borneowebhosting video bokep indonesia bokepindonesia informasiku videopornoindonesia

بحوث و دراسات

درس الخارج: الماهية – المجال والسعة – الأهداف المتوخّاة

5 أكتوبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2 زيارة

الفهرست

البحث التمهيدي.
النقطة الأولى: موضوع البحث.
النقطة الثانية: أهمية البحث.

المطلب الأول:
النقطة الأولى: ما هية درس الخارج.
النقطة الثانية: الهدف من هذا الدرس.
النقطة الثالثة: المادة في درس الخارج.
النقطة الرابعة: المطلوب تبويب جديد لعلم الفقه.
النقطة الخامسة: تبويب جديد للموسوعات الحديثية.
النقطة السادسة: خصائص درس الخارج.

المطلب الثاني: مجالات درس الخارج.
النقطة الأولى: ظاهرة انحصار درس الخارج في الفقه والأصول.
النقطة الثانية: أسباب هذه الظاهرة.
النقطة الثالثة: المعالجة وطريق الحل.

المطلب الثالث:
النقطة الأولى: أساليب التدريس من الناحية الشكلية.
النقطة الثانية: أساليب التدريس بلحاظ المضمون.
النقطة الثالثة: منهجية البحث الفقهي.
النقطة الرابعة: طرق كتابة الدرس.
النقطة الخامسة: طرق المباحثه.

المطلب الرابع: وظائف الأستاذ والطالب.
النقطة الأولى: خصائص الأستاذ ووظيفته.
النقطة الثانية: وظيفة الطالب.

المطلب الخامس: المواد الدراسية في هذه المرحلة.
النقطة الأولى: علوم هذه المرحلة.
النقطة الثانية: فقه الأولويات.

 

البحث التمهيدي وفيه:

النقطة الأولى: موضوع البحث

إن موضوع البحث هذا يتمحور حول درس الخارج بدءاً من بيان حقيقته وصولاًإلى وظائف الأستاذ والتلميذ ولا ننسى الإشارة إلى أساليبه وطرقه والعلومالتي ينبغي أن يشملها هذا الدرس.

إنه بحث قريب من الأبحاث المنهجية التي تنظّر لموضوع ما، ونحن هنا نقترحما نراه مناسباً ولازماً ومكملاً لهذا الدرس بحيث تكون هذه الوريقاتبمثابة الخارطة العامة التي على أساسها يدخل الطالب هذه المرحلة ويعبرهابنجاح.

النقطة الثانية: أهمية البحث.

قد يعتقد البعض أو يظن للوهلة الأولى أن لا قيمة لهذه الأبحاث بلحاظأنها ليست أبحاثاً علمية فهي ليست على نسق وعمق الأبحاث الأصولية والفقيهةوالفلسفية، وعليه فلا ينبغي للعلماء والمحصّلين أن يضيّعوا أوقاتهم فيكتابة أمثال هذه المواضيع ولكننا نعتقد أن الحقيقة ليست على هذا النحو وذلكلأن قيمة أي بحث لا يصح أن ننظر إليها بلحاظ العمق العلمي فقط فإنه وإنكان ميزاناً وضابطة في القيمة والأهمية إلا أنه ليس المعيار الوحيد، بلنقول إن بعض المباحث وإن كانت عميقة إلا انه لا فائدة مهمة من الخوض فيعبابها، ولذا يمكن القول مع اعترافنا بضرورة العمق العلمي في المواضيع إلاانه ينبغي النظر إلى بعض المباحث بلحاظ الفائدة التي تترتب عليها ونعتقد أنالخوض في أمثال هذه المواضيع له فوائد كبيرة لأن بقاء الحوزة العلمية بمافيها من مراحل علمية على الأساليب القديمة في التدريس على مستوى المتونوالبيان وغير ذلك ليس صحيحاً ولا دقيقاً، فإذا كنا نعتقد أننا نمثّل في هذاالزمن الخط العلمي لمدرسة أهل البيتبما يحويه من علوم الإسلام كافة فالمفروض أن نعيش دائماً حركة التطوروالإبداع في الطرق والمنهجية والأساليب والخطط العامة التي على أساسها يدرسالطلبة في الحوزة في كافة المراحل، فعندما نحدّد هدفاً للطالب وهو السيرفي طريق التحصيل العلمي والإبداع الفكري فمن اللازم والضروري أن نضع بينيديه البرامج المناسبة التي تسمح له بالوصول إلى هدفه. ولذا نقول إنالتنظير المتعدد للمناهج والبرامج التي ينبغي اعتمادها من شأنه أغناءالحوزة العلمية للوصول في مرحلة لاحقة إلى المنهجية الأفضل في تأهيل الحوزةالعلمية على مستوى السياسات العامة لطرق ومتون التدريس وما يتعلق بهما.

وليس من العيب أو العجز والضعف أن تقوم الحوزة في كل عقد أو عقدين منالزمن بعملية التطوير في المناهج والبرامج فإن هذا هو ديدن كل المؤسساتالعلمية في العالم بل هذا هو أسلوب وسيرة علمائنا فإننا نجد أنهم لميلتزموا متناً وحيداً في تاريخهم بل كانوا في كل فترة زمنية يختارون المتنالمناسب في التدريس.

بل يمكن الادعاء بوضوح أن من الخطأ المنهجي القاتل أن يبقى الإنسان أوالمؤسسة العلمية في حالة من الجمود والركود وهذا سيؤدي مع الزمن إلىالانهيار العلمي والفكري.

ونقول بكل جرأة إن كان العالم يتغيّر فيجب أن نتغيّر معه على مستوىالمناهج العامة في التدريس، وأعتقد أن ما ذكرته هو من قبيل الإشارة إلى أمربديهي.

وهذا الموضوع قد أشار له سماحة القائد المعظّم السيد على الخامنئي دامتبركاته في كلمة أمام جمع من طلبة الخارج بتاريخ 12ـ ربيع الأول ـ 1412 هـ[1] 

المطلب الأول: وفيه نقاط

النقطة الأولى: ما هو درس الخارج

هو عبارة عن التحقيق في منابع ومدارك الأحكام الشرعية «الفتوى» معانتخاب الرأي الصحيح اعتماداً على الاستدلال والبرهان في علم الفقه ومعتحليل هذا التعريف نستنتج ما يلي:

1ـ البحث في منابع ومدارك الأحكام الشرعية.

2ـ انتخاب الرأي الصحيح في المسائل الفقهية.

3ـ هذا التحقيق يعتمد على الأدلة المعروفة في علم ا لفقه وهي المصادرالأربعة في عملية استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماعوالعقل، ولهذه المصادر تفريعات كثيرة تذكر في محلها[2] .

وبهذا نجد أن الدرس في مرحلة الخارج يختلف عن المراحل السابقة كالمقدماتوالسطوح لأن الدرس في المراحل الأولى يكون محصوراً في إطار الكتاب، أما فيمرحلة الخارج فهو أوسع وأشمل من اعتماده على كتاب معيّن وإنما هدفه السعيوراء الأدلة سواء سطرت في المصنّفات أو لا، فليس من الغريب الإتيان بأدلةجديدة ضمن الضوابط والموازين أو المناقشة في أدلة قائمة ومشهورة، بل هذه هيقيمة الدرس فهو بعيد عن التعبد بفهم واستدلال العلماء بل يعتمد المناقشةوالبرهان للوصول إلى الرأي الصحيح في المسألة أما في المراحل الأولىفالمطلوب الأساسي فيها هو فهم المتون واستيعابها مع إشارات بسيطة في مرحلةالسطح لتقييم الآراء.

النقطة الثانية: الهدف من هذا الدرس

بعد اتضاح حقيقة هذا الدرس يتبيّن معنا أن هدفه هو سعي الطالب في الحصولعلي ملكة الاجتهاد وعليه فالمفروض أن تكون كل الأساليب والمناهج والموادالدراسية في هذه المرحلة تصب في خدمة هذا الهدف وفي الوصول إليه في اقربفرصة زمنية لأن عدم تحديد مرحلة الخارج في إطار زمني محدّد قد يكون عاملاًلجعل الطالب يعيش حالة من الجمود العلمي ولعل قيمة هذا البحث الذي نكتبهإنما تلحظ الهدف الأساسي لهذه المرحلة في كل تفاصيل هذه الدراسة.

كما ليس من الصحيح تحديد إطار زمني لهذه المرحلة ثم نُبتلى بعدم وضع برامج تدريسية تسمح للطالب من الوصول إلى هدفه خلال هذه الفترة[3] .

النقطة الثالثة: المادة في درس الخارج.

أن المادة التي تقع محلاً للدراسة والبحث في هذه المرحلة هي عبارة عن ماد تين أساسيتين هما الفقه والأصول.

أما علم الفقه فهو المعني بمناقشة ودراسة الأدلة الشرعية للوصول إلى نتيجة واضحة أو فتوى بيّنة.

وأما علم الأصول: فهو معني بدراسة القواعد العامة في عملية استنباطالأحكام الشرعية الفرعية والبحث في هذين العلمين مرّ في مراحل عديدة كانيتطور ويتوسع إلى أن وصل في يومنا هذا إلى العمق والسعة، ويمكن لمن أرادالاطلاع على المسير التاريخي لهذين العلمين مراجعة المصنّفات المعنية بمادةأدوار الاجتهاد التي تبيّن الموسوعات في الفقه والأصول وطرق الاستدلالوتطور الأفكار[4] .

وهذا شيء طبيعي في أي علم لأن العلم بمثابة الكائن الحي يتطور مع الزمنوخاصة مع الاهتمام الكبير به من عديد المصنفات وطرق الاستدلال وتطورالأفكار والمدرسين وحاجة الواقع ومزيد العمق حتى أصبح لدينا كماً هائلاً منالموسوعات والمصّنفات الفقهية والأصولية.

وسوف يأتي معنا في هذا البحث ضرورة التوسع في هذا الدرس باتجاه العديدمن العلوم الأخرى في سبيل أغناء وتعميق الفكر الديني لان ليس بالإمكان حصرالمعارف الدينية بالحكم الشرعي بل هي أوسع من هذا بحيث تشكّل منظومةمتكاملة من العقيدة والأحكام والأخلاق والمفاهيم العامة في الحياة.

النقطة الرابعة: المطلوب تبويب جديد لعلم الفقه

من المعروف أن الإنسان ليس من الصحيح أن يتعبّد بالأسلوب والطريقة فيالبيان بل إن هذه الأمور سيالة ومتحركة مع الزمن فلكل زمن أسلوبه وبيانه،ولذا نرى من الضروري إعادة تبويب علم الفقه بطريقة جديدة مخالفة ومغايرةلما هو موجود.

ومن الواضح انه لا مجال للإشكال علينا في هذا الأمر لأنه مع المراجعةالبسيطة لمصنّفات علمائنا نجد أنهم يمتلكون أكثر من تبويب لهذا العلم فكتابشرائع الإسلام يختلف عما سبقه في هذا المجال.

ويمكن لنا ذكر عدة طرق للتبويب الجديد.

1ـ التبويب على أساس الفقه الوضعي المعاصر كما قام ا لشيخ الطوسي بتبويبالمبسوط على أساس فقه العامة. وهذا ليس فيه حزازة ولا منقصة.

2ـ التبويب على أساس فقه الدولة الإسلامية ونحن بحاجة لهذا الأمر فيزمننا هذا فإن الحوزة هي المكلّف الأول بطرح وتعميق الأبحاث والمواضيع التيتحتاج إليها الدولة الإسلامية.

3ـ التبويب على أساس الموضوعات أو على أساس ا لمكلفين نحو فقه ا لبيئة ـفقه اللباس ـ فقه الرياضة ـ فقه الجهاد……. أو فقه المرأة وفقه المسافرـ فقه التاجر ـ فقه المغترب.

ومن الواضح أن لكل واحد من هذه الطرق فائدته وأهميته.

النقطة الخامسة: تبويب جديد للموسوعات الحديثية

من الواضح أن أغلب الأدلة التي يستند إليها الفقيه على مستوى الاستدلالإنما هي من خلال اعتماده على النص الروائي. ثم إنه مع تطور حركة الحياةوكثرة وقائعها يصبح لزاماً على الفقيه بيان الفتوى تجاه الوقائع والحوادثالمختلفة من الطب إلى البيئة مروراً بالاقتصاد والتجارة والنظام العاموغيرها الكثير واعتقد أن هذا يستدعي من الحوزة العلمية برجالاتها ومؤسساتهاالعمل في سبيل تبويب جديد للموسوعات الحديثية لأن ما فعله علماؤنا فيالكتب الأربعة أو غيرها أو حتى الوسائل إنما تمثّل تبويباً صالحاً لفتراتزمنية ماضية.

أما وقد تطورت حركة الحياة وتعددت وقائعها فالأفضل إعادة التبويب منجديد تبعاً لمستجدات الحياة وهذا وإن لم يكن أمراً ضرورياً في عمليةالاجتهاد ولكنه يسهّل على الباحثين وخاصة المبتدئين في درس الخارج الذين لميألفوا التراث الروائي حيث إن المعرفة الشاملة به بحاجة لسنوات طويلة فمنأراد البحث في هذا الزمن حول أحكام البيئة سوف يحتار أين يجد النصوصالروائية التي يستفيد منها في هذا الموضوع وهكذا في كثير من الوقائعالجديدة.

النقطة السادسة: خصائص درس الخارج.

المقصود في هذه النقطة الإشارة إلى بعض الضوابط العامة في هذا الدرس.

1ـ الفترة الزمنية لمرحلة الخارج.

إننا نجد أن آراء العلماء حول هذا العنوان على قسمين:

فمنهم من يرى أن المطلوب تحديد فترة زمنية لا تزيد عن سبع سنوات بشرط أنيكون الطالب خاضعاً لبرنامج محدّد في مرحلتي المقدمات والسطوح وهذا مايفهم من كلمات القائد المعظم السيد الخامنئي دامت بركاته[5] .

ومنهم من يؤمن أن تكون الفترة الزمنية مطلقة غير محدودة، إلا أننا نرىأن الاتجاه الأول هو الصحيح وذلك لأجل الحركة المنهجية والمنظمة في الحوزةكما لأجل أن لا يقع الطالب بمشكلة تضييع الوقت وهدره.

ويترتب على هذا الخلاف حول فترة الدورة الأصولية الكاملة فهل تستمرلعشرين سنة مثلاً أم ينبغي حدُّها بعدة سنوات لا تزيد عن ستة أعوام بحيثيمكن للطالب المرور على دورة أصولية كاملة وإن أراد الاستمرار فعليه أنيعتمد أسلوباً آخر في الدراسة كما يمكن له الحضور في بعض الأبحاث الأساسيةفي الفقه حيث لا يتيسر لأحد المرور على دورة كاملة في الفقه فإن هذا يحتاجلأكثر من اربعين سنة لأن هذا العلم أوسع وأشمل من علم الأصول.

ونعتقد أن هذا الوقت المحدّد كاف لمن كان مجداً ومحصّلاً في درسه.

2ـ التركيز على المكان المناسب لراحة الطلبة وضرورة أن يكون مجهزاً بوسائل التدريس الحديثة.

3ـ الانتباه إلى زمان الدرس بحيث لا يكون عشرين دقيقة ولا يمتد لساعة ونصف.

4ـ إن يكون عدد الطلبة محصوراً ومحدداً بحيث لا يصل إلى مئة أو بضع مئات.

5ـ إن يصل معدل الحصص الدراسة في كل عام دراسي إلى 130 حصة أو أكثر بقليل.

المطلب الثاني: مجالات درس الخارج وفيه نقاط

النقطة الأولى: انحصار درس الخارج في الفقه والأصول: إنا إذا القينانظرة على طبيعة الحقول العلمية التي يدرسها الطالب في الحوزة العلمية فيمرحلتي المقدمات والسطوح فسوف نجد أنها أشمل وأوسع مما يدرسه في مرحلةالخارج فإن بعض العلوم يمكن أن تكون كافية في المقدمات وبالتالي لا حاجةلإعادتها أو التوسع الزائد فيها في مرحلة الخارج، ولكن بالتأكيد إن العديدمن العلوم لا تقل أهمية في مرحلة الخارج عن مادتي الفقه والأصول ومع ذلكنجد أن درس الخارج يُقتصر فيه على هاتين المادتين دون غيرهما فأين القرآنوعلومه في مرحلة الخارج.

ونعم ما قاله القائد المعظم: كيف يمكن الوصول إلى مرحلة الاجتهاد من دون مراجعة القرآن الكريم ولو لمرة واحدة[6] .

وأين العقائد وعلم الكلام الجديد.

أين الفلسفة والعرفان.

أين العلوم المرتبطة بالاجتهاد.

أين التاريخ الإسلامي.

إن هذه الحالة لها قرون عديدة في الحوزة العلمية، ونحن لا نقصد أن بقيةالعلوم غير موجودة أصلاً وإنما المطلوب تفعيلها وجعلها موضعاً للبحثوالتدريس في مرحلة الخارج.

ونقول في ختام هذه النقطة: هل يمكن لأحد الادعاء أن العلوم الإسلامية محصورة بالفقه والأصول؟

النقطة الثانية: أسباب هذه الظاهرة

ونحن إذا أردنا البحث حول أسباب هذه الظاهرة فقد يكون مردُّها إلىالإعتقاد أن علم الفقه هو أساس العلوم الإسلامية وأن البقية ليست مهمة بهذاالمستوى فلذا يُقتصر فيها على الدراسة في المراحل الأولى وليس من داعلجعلها محلاً للدرس والتحقيق في مرحلة الخارج أو قد يُقال: إن المطلوب منالعقائد مثلاً إنما هو تمتين العقيدة الإسلامية في عقول المسلمين ودفعالشبهات بوجه أعداء الدين ومخالفيه، وهذا يحصل بالمستوى الموجود ولا حاجةللمزيد.

فإنه يقال أولاً: إن المستوى الموجود من الدرس العقائدي غير كاف بالنسبةللعلماء بل حتي للناس العاديين لأننا نجد في الفترات التي تعصف فيها رياحالأفكار المنحرفة والشبهات القادمة من التيارات العلمانية وغيرها كما هيفترة المد الشيوعي أو الشبهات من العلماء والفلاسفة الغربيين حول وجود اللهوعدالته وفائدة الدين وأهميته وحجم حضوره في المجتمع أن بعض علماء الدينقد وقع تحت تأثير هذه التيارات، ولولا وجود المفكرين الشهيد مطهري في إيرانوالشهيد باقر الصدر في العراق لكان المد الشيوعي قد أكل بشبهاته الضالةالمجتمع الشيعي في العالم مع أن تلك الفترة الزمنية كان فيها العديد منالمرجعيات الدينية ومن المهم أن نعلم أنه لا يمكن الاكتفاء في مواجهة هذهالتيارات بالفتاوى التي تحرّم التعامل مع هؤلاء أو الانخراط في صفوفهم بليضاف إليه ضرورة القيام الفكري لدفع تلك الشبهات علمياً وتمتين عقيدةالمؤمنين.

وهذه نظرة بسيطة للإشاره إلى ضرورة حضور هذا الدرس في مرحلة الخارج لما لهذه المرحلة من عمق في المنهج الحوزوي.

ثانياً: لا يمكن حصر المعارف الدينية بالجانب التشريعي دون ا لتعرفوالبحث في بقية العلوم فهذا القرآن الكريم مليء بالآيات العقائديةوالأخلاقية وقصص الأنبياء بل والإشارات العلمية كما هذا التراث الإسلامي فيرواياته مليء أيضاً بكافة العلوم الإسلامية فلماذا حذفناها من مرحلة البحثالخارج.

ثالثاً: إنا مع مراجعتنا للآيات والروايات ووصية النبي للمسلمين قبلرحيله بأيام نجد أنه دعانا للتمسك بالقرآن والعترة فهل هذا المستوى منالدرس القرآني كاف ولماذا يغيب القرآن بعلومه وتفسيره وفقهه عن مرحلةالخارج وأين هي المصنفات في هذا المجال قياساً لما نملك في مجالي الفقهوالأصول.

وهل يمكن لأحد القول إن الأبحاث القرآنية ليست مهمة أو أنها عمل غير المحصّلين في الحوزة.

رابعاً: إذا كان الدين الإسلامي هو الخاتم وإذا كنا نحمل رسالة الإسلامإلى البشرية فمن واجبنا اطلاع الناس كافة على علوم الإسلام وقيمه وعقائدهومفاهيمه، وهذا مزيد من بيان القيمة العلمية والحضارية لهذا الدين.

خامساً: إن تعميم درس الخارج لكافة العلوم حاجة وضرورة ينبغي الإعدادلها لأنها حاجة معرفية وضرورة فكرية لتعرُّف البشرية على قيم وعلوم الدينكما إنها تشكّل حاجة تبليغية لأن المطلوب إعداد مبلّغين في كافة المجالاتالعلمية بأرقى المستويات، وهذا ما يتأتى من خلال تعدد التخصصات في مرحلةالخارج وعدم حصرها بالفقه والأصول[7] .

وهذا ما أكّد عليه القائد قبل عشرين سنة ومازال.

النقطة الثالثة: المعالجة وطريق الحل

إن حل هذه الإشكالية لا يمكن أن يتم إلا من خلال العمل المؤسساتيوالجماعي فإن المشاكل الكبرى لا تحل إلا بهذه الطريقة، وأما العمل الفرديفإنه وإن خفف قليلاً من حجم المشكلة إلا انه ليس بمقدوره معالجتها وإن طالالزمن.

ومما يؤكد هذا ا لطرح في المعالجة أن بعض العلماء حاول القيام بذلك وقدوفق فعلاً على مستوى الدرس الفلسفي في مرحلة الدرس خارج المصّنفات إلا أنهذا المشروع توقّف برحيله إلى الله تعالى[8] 

المطلب الثالث: أساليب درس الخارج

وفيه نقاط:

النقطة الأولى: أساليب التدريس من الناحية الشكلية

الأسلوب الأول: أسلوب محورية الطالب أو المدرسة السامرائية وهو أسلوب الميرزا الشيرازي الكبير حيث كان يطرح المسائل الفقهية ويبحث جميع ما يتعلقبالمطالب بمعونة الطلبة ثم يقوم في نهاية الدرس بعملية الاستنتاج.

الأسلوب الثاني: أسلوب محورية الأستاذ «الأسلوب الكلاسيكي».

وهو الأسلوب المتداول في حوزتي قم والنجف، وطبقاً لهذا الأسلوب يطرحالأستاذ المسألة الفقهية أو الأصولية والأقوال فيها والاستدلال عليها ثميطرح الرأي المختار وهنا يبرز دور الأستاذ أكثر من الطالب لأن الأول يكونمحاضراً والثاني متلقياً.

الأسلوب الثالث: الجمع بين الأسلوبين وذلك من خلال جلستين: في الأولى يكون البحث بمحورية الأستاذ والطالب هو المحور في الثانية.

وينقسم هذا الأسلوب بلحاظ تطبيق الجلسة الثانية إلى أقسام:

1ـ أسلوب الاخوند الخراساني حيث يقوم بعض الطلاب الكفوئين بشرح الدرس للطالب الأقل كفاءة.

2ـ أسلوب السيد محمد باقر الدرجئي حيث كان يلقي الدرس صباحاً ثم يكرره في المساء.

3ـ أسلوب جلسة السؤال والجواب عقيب الدرس.

4ـ أسلوب الشيخ الأصفهاني حيث يقوم الأستاذ بكتابة الدرس وتوزيعه بين الطلاب ليتهيأ الطالب لمناقشة الأستاذ.

الأسلوب الرابع: وهو عبارة عن قيام مجموعة من الطلبة بمناقشة المسائل فيالفقه والأصول وما يتعلق بعملية الاستنباط من خلال جلسة علمية يعقدونهاخصيصاً لهذا الأمر[9] ثم بعد المناقشة يختار كل واحد رأيه في المسألة.

وبالطبع لكل واحد من هذه الأساليب ايجابياته وسلبياته فإن الأسلوب الأوليحسن اعتماده في السنة الثالثة والرابعة مثلاً أي بعد أن يقطع الطالب فترةمن الزمن في حضور درس الخارج على أن يكون في مكتبة تتوفر فيها كافةالمصادر التي يحتاجون إليها على أن يقوم الأستاذ بدور المشرف والموزّعللأدوار فيكلّف طالباً أو أكثر بالجانب الأصولي للمسألة وآخر بالجانبالرجالي وثالث بالجانب اللغوي مثلاً وهكذا.

ولكن الجانب السلبي فيه أنه بحاجة لوقت زائد عن المقدار المعروف في دروس الخارج لإنهاء مطلب علمي معيّن.

وأما الأسلوب الثاني فاعتقد أن حسنه يتمثل بالجانب المنهجي الذي يقدّمهالأستاذ للمطالب العلمية وأما الأسلوب الثالث فهو ينفع المبتدئين في هذهالمرحلة.

وأما الأسلوب الرابع فهو جيد وممتاز لمن أنهى فترة الدراسة المحدّدة فيالحوزة أو كان متقدماً بعدد سنوات حضوره في درس الخارج كأهل السنة السادسةوالسابعة مثلاً.

النقطة الثانية: أساليب االتدريس بلحاظ المضمون

الأسلوب الأول: ويعتمد على بيان الأصل العملي في المسألة ثم بيان الأدلةالاجتهادية ولكن نحن نعرف أن هذه الطريقة مخالفة للمنهج في عمليةالاستنباط لان البحث عن ا لدليل الاجتهادي مقدم على الدليل الفقاهتي.

الأسلوب الثاني: طريقة ا لسيد البروجردي وتقوم على استعراض المسارالتاريخي للمسالة تم طرح الأدلة للمناقشة أو الأصل العملي في حالة فقدانالدليل من القسم الأول. وقيمة هذا الأسلوب هو في التعرض للجانب التاريخيوهذا أمر في غاية الأهمية لأنه يعطي صورة واضحة حول تطور الأفكار فيالعلوم.

الأسلوب الثالث: وهو يعتمد على عناصر أربعة.

1ـ موضوع المسالة.

2ـ بيان الأقوال.

3ـ الأدلة.

4ـ الرأي المختار.

كما أن هناك العديد من الأساليب الأخرى لا حاجة لذكرها ويظهر أن الأسلوب الثالث هو الأفضل لو أضفنا إليه المسار التاريخي للمسالة.

النقطة الثالثة: منهجية البحث الفقهي

للفقهاء مناهج عديدة في بحوثهم الفقهية نشير إلى بعضها:

الأول: منهج فقه الحديث: وهو يعتمد على استفادة الحكم من الرواياتويركّز على علمي الرجال والحديث ويرجع إلى علم الأصول عند الضرورة.

الثاني: ويعتمد على علم الأصول ويحاكم الأدلة على هذا الأساس، وقد يؤدي إلى بعد الإنسان عن الفهم العرفي

الثالث: وهو منهج الفقه المقارن: وهو منهج الشيخ الطوسي في كتاب الخلاف حيث تتم المقارنة فيه مع أقوال المدارس الأخرى.

النقطة الرابعة: طرق كتابة الدرس

1ـ أن يقوم الطالب بكتابة البحث بشكل كامل كما ألقاه الأستاذ وهذه هيعادة المبتدئين في درس الخارج، ولكنها مع مرور الوقت لا تكون مجدية.

2ـ كتابة رؤوس المطالب التي يطرحها الأستاذ.

3ـ كتابة تمام الدرس بعد الانتهاء منه.

4ـ كتابة خلاصة الدرس بعد الانتهاء منه.

ولكن النقطة الأساسية في المقام لمن كان يمارس كتابة الدرس التركيز علىمركز البحث ومهمات الأفكار مع المناقشة في رأي الأستاذ أو العلماء.

النقطة الخامسة: طرق المباحثة

تعد المباحثة من امتيازات النظام الحوزوي ولها الكثير من الفوائد مثلترسيخ الأفكار في الذهن ورفع الإبهامات وتحريك الفكر وتعويد الطالب على التدريس.

وهناك طرق عديدة نشير إلى بعضها:

1ـ قراءة التقرير: أن يقوم احد الطلبة بقراءة ما كتبه في مجلس الدرس وشرح بعض الأمور.

2ـ تقرير الدرس: أن يقوم أحد الطلاب بتقرير درس الأستاذ من دون الاستعانة بالنص المكتوب.

3ـ طريقة المباحثة ا لمسبقة: أن يعمد الطلاب إلى مطالعة البحث والأقوالوالأدلة المتعلقة به ثم يقوم أحد الطلبة ببيانه على طريقة الأستاذ بحيثيبين المطالب ويدفع الإشكالات.

4ـ طريقة النقد والتدقيق: وهي أن يقوم أحد الطلبة إلى طرح كلمات الأستاذ ومناقشتها من خلال التركيز على المطالب المركزية للأستاذ.

المطلب الرابع: وظائف الأستاذ والطالب

النقطة الأولى: خصائص الأستاذ ووظيفته

يمكن ذكر العديد من الخصائص والوظائف للأستاذ في مرحلة الخارج طبقاً لتصوّرنا حول الموضوع.

1ـ القدرة العلمية الكافية.

2ـ المهارة في التدريس: فهناك فرق بين أن يكون الإنسان عالماً وأن يكونمدرساً وأستاذاً فإن التدريس فن مستقل لا ربط له بالعمق العلمي للأستاذ ومنالمفروض انتباه الأساتذة إلى ملاحظات الطلبة حول الأسلوب فإن هذا غنىللأستاذ وفائدة للطالب.

3ـ الجانب الأخلاقي عند الأستاذ من خلال:

ـ سعة الصدر.

ـ عدم التمييز بين الطلبة إلا على أساس المستوى العلمي.

ـ معرفة مشاكل الطلبة والسعي في معالجتها.

ـ عدم تعنيف الطالب إن كان السؤال بسيطاً.

4ـ عدم الاستغراق أكثر من اللازم في بيان الجانب النظري والتركيز على تطبيق القواعد وموارد جريانها وثمرات الأبحاث وغيرها.

5ـ متابعة الطالب علمياً من خلال إقامة جلسة أسبوعية يتداول فيهاالأستاذ مع الطلبة المسائل المطروحة في مجلس الدرس وغيرها. أو مطالبةالطلبة ببحث سنوي أو فصلي.

6ـ التركيز على ما يسمّى بمفاتيح الاجتهاد من خلال التركيز على المطالبوالنكات الأساسية في الأبحاث بحيث يسري هذا الأمر إلى مختلف العلوم منالفقه والأصول إلى الرجال والدراية وآيات الإحكام والقواعد الفقهية وغيرها.

النقطة الثانية: وظيفة الطالب

1ـ كتابة الدرس ضمن الطرق التي ذكرناها أو طبقاً للطريقة التي يراها الأستاذ المرشد «راهنما».

2ـ المطالعة المسبقة حول موضوع الدرس فإن فيها العديد من الفوائد كفهم المطالب وإمكان الإشكال وإبداء الرأي وغيرها.

3ـ المباحثة المسبقة أو اللاحقة.

4ـ الاهتمام بجلسة المرشد العلمي «راهنما».

5ـ الاهتمام بالمناقشة وإبداء الرأي سواء مع أستاذه أو مع المرشد.

6ـ الشعور بالثـقة وعدم الوقوع تحت نزعة الخوف.

المطلب الخامس: المواد الدراسية في هذه المرحلة

هنا نقطتان:

الأولى: علوم هذه المرحلة.

لقد وقع جدل بين العلماء في العلوم التي يتوقف عليها الاجتهاد، وقد تكون هذه المسألة اجتهادية[10] إلا أننا نشير الي بعض المواد التي نراها لازمة وضرورية أو مكمّلة بحيث تعطي سعة في الاطلاع فيما يتعلق بمقدمات الاستنباط.

وهي على الشكل ا لتالي:

بعد الفراغ عن الفقه والأصول نقول:

1ـ علم الرجال بما يتضمن من مطالب سهلة وتحقيقية إضافة إلى التركيز علىما يسمى بالرجال التطبيقي كالبحث حول طبقات الرواة والأسماء المشتركة.

2ـ القواعد الفقهية: والنقطة المركزية في هذه المادة بعد الفراغ عن بيان القاعدة ومدركها الإكثار من الجانبي التطبيقي.

3ـ آيات الأحكام: وهذه مادة أساسية كناقد ذكرنا كلاماً للقائد في هذاالبحث حول إمكان أن يكون الطالب مجتهداً من دون العودة إلى القرآن الكريمطبقاً للموازين المتعارفة في الحوزة. والمطلوب علميا الاهتمام بالنصالقرآني بالمستوى ذاته من الاهتمام الروائي بل يقال كيف يمكن التغاضي عنهذا البحث مع وقوع الاختلاف في عدد آيات الإحكام بل واستفادة العديد منالعلماء الكثير من الإحكام من خلال الاستناد إلى النص القرآني نفسه.

4ـ تطبيقات القواعد الفقهية والأصولية:

وقد وجدنا العديد من المصنفات في هذه المادة بل بعد التجربة الشخصيةفيها أقول من اللازم لمن أراد الوصول إلى مرتبة الاجتهاد بفترة زمنية تخالفما هو متعارف أن تكون هذه المادة يوميّة بالنسبة إليه كما هو حال الدرسالفقهي والأصولي.

كما لابد من الإشارة إلى بعض المواد الأخرى.

1ـ تاريخ الفقه والأصول أو ما يسمى بادوار الاجتهاد.

2ـ علم الحديث.

3ـ الاطلاع على مصنفات المسلمين من الشيعة والسنة. موسوعات الحديث ـ فقه ـ أصول ـ رجال ـ قواعد فقهية ـ حديث…… آيات الإحكام.

4ـ القانون الوضعي وطريقة نظرته إلى السير العقلائية والعرف وما شاكل….

5ـ أصول وفقه مقارن.

6ـ علوم اللغة وهذه تدخل في آليات الاجتهاد.

7ـ العلوم التي يتوقف عليها الإفتاء في بعض الحالات كتلك التي تحدّد وتشخّص الموضوعات مثل الفلك والطب والبنوك والبيئة وغيرها.

النقطة الثانية: فقه الأولويات

من البديهي الإيمان أن كل المسائل الفقهية مهمة وضرورية لتنظيم حياةالإنسان في كل أبعادها ولكن بما أن الوقت لا يسمح للطالب بدورة فقهية كاملةفي مرحلة الخارج.

وبما أن المسائل المستحدثة أصبحت كثيرة جداً وبما أن الثورة الإسلامية المباركة في إيران تتولى حكم البلاد.

وبما أن الدرس الفقهي المتداول في دروس الخارج هو حول مواضيع كثر البحثفيها لقرون من الزمن ولا علاقة له بمشروع الفقه الذي يؤسس لتشريعات دولةبعيدة عن الحصر بمنهج الفقه الفردي.

وبما أن المشاكل الأساسية في العالم هي حول قضايا معاصرة وبما أن الواجبيفرض على الجميع الوقوف والنهضة العلمية للحفاظ على الدولة الإسلامية فيإيران فالمطلوب العمل لما يسمى بفقه الأولويات أي القضايا التي نحتاجها فيهذا الزمن وهي فقه الدولة لا فقه الأفراد، فقه المسائل المستحدثة.

وبناء عليه نقول: من اللازم أن تكون دروس الخارج هي حول هذه الأمور مثلبحث القضاء ـ الجهاد ـ النظام العام ـ البيئة ـ الآداب الاجتماعية ـالتجارة ومتعلقاتها الطب ـ الإعلام ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

علاقة المسلمين فيما بينهم ومع غيرهم وغيرها من العناوين.

وليس من العيب الاستفادة من تفصيلات القانون الوضعي كما استفاد الشيخ الطوسي من تفصيلات أهل السنة حين كتابته لكتاب المبسوط.

تم الكلام في هذه البحث في 2 / صفر 1430هـ

والحمد الله رب العالمين.
اضف هذا الموضوع الى:

الاستخارة: مفهومها ومشروعيتها ومواردها

15 سبتمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

ثمة ظاهرة منتشرة في أوساط المؤمنين من أتباع أهل البيت(ع)، هي ظاهرة الاعتماد على الاستخارة في الكثير من الأمور والقضايا سواء التجارية منها أو الاجتماعية أو الشخصية، من قبيل ما يتّصل بأمر الزواج أو السفر أو غير ذلك من الحاجات، وهذه الظاهرة تستوقف الكثيرين ويتساءلون عن مغزاها وجدواها ومشروعيتها؟

   وقد يعتبرها البعض من جملة الأسباب المعيقة لتطوّر الإنسان، لمخالفتها لقانون العليّة والسّنن الطبيعية القائمة على أنّ الأمور إنّما تُعرف بأسبابها، ويستدلّ عليها بالتبصّر في عواقبها ونتائجها، لا بعدد حبات السبحة ولا بالقرعة ولا بالرقاع. إنّ الأخذ بالاستخارة –بنظر هؤلاء- يعني تجميد العقل وتعطيله عن التفكير، ولذا ارتأينا أن من المناسب بل الضروري التطرّق إلى هذا الموضوع، لأهميته، وينبغي هنا أن نتحدّث:

 أولاً: عن مفهوم الاستخارة.

 ثانياً: عن مشروعيتها.

 ثالثاً: عن ضوابط العمل بها وموارد استخدامها.

   وسنحرص في هذا البحث أن نبتعد قدر المستطاع عن استخدام اللغة الفقهية واستدلالاتها التفصيلية في تناول هذه المسألة، فإنّ ذلك متروك إلى مباحث علم الفقه.

مفهوم الاستخارة:

   الاستخارة في اللغة تأتي بمعنى طلب الخير، كما أن الاستنصار يأتي بمعنى طلب النصر، وهكذا.. وأما في المفهوم الشرعي، فإنّ الاستخارة تأتي بمعنيين:

 المعنى الأول: أن يراد بها طلب الخير من الله، انسجاماً مع معناها اللغوي بحيث يتوجّه العبد إلى الله سبحانه بالدعاء، طالباً منه أن يختار له الأصلح فيما يريد أن يقدم عليه من زواج أو سفر.. من دون أن يلجأ إلى وسيلة معينة للتعرف على وجه الخير، بل يعتمد على ما يلهمه الله ويلقيه في قلبه، وقد يراد بها طلب الخير من الله، ثم يمضي العبد إلى عمله.

   المعنى الثاني: أن يستخير العبد ربه ويستشيره، طالباً منه أن يريه وجه الخير فيما يقدم عليه من خلال وسيلة معينة، كالرقاع، أو حبات السبحة، أو من خلال مضمون آيات القرآن، أو غير ذلك .

 دليل المشروعية :

 والسؤال: ما هو الموقف الشرعي من الاستخارة بمعنينها المتقدمين؟

   والجواب: أما بالنسبة للمعنى الأول، فلا شبهة في مشروعيته، لأنه مظهر من مظاهر التوكل على الله والاعتماد عليه، وهو يعبر عن إيمان العبد واعتقاد بأنّ أموره هي بيد الله، وهذا ينسجم كامل الإنسجام مع عقيدة التوحيد، فعندما يرغب العبد في أن يُقدم على الزواج والارتباط بشريك، أو على عمل تجاري معيّن، ويتوجّه إلى الله، مبتهلاً إليه أن يجعل الخير رائده والتوفيق قائده، ويوفّقه في ما يقدم عليه، فإنّ ذلك يختزن إيماناً واعتقاداً لديه بأنّ الله سبحانه وتعالى هو الرازق والمالك والمقدّر وبيده خزائن السماوات والأرض، ولهذا فإنّ الاستخارة بهذا المعنى تعبّر عن أدب إسلامي رفيع في التوكّل على الله واستحضاره عند كلّ الحاجات والملمّات والطلبات حتى لا يغيب الله عن أذهاننا طرفة عين أبداً، أو نتوهّم أن لنا قدرة بصرف النظر عن قدرته، أو طولاً بعيداً عن طوله.

وفي ضوء ذلك، يتضح أن مشروعية هذا النحو من الاستخارة جارٍ على طبق القاعدة، ولا يحتاج إلى دليل خاص، لأن الاستخارة بهذا المعنى تمثّل مصداقاً من مصاديق الدعاء والابتهال إلى الله، ومع ذلك فإنّ بالإمكان الاستدلال على مشروعيتها واستحبابها، استناداً إلى النصوص الواردة في ذلك من طرق السنة والشيعة معاً، ولذا لم يشكك أحد من المسلمين في مشروعيتها، بل أجمعوا على استحباب ذلك ومطلوبيته، ففي الحديث عن رسول الله (ص): "إذا همَمْتَ بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك فإنّ الخير فيه"[1][1].

   وفي حديث آخر عنه(ص): "من سعادة ابن آدم استخارته لله، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله"[2][2]..

 وفي الحديث عن أبي عبد الله الصادق(ع): "إذا عَرَضَتْ لأحدكم حاجة فليستشر الله ربه، فإن أشار عليه اتبع، وإن لم يشر عليه توقف، قلت: يا سيدي، كيف أعلم ذلك؟ قال: يسجد عقيب المكتوبة ويقول اللهم خر لي، ثم يتوسل بنا ويصلي علينا ويستشفع بنا، ثم تنظر ما يلهمك تفعله، فهو الذي أشار عليك به"[3][3].

 وتُحَدِّثنا بعض الروايات الواردة من طرق السنة والشيعة أيضاً أنّ ثمة صلاة خاصة للاستخارة بهذا المعنى، ففي الحديث عن جابر بن عبدالله قال: "كان رسول الله (ص) يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنتَ تعلمُ أنّ هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، (أو قال: في عاجل أمري وآجله) فاقدره لي ويسّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري (أو قال: في عاجل أمري وآجله) فاصرفه عني واصرفني عنه وأقدر لي الخير حيث كان، ثم رضّني به، ويسمي حاجته"[4][4].

   وعن الإمام الصادق(ع): "إذا أراد أحدكم شيئاً فليصل ركعتين، ثم ليحمد الله ويثني عليه ويصلي على محمد وأهل بيته، ويقول: اللهم إن كان هذا الأمر خيراً لي في ديني ودنياي فيسره لي، وأقدره، وإن كان غير ذلك فاصرفه عني"[5][5].

  الاستخارة المتداولة

   هذا كلّه فيما يرتبط بالمعنى الأول للاستخارة، أما المعنى الثاني وهو الذي يُراد به اكتشاف وجه الخير واستعلام ذلك من خلال بعض الأدوات كالسبحة أو نحوها، وهو الشائع في أوساط المؤمنين الشيعة  ـ دون بقية المسلمين ـ منذ قرون عديدة، وإن كنا لا نعلم على وجه التحديد متى انتشر ذلك وشاع الأخذ به[6][6]،  وأول ما يواجهنا في هذا النحو من الاستخارة هو سؤال الشرعية؟

   ففي حين يظهر من مشهور الفقهاء مشروعية الاستخارة بهذا المعنى، وعلى ذلك جرت سيرتهم العمليّة، فإنّ بعضهم يشكّك في شرعيتها، ويأتي على رأس هؤلاء ابن ادريس الحلي، فقد أنكر الاستخارة بالرقاع واصفاً رواياتها بأنّها من أضعف أخبار الآحاد وشواذ الأخبار، ووافقه المحقق الحلي فقال: "وأما الرقاع وما يتضمن إفعل ولا تفعل، ففي حيّز الشذوذ فلا عبرة بها"[7][7].

وهكذا فإنّ المحقق الأردبيلي[8][8] قد استشكل في شرعية الاستخارة لاندراجها – على بعض التفاسير- في مفهوم الاستقسام بالأزلام، ، الذي حرمه الله في القرآن الكريم في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ}[المائدة:3] حيث فُسِّر الاستقسام بالأزلام بأنه عبارة عن الضرب بالسهام لاستعلام الخير والشر في الأفعال، وتمييز النافع من الضار، فقد كان شائعاً عند العرب أنَّ مَنْ يريد سفراً أو زواجاً، أو ما شاكل ذلك يضرب بالسهام لتشخيص ما فيه الخير فيعمل به، وقيل: "إن الرقاع التي كانوا يضربونها لهذا الغرض مكتوب على بعضها: "أمرني ربي" وعلى بعضها الآخر: "نهاني ربي"، وبعضها غفل لم يكتب عليه شيء، فإذا أرادوا سفراً، أو أمراً يهتمون به، ضربوا على تلك الأقداح، فإن خرج السهم الذي عليه "أمرني ربي" مضى الرجل في حاجته، وإن خرج الذي عليه "نهاني ربي" لم يمضِ، وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها"، ، ومن المعلوم أن الاستخارة المتداولة اليوم، ولا سيما خيرة ذات الرقاع هي من قبيل الاستقسام بالأزلام.

