظاهراً كظهور الشمس في رابعة النهار، وخير دليل على ما أقوله مواظبة العلماء والفضلاء على دروسه ومحاضراته في الحوزة العلمية الكبرى في النجف الأشرف، واشتياقهم لحضور أبحاثه وهضم أفكاره، فقد تخرّج على يديه جمهرة كبيرة من أعلام الفضل وفطاحل العلم وقادة الفكر ورموز الإبداع الذين بيدهم اليوم زمام الدراسات العليا في الفقه والأصول في الحوزات العلمية في أرجاء العالم الإسلامي، حيث تدور أبحاثهم حول أفكاره القيّمة وآرائه الدقيقة، ونظرياته العميقة، أصوليّاً وفقهياً، نظرياً وتطبيقياً، دورانَ الأرض حول نفسها، فحسبه فخراً هذا الثمر العظيم والنتاج الجبّار.
زيادةً على ذلك، لا يمكن لمثله أن يقف عند هذا الحدّ، بل سار إلى الأمام بخطواتٍ حثيثة، ودخل ميدان الإبداع مفجّراً ينابيعه، فأبدع أفكاراً متألّقة ونظريات حديثة في الأبحاث الأصولية والفقهية.
وأقدّم هنا ـ على سبيل المثال ـ مجموعةً من إبداعاته وبلورة أفكاره في هذين المجالين، كمّاً وكيفاً.
نماذج من إبدعات المحقّق الخوئي:
نظرية التعهّد ومسألة الوضع اللغوي
حيث كانت مسألة الوضع من أهم المسائل الاجتماعية في كلّ مجتمع عقلائي منذ نشوء الإنسان على وجه الكرة الأرضية، على أساس أن الإنسان منذ بداية نشوئه كان بحاجة إلى استخدام ظاهرة اللغة في حياته وسيلةً للتفاهم مع الآخرين وإبراز مقاصده ونقلها إليهم، وبما أن حياة الإنسان قد تطوّرت وتكاملت وتعمّقت عصراً بعد عصر وتوسّعت قرناً بعد آخر من مختلف جهاتها، فبطبيعة الحال يتطلب الأمر تطور ظاهرة اللغة وتكاملها وتوسعها بما يناسب ذلك؛ لأنهما مترابطان بترابطٍ متبادل.
ولمّا رأى السيد الخوئي أن الوضع في ضوء تفسير المشهور لا ينسجم مع مكانة هذه المسألة وأهميّتها لدى العقلاء أبدى نظريةً جديدة متكاملة كمّاً وكيفاً، وهي نظرية التعهّد على أساس أنّها بنفسها نظرية عقلائية تتناسب مع مكانة هذه المسألة، وتتميّز عن غيرها بما يلي:
أولاً: إنها عبارة عن التلازم بين اللفظ الخاص والمعنى المخصوص المحقّق للدلالة بقضية شرطيّة يتعهّد بها العقلاء في كلّ مجتمع على طول التاريخ، وطرفاها: النطق باللفظ، وقصد إفهام المعنى؛ وعلى أساسه ينفي المحقق الخوئي وجودَ أيّ داعٍ آخر للنطق باللفظ سوى قصد الإفهام.
ثانياً: ان الدلالة الناتجة عن الوضع على أساس هذه النظرية دلالةٌ تصديقية عقلائية، لا تصوّرية محضة؛ لأن اللفظ يكشف ـ بعد التعهّد المذكور ـ كشفاً تصديقياً عن قصد المتكلم لإفهام المعنى، وأمّا الدلالة التصوّرية بين اللفظ والمعنى فهي لا تستند إلى الوضع بالمعنى المذكور، بل هي نتيجٌ للأنس الذهني بينهما.
ثالثاً: إنّ كلّ مستعملٍ يصبح واضعاً حقيقةً في ضوء هذه النظرية؛ لأنّ الوضع عبارة عن التعهّد، والفرض تعهّد كلّ مستعملٍ بأن لا ينطق باللفظ إلاّ عند إرادة إفهام معنى خاص قائم بنفسه.
نظرية الإبراز ومسألة الإنشاء
حيث كان التفسير المشهور للإنشاء عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ، رآه السيد الخوئي ناقصاً غير تام؛ فأبدى نظريةً جديدة تناسب مكانة المسألة وأهميّتها لدى العقلاء وآثارها الاجتماعية أيضاً، وهي نظرية الإبراز، أي أن الإنشاء عبارة عن إبراز الأمر الاعتباري النفساني بمُبرزٍ ما في الخارج من قولٍ أو فعل، وتتميّز هذه النظرية عن نظرية الإيجاد بأن الأولى مدلولٌ تصديقيّ للفظ، والثانية مدلول تصوّري، وتترتّب على هذه النظرية آثار مهمة:
الأثر الأول: إن مدلول الأوامر والنواهي على أساس هذه النظرية عبارة عن إبراز الأمر الاعتباري النفساني، دون الوجوب والحرمة، فإن الحاكم بهما في مواردهما هو العقل بملاك صدورهما من المولى بعنوان المولويّة، إذا لم تكن قرينة على الترخيص.
الأثر الثاني: إمكان الالتزام بالشرط المتأخّر على أساس أنّ الحكم الشرعي في ضوء هذه النظرية أمر اعتباري لا واقع موضوعيّ له، ما عدا اعتبار من بيده الاعتبار، وعليه فلا مانع من اعتباره مشروطاً بشرطٍ متأخر، كما يعتبره مشروطاً بشرطٍ مقارن.
الأثر الثالث: عدم المضادّة بين الأحكام الشرعية بأنفسها وذواتها؛ لأنها أمور اعتباريّة لا واقع لها حتى تتصوّر المضادّة بينها، فتنحصر المضادّة بين ملاكاتها في مرحلة الملاك، وبينها في مرحلة الامتثال، أمّا في مرحلة الجعل فلا.
الأثر الرابع: تقتضي هذه النظرية عدم اعتبار كون المبرِز لفظاً أو صيغةً خاصة، فإن كان ذلك فهو بحاجة إلى دليل، وإلاّ فمقتضى القاعدة كفاية كون المبرِز إشارةً أو فعلاً، بينما مقتضى نظرية المشهور اعتبار اللفظ، وأمّا كفاية غير اللفظ فهي بحاجة إلى دليل، فإن قام دليل على الكفاية كالسيرة أو نحوها فهو، وإلاّ فيكفي.
نظرية التحصيص ومسألة وضع الحروف
بعد انتقاده سائر النظريات في هذه المسألة، الواحدة تلو الأخرى، انتقاداً موضوعياً، أبدع الإمام الخوئي نظريّة التحصيص فيها، وتعني أنّ الحروف موضوعةٌ للدلالة على إرادة تفهيم تحصيص المفاهيم الإسمية وتضييقها، وتتميّز هذه النظرية عن تلك النظريات في أنّ مدلول الحروف في ضوئها يكون تصديقياً لا تصوّرياً فحسب، وأمّا في ضوء سائر النظريات فهو تصوّري لا تصديقي، ولذلك تعتبر هذه النظرية من حلقات نظرية التعهّد، وترتبط بها ارتباطاً وثيقاً.
نظرية عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية مطلقاً
رفض الإمام الخوئي جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية حتى لو كانت جزئيةً، على خلاف نظريّة المشهور، التي ترى جريانه فيها مطلقاً، وقد قام بإبداع هذه النظرية عبر التفاتةٍ كريمة منه إلى مسألةٍ دقيقة تبرّرها، وهي أن الاستصحاب في الشبهات الحكمية معارضٌ باستصحاب عدم سعة الجعل، فيسقط من جهة المعارضة.
من هنا، غيّرت هذه النظرية مجرى تاريخ الاستصحاب في الشبهات الحكمية، وتركت لذلك تأثيرات كبيرة على أبواب الفقه كافّة.
نظرية التعارض ومسألة الواجبات الضمنيّة
عمد مشهور الأصوليين هنا إلى تطبيق قواعد باب المزاحمة، وذلك فيما إذا لم يتمكّن المكلّف من الجمع بين اثنين منها، لكن السيد الخوئي انتقد هذه النظرية مبدياً نظريةً أخرى، وهي نظرية التعارض فيما إذا لم يتمكّن المكلّف من الجمع بين الواجبين الضمنيّين، على أساس أن الأمر الأوّل قد سقط جزماً بسقوط متعلّقه، وعليه فإذا قام دليلٌ على جعل أمر آخر كما في باب الصلاة، فإن عيّن متعلقه فهو، وإلاّ فمردّد بين الفاقد لهذا الجزء أو ذاك، وعليه تقع المعارضة بين إطلاق دليلي الجزءين.
زيادة في أقسام الاستصحاب
أبدع الإمام الخوئي قسماً رابعاً من أقسام استصحاب الكلّي في مقابل المشهور؛ حيث حصروا أقسامه في ثلاثة، ولهذا الأمر آثار عملية في أبواب الفقه.
نقد نظرية الشهرة الفتوائية على مستوى الجبر والوهن
المعروف بين الأصوليين أنّ الشهرة الفتوائية إذا قامت على خلاف رواية معتبرة، وكانت الرواية في متناول أيديهم، فإنّها تكشف عن عدم حجيّتها وخروجها عن دليل الاعتبار، وإن كانت مستندةً إلى رواية ضعيفة فيها، فإنّها تكشف عن حجيّتها وصدورها عن المعصوم %، وقد جرى عملهم على أساس هذه النظرية في ممارساتهم الاستنباطية والتطبيقيّة في المسائل الفقهية على طول التاريخ.
أمّا الأستاذ الخوئي، فطرح ـ انطلاقاً من نبوغه الفكري ـ نظريةً جديدة أكثر شموليّةً ودقّةً وعمقاً، وذلك في ضوء نقطتين: إحداهما بمثابة منع الصغرى، والأخرى بمثابة منع الكبرى.
أمّا الأولى، فلأنّ الشهرة الفتوائية في المسألة التي تصلح أن تكون جابرةً فيها تارةً لنقاط ضعف الرواية، وكاسرةً تارة أخرى لنقاط قوّتها، هي الشهرة الفتوائية عند الفقهاء المتقدّمين المقاربين ـ عصراً ـ لزمان أصحاب الأئمة ( وحملة الأحاديث، لا الفقهاء المتأخّرين؛ حيث لا قيمة للشهرة بينهم، إلاّ أنّه لا طريق لنا قطّ إلى إحراز إعراض
المتقدّمين عن رواية في مسألةٍ ما، على الرغم من صحّتها، واستنادهم إلى رواية فيها على الرغم من ضعفها؛ لأن الطريق إلى ذلك منحصرٌ بالرجوع إلى كتبهم، بأن يكون لكلّ واحدٍ منهم كتاب استدلالي في الفقه ويكون واصلاً إلينا يداً بيد، والمفروض عدم
وجود كتاب منهم كذلك عندنا، أو أنه كان ولكنه لم يصل إلينا؛ فإذاً لا أصل لهذه النظرية.
وأمّا الثانية، فلأنّ الشهرة الفتوائية ليست حجّةً بنفسها، وعليه فأقصى ما تفيده التأثير بالكشف ـ ظنّاً ـ عن صدور الرواية إذا كانت مستندةً إليها، وعن عدم صدورها إذا كانت مخالفةً لها، لكنه من الواضح عدم إناطة حجيّة الأخبار بالظنّ بالصدور، بل هي منوطة بالوثوق النوعي، ولا ينافيه الظنّ الشخصي بعدم الصدور، ولذلك تختلف هذه النظرية عن نظرية المشهور اختلافاً جوهرياً، وتترتب عليها آثار مهمة في عملية التطبيق والاستنباط في أبواب الفقه المختلفة.
نظرية انفصال الإطلاق عن الدلالة اللفظية
ذهب الإمام الخوئي إلى نظرية خاصّة في مسألة الإطلاق، فاعتقد أنّ الإطلاق غير داخل في مدلول اللفظ؛ بل الحاكم به إنما هو العقل ببركة مقدّمات الحكمة، فيكون في نهاية المطاف مدلولاً لتلك المقدّمات، فلا يكون لفظاً وكلاماً حتى يكون كتاباً أو سنّة، بل هو دلالة ناشئة عن السكوت في مقام البيان.
وتترتّب على هذه النظرية نتائج:
النتيجة الأولى: إن الرواية المخالفة لإطلاق الكتاب لا تكون مشمولةً لما دلّ من النصوص على أنّ المخالف للكتاب زخرف أو باطل، حيث لا ينطبق عليها عنوان المخالف له، على أساس أن الإطلاق ليس مدلولاً للفظ لكي يكون المخالف له مخالفاً للكتاب، بل هو مخالفٌ لحكم العقل.
النتيجة الثانية: إن الروايتين المتعارضتين إذا كانت إحداهما موافقةً لإطلاق الكتاب والأخرى مخالفة له، لا تكونان مشمولتين لما دلّ على ترجيح الموافق للكتاب على المخالف له، على أساس أن إطلاق الكتاب ليس من الكتاب، فلا يكون الموافق له موافقاً للكتاب لكي يكون مشمولاً له.
النتيجة الثالثة: إن التعارض بين الروايتين إذا كان بالإطلاق فلا مجال للرجوع إلى مرجّحات باب المعارضة، بل لا موضوع لذلك؛ فإنّ ما دلّ من النصوص على الترجيح بها إنما هو في مورد تكون المعارضة فيه بين مدلوليهما لفظاً، وأمّا إذا لم تكن معارضةٌ بينهما، بل كانت بين إطلاقيهما، فلا تصدق المعارضة بين الروايتين، لكي تكون مشمولةً لتلك النصوص، ولهذا يسقط كلا الإطلاقين معاً من جهة المعارضة في المسألة، فالمرجع هو العامّ الفوقاني إن كان، وإلاّ فالأصل العملي.
مسألة الاستصحاب
بنى الأصوليون على أن الاستصحاب إذا كانت حجيّته على أساس الروايات، فيكون أصلاً عمليّاً، أمّا السيد الأستاذ الخوئي فأكّد ـ في وجهة نظر خاصّة ـ على أنّ الاستصحاب أمارة على الرغم من أن حجيته كانت على أساس الروايات، وليس أصلاً عمليّاً، غاية الأمر أن أماريّته تقع في طول سائر الأمارات لا في عرضها، ومن هنا تتقدم عليه الأمارات كافّة.
وقد ذهب الإمام الخوئي إلى هذا الرأي على أساس أنّ مفاد أدلّة حجية الاستصحاب هو التعبّد ببقاء اليقين السابق في ظرف الشك، لا التعبّد بالعمل بالشك في ظرفه، وفرق بين التعبيرين؛ حيث الأوّل تعبير عرفي عن موقع الاستصحاب كأمارة، فيما الثاني تعبير عرفي عن موقعه كأصل عملي، وأمّا كونه من أضعف الأمارات فهو بملاك أنّ التعبّد ببقاء اليقين السابق في ظرف الشك تعبّد عملي لا حكائي.
نظرية مثبتات الأمارات والأصول
المعروف بين الأصوليين أن مثبتات الأمارات حجّة دون مثبتات الأصول، بلا فرق في ذلك بين أنواع الأمارات.
أمّا الإمام الخوئي، فقدّم تحليلاً رأى فيه أنّ الموضوع لا يقع اعتباطاً بل يقوم على أساس، وهو أنّ الأمارات حيث تنظر إلى الواقع وتحكي عنه، نرى أنّها كما تحكي عن مدلولاتها المطابقية تحكي أيضاً عن مدلولاتها الالتزامية بالواسطة على أساس الملازمة بينهما ثبوتاً واثباتاً، على خلاف الحال في الأصول العملية، حيث لا تنظر إلى الواقع، ولهذا لا تثبت إلاّ مدلولاتها المطابقية في مقام الظاهر دون لوازمها.
وعلى أساس ذلك يظهر أنّ حجية مثبتات الأمارات ليست من لوازم أماريتّها، بل من لوازم حكايتها عن الواقع، وعليه فلابدّ من التفريق بين أنواع الأمارات أيضاً، فما يكون لسانه لسان الحكاية عن الواقع والنظر إليه، تكون مثبتاته حجّةً، أمّا ما لا يكون كذلك فلا تغدو مداليله الالتزامية حجة، كالاستصحاب، وقاعدتي الفراغ والتجاوز، وأصالة الصحّة ونحو ذلك، فتكون حال هذه الامارات حال الأصول العمليّة، بلا فرق بينهما من هذه الناحية، وعليه لا تتميّز الأمارات عن الأصول بذلك.
نظريّة المعيار في تمييز المسألة الأصولية
رأى الإمام الخوئي أنّ انتماء مسألةٍ ما إلى أصول الفقه رهينٌ بوجود الخلاف وإبداء النظر والرأي فيها؛ فإذا كانت المسألة مسلّمةً واضحة لدى الكلّ درجةً لم يعد فيه مجال لإبداء نظر أو رأي فيها، لم تكن أصولية؛ لأنّ علم الأصول وضع لتحديد النظريات العامة، من هنا كان الأصول نظرياً والفقه تطبيقياً، فتكون نسبته إليه كنسبة المنطق العام إلى سائر العلوم.
وعلى أساس ذلك، ذكر الأستاذ الخوئي أن مبحث حجية الظواهر ليس من المسائل الأصولية، وكذلك أصالة الطهارة في الشبهات الحكمية؛ ذلك أنّ المسألتين من المسائل المسلّمة الواضحة عند الجميع، بدرجةٍ لا مجال معها لإبداء النظر وإعمال الرأي، ولهذا لم ينطبق عليهما ضابط المسألة الأصوليّة ومعيارها.
نظريّة السلب الجزئي في مفهوم الوصف
بنى الإمام الخوئي على دلالة القيد في القضية على المفهوم، لكن لا بمعنى دلالته على انتفاء سنخ الحكم بانتفائه، بل بمعنى أنه يدلّ على أنّ موضوع الحكم في القضية ليس هو الطبيعي على نحو الإطلاق، بل حصّة خاصّة منه، على أساس أنّه لو لم يدلّ على ذلك لكان لغواً محضاً، فيكون وسطاً بين القول بمفهوم القيد والقول بعدمه، وتترتب على ذلك آثار في المسائل الفقهية.

المصدر: مجلة الاجتهاد والتجديد، العدد الاول.


