borneowebhosting video bokep indonesia bokepindonesia informasiku videopornoindonesia

بحوث و دراسات

ولاية الفقيه في القرآن والدستور الإسلامي

18 يناير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

الكلمة التي ألقاها سماحة آية الله الشيخ جوادي الآملي في ختام التظاهرات العظيمة التي شارك فيها العلماء الأفاضل وطلبة العلوم الدينية في الحوزة العلمية بقم وحشود غفيرة من طلبة المدارس والجامعات والمواطنين دفاع عن حرمة ولاية الفقيه وذلك بتاريخ الأربعاء 18 رجب 1418هـ  

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الأطيبين الأطهرين سيّما بقية الله في العالمين بهم نتولى ومن أعدائهم نتبرّأ إلى الله.

جاء اجتماع الشعب المسلم والمضحّي في مدينة الجهاد والاجتهاد، إلى جانب العلماء والمراجع والاساتذة والمدرسين والفضلاء وأُسر الشهداء، والمفقودين، والمعوقين والأحرار من أجل الاستماع لتفسير أهم أصل من أصول النظام الإسلامي.

الأصل الشعبي يجب أن يفسره الشعب بنفسه، والتفسير الشعبي ينبثق من عقيدة أبنائه الكامنة في الأعماق.

إن ما يتراءى للأبصار ويتناهى إلى الأسماع اليوم في المسجد الأعظم وخارجه يضع حداً فاصلاً بين ظهير وظِهري الثورة. والفرق شاسع بين ظهير ولاية الفقيه وظهريِّها ممّن جعلها خلفه. القرآن الكريم يعتبر الإنسان الموحّد الصالح ظهيراً للدين، والدين ظهيراً له. بينما يرى في الفاسق المنحرف ظهريّاً للدين، والدين ظهريّاً له. فذاك سند للثورة وساعد لولاية الفقيه وذابّ عن الدين وعن مقام القيادة الشامخ، وهذا يطعن الدين وظهري ولاية الفقيه.

اعتبر الباري تعالى في كتابه الكريم الشعب المؤمن ظهيراً للدين، والدين ظهيراً وسنداً له. أما الفئة التي اعرضت عن الدين واستقبلت ما سواه فقد اعتبرها ظهريّاً للدين. كان هذا هو مفاد الهتاف الذي يرى ويسمع اليوم في داخل وخارج المسجد الأعظم.

القضية المهمة في موضوع ولاية الفقيه هي ان البعض يثير حولها شبهات علمية، فيما ينظر اليها البعض بشهوة عملية. ومن يتشرف بالنظر في القرآن الكريم يجده يصرّح بوجود هذين المسلكين ويتحدث عنهما. فحيثما كانت ثمة شبهة علمية، فالقرآن ينقلها بالكامل ويردّ عليها، وحيثما وجدت شهوة عملية تراه ينذر ويتوعد وفي الوقت ذاته لا يكف عن الموعظة.

في بحث التوحيد كله وحتّى المعاد، وفي بحث المعاد بأسره حتّى التوحيد، تثار في كل موضع منه شبهة علمية تارة وشهوة عملية تارة أُخرى. قال تعالى في سورة القيامة حين أُثيرت هناك شبهة علمية حول المعاد: ﴿أَلم نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوّي بنانه﴾ ليعلم من لديهم شبهة حول المعاد ان الله القادر على خلق الإنسان من العدم، وأوجد الإنسان الذي قال فيه: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً﴾، قادر أيضاً على اعادة بنانه من جديد، مع ما في البنان من دقّة، فما بالك بالعظام. ثم الذين لا شبهة علمية عندهم ﴿بل يريد الإنسان ليفجر أمامه﴾ هؤلاء لديهم شهوة عملية ويبتغون ان تكون الأجواء مفسوحة أمامهم ليفعلوا ما يحلو لهم. كل من لديه شبهة علمية يعامله كمستشار ثقافي، أما صاحب الشهوة العملية فيرميه بصفة المفسد الثقافي. وهكذا الحال أيضاً في بحث المعاد.

في مسألة ولاية الفقيه، بما أن الطفرة مستحيل، فقد انزلوها من مرتبة ولاية الفقيه إلى وكالة الفقيه، وفي المرحلة اللاحقة نزلوا بوكالة الفقيه إلى مرتبة اشراف الفقيه، والله أعلم إلى أية مرتبة سينزلون بها بعد هذا. ولكن يجب أن نرى هل الفقيه ولي لأمور المسلمين أم هو وكيلهم عليها؟ وهل هو وكيلهم أم مشرف على أُمورهم؟ لغرض تحجيم دور الولاية، هبطوا بها من مقامها الشامخ إلى مرتبة الوكالة، وهم انما أثاروا بهذا مغالطة كلامية منشؤها الاشتراك اللفظي، وقالوا: انما الولاية تكون على المحجور عليهم وعلى القصر، وما الناس بحاجة إلى قيّم لأنهم ليسوا قُصّراً، ولا حاجة بهم للولي. إذن فالقائد في النظام هو منتخب الشعب ووكيله لا وليّه. وهذه المغالطة منشؤها كما ذكرت هو الاشتراك اللفظي.

عرضت على أسماعكم مرّات عديدة سواء في مؤتمر الإمام علي (عليه السلام) أم في ندوات علمية أُخرى ان موضوع ولاية الفقيه لا يعد أساساً من سنخ الولاية على المحجور، وان ما يجري تناوله في الفقه يختلف اختلافاً شاسعاً عمّا طرحه الإمام الخميني تحت عنوان ولاية الفقيه. فما جاء في شرح اللمعة وأمثالها يتعلق بالولاية على الغيّب والقُصّر وما شابه ذلك. والولاية على المحجورين مطروحة في أول الفقه وفي أواسطه وفي آخره. وهذه هي الذريعة التي تعلل بها الآخرون للنزول بالولاية إلى مرتبة الوكالة.

في أوّل الفقه حيث تُبحث الطهارة والصلاة، وحيث يبحث موضوع الصلاة على الميّت يقولون: إنّ أولى الناس بالصلاة على الميت هو وليّه، وصلاة الميت وان كانت واجباً كفائياً على الجميع، إلا ان صحّتها مشروطة بإذن ولي الميت. وهذا الحديث عن الولاية على الميت موجود في أول الفقه. وفي آخر الفقه حيث يجري هناك بحث الحدود والقصاص والديات؛ يقال: ان ولي الدم إمّا ان يقبل بالقصاص أو التخفيف أو العفو أو الدّية، وهو بين هذه الخيارات الأربعة.

أمّا الولاية الموجودة في وسط الفقه والتي جاءت ضمن مباحث كتاب “الحجر” فهي الولاية على المحجورين: الصبي، والسفيه، والمجنون، والمفلس، وهؤلاء بمنزلة الميت من جهة. إذن الولاية المتداولة في الفقه هي الولاية على الميت أو على من هو بمنزلة الميّت. هذا بحث. وحينما ندرس هذا البحث في ضوء الرؤية القرآنية نرى القرآن الكريم يذكر الولاية على الميت، والولاية على من هو بمنزلة الميت، في موضوع واحد ويخرجهم من اطار القدرة على التدبير وعلى ادارة وسياسة وتنظيم شؤون المسلمين.

الولاية على الميت التي جاءت في سورة الاسراء في قوله تعالى: ﴿من قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً فلا يسرف في القتل﴾ وجاءت في سورة النمل عند نقل كلام بعض المجرمين في حق نبي بعث في عصرهم: ﴿ثم لنبيّتنّه وأهله ثم لنقولنَّ لوليّه ما شهدنا مهلك أهله﴾. إذن قال في سورة الاسراء بأن لولي الدم حق القصاص، وجاء في سورة النمل انهم يقولون لولي الدم ما شهدنا مهلك أهله. والولي هنا هو ولي الميت.

وجاء في الجزء الأخير من سورة البقرة عند الحديث عن تدوين المعاملات التجارية وما شابه ذلك، ان البائع أو المشتري إذا كان عاجزاً عن كتابة المعاملة التجارية: ﴿لا يستطيع أن يملّه فليملل وليّه بالعدل﴾ أي إذا كان البائع أو المشتري صبياً أو سفيهاً يوقّع عنه وليُّه. في هذا الجزء من سورة البقرة جاء الحديث عن ولي من هو بمنزلة الميت. إذن الولاية على الميت أو على من هو بمنزلة الميّت متداولة في الفقه. الولاية التي جاء ذكرها في سورة الاسراء والنمل والبقرة، هي الولاية على الميت أو على من هو بمنزلة الميت. جميع هذه الأبحاث الفقهية الشريفة والمعززة يقبّلها المرء ويضعها جانباً؛ لأنَّ ولاية الفقيه ليست من هذا السنخ أساساً، لكي يقول الغريب ويصدّقه الموالي الجاهل: ان الناس ليس بمحجورين.

أيّها الشباب الأعزاء، وأيها الجامعيون الكرام أنتم خاضعون للدين من أعماق قلوبكم ومسلّمون لأحكامه، هذه مغالطة خدعوكم بها.

إعلموا يا طلبة الجامعة الأعزاء ان ولاية الفقيه التي جاءت في الدين والتي بلور صرحها مؤسس الجمهورية الإسلامية وعلّمها لتلاميذه من بعده، لا تدخل في هذا السنخ أساساً؛ فلا هي ولاية على الميت ولا هي ولاية على من هو بمنزلة الميت، حتى يقول قائل: اننا لسنا محجورين ولا يلزمنا وجود قيّم علينا، وما إلى ذلك من المقولات.

ثمة سنخ آخر من الولاية يطرحه القرآن كما يطرحه الفقه أُسوة بالقرآن، وكان الإمام الراحل هو حامل راية هذه الولاية، اضافة إلى ان الدستور يدافع عن مثل هذه الولاية. وأنت أيّها الشعب المضحي ظهير لمثل هذه الولاية، والأجنبي ظهري لها. الفرق واضح وترونه بأعينكم، فهو كما بين السماء والأرض، بين قوله تعالى: ﴿مَن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه..﴾ وبين قوله تعالى في موضع آخر: ﴿إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾.

هذه الولاية التي في ﴿إنّما وليّكم..﴾ خطاب للعقلاء ولنوابغ المجتمع، وللبالغين المكلفين الواعين. تقول لهم يا أيّها العقلاء وليّكم الله، ووليّكم بالنيابة عن الله الرسول، ومن بعد الرسول خليفته المعصوم، وبعد خليفته المعصوم نائبهُ الخاص، وبعد نائبه الخاص، نائبه العام مثل قائد الثورة. إذن هذا النمط من الولاية ﴿انما وليكم …﴾ التي جاءت في سورة المائدة وأمثالها، هي ولاية على العقلاء والراشدين. هذا هو الموضوع الأول، لا يزعم أي عدو منحرف، ولا ينطلِ ذلك الزعم على الموالي الجاهل بأن الناس ليسوا بحاجة إلى قيّم؛ لأن هذه الولاية ليست على الاطلاق من سنخ الولاية على المحجورين.

إذا أراد أحد معرفة رأي الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في الولاية لا ينبغي له التنقيب عنها في الفقه المتعارف الذي جاء في كتابه “المكاسب”، بل يجب عليه التنقيب عنها في كتاب القضاء لا في كتاب البيع، لأنه يطرح في بحث البيع ـ أسوة بالآخرين ـ موضوع الولاية التي يراد بها الولاية على المحجورين. لكنه اقتفى في بحث القضاء ذات النهج الذي سار عليه صاحب الجواهر.

يقول هذا الفقيه الكبير: إنّ مقبولة عمر بن حنظلة بمفادها ومضمونها موضع قبول جميع الفقهاء. ولهذا يستدل بها في كرسي القضاء والفقاهة والتحكيم. ويضيف قائلاً: ان قول الإمام الصادق (عليه السلام) أوّلاً: “فارضوا به حكماً”، وعدم قوله في الثانية اني جعلته حكماً، وانما قال: “اني جعلته حاكماً” يعود لتثبيت المنصب الخطير لولاية الفقيه، وانها ليست فقط منصباً للحكم والقضاء. أي لم تثبّت للفقيه مهمّتي التحكيم والقضاء فقط. ولو كان مضمون المقبولة حكمية الفقيه، وكرسي القضاء، لما قال الإمام “اني جعلته حاكماً” فهنا تغيّر لحن الكلام، وبلغ من الحكم إلى الحاكم.

ويتضح؛ من هذا ان ادارة وتدبير وتنظيم شؤون المسلمين في عصر الغيبة، استناداً لقول الإمام الصادق (عليه السلام)، على عاتق الولي الفقيه، والفقيه الجامع للشرائط. ورأي الشيخ الانصاري المنيع هذا يجب أن يطرح بعد مراجعة كتابه “القضاء”.

لقد كان صاحب الجواهر عميداً في الفقه، بحيث نقل لنا الاستاذ الشيخ محمد تقي الآملي ـ وهو من مشاهير تلاميذ المرحوم القاضي ـ ان استاذه المرحوم الشيخ عبدالنبي (رضوان الله عليه) نقل عن الشيخ الأنصاري انه قال: انني لم أتناول في كتبي الفقهية موضوعاً إلاّ وكان صاحب الجواهر قد أشار إليه بنفي أو اثبات. ولكن هل كان بين الشيخ عبدالنبي والشيخ الأنصاري (رضوان الله عليهما) واسطة أم لا؟ لست أدري، إلا ان هذه الكلمة عن الشيخ الأنصاري، وهو انه ما بلغ مطلباً علمياً إلاّ وكان صاحب الجواهر قد أشار إليه.

لصاحب الجواهر هذا رأي في بحث رؤية الهلال وانها تثبت بحكم حاكم الشرع، يقول هناك: ان منشأ الهواجس لدى بعض المتأخرين الذين لا يرون ثبوت الهلال بحكم حاكم الشرع هو انهم في غفلة عن الشرع وعن السياسة في الشرع.

الفقيه الذي لديه رؤية سياسية كصاحب الجواهر حيثما بلغ يدع يد الفقيه الجامع للشرائط مبسوطة. وقد جاءت كلمة “السياسة” في الأبواب المهمة من “الجواهر”، ولم ترد فقط في المجلد 21 في بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذي يقول فيه: من أنكر ولاية الفقيه في عصر الغيبة كأنه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً.

وعلى كل الأحوال فانَّ التغيير الذي أحدثه صاحب الجواهر في الشيخ الأنصاري (رضوان الله عليهما) جعله يضع فارقاً كبيراً بين ولاية الفقيه التي دوّنها في المتاجر والمكاسب، والمواضيع التي كتبها في باب القضاء. هذا هو الموضوع الآخر الذي رأيت التحدث فيه.

أما ما يتعلّق بالدستور، فقد حاول جماعة الانتهاء بولاية الفقيه ـ نتيجة للمغالطة وللإشتراك اللفظي وأنّ الناس ليس محجوراً عليهم حتى يكونوا بحاجة إلى قيم وولي ـ إلى الوكالة، ثم هبطوا بها إلى مرحلة الاشراف. أنتم على علم بان موضوع الوكالة يكون فيه الموكّل أصل والوكيل فرع، والوكيل لا يحق له شيء إلاّ بعد تفويض من الموكّل. وهذا هو الفارق بين الوكالة والولاية. ولو كان النظام الإسلامي نظام وكالة لكانت كل أُمور الدين بيد الأمّة، ولكانت جميع الأموال التي بيّن الدين أحكامها بيد الأمّة لكي تفوّضها إلى وكيلها، ولصوّتت له الأمّة كوكيل عنها ليستوفي لها حقوقها.

ولو أننا ألقينا نظرة على الدين ونظرنا إلى رأيه في الاقتصاد الذي هو العمود الفقري لكل شعب، نجده قد قسّم الاقتصاد إلى ثلاثة أقسام:

الأول: المال الذي يحصل عليه الأشخاص عن طريق الكسب الحلال، فهو ملك لهم.

الثاني: الثروة القومية كالاراضي المفتوحة بالعنوة، وهي للشعب.

الثالث: المال الذي يشكّل الجزء الأساسي من الثروة؛ ويشمل الانفال: كالبحار، والصحاري، والغابات، والمعادن، وهذه ملك للدين. فلا هي ملك خاص لشخص، ولا هي ملك عام للجميع.

فإذا كان الجانب الأساسي من ثروة البلد، وهو الانفال، ليس ملكاً للشعب، أي انه ليس للموكِّل؛ فماذا يبقى للموكِّل حتى يفوّضه للوكيل؟ أليس الشخص الذي يعيّن وكيلاً عنه انّما يعينه لاستيفاء حقوقه؟ وهل الأحكام الإلهية؛ بما في ذلك تطبيقها، أو العفو فيها، أو التخفيف في أجرائها، والصفح عن مجرم أو عدم الصفح عنه، ملك للأشخاص؟ كلا. أم هي لعموم الشعب؟ كلا. وهل هي للدين؟ نعم.

فإذا كانت الأحكام للدين، وإذا كانت المعادن للدين، وإذا كانت الثروات الأساسية في البلد للدين، هل للشعب في النظام الإسلامي ملكية الانفال ليعيّن شخصاً كوكيل عنه لاستيفاء حقوق موكّليه؟ أم ان الشعب يجب أن يقبل بولاية الفقيه؟ وبما ان الانفال للدين، لابدّ إذن من طرح سلطان الولاية لا سلطان الوكالة.

تعلمون ان كتاب الكافي للكليني (رضوان الله عليه) طبع في ثمانية مجلّدات. يتناول الجزء الأول والجزء الثاني منه موضوع الاُصول، ومن المجلد الثالث وحتى السابع يتعلّق بالفروع، وكرّس المجلد الثامن منه للمواعظ. وقد ضَمَّنَ بحوث الصلاة والصوم والحج وما شابه ذلك في الفروع، ولكنه بحث مسألتي الخمس والأنفال في باب الأصول. وهذا دليل على أن الإمامة تطرح فيها مسألة الأنفال، وان الإمامة تطرح فيها مسألة الأموال الشرعية، وان المرجعية تطرح فيها مسألة الأموال الشرعية، وما شابه ذلك.

وعلى كل الأحوال إذا اتضحت حدود سلطة الولاية، وتبيّن نطاق دائرة الوكالة، يتجلى حينذاك ان الولاية هي المطروحة أمام الشعب في النظام الإسلامي، لا الوكالة. والفقيه الجامع للشرائط وليّ المسلمين لا وكيلهم. وقد عُرض على مسامعكم مرات عديدة، ان الذي يقوم على رأس النظام هو عنصر الفقاهة والعدالة وليس شخص الفقيه؛ لأن الذي يكون على رأس النظام كالإمام الراحل مثلاً إذا أفتى تجب فتواه على الآخرين كما تجب عليه هو أيضاً سواء بسواء، وإذا أصدر حكماً انشائياً لا اخبارياً يحرم عليه نقضه ـ وفقاً لبحث القضاء أو (الحكمة) ـ مثلما يحرم نقضه على سائر الناس، والعمل بذلك الحكم واجب عليه كما هو واجب على غيره. وإذا أصدر حكماً انشائياً آخر بعنوان (حكم ولائي) لا الحكم القضائي يجب العمل بذلك الحكم على الناس وعليه أيضاً، ويحرم نقض ذلك الحكم عليه وعلى الناس. بمعنى ان الولي الفقيه ليس بمعزل عن الناس وليس له حكم آخر يختلف عنهم.

إنّ جوهر ولاية الفقيه يؤول إلى ولاية الفقاهة والعدالة. وهذا يعني أنّها ليست ممّا يسع الإنسان عدم الخضوع لها. الانقياد لولاية الفقيه معناه الانقياد للفقاهة وللعدالة وما إلى ذلك. وإذا كان الأمر كذلك، فالولاية لا تهبط عن مكانتها، ولا تبلغ درجة الوكالة. فما بالك بالهبوط من درجة الوكالة إلى درجة الاشراف. فالاشراف من واجب الكثير من المكلفين، بل هو من الوجهة الفقهية واجب على جميع المكلفين. وكذا من وجهة نظر الدستور؛ فحينما يطالع المرء بنود الدستور الشريفة يجد ان مهمة الاشراف على حسن تطبيق القوانين من صلاحية مجلس الشورى من جهة، ومن صلاحية السلطة القضائية من جهة ثانية، ومن صلاحية رئاسة الجمهورية من جهة ثالثة. هذه الجهات جميعاً يتيح لها الدستور حق الاشراف. أما ما يدخل في اطار التفاصيل الجزئية لولاية الفقيه فهو الاشراف على أُولئك المشرفين.

يقول الباري تعالى في قرآنه الكريم: ﴿جئنا من كل أمة بشهيد﴾ ولكنه حينما يصل إلى النبي الكريم نراه يقول: ﴿وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾، بمعنى أنك شهيد على الشهداء. إذا كنتم قد سمعتم ان الدستور نص على أن للقائد حق الاشراف، فان اشرافه هذا على الناظر والمنظور، أي على المشرف وعلى المُشرف عليه؛ أي على كليهما. أي ان لرئيس الجمهورية حق الاشراف، ولرئيس السلطة القضائية حق الاشراف، ولمجلس الشورى حق الاشراف في سبيل تطبيق القانون على الوجه الصحيح. إلا ان أحد المهام والصلاحيات المفوّضة لولي أمر المسلمين في البند (110) هي: “له حق الاشراف على حسن تنفيذ السياسات العامّة للبلد”. فهو مشرف عل المشرفين، وعلى المشرف عليهم، وعلى عملية الاشراف. له حق الاشراف على جهاز القضاء، وله حق الاشراف على اشراف المجلس، وله حق الاشراف على اشراف رئيس الجمهورية، واشرافه ولائي.

يجب عليكم ان تدرسوا وتدرّسوا نُظمُ الاشراف التي حدّدها الدستور الذي يُعتبر كتاباً عميقاً في القانون والفقه، وبذل فقهاء كثيرون جهوداً متواصلة مدّة ثلاثة أشهر من أجل تدوينه، ولا تفوتكم ما فيه من اضافات جاءت بعد اعادة النظر فيه، وتتبعوا مدى ما فيه من دقّة. وقد شهدت بنفسي عمل مجلس الخبراء الذي انيطت به مهمّة تدوين الدستور؛ حيث واصل أكثر من أربعين مجتهد مسلّم به، جهوداً تحقيقية وفقهية على مدى ثلاثين يوماً متواصلة ليلاً ونهاراً من أجل تدوين هذه البنود بنداً بنداً، والمصادقة عليها.

وإذا كان الدستور قد نصَّ على اشراف ولي المسلمين؛ فاشرافه ليس من سنخ اشراف المجلس، ولا هو من سنخ اشراف الجهاز التنفيذي، ولا هو من سنخ اشراف الجهاز القضائي، أو ما إلى ذلك. ويوجد ما بين ستّة عشر إلى عشرين بنداً تتناول موضوع القائد والقيادة معبّرة عنه بعنوان القائد أو بعنوان ولاية الفقيه المطلقة. كما وتلاحظون في بداية الدستور كلاماً وفي آخره كلاماً، وهو كلام ينسجم مع ما جاء في وسط الدستور من بنود.