   وقد يعترض على المحقق الأردبيلي بأن الاستقسام بالأزلام له معنى آخر، وهو عبارة عن شراء جزور وتقسيمه إلى عشرة أقسام: سبعة ذات نصيب، وثلاثة بلا نصيب، ويكتب ذلك على سهام عشرة، ثم يجال عليها، فمن خرج باسمه أحد السهام السبعة دفعت له حصة من الجزور بلا ثمن، ومن خرج له أحد السهام الثلاثة تكفل بدفع ثلث قيمة الجزور من دون ان يحصل على أي شيء من اللحم، وهذا المعنى لا يلتقي بالاستخارة في شيء، كما هو واضح، بل هو نوع قمار، ويشهد له سياق الآية، الذي يتحدث عن حرمة اللحم على اختلاف أنواعه من الميتة إلى لحم الخنزير والمنخنقة… كما أن هذا المعنى ينطبق عليه عليه الاستقسام، بخلاف المعنى الأول، فليس فيه استقسام ولا طلب للقسمة.

   ويؤيد تفسير الآية بالمعنى الثاني أيضاً الحديث المروي عن الإمام الباقر(ع)، حيث فسَّر(ع) الاستقسام بالأزلام بأنهم "كانوا يعمدون إلى الجزور فيجزونه عشرة أجزاء ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام ويدفعونها إلى رجل، والسهام عشرة: سبعة لها أنصباء، وثلاثة لا أنصباء لها…"[9][9].

أدلة شرعية الاستخارة:

   ولكن ما هو دليل القائلين بشرعية الاستخارة فإنّ تفنيد دليل الرافضين لها لا يكفي لإثبات شرعيتها؟

   والجواب: إنّ ما يمكن أن يستدل به لإثبات شرعية الاستخارة بالمعنى الثاني هو عدة أمور:

1-  التمسك ببعض الروايات المروية عن أئمة أهل البيت(ع)[10][10] .

   ولكن الظاهر أن الروايات المشار إليها تفتقر إلى السند الصحيح، سواء فيما ورد في شأن خيرة ذات الرقاع أو الاستخارة بالسبحة[11][11]،  الأمر الذي يمنع من الاعتماد عليها في إثبات الشرعية .

2-  التمسّك بروايات القرعة[12][12] من قبيل صحيحة محمد بن محمد حكيم: "كل مجهول ففيه القرعة"[13][13]،  وفي صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله(ع): "ليس من قوم تقارعوا ثم فوضوا أمرهم إلى الله إلا خرج سهم المحق .."[14][14].

   لكن هذا الدليل غير تام، لأنّ عمومات القرعة يُشك في شمولها لما نحن فيه، أو يقال: إنّها منصرفة عرفاً عما نحن فيه، فالقرعة منتشرة في حياة العقلاء، وموردها هو الحالات التي نفتقر فيها إلى أي دليل لحسم الموقف مع أنّ من الضروري حسمه، ولا يستخدم العقلاء القرعة لاستعلام المغيبات ومعرفة ما إذا كان هناك مصلحة في الإقدام على هذا العمل أو ذاك، وأمّا عموم صحيحة محمد بن حكيم فهو غير مراد حتماً ولم يلتزم به أحد، وصحيحة أبي بصير موردها حالات التنازع ولا يمكن إلغاء الخصوصية عنها.

3-  الاستدلال على شرعية الاستخارة بأدلّة الدعاء، "فإنّ المستخير إنما يدعو الله ويلح عليه، طالباً منه أن يظهر له وجه الخير فيما يريد فعله أو تركه من خلال السبحة مثلاً، وأي محذور في تشخيص الواقع المجهول له من خلال السبحة وغيرها؟"[15][15]  

ويؤيد ذلك أنّ الاستخارة من المجرّبات التي ثبتت فاعليتها.

   ولكن لنا أن نتأمّل في هذا الاستدلال، لجهة أنّه وإن لم يكن هناك محذور في أن يرشد الله عبده إذا ما توجّه إليه وأقبل عليه إلى ما هو الأصلح له، إلاّ أنّ الكلام ليس في الإمكان أو في وجود مذور يمنع من أن يكشف الله الواقع لعبده من خلال السبحة وإنّما الكلام في دليل الشرعية، والإمكان لا يثبت الشرعية، أضف إلى ذلك أنّ للمرء أن يتساءل: إذا كان للاستخارة هذه الأهمية كوسيلة لاستكشاف الواقع المجهول، لِمَ لَم يتم العمل بها من قبل النبي(ص) والأئمة (ع)، ولا عمل بها أصحابهم، وإلاّ لبلغنا ذلك من خلال الأخبار المستفيضة، ولَنُقِلَ ذلك إلينا، مع أنّنا لم نجد في الروايات شيء من ذلك، بل إنّ بعض أخبار الاستخارة كأخبار الخيرة بالسبحة- لم تُذكر في المصادر الحديثية الأساسية، وإنّما أورده السيد ابن طاووس في كتابه في الاستخارات مرسلة عن صاحب الزمان!

فلا يبقى إلاّ أن يُقال: إنّه قد حصل لنا الاطمئنان بشرعية الاستخارة، استناداً إلى الروايات المذكورة مؤيّدة بالتجربة وعمل الأصحاب.

 الخيرة في ميزان العقل:

  وبعد الفراغ من سؤال الشرعية فإنّ ثمة سؤالاً آخر يطرح نفسه في المقام حول موقف العقل من الاستخارة.

ويمكننا القول: إنّه في حال لم تتمّ عندنا أدلّة القرعة ولم تثبت شرعيتها فلا داعي عندها لمحاولة تبريرها وتوجيهها من الناحية المنطقية، وأما لو أننا ارتضينا بعض الأدلة المتقدمة لإثبات شرعية الاستخارة فهنا يكون التوجيه ضرورياً، ويمكن لنا عندئذ توجيه الاستخارة بأحد توجيهين:

التوجيه الأول: أن نؤمن بها إيماناً تعبّدياً منطلقاً من إيماننا الديني العام، وهذا الإيمان كما يثبت شرعية الاستخارة، فإنّه سيجعل منها عملاً مفهوماً وكاشفاً عن الواقع، وذلك على قاعدة اللطف الإلهي واستجابة الله  دعاء عبده، وهو القادر على كلّ شيء، وهذا التوجيه من الطبيعي أن يكون مقبولاً عند المؤمنين بشرعية الاستخارة وكذا عند مَنْ يؤمِن بمرجعية النص الديني بناءً على ثبوت روايات الاستخارة.

التوجيه الثاني: أن نتعامل مع الاستخارة وننظر إليها باعتبارها طريقة لحسم الموقف عند التحيّر وضبابية الصورة، الأمر الذي يُسبِّب ارباكاً وربما عجزاً عن إتخاد القرار المناسب بسبب تعارض الوجوه المرجحة للفعل مع الوجوه المرجحة للترك، وكثيراً ما يصل المرء إلى مثل هذه الحالة من التردد لا بسبب ضعفه عن اتخاد القرار الحاسم أو تهربه من تحمل المسؤولية، وإنّما لأن الموقف قد تشابكت فيه الوجوه وتساوت مرجحات الفعل والترك، فيحار الشخص، ويحتاج إلى أدنى دافع، أو مرجح ولو كان غير منطقي ليختار أحد الوجوه، فعلاً أو تركاً، وإذا سألته لما اخترت هذا الطريق دون سواه فلن يجد جواباً مقنعاً أفضل من القول: هذا ما جرى، ولم أجد مرجحاً لسبيل على آخر.

   وهذا التفسير أو التوجيه قد يكون هو الجواب الأقرب على سؤال من يسأل عن موقف العقل من الاستخارة ـ  بمعناها الثاني ـ ومبررها المنطقي؟ فإنه إذا وضعنا الاستخارة في النطاق المشار إليه وهو اعتبارها مرجح الإختيار في حالات تكافؤ المصالح والمفاسد، فسوف تكون مفهومة عقلائية، أو على الأقل ليست مستنكرة لدى العقل والعقلاء، تماماً كما لا تكون القرعة مستنكرة عندهم، بل هي مقبولة لديهم ويعملون بها في بعض الحالات.

   إن قيل: إن الاستخارة بنظر من يعمل بها من المؤمنين هي طريق إلى الواقع، فهي تكشف وجه المصلحة أو المفسدة المجهولة لهم، ولا ينظرون إليها باعتبارها مجرد وسيلة للخروج من حالة التردد، وإلا فما الفرق بينها وبين أي وسيلة أخرى لا تعتمد الدعاء والتوجه إلى الله؟ ولم لا يعتمد اسلوب القرعة مثلاً، فإنها ـ أعني القرعة ـ على ما هو المعروف وسيلة لحسم الموقف ورفع التردد؟

   كان الجواب: إن هذا صحيح عند من تتم عنده أدلة الاستخارة، وأما من لا يؤمن بها ولا يقتنع بكاشفيتها عن الواقع – مع أن الكاشفية  ممكنة بعد لجوء الإنسان إلى الله وطلبه إليه أن يظهر له وجه الخير فيما يريد أن يقدم عليه من فعل أو ترك – فليس له أن يُسفِّه الآخذين بها، أو ينعتهم بالتخلف أو غيره من النعوت، وذلك لثبوت مشروعيتها عندهم، ولأن بالامكان تفهمها ـ عقلاً ـ باعتبارها وسيلة لحسم الموقف في حالات التردّد  وعدم وجود المرجح لخيار على آخر، لكن دون أن يتم إسنادها إلى الدين حينئذٍ، حذرا من الوقوع في شرك التشريع والابتداع.

شروط وضوابط:

   ثم إنّ الالتزام بالاستخارة بعد الإقرار بشرعيتها، لا ينبغي أن يفهم خطأً، فنتوسع في استخدامها في غير موردها، ونبادر اليها في الصغير والكبير، وبسبب أوبدون سبب، ونربط كلّ أعمالنا وحركتنا اليومية ونعلقها على الاستخارة؛ إن هذا مرفوض بالتأكيد، فالاستخارة – بناءً على مشروعيتها- لها مواردها وظروفها وشروطها، وإليك التوضيح والتفصيل:

الخيرة عند الحيرة:

   الشرط الأول: أن لا يتم اللجوء إلى الاستخارة إلاّ بعد أن تتشابك الأمور عند الإنسان وتتشابه عليه الخيارات، ولا يتضح له وجه المصلحة من المفسدة، فيظل محتاراً متردداً لا  يهتدي سبيلاً ولا يعرف ماذا يفعل، في هذه الحالة يكون للاستخارة مجال واسع، أما مع اتضاح الصورة لديه وتشخيصه  ـ ولو بمشورة الآخرين ـ أنّ في الإقدام على هذا العمل أو ذاك مصلحة بيّنة، أو مفسدة بيّنة، فلا مجال للاستخارة حينئذ.

   وعلى سبيل المثال: لو أنّ بعض المؤمنين ابتلى هو أو أحد أطفاله بمرض، فلجأ إلى الاستخارة، ليحدد على ضوئها إذا كان ثمة مصلحة في أن يذهب إلى الطبيب أم لا،  فإنه بذلك يرتكب خطأً، لأنّ هذا ليس مورداً للاستخارة، إذ الموقف في هذه الحالة واضح وبيّن، وهو أن عليه أن يذهب إلى الطبيب بهدف العلاج، لأنّ الذي خلق الداء خلق الدواء، والرجوع إلى أهل الخبرة يمثّل قاعدة عقلائية وشرعية، قال تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[الأنبياء: 7]، نعم لو أنّه عزم على مراجعة الطبيب، لكنه تردّد بين طبيبين ماهرين من أهل الاختصاص عينه، فهنا لا مانع من الرجوع إلى الاستخارة لحسم الموقف وترجيح أحد الطبيبن.

الاستخارة ليست بديلاً عن التفكير:

   الشرط الثاني: أن يستنفذ المرء التفكير في المسألة ودراستها من جميع جوانبها بهدف التعرف على ما فيه مصلحته أو مفسدته ليقدم على الفعل أو الترك وهو على بصيرة من أمره. إنّ هذه الدراسة لا بدّ منها، لأنّ الاستخارة ليست بديلاً عن التفكير، ولا ترمي إلى تجميد العقل، أو إقالته من مهامه، والله سبحانه وتعالى أراد لنا ان نتحرك وفق منطق السنن، وأن ندرس الأمور بروية وتدبر، وعليه فما يفعله بعض المؤمنين من المبادرة إلى استخدام الاستخارة قبل أن يُكَلِّف نفسه عناء البحث ودراسة الأمور في سبيل التعرف على ما هو الأصلح له، إنّ ذلك ـ بالتأكيد ـ عمل غير مرضي من الناحية الدينية، وربما مثّل نوع انحراف عن المسار العقلائي العام الذي أرادنا الله أن نتحرك في ضوئه في حياتنا، كما أن ذلك يعكس أيضا شخصية اتكالية متردّدة لا تملك الثقة  بالنفس، وليس لديها جرأة اتخاذ القرار، ولذا تلجأ إلى الاستخارة، تهربا من تحمل المسئولية.

 الاستشارة قبل الاستخارة :

   الشرط الثالث: كما أنّ التفكير العقلائي الجاد لا بدّ أن يسبق الاستخارة، فإنّه لا بدّ أن تسبقها المشورة أيضاً، فبعد أن تتم دراسة المسألة من جميع وجوهها ولا يصل المرء إلى نتيجة مرضية، أو يبقى حائرًا، فيجدر به  ـ وقبل اللجوء إلى الاستخارة ـ أن يلجأ إلى أهل الرأي والعقل، ليستشيرهم ويستنير بآراهم، قال أمير المؤمنين(ع): "من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها"[16][16] ، وإذا بقي المرء محتارًا ومتردداً حتى بعد مشاورة الآخرين من ذوي الرأي والتجربة، فبإمكانه – آنذاك- أن يلجأ إلى الله من خلال الاستخارة.

لا خيرة في أحكام الله:

   الشرط الرابع: أن نبتعد عن العمل بالاستخارة في ما يكون حكمه الشرعي واضحاً، فالاستخارة ليس لها مجال في أحكام الله ولا في موضوعات الأحكام الشرعية، فحينما يستخير شخص على ترك الصلاة، أو على شرب الخمر، أو على ارتياد نادي للقمار، أو على قطيعة الأرحام، أو على الفرار من الزحف والجهاد، فهو بذلك يرتكب خطأ كبيراً، وينحرف عن الصراط السوي، لأنّ الله سبحانه وتعالى لم يُعلِّق امتثال أحكامه الشرعية على أذن أحد، ولا ربطها بتحقّق شرط أو قيد، باستثناء شروط التكليف العامة من البلوغ والعقل والقدرة، أوالخاصة والتي تختلف من مورد لآخر، أما ما سوى ذلك، كمشورة الأخرين أو الاستخارة ـ مثلاً ـ فلا تناط بها أحكام الشرع لا ثبوتاً ولا امتثالاً وسقوطاً، تماماً كما لم تعلق أحكام الله على القرعة.

 وما قلناه في الأحكام الشرعية نقوله أيضاً في موضوعات الأحكام، فلا تشرع الاستخارة لتحديد وتعيين الطاهر من النجس من الثياب أو الأواني.. ولا لتحديد أن هذا اليوم من رمضان، أو شوال، مثلاً، إلى غير ذلك..

 الخيرة والتنبؤ بالمستقبل:

   وربما يلجأ بعض الناس إلى الاستخارة للتعرف على المغيبات والتعرف على ما سيحدث في مستقبل الأيام، وما تخبأه له الأيام، وهل أن المولود الذي سيرزق به ذكر أو أنثى، أو أنه سينجح في الامتحان أو لا، وهذا أيضاً يمثّل استخداماً خاطئاً للاستخارة، ولا تساعد عليه أدلتها، ولم يلتزم به أحد من الفقهاء، وباختصار إنّ هذا ليس مورداً سليماً للاستخارة.

 تكرار الاستخارة:

   ومن موارد استخدام الاستخارة بطريقة خاطئة، تكرار الاستخارة على الأمر الواحد لمرات عديدة، كما يحصل مع بعض الأشخاص، فإنّ هذا لا مبرّر ولا وجه له، فإن الاستخارة في كلّ أمر تكون مرة واحدة[17][17]، اللهم إلاّ إذا تغيّرت الظروف وتبدّل الموضوع، وقد يكون دفع الصدقة عاملاً في تبدل الموضوع، لأنّ الصدقة تدفع البلاء، وعلى سبيل المثال: لو أنّ شخصاً استخار على السفر فخرجت نهياً، فعاود الاستخارة في الوقت عينه على السفر نفسه، فإنّ عمله هذا يُعتبر لعباً وعبثاً غير مقبول.

 الابتعاد عن مخالفة الخيرة:

   إننا وإن كنا لا نستطيع تبني حرمة مخالفة الخيرة شرعاً، لعدم الدليل على الحرمة، ولكن من الأفضل عدم مخالفتها، لأنّ من استخار أحداً أو استشاره فأشار عليه بأمرٍ، لكنه خالفه، فإنّ فعله مستقبح عقلاً، فكيف إذا استخار العبد ربّه، ثم لم يرضَ بما اختار الله له؟! وإذا كنا نفترض ونؤمن أن الشخص في حال توجّه إلى الله طالباً منه إظهار الخير، فالاستخارة والحال هذه تعيّن له المصلحة وتكشف الواقع، ما يعني أنَّ المصلحة في اتباعها، أمّا مخالفتها فقد تجرّ عليه المتاعب، أو تبعث على الندم، فمخالفة الاستخارة هي من قبيل مخالفة الأمر الارشادي  لا المولوي




[1][1]  كنز العمال ج7 ص813

[2][2]  مستدرك الحاكم ج1 ص518

 

[3][3]  وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب الاستخارة الحديث 3

[4][4] صحيح البخاري ج6 ص162

[5][5]  الكافي ج3 ص472

 

[6][6]  الذي يظهر من بعض الفقهاء أن الاستخارة بالسبحة لم تكن معروفة قبل زمان السيد الآوي الحسني، قال في الذكرى حول الاستخارة بالعدد: "ولم تكن هذه مشهورة في العصور الماضية قبل زمان السيد الكبير العابد رضى الدين محمد بن محمد الآوي الحسني المجاور بالمشهد المقدس الغروي(رضي الله عنه)(ذكرى الشيعة ج4 ص269)، وأمّا استخارة ذات الرقاع فيبدو أنّها كانت معروفة قبل ذلك، فإنّ نصوصها موجودة في الكافي، وقد أنكرها ابن ادريس الحلي، والذي يظهر من موقف المحقق الأردبيلي الرافض لهذا النوع من الاستخارة أنها كانت منتشرة في زمانه، ويشير الشيخ محمد حسن النجفي الشهير بصاحب الجواهر إلى اشتهار الاستخارة في زمانه وما تقدمه، أنظر: جواهر الكلام ج12 ص175

[7][7]  أنظر: الحدائق الناظرة ج10 ص528

 

[8][8]  راجع زبدة البيان ص 626.

[9][9]  الخصال للصدوق ص452

 

[10][10]  أورد أخبارها الحر العاملي في وسائل الشيعة ج8 ص68 وما بعدها، أبواب الاستخارة وما يناسبها، والمجلسي في بحار الأنوار ج88 ص247، والبروجردي في جامع أحاديث الشيعة ج8 ص234

[11][11]  وقد أشار بعض الأعلام إلى ضعف هذه الأخبار، أنظر: الأحاديث المعتبرة في جامع أحاديث الشيعة ص164-165، فقد أكد على أنّ أخبار الاستخارة على أنواعها ضعيفة، ولذا فقد ترك هو –كما يقول- منذ زمن الاستخارة بالسبحة..

 

[12][12]  أنظر: القواعد الفقهية للأيرواني ج2 ص31

[13][13]  وسائل الشيعة ج ص الباب 13 من أبواب كيفية الحكم الحديث11

 


الشيرازي .. مفكر السلم ورائد الإصلاح

13 سبتمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

التاريخ الإسلامي حافل بعلماء وفقهاء تباينوا في قدراتهم العلمية، ورؤيتهم الاجتماعية، وتفاعلهم مع الأحداث ومواكبتها بأسلوب يتواءم مع حركة التغيرات والأزمات، أثروا عالمنا الإسلامي برؤاهم ونظرياتهم التي شملت أغلب معالم الحياة، فأعطوها طابعا وبعدا عملي ترجم على أرض الواقع، ليتواصل الإسلام مع حركة الحياة  الإنسانية بروح عصرية متجددة.
ولو أننا أردنا أن نختار واحدا من أبرز أولئك المجددين في الفكر الإسلامي الحديث، والذين كان لهم حضور فاعل في كل زوايا الحياة، فسيقع اختيارنا على الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (ره)، الذي عمل على ترجمة أفكاره ونظرياته إلى مشروع  نهضوي شامل،من أجل النهوض بالأمة، وتحريرها من الانحطاط والتخلف، يستمد قوته من جذوره النابعة من عمق الثقافة والأصالة الإسلامية، ومن قدرته على مواكبة كافة التحديات والمتغييرات.
لعل من أبرز المسائل الهامة التي أولى الإمام الشيرازي الراحل اهتمامه بها: مسألة  التأليف والكتابة، للتعبير عن أفكاره ورؤاه في إنهاض الأمة وتصحيح مسارها، حتى أنه كتب ما يزيد عن الألف ومائتي كتاب في شتى المواضيع. وتقع موسوعته الفقهية الكبرى التي حوت أكثر من 150 مجلدا، وتجاوزت صفحاتها السبعين ألف صفحة من القطع الكبير في قمة مؤلفاته،بحث فيها كل أبواب الفقه، والمسائل المستجدة والحديثة.
 يذكر ابنه الفقيه الراحل السيد محمد رضا (ره) في كتابه خواطر عن السيد الوالد: " كان الفقيد يعتقد بأهمية التأليف ويرى أنه قاعدة مهمة من قواعد النهضة الحضارية. وكان ينتهز كل فرصة للتأليف. كما كان يحرض الآخرين على ذلك".
ويقول محمد حسين الصغير في كتاب انفجار الحقيقة: "السيد الشيرازي منذ شبابه الأول حتى شيخوخته الفتية، وفي ستين عاماً من عمره المبارك، كان حريصاً على التأليف، مؤثراً له على سواه من الأعمال".
وعند مطالعتنا لبعض كتب ومؤلفات الإمام الشيرازي الراحل، نجدها تتصف بالكثير من السمات التي قلّما تجدها عن الكثير من الكتاب المعاصرين، فكتاباته تتسم بالحضور الجماهيري، وبالروح الثورية والانفتاح والتطلع إلى المستقبل المشرق، وبالاستدلال بالآيات والسنة النبوية، بالبساطة والعمق الفكري، وبالتمسك بالأصالة وبالروح العصرية المتجددة،وبالدعوة إلى الوحدة والسلام، وإلى حكم إسلامي عالمي.
وقد طرح الإمام الشيرازي الراحل العديد من النظريات التجديدية والرؤى العصرية، في الفقه والاجتماع والسياسة والقانون والحقوق والاقتصاد والبيئة والتاريخ ومواضيع أخرى، كما تناولت أفكاره الإبداعية في لغة طرحها وانسجامها بين الدين والعصر مفردات هامة التي تستشرق آفاق الحاضر بالمستقبل، كما عمل على تأسيس المؤسسات الخيرية، والمشاريع الثقافية والاجتماعية، حتى تخرج على يديه العديد من المربين والعلماء والكتاب والمفكرين والخطباء، أصبح كل واحد منهم مشروعا قائما بذاته.
نظرية اللاعنف أو السلام.
 وتمثل نظرية اللاعنف أو السلام ، ركيزة أساسية في النظرية السياسية للإمام الشيرازي ، فكان يؤكد على : أن منطق الرسل والأنبياء، هو منطق السلم واللاعنف والاحتجاج العقلاني من أجل إنقاذ البشرية. ويرى أن: من أهم ما يجب على الدولة الإسلامية المرتقبة، والتيار الإسلامي التزام حالة اللاعنف .ويقول الإمام الشيرازي : فالحركة الإسلامية التي تريد النهوض عليها أن تتخذ السلام شعاراً عملياً حتى تتمكن من استقطاب الناس، وفي هذا الإطار كان يقرر الشعارات التالية : السلام أحمد عاقبة، السلام ضمانة بقاء المبدأ، السلام دائما، السلام فعلا وقولا وكتابة وفي كل موقع ومع كل الناس.
البناء والتقدم الاجتماعي.
للإمام الشيرازي رؤيته في البناء الاجتماعي، ترتكز على بناء  الفرد ضمن المؤسسة ( الأسرة- المجتمع)، والعمل على تطوير دور المرأة، ومشاكل العائلة الحديثة، وأسباب الطلاق، مع اقتراحات في كيفية المحافظة على نقاء المحيط العائلي، وإمكانية تأهيل الطفل للمستقبل، مشيراً إلى أهمية التقدم العلمي في خدمة العائلة. كما ناقش فكرة التجديد في المؤسسات الاجتماعية بأنواعها، وكذلك تجديد البنية الاجتماعية للاجتماع ويعيب على المجتمع الراكد بقوله: إنه في المجتمع الراكد يركد كل شيء، ويسير الزمان بتؤدة وبطئ وتخلو الحياة عن التجدد، ويكون كل فكر جديد وحركة جديدة موضع الأعراض والازدراء والاستهزاء، وإن لم ينفع الأعراض في ردع من أتى بتلك الفكرة، وتلك الصنعة، حكم المجتمع عليه بالسجن والقتل ونحوها، وبينما المجتمع المتحرك المتصاعد يجعل للتقدم جوائز، سواء من اكتشف فكراً جديداً أو صنعة جديدة، يقف المجتمع الساكن ضد أولئك بالتكفير والتشهير والعقوبات الجسدية وما إلى ذلك. و يرى أن المجتمع يجعل تدريجياً لنفسه قوانين يراها ملائمة لحياته النفسية والجسمية.
شورى المراجع وقيادة الأمة.
وتعتبر نظريته ( شورى المراجع ) هي إحدى النظريات العملية والسياسية للإمام الشيرازي، وتعني أن يقود الأمة الإسلامية عدة مراجع يتشاورون فيما بينهم ويديرون الدولة الإسلامية وشؤون المسلمين أجمع، ولقد تناول السيد هذه الفكرة في كتاب (الشورى في الإسلام) وكتب أخرى، راعى فيها حق العلم من جهة، وحق الأمة من جهة ثانية، كما راعى فيها أصالة الحرية إلى أبعد الحدود، ربط بينها وبين العدالة ربطا جدليا محمكا. فكان يرى أنها الصورة الإسلامية المثلى للحكم الإسلامي، لكن ليس عن طريق الفرض والقهر.  وقد أيده العديد من المرجعيات لمعرفة ذلك مراجعة كتاب (مطارحات مع قادة الفكر الإسلامي ).
الحرية بلغة العاشق لها.
والمتتبع لمؤلفات الإمام الشيرازي يجد اهتمامه بـ(مفهوم الحرية )،مقدما رؤيته الواضحة والمتأصلة لهذا المفهوم، وكان ينطلق في تصورها لمفهوم الحرية من أن الإنسان مفطور بطبعه وتكوينه وتأسيسه على الحرية، وليست هبة أو منحة من أحد. مؤكدا على إن الإسلام منح الإنسان الحرية ( الفكرية – الاجتماعية- السياسية- الاقتصادية). والحرية في فكر الإمام الشيرازي الراحل، تتمثل في  الأمور التالية:الحرية أصيلة في روح الإنسان، الإسلام يجمع بين أصالة التحرية وضرورة التحرر،الحرية هي التي تؤطر القوانين الاجتماعية، التحرر هو الطابع العملي للحرية في الحياة.
مفردة العدل في فكر الشيرازي.
وللإمام الشيرازي حديث عن موضوع ( العدالة) بمعناها السلوكي والاجتماعي، تتسم تارة بالطابع الوعظي العاطفي عبر شحن النفس  بجملة  من القصص  الواقعية،  على انتصار العدل على الظلم، وأخرى بطابع الفكر والتنظير؛ حيث يرى أن العدل من الأسس التي تقوم عليها الدولة الإسلامية، وأن العدل الاقتصادي يعني التقريب بين الطبقات وليس تسويتها،وفي هذا يرفض المجال يرفض الملكية في صورتيها المتناقضتين ( الإفراط والتفريط( من منظورها الماركسي والرأسمالي ، ويتجه الاقتصاد الإنساني إلى الاعتراف بالملكية المعتدلة.
التنظيم الحزبي وحرية التجمع.
يتحدث الإمام الشيرازي الراحل عن ( التنظيم الحزبي) ضمن فلسفة رؤيته السياسية الشاملة، وهذه الرؤية تقوم على الحرية والتقدم الاجتماعي، شورى المراجع، المشاركة السياسية،وهي عوامل تساعد على بناء العمل الحزبي. فالإمام الشيرازي يؤمن بحرية العمل الحزبي لأنه من أدوات التطور، لذلك يرى أن التنظيم يشكل أرضية صلبة لكل عمل هادف وضرورة حيوية، وهو بذلك يدعو إلى التوسل بالتنظيم لأداء الأدوار السياسية والاقتصادية والرسالية.وعن حرية التجمع يقول: " لا حق للدولة في منع التجمع، سواء كان تجمعا وقتيا في مجلس احتفال أو عزاء أو تبادل رأي، أو تجمعا استمراريا، مثل عقد الجمعيات والنقابات وما أشبه ذلك، لما تقدم من أصالة حرية الإنسان".  ويربط الإمام الحزب بالجماهيرية بمعنى ،وكما يقول: " أن تكون مؤسسات التنظيم وعناصره ملتحمة بالجماهير… ينظم طاقاتها ويقودها في معارك التحرر ضد الاستعمار والاستبداد". واضعا مقومين رئيسيين للحزب كي تكتسب الصفة الجماهيرية: القيادة واحترام الجماهير. كما يعتقد أن من الضرورة أن يكون التنظيم " استشاريا ولا استبداديا، فالاستشارية ما وضعت على شيء إلا سببت تقدمه وازدهاره".
 ختاما أقول للحقيقة: لا شك أن الإمام الشيرازي علم من أعلام هذه الأمة، ومفكر من مفكريها، ومرجع من مراجعها الكبار، ورائد من رواد الحركة الإصلاحية، فهو يمثل أنموذجا مشرقا فريدا في عصره والعصور التي سبقته،كان يتطلع لتوحيد الأمة الإسلامية تحت راية واحدة في ظل التعددية، واحترام القانون، والشورى، والحرية، وقد أصل لها في كتابه ( السبيل إلى إنهاض المسلمين) . وكانت دعوته إلى العدل، والالتزام بالشريعة، والعودة إلى الأصالة، واستيعاب متطلبات العصر، والتعاون في ظل التنافس، سمات جوهرية  متجذرة في عمق  مشروعه الحضاري.
رحل الإمام الشيرازي عن هذه الحياة، تاركا خلفه إرثا ضخما إنسانيا حضاريا نهضويا، حوى كل جانب من جوانب الحياة، ولم يترك إرثا لشخصه أو لفرد من أفراد عائلته. رحل هو مطمئن أن هذا المشروع الحيوي سيجد من  يتحمل مسؤوليته، وسيبقى له الاستمرار في العطاء والعمل.

التأويل عند المتكلمين بين سلطة المذهب وشرعية الإمكان/ القاضي عبد الجبار أُنموذجاً

13 سبتمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

إنّ الحضارة الإسلامية هي حضارة تأسست على قراءات متتالية ومتلاحقة حتى الازدحام للنص القرآني المعجز. وهو ما جعلها تبدو حضارة نصٍٍّ بامتياز. تمحورت حوله، وعملت لأجله ومن خلاله.

لذلك سيحضر التأويل عموماً في الثقافة الإسلامية حضوراً متميزاً بوصفه إشكالاً مركزياً فيها. سيحضر أولاً باعتباره قراءة للنصّ في عمقه الدلالي وهتكاً لحجبه اللغوية. وسيحضر ثانياً باعتباره إعمالاً لعقل استوعب ثقافته من النصّ، أو كما يقول علي حرب: >أداة استنباط المعقول من المنقول<([1]).

وهو ما سيجعل التأويل يجد في علم الكلام كلّ مبررات مركزيته.إذ هو >علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية<([2]). إذ كانت كلّ مذاهب علم الكلام صادرة عن قراءة أيّ تأويل للنصّ القرآني.

ولقد أردنا البحث في تجربة تأويلية حضر فيها العقلي كما حضر اللغوي والنقلي وتاقت للكشف عن الأبعاد الثرية للقرآن ونفي السكونية والثبات عنه. فانصبّ اختيارنا على التجربة الاعتـزالية بالذات، وذلك باعتبارها تجربة وسعت دائرة التأويل العقلاني، ليدخل فيه ما لم يكن دخوله مسلماً به، أي لوضعه في دائرة الممكن معرفته، والاستدلال عليه، والنظر فيه.

وكان علينا لمشارفة تلك الآفاق أن نبحث في التجربة الاعتـزالية عن أكثر نماذجها نضجاً واكتمالاً وتماسكاً نظرياً. فلم نجد تجربة تأويلية يمكن أن تتوفر على هذه الشروط وتستجيب لها مثل تجربة قاضي القضاة: أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد ابن خليل بن عبد الله الهمذاني الأسد آبادي. عاصر القاضي دولة بني بويه في العراق وفارس وخراسان منذ تأسيسها حتى انهيارها وولي القضاء في عهد أعظم وزراء بني بويه: الصاحب بن عباد. توفي القاضي عبد الجبار سنة 415 عن سن جاوز التسعين. ألّف القاضي كثيراً في المذهب الاعتـزالي مثل: شرح الأُصول الخمسة، والمغني في أبواب التوحيد والعدل.

لقد اخترنا أن نضع التجربة التأويلية للقاضي عبد الجبار وضعاً إشكالياً يسائلها عن كل ما بدا بديهياً ومسلماً به. ونقصد بهذه المساءلة الكشف عن مستويات التفاعل والانقطاع في روافد فعلت فعلها في كل التجارب التأويلية في الثقافة الإسلامية: العقل والنصّ واللغة، بهدف مقاربة تخوم انغلاق وانفتاح الأُسس النظرية لتجربة التأويل عند القاضي عبد الجبار. فنطرح على هذه الأُسس السؤال عن مدى إمكان المطابقة بين الخطاب والمراد من الخطاب. بمعنى بين ما أراده المتكلم وما قاله.

لقد تطلّب طرح الإشكالية على هذا النحو الوقوف على كيفية تشريع التجربة التأويلية الاعتـزالية لمسائلها وأُسسها شكلاً ومضموناً، بهدف الكشف عن مدى تماسك النصّ في بنيته الداخلية. مما اقتضى استعمال المنهج البنيوي في هذه المقاربة، فهو منهج يدعو إلى القطع مع التفسير الآحادي للنصوص، وإلى القول بالتخصيب المستمر للمدلول.

 لكنّ النقد الداخلي لبناء النص التأويلي عند القاضي عبد الجبار قد تطلّب أيضاّ التفكيك. إذ هو منهج يبحث عن الاختلاف ويشرع له، ويكشف عن كلّ أشكال التسلط في القراءة للوقوف على ثغراتها وزيف ادعاءاتها. إنّ خيارنا المنهجي هذا سيكون المسائل الأساسية التي أقمنا عليها مقالنا هذا. فقد اخترنا الانطلاق من أهم ملامح إشكالية التأويل في الفكر الإسلامي، حتى ننـزل القاضي منـزلته اللائقة به. وبذلك نمهد لمقاربة أهم الأُسس النظرية في هذه التجربة والتأويلية. وهي أًسس انبت على عقلانية أطروحاتها التأويلية، ووضع شروط لإمكان تلك الأُطروحات.كما انبنت على دعم ذلك الإمكان بإثبات البعد الدلالي للغة النصّ القرآني المعجز وإشكالية المجاز تباعاً.   

   لقد كان التأويل إشكالاً مركزيّاً في الثقافة الإسلامية، حضر فيها حضوراً متميّزاً نتيجة لذلك السّعي للتوفيق بين العقل والنقل. فالتّأويل، خيار استلزمته طبيعة النصّ المعجز في بيانه، بوصفه إمكاناً لا ينضب للتأويل وبوصف الحضارة الإسلامية حضارة نصّ بامتياز([3]). فلغته باعثة على تعدّد القراءات، وهي المحدّد الأساسي للتجارب التّأويلية في الثّقافة الإسلامية. لكنّ هذا التحديد لا يجعلنا أبداً نسلّم بأنّ هذه التجارب كانت تجارب لغويّة، فهي في رأينا أثرى من أن تختصرها اللغة. إذ كان النصّ القرآني دعوة صريحة لإعمال العقل، حيث يتدخّل المؤوّل باعتباره كائناً ذا عقل ليسجّل حضوره، ويعطي لهذه التجارب والتّأويلية بعدها الذّاتيّ الذي لا يمكن أن تنفكّ عنه بحال.

كانت هذه الرّكائز الأساسيّة لكلّ عمليّة تأويل مورست على النصّ القرآني تميّزت بها وميّزت الثّقافة الحاملة لها. وهي النصّ/ الوحي واللغة والمؤوّل/ العقل. وقد كان القاضي عبد الجبّار بوصفه اعتـزالياً يتوق لإقامة المعقول على المنقول، يعبّر بعمق عن إشكالية عصره. فكان حاضراً حضوراً مؤسّساً في تلك الإشكالية بكلّ مقوّماتها، بل وفي إشكالية أُخرى ارتبطت بها كلّ الارتباط: إشكالية اللفظ والمعنى. فلا ينخرط فيها مثل كثير من المتكلمين، مع الذين تراوحوا بين بلاغة العبارة وبلاغة التأليف. لكنّه يتّخذ موقفاً يجعله ممهّداً لنظرية النظم (الجرجانية).

هذا الحضور في المسألة التأويلية من جهة، والوعي بمدى أهميّة المسألة البلاغية فيها من جهة أُخرى، كان شاهداً على مدى استيعاب القاضي لثقافة عصره، ما سيكون له تأثير عميق في تلك الأُسس التي قامت عليها نظرية التأويل عنده. حيث يتجسّد الاستيعاب والتجاوز أوّلاً وبالذات، في لـمّ شتات ما بدا مبعثراً في الفكر الإسلامي عموماً، والاعتـزالي على الخصوص؛ لترتيبه ونظمه.

لقد سبق وأشرنا إلى أنّ مركزيةالتأويل في الفكر الإسلامي قد تأتّت من هاجس خلق الانسجام بين المنقول والمعقول في الثقافة الإسلامية. لذلك لم يكن بإمكان الثقافة الإسلامية أن تؤسس لتجربة تأويلية خارج التأسيس لمعقوليتها. والقاضي عبد الجبار باعتباره اعتـزالياً كان حاضراً بعمق ضمن إشكاليات عصره. وهو عصر عرف بتعاظم سمة العقل فيه.

فإذا كان هدف العمل التأويلي، إقامة المنقول على المعقول، فإنّ عقلانية القاضي عبد الجبّار باعتباره اعتـزالياً بالدرجة الأُولى، ستكون الأساس الأوّل الذي انبنت عليه نظريته في التأويل.

هذه العقلانية هي التي جعلت العقل يتبوّأ المرتبة الأُولى من المصادر الشرعية الأُخرى، باعتباره أوّل الأدلّة وأداة المعرفة ومناط التكليف ومقيّم الأفعال([4]). فتعود إليه أوّلاً وأخيراً مهمّة تأويل النصّ. لكنّ الحضور والنفاذ القويّ للعقل في النقل، لم يمنع أن تكون عقلانية القاضي عبد الجبّار عقلانية إيمانية([5]). ظهرت إيمانيتها في ذلك السعي لترتيب المنقول على المعقول، والمطابقة بين نظام الخطاب ونظام العقل. حيث كان النقل رافداً من روافد هذا العقل الاعتـزالي لا وجود له خارج فعل عقلنته وإثبات عدم التناقض بينه وبين العقل. وهو ما عبّر عنه ذلك الانطلاق دائماً من مصادرات للبرهنة عليها. وإنّ العقل بما هو عدل وتوحيد، سيجعل تلك الإيمانية تصطبغ بالصبغة المذهبية. وإنّ البعد الإيمانـي والمذهبي لعقلانية القاضـي عبد الجبّار، سيتعمّق مع ذلك الاختـزال لآلة العقل وهي النظر في جانبها الوظيفي. فيعتدّ بالنظر من جهة توليده للمعرفة باعتباره أوّل الواجبات([6]).

هذا الجــانب الوظيفي سيرتبط غائيّـاً بالمعرفة الدينية الميتافيزيقية (معرفة الله)([7]). كما سيرتبط بهاجس الردّ على الخصوم تشريعاً لإمكان الوصول إلى الحقيقة ضدّ أصحاب التقليد والإلهام والضرورة. وإنّ ربط أهميّة النظر باعتباره نظراً في النصّ بمعنى التّأويل، كان وراء اختيار القاضي عبد الجبّار كغيره من المتكلّمين الاستدلال بالشاهد على الغائب منهجاً معرفياً. لكنّ المنهج الكلامي: الاستدلال بالشاهد على الغائب. وإن سعى القاضي إلى إثبات شرعيته ويقينيته، بمحاولة إيجاد أساس عقلي يقوم عليه ورابط منطقي بين عالمي الشاهد والغائب، فإنّ ذلك لم يمنع تهافته، لما يفضي إليه من تداخل بين عالمين دافع القاضي من أجل إثبات استقلال أحدهما عن الآخر.

 لقد كانت العقلانية منطلقاً ومنهجاً وغاية، حرص القاضي عبد الجبّار أن يجعلها تنفذ للنصّ وتكتنه حقيقته لتتّخذ النظر في النصّ شكلاً والاستدلال بالشاهد على الغائب منهجاً. كما كانت تسعى لضبط عمليّة الوصول إلى المعنى وإقامتها على أساس عقلي مكين. فتكون على درجة من الصرامة، بحيث تكون قادرة على أن تصل إلى مراد الله من النصّ، أي إلى الحقيقة. هدفها من ذلك أن تؤسّس لتجربة تأويلية أقلّ ما يقال فيها أنّها ممكنة.

هذا الإمكان للتأويل كان على القاضي أن يستدلّ عليه للتشريع له. ممّا تطلّب إبطال الاختصاص بمعرفة مراد الله([8]). إذ الكلام الإلهي يدلّ بنفسه، ولا يحتاج لوسيط لمعرفة معناه. وقد كان إبطال الاختصاص محكوماً بالردّ على الظاهرية السلفية من جهة، والشيعة الباطنية من جهة أُخرى. ولا مزية للرّسول أو السّلف أو الإمام على غيرهم في معرفة مراد الله من النصّ([9]). فتلك المعرفة تتعلّق بالعقل وحده، وليس التفسير اصطفاء من الله لفئة دون أُخرى تدّعي الوصاية على بقية الفئات. وإقرار الاختصاص بمعرفة معنى النصّ القرآني أو حقيقته ينفي الاستدلال بالقرآن أصلاً ويجعله عبثاً، والعبث يتنافى وصفة العدل الإلهي([10])، أي أنّه ينفي التأويل العقلي.

لكنّ منع الاختصاص لم يجعل القاضي عبد الجبّار، يوسّع دائرة التأويل لأيّ كان، بل وضع للمفسّر شروطاً([11]). أهمّ تلك الشّروط: المعرفة بأصلي العدل والتوحيد. ممّا ينقل الاختصاص بمعرفة مراد الله من أهل السلف والباطنية ليعلّقه بالاعتـزال، بل ويقصره عليه، فيجعله وحده القادر على تحديد ما هو محكم وما هو متشابه. وإذا كنّا مع القاضي عبد الجبّار لا نعثر على قانون واضح معلن عنه للتأويل، فإنّه مثل غيره من المعتـزلة يجعل (المحكم والمتشابه) هو هذا القانون. فيمثل المحكم والمتشابه علاقة يلعب فيها الأول دور الأصل، والثاني دور الفرع.

وكان على القاضي سعياً للاستدلال على إمكان التأويل، أن يشرّع لوجود المتشابه في القرآن. فيربط الحكمـة منه بحـثّ المتكلّم والمخـاطب في نفس الوقت على النظر، الذي سبق أن أثبت وجوبه([12]). ويتخذ المتشابه مظهر المجال الخصب الذي يتحرّك فيه الفكر بأكثر حرّية وعقلانية. ويثبت القاضي بذلك عن طريق المتشابه شرعية مقولاته ويؤسّس لها تأسيساً راسخاً، يصعب معه التفريق بينه وبين المذهب الاعتـزالي نفسه.