هل أدى الجدل الإسلامي – المسيحي مبتغاه؟ قراءة في أطروحة عبد المجيد الشرفي

7 أغسطس 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

كان من الطبيعي أن ينشأ- مع  ظهور الإسلام بوصفه رسالة خاتم الأنبياء محمد (ص) ودعوته الناس كافة، ولا سيما أهل الديانات السماوية السالفة، إلى اعتناقه- جدل عقائدي بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى، ومن ضمنهم المسيحيون.
ومن أجل فهم نشأة الجدل مع المسيحيين وتطوره، قام الدكتور عبد المجيد الشرفي بإعداد أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه حول هذا الموضوع. وقد أدت به عملية البحث والدراسة إلى الرجوع إلى كتب الجدل الديني حيث وجد مئات العناوين في مختلف اللغات من المؤلفات الجدلية. لكن الباحث قد اكتشف أن "الردود المسيحية على المسلمين قد جمعت ودرست ونشرت الجزء الأوفى منها، بينما لم تحظَ الردود الإسلامية على النصارى بنفس العناية فلم تشملها أية دراسة ولم ينشر العديد منها مما لا يزال مخطوطاً في أماكن متفرقة، علاوة على الردود التي ضاعت ولا نعرف سوى عناوينها".
وقد توصل الباحث خلال مقارنته لكتب الرد على النصارى إلى نتيجتين لم يتوقعهما في البداية: الأولى هي أن الجدل الإسلامي – المسيحي قد اكتملت معالمه في نهاية القرن الرابع الهجري /العاشر ميلادي، و"أن الردود المؤلفة في القرون اللاحقة إنما كانت تردد ما كتب في القرون الأربعة الأولى وخاصة في القرنين الثالث والرابع"، من دون أية إضافات مهمة في "التحليل والإستشهاد بالنصوص أو التعمق في اتجاهات  سلكها الأقدمون".
أما النتيجة الثانية فهي أن الحروب الصليبية، كانت عديمة التأثير او تكاد في محتوى كتب الجدل الديني من الجانب الإسلامي، وإن كانت سبباً مباشراً في تعدّدها.
يتألف الكتاب من توطئة ومقدمة وأربعة فصول وخاتمة وفهرس للمصطلحات وآخر للأعلام.
يذهب الكاتب في مقدمته إلى أن الجدل الإسلامي – المسيحي خلال القرون الأربعة الأولى لم يكن "عملاً ذهنياً مجانياً البتة، بل كان سلاحاً نضالياً لبلوغ أغراض دينية ودنيوية معاً. (إذ) كان يستجيب لضرورات الدفاع عن النفس ودعم تماسك البنية الإجتماعية القائمة، ويستجيب في الآن نفسه لمقتضيات الحرب النفسية وما تتطلبه من زرع بذور الشك عند الطرف المقابل على أمل حمله على اختيار ما يعتقد أنه الحل الصحيح والإلتحاق بصف المدافعين عن الحق والخير". كما كان "معبّراً بصفة ضمنية عن قيمة الدين المطعون فيه وقدرته على الإغراء وما يمثّله من تحدٍ في نظر الواعين بأهميته".
الباب الأول من الكتاب خصص لدراسة العقائد المسيحية من خلال العودة إلى جذورها التاريخية وإلى الظروف التي نشأت فيها تلك العقائد ودوافعها البعيدة والمباشرة وأبعادها الدينية والدنيوية على السواء. ثم يعرض الكاتب نتائج الدراسة لكي يسمح للقارئ بالمقارنة بين ما نعرفه اليوم عن العقائد المسيحية وما أثبته عنها أصحاب الردود على النصارى إلى نهاية القرن الرابع.
وبعد عرضه الشامل والطويل (85 صفحة) لنشأة العقائد المسيحية وتطوّرها، ينتقل المؤلف في الباب الثاني من الكتاب، إلى ردود المسلمين على النصارى وظروفها. فيتناول في الفصل الأول، نصوص هذه الردود.
أولاً: النصوص التي وصلتنا (مرتبة ترتيباً تاريخياً)
1-  القرآن الكريم
غني عن القول إن القرآن هو المصدر الأساسي لأهم المواقف التي تبنّاها المسلمون من المسيحية والمسيحيين. والآيات القرآنية المتعلقة بالمسيحية مباشرة لا تتجاوز المائتين والعشرين آية من مجموع 6236 آية قرآنية. فهو إذن غرض ثانوي لا يمثل سوى 3.5 بالمئة من النص القرآني.
ولعل أبرز ما تضمنته هذه الآيات هو دحض لعقيدة بنوة المسيح لله وتأكيدها على أنه عبد ونبي جاء بالحكمة والبينات ودعا إلى التوحيد، حيث أكدت آيات عدة على الوحدانية المطلقة لله التي لا تحتمل "أن يكون الله ثالث ثلاثة وأن يكون له ولد وأن يكون هو المسيح أو أن يكون المسيح ابنه. ونفت أن يكون عيسى دعا الناس إلى اتخاذه وأمه إلهين من دون الله وإلى عبادته، فما هو إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أوتي  الكتاب والحكمة والنبوة والبينات، وأُيّد بروح القدس، وأُوحي إليه الإنجيل مصدقاً لما بين يديه من التوراة وليحل لبني قومه بعض الذي حرّم عليهم. وكونه كلمة من الله ألقاها إلى مريم وروح منه ولد من غير أب وجاء قومه بالآيات ورفعه الله إليه لا يحمله على الإستنكاف من أن يكون عبداً لله فمثله مثل آدم خلق من تراب ودعا الناس إلى عبادة ربّه وربهم وبشّر برسولٍ من بعده اسمه احمد".
وكما نفى القرآن ألوهية عيسى وعقيدة الثالوث، فإنه نفى أيضاً أن يكون اليهود قتلوا عيسى أو صلبوه. واشتمل القرآن كذلك على آيات أخر نصّت على كيفية تعاطي المسلمين مع النصارى.
2-  الحديث والتفسير
يشك الكاتب في صحة اعتبار مصنفات الحديث التي وصلتنا نصوصاً تسجّل بأمانة أقوال النبي وأفعاله، ويتساءل إن كان يجدر اعتبارها نصوصاً معاصرة للقرآن فيكون ما يتعلق منها بالمسيحية له أهمية خاصة، أم يجدر اعتبارها نصوصاً تعكس التصوّر الذي حصل في أذهان أجيال الرواة والمصنّفين المتعاقبين لتلك الأقوال والأفعال، وهي على هذه الحالة تمتد على ثلاثة قرون على الأقل أي إلى بداية القرن الرابع/العاشر. لكنه يعتبر أن هذا السؤال يعسر الجواب عليه بصورة قطعية إذ إن من المرجّح أن عدداً كبيراً من الأحاديث صحيح ولكنه يستحيل التأكيد أن هذا الحديث بالذات أو ذاك صحيح.
ويرى المؤلف أن فهم النص القرآني قد تحدد بالظروف التاريخية التي عاشتها الأجيال الإسلامية الأولى، ونشأت سنة تفسيرية بارزة المعالم طغت على ثروة النص الكامنة ووجّهته وجهة معيّنة ليست بالضرورة هي الوجهة المثلى أو الوحيدة. وعليه فهو لا يعتبر التفاسير القرآنية نصوصاً مستقلة وإنما هي في نظره معيار لمدى تمثيل الردود للفكر الإسلامي في شأن المسيحية.
3-  النصوص الأخرى
ينتقل المؤلف إلى عرض قائمة بأبرز الردود الإسلامية على النصارى في القرون الأربعة الأولى، وهي على الشكل التالي:
1-  رسالة الهاشمي إلى الكندي يدعوه بها إلى الإسلام: يشك المؤلف في صحة نسبة هذه الرسالة إلى مسلم، هو اسماعيل الهاشمي، ويعتقد أن مؤلفها هو نصراني، نظراً لهشاشة الرسالة، بحيث وضعها ليسهل عليه نقضها. والهاشمي في نظره اسم مستعار استعمله المؤلف المسيحي قصد إضفاء صبغة واقعية على الحوار الذي وضعه، ولا يمكن بالتالي إدراج الرسالة ضمن الردود الإسلامية على النصارى.
2- " الرد على النصارى" و"الدين والدولة" وهما كتابان لعلي بن ربن الطبري (157-240هـ)، وهو نصراني اعتنق الإسلام ثم ألّف كتابين للرد على النصارى، اللذين يعتبران أو إنتاج وصلنا في الجدل الإسلامي- المسيحي من وضع نصراني- نسطوري أسلم.
3- الرد على النصارى للإمام الزيدي القاسم بن ابراهيم الرسي(170-246 هـ):  وهو مؤسس مذهب القاسمية في الفقه الزيدي، وكتابه يدل على اطلاع دقيق على آراء الفرق النصرانية المتواجدة في عصره.
4- مقالة في الرد على النصارى لأبي يوسف يعقوب بن اسحاق الكندي(185- 252 هـ): لم تصلنا من هذه المقالة التي كتبها الفيلسوف العربي الشهير إلا مقتطفات، وهي تتعلق بإبطال عقيدة التثليث المسيحية.
5- الرد على النصارى لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ(160-255هـ). يدل اهتمام علم من أعلام الثقافة العربية الإسلامية كالجاحظ بالأغراض المسيحية دلالة واضحة على أن الجدل الإسلامي – المسيحي لم يكن محل اهتمام علماء مختصين أو من درجة ثانية فحسب. وقد وصلنا رده على النصارى ناقصاً كما نقله عبيد الله بن حسان.
6- الرد على النصارى لأبي عيسى الوراق(ت 297هـ) : وهو أحد رؤساء مدرسة بغداد الإعتزالية، تعرّض في كتابه "المقالات" إلى النصرانية. أما في كتابه "أوائل الأدلة" فإنه بالتأكيد قد تعرّض إلى عقائدها كما نقل مقتطفات منها الفيلسوف النصراني اليعقوبي أبو علي عيسى بن اسحاق بن زرعة في رده عليها، وهي لا تتجاوز الصفحة الواحدة.
7- كتاب التوحيد لأبي منصور الماتريدي(ت 333هـ): وهو مؤسس مدرسة كلامية نازعت الأشعرية في الإنتساب إلى أهل السنة والجماعة و"سلكت منهجاً وسطياً بين الحرفيين والعقليين". تعرّض في كتابه "التوحيد" إلى "آراء النصارى في المسيح والرد عليها".
8- رسالة الحسن بن أيوب(ت 378 هـ) إلى أخيه علي بن أيوب: وهو من المتكلمين بالمعتزلة، وكان نصرانياً وأسلم، وأرسل رسالة إلى أخيه يدعوه بها إلى الإسلام ويبيّن له بطلان دين النصارى.
9- الإعلام بمناقب الإسلام لأبي الحسن العامري(ت 381): وهو من أعلام الفلسفة العربية المغمورين في القرن الرابع. وقد أجرى في كتابه "الإعلام بمناقب الإسلام" مقارنة بين الديانات، وبينها المقارنة بين المسيحية والإسلام.
10- كلام في مبادئ الموجودات لأبي سليمان المنطقي(ت بعد 391 هـ) ،وهي رسالة قصيرة تنسب إلى أبي سليمان، تعتبر أول محاولة إسلامية لتفهم الثالوث المسيحي انطلاقاً من المفاهيم السائدة في القرن الرابع من دون أن يقصد من ذلك الجدل والمماحكة.
11-كتاب التمهيد لأبي بكر الباقلاني: وهو من دعائم المدرسة الأشعرية في الكلام، وقد خصص الباب الثامن من كتاب "التمهيد" للكلام على النصارى، اعتمد فيه على أسلافه وخاصة منهم الوراق.
12-القاضي عبد  الجبار بن أحمد الهمذاني(ت 415هـ): وهو أحد مفكري الإعتزال في القرنين الرابع والخامس، وله كتابان تضمنا كلاماً عن عقائد النصارى هما: "المغني في أبواب التوحيد والعدل" في الجزء الخامس – باب الفرق غير الإسلامية، وكتاب "تثبيت دلائل النبوة". ويتميّز القاضي في رده على النصارى باستشهاده بالأناجيل في الكثير من الأحيان.
13- الرد على النصارى – مجهول المؤلف والعنوان: يفترض المؤلف أن هذا الرد، الذي وصلنا مبتوراً بمقدار ورقة من الأول وورقة من الآخر، هو "الرسالة العسلية" التي ذكر القاضي عبد الجبار أنها للجاحظ في الرد على النصارى، لتشابهها مع أسلوبه الأدبي.
14- نصوص لم يطلع عليها المؤلف لكنه علم بوجودها، أبرزها مناظرات الإمام علي بن موسى الرضا عند الشيعة الإثني عشرية مع علماء الأديان الأخرى ومنها النصارى، الواردة في كتاب "عيون أخبار الرضا".
ثم يقوم الكاتب بذكر النصوص التي لم تصلنا وهي لنحو 33 مؤلفاً.
"النصارى في دار الإسلام"
في الفصل الثاني، "النصارى في دار الإسلام"، يتناول المؤلف بسرعة العلاقات التي كانت قائمة بين المتجادلين أو بالأحرى بين المجموعتين الدينيتين المسيحية والمسلمة، إذ لا يمكن بحال فصل العقائد عن التاريخ، أي عن الميادين الإجتماعية والإقتصادية والسياسية وعن الوضع الديموغرافي والقانوني للجاليتين المعنيتين.
يقوم المؤلف بتتبع بداية العلاقات بين المسلمين والنصارى منذ لقاء الرسول(ص) بالراهب بحيرا إلى هجرة المسلمين إلى الحبشة، مروراً بمباهلة النبي لنصارى نجران ووصولاً إلى وضع النصارى في ظل الدولة الإسلامية، من عهد الرسول لهم إلى قانون أهل الذمة والجزية و"الشروط العمرية".
الأغراض الجدلية
أما الباب الثالث، وعنوانه "الأغراض الجدلية"، فقد خصّصه المؤلف لعرض أبرز أغراض الجدل الواردة في كتب الردود وتبويب المعلومات المتناثرة فيها، بصورة عرض موضوعي لها، مع ترك المجال قدر الإمكان لأصحاب كتب الرد أنفسهم حتى يعبّروا عن الأفكار التي دافعوا عنها.
يمهد المؤلف لهذا الباب بتحديده لثوابت العقيدة الإسلامية المشتركة عند مختلف المدارس الفكرية والتيارات المذهبية. فالعقيدة الإسلامية تقوم أساساً على الإيمان بـ:
-وجود إله واحد حي، هو الواحد الأول الحق الذي ليس كمثله شيء، له الأسماء الحسنى، يعرفه البشر عن طريق ما أوحى به إلى الأنبياء والمرسلين وآخرهم، محمد(ص).
- الوحي الإلهي لا يتطرق إليه الشك بوجه من الوجوه، وهو مشكاة النور التي تنبني عليها أسس كل علم وكل نظر.
- أن القرآن هو ذلك الوحي الذي يكمل كتب الأنبياء السابقين وينسخها، وعليه يقوم الدين الحق الذي لن ينسخ.
- أن محمداً رسول الله بعثه لإظهار الحق والطريق المستقيم وتعليم الكتاب والحكمة والأمر بالمعروف والني عن المنكر.
-   أن محمداً مؤسس الأمة الإسلامية والمرشد الروحي والزمني الأمثل، قد جمع الصحابة أقواله وأفعاله بأمانة في متون الحديث.
-أن الإسلام دين التوسط والإعتدال بين الغلو والتفريط، وهو دين الفطرة لا يستعصي عن الفهم ولا يناقض العقل ويؤدي إلى النجاة في الدنيا والآخرة.
-   أن أركان الإسلام من شهادة وصلاة وزكاة وصوم وحج وجهاد توفّر أحسن الظروف للنشاط الروحي والجسدي في ميادين الحياة الفردية والعائلية والسياسية".
يرى المؤلف أنه "نظراً للإيمان بهذه العقيدة، فإن المفكرين المسلمين الذين اشتغلوا بالمسيحية أخضعوها للمعايير الإسلامية وحكموا عليها من خلال مقاييسهم. وبرغم أن عدداً منهم التزم بعرض المعتقدات المسيحية في كثير من الأمانة والموضوعية قبل الرد عليها ومحاولة دحضها، فإن أياً (منهم) لم ينتبه إلى أن اختلاف المنطلقات والفرضيات هو أساس حوار الصم الذي ميّز المجادلات الدينية. ولذلك يكثر تعجّبهم من الإيمان المسيحي ومن أن يكون من أتباعه حكماء وعلماء- أي مثقفون بالمفهوم الحديث- بل أمم وأجناس عديدة".
ويعود استغرابهم لهذه الظاهرة إلى وثوقهم بالحقائق التالية:
1- استحالة إمكانية وجود علاقة أنطولوجية بين الله والإنسان أو بين المفارقة والمنزلة البشرية. فالإيمان بأن يكون أحد إلهاً وإنساناً في الوقت نفسه هو عين الشرك.
2-  تكافؤ الأدلة على نبوّة محمد – إن لم يكن تفوّفها – مع الأدلة على نبوة الأنبياء الذين يؤمن بهم النصارى.
3-  تفوّق القرآن على الكتب السابقة له لجمعه بين التوحيد وتصديق الرسل والحث على الصالحات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترغيب في الجنة والتزهيد في النار، مع ما له في القلوب من الجلالة والخلاوة برغم أمية من جاء به.
4- انتشار الإسلام ودخول الناس فيه أفواجاً وغلبة الدولة التي أسسها وتقدم الحضارة التي أنشأها. كل ذلك دليل على صحة هذا الدين وأحقيته بالإتباع.
وتترتب على التسليم بهذه الحقائق نتيجتان تردان باطراد في الردود الإسلامية على النصارى، لولاهما لما كان هناك داعٍ إلى الدخول في جدل مع النصارى آنذاك، على حد رأي المؤلف.
والنتيجتان هما: الأولى هي أن النصارى – من ملكية ونساطرة ويعاقبة- ليسوا على دين المسيح. فعيسى لا يمكن أن يدعو إلى ما يخالف الإسلام. وإنما حاد النصارى عن تعاليمه وأنشأوا ديناً جديداً تحت تأثير العقائد الوثنية واتباع الأهواء والمصالح الشخصية والسياسية. وهكذا فإن كل نقد يوجّه إلى هذا الدين الذي يختلف عما في الإنجيل (الحقيقي) لا يمسّ دين المسيح في شيء.
والنتيجة الثانية هي أن الكتب التأسيسية في المسيحية لا تفيد ما يعتقده النصارى. وسواء لحق التحريف بها عمداً أو سهواً أو من قبل المتجرمين والكتاب، أو قبلت على علاّتها كما هي متداولة عند المؤمنين بها، فإن العقائد المسيحية في كلتا الحالتين مبنية على فساد في تأويل هذه  الكتب، وهناك مخارج في التأويل صحيحة سيجتهد أصحاب الردود في بيان وجوهها بما يتناسب خاصة مع التوحيد الإسلامي.
التوحيد بين المسيحية والإسلام
"قل هو الله أحد، الله الصمد" – " بسم الآب والإبن والروح القدس، إله واحد".
حول هذين المفهومين للتوحيد الإلهي أجريت المجادلات العنيفة بين المسلمين والمسيحيين. وبرغم إقرار الطرفين بأن الله واحد وإنه هو الذي كلّم البشر، فما دواعي الخلاف إذاً؟
يبدأ الكاتب الإجابة عن هذا التساؤل من خلال توضيحه للتصوّر الإسلامي للعقيدة المسيحية في التثليث بعيداً عن الإعتبارات التمجيدية والدفاعية، وذلك عبر عرض وافٍ لمآخذ أصحاب الردود على هذه العقيدة ثم محاولة تقييمها.
تجدر الإشارة إلى أن المفكرين المسلمين سجّلوا بكل اهتمام وجود عدد من الفرق النصرانية "الموحّدة" أبرزها الأريوسية، ظهرت عبر التاريخ. وكانت وفيّة للتوحيد اليهودي فالمسيحي الأصلي والبدائي إلى أن طغت الفرق "المثلثة" فأصبحت هامشية، حتى جاء الإسلام فدخل أتباعها فيه.
وكان مجرد وجود نصارى آمنوا بعيسى المسيح نبياً وأنكروا أن يكون ابن الله وأحد الأقانيم الإلهية الثلاثة دليلاً بالغاً على فساد عقيدة أغلبية النصارى وانحرافها عن رسالة عيسى. لذا كانت الردود الإسلامية موجّهة إلى آراء أتباع الفرق الثلاث الكبرى (الملكية والنسطورية واليعقوبية) في التثليث.
وقد حرص عددٌ من أصحاب الردود على عرض هذا التثليث قبل محاولة دحضه. وكان العرض يتضمن العناصر الأساسية التي هي محل الطعن في الردود الإسلامية، وهي: الثالوث المسيحي، صيغته والأمثلة التي تضرب له، تعريفات الجوهر والأقانيم، علاقة الجوهر بالأقانيم.
وفي ما يتعلق بمناقشة أدلة النصارى على أن الله جوهر، يلاحظ المؤلف أن الردود الإسلامية وصفت المشكلة من الناحية الشكلية فقط ولم تناقش تعريف النصارى للجوهر من جهة المحتوى، بحيث كان سوء التفاهم قائماً بين الفريقين لأن الجوهر عند المسلمين هو "ما شغل حيزاً وقبل عرضاً"،  بينما هو عند النصارى "القائم بنفسه" و"ليس هو في الموضوع". فلقد كان المسلمون والنصارى يعتمد كلاهما على المقولات المنطقية اليونانية، لكن برغم ذلك لم يكونا يلتقيان، لأن الإستعمال في ثقافة كل منهما قد كرّس تصوّراً معيناً للمصطلحات الفلسفية، وخاصة عند اللاهوتيين والمتكلمين، كان يعسر معه الإلتقاء والتفاهم.
الأقانيم الثلاثة
أما بالنسبة إلى مناقشة القول بأن الله ثلاثة أقانيم فقد كان مجرد هذا القول مرفوضاً عند المفكرين المسلمين مهما كان التعريف الذي يعرّفه به النصارى. ولكن الطعن في وجود الأقانيم يرجع في الحقيقة إلى سببين رئيسيين:
1-  اختلاف الأقانيم من جهة واتفاقها من جهة أخرى.
2-  اختصاص كل أقنوم بصفة لا تنطبق على الأقنومين الآخرين.
وقد مثّل السبب الثاني غرضاً مهماً من أغراض الجدل في التثليث. ومن قبيل ذلك ما يقوله القاضي عبد الجبار: "وقد أُلزموا على قولهم إن جوهر الأقانيم الثلاثة واحد القول بأن الإبن يستحق كل ما يستحقه الأب من الصفات من حيث كان جوهره كجوهره. وإلا فإن صح أن يكون مخالفاً له – وإن كان جوهره كجوهره – ليجوّزن خروج الأب من أن يكون أباً والإبن من أن يكون إبناً، وإن كان إنما كان كذلك لجوهره، لأن اثبات مثل الشيء في جوهره مع مخالفته له في صفته الراجحة إلى جوهره، إذا صحَ، صحّ أيضا ًخروج الشيء عن جوهره. وهذا يوجب عليهم أن لا يأمنوا عدم الأب والإبن وخروج الأب من أن يكون قديماً".
ويخرج عبد الجبار بنتيجة منطقية من رفضهم استحقاق كل أقنوم من الصفات ما يستحقه الأقنومان الآخران، وهي انعدام الأقانيم جملةً وانتفاء القدم عن الأب.
هناك إذاً اقتناع لدى المفكرين المسلمين بأنه لا وجه لأن يختص أحد الأقانيم بالأبوة – أي بالولادة الأزلية للكلمة – وآخر بالنبوة – أي بالتولّد عن الأب- وآخر بالروحانية في نطاق النظرية الثالوثية المسيحية التي تجعل الأقانيم مشتركة في الألوهية، لأن هذا الإختصاص يفضي في نظرهم إلى نتائج فاسدة وغير منطقية ويجعل عقيدة التثليث غير معقولة وقائمة على أساس واهٍ.
ولعل أبرز ما تميّزت به طريقة المفكرين المسلمين في الإستدلال على فساد نظرية التثليث هو أنهم قد تابعوا النصارى في قياس ما يختص بالبشر على ذات الله جدلاً فقط. وكانوا بذلك أوفياء للمفارقة الإلهية التي لا تحمل أن نطبق عليها ما هو صالح في مستوى الطبيعة البشرية ما داموا مؤمنين بالله ليس كمثله شيء.
ويرى المؤلف أن البديل الإسلامي للأقانيم لم يكن مصرّحاً به دائماً، لكنه من الواضح أن الرؤية الإسلامية للأسماء والصفات. وأبلغ دليل على ذلك هو أن الحجة التي تواترت عند أصحاب الردود تتمثل في ضرورة إلحاق أقنوم القدرة بأقنومي العلم والحياة بناءً على الأسباب نفسها التي حدت بالنصارى إلى اعتبار الله عالماً حياً. إن القدرة هنا ليست إلا أنموذجاً للصفات الإلهية، وما القصد من التركيز عليها سوى إحداث ثغرة في البناء الثالوثي، وإلاّ فالعزة أيضاً مثلها مثل الحياة والعلم، وسائر الصفات. فإذا كان قصد النصارى نسبة العلم والحياة إلى الله تنزيهاً له عن النقص، فهذا يوجب عليهم نسبة صفات كثيرة له كالإدراك والسمع والبصر والإرادة، وفي هذا إثبات لأقانيم كثيرة كما أثبتوا أقنومي الحياة والعلم أي "الروح" و"الكلمة".
فما يتفق عليه المفكرون المسلمون هو – على حد تعبير أبي سليمان المنطقي – "أن الذات واحدة في الموضوع كثيرة بهذه الصفات"، ولذا أرجعوا مفهوم الأقنوم إلى مفهوم الصفة ولم يجدوا مبرّراً لحصر الأقانيم في ثلاثة .
ويرد القاضي عبد الجبار على استدلال النصارى بأن تعدد الأقانيم غير متعارض التوحيد إذ أن الإنسان يكون حياً ناطقاً مائتاً دون أن يفيد ذلك أنه ثلاثة أناس، إن هذا التمثيل في غير محله لأن فيه قياس القديم على المحدث واعتبار الله "مبنياً بنيةً مخصوصة"، بالإضافة إلى أن هذا التمثيل لا يستقيم إلا متى كانت كل من صفتي الحياة والنطق إنساناً، كما أن كلاً من أقنومي الإبن والروح إلهاً.
الملكية واليعقوبية
ثم ينتقل المؤلف إلى عرض بعض الردود الإسلامية التي توجهت إلى فرقة بالخصوص. فيذهب إلى أن منطلق الرد على الفرقة الملكية كان قولهم "إن الأقانيم هي الجوهر والجوهر غير الأقانيم"، فاعتُبر ذلك إثباتاً لجوهرين قديمين أو للجوهر رابعاً للأقانيم في العدد. ودارت جلّ المناقشة للملكية حول محور أساسي هو العلاقة بين الجوهر والأقانيم ومدى موافقة ذاك لهؤلاء أو مخالفته لها ونوعية الإتفاق والإختلاف.
ولم تحظَ مقالة اليعقوبية التي تطابق بين الجوهر والأقانيم، بنفس العناية التي حظيت بها مقالة الملكية. ويفسّر ذلك بالدور الرئيسي الذي لعبه الملكية في الجدل المسيحي – الإسلامي، إضافة إلى وضعهم السياسي لكونهم على المذهب الرسمي للإمبراطورية البيزنطية.
ويختم الدكتور الشرفي الفصل الأول بتقييم لخصائص الردود في مسألة التثليث. فيعتبر أن أياً من أصحاب الردود لم يبلغ شأن الوراق في الإحاطة بموضوعه سواء تعلّق الأمر بآراء فرقة معيّنة أو بعقائد النصارى عامة.
ويلاحظ الورّاق الفروق بين عقائد النصارى برغم شعورهم بالإنتساب إلى دين واحد وهو – على حد قول المؤلف – يلتقي في ذلك مع المفكر الإيطالي الماركسي "غرامشي" وإن كان تحليل غرامشي يتعلق بالدين عموماً وبالكاثوليكية بصفة خاصة.
بيد أن ما يلفت الإنتباه حقاً، في نظر الشرفي، هو الغياب المطلق، في جميع الردود الإسلامية على النصارى إلى نهاية القرن الرابع/ العاشر بلا استثناء، للإستشهاد بالقرآن لدحض عقيدة التثليث المسيحية، وذلك لأنهم – وجلّهم من المعتزلة – يذهبون إلى عدم تعارض النقل والعقل من جهة، ولكونهم متأكدين أن النصارى لا يستندون إلى سلطان إلهي أو نص صحيح متواتر في ذلك، وأن النظرية الثالوثية والصيغ المعبّر بها عنها كلاهما من وضع البشر، فأخضعوها لنقد عقلي ومنطقي صارم لا مجال فيه للتسامح أو البحث عن مبرّرات. وأخيراً لم يرَ المجادلون فائدة في الإستشهاد بالقرآن لأن النصارى لا يعتبرونه حجة.
ويرى المؤلف أن النتيجة التي يمكن استخلاصها من أدلة أصحاب الردود ومنهجهم الجدلي هي أنهم كانوا مطّلعين اطلاعاً واسعاً ودقيقاً ومباشراً في كثير من الأحيان على نظرية الطرف الآخر. ولئن بدا أنهم يخلطون أحياناً بين تثليث الأقانيم وتثليث الآلهة، فما ذلك إلا لأنهم اعتبروا الأول مقتضياً للثاني.
ولئن كان علماء اللاهوت اليوم مدركين لضرورة إيجاد تعبير جديد عن عقيدة التثليث، ملائم للفكر الحديث، فإن المجادلين المسلمين كانوا سبّاقين إلى ملاحظة ما تنطوي عليه هذه الصيغ من معانٍ غير وافية للدلالة على الذات الإلهية المفارقة، وكانوا من جهة أخرى واثقين من أن المفهوم الإسلامي للألوهية هو البديل للتخلّص من فساد العقيدة المسيحية.
ويسجّل الكاتب غياب النظرة التاريخية إلى تطوّر عقيدة التثليث عند المفكرين المسلمين، فلم يدركوا أن قول النصارى إن الله واحد ثلاثة أقانيم كان متاخراً زمنياً عن الإيمان بألوهية المسيح، وأنه من هذه الناحية نتيجة له. ولذلك كان ردهم على التثليث سابقاً دائماً لردهم على عقيدة التجسّد. وما ذاك إلا لأن التثليث هو- في نظرهم- الذي يبعد النصارى عن الإسلام وعن التوحيد المطلق الذي هو ركنه الأساسي.
الفصل الثاني: التجسُّد
I-عيسى في المصادر الإسلامية
كانت حياة عيسى معروفة عند المسلمين من طريقين إثنين: طريق الوحي القرآني، والأناجيل الأربعة الرسمية والأناجيل التي اعتبرتها الكنيسة منحولة.
ولأن المسلمين آنذاك كانوا يكتفون بما أورده القرآن عن عيسى، فإن العلماء والمؤرخين بوجه خاص، كان يدفعهم فضولهم إلى البحث عن أوفر كمية ممكنة من المعلومات عن عيسى، إلا أنهم كانوا يتفاوتون تفاوتاً ظاهراً في تقييم هذه المعلومات، وبالتالي في تدوينها. ويمكن تقسيم مواقفهم إلى ثلاثة نماذج كبرى تنعكس في آثار ثلاثة من كبار العلماء والمؤرخين في القرنين الثالث والرابع للهجرة، هم: اليعقوبي وأبو جعفر الطبري والمسعودي.
فالمسعودي في "مروج الذهب" يقتصر على إيراد بعض الأخبار المتعلقة بعيسى في إيجاز شديد، مردّة إلى اعتبارات عقائدية، نظراً لكون ما يتعلق بحياة المسيح يدخل في صنف العلوم الدينية التوقيفية التي لا مجال فيها للبحث الحر والإجتهاد الشخصي.
أما الطبري، وهو يمثل الأنموذج الثاني من مواقف علماء المسلمين، فالمنطلق والمرجع بالنسبة إليه هو القرآن لا محالة. لكن الخطاب التاريخي عنده ليس بريئاً ولا موضوعياً – في رأي الشرفي – لأنه أزاح منه كل ما من شانه أن يفكك أواصر الأمة ويزرع فيها بذور الشك، في ما يتعلق بحياة عيسى.
ويمثل اليعقوبي أنموذجاً ثالثاً يختلف عن السابقين اختلافاً بيّناً. فهو يورد فصله عن المسيح بالتطرّق إلى حبل مريم بعيسى وولادته، فلا يورد التفاصيل على غرار الطبري. وينتقل، بعد ذكر مكان ولادة عيسى وتاريخها، إلى الرواية المسيحية لحياته كما وردت في الأناجيل الأربعة فيعرض ما جاء فيها من أخبار المسيح وتعاليمه بكل أمانة وموضوعية. بل إنه لم يستنكف من تسجيل ما يتعلق بالصلب، مشيراً في بعض الأحيان إلى الفروق بين الروايات الإنجيلية.
وسواءً رجع العلماء المسلمون، في تقصّي أخبار عيسى إلى الأناجيل أو إلى مصادر اخرى، بالإضافة إلى القرآن، فإنهم مجمعون على أن حمل مريم به كان خارقاً للعادة.
وكان الإختلاف شديداً في سن عيسى وفي تحديد زمن حياته. فهو قد عاش اثنين وثلاثين سنة وستة أشهر عند بعضهم، وثلاثاً وثلاثين عند آخرين، بينما بلغ من العمر مائة وعشرين عاماً على رأي ثالث.
عقيدة التجسّد
لكن قبل دراسة عقيدة التجسد، يحسن بنا أن نتبيّن التصوّر الإسلامي لصفة "مسيح" وفهم المسلمين في القرون الأربعة الأولى لهذه العبارة القرآنية حتى يتضح الفرق بينه وبين الفهم المسيحي.
اعتبر بعض المفسرين بأن أصل الكلمة عبراني أو سرياني "مشيحا" فعرّبت فقيل "المسيح" ولكن لم يتنبه أحد إلى أن لفظ "مسيح" يمكن أن يكون مشتقاً من أصل سامي مشترك بين العربية والعبرية. وقد رجع ابن ربَّن الطبري إلى العهد القديم يستمد منه أصل الكلمة فقال: "فمعنى المسيح حابينا وهو الممسوح..(من الله)".
يرى الشرفي أن "الجري وراء الإشتقاق في هذه التفسيرات هو الذي ابتعد بالفكر الإسلامي عن إدراك الحقيقة التاريخية لهذا المفهوم"، إذ لا جدال في أن انتظار اليهود لمخلّص، ودعوة عيسى إلى ملكوت الله، واعتقاد المسيحيين أن صفات المسيح المخلّص تنطبق عليه، كل ذلك لا يمكن تفسيره بالرجوع إلى أصل الكلمة. فـ"المسيحية" ظاهرة مشتركة بين العديد من الديانات والحضارات، مهما اختلفت الأسماء التي تطلق على المخلّص المنتظر(المسيح، المهدي، الإمام المنتظر)، وهي ظاهرة يشيع الإيمان بها في الظروف العسيرة، كحال اليهود تحت وطأة الإضطهاد الروحاني في الفترة التي عاش فيها عيسى. فالمسيحانية(Messianism) مثّلث سلوكاً وتعويضاً عن واقع غير مرضي وتشكّلت بحسب المناخ الثقافي الذي برزت فيه. فهيّأتها هذه الصفة لتكون سنداً للتعبير الأخلاقي – الديني و(أو) السياسي و(أو) الإجتماعي. فلولا المسيحانية ما اعتقد النصارى أن عيس رب وإله ولا ظهرت عقيدة التجسّد. فالنظرية المسيحية في المسيح متجذرة في الإنتظار المسيحاني، ولكنها لم تقف عنده بل تجاوزته في ظروف تاريخية خاصة ووجّهته وجهة معيّنة.
II- عرض المسيحلوجيا
إن أقدم شهادة وصلتنا عن اطلاع المسلمين على التطوّر التاريخي للخصومات المسيحلوجية كانت من القرن الثالث/ التاسع في تاريخ اليعقوبي. فقد تتبع هذا المؤرخ مقرّرات المجامع الستة الأولى ونصّ على مختلف المذاهب التي كانت ما تزال حية في شأن طبيعة المسيح، وعلى زعمائها منذ بداية القرن الرابع م. حيث سعى قسطنطين إلى توحيد كلمة النصارى.
يقول اليعقوبي عن المجمع المسكوني الأول، الشهير بنيقية: "فجمع قسطنطين ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً وأربعة بطارخة، ولم يكن في ذلك العصر غيرهم. وكان بطرخ الإسكندرية يقول إن المسيح مألوه الخلق. فلما اجتمعوا ناظروه في ذلك، فأجمع مقالة القوم جميعاً أن قالوا: إن المسيح ولد من الأب قبل كون الخلائق، وهو من طبيعة الأب. ولم يذكروا روح القدس ولا أثبتوه خالقاً ولا مخلوقاً ولكن وافقوا على أن الأب الإله والإبن إله منه. وخرجوا من نيقية.."
أما ابو عيسى الوراق فيذكر أن مجمع نيقية عقد للبحث في الخلاف الذي أظهره أريوس حول التثليث حيث تم الإجماع على البراءة منه.
تطوّر المسيحلوجيا
ثم يعرض الشرفي كيفية عرض المفكرين المسلمين للمسيحلوجيا وتطوّرها. فقد قام القاضي عبد الجبار بتحليل "قانون الإيمان" واستخلص أهم النتائج المترتبة على هذه المسيحلوجيا، معتبراً أن الطوائف المسيحية الثلاث الملكية واليعقوبية والنسطورية تتفق في أن المسيح ليس بعبد ولا نبي ولا رسول، بل إنه إله في الحقيقة، وإنه إبن الله نزل من السماء وتجسّد في إنسان تام كامل من مريم، وأنه باتحاده تعالى "بالمسيح" حصل للمسيح طبيعتان طبيعة ناسوتية وأخرى لاهوتية، وأن الإبن "ليس إبناً للأب على جهة النسل، لكن كتولّد الكلمة من العقل وحرّ النار من النار وضياء الشمس من الشمس". لكنّ أصحاب الردود كانوا يعرفون أن النصارى وإن اتفقوا على الإيمان بعقيدة التجسّد فإنهم مختلفون في طبيعة هذا التجسّد ومتى حصل وكيف.
مناقشة عقيدة التجسد
سعى المسلمون إلى دحض عقيدة التجسّد وبيان تهافتها من ثلاث طرق هي: (1) الإعتماد على النصوص القرآنية النافية لألوهية عيسى، (2) تأويل النصوص الإنجيلية بما يلائم المسيحلوجيا الإسلامية، (3) مناقشة تلك العقائد بالأدلة العقلية والبراهين المنطقية.
أ‌-     الأدلة النقلية
أولاً: الأدلة القرآنية
قبل النظر في الآيات القرآنية التي استشهد بها أصحاب الردود على عدم ألوهية المسيح يجدر بنا وضع هذه الآيات في سياق الكل القرآني الداعي إلى توحيد مُفارق لا يتسامح في المسّ بهذه المفارقة بأي وجه من الوجوه. فعلى سبيل المثال كانت سورة الإخلاص (قل هو الله أحد..) النافية لكل تولّد عن الله حاضرة في أذهان كل المفكرين وإن لم ترد في أي من الردود.
ويذهب المستشرق ماسينيون إلى أن القانون، الذي أصدره مجمع اللاطران سنة 1209م، بنفي التولد عند الله، إنما اتخذ تحت تأثير علم الكلام الإسلامي وما جاء في سورة الإخلاص بالخصوص.
وبعد عرضه للآيات القرآنية التي استشهد بها أصحاب الردود لنفي ألوهية المسيح، يسجّل الكاتب وجود توازٍ بين القرآن والمسيح – أساسه قرآني في الآيات التي تقول عنه إنه "كلمة الله" و"روح الله" – لم يستوقف الفكر الإسلامي طويلاً. فقد آثر هذا الفكر التمسك بتوازٍ ثانٍ قرآني هو الآخر بين عيسى ومحمد، إذ كان كلاهما رسولاً، على الإعتراف بأن ثمة مشكلة تستدعي البحث. وهكذا أوّلت الآيات القرآنية التي نعتت المسيح بكلمة الله وروحه، بصورة تنفي أية علاقة أنطولوجية بينه وبين الله، وحتى بنفي كل علامة خاصة تميّزه عن سائر الأنبياء، وعن محمد بالخصوص.
ثانياً: الأدلة "الكتابية"
ويقصد بها الأناجيل الأربعة أو العهد الجديد التي رجع إليها أصحاب الردود واستشهدوا بها لدحض المسيحلوجيا المسيحية. وقد تفاوت استخدام هذه النصوص بين مفكر وآخر. ويعرض المؤلف في كتابه جداول وأرقاماً لتوضيح ما هي النصوص المشتركة من العهد الجديد التي استدل بها المسلمون على عدم ألوهية المسيح ومدى استخدامها. ويخرج بأن (20) نصاً انجيلياً قد تواتر ثلاث مرات أو أكثر في ردود مختلفة في مقابل 25 نصاً تواترت مرتين و65 نصاً ورد مرّة واحدة.
ويمكن تبيّن ثلاثة مواقف كبرى من "الكتاب المقدس عند المفكرين المسلمين":
أ)- الموقف الأول يقوم على قبول ما جاء فيه على أنه صريح في الدلالة على عدم ألوهية المسيح، وأنه موافق لما يقتضيه القول، وغير متعارض مع التوحيد المطلق الذي هو إيمان عيسى نفسه وإيمان المسلمين.
ب)- لم ينكر عدد من أصحاب الردود مبدئياً النصوص الإنجيلية التي تثبت أن عيسى إبن الله، ولكنهم سعوا إلى التأكيد على احتمالها تأويلاً يختلف عن تأويل النصارى لها، وأبرزوا عدم اختصاص عيسى بهذه النبوة إذ كانت مشتركة بينه وبين أنبياء آخرين وبين تلاميذه بشهادة الكتب التي يؤمنون بها.
ج)- يتسم الموقف الثالث من "الكتاب المقدس" بكثير من الصرامة. فهو إما رفض قطعي لما جاء فيه مما يتنافى والعقيدة الإسلامية أو احتراز شديد على الأقل في كل ما ليس مقبولاً في العربية بحيث يتعيّن تأويله، إذا كان مجازاً "يجري مجرى المتشابه في القرآن"، ولا يصحّ بالتالي بناء عقيدة ألوهية المسيح عليه – على فرض أن المسيح قد نطق به بالفعل.
وهكذا يتعين على كل منصف، بحسب وجهة نظر أصحاب الردود، أن يقبل ما جاء في الأناجيل من  الشواهد العديدة على أن عيسى مسيح الله، نبي كريم، عالي الرتبة، وأن لا يخرج به عن العبودية والبشرية. وعليه إذ ذاك أن يقف عن كل ما فيه نسبة عيسى إلى النبوة الإلهية أو إلى الألوهية أحد موقفين: إما تأويله بما يتفق والتوحيد المفارق الذي هو وحده جدير بالله والمسيح، وبما يتناسب والشواهد الصريحة على بشريته،
 وإما رفضه رفضاً قاطعاً باعتباره من أخبار الآحاد التي لا يجوز تأسيس الإعتقاد في الله عليها، ومن الكذب الذي تسرّب إلى إنجيل المسيح. ولا مناص في هذه الحالة من طرح ما يقتضيه "قانون نيقية" وترك التأويلات التي ارتضتها مختلف الفرق النصرانية لشخص عيسى فخالفته وناقضت إنجيله. وبعبارة وجيزة لا مناص من اعتناق الإسلام.
ويحكم الشرفي في النهاية على ما قام به أصحاب الردود عند الإستدلال بالشواهد الكتابية بأنه "يبدو في الظاهر دعوة إلى إعمال العقل وتحكيم المنطق السليم وترك التقليد، لكنه في جوهره دعوةٌ إلى نبذه وإحلال المنظومة الإسلامية مكانها".
ب- الأدلة العقلية
كانت حجة المجادلين المسلمين الأولى أن في الإيمان ببنوة عيسى الإلهية مسّاً بوحدانية الله. لذا كان تأكيدهم  على استحالة الأبوة الإلهية والبنوة معاً. وكانت ردودهم تعكس بأمانة وفي أسلوب خطابي العقيدة الإسلامية الموحّدة وتأكيدها على تفرّد الله المفارق بالربوبية.
وكان "قانون نيقية" – وهو عمدة مختلف الطوائف النصرانية في الإيمان بالتجسّد – هو موضوع اهتمام أصحاب الردود وموضوع نقدهم الصارم، فانبروا يحلّلونه ويبرزون ما فيه من تناقض بين أجزائه ويؤكدون أن ما جاء فيه عن ألوهية المسيح منافٍ لما يليق بالوحدانية، لأن عقيدة التجسّد الإلهي في عيسى "تصدم مباشرة وفي الصميم مفهوم المفارقة، ولا تعتبر دالة على تجسيم الله لمحبته البشر أو على صيرورة الكلمة الأزلية جسداً، بل سمواً اعتباطياً بشخص تاريخي مادي محدود إلى منزلة الألوهية، مما يدخل الضيم على لا تناهي الله وأزليته وعدم خضوعه للزمان والمكان والأعراض، وما أوقع النصارى في هذا الرأي الفاسد سوى ثقتهم العمياء في ما وضع لهم أسلافهم من تعاليم في ظروف تاريخية مشبوهة".
وما اتقف عليه أصحاب الردود هو أن القول بألوهية عيسى "لم يكن في الأوهام ممكناً"، وأنه "أبعد ما يكون من المعقول" و"خروج عن المفهوم والمعقول" و"لا معنى له"، و"لا تقبله العقول لتعذر الوقوف على معناه وفهمه".
وقد عبّر الناشئ الأكبر عن هذا الرأي في جملة مركزة جمع فيها أسباب الرفض المبدئي لأن يكون عيسى هو الله، فقال: "فإن صرنا إلى حجة العقل لم نجد لقولهم إن الإنسان صار أزلياً والأزلي صار إنساناً وجهاً البتة، لأنهما إن كانا ثابتين على ذاتهما غير مستحيلين فليس يصير هذا هو هذا بجهة من الجهات، وإن لم يكونا ثابتين على ذاتهما فقد استحالا. وفاسد في العقل أن يستحيل البارئ الأزلي فيصير محدثاً، لم يكن فكان، ويستحيل المحدث الزمني فيصير أزلياً لم يحدث".
وقد بحث أصحاب الردود أيضاً في الدوافع والأسباب التي جعلت النصارى ينسبون الألوهية إلى عيسى، وحصروها في ثلاثة، دحضوها واحداً تلو الآخر، وهي: كونه ولد من غير أب، واتيانه بالآيات العجيبة، وصعوده إلى السماء.
ولم يكتفِ هؤلاء بالتعميم في نقدهم للصيغ المسيحلوجية بل دخلوا في التفاصيل والجزئيات المتعلقة بعقيدة التجسّد، سواء منها ما يخص كيفية اتحاد الكلمة بالإنسان أو زمنه أو مكانه أو طبيعته أو وجه اختصاص الإبن بالإتحاد بالإنسان دون الأب والروح القدس، من أجل النفاذ إلى طعن تماسك النظرية المسيحية في التجسّد.
نقد الصيغ المسيحلوجية
على الرغم من أن النصارى يعتبرون طبيعة تجسّد الكلمة في عيسى "سراً" يعسر – إن لن نقل يستحيل – التعبير عنه، إلا أن إقرارهم هذا بالعجز وتسليمهم به بلا دليل عقلي لم يحل دون سعيهم لإيجاد صيغ وتشابيه تحاول تقريب طبيعة الإتحاد من الأفهام، لغايات تعليمية. فما كان من أصحاب الردود إلا أن عكفوا على هذه الصيغ والتشابيه يمحصّونها ويخضعونها لنقد صارم ومفصّل.
يرى الدكتور الشرفي أن عقدة القضية في الجدال الإسلامي – المسيحي حول التجسّد هي في إصرار  المسيحيين على أن التجسّد سر لا سبيل إلى إدراك كنهه بالعقل البشري المحدود لا محالة، وغاية ما يستطيع العقل بلوغه هو تقريبه من الأفهام، بينما يرفض المسلمون كل ما يتعارض والمعقول مما لا يمكن إقامة الدليل عليه بالبراهين العقلية.
وينتقل المؤلف إلى عرض نقد المسلمين للأمثلة على التجسّد ومن ثم إلى عرض نقدهم لمقالات الفرق الكبرى في التجسّد، فرقةً فرقة.
الصلب والفداء
في الفصل الثالث، يتناول الكاتب "الصلب والفداء"، وكيف كانت ردود المجادلين المسلمين النقلية والعقلية عليها. فقد ركز المسلمون على الإنعكاسات اللاهوتية التي يمكن أن تكون للإيمان بالصلب على عقيدتي التجسّد والتثليث، بحيث يتناقض الصلب مع ألوهية المسيح، وعقيدة الإتحاد.
أما عقيدة الفداء فيمكن تبيّن عاملين أساسيين دفعا المفكرين المسلمين إلى رفض هذه العقيدة. أولهما إنكار الإسلام للشعور الدائم بالإثم عند الإنسان التي هي الوضعية العادية للمسيحي بسبب خطيئة آدم "لا تزر وازرة وزر أخرى". وثانيهما أن التصوّر الإسلامي لله يقوم على أنه إله تواب غفور رحيم، فلا مجال لإله فادٍ، وبالتالي لإله حقود يؤاخذ عباده على خطيئة لم يرتكبوها.
وهكذا يمكن أن نفهم كيف يؤدي نفي ألوهية المسيح بصفة طبيعية إلى نفي الفداء، أي إلى نفي ما يرمز إليه الصلب وما اكتسبه من أبعاد في المنظومة اللاهوتية المسيحية، ولماذا يربط القرآن بين حادثة الصلب أو عدمه – وبين صعود عيسى إلى السماء ورفعه مع السكوت عن قيامته من بين الأموات، بينما يضفي النصارى على الصلب معناه بربطه بالقيامة.
الكتب المقدسة
الفصل الرابع، وعنوانه: الكتب المقدسة، يتناول موقف المسلمين من كتب النصارى المعتبرة مقدسة عندهم. فيبدأ ببحث إن كان المسلمون على اطلاع مباشر ودقيق على هذه الكتب فيستدل على ذلك بصوص ووثائق عدة. ثم ينتقل إلى قضية تحريف الكتب المقدسة، كما أخبر بذلك القرآن الكريم، فيرى أن المسلمين كان موقفهم من هذه الكتب يستند إلى الأساس القرآني، إذ يذهبون إلى وجود نوعين من التحريف: تحريف بالنص وتحريف بالتأويل.
ويخرج الكاتب بنتيجة من هذا الفصل مفادها غياب التتبّع المنتظم لمواطن الطعن في كتب النصارى المقدسة ولمظاهر الإختلاف والتناقض التي قد تحتوي عليها.
النصرانية التاريخية في المنظار الإسلامي
أما الفصل الخامس، وعنوانه: "النصرانية التاريخية في المنظار الإسلامي"، فيتناول فيه المؤلف تصوّر المسلمين للطريقة التي حصل فيها التغيير في المسيحية وانحرافها عن تعاليم عيسى، ثم يعرض فيه مآخذ أصحاب الردود على العبادات والطقوس النصرانية، وأخيراً نقدهم لسلوك النصارى في الشعر العربي.
الباب الرابع والأخير من الكتاب: الأغراض التمجيدية، يخصّصه المؤلف لبحث الجانب الإيجابي من الردود على النصارى واقناعهم باعتناقه بعد أن بيّنوا لهم فساد عقيدتهم النصرانية في التثليث والتجسّد والصلب والفداء وقداسة كتبهم وحتى سلوكهم وأخلاقهم وعباداتهم.
ومن الموضوعات التي ركَّز عليها المجادلون المسلمون لتمجيد الإسلام: أمية النبي(ص)، واتيانه بالقرآن المعجز، والخوراق التي تمت على يديه، وتبشير الكتب السالفة(التوراة – الإنجيل) به، وفضائل الإسلام ومبادئه وقيمه الإجتماعية والأخلاقية والسياسية.
هل أدى الجدل الإسلامي للنصارى مبتغاه؟
في خاتمة البحث، يطرح المؤلف سؤاله مجدّداً هل أدى الجدل الإسلامي للنصارى مبتغاه؟
وقبل أن يجيب عن ذلك، يحيل القارئ إلى بعض الننتائج التي استخلصها الدكتور عادل خوري، أحد الباحثين المسيحيين المختصين في الجدل المسيحي – الإسلامي من خلال دراسته لجداليات البيزنطيين ضد الإسلام.
يقول خوري: "إنهم لاهوتيون مسيحيون غرباء عن عالم الإسلام الثقافي، غير متعوّدين على مقولاته الدينية، يصرّون على فهم القرآن حسب عالمهم الذاتي وعلى ضوء آفاقهم اللاهوتية الذاتية… يبدو الإسلام للمجادلين البيزنطيين إثر النقد الذي مارسوه بصرامة لا تسامح فيها وكأنه شرك خفيّ، بل أبشع أشكال الشرك ويمكن تلخيصه في العبارات التالية: محمد نبي كاذب، والقرآن كتاب مزيّف، والإسلام دين مزيّف..".
يبدو واضحاً تأثّر الدكتور الشرفي باستناجات الباحث عادل خوري – على الرغم من اختلاف الموضوع والمعطيات، بحيث يفاجئ القارئ باستنتاجات مماثلة لا تنسجم في غالبيتها مع ما قدّمه من عرض موضوعي وافٍ وسلس. وكأن للمؤلف حكماً مسبقاً على هذه الردود الإسلامية أو بالأحرى على الفكر الإسلامي عموماً، الذي ينبغي – على حد قوله – " تصفية الحساب معه". إذ يفضّل الشرفي "كنس الأوساخ من أمام بيوتنا على أن يتولّى غيرنا كنسها فيعثر فيها على جواهر"، على الرغم من أنه لم يعثر "في عملية التنظيف هذه على جواهر ذات قيمة فريدة"، على حدّ قوله.
ويتساءل الشرفي: "أليس لكل تهمة من هذه التهم  التي رمي بها الإسلام (من قبل المجادلين البيزنطيين) مقابل مباشر في مآخذ المسلمين على النصارى، باستثناء القدح في نبوة عيسى بالطبع؟ – فتطبيق المقاييس الذاتية على الآخر هو هو، واعتبار دينه شركاً اعتبار م


صعود قوى الثروة

7 أغسطس 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

ولي نصر هو باحث أميركي من أصل إيراني يعمل ككبير مستشاري ريتشارد هولبرك الممثل الخاص لوزارة الخارجية الأميركية في أفغانستان وباكستان. وهو أيضاً باحث في مجلس العلاقات الخارجية التابع للكونغرس الأميركي. وهو كذلك أستاذ السياسة العالمية في كلية القانون والدبلوماسية في جامعة تافتس الأميركية. وهو حائز على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة ماساتشوتس للتكنولوجيا. وقد اشتهر بكتابه "صعود الشيعة" الصادر قبل سنوات.
كتابه الجديد "صعود قوى الثروة" الصادر في العام 2009 والذي ترجم إلى العربية ونشر قبل أسابيع يقدم نظرية جديدة لفهم الشرق الأوسط وأسباب عدم نهوضه وتحوله إلى الرأسمالية والديموقراطية وغرقه بين الأنظمة الاستبدادية والحركات الأصولية المتطرفة. لكنه كما وصفه الكاتب الأميركي الشهير فريد زكريا، رئيس تحرير مجلة "نيوزويك" "دليل رائع عن عالم الشرق الأوسط البالغ التعقيد.. يتحدث عن الدلائل الواعدة التي تبشر بها الشعوب، لا الحكومات، فنهضة الأعمال والرأسمالية والحياة التجارية هي أهم العوامل التي يمكن أن تقف في وجه التطرف الديني البغيض".
والكتاب ـ على حد تعبير الكاتب والتر إيزاكسزن، مؤلف كتاب "سيرة كيسنجر" ورئيس معهد آسبن ـ يساعدنا في "فهم قوة التجارة الإيجابية في العالم الإسلامي. وهو يثبت لنا أن الاقتصادات النامية وطبقات العاملين في النجارة ستكون العامل الحاسم، بدلاً من الإيديولوجيات المتطرفة، في تحديد مسار الشرق الأوسط وتفاعله مع بقية العالم. إنه كتاب مفيد جداً يجمع بين التحليل التاريخي وتقرير الوقائع بعين نافذة".
ويرى الكاتب الأميركي الشهير روبرت د. كابلان أن الكتاب يقدم نظرية جديدة "منطقية" حول بروز الطبقة الوسطى الجديدة في العالم الإسلامي، ويدعو الخبراء والباحثين إلى الأخذ بهذه النظرية. بينما يعتبر الكاتب الأميركي جون لي آندرسون أن كتاب ولي النصر يبرهن في أسلوبه المشرق أن التجارة الحرة، لا العقوبات، هي المفتاح لنهضة الديموقراطية في العالم الإسلامي".
شهادة أخيرة في الكتاب لمسؤول حكومي أميركي سابق والرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية، لزلي ه غيلب، يقول فيها: "فلنوقف رهان أميركا على الألاعيب الدبلوماسية والبيانات الكلامية ــ وهذه من نقاط ضعفنا ـ ولنستخدم مصدر قوتنا الحقيقية، أي مساعدة الشرق الأوسط والدول الإسلامية لتحقيق النمو الاقتصادي. بهذه الطريقة يمكن، في نهاية المطاف، الانتصار على الإرهاب، وبناء الطبقات الوسطى، والتحلل من ارتباطاتنا بالدكتاتوريين العرب، وتطوير الديموقراطيات. هذه هي الفكرة المميزة التي ينقلها إلينا ولي نصر. إنها السبيل الوحيد لإخراج سياسة الولايات المتحدة الخارجية من الهاوية".
ولعل الشهادة الأخيرة تتضمن توصيفاً لواقع الحال في الشرق الأوسط في الوقت الراهن، فيما يجري في كل من تونس ومصر من انتفاضة شعبية على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلدين وانتشار الفساد وسيادة الاستبداد فيهما، بينما كانت الإدارة الأميركية تهادن النظامين الدكتاتوريين والفاسدين حتى سقوط نظام الرئيس التونسي زين العابدين بن علي من جهة، وحتى حانت لحظة الحقيقة بالنسبة لنظام الرئيس المصري حسني مبارك بعدما عمت الفوضى وعمليات السلبوالنهب والحرق في مختلف أنحاء مصر، ليقوم ببعض التغييرات في السلطة من تعيين من نائب للرئيس، للمرة الأولى منذ تسلمه الحكم قبل ثلاثين سنة، وليقيل الحكومة ويشكل حكومة جديدة يتولى رئاستها وأهم حقائبها ضباط كبار في الجيش. في المقابل بدت الإدارة الأميركية عاجزة ومرتبكة أمام المشهدين التونسي والمصري، فأيدت انتفاضة الشعب بعد فرار حبيفها الرئيس بن علي، وضغطت على حليفها الأبرز والأقدم حسني مبارك لإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية بعدما بدا نظامه في خطر شديد أمام انتفاضة شعبية عارمة يقودها الشباب العاطلون عن العمل والفقراء والمحرومون، وليس الأحزاب السياسية ولا الحركات الإسلامية الأصولية.
لا شك أن معظم كتاب "قوى الثروة" لولي نصر قد كتب أثناء حقبة الحماس من قصة "معجزة دبي". لكنه استكمل وأنجز بعد الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعياتها على منطقة الشرق الأوسط وخصوصاً على إمارة دبي، وما شهدناه من انفجار الفقاعة العقارية في دبي.