جاء في المادّة الثانية من الدستور ما يلي: “يرتكز نظام الجمهورية الإسلامية على أُسس التوحيد والنبوّة والمعاد والعدل والإمامة المستمرة وما تؤديه من دور في استمرار الجمهورية الإسلامية، إضافة إلى كرامة الناس الذين يشعرون بالمسؤولية”. لكي لا يتوهم أحد أن هذه الأصول الخمسة اضافة إلى الكرامة التي جاءت في ستة بُنود في المادّة الثانية مختصة فقط بولاية ولي العصر أرواحنا فداه؛ فقد جاء في المادة الثانية من الدستور ان: “الجمهورية الإسلامية في إيران نظام قائم على أُسس التوحيد والنبوة والمعاد والعدل والإمامة المستمرة التي لها دورها في ديمومة الثورة” لأجل ان لا يظن أحد ان هذه الإمامة خاصة بإمام العصر وحده، بل تشمل أيضاً نوابه الخاصين ونوابه العامّين. وهذا هو أساس النظام. إذن الولي الفقيه أو ولاية الفقيه ليس مشرفاً فحسب، ولا هو يؤدي مهمّته كمشرف. هذه هي ركيزة هذا النظام، وهذه هي قاعدته التي تقع في مصاف الأصول الأُخرى. وهذا هو ما جاء في أوّل الدستور.

وجاء في ختام الدستور بعد اعادة النظر فيه وتغيير أُصوله ما يلي: “وأي تغيير يجب أن يأتي بأمر من القائد وبالاستفتاء”. ثم انه يعتبر بعض مواده ومضامين أُصوله ثابتة لا تقبل التغيير. ويؤكد ان ما يتسم به هذا النظام من خصائص من قبيل كونه نظاماً إسلامياً، ونظاماً جمهورياً ونظاماً شعبياً، وما فيه من ولاية الفقيه وإمامة الأُمة، تعد من الأمور التي لا تقبل التغيير في هذا النظام.

أما مجمع تشخيص مصلحة النظام ففيه أعضاء ثابتون وأعضاء متغيّرون. وهؤلاء الأعضاء أيضاً يعيّنهم القائد. وحين يصل الدستور إلى صلاحيات القائد يفوض إليه اعلان الحرب والسلم، وتعبئة القوات وحالة النفير، ونصب وعزل وقبول استقالة فقهاء مجلس صيانة الدستور، والقادة الكبار للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي، ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، وغيرهم من المسؤولين الكبار. وهذه الصلاحيات أكبر مما اعتبره البعض مجرّد اشراف أو وكالة.

إذن حين النظر إلى ما جاء في القرآن، يلاحظ ان القرآن طرح مسألة الولاية وليس الوكالة أو الاشراف. والدستور ينص أيضاً على الولاية وليس الوكالة أو الاشراف. والذي سمعتموه في المقابلة التي أجريت مع رئيس الجمهورية المحترم انه قال بوجوب الدفاع عن الدستور في ظل الانقياد لسماحة القائد، ولا ريب في أن مؤازرة الولاية والدفاع عنها تعد من أهم سبل تدعيم الدستور والعمل بما فيه، واحترامه.

القضية الأُخرى التي أود عرضها على حضراتكم هي أن الكثير من الانتصارات التي أُحرزت حتّى الآن كانت ببركة الدماء الطاهرة للشهداء، وان أرضاً كهذه أرض طيبة وطاهرة، وصغرى القياس هي ما نقرأه في زيارة وارث وفي أمثالها، عند خطابنا للشهداء بالقول: “طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم” وكبرى القياس هي ما نقرأه في القرآن الكريم وهو قوله تعالى: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربّه﴾. لقد طابت هذه الأرض وطهرت في زمن الثورة الظافرة، وفي عهد الدفاع المقدّس الظافر، وفي عهد مرحلة الاعمار التي تحققت بفضل همّة قائد الاعمار، وفي الانتخابات الأخيرة لرئيس الجمهورية العزيز المحبوب، والتي شارك فيها ثلاثون مليوناً من أبناء الشعب تأييداً للقيادة ولهذا النظام، وتعبيراً عن وقوفهم إلى جانب المسؤولين وإلى جانب رئيس الجمهورية العزيز.

هذا كله من بركات هذه الأرض الطيبة الطاهرة: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربّه﴾. إلاّ ان العدو يريد أن يحوّل حلاوة هذه الانتصارات مرارة في مذاقكم أنتم يا أبناء الشعب. نحن الآن على أعتاب انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الذي من المقرر أن يأتي فيه ستّة آلاف ضيف إلى “أم القرى” عالم الإسلام. ويفترض أن يغترفوا من هذا الزاد المعنوي لينقلوه إلى بلدانهم، وهذا هو أفضل سبل تصدير الثورة الإسلامية. ونحن جميعاً يجب أن نضع نصب أعيننا ان لا يكون أحد منّا ظهرياً للثورة ولولاية الفقيه، بل يكون الجميع سنداً وعوناً وظهيراً للثورة الإسلامية.

الموضوع الأخير الذي أعرضه على حضراتكم أيّها العلماء والفضلاء والأكابر وطلبة الحوزات وطلبة الجامعات وجميع أبناء إيران الإسلامية، هو اننا نسير صوب تطبيق الإسلام مائة بالمائة. لم يقل أحد: أجهزتنا لا عيب فيها، ولا قال أحد: اننا منزهون من الخلل والخلاف، ولا قال: هؤلاء كلهم كما في عهد الإمام صاحب الزمان (أرواحنا فداه) “بهم يملأ الله الأرض قسطاً وعدلا”. نحن لا نقارن هذا النظام مع النظام الذي يقيمه آخر إمام، ولكن نقارنه مع نظام قاده أول إمام. لا تقارنوا هذا النظام مع عهد ظهور صاحب الزمان؛ لأن صاحب الزمان هو الخلاصة لجميع الأنبياء والأولياء. وهو يأتي ليكون طليعة لقيام القيامة، وظهوره من اشراط الساعة.

في ذلك العهد يتبدل نمط تفكير الناس، وتتغيّر آراؤهم حيث ان الله تعالى به يملأ الأرض قسطاً وعدلاً. قارنوا هذا الوضع مع عهد أول إمام، ولا تقارنوه مع عهد آخر إمام. فلتقاس حكومتنا، التي هي حكومة الإمام الخميني، وحكومة قائد الثورة؛ وحكومتكم أنتم يا أبناء الشعب الإيراني المسلم بحكومة علي (عليه السلام). ويجب التفريق في المعنى بين حكومة علي وشخصية علي ـ بما ينضوي تحتها من ولاة وأمراء ـ.

شخصية علي (عليه السلام) لا يقاس بها أحد من العلماء ولا أحد من الأولياء، ولا يقاس بعلي (عليه السلام) أحد من الأنبياء غير أولي العزم، ولا يقاس به أحد من الملائكة؛ لأن الملائكة تخضع أمام الإنسان الكامل. وأنتم تعلمون ان قصّة: ﴿إذ قلنا للملائكة اسجدوا﴾ كانت أمراً إلهياً لجميع الملائكة بالخضوع لمقام الإنسانية. ولم تكن مجرد قضية خاصة في واقعة تاريخيه، حدثت وانتهت؛ بل كان سجودهم لمقام الإنسانية؛ أي (الانسان الكامل) هذا أولاً. ثم ان ذلك المقام مقام رفيع ومن نشأة التجرّد الثابتة ثانياً. وان ذلك السجود لا يقتصر على حيّز زماني أو مكان معين ثالثاً. فتكون نشأة الثبات والتجرّد رابعاً. فالنتيجة ان الملائكة خاضعون وساجدون للإنسان الكامل على الدوام. ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ اليوم أيضاً في محضر إمام العصر أرواحنا فداه. وهكذا بالنسبة لقولهم &: “سبّحنا فسبّحت الملائكة” ونفس الحال في ما يخص “قدّسنا فقدّست الملائكة”.

الملائكة خاضعون أمام الإنسان الكامل الذي هو خليفة الله، وخاشعون أمام المعلم: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾، كما انهم يتشرفون اليوم بالخضوع أمام ولي العصر أرواحنا فداه.

إذن علي (عليه السلام) لا يقاس به أحد. وهذا الكلام لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولأميرالمؤمنين (عليه السلام) وهو قولهما: “لا يُقاس بنا أحد”. وكلمة “أحد” هنا نكرة في سياق النفي، ولا ينصرف عن أي من الانس والجن فيشمل الجميع البتة، كما ويشمل الملائكة أيضاً. وجاء هذا الكلام في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله)، كما انه جاء أيضاً في نهج البلاغة مع التصريح بالاسم الظاهر دون القصور على الضمير. إلاّ أننا عادة نذكر في أحاديثنا تلك الجملة بالضمير، فنقول: “لا يُقاس بنا أحد”، ولا يسوّى بهم أحد. أي مقالهم &: لا تقيسوا الملائكة بنا. فما بالك بالأشخاص العاديين.

إذن في حكومة أميرالمؤمنين (عليه السلام) يستثنى منها شخص أميرالمؤمنين، ويبعد عن المنال باعتباره “لا يرقى إليه الطير، وينحدر عنه السيل”. وإذا أردنا تقييم حكومة علي ففي ايدينا نهج البلاغة، وكل من يقرأه يجده مليئاً بالشكوى من عماله وولاته؛ إذ يجب أن يكون للقائد وللولي آلاف الأشخاص الأمناء الثقاة من ذوي الخبرة ليتاح له ادارة البلد بهم. وإذا لم يتوفّر له حتى بستاني قوي عادل، تقع له مشكلة، مثلما حصل في عهد حكومة علي. انظروا إلى الرسالة العشرين في نهج البلاغة، وهي رسالة قصيرة كتبها (عليه السلام) لزياد ابن أبيه الذي كان يشغل آنذاك منصب معاون ولي البصرة.

كانت ولاية البصرة في يد عبدالله بن عباس الذي عيّن من قبل أميرالمؤمنين. وكانت ولاية شاسعة تضم بلدان عديدة، فهي تشمل الأهواز وتوابعها، وفارس وتوابعها، وكرمان وتوابعها اضافة على البصرة وتوابعها، وكان كل هذا الاقليم المترامي الأطراف ولاية واحدة، واليها عبدالله بن عباس، وكان معاونه زياد بن أبيه. وهل كان أحد أسوأ من زياد؟

لقد امتلأ قلب علي قيحاً لأنّه لم يكن لديه الأشخاص الكفاة. ولو ان العلماء العدول يقبلون التصدي للمسؤوليات لما وصل الدور إلى غيرهم. ولكن إذا أحجم هؤلاء عن قبولها من الطبيعي ان يصل الدور لأولئك. ونحن إذا كانت لدينا بضع مشاكل، وهي موجودة فعلاً، فإنّ في حكومة علي كان ما هو أشدّ وأسوأ.

لا تقولوا حكومة علي فحسب. لقد كان زياد بن أبيه معاوناً لوالي البصرة في حكومة علي (عليه السلام). أي ان كل عمليات النهب التي كانت تقع في بلاد كرمان وفارس والأهواز كانت بأمر زياد. وإذا كان علي قد تحمل الأمرّين فسبب ذلك يعود إلى وجود أشخاص من قبيل زياد، فكتب إليه كتاباً قال له فيه: “يا زياد دع الاسراف”.

أما إذا نظرنا إلى عهد الإمام صاحب الزمان، فهناك قضية الاعجاز وتوفّر العلماء العدول وشعورهم بالمسؤولية، فتكون الأوضاع في عهد خاتم الأولياء وخاتم الأوصياء على تلك الأوصاف المذكورة.

إذن هكذا كانت حكومة أول إمام. ونحن يجب علينا أولاً وقبل كل شيء في هذا الظرف الذي حشد فيه العدو في الداخل والخارج قواه من أجل أن ينخر هذا النظام من الداخل، ان يكون كل واحد منّا ظهيراً لولاية الفقيه لا ظهرياً لها.

من الطبيعي أن الاخوة الأفاضل من طلبة الحوزة والجامعة والمدارس الثانوية سيتحلون بأقصى درجات النظم وضبط النفس، ولن يدعوا أحداً يتذرع بأية ذريعة، وسيحافظون على الأمن. ألا يوجد في هذا البلد قانون؟ ألا يجب تطبيق الدستور فيه؟ أو ليس لولاية الفقيه سند؟

لم يقع في هذا البلد حدث ذو بال حتى يظن الأجنبي الظنون. وان الذي كان مجرد شبهة، ومجرد نزوة. وقد رد الجميع وسيردّون على تلك الشبهة العلمية بوصفها اثارة فكرية، وان كانت نزوة ندّت من صدر أحد فستوأد في مهدها ولا يفسح لها المجال للظهور.

نُعرب عن شكرنا لمجمع ادارة الحوزة العلمية، ولجماعة المدرسين، ولحزب الله، وللفضلاء وممثلي الطلبة، وللطلبة، ولكافة أبناء الشعب بشتى شرائحه، ولجميع التلاميذ وطلبة الجامعات، لهذه الحشود الغفيرة التي نظمتموها دعماً لولاية الفقيه. وهنا نتوجّه بالدعاء إلى الله؛ فالدعاء عند الصلاة وعند الزوال مستجاب.

اللهم بعظمتك ومجدك وكبريائك وبقدرتك، عجّل فرج وليّك صاحب الزمان.

اللهم أسألك بمجدك وعظمتك ان تحفظ قائد الثورة ومقام الولاية الشامخ، في ظل رعاية وليّك.

اللهم أسألك بمجدك وعظمتك أن تحفظ بحفظك مسؤولي البلد وخاصة رئيس الجمهورية العزيز حيث أكد في لقاء سارٍ معه، دعمه لولاية الفقيه وللدستور، واحفظهم في ظل رعاية وليّك من كل مكروه.

اللهم أقسم عليك بمجدك وعظمتك أن تحفظ النواة التي أنجبت هذا النظام من جهة، وأنجبت الإمام الخميني كثمرة لها من جهة أُخرى، وأنجبت قائد الثورة كثمرة لها، وكذا أنجبت رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية ورئيس السلطة التشريعية وفقهاء مجلس صيانة الدستور الموقّر، وكبار مسؤولي البلد الذين ربّتهم هذه الحوزة المقدسة، وهي النواة، وهي أم الكتاب بالنسبة للنظام، وهي شجرة طوبى، أقسم عليك بأنبيائك وأوليائك وبخاتم أوليائك وخاتم أوصيائك أن لا يقع ما من شأنه زعزعة أركان هذه الحوزة المباركة.

اللهم وزد وبارك في عظمة وقداسة ومنزلة ومكانة المراجع والأساتذة والطلبة والمدرّسين.

اللهم احشر جميع المؤمنين، ومعلّمينا، ومؤلفي العلوم الإلهية، والإمام الراحل، والشهداء مع أنبيائك.

اللهم رد خطر الأجانب، خاصّة الاستكبار العالمي والصهيونية إلى نحورهم.

اللهم ولا تفرّق بيننا وبين القرآن والعترة لحظة واحدة لا في الدنيا ولا في الآخرة. غفر الله لنا ولكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 

 

 

 


المذهبيات الدينية وجدل العصر- ورقة نقدية لمسيرة قرن من الوحدة والتقريب

16 يناير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2 زيارة

 

 في خضم إعادة تشكيل البنى المفاهيمية في أوساطنا، وفي سياق النهوض الحضاري الذي بدأه روّاد النهضة في القرن التاسع عشر، تبقى إشكالية عالقة لم يتمكن مشروع النهضة من الافغاني إلى الإمام الخميني ومن عبده إلى الصدر وشمس الدين ومن إقبال إلى الطباطبائي والمطهري… من تجاوزه رغم جهود بالغة الأهمية بذلتها تيارات التراث نفسها من البروجردي وقبله القمّي إلى شلتوت ومن محسن الأمين إلى القرضاوي مروراً بشرف الدين وكاشف الغطاء والغزالي والخالصي و…

 

هذه الإشكالية هي ما تعورف على تسميته بالوحدة الاسلامية أو التقريب بين المذاهب.
وفي إطار تحليل موجز يحمل مسحةً نقدية لهذا المفهوم، يمكننا أن نسجّل مجموعة نقاط، تستوقفنا فيها مظاهر الفشل، وتحدونا إليها معاً الخطوات المتقدمة التي حصلت حتى الآن:
1 – بدايةً ثمة ملاحظة نقدية تسجل على مفهوم الوحدة وحتى على مفهوم التقريب وتقضي هذه الملاحظة ـ في جانب مفهوم الوحدة ـ بوجود خلل معرفي وتناقض مستبطن يحمله هذا المفهوم، عندما يراد استدعاؤه في الإطار المنهجي العلمي بعيداً عن الخطاب السياسي، لأن هذا المفهوم ينكر حقيقة قائمة، إذ ان الوحدة غير قابلة للتحقق، ليس ذلك فقط بل هي غير مطلوبة، أما انها غير قابلة للتحقق فلأن منطق الصيرورة العلمي لا يقبل بوحدة على الصعيد الفكري والثقافي، فأصالة التنوّع هي الحقيقة التي يشهد بها نظام العقل البشري من جهة، وتاريخية هذا العقل من جهة أخرى، وهذا معناه أن لا مسوّغ لمفهوم الوحدة إذا اردنا تفكيك المصطلح، بل ان المفهوم غير مطلوب إذ الوحدة شلل لمنطق الصيرورة وتجميد لنشاط الاختلاف الفكري، ومن هنا كان مصطلح الوحدة مصطلحاً عاجزاً ومثالياً.
ولكن مفهوم التقريب، وهو المفهوم الاكثر قدرةً على التماهي مع الواقع المنشود، ومع الاعتراف باستمرارية الحاجة إليه، مفهوم يمكن أن نقول بأن التاريخ قد تجاوزه لكن على بعض الصعد، فبعد ظهور تيار الخطاب الاسلامي اللامذهبي، وعقب اجتياح آليات العولمة مجتمع المسلمين، أصبح من الضروري تجاوز استنزاف الذات (اخص هنا الذات المثقفة الناضجة المتعالية) في عمليات تقريب أصبحت مفروضة بحكم نظام الحياة، وانطلاقاً من ذلك ـ وفي عملية نحت مصطلح بديل ـ يقترح إنتاج مفهوم التكامل القائم على مبدأ التنوّع الذي يعبر عن واقع راسخ، وهذا المبدأ (المصطلح) قادرٌ على الوفاء بجدلية الذات والآخر، وبإمكانه أكثر من غيره تنفيس غضب تيار النكوص المستمر عبر تخفيفه من حمولات الغاء الذات التي تحتويها موضوعة الوحدة أو البعد عن الذات الذي قد يحمله مفهوم التقريب في مدلولاته المختبئة.
2 – وإنطلاقاً من مفهوم التكامل بين المذاهب الاسلامية، يمكن الحفاظ على مبدأ الاختلاف، ليس حفظاً واقعياً نُجبرَ عليه، بل إحياءً لمظاهر النقد المتبادل القائم على عمادة السرور في الاختلاف لا الغضب نتيجته، وفي هذا الإطار يصار إلى نقد التوجّهات القائلة بضرورة إقفال ملف الخلاف المذهبي، لأن هذه التوجّهات تتعامى عن رؤية واقع إنساني حيّ أمامنا، ألا وهو نموذج الخلاف المذهبي المسيحي (الغربي) الذي لم تنفع فيه أية دعوات لاقفال الملف، رغم كل ثقافة الحداثة التي غطت الغرب، ومن ثم إذا أردنا أن نكون واقعيين فمن الأفضل الحديث عن آليات اختلاف اكثر من الحديث عن إقفاله، وحينما ننجح في إدخال الواقع تحت مظلّة آليات الاختلاف، وهي مظلّة تأتي من خارج دائرة الصراع المذهبي ـ أي من البنى الايبستمية ـ فسنقدر على تعويم مفاهيم الاولوية التي تحترم أمراً دون ان تفضّله قادرةً بذلك على الحدّ من استثارة اولئك الذين لا يقدّرون سوى هذا الامر.
3 – وفي سياق الحديث عن الأولويات يأتي موضوع إقحام القضية المذهبية ومقولات الوحدة والتقريب و.. في الخط السياسي العام، حيث قدّم التقريبيّون خطاباً نمطياً ينادي بتهدئة الصراع المذهبي وقوفاً على مخاطر تحف بالأمة كلّها، فالصراع الاسلامي ـ الصهيوني، والصراع مع الغرب المستكبر يقضيان بضرورة جمع الشمل وتجاوز الخلافات الجزئية.
هذا الخطاب النمطي ـ على صحته التامّة ـ يواجه اشكالية منهجية في العمق، إنه خطاب مرحلي تجميدي، أي أنه يحاول ايقاف المعركة الداخلية المستنزفة للأمة نتيجة منطق أولويات، ومنطق الاولويات منطقٌ لا يحل المشاكل من الجذور، لأن إمكانية تبدّل الاوضاع ولو على صعد محددة أو جغرافيات معينة أمرٌ وارد، وبالتالي فهذا الخطاب لا ينادي لصالح حل نهائي لاشكاليات الصراع المذهبي ـ بالحمولة السلبية لكلمة الصراع ـ بقدر ما يعترف بمشروعية هذا النمط من الصراع غاية ما في الأمر يدعو إلى تجميد مؤقت سرعان ما تتبدد أسبابه نتيجة تقلّبات عالم السياسة، وبالتالي فهو حل منقوص وخطاب مجتزء، بل خطاب يكرّس السلبيات المذهبية مقرّاً بها، لكنه يجمّدها لا أكثر، ولهذا فإذا ما وصل أطراف هذا الخطاب نفسه الى النقطة الحرجة عادوا لتمثل شخصيات مذهبية تخلق توتّراً في الساحة وتشل مجالات الصنع والابداع الحضاري للأمة.
المطلوب خطاب جذري يعيد رسم خارطة الاختلاف، وقواعده المعرفية والاخلاقية معاً، لا خطابات مرحلية أو محلية محدودة.
4 – واستتباعاً للخطاب السياسي الطاغي على موضوع الوحدة الاسلامية، تبدو أمامنا ـ كنتيجة لهذا الخطاب ـ ظاهرة الازدواجية التي تميز بها الكثير وربما اكثر اطراف الحوار الاسلامي ـ الاسلامي، فهم في لقائهم وحدويّون يحملون خطاباً إسلاميّاً عاماً، ويتعالون عن الخلافات المذهبية… لكنهم اذا رجعوا الى أنفسهم وجماعاتهم ما يلبثون أن يعيدوا تكرار الخطاب المذهبي الموروث.
هذه الازدواجية في الخطاب، وهذه اللاشفافية في عرض الذات أمام الآخرين، ليس فقط لا تضع حلاً عميقاً لجذور المشكلة المذهبية، بل إنها تخلق مشكلات أخرى ليس أخطرها ظاهرة النفاق السياسي والاجتماعي، وأي آمالٍ تلك التي نعقدها على وحدة أو تقريب أو حتى حوار تكون هذه قواعده وتلك خلفياته؟!
5 – وفي عمق هذه الاشكالية المعقّدة تثار قضية الهدف المرتجى من وراء فتح ملفات الوحدة والتقريب و.. بعيداً عن الموضوع السياسي الذي ألمحنا له آنفاً، وهنا قد نجد أنفسنا مضطرين لتفكيك مقولة حسّاسة اليوم، يطرحها تيار الدعوة بما يحمله هذا المصطلح من أثقال، يقال: إن هدفنا نشر التشيّع، ويقال: إن الهدف هو نشر مدرسة الصحابة… أي ان الهدف ـ بعبارة تتجاوز الإعلاء ـ هو إلغاء الآخر ولو على سبيل السلم والاستقرار، ثمة حساسية بالغة يحملها هذا الموضوع، هل الاولوية لهذا المفهوم أم أنها لما نسمّيه طبيعة الاشياء؟
هل الوحدة أو التقريب صيغة تهدف لخوض اقتحام على الآخر، أم محاولة لاعادة حالنا الاجتماعي والفكري إلى وضعه الطبيعي؟
أعتقد في تصور شخصي ان الثاني هو الصحيح، وبعد ذلك نفكر في الاول ونسعى له، دون أن يعني كلامُنا انسحاباً أو ايقافاً لمشاريع الدعوة الى (المذهب الحق)، ونظراً لحساسية هذا الأمر يجد القلم نفسه مضطرةً لمزيد من الإيضاح والإفصاح، والسؤال الأساس الذي يواجهنا هو: هل أن امتطاء تيار التقريب لصرع الآخر واقتحامه يزيل من أذهاننا شبح تصادم قادم لا محالة حينما تصل الأمور إلى النقطة الحرجة لأحد الطرفين، لا يفضي هذا التصادم سوى إلى ارتداد على مفهوم التقريب نفسه؟ ومن ثم تقديم تجربة فاشلة على هذا الصعيد؟ هذا هو التحّدي الذي يواجهه تيار التقريب والوحدة.
6 ـ لكن خطوات إعادة الوضع إلى مساره الصحيح في العلاقة ما بين المذاهب الإسلامية، تواجهها في المقابل ـ خصوصاً في الفترة الأخيرة ـ موجات من المذهبية المتصاعدة المسكونة بهاجس صراع الوجود والبقاء تنذر بأزمات شديدة الصعوبة، وتبعث على القلق الشديد على مستقبل الأمّة كلها، إننا نلاحظ بوضوح مشياً تصاعدياً لهذه الظواهر في ظل اجواء شديدة الحساسية، وسعياً حثيثاً لإعادة استحضار كافة المفاهيم والمقولات والمصطلحات و… التي تعيد الصراع إلى الواجهة في محاولة لمنح حجم اكبر لقضايا لم تكن تملك هذا الحجم الكبير.
والسبب الذي قد يمكن لنا الحدس به في تحليل ظاهرة العودة هذه يمكن تلمّسه في بعض مظاهر الفشل الاجتماعي والسياسي أحياناً، وفي سلبيات تيار الحوار والتقريب نفسه، إن فشل التجربة الاجتماعية يخلق ـ طبيعةً ـ تيار نكوص لا يجد أنساً وإفراغاً لطاقاته الفاعلة سوى في الموروث والعودة الى احضان الماضي وإن الحساسية الدينية الصادقة التي تعيشها اغلب مجتمعاتنا الاسلامية يتمّ تثويرها غاضبةً بإفراطات الاصلاح والتهذيب وحرق المراحل وسرعة العَدْو وهو ما يحوج تيار النهوض الواعي إلى ممارسة عملية نقد لذاته، أي انه آن للمثقف في عالمنا الاسلامي سيما المثقف الديني، آن له وحقّ أن ينقد نفسه بدلاً من أن يبقى أسير نقد الاتجاهات الأخرى بما فيها الاتجاهات الأكثر إيغالاً في التراث والموروث.
إن الاشكالية التي تبدو واضحة ـ فيما نخمّن ـ هي في الفكروسياسية التي أخذت تتحكم في كل نشاطاتنا تقريباً، وإذا لم يكن الإنسان نافياً لصلة الفكر بالسياسة والسياسة بالفكر فإنه لا يثبت عجزاً أمام تفكيك يقوم على أساس خصائص تحكم كلا الإطارين، وإذا ما بقي تيارا الحداثة والتراث في عالمنا الإسلامي متموضعين داخل مربعات سياسية وحزبية ـ بالمعنى الواسع للحزبية في الفلسفة والعلوم ـ فإنه لن يتسنّى لنا لا إعادة انتاج أنظمة الاختلاف وأخلاقياته ولا تجاوز الأطر المرحلية التي تحكم الكثير من نشاطاتنا بحيث تبديها غير قادرة على الاتصال بقيم عليا ومبادىء حاكمة وقواعد نافذة.
واستنتاجاً من كل ذلك، تبدو الصلة ـ أمامنا ـ وثيقة بين الخلاف الشيعي الشيعي، والسنّي السنّي من جهة، والخلاف الشيعي السنّي من جهة اخرى، فأية خطوات إصلاح لاوضاعنا في الدائرة الأضيق تعني تأمين خلفية مطمئنة على صعيد الخوض في الدائرة الاوسع، وإلاّ فإن استفحال التوتر واستدامته على المسار الداخلي سوف يسمح لتيار التحفظ بعرقلة مسيرة التقريب والتكامل، كما سيدفع تيار التقريب نفسه إلى ارتكاب المزيد من الأخطاء استشعاراً منه لضرورة تصفية حساب داخلي، وبذلك تبدو القضية مؤشكلة على أكثر من جانب وصعيد.
إن هذا الترابط الوثيق ما بين الوضعين يفرض على الجميع، ولو بدايةً فكّ الوصلة القائمة، وعدم اعتبار كل ساحة بمثابة تصفية حساب في الساحة الأخرى، الأمر الذي لن يخرج احداً من الفكروسياسية الحاكمة، ومن ثمّ لن ينقذنا من أوضاعنا المتردية وحالنا الهزيل.
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
                                                            ]آل عمران: 103[
 