وإذا كانت الخلفية الدينية قد تدخلت لتجعل القاضي يعتبر بالمحكم أصلاً للمتشابه، فإنّ تعليق تحديدهما بالاعتـزال، سيرجّ ثوابت هذه العـلاقة إلى أبعد الحدود. إذ إنّ ترتيب كلٍّ من المحكم والمتشابه على أدلة العقول التي تتماهى مع معرفة الله بعدله وتوحيده، هو في النهاية قول بضرورة التطابق بين المحكم والمتشابه من جهة، وبين مراد الله من النصّ والمذهب الاعتـزالي من جهة أُخرى.  

فهما ذلك القسم من الخطاب الشرعي الذي لا يستقلّ بنفسه في الإنباء عن المراد. فتثبت العلاقة الوثيقة بين النصّ والعقل أي العقل والتأويل، وبين المحكم والمتشابه.

إنّ العقل الاعتـزالي هو الضامن للانتقال من المحكم إلى المتشابه بل، هو محدّدهما. إنّه المشرّع لوجود المتشابه، ولإمكان معرفة معناه، والاستدلال به. فيتميّز عن المحكم بتطلّبه النظر والاستدلال، أي بجانبه العقلي. ذلك بما يقتضيه من الرسوخ في العلم، كما جاء في آية آل عمران([13]). وإنّ التميّز للمتشابه عن المحكم يجعلنا نراجع مع القاضي اعتباره المحكم أصلاً للمتشابه، أمام وجوب ترتيبهما جميعاً على أدلّة العقول.

بهذا استطاع القاضي أن يطوّر علاقة المحكم والمتشابه، لفائدة المتشابه في سبيل التخلّص من كلّ سوء للفهم حفّ به، ويجعله يتوجّه بالكامل توجيهاً تأويلياً، فيصبح الدفاع عن المتشابه دفاعاً عن المجاز في اللغة، ومكمناً من مكامن إعجاز القرآن.

إنّ النظر لإعجاز القرآن بوصفه تشريعاً لإمكان التأويل، كان من أسباب ربطه بفصاحته وهو ما دافع عنه القاضي طويلاً([14]). لكنّ هذا الربط كان مجالاً لطرح إشكالات عدّة:

أوّلها مدى التوفيق بين القول بتطوّر اللغة واتّساعها من جهة، وانكسار ذلك المسار التطوّري للغة بالقرآن معجزة بيانية ومرجعاً دلالياً، ممّا ينبئ بالتردّد بين مرجعية اللغة العربية وسلطة النصّ المعجزة.

وثانيها مدى التوفيق أيضاً بين القول بتوقّف المسار التطوّري للغة بمعجزة القرآن من جهة، وعدم نفي إمكانية تجاوز مرتبة القرآن في الفصاحة نفياً تاماً من جهة أُخرى([15]). هذان الإشكالان سيجدان في تعريف الفصاحة للقاضي عبد الجبّار، تلمّساً لطريق الحلّ.

 يورد القاضي عبد الجبارتعريفاً للفصاحة  يظهر به تردداً بين الجمع بين اللفظ والمعنى على رأي شيخه أبي هاشم، والاعتبار بالضمّ على طريقة مخصوصة(16)، وهو تردد كان ـ خلافاً لبعض نقّاد البلاغة العربية ـ يتمّ لفائدة المعنى الثاني. فالضمّ على طريقة مخصوصة الذي أثبته القاضي في القول بالفصاحة هو تمهيد لقول عبد القاهر الجرجاني بعده بمراعاة السياق في القول بالفصاحة([16]). إذ استطاع أن يخلّص مفهوم النظم ـ كما جاء به عبد القاهر الجرجاني ـ من الملابسات المعنوية التي حفّت به. فيصالح بينه وبين الفصاحة. حيث يتجلّى إبداع الفكر في اللغة، ويجد المجاز شرعية حضوره من خلال التأويل.

 فإذا كان القاضي عبد الجبّار، على الأقلّ في المستوى المعلن عنه، قد أظهر ولاءه وتأثّره بـأبي هاشم الجبائي والرمّاني أكثر من اعتماده على أبي بكر الباقلاني ـ لاعتبارات مذهبية صرفة ـ فإنّ ذلك لا يمكن تفسيره باعتباره باللفظ وحده، وبكونه يمثّل حلقة نكوص توسّطت الباقلاّني والجرجاني.  فقد كان حلقة وصل بينهما لا قطع([17]). خلق بتمهيده لنظرية النظـم مجالاً للتواصل بين اتّجـاهين فكريين، بدا من المسلّـم به تعارضهما: الاتّجاه الاعتـزالي والاتّجاه الأشعري.

لقد اقتضى تعليق إعجاز القرآن بالنظم ـ تجسيداً لعلاقة اللغة بالفكر ـ أن تكون اللغة دلالة أُسّاً من أُسس نظرية التـأويل عند القـاضي عبد الجبّـار. فنظر إلى اللغة في علاقتها بغيرها من الدلالات: النقلية والعقلية، وفي شروط دلالتها. ولأنّ العقل هو أقوى الأدلّة وأوّلها عند المعتـزلة، فقد حرص القاضي عبد الجبّار على جعـل الدلالة العقلية تتقدّم الدلالـة اللغوية. فميّز بينهما كلّ التمييز، حتّى يعطي للأُولى مشروعيــة السيطرة على الثانية. في الوقت، الذي يماهي فيه بين الدلالة اللغويّة والدلالة النقلية، اعتباراً لوظيفتها الإفهامية([18]). وإنّ التمييز بين الدلالة العقلية والدلالة النقلية أو اللغوية قام على التمييز على علاقة الدال بالمدلول في كليهما، حيث كانت سببية في الدلالة العقلية واصطلاحية في الدلالة اللغوية.

ولكنّ أسبقية النقل على العقل عند الأشاعرة سيجعل الباقلاّني يفصل بين الدلالة اللغوية والدلالة النقلية، التي تسبق كلّ الدلالات وتتصدّرها. وإذا كان قول القاضي بأسبقية الدلالة النقلية يفضي إلى القول بأسبقية الحقيقة على النصّ، فإنّ تلك الحقيقة العقلية ما هي إلاّ مراد الله من النصّ. وهو نفسه الباعث على النظر، أي على الاستدلال بالعقل. وهذا يحدث تداخلاً إلى أبعد الحدود بين الدلالتين العقلية والنقلية، رغم حرص القاضي على الفصل بينهما. ويؤدّي التداخل بدوره إلى التشكيك في شرعية القول بأسبقية الحقيقة أو العقل على اللغة.

 تؤدّي أسبقية العقل على اللغة إلى  التشكيك، في نجاعة العمل التأويلي. لكن اللغة تصبح في ظلّ علاقة بين الإنسان وربّه ـ تقوم على معجزة بيانية: النصّ القرآني ـ هي السلطة الفعلية التي تقوم عليها تلك العلاقة. لا يمكن أن يسبقها شيء أصلاً.

 لكنّ ذلك التمركز حول العقل في خطاب القاضي عبد الجبّار، هو الذي لن يجعله فقط يحصر الثّراء الدلالي للغة، رغم توسيع مجال فعاليتها، وإنّما لا يرى في القراءة، سوى بُعد واحد وإمكان وحيد يسبق النصّ. هذا الإمكان هو الحقيقة، وهو الدليل العقلي أي العقل الاعتـزالي. لكنّ هذا التمركز لم يمنع اعتـزالياً، كان النقل واللغة رافدين من روافد عقله، أن يحدّد سعياً لموافقة المنقول للمعقول شروط الدلالة اللغوية.

إنّ جعل المواضعة شرطاً من شروط الدلالة اللغوية([19])، كان عن وعي من القاضي عبد الجبّار بأهميتها، في نشأة اللغة وتطوّرها ودورها في جعل هذه اللغة قابلة للاتّساع.

 لقد عبّر الشرط الأوّل عن موقف مخالف لرأي القائلين بتوقيفية اللغة، من أصحاب الإلهام أو القائلين بالمصدر الإلهي للمواضعة، وهم الأشاعرة. وتكمن أهمية هذه المسألة أساساً، في امتدادها بجذورها إلى جميع القضايا الخلافية، خاصة بين المعتـزلة والأشاعرة.

 أوّلاً في تعريف الكلام بين قول القاضي بالحـروف المنظـومة والأصـوات المقطعـة([20])، وفي قـول الباقـلاّني بالمعـنى النفسي للكـلام.

ثم ثانياً ـ استتباعاً ــ في مسألة خلق القرآن.

 وإذا كانت المواضعة تشرّع للمعرفة الاستدلالية، شرطاً لمعرفة مـراد الله، فإنّ الإقرار بهـا بمـا يفـضي إليه القول بتطوّر اللغـة واتّساعها يؤدّي في النّهاية إلى القول بالمجاز أي إلى التأويل.خلافاً للذين قالوا بالإلهام، فمنعوا المجاز في اللغة.

 لكنّ هذا التحرير للمعنى من حرفية النصّ لن يفضي للقول بتعدّده، وإنّما لتقييده بالعقل الذي سبقه، أي إلى وحدوية البعد الدلالي للخطـاب. وهو مـا يمكـن فهـمـه بذلك الشـرط الثاني للدلالات اللغـويـة: معرفة حال المتكلّـم، أي قصده.

إنّ القصد بوصفه الشرط الذي ينقلنا من المواضعة العامة إلى المواضعة الخاصة([21])، سيكون هوالمشرّع للاستدلال في النصّ، بحثاً عن المعنى والاستدلال عليه للوصول إلى قصد الله. وإنّ الاعتبار بهذا الشرط أدّى بـالقاضي عبد الجبّار، إلى التفرقة بين كلام الله وكلام البشر، حيث يفترق الدال عن المدلول في كلام الله، باعتبار القصد الجانب العقلي للكلام الذي لا بدّ أن يسبقه، بخلاف كلام البشر. وهو ما لم تقل به الأشاعرة. فقد أدّاها قولها بالمعنى النفسي للكلام إلى عدم التعرض للقصد شرطاً من شروط الدلالة اللغوية، فضلاً عن ترك التفرقة التي قال بها المعتـزلة.

 وإذا كان القصد يشهد بضرورة حضور العقل في اللغة لضمان فهم الخطاب وتوظيفه، فإنّه يشهد أيضاً بالتداخل بين أنواع الدلالات، بوصفه شرطاً يتعلّق باللغة ويجد شرعيته في الدلالة العقلية في نفس الوقت. لقد اهتمّ القاضي عبد الجبّار بالنسبة إلى جلّ دارسيه بالمتكلّم/ الله على حساب المؤوّل. لكننا نعتقد أنّ اعتـزاليته أبت عليه إلاّ الاهتمام بهذا المؤوّل. خاصة في ذلك التحوّل الدلالي عن طريق التأويل الذي يفترض وجود شرط: هو القرينة.

إنّ مرور الفكر من الشاهد إلى الغائب وحلّ كلّ وجوه الاشتباه في النصّ، افترض وجود قرينة تبرّر اختياراتها حتّى ينسجم مع نفسه (أي المحكم) ومع الدليل العقلي. فتكون سلاحاً للدفاع عن الفكر الاعتـزالي وإثبات شرعية اختياراته التأويلية.

 وإذا كان القاضي قد قسّم القرائن إلى نقلية وعقلية، فإنّ ذلك التقسيم لم يكن واضحاً تمام الوضوح. إذ كان للقرينة العقلية([22])، الدور الأوّل المهيمن على باقي القرائن في تأويل الخطاب. فكانت مبرّرات اختيار قرينة دون أُخرى، تثبت أوّلاً وبالذات للعقل الاعتـزالي أي للخلفية المذهبية. وعندما يكون هدف القرينة حلّ الاشتباه في النصّ، فإنّ ذلك يثبت أنّ الاشتباه لغوي. هذا الاشتباه لا يمكن له إلاّ أن يتّخذ المجاز مظهراً.

إنّ أهميّة المجاز تكمن بالنسبة إلى فكر صاحب المغني، في كونها تجسّد المحرّك الأهمّ والحصالة النهائية لأُسس نظرية التأويل بخلفياتهاوأبعادها.

لقد انخرط القاضي عبد الجبّار كسائر مفكّري ثقافته، في تلك المقابلة بين الحقيقة والمجاز، باعتبار الحقيقة معياراً للتجوّز والعدول. ولقد كانت المقابلة ضرورة كلامية لمفكّر، رفض القول بتوقيفية اللغة. فالمجاز مواضعة تختصّ([23])، أي أنه المظهرالأرقىلتطور اللغة واتّساعها. فحـرص القـاضي من وراء هذه المقابلة على البعد الدلالي للمجاز، أي على ذلك البعد الوظيفي للاستدلال، لم يؤدّ به إلى القول بانفصال المجاز عن قوانين اللغة العامة. رفض لذلك القائلون بالتوقيف المجاز.

 وأمام ذلك الرفض، كان على القاضي أن يدافع عنه ويثبت شرعيته. هذه الشرعية اتّخذت عنده شكل التمييز بين مستويـات الكلام والمتكلّمين، وكانـت الدلالة العقلية هي المقياس الأوّل والأخير باعتبار أسبقيتها.

لكنّ أسبقية الحقيقة عن المجازلم تخدم تطوّر المجاز. فلم يتعدّ التطوّر مستوى الصور. إذ عملت أسبقيّة الحقيقة للمجاز على تعميق الهوّة بين الصورة والمعنى، بشكل يظلّ معه المعنى ثابتاً لا تتدخّل الصورة المجازية في تطوّره.

إنّ مقولة تطوّر الصور المجازية، هو نفسه قد تعثّر، بذلك الإقرار من القاضي باتفاق العرب منذ البداية على هذه الصور، لغاية رسم الحدود بين الحقيقة والمجاز. الشيء الذي يقرّ به كثير من أُولئك القائلين بالتوقيف.

 ربما كان تبرير هذا التعثّر إلاّ بأنّ المجاز المقصود في هذا الموقع بالذات، كان مجازاً في المفردات. يفترق عن نوع آخر من المجاز، سبق وأشار إليه القاضي هو المجاز في التركيب([24]). بمعنى أنّه مجاز من مقتضيات النظم.

 وإذا كان العقل يجد حضوره في اللغة عن طريق النظم، فإنّ التجربة التأويلية وهي تعتمد بالأساس على اللغة المجازية ستكون تجربة عقلية. بهذا تصبح أسبقية الحقيقة للمجاز وجهاً آخر، لأسبقية الدلالة العقلية على الدلالة النقلية. فما المجاز في النهاية، إلاّ وسيلة لتبرير حصول تناقض في ظاهر النصّ، بين كلام الله ومعرفتنا العقلية من عدل وتوحيد.

 فإذا كانت الدلالةاللغوية أمراً مركزياً في تأويل القاضي، فإنّ ذلك كان يتأكّد دائماً لصالح القرينة العقلية. لهذا كان المجاز يقوم على علاقات عقلية، في نظرية أسّست للمصالحة بين النظم والمجاز، أي بين العقل واللغة. وقد كان القاضي واعياً بالبعد السياقي للمجاز، وإن لم يفلح في صياغته. فكان للجرجاني الفضل في ذلك، عن طريق قوله بـ (معنى المعنى)، حيث يتجسّد الإبداع وينتفي النقل والاحتذاء الذي سبق وتكلّم عنه القاضي.

لكن، البعد المذهبي الذي جعل القاضي عبد الجبّار يقول بأسبقية الدلالة العقلية، أي العدل والتوحيد على النصّ، وجعل الجرجاني يقول بالمعنى النفسي للكلام فيعلّق الحقيقة بتلك المعاني، قد منعهما من القول بإمكان تعدّد المعنى في النصّ، وبالتّالي من التّشريع للاختلاف في التأويل. فاتّخذ البعد المذهبي شكـل الحقيقـة الوحيدة والأولى بالاعتبـار. مع أنّ النصّ يجـوّز الاختـلاف بوصفه فيضاً من المعاني وتجوّزاً للقول بلا حدود. عندها يمكن أن نقف على ذلك الفرق الحقيقي بين تجربة كتجربة القـاضي عبد الجبّـار وأُخرى كتجـربة عبد القاهر الجرجاني؛ لنكشف زور ذلك الاختلاف وافتعـاليته، متخفّيـاً وراء ادعـاء الأحقّيّة بالتـأويل بدلاً عن الآخـر. وإذا كان المجال لا يتسع لمعالجة المسألة التأويلية من حيث هي ممارسة، فذلك لأننا التـزمنا منذ البداية بالاقتصار على رصد الأُسس النظرية للتأويل. لكن هذا لا يمنع من الدعوة إلى ضرورة الدفع بالمسألة إلى الأمام وإبراز أهميتها.

إنّ محاولة استنطاق النص التأويلي للقاضي عبد الجبار يفتح أمام البحث نوافذ متعددة، قد يقف من خلالها على مدى تماسك الأُسس النظرية التي قامت عليها التجربة التأويلية للرجل. فنتسائل مثلاً عن مدى صمود القول بمنع الاختصاص في معرفة مراد الله، أمام الاعتبار بأولوية المعتـزلة بالتأويل العقلي وجعله حكراً عليهم دون غيرهم. تماماً مثلمانضع القول بالاتّساع الدلالي للغة، وتوطين الفكر فيها عن طريق (النظم) أمام  اختـزال اللغة في قوالب شعرية جاهزة يقع الاستشهاد بها لتبرير الخيارات التأويلية.

 إنّنا أمام تجربة تأويلية هاجسها أن تحقّق الانسجام الكلّي بين العقليّ والنقليّ، وتشرّع لحضور العقل في النصّ واحتوائه، وذلك عن طريق التّأويل. وهذا ما يعطينا حقّ الحكم على تجربة القاضي عبدالجبّار لأنّها تجربة عقليّة بالأساس، لكن بالمعنى الاعتـزالي للكلمة لا غير، أي بمعنى الوقوف عند مقتضيات مقولتي التوحيد والعدل.

لكنّ ذلك (العقلي) الذي كان القاضي عبد الجبّار وفيّاً له شديد الوفاء، قد حضر فيه المذهبي حضوراً مؤسّساً، ومشروطا على الدوام بمحاجّة الخصم. فتداخل معه النقلي بالعقلي؛ ليصبح القرآن نفسه سلطة مرجعية بوصفه معجزة بيانية وأصبحت معه اللغة عائقاً تخفي اتّفاقاً وتواصلاً مع الآخر.

 هذا الاتفاق يمكن أن ينجلي، إذا أُقرّ له بحقّ الاختلاف والتميّز، وإذا أُقرّ أنّ ما ادّعته اللغة حقيقة قد لا يكون كذلك. فالنّصّ فضاء متحرّك باستمرار، وإعجازه في تلك الحركية. لكن هيهات لفكر يتمسّك  بالوثوقية والسلطة المعرفية، أن يقرّ بالاختلاف ويشرّعه. فذلك يعني غياب سلطته من أجل سلطة أُخرى.

 وهيهات لفكر يرى الحقيقة في الوضوح، أن ينظر للغة بوصفها نسيجاً من المعاني، تستدعي القارئ باستمرار حتّى يلهث وراءها ويكتنهها ويقبض عليها لكن دون جدوى. ضمن هذا التصوّر وهذه الرؤية، يجب أن يُنظر لفعل القراءة وللتجارب التأويلية في الفكر الإسلامي؛ لأنّ الاختلاف بين الفرق، كما يقول علي حرب:> ليس فرقاً بين عقل ونقل بقدر ما هو اختلاف في أنماط المعقولية<([25])([26]).

 هذا الدرس الذي استوعبناه من القاضي وهو يُنظّر للتأويل، وإن لم يرده، بل سكت عنه، فمهمّتنا أن نقوله ولو على سبيل الافتراض. عندها فقط يمكن أن تكون قراءتنا شرعية؛ لأنّها لا تدّعي أبداً حقيقة تصل إليها غير حقيقة الاختلاف والتّعدّد. حقيقة النشاز الذي يجعل اللغة كائناً مبدعاً، والمؤوّل ينتج بتأويله عدداً لا يحصى من النصوص. إذ هو الذي يصنع المعنى، ويرى في النصّ ما يريد هو أن يراه.

 

*    *     *

 
الهوامش



 




(*) باحثة، من تونس.




([1]) علي حرب، التأويل والحقيقة.

([2]) أُنظر: تاريخ ابن خلدون (مقدمة ابن خلدون): 358 القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل 11: 375 التكليف،

تحقيق محمد علي النجار وعبد الحليم النجار، القاهرة1965.

([3]) أُنظر: زينة(حسني)، العقل عند المعتزلة، تصور العقل عند القاضي عبد الجبار:138،منشورات دار الآفاق الجديدة ـبيروت بدون تاريخ.

([4]) أُنظر: القاضي عبد الجبار، شرح الأُصول الخمسة: 39، تحقيق عبد الكريم عثمان، ط.الأُولى ـ القاهرة 1384ﻫ/1965م.

([5]) المصدر السابق: 45.

([6]) أُنظر: القاضي عبد الجبار، المغني 361:16.

([7]) المصدر السابق: 345.

([8]) أُنظر: القاضي عبد الجبار، شرح الأُصول الخمسة: 606.

([9]) المصدر السابق: 600.

([10]) الآية المقصودة، قوله تعالى: {هوالذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات فأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلاّ الله والرّاسخون في العلم يقولون آمنّا به كلّ من عند ربّنا وما يذّكّر إلاّ أولوالألباب}(آل عمران: 7).

([11]) أُنظر: القاضي عبد الجبار، شرح الأُصول الخمسة: 600.

([12]) أُنظر: النصّ الذي أثار خلافاً عند نقّاد البلاغة العربية. أُنظر: القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل "16 199-200.

([13]) المصدر السابق نفسه.

([14]) المقصود د.حمادي صمود في كتابه: التفكير البلاغي عند العرب ـ أُسسه وتطوّره إلى القرن السادس، منشورات الجامعة التونسية، طبع بالمطبعة الرسمية للجمهورية التونسية 1981م.

([15]) أُنظر: القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل 16 :349.

([16]) المصدر السابق: 347.

([17]) لتبيان نظرية النظم والقول بمعاني النحويمكن الرجوع إلى : الجرجاني (عبد القاهر)، دلائل الإعجاز:64، صحح أصله محمد عبده، وعلق عليه محمد رشيد رضا ط. 5، نشر دار المنار، ـ القاهرة 1372 هـ..

([18]) يرى الدكتور حمادي صمود ـ خلافاً لشوقي ضيف، ومحمد عابد الجابري ـ أنّ القاضي عبد الجبار قد مثل بالنسبة إلى نظرية النظم حلقة نكوص توسطت أبي بكر الباقلاني وعبد القاهر الجرجاني.

أُنظر:كتاب التفكيرالبلاغي عند العرب ـ أُسسه وتطوره إلىالقرن السادس: 31، مصدر سابق.

([19]) أُنظر: القاضي عبد الجبار، شرح الأُصول الخمسة : 529.

([20]) أُنظر: في شرح العلاقة بين شرطي المواضعة والقصد: المغني 350:16 -351.

([21]) أُنظر: القاضي عبد الجبار، متشابه القرآن، القسم الأول: 34، تحقيق عدنان محمد زرزور،دار التراث ـ القاهرة، بدون تاريخ.

([22]) أُنظر: القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل 16 : 200.

([23]) أُنظر: تفرقة جلال الدين السيوطي بين المجازفي المفرد والمجاز في التركيب في كتاب: الإتقان في علوم القرآن47:2، دار المعرفة ـ بيروت، بدون تاريخ.

([24]) علي حرب، التأويل والحقيقة، ص13

([25]) القاضي عبد الجبار، المغني 231:8 المخلوق،تحقيق: توفيق الطويل وسعيد زايد، وزارة الثقافة والإرشاد القومي ـ القاهرة، بدون تاريخ.

([26]) علي حرب، التأويل والحقيقة 139.


صدر الدين الشيرازي – رائد المدارس الإمامية في الاجتهاد والإبداع الفلسفي

9 سبتمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

التمهيد

يعتبر الاجتهاد من أبرز مزايا المدارس الإمامية إلى جانب حضور العلوم الفلسفية، لأنه يعتني الاستقلال في بحث الموضوعات المتداولة، وهو ظاهرة مميزة لاقت الأهمية، وحظيت بالاعتبار والامتياز. إلاّ أن هذه الظّاهرة في فترات من التاريخ ضاقت لتنحصر في مجال الفقه، ودائرة الأحكام الفقهية، فالذي يبلغ مرحلة الاجتهاد لا يقلد أحداً، ما بلغت أراؤه الشخصية إلى نتيجة ما بعد الفحص والتأمل الدقيق في الأدلة والمصادر، وكان لا يقبل بأي نتيجة لا تقع على الآراء المقبولة لديه، ولو كانت صادرةً عن كبيرٍ أو تبناها عظيم ، وإلاّ لكان الاجتهاد وتحول إلى تقليد.

وهذا المنهج الاجتهادي يشكل أهمية بليغة، ويمكن القول: إنه ظاهرة على ما هي عليه في المدارس الشيعية الإمامية، تمثل مفخرة وامتيازاً لا نظير لها على مستوى المدارس الأخرى. وكان صدر المتألهين الشيرازي رائد من رواد الاجتهاد والإبلاغ لدى هذه المدارس في حقل علوم الحكمة والفلسفة في القرن الحادي والعشرين.

المدارس الفلسفية بين الاجتهاد والتقليد
قبل تناول هذا الموضوع لا بد من طرح بعض التساؤلات:

هل أن المنهج الاجتهادي المتداول في مجال الفلسفة عامة كما هو في مجال الفقه أم لا؟

وهل الفيلسوف يبدي نظره الاجتهادي كما يبدي المجتهد في المدارس الإمامية رؤيته الفقهية بوصفها نتاجاً حاسماً ونهائياً من وجهة نظره، لاعتماده على أسس علمية ونظريات تحتية، أم أنّ الحال في الفلسفة يختلف؟

والجواب عن هذه التساؤلات كما يتراء من خلال قراءة الفلسفة يبدو في الغالب أن ما قاله الماضون من عظماء الفلاسفة، يشكل الموقف النهائي، وآخرالكلام وفصل الخطاب، وهذا ما جعل الفلاسفة والمتفلسفين عبر مئات السّنين يصرّون على قضايا جمدوا عليها، من نوع: أصالة الماهية، وعدم اتحاد العاقل والمعقول، وعدم الحركة الجوهرية، والمعاد الروحاني وغيرها من المسائل، وبروز شخصيات ذات حضور فكري مثل ابن سينا ظلت بفكرها مهيمنةً حاضرة على الدوام لفترة طويلة من الزمن، ما جعل كل الاستدلالات من بعده الحاصلة بالفلسفة، والجهود البحثية الفاعلة، تتجه دائماً لمصلحة نظريته، وناحيتها([1]) كما فعل الخواجة الطوسي في شرحه لفلسفة ابن سينا داخلياً([2])، وشرح عشرات من الفلاسفه لكتاب تجريد العقائد للخواجة الطوسي([3])، مما أفقد الفلسفة القراءة الإبداعية من الخارج.

وبقي هذا الأمر مهيمناً على الفلسفة خاصة المشائية منها لفترة طويلة من التاريخ، هيمن على العقل منهج السّكون والتقليد، فيما الفلسفة بطبيعتها يفترض أن تكون خاصة في حركة لا السّكون، محكومة بالاجتهاد والإبداع لا التقليد والاتّباع، نازعة نحو النقد ـ لا النقل والانتقال([4]) ـ وإعطاء الجهد لكشف الحقيقة لأن الاجتهاد يعني بذل الطاقة والجهد للوصول إلى الأمر المراد.

والمصدر المجرد للكلمة إنما هو: جَهْدُ، وهو الذي يدل على السعي حتى التعب فيقال: جَدَّ وتعب، وابن منظور يقول: الاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع والمجهود([5])، وباب الافتعال تخضع لقانون زيادة المعنى الذي يؤدي إلى زيادة المعنى، فتضيف دلالة أكبر على المعنى.

ومعنى ذلك أن كلمة الاجتهاد تعني بذل الجهد الأكبر والسعي الحثيث، يزيد من ما نفهمه من المصدر المجرّد للكلمة (جهد) الذي يدل على السعي حتى التعب والاجتهاد.

وأمّا المعنى الاصطلاحي الفقهي للكلمة هو ان الاجتهاد: يعني السعي قدر الإمكان للوصول إلى رأي مستقل في موضوع ما، مقابل اتباع الآخرين وتقليدهم.

والاجتهاد له أهمية عظيمة وقيمة بليغة في المدارس الشيعية، حيث يتجلى فيها بروح الفهم والاجتهاد في البحث والتحقيق.

وهذه الظاهرة على ما هي عليه حتى اليوم في المدارس الإمامية، تمثل مفخرة وامتيازاً قل نظيرها في المدارس الدينية الأخرى قديماً وحديثاً.

وإن ما قدمناه من معنى يمكن أن يسمى بالاجتهاد، إذا مُرِسَ بالصورة الدقيقة للمعنى، لأن المجتهد هو الذي ينال في بحثه للقضايا رأياً استدلالياً مستقلاً، ولا يقلد غيره أو يتبعه، والتقليد غير لائق ولا محمود، لأن من يريد أن يتناول أي موضوع ، لا بد أن يتبع منهج الاجتهاد في استنباط ما يريد من حكم طبقاً للمصادر المعتبره كما في الفقه([6]).

ولكن الحديث عن الفلسفة وعلم المعقول المنتشر آنذاك لا يعرف عن هذا اللون من الاجتهاد والإبداع بكل أبعاده ومضامينه ومحتوياته ونزعاته، بوصفه بناءً تُبنى عليه الأبحاث.

البحث الفلسفي بين ظاهرة الاستدلال والاجتهاد

الاجتهاد غير الاستدلال، لأنه أعم، ولأن الإنسان قد يستدل على مسألة أو موضوع وبعدد من الأدلة والشواهد، إلاّ أنه لا يكون مجتهداً بها، بل يكون استدلاله تعبيراً عن فهمه لأدلة الآخرين التابعة لهذا الموضوع، وتقليدهم بها، وإعادة تصوير كلامهم.

لأن الإنسان يعرف الأدلة التي تشاد على نظرية ما، مثل أصالة الماهية، أو أصالة الوجود أو غيرهما، ولكنه في هذه الحالة يعرف الأدلة الداخلية بالأطر البنائية لصاحب النظرية نفسه، فيقوم بشرحها وتقريرها، وإن بدا فيها عارفاً، إلاّ أنه ليس سوى مقلداً لصاحب تلك النظرية، كما فعل الخواجة الطوسي في شرحه لإشارات ابن سينا، وإن كان فيها دقيقاً وفي الوقت عينه واضحاً.

ولكن الاجتهاد أعم من معرفة النظريات وأدلتها، إنما هو معرفة للوصول إلى تكوين نظرية خاصة، أو الوصول إلى ابداع دليل مستقل استقلالاً تاماً في الرأي والنظر بعد نقد أدلة الآخرين وبراهينهم، والوصول إلى دليل جامع مانع عن النقد يبدع نظرية جديدة.

 صدر المتألهين ومنهجه الاجتهادي في الفلسفة

كما تقدم بقيت الفلسفة لقرون من الزمن تقليدية منقادة إلى زعيم الفلسفة المشائية، أو الإشراقية وغيرهما، إلى أن جاء صدر المتألهين الشيرازي وثار على النهج التقليدي([7])، وحاربه ودعا إلى الاجتهاد في المسائل الفلسفية مستفيداً من منهج الفقهاء، وقد أثمرت جهوده أن أعاد الفلسفة إلى أوج مجدها، وحلّ كل الإشكالات التي كانت قائمة، فنرى مثلاً مسألة (الأصالة والاعتبار) القائمة على الحقيقة بين الوجود والماهية، والتي كان صدر المتألهين من أنصار الماهية، فتخلى عنها بعد سنوات من الاعتقاد والدفاع عنها.

ولكن عندما وجدها ناقصة طبقاً للأصول المنطقية والفلسفية التي تبناها ووصل إليها، أخذته الجرأة للتخلى عنها، وتبني نظرية أصالة الوجود([8])، كما طرحها في الأسفار، وكذلك مسألة المعاد الروحاني والحركة الجوهرية، والوجود الذهني وغيرها من المسائل، والمتصفح لكتاب الأسفار الأربعة يرى عمق البحث العلمي الجديد الذي انتهجه صدر المتألهين وجمع فيه ما بين المنهج القرآني والبرهاني والعرفاني، منهجاً لم يكن مألوفاً([9])، أقامه على أسس علمية سبق فيها أصول البحث العلمي الحديث. فبث فيه روح التجدد و الاجتهاد مستفيداً من المنهج الفقهي؛ لأنه نال درجة الاجتهاد من أساتذته البهائي والميرداماد والفندرسكي.

الاجتهاد بين التقليد والحقيقة

لكي نعي معالم مسألة الاجتهاد، وتبلور صورته لدى العقول، لا بد من توضيح جوانب موضوعه وبيان حقيقة الاجتهاد ونوعه.

يقع الاجتهاد على نوعين:
1 ـ الاجتهاد التقليدي     2ـ الاجتهاد التحقيقي.

أمّا الاجتهاد التقليدي : وهو أن يعي الباحث نظرية فيلسوفٍ ما ويبين أدلته حول مسائله، ثم يبحث داخل نظريته بما يحقق لها النفع والظهور، فينشغل بالاستدلال لها، زعْماً أن الفلسفة نشأتها الاستدلال، إلاّ أنه يستدل ولكنه لا يحاول أن ينظر بعين النقد ، ولا يلتفت إلى ما يطالها من التفنيد والإشكال، سواء على مبنى صاحبها أم على أصول ومباني غيره من الفلاسفة.

والباحث في هذا الاتجاه لا يضع في حسابه واهتمامه أولوية النقد لهذه النظرية أو غيرها، كما أنه لا يلتفت إلى الانتقادات التي يثيرها الآخرون حولها، بل يضع في حسبانه الاجتهاد في الاستدلال التابع لهذه النظرية أو تلك. هذا النوع من الاستدلال يطلق عليه الاستدلال التابع أو الاجتهاد التقليدي.

أمّا الاجتهاد التحقيقي: فهو البحث المستقل الذي يعتمد فيه الباحث على الاستدلال الحرّ، الذي يطل من خلاله على أي نظرية فلسفية كانت، من داخل مناخها أو خارجه، فيقرأها وفقاً لمنهج البحث العلمي المستقل، ويقرر سلفاً بأن أيّ نظرية غير عصيّة على النقد والمساءلة، ويقرّ أن الشهود الكشفية العرفانية التي لا تملك من نفسها حُجةً عامة، بل خاصة في صاحبها، لا بد من فصلها عن الأصول العقلية الصّرفة، كما ولا بد أن يقر بالتمييز بين البرهان النظري وبين تلك الأولية الأساسية الكشفية .

وأن هذا النمط من الاجتهاد لا يمكن تحقيقه إلاّ عبر التأمل العميق في صورة البرهان ومادته، فإذا رآه تاماً أخذ به وقبله، وإلاّ رفضه وطرحه، ويعمل على استدلال هذه النظرية بأُخرى عندما يتوصل بالدليل إليها، فيطرحها ويدافع عنها، وهذا هو الاجتهاد الحقيقي الذي نرى له نموذجاً عملياً في مجدد الفلسفة الملا صدرا.

صدر المتألهين ومنهج الاجتهاد الحقيقي

المتبحر في دراسة الأسفار الأربعة لدى صدر المتألهين يرى تجلي المنحى الاجتهادي في بحثه لمسائل الفلسفة، فترى عندما يريد أن يبحث مسألة من مسائل الفلسفة:

أولاً: يطرح المسألة.
ثانياً: يبين المبنى القائمة عليه.
ثالثاً: يستعرض الأقوال الواردة فيها وطريقة الاستدلال.

رابعاً: يناقش طريقة الاستدلال وبيان نقاط الخلل الواردة والإشكالات المترتبة والجواب عليها.

خامساً: يطرح نظريته حول المسألة.

وهذا ما فعله على امتداد صفحات أسفاره التي تتضمن لكل مسائل الفلسفة بالمعنى الأعم والأخص، ونقدم نموذجاً على ذلك ما ورد في معالجته لنظرية المعاد الروحاني لابن سينا، واجتهاده التحقيقي في نقدها وإثبات أصالة المعاد الروحاني والجسماني معاً، فنراه:

أ ـيطرح المسألة: أولاً، حيث قال: الباب العاشر في تحقيق المعاد الروحاني والإشارة إلى السعادة العقلية والشقاوة التي بإزائها، وإلى السعادة والشقاوة الغير الحقيقيين وما قيل في بيانهما ([10]) .

ثم ذكر الغاية من طرح هذه المسألة، فقال: والغرض من إيراد هذا الكلام هنا أن يعلم أن الوجود الجسماني يصحبه الموت، والغفلة والهجران والفوت، سواء كان هذا الوجود من طرف المدرك المشتاق أو في طرف المشتاق إليه لما فيه من قلة الحضور والوجدان([11]).

 ب ـ شرع في بيان مبنى ابن سينا في معالجته لمسألة المعاد الروحاني انطلاقاً من القول بالسعادة والشقاء، وأخذ يبين كيفية حصول السعادة بالآخرة، واحتجابها عن النفس في الدنيا ما دامت في هذا العالم([12]).

 كما وبين كيفية حصول الشقاوة بإزاء السعادة الحقيقية وتقسيمه الأشقياء إلى فريقين:

الفريق الأول: حقَّ عليهم الضلالة وحقَّ عليهم القول في الأزل لأنهم أهل الظلمة وأهل الدنيا والحجاب الكلي، المختوم على قلوبهم ،كما قال تعالى: } لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ{ (هود: 119، السجدة: 13).

والفريق الآخر: المنافقون الذين كانوا مستعدين في الأصل، قابلين لنور المعرفة بحسب الفطرة والنشأة الأولى، ولكن ضلوا عن الطّريق واحتُجبت قلوبهم بالرّين المستفاد من اكتساب الرذائل بارتكاب المعاصي ومباشرة الأعمال البهيمية والسّبعية، ومزاولة المكائد الشيطانية حتى رسخت الهيئات الفاسقة والملكات المظلمة، وارتكمت على أفئدتهم وانتقشت نفوسهم برسوم السفسطة وصورٍ جهليّة، وخيالات باطلة وأوهام كاذبة، فبقوا شاكّين حيارى تائهين منكوسين. انتكست وجوههم إلى أقْفِيَتِهِمْ، وحبطت أعمالهم وبقيت نفوسهم في غصّة وعذاب أليم([13]).

وقد وقع الخلاف في تحديد السعادة والشقاء، إنهما حسّيتان أم عقليتان. إلاّ أن صدر المتألهين بين أن ابن سينا قد اختار أنهما حسّيّتان، قال: «إنّ الشيخ الرئيس مال إلى هذا الرأي في بعض رسائله الموسومة بالمجالس السبعة، وقد أشرنا إلى أن النشأة الآخرة لو كانت منحصرة في النشأة العقلية لكان القول ببطلان هذه السّاذجة لازماً اضطرارياً؛ لأنّ وجود الشيء في كل نشأة إنما يكون بصورته لا بِهُيُولاته، لكن قد علمْتَ أنّ بعد هذه النشأة التَعلقُية المتجددة الكائنة الفاسدة عالمان صوريّان مستقلان باقيان غير دائرين أحدهما دار المعقولات والثاني دار المحسوسات الصرفة التي لا مادة لها ولا حافظ إياها إلاّ النفس، لأن وجودها وجود إدراكي وهو نفس محسوسيتها، والمحسوس بما هو محسوس، ووجوده بعينه وجوده للجوهر الحاس وهو النفس، فالنفس هي الحافظة والمبقية للصور الحسّية هناك من غير مادة كما أنّ العقل هو الحافظ المبقي بإذن الله للنفس من غير حامل أو بدن، فلا حاجة للأشياء الموجودة في هذا العالم إلاّ بأسبابها الفاعلة وجهاتها دون الأسباب القابلة والقوى والاستعدادات، فإذا هذه النفس باقية بعد البدن ولم يترسخ فيها هيئات بدنية ورذائل نفسانية حتى تكون متأذيه بها معذبة بسببها، لمنافاتها ومضادتها لجوهر النّفس من حيث فطرتها الأصليّة([14]).

ثم بين صدر المتألهين «هذا ما بلغ إليه نظر الشّيخ وأترابه في إثبات السّعادة والشّقاء الأخرويتين المحسوستين، وفي كيفية جنة السّعداء وجحيم الأشقياء في المعاد»([15]).

ج ـإستعرض الأقوال الواردة في المعاد، قال: «في تفاوت مراتب النّاس في درك أمر المعاد وتفاصيل مقاماتهم في ذلك»([16]).

د ـشرع في نقد رأي ابن سينا حول السّعادة والشّقاء فيما يتعلّق بأمر المعاد أنه روحانيّ، قال: والعجب من الشّيخ أبي علي أيضاً أنه ذكر في هذا الكلام المنقول أن السّعداء الحقيقيين يتلذذون باتصال ذواتهم بعضهم ببعض اتصالاً عقلياً كاتصال معقولٍ بمعقول مع أنه لم يحصّل معنى الاتصال العقلي والإتّحاد الذاتي بين العاقل والمعقول، ولم يقدر على إثباته، بل أنكره في أكثر كتبه، وشنّع على القائلين به، لأنه قال بالاتصال الحسّي وبيّن شاهد قولـه في إلهيّات الشّفاء (رسالة الأضحوة): إن الصور الخياليّة ليست تضعف عن الحسّيّة، ثم بيّن قصر هذا الرّأي، قال: «غاية ما وصلت إليه أفكار صاحب الشّفاء وهي قاصرة عن درجة التّحقيق غير بالغة حدّ الإجداء، بل باطلة في نفسها كما سبق، وستعلم مخّ القول ولب الكلام عند البحث عن إثبات المعاد»([17]).

هـ ـ وبعد ان أشكل على ابن سينا في نقده لقوله بالمعاد الروحاني لقصور عقله على الاستدلال عليه وتسليمه لمبدأ الشرع. شرع صدر المتألهين بطرح نظريته حول المعاد وقدرته على اثبات المعاد الروحاني والجسماني معاً وذلك من خلال:

أولاً: بيان شرف علم المعاد وعلو مكانته وسمو معرفته في بعث الأرواح ولأجساد وعظم شأنها: « اعلم أنّ هذه المسألة بما فيها من أحوال القبر والبعث والنشر والحساب والكتاب والميزان والجنة والنار، هي ركن عظيم في الإيمان وأصل كبير في الحكمة والعرفان، وهي من اغمض العلوم وألطفها وأشرفها مرتبة، وأرفعها منزلة، وأسناها قدراً، وأعلاها شأناً، وأدقّها سبيلاً، وأخفاها دليلا، إلاّ على ذي بصيرة ثاقبة وقلب منور بنور الله»([18]).

ثانياً: ذكر الأصول التي يحتاج إليها الباحث لأثبات هذا المقصد([19])، وبعد ذلك قدّم ثمرة قوله الذي توصل اليه، فقال: إنّ من تأمّل وتدبر في هذه الأصول والقوانين العشرة التي أحكمنا بنيانها، وشيدنا أركانها ببراهين ساطعة، وحجج قاطعة لامعة مذكورة في كتبنا وصحفنا سيما هذا الكتاب (الأسفار) تأملاً كافياً وتدبراً وافياً بشرط سلامة فطرته عن آفة الغواية والاعوجاج ومرض الحسد والعناد، وعادة العصبية والافتخار والاستكبار لم يبق لـه شك وريب في مسألة المعاد وحشر النفوس والأجساد، ويعلم يقيناً ويحكم بأنّ هذا البدن بعينه سيحشر يوم القيامة بصورة الأجساد، وينكشف لـه أنّ المُعاد في المَعاد مجموع النفس والبدن بعينهما وشخصهما، وأنّ المبعوث في القيامة هذا البدن بعينه لا بدن آخر مباين له عنصرياً كان، كما ذهب إليه جمع من الإسلاميين، أو مثالياً كما ذهب اليه الإشراقيون ؛ فهذا هو الاعتقاد الصحيح المطابق للشريعة والملّة، الموافق للبرهان والحكمة، فمن صدّق وآمن بهذا فقد آمن بيوم الجزاء، وأصبح مؤمناً حقاً([20]).

*    *     *

 
الهوامش

_______________________________

(*) كاتب وباحثفي الحوزة العلمية، من لبنان.