قوة التجارة
واللافت أن الكتاب من دون مقدمة أو تمهيد. يبدأ الفصل الأول، وهو بعنوان "قوة التجارة"، بالتغيرات التي شهدها العالم الإسلامي فجأة، ففي فترة قصيرة لا تتعدى 32 شهراً بين عودة آية الله الخميني إلى إيران في الأول من شباط/فبراير 1979 واغتيال الرئيس المصري أنور السادات في القاهرة في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر 1981. فخلال تلك الفترة المضطربة، استولت قوى الثورة الإسلامية على إيران، وأعلنت باكستان دولتها الإسلامية، وأطلق الاتحاد السوفياتي شرارة حرب جهادية بغزوه أفغانستان، واغتال الأصوليون السادات. وتوالت، منذ تلك السنوات الحاسمة، ثورات عنيفة عديدة وصدامات دامية وهجمات إرهابية وأعمال قمع دموية. وتزامن كل ذلك مع تزايد حدة المواقف الإسلامية المحافظة ومشاعر العداء لأميركا في عدد كبير من البلدان تمتد من شمال أفريقيا إلى جنوب شرقي آسيا. وفي خضم هذه الفترة المضطربة، بلغ التطرف أوجه، فأنبت تنظيم "القاعدة" المعروف بممارسته العنف ونظرته السوداء إلى المستقبل.
وفي مقابل كل هذه التحركات ، ولمواجهة نمو حركات الإرهاب، فإن أخم أهدف أميركا في الشرق الأوسط، منذ العام 1979، كان ولا يزال احتواء الأصولية الإسلامية والتغلب عليها. وقد فرض هذا الأمر نفسه على كيفية تصنيف أميركا لحلفائها وخصومها، وعلى قراراتها بشأن المعارك التي خاضتها، وعلى آفاق اختياراتها الآيلة إلى تحقيق مصالحها، سواء أكان ذلك عن طريق دعم الإصلاح وتعزيز الديموقراطية، أم الاعتماد على الحكام الديكتاتوريين وتوسل الحلول العسكرية. ويضيف الكاتب أن أميركا أصبحت، من هذا المنطلق، تحكم على كل شيء في الشرق الأوسط من زاوية الحرب ضد الأصولية، وترى في أي مظهر أو تعبير إسلامي خطراً يهددها. لقد اعتبرت قيادة الولايات المتحدة التحدي الأصولي نمطاً جديداً من الحرب الباردة.
يرى نصر أنه إذا نظرنا إلى الشرق الأوسط في حالته الراهنة وقد سيطرت عليه نزاعاته العنيفة ومشاعر العداء لأميركا وأصبح أرضاً خصباً للأفكار المتطرفة، يبدو لنا المستقبل قاتماً جداً. لكن علينا التطلع إلى المستقبل. فالنماذج السائدة اليوم قد لا تكوم مؤثرة غداً، ومن غير المفيد للأميركيين أن ينظروا إلى مستقبل علاقاتهم بالعالم الإسلامي على ضوء الصراعات القائمة اليوم فحسب. وذلك بسبب وجود قوى أخرى تتحرك في العالم الإسلامي، وهي تستحق أن توليها الإدارة الأميركية عنايتها لأنها قد تكون أكثر أهمية في نهاية المطاف.
ويعطي نصر مثالاً هو تناقضات الوضع الإيراني، حيث يهيمن حكم ديني صارم على شعب يمثل قوة ناهضة تطمح إلى استعادة أمجاد ماضيها القديم، وحيث يسود شعور عام، منذ عقود عدة،بوجوب مجابهة الغرب. لكن إذا دققنا النظر في تناقضات السلطة الإيرانية والتصدعات الداخلية، التي ظهرت جلية في الانتخابات الرئاسية عام 2009، أمكننا تكوين فكرة مفيدة كمنطلق لإعادة البحث في التحديات الحقيقية والإمكانيات المتوقعة بشأن التحول في علاقات الأميركيين مع العالم الإسلامي. كان تلويح إيران الدائم بالقوة العسكرية ومواقف إدارة الرئيس جورج بوش المتشددة سبباً في صرف الانتباه عن الحقائق المهمة التي تدحض الأفكار السائدة حول الخطر الإيراني. وهي حقائق تنطوي على إمكانات فرص هائلة في أنحاء المنطقة. فالثورة الإيرانية أنبتت نزعة إسلامية متصلبة حولت العداء لأميركا إلى فعل إيمان في معظم العالم الإسلامي، وما انفك حكام إيران يدعمون الحركات الثورية بالمال والتدريب والسلاح. كما أن إيران تسعى اليوم إلى أن تصبح دولة كبرى وهي تطور برنامجاً نووياً. ومما زاد الوضع سوءاً في السنوات الأخيرة المواقف الشديدة العدائية التي اتخذتها إدارة بووش في تعاملها مع إيران، بالإضافة إلى سوء إدارتها للحرب في العراق وأفغانستان.
ظل الوضع بين الولايات المتحدة وإيران، خلال السنوات الثلاثين الماضية بمعظمها، جامداً مسدوم الأفق، ولم يكن بينها علاقات دبلوماسية، كما لم يكن ثمة ما يمنع المواجهة المباشرة. كانت أميركا راضية بعزل إيران بالقدر الممكن بانتظار أن يخضع حكم رجال الدين للضغوطات الداخلية المحتومة المطالبة بالتغيير. غير أن ذلك المفهوم تبدل في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، إذ اعتقدت إدارة بوش أن بإمكانها نفض الغبار عن التاريخ. فصقور المحافظين الجدد الذين تجمعوا حول نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد استحضروا صورة دور الولايات المتحدة فيالمساعدة على رمي الشيوعية في غياهب التاريخ، فظنوا أن الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين وقيام عراق جديد ديموقراطي ومستقر نسبياً في جوار إيران، سوف يحرك الإيرانيين ويدفعهم إلى الثورة، وبالتالي يزعزع رجال الدين الحاكمين ويحبرهم على تلبية مطالب الشعب. لكن ما حدث فعلاً هو نقيض ذلك، فحين غزت القوات الأميركية العراق، اشتدت قبضة رجال الدين على الحكم في العراق.
عندما قضت الولايات المتحدة على نظام حركة طالبان في أفغاسنتان في أواخر العام 2001، وأسقطت صدام حسين في العام 2003، ثم اجتثت حزب البعث من العراق، أزاحت بذلك منافسين إقليميين كانا يحدان من نفوذ إيران على جانبيها الشرقي والغربي. فمنذ أيام الشاه، كان جيش العراق العائق الأساس في وجه أهداف إيران التوسعية. أما اليوم فليس في منطقة الخليج العربي قوة عسكرية إقليمية قادرة على ردع إيران التي سارعت إلى مد نفوذها إلى المناطق ات الأكثرية الشيعية في جنوب العراق، بعد سقوط صدام.
وكانت إيران أول الدول المجاورة للعراق التي اعترفت بالحكومة الجديدة وحضت العراقيين على المشاركة في النظام السياسي الذي أقامته الولايات المتحدة. وهي تدير اليوم شبكات مخابراتية وسياسية واسعة في العراق تؤمن لها نفوذاً واسعاً في الدوائر الرسمية العراقية والمؤسسات الدينية والأوساط القبلية والإدارات الأمنية، مما يمنحها القدرة على التأثير في الانتخابات، وفي حركة التجارة، وحتى في وتيرة أعمال العنف ضد القوات الأميركية.
وقد قال الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي للكاتب في العام 2007 عن مدى النفو الإيراني الإقليمي في المنطقة، بقوله: "لا يهم أين ستغير الولايات المتحدة الأنظمة، فإن أصدقاءنا سيصلون إلى السلطة".
فتأثير طهران على الأوضاع السياسية العربية بات اليوم أقوى مما كان عليه قبل عشر سنوات، خصوصاً في المناطق الحساسة، في العراق وفلسطين ولبنان. وبسبب دعمها لحركات المقاومة لإسرائيل استفادت إيران من الإحباط العربي من تقدم عملية السلام، وأصبحت تساير الشعوب العربية أكثر من أنظمتها الدكتاتورية، حتى أن مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي أعلن بكل ثقة أنه لا يمكن حل أي مشكلة في الشرق الأوسط من دون موافقة إيران ومساهمتها.
ويرى ولي نصر أن دافع إيران لانتهاج هه السياسة بكل ثقة كان الارتفاع الحاد لأسعار النفط في العامين 2007 و2008، حيث تزود حكام إيران بوفرة من البترودولار، وأصبحوا قادرين على تزويد حلفائهم في لبنان وفلسطين والعراق بالمال والسلاح والتدريب.
كان الحديث عم العمل العسكري ضد إيران متداولاً في إدارة بوش خلال العامين 2007 و2008، لكن الولايات المتحدة لم تستطع القيام بالأمر لانهماكها في تطورات العراق وأفغانستان، وتفاقم الأزمة السياسية في باكستان. وقد يوحي ذلك كله بأن إيران أصبحت قوة لا يمكن ردعها، لكم نصر يرى أن الوضع المضطرب مؤخراً في الجمهورية الإسلامية يدل على أن الحقيقة ليست بهذه البساطة. ما من شك في أن قوة الإكراه(القوة العسكرية والاقتصادية) لدى إيران ونفوذها قد ازدادا كثيراً، لكن إذا نظرنا إلى قوة إيران من تلك الزاوية فقط فإنها ستبدو لنا أعنف وأشد تأثيراً مما هي عليه فعلاً.
يقول الباحث إن الشرق الأوسط ليس مجرد منطقة أفكار متطرفة متصارعة وجيوش ثورية متحمسة، بل إنه أيضاً منطقة اقتصادات متعثرة تحاول النهوض واقتصادات تنعم بالازدهار، وقد ظهرت في الكثير من بلدانها طبقات جديدة من نخب رجال الأعمال أخذت تشق طريقها نحو مراكز النفوذ وتساهم في تغيير نمط الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية. فالدول النامية التي سعت لتحقيق وضعية الدول الكبرى، كالبرازيل والصين والهند، لم تحرز مكانتها باستخدام قوة الإكراه وإنما بالاتخراط في جهد اقتصادي ساهم في زيادة النمو في المناطق المحيطة بها. لكن إيران ليست في هذا الوارد، فهي لم تحذُ حذو الدول المذكورة. فاقتصاد إيران يحتل المرتبة 151 بين أكثر الاقتصادات عزلة في العالم(من أصل 160 دولة) والمرتبة السادسة عشرة بين أكثر الاقتصادات عزلة في الشرق الأوسط(من أصل 17). وتفتقر مساعي إيران لإحراز نفوذ إقليمي إلى دعامة اقتصادية، وهذا ما يجعل تقدير قوة إيران الإقليمية بدقة أمراً في غاية الصعوبة، لأن قوة الإكراه ليست الوسيلة الأفضل للتوصل إلى النفوذ الواسع.
ويرى نصر أن أكثر ما يكون نفوذ إيران واسعاً هو حيث تكون تجارتها، أي حيث تدعم ذلك النفوذ علاقات اقتصادية وتجارية، وفي حين نجد لإيران روابط متينة بحزب الله اللبناني وحلفاً متواصلاً مع سوريا، فإن مجال نفوذها المؤكد أقرب جغرافياً إلى إيران نفسها، وهو يمتد على شكل قوس من آسيا الوسطى في الشمال والغرب، نزولاً عبر أفغانستان، وصولاً إلى الخليج العربي وجنوب العراق في الجنوب والغرب. كتب الباحث روبرت كابلان في مجلة "أتلانتك" يقول: "إذا ذهبت إلى آسيا الوسطى في أيامنا هذه، تشعر كأنك في إيران الكبرى". فهذه المنطقة بالذات هي مسرح تجارة إيران الإقليمية حيث تبيع المنتجات الزراعية والكهرباء والغاز الطبيعي وحتى السلع المصنعة.
في العام 2008 ارتفع حجم التجارة بين إيران وجمهوريات آسيا الوسطى الخمس(كازاخستان، قرغيزستان، طاجيكستان، تركمنستان، وأوزبكستان) وتجاوز المليار دولار مقارنة بـ580 مليون دولار في العام 2001.
كما يتم التداول بالريال الإيراني بسهولة في تلك البلاد كأنه عملة محلية. كذلك فإن حجم تجارة إيران مع أفغانستان يوازي رقماً مماثلاً، فيما فاق حجم التجارة مع العراق الأربعة مليارات دولار في العام 2008. وبلغ حجم التجارة مع دولة الإمارات العربية المتحدة 14 مليار دولار، وهو رقم لا شمل كل حركة السوق الوسداء النشطة عبر الخليج. ولإيران مصلحة حيوية في هذه الحركة التجارية، والنظام الإسلامي قد أنشأ مع البلدان المذكورة ارتباطات مصرفية ومالية واستثمر في مشاريع البنى التحتية فيها من طرق وسكك حديد وأرصفة موانئ وخطوط وأنابيب وأبراج أسلاك الكهرباء. وازدهرت جميع أنواع الأعمال في هذه البلدان نتيجة لازدهار هذه التجارة.
ويشير الكاتب إلى أن إيران مؤهلة من مختلف النواحي كي تصبح قطباً اقتصادياً يدفع بالنمو صعوداً في المنطقة، فعدد سكانها البالغ سبعين مليون نسمة يوازي تقريباً حجم سكان تركيا، وفيها احتياطات نفط وغاز، إضافة إلى قاعدة اقتصادية متينة، بالمقاييس الإقليمية. وأجور اليد العاملة زهيدة، مع أن نسبة المتعلمين مرتفعة وتتجاوز الـ75%. وفضلاً عن ازدهار الفنون وصناعة السينما، فإن الإيرانيين يتميزون في براعتهم باستخدام الاهاتف المحمول والانترنت، إذ سجلت إيران أعلى رقم في العالم من حيث مستخدمي المدونات الاكلترونية نسبة لعدد سكانها، كما أن ثلثي سكانها يستخدمون الهاتف المحمول. والإيرانيون ماهرون في النواحي التقنية، فالجامعة التقنية ال,لى في البلاد هي جامعة شريف الصناعية تخرج مهندسين وعلماء ذوي نستوى عالمي، تقبلهم جامعة ستانفورد الأميركية لمتابعة دروسهم العالية بيسر شديد. كما أن البرنامج النووي الإيراني يشرف عليه خبراء تلقوا تعليمهم وتدريباتهم في إيران. كما تقوم إيران بالاستثمار في أبحاث الفضاء والتكنولوجيا الحيوية. فبنك الحب السري الإيراني، الذي أنشئ في العلم 2003، قد خصص مبلغ 2.5 مليار دولار لأبحاث الخلايا الجذعية الجنينية للتوصل إلى علاجات لعدد من الأمراض.
لكن إيران تعاني من تضخم يتجاوز معدل 10 في المئة ومن نسبة بطالة تطال حوالى ربع القوة العاملة. وليست المشكلة في نقص مشاريع الأعمال أو الإمكانات الأساسية، ففي إيران قطاع خاص ديناميكي تتوافر له الطبقة الوسطى التي يمكن أن تحركم. ونحو نصف سكان إيران هم من الطبقة الوسطى وما فوق. لكن المشكلة تكمن في أن القطاع الخاص في إيران تكبله دولة فاسدة وعديمة الكفاءة تسيطر على 80 في المئة من الاقتصاد. وقد اكتسبت الدولة حجمها الحالي في أعقاب الثورة، و>لك بالتهام أجزاء واسعة من القطاع الخاص عن طريق تأميم الشركات والمصارف والصناعات، وهي تعطي أولوية للإنفاق على الفقراء أكثر من تحقيق النمو الاقتصادي، وبالتالي لا ترى غضاغة في حرمان المشاريع التجارية من الموارد وإرهاقها بالضرائب الباهظة.
ليست إيران من الناحية الاقتصادية رائداً إقليمياً، بل هي متقاعس إقليمي يتخبط في أسفل دركات هيمنة الدولة الاقتصادية. وقد كان هذا الركود الاقتصادي من أهم بواعث المعارضة الشديدة لأحمدي نجاد في الانتخابات الأخيرة. وما ينبغي الانتباه له في السنوات الأربع المقبلة هو القطاع الخاص والطبقة الوسطى المرتبطة به، وهي الطبقة نفسها التي دفعت الملايين في أعقاب انتخابات حزيران/يونيو 2009 إلى السؤال "أين صوتنا؟". والمعركة الكبرى لاتسعادة جوهر إيران ـ لا بل جوهر المنطقة ككل ــ لن تدور حول الدين وإنما حول التجارة والرأسمالية. والسؤال المطروح هو: هل ستحرر الدولة الاقتصاد وتسمح لهذا المجتمع الحيوي بتحقيق غاية إمكاناته؟
لن تستطيع إيران السيطرة على المنطقة فعلاً إن لم تستدرك نفسها وتعزز نفوذها الاقتصادي، فالتوصل إلى وضعية الدولة الكبرى يقتضي ضمناً تحقيق الريادة في المجال الاقتصادي، وهو أمر بعيد عن توجهات إيران حالياً. وهذا هو الأساس في مساعي إيران الهادفة إلى تحسين قدراتهم النووية فحكامها يعتقدون أنهمبحاجة لتملك المقدرة على التهديد بالهجوم النووي أو الرد النووي لتخفيف الضغوطات الغربية باتجاه تغير النظام، والظهور بمظهر يفوق قوة إيران الفعلية.
إن الناتج المحلي الإجمالي في إيران يوازي تقريباً الناتج المحلي الإجمالي في ولاية ماساتشوستس، ولا يتعدى إنفاقها العسكري السنوي ستة مليارات دولار، وهو أقل من ثلث النفقات العسكرية السعودية البالغة 21 مليار دولار سنوياً وما يقارب نصف الإنفاق العسكري في تركيا أو إسرائيل. كانت نفقات إيران العسكرية، قبل الثورة، تصل إلى 18 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أما اليوم فهي لا تتعدى الثلاثة في المئة. وعليه، كيف ستستطيع إيران مواجهة الولايات المتحدة والادعاء أنها دولة كبرى؟
وحتى في حال امتلاك إيران للقدرة النووية، فإنها لن تحقق المكانة التي تصبو إليها. وإذا أخذنا مثال الهند وباكستان، فإنهما قد بدأتا الخطوات الأولى في الدرب النووي في سبعينات القرن العشرين. غير أن الهند فقط هي التي برزت كدولة كبرى إقليمية في التسعينات، وليس بفضل الأسلحة النووية، بل بفضل معدلات نموها الاقتصادي وانفتاحها على الأسواق الحرة ومقدرتها على الاندماج في الاقتصاد العالمي. وإذا أرادت إيران أن تصبح دولة كبرى، فعليها تنمية اقتصادها بحيث يصبح محركاً للنمو في المنطقة. ويفترض هذا أن تتواءم مع التحول الاقتصادي النشيط الجاري في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وهو بروز طبقة وسطى جديدة ستكون المدخل إلى اندماج المنطقة في الاقتصاد العالمي وبناء علاقات أفضل مع الغرب. هذه الطبقة الوسطى الناهضة حديثاً ينبغي أن تستقطب اهتمام قيادات الولايات المتحدة وسائر الغرب لزيادة طاقاتها، بدلاً من ترك الساحة خالية أمام قوة الأصولية الوهمية لتطبع النظرة إلى المنطقة بطابعها الخاص.
ويعتقد ولي نصر أن السنتين )بين 1979 و (1981اللتين هزت خلالهما الأصولية العالم وروعت الغرب، كانتا أيضاً زمن بلوغها قمة القوة. وعلى الرغم من قوة الأصوليين في إيران وباكستان ومصر ودول أخرى في العالم الإسلامي، إلا أنهم لم يتمكنوا من الإطاحة بأية دولة أخرى منذ الثورة الإسلامية في إيران. وفي هذا دليل على رفض الطبقة الوسطى في العالم الإسلامي لتكرار تجربة الدولة الإسلامية الفاشلة في إيران، والتي أعطت مثالاً أنذر المثقفين والقطاع الخاص والطبقة الوسطى والأغنياء من مخاطر هذا النموذج على الاقتصاد الحر والقطاع الخاص والحقوق والحريات السياسية والاجتماعية.
ويرى نصر أن النزعة الأصولية في الإسلام لا تمارسها أغلبية الناس، وهي آخذة في التراجع، بينما اكتسحت منذ العام 1980 الشرق الأوسط موجة انبعاث إسلامية، وقد ركبت الأصولية تلك الموجة، لكنها لم تغذها. فهذه هي أكبر وأوسع وأعمق من الأصولية، حيث أن الأكثرية الساحقة من المسلمين هم معتدلون وواقعيون في الأمور الدينية ويوازنون بين الشريعة والتقوى من جهة، وبين جرعة ملائمة من الممارسات الروحية والمفهوم الشعبي للدين من جهة أخرى.

مأزق إيران
يخلص الباحث إلى أن التركيبة الإيرانية المكونة من الدين والسياسة والاقتصاد، والتي تمتزج فيها "الأصولية الدينية الشيعية مع جرعة كبيرة من الصراع الطبقي وكره الرأسمالية"، قد أدت إلى تدهور البلاد إلى الحضيض. ويشرح نصر ذلك بأن القيادة الدينية كثيراً ما استخدمت عزلة إيران عن العالم لإحكام قبضتها الاقتصادية والسياسية على البلاد. وفور نجاح ثورة 1979 تعرض القطاع الخاص إلى التأميم أو البيع، وزاد عدد الموظفين الحكوميين إلى ثلاثة أضعاف، وشلت حركة الاقتصاد بتأثير العقوبات الدولية والحرب الدموية لثماني سنوات مع العراق(1980-1988). وعندما استنفدت الحكومة جميع الخيارات في بدايات تسعينات القرن الماضي، سعى الرئيس هاشمي رفسنجاني حينها بحذر إلى إعادة الحياة إلى القطاع الخاص. وتسارعت هذه الجهود بعد انتخاب الرئيس خاتمي عام 1997 وبدأ رأس المال الأجنبي بالاستثمار في إيران. وترافق مع الإصلاح الاقتصادي تحقق انفتاح سياسي تدريجي، فزادت فاعلية منظمات المجتمع المدني، وعادت سلطة القانون وانطلقت موجة من الجدل العام بين الإصلاحيين والمحافظين.
لكن تبين لاحقاً ان القيادة الإيرانية لا تتحمل الواقع الجديد، فقامت بالانقلاب على الحركة الإصلاحية. وهنا يضع نصر المسؤولية على كاهل المرشد الأعلى علي خامنئي الذي دعا قوات الحرس الثوري إلى كبح مسيرة الإصلاح الاجتماعي والمحافظة على التحالف المشبوه بين رجال الدين وزمرة السياسيين الذين أنجبتهم الثورة.
وأدى انتخاب الرئيس الشعبوي نحمود أحمدي نجاد عام 2005 ـ بدعم من خامنئي ــ إلى تعزيز الجهد المضاد للإصلاح وتوجيه ضربة قوية إلى الآمال الطامحة بتحقيق انفتاح اقتصادي أكبر. ولكن انفتاحاً من نوع آخر حصل بعد ذلك، حيث انفتحت خزائن الدولة لتضخ عشرات المليارات من الدولارات على شكل إعانات، ومكافآن نقدية، وحملة بناء مدعومة حكومياً، فكان أن ارتاحت لذلك الطبقة الدنيا، وتهدمت أركان الطبقة الوسطى. كما تدهورت قيمة العملة وارتفع مستوى التضخم مما أدى إلى إجهاد المتقاعدين والموظفين الحكوميين. لقد كانت العواقب السياسية لما حدث واضحة واضحة في يونيو/حزيران 2009، حيث اتخذت
الحكومة إجراءات صارمة ضد المعارضة لادعائها بأن الحكومة زورت الانتخابات الرئاسية لمصلحة أحمدي نجاد وسرقت أصوات الإصلاحيين.
ويعتقد الكثير من المراقبين العارفين أن ما حدث كان انقلاباً نفذه خامنئي والحرس الثوري للمحافظة على السلطة بما يعارض رغبات عشرات الملايين من الناخبين الإيرانيين. ويشير المؤلف إلى أنه ليس هناك إلا القليل من الانتباه للمكون الاقتصادي في السلطة الإيرانية وإنشاء ما يدعوه نصر "شركة الجمهورية الإسلامية"، فما تمارسه الحكومة من احتكمار على المستوى السياسي يرافقه احتكار على المستوى الاقتصادي.

الإسلام والتجارة
خلال زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر لتركيا في تشرين الثاني/نوفمبر 2006، زار الجامع الأزرق المبني في القرن السابع عشر، والذي جاءت تسميته من وجود أكثر من عشرين ألف قطعة من بلاط نيقية الخزفي الأزرق تكسو جدرانه الداخلية. وقد لاحظ البابا وجود لوحة عليها كتابة بيضاء محفورة في قنطرة عند المخرج الرئيس للجامع، فسأل مرافقه عن معنى الكلام المنقوش فقيل له إنه حديث للرسول محمد "الكاسب حبيب الله". اكتشف البابا أن آخر ما يقرأه المصلون وهم يخرجون من الجامع هو دعوة لممارسة التجارة.
يقول الباحث إن الولايات المتحدة غير غافلة عن أهمية التجارة بالنسبة للعالم الإسلامي. فهي كانت تدعم الإصلاح الاقتصادي والمبادرات التجارية في العالم الإسلامي، لكن اهتمامها انصب على العمل مع المخططين الحكوميين ونخب كبار رجال الأعمال. غير أن التغيير لن يأتي من هذه الطبقة العليا، فهي قد بدلت الكثير في ترسيخ الوضع الراهن وتعتمد اعتماداً كلياً على الدولة، بل إن حركة التجارة والأعمال هي ما ينبغي أن نوجه العناية له. إذ ينهض الآن في أنحاء المنطقة اقتصاد جديد كلياً يمزج القيم المحلية بمستويات الاستهلاك المتنامية ويبني علاقات تزداد متانة مع الاقتصاد العالمي.
ويروي نصر بأنه التقى في ربيع العام 2009 في دبي، بمجموعة من رجال الأعمال الشرق أوسطيين، وكانت تلك الإمارة الصغيرة قد وصلت قبل فترة قصيرة، إلى قمة الثروة والازدهار. وكان النقاش حول الأزمة المالية العالمية والمصارف المفلسة وهبوط أسعار العقارات. قال أحدهم: إن الأموال تتجه إلى بيروت والجميع يودعون كل ما يستطيعون إيداعه في المصارف اللبنانية". وعندما سأل الباحث ما الذي يدعوهم إلى الاطمئنان لوضع أموالهم الطائلة في عهدة مصارف في بلد معروف بكثرة الحروب وعدم الاستقرار. أجاب أحدهم: "أسعار الفائدة في لبنان أعلى من أسعارها هنا". وأوضح آخر أن المصارف اللبنانية هي خارج النظام المالي العالمي، وليس لديها أصول مضطربة لتخشى عليها. كما أنها ليست مهددة بالانهيار أو باستيلاء الحكومة عليها كما هي حال مصارف لندن ونيويورك".
ويخلص الباحث إلى أن الرأسمالية لم تزل حية تنبض في الشرق الأوسط، من تحركات رجال الأعمال لحماية وزيادة أصولهم في العالم الإسلامي، من خلال زيادة مراكز التسوق ومحلات البيع بالمفرق، ليس فقط في دبي وكوالالمبور ولكن كذلك في بيروت وطهران، حيث تعج بمراكز التسوق الفاخرة، فضلاً عن انتشار القنوات الفضائية والصحون اللاقطة لها وانتشار الانترنت، وانتشار مطاعم الزجبات الريعة والمقاهي والسلع الاستهلاكية والالكترونية ومراكز الترفيه والسياحة والخدمات المصرفية.
كما يشير الكاتب إلى انتشار التمويل الإسلامي وتوسع سوقه ونموه بنسبة عشرين في المئة سنوياً، وبلوغ أصوله نحو تريليون دولار عام 2010. وهناك نحو ثلاثمئة مصرف وشركة استثمار إسلامي في أكثر من خمسة وسبعين بلداً. وهكذا ترافقت العولمة وصعود الطبقات الوسطى الموسرة مع الرغبة في العيش عيشة التزام بالإسلام. وثمة نقطة حاسمة تتميز بها هذه الطبقة الوسطى المهمة ويصعب على الغربيين فهمها، وهي أن هؤلاء المسلمين يعتبرون أن الإسلام هو الدعامة الأساسية في التوجه نحو الجداثة. هم يريدون الجنة لاحقاً، لكنهم يريدون الثروة الآن، ويظنون أن تدبر أمر الأخيرة بشكل جيد يمكن أن يوصلهم إلى الأولى.
ويتساءل نصر إن كان رجال الأعمال المسلمون سيقودون ثورة رأسمالية في القرن المقبل، كما فعل أبناء المدن الهولندية البروتستانت منذ أربعة قرون، ليجيب أن ذلك ممكن، مستشهداً برأي عمدة مدينة قيصرية الواقعة في وسط تركيا، وهي موطن العديد من رجال الأعمال المسلمين المعروفين بـ"نمور الأناضول".
فإذا كانت ستنشأ رأسمالية حقيقية في الشرق الأوسط، بالمعنى المطلق لهذا المفهوم كما عرفه الغرب، أي يؤدي نشاط الأفراد العاملين في الأسواق إلى النمو والازدهار، فإنها ستكون نابعة من رجال الأعمال الأتقياء وليس من مبادرات الدولة ولا من نخبة الاقتصاديين الذين يحظون برعاية الدولة والذين طالما تحكموا باقتصادات دول الشرق الأوسط. لقد ابتكر البروتستانت العصر الحديث، لكن ما حول العالم لم يكن تزمتهم الديني وإنما كان في الواقع حركة التجارة والأعمال. وإذا كان الشرق الأوسط سيندمج حقاً في الاقتصاد العالمي فينبغي أن يتحول إلى الديموقراطية ويعطي المرأة حقوقها ويعتنق القيم التي تسمو فوق الفوارق الثقافية ويطوق التطرف. وبعد كل ذلك لا بد أن يتحول عن طريق الثورة الرأسمالية. فالمعركة التي ستمهد الطريق إلى هزيمة التطرف الديني والتحرير الاجتماعي إنما هي معركة تحرير الأسواق. فإذا انتصر رواد حركة التجارة في القطاع الخاص والطبقة الوسطى الصاعدة بهذهالحركة،فإن التقدم على صعيد الحقوق السياسية سوف يتبع ذلك.
حتى في إيران، فإن إمكانات الانفتاح والدخول من بوابة الاقتصاد إلى المجتمع العالمي متوافرة. وأظهرت الاحتجاجات بعد الانتخابات الرئلسية أن في إيران مجتمعاً مدنياً ديناميكياً يضم نشطاء حقوق المرأة والطلاب والنقابيين والصحافيين وأصحاب المدونات الالكترونية والفنانين والمثقفين. وإذا أردنا أن نتأمل كيف يمكن للتغيير في إيران أن يغير الشرق الأوسط وكيف يمكن تصور إيران صاعدة أن يأخذ المنطقة المحيطة بها في اتجاه جديد، فعلينا أن نستنتج أن الأمور ستجري على ما يرام عندما تتوافق التطورات داخل إيران مع التوجهات العالمية السائدة في المنطقة. فمن مصلحة الغرب رؤية إيران منسجمة مع منطق التغيير الاقتصادي لا معارضة له، والتجاوب مع قطاع الأعمال الصاعد والطبقة الوسطى الجديدة التي ستغير الأوضاع السياسية والدينية، ثم توسيع الاتجاه نفسه ليعم العالم العربي.
لقد آن الأوان لنقلع عن البحث في صراع الحضارات ونعود إلى التفكير في قدرة الأسواق والتجارة على التغيير، وهي الأفكار التي كانت من أسس الليبرالية الكلاسيكية والفكر السياسي الحديث.
ويرى نصر في استعراضه للآفاق المحتملة والتحديات الماثلة أمام الطبقة الوسطى الصاعدة، أن بعض البلدان مثل دبي وتركيا، يسير قدماً بسرعة فائقة بينما يتخبط بعضها الآخر في شرك التناقضات الداخلية مثل إيران وباكستان. ويبحث نصر في فصول الكتاب أسباب اختلاف أوضاع تلك البلدان ويحاول فهم تطلعات الطبقة الوسطى الجديدة فيها.

العالم على طريقة دبي
"معجزة دبي" أضحت على كل لسان. فقد تحولت هذه الإمارة الصغيرة القليلة السكان من ساحل الخليج العربي بين ليلة وضحاها إلى إحدى أكثر حواضر العالم توهجاً. لقد كانت دبي تفيض بالأصول المالية، وتتباهى باحتضانها لأفخر فنادق العالم، وتجذب أكثر من ستة ملايين زائر سنوياً. وهذا إنجاز ليس صغيراً إذا علمنا أن سكان إمارة دبي الأصليين(الإماراتيين) لا يتجاوز عددهم مئة ألف نسمة. لكن دبي شهدت العام 2009 انفجار الفقاعة الخيالية التي كانت مسؤولة عن اجتذاب الكثير من مصادر نمو هذه الإمارة. فقد توقفت عمليات البناء، وظلت المشاريع الطموحة حبيسة المخططات. كما تطلب الأمر عشرات المليارات من الدولارات على هيئة ضمانات مالية من إمارة أبوظبي لحماية المشروع من الغرق بالكامل، بعدما عجزت شركات الإمارة من سداد مستحقات ديونها البالغة أكثر من ثمانين مليار دولار.
ويبدي الباحث ولي نصر في كتابه "قوى الثروة" حماساً لنموذج دبي، كمجتمع رأسمالي متعدد الأعراق معزول عن تأثيرات العنف والآيديولوجيا. وهو يعتقد أن فكرة هذا النموذج قد تنقذ الشرق الأوسط من دوامة مهلكة يغذيها التعصب الديني والتشدد السياسي. ويخلص نصر في كتابه إلى أن انتصار مبدأ السوق الحر في الشرق الأوسط سيمهد الطريق لهزيمة التطرف بشكل حاسم وتحقيق التحرر الاجتماعي، ويليه التحرر السياسي. لا يتناول الباحث في الكتاب تجربة دبي فحسب، وإنما يناقش الوعد المثابر لدبي، والصراعات في إيران، والنجاح في تركيا. وبإسناد هذه المناقشات بدراستين موجزتين لمصر وباكستان، يقترح نصر أن الرأسمالية حيثما ازدهرت حملت معها التسامح والاعتدال أيضاً.
وبعد أن يبت بانحسار أمواج الماركسية، يرى نصر أن التدين الشائع في أوساط الطبقة الوسطى ما هو إلا طريق تسلكه المجتمعات المسلمة لتحقيق الاندماج مع بقية مجتمعات العالم، يقول: "هذه الطبقة الصاعدة تستهلك الإسلام بمقدار ما تمارسه". وهي تسعى إلى تبني الحداثة بالشروط الإسلامية دون رفضها واعتبارها شكلاً من أشكال الفساد. أما العقائد الشعبوية القديمة التي ركزت على الحقوق السليبة وشجعت على المقاومة فتعيش حالة متدهورة. ولهذا يحذر نصر من أن تؤدي الموارد التي تبذل لدعم الأفكار المتحررة في المجتمعات الإسلامية إلى تغذية الحروب بين الثقافات المختلفة.
ومن بين النماذج الثلاثة التي حواها الكتاب تجتذب دبي معظم الاهتمام بشكل واضح. فثروتها المدهشة واحتضانها للمهاجرين تبقى مميزة عن المشاعر المعادية للاستعمار والأجانب التي نصادفها في بقية أرجاء الشرق الأوسط. وما تحتويه من بيئة أعمال فعالة ومستوى راق من معايير الحياة يجعل الإمارة قاعدة أكثر جاذبية للهاربين من الغرب بالمقارنة مع أي مكان آخر في الشرق الأوسط. وما يشيع في دبي من ثقافة الممكن التجارية تجعل منها المكان الذي يقصده حتى رجال الأعمال العرب من أجل التفاوض على الصفقات. كما أن الإيرانيين يتواجدون في كثرة في دبي بغرض التجارة والترفيه، حتى أن بعض الإحصائيات تشير إلى أن عددهم في الإمارة يفوق عدد الإماراتيين بأربعة أضعاف. لقد أصبحت دبي ملجأ آمناً من المعارك التي تندلع في جميع أنحاء الشرق الأوسط حول المال والسياسة والدينن فدبي لا تعبأ بصدام الحضارات، وإنما تهتم بالحداثة والراحة والربح.
وقد يوجه نقد إلى الباحث نصر مفاده أن دبي، على الرغم من كل نجاحاتها، ليست نموذجاً مثالياً لما يمكن أن يكون عليه مستقبل الشرق الأوسط. فالسكان الأصليون قليلو العدد حكمت عليهم الضرورة أن يعيشوا كأقلية على أرضهم. والقوة العاملة منهم يسهل توظيفهم بأجمعهم في مجالات الأمن والإدارة والجمارك وغيرها من وظائف القطاع الحكومي، والتي تستوعبهم جميعاً. ومع ذلك يشكو الكثيرون من مواطني الإمارات من البطالة بحيث فرضت حكومة الإمارات على القطاع الخاص توظيف نسبة من الإماراتيين في الشركات وحصرت بعض الوظائف بالمواطنين. كما أن دبي تدين بجانب من نجاحها إلى جارته الغنية بالنفط أبوظبي، والتي كانت عائدات نفطها يستثمر بعضها في مشاريع دبي من جهة، وشكلت لاحقاً ضماناً لحماية دبي من الانهيار. من هنا فإن نموذج دبي مناسب جداً لدبي، لكن لا يمكن تطبيقه في باقي أرجاء الشرق الأوسط إلا بشكل محدود، فضلاً عن دور غسيل الأموال ووجود الحانات وانعدام القيود الدينية والمحافظة فيها في اجتذاب السياح والمستثمرين والمقيمين، وهي مسائل لا يمكن نقلها إلى دول إسلامية أكثر محافظة.