 
 
 
المصدر: موقع الشيخ حيدر حب الله www.hobbollah.com
 
 
 


(*) نشر هذا المقال في العدد 26 من مجلة المنهاج في بيروت، صيف عام 2002م.

براءة يوسف (ع) أو اليأس من استجابته

16 يناير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

المسألة:
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ ما هي الآيات التي رأوها؟، وإذا كان الضمير في ﴿لَهُم﴾ عائداً على النسوة فلماذا لم يكن مؤنثاً؟
الجواب:
المراد من الآيات في الآية المباركة هو الشواهد والدلائل إلا أن مدلول هذه الشواهد يحتمل معنيين:
 المعنى الأول: أن مدلولها هو براءة يوسف مما نسبته إليه امرأة العزيز حيث قالت: ﴿مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(1).
 المعنى الثاني: إنَّ مدلول الشواهد هو اليأس من استجابة يوسف لدعوة امراة العزيز، وما دعته اليه النسوة اللواتي جمعتهن لرؤية يوسف (ع).
الشواهد على براءة يوسف (ع):
فيكون مفاد الآية بناءً على الاحتمال الثاني أنَّه بعد ما دلَّت الشواهد على أنَّ يوسف لن يستجيب لرغبة امرأة العزيز ارتأوا ان يسجنوه إلى حين.
 فلو كان الاحتمال الأول هو المراد من الآية المباركة فحينئذٍ تكون الآيات والشواهد هي مثل تمزُّق قميص يوسف من الخلف، إذ ان ذلك يُناسب فرار يوسف من امرأة العزيز ولحاقها به واجتذابها له من الخلف ما أدَّى إلى تمزّق قميصه من تلك الجهة، وذلك يُعبِّر عن انه لم يكن قد قصدها بسوء وإلا لكان تمزق القميص من الأمام، إذ أن ذلك هو المناسب لمقتضى دفاعها عن نفسها لو كان هو من بادرها بالسوء.
 ولعلَّ من الشواهد أيضاً ما أفاده أحد أهلها من تقريرٍ للملازمة بين قدِّ القميص من الخلف وبين براءة يوسف (ع)، وظهور القميص بعد ذلك ممزوقاً من الخلف. فالقبول بالملازمة والقبول بنتيجة الملازمة من قِبلِ من يُنتظر من الممالئة والميل لصالح امرأة العزيز شاهدٌ على براءة يوسف (ع)، لذلك اعتنى القرآن بنقل كلامه ووصفَه بما يعبِّر عن كون كلامه مُلزِماً نظراً لكونه من ذوي قرابتها فقال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ {يوسف/26} وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ {يوسف/27} فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾(2) فكان إقراره بالنتيجة. المستفاد من قوله ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ شاهد آ خر يُضاف إلى صحة الملازمة عرفاً. واعتبارُه شاهداً آخر ينشأ عن كون الإقرار صادراً ممن يُنتظر منه الممالئة والتغطية على خطيئة امرأة العزيز، كونها من ذوي قرابته.
 و من الشواهد على براءة يوسف (ع) اعترافها للنسوة بأنها مَن راودته عن نفسه فاستعصم ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾(3)فامرأة العزيز وإن كانت قد أنكرت مراودتها ليوسف عن نفسه أمام زوجها حين ألْفته على الباب واتهمت يوسف بأنَّه هو مَن قصدها بالسوء فقالت: ﴿مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا…﴾ إلا أنها ورغم إنكارها أمام زوجها أقرَّت أمام النسوة فكان إقرارها شاهداً، لأن العادة تقتضي وصول هذا الإقرار إلى زوجها خصوصاً وأنها أقرّت أمام نسوة وصفَهن القرآن بما يُعبِّر عن أنَهنَّ لم يكنَّ على وئامٍ تام مع امرأة العزيز قال تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾(4) فالآية تحكي عن أن هؤلاء النسوة اتخذن من هذه القضية مدخلاً للتفكُّه والتشهير بامرأة العزيز والطعن عليها واتهامها بالضلال المبين، فإذا كان هذا هو حالهن قبل التثبُّت من صدق الواقعة فمقتضى ذلك أن يكون النبز والإذاعة بعد التثبُّت من صدق الواقعة بالإقرار أشد، ولهذا يكون وصول الإقرار إلى مسامع العزيز حتمياً عادة، فيكون ذلك شاهداً يُضاف إلى الشواهد الأخرى عند العزيز على براءة يوسف (ع).
 ولعلّ من الشواهد أيضاً هو تقطيع النسوة أيديهنَّ حين دخل عليهنَّ انبهاراً بجماله وحُسْن منظره، وهو أمر لا يكاد يتفق مما يُعطي مؤشِّراً واضحاً عند مَن يقف على هذا الخبر أنَّ امرأة العزيز هي أيضاً قد انتابها من الإعجاب والانبهار بجمال يوسف ما دفعها إلى مراودته عن نفسه، فحالةُ الانجذاب ليوسف والتي لم تتمكن النسوة من إخفائها رغم انهنَّ كنَّ في محفلٍ يقتضي بحسب العادة التمظهر بالتعالي عن مثل ذلك خصوصاُ وأنَّهنّ كنَّ قد قد عيَّرن امرأة العزيز بأنَّه قد شغفها حبُّ يوسف إلا انَّ ما وقع كان على خلاف ما تقتضيه العادة فأظهرن إعجاباً وانجذاباً ليوسف لم يكن كما يبدو إرادياً إذ من المستبعد أن يجرح الإنسان نفسه إلا أن يكون غافلاً كيف وقد اتفق ذلك لأكثرهن أو لهنَّ جميعاً، فذلك يؤشِّر على ان امرأة العزيز لم تكن أحسن حالٍ منهنَّ خصوصاً انَّ ما تهيأ لها من الخلوة بيوسف لم يكن قد تهيأ لهنَّ ورغم ذلك دَعيْنَه فلم يصبُ لهن. ولهذا وجدت ان ذلك معذِّراً لها فأقرَّت لهنَّ بما وقع منها وصار لها ان تُعبِّر لهنَّ عن عدم قبولها بلومهنَّ لها وأنها مقيمة على رغبتها فإن لم يفعل كان السجن والصَغار هو ما سيئول إليه أمره ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾(5).
 وثمة شاهد آخر على براءة يوسف احتمله بعضُ الأعلام وهو استباقها الباب أي أنَّ العزيز اتفق ان وجد زوجته ويوسف يستبقان إلى الباب، فكان ذلك مؤشِّراً على براءة يوسف (ع)، إذ لا معنى لمبادرة يوسف إلى الباب لو كان هو مَن راودها. إلا أن الظاهر عدم تمامية هذا الشاهد، إذ من الممكن أن يسبقها إلى الباب ليمنعها من فتحه والخروج منه لو كان هو الذي راودها، نعم يمكن أن يكون ذلك شاهداً على براءة يوسف لو وجده العزيز وهو يفتح الباب فإن ذلك يُناسب أن تكون هي مَن راودته فبادر إلى فتح الباب إلا أن يُقال ان ذلك أيضاً لا يبرءُه لاحتمال أن تكون قد زجرته بعد أن راودها وطردته وأخذت تدفعه إلى الباب فالفت سيدها لدى الباب.
 فالصحيح أن المؤشر الواضح على براءته في ذلك الموقف هو امتزاق قميصه من الخلف إذ لا مبرر لذلك إلا أنَّها أرادت اجتذابه وليس دفعه للخروج.
 نعم ورد في تفسير القمي عن أبي الجارود عن أبي جعفر (ع) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾(6) قال (ع): "الآيات: شهادة الصبي والقميص المخرَّق من دبر واستباقهما الباب حتى سمع مجاذبتها إياه على الباب..". 
فيكون الشاهد على براءته (ع) هو أن العزيز سمع مجاذبتها ليوسف على الباب. وليس هو مجرَّد استباقهما إلى الباب، وحينئذٍ لا يكون هذا الشاهد من الشواهد المصرَّح به في القرآن الكريم وإنما تمَّ الوقوف عليه بواسطة الروايات الواردة عن أهل البيت (ع).
 فالمتحصَّل مما ذكرناه أنَّ الشواهد التي أشار إليها القرآن الكريم على براءة يوسف (ع) أربعة:
الأول: تمزُّق قميص يوسف (ع) من الخلف.
الثاني: تقرير الشاهد من أهل امرأة العزيز للملازمة وقبوله بنتيجتها.
الثالث: إقرار امرأة العزيز بمراودتها ليوسف أمام النسوة.
الرابع: تقطيع النسوة أيديهن حين رؤية يوسف واستعصامه رغم دعوتهن له.
 هذه هي الآيات والشواهد التي أشار إليها القرآن الكريم والتي أوجبت – ظاهراً – لهم العلم ببراءة يوسف (ع)، ولعلَّ ثمة شواهد أخرى لم يعتنِ القرآن الكريم بنقلها كالتي وردت في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (ع).
 ثمّ إن القرآن الكريم لم يكن بصدد الحكم على صلاحية هذه الشواهد على اثبات براءة يوسف (ع) أو عدم صلاحيتها لاثبات ذلك وإنما كان بصدد بيان ان ثمّة شواهد أوجبت لهم العلم ببراءة يوسف ورغم ذلك بدا لهم ان يسجنوه.
 هذا بناء على الاحتمال الأول وانَّ المراد من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ﴾ هو انهم ارتأوا ان يسجنوه بعد علمهم ببراءته.
اليأس من استجابة يوسف (ع):
وأما بناء على الاحتمال الثاني و ان المراد من الآية المباركة هو انهم ارتأوا ان يسجنوه بعد ما رأوا الآيات والشواهد المقتضية لليأس من استجابة يوسف (ع) لتحقيق رغبة امرأة العزيز فيكون مدلول الشواهد والآيات هو اليأس من قبول يوسف لما تدعوه إليه امرأة العزيز من فعل المنكر معها.
 فبناءً على هذا الاحتمال تكون الشواهد هي اباؤه المتكرر لدعوة امرأة العزيز، فلعلَّ اباءَه للدعوة في المرة الأولى لم يوجب لها اليأس من رفضه فعاودت الدعوة له مرة بعد أخرى في الخلوة بل وحتى في محفل النسوة اللاتي دعتهن واعتدت لهن متكئاً وهددته بالسجن والصغار إن لم يصبُ لدعوتها ثمّ ان النساء دعينه لها أو لأنفسهن فتأبَّى عليهن فذلك كله هو ما أوجب اليأس من استجابته.
 ولعلّ ما يُعيِّن الاحتمال الثاني وأن مدلول الآيات والشواهد هو اليأس من استجابة يوسف هو أن قوله تعالى:﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ جاء بعد الإخبار عن دعوة امرأة العزيزة للنسوة وتهديدها ليوسف بالسجن في محفلهنَّ إن لم يفعل ما تأمره، واباؤه عليها وعلى النسوة ما كنَّ قد دعينه إليه، وقوله إنَّ السجن أحبُّ إليه من ذلك.
 فلو كان الاحتمال الأول هو المراد لكان ما وقف عليه العزيز من شواهد على براءة يوسف حين دخوله إلى الباب كافياً لحصول العلم ببراءته. وحينئذٍ كان المناسب منه الحكم عليه بالسجن لغرض إيهام الناس أنَّ يوسف هو مَن قصد زوجته بالسوء لأن الغرض من سجن العزيز ليوسف بناءً على الاحتمال الأول إنَّما هو التعمية والإيهام بتورط يوسف بهذه القضية إذ لا ريب أن الشواهد قاضية ببراءته عنده، وأما بناءً على الاحتمال الثاني فإن السجن يكون لغرض الانتقام من يوسف والنكاية به من قبل امرأة العزيز، لأنَّه لم يستجب لرغبتها.
 فلأن قرار السجن جاء متأخراً عن الواقعة التي شهدها العزيز رغم ان الدواعي تقتضي المبادرة لاتخاذ هذا القرار، ولان قرار السجن قد تعقَّب ما وقع في محفل النسوة وتهديد امرأة العزيز فذلك يؤكد الاحتمال الثاني و انَّ المراد من الآيات في قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ هو الشواهد المقتضية لليأس من استجابة يوسف (ع).
 وثمة قرينة أخرى يمكن التمسك بها لإثبات تعيُّن الاحتمال الثاني وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ {يوسف/50} قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ {يوسف/51} ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾(7).
 فهذه الآيات مشعرة بأن قرار السجن كان بإيعازٍ من امرأة العزيز انتقاماً من يوسف وتبرأة لساحتها، فهي قد أوهمت زوجها بأن يوسف هو مَن قصدها بالسوء فاقتنع بذلك أو ارتاب في أمر يوسف فأصدر قراراً بسجنه. ولذلك أصرَّ يوسف على تبرئته قبل الخروج من السجن، ولو كان الملك يعلم ببراءته وأنَّه سجنه إيهاماً لمَا كان من مبررٍ لسؤال النسوة، ولما كان من مبررٍ لتصدِّيهن أمام الملك لتبرءة يوسف ولما قالت امرأة العزيز:﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ وكأنَّ الأمر لم يكن كذلك في ذهن العزيز، وهو ما يؤكد أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ﴾ هو أنه بدا لإمرأة العزيز ومَن معها أن يسجنوه من بعدما رأوا الشواهد على أن يوسف لن يستجيب لرغبتها. وليس ما بدا لهم من الشواهد هو براءته وأنهم قرروا سجنه إيهاماً وتغطية على خطيئة امرأة العزيز كما هو مقتضى الاحتمال الأول.
 إلا إنَّ الصحيح أن شيئاً مما ذُكر لا يصلح لتعيُّن الاحتمال الثاني.
 أما القرينة الأولى: وهو أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم﴾ جاء بعد الحكاية لِما وقع في محفل النسوة لا يقتضي أن ما بدا لهم كان هو اليأس من استجابة يوسف لاحتمال ان قرار السجن إنما نشأ من قِبل العزيز وحاشيته بسبب ذيوع الخبر  وانتشاره بين الناس، فلأنهم أرادوا إيهام الناس ببراءة امرأة العزيز حفاظاً على كرامة العزيز وموقعه قرروا سجنه.
 وأما لماذا لم يُقدم على سجنه من أول الأمر فلاحتمال أنه رأى أن الأمر لا يستوجب ذلك، لأنَّه لن يخرج عن بيت العزيز. فلا معنى لسجنه خصوصاً وأن السجن لم يكن لخطئاً ارتكبه يوسف وإنما هو للإيهام، فباعتبار أن الأمر لم يكن قد شاع بين الناس أو لا أقل هذا ما كان يظنه العزيز، ولأنه لم يكن يحتمل أن الأمر سيخرج من قصره إذ أن العادة مقتضية انْ تظلَّ أسرار بيوتات الأمراء والملوك مكتومة عن الناس، فلأن الأمر كان كذلك لم يجد العزيز ما يستدعي قرار السجن ليوسف (ع)، فتأخُّر قرار السجن لا يقتضي تعيُّن الاحتمال الثاني كما لا يقتضي عدم حصول العلم له ببراءة يوسف (ع).
 بل قد يقال أن عدم سجنه من أول الأمر قرينة على تعيُّن الاحتمال الأول وأنَّه كان قد تيقن من براءة يوسف لِما رآه من تمزُّق القميص من الخلف وغيره من الشواهد.
 وإلا لو كان يراه مخطئاً ومذنباً لسجنه بل حتى لو كان يظن بذلك، إذ لا يُنتظر من مثله التثبُّت خصوصاً وإنَّ الأمر يتصل به شخصياً، فعدمُ الإقدام على سجنه من أول الأمر قرينة واضحة على يقينه ببراءة يوسف (ع) وان قرار السجن بعد ذلك كان لغرض الإيهام نظراً لشيوع الأمر بين الناس.
 وأما القرينة الثانية: فيتضح سقوطها بالالتفات إلى أنَّ قرار السجن إنما كان من العزيز وحاشيته ولم يكن من الملك أو لم يكن ذلك منه ابتداءً، ولذلك كان من الممكن جداً أن لا يكون الملك مطّلعاً على واقع ما حدث ليوسف بل من الممكن ان لا يكون مطّلعاً على وجود يوسف أصلاً فضلاً عن اطّلاعه على قضيته وسجنه، إذ ان مثل هذه الأمور التي هي من الصغائر بنظر الملوك لا تكون عادة مورداً لاهتمامهم، وحتى لو كان الملك قد اطّلع على قضية يوسف فإنه لن يطّلع على ملابساتها إلا عن طريق العزيز وحاشية العزيز وحينئذٍ لن يتعرَّف منهم على واقع القضية بل سينقولنها له بالنحو المناسب لمصلحة العزيز، ومن الواضح أن الذي يتناسب ومصلحة العزيز هو إيهام الملك بتورط يوسف بمراودة امرأة العزيز. 
وبهذا يتضح منشأ سؤال الملك للنسوة ومنشأ أهمية إقرار زوجة العزيز بصدق يوسف وانَّها هي مَن راودت يوسف عن نفسه، فلان العزيز وحاشيته كانوا قد حبكوا القضية أمام الملك بالنحو الذي يجعل من يوسف مخطئاً بنظره لذلك كان جواب النسوة واعتراف امرأة العزيز أمراً لم يكن معلوماً لدى الملك مسبقاً، بل كان يرى الواقع على خلاف ما أقررنَ به، أو لانه لم يكن أساساً مطّلعاً على قضية يوسف فكان سؤاله للنسوة ناشئاً عما أثاره يوسف في رسالته إليه، نعم معرفته بعد الرؤية التي رآها أن يوسف في السجن جعله يتوّهم انه كان قد ارتكب جرماً فاقتضى ذلك ان يُسجن إلا انه قرَّر العفو عنه بعد تعبيره لرؤياه فاستثمر يوسف ذلك ليُثبت براءته، ولهذا طلب من الملك أن يسأل النسوة اللاتي حضرن مجلس امرأة العزيز وقطَّعن أيديهن فكان جوابهن وإقرار امرأة العزيز قاضياً ببراءته.
 فالمتحصّل مما ذكرناه انه لا منافاة بين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ﴾ – بناءً على الاحتمال الأول- وبين سؤال الملك واستعلامه عن واقع القضية التي وقعت ليوسف (ع).
 إذ ان الذي حصل له العلم ببراءة يوسف (ع) بواسطة الآيات والشواهد إنما هو العزيز ومَن كان معه، وهم من قرَّر أو هُمْ مَن أوحى للملك بسجنه. فيكون سؤال الملك للنسوة بعد ذلك إنما هو عن أمرٍ لم يكن مطّلعاً على واقعه.
 وبذلك تنتفي قرينيَّة سؤال الملك واستعلامه من النسوة على أن قرار السجن كان بإيعاز وإيهام من امرأة العزيز لزوجها وأنَّها فعلت ذلك بعد يأسها من استجابة يوسف (ع) لرغبتها.
 وبتعبير آخر: إنَّ سؤال الملك للنسوة واستعلامه منهنَّ عن واقع القضية التي وقعت ليوسف إنما يصلح قرينة على أن المراد من الآيات هو الشواهد المقتضية ليأس امرأة العزيز من استجابة يوسف (ع). لو كان قرار السجن نشأ عن إيهام امرأة العزيز لزوجها بأن يوسف هو من قصدها بالسوء وحينئذٍ قرر هو أو أنه أوحى للملك بأن يقرر سجنه.
 أما لو كان الملك هو غير العزيز وإن قرار السجن قد صدر عن العزيز وحاشيته أو أنه أوحى للملك بأن يُصدر قراراً بسجن يوسف (ع) فإن هذه القرينة تكون ساقطة لتعقل أن العزيز كان يعلم ببراءة يوسف إلا أنه قرَّر سجنه أو انه أوحى للملك بسجنه لغرض الإيهام، وحينئذٍ يكون استعلام الملك عن واقع القضية بعد رسالة يوسف (ع) معقولاً جداً وغير منافٍ لعلم العزيز وحاشيته ببراءة يوسف (ع).
  فيكون محصَّل ما وقع هو ان العزيز وحاشيته رغم اطلاعهم على براءة يوسف (ع) -نتيجة ما ظهر لهم من الآيات والشواهد على ذلك- قرروا سجنه بعد ما ذاع الخبر بين الناس إيهاماً لهم بأنَّ المتورِّط بالخطيئة هو يوسف (ع)، وان الملك هو أيضاً قد وقع في نفس هذا الوهم، لأنه قد اعتمد على ما نقله إليه العزيز وحاشيته، ولم يخطر في نفسه ان العزيز وحاشيته قد كذبوا عليه أوانه لم يكن مهتماً بالأمر فلم يتحقق من صدقهم أو كذبهم أو أنه لم يطّلع على القضية أساساً، ويكفي واحد من هذه الفروض لتعقُّل استعلامه من النسوة بعد رسالة يوسف (ع).
 منشأ جعل الضمير لمذكر الجمع:
وبهذا يتضح منشأ جعل الضمير للمذكر في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ﴾ فلأن الضمير عائد للعزيز وحاشيته ممن يهمهم مصلحة العزيز لذلك جاء ضمير الجمع (لهم) للمذكر.
 ويمكن أن يكون الضمير عائداً للملك بالإضافة إلى العزيز وحاشيته باعتبار ان الملك هو مَن أصدر القرار بالسجن ولكن بإيعازٍ من العزيز وحاشيته فيكون منشأ جعل الضمير للجمع رغم أن القرار قد صدر عن الملك وحده هو أن العزيز وحاشيته كان لهم الأثر الأكبر في إصدار القرار، فكان القرار قد صدر عنهم واقعاً وإن كان قد صدر عن الملك رسماً.
 ويمكن القول بأن المصحِّح لجعل الضمير للجمع المذكر هو أنَّه عائد للعزيز وحاشيته وإن الآية لم تكن بصدد الحديث عن قرار السجن وإنما هي بصدد الحديث عن أن العزيز وحاشيته ارتأوا سجن يوسف (ع) وعقدوا العزم على ذلك، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم﴾ أي ظهر لهم ان المصلحة مقتضية لسجنه فهي لم تتحدث عن قرار السجن، وإنَّما تمّ فهمه من لحن الآية المباركة ولم يتم فهمه من منطوقها.
 وعلى أي تقدير فالضمير في قوله تعال ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم﴾ ليس عائداً قطعاً للنسوة، إذ لا معنى أن يقررن أو يرتأين سجنه حيث لا شأن لهن بذلك, نعم يمكن أن يكون لامرأة العزيز أثر في قرار السجن إلا إن ذلك أن لا يعني أن القرار قد صدر عنها أو أنَّها وحدها مَن رأى المصلحة في سجنه وإنما قرارها أو رأيها لو كان سيكون واقعاً ضمن قرار أو رأي العزيز ومعاونيه, وهو ما يُصحح تذكير الضمير وجمعه, وحتى لو كان المتعَّين هو الاحتمال الثاني وانَّ منشأ السجن هو الانتقام بعد اليأس من استجابة يوسف فإن قرار السجن سيكون من تدبير امرأة العزيز ولكنها لن تملك إصداره وإنما ستسعى لاستصداره عن طريق التأثير على زوجها وهو بدوره سوف يستثمر موقعه وصلاحياته لاستصدار القرار وبذلك يكون القرار صادراً عن العزيز ومعاونيه أو عن إيعازٍ منهم للملك، وذلك ما يُصحِّح تذكير الضمير وجمعه أيضاً.
 ثم إن النون المشدَّدة في قوله: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ ليست عائدة للنسوة كما قد يُتوهم وإنما هي نون تأكيدٍ مشدَّدة وهي تدخل على الأفعال التي تكون جواباً للقسم فالفعل في قوله: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ مضارع مرفوع بثبوت النون والأصل هو (يسجنونه) وإنما حُذفت الواو لالتقاء الساكنين , أعني السكون الذي يكون على الواو والسكون الذي يكون على نون التوكيد المشددة لان التشديد سكون وحركة، فالتقى سكون الواو بسكون النون فاقتضى ذلك حذف الواو, وأما النون التي هي علامة الرفع فحذفت أيضاً وذلك لتوالي الأمثال أعني النون الأصلية في الفعل ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ ونون الفعل ونون التوكيد المشددة التي هي نونان مدغمتان.
 ولو كانت النون المشدَّدة للنسوة لكان الصحيح أن يقال: ليسجنانه كما يقال تضربانه.
 والحمد لله رب العالمين
 