([1]) راجع: مركز البحوث المعاصرة، المدرسة التفكيكية وجدل المعرفة الدينية، مجموعة مقالات لمجموعة من الأساتذة والعلماء، إعداد وتقديم حيدر حب الله، ط1، بيروت، دار الهادي للطباعة والنشر،2007م: 78.

 

([2]) راجع: ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، شرح الخواجة الطوسي، تحقيق د.سليمان دنيا، بيروت، مؤسسة النعمان للطباعة والنشر والتوزيع.

([3]) راجع: اللاهيجي، عبد الرزاق، شوارق الإلهام في شرح تجريد الاعتقاد، تحقيق الشيخ اكبر أسد علي زاده، تقديم وإشراف العلامة المحقق جعفر سبحاني، ط1، ايران، مؤسسة الإمام الصادق(ع)، 1425هـ1: 11ـ20.

([4]) المدرسة التفكيكية وجدل المعرفة الدينية: 78.

([5]) ابن منظور، لسان العرب، مادة (جهد).

([6]) راجع: الغروي، محمد عبد الحسن، مصادر الاستنباط بين الأصوليين والأخباريين، بيروت، دار الهادي، 1992م: 27.

([7]) اليوزبكي، جمال محمد صالح، غضبة الفلاسفة الغضبة المتعالية، ايران، مؤسسة حكمة صدرا الإسلامية، 1999م: 319.

([8]) الشيرازي، محمد إبراهيم، الأسفار الأربعة، بيروت، دار التراث العربي، 1: 39.

([9]) الحيدري، كمال، مدخل إلى مناهج المعرفة عند الإسلاميين، ط1، ايران، دار فراقد، 1426م هـ : 276.

([10]) الأسفار الأربعة، مصدر سابق، 9: 120.

([11]) المصدر السابق 9: 124.

([12]) المصدر السابق: 125.

([13]) المصدر السابق: 132.

([14]) المصدر السابق: 147.

([15]) المصدر السابق نفسه.

([16]) المصدر السابق: 171ـ 178.

([17]) المصدر السابق: 150.

([18]) المصدر السابق: 151.

([19]) المصدر السابق: 179.

([20]) المصدر السابق: 185ـ 192.

(21) المصدر نفسه: 197 ـ 198.


تاريخانيّة السنّة بين الفهم التاريخيّ وتعطيل السنّة

3 سبتمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

لعلّ البدء بالحديث عن المفاهيم والعناوين قدر لامفرّ منه، فلا يمكن الوصول إلى الياء دون المرور بالألف وما بعدها. وربمالا ينبغي أن يعاب علينا التراجع قليلاً إلى الوراء كي نجدّد الانطلاق إلىالأمام، وما يعزّينا هو أمل الوصول إلى المقصد، ولو متأخّرين، ومكمن الخطرالذي ينبغي أن يخشى هو المراوحة والانشغال الدائم باختراع العجلة وعدمالقدرة بعد طول المحاولات على استخدامها والاستفادة منها. ثم إنّ البدءبالمفاهيم يعزّيني على المستوى الشخصي، فحسبي أن أوضح مفهوماً إن لم أستطعالوصول إلى أحكام مقنعة أطلقها عليه أو له.

محاولات للتفاهم حول المصطلحات

التاريخيّة أم التاريخانيّة:

ولدمصطلح (Historicism) التاريخانيّة، في الغرب وترجم إلى اللغة العربية معشيء من الإرباك وعدم الوضوح في دلالاته النهائية، فهل التاريخانيّة التي هيكلمة منحوتة حديثاً تعني فلسفة التاريخ كما يرى بعضهم؟[1]أم أنّ التاريخانيّة ما هي إلا أحد الاتجاهات في دراسة فلسفة التاريخوغيره من الميادين العلمية عندما يكون للتاريخ دور مؤثر بحسب اعتقادالدارس؟ ويبدو لي أنّ الأرجح هو الثاني، وذلك أنّ العودة إلى بعض المعاجمالفلسفية المتخصّصة، نجد أنّهم يعرفون المفهوم بصيغته الأجنبية (Historicism) في سياق الحديث عن المدارس التي أخذت من التاريخ وصفاً لهاوعنواناً، ومن ذلك ما يأتي:

1- historical explanation

2- historical knowledge

3- historical materialism

4- historical relativism

5- historicism

وضمنهذا السياق، وفي هذه البيئة الاصطلاحية يعرّفون المصطلح بما يأتي: «التاريخانيّة وجهة نظر حاصلها أنّ فهم الأشياء لا يمكن أن يتمّ، إلا منخلال وضعها ضمن ظروفها وسياقاتها التاريخيّة. والمصطلح في الفلسفة القاريّة (continental philosophy)[2] له دلالاته الميتافيزيقيّة كما له دلالاته المنهجية. وتنطلق الرؤيةالتاريخانيّة من الاعتقاد بأنّ حركة التاريخ وتطوره محكومة لقوانين موضوعيةثابتة»[3]. كما يُلاحَظ عند عدد من ممثّلي هذا الاتجاه الفكري، من أمثال هيغل، وماركسالذي يرى أنّ التاريخ له قوانينه المستقلّة بالكامل عن الإنسان،[4]

ويعرفأ. آر. لايسي التاريخانيّة (historicism) بأنّها «كلمة تدلّ على كلّ الرؤىالتي تولي اهتماماً خاصًّا وعناية بالتاريخ. وخاصّة تلك الرؤية التي تؤمنبأنّ الأشياء يجب أن يُنظَر إليها على ضوء تطوّرها التاريخي»[5].

والمعنىعينه مع شيء من التفصيل نجده في معجم كامبريدج للعلوم الاجتماعية حيثيميّز محرّرو المعجم بين مفهومين أحدهما ما ذكرَتْه المعاجم المشار إليهاأعلاه، وهو توقّف فهم البنى الاجتماعيّة والأحداث بل والنصوص على ضوءتطوّرها التاريخي والظروف التاريخيّة التي احتضنتها[6].

وهذههي النزعة التي حكم عليها كارل بوبر بالبؤس في كتابه الشهير «بؤسالتاريخانيّة»، وقبل إدانة كارل بوبر وبعدها يتشعّب أنصار هذه الرؤيةالمشتركة إلى شعب ومدارس تعمل في ميادين عدة، تبدأ من فلسفة التاريخوالمتافيزيقا، ولا تنتهي عند الأدب والنقد الأدبي وغيره من أشكال التعبيرالفني.

وبعد الاكتفاء بهذا القدر من الحديث عن هذا المصطلح الملتبسأنطلق من افتراض الاتّفاق -ولو الأولي والموقّت- على أنّ مرادنا من مصطلحتاريخيّة عندما نقول: «تاريخيّة السنة»، نقصد به معنى آخر ولو كان قريباًمن هذا المعنى كما سوف نلاحظ فيما يأتي. ثم إنّي أودّ أن أختم في هذا الصددبالإشارة إلى عدم وجود فرق كبير يدعو إلى اشتقاق مصطلح خاص هوالتاريخانيّة بدل التاريخيّة، كما يحاول عدد من الكتاب العرب فعله وتأكيده،وإن كان الداعي إلى ذلك هو إغناء الترمينولوجيا العربيّة في هذا المجال،فلا بأس منه، وعلى أيّ حال لا مشاحَّة في الاصطلاح كما تعلّمنا في حلقاتالدرس التي نعتزّ بالانتماء إليها.

التاريخيّة:

عندما يُطلَق هذا المصطلح قد يُقصَد به أحد معنيين، هما:

1- التحقّق في التاريخ: بمعنى الحدوث أو الحصول فيه، وعندما يوصَف شيء مابالتاريخي بهذا المعنى يكون المراد هو القول: إنّه تحقّق وحصل في التاريخ. وبهذا المعنى ينطبق على كل كائن يستوعبه ظرف تاريخي محدد، سواء كان هذاالحادث أمراً ماديًّا، أم كان كائناً معنويًّا. ويعدّ هذا المصطلح بهذاالمعنى من مصطلحات اللاهوت المسيحي الذي يتبنّى حضور الله في التاريخبواسطة عيسى (عليه السلام). وما كان محلّ جدل بهذا المعنى، أو قريب منه، فيالتراث الإسلامي هو القرآن الكريم عندما طُرِح التساؤل المعروف الذي يقالإنّه سبب تسمية البحث حول العقائد الإسلامية بـ«علم الكلام»[7]. وهو أنّ القرآن هل مخلوق وحادث أم لا، ومن المعروف أنّ المسلمين انقسموافريقين تبنّى فريق منهم القول بتاريخيّة القرآن أو فقل حدوثه في التاريخ،وتبنّى فريق آخر القول بقدم القرآن وبالتالي القول بعدم تاريخيّته،وتداولوا المحن بحسب تداول الدول فيما بينها. هذا وأمّا السنّة النبويّةالشريفة، فلم يقل أحد إنّها غير تاريخيّة بهذا المعنى. فمن المتّفق عليهبين المسلمين أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعيش بين الناسوصدرت عنه مجموعة من الأقوال والأفعال والإمضاءات شكّلت بمجموعها ما عُرِفبعد ذلك بالسنّة، ولم يدَّعِ أحد منهم قِدَم السنّة وخروجها من دائرةالتاريخ الإنساني كما فعلوا مع القرآن.

2- التاريخيّ بمعنى الموقّت: والمقيّد بالظرف التاريخي الذي تحقّق فيه. وهذا المعنى الثاني هو محلالكلام. فالتاريخيّ بهذا المعنى؛ أي المرتهن أو التابع للظروف التاريخيّةالتي تحقّق فيها وصدر خلالها. فعندما يقال سنّة النبي (صلى الله عليه وآلهوسلم) تاريخيّة يراد عادة أنّها مرتهنة بالظروف التي ظهرت فيها صدوراًوبقاءً، وبالتالي إذا صدر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أو نهيأو تعليق على حادث أو تصرّف، فتنحصر صلاحية هذا القول والتصرّف بالظروفالتي صدر فيها، ولا يمكن لمن يعيش في بيئة أخرى غير بيئته (صلى الله عليهوآله وسلم) أن يبني على ذلك الموقف أو يرى نفسه محكوماً له. وبعبارة أخرىتكون سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مقيّدة بالظروف والأحوالالمحيطة بها، ولا ينعقد لها إطلاق أحوالي وأزماني لتشمل ما بعد عصره وخاصةالعصور اللاحقة والبيئات التي تختلف عن تلك البيئة اجتماعيًّا وثقافيًّاواقتصاديًّا. ولتوضيح ذلك نعطي بعض الأمثلة لما قيل فيه إنّه تاريخي:

دية قتل الخطأ: ورد في الفقه الإسلامي أنّ دية قتل الخطأ تحملها العاقلةوهم الأقارب الذكور، ففي رواية عن الإمام علي (عليه السلام)، في رجل قتلمسلماً وادّعى عدم وجود قرابة له في البلد الذي قُتِل فيه، وادّعى أنّه منأهل الموصل، فكتب الإمام (عليه السلام) إلى عامله على الموصل قائلاً: «أمابعد فإنّ فلان بن فلان وحِلْيَتُه كذا وكذا قتل رجلاً من المسلمين خطأ وقدذكر أنّه من أهل الموصل وأنّ له بها قرابة…. فافحص عن أمره وسل عنقرابته… فاجمعهم إليك ثم انظر، فإن كان هناك رجل يرثه له سهم فيالكتاب… فألزمه الدية وخذه بها ثلاث سنين…»[8]. فقد قيل في هذا الحكم؛ أي تحمّل العاقلة دية قتل الخطأ الذي يستند إلى هذهالرواية وغيرها من الروايات الدالة على هذا الحكم، إنّ طابعه ينسجم معالمجتمع القبلي القائم على التضامن بين أبناء القبيلة الواحدة. وأمّا فيالمجتمعات غير القبلية وفي عصر التأمين والمسؤولية الفردية، فلا معنى لمثلهذا التشريع، وبالتالي لا يمكن العمل بهذا التدبير التشريعي حتى لو كانصادراً عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أو عن غيره ممّن يعدّ قولهحجّة على اختلاف المذاهب الإسلاميّة في توسيعها لدائرة السنة وتضييقها لها[9].

قضية الرق: يرى بعض الكتّاب ومنهم سيد قطب في تفسيره «في ظلال القرآن»،أنّ الإسلام لم يشرّع الرق، وإنّما جاء وتعامل معه كأمر واقع ومن بابالمجاراة للناس، ومن عباراته في هذا المجال: «وذلك حين كان الرق نظاماًعالميًّا تجري المعاملة فيه على المثل في استرقاق الأسرى بين المسلمينوأعدائهم، ولم يكن للإسلام بد من المعاملة بالمثل، حتى يتعارف العالم علىنظام آخر غير الاسترقاق»[10]. وممن تبنّى الموقف نفسه تقريباً الشيخ محمد الغزالي الذي يقول في سياقنقاشٍ مع من يدعو إلى إلغاء حدّ السرقة؛ بحجّة أنّه فلينسخ كما نُسِخ غيرهمن التشريعات الإسلامية: «…قصّة الرقيق التي نتحدّى الإنس والجنّ أنيأتوا بنص في القرآن يأمر بالاسترقاق… ولكنّ الجهل المركب جعل المدافع عنالضلال يقول: إنّ فيه أمراً قرآنيًّا نسخه المسلمون… ولكنّ الأمربالاسترقاق موجود في العهد القديم… لأنّ الإسلام جاء والرقيق موجود فيالقانون الروماني والدنيا مليئة بالإماء والجواري والعبيد… والإسلام جاءومنع الاختطاف وهو أساس الاستعباد… صحيح أنّ الإسلام استبقى نظامالعبودية كما يسمّى؛ من قبيل المعاملة بالمثل؛ لأنّه يستحيل تحريمه إلابمعاهدة دولية، ومن الجنون أن أحرّم الرق وأترك أولادي يُسترَقّونويُخطَفون…»[11].

ونكتفيبهذين المثالين اللذين نحسب أنّهما يضيئان على الفكرة إلى حد كبير، ونختمبنص ذي دلالة واضحة على المراد من نظريّة تاريخيّة السنة لننتقل بعد ذلكإلى البحث حول مفهوم السنة: «وتعني فهم الأحاديث في سياقها التاريخي، بمايوجب حصر مفهومها الظاهري في إطار زمكاني، مما يعني حصوله إلغاءً أوتعديلاً في الصورة المستنتجة، ومن ثمّ حصول تغيّر ما في الحكم الشرعي علىتقدير كون الحديث ممّا يتصل بالجانب العملي. هذا هو بالضبط ما نعنيهبتاريخيّة السنة…»[12].

مفهوم السنة:

السنّةفي اللغة من مادة (س ن ن)، وسنُّ الحديد إسالته وتحديده، «وباعتبارالإسالة، قيل سننت الماء؛ أي أسلته. وسنّة الوجه: طريقته، وسنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) طريقته التي كان يتحرّاها، وسنّة الله تعالى: قدتقال لطريقة حكمته وطريقة طاعته…»[13]. ومن الملفت استخدام كلمتي: «سنة» و«شريعة» للدلالة على المعنيين اللذينتدلان عليهما في البيئة الاصطلاحية الإسلامية، فهل لهذا الأمر دلالاتهالتاريخيّة أيضاً؟

وأمّا في الاصطلاح، فالسنّة بعد أن استقرّت علىمعنى اصطلاحي هي كما عند التهانوي، مثلاً: «… على معانٍ منها الشريعة،وبهذا المعنى وقع في قولهم الأولى بالإمامة الأعلم بالسنّة…، ومنها ما هوأحد الأدلّة الأربعة الشرعيّة، وهو ما صدر عن النبيّ (صلى الله عليه وآلهوسلم) من قولٍ ويُسمَّى الحديث، أو فعلٍ أو تقريرٍ… ومنها ما يعمّ النفلوهو ما فعلُه خيرٌ من تركه من غير افتراض ولا وجوب… ومنها الطريقةالمسلوكة في الدين ونعني بالطريقة المسلوكة ما واظب عليه النبي (صلى اللهعليه وآله وسلم) ولم يتركه إلا نادراً…»[14] وبالتأمل في تعريف التهانوي للسنّة نجد أنّه استقصى أكثر المعاني التياستُخدِمت فيها كلمة سنّة، في ألسنة الفقهاء وفي الروايات. ولعلّ فيالإشارة إلى بعض هذا التنوّع الاصطلاحي فائدة.

فقد استُخدِمت كلمة «سنَّة» بمعنى النفل وفي مقابل الواجب في العبارات الآتية:

النفل: من النماذج التي يستشف منها النفل في مقابل الوجوب في الفقه الإمامي،تعبير ابن بابويه القمي: «السنَّة في أهل المصيبة أن يُتَّخذ لهم ثلاثةأيام طعاماً لتشغلهم في المصيبة»[15]، ويحتمل أن يكون هذا بمعنى الطريقة المسلوكة. ومنه أيضاً: و«السنّة أنّ القبر يُرفَع أربعة أصابع مفرّجة من الأرض..»[16]،وقد ورد تعبير يلمح إلى استخدام السنة بمعنى المستحب في نصّ للشيخ الصدوقيقول فيه: «ولو أنّ رجلاً نذر أن يشرب خمراً، أو يفسق، أو يقطع رحماً، أويترك فرضاً أو سنّة؛ لكان يجب عليه ألَّا يشرب الخمر ولا يفسق ولا يتركالفرض والسنة…»[17]،وفي نصّ آخر للشيخ المفيد يظهر منه هذا المعنى بشكل أوضح يقول: «باب صفةالوضوء والفرض منه والسنّة، والفضيلةُ فيه: وإذا أراد المحدث الوضوء من بعضالأشياء التي توجبه من الأحداث المقدّم ذكرها فمن السنّة أن يجعل الإناءالذي فيه الماء عن يمينه…»[18]، وفي نصّ آخر له يقول: «ووضوء المرأة كوضوء الرجل سواء، إلا أنّ السنّة أن تبتدئ المرأة في غسل يديها بعد وجهها بباطن ذراعيها…»[19]. وقد بقي المصطلح يُستخدَم في هذا المعنى حتّى عصور متأخِّرة من تاريخالفقه الإمامي، ومن ذلك تعبيرهم بـ«قاعدة التسامح في أدلّة السنن»، وماشابه من العبارات التي تدلّ على إرادة النفل أو الاستحباب من كلمة سنّة،كما في عبارات عدد من الفقهاء المعاصرين، ومن ذلك العبارة التي تتكرّر فيكثير من الرسائل العملية للمراجع المعاصرين: «إنّ كثيراً من المستحباتالمذكورة في أبواب هذه الرسالة يبتني استحبابها على قاعدة التسامح في أدلّةالسنن، ولما لم تثبت عندنا فيتعين الإتيان بها برجاء المطلوبية…»[20].

السنّةبمعنى الطريقة المسلوكة (المشروع): إذا افترضنا أنّ المراد من مفهومالطريقة المسلوكة في النصّ المنقول عن التهانوي هو الطريقة المشروعة، فإنّأوضح استخدامات كلمة سنة في هذا المعنى عندما يستخدم الفقهاء تركيب «طلاقالسنّة» في مقابل «طلاق البدعة»، وهذا المعنى متدوال بكثرة في عباراتالفقهاء المتأخرين خاصّة. ومن المعاني التي يمكن أن تندرج في هذا السياقتعبير في سياق الطلاق أيضاً؛ ولكنّه يدلّ على طريقة خاصة في الطلاقوالرجعة، وهو تعبير مروي في الفقه الإمامي عن الأئمة (عليهم السلام): «طلاقالسنّة، هو إنّه إذا أراد الرجل أن يطلِّق امرأته، تربّص بها حتّى تحيضوتطهر ثمّ يطلّقها من قبل عدّتها بشاهدين عدلين فإذا مضت بها ثلاثة قروء أوثلاثة أشهر فقد بانت منه وهو خاطب من الخُطَّاب، والأمر إليها إن شاءتتزوّجته وإن شاءت فلا»[21].

السنّةبمعنى الدليل: وقد تطوّر مصطلح السنّة في العرف الاصطلاحيّ الفقهيوالأصولي إلى أن استقرّ على العبارة المعيارية الآتية: «السنّة هي قولالمعصوم وفعله وتقريره»، وهذا المعنى يتكرّر عند كلّ محاولة فقهيّة أوأصوليّة لتعريف السنّة، سواء في ذلك الفقه الإمامي الذي يستعمل فيه أحياناًمصطلح حديث وسنّة بمعنى واحد[22]، أم في الفقه السنيّ على اختلاف مذاهبه ومشاربه[23]. وعلى أيّ حال هل يختلف حال السنّة بين أن تكون تقريراً أو فعلاً وبين أنتكون قولاً؟ يبدو لي وبشكل أوّلي على الأقلّ وجود فرق بين أشكال السنّةالثلاثة، وذلك لاتفاق الفقهاء على أنّ الفعل لا إطلاق له، وإنّما يدلّ علىالجواز وربما يستفاد منه غير الجواز مع توفر بعض القرائن الدالة، ولكن بشرطتشابه الظروف التي صدر فيها مع الظروف التي يراد إثبات حكمها، استناداًإلى هذا الفعل، وسيأتي مزيد معالجة لهذه النقطة بالتحديد.

تجلّيات تاريخيّة السنة في التراث الفقهي الأصولي

لابدّ من الاعتراف بادئ ذي بدء بأنّ فكرة التاريخيّة ولو بحدودٍ سوف نحاولاكتشافها فيما يأتي، ليست جديدة بالكامل على ساحة الفكر الإسلامي عموماًوالأصولي والفقهي منه على وجه التحديد، وسوف نحاول استعراض تجلّيات هذاالأمر في التراث الفقهي الإسلامي فيما يأتي من هذه المقالة:

منطلقات عامة:

1- النسخ: النسخ من الظواهر المعروفة بين الشرائع كما في داخل الشريعةالواحدة، وقد تجادل المسلمون واليهود في إمكانه، ووقع جدال آخر بينالمسلمين أنفسهم في وقوعه بعد الاتفاق على إمكانه، وبالغ بعضهم بالإشارةإلى عشرات الأحكام المنسوخة في الشريعة الإسلاميّة. وناقش آخرون في أكثرالموارد التي صُنِّفت في باب الناسخ والمنسوخ. يقول السيد الخوئي، في بحثهحول النسخ في كتاب البيان: «في كتب التفسير وغيرها آيات كثيرة ادُّعينسخها. وقد جمعها أبو بكر النحاس في كتابه «الناسخ والمنسوخ» فبلغت 138آية. وقد عقدنا هذا البحث لنستعرض جملة من تلك الآيات المدّعى نسخهاولنتبيّن فيها أنّه ليست -في واقع الامر- واحدة منها منسوخة، فضلاً عنجميعها. وقد اقتصرنا على 36 آية منها، وهي التي استدعت المناقشة والتوضيحلجلاء الحق فيها، وأما سائر الآيات فالمسألة فيها أوضح من أن يُستدلّ علىعدم وجود نسخ فيها»[24]. وينتهي بعد البحث في المسألة وتمحيص ما يراه الحقّ فيها، إلى أنّ النسخممكن ولكنه لم يقع في القرآن، أو على الأقل لا يوجد له مثال يمكن الجزم به[25]. وانطلاقاً من إمكان النسخ، وبناء على فرضية وقوعه، يمكن عدّه شكلاً منأشكال تاريخيّة التشريع؛ وذلك لأنّ مبرّر النسخ المعقول والوحيد بحسبالظاهر، هو تبدّل الظروف التاريخيّة المحيطة بالتشريع الأول ما يدعو إلىاستبداله بتشريع جديد، ولولا تبدّل الظروف والأوضاع لما أمكن النسخ للزومنسبة الجهل إلى الله -تعالى عن ذلك علوًّا كبيراً- أو إلى النبيّ (صلى اللهعليه وآله وسلم) وهو لا ينسجم مع مبدأ العصمة التي يؤمن بها الإمامية علىالأقل. ولكن لا بدّ من الاعتراف بأنّ النسخ حتى في ميدان السنة ليس بتلكالدرجة من الوضوح لغموضٍ يعتري الأمثلة التي تذكر عادة في لهذه الحالة[26].

2- التدرّج: التدرّج في تبليغ الأحكام أيضاً هو تجلٍّ وشكل من أشكال تاريخيّةالسنة، وذلك أنّ السنّة النبويّة الشريفة سواء كانت فعلاً أم قولاً أمتقريراً، إنّما هي فعل تحقق في التاريخ وهي إما تعليق على فعل من شخصوإقرار له على فعله، وإما جواب عن سؤال طرحه أحد أصحاب النبي (صلى اللهعليه وآله وسلم) عليه فأجاب عنه، أو مبادرة من النبيّ (صلى الله عليه وآلهوسلم) للدعوة إلى شيء وتغيير واقع سيِّئ يريد تغييره. وحبّذا لو أمكن فتحباب البحث في أسباب صدور السنّة كما فُتِح باب البحث في أسباب النزول،ومهما يكن من أمر فالأحكام الصادرة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيره من المعصومين لم تصدر دفعة واحدة. إلا أنّ هذا الشكل من أشكالالتاريخيّة قد يبدو بعيداً عمّا نحن بصدده، فالكلام هو في بقاء ما ثبت منالسنّة وخلوده، لا في أصل ارتباط بيان السنّة بالظروف التاريخيّة؛ ولكنّهعلى أي حال شكل من أشكال التاريخيّة وإن لم يكن محلّ نقاش. والسيد الخوئيواحد من الفقهاء الذين يتبنَّون نظريّة التدرّج في بيان الأحكام وخاصة عندالأئمة (عليهم السلام): «…إنّ ديدن الأئمة (عليهم السلام) جرى علىالتدرّج في بيان الأحكام وما اعتُبِر فيها من القيود والشروط ولم يبيّنوهابقيودها وخصوصيّاتها في مجلس واحد مراعاة للتقية ومحافظة على أنفسهموتابعيهم من القتل أو غيره من الأذى أو لغير ذلك من المصالح…»[27].

منطلقات أصولية فقهية:

أشرتفيما سبق إلى المنطلقات العامة لتاريخيّة السنة، وتحدّثت عن منطلقين هماالنسخ والتدرّج في بيان الأحكام، وتحت هذا العنوان سوف أحاول الحديث عنالتجلّيات الأصوليّة والفقهيّة لنظريّة تاريخيّة السنّة.

1- تقييد السنّة بإطار صدورها:

إنّكثيراً من الروايات التي تحكي عن بعض مصاديق سنّة النبيّ (صلى الله عليهوآله وسلم) أو الأئمة (عليهم السلام) تقيّد بظروف صدورها خلال معالجتهاالفقهيّة ومحاولة الفقهاء اكتشاف الحكم الشرعي من خلالها. والتعبير الذييُستخْدَم عادة في هذا السياق هو «قضية في واقعة». ولجلاء حقيقة الحال سوفأستعرض بعض النماذج التي يحكم فيها بعض الفقهاء على رواية بأنّها خاصةبالواقعة التي صدرت فيها.

ينقل المحقق الحلي رواية عن محمد بن قيسعن الإمام الباقر (عليه السلام): «في وليدة نصرانية، أسلمت عند رجل وولدتمنه غلاماً ومات، فأُعتِقت وتزوَّجت نصرانيًّا وتنصّرت وولدت. فقال (عليهالسلام): ولدها لابنها من سيدها، وتحبس حتى تضع. فإذا وضعت فاقتلها[28]، وفي النهاية يفعل بها ما يفعل بالمرتدة» ويعلق المحقق على هذه الرواية بأنّها «شاذة»[29]. وأما صاحب الجواهر فيعلّق عليها بأنّها قضية في واقعة رأى أمير المؤمنين (عليه السلام) المصلحة في قتلها ولو من حيث زناها بنصراني وغيره»[30].

وفي المختصر النافع يقول: «إذا تداعيا خُصًّا قُضِي لمن إليه القمط (الحبلالذي يشد به الخص)… وعن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّ عليًّا (عليه السلام) قضى بذلك وهي قضية في واقعة»[31].

يطرح الفقهاء في كتاب الجهاد، مسألة جواز عقد الذمة والتأمين بين آحادالمسلمين وبين المحاربين، فيميّز عدد منهم بين إعطاء الذمة لآحاد المحاربينوبين إعطائها لأهل إقليم أو جماعة منهم. ويستند المجوزون إلى فعل أميرالمؤمنين (عليه السلام) حيث أجاز ذمام الواحد لحصن من الحصون. وأمّاالمانعون من ذلك فيعلِّق كثير منهم بأنّ فعل الإمام وإجازته ذلك هو «قضيةفي واقعة» فلا يجوز التعدي عنها إلى غيرها من الحالات[32].

ومن هذه الموارد أيضاً ما ينقل عن الإمام علي (عليه السلام) في قضيّة ستةغلمان في الفرات فغرق واحد فشهد اثنان على ثلاثة وبالعكس، أنّ الدية أخماسبنسبة الشهادة[33].

وينقل ابن فهد الحلي رواية عن مبارزة جرت بين النبي (صلى الله عليه وآلهوسلم) وبين أحد المشركين، حيث عرض المشرك على النبيّ (صلى الله عليه وآلهوسلم) المصارعة فسأله ماذا يجعل له إن صرعه، فصرعه رسول الله (صلى اللهعليه وآله وسلم)، ثم طلب منه العود وهكذا إلى المرة الثالثة، وأخيراً سألهالمشرك أن يعرض عليه الإسلام ففعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)،فأسلم الرجل فأعاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه غنمه. ويردّ ابنفهد الاستدلال بالرواية على جواز الرهان على المصارعة، لأنّ الرواية قضيةفي واقعة[34].

هذاولكنّ بعض الفقهاء وخاصة ذوي الاتجاه الأخباري يرفضون ربط بعض هذهالروايات بظروفها ويعمّمون حكمها إلى غيرها من الحالات، ففي رواية عنالصادق (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «دخل رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) على رجل من ولد عبد المطلب وهو في السَّوْق (نزعالروح) وقد وجِّه إلى غير القبلة، فقال وجّهوه إلى القبلة، فإنّكم إذافعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة…»، وهذه الرواية ردّها العلامة في المعتبربأنّها قضيّة في واقعة فلا تدلّ على العموم[35]. ويعلِّق صاحب الحدائق على هذا الموقف من العلامة بقوله: «وأنت خبير بمافيه من الوهن والقصور؛ إذ لو قام مثل هذا الكلام لانسدّ به باب الاستدلالفي جميع الأحكام، إذ لا حكم وارد في خبر من الأخبار إلا ومورده قضيةمخصوصة، فلو قصر الحكم على مورده لانسدّ باب الاستدلال فإنّه إذا سأل سائلالإمام إنّي صلّيت وفي ثوبي نجاسة نسيتها، فقال: أعد صلاتك، فلقائل أن يقولفي هذا الخبر كما ذكره هنا (أي إنّه قضية في واقعة)، مع أنّه لا خلاف بينالأصحاب في الاستدلال على جزئيّات الأحكام والنجاسات مما هو نظير هذهالواقعة»[36]. هذا ولكنّه في مورد آخر له صلة بحالة قضاء يعالج بعض الأخبار المتعارضةويقترح لحل التعارض الحكمَ على أحد الخبرين بأنّه «قضية في واقعة»[37]،ويكشف هذا الموقف عن قبوله لفكرة تقييد بعض السنة بظروف صدورها، فهل هوتهافت من الشيخ البحراني وقبول تارة لعين ما أنكره أخرى؟ يبدو لي أنّالدفاع عن الشيخ البحراني ممكن ومتاح، بوجود فرق بين الحالتين فهذه الحالةالأخيرة هي حالة قضاء، وفي القضاء يمكن تقييد الحكم القضائي بالواقعة التيصدر فيها، وأما حالة التوجيه إلى القبلة فليست قضاء بل هي أمر نبوي وإن كانصادراً في حالة خاصة. وسوف أحاول لاحقاً تقويم هذه الحالة من تاريخيّةالسنة بين الفقهاء بعد الحديث عن تاريخيّة السنة الفعليّة.

2- تاريخيّة السنة الفعلية:

يبدومن النقاشات التي تدور بين الفقهاء حول حجيّة فعل المعصوم وحدود دلالتهأنّ كثيراً من الأفعال التي يستدلّ بها، تُقيَّد بالظروف التي صدرت فيها،أي تحصر دلالة الفعل في حدود البيئة التي صدر فيها، فإذا خفي شيء من الظروفلم يعد بالإمكان توسيع دلالة هذا الفعل والاستناد إلى عمومه أو إطلاقهللحالات المشابهة. وتوضيح ذلك أنّه إذا شاهدنا الإمام (عليه السلام) يصلّيصلاة الظهر ركعتين بدل الأربع أو وردت بذلك رواية ولم نعرف هل كان مسافراًأم حاضراً، أو هل كان مريضاً أم معافى، أو هل كان في حالة حرب أم في حالةسلم، إلى غير ذلك من الخصوصيّات التي يمكن أن تكون مؤثِّرة في صلاته بهذهالطريقة، لا نستطيع الاستفادة من هذا الفعل والحكم بجواز قصر صلاة الظهردائماً، كما في المثال. وهذا الأمر أي حصر دلالة الفعل بحدود الظروفالمشابهة، هو من الأمور المتّفق عليها في علم الأصول، وإليك بعض النصوص فيهذا المجال. يقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر: «أما الفعل فتارة يقترنبمقال أو بظهور حال يقتضي كونه تعليميًّا فيكتسب مدلوله من ذلك، وأخرىيتجرّد عن قرينة من هذا القبيل، وحينئذ فإن لم يكن من المحتمل اختصاصالمعصوم بحكم في ذلك المورد دلّ صدور الفعل منه على عدم حرمته بحكم عصمته،كما يدلّ الترك على عدم الوجوب لذلك، ولا يدلّ بمجرده على استحباب الفعلورجحانهإلا إذا كان عبادة -فإنّ عدم حرمتها مساوق لمشروعيّتها ورجحانهاأو أحرزنا في مورد عدم وجود أيّ حافز غير شرعي، فيتعيّن كون الحافز شرعيًّافيثبت الرجحان، ويساعد على هذا الإحراز تكرارُ صدور العمل من المعصوم، أومواظبته عليه مع كونه من الأعمال التي لا يقتضي الطبع تكرارها والمواظبةعليها»[38].

ويتابعالصدر بحثه من خلال طرح أسئلة عدّة حول دلالة الفعل، من قبيل: هل يدلّالفعل على عدم كونه مرجوحاً، وخاصة مع التكرار؟ ويعلّق الإجابة على الموقفالكلامي من فعل المعصوم. وينتهي أخيراً إلى السؤال الأساس وهو: هل يمكناستفادة الحكم الشرعي للمكلَّف في كلّ عصر من فعل المعصوم؟ ويجيب عن السؤالبقوله: «إنّ هذه الدلالات إنّما تتحقّق في إثبات حكم للمكلَّف عند افتراضوحدة الظروف المحتمل دخلها في الحكم الشرعي، فإنَّ الفعل لمّا كان دالًّاصامتاً وليس له إطلاق، فلا يعيّن ما هي الظروف التي لها دخل في إثبات ذلكالحكم للمعصوم، فما لم نحرز وحدة الظروف المحتمل دخلها لا يمكن أن نثبتالحكم»[39].

وتولّدهذه الإجابة سؤالاً آخر، وهو أنّ صدور الفعل عن المعصوم وعصمته التي هي منأهمّ خصائصه، ينبغي أن تمنع من الاستفادة من فعل المعصوم بالكامل،وبالتالي يؤدّي ذلك إلى سدّ باب استنباط الأحكام الشرعيّة من السنّةالفعليّة! وهذه إشكاليّة لا بدّ من حلّها، والحلّ من وجهة نظر الصدر يستفادمن الوصف القرآنيّ للمعصوم بأنّه «أسوة حسنة». ومن هنا، فإنّ الأصل فيأفعاله أن تصدر عنه من هذه الجهة، إلا ما ثبت بدليلٍ خاصّ أنّه من الأحكامالخاصة به[40]. وعلى أيّ حال يبدو أنّ هذا الموقف من دلالة فعل المعصوم، هو موقف يتبنّاه أكثر الأصوليين، وإن كان هو أكثرهم دقّة في التعبير عنه[41].

المنطلق الروائي لتاريخيّة بعض السنّة:

ولاتقتصر منطلقات قصر السنّة على ظروف خاصة، على ما تقدّم وحده بل تتّسع هذهالمنطلقات لتنضمّ السنّة نفسها إليها، ففي الروايات الواردة عن المعصومين (عليه السلام)، ما يشير إلى تقييد بعض السنّة بظروف صدورها وهي روايات عدّةأكتفي بالإشارة إلى بعض النماذج منها:

النهي عن مغادرة بلدالوباء: ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: سألت عنالوباء يكون في ناحية المصر فيتحوّل الرجل إلى ناحية أُخرى، أو يكون فيمصر فيخرج منه إلى غيره. فقال: «لا بأس إنّما نهى رسول اللّه (صلى اللهعليه وآله وسلم) عن ذلك لمكان ربيئة كانت بحيال العدوّ، فوقع فيهم الوباءفهربوا منه، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): الفارّ منه كالفارّمن الزحف كراهية أن يُخلُوا مراكزهم»[42]. ومن الواضح أنّ هذه الرواية تشير إلى فلسفة النهي عن مغادرة البلدالموبوء، وبالتالي تقيّد النهي النبويّ بالظروف التاريخيّة التي صدر فيها.

حبس لحوم الأضاحي: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى أن تُحبَس لحوم الأضاحي في منىفوق ثلاثة أيام من أجل الحاجة، فأمّا اليوم فلا بأس»[43]. وهذه الرواية أيضاً تبيّن فلسفة النهي النبوي عن حبس لحوم الأضاحي وتبرّرذلك بحاجة الناس إليها، وأمّا مع ارتفاع الحاجة، فقد تبدّل الحكم وأُلغيالنهي السابق.

النهي عن أكل لحوم الحمير: عن محمد بن مسلم وزرارة،أنّهما سألا الإمام الباقر (عليه السلام) عن أكل لحوم الحمر الأهليّة؟فقال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أكلها يوم خيبر؛ وإنّمانهى عن أكلها في ذلك الوقت؛ لأنّها كانت حمولة الناس، وإنّما الحرام ماحرّم الله في القرآن»[44]. وهذه أيضاً كسابقتيها، وتوجد غير هذه الروايات ممّا يدلّ على المعنى نفسه،وهو أنّ بعض الأوامر أو النواهي المنقولة عن النبيّ (صلى الله عليه وآلهوسلم)، صدرت في ظروفٍ خاصّة ولا بدّ من فهمها في إطار الظرف التاريخيّ الذيصدرت فيه، ولا تُعمَّم دلالتها إلى غيره من الظروف التي قد تختلف فيمقتضياتها.

دواعي لا تاريخيّة السنّة ومبرِّراتها

في مقابل ماتقدّم من المبرِّرات لإثبات تاريخيّة السنّة، يبرّر الفقهاء اعتمادهم علىالسنّة وتعميم دلالةِ ما تدلّ عليه إلى غير العصر والظرف التاريخي الذيصدرت فيه، بمبرّرات عدّة، منها:

1- خلود الشريعة وختم النبوّة: منالبديهيّات الأوّلية التي ينطلق منها الفقه الإسلامي عبر تاريخه والمعاصرمنه كذلك، فكرة خلود الشريعة الإسلاميّة وأنّ النبوّة خُتِمت برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وترتكز هذه الفكرة على أدلّة كلاميّة لا أجدضرورة للخوض فيها بالتفصيل، وتعبِّر عنها القاعدة المشهورة: «حلال محمدحلال أبداً إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة…»[45]. وممّا يؤدّي المعنى نفسه، الرواية النبويّة المشهورة: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة»[46]. ويترتّب على فكرة خلود الشريعة أنّ باب النسخ قد أُقفِل بانقطاع حبل الوحيمن الأرض، والحكم بتاريخيّة السنّة ما هي إلا نسخٌ سُمّي باسم معاصر. وكماأنّ نسخ القرآن ممنوعٌ بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كذلك نسخالسنّة فكلّ منهما وحي {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّاوَحْيٌ يُوحَى?[47].

2- انسداد باب الاستفادة من السنّة: يرى بعض الفقهاء أنّ فتح باب احتمالتقييد القضيّة بواقعها يسدّ باب استنباط الأحكام من السنّة، وقد نقلنا قبلقليل نصًّا عن الشيخ يوسف البحراني يشير إلى هذا المعنى بشكل دقيق، وبعبارةأخرى إذا كنّا نؤمن بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بيّنخلال حياته مجموعة من الأحكام وكان لكلّ منها مناسبة بشكل أو بآخر، فإنّكلّ كلام يصدر عن إنسان يعيش في بيئة اجتماعيّة يرى نفسه مسؤولاً عنهاومدبِّراً ومديراً لشؤونها، لا بدّ أن يكون ما يصدر عنه من مواقف وأوامرونواهٍ وتوجيهات مرتبطاً بتلك البيئة إمّا لإصلاح فاسد من أمورها، وإمالتأسيس واقع غير موجود وهكذا. فإذا أردنا ربط كلّ قضيّة من القضايا بالبيئةوالظروف التي صدرت فيها، لم يعد من مجال للاستفادة من السنّة، ولا يبقىإلا القرآن، والقرآن أوّلاً ليس فيه تفصيل كلّ الأحكام ولا يغطِّي جميعالوقائع، مع العلم أنّه هو نفسه، يدعو إلى العمل بالسنّة والتأسّي بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن المعلوم أنّ الفقهاء عندما يستدلّون علىحجيّة السنّة، إنّما يستدلّون بالقرآن، ولا تكفي السنّة لإثبات حجيّة نفسهاللزوم الدور.

3- الإطلاق والعموم الأزماني والأحوالي: من المباحثالتي يتعرّض لها الأصوليّون مبحث المطلق والمقيّد، وهو بحث طويل الذيل كثيرالتفاصيل كما يعلم المطّلعون على هذا العلم والذين خبروا تدقيق الفقهاءوالأصوليين في مثل هذه المباحث. والمقصود بالإطلاق هو إرسال الكلام دونتقييده بفردٍ أو حالةٍ أو صفةٍ، فيقول الفقهاء إنّ المتكلّم الحكيم لو كانيريد فرداً خاصًّا لكان عليه بيان ذلك بذكر القيد الذي يدلّ عليه، مثلاً لوكان المطلوب من المكلف قراءة سورة خاصة من القرآن في الصلاة أو في غيرهامن الحالات، لما صحّ من الله الحكيم ولا من النبيّ أن يأمرا بقراءة القرآندون ذكر تلك السورة المرادة. ويعبّرون عن هذه القاعدة بقولهم: «المتكلمالحكيم يقول ما يريد، ويسكت عمّا لا يريد». ومبدأ الإطلاق كما ينطبق علىأفراد المكلّفين أو متعلّقات التكليف في عصر، كذلك ينطبق على العصوراللاحقة، فيقال: لو كان الحكم الذي أعلنه رسول الله خاصًّا بزمانٍ دون آخر،وببيئة تاريخيّة دون أخرى؛ لكان عليه أن يبيّن ذلك في كلامه ولا يوهمالناس خلود الحكم وهو ليس خالداً؛ ويضاف هذا إلى وجود عدد من النصوصالنبوية تشير إلى التفات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بل والمسلمينأيضاً، إلى العصور اللاحقة[48]،ولا يُستفاد من النصوص أنّه كان يعتني بأهل عصره ويغفل ما بعده من العصوروأهلها. وما قيل عن الإطلاق يقال عن العموم حرفاً بحرف. ويرى الفقهاء فيبعض حالات التعارض الأوّلي، أنّ ظهور اللفظ في العموم الأزماني قوّي إلىدرجة يُرجَّح على النسخ، ومثال ذلك إذا ورد خاص مثل: «لا تكرم العلماءالفاسقين»، ثم ورد بعده عام متأخّر معارض له، كقوله: «أكرم العلماء». ففيمثل هذه الحالة يدور الأمر بين اعتبار الخاص منسوخاً لاغياً وبين تخصيصالعام به، فيقول عدد من العلماء: إنّ تخصيص العام أولى من عدّ الخاصمنسوخاً لقوة دلالته على الاستمرار والدوام[49].