النموذج التركي
يرى المؤلف أن تركيا تمثل توازناً أكثر سعادة بين الدولة والناس، حيث قضى منهج مؤسس جمهورية تركيا، كمال أتاتورك العلماني بأن تحرك الدولة عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية بهيكلية متدرجة من الأعلى إلى الأسفل في منتصف القرن العشرين. فخططت الدولة للاقتصاد، وبنت المصانع، ونظمت التجارة، وفرضت العلمانية الصارمة باعتبارها عنصراً ضرورياً من عناصر التحديث. لكن العقود الأخيرة شهدت هيكلية مختلفة تنطلق من الأسفل إلى الأعلى، وسوقاً حرة، ومنهجاً دينياً نشأ في البلاد بالترابط مع ازديايد ثروات أعضاء حزب العدالة والتنمية الإسلامي. وبطل الحكاية التركية هو تورغوت أوزال رئيس وزراء تركيا في ثمانينات القرن الماضين إذ بث الحياة في منطقة الأناضول الحيوية من خلال المساعدة على تكوين شبكات من أصحاب المشاريع الرائدة المتحررينٍ من هيمنة النظام الرأسمالي الحكومي الذي أنشأه أتاتورك. وكان أصحاب هذه المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي حققت النجاح من المحافظين والمتدينين، يقارنهم نصر بالجمهوريين في وسط الولايات المتحدة الأميركية. وساعد ذلك على الوصول إلى لحمة دينية سياسية لم تكن في ما سبق أمراً يمكن تصوره في تركيا.
ولا تزال قيادة الجيش التركي، وهي الجهة المسؤولة عن حماية إرث أتاتورك، تنظر إلى حزب العدالة والتنمية بعين الريبة. وتنتشر في الفضاء السياسي التركي اتهامات لهذا الحزب بأنه ليس سوى "عصابة من المتطرفين ترتدي البذلات وتسعى إلى إسقاط الجمهورية التركية".
ويبدو نصر راضياً عن حالة التنافس في تركيا، فهو يرى أن "التجارة قد قيدت سلطات الدولةن كما خففت حدة التوجهات الإسلامية". لقد تصادف بروز حزب العدالة والتنمية مع بروز طبقة وسطى رأسمالية ومع الابتعاد عن تسلط الدولة على الاقتصاد. كما يرى نصر أن مطالب ناخبي الطبقةالوسطى أجبرت الحزب على أن يصبح قوة تكنوقراطية متاسمحة نسبياً في السياسة التركيةز وقد ساعد التنافس الانتخابي على صياغة شكل أكثر اعتدالاً من الإسلام السياسي,
إذن ما هو الذي جرى على النحو الصحيح في تركيا، وجرى على النحو الخاطئ في إيران؟ يجيب الباحث نصر بأن البلدين قد نهضا من رماد عملية تحديث فاشلة طبعت الشرق الأوسط بطابعها في منتصف القرن العشرين، حيث قامت هذه العملية على أسس جهود علمانية تديرها الدولة، وأنتجت القليل من الثروة وأقل القليل من الحرية. في عام 1963 توقع الباحث المختص بشؤون الشرق الأوسط مانفريد هاليبرن بأن ازدياد قوة الدول المستقلة سيؤدي إلى أن تقوم الطبقة البرجوازية الصغيرة المتنامية المكونة من أساتذة المدارس والضباط والموظفين بتشكيل طبقة وسطى جديدة وقوة تسعى إلى التحديث. ولكن نصر يقول إنه نظراً إلى كون هذه المجموعات من منتجات الدولة، فقد فقدت دورها كوسيلة لإقرار مبادئ الحرية المدنية، فسعت بدلاً من ذلك إلى ترسيخ الرعاية الحكومية. وعلى الرغم من ذلك، أحس نطاق عريض من هذه الطبقة بالإحباط نتيجة استمرار الفقر وانعزالهم عن الحكام الذين بدوا أكثر ارتياحاً في صالونات أوروبا منهم في عواصم بلدانهم. وكان أن قدم الإسلام بوصفه مجالاً لتنظيم الجهود المعادية للواقع الراهن المتردي فضلاً عن كونه الإطار النظري لهذه الجهود المعادية للعلمانية والاستعمار والاستغراب. ففي إيران تسببت الوطنية العلمانية القمعية التي انتهجها الشاه محمد رضا بهلوي بولادة حركة معارضة نتجت عنها الجمهورية الإسلامية.
وفي مصر وغيرها من الدول أدت الوطنية العلمانية إلى خلق مجموعات تنتهج سبيل العنف وتوظف الشعارات والرموز الإسلامية في جهودها الرامية إلى إسقاط الحكومات القائمة. وأدت هذه الحركات بدورها إلى خلق انطباع لدى الكثير من مراقبي شؤون المنطقة بأن الحكومات ذات التوجه الإسلامي ستكون غير متسامحة مع المرأة والأقليات، وستكون مناهضة لرغبات الأكثرية ومعادية للمصالح الغربية.
لكن نصر لا يتفق مع هذا الانطباع محاججاً بأن شيوع نمط من الوطنية أكثر إسلامية من شانه أن يتلاءم بشكل أسهل مع الطبقة الوسطى، ويجلب مبادئ الحرية المدنية إلى السياسة، ويؤدي إلى حركة اعتدال جديدة على امتداد الشرق الأوسط. كما ينتقد نصر فكرة دعم جهود تعزيز مبادئ العلمانية، وذلك لأنها معركة خاسرة، وذلك لأن "خط المواجهات الحالي في الكثير من المجتمعات الإسلامية لا يقع بين الإسلام والعلمانية، وإنما بين أشكال الإسلام ذاته". ويحاجج نصر بأن الدفاع المستمر عن العلمانية الخالصة لا تثمر إلا شعور المسلمين بالتعرض للحصار وتغذي حرباً ثقافية لا يمكن للغرب أن يربحها.
ويقترح المؤلف أن من الأفضل كثيراً اعتماد تعزيز انفتاح اقتصادي أكبر لتقوية الطبقة الوسطى ليتم بعدها الاعتماد على ما لدى هذه الطبقة من نية حسنة لكبح جماح مظاهر أكثر تطرفاً من الإسلام السياسي. ويشير إلى أن معظم المسلمين في الشرق الأوسط لم يقوموا "بدعم الأحزاب الأصولية في الانتخابات ما لم تتخلَ هذه الأحزاب، على الأقل، عن المكون الأصولي في أهدافها المعلنة". وهو يرى أن الجيل الجديد من أغنياء المسلمين لا يعرف ما هي الكراهية، ونمط الإسلام الذي يؤمنون به "يمجد التقوى ويرفض العنف والتطرف".
ويؤخذ على هذا الرأي أن الثروة لا تقف حائلاً دون التطرف فقد ترعرع أسامة بن لادن في أسرة ثرية جداً وورث ثروة هائلة، لكنه اتجه نحو أقصى التطرف الإسلامي. كما يقوم الكثير من رجال الأعمال المسلمين بدعم تنظيم القاعدة والحركات الأصولية المتطرفة.
والأمر الذي يثير الاستغراب هو غياب دراسة حالة السعودية في الكتاب الذي ركز كثيراً على إيران، وبحث حالات دبي وتركيا وباكستان ومصر، لكن كتاباً يفترض به أن يتحدث عن الدين والاقتصاد والسياسة في الشرق الأوسط، لا ينبغي له أن يغيب السعودية، بسبب موقعها السياسي والاقتصادي في المنطقة من جهة، ودورها في نشر الأصولية السنية من خلال نشر ملايين الكتب الدينية وترويجها في العالم الإسلامي، فضلاً عن المدارس والمعاهد الدينية، وتدريس الآلاف من رجال الدين في المملكة، إلى تمويل بعض رجال الأعمال السعوديين لتنظيم القاعدة وانضمام الكثير من الشباب السعوديين إلى هذا التنظيم المتطرف

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صعود قوى الثروة-  قراءة: د.هيثم مزاحم
صعود قوى الثروة:
نهضة الطبقة الوسطى الجديدة في العالم الإسلامي
المؤلف: ولي نصر
ترجمة: هاني تابري
الناشر: دار الكتاب العربي – بيروت – طبعة أولى – 2011


التعامل مع تعددية الأديان والمذاهب، والرؤى الفكرية خارج أطر الأديان والمذاهب

7 أغسطس 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

توطئة:  
تكاثرُ المشاكل الإنسانية وتزايدُها طردا في التشعب والتعقيد يحفزنا جميعا على بلورة فهم أدق لطبيعة المشاكل التي نواجهها، أكان على الصعيد الوطني أو الإقليمي أو العالمي.  ينطبق هذا بالأخص على تلك المشاكل التي تكمن وراءها خلفيات قديمة لا يزال اجترار الاختلافات الموروثة منها تستثير  خصاما سياسيا-اجتماعيا في حراك هذا العصر.  أملي أن تساعد حوارات بناءة هادفة كحوارنا هنا اليوم في تكوين فهم معرفي أدق وأفسح لتلك الاختلافات: فهمٍ ينمي فينا السعة لتفهم أكثر موضوعية للتنوع والتعدد الديني والمذهبي والفكري، في أوطاننا، إقليميا وعبر العالم، ومن ثم يمكّننا من التعايش مع التنوع والتعدد، وحتى التعارض، بوئام وطيد لا يصدر معه من   أي دين أو مذهب أو منظور فكري مسلك تعصبي إزاء دين أو مذهب أو منظور فكري مغاير.   
شاعر إنكليزي في القرن السابع عشر (جون دون) لاحظ أن لا شخص منفصل بذاته عن مجتمعه، كانفصال جزيرة وسط بحر.  اليوم، إذ نحن نعايش العولمة في جل المعطيات المعاصرة، نلاحظ أن هذا ينطبق أيضا على وضع كل مجتمع معاصر نسبة إلى المجتمع الأممي.  نلاحظ وضوحا أن لا مشكلة محلية  تبقى طويلا معزولة عن الشأن العالمي.  أي اضطراب أو عثار في الحال الإنساني، أينما يحدث في قريتنا العالمية، أكان جراء صراع سياسي، أو نزاع ديني، أو خصام مذهبي، أو هتك لحقوق الإنسان، أو تلويث للبيئة، أو جحود لحقوق المواطنة من قبل أنظمة حكم متعسفة، أو سوى ذلك…  إذا ما تفاقم سرعان ما يسري أثره مدار الأرض.  خلاصةً، إذن، ما من شأن داخلي إلا إذا تعاظم، إيجابا أو سلبا، غدا شأنا خارجيا بامتياز. والعكس صحيح. 
بإدراك  تكاثف هذا التشابك في الحال الإنساني تبرز  الحاجة أكثر إلحاحا من أي وقت سبق لأمم الأرض إلى أن تتواءم وتتعاون في إطار اعتماد متبادل لا غنى عنه لأيما دولة معاصرة.  بمثل ذلك، تبرز الحاجة إلى أن يتعامل المواطنون في أيما دولة ما بينهم بوئام وتعاون في إطار مواطنة متساوية، قائمة على أساس تكافؤ الحقوق من جهة، وتناسب الاستحقاقات والواجبات من الجهة الأخرى.  كذا إقليميا تبرز الحاجة إلى أن تتواءم وتتعاون الدول في إطار التكافؤ السيادي وحسن الجوار.  كذا عالميا تبرز الحاجة إلى أن تتواءم وتتعاون جميع المجتمعات الوطنية في إطار صداقة وتبادل مصالح.  كل ذلك بصرف النظر عما يوجد بين الشعوب، ومرارا ما بين الشعب الواحد، من تنوع الانتماء، فكرا ودينا ومذهبا وعرقا وسوى ذلك.  خلاصةً، إذن، تعددية الأديان والمذاهب والرؤى الفكرية والأعراق في أيما مجتمع معاصر لا تضر ولا تضير إذا هي انتظمت تحت وحدة الجامع الإنساني عالميا، وانضبطت تحت وحدة المواطنة المتساوية بين المواطنين، ذكور وإناث، في كل مجتمع.   
إزاء هذا التشابك في الواقع الإنساني في عصرنا، عالميا، إقليميا، ووطنيا، الإهتمام ببحث التنوع الديني والمذهبي، وأيضا التنوع الفكري خارج أطر الأديان ومذاهبها، بحثا معرفيا وعقلانيا، خلاف ما يجري مرارا من تراشق انفعالي بين المتطرفين من كل دين أو مذهب أو منظور فكري، أمر ضروري.  هو ضروري لأجل نبذ التعصب مطلقا، ومن ثم اتقاء ما قد يفجر التعصب المتبادل من صراعات عنفية.  هو ضروري أيضا لأجل تمكيننا من بناء حياة كريمة آمنة، موفورة العطاء المنمي لأحوال الجميع.  خلاصةً، إذن، مع أن الغيرة على الدين أمر حميد، إلا أن التعصب من قبل أيما دين ضد دين آخر ليس كذلك.  كذا الغيرة على مذهب أو منظور فكري، إذا خامرها تعصب ضد مذهب أو منظور فكري آخر سرعان ما تتشوه وتؤدي إلى عواقب تغب وتحمق.  
التحاور إسلاميا – وليس سياسيا – بين المذاهب في الإسلام
في ضوء ما تقدم دعنا نتدارس الإطار الإسلامي والتعدد المذهبي ضمنه، تحديدا.  لأجل ذلك، دعنا ابتداء نرسم للإسلام رسما أساسيا كدين جامع، دعوته موجهة للناس كافة، ورسوله مبعوث رحمة للعالمين: دعوةُ قائمةً على منهاج الإقناع لا الإكراه، ومنضبطة بندب القرآن المجيد المسلمين كافة إلى أن يدعوا بالحكمة والموعظة الحسنة، ويدفعوا ويجادلوا بالتي هي أحسن.               
كجميع الأديان الكبرى التي لها أطر وسيعة، الإسلام يتكون من أربعة محاور: العقائد، الشعائر، الأحكام، الأخلاق. 
على صعيد العقائد، يتمحور الإسلام في ثلاثة أصول: التوحيد، النبوة، المعاد.  مؤدى هذه الأصول هو 1) الإيمان بالله واحدا أحدا، فردا، صمدا، ليس كمثله شيئ.  2) الإيمان بأن الله مصدر هداية البشر، بواسطة أنبياء ورسل يبتعثهم من بين البشر، وأن محمدا خاتم  الأنبياء والمرسلين.  3)  الإيمان بالآخرة دارَ حساب وجزاء. 
على صعيد الشعائر، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج وشهادة لا إله إلا الله، محمد رسول الله، تشكل أركان الإسلام الخمسة.
على صعيد الأحكام، يلزم الإسلام المسلمين بالتمسك بشريعته.  إلى جانب الشعائر التعبدية، تحدد الشريعة الأحوال الشخصية وأحكام المعاملات.  الزواج، الطلاق، الحضانة، النفقة، الميراث، التجارة، العقود …أحكام كل تلك وأحكام أمورٍ جمة أخرى مبينة تفصيلا في الشريعة الإسلامية. 
أخيرا، على صعيد الأخلاق، يؤصل الإسلام السلامة والصلاح للأفراد والمجتمعات بسواء في الالتزام بمبادئ العدل، والمساواة، وكرامة الإنسان، والشورى في الحكم والحياة، معتبرا إياها مبادئَ جذريةً لاستقامة الشأن الإنساني، عمومه وخصوصه، في كل زمان ومكان.  كذلك، يندب الإسلام إلى القيم المنمية للحياة: حاضا بالأخص على الصدق، الإحسان، الأمانة، التواضع، التعاون، إتقان العمل، الصفح، طلب العلم، حسن الجوار، إلى جانب خلائق أخرى من مكارم الأخلاق مشهودة الخير في إثراء خبرات سائر الأمم عبر التاريخ.  
ما سبق ذكره هو ما تتشكل منه أرومة الإسلام وتصطبغ به عموم مضامين رسالته العالمية. التزام كافة المذاهب الإسلامية بذلك كله بيّن وثابت بسواء: جميع المذاهب تقر بالقرآن كلامَ الله المنزلَ والمحفوظَ للأبد، وبالسنة النبوية منظومةَ أفعال وأقوال فضلى ملزم اتباعها  للمسلمين كافة.  بهذا المعنى، كأمر أساس، جميع المسلمين يحتكمون إلى مرجعية واحدة  لاستنباط أيما أمر حياتي أو أخروي له في الإسلام فهم صريح أو حكم محدد. 
مع رسوخ هذه الأرضية الأساسية المشتركة، ما هو إذن هذا الذي يُختلف عليه بين مذهب وآخر في الإسلام لدرجة أن الاختلاف مرارا ما يولد تشنجا بين المذاهب، وعندما يتفاقم يولد تعصبا متبادلا يؤدي إلى تخاصم فاحتراب؟  بنظري، لا يوجد ما يفسر ذلك سوى قصور  في فهم أصحاب مذهب للمذهب الآخر، قصور ناتج عن ضيق في الاستيعاب المعرفي لما لدى المذهب الآخر من نظر مستنبط باجتهاد منهجي مأثور لديه.  في مجال الحوار، عندما يشوب الحواره شحن تعصبي مسبق لدى المتحاورين، فإن مزيج قصور الفهم والتعصب سرعان ما يطلق  فورة انفعالية تفسد سلامته، ومرارا ما تؤدي إلى إفساد الود حتى بين خُلّص الأصحاب.  في حديثي، بقدر ما سيتاح من وقت، سوف استعرض نموذجا سليما، بل راقيا، للحوار بين المذاهب الإسلامية، بالأحرى بين السنة والشيعة على وجه التحديد، بقصد الحث على نبذ التعصب، والدعوة إلى توحيد الكلمة، وتوطيد الوئام الوطني في إطار المواطنة المتساوية بين جميع أتباع الديانات والمذاهب في كل موطن. 
نموذج جدير بالاقتداء
عام 1909، عالم شيعي بارز، يدعى عبدالحسين شرف الدين، حل بالقاهرة في زيارة لشيخ الجامع الأزهر، سليم البشري. كان شرف الدين من أصل لبناني، تحديدا من جبل عامل، لكن مولده كان في حي الكاظمية ببغداد، وتحصيله العلمي من الحوزة الشيعية بالنجف.  كان الباعث لزيارته شيخَ الأزهر إحساسه بأن السنة والشيعة يتباعدان عن بعضهما، وأن تباعدهما يضعف الإسلام… لذا وجب على علماء المذهبين تكثيف الجهود لأجل توطيد  الوحدة الإسلامية الحاضنة للجميع.  
في ذلك الوقت (مطلع القرن العشرين) كانت النخبة الثقافية العربية-الإسلامية قد أفاقت على حقيقة ما ساد العالم العربي-الإسلامي من تخلف مريع إزاء التقدم المشهود المنجز في العالم الغربي، ومن ذلك احتد بينهم نقاش غزير حول مسببات التخلف.  في مقابل الأطروحة العلمانية أن الموروث الإسلامي كان سبب التخلف، رد الإسلاميون أن على العكس، الابتعاد عن الإسلام كان السبب، وأن المطلوب موقف إسلامي موحد في وجه التحدي العلماني القادم من الغرب.   
كإسلامييْن راسخيْن، اتفق العالمان، السني الأزهري والشيعي النجفي، على أن الابتعاد عن الإسلام كان السبب الأعظم للتخلف، لذا على المسلمين أن يرتبطوا بشكل أوثق بتعاليم الإسلام.  اتفقا أيضا على أن ما توجد من اختلافات  بين مذهبيهما لا تمس أي أمر أساس، وأن المذهبين متلاحمان وراسخان سويا في الإسلام.
مع ذلك، حاولا أن يحددا ويتعاملا مع ما يوجد بين مذهبيهما من اختلاف.  في معرض ذلك، وجدا أن المشترك بين المذهبين – السني والشيعي -  أعم كثيرا من المختلف عليه، وأنه يكاد لا يوجد أمر خلافي يذكر بين الجهتين  سوى مفهوم الإمامة.  وإذ أدركا أن موضوع الإمامة وما يتفرع عنه من تباينات مذهبية أخرى سيستغرق منهما وقتا طويلا للبحث، اتفقا على أن لا يختزلا البحث، بل أن يتناولاه على سعة وبمنهجية محكمة عن طريق مراسلة مرسلة. ما نتج  إثر ذلك، على مدى ستة شهور، هي 112 رسالة متبادلة بين العالمين الجليلين، وثقها العالم النجفي في كتاب سماه ب " المراجعات ". 
قرأءة تلك الرسائل تعطي المرء ليس فقط فهما أوضح لنقاط التباين بين المذهبين، بل أيضا استيعابا أدق للأرضية الأوسع التي يلتقيان عليها حول الجوهر العقيدي في الإسلام.  فوق ذلك، هي تولد لدى القارئ إحساسا عميقا بضوابط الحوار وأدبه في التقليد الإسلامي.  هنا يلاحظ القارئ بإعجاب كم تتسم لغة الحوار بين العالمين  بالوقار والإيجاز، وكم يتسم نهج الحوار بالتركيز على السمين دون الغث.  هنا يلاحظ باعتزاز مدى تقدير كل منهما لعلمية الآخر في معطيات دين منزل هما في الإيمان بثوابته العقيدية سواء.  هنا يلاحظ القارئ أيضا الرغبة الخالصة لدى المناظرين في التوصل إلى فهم موضوعي حقيق -  رغبة تسري في ثنايا كل عبارة يسطرها أحدهما في سياق عرض حجته واستظهار حجة  الآخر.  (إزاء ذلك، وجب أن ألاحظ، ببالغ أسى وأسف، الفارق الفاحش بين سمو مستوى الحوار بين هذين العالمين، وهما من أقطاب هذه الأمة، ومن أدرى المسلمين بالإسلام، عمومه وخصوصه، وبين ما نشهد من رداءة المبارزات الكلامية عبر بعض الفضائيات العربية المستثيرة، بقصد على ما يبدو، لاختلافات لا تقدم ولا تؤخر إزاء رسوخ المذهبين سويا في الإسلام).
كشاهد على نقاء حوار العالمين، لعل من المفيد أن أورد هنا مقاطع من المقدمة التي صدّر بها العالم الشيعي النجفي كتابه (المراجعات) كي  يلمس القارئ مباشرة روح هذا الحوار النموذجي الذي جرى بينه ونظيره العالم السني الأزهري، والذي اختتم بتبادل أخلص عبارات المودة والتقدير:
يقول صاحب "المراجعات" في مقدمة الكتاب: 
"وهناك (بالأزهر الشريف) على نعمى الحال، ورخاء البال، وابتهاج النفس، جمعني الحظ السعيد بعَلَم من أعلامها المبرزين، بعقل واسع، وخُلُق وادع، وفؤاد حي، وعلم عيلم، ومنزل رفيع، يتبوأه بزعامته الدينية، بحق وأهلية.  وما أحسن ما يتعارف به العلماء من الروح النقي، والقول الرضي، والخُلق النبوي، ومتى كان العالم بهذا اللباس الأنيق المترف، كان على خير ونعمة، وكان الناس منه في أمان ورحمة، لا يأبى أحد أن يفضي إليه بدخيلة رأيه، أو بثة ذات نفسه.  كذلك كان عَلَم مصر وإمامها، وهكذا كانت مجالسنا التي شكرناها شكرا لا انقضاء له ولا حد.
شكوت إليه وجدي، وشكى إليّ مثل ذلك وجدا وضيقا، وكانت ساعة موفقة أوحت إلينا فيما يجمع الله به الكلمة، ويلم به شعث الأمة، فكان مما اتفقنا عليه أن الطائفتين –  الشيعة والسنة -  مسلمون يدينون حقا بدين الإسلام الحنيف، فهم فيما جاء الرسول به سواء، ولا اختلاف بينهم في أصل أساسي يفسد التلبس بالمبدأ الأسلامي الشريف، ولا نزاع بينهم إلا ما يكون بين المجتهدين في بعض الأحكام، لاختلافهم فيما يستنبطونه من الكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو الدليل الرابع، وذلك لا يقضي بهذه الشقة السحيقة، ولابتجشم هذه المهاوي العميقة. إذن أي داع أثار هذه الخصومة المتطاير شررها منذ كان هاذان الإسمان – سنة وشيعة – إلى آخر الدوران.
ونحن لو محصنا التاريخ الإسلامي، وتبينا ما نشأ فيه من عقائد وآراء ونظريات، لعرفنا أن السبب الموجب لهذا الاختلاف إنما هو ثورة لعقيدة، ودفاع عن نظرية، أو تحزب لرأي، وأن أعظم خلاف وقع بين الأمة اختلافهم في الإمامة، فإنه ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة، فأمر الإمامة إذن من أكبر الأسباب المباشرة لهذا الاختلاف.  وقد طبعت الأجيال المختفلة في الإمامة على حب هذه العصبية.
وقد فرضنا على أنفسنا أن نعالج هذه المسألة بالنظر في أدلة الطائفتين، فنفهمهما فهما صحيحا، بحيث لا نحس إحساسنا المجلوب من المحيط والعادة والتفليد، بل نتعرى من كل ما يحوطنا من العواطف والعصبيات، ونقصد الحقيقة من طريقها المجمع على صحته، فنلمسها لمسا، فلعل ذلك يلفت أذهان المسلمين، ويبعث الطمأنيمة في نفوسهم بما يتحرر ويتقرر عندنا من الحق، فيكون حدا يُنتهى إليه، إن شاء الله." 
الاختلاف حول الإمامة
كما أسلفت، اتفق العالمان على أن أعظم خلاف وقع بين الأمة هو اختلافهم حول الإمامة، فما كنه هذا الاختلاف؟
السنة، وهم يشكلون الغالبية العظمى من المسلمين، قالوا أن النبي توفي دون أن يعين وصيا أو خليفة له، أنه ترك للأمة اختيار من توليه قيادتها من بعده.  بذلك أودع المذهب السني السلطة الدينية والسياسية معا في الأمة نفسها، بشرط أن تلتزم الأمة  في عموم اجتهادها ومسلكها التزاما صحيحا وصميما بالقرآن والسنة.
في المقابل، قالت الشيعة أن النبي سمى ابن عمه وصهره، علي ابن أبي طالب، ليكون وصيه، لكن كلام النبي إما أنه لم يفهم على حقيقته في وقته، أو أنه لم يؤخذ به بعد وفاته.
هذا الاختلاف لاحقا تجاوز كونه مجرد اختلاف تاريخي، إذ اكتسب، إضافة لذلك، بعداً ذا طابع عقيدي وآخر ذا طابع سياسي.  بذلك غدت الإمامة لدى الشيعة عقيديا وظيفة مقررة إلهيا، مكملة لمهمة النبوة.  في تأييد ذلك قالت الشيعة أن الله بواسع علمه وحكمته لم يكن ليترك دينا شاءه أبديا وكافة للناس من دون أن يعين مرجعا معتمدا لتبيان أحكامه بشكل صحيح ودقيق، جيلا إثر جيل: من هنا اللزوم المستدام لدور الإمام في حصانة الرسالة وضمان نقائها في كل عصر.  وإذن، ليس أن عليا، كإمام للمسلمين موصىً عليه من صاحب الرسالة، كان ينبغي أن يخلفه فحسب، بل أيضا أن يتولى الخلافة من بعده ابناه الإمامان، الحسن فالحسين، ومن بعد الحسين الأئمة من ذريته كان ينبغي أن يتعاقبوا على قيادة الأمة إبنا عن أب عن جد. 
بمثل هذا المنطق أضحى الإمام لدى الشيعة شخصا مجتبىً من الله وموهبا منه بعلم لدنّي يضفي عليه عصمة من الخطأ في قول أو فعل.  من هنا أضحت طاعة الإمام فرضا واتباع منهاجه واجبا، ولأجل ذلك حصرت الشيعة استقاء فهمهم للإسلام من آل البيت دون سائر المصادر الأخرى. سياسيا، بقدر ما فارق هذا البعد العقيدي بين المذهبين ولد بينهما أيضا خصومة سياسية.
في المقابل، لا يرى السنة ما يراه الشيعة في الإمامة.  لدى السنه، الإمام شخص قائد في أيما حقل يتميز فيه.  أهلية القيادة لديه مكتسبة بفضل صفات شخصية، وجدارته كقائد تظل محل تقييم مستمر، وهو بذلك يبقى رهن عزل له أو عصيان أو تجاهل، إن أساء.  وعلى ما يرون، من بعد الرجوع للقرآن والسنة، لا يحتاج المسلمون سوى إلى ممارسة اجتهاد مبصّر بالإجماع والقياس، وأحيانا أيضا بالاستصلاح والاستحسان،  لكي يتوصلوا إلى أحكام صائبة إسلاميا في كافة الأمور، دنيوية وأخروية.
نتيجة التباين العقيدي اتبع السنة الأشعري (القرن العاشر) في الأصول واتبعوا في فقة الفروع الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل. أما الشيعة، ففي الأصول وفقه الفروع سويا اتبعوا مذهب آل البيت والذي يشخص نسبة إلى إمامهم السادس، جعفر ابن محمد الصادق (القرن الثامن)، ومن ثم يعرف أيضا بالمذهب الجعفري.   
في مضمار الحديث النبوي يوجد أيضا قدر من اختلاف.  توجد أحاديث منسوبة للنبي يعتد بها أحد المذهبين ولا يعتد بها الآخر.  لدى السنة صحاح ستة، أبرزها صحيحا مسلم والبخاري (القرن التاسع الميلادي).  لدى الشيعة مراجع مماثلة، بما فيها كتاب الكافي للكليني (أيضا القرن التاسع الميلادي).  مع ذلك، مهم أن نشير أن جل الحديث النبوي متطابق أو متماثل في المروي لدى المذهبين، كما أن ترافد صحة السند وتوافق المتن مع القرآن المجيد شرط مشترك لاعتماد أي حديث. 
اختلاف آخر نرصد وجوده في مجال تقييم بعض الشخصيات  البارزة في التاريخ الإسلامي، الأمر الذي في طوره الحاد طالما أفرز حزازات مزعجة بين متطرفي المذهبين.  أما على الصعيد الأكثر سعة وموضوعية في قراءة التاريخ الإسلامي وتقييم شخصياته، وهو الصعيد الأعم لدى المذهبين، فلا نجد هناك حدة أو حزازة مخلة بالوئام المتبادل بين أتباع المذهبين جراء هذا الاختلاف.
أخيرا، لدى كلي المذهبين تنبؤٌ بظهور المهدي الذي سيحقق السلام والعدالة على الأرض في السنين الأخيرة قبل نهاية العالم.  إلا أن  الفكرة تأتي أكثر تبلورا  من عند الشيعة: المهدي لديهم هو عينا الإمام الثاني عشر، محمد ابن الإمام الحسن العسكري، الذي في سن الرابعة، عام 873م، فجأة تغيب عن الأنظار بمدينة سامراء بالعراق. منذئذ، المهدي حي يرزق، مصاحب للزمان على مضض، يرصد كل ما يجري في العالم، وينتظر، وهوعلى أهبة مستدامة، الأمر الإلهي له بالظهور، محملا تكليفَ القضاء على ما يكون قد تراكم من ظلم وفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.  السنة لا ترى الأمر بمثل هذا  التحديد الشخصي للمهدي المنتظر، ولا في مثل هذا الإطار الغيبي لوضعه الساري  على الأرض ريثما يحين ظهوره بإذن الله آخر الزمان.  
رسوخ المذهبين بسواء في الإسلام
رغم هذه الاختلافات، يبقى السنة والشيعة مذهبين متلاصقين في تجذرهما بسواء في الإسلام: الاختلافات بينهما، كما توافق عليه العالمان الجليلان من الأزهر بالقاهرة والحوزة بالنجف، طفيفية أو ثانوية قياسا إلى المشترك الأظهر والأعم بين المذهبين في أصول العقائد وتطبيق الشعائر التعبدية وأحكام فقه المعاملات. وفي الواقع، في آخر رسالة منه، أعرب شيخ الأزهر، بالتواضع المعهود لدى أمثاله من العلماء المتعمقين في الإسلام، والمتهذبين بتهذيبه، أن البحث المستفيض بالمراسلة مع نظيره النجفي يسّر له فهم مذهب التشيع بشكل أرحب.  وقد لخص هذا المعنى في آخر رساله له في العبارة التالية:
" وكنت – قبل أن أتصل بسببك – على لبس فيكم لما كنت أسمعه من إرجاف المرجفين، وإجحاف المجحفين، فلما يسر الله اجتماعنا، أويت منك على علم هُدى ومصباح دُجي، وانصرفت عنك مفلحا منجحا، فما أعظم نعمة الله بك عليّ، وما أحسن عائدتك لديّ، والحمد لله رب العالمين". 
أما العالم الشيعي فقد كتب مشيدا بنظيره السني في آخر رسالة اختتم بها الحوار:
" أشهد أنك مطلع لهذا الأمر ومقرن له (مقتدر عليه)، حسرت له عن ساق، وانصلت فيه أمضى من الشهاب.  أغرقت في البحث عنه، واستقصيت في التحقيق والتدقيق، تنظر في أعطافه وأثنائه، ومطاويه وأحنائه، تقلبه منقبا عنه ظهرا لبطن، تتعرف دخيلته، وتطلب كنهه وحقيقته، لا تستفزك العواطف القومية، ولا تستخفك الأغراض الشخصية، فلا تصدعُ صفات حلمك، ولا تُستثار قطاة رأيك، مغرقا في البحث بحلم أثبت من رضوى، وصدر أوسع من الدنيا، ممعنا في التحقيق، لا تأخذك في ذلك آصرة، حتى برح الخفاء وصرح الحق عن محضه، وبان الصبح لذي عينين، والحمد لله على هدايته لدينه والتوفيق لما دعا إليه من سبيله، وصلى الله على محمد وآله وسلم." 
استتباعا لهذا الحوار، وإن كان بعد تباطؤ مديد، أدخل الفقه الشيعي عام 1959 ضمن مناهج الدراسات الإسلامية بالجامع الأزهر.  الأزهر أسسه الفاطميون الشيعة عام 969، لكنه إثر انهيار الحكم الفاطمي عام 1171، غدا المجمعَ الأعظمَ لدراسات المذهب السني، وهو البوم يقف شامخا كونه أعرقََ جامعة علمية في العالم.  في المقابل، أهم حوزة لدراسات المذهب الشيعي لا تزال بالنجف الأشرف، وكما الجامع الأزهر، تغطي الحوزة الشيعية عموم الدراسات الفقهية لمختلف المذاهب في الإسلام. 
تساؤل مشروع
هنا ينشأ تساؤل مشروع: إذا كان المستقر المشترك بين السنة والشيعة يفوق كثيرا المضطرب غير المشترك،  وإذا كان المذهبان  متجذرين سويا في الإسلام، فلم هذا الخصام بين أتباعهما لدرجة تؤدي أحيانا إلى استعمال عنف؟  في استقرائي، المتخاصمون ليسوا عامة الناس من السنة والشيعة، وإنما هم فئات المتطرفين من الأتباع.  في عموم الحال، السنة والشيعة يتبادلون علاقات طبيعية، ويتخالطون اجتماعيا في مختلف مناحي الحياة.  المتطرفون وحدهم دأبا يزكون فائرة الخصام ويدفعونها دون اكتراث إلى إحداث صدامات عنفية مؤلمة.  الأكثرية الصامتة في المذهبين لطالما عانت من تصرفات متطرفيها دون أن تقوى تماما على كبح جماح هؤلاء بشكل ناجع. 
في العموم، ضمن أيما دين ذي نطاق شامل، الاختلافات المذهبية أمر شائع، وفي المعتاد لا هو أمر مضر ولا ضائر.  لكن عندما تستثار الاختلافات بشكل مستفز من قبل المتطرفين نراها تولد عصبية متبادلة عصية..  ثم إذا سيست الاختلافات نراها  تؤدي إلى توريط حتى المعتدلين من الأتباع في سجالات فظة مرارا ما تجر لمواجهات خشنة.  في واقع الحال، الاختلافات السنية الشيعية في الإسلام ليست على غير غرار  الاختلافات المذهبية في الأديان الأخرى التي، كما الإسلام، شهدت فترات ممتدة من الوئام تخللتها فترات احتراب.  تاريخيا، تعايشت المذاهب المختلفة ضمن أديانها بسلام، إلا حين زجت بينها إغراضات سياسية.  الدرس الجدير بالاعتبار هنا: حيثما يُسيّس الدين، أو تُديّن السياسة، لا يسلم أي منهما من تأثير الآخر سلبيا في غالب الحال.  أيضا، حيثما تُغلب الطائقية، أيا كان شكلها، على المواطنة، كلاهما يخسر آخر النهار.
ملحوظة خاتمة
إحساسنا بهشاشةعالمنا الإنساني المعاصر يستوجب منا أن نعي صميما عوامل هشاشته: أنه عالم كثيف السكن، مخطور البيئة، متأرجح على شفا دمار شامل لا ينتظر تفجره سوى ضغط أزرار جراء حماقة بشرية قد ترتكب من حالة عصبية فادحة في لحظة خاطفة … أنه عالم معولم، متبادل الاعتماد، غزير التواصل: ما يطرأ على حال أي جزء منه سرعان ما يؤثر في حال جسم العالم كله … أنه عالم متعارض المصالح، متصادم الغايات بين أممه الكبرى القليلة، وبين تلك مجتمعةً والأمم الصغرى العديدة التي تحررت حديثا وبدأت تسعى لتحقيق مكانة لائقة لها تحت الشمس. 
يستوجب منا أيضا أن نعي أننا نعيش عالما تتفتق فيه المعرفة العلمية وتبتكر التكنولوجيا المنبثقة عنها بوتيرة جد متسارعة.  لكن، في المقابل، النضج الإنساني الحضاري متباطئ، بل ومتعثر.  تزايد هذا التفاوت يعني أننا معشر البشر نزداد مكنة في التفعيل التكنولوجي، وفي الوقت نفسه نتراجع  في الحكمة المبصرة لمكنة التفعيل التكنولوجي من حيث توجيهها نحو إيجاد الأوفق من المعالجات والحلول، ومن ثم الارتقاء بنوعية الحياة للجميع دوما للأمثل.
ثم إلى جانب المشاكل الموضوعية التي نواجهها، نحن أيضا عالم متنوع الأديان والرؤى الفلسفية، ومتعدد المذاهب ضمن كل دين وضمن كل رؤيا فلسفية، الأمر الذي يعقد سعينا ويصعبه للتجرد من الأنانية والعصبيات الطائفية والعرقية، المعيقة جميعها توجهنا نحو إيجاد معالجات وحلول صحيحة عادلة وشاملة … حلول تفي باستحقاقات التنمية الإنسانية وتوطيد السلام والوئام وطنيا، إقليميا وعبر العالم. 
إزاء هذا كله لا بد من أن ننمي  في أنفسنا استطاعة للتعامل الناجع مع هذا كله، وإلا غمرتنا الفوضى وأهلكنا العثار جراء استمرار التخاصم والاحتراب.  لأجل ذلك، لا بد من أن نرتقي  تهذبا في المسلك، توسعا في المعرفة، تعمقا في الفكر، وتساميا في الأخلاق … كل ذلك بسعي فردي وجمعي دائب حثيث.  تحديدا، لا بد من أن نتجنب  التعصب الطائفي، وننبذ التطرف والغلو في جميع الأمور.  على الوجه الآخر، لا بد من أن نتبنى المعرفة والمنطق العقلي ردفا كمنهاج قويم للتعامل مع قضايانا ضمن الوطن الواحد، وفي علاقات الوطن مع سائر الأوطان.  عكس ما تكون لنا من رؤى مبتورة من منظور طائفي، من المنظور الإنساني نمكن من رؤية القضايا بكافة أبعادها، كما نمكن من فهم  رؤى غيرنا وتفهم اسبابها الموضوعية ودوافعها النفسية.  بذلك يتوازن نظرنا وتعاملنا مع كافة  المشاكل والإشكاليات،  ضمن الوطن وخارجه، وينضبط بقسطاس مستقيم. 
من الموقع المعرفي المنطقي نستطيع أن نسمو إنسانيا، أن نرود حضاريا، أن نتعايش تعاونيا بوئام وطيد.  لا مشاكل عندئذ تستعصي على الحلول. عندئذ نستطيع أن نعالج كل تعارض في المصالح على القاعدة الإسلامية التي يعرفها السنة والشيعة جيدا بسواء، ويعيها العالم اليوم أكثر من أي وقت سبق: لا ضرر ولا ضرار.  عندئذ، في أيما نقاش شئنا خوضه، في الدين كان أو في السياسة، أو في معرض التفاوض حول أي نزاع حول أيما أمر ذي اهتمام مشترك، نتجنب الاستفزاز في الخطاب، نلتزم بأدب الحوار، ونحتكم إلى المعرفة والمنطق العقلي: نجادل بالتي هي أحسن، ندفع بالتي هي أحسن، وندعو إلى سبيل الله، الضامن سلامة البشر وصلاحهم، بالحكمة والموعظة الحسنة. 
بذلك، نكون كأحسن ما يمكن أن نكون بميزان مكارم الأخلاق التي جاء رسول الإسلام ليتممها في الخبرة الإنسانية.  ذلك رشاد أبانه الله لنا في محكم كتابه لكي نتفادى الفتن والمحن، ونعتبر ونتعقل، فلا نرمي بإنفسنا إلى التهلكة جراء عصبيات غبية وحماقات قد ترتكب من حالات انفعال منفلت.  بذلك، نحيا حياة طيبة موفورة النعم، مطردة النماء للجميع. عندئذ نعيش إنسانيتنا الحقة، وفي رحابها، لا تنوع الأديان ولا تعدد المذاهب، ولا تعارض الرؤى الفلسفية يضر أو يضير. على العكس، كل ذلك يترافد في حراك ثقافي يثري الخبرة الإنسانية ويفيد.***      