1– يوسف/25.
2– يوسف/26-28.
3– يوسف/32.
4– يوسف/30.
5– يوسف/32.
6– يوسف/35.
7– يوسف/50-52.
 
 

بين السلب والإيجاب

16 يناير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

تعرضت لكثير من الجدل الفلسفي، والعلمي بين السلب والإيجاب. وسوف نتحدث إن شاء الله عن الجدل الذي أثير في الفلسفة حول المعارف الفطرية لنعقبها إن شاء الله بالبحث عن الجدل الذي أثير حول الميول، والنزوع الفطري.
 
أ- المعارف الفطرية بين السلب والإيجاب:
ظهر في أوروبا اتجاه فلسفي في المعرفة ينفي قيمة المعرفة العقلية والفطرية في كل من حقلي (التصور) و(الصديق) إلاّ من خلال (الحس) و(التجربة). وهذا الاتجاه الفلسفي في المعرفة هو الاتجاه (الحسي) في التصورات و(التجربي) في التصديقات.
 وبيان ذلك باختصار:
أن المذهب الحسي يعتبر الحس المصدر الأساس للتصورات، وينفي قيمة أي تصور لا ينشأ من الحس، فما يتلقاه الحس هو الحقيقة، وما لا يتلقاه الحس لا سبيل لنا إلى إثبات واقعيته وحقانيته. فالحس يعرف مثلاً ذات العلة (كالنار)، وذات المعلول (كالحرارة)، ولكن لا سبيل للحس إلى الإحساس بالعلاقة العلية التي تدعيها الفلسفات العقلية فيما بينهما، لأن العلاقة العليّة أمر انتزاعي من الطرفين لا سبيل للحس إليها، وإنما ينتزعها العقل بالتحليل العقلي بعناصرها التي هي الحتمية، والسنخية والتقارن، فإن الحس لا يدرك غير ذات العلة، وذات المعلول، والتعاقب الموجود بينهما، ولا يزيد الحس على ذلك. وإلى هذا الاتجاه يذهب الفيلسوف الإنكليزي (جون لوك)، و(دافيد هيوم)، وينفي هؤلاء قيمة التصورات غير الحسية التي يدعيها الفلاسفة العقليون، وينفون وجود تصورات مغروسة ب، في نفس الإنسان، مقابل ديكارت الذي يذهب إلى وجود تصورات فطرية غير حسية في نفس الإنسان وهي (الله، والنفس، والحركة).
 هذا عن المعارف التصورية.
 وعن المعارف التصديقية، ينفي الفلاسفة التجريبيون قيمة المعارف التصديقية التي لا تنشأ عن التجربة الحسية، ويعتقدون أن التجربة الحسية هي المموّن الوحيدة لذهن الإنسان في الأحكام والمعارف التصديقية، ولا قيمة فلسفية لما وراء ذلك من الأحكام التصديقية التي بأيدي الناس. ومن هؤلاء (ستوارت ميل). هذا الاتجاه (الحسي – التجربي) الذي ظهر من أوروبا، وبشكل خاص في إنكلترا ينفي قيمة المعارف العقلية غير النابعة من الحس والتجربة بشكل كامل. ومقابل الفلسفة الحسية والتجربية ظهر في أوروبا اتجاه عقلائي يعترف بالمعارف الفطرية الموجودة في ذهن الإنسان، وما وراء الحس والتجربة، ومن هؤلاء (ديكارت) و(كانت).
أما الفلاسفة الإسلاميون فيذهبون قولا واحدا إلى إثبات المعارف الفطرية في نفس الإنسان في حقلي التصور والتصديق معا ويثبتون بشكل كامل الأحكام الفطرية التي لا تحتاج إلى دليل، بل إليها ترجع وتعتمد الأدلة، وهي الأصل والأساس لكل دليل… مثل قانون استحالة اجتماع النقيضين، واستحالة أن يوجد الشيء الواحد في وقت واحد في مكانين مختلفين، وأن الكل أعظم من الجزء، وقانون العلية والمبادئ الرياضية، وغير ذلك من الأحكام الموجودة في نفس الإنسان ب.
 
القرآن والمعارف الفطرية
يمكن أن نلخص النظرية الإسلامية في نقطتين يذكرهما القرآن:
الأولى: ينفي القرآن وجود معلومات للإنسان سابقة على ولادته، كما يقول أفلاطون في المثل. يقول تعالى: ﴿واللهُ أخْرجكُمْ منْ بطُون أمّهاتكُمْ لا تعلمون شيئاً وجَعَلَ لكُمُ السّمع والأبصار والأفئدةَ لعلّكم تشكرُونَ﴾ (1).
 وبموجب هذه النقطة يولد الإنسان من دون أي معارف سابقة.
 الثانية: أن الله تعالى زوّد النفس الإنسانية في أصل الخلقة وب بإمكانية اكتشاف وفهم طائفة من حقائق الكون من غير طريق الحس والتجربة. وهذه المعارف لا يكتسبها الإنسان، وإنما يعرفها ب، وتكفي وحدها لهذه الطائفة من المعارف، ولا يزيد دور القرآن والأنبياء في هذا المجال على (التذكير).
 ومن يتأمل في كتاب الله يجد أن للأنبياء مهمتين: التعليم والتذكير، والتذكير غير التعليم. يقول تعالى عن المهمة الأولى للأنبياء: ﴿ويُعَلّمُكُمُ الكِتَابَ والْحِكْمةَ﴾ (2﴿فَذَكِّر إنّما أنْتَ مذكّرٌ﴾ (3﴿وإنّهُ لتَذكِرَةٌ للمُتّقينَ﴾ (4﴿إنّ هذهِ تذكرَةٌ فمنْ شاء اتخذَ إلى ربّهِ سبيلاً﴾ (5).). ويقول تعالى: ) والقرآن ذكر. يقول تعالى: ). ويقول تعالى عن المهمة الثانية 
 وإذا علمنا أن مهمة الأنبياء التعليم، والتذكير بالغيب، والقيم، والتكليف، وليس من مهمة الأنبياء حقول المعرفة الحسية والتجربية التي يتلقاها الناس بالحس والتجربة، نعلم أن هناك طائفة من المعارف الغيبية والقيم التي لا سبيل للحس إليها، ولا يحتاج فيها الإنسان إلى تعليم، ويكتفي فيها بالتذكير، وذلك لا يكون إلاّ إذا كان الله تعالى قد غرس القدرة على فهم وإدراك هذه المعارف في نفس الإنسان في أصل الخلقة، ب مثل معرفة الهدى والضلال، والخير والشر، والعدل والظلم، ومعرفة الله، وما يشبه ذلك.
ب – النزوع الفطري بين السلب والإيجاب:
على نحو الإجمال نقسم الآراء في مسألة الميل والنزوع الفطري إلى ثلاثة اتجاهات:
 
الاتجاه الأول:
الاتجاه الأول نفي النزوع الفطري في نفس الإنسان، واعتبار الأمور التي يتصوّر الإنسان أنه ينزع إليها بصورة فطرية من البُنى الفوقية في المجتمع، والتي ينتحلها الإنسان، ويتبناها بصورة اجتماعية، وليست من النزوع الفطري في أصل الخلقة، من دون وجود عوامل خارجية فلا يحكم الإنسان، ولا يميل بصورة طبيعية إلاّ إلى أمرين:
 إشباع الغرائز، وكسب المنافع المادية (فيما إذا كان الثاني لا يؤول إلى الأمر الأول) وليس للإنسان نزوع وميل طبيعي غير هذا أو ذاك. ومآل هذا الكلام في الحقيقة إلى نفي الشطر الثاني من شخصية الإنسان، وهو الشطر السامي المتعالي من الشخصية. ففي النظرية الدينية تتألف شخصية الإنسان من شطرين: الشطر الحيواني الذي خلقه الله من قبضة من الطين، والشطر الإنساني المتعالي، والذي هو نفخة من روح الله.
 ومآل رأي هؤلاء في نفي النزوع الفطري لشخصية الإنسان هو نفس الشطر الثاني لشخصية الإنسان. واعتبار الإنسان تراكماً من الغرائز والنوازع الحيوانية والبحث عن المنفعة، وبغض النظر عن هذين العاملين لا يؤمن هؤلاء بوجود أصول فطرية للقيم والأخلاق، والإيمان بالله والعمل في سبيل الله. ويفسرون (الدين) و(الأخلاق) بأنّهما مؤسسات وبُنى فوقية لحماية مصالح الناس. فإن الحياة الاجتماعية ضرورة يحتاجها الإنسان من دون شك، ولا يستغني عنها بحال. والحياة الاجتماعية تعرّض الإنسان لمنافسة شديدة في إشباع رغباته وتحقيق منافعه، بسبب محدودية المساحات التي تلبى حاجات الإنسان الغريزة وحاجاته الاقتصادية وهذه المنافسة بالضرورة تؤدي إلى حالات العدوان من ناحية الأقوياء على الضعفاء… فيحتاج الإنسان إلى مؤسسة تحمي حقوقه ومنافعه المادية والحاجات الغريزة للإنسان وهذه المؤسسة هي (الدولة) و(القانون).
 ولما كانت مؤسسة (الدولة – القانون) غير قادرة لوحدها على حماية الإنسان من حالات العدوان احتاج الإنسان إلى مؤسسة أخرى إلى جنب هذه المؤسسة لحماية مصالحه المادية، ورغباته الغريزة. وهذه المؤسسة (الدين) و(الأخلاق).
وتقوم المؤسسة الدينية الأخلاقية بنفس المهمة في حياة الإنسان إلاّ أنّهما – بنفس التوجيه الذي يذكرونه للمؤسسة الأولى – مؤسسة فوقية لحماية أمن الإنسان ومصالحه، ولا توجد في نفس الإنسان حاجة إلى الدين والأخلاق بصوره فطرية في أصل الخلقة، وإنما تقتضيها مصالح الإنسان ومنافعه.
 
الاتجاه الثاني:
الاتجاه في تفسير الدين، والأخلاق هو التفسير الماركسي، وإذا كان الاتجاه الأول في تفسير الدين، والأخلاق هو أفضل الاتجاهين الرافضين للفطرة، فإن الاتجاه الثاني أسوأهما، وأبعدهما عن الموضوعية.
 تذهب الماركسية إلى أن الدين والأخلاق مؤسسة فوقية لحماية مصالح الطبقة المستثمرة (بالكسر) في مقابل ثورة الطبقة المستثمرة (بالفتح) فإن الطبقة المستثمرة (بالكسر) تعمل على امتصاص جهد وعرق الطبقة الكادحة، واستغلالها استغلالاً تجارياً. وما تتمتع به هذه الطبقة من مال هو جهد الطبقة الكادحة، تسرقه هذه الطبقة منها وتستغله. ومن الطبيعي أن هذا الاستثمار اللاإنساني، والسرقة لجهود الطبقة الكادحة تثير الطبقة الكادحة، وتفجّر حالة الثورة والتمرد داخل هذه الطبقة.
فتحتاج الطبقة المستثمرة (بالكسر) لحماية مصالحها اللا مشروعة إلى مؤسستين فوقيتين، تحميان مصالح ورؤوس أموال واستثمارات هذه الطبقة من ثورة أصحابها الشرعيين.
 وهاتان المؤسستان هما:
(الدولة والقانون) أولا.
و(الدين والأخلاق) ثانيا.
 فإن للدين والأخلاق، كما تقول الماركسية دورا كبيرا في تخدير الشعوب، وصرفها عن حقوقها، وتوجيهها إلى الصبر والقناعة وتثقيفها بأن كل ما يجري في السياسة والمجتمع يجري بقضاء وقدر، له أثر تخديري على الشعوب في مقابل عدوان الطبقة البرجوازية، كما تقول الماركسية.
الاتجاه الثالث:
الاتجاه الثالث وهو الاتجاه الذي يقرره القرآن الكريم وهو اتجاه عامة الرسالات الإلهية. وفيما يلي نحاول أن نبيّن الخطوط الأساسية لهذا الاتجاه من خلال كتاب الله.
 
1- يقرر القرآن الكريم أن الإنسان تركيب من المادة والروح، والمادة في الأصل صلصال من حمأ مسنون، والروح نفخة من روح الله.
 ونحن لا نعرف من هذا وذاك إلا هذا الظاهر الذي ذكره الله تعالى، ولا نريد أن نتكلف فهم ما أخفى الله تعالى فهمه علينا. 
ولا نريد أن نبحث عن الحمأ المسنون، ولا عن النفخة من روح الله التي نفخ الله تعالى بها على الحمأ المسنون.
 فهذا ما اختص الله تعلى بعلمه، ولسنا نريد أن نتكلف فهم ما أخفاه الله عنا، غير أنّا نفهم من الآيات الواردة في أصل خلقة الإنسان أن خلق الإنسان تركيب من المادة والروح، والمادة هي الشطر الحيواني من شخصية الإنسان، والروح هو الشطر المتعالي السامي من الشخصية.
 يقول تعالى: ﴿وإذْ قَالَ ربّكَ للملائِكَةِ إنّي خَالِقٌ بشراً من صلصال مِنْ حمَأٍ مسْنُونٍ * فإذا سوَّيتُهُ ونفخْتُ فِيهِ منْ رُوحي فَقَعوا لهُ سَاجدينَ﴾ (6).
 وفي سورة ص: ﴿إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سوتيه ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ (7).
وورد في الحديث في خلق الإنسان والملائكة والحيوان: أن الله خلق الملائكة وركّب فيهم العقل، وخلق البهائم، وركّب فيهم الشهوة، وخلق الإنسان وركّب فيه العقل والشهوة.
 ومن ذلك يتضح أن الله تعالى خصّ الإنسان بنفخة الروح.
 وهذه النفخة هي التي تميز الإنسان عن الحيوان، وليس هي الطين، كما أنّ هذه كالنفخة هي التي اقتضت أن يأمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم.
 ولهذه النفخة خصائصها التي لا تنفك عنها. وهذه الخصائص هي أساس التكريم الإلهي للإنسان الذي اقتضى أن يأمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم (ع) وهذه الخصائص النابعة من نفخة الروح هي والعقل.
 2- ميثاق: وقد أودع الله تعالى في نفس الإنسان في أصل الخلقة الإيمان بالله، ومعاهدة الإنسان لله على الإيمان بربوبيته، وهو معنى قوله تعالى في آية النذر: ﴿ألستُ بربّكم قالوا بلى شهدنا﴾ (8) والالتزام بمتطلبات الربوبية من العبودية والعبادة والطاعة.
 وهذا الميثاق قائم في نفس كل إنسان ب إلا أن تتراكم الذنوب، والسيئات، والانحراف عن خط في نفس الإنسان فتتكدر، وتفقد صفاءها، ونقاءها، فيغفل الإنسان عن العهد الذي أعطاه لله تعالى بالإيمان بالربوبية، والالتزام بلوازم الربوبية. والله تعالى يحذّر عباده عن هذه الغفلة في آية النذر: ﴿أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عنْ هذا غافلين﴾ ولنقرأ هذا الميثاق الفطري في آية الذر.
 
قال عز شأنه: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألستُ بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين﴾.
 
إذن أودع الله تعالى في صلب تكوين الإنسان وعمق فطرته – معرفة ربوبية الله والإيمان به. وهذه المعرفة والإيمان بالربوبية تتطلب من الإنسان الالتزام بالعبادة، والعبوديّة، والطاعة.
 
وهذه المعرفة وهذا الالتزام النابع من المعرفة، والميثاق النابع عنهما كل ذلك مودع في عمق فطرة الإنسان. وقد شهد الإنسان بهذه المعرفة، والالتزام، والعهد، وقال تعالى: ﴿وأَشْهدهمْ على أنفُسِهِم﴾.
 
ويحذّر الله تعالى الناس من الغفلة عن هذه المعرفة، وهذا الالتزام، وهذا الميثاق بقوله: ﴿أنْ تقُولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين﴾.
 
3- يبيّن القرآن الكريم أن الله تعالى أودع في نفس الإنسان معرفة القيم، والنزوع إليها. يقول تعالى: ﴿ونفْس وما سواها * فألهمها فُجُورَها وتقْواها﴾ (9).
 
إن الله ألهم الإنسان من غير تعليم التفريق بين الفجور والتقوى، والنزوع إلى التقوى، ورفض الفجور.
 
وليس يحتاج الإنسان إلى معلم، ليعرف جمال الصدق والأمانة والعدل، وقبح الكذب والخيانة والظلم. وإن كان يحتاج إلى من يذكره بها، ويؤكدها له ويؤاخذه عليها.
 
قال تعالى: (إنَّا هديْناه السبيلَ إمّا شاكراً وإمّا كفوراً) (10).
 
والهداية والنزوع إلى الهداية أودعا في عمق نفس الإنسان، ودور الأنبياء (ع) هو تفعيل هذه الهداية، وتذكير الناس بها كما يأتي إن شاء الله.
 
وهذه الآيات تستوقف الإنسان للتأمل كثيراً. فهي تدلّ على أن صفحة الناس ليست صفحة فارغة، ساذجة، يخطها المحيط والبيئة والعوامل الثقافية والإعلامية، وإنما تولد في النفس، وهي مموّنة بطائفة من المعارف، والقيم يعرفها الإنسان، وينزع إليها في أصل الخلقة، وب.
 
والمعروف عن الفلسفة الوجودية أنها تذهب إلى أن الإنسان يولد من غير أن تتحدد هويته، وشكله في وجوده، ثم تتحدد هويته، وشكله من خلال عوامل البيئة (كما يقول جان بول سارتر).
 
وإلى العكس تماما يذهب القرآن ففي كتاب الله تعالى أن الإنسان يولد محدود الهوية مزودا بطائفة واسعة من المعارف والقيم، يعرفها وينزع إليها بصورة فطرية.
 
وليس الإنسان في أصل الخلقة خشبة عائمة في المحيط، والوسط الثقافي، والحضاري الذي يعيش فيه.
 
نعم يمكن أن يكون للمحيط والبيئة أثر سلبي على فطرة الإنسان وأصالته. وهذه مسألة أخرى.
 