4- المورد لا يخصّص الوارد: من القواعد المقرَّرة في الفقه الإسلامي إلى جانبقاعدة تقييد بعض السنن بالواقعة التي صدرت فيها، ويستند كثير من الفقهاءإلى هذه القاعدة ف


العصبيَّة والمهديَّة عند ابن خلدون قراءة تحليلية نقديّة الشيخ

22 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

مقدمة

تاريخية الاعتقاد بالمهدي

ساد الاعتقاد بفكرة المصلح المنتظر أكثر المجتمعات البشرية، وكان ينبع في كثير من الأحيان من منابع عقديّة دينيّة بوجهٍ خاص، وإن تعدّت في أحيان اُخرى هذا الجانب لتخلع عليها طابعاً فلسفياً يتماشى مع القانون الطبيعي للحياة. إلا أن هذه الفكرة تبلورت بشكل مهم في صياغتها الإسلامية عموماً، والشيعية على وجه خاص، كما تمَّ التأكيد عليها كثيراً في الموروث الإسلامي، حتى اعتبرها الكثير من المسلمين جزءاً من عقائدهم، وعُرفت عندهم باسم المهدي المنتظر.

فالمهدي يشكّل جزءاً من تاريخ المسلمين ومن ثقافتهم، وقد وصلت هذه الفكرة إلى الحدّ الذي جعلهم يتسالمون عليها بجميع طوائفهم ومذاهبهم. وهم، وإن اختلفوا في بعض خصوصياتها ومجال تطبيقها، بيد أن هذا الاختلاف لم يؤثِّر على قوّتها ورسوخها في أذهان جميع المسلمين. كما أنه لم ينل من اهتمام أكثرهم بتدوينها في كتبهم، سوى ما قد يظهر من صحيحي البخاري ومسلم، حيث لم ينقلا في كتابيهما أحاديث صريحة في المهدي، وإن كان هناك العديد من الروايات التي تعتبر صحيحة على مبناهما في الصحة([1])، لكن مع ذلك كله، فقد ورد في هذين الكتابين ما يمكن أن يؤيد وجود فكرة المهدي عند المسلمين، عبر ما روي من روايات تتعلق بعصر الظهور.

وقد بقي هذا التسالم والإجماع حاجزاً منيعاً أمام من أراد الدغدغة في روايات المهدي ـ على ما وجدناه في تاريخ دراسة هذا الموضوع ـ إلى أن غاص المؤرخ ابن خلدون في غمار المناقشة فيها وإثارة الشكوك حولها، بيد أنّ ابن تيمية نقل عن أبي محمد بن الوليد البغدادي إنكاره لروايات المهدي، وناقشه في كتابه الخاص حول المهدي، كما ناقشه في كتاب منهاج السنة([2]).

وإذا صحّ هذا النقل من ابن تيمية، فسوف يكون البغدادي أول من أثار التساؤل حول المهدي ممن وصلنا، إلا أن عدم وصول أي كتاب أو رسالة إلينا تحكي ذلك عنه غير ما نسبه إليه ابن تيمية، يمكنه أن يصحِّح القضية القائلة: بأن أوّل ما وصلنا من كتاب اقتحم صاحبه فيه الكلام حول المهدي والمهدية، هو كتاب المقدمة لابن خلدون، فاتحاً بذلك الباب أمام الكثير من المشكِّكين، الذين اعتمدوا عليه فيما بعد، وإن حاول ابن خلدون نفسه إيهام القارئ وجود الكثير من المنكرين لأحاديث المهدي أو الخادشين برواياتها ممن تقدم عليه، كما سوف يأتي، إلا أن عدم إيراده اسماً لأحد منهم، يجعل كلامه مجرد دعوى لا دليل عليها، ولا يمكن اعتمادها كأساسٍ ومرجع في ذلك.

ابن خلدون وأحاديث المهدي

عقد ابن خلدون فصلاً خاصّاً بأمر الفاطمي المنتظر([3])، حيث قال «اعلم أنّ المشهور بين الكافّة من أهل الإسلام على ممرّ الأعصار أنّه لا بدّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيّد الدين ويظهر العدل…، ويحتجّون في الشأن بأحاديث خرّجها الأئمة وتكلّم فيها المنكرون لذلك، وربما عارضوها ببعض الأخبار، وللمتصوّفة المتأخرين في أمر هذا الفاطمي طريقة اُخرى ونوع من الاستدلال، وربما يعتمدون في ذلك على الكشف الذي هو أصل طرائقهم»، ثم شرع بذكر حال بعض رواة أحاديث المهدي، ونقل طائفة من هذه الأحاديث وناقشها سنداً باتباع قاعدة «أن الجرح مقدَّم على التعديل، فإذا وجدنا طعناً في بعض رجال الأسانيد بغفلة أو بسوء حفظ أو ضعف أو سوء رأي، تطرّق ذلك إلى صحة الحديث وأوهن منها».

لكن اتّباع هذه القاعدة قد يوقعه في متاعب كثيرة، إذ قلّما تجد من الرواة من تسالم عليه جميع علماء الرجال، ومن ثَمَّ، فيطال النقد والتفنيد صحيحي البخاري ومسلم ذاتهما، ويؤدّي ذلك إلى رفض الكثير من رواياتهما، وهذا ما لا يرضى به ابن خلدون نفسه، إذ أن روايات هذين الصحيحين غير قابلة للطرح، وإن كان في طرقها من جُرِّح من الرواة، إلا أن ابن خلدون تنبّه لهذه المفارقة فقال: «لا تقولّن مثل ذلك يتطرّق إلى رجال الصحيحين، فإن الإجماع قد اتصل في الأمّة على تلقّيهما بالقبول والعمل بما فيهما، وفي الإجماع أعظم حماية وأحسن دفعاً، وليس غير الصحيحين بمثابتهما في ذلك».

ثمّ بعد ذلك، استعرض ثلاثة وعشرين حديثاً، وانتهى إلى تضعيف تسعة عشر منها عبر إعمال قاعدة: «أن الجرح مقدّم على التعديل»، مقرّاً في الوقت ذاته بصحة أربعة أخبار، فقد قال عقب ذلك: «وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد، إلا القليل والأقل منه».

ثمّ استعرض بعضاً من كلام المتصوّفة في حديثهم عن المهدي، وحلّل بعض رموزهم المدونة في تعيين زمن خروجه، وناقش كلام كبار علمائهم كأمثال ابن عربي وابن القيسي وابن أبي واصل وغيرهم، ثم عقّب على ذلك بقوله: «هذا آخر ما اطلعنا عليه أو بلغنا من كلام هؤلاء المتصوفة، وما أورده أهل الحديث من أخبار المهدي، قد استوفينا جميعه بمبلغ طاقتنا».

ثم يشير بعد الانتهاء من استعراض ذلك إلى تنافي فكرة المهدية مع النظرية التي كان قد أسّسها سابقاً ـ عند حديثه عن العمران البدوي، وعن الدول العامة والملك والخلافة ـ واعتبر أن قيام الدول إنما يكون على أساسها، وهي نظرية العصبية بقوله: «والحقّ الذي ينبغي أن يتقرّر لديك أنه لا تتمّ دعوة في الدين والملك إلا بوجود شوكة عصبية تظهره وتدافع عنه من يدفعه، حتى يتمَّ أمر الله فيه، وقد قرّرنا ذلك من قبل بالبراهين القطعية التي أريناك هناك».

وبعد ذلك يشرع بتطبيق هذه النظرية على واقع المهدي المنتظر، في مقام استبعاد هذه الفكرة بقوله: «وعصبية الفاطميين ـ بل وقريش أجمع ـ قد تلاشت من جميع الآفاق، ووجد أمم آخرون قد استعلت عصبيتهم على عصبية قريش، إلا ما بقي بالحجاز في مكة وينبع بالمدينة من الطالبيين… فإن صحَّ ظهور هذا المهدي فلا وجه لظهور دعوته إلا بأن يكون منهم، ويؤلف الله بين قلوبهم في اتباعه حتى تتم له شوكة وعصبية وافية… وأما على غير هذا الوجه… فلا يتم ذلك ولا يمكن، لما أسلفناه من البراهين الصحيحة».

ثم يستعرض أخبار وحالات بعض من ادعى المهديّة في غير عصبية وشوكة في أهله، وكيف أنّ مصيره قد انتهى إلى الهلاك والإهلاك، وآل إلى موت هذه الحركات في مهدها، مستفيداً من ذلك في تدعيم أصل نظريته، وأنّ ما جرى من أحداث تاريخية يتوافق مع فكرة العصبية.

خلاصة رأي ابن خلدون في المهدي

ما تقدم هو خلاصة ما ذكره ابن خلدون في شأن الفاطمي المنتظر، وما أثاره من تساؤل ومناقشة للروايات، انتهت إلى التشكيك في أصل الفكرة، وهذا التساؤل والتشكيك ينطلق في الواقع من ثلاثة أركان أساسية:

1 ـ ضعف روايات المهدي، وعدم صلاحها لتكوين فكرة عقدية.

2 ـ بيان كذب دعاوى المتصوفة التي كانت تعيِّن زمان ومكان خروج المهدي المنتظر، والتي استفاد منها في تأييد بطلان أصل الفكرة.

3 ـ معارضة فكرة المهدي المنتظر للنظرية التي تبنَّاها ابن خلدون في كيفية بناء الدول والحكومات، القائمة على أساس العصبية.

وما يهمّنا في هذه الوريقات، هو تسليط الضوء على الركنين الأول والثالث، تاركين الخوض في بيان الركن الثاني ومناقشة دعاوى المتصوفة، وهل أن مخالفة إخبارهم لواقعة تحكي فكرة معينة، تلازم القول بإنكار هذه الفكرة من أساسها، أو لا؟ وهل أن تفسير كلامهم بذكر زمن معين لخروج المهدي، كما حصل معهم، هو فعلاً ما يضربونه من وقت في ذلك؟

إن الخوض في استعراض هذه المطالب، قد يلجئنا إلى دراسة مفصَّلة لكيفية حلّ ألغاز المتصوفة، وطرق تحليل رموزهم. وإلا فمن الصعوبة بمكان أن يحصل الباحثون على نتيجة موحَّدة في حلِّهم لتلك الرموز، لإمكانية دعوى أن ما توصَّل إليه هذا الباحث في تحليله للرمز هو غير ما قصده كاتب الرمز نفسه، ومن ثَمّ فيصعب التوصل إلى نتيجة مقنعة ومبرهن عليها في هذا الصعيد، ما لم يتوصل إلى توحيد طرق تحليل هذا الرمز.

هذا، مضافاً إلى أن التعرض للإجابة على مثل هذه الإشكاليات، والدخول في أبحاث جانبية، قد يُلجئنا للخروج عن أساس بحثنا والموضوعية العلمية التي يجب المحافظة عليها.

وحتى يتضح المراد من استخدام نظرية العصبية في رد فكرة المهدي، لا بدّ من بيان أصل هذه النظريّة عند ابن خلدون التي يعتبرها الأساس في قيام أيِّ دولة.

نظريَّة العصبيَّة عند ابن خلدون([4])

من الصعب تعريف العصبية عند ابن خلدون، لما تحمله هذه الكلمة من معانٍ عنده قد تصل إلى حد التباين أحياناً، كما سوف يظهر، إلا أن ذلك لا يقف حائلاً أمام بيان ما تحتويه من معنى بشكل إجمالي؛ فقد عرَّفها الجابري «بأنّها رابطة اجتماعيّة سيكولوجيّة ـ شعوريّة ولا شعوريّة ـ تربط أفراد جماعة معيَّنة قائمة على القرابة المادّية أو المعنوية، ربطاً مستمراً يبرز ويشتدّ عندما يكون هناك خطر يهدّد أولئك الأفراد كأفراد، أو كجماعة»([5]).

ويعتبر ابن خلدون أن منشأ العصبية ينطلق من مبدأ «الوازع» الذي يردع الإنسان عن الاعتداء على بني جنسه، والمراد بالوازع يتّضح ببيان التناقض الموجود في الإنسان والمجبول عليه بنو آدم، فهو من جهة يُعتبر مخلوقاً اجتماعياً، لا يمكنه الاستغناء عن أخيه الإنسان، ومن جهة اُخرى مجبول على صفة عدوانيّة بطبيعته؛ «فمن امتدّت عينه إلى متاع أخيه امتدّت يده إلى أخذه، إلا أن يصدّه وازع». وهذا ما تشير إليه الآيات القرآنية >وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ<([6]) >فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا<([7]). كما أنّ هذا الخلق موجود في ثقافة العرب الجاهليين:

«والظلم من شِيَم النفوس فإن تجد *** ذا عفّةٍ فلعلّةٍ لا يظلمُ»

وهذا الوازع الذي يمنع من التعدي، ينقسم إلى نوعين: أحدهما وازع داخلي ينبع من ذات الإنسان، فهو لا يظلم ولا يعتدي لأنه يرى ذلك مخالفاً لقناعاته ومرتكزاته الفطرية، والوازع الآخر خارجي وهو الذي توجبه السلطة وتفرض احترامه على جميع أفراد المجتمع.

يحاول ابن خلدون ـ في كلامه عن الوازع ـ أن يسلّط الضوء على الوازع الخارجي تاركاً الخوض في معالجة الوازع الداخلي، باعتبار أنه لا يتعدّى كونه خُلقاً كريماً من خصوصيات الإنسان الفردية، لا يمكن قولبته في قالب نظري، كما أنه لا يساعد في الكشف عن صياغة قانونيّة في واقع اجتماعي.

أ ـ الحاجة إلى العصبيّة

إن انتظام حياة الإنسان إنما يكون على أساس الوازع الخارجي، وبه تستمر الحياة الاجتماعية، ومنه تنشأ الحاجة إلى وجود سلطة تحفظ تماسك المجتمع، وتمنع العدوان الخارجي عليهم، أو عدوان بعضهم على بعض.

لكنّ طبيعة المجتمعات تفرض تغايراً في إعمال السلطة والوازع:

فالمجتمعات المدنيّة ـ ولوجود الحكومات الحافظة لمصالح الرعيَّة ـ تعتمد على حكوماتها في الحماية من الأخطار الداخلية فيما بين سكان المدينة أنفسهم، كما أنها تعتمد على الأسوار المحيطة بالمدينة، وعلى مرتزقة السلطان والحاكم في دفع العدوان الذي يهدّدهم من الخارج.

والأمر يختلف تماماً في المجتمعات البدويّة، حيث تعتمد هذه المجتمعات على هيبة شيوخها وكبرائها في دفع عدوان الناس بعضهم على بعضهم الآخر، كما أنها تعتمد في دفع العدوان الخارجي ـ الذي كثيراً ما كان يقع لأجل السيطرة على موارد الرزق واستلاب بعضهم البعض الآخر، لشحِّ الموارد الخصبة في أماكن سكنى هذه القبائل في الصحاري ـ على حامية الحيِّ من فتيانهم ونجبائهم الشجعان، لكنّ هذا الدفاع عن حيِّهم والتضحية لذلك، لا يمكن أن يتمّ إلا إذا كانوا عصبيّة واحدة وأهل نسب واحد.

من هنا يتّضح أن العصبيّة عند ابن خلدون، إنما تتكوَّن في خصوص المجتمعات البدويّة ويُحتاج إليها في الحياة بالبادية، كما وأن الضرورة التي ألجأت إليها هي ردع العدوان المحتمل على القبيلة.

تنشأ العصبيّة أوّل الأمر بين أفراد القبيلة الواحدة الذين يجمعهم نسب واحد، لكن قد تتعدّى هذه الدائرة الضيّقة، لتشمل نسبة الولاء والتحالف مع القبائل الأُخرى الذين لا يشتركون معهم بعلاقة نسبيّة، وهذا التحالف والولاء كانا ينشأان غالباً من الشعور بالضعف أمام تهديدات الأعداء، فكانت القبائل تلجأ ـ غالباً ـ إلى التحالف لدفع هذه الأخطار، ويشير صاحب النظرية إلى هذه المسألة بعد عرضه للحمة النسب بقوله: «ومن هذا الباب الولاء والحلف، إذ نعرة كلّ أحد على أهل ولائه وحلفه للألفة التي تلحق النفس من اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها بوجه من وجوه النسب، وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو قريباً منها»، من هنا اضطرَّ الجابري إلى توسيع دائرة النسب عند ابن خلدون، مدخلاً إياها في عداد الاجتماع لأجل مصلحة مشتركة، حيث قال: «فإنّ النسب عند ابن خلدون ليس الانتماء إلى جدّ مشترك، سواء كان الانتماء حقيقياً أو وهمياً، بل إن المقصود بالنسب عنده هو الانتماء الفعلي إلى جماعة معينّة، أي إلى عصبة ما»([8]). بل سوف يظهر بعد قليل أن عامل وحدة الدين والنعرة الدينية قد تفوق عصبية النسب بالدم والانتماء القبلي.

لكن يبقى للحمة النسب أهمية بالغة في السيطرة على الرئاسة، فإنّ اللحمة كلّما كانت قريبة كانت العصبية أشد. لذا كانت عصبية الأخوة أكبر من عصبية أبناء العمومة، وهكذا في غيرهم، من هنا كانت الرئاسة في القبيلة الواحدة من نصيب من له الغلب، ويتوقف ذلك على وجود عصبية اُخرى تكون هي الأقوى في هذه القبيلة تعمل على تدعيم زعامة هذا الرئيس.

ج ـ فائدة العصبية

يجعل ابن خلدون الحصول على الملك والسيطرة على السلطة من أهم غايات العصبية، لأن طلب الملك من الأمور التي جبل عليها الإنسان، ولا يقنع باليسير منها، فإنه إذا حصل له ملك، امتدت عينه إلى ملك أوسع منه. وعندئذٍ، فهو بحاجة إلى قومه وعصبيته للوصول إلى ما يطمح إليه؛ يستعين بهم ويتقوى بقوتهم، وهم بالمقابل يعينوه على الوصول إلى غايته للعصبية الموجودة عندهم والتي تدفعهم إلى ذلك، فضلاً عمَّا سوف يعود عليهم من الترف والنعيم فيما إذا توسع ملك صاحبهم، ومن ثمّ… ملكهم.

وبعد أن يحصل الزعيم على الملك الجديد وتتوسع دائرة نفوذه، يتحسّن وضع القبيل ـ وهم أصحاب العصبية الواحدة ـ الذين أعانوه للوصول إلى ذلك، ويستولون على النعمة بمقدار سلطانهم، فيبدأ الترف يدخل إلى حياتهم عبر تدفّق الأموال والثروات عليهم، مما يؤثّر ذلك على خشونة البداوة وقوّة العصبية التي كانت لديهم، فتضعف عندهم العصبيّة، وينشأ بنوهم بعيداً عن الحاجة إليها، إلى أن تتناقص وتصل إلى حدّ الانقراض، وعند انقراض العصبية، يقصر القبيل عن الدفاع والحماية عن السلطة، مما يؤدّي ذلك إلى أن تطمع بهم الأمم الأُخرى فتلتهمهم وينتهي ملكهم إلى غيرهم.

د- أثر الدعوة الدينيّة في العصبيّة

يشير ابن خلدون إلى مدى تأثير الدعوة الدينية في بناء الدول وقوّة شوكتها، فيعقد فصلاً خاصّاً في أنّ الدعوة الدينيّة تزيد الدولة قوّة مضافاً إلى قوّتها العصبيّة، ويستشهد لذلك بما حصل في الفتوحات الإسلامية؛ حيث كان عدد جيش المسلمين في معركة اليرموك بضعاً وثلاثين ألف رجل، بينما كان جيش الروم فيها في حدود الأربعمائة ألف رجل، وكذلك في حرب القادسيّة حيث كان جيش الفرس فيها في حدود المائة وخمسين ألفاً والمسلمون ثلاثين ألفاً، ومع ذلك استطاع المسلمون التغلب على جيوش كسرى وقيصر بواسطة العصبية الدينية التي كانت تشدُّ هممهم.

ويعطي على ذلك نموذجاً آخر: وهو ما حصل للموحّدين في المغرب العربي، الذين غلبوا قبائل زناتة وملكوهم مع قوّة عصبيتهم، وذلك لاقتران قيامهم بالدعوة الدينية. لكنّهم بعد أن تخلّوا عن صبغتهم وعصبيتهم الدينية، تغلبت عليهم زناتة نفسها وبدَّدت شملهم.

ثم يحاول ابن خلدون أن يوسع من دائرة هذه النظرية على الأمم السابقة أيضاً، حيث يطبّقها على دعوة الأنبياء عليهم السلام، بدعوى أن الأنبياء أنفسهم لم يخرجوا في دعوتهم إلى الله تعالى عن هذه السنَّة القاهرة. مستدلاًّ لذلك بما ورد في (الصحيح) ـ والعجب منه كيف وصف هذا الحديث بالصحيح والحال أنه بناء على ما تقدم من مبانيه في التوثيق والتضعيف يكون ضعيفاً، كما سنذكر ـ «ما بعث الله نبياً إلا في منعة من قومه»، مضافاً إلى أن الأنبياء قد دعوا إلى الله بعشائرهم وعصائبهم، ثم يستشهد على ذلك بما جرى في زمن بني العباس من قيام لأشخاص دعوا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من دون عصبية، حيث لم يكن أصحاب هذه الدعاوى يعرفون عاقبة دعواتهم، وأنهم ممن غلبهم الوسواس وسيطر عليهم الوهم؛ «والذي كان يحتاج إليه في أمر هؤلاء إما المداواة إن كانوا من أهل الجنون، وإما التنكيل بالقتل والضرب إن أحدثوا هرجاً، وإما إذاعة السخرية منهم وعدّهم من جملة الصفّاعين».

ثمّ بعد أن ينتهي من استعراض الأثر الذي تتركه العصبية على قيام الدول، يشير إلى أنّ هذه العصبيّة ذاتها تؤثّر أيضاً في موت الدول والحكومات، حيث إنّ ضعف العصبية عند أهل النسب الواحد أو أهل عصبية واحدة، سيؤدي إلى تراجع الدفاع عن الملك والحكم. وبذلك يكون الملك لديهم قد فقد أهم عامل في حفظه، ممّا ينذر بنهايته، وانتقاله عنهم.

إلى هنا، تنتهي أبرز فصول نظرية العصبية عند ابن خلدون، وأهم مراحل تطوّرها وتأثيرها على بناء الدول وموتها، وقد عرضناها باختصار.

ربط نظرية العصبية بإنكار المهدي

استعان ابن خلدون ـ كما أسلفنا ـ بالنظريّة التي أسّسها في بناء الدول، على إنكار المهدي، واعتبر أن هذه الفكرة تتناقض مع نظريّته المسلّمة والثابتة بالأدلّة والبراهين، وذلك لأن هذه النظرية تُثبت عدم إمكان نجاح أيّ قيام أو ثورة من دون أن تشتمل على عصبيّة تُؤمِّن لها تغطية العامل البشري في هذه الثورة، وحيث إن أهم عامل في تقوية العصبيّة ينبع من النسب، ويعتمد اللحمة النسبية أساساً له ـ كما ذكرنا في بيان هذه النظرية ـ فهي بحاجة إلى وجود كمٍّ كبير من المنتمين إلى نسب واحد مستعدّين للتضحية في سبيل الدعوة التي يقوم بها صاحبهم وزعيمهم، وإذا طبّقنا ذلك على المهدي الفاطمي، وجدنا أن الهاشميين أو العلويين ـ وهم عصبة الفاطميين الذين يمكن للمهدي أن يعتمد عليهم في دعوته ـ قد انقرضت شوكتهم وانتهت عصبيتهم، ولم يعد منهم مجتمعين في مكان واحد وعلى رأي كذلك، إلا بقية لا تنفع في تلبية حاجات القيام والثورة، كما لا يمكنها أن تشكّل عصبية قويّة يمكن للمهدي أن يتّكئ عليها في حركته، فضلاً عن تأسيس دولة عالمية خالية من آفات الظلم والفساد، كما هو المفترض.

وقفة مع ابن خلدون في أخبار المهدي

سوف نتوقّف قليلاً مع ابن خلدون في معالجته لأخبار المهدي، وهو الركن الأوّل الذي بنى عليه ردّه لهذه الفكرة. وتوقُّفُنا في المقام سيقتصر على إثارة بعض الملاحظات الهامة:

1 ـ يظهر من ابن خلدون عدم امتلاكه الخبرة الكافية في تحقيق الأخبار، ومعرفة الصحيح من الضعيف من الروايات، كما أنّه ليس لديه إلماماً بالقواعد الرجالية المعمول بها عند الفقهاء والمحدّثين، يمكّنه من الخوض في غمار دراسة أسانيد الروايات. من هنا نرى أنه حاكم هذه الروايات بطريقة لم يسبقه إليها أحد من الباحثين في الحديث. فضلاً عن أنه لم يراع الطرق المعروفة والضوابط المتبعة عند المؤرخين ـ الذين ينتمي إليهم ابن خلدون ـ أضف إلى أنّه لا يلتزم بإطلاق الصيغة التي قدّمها في انتقاء الأخبار وتنقيتها في غير هذا المورد، وأبرز دليل على ذلك: ما تقدم منه قبل قليل في إطلاقه وصف (الصحيح) على رواية: «ما بعث الله نبيّاً إلا في منعة من قومه»، والحال أنّها ضعيفة بناء على القاعدة التي تبنّاها من أن الجرح مقدّم على التعديل، كما سوف نبين بعد قليل، مما يؤكّد أن هذه الطريقة في علاج الأخبار ليست ناجعة بالمستوى المطلوب، كما أنها ليست مقبولة حتى عند ابن خلدون نفسه.

2 ـ أوهم ابن خلدون القارئ ـ بعد استعراضه للأخبار ـ أنّ ما أورده منها هو تمام أو جلّ ما ذكره أهل الحديث، حيث قال: «وقد استوفينا جميعه بمبلغ طاقتنا»، مع أنّه لم يذكر سوى ثمانية وعشرين طريقاً لثلاثة وعشرين حديثاً. وسوف نذكر أنّ الروايات المرويّة في الكتب التي يعتمد عليها ابن خلدون، والتي تمَّ فيها ذكر المهدي أو تتحدث عنه وعن عصر الظهور، تفوق الخمسمائة رواية، بطرق مختلفة.

3 ـ لقد اعترف ابن خلدون في نهاية عرضه للأخبار، بأن بعضها صحيح بناء على مبانيه في الصحة، حيث قال: «وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل». وقوله هذا يؤكِّد إقراره بصحة قسم من الروايات التي عرضها، وهي أربعة أخبار من ثلاثة وعشرين خبراً، وهي تعادل ما نسبته السبعة عشر بالمائة: 17%. وإذا افترض أنه لم يكن قد استثنى أيّاً من الروايات التي أعرض عن ذكرها، بل قام باستعراضها بأجمعها كما كان المتوقّع من باحث مثله، وهي خمسمائة وثمانين طريقاً لأحاديث تتحدث حول المهدي وقيامه، من كتب العامّة فقط، لكان من المفترض ـ بناء على حساب الاحتمال ـ أن يكون لديه من الأسانيد الصحيحة لهذه الأحاديث ما يفوق التسعين سنداً، كل ذلك مع مراعاة القاعدة المتقدّمة في الصحة التي اعتمدها هو. ومثل هذا العدد من الأسانيد الصحيحة كافٍ في إخراج هذه الأخبار عن كونها أخبار آحاد، لوصولها إلى حدّ التواتر([9]).

كما أنه يمكن أن يُكتفى بها في تكوين فكرة عقديّة، كما هو الحال في الكثير من الأفكار العقدية الأُخرى، حيث بُنيت على روايات أضعف دلالة وأقل صحّة من حيث السند، فيكون البناء على هذه الروايات بطريق أولى.

4 ـ إن القاعدة التي بنى عليها دراسته للحديث، والقائلة بأن الجرح مقدم على التعديل، سوف تفضي إلى إنكار الكثير من أحاديث صحيحي البخاري ومسلم، وهذا ما لا يعمل به ابن خلدون ـ كما ذكرنا ذلك في بداية البحث ـ لذا حاول دفع هذه الإشكالية بالقول بأن روايات الصحيحين قد أخذت بالإجماع، وكفى به حامياً عن ضعف أسناد بعض أخبارهما.

لكن، إن كان المراد بقوله هذا، أنّ ما تمّ الإجماع عليه بين المسلمين قد اكتسب حصانة ومناعة لا يمكن معها أن يدغدغ فيه من جهة ضعف السند أو جهل الرواة، فهذا الأمر تشترك به فكرة المهدي عموماً، وبعض رواياتها على وجه الخصوص، إذ قد ادّعى الكثير من المخبرين والفقهاء وأهل الحديث الإجماع على فكرة المهدي، وتواتر أخبارها، وبل وادعى بعضهم قيام الإجماع على الاعتقاد بهذه الفكرة عند المسلمين جميعاً، ولعلّ ما أشار إليه ابن خلدون في مطلع بحثه عن الفاطمي، من قـوله «أن المشهور بين الكافّة من أهل الإسلام على ممرّ الأعصار…»، يكاد يكون صريحاً في صحّة هذه الدعوى. وعندئذٍ، لا يكون هناك أيّ فارق بين الصحيحين ـ بناء على دعواه ـ وبين أخبار المهدي من هذه الجهة، لأن المفترض أن الداعي للحصانة هو قيام الإجماع، وقد انعقد الإجماع على فكرة المهدي، وتسالم القوم على تواتر أخبارها.

وأما إذا كان مراده منها إثبات أنّ فكرة المهدي والأحاديث المحيطة بها لم ينعقد عليها الإجماع، بمعنى إنكار الإجماع صغروياً وعلى مستوى الإثبات، فهذا خلاف ما هو الموجود في كلمات العلماء الذين تعرّضوا لهذه المسألة، وقد أحصى بعضهم من ادعى الإجماع على فكرة المهدية، أو ادعى تواتر الأحاديث حول المهدي، ما يقرب من ثلاثين عالماً من أهل الاختصاص في هذا المجال([10])، ولعلّ ذكر أسمائهم وبيان أحوالهم، يُخرجنا في هذا البحث عن حدّ الاختصار.

نظرة في تطبيق العصبيّة على فكرة المهدي

الحقّ أن يقال إن نظريّة العصبيّة قد أعطت تبريراً معقولاً لقيام الدول والحكومات وموتها في العهود السابقة، والتي كانت تعتمد على أفراد القبيلة وأصحاب النسب الواحد، كما اتضح من خلال ذلك مدى قدرتها على تبيين سبب طول عمر الدول أو قصرها، ويعتبر هذا سبقاً من ابن خلدون لزمانه، في دراسة شاملة لبناء أساس الاجتماع البشري.

بل إنه يمكن القول إن الحكومات الحديثة والدول المعاصرة، ليست خارجة عن الأسس العامة لهذه النظرية، فإن أي انقلاب أو ثورة على نظام قائم وحاكم لا يكتب لها النجاح، ما لم تكن منبعثة من روح عصبية يمكنها أن تجمع أشخاص مختلفين لأجل هدف واحد، والعمل على إنجاح قضية محورية. سواء كانت هذه العصبية ناشئة من الحسب والقرابة، أو كانت ناشئة من الانتماء الديني والمذهبي، أو حتى من الاجتماع على مشروع سياسي واحد. وهذا ما تقوم به الأحزاب والنظم الحزبية المعاصرة، فإنها تبتني على أسس عصبية تحاول أن تعطّل تفكير الفرد بمصالحه الخاصة ـ التي لا تنسجم مع المصلحة العامة ـ لحساب مصلحة الجماعة والحزب.

لكن هذا لا يجعلها في منأى عن تسجيل بعض الملاحظات حولها. وقبل ذكر هذه الملاحظات، يحسن بنا أن نشير إلى أن الذين ناقشوا ابن خلدون في تشكيكه بفكرة المهدي، تناولوا مناقشته للأخبار فقط، ولم يتعرض أحد منهم ـ على حدّ مراجعاتنا المتواضعة ـ إلى ما ذكره من تنافيها مع نظرية العصبية التي أسسها في العمران.

لم يفلح ابن خلدون في مناقشته لفكرة المهدي، أن يشير أو يدلِّل على القاسم المشترك بين نظرية العصبية وبين تنافيها مع فكرة قيام المهدي بصياغتها المطروحة إسلامياً، لا الصياغة البدوية التي اعتبرها منشأ هذه النظرية. بمعنى أنه لم يقدِّم أيَّ طرح يمكنه أن يعمّم فيه النتيجة على كافة أنواع المجتمعات البشرية، واقتصر فقط على بيان تنافي هذه النظرية ـ التي افترض ضرورة وجودها في خصوص المجتمعات البدوية، والتي تعتبر مجتمعات ضعيفة ثقافياً أو متخلِّفة في كثير من الأحيان ـ مع فكرة المهدي، علماً بأن مثل هذه المجتمعات في الوقت الحاضر قد تلاشت، أو قلَّ وجودها بنسبة كبيرة لحساب المجتمعات المتمدنة. بل حتى في عصر ابن خلدون، كانت المجتمعات المتمدنة ـ بصيغتها الخلدونية ـ والمتأثرة بالحضارة والثقافة الإسلامية، طاغية في وجودها على المجتمعات البدوية.

مضافاً إلى أنه كان قد فرَّق بين المجتمعات البدوية والمجتمعات المدنية المتحضرة في تأثُّرها بالعصبية، أو تأثير العصبية عليها، فقال هناك، أنه لا حاجة للعصبية في تلك المجتمعات لكفاية الدولة مؤونة الحماية ـ التي هي السبب الرئيس في نشوء العصبية وقوة شوكتها ـ وأن العصبية في هذه المجتمعات أقل منها عند المجتمعات البدوية. ومع وجود هذا الفارق الأساسي بين كلا المجتمعين، لا يعود لدينا أي مبرِّر لحصر الكلام في مستلزمات الحياة البدوية، وإغفال الحديث عن مستلزمات الحياة الحضرية، فإن الواضح عندنا أن النظام الاجتماعي في الإسلام قد عقد آمالاً واسعة على بذور التغيير والإصلاح التي وضعها في المجتمعات البدوية، للسير قُدُماً نحو مجتمع أكثر تحضّراً في نمط تفكيره وحياته.

ولعلنا بغنىً عن تقديم أدلة على عدم إمكانية توسيع دائرة هذه النظرية إلى غير المجتمعات المتحضرة، لكن يحسن بنا الإشارة إلى أن هذا الفهم لم يأت من العدم، فقد فهم الجابري من ابن خلدون ـ حين استعراضه لهذه النظرية ـ أن العصبية ضرورة تفرضها طبيعة حياة المجتمعات البدوية لا غير، حيث قال: «فالعصبية إذن خاصة بالمجتمع البدوي، وهي ظاهرة تستلزمها المعطيات الاجتماعية والاقتصادية السائدة في هذا النوع من العمران»([11]). كما ويصرِّح في مكان آخر بأن «العصبية ظاهرة خاصة بالبدو، لأن أحياءهم مفتوحة وتحتاج في الدفاع عنها إلى تكتّل وتعاضد فتيانها الشجعان»([12]).

وهذا كله يعني فقدان المبرِّر لمسألةِ تعارض نظرية سياسية واجتماعية مع فكرة عقدية وتاريخية مسلَّمة، كما شاء ابن خلدون أن يصوِّرها.

إن هذه النظرية ـ في صياغتها للعصبية ضمن إطارها النَسَبِي ـ ليست كافية لتبرير قيام الدول في الوقت الحاضر، بناء على تغيُّر نظام الحكم في هذا الوقت عنه عند القبائل العربية، حيث الرئاسة الآن، في أغلب الأنظمة السياسية، إنما تكون لمن يتراضى عليه الناس، ولو كانوا متباعدين نسباً، وحتى لو لم يكن صاحب قوّة ـ بالشكل الذي طُرح في النظرية ـ فإن تحديد ميزان القوة قد اختلف في هذا الوقت عنه في المجتمعات البدوية، فنرى أن القوة تتمثّل الآن بالقدرة على تشكيل ائتلاف سياسي، أو تخضع لإمكانية تشكيل شبكة علاقات واسعة، يستطيع الفرد من خلالها إرضاء خصومه بشكل أو بآخر. وبناء عليه، يمكن أن يصل أي إنسان إلى الرئاسة ـ إذا حاز على شروط تولي السلطة ـ حتى لو لم يكن صاحب عشيرة تتعصَّب له، مما يفتح المجال أمام احتمال نجاح أي قيام يمكن أن يحدث دون أن يكون معتمداً على العصبية النَسَبِيّة.

ومن الواضح أن هذا لا ينسف أساس النظرية التي قدَّمها ابن خلدون، حيث إنها تحكي نظام الحكومات في المجتمعات المتأثرة بالحياة البدوية ضمن الأنظمة السياسية التي كانت سائدة عندهم، بيد أن هذه النظرية ليست مطّردةً بالشكل الذي ذكره صاحبها، ولا يمكن تطبيقها على واقع مختلف عن ذاك الواقع، بل إن ما مارسه العرب من نظام سياسي بعد الإسلام، والذي عُرف باسم الخلافة ـ إلى ما قبل استيلاء معاوية على الحكم، إذ انقلب بعد تولي معاوية إلى ملك بني أمية ـ لا ينسجم مع هذه النظرية بتاتاً، لذلك ينقل الجابري في هذا السياق: «لقد بنى ابن خلدون نظريته في الحكم على العصبية، وبما أن الخلافة نوع خاص من الحكم، بل هو النوع الخاص بالإسلام، فإن إثبات صواب وعمومية نظريته في العصبية كان يتطلَّب منه إقامة الدليل على أن الخلافة نفسها قد نشأت وتطورت، ثم انقلبت إلى الملك بمقتضى العصبية ذاتها»([13]). وإلا، كان عليه أن يحدِّد فاعلية هذه النظرية ضمن دائرة الأنظمة السياسية البدائية، دون غيرها.

3- تعارض مصالح العصبة مع المصلحة الدينية

بيَّن ابن خلدون مدى تأثير الدعوة الدينية على العصبية النسبية، وأن الأخيرة تتأثر بالعصبية الدينية إيجاباً، لو فرض توافق كلتا المصلحتين على هدف واحد، لكنّه لم يقدِّم رؤية واضحة في مسألة تعارض مصالح العصبية النَسَبية، مع العصبية المتولدة من الدعوة الدينية، مكتفياً بالإشارة فقط إلى أن العصبية الدينية تزيد الدولة قوة إلى قوتها، وأعطى على ذلك مثال الجيوش الإسلامية في الحروب التي خاضوها لفتح بلاد الفرس والروم. بيد أن زيادة القوة المفترضة هذه، إنما تكون في حالة التقاء مصالح العصبية القَبَلِية مع المصالح الدينية، أو لا أقل عدم تعارضهما. وعندئذٍ يصحُّ القول بأن العصبية الدينية تزيد الدولة قوة إلى قوتها العصبية، كما افترضه هو في الأمثلة التي قدمها سابقاً.

أما إذا افترضنا وجود اختلاف في المصالح أو التوجُّهات القَبَلية والدينية، فالنظرية ساكتة عن هذه الحالة، ولا توجد أية إشارة إلى ذلك في كلام ابن خلدون، والحال أن التعرض إلى هذا الأمر ضروري، لما له من الأثر الكبير في تغيير المسار السياسي للدول والحكومات القائمة على أسس عصبية.

ويشهد بأهمِّية تعارض الدعوة الدينية مع المصالح القبلية، ما حصل للمهاجرين الأوائل في صدر الإسلام، الذين ترفَّعوا على عصبياتهم القبلية، وحاربوا عشيرتهم وآباءهم في المعارك التي خاضوها مع المشركين في بدر وأحد.

وهذا ما يساعدنا في الكشف عن وسائل اُخرى لم يتعرض لها ابن خلدون، يمكنها أن تزيد من قوة اجتماع جماعة وتعاضدهم في سبيل هدف أسمى وأفضل من الأهداف العصبية الأُخرى، وهو بدوره قد يكون متوافقاً مع العصبية النسبية، وقد يكون مغايراً لها.

حاول ابن خلدون ـ في مقام الاستدلال على صحة كلامه ـ تطبيق نظرية العصبية على دعوات الأنبياء الدينية، فاعتبر أنّ كل دعوة دينية لا بدَّ أن تعتمد في نجاحها على عصبية نَسَبية، مستدلاً على هذا الأمر بخبر «ما بعث الله نبياً إلا في مِنعة من قومه»، وبما حصل للأنبياء من اعتمادهم على عشيرتهم وعصبيَّتهم في دعواتهم الدينية.

إلا أن محاولته هذه لم تكن موفقة كثيراً، إذ يمكن أن يقال:

أولاً: إن تطبيق هذه النظرية على الدعوة الدينية يحتاج إلى أدلة أقوى وأوضح مما قُدِّم، بل يحتاج إلى تأويل العديد من الأحداث التاريخية الواضحة. فإن الشواهد التاريخية والقرآنية تؤكِّد حقيقة مهمَّة في هذا السياق، وهي أن أكثر الأنبياء قد أُرسلوا إلى أقوامهم وعشائرهم بالدرجة الأولى، لا أنهم أُرسلوا إلى أقوام آخرين يستنصرون عليهم بأقوامهم وعصبيتهم، وهذا ما يؤكده القرآن في حكايته عن النبي محمَّد 2 حينما قال: >وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ<([14]). بل إن أهم ما كان يعترض مسيرة الأنبياء، كان ينبع غالباً من المقرَّبين لهم، وفي هذا السياق نرى أن أول من خذل الرسول الأكرم2 هم قومه وبنو عمومته، وقد استنصر عليهم بالأنصار الذين لم يكن يربطه بهم أي علاقة رحمية، أو حتى علاقة سببية في بداية الأمر. وكذلك يُحدِّثنا القرآن عن سائر الأنبياء الذين كانوا يتلقُّون أشدّ أنواع الأذى والعذاب من خاصَّتهم المقربين، من قبيل ما جرى للنبي هود مع قومه عاد حيث يُخبرنا القرآن عنهم: >وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ<([15]).

كما ويوجد العديد من النصوص الروائية التي تؤكِّد هذه الحقيقة أيضاً، حيث ورد أن عمه أبا لهب هو أول من كان يقدم على أذيته، نذكر على سبيل المثال ما رُوي في سنن البيهقي: «عن طارق بن عبد الله المحاربي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسوق ذي المجاز، وأنا في بياعة لي، فمرَّ وعليه حلة حمراء، فسمعته يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ورجل يتبعه يرميه بالحجارة قد أدمى كعبيه، وهو يقول يا أيها الناس لا تطيعوا هذا فإنه كذاب، فقلت من هذا؟ فقيل هذا غلام من بني عبد المطلب، فقلت فمن هذا يرميه بالحجارة؟ قيل عمه عبد العزى أبو لهب بن عبد المطلب…»([16]).

ومثلها يوجد الكثير من الروايات.

وثانياً: إنه يمكن التشكيك في دلالة الرواية على ما ذهب إليه ابن خلدون، فالرواية مروية في مسند أحمد من المصادر الروائية فقط ـ وإن كان مضمونها مروي فيه وفي غيره، إلا أن الذي يهمنا هنا النقض على ابن خلدون في استدلاله بهذه الرواية مع ضعفها دلالة وسنداً ـ والأفضل أن ننقل نص الرواية مع سندها كما وردت هناك: «حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا أمية بن خالد، حدثنا حمّاد بن سلمة، وأبو عمر الضرير المعني، قال حدثنا حماد عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلّم: قال لوط: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، قال: قد كان يأوي إلى ركن شديد، ولكنه عنى عشيرته، فما بعث الله عزّ وجل بعده بنياً إلا بعثه في ذروة قومه. قال أبو عمر فما بعث الله عزّ وجل نبياً بعده إلا في منعة من قومه»([17]).

فالمراد بالمنعة الموجودة هنا، هو الحماية والنصرة من الاعتداء عليه بشخصه، لا أن الدعوى الدينية التي يقوم بتبليغها تحتاج إلى هذه المنعة أو النصرة كي تتم، وبدونها لا يمكن لها النجاح، فموضوع الدعوة الدينية وتبليغ الرسالة، لا يرتبط أبداً بوجود الناصر والمعين. ولعل التأمّل في نص الحديث يغنينا عن الخوض في الاستدلال على صحة هذه الدعوى.

نعم، يمكن أن يكون مراد ابن خلدون: أن تربُّع الأنبياء على سدَّة الحكم والسلطة، ونجاح دعوتهم وحركتهم السياسية، لا يتحقق إلا بعصبية نسبية تحت قيادتهم، وهذا ما كان يفتقده الأنبياء. إذ إنهم، وإن كانوا يتوجَّهون بدعوتهم إلى أقوامهم وعشائرهم، إلا أنهم لم يكونوا يتجاوزون الدعوة الدينية كي تصل النوبة بهم إلى الحكم والسلطنة على قومهم، إلا بعد أن يجتمعوا حولهم ويساعدونهم ويعضدوا حكمهم بما أوتوا من قوَّة. لكن هذه الفرضية، وإن كانت قريبة من عبارات ابن خلدون، إلا أن إثبات هذا الأمر يحتاج أيضاً إلى تأويل العديد من الآيات القرآنية، وتبرير بعض الشواهد التاريخية والنصوص الروائية، التي قد لا تتوافق معه، ممّا يؤدي إلى إخراجها عن ظاهر دلالتها.