منتدى آفاق يقيم حلقة نقاشية حول كتاب (مكانة السلطات الأبوية)

7 أغسطس 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

أقام منتدى أفاق الثقافي حلقة نقاشية حول كتاب (مكانة السلطات الأبوية في عصر العولمة) للدكتور زياد عبد الله الدريس ، وذلك مساء الأربعاء 13/9/1433هـ بمشاركة مجموعة كل من : الأستاذ جعفر العيد، والأستاذ هادي آل سيف، والأستاذ مالك آل فتيل، والأستاذ حسين غزوي، بأوراق نقدية للكتاب، وأدارها الأستاذ إبراهيم الزاكي .
الحلقة التي حضرها جمع من الكتاب والمثقفين وغاب عنها مؤلف الكتاب، بدأت بورقة للأستاذ آل سيف الذي قدَّم فيها عرضا مختصرا لأفكار الكتاب منوها إلى أن الكاتب تعمّد وضع أسئلة أكثر مما يعلب أجوبة جاهزة. في كل فصل من فصول الكتاب من أجل فتح الباب لإثارة أسئلة ونقاشات أكثر.
ثم تحدث الكاتب والباحث جعفر العيد في ورقتة التي استعرض فيها الكثير من الملاحظات، وأشكل فيها على الكاتب قوله بعدم وجود مصادر ومراجع لهذا التخصص ( سوسيولوجيا الثقافة)، ملفتا إلى أن البحث جاء خاليا من الجهد الذاتي للكاتب.
بعد ذلك تطرق الأستاذ مالك آل فتيل في ورقته لمجموعة ملاحظات عن الكتاب ، أهمها حداثة العلم نفسه، منتقدا في ذات الوقت الكاتب لعدم تعريفه (سوسيولوجيا الثقافة) تعريفاً وافياً، مع اعترافه بحداثة العلم.
من جهته ناقش الأستاذ حسين الغزوي في ورقته مفهوم العولمة من حيث النشأة كمصطلح جديد، مبينا أن العولمة لا تخرج عن كونها نتاجا لحركة التقدم التقني وثورة المعلومات والاتصالات وظهور العقول الالكترونية كمتغيرات.
وأخيرا قدَّم الكاتب والباحث غريبي مراد ورقة أشار فيها إلى أن الكتاب مشحون بعدة قراءات لمفكرين غربيين معاصرين ومتأخرين، ملفتا أن الكاتب استغرق في موضوع العولمة و قد وفق لدرجة ما في تقديم الرؤى و التوجهات و المطارحات المتباينة حول موضوعة العولمة.
ورقة الأستاذ هادي آل سيف
وقدم في ورقته عرضا عن أفكار الكتاب؛ حيث ذكر أن الكاتب قسم الكتاب إلى قسمين، الأول يتناول التأثيرات السوسيولوجية والتربوية للعولمة، وتأثيراتها على الهوية، من منظور كوني عام. ثم تضييق دائرة المنظور لتتناول تأثيرات العولمة على الهوية العربية والإسلامية، وتحديداً في المخزون التربوي والتعليمي.
أما الجزء الثاني فيتناول بصورة أكثر تحديداً مكانة المعلم في عصر العولمة، كأنموذج جلي لتأثيرات العولمة على مكانة السلطات الأبوية. حيث تتم مقاربة سوسيولوجية لمفاهيم المكانة والهيبة والرضا. مرجوعاً دائما إلى دلالة النسبية الثقافية المؤطرة لكافة أشكال التحليل الثقافي للظواهر الثقافية.
ونوها أن الكاتب تعمّد وضع أسئلة أكثر مما يعلب أجوبة جاهزة. في كل فصل من فصول الكتاب من أجل فتح الباب لإثارة أسئلة ونقاشات أكثر.
وواصل آل سيف حديثه أن الكاتب تناول ظاهرة العولمة كمفهوم وتعريف. فقد عرفها الكاتب بأنها هيمنة المال والتكنولوجيا على العالم، من خلال توظيف المال من أجل المزيد من التكنولوجيا، والتكنولوجيا من أجل المزيد من المال.
ثم أضاف أن الكاتب يتجاهل المؤلف التساؤلات التي تتكرر حول الفرق بين مفهوم العولمة والعالمية ، فالعولمة احتواء للعالم والكون، والعالمية تفتح على ما هو عالمي وكوني.
وأشار إلى أن الكاتب تناول أضرار العولمة ومنافعها وتأثيراتها على الهوية ؛ حيث فرض الغرب منهجية من التقدم الذي أولى اهتماما بالمواطن قبل الاهتمام بالإنسان، وركز على مهارات الفرد دون التركيز على ضميره، غافلاً أن الهدف النهائي لكل الحراك الانساني هو أن تعيش الإنسانية حياة كريمة.
مضيفا إلى جسد الثقافة التقليدي في ظروف العولمة الليبرالية إلى التضاؤل في اتجاهين: الأولى هي تهشيم التنوع النمطي الثقافي و الثانية هي انحطاط وانحلال الثقافة التي يراد لها أن تكون هي البديل عن ثقافات ما قبل السوق. وهو ما دفع إنسان العولمة إلى المطالبة ليس بحريته بل بكرامته التي توشك أن تذوب في محرك الثقافة الاستهلاكية.
وعند الانتقال – والقول لآل سيف – لأثر العولمة على التعليم فلا يمكننا أن ندرس أي نظام اجتماعي جديد أو ظاهرة طارئة أو تحول في ملامح الهوية دون إدراج المدرسة في منظومة أدوات الدراسة، ذلك أن المدرسة هي التي تحتضن الجيل القادم إلى الحياة في تشكلها الجديد.
مضيفا أن هذه الأهمية للمدرسة والتربية لم تغفل عنها مؤسسات العولمة التي سارعت باختراق الحصون التربوية، مستندة في ذلك إلى إضعاف البعد الفلسفي للتربية وحصرها في المنحني الاقتصادي للتعليم، وتوجيه المعرفة العلمية بحسب القوي التي تمتلكها، والتأثير في اتخاذ القرار التربوي، وربط العلماء والباحثين بولاءات معينة للشركات النفعية.
ورقة الأستاذ جعفر العيد
أشار العيد في بداية ورقته إلى أن الكاتب بين في مقدمة كتابه أن الكتاب هو خلاصة لمضامين أطروحة دكتوراه فلسفة في الدراسات الحضارية، أنجزها المؤلف لدي جامعة موسكو الحكومية التربوية، قسم سوسيولوجيا الثقافة عن تحولات التعليم في العالم العربي في ظروف العولمة. لكنه عاد واستدرك- أي الكاتب- بقوله : بالرغم من أنه تم إعادة صياغة لغة وعناوين البحث بالأسلوب الملائم لنشره في كتاب.. إلا أنه تم الإبقاء على معظم مضامين وبيانات البحث كما هي منذ تاريخ كتابته في عام 2005.
ثم أشار العيد إلى أن الكتاب جاء في جزئين : الجزء الأول: التأثيرات السوسيولوجية والتربوية للعولمة، وتأثيراتها على الهوية، من منظور كوني وتأثيرات العولمة على الهوية العربية والإسلامية، الجزء الثاني : مكانة المعلم في عصر العولمة، كأنموذج جلي لتأثيرات العولمة على مكانة السلطات الأبوية.
ويعلق العيد بقوله : من خلال هذا الكلام يحتاج الكاتب فعلا أن يضع تعريفا للمفاهيم والمصطلحات المطروحة ( العولمة- السلطات الأبوية- الهوية- المعلم- مصطلح الثقافة الاجتماعية)، مضيفا لقد أجهد الكاتب نفسه وتوصل إلى مصطلح من عنده للعولمة؛ حيث يقول: بأنها هيمنة المال والتكنولوجيا على العالم، من خلال توظيف المال من أجل المزيد من التكنولوجيا، والتكنولوجيا من أجل المزيد من المال.
وتابع العيد ملاحظاته حلو الكتاب بقوله: أما مصطلح الثقافة فلا أجد أن الكاتب جاء بتعريف لها، مشيرا إلى أن الثقافة "هي ذلك الكل المعقد من أنماط السلوك المشترك السائد في المجتمع سواء كان معنوي أو مادي".
بعدها تطرق إلى إشكاليات البحث ، موضحا أن التطرق إلى المصطلحات والمفاهيم يفتح لنا نافذة كبيرة من النظرة التقليدية على هذه الدراسة.
وأخذ العيد يستعرض بعض من تلك الاشكاليات بداية بعنوان الدراسة الذي يختلف عن محتواه – على حد قول العيد- فلم تكن الدراسة لتتحدث عن السلطان الأبوية؛ لأن السلطة تتصل بـ( السلطة السياسية- الإعلامية – الاجتماعية).
كما توقف العيد عند قول الكاتب عند كلامه بعدم وجود مراجع لهذا التخصص ( سوسيولوجيا الثقافة)، مشيرا إلى أن الانثربولوجيا الثقافية هي كتب تتحدث عن هذه الكتب.
ولم يتفق العيد مع الكاتب كون المعلم نموذج للتأثير، بل رأى أن المعلم بجانب النظام والبيئة الاجتماعية والطالب والأدوات والوسائل والمبنى المدرسي عناصر تمثل العملية التربوية.
وأوضح العيد أن البحث جاء خاليا من الجهد الذاتي للكاتب، قائلا: كنت ابحث عن جهد الكاتب لم أجده، متسائلا في ذات الوقت إذا كانت هذه دراسة دكتوراة، فماهي النتائج التي توصل إليها كباحث ؟ ثم استرجع وقال : قد تكون هناك نتائج لكني لم أجدها، أو لم تكن مدرجة ضمن الكتاب.
ورقة الأستاذ مالك آل فتيل
أوضح آل فتيل في بداية ورقته لمجموعة ملاحظات عن الكتاب ، أهمها حداثة العلم نفسه وهو سوسيولوجي الثقافة ( علم الاجتماع الثقافي)، مع ذكر للمراجع الحديثة لهذا العمل، علاوة على إيضاحها لموقف الكاتب من الظاهرة المدروسة؛ حيث وضح بأنه سيكون في موقف "المتحيز ضد" العولمة مدرجاً تبريره لهذا الموقف.
وذكر آل فتيل بأن الدراسة – كما وضحت المقدمة- كتبت في وقت سابق مما استدعى حذف بعض المعلومات والنقاشات التي استنفذت أهميتها، مبيناً أنها كتبت كأطروحة دكتوراه فلسفة في الدراسات الحضارية عام 2005م. بينما نشرت في عام 2009م.
كما أشار إلى أن الكاتب قسم الكتاب إلى قسمين، الأول حول ظاهرة العولمة، والثاني حول مكانة المعلم، فأتى الكتاب كمجموعة من المقالات، الأمر الذي سهل القراءة والمراجعة حيث ذيل كل فصل بمراجعه الخاصة، مستعيناً بقوة الترابط والترتيب المنطقي للفصول.
وبين آل فتيل خلال ورقته أن الكاتب قام بتفكيك ظاهرة العولمة ثقافياً بإبراز تأثيراتها على الهوية والوطنية والتعددية وعلاقتها بالديموقراطية والبروتستانتية والإسلام، بالإضافة إلى تأثيرها على منظومة القيم الإنسانية.
وأضاف بالقول أن صاحب الكتاب برزت دراسته بشكل واضح في فصل "ثقافة السوق"، حيث أبرزت النزعة الاستهلاكية لهذا العصر وهيمنة النقود وتحول الإنسان إلى سلعة "سلعنة الإنسان"، وكل ظني بأن الكاتب "اشتعل" في هذا الفصل، فلغته كانت مغايرة لبقية الفصول.
وفي إدارته لموضوعات المثلث: المكانة والرضا والأداء، أوضح آل فتيل إلى الكاتب أن استطاع عبر عرضه مجموعة من الدراسات إقناعنا بالعلاقة بين المفاهيم وطبيعتها وأثرها على موضوع الدراسة وهي المكانة، بعد أن عرَّف المكانة وعلاقتها بالهيبة وعلاقتها بالمادي في فصول سابقة.
ولفت إلى أنه يُحسب للكاتب أسلوب عرضه المتماسك، المشفوع بسلسلة من مقولات وآراء المفكرين والعلماء، بعدها يقوم بتصدير رأيه وتبريره. كما يُحسب له استعانته بمجموعة كبيرة من المصادر، مراجع ودوريات ومواقع انترنت، متنوعة المصدر مكانياً (أوروبا ، آسيا، أمريكا، عرب و مسلمين)، وكذلك زمانياً.
جدير بالالتفات "النزعة الإنسانية" للكاتب- على حد قول آل فتيل- في تناوله لجميع موضوعات ومفاهيم الدراسة، فطالما يؤكد على الإنسانية والمعنوية بدلاً من المهنية والمادية كلما تسنى له ذلك. كما يجب التذكير بأن الموقف من العولمة الذي اتخذه الكاتب كان بغرض الدراسة ولا يعني هذا بالضرورة موقف الكاتب نفسه، ولعل موقفه الشخص يتمثل في مقولة " التفاعل مع العولمة دون الانصهار في وأحديتها الثقافية".
من جهة أخرى انتقد آل فتيل الكاتب أنه لم يعرف الكاتب سوسيولوجيا الثقافة تعريفاً وافياً، مع اعترافه بحداثة العلم،لافتا إلى أن الكاتب لم يحدد سبب اختياره لظاهرة العولمة عن غيرها من الظواهر الأخرى ، مثل: الحداثة، العالم الواحدي القطب، المعلوماتية، وسلسلة من الظواهر الكونية الأخرى، ملاحظا أن الكاتب قام الكاتب بعرض مجموعة من التعاريف لا تنافس التعاريف السابقة، حيث عرفها بـ"هيمنة المال و التكنولوجيا على العالم".
كما لاحظ آل فتيل على صاحب الكتاب أنه لم يحدد "السلطات الأبوية" إلا متأخراً (الفصل الثالث، القسم الثاني) وقد عرفها بالسلطات البيداغوجية وليس الأبوية.. لم أتحقق من صلاحية ترادف "الأبوية" مع "البيداغوجية"، إذ أن مصطلح بيداغوجيا مصطلح متعدد التعاريف لكنه في نهاية المطاف يستخدم بمعنى تربوي أو مدرسي.
وتساءل آل فتيل لماذا اختار الكاتب المعلم كممثل للسلطات الأبوية؟ لمَ لم يختر رجل الدين أو القائد السياسي.
ثم استرجع وقال : المعلم هو التربية، المعلم ممثل للسلطات الأبوية، وكأنه يقع فيما استشكل عليه المجتمع من حيث تضخيمه لدور المعلم.
ورقة الأستاذ حسين الغزوي
من جهته ناقش الأستاذ حسين الغزوي في ورقته مفهوم العولمة من حيث النشأة كمصطلح جديد، مشيرا إلى أن أول من أطلق هذا المصطلح هو ( مارشال ماك لوهان ) الذي تنبأ بخسارة الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الفيتنامية حتى وأن لم تهزم عسكريا؛ لأن الحرب تحولت إلى حرب تلفزيونية، مما يعني – على حد قوله- أن الإعلام وشبكة الاتصالات التقنية هي أول منجز لمفهوم عولمي.
وتابع الغزوي حديثه بقوله: إن العولمة لاتخرج عن كونها نتاجا لحركة التقدم التقني وثورة المعلومات والاتصالات وظهور العقول الالكترونية كمتغيرات برزت في أعقاب الحرب العالمية الثانية والكتابات الغربية التي تؤكد بأن العولمة ماهي إلا زيادة الارتباط المتبادل بين المجتمعات الإنسانية من خلال عمليات انتقال السلع ورؤوس الأموال وتقنيات الإنتاج .
ثم تطرق الغزوي إلى العولمة وعلاقتها بالجانب الاقتصادي، موضحا أن للعولمة تأثيرا اقتصاديا كبيرا في الوقت الحالي، وساهمت بشكل مباشرة وغير مباشر في نشر الثقافة الكونية فأصبحنا ذات هوية مركبة والحديث عن الهوية وعلاقتها بالعولمة ظاهرا جليا لا يحتاج إلى توضيح.
واختتم الغزوي ورقته بقوله: إن للعولمة ذات بعدين ( إيجابي و سلبي ) وما ينبغي علينا إلا أن نوظف الجانب الايجابي في حياتنا العامة ونستفيد من كل أدوات العولمة الحديثة والمعاصرة في التنمية البشرية، والابتعاد عن استخدام تلك الأدوات في اللهو والتسلية.
ورقة الأستاذ الغريبي مراد
وجاءت ورقة الأستاذ مراد غريبي ( عضو مركز آفاق ) والتي ألقها بالنيابة الأستاذ عبد المنعم القلاف، حيث لاحظ أن الكتاب من خلال الصفحات التي طالعها، هو كتاب مشحون بعدة قراءات لمفكرين غربيين معاصرين و متأخرين، كما لاحظ الأستاذ الغريبي محاولة تقديم صورة متعددة للقارئ واستغرق الكاتب في موضوع العولمة و قد وفق لدرجة ما في تقديم الرؤى و التوجهات و المطارحات المتباينة حول موضوعة العولمة،
وتابع قوله: لكن بالنسبة لتوظيف علم اجتماع الثقافة في بحث السلطات الأبوية و تعذره بأن الدراسات الوحيدة في مجال علم اجتماع الثقافة تعود للطاهر لبيب و عبد الغني عماد، في حين دراسات مغاربية متوفرة و مرموقة باللغة الفرنسية و العربية،
أذكر على سبيل المثال تعددية القيم للدكتور طه عبد الرحمن و كتابه سؤال الأخلاق و دراسة لعالم الاجتماع المغربي الأستاذ أحمد شراك و دراسات الباحث الدكتور أحمد طاهري و دراسات رائعة للدكتور عبد السلام حيمر و كتابي الثقافة و المقاومة، الثقافة و الامبريالية للراحل إدوارد سعيد.
ونوها الغريبي أن الكاتب لم يوازن بين مناقشة العولمة كفكرة و كأيديولوجيا و كتراكم ثقافي من جهة و من جهة أخرى التحديد الدقيق للسلطة الأبوية و أنواعها و علاقتها بمفهوم العولمة قبولا و رفضا و حيثيات ذلك كله.
واختتم الغريبي ورقته بكلمة، كان من الواجب على الكاتب الارتكاز على الدراسات الفلسفية للمفاهيم قبل ولوج منهج تطبيق سوسيولوجيا الثقافة، مستغربا كيف لم يعتمد على أحد الكتب المهمة في فرنسا و هو المقيم هناك ككتاب العولمة الثقافية كتاب نقدي و في صميم علم اجتماع الثقافة للباحث جون بيار فارنيه.
و تصور لو كان عنوان الكتاب مقاربات للسلطات الأبوية في عصر العولمة مع أخذ في عين الاعتبار الملاحظات الآنفة الذكر لكان أحسن و أفضل خاصة من وجهة نظر ابستيمولوجية.
مداخلات
وكان للمفكر المحفوظ مداخلة اوجزها في ملاحظتين هما:
الملاحظة الأولى
تعريف سيسولوجيا الثقافي قال الأستاذ جعفر انها "الثقافة الاجتماعية" فوقع الاشتباه في تعريف الثقافة الاجتماعية، إذ أنها لاتساوي سيسولوجيا الثقافة و انما هي الثقافة كما هي معيشة وكما يعيشها الناس، ومن مجموع أشكال العيش الاجتماعي ومنها يتشكل مفهوم السيسولوجيا الاجتماعية فالسيسولوجيا لا تساوي الاجتماع ولا تساوي الثقافة الاجتماعية وانما تساوي ما يعيشه الناس من أنماط حياة وانماط معيشة ومجموع هذه الأنماط يسمى سيسولوجيا ولذلك كتاب الطاهر هو اول كتاب كتب في هذا الموضوع
الملاحظة الثانية
عن "افول المعلم"، يبدو ان افول المعلم ليس المقصود به غياب المعلم وليس غياب دور المعلم ولكن غياب السلطة، وتعلمون ان احد اشكال غياب السلطات او خلخلتها مع ازدياد التقنية الحديثة وثورة المعلومات والتواصل بطبعها توجد خلخلة في السلطات فحينما يتم الحديث عن افول المعلم يكون الحديث عن تضاءل دور سلطة سواء مع التلاميذ او في صنع المناهج الدراسية، فلا أحد يتحدث عن غياب دور المعلم في العملية التعليمية او غياب دوره المأمول سواء في العملية التعليمية أو دوره في المجتمع وانما يتم الحديث عن الأفول من خلال ضعف سلطة المعلم من خلال عوامل موضوعية عديدة توفرت في الفضاء الاجتماعي.
وأما الكاتب حسن الحمادة تحدث فيها عن اقتباسات المؤلف التي قال عنها جعفر العيد أنها متكررة ، ارجع ال حمادة هذا الاقتباس لكون الكتاب رسالة دكتواره وهو حال الرسائل الأكاديمية التي تتطلب مثل هذه الاقتباسات للاتكاء عليها علميا.


حوار مع الشيخ حيدر حب الله حول الحراك الجماهيري، قراءة في مستقبل الإصلاح والتغيير في الأمّة

30 يوليو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

البصائر: بدءاً، تشهد الساحة العربية والإسلامية حراكاً جماهيرياً يطالب بالتغيير على المستوى السياسي، وهذا الحراك ربما يعبر عنه بالاحتقان الداخلي، والنتائج التي حقّقها هذا الحراك الإطاحة بنظامي ـ تونس ومصر ـ جثما على صدر الأمّة عقداً من الزمن، لم تشهد الساحة العربي والإسلامية خلالها إلا الظلم والاستبداد والتقهقر. السؤال هو: كيف تقرؤون هذا الحراك الطالب بالتغيير من حيث دلالات شموليّته للعالم العربي، ومن حيث تأثير العامل الدولي، وما هي نتائجه المستقبليّة؟


 أعتقد أنّ العناصر المبرّرة والدوافع الكامنة خلف الحركة الثورية الأخيرة في عالمنا العربي لا تقف عند حدود هذا البلد العربي أو ذاك؛ لأنّها مشتركة، مع الحفاظ على الخصوصيات هنا وهناك، مما يعطّل بعض العناصر هنا لصالح عناصر أخرى والعكس هو الصحيح.

ولو عدنا قليلاً إلى بعض هذه العناصر لوجدناها على نوعين:

1ـ الدوافع الراجعة إلى تردّي حال الداخل العربي والوطني على الصعد السياسية والاقتصادية، وعلى مستوى الحريات وقضايا الأمن والشباب وغير ذلك.

2ـ الدوافع الراجعة إلى تردّي الموقف العربي والوطني إزاء القضايا الكبرى التي تهمّ الأمة وسيادتها وكرامتها وعنفوانها، وفي مقدّمتها القضيّة الفلسطينية.

عندما تكون المبرّرات مشتركةً بين بلداننا العربية، فمن الطبيعي أن تترك الحركة في مصر وتونس تأثيراتها على مجمل هذه البلدان. إنّ فشل القومي والعروبي والقطري في تقديم أنموذج سليم في التجربة العربية دفع نماذج أخرى للظهور بهدف صيرورتها بديلاً عن الوضع القائم المتردّي، وإذا كان الأنموذج السلفي لم يقدر على اجتذاب الشارع العربي في تجربته السلطوية، نظراً لما رآه المواطن العربي في تجربة طالبان وباكستان وغيرها من انتكاسات وتداعيات وفشل على مستوى بناء الجماعة والأوطان، وإذا كان الأنموذج الصوفي ـ إذا صحّ التعبير ـ لم يقدر على تحسين أوضاع السودان، ولا أخرج المغرب الإسلامي من مأزقه، فإنّ المجتمع العربي اتجه فترةً للأنموذج الإيراني بعد أن رأى بعض منجزاته، لاسيما على صعيد القضايا الكبرى للأمة.

ويبدو لي أنّ النفخ في النيران الطائفية قد ساعد على تضعضع الصورة الحسنة للأنموذج الشيعي ـ إضافة إلى مشكلات داخليّة خاصّة ـ فتراجع تأثيره بشكل بارز في الفترة الأخيرة، وشكّل الملفّ العراقي مادّةً دسمة ومركزاً خصباً لبناء جدار الفصل بين المجتمعات العربية من جهة وهذا الأنموذج الجديد من جهة ثانية، ساعد على ذلك بعض المظاهر السلبية التي أبداها هذا الأنموذج في السنوات الأخيرة عن نفسه، لاسيما بعد الانتخابات الأخيرة في إيران..

إنّ تراجع سلسلة نماذج كانت لها ريادتها من القومية إلى القطرية إلى السلفية إلى الصوفية إلى الشيعية السياسية، أو بناء المعوقات أمامها، أدّى إلى حركة شعبية في الوطن العربي لا تنطلق من خلفية هذه الأيديولوجيات، وتحاول أن تفرّ من شيء إلى شيء لم تجده في جميع أو أغلب هذه التجارب، وهو قضايا الإنسان اليومية وحاجاته الأساسية من الحريّات والتعددية والحقوق والمشاركة في القرار والموقف، والتوزيع العادل للثروة وتخفيف حدّة الشرخ الطبقي القاتل و.. إنّ أغلب هذه النماذج لم يوفر استجابةً حقيقية وعميقة لهذه الحاجات؛ لهذا لجأ الشباب العربي لصرخة تعرف ما لا تريد لكنها حتى الآن لا تعرف ماذا تريد؛ لأنها لم تختر بديلاً واضحاً يمكن بناء الوضع عليه، من هنا لاحظنا سعياً غربياً للاستفادة من مشهد الفراغ الأيديولوجي هذا ربما لتكريس ما يشبه الأنموذج التركي المعتدل الذي يقدر على تلبية الحاجات العاطفية والدينية للشعوب العربية مع حدّ معقول من الرجولة السياسية في القضايا المتعلّقة بفلسطين المحتلّة، إلى جانب إسلامية معتدلة تتعاطى الديمقراطية وتستطيع التعايش مع أشدّ أنماط العلمانية تطرّفاً.

هنا يظهر العمل الدولي في اشتغاله على سَوْق هذه الحركات الشبابية الناهضة نحو نماذج في الحكم والتغيير تنسجم مع المصالح الكبرى للدول الأجنبية والكيان الغاصب، وأعتقد أنه إذا لم يشتغل أصحاب المشروع الإسلامي الحركي على نقد ذاتي جادّ ليخرجهم من مجموعة المفاهيم القاتلة في الاجتماع الإسلامي، فسوف يزداد الشرخ بين الشارع العربي والحركة الإسلامية بالمعنى العام، ما سيعزّز النفوذ الإسلامي المتطرّف أو النفوذ الليبرالي المشبوه، ويزيد من صعوبة الموقف في المستقبل.


البصائر: الأيقونة المستجدّة: (الشعب يريد تغيير النظام) تفتح الباب على جملة أسئلة، ما يتصل بسياق الحوار هو مقاربة مفهوم (الإصلاح) الذي بات يقترب من الثورة، أو ما يتداول في أدبيات النهضة من الإصلاح الشمولي الجذري. كيف تنظرون لعمليّة الإصلاح من حيث المفهوم ومن حيث إمكانه؟


الإصلاح حاجة طبيعية متكرّرة تتطلّبها حياة الفرد والجماعة باستمرار؛ وفاءً للديمومة وتواصل العيش، يتخذ الإصلاح شكلين أساسيين عادةً: أحدهما عندما يتراجع المستوى الميداني لأداء الفرد والجماعة بسبب انحرافات حصلت أو اكتشاف خطأ ما في الرؤى والأفكار، أما النوع الثاني من الإصلاح، فلا يختزن بالضرورة فرضية وجود مرض ما في مكان ما في حياة الفرد والجماعة، فعندما تتطوّر الحياة وتتعقّد تحتاج الرؤى والأفكار والممارسات إلى إصلاح، بمعنى أن نسقها القديم لم يعد كافياً فصار لابد من إجراء تعديلات فيها يُقدرها على الاستجابة الصحيحة للمتغيّرات.

يعتقد كثيرون منّا أنّ الإصلاح والتجديد يختزنان صورة سلبية مفترضة عن الذات الفردية والجماعية، وحيث تكون الذات هذه هي التراث والتاريخ والعمق الحضاري للأمّة، سيعني مشروع الإصلاح افتراضاً نقدياً لهذا التراث وتمرّداً عليه ورغبةً في كشف عورته.. القضية ليست كذلك دائماً، فقد يكون التاريخ والتجربة والموروث الديني والاجتماعي وغيرهما ناجحاً، لكنّ ذلك لا يعني بالضرورة قدرته على تحقيق النجاح في اللحظة التاريخية المعاصرة، هذا ما يفرض إعادة بنائه أو إجراء تعديلات عليه، إما بحذف جزء أو بإضافة آخر أو بإعادة تنظيم الأجزاء ومواقعها في الخارطة العامّة.

يمكن الاشتغال على الإصلاح بهذين المديين له دون أن يجرّ ذلك إلى وضعنا قهراً في مواجهة وجودية مع التاريخ والتراث، لكنّ إمكانات هذا الموضوع تظلّ عسيرةً؛ لأنّ الإصلاح هنا سيعني تلقائياً أنّ مواقع السلطة في الاجتماع العربي والإسلامي والتي تبلورت على أساس الوضع السابق، سوف تتعرّض تلقائياً للاهتزاز بفعل تغيير الأفكار والممارسات والأهداف ولو تغييراً جزئياً معقولاً، الأمر الذي يضع حركة الإصلاح أمام مواجهة مباشرة مع السلطة.. إنّ جرّك إلى هذه المواجهة قهريٌ ولا يمكنك الفرار منه..

لو أخذنا حركة الأنبياء لوجدنا كيف وضعتهم في مواجهة مباشرة (وجودية) مع الملأ بالمفهوم القرآني، وهم السلطة المالية والسياسية والدينية بمفهومنا المعاصر.. وعندما تكون في مواجهة السلطة فمن الطبيعي أنك ستقف في موقع الذي لا يملك الإمكانات التي تملكها السلطة، وبتعبير آخر لا تملك حصّة السلطة في الوجود؛ لأنّ سلطويتها جاءت من إمساكها بمفاصل القوّة في المجتمع، وهي القدرة والمال والنفوذ الروحي.. وعندما يشتدّ الصراع بين الطرفين ستجد السلطة نفسها مضطرّةً للقمع والكبت والحسم، مما يفرض المنطق الثوري حينئذٍ، أي الإصلاح الشمولي والجذري الذي يمكّن المصلحين من تحقيق نتائج تماماً كما في المواجهة الحادّة بين الأنبياء ومللهم حيث كان ضرب الأساس الاعتقادي بمثابة إعلان حرب شاملة على كلّ مواقع السلطة التي تعتاش على هذه العقيدة.

لا أريد أن أميل لفكرة الحلول الجذرية؛ لأنني أعتقد ـ فقهياً ـ أنّ هذا النوع من الإصلاح في الداخل الإسلامي يمثل الاستثناء لا القاعدة، وهو موضوع يتصل بمعالجة فقهية مطوّلة للمسألة لسنا بصددها الآن، لكنّني أريد الإضاءة على أنّ الإصلاح الجذري قد تندفع الأمّة إليه بطريقة غير مدروسة، وبتعبير آخر ليس للثورة لحظة مقرّرة من قبل، إنّها لحظة ذاتها التي لا يمكن التنبؤ بها على وجه الدقّة دائماً.


البصائر: عندما نتحدث عن ضرورة الإصلاح في الأمّة فذلك يستدعي وجود مبررات تستدعي ذلك الإصلاح، وأيضاً يستدعي وجود قدرة عند مجتمع ما.. على ممارسة الإصلاح. وأيقونة (الشعب يريد تغيير النظام) تتجه رأساً نحو الإصلاح السياسي من خارج قوانين اللعبة السياسية المعتمدة… فهل يعني ذلك أنّ مجتمعاتنا تجاوزت الإصلاح الثقافي؟


يؤسفني القول بأنّ الأمة كانت تتجه في الستينيات والسبعينيات ثم في التسعينات نحو إصلاح ثقافي، إلا أنه باء بالفشل؛ ولأنّه كذلك، لا نجد ديناميات أيديولوجية أو ثقافية تحرّك المشهد الثوري في عالمنا العربي اليوم، وإن حاول كثيرون اعتبار هذا المشهد امتداداً لهم، مع الإقرار بأنّ مفاهيم الديمقراطية والحرية و.. تعبّر عن رؤية ثقافية ما.

هل يتقدم الإصلاح الثقافي على السياسي أم العكس هو الصحيح؟ لكلّ واحد من الخيارين سلبياته وايجابياته، فتقدّم الإصلاح السياسي على الثقافي قد يفضي إلى فرض أفكار الأمر الواقع، وهي أفكار وإن اتسمت بالواقعية حيث تستجيب للواقع لكنّها تظل الأمر الثانوي المتفرّع على الواقع دون أن يصنع واقعاً.. فهناك فرق بين أن تصنع واقعاً وبين أن يصنعك الواقع، لقد كانت هناك إمكانية في لحظة ما أن تنتقل الأمة من مرحلة إلى أخرى انتقالاً واعياً، إلا أنّ سوء إدارة الأنظمة والسلطات السياسية وغيرها فوّت علينا هذه الفرصة التاريخية التي تعالج مشكلات الأمة بدون حاجة إلى عمليات جراحية.

لكن ثمّة مصلحة تكمن خلف تجاوز الإصلاح الثقافي، وهي ولادة المثقف من جديد، فقد بات عالمنا العربي يشهد غياب المثقف النهضوي والعلمي لصالح المثقّف المقاول، كما يحبّ بعض علماء الاجتماع العرب أن يسمّيه، وأظنّ أنّه لا يجوز منح هذا النوع من المثقف موقع ريادة نهضة الأمة؛ لأنّ المثقف المقاول أو المنفعي ليس جديراً ولا أهلاً لإطلاق مشروع إصلاحي في الأمة؛ لهذا تركته الأجيال الشابّة، ففي الغرب الحديث كان المثقف إلى جانب الشاب يتناغمان في أيقونة التغيير والصيرورة، لكن عندما يرى شبابنا العرب مخملية مثقفنا وتعاليه وجلده لمجتمعه وإجادة التلاعب بالأفكار لمصالح شخصية، فلن يكونوا على استعداد لفعل شيء من أجل أفكاره.

ربما نحن بحاجة إلى ثورة مؤمنة شبابية داخل الجسم الثقافي تطيح بالأصنام المتكلّسة التي باتت تحكم حياتنا الثقافية والدينية معاً.


البصائر: الآمال أصبحت كبيرة منذ شرارة ( بو عزيزي) لكنّ التعقيدات التي تشهدها المجتمعات العربية من الحالة القبلية والطائفية وضعف مؤسّسات الدولة والمجتمع المدني، ومن كونها موضع تأثير وتجاذبات الدول الكبرى، فإنّ عوامل القلق أيضاً كبيرة، السؤال عن التحديات الأساسية التي تواجه الحراك التغييري وسبل تخطّيها؟


تبدو مخاطر الحالة القائمة من عدة نواحٍ، فنحن من جهة لا نجد قيادة ذات تجربة في العمل السياسي أو النهضوي، الأمر الذي يجعلها عرضة لأحد أمرين: إما الاندفاع السطحي الحماسي نحو خيارات مدروسة أو الذوبان في مشاريع الآخرين دون إحساس بذلك ممّا يعرّض منجزات الثورة للاضمحلال، ومن ثم فنحن أمام مصيرين: إما التطرّف والجمود المكْلِفَين أو التلاشي والفشل. وهذا ما يفرض مساهمة العلماء والمثقّفين الناضجين في مشروع دعم هذه الثورة وترشيدها دون ممارسة وصاية عليها، إنّ مسؤولية العلماء والمثقفين تكمن في هذه المرحلة في التواصل مع الحركة الشبابية لتبادل الرؤى والأفكار معها أو مدّها بما ينفعها من إرشادات وأفكار.

وأذكر هنا مشاركة السيد محمد باقر الصدر في تدوين دستور الجمهورية الإسلامية في إيران، فإنّ هذا العالم المثقف لم ينتظر من الحركة الثورية أن تطلب منه المساعدة أو مدّ يد العون، وإنما قام من تلقاء نفسه بالمشاركة وقبل انتصار الثورة في الترشيد الثقافي والديني دون أن يسأل عن إمكانات استجابة الفريق الآخر له في رؤيته الفكرية هذه، لاسيما ونحن نعلم أنّ بعض الأجنحة لم تكن على صلة جيدة به، لكنّ هذا لم يمنعه من العمل من موقع المسؤولية.. إنّ مسؤولية علماء الدين والمثقفين الواعين اليوم أن يكتبوا ويتكلّموا أو يعبّروا ويساهموا ولو لم يُطلب منهم في أيّ موقف أو قضية من القضايا التي تهمّ الحركة الشبابية دون أن يتعاطوا معها بمنطق الوصاية أو على طريقة الأب القاهر.