4- وليس معنى ذلك أن الله تعالى زود ذهن الإنسان بكل المعارف التي يعرفها الناس بصورة قبلية، وليس من معرفة إلاّ وقد أودعها الله في ذهن الإنسان من قبل أن يتعلمها، ومهمة التعلم والاقتناء هي مهمة التذكير فقط، كما يذهب إلى ذلك أفلاطون في نظريته المعروفة.
 
فلسنا نعرف من كتاب الله تأييداً لهذه النظرية بل العكس هو الصحيح. يقول تعالى: ﴿واللهُ أخرجكُمْ منْ بُطُونِ أمّهاتكم لا تعْلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾ (11).
والذي يمكن أن ننسبه إلى القرآن في هذا المجال أن الله تعالى أودع في نفس الإنسان الاستعداد لدرك ومعرفة المعارف الفطرية، كما أودع في نفسه الاستعداد للنزوع إلى القيم ورفض أضدادها.
 
وهذا الاستعداد يتكامل ويتحول من القوة إلى الفعل كلما تكامل الإنسان بفعل العوامل المساعدة، كما يضعف بفعل العوامل السلبية التي تستهلك هذا الاستعداد.
 
ودور الأنبياء (ع) هو تفعيل هذه الاستعدادات الكامنة في نفس الإنسان ب.
 
5- ومما يقرره القرآن بهذا الصدد هو تأكيد أن الله تعالى أودع في نفس الإنسان قدرة على درجة عالية جدا من الفاعلية ليحصن الإنسان بها من السقوط في الجرائم وأضداد القيم.
 
فإذا قارف الإنسان في لحظة من لحظات الغفلة جريمة من هذه الجرائم التي يرتكبها الناس تعرّض لضغط هائل من قبل الضمير باللوم والتوبيخ والتعنيف، ليعدّل سلوكه، ويعود إلى الحالة السوية التي فطر الله تعالى الناس عليها.
 
ويمارس الضمير في نفس الإنسان دور المحكمة الداخلية التي تعمل لتقويم سلوك الإنسان، وتعديله كلما تعرض للانحراف والسقوط، وهي آخر قلعة تقاوم في نفس الإنسان عوامل الانحراف، وآخر عامل من عوامل التحصن داخل النفس.
 
وعندما تتهدم القلاع التي تحصن الإنسان من السقوط واحدة بعد أخرى تبقى هذه القلعة تقاوم حتى تنقذ صاحبها.
 
فإذا سقطت هذه القلعة على يد الشيطان فلا خير عندئذ في هذا الإنسان إلاّ أن يشاء الله.
 
ويمارس الضمير دوره في لوم صاحبه وتوبيخه كلّما تعرض لانحراف وسقوط بصورة فطرية.
 
فقد أودع الله تعالى هذه الحالة من المراقبة والمحاكمة الداخلية في عمق النفس، ومكّن الإنسان بذلك من مراقبة سلوكه، ومحاكمته، وتعديله بصورة ذاتية.
 
ودور الأنبياء هو تأكيد وتفعيل وتثبيت هذه الحالة من المراقبة الذاتية في نفس الإنسان.
 
والله تعالى يقسم بالنفس اللوامة في محكم كتابه تنبيهاً للإنسان إلى أهمية وقيمة النفس اللوّامة في تعديل وتقويم سلوكه، يقول تعالى: ﴿لا أُقسم بيوْم القيامة * ولا أُقسِمُ بالنّفْس اللوّامة﴾ (12).
ولا معنى للّوم إذا كانت نفس الإنسان ساذجة، وفارغة من القيم، وتتساوى عندها القيم وأضدادها في أصل الخلقة.
6- ويقرر القرآن أن الدين نسخة تشريعية متطابقة مع النسخة التكوينية لنفس الإنسان.
 
وقد خط الله تعالى على صفحة النفس ب، وفي أصل الخلقة بقلم التكوين رسمه سبحانه وتعالى في كتابه ودينه بقلم التشريع.
 
وهذه النسخة مشتقة من تلك النسخة، وطبق لها؛ لأن الذي خطّها بقلم التشريع هو الذي خطّها بقلم التكوين. يقول تعالى: ﴿فأقم وجْهك للدّين حنيفاً فطْرةً الله التي فطَر النّاس عليْها لا تبْديل لخلْق الله ذلك الدّين القيْمُ ولكنَّ أكْثر النّاس لا يعلمُون﴾ (13).
 
7- ويقرر القرآن أن مهمة الأنبياء تجاه المعارف والنوازع الفطرية التي أودعها الله في نفس الإنسان في أصل الخلقة هي التذكير فقط وليس التعليم. فهي قائمة في نفس الإنسان، ومعروفة للإنسان إلاّ أنّ الإنسان يغفل عنها وينساها، ويتراكم عليها صدأ الحضارات، والثقافات الجاهلية فيحتاج الإنسان يغفل عنها وينساها، ويتراكم عليها صدأ الحضارات، والثقافات الجاهلية فيحتاج الإنسان إلى من يذكره بها ويثير دفائنها في نفسه، كما يقول أمير المؤمنين علي (ع). ولذلك يؤكد القرآن أن التذكير هو إحدى مهمتي الأنبياء.
 
وهما (التذكير) و(التعليم) يقول تعالى: (فذكّر إنّما أنت مذكّر) (14).
ويقول تعالى إن القرآن تذكرة: (وإنّهُ لتذْكرةٌ للْمتّقينَ) (15).
ويقول تعالى: (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً) (16).
وتأكيد الذكر في القرآن بأنه مهمة الأنبياء والكتب، تأكيد لما ذكرناه من أصالة في نفس الإنسان.
 
8- ويقرر القرآن طائفة من المسائل بالإحالة إلى السويّة من دون حاجة إلى إثبات وبرهان، وهي كثيرة نذكر منها قوله تعالى: ﴿هَلْ يسْتوي الذين يعلمون والذين لا يعْلمون﴾ (17).
ويقول تعالى: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصّالحات كالمفسدين في الأرض أمْ نجْعلُ المتّقين كالفجّار) (18).
 
وهذه الحقائق وغيرها يقررها القرآن ببداهة.
 
ولا يزيد القرآن على التذكير لمن يتذكر من أولى الألباب ممّن لم تفسد فطرته يقول تعالى: ﴿إنّما يتذكّرُ أُوْلوا الألباب﴾ (21).
 
وهذا البيان من القرآن، وهو كثير، ويدل على أن الله في القرآن يعتمد أصلاً في الهداية والتوجيه.
 
والحمد لله رب العالمين.
 

 


1– النحل: 78.
2– البقرة: 151.
3– الغاشية: 21.
4– الحاقة: 48.
5– المزمل: 19.
6– الحجر: 28 – 29.
7– ص: 71 – 72.
8– الأعراف: 172.
9– الشمس: 7 – 8.
10– الإنسان: 3.
11– النحل: 78.
12– القيامة: 1 – 2.
13– الروم: 30.
14– الغاشية: 21.
15– الحاقة: 48.
16– المزمل: 19.
17– الزمر: 9.
18– ص: 28.
19– النمل: 60.
20– فاطر: 3.
21– الزمر: 9.
 

حوار حول الإصلاح والتجديد والإحياء

16 يناير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

1 ـ الإصلاح ـ التجديد ـ الإحياء، كلها مصطلحات تبنّت مشروع الفكر الديني وموضوعاته الحيوية التي تمسّ عمق وواقع الحياة الإنسانية على الأرض. كيف بدأت مسيرة هذه المصطلحات بمدلولاتها نظرياً وعملانياً؟ وهل المطالبات هذه كانت تنظر للتجديد أو الإصلاح في الدين أو في قراءتنا له؟ وقد تنوّعت ردود الفعل تجاه هذه الخطابات والمشاريع الإصلاحية ـ إن اخترنا مصطلح الإصلاح ـ بين مؤيّد بإفراط ورافض بتفريط. من وجهة نظركم كيف أثرت ردود الفعل هذه على عملية التطوير والتغيير في راهن الأمة الإسلامية؟
أغلب الذين طرحوا مشروع الإصلاح في الفكر الإسلامي إنما كانوا يقصدون إصلاح فهومنا وقراءاتنا للمصادر الدينية، أي الكتاب والسنة، فلا يقصد هؤلاء تغيير واقع الدين الثابت أو ما كان ثابتاً من واقع الدين ممتدّاً في الزمان والمكان، وإنما الحديث عن كيفية فهمنا لهذا الدين، وكيفية تفاعلنا مع قيمه ومبادئه، وكيفية تحريك هذه المبادئ والقيم الثابتة في ظلّ العالم المتغير، أي كيفية ربط الثابت بالمتغير، وعدم بلوغ الثبات حدّ الإفراط مما يؤدّي إلى تجميد الحياة المتحوّلة، كما وعدم بلوغ التحوّل حدّ الإفراط بحيث يطيح بكل الثوابت ويجعل القيم والمرجعيات المعرفية للنفس البشرية عرضةً للاهتزاز والصيرورة.
من الطبيعي أن تنطلق حركة الإصلاح؛ لأنّ الأمة كانت في واقع متردٍّ وكانت كلّ المؤشرات تشير إلى تراجعنا على المستوى الثقافي والفكري والاجتماعي والسياسي والحضاري أيضاً، الغرب كان يتقدّم وما يزال ونحن ظللنا نتراجع قروناً وقروناً رغم وجود دول إسلامية كبيرة كالدولة العثمانية، وفي هذا السياق جاءت فكرة إصلاح المسلمين وقراءتهم للإسلام ونظمهم الفكرية؛ لأنّ هناك مشكلة في مكان ما؛ فالذي ينطلق من فكرة الإصلاح يعتقد بأنّ سبب تدهور الحال الإسلامية ليس هو الخارج فقط وإنما هو الداخل أيضاً، ولولا أنّ الداخل يعاني من نقص وخلل ما كان يمكن للخارج أن تكون له هذه القدرة والنفوذ على الداخل، ومن الطبيعي في ظلّ هذا السياق الذي أحاط عملية الإصلاح الديني منذ القرن التاسع عشر.. أن تتعدّد المواقف إزاءه بين مؤيد ومعارض.
وقد لعب تجاذب السلب والإيجاب من الإصلاح الديني دوراً في تطوير الإصلاح نفسه، وفي الوقت عينه إصابته بانتكاسات، والسبب في ذلك أنّ ردود الأفعال السلبية على حركة الإصلاح لم تكن بناءةً دائماً، فلم يكن الخائفون من الإصلاح ليتعاملوا معه من واقع إرادة الترشيد، وإنما في كثير من الأحيان من واقع الرفض والإلغاء؛ لأنّ المعارضين كانوا في الغالب تيارات تواجه الآخر بمقولة الاجتثاث، فتريد أن تلغي وجوده، وهذا ما أدّى إلى صعوبة إثبات الإصلاح الديني نفسه بوصفه مقولة شرعية، فظللنا عقوداً من الزمن نحاول أن نشرعن الإصلاح في الأمة، وحتى ساعتنا هذه لم يقتنع كثيرون بضرورة الإصلاح ولا حتى بشرعيته، فنحن نتصارع منذ قرن ونصف منذ رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني حول شرعية أمر يفترض أنّ شرعيته باتت وراء ظهورنا.
هذا النوع من ردود الأفعال السلبية ـ وليست هذه كلّ ردود الأفعال ـ أدّى أيضاً إلى شيء من ردود الأفعال السلبية المضادّة داخل التيارات الإصلاحية، فلم يكن الإصلاح في بداياته يحمل عناصر سلبية كثيرة، لكنّ طبيعة ردود الأفعال السلبية للغاية واستخدام أساليب القمع والترهيب والإقصاء والنفي والتجهيل في حقّه أدّى إلى ولادة تيارات متطرّفة فيه، وهذا أمر طبيعي أن تولد في ظلّ حالة القمع معارضة سلبية لا تقوم على أسس الحوار السليم، ورويداً رويداً ومع وجود مقوّمات ظهور هذه المعارضة ـ أعني بذلك مثل التيارات الماركسية التي كانت تستطيع أن تغذي أيّ حركة معارضة للدين ـ بدت على المشروع الإصلاحي معالم تطرّف ونتوء، وقد شاهدنا أنّ حالة التطرف هذه أدّت إلى فشل مشروع النهضة الدستورية في بدايات القرن العشرين.
2 ـ كيف أثر تداخل السياسي بالفكري والخلط بينهما مؤخراً على مسيرة المشاريع الإصلاحية؟
لا شك أن الفكرة تحتاج إلى قوّة السياسة بمعناها العام، لكنّ المشكلة أن ارتباط الفكري بالسياسي أخذ أشكالاً متعدّدة، ففي الوقت الذي كان عاملاً من عوامل النهوض والتقدّم كارتباط الفكري بالسياسي في مشاريع أمثال السيد موسى الصدر والأستاذ حسن البنّا والسيد محمد باقر الصدر والسيد الخميني وأمثالهم، حيث كانت السياسة وسيلة لإنفاذ المشاريع الإصلاحية في الأمة، إلا أننا شاهدنا شيئاً فشيئاً أنّ العنصر السياسي بدأ يترك تأثيرات سلبية على الفهم الإصلاحي؛ والسبب في ذلك يعود إلى أنك تارةً تريد أن تسود المفاهيم والقيم الدينية عالم السياسة وأخرى تريد أن تجعل من السياسة عاملاً لفرض الكثير من التحولات حتى في الرؤية الإصلاحية للدين؛ فعندما أقول: إنني أريد أن أديّن السياسة فيجب أن أنتبه إلى أن لا أجرّ ـ من حيث لا أشعر ـ إلى تسييس الدين، فالفرق بين ديننة السياسة وتسييس الدين دقيق جداً. والذي حدث مع بعض حركات الإصلاح الديني أنها عندما كانت تحقّق بعض المنجزات على مستوى امتلاك بعض مواقع النفوذ السلطوي في الحياة الإسلامية كانت تقوم لأجل مصلحة السلطة وبقائها ـ وهي منجز شرعي إيجابي ـ بإجراء تغييرات وأحياناً تلاعب في الصورة المنحوتة للرؤية الدينية عموماً، لمصلحة هذا الواقع السياسي. هذا الأمر ازداد صعوبة وترسّخاً في ذهنية الحركة الإصلاحية الإسلامية عموماً، فبدل أن تكون العلاقة بين السياسي والديني هي علاقة خدمة الآلة ـ أي السياسة ـ للمعرفة وللقيم، أي الدين والفكر، صارت العلاقة جدلية، بل يمكن أن نقول: إنها صارت أكثر من جدلية، أي صار الدين وقيمه ومقولاته في كثير من الأحيان رهينةً للوضع السياسي والمصلحة السياسية، وهذا ما أفقد الثقة بالمشروع الإصلاحي، وأطاح بتلك الصورة الرمزية المقدّسة له.
3 ـ الشهيد محمد باقر الصدر والشهيد مرتضى مطهري ومحمد إقبال والأفغاني ومحمد عبده وغيرهم أسماء لامعة في فضاء المشاريع النهضوية والمطالبة بالتغيير والإصلاح. إلى أيّ مدى استطاع هؤلاء فعلياً وعملانياً أن يغيّروا؟ وهل كان لأصواتهم صدى فعالاً كما يجب أم بقيت كلماتهم كنظريات في طيات الكتب حالها حال الكثير من النظريات التي تنهض بواقعنا؟ وما هي الأسباب الحقيقية وراء تعطيل أو عدم تفعيل هذه النظريات وعدم تبنيها بالطريقة المطلوبة؟
من الجليّ أنّ المشاريع النهضوية والرؤى اللامعة التي طرحها هؤلاء العظماء لعبت دوراً كبيراً في تغيير واقع أمتنا، رغم كلّ الأوضاع السلبية التي تعيشها الأمة، فبالتأكيد هناك مقولات كرّست اليوم بفضلهم بوصفها مسلّمات لم تكن كذلك من قبل، وصار أمرها خلف ظهورنا، وبتنا نضع أرجلنا عليها وننطلق منها إلى مرحلة أعلى، ولا شك أيضاً في أنّ النشاط السياسي الذي لعبه أكثر هؤلاء الذين تقدّمت أسماؤهم لعب دوراً أيضاً في القدرة على وضع المقولات النظرية والفكرية والإصلاحية موضع التنفيذ. لكنّ المشكلة الأساسية فيما أظنّ تكمن في أنّ حركة الإصلاح عندما حقّقت بعض المنجزات على أرض الواقع، فصارت لها أحزابها السياسية وحضورها في المجالس النيابية والبلدية، وفي أجهزة الدولة، أو غدت هي المالكة للدولة برمّتها، وتعاظم نفوذها الاجتماعي والمالي والاقتصادي والروحي، وتحوّلت إلى قوة كبيرة لها مؤسّساتها المدنية وغير المدنية.. عندما حدث هذا الوضع بدأت تعاني من تأرجح بين أن تتقدّم خطوةً نحو الأمام في إكمال المشاريع الإصلاحية وأن تحافظ على الخطوات التي تقدّمت بها.
هذه نقطة مهمة جداً، مثلاً أنت تستطيع أن تبذل جهداً كبيراً في أن تحصّل مقداراً من المال بعد أن لم يكن عندك شيء، ثم بعد أن تحصل عليه تضعف عندك الرغبة في المخاطرة؛ لأنّ المخاطرة حينها تعني أحد أمرين: إما أنك سوف تزداد ربحاً وتتضاعف الأموال التي بين يديك وهذا عامل محفّز للتقدّم إلى الأمام، أو أنّك ستخسر الذي صار بين يديك، وهذا عامل مثبّط يدفعك إلى الوقوف في مكانك.. في العادة وتحت تأثير ذهنيّة أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، يتمّ الإحجام ـ وخاصّة كلّما ارتفع حجم المنجزات السابقة ـ عن القيام بخطوات إصلاحيّة إضافيّة ما دامت المحافظة على المنجزات هدفاً منشوداً، وهذا ما يخلق حالةً من الترنّح، لا بل يصبح أيّ مشروع استمرار في الإصلاح الديني دون إذن مرفوضاً من قبل الإصلاحيين السابقين أنفسهم، وسيتحوّل هؤلاء إلى التيار التقليدي في الأمة؛ لأنهم لن يقبلوا بأن تقوم أيّ مشاريع تغيير وإصلاح من دون إذنهم، إما لأنّ ذلك يلحق الضرر بهم فيتبعون نظام المصالح والمفاسد أو لأنّه يعرّيهم!! وهذا ما أدى إلى ما نراه اليوم من تغييب متعمّد لبعض أفكار هؤلاء الرموز الإصلاحيين الذين جاؤوا في سؤالك؛ لأن إعادة استحضار الكثير من مقولاتهم يحمّل الحركة الإصلاحية مسؤوليات كبيرة ويدفعها للمزيد من الخطوات، الأمر الذي قد لا تكون مستعدّةً له في وضعها الراهن الذي جعلت نفسها فيه؛ لذلك يفضّل في المرحلة الحالية عدم تسليط الضوء على هذه الجوانب المغيّبة التي تستدعي مزيداً من خطوات التقدّم نحو الأمام.
أضف إلى ذلك، أنّ الكثير من النظريات الإصلاحية التي طرحت غلب عليها الطابع الكلياني في حديثها عن المبادئ؛ لأنّ الصراع حينها كان حول المبادئ، فلم تكن قد وضعت خطط ميدانية وتفصيلية وتطبيقية، لهذا نجد غياباً في بعض الأحيان لتطبيق نفس المبادئ الجديدة التي طرحت، مثل ما حصل مع نظريات: المنطق الاستقرائي، والتفسير الموضوعي، وحقيقة معارضة الحديث للقرآن، ونظرية الزمان والمكان وغيرها.
4 ـ من النظريات الهامة والتي لو تمّ تسليط الضوء عليها بشكل فعّال لنهض الواقع الفكري والفقهي بشكل كبير هي نظرية الأسس المنطقية للاستقراء التي طورها الشهيد محمد باقر الصدر كثيراً، لماذا إلى الآن لم يتم الحفر في هذه النظرية وتطويرها والعمل بها خاصة في مجالي الفكر الديني والفقهي؟
يجب أن نعي جيداً بأنّ العلوم الدينية عند المسلمين، بما فيها العلوم النقليّة، بنيت منذ مئات السنين على المنطق الأرسطي، فلا يمكن بيوم أو يومين هدم كلّ هذه البناءات التحتية لإعادة وضع بناء جديد لهذا الصرح الهائل المشيّد. هذا ببساطة كلّ ما حدث، فقد اشتدّ نفوذ المنطق الأرسطي وهيمنة العقل اليوناني حتى في العلوم النقلية كالفقه والأصول، لاسيما في الفكر الشيعي في القرون الهجرية الثلاثة الأخيرة، أي بعد انهيار الحركة الإخبارية، وفي وضع من هذا النوع يغدو من الصعب جداً إحداث زحزحة حقيقية في النظم، ولذلك لم نجد تفاعلاً يذكر أصلاً مع نظرية السيد الشهيد.
يضاف إليه أنّ مثل هذه النظرية ينظر إليها بعين الريبة؛ لأنّ المنطق الأرسطي يعتبر أن الاستقراء بالشكل الذي طرحه الصدر ليس علماً ولا ينتج يقيناً، فرغم اعتراف المنطق الأرسطي بالاستقراء لكنّه رأى أنّه لا ينتج علماً إلا في ظلّ وضع خاص يتحوّل فيه إلى قياس ضمن عملية معقّدة، لهذا يتم التعاطي بشيء من التحفظ مع الاستقراء بالصورة التي طرحها السيد الصدر؛ لأنّ اليقين بالمنطق الأرسطي هو إثبات شيء لشيء، وهذه قضية موجبة، واستحالة سلب ذلك الشيء عنه، وهذه هي القضية السالبة، فعندما لا تكون القضية السالبة موجودة فإنك لن تحصل على يقين، ولم يتمكّن الشهيد في نظريته الاستقرائية أن يؤسّس القضية السالبة التي تعني الاستحالة، وهذا ما سيبقي هذه النظرية بمثابة ثغرة يمكنها هدم بناءات اليقين في الفكر الإسلامي لتفسح المجال لتيارات الشك، وهذه مشكلة إضافية تواجه هذه النظرية في مناخ عقلي يوناني.
العنصر الآخر الذي جعل هذه النظرية مع الأسف الشديد لا تلقى رواجاً هو جيل تلامذة السيد الصدر أنفسهم، فلم يقم أغلب هؤلاء بشيء يُذكر في هذا الإطار سوى بضعة دروس هنا وهناك أو بضعة إشارات، وكثير منها يخضع لمنطق التبجيل والمدح السائد في دراساتنا التراثية، فلم يقم أحد بإكمال المشروع أو حتى تطبيقه تطبيقاً جاداً وفعالاً في العلوم الإسلامية، ولعلّ التطبيقات التي قام بها الصدر قد تكون أكثر من التطبيقات التي قام بها أبناء مدرسته الفكرية.
 