إنه لا بد من اتباع طريق موحّد لمعرفة صحّة الرواية من ضعفها، فإما أن نتبع القاعدة التي ذكرها الكاتب، أو أن نعتمد وسيلة اُخرى في ذلك، ونعتمدها في جميع الأخبار التي نريد معرفتها. ومن هنا يمكن لنا أن نسجل ملاحظة على منهج ابن خلدون في اعتماده طريقاً لمعالجة أخبار المهدي، وغضه النظر عن هذا الطريق بعينه، عند ذكره لرواية يمكنها أن تؤيد نظريته في العمران.

فنقول: إن سند هذه الرواية مخدوش به، بناء على طريقة ابن خلدون في تصحيح الروايات وطرحها ـ القائمة على أساس أن الجرح مقدّم على التعديل ـ فكان عليه أن يطرح هذه الرواية أيضاً، لضعف سندها بوجود بعض الرواة الذين ضُعّفوا من قبل بعض علماء الرجال؛ من قبيل أمية بن خالد، الذي نقل العقيلي تضعيفه في كتابه([18]).

كما نقل ابن حبان أيضاً في كتابه عن أمية أنه كان يروي المراسيل([19]).

وقد ذكره ابن حجر في كتاب تهذيب التهذيب، فبعد أن نقل عن بعض الرجاليين توثيقه، نقل عن العقيلي أنه ذكره في الضعفاء([20]).

كما وأن حمّاد بن سلمة، الموجود في السند أيضاً، نقل عنه ابن حبان أنه كان يخطئ في نقله للحديث([21]).

وكذلك محمد بن عمرو الذي ذكره العقيلي في الضعفاء ([22]).

وهؤلاء الرواة الذين تعرضنا إليهم، وإن لم يكونوا ضعافاً بالمعنى المشهور عند الرجاليين، لكن، إذا اعتمدنا طريقة ابن خلدون في الجرح والتعديل، فلا بدّ من القول بضعفهم، ومن ثمّ القول بعدم صحة هذا الخبر، الذي وصفه الكاتب بالصحيح. وهذا ما يؤيد الدعوى التي أُطلقت على ابن خلدو


الأسس الفقهية لنظام الحكم عند السيد الشهيد محمّد باقر الصدر 

13 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تمهيد

كثيرون هم الرجال الذين انحنت قامة التاريخ لهم إجلالاً واحتراماً لما أسدوه للبشرية من أياد بيضاء نقية، وقدّموه للعلم والمعرفة من خدمات جليلة.

لكنّ ما يميّز السيد الشهيد محمد باقر الصدر ! عن غيره، أنه كان يشتمل على صفات قلّما اجتمعت في رجل: إذ ضمّ إلى سعة معلوماته، وتنوّع اهتماماته، عمقَ النظرة، ومنهجيةَ الفكرة، ودقّةَ التحليل، وعرفيّةَ النتيجة، وسعةَ البحث، وعصريةَ الموضوع، وجزالةَ اللفظ.. فلم يَضحَ للفقه والأصول آلفاً، حتى صار في سائر العلوم كالمعرفة والفلسفة والاقتصاد مؤلّفاً. ولم يُمسِِِ ِ بالعلوم عالماً حتى غدا فيها ناقداً، فمفكّراً، فمنظّراً.

ومع هذا كلّه لم يشغله العلم عن مجتمعه، بل أدرك أوضاع عصره، وتحسّس حاجات مجتمعه، واستشعر ما يراوده من شكّ، وما يختلج في نفسه من ريب، فبادر إلى موضع الشبهة ومكمن الداء، فعالجه بما علم معالجةَ الحكيم الحاذق، فكان أن ترك من الكتب في العقيدة والفلسفة والمنطق والاقتصاد والسياسة ما أثرى به الفكر، وأبدع فيها بما لا يدانيه به أحد، فضلاً عن أن يضاهيه.

لكنّ بعض هذه العلوم طبعه بآرائه، وطوّره بنظراته، وأشبعه ببحثه، وبعضها لم تسمح له يد الغدر والخيانة بإتمامه، وإن أشار فيه إلى مبانيه وآرائه.

ومن جملة ما تركه ناقصاً مبتوراً نظريته في نظام الحكم. فإنّه لم يتناول ذلك ببحث في كتبه ومؤلفاته، وإنّما تعرّض له في مقالات أواخر أيامه، والتي طبعت ضمن سلسلة (الإسلام يقود الحياة).

لكنّ هذه المقالات لم يلحظ فيها أن تكون بحثاً فقهياً واستدلالياً، بل كان الغرض منها تثقيف الطليعة المؤمنة، والجيل الواعي على الفكر الإسلامي الأصيل، وإعطائه نظرة مختصرة عن شكل النظام الإسلامي وركائزه وأبعاده.

ومن هنا، فقد رأينا أن نتناول بالبحث بعض الخطوط والملامح التي رسمها السيد الصدر ! لنظام الحكم الإسلامي بالبحث، واستكشاف مبانيه الفقهية فيها، علّنا نقدّم بذلك خدمة في سبيل إحياء وتجديد بعض أفكاره.

نظام الحكم إدارة وإشراف

البحث عن نظام الحكم في الإسلام لا يمثل عند السيد الصدر ! مجرد بحث عن الآلية التي يطرحها الإسلام لإدارة اُمور المجتمع، ولا كيفية تخريجها من الناحية النظرية شرعاً، ورسم الأُطُر القانونية المحدّدة لطبيعة العلاقة بين الجهاز الحاكم والرعية، وبين العاملين في الجهاز الحاكم أنفسهم، وبين أفراد الرعية أنفسهم أيضاً، وحقوق وواجبات كل طرف من هذه الأطراف تجاه سائر الأطراف، بل يرتبط ذلك كلّه بالمبادئ والغايات والأهداف الربوبية لمسيرة المجتمع البشري كلّه، والقائمة على أساس من رؤية تصوّرية كونيّة جامعة. فكلّ بحث ينصبّ على تحديد آليات الحكم وأُطره الظاهرية، مع قطع النظر عن الأهداف المرسومة له، بحثٌ شكلي لا يتجاوز القشرة إلى اللُّب ولا الظاهر إلى الأعماق.

ومن هنا، حاول السيد الصدر ! في بحوثه التنظيرية لرسم معالم الحكومة الإسلامية صبَّ البحث منذ البداية على محورين هما:

1 ـ خط ّ الخلافة.
2 ـ خط ّ الشهادة.

ويعبّر الأول عن حكم وضعي يجعل بمقتضى قول الله للملائكة: >إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً< (البقرة: 30) نوعاً من السلطنة لجميع أفراد النوع البشري، المتمثل بآدم %، على اختلاف مذاقاتهم واهتماماتهم في كلّ ما حوته أرجاء هذا الكون الفسيح المعبّر عنه بالأرض في الآية، والمستلزم إعطاءهم قدرة تكوينية على التصرف فيه أوّلاً، وإصدار حكم تشريعي بجواز التصرف والانتفاع بما في الكون في الجملة ثانياً، إن لم يُستفَد من ذلك أصل وقاعدة فقهية يرجع إليها لإثبات جواز الانتفاع والتصرف في كل ما يشكّ في جوازهما فيه وعدمه، كأصالة الإباحة والبراءة مثلاً، تماماً كما استُفيد جوازُ تصرّف صاحب المال في ماله ـ تكليفاً ووضعاً أو تكليفاً أو وضعاً فقط ـ من رواية «الناس مسلّطون على أموالهم»([1]).

ويعبّر الثاني عن حكم وضعي آخر يمنح المولى بموجبه للعارفين بمقاصد الشريعة وأحكامها العامّة والخاصة، حقَّ الإشراف والتدخل، بل والتعديل والتصحيح لمسيرة البشرية ، وذلك بمقتضى قوله تعالى:>وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَـؤُلاء< (النحل: 89)، وقوله: >فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا< (النساء: 41).

فنظام الحكم عند السيد الصدر ! ينفكّ منذ البداية إلى وظيفتين:

إحداهما: وظيفة إدارة المجتمع وتمشية أُموره.

والأُخرى: إحراز انطباق هذه الإدارة على الموازين والمعايير والأحكام الشرعية، وانصبابها ضمن محور الغايات والمبادئ والأهداف الإلهية.

ويتولّى كلّ واحدة من هاتين الوظيفتين جهاز محدد له خصائصه وبرامجه وإمكاناته.

وقد تجتمع خصائص كلا الجهازين في أفراد معيّنة فيتّحد القائم بالوظيفتين كما قد تفترق فيتعدّد.

وكيفما كان، فالسيد الصدر ! قائل بالتفكيك بين السلطات منذ البداية، فهو يقول: «وضع الله سبحانه وتعالى إلى جانب خط الخلافة ـ خلافة الإنسان على الأرض ـ خطّ الشهادة الذي يمثّل التدخّل الربّاني من أجل صيانة الإنسان الخليفة من الانحراف، وتوجيهه نحو أهداف الخلافة الرشيدة»([2]).

آيات الكتاب وخلافة الاُمّة

جرت عادة الفقهاء لدى البحث عن ولاية الفقيه خصوصاً، ونظام الحكم في الإسلام بصورة عامة على عدم التعرّض إلى الآيات، بل ربّما إلى مطلق الأدلة الدالة على خلافة الأمّة. ولعلّ الدافع إلى ذلك ارتكازُ منهج النيابة والنصّ في أذهانهم، لما له من خلفيّات قويّة ترتبط بخلافة الأئمة (، مع ما استتبع ذلك من تميّز في المنهجية الفكريّة والعاطفية لعلماء الشيعة فضلاً عن عوامّها، ممّا ساقهم بنحو شعوري أو لاشعوري إلى البحث عن الدليل في أحاديث السنّة والروايات بعد وضوح عدم النصّ في الكتاب على التنصيب في عصر الغيبة، أو لسريان غلبة الاعتماد على السنّة في الاستدلال الفقهي عموماً إلى هذه المسألة، فلم يستند فيها إلى آيات القرآن غفلةً رغم وجود الدليل عليها منه، أو لعدم حمل الفقهاء الاستخلاف المذكور على معنى الحاكمية وإدارة المجتمع.

وأيّاً كان السبب، فلم يتعرّض من فقهائنا إلى الاستدلال بالآيات على خلافة الأمة غير السيد الصدر !،، الذي استدلّ عليها بآيات الاستخلاف([3])، وتوريث الأرض([4]), والحدود([5]):

الأوليان بإرادة الغلبة وتسلّم زمام الحكم، كما يدلّ على ذلك تفريعه الحكم في بعضها عن الاستخلاف كقوله تعالى: >يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ< (ص: 26)، وقوله>ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ< (يونس: 14)، وبه يندفع إرادة معنى آخر غير ما ذكر.

والأخيرة باستفادة الولاية للأمة من تعلّق الأوامر فيها بضمير خطاب الجماعة المراد بها المسلمين الدالّ على أنها المكلّفة بإجراء الحدود التي هي من وظيفة الحاكم.

ولا يرد على الاستدلال احتمال إرادة الجعل التكويني لا التشريعي من الجعل الإلهي فيها، فيكون بمعنى الإيصال إلى سدّة الحكم غير الدالّ بحالٍ على المشروعية. فإنّه لو فرض لم يضِرَّ باستفادتها إن لم تكن من إسناد الجعل حتى التكويني إلى الله في كلامه الكاشف لا عن موافقة ذلك لإرادته التشريعية فحسب، بل عن امتنانه أيضاً فلا أقلّ من دلالة قوله: >لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ< على عدم سخطه من أصل الوصول إلى السلطة المساوق للإمضاء المثبت للإباحة الاقتضائية على أقل التقادير، وإناطة رضاه وسخطه بما يعمله المستخلف بعد ذلك، إنما الوارد كون الآيات المستدل بها لا دلالة لها على المطلوب.

آية الاستخلاف:
 أما آية استخلاف آدم % الأرض فلا بدّ من استظهار اُمور:
أولاً: كون المراد بآدم % فيها النوع البشري.

ثانياً: كون ذلك على سبيل الاستغراق.

ثالثاً: أنّ الاستخلاف حاكمية تشريعية، معناها كون كلّ فرد من أفراد الإنسان هو خليفة الله في أرضه، بما يقتضي ذلك من سلطنة له على الكون مطلقة وغير محدودة، إلاّ من قبل الله المستخلف أو لمزاحمتها لسلطنة الإنسان الآخر ما لم يتنازل عنها لصالح غيره.

وينتج عن ذلك ثبوت الولاية للأمة، بمعنى دخالة رأي كل فرد في تعيين الحاكم عليه. وهي كما ترى إذ لو قبلنا الأوّلين كما هو الظاهر من القرائن المحتفة بالآية لكون الله تعالى بصدد الخلقة واعتراض الملائكة على الطبيعة البشرية غير المختصة بفرد دون آخر، فلا نقبل الاستخلاف إلاّ بمعنى الحاكمية والسلطنة بالنسبة إلى سائر الكائنات الموجودة في الكون غير الداخل فيها المشتركون معه في النوع من أبناء الإنسان على سبيل الجزم؛ لعدم خروجهم عنه بعد فرض كون المقصود بآدم % هو النوع البشري أوّلاً، ولكون الحاكمية المفترضة للإنسان على الكون بالقياس إلى سائر الأنواع من الكائنات فيه كما تدلّ عليه القرائن المتقدمة ثانياً.

الآيات الأُخرى:

وأمّا الآيات الأُخرى فمضافاً إلى ورودها في وقائع خاصة مما لا يستفاد منها كبرى كلية قاضية بتعلق أمر الحكومة بالأمة دائماً عدم بعد إرادة الاستخلاف التكويني المساوق ـ كما تقدم ـ لمعنى الظهور والغلبة والسلطنة على مقدّرات الأُمور في الأرض، المقتضي مع كون الخطاب لاُمة معينة استئثارها بها دون غيرها من الأُمم، وهو لا يعني ثبوت الحاكمية التشريعية للأمة بالأصالة.

آيات الحدود:

نعم، تبقى آيات الحدود التي قد لا يقصد من خطاب جماعة المسلمين بها إلاّ تكليفهم بإجرائها، لا لأنّ الولاية ثابتة للأمة بالأصالة، بل لأنها من تكاليف الأمة على كلّ حال. أي وإن كان الحاكم واصلاً من طريق غير الأمة كالتسلّط بالقهر والغلبة لكون موجبها آفة اجتماعية. مع أن التكليف المعبر عنه بـ (عليه) غير معنى الولاية المعبّر عنها بـ (له).

ثم لو فرضنا تمامية ذلك كلّه، واجه القول بخلافة الأمّة اصطدامها بخلافة الأنبياء والأئمة ( المجعولة لهم بالنصب لا من طريق الأمة، وهو ما جعله السيد الصدر! استثناء من الأصل الكلي القاضي بكون ولاية أمر المجتمع بيد الأمة، فهو يقول: «وخلافة الجماعة البشرية في مرحلة التغيير الثوري الذي يمارسه النبي $ باسم السماء ثابتة مبدئياً من الناحية النظرية، إلاً أنها من الناحية الفعلية ليست موجودة بالمعنى الكامل، والنبي $ هو الخليفة الحقيقي من الناحية الفعلية، وهو المسؤول عن الارتفاع بالأمة إلى مستوى دورها في الخلافة»([6]).

وقد يورد عليه بأنه استثناء غالبي لعدم خلوّ الأرض من لدن خلقة آدم% وإلى عصر الغيبة من نبي أو إمام كما دلّت على ذلك الروايات أيضاً، لكن المستشم من كلام السيد الصدر ! إنكار كونه كذلك، فإن دور النبي والإمام دور المصلح لمسيرة المجتمع عند انحرافها، وهو ما يحصل على فترات متباعدة نسبياً وخلالها تكون الخلافة بيد الأمة.

وكيفما كان، فإن جعل الله سبحانه وتعالى الولاية للأنبياء والأئمة، كما في قوله تعالى في ولاية نبينا محمد $ : >النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ< (الأحزاب: 6)، وقول رسول الله $ في ولاية علي % : «من كنت مولاه فعلي مولاه»([7])، إن حملت على جعل الخلافة لهما، فهو منافٍ لجعلها للأمة ما لم تعالج بإيقاع الطولية بينهما أو إعمال تقييد فيهما، أو إيقاع التزاحم بينهما، وإن حملت على جعل الشهادة لهما والولاية لممارسة التغيير الثوري المطلوب، فلا منافاة حينئذٍ، لكنه ربما بلغ مرتبة اقتضى من النبي والإمام استلام زمام الأُمور بيده عملياً، ولعل كلام السيد الشهيد ! ناظر إلى الأخير، ومعه فلا مجال للإشكالين السابقين.

ولاية الفقيه وخلافة الأمة

اختلف الفقهاء في ثبوت الولاية للفقيه وعدمها بين قائل بالثبوت، كالشهيد الثاني([8]) والمحقق الكركي([9]) والنراقي([10]) والنجفي([11]) وغيرهم، بل ادّعى الكركي الاتّفاق عليه، حيث قال: «اتّفق أصحابنا رضوان الله عليهم على أن الفقيه العدل الإمامي الجامع لشرائط الفتوى المعبّر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية نائب من قبل أئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل…»([12])، وبين قائل بعدمها كالشيخ الأنصاري ) ([13]) والسيد الخوئي ) ([14]), وحينئذ فيجوز اتخاذ أي نظام من أنظمة الحكم لا يتعارض مع الأحكام الشرعية؛ لعدم الدليل على لزوم العمل بنظام معين، والأصل الإباحة.

نعم، لا بدّ للجهاز الحاكم أياً كان شكله من الرجوع إلى الفقيه في كل قضية يشكّ في منافاتها لحكم من أحكام الشريعة، من باب رجوع الجاهل إلى العالم؛ لئلاّ يبتلى بمخالفة الأحكام الشرعية.

وكيفما كان، فالشهيد الصدر ! لا يعتقد بثبوت الولاية بمعنى الخلافة للفقيه في مرحلة تحرّر الأمة من سلطان الطاغوت وملكها أمر نفسها، بناء على ما أسّسه من أصل أوّلي من أن الخلافة حق الأمة. وأثبته بالآيات القرآنية الكريمة، حيث يصرح في كتاب خلافة الإنسان قائلاً: «وأما إذا حرّرت الأمة نفسها، فخطّ الخلافة ينتقل إليها، فهي التي تمارس القيادة السياسية والاجتماعية في الأمة بتطبيق أحكام الله وعلى أساس الركائز المتقدّمة للاستخلاف الربّاني»([15]).

وكذا في اللمحة التمهيدية، حيث يقول: «إن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية قد أُسندت ممارستها إلى الأمة، فالأُمة هي صاحبة الحقّ في ممارسة هاتين السلطتين بالطريقة التي يعينها الدستور. وهذا الحقّ حقّ استخلاف ورعاية مستمد من مصدر السلطات الحقيقي وهو الله تعالى»([16]).

لكن، ربما توهّم البعض ذهاب الشهيد الصدر ! إلى ثبوت الولاية بمعنى الخلافة للفقيه، ولعلّه استفاد ذلك من بعض عباراته الموهمة في كتاب الـ«لمحة» مثلا ً، حيث ذكر نيابة الفقيه العامة للإمام % في أكثر من موضع منه([17]), متمسكا ً في بعضها بالتوقيع الشريف الذي رواه إسحاق بن يعقوب([18]).

لكن، وخلافا ً للتصور المذكور، لم يكن الشهيد الصدر ! بصدد إثبات منصب الولاية بمعنى الخلافة والإدارة للفقيه بذلك. نعم، هو يرى ثبوت الولاية بمعنى الشهادة له، وقد صرّح بذلك عدّة مرّات:

1 ـ فهو يقول في إحدى نقاط خلاصة الـ«لمحة»، بعد ذكره التوقيع الشريف: «فإنّ هذا النص يدلّ على أنّهم المرجع في كلّ الحوادث الواقعية بالقدر الذي يتّصل بضمان تطبيق الشريعة على الحياة؛ لأنّ الرجوع إليهم بما هم رواة أحاديثهم وحملة الشريعة، يعطيهم الولاية بمعنى القيمومة على تطبيق الشريعة وحق الإشراف الكامل من هذه الزاوية»([19]).

2 ـ وفي أُخرى يقول: «الخلافة العامة للأمة على أساس قاعدة الشورى التي تمنحها حق ممارسة أُمورها بنفسها ضمن إطار الإشراف والرقابة الدستورية من نائب الإمام»([20]).

3 ـ وفي نقطة ثالثة يقول: «فكرة أهل الحل والعقد التي طبقت في الحياة الإسلامية، والتي تؤدّي بتطويرها على النحو الذي ينسجم مع قاعدة الشورى وقاعدة الإشراف الدستوري من نائب الإمام إلى افتراض مجلس يمثل الأمة وينبثق عنها بالانتخاب»([21]).

فهو يصرح بوضوح بأن الفقيه نائب الإمام % في الإشراف والرقابة دون أن يكون له حق التصرف في أمور الأمة، ولا في تغيير تشريعاتها التي لا تتنافى مع الشريعة ومقاصدها.

وفي الحلقة الرابعة([22]) صرّح الشهيد الصدر ! بذلك أيضاً، حيث قال: «وتميّز في هذه المرحلة [مرحلة غيبة الإمام %] خط الشهادة عن خط الخلافة بعد أن كانا مندمجين في شخص النبي أو الإمام؛ وذلك لأن هذا الاندماج لا يصح إسلاميا ً إلاّ في حالة وجود فرد معصوم قادر على أن يمارس الخطّين معاً، وحين تخلو الساحة من فرد معصوم، فلا يمكن حصر الخطين في فرد واحد.

فخط الشهادة يتحمل مسؤوليته المرجع على أساس أن المرجعية امتداد للنبوة والإمامة على هذا الخط.

وهذه المسؤولية تفرض:

أولا ً: أن يحافظ المرجع على الشريعة والرسالة، ويردّ عنها كيد الكائدين، وشبهات الكافرين والفاسقين.

ثانيا ً: أن يكون هذا المرجع في بيان أحكام الإسلام ومفاهيمه، ويكون اجتهاده هو المقياس الموضوعي للأمة من الناحية الإسلامية، وتمتدّ مرجعيّته في هذا المجال إلى تحديد الطابع الإسلامي لا العناصر الثابتة من التشريع في المجتمع الإسلامي فقط، بل للعناصر المتحركة الزمنية أيضا ً باعتباره هو الممثل الأعلى للإيديولوجية الإسلامية.

ثالثا ً: أن يكون مشرفا ً ورقيبا ً على الأمة، وتفرض هذه الرقابة عليه أن يتدخل لإعادة الأمور إلى نصابها إذا انحرفت عن طريقها الصحيح إسلاميا ً، وتزعزعت المبادئ العامة لخلافة الإنسان على الأرض… وأما خط الخلافة الذي كان الشهيد المعصوم يمارسه … (فإذا) حرّرت الأمة نفسها فخط الخلافة ينتقل إليها، فهي التي تمارس القيادة السياسية والاجتماعية في الأمة بتطبيق أحكام الله، وعلى أساس الركائز المتقدمة للاستخلاف الربّاني»([23]).

ومن هنا، يتضح أن السيد الشهيد ! لا يرى للفقيه حق تولّي القيادة السياسية ولا الاجتماعية في الأمة، ولا هو مسؤول عن عملية تطبيق أحكام الله سبحانه فيها، وتشريع القوانين التي يحتاج إليها نظام الأمة، ممّا لم يرد فيها نصّ في كتاب أو سنّة، ولا دليل من إجماع أو عقل، فإن السلطتين التنفيذية والتشريعية يجب أن تنبثقان عن الأمة باعتبارهما حقا ً خوّله الله تعالى إيّاها كما تقدم في الـ«لمحة».

غاية الأمر أنّ الفقيه قيّم وليّ على الأمة، بمعنى مشرف رقيب عليها من أن تزيغ وتنحرف وتضلّ عن الطريق بمخالفتها الأحكام الأولية والثانوية واتجاهات الشريعة، فيتدخل لإعادة الأمور إلى نصابها. وهذا أيضا ً نوع من الولاية كما هو واضح.

فما أشكل عليه به بعض أساتذتنا([24])، من أن ممارسة الأمّة ملءَ منطقة الفراغ إنكارٌ لولاية الفقيه رأساً، غير صحيح.

نعم، السيد الصدر ! يرى ثبوت الولاية للفقيه على الأمة بمعنى ممارسته صلاحيات كلا الخطين، أعني خط الخلافة والشهادة معاً، ما دامت الأمة محكومة للطاغوت ومقصية عن حقّها في الخلافة، كما صرّح به نفسه في الحلقة الرابعة من حلقات (الإسلام يقود الحياة)، حيث قال: «وأما خط الخلافة الذي كان الشهيد المعصوم يمارسه، فما دامت الأمة محكومة للطاغوت ومقصية عن حقها في الخلافة العامة، فهذا الخط يمارسه المرجع، ويندمج الخطّان حينئذ ـ الخلافة والشهادة ـ في شخص المرجع»([25]).

والملاحظ مما أفاده الشهيد الصدر ! بكلماته المتقدمة، ادعاؤه ثلاثة مناصب للفقيه:

الأول: التمثيل الأعلى للدولة.

الثاني: الإشراف والرقابة على حركة الأمة.

الثالث: الولاية العامة ـ خلافة وشهادة ـ على الأمة في زمان قصورها.

والظاهر أن مستند المنصبين الأول والثاني هو التوقيع الشريف الذي رواه إسحاق بن يعقوب، كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك ممّا نقلناه من عبارة اللّمحة التمهيدية.

والتوقيع الشريف رواه الكليني عن إسحاق بن يعقوب، قال: «سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتابا ً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان % : أمّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك…[ إلى أن قال]: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله»([26]).

لكنّ الفقهاء استدلوا به على الولاية، وقرّبوا الاستدلال بالتوقيع المذكور بأحد التقريبات التالية:

التقريب الأول: أن الظاهر من الحوادث مورد الإرجاع جميع الحوادث لا حوادث مخصوصة، وذلك للعموم المستفاد من لام الجنس الداخلة عليها، ومن الواقعة ما يقع لاحقا ً لا سابقا ً أو فعلا ً من باب استعمال المشتق فيما يحصل منه التلبّس بالمبدأ فيما بعد، ومن رواة الحديث المرجوع إليهم الفقهاء، لا بما هم رواة ولا فقهاء، أمّا الأوّل، فلعدم الرواية فيما لم يقع، وأما الثاني، فلوضوح الرجوع فيه إليهم عند الشيعة ممّا لا يستدعي السؤال، فلم يبقَ إلاّ الرجوع إليهم بما هم ولاة. فالرواية أمرت المؤمنين تكليفاً بالرجوع إلى الفقيه بالمطابقة, وجعلت له الولاية وضعاً بالملازمة.

وهذا البيان يمكن أن يناقش فيه من جهتين:

الأُولى: إن كون اللام الداخلة على الحوادث لام الجنس غير معلوم، فلعلّها كانت لام عهد إلى حوادث وردت في سؤال السائل، ومع وجود مثل هذا الاحتمال فالرواية مجملة.

لكن هذه المناقشة مردودة باستبعاد إرادة ذلك منها؛ لتعارف الإجابة عن مثلها من قبل الإمام % أو الإحالة على فقيه بعينه كما صنع في غيرها من الأسئلة، لا أن يحيلها على عموم الفقيه. فالظاهر أن السؤال عن عموم ما يقع من الحوادث في مستقبل الزمان بنحو ناسب إحالتها على عموم الفقيه.

الثانية: إن استظهار كون المرجوع إليهم الفقهاء بما هم ولاة غير متعيّن، إذ لعلّ السائل كان بصدد استبيان المرجع ـ في عصر غيبة الإمام % ـ في مستحدثات المسائل ومستجدّات الأمور، ممّا لم يرد به نصّ خاص بعد، إذ كان الإمام % هو الناهض ببيان أحكامها. والفقهاء عصرَ الحضور وإن كان يرجع إليهم لمعرفة الأحكام الشرعية، لكن بمقدار لا يتجاوز حدود النصّ، بحيث يكون الرجوع إليهم بما هم رواة أقرب منه بما هم فقهاء ومستنبطون، فإن وجود الإمام % كان يغني عن إعمال النظر، وانتزاع القواعد الأصولية والفقهية، والخوض في حيثيات المسائل. ولذا صرّح غير واحد ممّن كتب في تاريخ الفقه والفقهاء ومراحل الاجتهاد، بأن الاجتهاد المعروف لدينا اليوم إمّا لم يكن موجوداً في عصر الأئمة، أو كان بأبسط أشكاله([27]).

وعليه، فربما أثار قرب وقوع الغيبة الكبرى للإمام % قلقاً في نفس السائل حول من يجيب على المسائل المستجدة والأمور الحادثة فيها، فأرجعه الإمام إلى الفقهاء مرشداً بتعبيره رواة أحاديثنا إلى كفاية ما يحملونه من تراث روائي ضخم بهذا الفرض المهم.

فالإنصاف أن المناقشة في الاستدلال بهذه الفقرة في محلّها.

التقريب الثاني: تتميم الدليل السابق بالقول إنّ إطلاق التعليل الوارد في ذيل الفقرة بـ«إنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله»، يثبت الحجية لهم في تمام ما الإمام فيه حجة حتى الأمور الولائية.

والجواب: إن التعليل المذكور لم يعلم استفادة الإطلاق منه لاتصاله بما يصلح لتقييده، فإنّ الحجية ليست من قبيل العلل الحقيقية أو الاعتبارية ذات المفهوم المحدّد، بل هي مفهوم اعتباري كلّي مشكّك تابع لجعل الجاعل سعةً وضيقاً وإطلاقاً وتقييداً، كإذن المالك في التصرف فيما يملكه، فإنه علّة لجواز التصرف فيه، لكن تحديد مورده يؤدّي مع اتصاله إلى تقييد علّته أيضاً بنحو يستكشف منه عدم إطلاقها أو إجمالها فيقتصر على القدر المتيقن وهو المورد المذكور، ومعه فلا يثبت بضم ذيل التوقيع إلى صدره تعميم للأمر بالرجوع في جميع الأمور حتى الولائية.

التقريب الثالث: تتميم الاستدلال المتقدم بالذيل المذكور بنحو آخر، كأن يقال: إنّ جعل الإمام % الحجية للفقهاء من قبله يقتضي كونه حكماً ولائياً بنصبهم نواباً عنه فيما له من الصلاحيات. فإن الأمر بالرجوع إليهم لا يعدو أن يكون إرجاعاً لهم بما هم مبينون للأحكام الشرعية أو بما هم حاكمون: والأوّل لا يقتضي النصب من قبله، بل من قبل الله سبحانه مباشرة وبلا واسطة؛ لأنهم يؤدّون ذلك إليه فأمّا يكون ذلك جائزاً بحكم الله أو حراماً بخلاف الاحتمال الثاني، حيث إنهم يؤدون عنه % فيما هو متروك له.

وهذا النحو من الاستدلال لا إشكال عليه، فهو تام على الظاهر.

لكن، قد يورد على الرواية المذكورة بضعف السند بإسحاق بن يعقوب، فإنه لم يوثق صريحاً في الروايات ولا في كتب الرجال.

وأجاب عن ذلك اُستاذنا السيد الحائري ـ أدام الله بقاءه ـ بالقول بأن الكليني روى التوقيع المذكور عن إسحاق بن يعقوب مباشرة، فروايته عنه مع ملاحظته أن التوقيع لم يكن يرد إلاّ على الخواصّ من أصحاب الأئمة ( ـ لا تكون إلاّ عن معرفة الرجل وجلالته وإطلاع منه عليه إذ المحدّث عن توقيع ورد إليه ـ مع ملاحظة ما للتوقيع من خصوصية لا يكون إلاّ في أسمى مراتب الوثاقة، أو أحطّ درجات الخباثة والخيانة، واحتمال الجهالة فيه منتفٍ؛ لأن التوقيع لم يكن يرد إلاّ على الخواصّ من الأصحاب، ولو فرض ادعاؤه من مجهول طولب بإراءته من قبل المحدّثين.

وحينئذ فمن غير المعقول للمحدّث الكليني ) أن يروي التوقيع عن إسحاق ابن يعقوب ما لم يكن موثوقا ً لديه، فإن روايته عن كذّاب أو مجهول دون التأكّد من صحّة ادّعائه بعيد غايته عن مثل الكليني ).

ولنا على ما ذكره السيد الحائري ملاحظات:

الأُولى: إنّنا بحثنا في كتب الحديث ومنها الكافي، فوجدنا عدداً كبيراً من الروايات المتضمّنة لتواقيع وردت على بعض الأشخاص. ولاحظنا أن أكثر من روي عنهم ورود التوقيع عليهم من المجاهيل، وكثير ممن رواها أجلّة معروفون، فلو فرض وجود التزام من الرواة الأجلاّء بعدم الرواية عمّن أخبر بورود التوقيع عليه إلاّ إذا كان ثقة لزم ـ مضافاً إلى بُعد الالتزام بتوثيقهم حتى من قبل صاحب المبنى نفسه ـ بُعد كونهم ثقات في أنفسهم مع عدم ورود توثيقهم في كتب الرجال.

الثانية: إن ما ذكر من وجود خصوصية للتواقيع تميّزها عن سائر الروايات لم يثبت؛ لأن كثرة ورود الروايات المتضمنة لورود تواقيع على بعض من عاصر الأئمة ( في كتب الحديث، وبلوغها هذا الكمّ الهائل مع اتّصاف أكثر رواتها بالجهالة، ينفي وجود الخصوصية المذكورة، فالظاهر على هذا أن الرواة كانوا يتعاملون مع التوقيع كالرواية بلا فرق بينهما.

الثالثة: إن جملة من التواقيع المذكورة سيقت لغرض خاص، كبيان وجود بعض الأئمة ( ممن شك في تولّدهم أو إثبات الإمامة لهم عن طريق نقل الكرامات التي أظهروها. وهذا المقدار يكفي بإثباته تحقق التواتر الإجمالي الذي لا يعنى فيه بصحة سند الروايات المساقة لعموم تعلق الغرض بإثبات كل واقعة بخصوصها كي يتوقف في إسناد أدلتها.

ولهذا السبب نجد أكثر هذه التواقيع مرويّة في الكتب المؤلّفة لمحاججة الخصم في الإمامة، ككتاب الغيبة للطوسي )، والاحتجاج للطبرسي )، وإكمال الدين للصدوق )، ودلائل الإمامة للطبري، وكشف الغمة للإربلي ) وغيرها.

وعليه، فلا ينبغي التعويل كثيراً على مثل هذه الروايات خصوصاً التوقيع المبحوث عنه، باعتباره لم يرد في الكافي، وإنما هو نقلٌ نقله الشيخ الصدوق ) عنه في كتبهما المتقدمة غير المعدّة للفتوى الكاشف عن عدم الاعتماد عندهم عليه.

الرابعة: إن ما ادّعي من عدم ورود التواقيع الشريفة إلاّ على الخواص من ثقات أصحاب الأئمة ( غير تامّ إذا لاحظنا وجود بعض الروايات الصحيحة التي جعلت الجواب عن الكتاب واجباً كوجوب ردّ السلام.

ففي الكافي عن عدّة من الأصحاب، عن أحمد بن محمد وسهل بن زياد جميعاً، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله % قال: «ردّ جواب الكتاب واجب كوجوب ردّ السلام، والبادي بالسلام أولى بالله ورسوله»([28]).

والرواية مطلقة شاملة لعصر الغيبة الصغرى وغيرها، وللخواصّ والثقات وغيرهم. وزمان الغيبة الكبرى خارج تخصّصاً من جهة عدم وصول الكتاب إلى المكاتب كي يجب الجواب.

ومع وجود مثل هذه الرواية لا مجال للقول بأن التواقيع الشريفة لم تكن ترد إلاّ على خواصّ الثقات، إذ بموجبها يجب على الإمام % الردّ على كل كتاب يرفع إليه. ولو فرضنا عدم التزام الفقهاء بمثل هذا الوجوب، فلا أقل من أن ردّ جواب الكتب هو مقتضى الخلق الإسلامي الرفيع الذي لا ريب يتحلّى الأئمة ( به. نعم، ربما منعت من ذلك ظروف التقيّة، لكن لا مع غيبة الإمام % فإنه لا خوف عليه حينئذ.

وعلى كل، فالظاهر أن المبنى المذكور غير تام، ومعه يسقط التوقيع عن الحجية.

لكنّ الشهيد الصدر ! يرى صحة واعتبار التوقيع المذكور، ولعل السبب ما ذكره السيد الحائري أو غيره، لكنّه يرى أيضاً أنّ الحجية التي أثبتها الإمام % للفقهاء ثابتة لهم بما هم علماء للدين وحملة للشريعة، فتكون الحجية الثابتة لهم مقيّدة بما لو كان تدخلهم ونظرهم منبعثاً عن هذه الصفة لا مطلقاً.

إلاّ أن نصب الإمام % رواة الحديث حجة من قبله على الناس، هل يلزم منه توليتهم منصب الشهادة والإشراف والرقابة على حركة الأمة وتطبيقها الأحكام الشرعية في الجانب التنفيذي، وملء منطقة الفراغ بقوانين تناسب مقتضيات العصر والزمان في الجانب التشريعي، كما ذهب إليه الشهيد الصدر ! ؟ أم توليتهم المنصب المذكور مع جعل ملء منطقة الفراغ بيد الفقيه الشهيد المنصوب من قبل الإمام % ؟ أم يقتضي فوق ذلك بحيث يكون الفقيه منصوباً من قبل الإمام % في كل ما يرتبط بالجماعة البشرية من أمور؟

الحقّ صحة ما ذهب إليه الشهيد الصدر ! في الجملة؛ لأنّ مقتضى آيات الاستخلاف للإنسان، وتوريث الأرض للعباد الصالحين، ثبوت حقّ التصرف ـ أعني السلطة التنفيذية ـ لهم من الله سبحانه، كما أنّ مقتضى آية الشورى وغيرها إناطة ما يتعلّق بهم من أمور لهم.

وأمّا ملء منطقة الفراغ، فتارة تكون فيما توجد في مورده عناصر ثابتة مستنبطة من الكتاب والسنة من قبيل السياسة الخارجية والسياسة الاقتصادية، وأُخرى فيما لا توجد من قبيل قوانين المرور والأحوال المدنية وغيرها.

فالقسم الثاني ممّا لا إشكال في دخوله تحت عنوان >وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ< (الشورى: 38)، وخروجه عن صلاحيات الفقيه بالكامل.

وأما القسم الأول، فقد يقال بدخوله ضمن صلاحيات الولي باعتباره المطلع على العناصر الثابتة في الشريعة، فوضع العناصر المتحركة ضمنها ميسور له دون غيره.

لكنّ هذا غير صحيح، فإنّ ترك هذه المنطقة فراغاً من قبل الشارع، إنما هو مراعاة لمقتضيات الزمان وطبيعة العصر، مما هو مناط تشخيص العرف. ومن هنا، فإن هذا القسم من التشريع ينطوي على جانبين، جانب الثبات الذي يرتبط بالشارع المقدس، وجانب الحركية الذي لوحظ فيه مراعاته لمتطلبات العصر ويرتبط بالناس.

وعليه، فما نراه أن على الفقيه أن يرسم ويحدّد العناصر الثابتة المذكورة؛ ليتم سنّ القوانين والتشريعات في إطارها، ثم عرضها عليه مرّة أُخرى لملاحظة مدى تطابقها مع العناصر الثابتة المحدّدة أوّلاً، وهذا المعنى قد حققه سماحة ولي أمر المسلمين آية الله السيد الخامنئيa بعد التعديل الذي أدخله على مجلس تشخيص مصلحة النظام.

لكنّ الشهيد الصدر ! يرى كفاية أن تقوم الأمة بملء منطقة الفراغ بالقوانين المناسبة ضمن إطار مجلس الشورى ومجلس الحل والعقد بتعبير السيد الشهيد ! حتى في هذا القسم، ولعلّه ملاحظة لجانب الحركية من هذا القسم، ثم تعرض على الولي الفقيه، فإن وجدها ضمن إطار العناصر الثابتة للشريعة الإسلامية أقرّها، وإلاّ أعادها لتعاد صياغتها من جديد.

ومهما يكن، فالصورتان لا تعارض بينهما؛ لأن المهم تحقيق وقوع العناصر المتحركة ضمن العناصر الثابتة للشريعة مع إناطة جانب الحركية بالأمة أو من يمثلها، سواء كان بتحديد العناصر الثابتة من قبل الفقيه قبل تشريعها من قبل مجلس الشورى ثم إقرارها، أو بملاحظة وقوعها كذلك بعد التشريع وإمضائها.

وكيفما كان، فالشهيد الصدر ! إن كان قائلاً بالولاية والنيابة، فإنما يقول بها فيما يخص الشريعة والحفاظ عليها وجعل الإمام % له حجة يأتي في هذا السياق. وهو ما يستلزم أن يكون لرأيه حكومة على سائر القوانين والتشريعات والتطبيقات الجارية في البلاد؛ لوضوح أن ما دلّ على منح الأمة حق الخلافة والتشريع ضمن مبدأ الشورى غير مطلق، لتقييد الخلافة بعدم مخالفتها لأوامر المستخلف وأغراضه، والشورى بكونها في الأمور الراجعة لهم المستفاد من قوله >وَأَمْرُهُمْ<، لا ما كان أمراً راجعاً لله سبحانه.

وتوهُّم أن عدم ممارسة الفقهاء التشريع أصلاً ولو في ملء منطقة الفراغ يؤدي إلى إنكار ولاية الفقيه رأساً([29])، غير صحيح؛ لوضوح أنّ السيد الصدر ! يثبت الإشراف وحق التدخّل للفقيه، وهو ما يحتاج إلى نصب من قبل الإمام % أيضاً، ونصب الإمام% الفقيه كحاملٍ للشريعة يتطلب وقوع الفقيه في موقع أعلى السلطات وتمتعه بحق الإشراف والرقابة على السلطتين التنفيذية والتشريعية، والتدخل حيث يتطلّب المقام ذلك.

وبذلك يثبت وفاء التوقيع المذكور بكلا المنصبين الأوّلين للفقيه.

وأمّا المنصب الثالث، وهو تولّي الفقيه نيابة عن الأمة جميع الأمور الثابتة لها زمان تحرّرها، فلعله لأدلة الأمور الحسبية التي يشكّل الفقيه القدر المتيقن ممن له القدرة على التصدي لها.

لكننا نرى بمقتضى الارتكاز المتشرّعي، وبمعونة روايات مثل: «الفقهاء اُمناء الرسل»([30])، و «الفقهاء حصون الإسلام»([31])، وغيرها. إن الفقيه لا يتمتع بمجرد الإشراف والرقابة على سير الأمة لئلاّ تخرج عن الخط الذي رسمته الشريعة لها، بل يتمتع مضافاً إلى ذلك بمنصب المحافظ والأمين على الإسلام والشريعة، الذي يستشرف المستقبل ويحدد الأهداف والمقاصد، بل والوسائل أيضاً في حركة الأمة ومسيرتها عبر التاريخ.

ومن هنا، فإن ما رسمه السيد ولي أمر المسلمين من توسعة صلاحيات مجلس تشخيص مصلحة النظام، ليشمل رسمه السياسة العامة للبلاد تدخل ضمن ما قرّره الشارع من وظائف واختيارات للفقيه.

وبالملاك نفسه نرى ثبوت الولاية للفقيه في زمان قصور يد الأمة عن ممارسة حقّها في الحكم، فإنه أيضاً مسؤول عن تولّي كل الأمور الكفيلة بإيصال الأمة الإسلامية المعتقدة بالإسلام إلى مرحلة استلام السلطة من دون حاجة إلى الاستدلال بالأمور الحسبية.

وهكذا نثبت بالارتكاز المتشرعي الولاية للفقيه، بمعنى أنه الأمين الحفيظ على الإسلام، معزّزاً ذلك بسيرة فقهائنا الأعلام خلال المدّة الماضية منذ زمان الغيبة وإلى وقتنا الحاضر، حيث كانوا هم المدافعين عن حياض الإسلام وبيضته، والذابين عن حماه، والمتحملين أعباءه ومخاطره، والممارسين لجميع التصرفات المتوقف عليها ذلك.