المشكلة الأخرى التي نلاحظها اليوم هي دخول بعض التيارات الدينية المتطرّفة على الخطّ مستفيدةً من الحالة القائمة، ونحن نعرف أنّ هذه التيارات المتطرّفة لا تؤمن حتى بأصول الحركة الشبابية هذه، مثل الديمقراطية والتعدّدية والمجتمع المدني ومنطق المؤسّسات؛ لأنها تعيش على الفردية والاستبداد وتنتفع من الديمقراطية للوصول إلى مآربها حتى إذا بلغتها نحرت الديمقراطيةَ نفسها.. هذا الخطّ يتهدّد الحركة الشبابية إذ إما أن يصادرها أو تنجرّ إلى التصادم والاصطراع معه، وعلى كلا التقديرين نحن أمام مشكلة جديدة، إذ قد تكون الغلبة للتيار المتطرّف؛ لأنّ مواجهته قد تجعل القاعدة الشعبية تشعر أحياناً ـ نتيجة عدم وجود وعي ديني متقدّم ـ بأنّ الحركة الشبابية تقف ضدّ الدين، وهو عنوان سيشكل وصمة عار لهذه الحركة في مجتمعاتنا ذات الطابع الديني المحافظ.

مشكلة أخرى في هذا السياق هي الاندفاع نحو تمثل الأنموذج الغربي بطريقة غير منسجمة مع الأصول العقدية والتراثية والحضارية لأمّتنا، ممّا يضع التجربة أمام حالة التبعية للغرب، لذا من الضروري أن تبدي الحركة الناهضة شكلاً معتدلاً ومعقولاً من أشكال الممانعة والخصوصيّة لا يفضي إلى تقوقع، ولا يعزلها عن التواصل مع الغرب بوصفه مركزاً من مراكز العلم وحضارةً للحظة الحاضرة.


البصائر: الروح الجديدة (الشبابية) طرحت تساؤلات عن الريادة وصناعة المبادرة بين النخبة والشباب، وأعادت الاعتبار للعمل الجماهيري الشعبي.. بيد أنّ ظاهرة بعض المجتمعات، خصوصاً في الشريحة الشبابية أنّه يعيش حالة من اللا اهتمام بالشأن العام والروح التغييريّة.. ما رأيكم بذلك وما السبيل لخلق تحوّلات في اهتمام الشباب في العالم العربي والإسلامي نحو مسؤولية الإصلاح؟


يحتاج هذا الأمر إلى تغيير ما في نمط الحياة والتفكير، سآخذ مثالاً فبعض مجتمعاتنا ما زال تفكيرها الديني سكونياً، إنها تثور لحدث طقسي بسيط قد يفضي إلى جرح نرجسي، لكنها لا تتحرّك إزاء أكبر قضايا الأمّة، ما هو السبب؟ أحد الأسباب هو نسق الوعي الديني الذي لم يراعِ منطق الأولويات، فقدّم ما حقّه التأخير وأخّر ما حقّه التقديم، إذاً فنحن بحاجة في بعض المجتمعات المحكومة لنسق التديّن التقليدي إلى حفر معرفي جديد لتغيير الوعي؛ لأنّ بعض أشكال التديّن التقليدي ذات نمط تعطيلي، فليست الجبرية هي الاتجاه التعطيلي الوحيد في الأمة، بل هناك التيارات التي تتخذ من الطاعة أساساً للتديّن، إنّ هيمنة فكرة الطاعة بشكلها المفرط في بعض النظريات عند هذا المذهب أو ذاك قد سدّ الأفق أمام حياة نقدية وأما منطق الشورى والنصح للحاكم.. إنّه منطق تعطيلي؛ لأنه يعطّل دور الأمة في المشاركة السياسية بل في الحياة السياسية عموماً.. من هنا أظنّ أننا بحاجة إلى إصلاح ثقافي في بعض هذه المجتمعات كي يوفّر المناخ المحيط لولادة فاعلية شبابية..

الأمر الآخر هو نمط العيش ودخول بعض مجتمعاتنا العربية ـ وهي تعيش الأمن والاستقرار ـ في النمط ما بعد الحداثوي للحياة، إنّه نمط يقصّر من مدى النظر، ويجعل منتهى الآمال في أن يلبس بطريقة خاصة أو يعيش كالفنّان الفلاني أو ينشغل بمتابعة الرياضة الفلانية بطريقة إفراطية.. هذه الثقافة السطحية تلعب وسائل الإعلام العربية أكبر الأثر في خلقها، إنّها ممتازة في تسطيح الوعي وتعليب الأفكار والأذهان وصناعة العقول الناجزة، مما يحوجنا إلى نهضة في وسائل الإعلام تقدر على تغيير نمط الوعي وإيجاد تحوير في المثل ـ القدوة التي تصنع لشبابنا اليوم.

ومن الضروري أن نشير إلى أمر، وهو أن لا تأخذنا الحماسة لاستنساخ تجربة مصر وتونس في كلّ البلدان العربية قبل دراسة مقوّمات وإمكانات وظروف كلّ بلد، إنّ هذا الخطأ حصل في بداية الثمانينيات بعيد انتصار الثورة في إيران، ثم توصّل قادة الثورة أنفسهم بعد زمن إلى أنّ هذه الطريقة غير صحيحة وأنّ عملية الاستنساخ هذه لابد أن تدرس بدقّة، فليس من الضروري لو نجحت تجربة في مكان أن تنجح في مكان آخر، حتى نقوم بجلد ذواتنا وأجيالنا الصاعدة بحجّة عدم حركتها.

 

ــــــــــــــــــــــــــ

(*) نشر هذا الحوار في مجلّة البصائر، العدد 48، عام 2011م، وقد شارك فيه أيضاً مجموعة من الشخصيات العلمية والثقافيةوهم: الشيخ حسن الصفار، والشيخ محمد حسن الحبيب، والدكتور صلاح الفضلي.



أهل البيت وفقهاء المذاهب الإسلامية وجه مشرق لعلاقة تعاون وتقارب

26 يوليو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة


مقدمة

الأمة الإسلامية بجميع مذاهبها وطوائفها أمة واحدة، فكر واحد ومنهج واحد وسلوك واحد, ومصالح واحدة, ومصير واحد, وتواجه عدواً واحداً، وحّد صفوفه وإمكاناته الفكرية والمادية والإعلامية والعسكرية لمواجهة الأمة الإسلامية بفكرها وقادتها وكيانها؛ من أجل إيقاف المسيرة الإسلامية وعرقلة حركتها التاريخية الرامية لإعادة الإسلام إلى موقعه الريادي بين الأمم.

وقد تنوعت أساليب المواجهة الاستكبارية مع الأمة الإسلامية, وفي مقدّمتها إيجاد البلبلة والاضطراب في داخل مكوّناتها بخلق أجواء الفتن الطائفية والمذهبية على ضوء نظرية أو شعار «فرّق تسد», ومن هنا تكون الأمة الإسلامية في العصر الراهن أحوج ما تكون إلى الوحدة والتآزر؛ لأنها تتعرض إلى هجمة شرسة ودؤوبة, وتقع على عاتق العلماء والدعاة مسؤولية إعادتها إلى موقعها الريادي بتوحيد صفوفها، وخصوصاً توحيد المواقف العملية تجاه التحديات الخطيرة.

ومن أهم وسائل تحقيق الوحدة تقريب العلاقات الراهنة بين المسلمين إلى مستوى العلاقات بين أئمة المذاهب الإسلامية, فهي علاقات تعاون وتآزر وتكاتف, ولم تكن علاقات تنافر وتدابر وتقاطع, فقد أدّوا دورهم ومسؤوليتهم، كلّ حسب قراءته للإسلام ودرجة فهمه لمتبنياته وثوابته, فالاختلاف بين أئمة المذاهب كان اختلافاً نظرياً واختلافاً في القراءات نتيجة لاختلافهم في المستويات العقلية واختلافهم في التنشئة الاجتماعية وفي ظروف التعلّم والتلّقي واختلافهم في تأثير العامل الوارثي على شخصياتهم.

وفي جميع الظروف والأحوال وأجواء الاختلافات النظرية، وخصوصاً في مجال الفقه، كانوا يلتقون معاً في العمل للإسلام والحرص على مفاهيمه وقيمة وتقريرها في العقول والقلوب والمواقف العملية والسلوكية, وكانوا يواجهون تحديات واحدة من قبل الحكّام والمنحرفين في ثوابت العقيدة والشريعة, ومن قبل التيّارات المنحرفة، كالزنادقة والغلاة, وكان الودّ والاحترام المتبادل حاكماً على علاقاتهم، فلا تقاطع ولا تدابر, ولا حساسية ولا خصومة, وقد تضافرت جهودهم من أجل نشر مفاهيم الإسلام, واتحدت الخطى في نطاق الأفق الأرحب، متعالين على الفواصل الجزئية التي تعاملوا معها في حدودها الضيّقة، وكذلك تعامل معها أتباعهم ومريدوهم.

وعلاقات الودّ والاحترام والتآزر والتعاون ينبغي أن تكون نبراساً لنا جميعاً لتتحكم في روابطنا ومواقفنا العملية في هذه المرحلة الخطيرة التي تكالبت فيها قوى الشر والانحراف على مواجهة الأُمة الإسلامية بعقيدتها ووجودها, وتلك المواجهة لا تقتصر على مذهب دون آخر ولا طائفة دون أُخرى، وهي لا تفرّق بين أتباع أئمة المذاهب, فلا فرق لديها بين أتباع جعفر الصادق ومالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أتباع المذاهب الأخرى، كالزيدية والأباضية.

فلتتكاتف وتتآزر القوى والتيارات الفاعلة في الأمة لتوحيد الصفوف وتوحيد المواقف العملية؛ لإعادة الإسلام إلى موقعه الريادي في قيادة البشرية، التي جرّبت جميع التيّارات فلم تحقق لها السعادة والأمان والسلام, فليكن الإسلام لها منقذاً من أزماتها المختلفة.

 

ثقافة الاستيعاب والذهنية التعدّدية: مواقف، فتاوى، وآراء

إنّ التعددية ظاهرة طبيعية ينبغي مراعاتها, فقد أقرّها الإسلام ولم يعطلها أو يلغيها, فقد أقرّ القرآن الكريم والرسول الأكرم هذه التعددية القائمة على أسس عشائرية أو قومية أو وطنية, فكان المسلمون على انتماءات وولاءات ثانوية, فهناك الأوس والخزرج والقريشيون, وهناك مهاجرون وأنصار وما شابه ذلك, وتطورت التعددية لتصبح مذاهب متنوعة, ولكّنها تلتقي معاً في الأُفق الأرحب.

فينبغي إشاعة ثقافة الاستيعاب ومراعاة التعددية, والتعامل معها كأمر واقع لا يمكن تجاوزه, ولنتقتدِ بالصالحين والمصلحين من قادة الأمة, ونتخذ مواقفهم ومناهجهم نبراساً في حركتنا نحو تحقيق مفاهيم وقيم الإسلام في الواقع.

وكان أئمة وفقهاء المذاهب في مقدّمة دعاة الوحدة، وكانوا يؤكدون على استيعاب الآخرين ومراعاة التعددية, ويدعون على مداراة مسايرة المخالفين بالرأي والولاء والانتماء، وعدم الانعزال عن نشاطاتهم وفعالياتهم؛ حرصاً على الوحدة والاتحاد.

ومن توجيهات الإمام جعفر الصادق× أنه قال: «خالقوا الناس بأخلاقهم, صلّوا في مساجدهم, وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم, وإن استطعتم أن تكونوا الأئمة والمؤذنين فافعلوا, فأنّكم إذا فعلتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، رحم الله جعفراً ما كان أحسن ما يؤدّب أصحابه, وإذا تركتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، فعل الله بجعفر ما كان أسوأ ما يؤدّب أصحابه([1]).

وهذه الرواية وروايات أخرى وردت في باب التقيّة, وقد فسّر الإمام الخميني& التقية بمعناها الإيجابي الذي يقصده الإمام الصادق×، فقال: تارة تكون التقية خوفاً, وأخرى تكون مداراة.

والخوف قد يكون لأجل توقع الضرر على المتقّي نفسه أو عرضه أو ماله أو ما يتعلق به؛ وقد يكون لأجل توقعه على غيره من إخوانه المؤمنين؛ وثالثة لأجل وقوع الضرر على حوزة الإسلام, بأن يخاف شتات كلمة المسلمين بتركها، ويخاف وقوع ضرر على حوزة الإسلام لأجل تفريق كلمتهم…

والمراد بالتقية مداراة أن يكون المطلوب فيها جمع شمل الكلمة ووحدتها؛ بتحبيب المخالفين وجرّ مودتهم من غير خوف ضرر كما في التقية خوفاً([2]).

وعلى ضوء ذلك، وفي ظروف التآمر الاستكباري المتواصل على الوجود الإسلامي, يكون العمل بالتقية ضرورياً على كلا المعنيين, فهو ضروري للمحافظة على حوزة المسلمين, وضروري في جمع الكلمة.

وقد صدرت مجموعة من الفتاوى الدالة على ضرورة مراعاة التعددية واستيعاب القراءات المختلفة للإسلام, ومن هذه الفتاوى([3]):

1 ـ فتوى المرجع الديني السيّد علي الخامنئي

«الفرق الإسلامية بأسرها تعتبر جزءاً من الأمة الإسلامية, وتتمتع بالامتيازات الإسلامية، وإيجاد الفرقة في ما بين الطوائف الإسلامية يعد خلافاً لتعاليم القرآن الكريم وسنة النبي’، كما يؤدي إلى إضعاف المسلمين وإعطاء الذريعة بأيدي أعداء الإسلام، ولذلك لا يجوز هذا الأمر قط».

 

2 ـ فتوى المرجع الديني السيد علي السيستاني

«كلّ من يشهد الشهادتين، ولم يظهر منه ما ينافي ذلك, ولم ينصب العداء لأهل البيت، فهو مسلم».

 

3 ـ فتوى المرجع الديني السيّد محمد سعيد الحكيم

«يكفي في انطباق عنوان الإسلام على الإنسان الإقرار بالشهادتين والفرائض الضرورية في الدين، كالصلاة وغيرها، وبذلك تترتب عليه أحكام الإسلام من حرمة المال والدم وغيرها».

 

4 ـ فتوى المرجع الديني السيّد حسين إسماعيل الصدر

«إنّ المذاهب واقع إسلامي لا بدّ أن ينظر إليها بكل احترام وتقدير, ولا بدّ لأتباعها الاقتداء بها؛ وفقاً لقاعدة الإلزام».

 

5 ـ فتوى المرجع الديني الشيخ بشير النجفي

«كلّ من يقرّ بالتوحيد، ويعتقد بنبوة محمد بن عبد الله، وأنّ رسالته خاتمة النبوات والرسالات الإلهية، وبالمعاد، ولا يرفض شيئاً مما علم وثبت أنّه من الإسلام، فهو مسلم، تشمله الأحكام الإسلامية, وهو محقون الدم والعرض والمال, ويجب على المسلمين جميعاً الدفاع عنه وعن ماله وعرضه، والله العالم».

 

6 ـ فتوى شيخ الأزهر الأسبق الشيخ محمود شلتوت

«إنّ الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه اتبّاع مذهب معين, بل نقول: إن ّ لكل مسلم الحقّ في أن يقلّد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحاً والمدونّة أحكامها في كتبها الخاصّة, ولمن قلّد مذهباً من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره ـ أيّ مذهب كان ـ، ولا حرج عليه في شيء من ذلك.

فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك, وأن يتخصلوا من العصبية لمذاهب معيّنة, فما كان دين الله وما كنت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب,فالكل مجتهدون ومقبولون عند الله تعالى, يجوز لمن هو أهلٌ للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقرّرونه في فقهم, ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات».

 

7 ـ فتوى الشيخ يوسف القرضاوي

«من شهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله, خالصاً من قلبه, فقد أصبح مسلماً، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين».

 

8 ـ فتوى الشيخ أحمد كفتارو

«لا يجوز تكفير أحد من أهل القبلة متى نطق بالشهادتين؛ فإنّ ذلك يعصم ماله ودمه».

وقد نّبه بعض العلماء إلى خطورة الخلافات في ظل التآمر على الإسلام, ووجهوا الأنظار إلى المخاطر الحقيقية.

قال السيّد محسن الأمين: «ما زلنا نتنازع حبل الخلافة, حتى أصبح خليفتنا المفوَّض الفرنسي».

وقال شيخ الأزهر السابق الشيخ عبد العزيز البشري: «ما زلنا نختلف حول غسل أو مسح القدم, حتى أصبحنا لا نملك من وجه الأرض موقع قدم»([4]).

 

أهمية نشر أحاديث ووقائع التعاون والتآزر بين أهل البيت وسائر الفقهاء

إنّ المصلحة الإسلامية العليا تستلزم نشر أحاديث ووقائع التعاون والتآزر, والتقليل قدر الإمكان من الأحاديث والوقائع التي يشم منها رائحة الفرقة، وإن كانت عند البعض صحيحة السند؛ لأنها مخالفة للمصلحة الإسلامية العليا, وينبغي أن تعرض في دوائر خاصة مغلقة, أو الاعتراف بها كأخطاء واقعية لا ينبغي تحميل الجيل الراهن أو مرحلتنا المعاصرة مسؤوليتها, فإذا وجدنا رواية تدل على حسن العلاقة بين أئمة المذاهب أو فقهاء المذاهب فلا بد من التركيز عليها ونشرها, والعكس صحيح, وهذا ما سنؤكده أو نثبته في هذه الدراسة المختصرة, وهي الكفيلة بتقريب القلوب وإنهاء مظاهر الخلافات الصاخبة والمتشنجة.

ومن الأمثلة على ذلك ما روي عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: «رأيت أبا بكر يكثر النظر في وجه عليّ بن أبي طالب, فقلت له: يا أبه, إنّك تكثر النظر إلى عليّ بن أبي طالب, فقال لي: يا بنيّة سمعت رسول الله’ يقول: «النظر إلى وجه عليّ عبادة»([5]).

وفي رواية أخرى: جاءت وفود أسد وغطفان وهوزان إلى أبي بكر، ثم رجعوا وأخبروا عشائرهم بقلّة أهل المدينة وأطمعوهم فيها, فكلّف أبو بكر عليّاً بأن ينصب كميناً على أطراف المدينة, فأطاعه علي×, فلم يستطيعوا الهجوم وتراجعوا؛ لأنهم وجدوا المدينة محروسة([6]).

وحينما خرج أبو بكر للقتال في أحد الوقائع: «أخذ عليّ بزمام ناقته, وقال: أقول لك ما قال لك رسول الله’ يوم أحد: شمّ سيفك, ولا تفجعنا بنفسك, وارجع إلى المدينة»([7]).

ومن الروايات الواقعة في طريق التقريب أنّ عمر بن الخطاب استخلف علياً على المدينة في السنوات: 14 و15 و18 هجرية([8]).

ولم يتخلف أنصار الإمام علي× عن الغزوات التي قادها عمر بن الخطاب, فاشتركوا فيها تحت إمرة من نصّبه قائداً عسكرياً، فاشترك أبناء عمّه العباس فيها, واشترك أبناء إخوانه فيها، ومنهم: محمد بن جعفر الذي استشهد في تستر, واشترك عمّار بن ياسر وسلمان وحذيفة بن اليمان وجابر بن عبد الله في أغلب الغزوات والفتوحات([9]).

وحينما طلب منه العباس أن لا يدخل في الشورى التي عيّنها عمر قال: «إني أكره الخلاف»([10]).

وفي عهد عثمان اشترك أبو أيوب الأنصاري وأبو ذر الغفاري في فتح أفريقية, وإشترك الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وآخرون في غزو طبرستان بإمرة سعيد بن العاص»([11]).

وحاول الإمام× تهدئة الأوضاع المتشنجة بين الخليفة والمعارضين له, وأصبح وسيطاً بين الطرفين لإخماد الفتنة, ونصح المعارضين بعدم قطع الماء عنه  في وقت الحصار، فلم يستجيبوا له, فبعث إليه ثلاث قرب مملوءة بالماء([12]).

وبعث عثمان إليه فأتاه, فتعلّق به المعارضون ومنعوه, فحلّ عمامة سوداء على رأسه ورماها داخل البيت ليعلمه وقال: «اللهمّ لا أرضى قتله, والله لا أرضى قتله».

وأرسل الحسن والحسين للدفاع عن عثمان, فمنعوا المعارضين من الدخول إلى منزله, وقد أصابت الحسن عدّة جراحات في الدفاع عنه([13]).

وفي فترة الحصار رفض الإمام علي× الصلاة بالمسلمين, وقال «لا أُصلّي بكم والإمام محصور، ولكن أصلّي وحدي»([14]).

ولنقتدِ بالأئمة والمصلحين في أدب الحوار؛ لأّنه يؤدي إلى تأليف القلوب وإقناعها بالرأي الأصوب، ومن ذلك ما روي أن يحيى بن أكثم سأل الإمام محمداً الجواد× عن دلالة بعض الروايات التي يفهم منها بعض الفضائل بحق الخليفة عمر بن الخطاب ـ وهي مخالفة لثوابت العقيدة عند الطرفين ـ، فأجابه الإمام قائلاً: «لست بمنكر فضائل عمر, ولكنّ أبا بكر أفضل من عمر…»([15]).

 

فلنقتدِ بالإمام الخميني

ومن المصلحة الإسلامية في مرحلتنا الراهنة وجميع المراحل القادمة أن نروّض أنفسنا على ذكر محاسن الآخرين وإن اختلفنا عنهم في الانتماء والولاء؛ لأنها الكفيلة بتقريب القلوب وتأليفها, وغلق الثغرات أمام أعداء الإسلام للحيلولة دون تصيّدهم لها لخلق البلبلة والاضطراب في صفوف المسلمين وإثارة الخلافات الطائفية, ولنقتدِ بالإمام الخميني& في مواقفه الوحدوية, حيث كان يوجِّه الأنظار إلى المواقف المشرقة الإيجابية, ولم يبخس الآخرين حقّهم في التقييم الموضوعي.

ومن قوله: «لنلاحظ كيف هي معيشة الذين كانوا يدعون إلى الإسلام؟ مثلاً: نفس النبي الأكرم وبعده الخلفاء الأوائل ـ الذين كانوا على نحو آخر ـ، ثم الإمام عليّ أمير المؤمنين×، فهل كانت حياتهم تشبه حياة ملالي البلاط»([16]).

ويستشهد في خطاب آخر بسيرة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، حيث يقول «عندما وصل الخليفة الثاني في أحد أسفاره قريباً من أحد البلدان التي كانت تحت سلطته إذ ذاك كان الدور لغلام الخليفة أن يركب والخليفة يمشي راجلاً, ويأخذ اللجام بيده، وعندما وردا المدينة ـ كما نقل ـ كانا في تلك الحالة, فالخليفة يمشي والغلام راكب على البعير, إذا وجدت مثل هذه الحكومة, فلا مجال لهذه الأقوال؛ لأنه في ظلّها لم تبق أنانية للإنسان»([17]).

وينبغي نشر الأخبار والوقائع والمواقف المشرقة التي وقفها علماء الشيعة والسنة في الدفاع عن بعضهم، وفي تلاحم بعضهم مع البعض, ومنها على سبيل المثال: وقوف علماء الشيعة في العراق إلى جنب الدولة العثمانية في صراعها مع الاستعمار، وتحريم المرجع السيد محسن الحكيم& لقتال الأكراد في العراق, ومطالبته جمال عبد الناصر بالإفراج عن الشيخ سيد قطب, ودعم الإمام الخميني& لحركات التحرر, وكذلك تجويز المراجع إعطاء الزكاة للفلسطينيين، وإعلان شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت استنكاره للاعتداء على علماء الدين في إيران, فجاء في بيانه الذي وجهه للعالم الإسلامي: «إنّ الاعتداء على علماء الدين في إيران سابقة لا يقدم عليها إلاّ متحلّل من دينه، خارج على عقيدته، منكر لما أكّده الله تعالى في حقّ العلماء…

أشهدك اللهم أنّ الاعتداء على حملة رسالتك قد وقع, وإنّ رفع الأذى عن أوليائك فرض في رقاب المؤمنين….

إنّ العمل على إنقاذ المظلوم أمر يحتمه الإسلام، ويوجب رفع الضرر عن الناس، ويأمر به ويفرضه..، وإنّ علماء الإسلام في إيران قد تكرّر الاعتداء عليهم, ونالت ويلات السجون منهم، وتلك جريمة في حقّ الأخلاق, ووصمة عار في جبين الأمة, ويوم تهون أقدار العلماء لن تكون الكلمة إلاّ لهوى النفس الجامحة وقوى الشرّ المخربة, ألا فلينتبه المسلمون في كافة الأقطار».

وقد بعث إلى مراجع التقليد في النجف وفي إيران رسالة جاء فيها: «إننّا نعتبر الاعتداء عليكم اعتداءً على جلالة الرسالة التي تحملونها..، نصركم الله»([18]).

ونشر مثل هذه المواقف يزيد من الألفة والمحبّة بين المسلمين, وقد أثبت الواقع صحة ذلك، من خلال بتعاطف علماء السنة والحركات الإسلامية السنية مع علماء الشيعة, والدفاع عنهم في بعض الفتاوى والبيانات.

 

المظاهر الإيجابية في العلاقات بين أهل البيت وفقهاء المذاهب

كان أئمة وفقهاء المذاهب يعملون من أجل الدعوة إلى الإسلام, وتحكيمه في العقول والقلوب والإرادات والمواقف السلوكية والعملية, ولم يمنعهم الاختلاف النظري في فهم النصوص الثابتة من اللقاء والاجتماع والتزاور, فقد كانوا يعملون مع الخلافات الناجمة عن القراءات المتعددة للإسلام في نطاقها الجزئي, ولم يحولوها إلى فواصل كلية, ولم يصدر عنهم وعن أتباعهم ـ باستثناء المتطرفين ـ أي رأي أو موقف يلغي أو يشطب على الآخرين, بتكفيرهم أو تفسيقهم أو اتهامهم بالمروق من الدين, بل كانوا ينظرون إلى الآفاق العليا وإلى المحاور المشتركة التي تجمعهم, وإذا حدثت بعض الخلافات الصاخبة فإنها كانت ظاهرة استثنائية طارئة، سرعان ما تضمحل، لتعود العلاقات إلى الأصل، وهو التفاهم والانسجام والتعاون والتآزر.

وفي ما يلي نستعرض مظاهر هذه العلاقات، وأهمها: العلاقات في مجالي العمل والفقه, وعلاقات الاحترام والتكريم والولاء, ووحدة الموقف من السلطات الحاكمة, فلم يكونوا أعواناً لها, ولم يحسب أحدهم على حاكم من الحكّام، وخصوصاً الحكّام الذين خالفوا كتاب الله تعالى وسنة نبيّه.

 

العلاقات في مجالي العمل والفقه

إنّ توجّه أئمة المذاهب وفقهائهم إلى طلب العلم كان استجابة للتعاليم والإرشادات الإسلامية الداعية إلى التفقّه في الدين والغور في مفاهيمه وقيمه بجميع جوانبها: العقائدية والتشريعية الشاملة لجميع جوانب الحياة الإنسانية, استناداً إلى ثوابت القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة, ولم يبحثوا في طلب العلم عن جاه أو منصب دنيوي أو مال أو عرض من أعراض الدنيا, ولم تصدر أية فتوى من أحدهم تناصر الحكّام إلاّ في حدود المصلحة الإسلامية العليا والمحافظة على الوجود الإسلامي من الغزو والانهيار.

ولم تكن العلاقات في مجالي العلم والفقه علاقات انزواء وانكماش وتقوقع, وإنما كانت علاقات تفتح، انعدم فيها عنصر الأنا، والعنصر الشخصي, والنظرة السلبية مع الآخرين, فالجميع انطلقوا ضمن الأهداف المشتركة، وكانوا يأخذون العلم من مناهله ومنابعه على اختلاف مناهجها ومتبنياتها, فلا يوجد انفصال في الحياة العلمية, حيث يروي بعضهم عن بعض، ويتبنى بعضهم آراء بعض, وقد اتفق الجميع على مرجعية أئمة أهل البيت^ العلمية؛ لأنهم أخذوا العلم عن آبائهم، وأخيراً عن عليّ بن أبي طالب عن رسول الله’, فقد أخذوا العلم عن أهل البيت مباشرة أو بصورة غير مباشرة، وعلى رأسهم أبو حنيفة ومالك».

وكان أتباع أهل البيت^ وأتباع أئمة المذاهب يطلبون العلم والفقه سويّة بلا انزواء ولا تقاطع, فيدرسون عند هذا أو ذاك بغض النظر عن مذهبه ومتبنياته الفقهية والأصولية,وكان يحدّث أحدهم عن الآخر أو عن إمام مذهب آخر, مثلاً: كان سفيان الثوري يحدّث عن الإمام جعفر الصادق×، وعن الأعمش, وكان الأعمش يحدّث عنهما, وكان أبان بن تغلب يحدّث عنهما أيضاً, وكان الإمام أبو حنيفة يحدّث عن الإمام جعفر الصادق× وعن أتباعه, وهم بدورهم يحدّثون عن الإمامين الصادق وأبي حنيفة.

وهكذا كانت العلاقات قائمة على قواعد الودّ والمحبّة والثقة المتبادلة، وكان أهل البيت يشجّعون أتباعهم على تعميق مثل هذه العلاقات, وكانوا بأنفسهم يحضرون في مجالس مَن هم أقل منهم علماً وشأناً؛ لكي يكونوا قدوة لأتباعهم في إزالة الحواجز والفواصل الجزئية, وعلى سبيل المثال: كان الإمام علي بن الحسين× يجالس قوماً دوناً ويستمع إلى حديثهم, حتى قيل له: إنّك تجالس قوماً دوناً, فأجاب القائل ـ وهو نافع بين جبير ـ: إني أجالس من أنتفع بمجالسته في ديني([19]).

وقال الزهري: «حدّثت عليّ بن الحسين بحديث، فلمّا فرغت قال: أحسنت بارك الله فيك, هكذا سمعناه, فقلت: لا أراني حدّثت حديثاً أنت أعلم به منّي، قال: لا تفعل ذلك, فليس من العلم ما لم يعرف، إنما معنى العلم ما عرف»([20]).

وكان الفقهاء والعلماء يستمعون إلى نصائح أئمة أهل البيت^ المعاصرين لهم, ويلتزمون بتوجيهاتهم وإرشاداتهم, اعترافاً منهم بمرجعيتهم العلمية، فقد روي أنّ الحسن البصري كان يقصّ في الحج, فمرّ به الإمام علي بن الحسين، فقال له: يا شيخ، أترضى نفسك للموت؟ قال: لا، قال: فثم دار للعمل غير هذه الدار؟ قال: لا، فقال: فعملك للحساب؟ قال: لا، قال: فِلمَ تشغل الناس عن طواف البيت؟ فما قصّ الحسن بعدها([21]).

فقد استجاب لتوجيهات الإمام عليّ بن الحسين×, وتقبّل نصيحته، فلم يخالفه، ولم يصّر على عمله, بل تراجع عنه.

وكان يروي أحاديث كثيرة يسندها إلى أئمة أهل البيت^, وكذلك كان سفيان الثوري والأوزاعي وغيرهم, كما ورد في كتب الحديث المتنوعة.

وكان سفيان الثوري من تلامذة الإمام جعفر الصادق×([22]).

ووردت له عبارات عديدة يكرّر فيها القول: «حدّثني جعفر بن محمد»،  و«سمعت جعفراً يقول»([23]).

وكان يسأله عن كثير من مجالات العلم والمعرفة, وبالخصوص مجال الفقه والأحكام الشرعية, وعن عللها([24])، ونتيجة للاختلاف في إدراك الحقائق والوقائع, والاختلاف في المتبنيات الاجتهادية، كان يعترض على بعض مواقف وممارسات الإمام الصادق×, فكان الإمام يجيبه على اعتراضاته أو إشكالاته برحابة صدر, فقد اعترض على لباسه, فأحسر عن ردن جبته، فإذا فيها جبة صوف بيضاء يقصر الذيل، عن الذيل وقال: «لبسنا هذا لله، وهذا لكم, فما كان لله أخفيناه, وما كان لكم أبديناه»([25]).

والدروس المستفادة أنّ للأمة أو للآخرين حقّ الاعتراض أو التساؤل لمعرفة الحقيقة أو تصحيح الأخطاء, فينبغي للمتصدّي أن يتقبل ذلك ويجيب عليه، لا أن يضع نفسه بعيداّ عن النقد, وهذا من شأنه تقريب القلوب وتأليفها.

ولتعميم الفائدة بالاستفادة من رواية سفيان الثوري عن الإمام الصادق× في معرفة القواعد والثوابت الشرعية والفكرية نذكر نصّها كما روي أنه قال:  سمعت جعفراً يقول: «الوقوف عند كل شبهة خير من الاقتحام في الهلكة, وترك حديث لم نروه أفضل من روايتك حديثاً لم تحصه, إنّ على كل حقّ حقيقة وعلى كل صواب نوراً, فما وافق كتاب الله فخذوه, وما خالفه فدعوه»([26]).

وما ورد بعد بمثابة ميزان ثابت تُوزن به الروايات والأحاديث لمعرفة مدى سلامتها وصحة صدورها, وبهذا الميزان يمكن تهذيب الكثير من الأفكار والأحكام وعدم التمسك بها أو التعصب لما جاء فيها.

وقال له: لا أقوم حتى تحدّثني, فقال: «إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها ودوامها فأكثر من الحمد والشكر عليها….، وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار…، إذا أحزّ بك أمر من السلطان أو غيره فأكثر من قول: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله؛ فإنها مفتاح الفرج…».

فعقد سفيان بيده, وقال: «ثلاث، وأيّ ثلاث»([27]).

وأخذ الإمام أبو حنيفة العلم عن أربعة من أئمة وفقهاء أهل البيت^، وهم: محمد الباقر, جعفر الصادق, وزيد بن عليّ, وعبد الله بن الحسن بن الحسن, ولهم في قلبه منزلة وإكرام, وعرفت عنه محبّة واضحة لهم([28]).

وكان يتقبل نصائحهم ومحاسبتهم له، فقد كان الإمام محمد الباقر× يحاسبه على آرائه، وخصوصاً في القياس, وكان يتقبّل هذه المحاسبة، ويستمع لتوجيهاته وإرشاداته, ويتعامل معه تعامل المرؤوس مع رئيسه([29]).

وقد اعترف بفضل الإمام الصادق× عليه، في إيصاله إلى هذه الدرجة والمنزلة العملية والفقهية, فقال: «لولا السنتان لهلك النعمان», ويرى الشيخ محمد أبو زهرة أن هاتين السنتين كانتا عندما خرج أبو حنيفة من العراق مهاجراً بدينه، فإنه أقام ببلاد الحجاز, ولعله لازم الإمام الصادق في هذه المدة([30]). 

وكان الإمام الصادق يختبره في الكثير من المسائل من أجل زيادة العلم والمعرفة, فقد سأله عن محرم كسر رباعية ظبي, فقال: لا أعرف جوابها, فقال: أما تعلم أنّ الظبي لا يكون له رباعية([31]).

وكان يشجعه على التعليم والتدريس, وكان يحضر حلقه الدرس التي يعقدها, وهو لا يعلم به, وحينما يعلم بحضوره يقف احتراماً وإجلالاً ([32]).

وكان الإمام أبو حنيفة يستمع إلى إرشادات وتوجيهات الإمام العلمية والفقهية والأصولية, ففي إحدى المرات دخل القاضي عبد الله بن شبرمة والإمام أبو حنيفة على الإمام الصادق, فقال ابن شبرمة: هذا الرجل من أهل العراق له فقه وعلم, فقال الإمام: لعله الذي يقيس الدين برأيه…، ثم قال له: «اتق الله، ولا تقس الدين برأيك…، اتق الله، يا عبد الله ولا تقس، نقف نحن غداً وأنت ومن خالفنا بين يدي الله عز وجل, وتقول أنت وأصحابك: سمعنا ورأينا، فيعمل بنا وبكم ما يشاء»([33]).

وأخذ الإمام مالك بن أنس العلم عن جماعة، ومنهم الإمام جعفر الصادق×, ولكّنه أخفى الحديث عنه في عهد الأمويين, فلم يرو عنه حتى ظهر أمر بني العباس, وكان لا يروي عنه حديثاً حتى يضمه إلى آخر([34]).

وكان الإمام الصادق× يشجع طلاب العلم للحضور في حلقة الإمام مالك الدراسية, وأخذ العلم منه؛ لإزالة الحواجز والفواصل بين المسلمين عموماً، وطلاب العلم خصوصاً, وهذا التشجيع يساهم مساهمة فعالة في تعميق أواصر الإخاء والمودة,وفي تقريب وجهات النظر لاتخاذ المواقف الواحدة تجاه الأحداث والوقائع والوجودات.