5 ـ بين قراءة النص وفهمه نظرية كبيرة قائمة على قدم وساق بين مختلف الكيانات الحوزوية والثقافية وظهرت الكثير من النظريات حول هذا الموضوع وبعضها تأثر بشكل كبير بما طرح في الغرب حول النص وفهمه. كيف تقرؤون هذه النظريات؟ وهل فعلياً هناك فجوة أو اختلاف بين حقيقة المراد من النص وواقع فهمه من قارئه؟ وكيف يمكن معالجة هذا الموضوع الحيوي الذي يمسّ واقع المسلم وحياته؟ وكيف يمكننا الخروج من واقعنا المستلب من قبل المتأثرين بالثقافة الغربية ونظرياتهم من جهة ومن قبل التقليديين الذين يقدّسون التراث بكل آفاته؟
في الحقيقة، هذا الموضوع موضوع إشكالي على المستوى النفسي، فعندما أفكّك بين الواقع وفهمه، الموضوع والذات، بين الأنا والهُوَ الخارجي.. فأنا أفسح المجال من جهة لتعدّد القراءات وزوايا النظر، كما أفسح من جهة ثانية المجال لاحتمال خطئي، لكنّ نظريّة الفصل بين الشيء وتصوّره تبعد عنّي مجال ملامسة الموضوع الخارجي نفسه، هذه هي المشكلة الأساسية في قراءة الناقدين لهذا المشروع؛ فهم يعتقدون بأنك عندما تفصل بين ما توصّلت إليه في ذهنك وبين الواقع الخارجي، فهذا معناه أنّك تُفقد العقل الإنساني كلّ ضمانات امتلاك الواقع، والذي يحصل على المستوى الإيماني هنا أنّ فقدان الضمانات يضعف روح الاندفاع والحماسة في المؤمن للتماهي مع المقولات الإلهية، ما دام لا ضمان في أن تكون مقولات إلهية حقيقيّة، فهي بالتأكيد فهومنا عن المقولات الإلهية، إذاً فعلى ماذا يضحّي؟! على شيء لا تعلم نسبته إلى الإله أو القرآن؟! على شيء هو أقرب إلى الذات منه إلى الواقع الموضوعي الخارجي؛ لأنني أقول: هذا فهمي للقرآن وليس هذا هو القرآن.
هذه هي المشكلة الأساسية في هذا الموضوع على المستويات الدينية، فإذا استطعنا أن نحلّ عقدها فسوف نحقق المصالحة بين الدين وأهمّ قيم ما بعد الحداثة، ومدخل الحلّ في تقديري يقوم على جماع المعالجتين: النفسية والمعرفيّة، وذلك عبر تعديلنا لمفهوم اليقين باستبدال اليقين الأرسطي باليقين الموضوعي، نستطيع أن ندّعي بأننا نملك علماً يضيء لنا الواقع الخارجي، ورغم أنّ هذه الإضاءة لا تطابق الواقع الخارجي بالضرورة؛ لأنّها تظلّ تحتمل الخطأ، إلا أنّها من النوع الذي لا يلقي في النفس تذبذباً، والسبب هو ترويض العقل على أن لا يبالي عمليّاً بهذا القدر من احتمال الخلاف، أي عندما يكون ضئيلاً جداً، فعندما تحقّق لي المعالجة المعرفية الموضوعية احتمالاً عالياً في إصابة الواقع، يأتي دور العنصر النفسي، الذي يسمّيه الصدر بالتوالد الذاتي، أنا أؤيّد د. عبد الكريم سروش في أنّ السيد الصدر وضع نظرية نفسية، لكن لا أعترف بأنّ هذه النظرية النفسية لا تكفي في المجال الديني، والسبب أنّنا نتعامل هنا مع العقل من موقع إمكاناته بهدف المعرفة للتوظيف والخير، لا المعرفة لأجل المعرفة، ولأنّ مفكّرنا المسلم ما زال مسكوناً بهاجس المعرفة لذاتها لم يتمكّن من هضم العنصر النفسي المشار إليه، إنّ نظرية اليقين الموضوعي هذه تجعل علاقتي بطريقة عمل الذهن وتصويب حركته وتجويد أدائه والرضا عنه بذلك لا فقط بإصابته الواقع، أكثر من علاقتي بتماهيه من الموضوع الخارجي، وهذا ما يمكنه معالجة ظاهرة القلق الموجود عند التيارات المدرسية في ما يتعلق بقضايا اليقين بالأمور الدينية، وبالأخص في المجالات التي يكفي فيها براءة الذمّة والعذر أمام المولى كما في كثير من القضايا الدينية، فنحن نستعين هنا لوضع مدخل لحلّ هذا المعضل بجهود العقل النظري والعملي معاً.
6 ـ هل هناك فجوة بين النصوص الحديثية والنصوص القرآنية في كيفية فهم النص وكيف يمكن إعادة قراءة نصّ الحديث في ضوء الفهم القرآني؟ وهل سيؤثر ذلك على راهن المسلمين وواقعهم الحياتي العملي؟
لا توجد فجوة بين فهم النصوص الحديثية والنصوص القرآنية، فإنّ هذه النصوص بصرف النظر عن مصدرها، جاءت لمخاطبة البشر متنزلةً لمستويات عقولهم، فالنصوص الحديثية والقرآنية يفترض أنّها تتّبع ـ من حيث المبدأ ـ آليات واحدة، لكنّ فهم النص الحديثي في ضوء النص القرآني أو فهم النص القرآني في ضوء النص الحديثي هو الذي يؤدّي إلى اختلاف النتائج. الحالة السائدة اليوم هي أنّ فهم النص القرآني يكون في ضوء النصوص الحديثية، وهذا هو الغالب عند المسلمين من حيث شعروا أو لم يشعروا، أمّا إذا عدّلنا الصورة وقلنا بأنّ فهم النصوص الحديثية يكون في ضوء القرآن الكريم، كما دلّت على ذلك أخبار عرض الحديث على الكتاب، فهذا معناه أن قيمة الحديث لا يكتسبها قبل عرضه على الكتاب؛ ليكون هو الذي يمنح الحديث حجيّته، من هنا نؤسّس لمبدأ مرجعية القرآن في نقد متن الحديث، فلا يصبح الحديث صحيحاً من مجرّد صحّة سنده كما يخيّل لبعضنا في أنّه يحتج بصحّة السند، بل لابد من إثبات صحّة متنه قبل تصحيحه، وأحد الطرق اللازمة لذلك هو عرضه على القرآن، وهذا معناه أنّ القرآن هو الذي يؤسّس للفهم الديني، وهذا ما يساعد على استبعاد كثير من النصوص الحديثية المقلقة إمّا من ناحية تعارضها فيما بينها لكثرة الأحاديث المتعارضة، أو من ناحية عدم انسجامها مع الأصول العامة في الإسلام، وبكلمة واحدة يمكنني القول: إن الكثير من عناصر القلق الموجودة في الأحاديث المبثوثة بين المسلمين ستصبح أقلّ وفقاً لهذه المعيارية القرآنية التي حصلنا عليها، وسندخل في عمليّة صهر لكل متناثر الحديث في البوتقة التي وضعها القرآن الكريم، وسنصبح أقرب لعقل النظرية منّا لعقل التفاصيل غير القارّة؛ نظراً لما يمتاز به القرآن من قواعد عامّة وكليّة.
7 ـ الإصلاح في مناهج الدراسات الحوزوية والذي طالب به الكثيرون، هل هناك فعلياً حراك عملي في هذا الاتجاه أم ما زالت المناهج التقليدية لها الفاعلية الكبرى واليد الطولى؟ وكيف يؤثر ذلك على مشروع إصلاح الفكر الديني برمّته؟
شهد إصلاح مناهج التعليم في الحوزات الدينية حركةً نشطة خلال العقود الأربعة الأخيرة، ولا شك أنّ هناك منجزات كبيرة جداً قد تحقّقت على المستوى الإداري والتنظيمي، لكن مع ذلك ما زلنا نشهد بعض المشاكل القديمة العالقة أو المستجدّة التي تعدّ إفرازاً لمشروع التجديد نفسه، فمثلاً هناك قلق من محاولات تتجه نحو تسطيح المعرفة الدينية، وهذه إشارة أثارها كثير من الناقدين على حركة إصلاح مناهج التربية والتعليم في الأزهر، حيث قالوا بأنّ مشاريع الإصلاح هذه سطّحت المعرفة الدينية وصار خريجو الأزهر بمستوى متردّ من الثقافة الإسلامية والدينية عموماً، يبدو لي أنّ هذه الخشية تسري اليوم إلى بعض المنجزات في تجديد مناهج التعليم عند الشيعة، فالمناهج الجديدة ينتابها الكثير من التقلّب، بحكم مرورها بفترة انتقالية، وهناك تبسيط مبالغ به أحياناً يسيطر على الكتاب الدراسي، وهذا ما يفتح ثغرة لمعارضي التجديد تسمح لهم بشنّ أعنف الهجمات الموثقة هذه المرّة ضدّ هذا المشروع.
المشكلة الثانية أنّ قضية الإصلاح تأخذ في الغالب طابعاً شكلانياً، فغاية الغايات إجراء بعض التعديلات الإدارية والتنظيمية، أو تغيير أساليب العرض والبيان، أما تغييرات جذرية أو حقيقية فنحن حتى الآن لم نجد شيئاً يُذكر من ذلك، ففي علم أصول الفقه مثلاً لم نجد سوى رغبة في إعادة كتابة تلك الأبحاث الأصولية القديمة في شيء من اللغة الواضحة والمنظمة بطريقة حديثة، أمّا القيام بتجديد جذري فلم يحصل، مثلاً لم تدخل إلى الآن إطلاقاً الدراسات الهرمنوطيقية المعاصرة التي تعنى بفهم النصوص، مع ضرورتها العالية كونها تمسّ الأغراض الرئيسة للبحث الأصولي، كذلك الحال في دمج النظريات الاجتهادية الجديدة خلال العقود الأخيرة في الأبحاث الفقهية والأصوليّة، إنّ التطوير في الفكر الاجتهادي يظلّ ـ مع الأسف ـ خارج إطار الدرس الرسمي في الحوزات، فلا تتناوله الكتب الدرسية ولا أبحاث الخارج في العادة، وهذا ما يشي بأنّه سيظلّ متحركاً في مدار مركزه الأفكار الأشدّ تقليديةً، وربما يمكن الاعتذار لذلك بضرورة الانتهاء من المرحلة الأولى للولوج في مرحلة ثانية.
8 ـ هناك آفات واضحة في الخطابات الدينية وفي خطاب المنابر الدينية باتت هاجساً مضراً بواقع المسلمين فمن الخطابات المذهبية إلى الخطابات الطائفية. كيف يمكن أن تؤثر هذه الخطابات الواسعة الانتشار على مشروع الوحدة وما هي العلاجات الناجعة لإعادة بناء خطاب إسلامي عالمي معتدل؟
إذا أردنا تشبيه هذه المشكلة، فانا أشبّهها بما كان يعرف في القرون الإسلامية الأولى بظاهرة القصّاصين، مركز المشكلة أنّ شرائح كبيرة من شعوبنا تسيطر عليها الذهنية الشفوية، والعقل الشفوي يتأثر بالخطاب الشفوي، وهذا الخطاب يعتمد بدرجة كبيرة جداً على القصّة، أي على الخيال، هذا معناه أنّنا ما دامت الذهنية شفويةً فحتى لو استخدمنا القلم سنبقى نتحرّك في مدار المؤثرات الخيالية، وفي هذه الدائرة من الطبيعي جداً أن لا نولّد معرفة حقيقية صارمة، وإنما ثقافة شعبية، ولاسيما عندما نحتكر المعرفة الحقيقيّة في ضمن دوائر مغلقة ونحظر تداولها إلا لفئة محدودة جداً، زعماً منّا أنّنا بذلك نحافظ على الحقيقة نفسها،  هذه هي بالضبط ظاهرة القصّاصين التي حاربها بعض العلماء المسلمين من قبل، وهذا ما يجعل المنبر الشفوي الخيالي أكبر تأثيراً في مجتمعاتنا العربية من رجال الفكر والمعرفة الذين لا يملكون ثقافة شفوية، وإنما ثقافة تدوينية، والثقافات التدوينية هي التي تؤسّس لبناء حضارات.
أحد الحلول الهامّة في هذا الصدد الإعداد على المستوى المنبري، ولاسيما المنبر الحسيني، لمدارس جديدة لبناء كادر يستطيع غزو المنابر بشكل أو بآخر، ويكون ملمّاً بالأساسيات الفكرية لرؤية حركة الإصلاح التغيير في الأمة، علّه يمكن بذلك إيجاد نقلة في الأمّة من الشفويّة إلى التدوينية، إلى جانب إفساح المجال بل والسعي لتداول قضايا الفكر الديني خارج المؤسّسة الدينية؛ لأنّ هذا من شانه أن يعمّم الثقافة التدوينية العلمية.
النقطة الأخرى هي أنّه من الضروري وضع الخطباء المنبريين في حجمهم الطبيعي، وذلك عبر تحريض العلماء والمفكّرين والمجتهدين لنقدهم أمام الملأ وبصورة واضحة، إذ السكوت عنهم هو الذي جعلهم يتصوّرون أنّهم قادرين على قول ما يريدون ولو من غير دليل معتبر في مدارس الاجتهاد الإسلامي العريقة، لقد أخذ هؤلاء موقعاً أكبر من حجمهم الطبيعي بسبب سكوت العلماء في هذا المجلس وذاك عن تصويب حركتهم بطريقة بنّاءة لا تستهدف تشويههم ولا التنقيص من شأنهم، ومن الطبيعي أنّنا نتحدث عهنا عن الحالة الغالبة وإلا ففي الخطباء أنفسهم علماء ومفكرون بارزون والحمد لله.
9 ـ هل فعلياً لدينا أزمة ثقافة أم أزمة مثقف أم كليهما؟ وكيف يمكننا إعادة بناء صياغاتنا الثقافية لحاضرنا حتى نستطيع الولوج الجدّي في إعادة الوجود للحضارة الإسلامية، إذ إنّ الثقافة هي القاعدة الأساسية لأيّ منطلق حضاري فإن انطلقت الحضارة من أسس ثقافية سليمة أصبح بعد ذلك أحدهما يرفد الآخر؟
أعتقد أن لدينا في الفترة الراهنة أزمة ثقافة ومثقف معاً، ولا يمكن الخروج من هذه الأزمة في ظلّ الواقع الراهن، لديّ شيء من التشاؤم العقلي؛ لأنّ الثقافة لا يمكن بترها عن السياقات المحيطة، فما دام هناك استبداد في العالم الإسلامي سياسيّاً واجتماعيّاً وحتى أسريّاً، وما دامت حياتنا قائمة على عدم المشاركة واللاتعددية، في ظلّ كوننا الحلقة الأضعف في العالم، فمن الطبيعي أن يعجز المثقف عن فعل شيء، فالمثقف اليوم يشعر بالكثير من الإحباط، وأنّه لم يعد يملك دوره، وأنّه غير قادر على تحريك ربما عشر معشار الجماهير المسلمة؛ وهذا ما يدعوه إلى الخوف والانزواء وترك المشاريع التغييرية الكبرى، ويولّد مثقفاً مقاولاً، يبحث عن مصالحه الشخصية ويتنازل عن كل تلك القضايا الكبرى التي بات يشعر أنها بلا فائدة ما دام المناخ السياسي والاجتماعي والديني بهذا الشكل الصارم في قمعه وبطشه وظلمه.
هذا الإحباط العقلي لا يفترض أن يقود إلى يأس نفسي، فعلى المثقف أن يعمل في كل الظروف، من هنا ضرورة التداعي لتشكيل جبهة موحّدة لمتنوّري العالم الإسلامي، والانتقال من مرحلة الخطابات المنفردة إلى مرحلة الخطاب الواحد القادر على إيجاد تغييرات ما في حياتنا الإسلامية.
10 ـ هناك أزمة ثقة أو فجوة بين العالم والمثقف مما نتج عنه أزمة حضارة حقيقية هل هناك من معالجات حقيقية لهذه الأزمة خاصة أننا ننظر للمثقف الحقيقي على أنه الجسر أو القنطرة التي تصل بين الناس والعلماء؟
تفسيري لظاهرة الفجوة بين العالم والفقيه أو بين المثقف والفقيه يرجع إلى قضيّة السلطة بالدرجة الأولى والرغبة بالإمساك بها، أعني بالسلطة المعنى الأعم من المفهوم السياسي، فالفقيه يعتقد بأنّ المثقف يلهث خلف السلطة ليمسك قرار الأمّة والجماهير التي يمسكها هذا العالم، والمثقف يعتقد بأنّ هناك احتكاراً للمجتمعات المتديّنة من جانب الفقيه؛ ولذلك نجد المثقف ينتقد فكرة المرجعية والتقليد وولاية الفقيه، وفي الجانب الآخر نجد الفقيه ناقداً للاجتهاد خارج إطار المؤسّسة الدينية. هذا النوع من الخلاف على شكل من أشكال السلطة ـ وليس من الضروري أن يكون بالمعنى السلبي غير الأخلاقي للكلمة ـ هذا الخلاف هو الذي يؤدّي الى تعقّد الأمور، والحل الوحيد بنظري هو أن يقوم كل طرف بالتنازل عن قدر بسيط من رؤاه السلطوية في سبيل إيجاد نوع من المشاركة التي يستطيع من خلالها الطرفان معاً أن يشتركا في اتخاذ القرارات والنفوذ الجماهيري، وهذا ما يحتاج إلى الكثير من الدراسات الميدانية في تفاصيل وآليات صيغة المشاركة بين المثقف والفقيه في إدارة الأوضاع.
11 ـ نحن في محرم وما زلنا نرزح تحت وطأة مسألة حادثة الطف مما ساهم في تصغير حجم الحدث من العالمية إلى المذهبية لتغييب غاياته ومقاصده عن واقع الإنسان بما هو إنسان، ولذلك هناك طريق حافل بالمطالبات لتجديد أو إصلاح أو إعادة بلورة رؤية حقيقية حول الشعائر الحسينية تنسجم مع راهننا وتستطيع أن تملك خطاباً عالمياً إنسانياً يتناسب والغايات التي لأجلها استشهد الإمام الحسين %. كيف تنظرون لهذه المطالبات وهل فعلياً بدأت تخطو عملياً على واقع الأرض؟
من وجهة نظري أنا أؤيد كلّ أشكال المطالبة بإجراء تغييرات وإصلاحات في الشعائر الحسينية والسيرة الحسينية والمنبر الحسيني، لكن بشرط أن لا تؤدّي هذه الإصلاحات إلى إلغاء الجانب العاطفي في التفاعل مع القضية الحسينية؛ لأنّ الذي نفهمه من نصوص أهل البيت سلام الله تعالى عليهم هو الرغبة في بقاء هذا الجانب العاطفي، كما أنّ استمرار الشعائر التي من هذا النوع يكون من خلال البعد العاطفي أكثر من البعد الفكري، إذاً فنحن الآن بحاجة إلى وضع أساسين لتفاعلنا مع القضية العاشورائية: أساس العاطفة المتمثل في البكاء والحزن ومظاهرهما، وأساس العقل المتمثل في الفهم العقلاني للحدث وتوظيفه في إطار الممكن لما فيه المصلحة العامّة بهدف جعله جسراً ومعبراً للنهوض بأمتنا والتأسيس لثقافة النهضة والثورة والراديكالية حينما يحتاج الأمر إلى ثورة ونهضة وراديكالية. وعندما ندمج الفكر بالعاطفة نستطيع أن نحرك العاطفة في إطار القضايا الفكرية الصحيحة، بدل تحريك الفكر بمنهج تأويلي إرضاءً للعاطفة الشعبية، كما نستطيع تحريك الفكر في إطار احترام العاطفة وتقديرها وعدم التعالي عليها أو تسفيهها وتخطّيها، حينئذ يصبح اتّباعنا للإمام الحسين أو تأسّينا به في أن نجاهد كما جاهد، وبدل أن ندمي أجسادنا بأيدينا نقاتل ليدمي العدوّ جسدنا وبهذا يكون الاقتداء الحقيقي والتماهي.
12 ـ هل نحتاج إلى نقد للقراءة التاريخية وهل نستطيع أن نعيد قراءة التاريخ على أساس مقاصدي بمعنى أن ندرس مقاصد الحركات التاريخية من قبل المعصومين حتى نصنع حاضراً على أساس مقاصدية الحراك لنخرجه من دائرة القراءة المذهبية إلى دائرة القراءة الإنسانية؟
المؤسف أن المناخ المدرسي للمؤسّسة الدينية لم يشهد كثيراً ما بتنا اليوم نسمّيه بالقراءة التاريخية للفكر والحدث معاً، فعندما نُدخل الوعي التاريخي للأمور إلى جانب أشكال الوعي الأخرى نستطيع تكوين صورة واقعيّة بعيداً عن الإسقاطات الأيديولوجية.
لكن مشكلة القراءة التاريخية هو الأنموذج الغربي لها، فالمستشرقون مثلاً ومعهم الكثير من التيارات المحدثة يستخدمون المنهج الوضعي في قراءة التاريخ، وهذا المنهج يقصي في العادة أيّ عامل ديني ما فوق تاريخي في تفسير أيّ حدث، وعندما تكون القراءة التاريخية قائمة على الفلسفة الوضعية فمن شأنها حينئذ أن تفتّت كل المقولات الدينية.
لكن نحن بإمكاننا أن نتحدّث عن قراءة تاريخية تحافظ على كلّ عقلانية القراءة التاريخية آخذةً في الوقت نفسه العامل الديني بعين الاعتبار بوصفه عاملاً استطعنا في الدراسات الفكرية الأخرى أن نبرهن عليه وأن نثبته كحقيقة موضوعية؛ فالجمع بين القراءة التاريخية وبين الأساس اللاوضعي لهذه القراءة أو فلنقل الدمج بين الأسس الوضعية واللاوضعية للفهم التاريخي للأحداث من شأنه أن يطلّ بنا على رؤية تتخذ شكلاً مقصدياً لفهم التاريخ الإسلامي بما يتناسب مع البعد العقلاني في فهم هذا التاريخ، ومع المقاصد الذي أرادها الدين من خلال الأحداث التي وقعت في هذا التاريخ الديني أو ذاك.
 