هذا وللبحث في نظام الحكم برأي الشهيد الصدر ! تتمة، وقد آثرنا الوقوف عند هذا الحدّ، سائلين المولى الرحيم أن يوفق الإسلام والمسلمين لكل سبل الخير والصلاح، إنه نعم الموفق.

*    *     *

الهوامش :



 _______________________________________________


نظرية العمل في الإسلام _ ورقة أوّليّة لتكوين دراسة فلسفية حقوقيّة

11 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

العمل في الإسلام

1 ـ قيمة العمل في الإسلام

العمل في النظام القيمي الإسلامي هو سرّ الخلق وحكمة الوجود، فالإنسان يبدي جوهره الوجودي بالسعي والجهد، ويعين قيمته الحقيقية بالعمل.

لقد خلق الله سبحانه الإنسان وأودع فيه الروح التي نسبها لنفسه([1])، كما سخر له كل ما من شأنه أن ييسّر له سبل الوصول للكمالات المعنويّة والتسامي الروحي والمادي([2])، وامتدحه بصفة الكرامة والفضيلة، وفضّله على الكثير من المخلوقات الأخرى([3])، حتى يتمكن ـ بالجهد والعمل ـ من عمارة الأرض([4])، وليدرك بالأعمال اللائقة حكمة وجوده وينال كرامته النفسية.

إن عزة أية أمّة وكرامتها رهينتان بسعيها وهمتها، كما أن الضعة والجمود والعجز إنما هي نتاج التقاعس والدعة والبطالة.

2 ـ العلاقة بين العمل ومعرفة الوجود

تترافق نظرة الانسان للعمل وتطّرد مع نظرته إلى الوجود، فالإنسان الذي يحصر الموجودات بالإطار المادي، ولا يعترف بغير الحس والتجربة طريقاً معرفياً، يرى العمل مؤطّراً بحدود الإنتاج والاستهلاك الماديين، أما ذاك الإنسان الذي خَبُر الثقافة القرآنية فإنه يعرف أنّ القرآن قد قسم الوجود إلى غيب وشهادة، كما تنقسم المعرفة بدورها إلى هذين القسمين أيضاً، وكذلك العمل؛ وعلى هذا الأساس فإن الانسان الذي يرى الوجود متخطّياً حدودَ المادة يمتلك نظرة أوسع للعمل، وبتقديسه له يوسّع من مجالات الفعالية والحركة.

3 ـ سعة مجال العمل

إن حركة الإنتاج والكسب والعمل أو التسلّط على الطبيعة واستخدامها هما الوظيفة اليومية المستمرّة، يقول سبحانه: (وجعلنا النهار معاشاً)([5])، أي جعلناه للتكسب وتحصيل الرزق، و (إن لك في النهار سبحاً طويلاً)([6])، أي فرصة كافية لتحصيل الرزق.

لا يحدّ مجال العمل بدائرة خاصة، بل يمتد من أعماق البحار حتى أعالي السماوات، وفي الأطراف الشاسعة والصحاري الجافة القاحلة، كل ذلك ميدان للعمل والسعي، (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه)([7])، (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون)([8]).

كما لا يضيق العمل أيضاً في دوائر النشاط البدني، بل إن العالم الذي يسعى لحلّ مشكلة علمية بعلمه وتحقيقه، والطبيب الذي يداوي المرضى، والمهندس الذي يقدّم تصميماً وطرحاً ما، والباحث الذي يتحمّل المتاعب والصعاب في سبيل تحصيل العلم و…. كلّ واحد من هذه الجهود العلمية والأبحاث التحقيقية مصداق بارز من مصاديق العمل، مع فارقِ عدم تساوي القيمة فيما بينها.

4 ـ العمل ونيل العزة

العزة والافتخار ثمرتان من ثمرات الإيمان بالله تعالى؛ فالمؤمن عزيز، وعليه دائماً أن يعمل للمحافظة على عزته وعلوها، والعمل واحد من طرق كسب العزة والوصول للاستقلال المادي، ومن هنا وصف أئمتنا الكبار العمل بالعزة.

يقول الإمام الصادق % لأحد أصحابه: "اغد إلى عزك"([9]) أي بكّر.

ويقول عبد الأعلى أحد أصحاب الإمام الصادق %: "استقبلت أبا عبد الله % في بعض طرق المدينة في يوم صايف شديد الحر، فقلت: جعلت فداك حالك عند الله عز وجل وقرابتك من رسول الله 3 وأنت تجهد لنفسك في مثل هذا اليوم؟ فقال: يا عبد الأعلى، خرجت في طلب الرزق لاستغني عن مثلك"([10]).

هذا، ومن جهة أخرى واجه الإسلام وبشدّة الضعة والانهيار الناجمين عن الكسل والبطالة، وعمل على اجتثاثهما من الجذور، إنّه يقول: "إياك والكسل" و "آفة النجاح الكسل" و "إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل شر"([11])، ويقول علي %: "من وجد ماءً وتراباً ثم افتقر أبعده الله"([12]).

إن هذه النصوص تدعو الجميع للإنتاج وتجنّب البطالة.

جاء رجل إلى الإمام الصادق % فقال: إني لا أحسن أن أعمل عملاً بيدي، ولا أحسن أن أتجر وأنا محارف محتاج، فقال %: "اعمل فاحمل على رأسك واستغن عن الناس…"([13])، فالإمام % يحثه هنا على العمل، ويمنحه الثقة بنفسه حتى يعيش بهذه الطريقة دون أن يعتمد على غيره، إذ الاحتياج للغير لا ينسجم والعزّة والشرف.

ويقول الإمام الصادق %: "طلب الحوائج إلى الناس استلاب للعز ومذهبة للحياء"([14]).

5 ـ إسناد العمل لله سبحانه

يمكن استنباط أهمية العمل وقيمته من إسناده لله تعالى؛ ففي القرآن الكريم تمّ إسناد الكثير من الأعمال لله سبحانه، بل جاء في بعض الآيات وبلسان جامع وشمولي: "كل يوم هو في شأن"، فالله سبحانه في كل يوم، بل في كل
ظهور وتجّلي هو في عمل جديد، وطبعاً ليست أعماله متشابهة وتكرارية، لأنه دائماً في حال إيجاد، والظواهر كلّها تقدم حاجاتها أمامه، "يسأله من في
السماوات والأرض"
([15])، وهو المبدأ الوحيد الذي يلبي الاحتياجات كافّة، وحل كافة العُقد إنما هو بيده وإرادته، فالله سبحانه هو الذي "آتاكم من كل ما سألتموه"([16]).

مبادئ العمل وضوابطه في التصوّر الإسلامي

ترتهن التغذية السليمة للذوق الفني والتأمين الصحيح للنشاط الروحي والحاجات العاطفية في أي مجتمع من المجتمعات بتقديم الفنّانين لأعمالهم الفنية.

والاستقلال والتنمية الاقتصادية لأي مجتمع هما أيضاً مرتبطان بطبيعة تعاطي ذلك المجتمع مع العمل، وقد ركّز الإسلام ـ وبهدف إيجاد التنظيم السليم وخلق التنمية الاقتصادية وتحقيق السموّ المجتمعي ـ على مجموعة أصول وضوابط متعلقة بالعمل، تتأمن على ضوء مراعاتها الحاجات المادية والمعنوية للأمة.

1 ـ الخبروية والالتـزام

يؤثّر هذان الأصلان في النموّ الكمي والكيفي للعمل، ذلك أن الإنسان الملتـزم والخبير يتمتع ـ في عمله ـ بالانضباط والضمير المهني، ومثل هذا الإنسان يحبه الله تعالى([17])، كما يتنفر من ذاك الذي يتصدّى لعمل معين دون امتلاك جناحي الخبروية والالتـزام. يقول الرسول 3: "فمن دعى الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه لم ينظر الله إليه يوم القيامة"([18]).

إن المجتمع الذي لا يفوّض العمل إلى أهله وخبرائه، هو مجتمع يسير دائماً في حركة نـزولية، يقول الرسول 3: "ما ولّت أمة أمرها رجلاً قط وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا"([19]).

وهذا الالتـزام وتلك الأمانة يستدعيان الإنسان ليلاحظ بعين الاعتبار ـ لدى اختياره عملاً ما ـ احتياجات المجتمع والاقتصاد العمومي، وأن يبتعد عن الأعمال الزائفة التي تضاعف من إيراداته وتدرّ عليه إنتاجاً شخصياً وفيراً، بيد أنها تورد أضرار وتلحق خسارات بالجسم الاقتصادي للمجتمع.

2 ـ الإتقان في العمل

إن القيام بأيّ عمل دون الأخذ بعين الاعتبار ضوابطه وجوانبه ومعطياته إنما هو جهد بلا حاصل وكدّ بلا نتيجة، فإذا كان الهدف من العمل رفع الحاجات العامّة وتحكيم الأسس الاقتصادية للمجتمع ـ لا التكاثر والجمع ـ فإن الإنسان يكون حينئذ ملزماً ـ بمقتضى الوجدان ـ بإنجاز أي عمل يقدر على إنجازه بإتقان، وإتمامه بدقة متناهية.

يقول النبي 3 بعدما أنهى بناءه لبناءِ محكم وبكامل الدقة: إنني أعلم أنه سينهار ولو بعد حين، "… لكن الله يحب عبداً إذا عمل عملاً أحكمه"([20]).

لقد ذمّ الإسلام ـ وبشدة ـ التقليل في العمل، والخيانة والتـزوير فيه، والمكر وإخفاء الحقيقة. فالقرآن الكريم ينهى عن ذلك بصيغة عامة وشاملة ويقول: "ولا تبخسوا الناس أشياءهم"([21]) أي لا تنقصوهم شيئاً وأتمّوا الميزان.

3 ـ الثبات في العمل

ويدعو الله سبحانه النبي 3 والمسلمين إلى الاستقامة والثبات فيقول: "فاستقم كما أمرت ومن تاب معك"([22]). إن الاستقامة في العمل تؤدي إلى غض الطرف عن المصاعب الطارئة وحالات الحرمان المؤقتة، وتخلق عند الإنسان سعياً شاملاً ودؤوباً للوصول إلى الهدف.

ويستفاد من آيات القرآن الكريم أن الاستقامة توجب قوّة القلب وطمأنينته([23])، وكذلك سعة الرزق([24]).

ولا يجوز في أيّ وقت من الأوقات اعتبار طريق الحل والعلاج مسدوداً، أو الاعتقاد بعدم وجود وسيلةٍ أو مخلص، ذلك أن البحث المتواصل والسعي الدؤوب سيؤديان في النتيجة إلى الوصول للغرض، وفي هذا يقول علي %: "من طلب شيئاً ناله أو بعضه"([25]).

4 ـ الإخلاص في العمل

ومن مستلزمات العمل تقوية البنية الاقتصادية وقطع يد الأجانب والوصول إلى الاستقلال، إلاّ أن التعاليم الدينية أوصت الإنسان بالاهتمام بإطاعة الله تعالى فقط لدى قيامه بأي عمل، وهذا الإخلاص يقوّي البعد العبادي للعمل ويكسوه بصبغة القداسة، ليكون كالحُلي والزينة بالنسبة له.

يقول علي %: "أخلصوا إذا عملتم"([26]).

5 ـ اختيار العمل المناسب

للعمل والمهنة التي يزاولها الإنسان أثر مباشر في أخلاقه وسلوكه، فالذي ـ وعلى أثر الطمع في الاكتناز ـ لا يدقق في اختياره لعمله أو لشغله إنما يضرّ نفسه قبل أي إنسان آخر، كما يقوم بتحطيم شخصيته الإنسانية بذلك.

وأساساً، لا يمكن الحصول على روحية نجيبة ومتميزة مع عمل غير مشروع، كما لا يمكن حلّ أية معضلة به. إن العمل الجيد الذي يحفظ كرامة الإنسان يحلّ عقدة من عقد المجتمع، كما أن له أثراً في التسامي الروحي والأخلاقي للإنسان نفسه.

يقول الصادق %: "إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها"([27]).

ومن هنا يعتبر الإسلام بعض الأعمال واجبةً، فيما البعض الآخر حراماً، وهناك قسم مستحب أيضاً، وقسمٌ آخر مكروه، مؤكّداً أن واحداً من حقوق الإبن على أبيه انتقاء العمل المناسب له([28]).

6 ـ الخطوات الواعية والدقيقة قبل الشروع في العمل

من الممكن أن يقبل الإنسان الخبير حرفةً ما، إلا أنه في بعض الأعمال يغفل عن دائرة تخصّصه، فمن الضروري لدى الإقدام على عمل معين تحديد مساره وخارطته، وكذلك معياره ونموذجه ومقداره حتى يحُول ميزان الاختصاص دون الوقوع في إضافات في غير محلها أو نواقص في غير موردها، وفي هذا الإطار يقول علي بن أبي طالب %: "قدّر ثم اقطع، وفكّر ثم انطق، وتبيّن ثم اعمل"([29]).

وفي ضوء ذلك، يتضح السبب في إصرار القرآن الكريم على جامعية أيّ عامل سواء من ناحية الرؤية العلمية والتخصصية لديه أو من ناحية الالتـزام والتوجه للعمل عنده.

وفي قولـه في قصة وزارة النبي يوسف الصديق % لتصدي الشؤون الاقتصادية لمنطقة واسعة في مصر في زمن الجفاف والتضخّم الاقتصادي: "قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم"([30])، أي أن التصدي للعمل، وحفظ أسس الاقتصاد مرهونان بالالتـزام العملي للعامل حتى لا يضيع شيء، ومدينان لتخصّصه العلمي حتى لا تذهب الميزانية هدراً نتيجة الجهل وعدم المعرفة.

هذا، وتجدر الإشارة هنا إلى عنصرين أساسيين:

الأول: السعي في الانتاج، وبذل الجهد في عرض السلع التي يحتاجها المجتمع.

الثاني: القناعة في الاستهلاك، أما القناعة في الإنتاج فليست بممدوحة، كما أن الجهد في الاستهلاك ليس مقبولاً.

7 ـ الإبداع في العمل

جوهر العمل أو العمل الجوهري هو الانسجام الكامل بين التقليد والصناعة، والتناغم بين الطبيعة والفن. لقد هيئ الله سبحانه المواد الخام كلها وتلك اللازمة لأيّ نوع من الابتكارات على مائدة السنة الإلهية، وأودع أرضية الصناعة البديعة والفن الخلاق في ذات البشر، حتى يتجاوز العمل السطح الساذج ويصل إلى العمق المعقد، ويحصل بالتالي الاجتناب عن التكرار والحركة نحو الإبداع.

إن الأصل الحاكم على العمل هو تـزيين المواد الخام بطبائع الصناعة المقبولة والجذابة، والتي أمّن الله تعالى واحدة منها بيد الطبيعة خارج الذهن، فيما تنبثق الأخرى عن اليد الصناعية للإنسان في إطار الفكر البشري حتى تتحوّل الرغبات الإنسانية كافّة من "العلم إلى العين ومن السمع إلى القلب"، وهذا العمل الجوهري هو ما يعبرون عنه بالكيمياء.

إن السر في قول الإمام الصادق %: "الكيمياء الأكبر الزراعة"([31])، هو أنه ـ بواسطة هذه الصناعة ـ تمنح الحياة النباتية لتلك المواد الطبيعية الجامدة، وروعة هذا الفن الخاص إنما هي تأمين شرائط القفز من مرحلة الجمادية والموت إلى منطقة الحياة والنباتية.

إذن فأصل العمل لابد أن يكون بمنـزلة نفخ الروح الفنية في المادة الطبيعية التي لا روح فيها، حتى تكون صنايع البشر تبلوراً للحياة الفنية وتجلّياً للحياة والإحياء.

8 ـ العمل القلبي المعنوي والقالبي المادي

يمنع تناغم العمل الحسن مع العمل الروحي من صيرورة العمل مادياً وجسمانياً، وانسجام العمل الجسماني والروحي ينتج عنه العمل الحسن.

إن رمز هذا الترسيم وسرّه يكمنان في أن الروح الملكوتية تشكّل أصل كل شيء وأساسه، وبناء عليه، فحتى يكون عمل أي عامل أو موظف ذا صبغة ملكوتية لا بد أن يكون الإقبال القلبي والملائمة الطبعية بارزين فيه، وهو ما يتحقق عندما تكون:

1 ـ قيمة العمل معادلة لمدى المشقّة فيه.

2 ـ فائدته ليس فقط لا تنحصر في وطن العامل، بل حتى داخل وطنه لابد أن لا يجري تداولها بيد فئة خاصة وطبقة مترفة مسرفة.

3 ـ فن الصناعة والابتكار غير منحصر في نطاق ضيق.

9 ـ العمل الهادف

يتبلور العمل بصورة الفن الحديث عندما يتحرّر من بدعة الاستهانة والكسل والخمول والضعف وعدم الجاذبية ويتحّول بنفسه إلى سنّة جديدة وهادفة.

وحيث إن دوام حياة العامل المسؤول واستمرارها مرتهن بالعمل البديع والمقنّن، وكل إنسان يسعى للخروج من الخمول إلى مرحلة الشهرة فلابد:

1 ـ أن لا يكون العمل لأجل نفس العمل وإنما لهدف أسمى.

2 ـ أن يكون هدفه مقبولاً ومعقولاً لدى المجتمع الإلهي والإنساني.

3 ـ أن تكون الأعمال المتنوّعة مكملة لبعضها البعض كالأعضاء والجوارح والجوانح للبدن الواحد.

4 ـ أن تكون جاذبية ثقافة العمل الدينية والمدنية متبلورة في تفسير الأعمال المتنوعة بالنسبة إلى بعضها البعض، حتى تكون الأعمال شارحة ومكملة لبعضها، وتحقق بالتالي الحاجات الحقيقية للمجتمع البشري كافّة لتصل به إلى أفضل وضعية ممكنة.

ومن هنا يقال: إن العمل إنما هو لهدف أسمى لا للعمل نفسه.

منـزلة العامل في الإسلام

مظاهر الخلق الإلهي

العالم وما فيه من ظواهر مظهرٌ من مظاهر فعل الله سبحانه. إنه تعالى مبدء كل عمل في هذا العالم، ولا تحقّق لأي حركة من دون إرادته، إنه يعمل أيضاً ويكسي بلباس الوجود جسد الظاهرة تلو الظاهرة، مغدقاً فيضه الدائم على كل ما سواه، وتدبيره له مستمر دونما انقطاع.

والعمّال أيضاً من مظاهر هذا الإبداع وتلك الخلاقية الإلهية، وهم طاقات مفيدة في حياة المجتمع وسعادته. إن تدوير عجلة الاقتصاد العظيمة في المجتمعات إنما هو نتيجة اليد الفاعلة والمحركة للعامل، وحياة الأمم والشعوب مرهونة هي الأخرى بالعمل والعمّال.

مبدأ الاستخدام المتقابل

إن وجود الاستعدادات المتفاوتة والهمم المختلفة والسلائق المتعددة الموجبة لظهور أنواع العمل المتنوعة إنما يقوم على أساس الحكمة الإلهية ولوازم الخلقة وضرورات ديمومة الحياة البشرية. ومن هنا يتحدّث القرآن الكريم فيقول: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتّخذ بعضهم بعضاً سخرياً)([32]).

ووفقاً لذلك أودعت يد الخلقة في وجود كلّ شخص طاقةً مخصوصةً واستعداداً معيناً لأجل تحريك هذا النظام؛ بحيث لا يمكن للشخص الواحد سدّ تمام تمام حاجاته ولوازمه بنفسه بل هو مجبور على استخدام غيره، وتوظيف الطاقات المختلفة لأجل تـأمين هذا الغرض. ومن هنا كان مبدأ الاستخدام والتسخير أمراً طبيعياً، إلا أن نمطه وكيفيته لابد أن يكونا في إطار الضوابط الشرعية والأخلاقية.

إن الإسلام ـ ولأجل رعاية حقوق العامل وحفظ كرامته وكرامة ربّ العمل أيضاً ـ لديه تعاليم حقوقية ظريفة وقوانين أخلاقية سامية سوف نتطرق إليها عقب الحديث عن قيمة العامل ومقامه.

منـزلة العامل في الإسلام

لا يمكن مقايسة المكانة المتميزة التي منحها الإسلام للعامل بأية قيمة مادية، وذلك لأن نبي الإسلام 3 ـ وهو الإنسان الكامل وسيد الأنبياء كلّهم ومعلّم الملائكة ـ كان ـ وبكلّ تواضع ـ يقبّل اليد العاملة!

جاء أنه لما رجع رسول الله 3 من تبوك استقبله سعد بن معاذ الأنصاري فقال: ما هذا الذي أرى بيدك؟ قال: من أثر المر والمسحاة، اضرب وأنفق على عيالي، فقبّل رسول الله 3 يده وقال: "هذه يد لا تمسّها النار"([33]).

هذه العبارات، وهذا السلوك الرائع هما أقصى درجات الاحترام والأدب الذي أظهره الإسلام للعامل وأعلاهما.

وجاء في الأثر أيضاً أنه "مرّ شيخ مكفوف كبير يسأل، فقال أمير المؤمنين % ما هذا؟ قالوا يا أمير المؤمنين نصراني، قال: استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت المال"([34]).

العامل في عداد المجاهدين

يوفّر المجاهدون في سبيل الله ـ وبتضحياتهم ـ الأمن السياسي والاجتماعي للمجتمع الإسلامي، فيما يقدّم العمّال ـ بجهودهم ـ الأمن والاستقلال الاقتصاديين، وكذلك الرفاهية المعيشية، ولعله لأجل ذلك صنّف الإسلام العامل في عداد المجاهدين في سبيل الله وقال: "الكادّ لعياله كالمجاهد في سبيل الله"([35]).

يقول الإمام الصادق %: "إذا كان الرجل معسراً فيعمل بقدر ما يقوت به نفسه وأهله ولا يطلب حراماً فهو كالمجاهد في سبيل الله"([36]).

ويعتبر الإمام الرضا % أن "الذي يطلب من فضل الله عز وجل ما يكفّ به عياله أعظم أجراً من المجاهد في سبيل الله عز وجل"([37]).

وفي بعض الروايات، أنيط قوام الطبقات المختلفة للمجتمع
ـ أعم من العسكرية والأمنية والسلطة القضائية و… ـ بالحرفيين وأرباب العمل، كما أوصي حاكم المسلمين بمتابعة شؤونهم
([38]).

هذه الكلمات الجميلة توضح مكانة العامل وقيمته في الإسلام، وتمنحه بالتالي روحيةً مليئةً بالنشاط والملكوتية، حتى لا يتأسّف على أي سعي يبذلـه في سبيل الإنتاج وكسب الاستقلال الاقتصادي وتأمين موارد احتياجاته وأبناء جنسه.

ومع اتضاح مدى القيمة التي يراها الإسلام للعامل، نبين الآن ـ وباختصار ـ بعضاً من حقوق هذا العامل على ربّ العمل.

حقوق العامل

الف: التوافق المسبق

لابد أن يتمّ استخدام اليد العاملة في جوّ سليم مترافق مع توافق مسبق، ومن هنا، يتنافى الاستخفاف باليد العاملة وتحقير العمل وعدم المساواة بين العمل والأجرة مع القيم الإنسانية والأخلاقية، كما أنها تترك آثاراً سلبية على المردود الكمي والكيفي للعمل نفسه. وعلى هذا الأساس ذكر فقهاء الإسلام الرضا والرغبة لدى العامل بوصفها واحداً من شرائط الصحة والمشروعية في عملية الاستخدام والتوظيف لليد العاملة([39]).

ب: تعيين الأجرة

حينما يحصل توافق بين العامل وربّ العمل من النواحي المختلفة، فعلى الطرفين الالتـزام بما قيل أو كتب. ويؤكّد الإسلام هنا على أن من يريد استخدام عاملٍ ما لابدّ له ـ من البداية ـ من تحديد ما سيدفعه له، حتى يُقدم هذا العامل على العمل عن رغبة فيه وشوق إليه.

لقد "نهى رسول الله 3 أن يستعمل أجيراً حتى يعلم ما أجرته"([40]).

ويقول سليمان الجعفري: "كنت مع الرضا % في بعض الحاجة فأردت أن أنصرف إلى منـزلي فقال لي: انصرف معي فبت عندي الليلة، فانطلقت معه فدخل داره مع المغيب، فنظر إلى غلمانه يعملون في الطين أواري الدواب وغير ذلك، وإذا معهم أسود ليس منهم، فقال ما هذا الرجل معكم؟ قالوا: يعاوننا ونعطيه شيئاً، قال: قاطعتموه على أجرته، قالوا: لا، هو يرضى منا بما نعطيه… وغضب لذلك غضباً شديداً، فقلت: جعلت فداك لم تدخل على نفسك؟ فقال: إني قد نهيتهم عن مثل هذا غير مرّة أن يعمل معهم أحد حتى يقاطعوه على أجرته…."([41]).

ج: الإسراع في تأدية الأجرة

ومن القوانين الأخلاقية الإسلامية الموجّهة إلى ربّ العمل، المبادرة إلى تأدية الأجرة للعامل قبل مطالبته بها. فالإسلام يقول: أعطوا العامل حقه قبل أن يجفّ عرقه. وطبعاً فإن تأخير حقّ العامل في صورة مطالبته به أمر غير جائز، إذ هو ـ فضلاً عما فيه من النقص الأخلاقي ـ يشتمل على نقض حقوقي أيضاً.

يقول الإمام الصادق % فيما يتعلّق بالجمّال والعامل: "لا يجفّ عرقه حتى تعطيه أجرته"([42]).

إن المبادرة إلى تأدية الأجرة تـزيل التعب الروحي والجسمي عن العامل، كما تمنحه الحيوية والنشاط الزائدين، وفي المقابل فإن الإبطاء في الدفع له آثار سلبية، ومن هنا ذمّ الإسلام ـ وبلهجة قاسية ـ عدم إعطاء العامل أجرته، واعتبر ذلك ذنباً غير مغتفر وموجباً للحرمان من الرحمة الإلهية واستشمام ريح الجنة([43]).

قال رسول الله 3: "من منع أجيراً فعليه لعنة الله"([44]).

وقال أيضاً: "إن الله غافر كل ذنب إلا من أحدث ديناً، أو اغتصب أجيراً أجره، أو رجل باع حراً"([45]).

وظائف العامل وواجباته

لقد بيّن الإسلام مجموعةً من القوانين للعامل هدف من خلالها إلى رفع قيمة العمل وتعلية شأن العامل أيضاً، وهو بذلك يطرق العناصر المحورية لمهنة العمل الشريفة، والتي نتناول بعضاً منها كالآتي:

1ـ امتلاك الدافع الإلهي

على العامل أن يسعى ليكون عمله مطابقاً للشريعة وطريق الأنبياء، لأن العمل نفسه عبارة عن طاعةٍ لله تعالى وعبودية، وطاعته لابد أن تكون بهدف القرب منه تعالى، وإذا كانت نتيجة عمله إنسانياً ويعمل لأجل رفع حاجات المجتمع فإن عليه أن يقرن هدفه هذا بالقرب من الله تعالى، كما قال علي %: "وأخلص لله عملك"([46]).

2ـ النشاط في الإنتاج والقناعة في الاستهلاك

ترتهن عزة أية أمة وكرامتها بالهمم العالية التي لديها، يقول علي %: "الشرف بالهمم العالية"([47])، ويقول أيضاً: "الفعل الجميل ينبىء عن علوّ الهمّة"([48])، و "قدر الرجل على قدر همّته"([49]).

إذن، على العامل أن يصرف همّته في الإنتاج بحيث لا ينجرّ به ذلك إلى الطمع في الاستهلاك.

يقول النبي 3: "من قنع بما رزقه الله فهو من أغنى الناس"([50]).

إن القناعة في الاستهلاك هي أيضاً ـ كالهمّة في الإنتاج ـ موجبة للعزة والافتخار كما يقول علي %: "بالقناعة يكون العز"([51])، فلا يجوز الاتكاء على القناعة في المصرف غصباً مكان السعي إلى الإنتاج، أو جعل السعي إلى الإنتاج جهلاً مكان القناعة؛ إذ ينتج عن هذا التبديل غير المناسب كلّ من الكسل والإسراف، ولا ينجم عن ترافقهما سوى الانهيار والتفكّك والتلاشي.

3ـ عدم التنصّل من العمل

لا ينبغي للعامل الامتناع عن مزاولة أي عمل مفيد أو اعتبار نفسه أرفع من ذلك، كما هي سمات الأنبياء والأولياء %، فالنبي إدريس % كان يخيط الثياب، ونوح % كان نجاراً، وإبراهيم الخليل وموسى الكليم % كانا راعيين، ورسول
الله
3 كان راعياً فترة من الزمن كما قضى فترة أخرى في التجارة، وأما علي % فكان يشقّ القنوات ويزرع بساتين النخيل.

يقول علي % في حديثه عن النبي 3: إنه كان "يخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه"([52])، ويقول أيضاً عن داوود %: "أوحى الله عز وجل إلى داوود أنك نِعم العبد لولا أنك تأكل من بيت المال ولا تعمل بيدك شيئاً، قال: فبكى داوود % أربعين صباحاً، فأوحى الله عز وجل إلى الحديد أن لِنْ لعبدي داوود؛ فَأَلاَنَ الله عز وجل له الحديد، فكان يعمل كل يوم درعاً فيبيعها بألف درهم، فعمل ثلاثمائة وستين درعاً فباعها بثلاثمائة وستين ألفاً واستغنى عن بيت المال"([53]).

4ـ النهوض إلى العمل بداية النهار

ومن جملة آداب العمل ووظائف العامل السعي للعمل من الصباح الباكر، إذ يكون في هذا الوقت أكثر نشاطاً وأكثر تفرّغاً لعمله، وكنتيجة طبيعية لذلك بلوغه قُلَلَ النجاح الباهر، وفي هذا يقول رسول الله 3: " اللهم بارك لأمتي في بكورها"([54]). ويقول الإمام الصادق %: إن الله ليحب أن يبكر العبد في طلب رزقه([55]).

5ـ الوسطية والاعتدال في العمل

الإفراط والتفريط في الأمور كلّها أمران مرفوضان، فقد أوصى الإسلام بالاعتدال والوسطية على الصعد كلّها، إن الأمة الإسلامية هي الأخرى أمّة معتدلة، حيث جاء في القرآن الكريم: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس"([56])، فالمسلمون هم الأمة الوسطى بين الفئات التي تقوّي الجانب الروحي فقط وتدعو إلى الرهبانية وترك الكمالات الجسمانية، وتلك التي تأخذ جانب الجسد ولا تطلب شيئاً غير الحياة الدنيا وزخارفها، حتى يكونوا بذلك شاهداً على الناس. (من الجدير بالذكر الإشارة إلى أن للآية المتقدمة معاني أخرى مطروحة أيضاً).

فعلى العامل أن يعمل هو الآخر ضمن حدّ الاعتدال أيضاً، فيبتعد عن الكسل والبطالة، وكذلك عن السعي المفرط وغير المجدي، فإن الحرص والعمل المتواصل اللذين يمنعان الإنسان عن الراحة والعبادة أمران غير مقبولان بل ومضرّان أيضاً.

ولابد هنا من الانتباه إلى أن الكسب اليومي ليس مرهوناً بالعمل والسعي الزائد، بل للإرادة الإلهية والحكم الحكيم والعادل لله تعالى دور أيضاً؛ حيث يؤمّنان ـ وبالمقدار المحدد ـ كسب الناس وأرزاقها.

يقول رسول الله 3: "أيها الناس إن الرزق مقسوم، لن يعدو امرء ما قسم له فأجملوا الطلب"([57]).

6ـ تجنّب الكسب الحرام

تقدّم أن نفس العمل طاعة وعبودية لله سبحانه، ومعه فلا يجوز أن تصبح العبادة القادرة على تقريب الإنسان لربه والموجبة لنموّ الكمالات الروحية مشوبةً بالحرام. ومن جهة أخرى وحينما يكون الرزق مقدراً فلماذا يطلبه الإنسان من الطريق الحرام؟!

يقول القرآن الكريم: "لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل"([58]) أي لا تتصرّفوا بها. ويقول رسول الله 3: "من طلب الدنيا حلالاً في عفاف كان في درجة الشهداء"([59]). ويقول الإمام الصادق % (بما مضمونه): إن الله خلق الناس وجعل رزقهم من الحلال، فالذي يصرف من الطريق الحرام ينقص من رزقه الحلال بنفس ذاك المقدار الذي أخذه.

إن هذا العامل الذي يبذل جهده وينجز عمله ـ متحمّلاً المتاعب والمشقّات تحت خطر الحوادث ـ ويفتخر بأن أفضل نبي إلهي وأعلى إنسان كامل قد قبّل يده، هذا العامل ما هو الأفضل لمثله من عدم التخطي عن النطاق الشرعي ـ  الثابت عقلاً ونقلاً ـ وتحصيل القيم المادية والمعنوية كافّة لنفسه بالاستفادة من التعاليم الإلهية، والضمير المهني، والتجنبّ عن الحرام، ورعاية الأمانة؟‍

7ـ الكسب الحرام والتأثير السلبي على الذرية

بالرغم من تجرّد الروح الإنسانية الا أنه وعلى أثر الارتباط المتين مع البدن والآثار المادية، فإن تأثير الأشياء أو الأعمال المحرمة في الروح أمر غير قابل للإنكار، وذلك لأن الغذاء الحلال أو الحرام مثلاً يتحولان في المستقبل القريب إلى رؤية علمية أو ميل عملي، ويصيران سبباً للجزم أو العزم الصحيحين أو السقيمين، كما ويظهران عن هذا الطريق في الولد الحامل للموروثات البدنية والروحية التي كان يحملها الأب والأم.

ولعلّ هذا أحد جوانب الآية الكريمة: (وشاركهم في الأموال والأولاد)([60])، ولهذا يقول الإمام الصادق %: "كسب الحرام يبين في الذرية"([61]).

إن آثار مفاسد المال الحرام هي من الحجم بحيث تلوّث الجيل اللاحق، وإصلاح هذا الجيل وإن كان ممكناً إلا أنه ليس أمراً سهلاً ولا يسيراً.

8ـ تجنّب العمالة

يتمظهر العامل بالعمل ويتبلور به، فإذا كان العمل للآخر فهو يجسّد روح العامل المرتهنة لرئيس العمل، ويكون مصير هذا العامل وفق إرادة صاحب العمل هذا. هذا النمط ـ أي العمالة ـ هو العامل الأساس في الحدّ من حرية العامل وتهديد استقلاله، فلهذا لا يجوز الاشتباه والخلط بين العمل في الإسلام ـ الذي يمثل تلك الفضيلة السامية ـ وبين العمالة المذمومة، كما أنه لابد من التمييز بين العامل الشريف والمحبوب لله تعالى وبين ذاك العميل الذي يفوّض قسماً من حرّيته واستقلاله لربّ العمل.

فبالرغم من أن الإجارة من العقود المشروعة واللازمة، والأجير منتفع من هذا العمل المقدّس إلا أن الإسلام ـ الذي يحثّ دائماً على روح التسامي ويحذر من النفسية الساقطة والذليلة ـ لم يكن مروّجاً للعمالة، كما لم يعتبرها كمالاً.

يقول الإمام الصادق %: "من آجر نفسه فقد حظر على نفسه الرزق، كيف لا يحظره وما أصاب فيه فهو لربه الذي أجره"([62]). (إذ هو فقط يأخذ منه الأجرة).

فكما يجب أن يكون لدى العمّال الموقرين الهمّة العالية كذلك يجب أن تؤمّن الوسائل اللازمة لاستقلالهم الاقتصادي من طرف المسؤولين المحترمين في النظام الإسلامي، حتى تتجاوز الحركة التكاملية للعمل مرحلة العمالة ولتصل ـ من ثمّ ـ إلى مرحلة أعلى وأسمى، وهي مرحلة ملكية العامل للعمل واتحاد المباشر والآمر، وبالتالي وحدة العامل والرئيس.

إن تربية المدراء الفاعلين، ودعم الإنتاج المطلوب في المهن والحرف، هما من الشروط المهمّة التي لا يجوز الغفلة عنها.

9ـ تجلّي الكرامة الإنسانية في العمل

يقول الأئمة الإلهيون: إن من الجدير أن لا تكون عبادة الله والعبودية له نفعية أو نابعة من خوف؛ فلا يكون منشؤها الخوف من النار أو الطمع في الجنة، وإنما المطلوب أن يكون مبدؤها المحبة والمعرفة، أي أن يرجع السبب في العبادة إلى شوق لقاء الله والارتباط به.

وهذا الأساس المعرفي والركن الاعتقادي إنما وضع لصيانة كرامة الإنسان نفسه، حتى يواجه البشر وظيفتهم الأصلية ـ والتي هي العبادة أمام المحضر الإلهي ـ بشكل كريم لا خوفاً ولا ذلةً ولا طمعاً و…

10ـ العناية بالصبغة العبادية للعمل

إن رعاية عباديّة العمل باعث من بواعث تحريك العامل وشوقه لعمله، فهو حين قيامه بوظيفته مشغول بالعبادة، لأن العمل في الإسلام له جنبة عبادية وقدسية، بل هو أرفع أنواع العبادات.

يقول رسول الله 3: "العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال"([63]).

ومن هنا أوصي العامل ـ لأجل المزيد من النجاح والتوفيق ـ بالشروع بهذا العمل العبادي على وضوء وطهارة باطنية، يقول الإمام الصادق %: "من ذهب في حاجة على غير وضوء فلم تقض حاجته، فلا يلومن إلا نفسه"([64]).

لقد كان الأئمة المعصومون يبدون رغبتهم بالعمل على الدوام ويبغضون البطالة على غرار ما كانوا فيه من شوق للعبادة والمناجاة([65]).

جاء عن بعضهم أنه دخلنا على أبي عبد الله % في حائط له فقلنا: "جعلنا فداك، دعنا نعمله أو تعمله الغلمان قال: لا، دعوني فإني أشتهي أن يراني الله عز وجل أعمل بيدي وأ


الاجتهاد والتجديد قراءة في هموم الفقه الإسلامي المعاصر(*)

10 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
517 زيارة

الاجتهاد والتجديد قراءة في هموم الفقه الإسلامي المعاصر(*)



تمهيد

الفقه الإسلاميّ وما يتّصل به من أبرز مظاهر الحضارة الإسلامية، وليس من شك في مدى الجهد الهائل الذي بذله العلماء المسلمون لبناء هذا الصرح الحضاري القانوني؛ ليكون نبراساً تهتدي به قوانين عدّة في العالم، ومظهراً رائعاً من مظاهر قراءة النصّ، وتحليل أدوات التفكير، ومقاربة الظواهر الاجتماعية و.. والتكيّف مع الواقع، ثم إعادة صياغته.

بحقّ يجب أن ننحني ـ دون مجاملةٍ أو نزعة أيديولوجية ـ أمام أولئك العظماء عبر الزمن الإسلامي، من علماء فقهٍ وأصول وحديث ورجال وبيان.. على تلك الجهود المضنية التي بذلوها لخدمة هذا الدين في هذا الميدان الرحب الفسيح، فكلّما نظر الإنسان في تراجم هؤلاء وتاريخ نضالهم الفكري تلاشت نفسه وتصاغر أمامهم، لا يجد لنفسه رصيداً أمام معاناة لا حدود لها بذلها هؤلاء بأطيافهم، وقضوا بها أيّامهم ولياليهم، لا يفترون ولا يهدؤون، لا يملّون ولا يسأمون، فأيّ لسانٍ هذا القادر أن يصف ما قدّموه وما بذلوه وما فعلوه؟! وليس أجدى هنا من أن نقول: إن السكوت المنطلق من العجز خير تعبير نملكه لمدح هذا التراث العريق، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، وأنعم عليهم في جناته، ونسأل الله تعالى أن يُلحقنا بركبهم صالحين علماء متقين، لا نرجو سوى الله، ولا نطلب غير رضاه، بحولٍ منه سبحانه.

مكانة الفقه الإسلامي وأزمة الفرضية

وليس من ريب ـ فيما يبدو ـ لمن يقرأ التراث الإسلامي أنّ لعلم الفقه والشريعة وما يتصل به من علومٍ خادمة كالأصول والحديث والرجال والبيان، مكانةً مميّزة في منظومة التفكير الإسلامي، وأهمّ ما يميّز مكانة الفقه واقعيّتُه واتّصاله بحياة الناس، فليس علماً نخبويّاً صرفاً ولا ترفاً فكرياً بحتاً، إنما هو علم الحياة، وهو الاستجابة الطبيعية لفكرة تنظيم الحياة على الوجه الأكمل، من هنا تُناقض النزعةُ الفرضيّة الفقهَ بل وتقتله؛ لأن هذا العلم إنما يعبّر عن مواكبةٍ للحياة واستجابة لها، ومتابعة لشؤونها، فلا معنى لأن ينشغل بفروضٍ غير واقعية، ما دامت الحياة لا تهدأ بوقائعها الجديدة، سيّما العصر الحاضر الذي يتحفنا كلّ يوم بمستجدّاته التي لا تكاد تنتهي، وقديماً قال الأصوليون: إن الوقائع غير متناهية، ومهما ناقشناهم في هذا الكلام فممّا لا شك فيه أنّ الوقائع كثيرة جداً لا تكاد تتوقف في تدفّقها.

وليست النزعة الفرضية نزعةً جديدةً في حياة الفقه الإسلامي، بل عرفها المسلمون منذ القرن الثاني مع جماعة فقه العراق التي عرف فريقٌ منها بـ bالأرأيتيينv، نسبةً إلى قولهم: أرأيت لو كان كذا، فالتقدير بـ bلوv عندهم كان حاضراً على الدوام تقريباً، في إشارةٍ دالّة إلى جلوسهم في بيوتهم يرغبون بالافتراض، حتى ظهرت تساؤلات لا مجال هنا لاستعراضها، مثل: هل يجوز الزواج من الجنّ؟ وهل تُحسب الزوجة من الجنّ من الأربع نساء حتى لا يجوز الزواج من خامسة إنسية؟.. وفي السياق نفسه ظهرت ما تسمّى في الفقه الشيعي: فروع العلم الإجمالي، التي ذكرت في مباحث الصلاة، حاملةً فروضاً نادرة الوقوع في أكثرها.

وهكذا يبتعد الفقه عن الحياة وينزوي داخل السجالات التجريدية؛ فيغيب عن الحياة ويحلّ محلّه فقهٌ آخر، كالفقه الوضعي الغربي و.. وبهذا تبدو ضرورة واقعيّة الفقه وأن يعيش طلابه وفقهاؤه همّ الواقع المتدفّق بقضاياه اليوم، سيّما بعد دخول هذا الفقه مجال الحياة السياسية بكلّ تعقيداتها.

ولعلّ ما يساعد على ذلك ـ في بعض الجوانب ـ الرغبة في استخدام طريقة التفريع والتشقيق المنطقي القائم على سرد التقسيمات الثنائية، وهي طريقة رائعة استخدمها الفقهاء المسلمون؛ إذ كانوا يحاولون فرز المحتملات والصور المتوقعة إمكاناً للموضوع، ليجيبوا عن تمام الصور المفترضة المتصوّرة، فتكون إجاباتهم مستوعبة لتمام احتمالات الواقع، وفي هذا الإطار يجدون أنفسهم يعالجون افتراضات غير واقعية لكنها محتملة الوقوع، إن روعة هذا المنهج لا ينبغي أن تغرق الفقيه في المفروضات ذات الطابع غير العملاني، بل يركّز جهوده بشكل مضاعف على الصور المفترضة العملية، حتى لا يغرق في احتمالات لا تمتّ إلى الواقع بصلةٍ عملياً، وإن احتملها نظرياً وفلسفياً.

الفقه الإسلامي وترتيب الأولويات

وقد لا يُمنى الفقه بنزعةٍ فرضيةٍ كالتي ألمحنا إليها، لكن ميزان الأولويات يختلّ عنده، فمباحث التخلّي والوضوء من مباحث الواقع، ليست مجافيةً له ولا بعيدةً عنه، لكنّ الأمر ليس في واقعيّة هذا البحث الفقهيّ أو ذاك فحسب، بل في الحاجة إليه أيضاً، والأهم تقدير مدى هذه الحاجة.