ومن الأمثلة على


الجهاد الابتدائي الدعوي في الفقه الإسلامي قراءة استدلالية في مبادئ العلاقات الدولية

15 يوليو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2 زيارة

تمهيد
تتصل قضية الجهاد الابتدائي اتصالاً وثيقاً بقراءة الإسلام للعلاقة مع الآخر، فهذا الجهاد ـ بالمفهوم السائد في التراث الفقهي ـ يؤسّس لعلاقة الحرب مع غير المسلم، أو ما يسمّى بأصالة الحرب في الإسلام، فطبقاً للقول بوجوب الجهاد الابتدائي مرّةً على الأقل كلّ عام فإنّ المجتمع الإسلامي ـ  مادام قادراً ـ سيظلّ يعلن الحرب على الآخرين حتى لو لم يعلنوا هم الحربَ عليه، حتى أنّ الفقه الإسلامي تحفّظ ـ عند العديد من الفقهاء ـ على توقيع معاهدات سلام مع غير المسلم لمدّة تزيد في الحدّ الأقصى عن عشر سنوات، وهذا معناه أنّ الدولة الإسلامية ملزمة ـ حال القدرة ـ على شنّ هجمات متواصلة على الآخرين لا تنتهي سوى بإسلامهم أو قتلهم أو إخضاعهم.
من هنا، كان هذا الموضوع بالغ الحساسية والأهمية، ويشكل أهم مبدأ دستوري تقوم عليه العلاقات الدولية في الإسلام، ويتصل مباشرةً بالحريات الدينية في العالم، وقد استغلّه الكتّاب والباحثون الغربيون وغيرهم لتوجيه النقد على الإسلام وثقافته التي نعتت بالهجومية العدوانية، وكان جزءاً لا يتجزءاً من تكوين ما يسمى بـ (الإسلام فوبيا). ولا يعنينا نقدهم أو تجريحهم أو تهجّمهم إذا ثبت بالدليل المنطقي المعتبر أنّ الله أراد ذلك منّا فيما نفهمه من العقل والنصوص الدينية، إنّما المهم أن نبحث هذا الموضوع، الذي قلّما تعرّض الفقهاء القدامى لأصل شرعيّته؛ لهذا افترضوه واضحاً، ولا نجد عندهم كثير جدلٍ وكلام في مبدأ الجهاد الابتدائي أو جهاد الدعوة في الإسلام؛ من هنا، يمكن أن يُبحث هذا الموضوع مجدّداً من زاوية فقهية اجتهادية تقرأ الأدلّة الشرعية، لتنظر في مديات دلالتها على هذا النوع من الجهاد.
والبحث في الجهاد الابتدائي يقع على مرحلتين: إحداهما تعريف هذا الجهاد وتحديد مفهومه ومقوله، كي لا يحصل التباس في النقطة التي يدور حولها البحث والتنقيب، وثانيهما في حكمه من حيث الشرعية وعدمها ومن حيث الوجوب وعدمه، وفي الإطار الثاني نبحث تارةً عن شرعية هذا الجهاد وكذلك دليل وجوبه، ثم نبحث مرّةً أخرى في الأدلّة على عدم شرعيته من رأس ووجود ما يمنع تسويغه في النصوص الدينية والأدلّة الفقهية، لكن ونظراً لسعة البحث وطوله نقتصر هنا ـ بعد تحديد مفهوم الجهاد الابتدائي ـ على دراسة نظرية شرعيّته وتقييمها، تاركين البحث في أدلّة عدم شرعيته إلى فرصة أخرى، إن شاء الله تعالى.
1 ـ الجهاد الابتدائي الدعوي التحريري، البُنية والمفهوم والحقيقة
يقصد بالجهاد الابتدائي، ابتداء المسلمين للكافرين بالحرب بهدفٍ واحد هو الدعوة إلى الإسلام وبذل الجهد لجعلهم مسلمين أو خاضعين للمسلمين، فإن كان الكفّار مشركين أو مطلق غير أهل الكتاب، وضعوا أمام خيارين هما: القتل أو الإسلام، وإن كانوا من أهل الكتاب وضعوا أمام خيارات ثلاثة: إما أن يسلموا، وإما أن يخضعوا ويصبحوا من أهل الذمّة فيدفعون الجزية، وإما أن يُقتلوا؛ ولهذا السبب يسمّى هذا الجهاد أحياناً بجهاد الدعوة، وجهاد التحرير؛ لأنه يحرّر النفوس من الكفر، أي إن الهدف منه دعوة الكفار للإسلام، فسبب البدء به ليس اعتداء الكفار، بل كفرهم؛ فلتطهير الأرض من الشرك وبسط يد الإسلام على المعمورة ـ بحيث لو ظلّ الكفر ببعض أنواعه يبقى تحت هيمنة الإسلام ـ يقوم هذا الجهاد.
هذا هو المشهور المعروف في معنى الجهاد الابتدائي، وإن لم يفرد أكثر العلماء تعريفاً اصطلاحياً للجهاد في كتبهم الفقهية، بل لقد عدّه الفقهاءُ الجهادَ الأصليَّ في الإسلام، فيما ألحقوا به ـ إلحاقاً ـ الجهاد الدفاعي، يقول الشيخ النجفي (1266هـ): «لا ريب في أنّ الأصليّ منه قتال الكفار ابتداءً على الإسلام.. ويلحق به قتال من دهم المسلمين منهم، وإن كان هو مع ذلك دفاعاً..». ويقسّم الشيخ جعفر كاشف الغطاء (1228هـ) الجهاد إلى خمسة أقسام، يعود أربعة منها في الحقيقة إلى الجهاد الدفاعي، فيما الخامس هو الابتدائي فيقول: «الخامس: جهاد الكفر والتوجّه إلى محالهم؛ للردّ إلى الإسلام، والإذعان بما أتى به النبي الأمي المبعوث من عند الملك العلام، عليه وآله أفضل الصلاة والسلام»( 4). ويقول الميرزا القمي (1231هـ): «وأما الحقيقة الفقهية، فالذي هو موضوع كتاب الجهاد في أكثر الكتب الفقهية، هو الجهاد مع الكفّار حال حضور الإمام وبإذنه، وكذا مع البغاة كذلك، وقد ذكروا حكم قتال من دهم من الكفّار بحيث يخاف منه على بيضة الإسلام والمسلمين من الاصطدام والاستيصال، فيه استطراداً…»( 5) ، فهذا النصّ واضح في أن أحكام الجهاد المسطورة في أكثر كتب الفقه الإسلامي ترجع إلى غير الجهاد الدفاعي الذي يدهم فيه المسلمين عدوّ، ومثل ذلك يقول الشهيد الثاني (965هـ): «وهو أقسام: جهاد المشركين ابتداءً؛ لدعائهم إلى الإسلام.. والبحث هنا عن الأوّل، واستطرد ذكر الثاني [الدفاعي] من غير استيفاء..»( 6) ، فالدفاعي جاء بحثه استطراداً أيضاً، ويقول الشيخ المنتظري: «وقسّم الفقهاء الجهاد إلى قسمين: الجهاد الابتدائي، والجهاد الدفاعي، وأرادوا من الأوّل قتال المشركين والكفار لدعائهم إلى الإسلام والتوحيد والعدالة..»( 7). ويقول ابن رشد الحفيد (595هـ): «اتفق المسلمون على أنّ المقصود بالمحاربة لأهل الكتاب ـ ما عدا أهل الكتاب من قريش ونصارى العرب ـ هو أحد أمرين: إما الدخول في الإسلام، وإما إعطاء الجزية..»(8 ). وفي كتاب الفتاوى الهندية للشيخ نظام ـ وهو من كتب الحنفية ـ جاء: «كتاب السير.. الباب الأوّل: في تفسيره شرعاً وشرطه وحكمه، أما تفسيره، فالجهاد هو الدعاء إلى الدين الحقّ والقتال مع من امتنع وتمرّد عن القبول، إما بالنفس أو بالمال..»(9 ) ، وقال الحصكفي (1088هـ) في تعريف الجهاد: «الدعاء إلى الدين الحق وقتال من لم يقبله».
من هنا، نلاحظ على العديد من الفقهاء أنّه عندما عرّف الجهاد في مقدّمة بحثه في كتاب الجهاد لم يعرّف سوى الجهاد الابتدائي، ولا أقل من التركيز عليه أكثر( 10)؛ مما يشي بأن المرتكز في وعيهم أنّه هو المفهوم الأصيل للجهاد، الأمر الذي يعيد تشكيل تصوّرنا عن الوعي الفقهي لمفهوم الجهاد، وأنّ الجهاد الابتدائي إنّما غُيّب بسبب ضعف قدرات المسلمين عن الحرب، لا بسبب عدم وجود مفهوم له في الفقه الإسلامي، وهذه نقطة بالغة الأهمية.
وقد جاء التعبير بـ«الجهاد الابتدائي أو جهاد الدعوة أو جهاد التحرير أو جهاد الطلب» متأخراً بين الفقهاء والباحثين، ولم يكن هذا المصطلح رائجاً، إنما كانت معانيه تُفهم من خلال كلامهم، وإذا تمّ البناء على وجوب هذا الجهاد من جهة وعدم اشتراطه بحضور المعصوم من جهةٍ أخرى، بناءً على ما ذهب إليه جماعة من المتأخرين( 11)، والقول باشتراطه كلّ عام مرّةً، ينفتح بحث هام جداً نسمّيه: أصالة الحرب أو أصالة السلم في الإسلام، وهو المبدأ الأوّل في العلاقات الدولية في الفقه الإسلامي؛ إذ طبقاً لهذه الأحكام الثلاثة قد يقال بأصالة الحرب، وأنّ السلم يحتاج إلى عنوان طارئ هو المعاهدة أو الذمة أو.. وعليه فبحث الجهاد الابتدائي من أهمّ مباحث فقه الجهاد والعلاقات الدولية في الإسلام.
وقد أخذ مفهوم هذا الجهاد بالتحوّل لدى بعض الفقهاء والباحثين في القرن العشرين شيعياً وسنياً، مثل القول: إنه الجهاد حال منع الدولة الكافرة من نشر الإسلام فيها، فيكون جهاداً لتحقيق الحرّية أو دفاعاً عن حقوق الإنسان في المعتقد، أو دفاعاً عن التوحيد، أو تحريراً للإنسان من عبودية غير الله، أو ممارسةً للأبوّة المشفقة على الناس لهدايتهم وغير ذلك( 12)، مما يرجع إلى ما يسمّى في عُرف الدراسات القانونية الدولية بالتدخل الإنساني، مع الالتفات إلى وجود بعض ملامح هذه التحليلات في كلمات بعض العلماء السابقين، مثل ابن تيمية الحراني( 13)، ثم ظهر من لم يقبل هذا التحويل لمفهومه فأخذه كما هو أو رفضه مطلقاً( 14).
2 ـ نظرية شرعية الجهاد الابتدائي ووجوبه
يكاد وجوب الجهاد الابتدائي ـ فضلاً عن شرعيته ـ أن يكونا من مسلّمات الفقه الإسلامي، سوى كلمات قليلة توحي بعكس ذلك، كما فيما ينسب إلى الإمام الثوري وابن شبرمة، وابن عمر، وعطاء، وعمرو بن دينار… من عدم وجوب غير الدفاعي(15 )، وهو يحتمل مشروعية الابتدائي، وسقوط وجوبه فقط. وقد بلغ وضوح الأمر حداً أنّ الفقهاء لم يبذلوا جهداً مركّزاً للبرهنة عليه، وكأنهم اتفقوا على أن نصوص الكتاب والسنّة عندما تحدّثت عن الجهاد إنما قصدت هذا النوع منه؛ لذلك لم يجدوا حاجةً للبرهنة عليه بعنوانه، إذ أصل وجوب الجهاد في الإسلام من الواضحات التي يعرفها كلّ من قرأ الإسلام بمصادره، حتى قال الإمام الشوكاني (1250هـ): «أما غزو الكفار، ومناجزة أهل الكفر، وحملهم على الإسلام، أو تسليم الجزية، أو القتل، فهو معلوم من الضرورة الدينية، ولأجله بعث الله رسله …»( 16).
ولابدّ لنا من بحث هذا الموضوع؛ إذ في ضوئه يُفهم باب الجهاد بأكمله، ويُعرف لماذا عندما تحدّثوا عن شروط الجهاد حصروها بالابتدائي؟ إذ إنهم كانوا يرون الدفاعيّ على الهامش غير مركّز عليه ـ بالدرجة عينها ـ في الكتاب والسنّة؛ من هنا، لابدّ لنا من ذكر أدلّة الجهاد الابتدائي، وتناولها بجديّة أكبر، لنرى ما توصلنا إليه، وهي:
أدلّة نظرية شرعيّة الجهاد الدعوي، استعراض وتقييم
1 ـ 2 ـ المستند القرآني لنظرية الجهاد التحريري الدعوي
في سياق المستند القرآني، يمكن تقريب الاستدلال من خلال عدّة بيانات:
أ ـ النصوص القرآنية الخاصّة المشرعنة للجهاد الابتدائي
البيان الأوّل: الاستناد إلى آيات خاصّة اعتبرت ظاهرةً في تشريع الجهاد الابتدائي، وقد ركّز عليها أنصار نظرية جهاد الدعوة( 17)، وأبرزها ما يلي:
الآية الأولى: وهي آية السيف كما يسمّيها بعضهم، قوله تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِاليَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: 29).
فهذه الآية تأمر شديداً بالقتال، وهي من أواخر آيات الجهاد، ولا ترى غايةً لتوقف الحرب سوى إعطائهم الجزية، أي خضوعهم لسيطرة المسلمين، وإلا تواصلت الحرب معهم، اعتدوا على المسلمين أم لم يعتدوا، وبهذا الفهم للآية غصّت كلمات العلماء هنا بلا حاجة لنقلها، وقد فهم العديد منهم أن الجزية في الآية وضعت عقوبةً من الله تعالى على أهل الكتاب، لعنادهم الحقّ، وكفرهم بما جاء به الرسول|( 18)، وقد استدلّ بعض الفقهاء بهذه الآية للسماح بقتل الشيوخ والعجزة، حتى لو لم يكن لهم رأي ولم يقاتلوا المسلمين، نظراً لإطلاق الآية هنا( 19)؛ بل تخطى بعضهم إلى احتمال أنّ الغاية في الآية غايةٌ لوجوب مقاتلة أهل الكتاب، فتفيد سقوط وجوب مقاتلتهم عند إعطائهم الجزية، وهذا لا يمنع عن جواز مقاتلتهم ولو قدّموها، ومن ثم فالآية لا تمانع من الإطاحة بوجود أهل الكتاب من العالم حتى لو استعدّوا لتقديم الجزية(37 )، وهو ما يخالف ما ذكره مثل النووي من أن الآية وضعت نهايةً للإباحة(20 ).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُواْ المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 5).
فهذه الآية صريحة في الدلالة على أن المشركين يُقاتَلون وبشدّة حتى تتحقق منهم التوبة المتجلّية تماماً في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والذي هو تعبير كنائي عن إسلامهم، ففي الآية بيانٌ للغائية المرسومة للجهاد، كما أنّ فيها مفاداً شرطياً، وهو أنّهم إذا أسلموا خلّيَ سبيلهم، ومعنى ذلك ـ بمقتضى مفهوم الشرط ـ أنهم إذا لم يسلموا فلا تخلية لسبيلهم، بل الحرب والأخذ والقبض عليهم يبقى سائراً سارياً، إما على نحو الوجوب كما هو ظاهر كلمات العلماء أو على نحو الإباحة من خصوص هذه الآية، كما هو ظاهر الشربيني في مغني المحتاج( 21)؛ فالآية من الآيات الواضحات على هذا الحكم هنا، وأنّ قتالهم لكفرهم، وهذه هي روح الجهاد الابتدائي( 22).
وباجتماع هاتين الآيتين قد نفهم بعض مبرّرات الحكم المعروف بين الفقهاء في التمييز بين أهل الكتاب وغيرهم؛ فإن الآية الأولى التي تحكي عن أهل الكتاب جعلت منتهى الحرب إعطاء الجزية، ومن الواضح أنّ دخولهم في الإسلام يوقف الحرب بالتأكيد، فإذا كانت الجزية توقفها فالإسلام يفعل ذلك بطريق أولى، مما يجعل الاحتمالات في حقّ أهل الكتاب ثلاثة: القتل أو الإسلام أو الجزية، وهي تعبير آخر عن صيرورتهم أهل ذمّة أو معاهدين خاضعين.
أما في الآية الثانية، وهي الآية التي يتركّز خطابها في المشركين، فهي تجعل منتهى الحرب التوبة، أي الإسلام، مما يجعل الخيارات المطروحة في موضوع المشرك أقلّ: إما القتل أو الإسلام، وهذا ما يطابق ـ كما أسلفنا ـ وجهة النظر الفقهية السائدة.
وأكثر من ذلك، حيث ذهب المتمسّكون بهذه الآيات ـ لاسيما هاتين ـ إلى اعتبارها ناسخةً نسخاً تاماً لكافّة الآيات التي تتحدّث عن الجدال بالتي هي أحسن والدعوة إلى سبيل الإسلام بالحسنى والكلمة الطيبة وأنه لا إكراه في الدين والحث على الصلح والسلم، إلى غيرها من المفاهيم السلمية، فتكون بتمامها منسوخةً، مما يعزّز كون الأصل في معاملة الكافرين هو الشدّة والقتال لا اللين والحوار الحسن وما شابه ذلك.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ (البقرة: 193)، بل الأرفع منها دلالةً قوله:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾  (الأنفال: 39).
فهذه الآية تضع حدّاً للحرب، وهو  «ارتفاع الفتنة»، والمراد بالفتنة ـ كما ذهب إليه أكثر المفسّرين من الصحابة والتابعين، كابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وزيد بن أسلم و.. ـ الشرك، وهو المعروف أيضاً، أو الكفر كما ذكره جماعة(23 )، ومعناه أنّه يجب عليكم قتالهم كي لا يكون هناك شرك، والملفت في الآيتين أن تعبير «فتنة» قد ورد نكرةً في سياق النفي، أي أنّه يجب عليكم القتال إلى أن ينعدم الشرك في الأرض مطلقاً، فلا يبقى مظهرٌ له، إذ النكرة في سياق النفي تفيد العموم في لغة العرب، بل تفيد شمول تمام معاني الفتنة أيضاً(24 )، بل تكملة الآيتين توضح المطلوب أكثر؛ حيث إنها تتحدّث عن صيرورة الدين لله، بمعنى أنّ الغاية ليست محض القتل وسفك الدماء، بل صيرورة الإسلام هو الدين الظاهر الغالب، وهذا كلّه كلام صريح في أنّنا إنّما نحاربهم لا لأنهم اعتدوا أو لم يعتدوا فحسب، بل لكي يزول الشرك ويعلو صوت الإسلام غالباً عالياً.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ (التوبة: 7).
فهذه الآية تؤسّس أحد المبادئ في معاهدة المشركين، وهو سقوط تمام المعاهدات معهم، فلا عهد لهم ولا سلام معهم، ومعنى ذلك أنّ الأساس معهم ـ طبقاً لأواخر ما نزل في الجهاد ـ هو عدم العهد، فيكون العهد أمراً ثانوياً طارئاً يراه حاكم المسلمين لضرورات وحالات استثنائية، لا أنّه الأصل الذي تقوم عليه العلاقة مع المشرك، إذاً، فلا عهود معهم، ولا معنى لذلك إلاّ أن يحاربوا أو يغدوا مسلمين، والآية رتبت الحكم على وصف المشرك دون أن تزيد قيداً آخر، مما يجعلها في صيغة الإخبار تقريباً عن أنّ المشركين بعد اليوم إلى يوم القيامة لن يحفظوا عهداً ولن يفوا بوعد، وهذا ما يؤكّده تاريخ العلاقة بين المسلمين والكافرين على امتداد الزمن، حتى المعاصر.
أما ذيل الآية، فهو يطالب المؤمنين بالمحافظة على عهدٍ واحد فقط وقع مع الجماعة التي اتفقوا معها عند المسجد الحرام، فهذه الجماعة الخاصّة يطالب الله المؤمنين بالوفاء بعهدهم معها ما داموا وفوا بالعهد، فهذا هو العهد الوحيد الواجب الوفاء به، فهذا الاستثناء لا يبطل القاعدة في صدر الآية، بل يؤكّدها.
وقد عزّز أصحاب هذا الاتجاه(25 ) تفسيرهم لهذه الآية بما تلاها من آية: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلَّاً وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (التوبة: 8)، فهي تؤكد عدم استحقاق المشركين بعد اليوم للعهد، والسبب في ذلك ـ كما يخبرنا الله سبحانه ـ أنّهم لا يفون بالعهود ولا يفوّتون فرصةً للانقضاض على المسلمين، فهذا إنباءٌ إلهي إلى يوم الدين أنّ هذه الفئة من الناس لا أمان لها ولا عهد، إذاً فلا سبيل معهم سوى الحرب إلى أن يسلموا.
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ (التوبة: 123)؛ فهذه الآية صريحة في أنّ الحرب هنا ليست لردّ العدوان أو الحرابة، بل لفتح البلاد، فهي تقول بوجوب قتال من يلي المسلمين منهم، بحيث يُبدأ بالأقرب فالأقرب، من هنا أشار بعض المفسّرين ـ كالقرطبي وابن كثير و..( 26) ـ إلى أنّ النبيّ|  قد طبق هذه الآية بأن بدأ بالعرب، ثم لما استسلمت له أقاليم الجزيرة، بدأ بالروم والفرس وهكذا( 27).
كانت هذه أهمّ الآيات الكاشفة عن معيارية الكفر في شنّ الحروب في الإسلام، وأنّ استراتيجية الجهاد في القرآن إنما هي استراتيجية دعوية بامتياز.
وقفات تحليلية نقدية مع نصوص جهاد الطلب في القرآن الكريم
هذا البيان للاستدلال القرآني على شرعية الجهاد الابتدائي يواجه مجموعةً من الملاحظات، أبرزها:
الملاحظة الأولى: إنّ آية الجزية التي استدلّوا بها على الجهاد الابتدائي بملاك الكفر تبطل نظرية أصحابها، لأنّها تجعل منتهى الحرب، ليس الإسلام وإزالة الكفر من على وجه الأرض، بل خضوع الطرف الآخر لنظام الجزية، ونظام الجزية يجامع بقاء الكفر في العالم، فكيف يمكن أن تلتئم أجزاء هذه النظرية التي ترى الحرب في الإسلام بملاك الكفر لا الحرابة، مع آية الجزية التي تقبل انتهاء الحرب بإخضاعهم ولو لم يسلموا؟ فأين هو تحقق الملاك؟ وكيف كانت الحرب مقدّمةً له؟( 28).
وهذه الملاحظة دقيقة من جانبٍ دون آخر، فهي دقيقة من حيث إفساد نظريّة الكفر في الحرب، لكنّ ذلك لا يساوق إبطال الجهاد الابتدائي، وبعبارةٍ أخرى يجب التمييز بين أمرين هنا هما: شرعية الجهاد الابتدائي، ورجوع ملاك هذا الجهاد إلى نشر الدعوة وإبادة الكفر، فآية الجزية ـ بالبيان الذي تقدم للمستدلّ ـ تفيد في إبطال أيّ تصوّر يقول بأنّ غاية الحرب في الإسلام إبادة الكفر تماماً، إلاّ أنّها لا تبطل أساس الجهاد الابتدائي لهيمنة الإسلام على العالم بالقوّة بقطع النظر عن تحديد ملاك هذه الحرب، فإذا كانت الآية قد رأت نهاية حرب اليهود والنصارى في دفعهم الجزية لا في ردّ عدوانهم فهي تدلّ على شرعية الابتدائي حتى لو لم نستطع البرهنة بها على تحديد ملاك الحرب.
بل يمكن الترقي أكثر بالقول: إنّ القول بأنّ ملاك الحرب هو الكفر لا الحرابة يحتمل معنيين: أحدهما كون الكفر لوحده سبباً لاندلاع الحرب، سواء كان يهدف من الحرب إلغاء الكفر أو إبقاءه مع هيمنة الإسلام مادياً عليه. ثانيهما: كون الكفر سبباً للحرب بمعنى إرادة إلغائه من وراء قيامها؛ فعلى التفسير الثاني تصحّ الملاحظة المذكورة، أما على التفسير الأوّل فلا، بل قد يدّعي الطرف القائل بملاك الكفر أن إبقاء أهل الكتاب لا ينافي كون الجهاد لدعوتهم إلى الإسلام لا لردّ عدوانهم، وذلك أن خضوعهم للدولة الإسلامية يمثل مقدّمةً رئيسة لنشر الإسلام في أوساطهم ـ كما يقول الرازي وابن العربي وغيرهما( 29)ـ ومعه يصحّ أن يقال: إن الجهاد كان طريقاً لنشر الدعوة، إما فوراً كما هي الحال مع المشرك، أو عبر الواسطة كما في حالة أهل الكتاب.
وعلى أيّة حال، فلا تلغي المناقشة المذكورة ـ لوحدها ـ طبيعة استدلال المستدلّ بآية الجزية على شرعية الجهاد الابتدائي، ولسنا نحتمل كثيراً أن يقصد هذا المستدلّ قتل تمام الكافرين، فإن نظام الذمّة الذي يُبقي على ديانات أهل الكتاب من واضحات الفقه الإسلامي بمذاهبه؛ من هنا نتحفّظ على فعل من خلط في تحليل كلمات العلماء بين عدم جعلهم القتل أصلاً في التعامل مع الكفّار، وبين كون القتال أصلاً في علاقتنا بهم؛ فهذا خلط بين موضوعين(30 )، وكلمات مثل ابن تيمية واضحة في هذا التمييز( 31) . يضاف هنا أنّ السيد الخوئي حاول رفع معيارية الكفر في آية الجزية بأنّ القرآن فرّق بين المشركين وأهل الكتاب، فالمشرك يحارب بسبب كفره، دون أهل الكتاب الذين لابدّ أن يصدر منهم شيء حتى يحاربوا، كحربهم للمسلمين أو كعدم إعطائهم الجزية، فعدم إعطاء الجزية بمثابة فعل يقوم المسلمون بردّ الفعل عليه وهو الحرب، وهذا ما تريده آية الجزية( 32).
لكن هذا الكلام غير واضح، فإن دفع الجزية كناية عن الخضوع والنزول تحت سيطرة المسلمين، وهناك لا معنى لفرض وجود طرف آخر يقوم بفعل ونحن نردّ عليه، وإلا فهل يأمر الإسلام بمحاربة أهل الكتاب فقط لأجل الحصول على المال؟! وهل صحيح ما ذكره القرطبي وغيره من أنّ الأمر بمنع المشركين من دخول الحرم الذي فيه خوف الفقر والعيلة عوّضهم الله عنه بالتزامه بقانون الجزية( 33)، رغم أنه لا يوجد دليل على الربط بين الآيتين؟! وهل هو تفسير عقلائي أن نعتبر عدم إعطاء مجتمع بشري معين أموالاً لنا دون أن يكون قد فعل شيئاً ضدّنا بمثابة فعل فيما محاربتنا له هو ردّ الفعل، دون ملاحظة مبرّرات أخرى؟!
الملاحظة الثانية: إنّ آية الجزية وكثيراً من آيات الكتاب وردت بصيغة «المقاتلة» لا «القتل»، فلم تقل: اقتلوا، بل قاتلوا، وهناك فرق لغوي بينهما، فالأولى بمعنى وجود من بدأ الحرب لتصحّ صيغة المفاعلة؛ فيما الثانية لا تفترض ذلك، مما يجعل أيّ آية فيها صيغة المقاتلة ظاهرة في رفع العدوان، وبدء الطرف الآخر بالحرب مسبقاً، فلا تدلّ على شرعية الجهاد الابتدائي( 34). وقد حاول بعض الفقهاء ـ كما في بدائع الصنائع ـ أن يستفيد من هذه الصيغة لإثبات أن الآية تفترض أهلية القتال في الطرف الآخر؛ فلا تشمل المجنون والصغير والأنثى و..( 35) ، وهذا ما يصبّ ويلتقي مع روح هذه الملاحظة وإن لم يطابقها، لانفراده بالأهلية وذهابها إلى الفعليّة.
وسوف تكون لنا وقفة مركّزة حول الفرق بين «قاتل» و«قتل» لدى الحديث عن الروايات في هذا الباب، حيث ورد بعضها بهذه الصيغة، فنؤجل ذلك إلى محلّه، حيث سيتبيّن عدم صحّة هذه الملاحظة في الجملة.
الملاحظة الثالثة: إنّ آية انسلاخ الأشهر الحرم، قد يدّعى وجود قرائن عديدة فيها وشواهد تخرجها عن سياق تأسيس شرعية الجهاد الابتدائي بملاك الكفر، وهذه الشواهد هي:
الشاهد الأوّل: إنّ الآية اللاحقة لهذه الآية تقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: 6)، وهذا معناه أنّه لو كان القتل والحرب بسبب الكفر لكان المفترض الحكم بقتله بعد كلّ هذا التشدّد في آيات سورة براءة، إذاً فليس من تفسير للاستجارة هنا سوى أنّ المشرك إنما دخل دار الإسلام مسالماً لا معلناً الحرب وعدوانياً، والجدير ذكره هنا أنّ الآية لم تجعل سماع كلام الله هدفاً للمستجير، بل جعلت إجارته من جانب المسلم ذات هدفٍ رسالي، أي إن استجارك لسببٍ ما فأجره حتى يكون في إجارته ما يوجب سماعه كلام الله فلعلّه يُسلم، إذاً فهي شاملة لمطلق الاستجارة بغية أن يتعرّف على حياة المسلمين علّه يهتدي، كما أنّ الآية صريحة في المشرك الذي لا مجال فيه إلاّ للإسلام أو القتل، فبأيّ وجهٍ جاز إبلاغه مأمنه رغم بقائه على كفره؟!(36 ).
وهذا الشاهد ـ بهذه الصيغة ـ يقبل النقاش؛  من حيث إنّه لما كان الجهاد الابتدائي جهاد دعوة، كان من الطبيعي أن يركّز على موضوع الدعوة ويكون مجرّد سبيلٍ لها، وعليه فالآية عندما تسمح بالاستجارة لهدفٍ دعوي لا تكون منافيةً لمبدأ تشريع الجهاد الابتدائي، فقوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ﴾ ، سواء كان غايةً لقبول الاستجارة فقط، كما ذكر المستدلّ بهذا الشاهد هنا، أو كان غاية للطرفين كما ذكره جمع من المفسّرين، هو ما يرفع المنافاة هنا، وبعبارةٍ أخرى: لمّا أرادت الشريعة من قتال المشركين نشر الإسلام وتطهير الأرض من الشرك، كان من الطبيعي أن تسنح بالفرصة كي يُسلم المشرك، ولهذا أشارت للغاية، مما يعني أنه لولاها لم يجز قبول أمانه الذي يطلبه، وأما مسألة جواز إبلاغه مأمنه رغم بقائه على كفره فهذا أمر طبيعي احتراماً لعقد الأمان، بمقتضى: ﴿أَوْفُواْ بِالعُقُودِ﴾ ، ولا يضرّ بمبدأ لزوم قتله؛ فإن أمانه هنا كان لدليلٍ حاكم هو العقد الشرعي المتفق عليه معه، ولا ضير في تشريع حرب مع احترام العهود فيها، كالسفير المحترم؛ وبهذا يظهر أنّ مبرّر عدم قتل هذا المشرك ليس سلميّته وعدم عدوانيته كما قيل، بل غرضيّة الدعوة ووفاء بالعقود، فهذا هو المقدار المؤكّد من الآيات هنا.
نعم، يمكن أن يُستفاد من هذه الآية أنّ الإسلام يفضّل إسلام الطرف الآخر على قتله، وشاهد ذلك أنّه في أشدّ آيات الجهاد قوّةً وتشدّداً يفسح المجال لإسلام الطرف الآخر، وذلك أنّها تأمر بقبول استجارة الكافر لا أنّها تعلّق الأحكام على قبولها، فهي تقول: ﴿فأجره﴾، أي إن استجار وجبت إجارته بغية دعوته للدين، مما يجعل إسلامه أهمّ ومقدّماً على قتله، لهذا لم تقل: «فأجرته» كما هو واضح، بناءً على تفسير الأمر هنا بالوجوب لا بالإباحة لوقوعه موقع توهّم الحظر.
هذا، وقد ادّعى بعض أنصار الجهاد الابتدائي أنّ آية الاستجارة منسوخة بآية انسلاخ الأشهر الحرم التي وقعت قبلها أو بغيرها من آيات الجهاد الحاسمة، لكنّ أحداً لم يقدّم شواهد تاريخية على هذا النسخ بحيث يلغي الآية، وعليه، يرجع تحديد النسخ إلى طبيعة ملاحظة الآيتين، والذي نجده فيهما أنّه لا تنافي بينهما إطلاقاً، فالأولى تصدر حكماً عاماً بحقّ جماعة المشركين بالقتل، فيما الثانية تصدر حكماً خاصّاً ﴿أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ، محصوراً بصورة طلب الأمان، فموضوع الآيتين مختلف، نعم آية الاستجارة أخصّ من آية انسلاخ الأشهر الحرم، فالمفترض أن تخصّصها وقد وقعت معها ضمن سياق واحد، ولو فرض أنهما نزلتا منفصلتين واجتمعتا في المصحف على هذا النحو فلا دليل ـ كما يقول العلامة شمس الدين( 38) ـ على تحديد المتأخر والمتقدّم، حتى يدّعى نسخ الأولى للثانية، مع أنّ المفترض في دعوى النسخ إثبات هذا الأمر.
والنتيجة أن دعاوى النسخ الاعتباطية كثيرة في كتب التفسير عند المسلمين، فالآيتان لا تناقض بينهما، فقد قبل الفقه الإسلامي عقد الأمان الفردي واحترام السفراء رغم أنّ الحرب قائمة، إذاً لا موجب لدعوى النسخ هذه.
الشاهد الثاني: الآية اللاحقة على آية الاستجارة، قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾، فهذه الآية تبقي على عهد المسلمين للمشركين، فلو صحّ أن مثل آية انسلاخ الأشهر الحرم ناسخة لتمام آيات موادعة المشرك لكان المفترض الإطاحة بهذا العهد الذي وقع عند المسجد الحرام أيضاً، إذاً فحتى بعد جعل القتال أصلاً كانت المعاهدات نافذة المفعول، وليس من معنى لذلك سوى عدم كون الكفر معياراً للحرب، وإلا وجب قتال حتى المعاهدين لفرض كفرهم، بل العدوانية هي المعيار هنا( 39).
وقد سجّل بعض أنصار هذا الشاهد نقداً على أنفسهم بأنّ هذا العهد الذي تستثنيه الآية كان سابقاً على آية انسلاخ الأشهر الحرم؛ لهذا احترمه القرآن، والذي ندّعيه المنع من اليوم فصاعداً عن استخدام سياسة المعاهدات معهم، واستبدالها بسياسة القتال، وهذا غير الوفاء بمعاهدة سابقة، فهو مثل ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾  (النساء: 22، 23).
وقد أجاب الناقد نفسه بأنّ هذه الملاحظة غير واردة؛ لأنّ المفروض أن مثل آية السيف تلغي المعاهدات السابقة، فهذا هو سياق النصوص الأولى من سورة التوبة، فعدم إلغائها شاهدٌ على احترامها(40 )، بل لا معنى للنسخ حينئذٍ.
وهذا الشاهد يمكن أن يلاحظ عليه أنّ معنى الآية ليس أنّهم لم يستقيموا لكم لكن استقيموا أنتم لهم، كما قد يستوحى للوهلة الأولى، بل معناها استقيموا لهم ما استقاموا لكم( 41)؛ فحرف «ما» هنا ليس للنفي، بل بمعنى «ما داموا»، وهذا المعنى ينسجم مع الواقع؛ حيث يراد من هذه الجماعة بقية فئات العرب التي دخلت مع قريش العهد يوم الحديبية، ولم تخلفه، بل أخلفته قريش وبنو الدئل من بكر، وبقيت على العهد بنو خزيمة، وبنو مدلج، وبنو ضمرة و..
إذن، وطبقاً لهذا المعنى، تستثني الآية المعاهدات السابقة التي وفى أصحابها، احتراماً منها للعهود، دون أن يعني ذلك رخصة في العهود الجديدة، ولا يوجد إلغاء للمعاهدات السابقة في غير صورة إلغاء الطرف الآخر لها أو خوف خيانته، فالتمييز بين العهود القديمة السابقة والجديدة اللاحقة بهذا المعنى تمييز معقول ومتصوّر، ولهذا قال أنصار الجهاد الابتدائي: إنّ هذا الاستثناء يؤكّد القاعدة ولا يلغيها.
نعم، مقولة النسخ المدّعاة تغدو باطلة هنا؛ لأنه لو حصل نسخٌ لكل أوامر الموادعة مع الكافر فلا معنى لشرعية حتى العهود السابقة، بل المفترض أنّها نسخت عملياً، ولا نجد خصوصيةً تعبديّة لتلك الجماعة المتبقية من صلح الحديبية، مما يكشف عن عدم وجود نسخ أصلاً في المقام.
الشاهد الثالث: ما جاء في الآية اللاحقة: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلَّاً وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾  (التوبة: 8). فهذه الآية وقعت ضمن السياق نفسه، وهي تبيّن سبب موقف القرآن منهم ومن إبطال عهودهم والتنزّه عنها، إذ تؤكّد أنّ هذا الفريق يتربّص بالمسلمين وينافق في حقهم، وأنه ما زال مصمّماً على أذيّتهم، من هذا المنطلق كان هذا الموقف القرآني متشدّداً منه ـ أي من هذا الفريق ـ مطلع سورة براءة. وهذا الشاهد وما سبقه من شواهد جاء عقب آية الانسلاخ مباشرةً ولا شاهد على تقدّمه الزماني؛ فلا وجه لادعاء النسخ فيه(42 ).
وهذا الشاهد جيّد، خصوصاً لآية نفي العهود التي سبقت هذه الآية، والتي لا يبعد وحدة النـزول معها، مع فهم الإخبار في الآية عن وضع تاريخي لا عن قضية حقيقية، كما سوف نذكر لاحقاً بعون الله، نعم يبقى أن يحتمل التعدّد في النـزول هنا، بمعنى نـزول هذه الآية منفصلةً عن آية انسلاخ الأشهر الحرم، فلا يصحّ حينئذٍ جعلها قرينةً وشاهداً، فعدم ثبوت تقدّمها أو تأخرها لا يؤكّد تقارنها معها، وإن كانت وحدة النـزول وانسجام السياق يعزّزان ذلك.
لكن حتى مع هذا الشك وعدم التأكّد من وحدة النـزول، يمكن إبطال الاستدلال بآية انسلاخ الأشهر الحرم باحتمال القرينة المتصلة، حيث لا يبعد تمسّك العقلاء بالشك في اتصال القرينة وانفصالها لرفع اليد عن الظهور الأولي المخالف للقرينية، فينعقد الإجمال في آية الانسلاخ من هذه الزاوية، ولا يعود يمكن التمسّك بها، وبعبارة ثانية: نحن لا نعرف هل كانت الآية الثامنة قرينة متصلة بحيث نزلت مع آية الانسلاخ أم قرينة منفصلة نزلت بعدها أو قبلها؟ فعلى الاحتمال الأوّل سيتمّ تماماً الشاهد الأخير، وعلى الاحتمال الثاني لن يكون تاماً؛ لأنّ ظهور أي جملة يتمّ بتمام القرائن المتصلة فلا يعود للآية الثامنة تأثير على دلالة الآية محلّ الشاهد، فمع الشك في الاتصال والانفصال سوف نشك في أنّ هذا الموجود بين أيدينا ـ وهو الآية الثامنة ـ هل هو قرينة أم لا؟ ومعه لا تجري أصالة عدم القرينة، كما تقرّر في أصول الفقه، بل الصحيح هو الإجمال بمقدار دلالة القرينة.
الشاهد الرابع: جملة الآيات اللاحقة المتحدة السياق، والتي تعطي ميزةً جديدة، وهي:  ﴿اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلَاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلَّاً وَلَا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ * فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ﴾  (التوبة: 9 ـ 13).
وميزة هذا السياق تأكيده على أنّ هذا الموقف الغاضب كان لنقضهم العهود، وداخل ذلك ـ ومعه ـ تؤكد على لزوم الوفاء لهم بالعهود على تقدير عدم نكثهم الأيمان، فالتركيز على نكث العهود والأيمان شاهد على أنّ الموضوع موضوع فئة خرقت الاتفاقات وكانت هي المعتدية البادئة، ومع سياق من هذا النوع ـ حتى مع الشك في الاتصال ـ كيف يمكن الجزم بأنّ النص هنا يتحدّث بالمطلق، ويطوي صفحة المعاهدات والتوافق حتى يؤمنوا، لاسيما وأنّ هذه المجموعة من الآيات قد كرّرت مسألة التوبة ضمن السياق المذكور، مما يشير إلى أن شرط التوبة لا يعني جعل باب الحرب مفتوحاً، بل معناه أنّ هذه الفئة التي لا عهد لها بسبب كثرة نقضها للعهود وتربصها بالمؤمنين لا نهاية في الحرب معها إما الموت أو أن تُسلم، لا بمعنى أنّ هدف الحرب معها هو الإسلام، بل بمعنى أن تحقق الإسلام ـ حيث قال: إن تابوا ولم يقل: كي يتوبوا أو ليتوبوا ـ يحول دون استمرار الحرب، وفرق بين الأمرين، علماً أن الآيات نفسها تشير إلى بدء الطرف الآخر بالاعتداءات وإخراج الرسول أيضاً، وهذا كلّه يضع آيات مطلع سورة التوبة في ضمن سياق دفاعي.
وحصيلة الكلام في آية الانسلاخ ـ بحسب أسباب نزولها وبحسب سياقها الكامل حتى مع الشك في اتصال القرينة ـ أنها تعلن الحرب التي لا نهاية لها سوى بالقضاء على الطرف الآخر، لكنّها لا تريد شمول حكمها لكل غير مسلم هادفةً إسلامه أو إخضاعه، بل هي مختصّة بفريق من الكافرين لا يفون بالعهود ولا يكفّون ـ متى استطاعوا ـ عن الاعتداء، فأرادت تحقيق حالة ردع تنهي خطرهم فيها، غايته أنّه لو أسلموا انتهت الحرب معهم، لا أنّ هدف الحرب كان إسلامهم، ولا أقلّ من عدم الظهور في هذا المعنى، ومفاد الشرطية يظلّ سارياً هنا؛ لهذا فتفسير «المشركين» في آية الانسلاخ بـ «الذين نقضوكم وظاهروا عليكم» كما فعل العيني في عمدة القاري( 43) هو المتعيّن.
والإشكالية التي وقع فيها أنصار الجهاد الدعوي هنا أنّهم ظنوا الآيات إخباراً على نحو الإنباء الغيبي غير المحدّد بزمان ولا مكان، فيما الآيات ظاهرة في الحديث عن فرقة خاصّة تظلّ تهدّد أمن الجماعة المسلمة مهما وقّعنا معها من عقود، فهذا هو السياق التاريخي واللفظي المحيط بمطلع سورة براءة، ومن أين لنا أن نعمّم لمطلق المشركين بحيث يكون المقصود هنا حتى المشرك الذي كان موجوداً في شرق آسيا آنذاك؟! فلا دليل على كون الألف واللام في (المشركين) للجنس، بل الأقرب ـ ولا أقلّ أنّه القدر المتيقّن ـ أنّه إشارة لمشركي العرب الخارجيين الذين كانوا يواجهون عمليّاً الدعوة الإسلامية وكان سلوكهم الغدر ونقض العهود بصورة متكرّرة كما حصل تاريخياً، فغير هذا يحتاج إلى دليل.
الملاحظة الرابعة: إن الآية الرابعة التي ذكروها، وهي الآية السابعة من آيات سورة التوبة، قد تبيّن عدم صحّة الاستدلال بها، فهي لا تريد إلغاء العهود مطلقاً، بل المقدار المؤكّد من دلالتها ـ بحسب ما يعطيه السياق المحيط ـ هو أصالة الحرب مع الذين يكيدون بالدين شرّاً وينكثون العهود كلّما سمحت لهم الفرصة، فهذا الفريق يُجْزَم بشمول الآية له، أما غيره فلا، ويشهد له أنّ الآية نفسها استثنت المعاهدين الملتزمين بالمعاهدة التي وقعت عند المسجد الحرام في صلح الحديبية، فهي بهذا الاستثناء تؤكّد أنها لا تريد إلغاء العهود، بل خصوص عهود من لم يستقم، لهذا تلزم بالوفاء طالما الوفاء من الطرف الآخر قائم، ولا يرد علينا هنا أننا لم نقبل بقرينية هذه الآية هنا، لأن مناقشتنا في القرينية كانت بلحاظ آية الانسلاخ، لا بلحاظ الآية نفسها، فلو بقينا والآية يظهر بوضوح أنّها عندما تبطل العهد في صدرها تربط الوفاء به في ذيلها بالاستقامة، وسبب ذلك أنّ الآيات جميعها ترفض العهد مع المعتدي، وبدون النتيجة التي توصّلنا إليها سابقاً قد يصعب الجواب هنا.
الملاحظة الخامسة: إنّ قتال من يلوننا من الكفار كما أفادته الآية 123 من سورة التوبة، لا يدلّ على القتال لفتح البلدان، وإن اشتهر، بل على وجوب قتال من كانوا على مقربة من المسلمين وتماسّ معهم، وهو ما ينسجم ـ أيضاً ـ مع دفاعية الجهاد، فقد تريد الآية الإشارة إلى لزوم قتال الأقرب لا الأبعد حتى مع عدوانية الطرفين، بحيث يأمن المسلمون حدودهم القريبة، فحماية أنفسهم من القريب أولى من البعيد.
وبعبارةٍ أخرى: الآية بصدد وضع آلية حربية تعمل بها الدول في العصر الحديث، كما يقول الإمام محمود شلتوت(44 )، بل نضيف: إنّ كلّ ما في الآية هو لزوم قتال الأقرب، بلا أيّ إشارة إضافية إلى نوعية هذا القتال، وتطبيقه على الفتوحات شأن يرجع للمفسّرين، وليس عليه أيّ شاهدٍ من كتاب أو سنّة، نعم، قد يتمسّك هنا بإطلاق الآية، أي سواء اعتدوا أم لم يعتدوا، لكنّ هذا يرجع إلى البيان الثاني للاستدلال القرآني وسيأتي، وهذا غير ما نحنُ فيه من استعراض نصوص تفيد خصوصية الابتدائية والدعوية وملاك الكفر في الحرب.
وقفة مع تشريع القرآن القتال حتى لا تكون فتنة و..
الملاحظة السادسة: أمّا آيات القتال حتى لا تكون فتنة، والتي فسّرها كثيرون بالشرك أو الكفر، فينبغي التوقف عندها قليلاً لتحقيق معنى الفتنة لغوياً وقرآنياً؛ ونظراً لأهمية الموضوع نتعرّض لكلمات اللغويين، حيث يقول الفراهيدي في العين: «.. والفتن إحراق الشيء بالنار.. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾  (الذاريات: 13)، أي يحرقون، وكان أصحاب النبي| يفتنون بدينهم، أي يعذّبون ليردّوا عن دينهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ (البقرة: 91)، والفتنة: العذاب، والفتنة: أن يفتن الله قوماً، أي يبتليهم، والفتن: ما يقع بين الناس من حروب..»( 45). وجاء في صحاح الجوهري: «فتن: الفتنة: الامتحان والاختبار.. والفاتن المضلّ عن الحقّ..»( 46). وقال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: «فتن: الفاء والتاء والنون: أصلٌ صحيح، يدلّ على ابتلاء واختبار، من ذلك الفتنة..»(47 ). وجاء في لسان العرب لابن منظور: «فتن: الأزهري وغيره: جماع معنى الفتنة الابتلاء والامتحان والاختبار، وأصلها مأخوذ من قولك: فتنت الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميّز الرديء من الجيد.. والفتن: الإحراق.. ابن الأعرابي: الفتنة الاختبار، والفتنة المحنة، والفتنة المال، والفتنة الأولاد، والفتنة الكفر، والفتنة اختلاف الناس بالآراء، والفتنة الإحراق بالنار، وقيل: الفتنة في التأويل الظلم.. ابن سيده: الفتنة الخبرة، وقوله عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾، أي خبرة، ومعناه أنهم أفتنوا بشجرة الزقوم وكذبوا بكونها.. والفتنة: إعجابك بالشيء. والفتنة: الضلال والإثم، والفاتن: المضلّ عن الحق.. والفتنة: الجنون، وكذلك المفتون، وقوله تعالى: ﴿وَالفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ معنى الفتنة ها هنا الكفر، كذلك قال أهل التفسير، وفي التنـزيل العزيز: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، والفتنة: الفضيحة.. والفتنة: العذاب..»( 48). ونحو هذه الكلمات ما جاء في مختار الصحاح وغيره(49 ).
وبمراجعة المصادر اللغوية لا يبدو أنّ الكفر أو الشرك من الدلالات اللغوية الرئيسة لكلمة «فتنة»، على خلاف الاختبار، والبلاء، والاختلاف، والحرب، وربما لهذا عندما ذكر ابن منظور مثل الآية التي نحن فيها نسب تفسير الفتنة بالكفر إلى المفسّرين، وكأنه لا يجد الأمر لغوياً بحتاً.
وانطلاقاً مما أعطتنا إياه مصادر اللغة، نحتمل جداً ـ ويلوح من بعضهم ـ أنّ المفسّرين لم يعتمدوا على معطيات لغوية بحتة في تفسير الفتنة بالكفر في الآية، بل الذي دعاهم إلى ذلك هو الآية نفسها من حيث اشتمالها بعد ذلك على تعبير: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ﴾، إضافةً إلى حضور مفهوم الجهاد الابتدائي في وعي المفسّرين أيضاً، فهذا الذيل هو الذي عزّز عندهم فرضية الكفر والشرك، وإلا فكلمة الفتنة في أصلها إذا أعطت هذا المعنى فهو من الدرجة الثانية أو الثالثة، ولهذا لم يبدأ أيّ من اللغويين ـ بحسب تتبّعنا ـ لدى تفسيره جذر كلمة «فتن» بمعنى الكفر والشرك، مما يشهد ـ عادةً ـ على أنّ هذا المعنى يقع مدلولاً للكلمة بدرجة لاحقة، فيكون بحاجة إلى شواهد حافّة.
وفرضية بُعد احتمال إرادة الشرك أو الكفر يُساعدها أن هذا المعنى جاء وليد الثقافة الإسلامية؛ فعرب الجاهلية المشركون لا يعتبرون الشرك فتنةً؛ لأنّهم لا ينظرون إليه بمنظار سلبي تختزنه كلمة الفتنة، وهذا معناه الحاجة إلى حشد شواهد لتكريس هذا المفهوم الديني للكلمة، لأنه أقرب إلى المصداق منه إلى المفهوم.
وإذا تخطينا اللغة، إلى الاستخدام القرآني لجذر (ف . ت . ن) نجد الأمر عينه، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ (الأنعام: 53)، وقال: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ (طه: 85)، وقال: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾  (طه: 40)، وقال: ﴿…وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ …﴾ (الإسراء: 60)، وقال: ﴿إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ (القمر: 27)، وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ …﴾ (التغابن: 15)؛ وقال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَالقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾  (ص: 34)، وقال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ…﴾ (العنكبوت: 2 ـ 3)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ…﴾ (البروج: 10)؛ وقال: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً…﴾ (الأنفال: 25)، وقال: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ…﴾ (الأنفال: 28)، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً…﴾ (الأنبياء: 35)، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ (الفرقان: 20)، وقال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلَاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾  (الصافات: 62


مسألة الإمامة بين النص والاختيار

14 يوليو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

على الرغم من كون مسألة الإمامة مبحثاً قديماً، بل هي أول مسألة خلافية واجهت المسلمين بعد وفاة نبيِّهم (صلى الله عليه وآله) ـ كما يذكر الأشعري(1)، "وأعظم خلاف بين الأمّة .. إذ ما سُلَّ سيفٌ في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان"، على حدِّ قول الشهرستاني(2)، إلاّ أنها لا تزال تحتلّ أهمية كبيرة في حياتنا الراهنة، وتشكِّل الركيزة الأساس في التأسيس للفكر السياسي الإسلامي المعاصر.
لذلك، لا تستهدف هذه الدراسة المقارنة لمفهوم الإمامة بين المذاهب الإسلامية نبش الخلافات القديمة، وإثارة النعرات والأحقاد الدفينة، إنما تسعى إلى طرح هذه المسألة الخلافية ـ الإمامة ـ على بساط البحث الموضوعي الهادئ، محاولة أن تساهم في التأسيس لنظرية سياسية إسلامية تستند إلى نصوص الشريعة السمحاء، وتتلاءم مع مقتضيات العصر وتطوّرات الحضارة الإنسانية لا سيما في ميدان الفكر السياسي.
الإمامة في اللغة:
جاء في القاموس المحيط للفيروزآبادي:
أن الإمامة مصدرها فعل (أمَّ) إذ يُقال: (أمّهم وأمَّ بهم: تقدّمهم) , وهي الإمامة، والإمام: كلما ائتُم به من رئيس أو غيره(3).
أمّا في لسان العرب، فيقول ابن منظور: (الإمام كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالّين، .. والجمع أئمة، .. والقرآن إمام المسلمين، وسيِّدنا محمد (صلى الله عليه وآله) إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية، وإمام الجند قائدهم،.. وائتم به: اقتدى به.
والإمام هو المثال.. والإمام الطريق…)(4).
ويقول الزبيدي في تاج العروس: (والدليل إمام السفر، والحادي: إمام الإبل ، وإن كان وراءها لأنه الهادي لها…)(5).
وخلاصة هذه التعريفات المتقاربة أن الإمام هو الذي يتقدّم القوم، فيأتمون به، ويتّخذونه مثالاً يقتدون به، فيكون هادياً لهم إلى الطريق، فهو إذاً رئيس القوم وقائدهم.
الإمامة في الكتاب والسنّة:
ورد لفظ (الإمام) في القرآن الكريم بصيغة الإفراد ، وبصيغة الجمع في عدة مواضع منها: ( وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً . . . ) البقرة/ 124.
( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا . . . ) السجدة/ 24.
(يَوْمَ نَدْعُوا كُلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ . . . ) الإسراء/ 71.
( . . . وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) القصص/ 5 .
( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ ) القصص/ 41 .
أما في الحديث النبوي الشريف فقد ورد لفظ الإمام في مواطن كثيرة أبرزها: (( من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية ))(6).
الإمامة في الاصطلاح:
ثمة تعريفات كثيرة للإمامة تختلف في اللفظ أو في الدلالة والمعنى، ولئن تعددت تعريفات علماء أهل السنّة (واختلفت في الألفاظ فهي متقاربة في المعاني)(7)، لكن الاختلاف الجوهري في تعريف مفهوم الإمامة هو بين علماء السنّة من جهة وأئمة علماء الشيعة من جهة أخرى.
وفيما يلي بعض ابرز تعريفات علماء السنّة لمفهوم الإمامة.
يعتبر الماوردي (364 ـ 450هـ) ـ وهو أول من صاغ النظرية السياسية الإسلامية عند أهل السنّة ـ
أنّ (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا…)(8).
ويذهب إمام الحرَمَين الجويني إلى أنّ الإمامة (رياسة تامة، وزعامة تتعلّق بالخاصة والعامة في مهمّات الدين والدنيا)(9).
ويعرّفها الإيجي بأنها (خلافة الرسول (صلى الله عليه وآله) في إمامة الدين…)(10).
أمّا ابن خلدون فيقول: (وإذ قد بيَّنا حقيقة هذا المنصب وأنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين، وسياسة الدنيا به تسمَّى خلافة وإمامة، والقائم به خليفة وإماماً)(11)
ويذهب محمد رشيد رضا إلى الرأي نفسه، فيعتبر أنّ (الخلافة والإمامة العظمى وإمارة المؤمنين ثلاث كلمات معناها واحد)(12).
ونرى أن ثمة ترادفاً بين ألفاظ الإمامة والخلافة وإمارة المؤمنين عند أهل السنّة(13).
فالنووي يُجوِّز (أن يقال للإمام: الخليفة والإمام وأمير المؤمنين)(14).
ويوافقه ابن خلدون(15) ومحمد رشيد رضا(16).
ويُفسّر الشيخ محمد أبو زهرة ذلك الترادف بقوله: (المذاهب السياسية كلها تدور حول الخلافة وهي الإمامة الكبرى، وسمّيت خلافة لأن الذي يتولاها ويكون الحاكم الأعظم للمسلمين يخلف النبي (صلى الله عليه وآله) في إدارة شؤونهم، وتُسمّى إمامة لأن الخليفة كان يُسمّى إماماً ولأن طاعته واجبة…)(17).
وهكذا أخذت الإمامة عند أهل السنّة معنىً اصطلاحياً، فقصد بالإمام: (خليفة المسلمين وحاكمهم)، فلم يفرّقوا بين لقبَي الخليفة والإمام(18).
أمّا بالنسبة إلى الشيعة (الاثني عشرية)، فإن الإمامة عندهم أصل من أصول الدين، و(حجر الزاوية في المذهب الشيعي)(19).
ولعلّ أفضل تعريف نجده في ما ينسب من القول إلى الإمام الثامن علي الرضا (عليه السلام): (( إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء، إن الإمامة هي خلافة الله وخلافة الرسول (صلى الله عليه وآله) ، . . ، إن الإمامة هي زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين، الإمامة رأس الإسلام النامي وفرعه السامي ، وبالإمامة تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف ، الإمام يُحلُّ حلال الله ويُحرّم حرام الله ويقيم حدود الله ويذبّ عن دين الله، الإمام (هو) المُطهَّر من الذنوب والمبرّأ من العيوب المخصوص بالعلم المرسوم بالحلم، الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل، ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب ولا اكتساب، بل اختصاص من المتفضّل الوهّاب . . . ))(20).
اختلاف مفهوم الإمامة بين السنّة والشيعة:
يختلف مفهوم الإمامة عند الشيعة عن مفهوم الإمامة والخلافة عند أهل السنّة كما اتّضح.
لأن الإمامة عند السنّة هي "خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به"، أي نيابة عن النبي في سلطته الزمنية دون الدينية، وبالتالي ليس للخليفة صلاحيات الرسول في التشريع، والأحكام التي تصدر عنه اجتهادية لا إلهية(21)
بينما الإمامة عند الشيعة هي "خلافة الله وخلافة رسوله" ومنزلتها "منزلة الأنبياء" وهي "إرث الأوصياء".
وعليه فإن الإمام يخلف النبي (صلى الله عليه وآله) في سلطتيه الدينية والسياسية، أي له صلاحيات الرسول (صلى الله عليه وآله) في التشريع، والأحكام التي تصدر عنه هي أحكام إلهية وليست اجتهادية، فهو يحلّ حلال الله ويحرّم حرامه(22).
وعليه يجب أن يكون الإمام كالرسول (صلى الله عليه وآله) معصوماً عن الذنوب والأخطاء ومخصوصاً بالعلم الإلهي لكي يكون حجّة على العباد، وهادياً لهم، ومؤيداً من الله، وعالماً بجميع ما يحتاج إليه الناس في أمور دينهم ودنياهم.
ويلزم من ذلك أن الإمام يجب أن يكون منصوصاً عليه من الله ورسوله.
ويستدل الشيعة على النصّ على الإمام بآيات من القرآن الكريم: ( وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ . . . ) القصص/ 68 .
(قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً . . . ) البقرة/ 124.
( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتّقِينَ إِمَاماً ) الفرقان/74.
( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا . . .) الأنبياء/ 73.
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) القصص/ 5.
(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) السجدة/ 24 .
فهذه الآيات تشير إلى أن الله هو الذي يجعل أو يختار الإمام أو الأئمة للناس .
أما عصمة الإمام فيستدل الشيعة عليها بالآية القرآنية التي يخاطب الله بها النبي إبراهيم (عليه السلام) وهي : ( وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) البقرة/ 124.
إذ قيَّد الإمامة (عهد الله) بعدم الظلم، والمعصية ظلم، وبالتالي يجب أن يكون الإمام معصوماً من جميع المعاصي حتى ينال عهد الله ، أي الإمامة .
ويذهب العلاّمة الطباطبائي إلى أن معنى الإمامة هو غير معاني الخلافة والرئاسة والوصاية.
ففي رأيه أن الإمامة التي جعلها الله لنبيِّه إبراهيم (عليه السلام) (هي كون الإنسان بحيث يقتدي به غيره) في تقليد أفعاله وأقواله .
ويلاحظ السيد الطباطبائي أن الله تعالى كلما تعرَّض في محكم كتابه إلى (معنى الإمامة تعرّض معها للهداية تعرُّض التفسير)، ويستشهد بعدة آيات على ذلك منها: ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا…) الأنبياء/ 72 ـ 73.( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) السجدة / 24 .
فهو سبحانه قد وصف الإمامة بالهداية وصف تعريف ، ثم قيَّدها بالأمر، فبيَّن أنّ الإمامة ليست مطلق الهداية، بل هي الهداية التي تقع بأمر الله . . .
إذاً فالإمام هو "هادٍ يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه"، لأنه "هو الذي يسوق الناس إلى الله سبحانه يوم تبلى السرائر، كما يسوقهم إليه في ظاهر هذه الحياة وباطنها.. ". ويستدلّ بقوله تعالى: ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ . . .) الإسراء/ 71 .
لذلك يشترط في الإمام أن يكون مهتدياً بنفسه لا بغيره ، إذ يقول تعالى: (. . . أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقّ أَحَقّ أَن يُتّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدّي إِلّا أَن يُهْدَي‏ . . .) يونس/ 35 .
ويستنتج السيد الطباطبائي (أن الإمام يجب أن يكون معصوماً عن الضلال والمعصية ، وإلاّ كان غير مهتدٍ بنفسه . . ولا يكون إماماً هادياً إلى الحق البتة).
ويستدل على ذلك بالآية التالية: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) الأنبياء/ 73 ، فيفسِّرها بأن (أفعال الخيرات التي يقوم بها الإمام لا يهتدي إليها من غيره بل بنفسه) وذلك (بتأييد إلهي وتسديد رباني)(23) ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ).
ويمكننا تلخيص عقيدة الشيعة في الإمامة بما يلي:
1ـ وجوب الإمامة على الله .
2ـ وجوب النص على الإمام .
3ـ وجوب عصمة الإمام .
4ـ علم الإمام إلهام من الله .
5ـ منزلة الإمام كمنزلة النبي باستثناء الوحي والكتاب .
لهذا السبب نجد أن علماء الشيعة يميِّزون بين لفظ الإمام ولفظ الخليفة، ولا يستخدمون اللفظ الأخير في أبحاثهم إلاّ للإشارة إلى (من اغتصبوا آل البيت حقوقهم … واقتصر لفظ الخلافة على التاريخ السياسي)(24).
ونذكر هنا أنه قد اختلف موقف الشيعة من السلطة القائمة عن موقف أهل السنّة، فشكَّل الشيعة المعارَضة السياسية والدينية لها، بينما كان الموقف السني تسليماً للأمر الواقع(25).
وهذا ما دفع الشيعة إلى البحث في الإمامة ، فقاموا بتحديد مصطلحات هذا العلم وموضوعاته ، بل بابتداعها (26)، فيما كانت الأبحاث السنّية في الإمامة في موضع الردّ على أسئلة الشيعة .و"بهذا شابهت صيغة الجواب صيغة السؤال وغلب استعمال لفظ الإمامة على استعمال لفظ الخلافة في أبحاثهم"(27).
وينقل ابن النديم أن أول من تكلّم في مسألة الإمامة هو علي بن إسماعيل بن ميثم التمار، وقد ألّف "كتاب الإمامة".
وأن هشام بن الحكم أحد تلامذة الإمام الصادق(عليه السلام) وأبرز متكلمي الشيعة، هو "الذي فتق الكلام في الإمامة وهذّب المذهب"(28).
غير أن تأثّر أهل السنّة بمصطلحات الشيعة في الإمامة، لا يعني ـ كما أسلفنا ـ تماثل مفهومها لدى الفريقَين(29).
فالإمامة عند السنّة نظرياً هي منصب سياسي لحفظ الدين وتنفيذ أحكامه، لكنها ـ برأينا ـ كانت عملياً ـ كما عرفها التاريخ الإسلامي ـ حكومة الأمر الواقع، وإن حاول بعض علماء أهل السنة أن يضفي عليها الشرعية بالبحث عن تبرير ديني لمن وصل واستلم زمام السلطة، وحاول فرض وصياغة النظريات السياسية الإسلامية على مقاسات الحكومات، فجاءت النظرية تجسيداً للأمر الواقع وليس العكس(30).
ومع أن المسلمين انقسموا بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) فريقَين رئيسيين:
فريق أهل السنّة القائلين "بأنّ الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار".
وفريق الشيعة القائلين "بأن الإمامة تثبت بالنص والتعيين"(31).
ولكن الفريق الأول لم يخلص لرأيه سواء من الناحية العملية أو من الناحية النظرية، ففي التطبيق العملي والتاريخي لنظرية العقد والاختيار، "تباينت طرق اعتلاء الخلفاء الثلاثة: من بيعة تمت فلتة، ثم استخلاف، ثم أن تكون في ستة هم المرشّحون والناخبون على السواء"(32).
وهنا يعتبر الدكتور أحمد محمود صبحي أن ذلك التباين قد أدّى إلى تعذر استنباط قاعدة شرعية تُحدِّد كيفية اختيار الخليفة، مما شكّل ثغرة في النظام السياسي الإسلامي نفذ منها مبدأ الغلبة ليملأ هذا الفراغ بسهولة "حيث لا تشريع يحول دونه، وذلك منذ أن قام المُلْك العضوض بقيام الدولة الأموية"(33).
ويذهب الدكتور صبحي، وهو باحث سنِّي مصري إلى أن "تولّي أبي بكر لم يحسم مشكلة كيفية اختيار الخليفة، إذ يتعذر أن تستنبط من بيعته قاعدة شرعية تحدّد كيف يختار الحاكم، لقد كانت بيعته ـ على حد تعبير عمر فيما بعد ـ فلتة، ولا يمكن أن يستنبط تشريع مما يتمّ فلتة، وإنّما تمت البيعة لأن أحداً من المسلمين ـ في رأي عمر ـ لا يطاول أبا بكر"(34).
ويتابع الدكتور صبحي بكل موضوعية: "فإن أضيف إلى ذلك أن معظم كبار الصحابة لم يكونوا حاضري بيعة السقيفة، والى ما أشيع أن عمراً ساق الناس إليها سوقاً، لتبيّن أن الأمر قد تمّ على عجل، وأنه لم يحتكم إلى ذلك تشريع من الدين".  ويعتبر صبحي أن بيعة أبي بكر ـ بصرف النظر عن مكانته ـ لم تستند "إلى مبدأ شرعي سواء أكان نصاً أم احتكاماً إلى اجتهاد في غياب النص"(35).
ولدى الشيعة انتقادات عديدة لمبدأ البيعة والاختيار تاريخياً وفكرياً، "فمن الناحية التاريخية لم يتمّ اختيار قط إلا بالنسبة لخليفَتين: أبي بكر وعلي .أمّا الأول فقد ساق عمر الناس إليها سوقاً فضلاً عن أنها تمّت فلتة . وأمّا الثاني فقد خرج عليه الذين بايعوه، وليس بعد ذلك إلاّ عهداً صرفاً من خليفة إلى من يليه أو قهراً وجبروتاً، فانقلبت الخلافة عند القائلين بالاختيار وأنها من حق الأمّة إلى أن أصبحت من الناحية الفعلية بالنص والتعيين)(36).
ويُعدّ الإمام علي (عليه السلام) أول من وجَّه نقداً قاسياً لأسلوب تولّي أسلافه للخلافة ، وذلك في خطبته المسمَّاة الشقشقية حيث يقول: "لقد تقمَّصها فلان (يعني أبا بكر) وإنه ليعلم أن محلّي منها محلّ القطب من الرحَّا .. فيا عجبا!! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشدّ ما تشطّرا ضرعَيا فصيّرها في حوزة خشناء، يغلظ كَلامها، ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها … حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيا لله وللشورى! متى اعترض الريب فيّ مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر! لكنني أسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه (سعد بن أبي وقّاص)، ومال الآخر لصهره (عبد الرحمن بن عوف)، مع هنِ وهنِ، إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنَيه … وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع…)(37).
أما من الناحية الفكرية أو النظرية، "فلم يقدّم أهل السنّة ـ كما يعلّق د. صبحي ـ نظرية متماكسة في السياسة تحدّد مفاهيم البيعة والشورى وأهل الحلّ والعقد فضلاً عن هوّة ساحقة تفصل بين النظر والتطبيق (..و) ظهرت نظريات أهل السنّة في السياسة في عصر متأخر..، كما جاء أكثرها لمجرد الردّ على الشيعة، والتمس بعضها استنباط حكم شرعي من أسلوب تولّي الخلفاء الثلاثة الأوائل…)(38).
وذهب بعض فقهاء السنّة إلى القول بالنصّ على إمامة أبي بكر وعمر ، وحاول تأويل بعض الآيات القرآنية كما يستدلّ الأشعري بقوله تعالى: (قُل لِلْمُخَلّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى‏ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ. .) سورة الفتح / 16. فيتعسّف في تأويلها بأن المقصود من القوم أولى البأس الذين سيقاتلهم المسلمون (الأعراب) هم أهل اليمامة كما قال البعض وقد قاتلهم أبو بكر ، وإن كانوا الروم فقد قاتلهم أبو بكر أيضاً "وإن كانوا أهل فارس فقد قوتلوا في أيام أبي بكر وقاتلهم عمر من بعده وفرغ منهم. وإذا وجبت إمامة عمر وجبت إمامة أبي بكر مثلها لأن عمر هو عاقد الإمامة لأبي بكر ، وإذا ثبتت إمامة أبي بكر الصدّيق ثبتت إمامة عمر لأن أبا بكر نصّ عليه، وعقد له الإمامة واختاره، كما ثبتت إمامة عثمان بعقد الإمامة له من قبل الخمسة أصحاب الشورى الذين نصّ عليهم عمر)(39).
ولوهن مقالة الأشعري انصرف معظم أهل السنّة عن الأخذ بها، وكانت الفترة بين أواخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع الهجري هي التي شهدت بداية نشوء هذه النظريات مع الأشعري (270 ـ 330هـ)، حيث تحوَّل أهل السنّة عملياً ثم نظرياً من القول بالاختيار إلى القول بالنصّ، وقد حاول الماوردي (364 ـ 450هـ) استنباط قاعدة شرعية بطريقة عقد الإمامة من واقع الخلفاء، فذهب إلى القول إن الخلافة تنعقد بوجهين:
الأول: اختيار أهل الحلّ والعقد: كعقد أبي بكر لعمر، وأقلّ عددهم واحد كعقد العباس لعلي ، أو اثنين كعقد الزواج ، أو خمسة كعقد من عقدوها لأبي بكر.
الثاني: بعهد الإمام من قبل لمن بعده: كعهد أبي بكر لعمر(40).
بل إن ابن حزم الأندلسي يستدلّ بما أشار إليه عمر قبل وفاته، بعدم جواز تأخير اختيار الخليفة أكثر من ثلاث ليالٍ منذ لحظة موت الخليفة، بأن هذه الطريقة قد انعقد عليها الإجماع(41).
وهل يصحّ اعتبار عمل الصحابي إجماعاً(42).
ويؤكد تهافت مبدأ الاختيار أمران:
"أولهما اعتراف عمر أن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرَّها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه…"(43). والأمر الثاني قول أبي بكر ساعة احتضاره: "ليتني كنت سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ثلاثة أمور: أحدها: ليتني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر حق…)(44).
وهذا القول يظهر شك أبي بكر في صحّة بيعته، وربما ندمه على قبول البيعة، ومنه يلزم عدم صحّة مبدأ الاختيار لانعدام الدليل عليه، وإلا لكان عرفه كل من أبي بكر وعمر ولما أقرَّا بما يخالف هذا المبدأ(45).

 
الهوامش:
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأشعري، أبو الحسن (ت330هـ) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلِّين (جزءان) (تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد)، (ط2: مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1962)، ج1، ص39.
 
(2) الشهرستاني، أبو الفتح (ت 548هـ): الملل والنحل (3أجزاء)، (تحقيق: أحمد فهمي محمد)، (ط1: دار السرور، بيروت، 1948)، ج1، ص16.
 
(3) الفيروز آبادي، مجلد الدين: (القاموس المحيط) (تحقيق: محمد مصطفى أبو العلاء)، (دار الجيل، بيروت، لا، ت)، ج4، ص78.
 
(4) ابن منظور، جمال الدين (ت: 820هـ): لسان العرب، (تحقيق: عبد الستار فراج)، (لا. ط) دار صادر. بيروت، 1388هـ، ج12، مادة (أمم)، ص24.
 
(5) الزبيدي، محمد مرتضى: تاج العروس من جواهر القاموس لا. ط: دار مكتبة الحياة، بيروت، لا. ت، ج8، ص193.
 
(6) الكليني، محمد بن يعقوب (ت: 328هـ): أصول الكافي، تحقيق: (محمد جواد الفقيه)، (ط1: دار الأضواء بيروت، 1992)، ج1، ص 438 ـ 439؛ الأشعري. مصدر سابق، ج1، ص 34.
 
(7) عبد الله الدميجي: الإمامة العظمى عند أهل السنّة والجماعة، (ط1: دار طيبة، الرياض، 1987)، ص 32.
 
(8) الماوردي، أبو الحسن (ت: 450هـ): كتاب الأحكام السلطانية، (لا. ط: لا دار نشر، القاهرة، (1909ص3.
 
(9) الجويني، أبو المعالي: غياث الأمم في التياث الظلم، (تحقيق: د. مصطفى حلمي)، (ط1: دار الدعوة، الإسكندرية، 1400هـ)، ص15.
 
(10) الإيجي، عضد الدين: المواقف في علم الكلام، (لا. ط: عالم الكتب، بيروت، لات)، ص 395.
 
(11) ابن خلدون، عبد الرحمن: المقدمة (ط4: دار الباز للنشر والتوزيع ـ مكة، 398هـ) ص190.
 
(12) محمد رشيد رضا: الخلافة أو الإمامة العظمى (لا. ط: مطبعة المنار، القاهرة، 1341هـ)، ص101.
 
(13) الدميجي، مصدر سابق، ص 36 ـ 37.
 
(14) النووي، يحيى بن شرف الدين (ت676هـ): روضة الطالبيين، (لا. ط: المكتب الإسلامي، لا مكان، لات)، ج10، ص49.
 
(15) ابن خلدون، مصدر سابق، ص190.
 
(16) محمد رشيد رضا، مصدر سابق، ص101.
 
(17) محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، (لا. ط: دار الفكر العربي، لا مكان، لات)، ج1، ص21.
 
(18) و (19) (أحمد محمود صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية، (لا. ط: دار النهضة العربية، بيروت، 1991)، ص20 وص28.
 
(20) الكليني، مصدر سابق، ص 256 ـ 260.
 
(21) عبد الغنى سني: الخلافة وسلطة الإمامة (بالتزكية)، ص12، نقلاً عن أحمد محمود صبحي. مصدر سابق، ص 20.
 
(22) أحمد محمود صبحي: الزيدية، (ط3: دار النهضة العربية، بيروت، 1991). ص 27 ـ 28.
 
(23) محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، (ط2: مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1973)، ج1، ص270ـ 275.
 
(24) ـ (26) أحمد محمود صبحي، نظرية الإمامة، ص 22 ـ 24.
 
(27) محمد ضياء الدين الريِّس: النظريات السياسية الإسلامية، ص 76، نقلاً عن المصدر السابق، ص 23.
 
(28) ابن النديم، محمد بن إسحق (ت: 438هـ): الفهرست: (لا. ط: دار المعرفة، بيروت، 1987)، المقالة الخامسة، ص 249.
 
(29) أحمد محمود صبحي: نظرية الإمامة، ص 24.
 
(30) أحمد محمود صبحي: الزيدية، ص 31 ـ 32؛ محمد جواد مغنية: الجوامع والفوارق بين السنّة والشيعة، (ط1: مؤسسة عز الدين، بيروت، 1994)، ص 75 ـ 81.
 
(31) الشهرستاني، مصدر سابق، ج1، ص 16.
 
(32) (36) أحمد محمود صبحي: الزيدية، ص21 وص31.
 
(37) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج1، ص 54 ـ 68.
 
(38) أحمد محمود صبحي: الزيدية، ص31 ـ 32.
 
(39) الأشعري، أبو الحسن: كتاب الإبانة، (لا. ط: لا دار نشر، حيدر آباد. 1371هـ)، ص 48 ـ 51. انظر أيضاً: ابن حزم الأندلسي، أبو محمد: الفصل في الملل والأهواء والنحل، (لا. ط: المطبعة الأدبية، القاهرة، 1307هـ)، ج4. ص167 ـ 170؛ الدميجي: مصدر سابق، الفصل الرابع: طرق انعقاد الإمامة)، ص 125 وص 198.
 
(40) الماوردي، مصدر سابق، ص 4 ـ 5.
 
(41) ابن حزم الأندلسي، مصدر سابق، ص 167 ـ 170.
 
(42) أحمد محمود صبحي: الزيدية، الحاشية، ص 32.
 
(43) صحيح البخاري (فتح الباري)، ج12، ص 144 ـ 148؛ ومسند الإمام أحمد، ج1. ص55 ـ 57؛ وتاريخ الطبري، ج1، ص 182 ـ 184؛ المصنّف لعبد الرزاق، ج5، ص 439 ـ 445.. الخ، نقلاً عن د. رضوان السيّد: الأمّة والجماعة والسلطة (ط2: دار اقرأ، بيروت، 1986)، ص 78 ـ 79.
 
(44) تاريخ الطبري، ج2، ص 353، والإمامة والسياسة لابن قتيبة، ج1، ص 19.
 
(45) انظر: علي صبحي بلوط: مسألة الإمامة بين المعتزلة والإمامية (أطروحة دكتوراه في الفلسفة ـ كلية الآداب ـ ـ الفرع الأول ـ الجامعة اللبنانية، 1994)، القسم الثاني، الفصل السادس (الخلفاء الراشدون ومسألة الشرعية)، ص 351 ـ 376. (انظر: أدلة الشيعة الاثني عشرية على القول بالنص على الأئمة وعصمتهم وعلمهم ووجوب إمامتهم في دراسة أحمد محمود صبحي: نظرية الإمامة، مصدر سابق، في الباب الثاني من الكتاب، وكتاب المراجعات السيد عبد الحسين شرف الدين؛ وكتاب الشافي في الإمامة للشريف المرتضى؛ ودراسة نظرية الإمامة عند الشريف المرتضى (في كتاب الشافي). في أطروحة الدكتوراه لعلي بلوط، مصدر سابق، القسم الثاني.