 
المصدر: موقع الشيخ حيدر حب الله www.hobbollah.com
 

 

([1]).نشر هذا الحوار على حلقتين في جريدة الدار الكويتية في عدديها رقم: 614 ـ 615، الصادرين يومي الاثنين والثلاثاء 25 و 26 ـ 1 ـ 2010م



بحث استدلالي في القبلة

14 يناير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

يعتبر وجوب التوجّه إلى القبلة في الصلاة مع الإمكان، من ضروريات الدين، حتى سمي المسلمون: أهل القبلة. وكانت القبلة إحدى الأمور الرئيسية التي تجمع بين المسلمين، وهي الإيمان بالله ورسوله وبالقرآن والصلاة والزكاة والحج والصوم والقبلة… ونحوها.
فما معنى القبلة.
ليست القبلة هي الكعبة المشرفة تماماً، بل هي: جهة الكعبة، مأخوذاً من الاستقبال، يقال، وقف قبالته وقبلته، يعني أمامه وباتجاهه. فالقبلة هي الكعبة الشريفة من هذه الزاوية فقط، وهو الاتجاه إليها في الصلاة وبعض الأمور الأخرى.
على أنهم توسعوا في معنى القبلة، فقالوا: إنها الكعبة لمن كان داخل المسجد الحرام، والمسجد الحرام لمن كان داخل مكة أو داخل الحرم المكي، والحرم المكي لمن كان خارجه، وهو كل الأرض.
وقالوا: إن القبلة هي جهة الكعبة وإن لم يستقبلها المصلي تماماً… وهذا صحيح كما سيأتي. ومع هذه التوسعات، يبتعد معنى القبلة عن الكعبة أكثر، وإن كانت هي أخص مصاديقه.
وعلى أي حال فالاحتمالات في القبلة كما يلي:
الاحتمال الأول: إن القبلة هي الكعبة الشريفة.
وهذا ضروري في الدين، لا يحتاج إلى استدلال، وإن كانت السنة الشريفة ناطقة به. وأما الكتاب الكريم فهو غير واضح به. ولكن يمكن أن يستشعر من بعض آياته.
كقول تعالى: {جعل الله البيت الحرام قياماً للناس} (سورة المائدة/ 97). على أن نفهم من القيام: القيام للصلاة أو ما يعمه ونفهم من البيت الحرام الكعبة كما هو الصحيح. كقوله تعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} (سورة الأنفال/ 35). على أن نفهم على أن هؤلاء المنافقين المشار إليهم في الآية إنما يتبعون السيرة الإسلامية المعتادة بالتوجّه إلى البيت وهو الكعبة، في الصلاة.
الاحتمال الثاني: القبلة هي المسجد الحرام.
وبه نطق الكتاب الكريم. قال تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} (سورة البقرة/ 144). ويقول سبحانه: {ومن حيث خرجت فولّ شطر المسجد الحرام} (سورة البقرة/ 149-150).
وبه نطقت بعض السنة كرواية بشر بن جعفر الجعفي، عن جعفر بن محمد ـ عليهما السَّلام ـ قال: سمعته يقول: البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة للناس جميعاً(1).
ومثلها بعض الأخبار الأخرى، وكلها غير نقية سنداً، على أننا يمكن أن نفهم من المسجد الحرام في الآية الشريفة، الكعبة. ولكنه لا يخلو من بُعد.
فقد يقال: إن الكعبة قبلة بالضرورة والمسجد الحرام قبلة بنص القرآن الكريم. وأما الحرم فالدليل كونه قبلة ضعيف.
الاحتمال الثالث: أن القبلة هي الجهة التي تكون بها الكعبة.
روى محمد بن الحسين بسنده عن زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ أنه قال: لا صلاة إلاَّ إلى القبلة. قال: قلت: وأين حد القبلة. قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة كله(2).
وحسنة أبي هاشم الجعفري، قال: سألت الرضا ـ عليه السَّلام ـ عن المصلوب (إلى أن قال): وإن كان قفاه إلى القبلة فقم على منكبه الأيسر. فإن بين المشرق والمغرب قبلة.
وإن كان منكبه الأيمن إلى القبلة فقم على منكبه الأيمن(3).
إلاَّ أن في هذه الأخيرة بعض النقاش، لأنه يقول: (وإن كان قفاه إلى القبلة) (وإن كان منكبه الأيمن إلى القبلة) إذن فهو يسلّم بالقبلة التي يراها المتشرعة، فيبقى قوله (فإن بين المشرق والمغرب قبلة) محمولاً حال على الضرورة.
وأما الرواية الأولى، فلا يبعد أن تكون تامة سنداً ودلالة. ولكن يبقى النظر في نسبتها إلى الأدلة الأخرى.
الاحتمال الرابع: إن كل الجهات قِبلة.
آخذاً بقوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله). وهذا صحيح.
ألاَّ أنه من المؤكد فقهيّاً، إنه ليس مع العلم والاختيار. وإنما هي قبلة المتحير الذي لا سبيل له إلى معرفة القبلة. ودلّت عليه بعض الأخبار الصحيحة.
منها صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ أنه قال: يجزي المتحير أبداً أينما توجّه. إذا لم يعلم أين وجه القبلة(4).
وقوله (أينما) بمنزلة الفاعل ليجزي. وكل الجملة جواب الشرط متقدم لقوله إذ لم يعلم.
وصحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ عن قبلة المتحير، قال: يصلي حيث يشاء(5).
وتمحيص المهم من هذه الاحتمالات يتم خلال العناوين الآتية:
القبلة هي الحيّز:
فالقبلة هي حيّز الكعبة، وليس بناؤها القائم، فلو انهدم البناء، لا سمح الله تعالى، لم تنعدم القبلة. وهذا واضح بضرورة الفقه.
ارتفاع القبلة:
للكعبة المشرفة طول وعرض وعمق. أما طولها وعرضها الموازيين للأرض، فلا يجوز الزيادة عليهما من كل جهة مع الصلاة قريباً من الكعبة نسبياً.
وأما عمقها أو ارتفاعها، فلا حدّ له. ومن هنا نقلوا الإجماع والتسالم على أن الكعبة قبلة من تخوم الأرض إلى عنان السماء.
ولا بدّ أن يقصد من تخوم الأرض: الطبقة الأرضية القابلة للسكنى من وجه الأرض… إلى نهاية هذه الطبقة. أما الطبقة الحارة الداخلية، فلا معنى لسكناها، ومن ثم لا معنى لجعل القبلة فيها. ولكن لا يبعد صحة الصلاة هناك مع إمكان النزول إليها بجهاز مثلاً. وعندئذ تكون الكعبة قد وصلت إلى هناك.
ولا بدّ أن يقصد عنان السماء مقدار الجو الطبيعي حول الأرض. بمقدار ما يمكن أن تصعد إليه البيوت والطائرات أيضاً، وكذلك الصلاة فوق الجبال العالية أو في المناطيد أو غيرها.
وأما إذا خرجنا من الجو، كالصلاة في القمر الصناعي الدائر حول الأرض، فمن الصعب أن نقول بارتفاع الكعبة إلى ذلك الحد، لأن العرف لا يهضمه ولا يفهمه. بل لابدّ له من التوجّه إلى بناء الكعبة مع الإمكان.
والدليل على هذا الذي قلناه، هو الإجماع والتسالم بين الفقهاء والمتشرعة أيضاً وعليه السيرة القطعية من زمان الأئمة بدون نكير.
وأما إذا تجاوزنا ذلك، لم نجد في السنة ما يسعفنا فقد وردت روايتان ضعيفتان خاصتان بجانب الارتفاع دون الإشارة إلى جانب الانخفاض (أعني تخوم الأرض)… الأمر الذي يجعل كلا الجانبين بلا دليل.
إحداهما ما عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ـ عليه السَّلام ـ قال: سأله رجل قال: صليت فوق أبي قبيس العصر فهل يجزي ذلك والكعبة تحتي. قال: نعم إنها قبلة من موضعها إلى السماء(6).
نعم، يمكن التمسك بالأدلة الدالة على اعتبار الجهة دون شخص الكعبة، وسنذكر مختصراً لها فيما بعد… على اعتبار أنه كما يمكن التوسّع في الجهة عرضاً كذلك يمكن التوسّع في الجهة طولاً، إلاَّ أن هذا لا يخلو من نقاش.
وأما سيدنا الأستاذ فهو يرى أن الاستقبال يتم بخط مائل وأوضح ما يرد عليه من الإشكالات بعد كونه خلاف الإجماع والسيرة: إن الخط المائل قد لا يُسعف في صدق الاستقبال، كما لو كان المكان قريباً من الكعبة نسبياً وعالياً جداً، بحيث يكون الخط المائل الوهمي شديد الانحدار. فعندئذ لا تكون المقابلة العرفية صادقة قطعاً. حتى لو قلنا بصدق التوسّع في الجهة من جانب الارتفاع مع العلم بصحة الصلاة قطعاً.
وأما لو اعتبرنا ارتفاع الكعبة نفسها، كانت المقابلة متحققة، يعني للجزء المعنوي المرتفع من الكعبة.
القبلة هي الجهة:
وهذا الحكم في الجهة، أعني عدم وجوب مقابلة شخص القبلة، بل مقابلة الجهة التي تكون فيها… هذا الحكم يكاد أن يكون من القطعيات فقهياً ومتشرعياً، وإن خالف فيه بعض الفقهاء ولو من باب الاحتياط.
ويمكن الاستدلال على ذلك بوجوه:
الوجه الأول: السيرة القطعية الخالية عن النكير، بل ما يسندها موجود، كما يأتي في الوجوه الآتية، وخاصة الوجه الأخير منها.
وتتلخص السيرة بعدم التدقيق بالتوجّه إلى القبلة في البلدان المختلفة التي كانت تحت حكم الإسلام في عصر الأئمة المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ.
ولم نجد منهم ـ عليهم السَّلام ـ أمراً بالتدقيق، كما لم نجد أمراً بالنهي عن التسامح، ولا في دليل ضعيف واحد. بل وجدنا أدلة تدعم التسامح كما سوف يأتي في الوجه الخامس من جعل الشمس على الحاجب الأيمن والجدي بين المنكبين وغيرها.
وقد كان الأئمة ـ عليهم السَّلام ـ يناقشون أصحابهم في شكل صلاتهم من حيث السرعة وقلة الخشوع ونحوها. ويوجهونهم نحو صلاة متكاملة. ولكنهم لم يناقشوا ولا مرة واحدة عن شكل التوجّه إلى القبلة. إذ لو كانوا قد ناقشوا لوردنا من ذلك، ولو خبر ضعيف لم يرد.
الوجه الثاني: الفهم العرفي الواضح في صدق التوجّه إلى الشيء من بُعد، وإن لم يحصل التوجّه الحقيقي نحوه، فلو أخرجنا خطأ مستقيماً من الفرد إلى الشيء الآخر لم يلتصق به، ولكنه يصدق عرفاً التوجّه إليه.
فالتوجّه إلى القطب الشمالي عرفاً ليس إلاَّ الوجّه إلى جهة الشمال، والتوجّه إلى قبرص من العراق ليس إلاَّ التوجّه إلى الغرب وهكذا.
وهذا يعني، إن التوجّه صادق حتى لو كان الخط المرهوم المشار إليه بعيداً عن الشيء الآخر.
نعم، للعرف أن يدقق أكثر من ذلك، فيختار من جهة الشمال وسطها التقريبي، فيعتقد أنه متوجّه إلى القطب بدقة. فهذه الدقة هي أقصى ما يستطيعه العرف وهو أمر في أي توجّه بعيد.
وكلما قلّت المسافة قلّ التسامح العرفي.
الوجه الثالث: إن اتساع الدائرة الهندسية تقتضي ذلك.فلو جعلنا الشيء ـ كالكعبة ـ في مركز دائرة كبيرة، تشمل الأرض كلها، كان الوجه إلى مركزها أوسع كلما ابتعدنا، يكفي أن نفهم هندسياً بوضوح أن الدرجة الهندسية تتسع بسعة محيط الدائرة، أو بطول قطرها ـ وهما تعبيران عن شيء متشابه بهذا الصدد ـ.
فلو كان قطر الدائرة متراً كانت الدرجة سنتمتراً مثلاً. وأما لو كان قطرها كيلو متراً لكانت الدرجة متراً كاملاً. فكيف لو كانت الدائرة أوسع من ذلك بكثير.
فلو كان مصليين متباعدين مئة كيلو متر مثلاً، لشكل توجههما نحو الكعبة مثلثاً حاد الزاوية، لو كان توجههما دقيقاً نسبياً.
وقد يستشكل: أن هذا الاستدلال ينتج ضد المطلوب، لأنه ينتج وجوب الدقة في الاستقبال إلى مركز الدائرة، وليس التسامح.
وجواب ذلك: أن هذا الإشكال بالدقة وإن كان صحيحاً إلاَّ أننا يمكن أن نفهم من الأدلة الشرعية أن المركز واسع إلى حد الكفاية. وليس المركز كنقطة هندسية صغيرة. ومع اتساع المركز يتسع التوجّه بطبيعة الحال.
على أنه يمكن أن يقال أيضاً: إن اتساع الدرجة بالبعد يعطي فكرة عن اتساع جهة التوجّه بالفهم العرفي.
غير أن هذا الجواب يرجع بنا إلى الحاجة إلى ضم الوجه الثاني، كما أن الفكرة الأسبق منه، ترجع بنا إلى الحاجة الوجه الخامس الآتي. فلا يكون وجهاً مستقلاً.
الوجه الرابع: الروايات الدالة على ما بين المشرق والمغرب كله قبلة، وقد سمعنا نموذجاً منه. إلاَّ أنه يتوقف على تماميتها سنداً ودلالة وهو غير بعيد.
وهي تعين القبلة في وجه واسع جداً، قلما يفتي به الفقهاء، فتكون المقادير الكبيرة من الانحراف عن القبلة، مما يكون محلاً لأغراض الفقهاء عن هذا الدليل، فلا يكون حجة، بهذا المقدار.
ولو تمت أمكن الفهم الموسع منها. فمن كانت قبلته إلى الجنوب التقريبي كفى توجّهه إلى ما بين المشرق والمغرب. ومن كانت قبلته إلى الشرق كفى توجهه إلى ما بين الشمال والجنوب وهكذا.
الوجه الخامس: التمسك بالأدلة الآتية المروية عن المعصومين سلام الله عليهم، في تعيين سمت القبلة للجاهل بها كالاعتماد على الجدي أو على الشمس أو نحو ذلك. مما يعطي دلالة واضحة على التسامح بالمقدار العرفي في التوجّه إلى القبلة. غير أن بعض أسانيد تلك الأدلة قابلة للمناقشة كما سيأتي.
وبعد أن عرفنا الاكتفاء من القبلة بالتوجّه إلى الجهة لا إلى شخص الكعبة، كما عرفنا أنه لا يمكن أن يكون ما بين المشرق والمغرب كله قبلة، فماذا يبقى في اليد من ذلك. أو قلّ ما تكون نتيجة هذه الأدلة الخمسة.
وينبغي الالتفات أولاً أننا ينبغي أن نحسب حساب الاتجاه الدقيق نسبياً للكعبة، ثم ننظر أن الوجوه السابقة كم تقتضي من التسامح فيها.
والوجوه التي قيلت في ذلك متعددة.
الوجه الأول: وهو المشهور على ألسِنة الفقهاء، وخاصة المتأخرين منهم. إن الفرد يستطيع أن يتيامن أو يتياسر بمقدار شبر عن القبلة الدقيقة في محل سجوده.
وهذا لا شك داخل تحت الأدلة السابقة ومشمول لحجية استقبال القبلة، وإنما يبقى السؤال عما هو الأكثر منه.
الوجه الثاني: أنه لا يضر الانحراف بمقدار ثلاثين درجة.
قال عنه في المستمسك، وقد ذكر بعض مشايخنا… أن قوس الاستقبال من دائرة الأفق نسبته إليها نسبة قوس الجبهة إلى مجموع دائرة الرأس. ولما كان الغالب أن قوس الجبهة خمس من دائرة الرأس تقريباً، فقوس الاستقبال من دائرة الأفق خمس تقريباً الذي يبلغ اثنين وسبعين درجة. وعليه فلا يضر الانحراف ثلاثين درجة تقريباً.
وعلّق عليه في المستمسك: ما ذكره مما لا يشهد به عرف ولا لغة، ولا تساعده كلماتهم. فاستظهاره من الأدلة غير ظاهر الوجه.
أقول وهذه مناقشة للأصل الموضوعي، وهو أن نسبة دائرة الأفق كنسبة دائرة الرأس. وهناك أمور أخرى قابلة للمناقشة. فلو حصلنا على خمس دائرة الأفق (72) درجة، فكيف حصلنا على الثلاثين درجة، وهي ليست خمس ذلك الرقم ولا نصفه، وليس له إليه نسبة ذات نتيجة محددة فقهيّاً.
وعلى أنه لو أراد إمكان الانحراف عن القبلة من كلا الجهتين ثلاثين درجة، فيكون مجموع القبلة ستين درجة، فهذا كثير جداً ومخالف للاحتياط جداً. نعم لو كان مراده هو أن مجموع التسامح من كلا الجهتين ثلاثين لكان قريباً من الفهم العرفي، ومن الممكن الموافقة عليه. إلاَّ أن ظاهر كلامه هو الأول.
الوجه الثالث: ما نقل عن المقداد السيوري قده. أنه قال أن القبلة: أنها خط مستقيم يخرج من المشرق والمغرب الاعتداليين ويمر بسطح الكعبة. فالمصلي يفرض من نظره خطاً يخرج إلى ذلك الخط. فإن وقع على زاوية قائمة فذلك هو الاستقبال.
وأن كان على زاوية حادة أو منفرجة فهو إلى ما بين المشرق والمغرب.
وهذا الكلام قائم على افتراض أن نقطة المشرق والمغرب الاعتداليين محددة في الواقع تماماً ودقيقة. وهذا قد يكون له نوع من الصحة لأنه هو الوسط ما بين المدارين. إلاَّ أنه عندئذ يمر الخط المفتوح بخط الاستواء لا بسطح الكعبة المشرفة، لأن وسط المدارين هو خط الاستواء نفسه.
وعلى أي حال، فالافتراض الآخر، وهو تعامد خط القبلة على الخط الأول بزاوية قائمة. إنما يصح فيمن كانت قبلته إلى الشمال أو الجنوب تماماً. ولا يصح في غير بلاد الله على الإطلاق كما هو واضح.
الوجه الرابع: إن المفترض أن المصلي في مركز دائرة، وهو متجه إلى الكعبة تماماً. وكلما اتسعت الدرجة في البعد كان ذلك استقبالاً معتبراً مشروعاً.
قال في المستمسك في شرحه، والظاهر أنه مختاره: ومعيار الاستقبال على النحو المذكور أن ينظر المصلي إلى قوس من دائرة الأفق يكون بحسب نظره ـ بعد التأمل والتدقيق ـ مستقبلاً لجميع أجزائه. ثم يفرض خطين يخرجان من جانبيه إلى طرفي القوس. فكل ما يكون في هذا الانفراج فهو مستقبل ـ بالفتح ـ ولما كان هذا الانفراج يضيق من جانب المصلي ويتسع من جانب القوس فكلما يكون المستقبل ـ بالفتح ـ من جانب المصلي أقرب تكون المحاذات أضيق، وكلما كان أبعد كانت المحاذات أوسع.
وهذا الوجه وإن كان ينتج اتساع الجهة باتساع الدائرة… إلاَّ أنه لا ينتج اتساع جهة الاستقبال. فلو فرضنا أن المصلي انحرف في صلاته ولو قليلاً عن جهة (التأمل والتدقيق) على حد تعبيره. لضاع هذا الوجه كله، وأصبحت جهة محاذاته شيئاً آخر غير الكعبة. مع أنه لا تأمل في صحة صلاته عندئذ.
الوجه الخامس: إنه لا تحديد لجهة القبلة بالضبط، بل هو موكول إلى العرف وسيرة المتشرعة كما عرفنا مما سبق.. كذلك لا تحديد لمقدار الانحراف. بل إن مقدار الانحراف عن الكعبة الدقيقة لو صحّ التعبير، إنما هو بمقدار ما يوافق عليه العرف والمتشرعة. وهو أمر تقريبي وليس دقيقاً طبعاً.
والمهم أن يوافق العرف والمتشرعة، أن هذا الفرد متوجه إلى القبلة إجمالاً. وهذا يكفي. وهذا لا يحتاج إلى سؤال أحد، بل يكفي أن يجده الإنسان في وجدانه بصفته أحد أفراد العرف وأحد أفراد المتشرعة.
ولعل التحديد بالانحراف بمقدار شبر من كلا الجانبين. تعبير آخر عن ذلك. وإن كان احتمال إمكان الزيادة قائم فعلاً، إلاَّ أنها كلما زادت كانت أكبر في مخالفة الاحتياط. مع التعمد طبعاً لا مع الجهل والنسيان. فإن ذلك له حكمه. وهذا الوجه الخامس هو الصحيح.
وهذا الوجه ينتج أيضاً اتساع جهة المحاذات بالبعد، لكن بمقدار ما يوافق العرف والمتشرعة على صدق الاستقبال.
كما أن هذا الوجه صادق على كل مناطق العالم، كما هو واضح لمن يفكر. لا يستثني منه إلاَّ المنطقة المقابلة للكعبة تماماً أو عرفاً من الجانب الآخر للكرة الأرضية، والتي نتحدث عنها في عنوان مستقل.
القبلة في الجهة المقابلة:
قالوا: إن المصلي لو كان في الجهة المقابلة في الكرة الأرضية للكعبة المشرفة تقريباً. فإن كان يعلم أن أحد الخطين أو الخطوط أقصر، وجب عليه التوجّه به والصلاة على طبقه.
وأما إذا علم أنه بالجهة المقابلة تماماً، بحيث تكون الخطوط من حوله والتي تصل إلى الكعبة بطول واحد، كان مخيراً في أن يصلي إلى أي جهة شاء، فإنه يكون على أي حال مستقبلاً للقبلة.
وهذا الكلام كله صحيح تماماً، مع مراعات الفهم العرفي. يعني ـ مثلاً ـ، لو كان المصلي في الجهة المقابلة للكعبة بالفهم العرفي، وكانت الخطوط كلها بطول واحد بالفهم العرفي لا بقياس الأمتار. أمكن له أن يتوجه إلى أي جهة شاء.
القبلة في الكعبة المشرفة:
ونعني به الصلاة داخل الكعبة أو فوق سطحها. والفكرة نظرياً فيهما واحدة. وهي أن يضع المصلي قسماً من حيّز الكعبة أمامه ويصلي. أما إذا خالف ذلك بمعنى أنه سجد في نهاية حيّز الكعبة، فسوف يستقبل الفضاء الخارجي ولن يكون مستقبلاً للكعبة، أو لأي جزء من أجزائها.
وكلا هذين مشتركان أيضاً في فكرة أخرى، وهي الاكتفاء بقسم من حيّز الكعبة، ولا ضرورة إلى التوجّه إلى جميعها. ولو التفتنا فإن المصلين جميعاً كأفراد يستحيل أن يتوجهوا إلى كل الكعبة بل إلى جزء من حيّزها طبعاً. فكفاية ذلك ينبغي أن يكون مسلماً فقيهاً، مع التسليم واليقين بصحة الصلاة في الكعبة المشرفة.
ولكن يبقى هناك فرقان بين الصلاة في الداخل والصلاة على السطح:
الفرق الأول: إن الصلاة في الداخل يكون لا محالة متوجهة إلى جدار من جدران الكعبة، وهي تمثل بعض حيّزها طبعاً. في حين أن سطحها بلا جدران فقد يفكر المصلي أن يسجد في نهاية السطح بحيث يستقبل الفضاء كما قلنا، فتفسد الصلاة. ولكن هذا الاحتمال غير وارد في داخل الكعبة إلاَّ من جهة الباب.
الفرق الثاني: أنه من المسلم فقهيّاً أن المصلي يصلي قائماً في داخل الكعبة. وأما من يصلي على السطح، فالصحيح أنه يصلي قائماً كذلك. ولكن هناك قول بأنه يصلي مستلقياً ووجه إلى السماء، بالإيماء للركوع والسجود.
وقد وردت في ذلك رواية عن عبد السلام بن صالح من الرضا ـ عليه السَّلام ـ في الذي تدركه الصلاة، وهو فوق الكعبة. قال: إن قام لم يكن له قبلة. ولكن يستلقي على قفاه ويفتح عينيه إلى السماء ويعقد بقلبه القبلة التي في السماء البيت المعمور. ويقرأ. فإذا أراد أن يركع غمض عينيه، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فتح عينيه، والسجود على نحو ذلك(7).
ولو كانت معتبرة سنداً لوجب الأخذ بها، بغض النظر عن المناقشات في مضمونها، فإنها تكون أخص من أدلة الأجزاء والشرائط. وأما مواجهة البيت المعمور، فنوكل علمه إلى أهله. ولكنها غير معتبرة سنداً.
وقوله: إن قام لم يكن له قبلة، مبني على أنه يسجد مواجهاً للفضاء أو عدم الاكتفاء بجزء من حيّز الكعبة(8). غير أننا قلنا أن الاكتفاء بجزء من الحيّز قطعي وشامل لكل المصلين.
علامات القبلة:
والمهم فيها فقهياً تحصيل الاطمئنان بالتوجّه إلى الجهة العرفية للقبلة. وإلاَّ فإن الأدلة الدالة على ذلك في السنة الشريفة غير معتبرة. إلاَّ أن الاطمئنان حجة معتبرة.
والعلامات عديدة:
العلامة الأولى: الجدي.
الجدي هو النجم الثابت فوق القطب الشمالي الجغرافي. وقد وردت في استعماله كعلامة على القبلة عدة روايات.
منها: ما عن إسماعيل بن أبي زياد عن جعفر بن محمد ـ عليه السَّلام ـ عن آبائه ـ عليهم السَّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله ـ: وبالنجم هو يهتدون. قال: الجدي. لأنه نجم لا يزول وعليه بناء القبلة ، وبه
يهتدي أهل البر والبحر(9).
وعن محمد بن مسلم عن أحدهما ـ عليهما السَّلام ـ: قال سألته عن القبلة، فقال: ضع الجدي في قفاك وصله(10).
وروى محمد بن علي بن الحسين قال: قال رجل للصادق ـ عليه السَّلام ـ: أني أكون في السفر ولا أهتدي إلى القبلة في الليل. فقال: أتعرف الكوكب الذي يقال له جدي. قلت: نعم. قال: أجعله على يمينك. وإذا كنت في طريق الحج، فاجعله بين كتفيك(11).
ولو تمت هذه الأخبار سنداً لأعطتنا سعة في الفهم:
أولاً: إنه لا خصوصية للجدي، وإنما يستعمل (لأنه نجم لا يزول) إذن، فكل شيء ثابت من نجم أو غيره يمكن استعماله في التوجّه إلى القبلة.
ثانياً: إن استعمال الجدي ـ أو غيره ـ ليس على شكل واحد. بل بالمقدار الذي تعلم بوجود القبلة إجمالاً. فيكون استعماله تحديداً أكثر نسبياً، فمرة في القفا ومرة يميناً وهكذا.
ثالثاً: إن العلامة وكذلك ما يأتي من غيرها تدل ـ كما قلنا فيما سبق ـ على الاكتفاء بالجهة وجواز ترك الدقة في التوجّه إلى القبلة.
رابعاً: إنه في المورد الذي لا نعلم جهة القبلة أصلاً لا يمكن استعمال هذه العلامات. كما لو كان الفرد لا يعلم أنه في أي منطقة من مناطق الأرض هو الآن. وإن كان هذا الفرض بعيداً جداً.
وقد يخطر في البال: إن الجدي يعني الشمال، كما أن الشرق والغرب يعينان جهتيهما. فقد يمكن استعمال الجهات لمعرفة القبلة.
وجوابه: إن هذا متوقف على المعرفة الإجمالية للقبلة، وإنها إلى جهة الجنوب مثلاً. فلو كانت القبلة ضائعة على الفرد تماماً… لم تفد حتى معرفة الجهات.
ولكن حيث أن هذه الأخبار غير تامة سنداً، فالمهم هو تحصيل الاطمئنان بالتوجّه العرفي والمتشرعي للقبلة. وإن كان يمكن أن يقال: إنها أعني الأخبار أقرب إلى الاعتبار لأنها متعددة أولاً، ومعمول عليها من قبل المشهور ثانياً.
إلاَّ، أن هذا ليس له أثر عملي، لأن استعمال هذه العلامات ستكون حجة في القبلة للاطمئنان، ولو بدون هذه الأخبار. وافتراض حجيتها بما دون الاطمئنان ليس عملياً، لأن هذه العلامات منتجة للاطمئنان لا محالة.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أن العلم بجهة القبلة إجمالاً ضروري في استعمال هذه العلامات. فالفرد قد يعلم أن القبلة في الجنوب أو في الشمال أو في الشرق أو في الغرب. ولا حاجة إلى أوضح من هذا العلم، كالعلم بأنها في الجنوب الغربي مثلاً. وإن كان لو علم الفرد ذلك، لكانت الدقة في الاستقبال أكثر، مع استعماله للعلامة.
فهنا ـ على أي حال أربع صورـ:
الصورة الأولى: أن يعلم أن القبلة في الجنوب إجمالاً. فيضع الجدي وراء ظهره أو بين كتفيه كما جاء في الخبر.
الصورة الثانية: أن يعلم أنها في الشمال إجمالاً، فيضع هذا النجم أمامه.
الصورة الثالثة: أن يعلم أنها في الشرق فيجعله على يساره.
الصورة الرابعة: أن يعلم أنها في الغرب، فيجعله على يمينه.
وأما التدقيق أكثر من ذلك، فكما يلي:
أولاً: إن هذه الأخبار كالصريحة بعدم الحاجة إليه. إذ لو كان التدقيق لازماً لقيل بوجوب جعل الجدي من الجهة اليمنى من ظهره مثلاً. وهكذا.
ثانياً: إنه لا دليل أساساً، كما عرفنا على وجوب التوجّه أكثر من هذا المقدار.
ثالثاً: أن هذا الذي يستعمل هذه العلامات، له درجة من الجهل بالقبلة، فإذا استعملها بقي جاهلاً بالتدقيق طبعاً. فيكون معذوراً. وسيأتي أن قبلة الجاهل ما بين الشرق والغرب. فتصح صلاته على أب حال.
العلامة الثانية: استعمال الشرق والغرب أو أحدهما، نهاراً. كما كان استعمال الجدي ليلاً.
ومع رؤية الشمس لا يحتاج الالتفات إلى تعيين الشرق والغرب إلى تفكير زائد. إلاَّ إذا كانت في وسط النهار، فيحتاج إلى شيء من الانتظار ليعرف أنها تتجه إلى أي جهة لتكون هي جهة الغرب.
ومع معرفة الشرق أو الغرب. يمكن فرض تعيين القبلة، كما في الصور الأربعة التالية.
الصورة الأولى: أن يعلم أن القبلة في الجنوب إجمالاً. فيضع الشرق على يساره أو الغرب على يمينه.
الصورة الثانية: أن يعلم أنها في الشمال إجمالاً، فيضع الشرق على يمينه أو الغرب على يساره.
الصورة الثالثة: أن يعلم أنها في الشرق فيتوجّه إليه، أو بتعبير آخر يجعل الغرب خلفه.
الصورة الرابعة: أنها في الغرب إجمالاً، فيتوجّه إليه ويجعل الشرق خلفه.
العلامة الثالثة: استعمال الشمس، وهي في وسط السماء. والمهم أن تكون عند الزوال، ولا يهم أن يكون قبل ذلك أو بعده بربع ساعة أو نحوها. فإنه مما لا يضر بالتعيين عرفاً.
وهذه العلامة فيها نقطة قوة ونقطة ضعف عن سوابقها.
نقطة القوة: إنها أدق تعييناً، كما سنرى، إذ لم يصدف في تلك العلامات أنها عينت القبلة في مثل الجنوبي الغربي مثلاً. ولكن هذه العلامة قادرة على ذلك، كما سنرى.
ونقطة الضعف: إنها لا تشمل كل العالم، ولا تشمل كل الجهات. بل تختص بما إذا علم الفرد أن القبلة في الشمال أو علم أنها في الجنوب. وأما لو احتمل وجودها في الشرق أو في الغرب فلا تصلح دلالتها على ذلك.
وعلى أي حال فهذه العلامة لها ست صور:
الصورة الأولى: إذا علم الفرد نفسه في الشمال الشرقي من مكة المكرمة، بمعنى واسع، كالعراق مثلاً، فإنه يجعل الشمس فوق حاجبه الأيمن.
الصورة الثانية: إذا علم أنه في الشمال الغربي من مكة المكرمة، كقبرص، فإنه يجعل الشمس فوق حاجبه الأيسر.
الصورة الثالثة: إذا علم أنه في شمال مكة المكرمة تماماً، أعني بالفهم العرفي، فإنه يجعل الشمس فوق أنفه بين حاجبيه.
فهذه ثلاث صور مذكورة في كلمات بعض الفقهاء. والصور الثلاثة الأخرى عكسها:
الصورة الرابعة: ما إذا علم الفرد نفسه في الجنوب الغربي من مكة المكرمة كالسودان، فإنه يجعل الشمس من الجهة اليسرى من ظهره.
الصورة الخامسة: إذ علم أنه في الجنوب الشرقي كحضرموت فإنه يجعل الشمس من الجهة اليمنى من ظهره.
الصورة السادسة: إذا علم أنها في الشمال تماماً، وأنه في جنوب مكة تماماً كصنعاء، فإنه يجعل الشمس وسط ظهره.
إلاَّ أن هذا يتوقف على محل وجود الشمس على مدار السنة. فإن كانت صاعدة إلى مدار السرطان، كانت الصور الثلاثة الأخيرة لاغية ولا معنى لها. لأن الشمس عندئذ تكون قرب مكة نسبياً، فلابدّ في كل المناطق السابقة من استقبالها أعني الشمس بالوجه بأحد الصور الثلاثة الأولى.
وإن كانت الشمس نازلة إلى مدار الجدي، كانت الصور كلها صادقة. إلاَّ اللذين هم على جنوب هذا المدار، فتكون الصورة الأولى فقط صحيحة عليهم.
نعم، في البلدان التي بين المدارين، في الأيام التي تتعامد عليهم الشمس، في أي يوم من أيام السنة، فمن الصعب تطبيق هذه العلامة بصورها الستة. ولكن يهون الخطب أنه يمكن تطبيقها، بعد خروج هذا اليوم بحوالي أسبوع، ثم العمل على نتيجة ذلك.
ولكن ينتج من ذلك أن الفرد لو علم نفسه في تلك المناطق، وشك في تعامد الشمس، لم تكن هذه الحجة علامة فيه، لأن يكون من قبيل الشبهة المصداقية لهذا الشرط.
العلامة الرابعة: للقبلة:
الاعتماد على وجود الشمس فوق مكة المكرمة عندما ينعدم الظل فيها. فإنها تقع جنوب مدار السرطان بعدة كيلو مترات، فتمر الشمس عليها في طريقها إلى المدار وعند نزولها عنه. فينعدم الظل فيها مرتين في السنة، لكن المرتين متقاربتان نسبياً.
فإذا علم المكلف من بعض المصادر الموثوقة ذلك اليوم المعين، أياً من اليومين كان، أمكن له أن يتوجّه إلى قرص الشمس نفسه ويصلي فإنه متوجه إلى القبلة.
وهنا ينبغي أن نلاحظ أن مكة المكرمة يجب أن تكون عند نصف النهار. وأما المناطق الأخرى فيمكن أن تكون في أوقات مختلفة وإن لم تكن في أوقات الصلاة بالتعيين، ولو كانت الشمس عندهم في الأفق أو تحت بقليل شرقاً أو غرباً. نعم في المناطق التي يسودها الليل لا يمكن تطبيق هذه العلامة.
ويمكن أن نلتفت أنا إذا أردنا الدقة لزمنا أن نتوخى الزوال من يوم التعامد. وأما إذا أردنا التوجّه العرفي أمكنت نفس العلامة قبل ذلك بيوم أو يومين وكذلك بعده. فهذه العلامات الأربعة، تستغل فيها الظواهر الطبيعية للاستدلال على القبلة.
وإذا مشينا على غرارها أمكن استغلال بعض الظواهر الأخرى كالفجر الذي لا يكون إلاَّ في الشرق وهلال أول الشهر وكذلك نجمة الغرب اللذين لا يكونان إلاَّ في الغرب ونجم سهيل والعيوق والثريّا وغيرها إن عرفناها.
وهناك علامات ليست من الظواهر الطبيعية، منها ما يعود إلى اقتناع الناس في بلد معين بالقبلة كتوجيه القبور أو المساجد أو جماعة المصلين ونحوها.
وهناك دلالات ترجع إلى الحجية الشرعية، كأخبار ذي اليد والبينة والواحد الثقة. وكل ذلك موكول بحثه إلى الفقه نفسه.
يبقى هناك دلالتان تعينان الجهة ولا يمكن أن تعينا الاتجاه الحقيقي للكعبة. ولكن الجهة، كما عرفنا، كافية على أي حال.
أحدهما: استعمال البوصلة الاعتيادية والتوجّه باتجاه المؤشر الشمالي أو الجنوبي، حسب القناعة بوجود القبلة شمالاً أو جنوباً.
وكذلك فيما إذا كانت شرقاً أو غرباً. فإنه يمكن أن يتجه بخط متعامد مع مؤشر البوصلة بزاوية قائمة تقريباً.
ثانيهما: استعمال الخريطة في الأطلس الاعتيادي. فإن صدقها مطمأن به. كل ما في الأمر أنه يحتاج الفرد إلى بوصلة لكي يعين بها الجنوب الصحيح، فيجعل جنوب الخريطة إلى جنوب البلد. ثم يمد خيطاً وهمياً أو حقيقياً أو مسطرة أو نحوها من البلد باتجاه مكة المكرمة. فلذلك يكون القبلة.
والإشكال فيه أنه ليس دقيقاً بل تقريبياً، لأن خطوط الطول المنحنية لا تشكل زاوية مشابهة للخطوط العمودية. إلاَّ أن هذا التقريب وعدم الدقة مسموح بها في معرفة القبلة كما عرفنا.
القبلة في الفضاء:
الفضاء متدرج في البعد عن الأرض.
أما في الجو القريب من الأرض، فيكون التوجّه إلى الكعبة نفسها بعنوان وجودها المعنوي أو الوهمي الممتد إلى عنان السماء وقد قلنا بصحة ذلك فيما سبق.
وأما خارج الجو بقليل، كالأقمار الصناعية الدائرة حول الأرض، فإن أمكن تعيين القبلة بالشكل الاعتيادي فيتعين وجوبه. وأما السؤال عن حركة الأقمار الصناعية فكيف التركيز على القبلة، فهذا تابع لمسألة عامة ترجع إلى الصلاة في أي واسطة نقل كالسفينة والسيارة والطائرة وغيرها. وهو أمر مبحوث في الفقه وليس هنا محله. غير أنهم قالوا: أنه يدور إلى القبلة مهما دارت راحلته أو واسطة نقله.
فإن لم يمكن التوجّه إلى الكعبة، وكذلك في أي منطقة بعيدة لا يمكن فيها ذلك. فالقبلة هي الكرة الأرضية نفسها. لوجود الكعبة فيها بوجودها المادي أو امتدادها المعنوي. والتوجّه إلى الأرض توجّه إلى الكعبة في الجملة بلا إشكال. وخاصة مع اتساع الجهة مع هذا المقدار من البعد(12).
وكذلك لو كان الفرد يبعد بحيث يرى الأرض نجمة في السماء، كما لو كان يصلي على القمر أو أحد الكواكب الشمسية. فإنه يتوجه إلى الأرض بلا إشكال.
وإنما الإشكال فيما إذا غابت الأرض. كما يغيب القمر أحياناً هنا، أو كان الفرد في بُعد سحيق بحيث لا يرى الأرض أصلاً.
فعندئذ يكون مشمولاً لقوله تعالى: (فأينما توّلّوا فثم وجه الله). وأينما توجّه كان ذلك مجزياً.
نعم في الصورة الأخيرة، وهو ما إذا لم يكن يرى الأرض ولكنه كان يرى الشمس. فالأحوط التوجّه إلى الشمس. لأنه ـ من الناحية الفقهية ـ: إن التوجّه إليها توجّه إلى الأرض والتوجّه إليها إلى الكعبة. وبتعبير آخر:
يتعرف الفرد على محل وجود الكعبة، بتعرّفه على محل وجود الشمس. وهذا غاية ما يستطيعه هناك. ويصدق التوجّه بلا إشكال مع اتساع الجهة.
ولو كان في مجرة أخرى أمكن القول بأن الأحوط أن يتوجّه في صلاته إلى مجرتنا بصفتها تحتوي على الكعبة المشرفة. فيكون التوجّه إليها توجّها إليها بالاتساع.
نعم، لو تعذر كل ذلك، كان مشمولاً للآية الكريمة التي سمعناها، والتي فهموا منا إمكان التوجّه إلى أي جهة مع تعذّر القبلة.
قبلة المتحير:
إذا لم يعرف الفرد القبلة ولم يكن له ظن بجهة معينة، ولو جهة واسعة. فهنا وجهان لتكليفه.
الوجه الأول: وهو المشهور أنه يصلي إلى أربع جهات، يكرر صلاته أربع مرات، مع سعة الوقت فإن لم يسع اكتفى بصلاة واحدة حيث شاء.
وجوابه من عدة جهات:
الجهة الأولى: إن القاعدة الأولية تقتض الاكتفاء بثلاث صلوات، لا أربع، لتسالمهم بأن صلاة الجاهل مجزية إذا كانت بين اليسار واليمين عن القبلة الواقعية. بل ذهب بعضهم أنها مجزية ما لم يستدير.
ومن الواضح أنه إذا صلّى إلى ثلاث جهات. فقد صلّى بعضها إلى القبلة أو ما لا يبتعد عنها إلى اليمين أو الشمال قطعاً. إذ من اليمين إلى الشمال 180 درجة، في حين تكون الصلاة إلى ثلاث جهات، تقع واحدة منها في بُعد 120 درجة، أو أقل: بل بالتأكيد أقل لأن غاية البُعد المتصور، هو أن تقع الكعبة في الواقع ما بين جهتين من صلاته. ومعناه أن إحداها تبتعد عن القبلة 60 درجة فقط. فلماذا ـ بعد كل ذلك ـ يجب أن يصلي
إلى أربع جهات. ما لم يدل دليل تعبدي على ذلك. وهو غير متوفر على ما سنسمع. بل الدليل بخلافه على ما سنرى.
الجهة الثانية: إن الإجماع على ذلك غير متوفر، وإنما هي مجرد شهرة. ولو كان متحققاً فهو ليس إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن رأي المعصوم ـ عليه السَّلام ـ لأن اعتماد الفقهاء كلياً على الروايات. ولا أقل من احتماله.
فيسقط الإجمال عن الحجية.
الجهة الثالثة: إن الروايات الواردة في ذلك غير تامة سنداً. منها: مرسلة محمد بن على بن الحسين قال: روى فيمن لا يهتدي إلى القبلة في مفازة أنه يصلى أربعة جوانب(13). وعن محمد بن يعقوب: وروى أيضاً أنه
يصلي إلى أربع جهات(14).
فهذه روايات مراسيل وبإزائها الروايات الصحيحة التي ستسمعها في الوجه الثاني.
الوجه الثاني: أنه يصلي حيث يشاء. ورد في ذلك خبران صحيحان أحدهما عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر أنه قال: يجزي المتحير أبداً أينما توجّه إذا لم يعلم أين وجه القبلة(15).
ثانيهما عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عن قبلة المتحير. فقال: يصلي حيث شاء(16).
وقوله: حيث شاء يعني في الاتجاه لا مجرد المكان كما هو واضح، لأنه هو الوجه العرفي في تطبيق الجواب على السؤال الذي كان عن اتجاه المصلي إلى القبلة.
وعليه فالصحيح هو هذا الوجه الثاني. وإن كان الوجه الأول أوفق بالاحتياط، ولكنه ـ على أي حال ـ احتياط استحبابي.
هذا ولكن ينبغي أن يصدق عليه أنه متحير في القبلة حقيقة، وليس له ظن أو طريق إلى تحصيل الظن بأي جهة كانت، وإلاَّ لزم العمل بالظن.
 