من هنا، تأتي عملية اصطفاء الموضوعات الفقهية لوضعها ضمن هيكل يقدّم ما حقّه التقديم ويؤخّر ما حقّه التأخير، فصحيحٌ أن مباحث التخلّي أو الوضوء واقعيةٌ وهامّة، إلاّ أنه يجب أن نقايس في كلّ عصرٍ وزمان درجة الأهمية؛ فقد نجد أنّ مباحث الاستنساخ، والتلقيح الصناعي، وفقه البنوك والمصارف والبورصات و.. تحتوي درجةً مستعجلة من الجواب، فيما التخلّي والوضوء والصلاة على درجة أقلّ، سيما وأنّ هناك مباحث سابقة في هذا دون ذاك، فحينما نتحدّث عن أولويات ونطالب المعاهد الدينية والحوزات العلمية بالتركيز على ملفّاتٍ دون ملفات لا نقصد البتّة تهميش أيّ حكم شرعيّ إلهي أو اعتباره سخيفاً والعياذ بالله، بل الحديث عن الاهتمام المعرفي بهذا الموضوع أو ذاك، انطلاقاً من مبدأ أن الفقه استجابةٌ للواقع وردّ على أسئلته.

وعندما نتحدّث عن رسم الأولويات في الدرس الفقهي وعلوم الشريعة فلا يعني ذلك عملاً فنياً صرفاً لبناء أشكال هرمية أو عامودية أو مستطيلة، بل بلورة أنظمة التفكير ـ ومعها أنظمة التعليم ـ وفقاً لمبادئ واقعيّة الفقه وأولوياته، فما معنى اليوم ـ وهذه وجهة نظر شخصية بحتة ـ لأن يأتي فريقٌ من الفقهاء يدرّسون ـ على مستوى الأبحاث العليا ـ مباحث الطهارة في عشرة سنوات أو أكثر؟! هل هذا شيء مقبول؟! وأساساً لماذا ما يزال التفكير في تدوين أو تدريس دورةٍ فقهية أو أصولية كاملة؟! وهل هناك معنى لذلك في عصر تضخّم العلوم الدينية فضلاً عن غيرها؟ لماذا لا يُصار إلى اعتماد الموضوعات والملفات والمحاور العصرية أو الأكثر حاجةً ليدرّسها الفقيه أو يجتهد فيها بدل أن يُجبر على تدريس بابٍٍ بأكمله ربما تكون ثلاثة أرباع موضوعاته غير ضروريةٍ اليوم بالمعنى الذي قلناه؟ ففي أبواب الطهارة ندرّس بعض المسائل الحسّاسة أو التي تشهد جدلاً معاصراً أو التي يكثر الابتلاء بها مثل طهارة الإنسان أو تنجيس المتنجّس أو..

نعم، نحن نعتقد بأنّ هذا الفقه متواشجٌ متداخل، وهذه نقطة لا ينبغي أن نغفل عنها، فمن الممكن أن تساعدنا مباحث لم تعد مفيدةً اليوم في دراسة موضوعات بالغة الأهميّة، ولكي أعطي مثالاً، أذكر مسألة الستر والحجاب للأَمَة المملوكة، فقد ذُكر جواز كشف شعرها مثلاً، ورغم أن هذا الموضوع لم يعد محلّ ابتلاءٍ اليوم إلاّ أنه قد يثير عند فقيهٍ تساؤلاً حول معايير الحجاب في الإسلام، فيرى أنّ حرمة المرأة ومكانتها يلعبان دوراً في إلزامها بستر جسدها، وإلاّ فقد تكون الأمة مثيرةً للغرائز كالحرّة فكيف نفسّر الموقف؟!

لست أريد هنا الحديث عن هذا الموضوع ولا تبيين رؤيةٍ بقدر ما أريد التركيز على عنصر التواشج في الموضوعات الفقهية، الأمر الذي يفرض عدم تغييب بحثٍ من الفقه، بحيث ينشأ طلاب الشريعة لا يعرفون شيئاً عن هذا الباب الفقهي أو غيره، فيحصل نوعٌ من الخلل في رؤيتهم الفقهية حتى لموضوعات هامّة اليوم.

نعم، نحن نؤمن بهذا التداخل ولسنا نريد تجاهله، لكنّ هذا شيء يقع على مستوى المعرفة والاطلاع لا على مستوى رصد الجهود لدراسته، فمن المفيد أن يكون طلاب الشريعة مطّلعين على مجمل الموضوعات الفقهية، لكنّ هذا لا يعني أن يصبّوا دراساتهم على غير الموضوعات الحيّة والمعاصرة ذات الأهمية والمبتلى بها، ومعنى ذلك أنّه لا يوجد أيّ تنافر بين اعتماد منطق الأولويات في الدرس الفقهي وبين مبدأ تواشج الموضوعات الفقهية، بل يمكن الجمع بينهما وإيجاد الملائمة والانسجام، فإذا اصطدمنا بموضوع درسناه حينئذٍ.

وربما نجد وجهة نظرٍ تقول: إن بعض الموضوعات الفقهية قد يفتقد الحضور العمليّ له، فيخرج عن دائرة التداول ـ عموماً أو جزئياً ـ على الصعيد الميداني، إلاّ أنه يظلّ يشتمل على خاصّية تفرضه في الممارسة الاجتهادية، وهذه الخاصية هي طبيعة التعقيدات والصعوبات والمشاق التي تكتنف موضوعاً فقهياً ما ممّا يجعله محكّاً لاختبار جدارة الفقيه، فيكون الاهتمام به لا من باب الحاجة العملية الميدانية له وإنّما من باب الحاجة العلمية التي تفرض شحذ الذهن وخوض المعقّد من الموضوعات الشرعية.

وعلى سبيل المثال، هناك مباحث جرى الاهتمام الكبير بها بين الفقهاء في القرنين الأخيرين، مثل مباحث كتاب bالمكاسبv للشيخ مرتضى الأنصاري (1281هـ)، فبعض موضوعات هذا الكتاب ربما يكون غير ذي أهميّةٍ على الصعيد الميداني؛ لأنه يحاكي وضعاً سابقاً في الحياة الاقتصادية، إلاّ أنّ أهميّة الاجتهاد فيه تظلّ قائمةً مهما اتسعت هذه الثغرة؛ انطلاقاً من أن الاجتهاد في موضوع شائك كثر فيه القيل والقال والردّ والتفريع تبقى له قيمته على الصعيد العلمي لبناء جيل مجتهد متضلّع في تعقيدات البحث الفقهي.

وليس من شك في واقعيّة هذه الفكرة، لكن السؤال: هل انتهت الموضوعات التي تجمع خاصية العلمية والعملانية حتى نفتّش في مثل هذه الأوراق لشحذ الذهن وتربية الاجتهاد فيه؟ وإذا كنّا نحمل همّاً في مواكبة الفقه لآخر أوضاع العالم أليس بمقدورنا وضع حلّ يجمع بين الخاصيتين المذكورتين؟ ثم من قال: إنّ هذه الموضوعات ليس من أضرارٍ ناجمةٍ عن الغرق فيها رغم الفوائد العلمية التي ترافقها؟ هل الاجتهاد غايةٌ أم وسيلة؟ وهل الاجتهاد رسالةٌ لخدمة الدين وتحقيق غايات أخرى أم هو رغبة في التفنّن العقلي فحسب؟

إننا نعتقد أنّ الاجتهاد لا يفقد خاصية الرسالية بمعنى صيرورته نقطة الانطلاق لتقديم حلولٍ للواقع على ضوء معطيات الدين ضمن الدائرة الدينية، ومن ثم فلا يمكن لمجتمع علمي يدّعي القدرة على صياغة نظامٍ أفضل من غيره للعالم أن يُغرق نفسه ويبني ثقافته على التفنّن العقلي والغرق في السجالات الفكرية التي لا مردود رئيس لها على حساب الغاية النهائية المطلوبة من وراء الفقه، إن نزعة التفكير الفلسفية قد تكون مسؤولةً ـ بعض الشيء ـ عن هذا الواقع القائم، وسيأتي الحديث عن موضوع التدخّل الفلسفي في مباحث الشريعة.

من هنا، تتضح ضرورة المطالبة باستحضار عنصري الدقّة العلمية والحاجة العملانية معاً في بلورة مناهج التدريس من جهة، واهتمامات الفقهاء والباحثين من جهة أخرى، لا الاقتصار على أحد هذين البُعدين على حساب الآخر الذي لا يقلّ عنه أهميّةً، ولو جمعناهما معاً لتوصّلنا إلى صيغة تفي بهما، طبقاً لوفرة العطاء الفقهي في غير بابٍ من أبواب دراسة الشريعة.

الفقه الإسلامي والنظام التعليمي

ومن هذا المدخل ـ منطق الواقعية ومبدأ الأولويات ـ نلج موضوع النظام التعليمي، وهو موضوع طويل، إن إصلاح نظام التعليم أهمّ مدخل ـ كما كان يعتقد الشيخ محمد عبده (1905م) ـ لإصلاح بُنيات التفكير و.. ولست أريد الولوج المطوّل في هذا الموضوع، فقد قيل حوله الكثير، لكنّي أرغب في الإشارة إلى نقاط، أتصوّر أنّها دالّة:

أولاً: إن النظام التعليمي هو الذي يخلق التفكير الأحاديّ والتعدّدي، وهذه نقطة جديرة بالوقوف عندها، فنحن نلاحظ أنّ الحوزات العلمية والمعاهد الدينية عندما تدرّس طلاب العلوم الدينية علمَ المنطق فإنها لا تقدّم لهم سوى منطق أرسطو، فينشأ الطالب ظانّاً أن معادلات هذا المنطق كأنّها متفقٌ عليها عند عقلاء العالم، وتمرّ السنون وهو لا يدري أنّ علوماً منطقية قد ظهرت، وأنّ منطق أرسطو قد اجتاحته أمواج النقد العاتية فأعملت فيه مظاهر التعرية، ولسنا بذلك نزعم أنّ منطق أرسطو قد بلى وحكمنا عليه بالمقصلة، بل كلّ ما في الأمر أننا نريد أن ينشأ الطالب على وجود اتجاهات وآراء، ولا يظنّ أن للدنيا لوناً واحداً فحسب؛ مما يخلق في تفكيره تصوّراً أحادياً عن العالم، لا يلامس الواقع والحقيقة المعرفية الموجودة.

وهكذا الحال في علم الفلسفة الإسلامية؛ فنحن نلاحظ أن الحوزات العلمية تركّز ـ إلاّ مؤخراً وبصورة جزئية ـ على الفلسفة العقلية الصدرائية ـ نسبةً إلى الملا صدرا الشيرازي (1050هـ) ـ وكأنه لا وجود في العالم لفلسفةٍ إلاّ الفلسفة الإسلامية، وأنّ الفلسفة الإسلامية قد اختُزلت في الحكمة المتعالية، تماماً كما نلاحظ حالة الإفراط هذه لدى بعض مثقفي المغرب العربي في رؤيتهم للفلسفة الرُّشدية، وهذا ما سبّب استخدام منطق التهميش للفلسفات الأخرى والتعامل معها بدونيّةٍ دون كثير اطلاع على مصادرها وأفكارها.

ولا تقتصر هذه الحالة على المنطق والفلسفة، بل تنال الفقه نفسه، فرغم التنوّع الموجود اليوم في الدرس الفقهي، وهو تنوّع لا يكاد يُنكر، إلاّ أنّ ثمّة مشاهد تظلّ مغيّبةً عن طلاب الشريعة، يتربّون على غيابها، مثل الفقه السنّي في الوسط الشيعي، والفقه الشيعي في الوسط السنّي، أو الفقه الوضعي في الوسطين معاً، فلا يطّلعون عليها إلاّ بعد مرحلة الاكتمال الفكري، التي تفرض رؤيةً أيديولوجية ذات أحكام مسبقة على الآخر في كثيرٍ من الأحيان، وستكون لنا وقفةٌ مع موضوع تنوّع المشهد الفقهي قريباً إن شاء الله تعالى.

وبهذا يجدر أن لا نستهين بالأحادية التعليمية التي ينغمس طالب الشريعة في أجوائها ما لا يقلّ عن عقدٍ كاملٍ من الزمان، وهو أمرٌ تُسأل عنه البرامج التعليمية الحالية، مع تقديرنا لجهود مشكورة تقوم بها المعاهد والحوزات الدينية في هذا المضمار.

ثانياً: ثمّة أزمة ثقة يعانيها طلاب الشريعة الآملون في التغيير، وهي أزمة تخلق ـ فيما يبدو ـ نوعاً من انفصام الشخصية أو من الازدواجيّة، ولعلّ هذه الأزمة المزدوجة (الثقة ـ الازدواجية) من أخطر الأزمات التي تعانيها الحوزات العلمية اليوم.

ولكي أوضح هذه الفكرة، أجد نفسي مضطراً لذكر هذه القصّة، فقد التقيت بأحد أبرز تلامذة الشهيد السعيد محمد باقر الصدر (1400هـ)، وهو من الفقهاء المعاصرين البارزين، وكان حديثٌ عن الفقه و.. فسألته عن السبب الذي دفع مفكّراً كبيراً كالسيد الصدر، وهو رجل المرحلة، والعارف بزمانه، أن لا يدرّس في حوزة النجف آنذاك فقه الاقتصاد، أو فقه الأسرة، أو فقه العقود وأنظمة المال، أو فقه القضاء، وهي ملفّات شائكة وبالغة الأهمية، وجميعنا يعرف لو ولجها الصدر بعقليته الفقهية و.. لقدّم نماذج مهمّة تحتاجها الأمة وتنمو بها المعرفة، بل يستبدل ذلك كلّه بتدريس كتاب الطهارة، إلى مباحث الحيض، في مدّةٍ لا تقل عن ستة عشر عاماً، وما طُبع له في مباحث الطهارة على العروة الوثقى لم يكن سوى بعض تلك الدروس لا جميعها.

كان جواب هذا الفقيه البارز أنّ بعض تلامذة الشهيد الصدر هو من أقنعه بأن يدرّس كتاب الطهارة، مع رغبة الصدر في تدريس فقه العقود مقارناً بآخر النظريات الوضعية في الفقه الغربي، والسبب في ذلك أنّ الحوزة لن تعترف بك ـ أيّها الصدر ـ إذا درّست مباحث جديدة، بل علينا الشروع بمباحث تقليدية حتى يُصار إلى كسب الاعتراف، ثم الانطلاق بعد ذلك في المشروع الخاص، وهكذا شرع الصدر في مباحث الطهارة، ليدرّسها أكثر من ستة عشر عاماً.

كيف يمكن لنا تصوّر حجم الخسارة التي مُنيت بها الحوزة العلمية بهذه الخطوة؟ لقد صرف الصدر أقلّ من نصف هذا الوقت ليكتب bفلسفتناv، و bاقتصادناv، و bالأسس المنطقية للاستقراءv، تلك المشاريع الثلاثة التي لا يحتاج الأمر للحديث عنها، فلو صرف ستة عشر عاماً للتنظير للفقه الاجتماعي بأبعاده ماذا كنّا وجدنا اليوم؟ كيف يمكن غفران هذا الحدث؟! ومن هوالمسؤول عنه، وعن كثيرٍ من أمثاله؟!

بهذا المثال التقريبي أبدأ فكرتي، إشكالية تتجاذب المصلح الديني في المؤسسات الفكرية الدينية، هل يشرع ـ لكسب الاعتراف به ـ بنمط تقليدي مدرسي فتمرّ الأيام ثم تمرّ المشاريع وتذوب بعد الغرق في تعقيدات الأوضاع التقليدية، أم يبدأ في عملية التغيير وفق قناعاته منذ البداية لكنه يصطدم بعدم الاعتراف به مما يُعجزه عن التغيير؟

سؤال رئيس، وجوابه ـ في الوقت عينه ـ معقّد متشابك، فقد رأينا في حياتنا أشخاصاً متذبذبين خائفين أن يُنبذوا أو لا يُقَرّ لهم باجتهاد أو فقاهة، فاضطرّوا للتخلّي عن قناعاتهم مرحلياً، لكن مرور الأيام قضى على تلك القناعات وجعلها رذاذاً منثوراً.

من هنا، تبدأ معاناة طلاب الشريعة، حيث التذبذب بين المناهج، فيضطرّ الطالب لدراسة كتب لا يؤمن بعظيم الفائدة من دراستها، مع كلّ الاحترام لها ولمؤلّفيها، لا لشيء سوى الخوف من أن يُنعت بالضعيف علمياً أو…، وبهذا تموت القدرات والطاقات وتذهب الآمال رويداً رويداً، وتبقى المظلّة الكلاسيكية تخيّم فوق رؤوس الجميع، وقبل كلّ شيء فوق رؤوس ألدّ أعدائها، إنه القدر الذي أصاب ويصيب غير صرحٍ علمي في حياتنا الدينية، ولهذا لا بدّ من تفكير جادّ، ليس شكلياً بل جوهري، تفكيرٍ لا يعيش عقدة الخوف ولا يبحث عمّن يشهد له أو يمتدحه، تفكير لا يريد إلاّ الله حتى لو ذمّه العالم، ولا يسعى إلاّ خلف رضوانه حتى لو عاداه الخلق كلّه، يعرف المدارة لكنه لا يقتل نفسه داخلها، إنّه لا يصنع أفكاراً واهمة تجعله كدودة القز تقتل نفسها بنفسها، فيسلّي نفسه تارة بأنه يقوم بتغيير تدريجي، أو يؤنسها أخرى بأنه يمارس تكتيكاً…

مسؤولية مَنْ تلك أن نبعث في نفوس طلاب الفقه والشريعة الثقةَ بأنفسهم حتى لو لم يسيروا وفق المألوف الذي لا يؤمنون به؟ أليست مسؤوليّة أساتذة الحوزات العلمية ومربّيها أن يعملوا على ذلك؟ إلى متى الارتكاس والخوف؟ وإلى متى القلق على مصالحي ومصالحك أن تصدر بنا فتاوى أو تنهال ضدّنا البيانات الصاخبة؟ لو كان الإمام آية الله الخميني يفكّر بهذه الطريقة لما شاهدنا كلّ هذه الإنجازات التي قدّمها؟

كيف يمكن ـ بعد اليوم ـ أن نتناول هذه الملفّات بابتسار أو استخفاف؟ لقد وضع مرشد الثورة الإسلامية آية الله السيد علي الخامنئي حفظه الله تعالى كلّ ثقله وما يملك من نفوذ لإيجاد تغييرات في الحوزة العلمية، وبعد أكثر من عقدٍ من الزمن على مشروعه هذا ومع كلّ الإنجازات الرائعة التي تحققت، ما زلنا نجد وضعاً في غاية المأساوية، فإذا كانت الحال كذلك فأيّ أملٍ يرتجى إذا لم ينهض الجميع ويأخذوا الأمور بجدّية أكبر؟!

من الضروري التفكير بإعادة الثقة للطلاب الطالبين للتغيير، ولست أتكلّم هنا مع الفريق الذي لا يؤمن بتغييرات في مناهج التعليم، فإنه يختلف معنا جذرياً، وهذا حقّه ووجهة نظره التي نحترمه عليها، إنما الحديث هنا مع دعاة التغيير والمؤمنين به، لماذا الصمت وإلى متى نترنّح اعتماداً على ما قدّمه الصدر والمظفر و.. قبل عقودٍ عديدة؟!

يجب أن نشير أخيراً إلى حالة جديرة بالثناء، انبعثت مؤخراً في أوساط طلاب العلوم الدينية في الحوزات العلمية بإرشادٍ ودعم من المؤسّسات المشرفة على عمل الحوزة في إيران وغيرها، وكلّنا معهم ـ مهما كانت الأخطاء ـ نشدّ على أيديهم، وإذا لم يكن من سبيل للخدمة فلا أقلّ من الرضا والدعاء.

الفقه الإسلامي ومسألة التجديد

ومسألة التجديد هي الأخرى مسألة طويلة معقّدة، لا تستهدف هذه الأوراق الخوض فيها، إنما تعنيها بعض وقفاتٍ نوليها أهميةً.

1 ـ أولى قضايا الهمّ التجديدي، مسألة الانكماش النفسي أمام هذه المقولة في الأوساط الدينية، فهناك خوفٌ حقيقي منطلق من معطيات موضوعية من مشاريع التغيير والتجديد، هناك قلقٌ على المسألة الدينية ككلّ؛ ذلك أنّ العديد من مشاريع التجديد الديني في الغرب والشرق، وفي ساحتنا الإسلامية، كانت لها مردودات سلبية واضحة على الحسّ الديني عموماً، وقد دفعت هذه التجارب ـ إلى جانب حساسية الموضوع الديني ـ جملةً من العلماء للحذر من محاولات التغيير، خصوصاً في ظلّ العولمة الثقافية التي يقودها الغرب، وفي ظلّ الاستمداد المعرفي (وأحياناً الاستلاب) الذي يمارسه التجديديّون إزاء الغرب، كونه يمثل بنظرهم حضارةَ اللحظة ومعرفة العصر.

من هنا، تشابكت في الوسط الديني مسألة التجديد مع سلب الهويّة، ودخل موضوع تغيير الواقع في جوٍّ من الخوف على انفلات الأمور نحو ما لا تُحمد عقباه، وللحقّ يقال: إن مقداراً من هذه المخاوف منطقيّ ومبرّر.

لكن هل يصحّ تحكيم هذه المخاوف لتمثل ثقافةً تقدّم دفع المفسدة على جلب المصلحة دوماً؟ لنفرض أنّ أخطاءً قد وقعت، وبعضُها فادح، هل ينسف ذلك أصل المشروع؟ وهل يجعل المبدأ دوماً عرضةً للتساؤل؟ سيّما مع وجود عيّنات تجديديّة ممتازة ومُرضية استطاعت تقديم صورةٍ إيجابية عن المشروع التجديدي، لماذا إذا اتّهم الغربُ الإسلام بتهمة عذرنا بأنّ ذلك كان خطأ في التطبيق هنا أو هناك، أما عندما يحصل خطأ في الطرف المقابل لا نستخدم الأمر نفسه؟

نحن نعتقد أنّ الخطأ في مثل هذه الحال قد يطال المبادئ والنظريات، لكن ذلك ليس على نحو العجالة، بل لابدّ من درس الأمر لتحديد أن مسؤولية الخطأ هل ترجع إلى المشروع نفسه أم إلى بعض امتداداته أو بعض تطبيقاته؟ وبعد ذلك نحكم بجدوائيته أو عدمها، لا إصدار قرار عام، سيما إذا كنا نؤمن سلفاً بضرورة المشروع من حيث المبدأ.

كما أنّ وجود أخطاء في مشروعٍ ما يجب أن يدفعنا إلى النظر في مدى قابليته للإصلاح والإحياء، فهل هذه الأخطاء بحدٍّ تمنع أساس انبعاثه سليماً مستقيماً أم أنّها بحيث يمكن تفاديها ضمن الحدّ المعقول والمنطقي؟ إضافةً إلى أنّه لا يخلو مشروعٌ تغييري من مفاعيل عكسية، ولا نسمّيها أخطاء؛ لأن الخطأ الذي يُلام صاحب مشروعٍ عليه هو الخطأ الذي يخرج عن الحدّ الوسطي من الاشتباهات، وإلا فلا يحاسب غير المعصوم وكأنّه معصوم؛ كي لا نكون مثاليين في تعاطينا مع الظواهر والأحداث.

من هنا، لابد من حساب مجموع المساوئ والمحاسن مع لحاظ تمام هذه الأمور؛ لكي لا نشطب على مشروع بالمرّة أو نختزله في صور بائسة لا تكاد تفعل شيئاً على أرض الواقع.

على أنّ هناك نقطةً جديرة، وهي أنّ رفض المشروع قد يدفع فرقاء آخرين في الساحة لتبنّيه، الأمر الذي يزيد الأمور تعقيداً ويفتح الهوّة أكثر فأكثر بين الطرفين، أما لو بادرت الجهات المعنيّة التي تعيش قلقاً من الآخر لخوض غمار هذه التجربة فلربما حققت نجاحاً مضموناً؛ كون الأمور بيدها، كما ولربما سحبت شرعية الطرف الآخر الذي قد يغذّي وجودَه على تقليديّة الطرف الأول وانزوائه ومزيد تشدّده، فقد يُنشؤ التطرّف في طرفٍ شرعيةً للطرف الآخر وحجّة، فيما يذيبه الاعتدال أو إقدام الآخر على المشروع نفسه.

2 ـ ما هو الذي نريد أن نجدّد فيه؟ سؤال اختلفت حوله الأجوبة، فبعضهم يرى أنّ المطلوب التجديد في اللغة؛ بأن نبقي الأفكار فيما نغيّر طريقة عرضها، وبعضهم يطالب بتجديدات شكلية أوسع نطاقاً.

أما ما نعتقده حاجةً للتجديد، فليس فقط البُعد الإداري أو التعليمي أو اللغوي أو.. وإنما الخطاب الذي يعني بُنية التفكير وطرائق التعقل، فهذا هو المحور الرئيس الذي يرفد سائر المحاور التجديدية، فعندما تتداوى المعدة يصبح الشكل الخارجي للوجه أكثر نضارةً بزوال البثور عنه، من هنا كان اعتقادنا بأن فشل جملة من تجارب الإصلاح إنما جاء من سطحية تناولها للمشكلة، فعندما تبسّط المشكلة ثم تضع حلاً لها فأنت لا تكون قد فعلت سوى عملية تخدير مرحلية، سكّنت الأوجاع، ثم ما تلبث أن تتجدّد، وربما يكون التجدّد تأزيماً أكبر للواقع؛ لأن مرور الزمان يزيد الأمور تعقيداً وتفاقماً.

من هنا الإصرار على ضرورة تناول الملفات الحسّاسة، ذات الطابع المعرفي والمنهجي؛ لأنها التي تمثل عصب التفكير، وبإعادة النظر فيها وإعادة ضخّ التفكير حولها يمكن وضع الإصبع على الجرح، وإن كان المهمّ ـ قبل ذلك ـ أن نحسّ بهذا الجرح ونتألّم.

لهذا كان تناول الموضوعات الحساسة فكرياً حاجةً، لا لرغبةٍ في التشكيك أو جموحٍ نحو الذاتية، بل لرؤية تجد أنّ في بنية التفكير أزمةً، وفي الممارسة أزمة، فعلى كلّ منّا السعي لاستلام ملفّ من هذه الملفات لدراسته ووضع تصوّر عنه.

3 ـ هل هناك علاقة بين التجديد والتضليل؟ وهل أنّ مشروع التجديد يؤدّي عادةً إلى تضليل الناس، سيما غير المختصّين منهم؟ وكيف يمكن التوفيق بين الرسالية الدينية وبين الهمّ التجديدي؟

يذهب فريقٌ كبير من علماء الدين المسلمين إلى أنّ عملية التغيير والتجديد لا يمكن القبول بها داخل نظام حريّة الرأي، فالتجديديّون يقولون: إن حركة التغيير لا يمكن أن تحصل في ظلّ قمع وانحصارية وشمولية واستبداد، لهذا كان من الضروري أن تصاحب العملية حرية في الرأي والفكر والتعبير، حتى يتسنّى ـ بإيجاد موجةٍ من الحراك الفكري والجدل المعرفي ـ إحداث قفزة في التفكير عبر ضرب الآراء ببعضها، بل قد تعدّى الدكتور أركون هذا الأمر ليتحدّث عن موضوع الأشكلة، إنّه يرى أنّه لا يمكن تناول موضوعٍ ما قبل أشكلته، بمعنى تحويله الى موضوعٍ إشكالي غير مسلّم به، بل مشكّك فيه؛ إذ بهذه الطريقة يتمّ إسقاط القداسة أو الهالة المصطنعة حوله؛ ممّا يفسح المجال لمعالجته بطريقةٍ علمية غير مؤدلجة أو قلقة.

وهذا الموقف هو ما زال يثير حفيظة التيار المدرسيّ في المعاهد الدينية؛ لأن فسح المجال لحريّة الرأي سوف يؤدي إلى نشر الأفكار الضالّة والمنحرفة، الأمر الذي لا تجيزه الشريعة ولا يقرّه الإسلام، فكيف يمكن أن نسمح للأفكار الضالّة المنحرفة أن تأخذ حرّيتها في مجتمع الإسلام والمسلمين فتضلّ الشبابَ البسطاء، وينطلي أمرها على العامّة من الناس غير المختصّين بالعلوم الدينية؟! فحتّى لو كانت لها فائدة إلاّ أن مضرّات ذلك على تديّن الناس لا تسمح لنا بتبنيّها، من هنا فإذا سمحنا لكلّ جديدٍ فقهيّ مخالفٍ للإجماع أو المشهور أو سيرة السلف أن ينتشر بين الناس فسوف نسقط هيبة الفقه والفقهاء، ولن يثق الناس بعد ذلك برأي هذا الفقيه أو ذاك، بل سيبادرون إلى اعتبارهم أنفسَهم أكثر فهماً منه بحجّة كذا وكذا..

وأمام الموقف الداعي إلى حرية الرأي في العلوم الدينية، سيّما الفقهية وما يتصل بها، والموقف المتحفّظ من ذلك الراغب في أن تبقى أيّ عملية تغيير داخل القنوات الخاصّة بالمؤسسة الدينية حذراً من مخاطر على العامّة من الناس، يفترض أن نسجّل موقفاً يبيّن طريقة تفكيرٍ لمعالجة هذا الموضوع الإشكالي.

أستخدم ـ لهذا الغرض ـ مدخل: استراتيجي وآني؛ ذلك أنّ الموقف من هذا الموضوع يفترض أن يحسب جيداً الأرباح والخسائر، لكن لا بأخذ قطعةٍ زمانية أو مكانية محدودة وإجراء الاختبار أو الدرس عليها، وإنما بتوسعة دائرة التجربة ليُقرأ الحدثُ على المستوى الحضاري العام، فقد أنظر إلى جماعة المؤمنين في مدينتي أو قريتي فأجد bالآنv أنّ نشر وجهات النظر المختلفة فيما بينهم سوف يؤدي إلى انحراف ولو خمسة في المائة منهم عن جادّة الطريق الذي ـ وطبعاً ـ أؤمن أنا به، وأعدّ الانحراف عنه ضلالاً وزيغاً.

ومعنى ذلك أنّ هناك أمرين: أحدهما: اعتبار أفكاري هي المعيار، ثم افتراض أنّ أيّ حيادٍ عنها يعني درجةً من الانحراف عن الحق، وثانيهما: أخذ عيّنة bالآنv وما يحيط بها زمانياً، وكذا بعض العيّنات المكانية الوسيعة أو الضيّقة في الحسبان، وعلى ضوء هذين العنصرين جرى الحكم.

قد لا يكون معنى للريب في أن نتيجة الحكم ستكون موقفاً سلبياً من الرأي الآخر؛ إذ كلّ الشواهد تصبّ في خانة المعطيات السلبية الناتجة عن فسح المجال له، لكن ماذا يمكن أن يحصل لو عدّلنا الصورة؟

إذا قمنا بحساب الأمور ضمن نطاقٍ محدود، فسوف تنتج معطيات، لكن الأمور عينها إذا حسبناها على نطاقٍ واسع وممتدّ في الزمان فسوف تعطينا تصوّراً مختلفاً، ففي بعض الدول ذات الكثافة السكّانية حدّدت الدولة طفلاً واحداً لكلّ أسرة، لكي تحول دون حصول المزيد من التضخّم السكاني المفضي إلى أزمات اقتصادية رهيبة، والذي حصل أنّ كلّ أسرة فكّرت بحسابها فوجدت أنه عندما يعلم الوالدان بأنّ الطفل أنثى سوف يعملان على إسقاط الجنين؛ لأن الحاجة إلى الذكر أكبر، وحيث إن الخيار محدود، وهو طفل واحد، كان معنى ذلك اختيار أفضل الخيارين الجيدين في حدّ نفسيهما، وهكذا كثر الأولاد الذكور، وبعد مضي عقود من الزمن زاد عدد الذكور في البلاد ثلاثين مليون نسمة عن عدد الإناث، مما خلق أزمة اجتماعية أكثر رعباً وخوفاً.

هكذا تختلف القراءة من قراءة تنظر ضمن إطار، إلى قراءة تحاول أن تستشرف المستقبل والوجود الجمعي للأمة والمجتمع، لا وجود هذا الفرد أو ذاك.

على خطٍّ آخر، ليس من حكم نحكم به لا سلبية فيه، فإذا كان معيار ضعف حكم اشتماله على نقطةٍ سلبية فحسب، عنى ذلك أن أغلب القوانين سوف تزول وتندثر؛ لأن فيها جميعاً عناصر سلبية على أرض الواقع، إنما المهمّ ضرب السالب بالموجب لنخرج من ذلك بحصيلةٍ جامعة، تكون هي ـ لا غير ـ معيار صواب حكمٍ أو عدم صوابه.

ما نتصوّره أن منح الحرية الفكرية داخل الساحة الإسلامية بأطيافها وتوجّهاتها قد تكون له مضارّ دينية على جماعة أو شريحة لزمنٍ أو لفترة، لكن ما نريد أن ننظر إليه هو القراءة على المستوى الحضاري الممتدّ لعقود، لننظر أيّ الخيارين هو الصحيح وفق هذه النظرة؟

إنّ الجواب عن هذا الموضوع لا يكون إلاّ بقراءة التاريخ، فأيّ فترات التاريخ هي الأخصب معرفياً وفكرياً وحضارياً؟ حُقب الاستبداد وإحراق كتب الفلسفة أم حقب التعدّد والانفتاح؟ أليست حقبة المأمون من الحقب الإيجابية لما نشرته من فكرٍ غربي وما سمحت به للعلماء من المناظرة والاختلاف؟ لو مورس القمع في الاختلاف الفقهي هل كنا سنجد هذا التراث الضخم من تعدّد الآراء والمناقشات؟ متى تنمو النظريات والأفكار والمعارف؟ إنّنا نسأل الطرف الذي يمارس القمع اليوم بأشكاله ـ جميعاً أو بعضاً ـ هل كان سيقبل باستخدام منطقه في حقّه؟! ألا ينادي الإسلاميون اليوم في البلاد العربية بالديمقراطية وحرية التعبير، فما بال بعضهم عندما تغدو الأمور بيده يظهر أسوأ من الواقع الذي نقده؟! هل هي ازدواجية المعايير التي ندين الغرب عليها أم حكم المصالح الذي نرفضه على مستوى القيم العليا؟! كيف يمكن أن تنهض أمّة لا تسمح بتعدّد الآراء واختلاف وجهات النظر، هل غدت المكتبة الإسلامية والموروث الديني الذي نتغنّى به ونفتخر بكل هذا الثراء بما فسحه التاريخ للآراء جميعها من مجال أم غدت كذلك بالقمع والتكفير و..؟! ولو قدّر لفريق واحد وفقط واحد في ميادين المعرفة الدينية المختلفة أن يبطش بيدٍ من حديد هل أصبحنا حضارةً ومدنية؟!

حذار من المقولات المتناقضة، نمتدح أمراً ثم نذمّ منطلقاته التي أتت به، أو نذمّ أمراً ثم نمتدح مظاهره ونعتزّ بها، فالمفترض أن نكون أكثر منطقيةً وانسجاماً في أفكارنا.

إننا نتكلّم على الصعيد الفكري والعلمي والثقافي، ولا شأن لنا هنا بالحريات الشخصية والإعلامية والسياسية والاقتصادية.

من هنا، يُفترض أن يحسب الأمر على مستوى مصالح الأمّة في مشروعها النهضوي بأطيافها ومدارسها، لا أن نحسب الأمور على حساب قريةٍ أو مدينة، صحيح أن بعض السلبيات سوف تظهر، لكننا مطالبون بالسهر على تفاديها قدر الإمكان، فالعلم لا يسير بفتاوى التكفير بل بقلم المعرفة وعين المنطق.

إن أكبر أخطاء المشروع الإسلامي أن يتعامل في الفكر والثقافة بمنطق العسكر والأمن وأجهزة الاستخبارات، أو يتعامل في قضايا الأمن والعسكر بمنطق الثقافة والفنّ، لا يوجد اليوم عقلٌ واحد يمكن أن يدير حقول المعرفة، فلكلّ حقل عقل، ولكل علم تفكيره، فلا يصحّ التعامل مع الفلسفة بمنطق الفهم العرفي اللغوي المتسامح، ولا يُحكم الفقه بعصا فلسفية، كما لا ينتج الأدب والفنّ في مدارس الرياضيات والفيزياء، وهذه حقيقة يجب وعيها، يجب أن ندرك جيداً أننا في الحياة العلمية نريد رجال علم مزيّنين بسلطة اجتماعية و..، ولسنا نهدف إلى رجال سلطة مزيّنين بعلمٍ ومعرفة، فهذا خطأ تاريخي قلب موازين التفكير في أكثر من واقع إسلامي.

من هنا، نؤمن بمفهوم تعدّدية الفكر في مجال الفقه والأصول وكلّ ما يخدمها من علوم، لا احتكار للمعرفة هناك ولاسرقة لها، إنما فارس الميدان هو الفكر والقول والإقناع والقلم واللسان، ولا نمانع من التوافق على صيغ تضبط حركة الحرية الفكرية تبعاً للخصوصيات المجتمعية والحضارية، شرط أن لا يستغلّ هذا الأمر ـ كما يحصل كثيراً ـ لنسف أصل المشروع واختزاله وإلغائه عملياً.

كما لا بدّ أن نشير هنا إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي مرجعية الإجماع أو الشهرة أو سنّة السلف أو ما شابه ذلك من مفاهيم، كعمل أهل المدينة في المذهب المالكي و.. إنّ هذه المقولات رغم أنها تساعد في بعض الأحيان على التوصّل إلى نتائج في الاجتهاد الفقهي، وهذا شيء لا ننكره، إلاّ أن حجم تأثيرها أقلّ بكثير من الصورة المرسومة لها ولدورها في الاستنباط، ومن ثم فهم رجال ونحن رجال، وكم ترك الأوّل للآخر، فلا يصحّ اعتبارهم مرجعاً نهائياً نضيفه على الكتاب والسنّة، ولو سمّيناه بالطريق إلى السنّة، فإن هذه التعديلات في التسمية لا تغيّر من واقع الأمر شيئاً، وهو أن الكثيرين اليوم يخافون من التوصّل إلى آراء تقع على طرفٍ آخر مما ساد الدرس الفقهي والأصولي، وهذه العقلية القلقة ـ بالمعنى غير الإيجابي للكلمة ـ لن تقدر على تقديم جديد يُذكر، وستبقي الاجتهاد نحواً من التقليد، يدور في مدارات الآخر الذي مضى، فيما المطلوب الخروج من هذا النفق.

ولسنا نريد دراسة هذا الموضوع هنا، بقدر ما نقدّم تصوّرنا عنه، ونراه مسؤولاً عن كثير من مظاهر الضعف والعجز والفشل الذي أصاب ويصيب المؤسسة العلمية في عالمنا الإسلامي.

كما لا نقصد ما يقصده بعضهم من الرغبة في مخالفة رأي مشهور العلماء، سعياً وراء الشهرة أو الصيت ـ والعياذ بالله تعالى ـ فقد عايشنا بعض من أشغف قلبه بحبّ الخلاف، طلباً لذلك، كما نلفت إلى أنّ قيمة الأبحاث العلمية ليست بنتائجها، وأنّها موافقة لرأي من سلف أو لا، بل في مستوى البحث وعمقه ودقته وعلميّته وأمانته وموضوعيته، فما صار شائعاً في بعض الأوساط من احترام شخصٍ لمخالفته للمشهور ليس علامةً صحيّة في الموازين العلمية، وإن دلّت على شجاعة، بل المفروض الجمع بين هذه الشجاعة المعرفية وجرأة المعرفة من جهة، وبين الأكاديمية العلمية والإنصاف وطلب الحقيقة وتوخي شروط المعرفة والبحث من جهة أخرى.

الفقه الإسلامي ومستويات الخطاب

لكلّ علم لغته المختصّة التي تحوي مصطلحاته وتراكيبه، ولا تظهر هذه المصطلحات عبثاً، إنما تمثل عادةً مراكمة التطوّر المعرفي لهذا العلم، وهذا ما جرى على علم الفقه وما يتصل به.

لكنّ الملاحظ في علم أصول الفقه السنّي في بعض حُقبه، كما فيما بعد القرن السابع الهجري إلى قرابة قرنين من هذا العصر، وعلم أصول الفقه الشيعي في القرون الثلاثة الأخيرة، دخول العلم حيّز التعقيد اللغوي، مما يجعله بعيداً عن تناول فئات أخرى من المجتمع، ولا ضير في هذه اللغة عندما تكون ضمن الحدّ المعقول، أمّا عندما تدخل دائرة الإفراط والمبالغة التي تتفنّن بتعقيد الكلام حتى لا يكاد يفهمه بعض مختصّي الفنّ أنفسهم، كما عُرف عن بعض كتب أهل السنّة، مثل كتاب التحرير لابن الهمام الحنفي (861هـ)، وشرحه التقرير والتحبير لابن أمير الحاج (879هـ)، وكتاب المغني في أصول الفقه، لجلال الدين الخبازي (691هـ)، أو بعض كتب الشيعة مثل كتاب: كفاية الأصول، لمحمد كاظم الخراساني (1329هـ) و.. ففي هذه الحالة لا يغدو الأمرُ ظاهرةً صحيّة بل حالةً مرضية داخل العلم؛ لأنها تشغل مختصّيه ـ فضلاً عن غيرهم ـ ردحاً من الزمن بتفكيك الكلمات وتقليب الألفاظ، فيضيع الإبداع في المعنى لصالح الإبداع في التركيب اللفظي.

بل قد تجد من يريد أن يفتخر بهذا التعقيد، فتسمع من أبناء الطائفة الشيعيّة العلماء من يريد نشر نتاجات الشيعة الفقهية والأصولية بين أهل السنّة، وعندما تطالبه بتبسيط اللغة كي تصل الأفكار إلى الطرف الآخر، فهو لا يبالي، بل يعتز بأنّهم لا يفهمون منها شيئاً، في إشارةٍ إلى رغبة في إيصال رسالةٍ للطرف الآخر بالاقتدار العلمي، بدل أن يكون نشر الفكر هو رسالة العلماء والباحثين لا استعراضاً للقوى والتخايل بها.

هنا تموت الرساليّة في المعرفة إلى مصارعة ومطاحنة، ويموت الهدف الرئيس الذي من أجله جاء العلم، ليفهم الإنسانية نفسها ووجودها ومبدءها ومعادها، لا لكي يبخل على الناس بالمعرفة، ادّعاءً بحماقة البشر إلاّ نفسه، وجهالتهم إلاّ هو، فليحسب طلاب العلوم الشرعية الغارقون في دراسة الكتب والمناهج الفقهية والأصولية في الوسط الشيعي، وليتحدّثوا مع أنفسهم في هذا الأمر، كم من عمرهم صرفوا ليفهموا مراد هذا العالم أو ذاك المصنّف بعد صراعات مريرة على تفكيك نصّه وتحليل كلماته؟! ولو أنّ لغة العلم غدت واضحةً شفافة، لا مبتذلةً مستهلكة ولا معقّدة متشابكة، لاختصرنا الوقت وكسبناه في آنٍ معاً، وصرفنا جهودنا الجبّارة على تفكيك المعاني ونقدها وتطويرها وإبداعها.

ولعلّ التأثير الفلسفي على علمَي الفقه وأصوله ساعد على بناء هذه اللغة المعقّدة، وهو خلل منهجي ليس على مستوى اللغة والخطاب العام، بل على مستوى آليات البحث أيضاً؛ فقد جرى استخدام منهج فلسفي في مباحث بحت لغوية استظهارية دلالية، لا تحليلية، كما تأثر الفقهاء أحياناً بالفلاسفة والعرفاء في إقصاء أفكارهم عن التداول العام، كان من أسبابه في الفلسفة والعرفان والتصوّف تصادم مقولات هذه العلوم مع الرأي العام والوعي الديني الشعبي، بل مع وعي الفقهاء الرسميين أيضاً، وبسبب الخوف بأشكاله، اضطرّوا لتعمية مفاهيم عبر إغلاق النصوص وتعقيدتها، بل لقد تواصوا بذلك فيما بينهم، كما حصل مع إخوان الصفا وغيرهم، إلاّ أنّ هذا الأمر لا ينطبق على جهود الفقهاء والأصوليين والمحدّثين و.. ومن ثم فلا معنى لاستعارة هذا المناخ الفلسفي ـ الصوفي إلى علوم تحسب عندهم ظاهرية، ولعلّ ال