الهوامش:
 (1) الوسائل ج‍3. أبواب القبلة. باب: 3. حديث: 2.
(2) المصدر: باب: 2. حديث: 9. وأنظر: باب: 9. حديث: 2.
(3) المصدر: أبواب صلاة الجنازة. باب: 35. حديث: 1.
(4) المصدر: أبواب القبلة. باب: 8. حديث: 2.
(5) المصدر: حديث: 3.
(6) الوسائل ج‍2. أبواب القبلة. باب: 18. حديث: 1.
(7) الوسائل ج‍2. أبواب القبلة. باب: 19. حديث: 3.
(


بساطة العقيدة ويُسر التكليف في الإسلام

14 يناير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

جاء رسول الإسلام(صلى الله عليه وآله) لنشر التوحيد ومكافحة الوثنية والدعوة إلى الاعتقاد باليوم الآخر، كما جاء بمجموعة من الفرائض والمحرمات التي تضمن إسعاد الإنسان في الدارين وتكفُل خيرَه ورُقيّة.
وقد كان لانتشار الدين الإسلامي في المجتمعات البشرية بصورة سريعة وواسعة، أسباب وعلل منها: بساطة عقيدة ويسر التكاليف في هذا الدين.
فالعقيدة التي عرضها سيّد المرسلين على البشر لم تكن عقيدة معقّدة كما هو الحال في العقيدة النصرانية التي لا يستطيع المتدّين بها أن يفسر مسألة التثليث و الأقانيم الثلاثة فيها.
فالعقيدة الإسلامية في خالق الكون والإنسان تتمثّل في سورة التوحيد:
{قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحَدٌ} 2.
وكان الإسلام ولا يزال يقنع من المسلم في مجال الاعتقاد، بهذا القدر، ولم يُلزم الوحيُ ولا العقلُ أحداً بالغور في المسائل العقلية الفلسفية، ولم يجعل الإيمان دائراً مدارها أبداً.
وأمّا يسر التكاليف وسهولة الشريعة فحدّث عنهما ولا حرج، وقد أشار إليها الكتاب العزيز بقوله: {ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أبيكُمْ إبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ}3.
{مَا يُريدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ}4.
{يُريدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ العُسْرَ}5.
{رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِنَا}6.
فهذه الآيات تصرّحُ بأنّ تعالى رفع عن أُمة محمّد الآصار، ولم يفرض عليهم حكماً حرجيّاً صعباً، ممّا كان في الأُمم الماضية.
وقد ورد في حديث عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "مما أعطى الله أُمتي و فضّلهم على سائر الأُمم أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلاّ نبى، وذلك أنّ الله تبارك و تعالى كان إذا بعث نبيّاً قال له: اجتهد في دينك ولا حرجَ عليك، وإنّ الله تبارك وتعالى أعطى ذلك أُمّتي حيث يقول: {ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِن حَرَجٍ}7 يقول: من ضيق" 8.
وظاهر هذا الحديث أنّ رفع الحرج الذي منّ الله به على هذه الأُمة المرحومة كان في الأُمم الماضية خاصّاً بالأنبياء وأنّ الله أعطى هذه الأُمة ما لم يُعطِ إلاّ الأنبياء الماضين(صلوات الله عليهم أجمعين).
وسُئل علي(عليه السلام) : أيُتوضّأ من فضلِ وضوء جماعة المسلمين أحبُّ إليك أو يتوضّأ من ركوٍ أبيضٍ مخمّر؟ فقال: " لا، بل من فضلِ وضوء جماعة المسلمين، فإنّ أحبّ دينكم إلى الله الحنيفية السمحة السهلة " 9.
واشتهر عن رسول الله(صلى الله عليه و آله و سلم) قوله: " بُعثتُ بالحنيفيّة السمحة السهلة"10.
و للتأكد من هذه الحقيقة ينبغي أن نستعرض أركان الإسلام التي يكفي تحقّقها لتحقّق عنوان المسلم، وصدقه على الشخص.
أركان الإسلام في ضوء الكتاب والسنّة
لقد كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقنع في قبول الإسلام من الذين يريدون الانضواء تحت رايته، والإيمان به وبرسالته، بالشهادتين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا فَعَلها أحدٌ حُقن دمه وعِرضه ومالُه وكان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم. وقد قامت سيرة النبي(صلى الله عليه وآله) هذه على أصلٍ قرآنيٍ ثابت حيث يقول الله تعالى:
{وَلا تَقُولواْ لِمَنْ ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً}11 .
وجاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر(رضي الله عنهما) : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : " بُني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، والحجّ، وصوم رمضان " 12 .
بل كان(صلى الله عليه وآله) يكتفي بأقل من هذا، رغم سعة رقعة التكاليف الإسلامية، وكثرة جزئياتها وتفاصيلها.
فقد أخرج البخاري ومسلم في باب فضائل علي(عليه السلام) أنّه قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم خيبر: " لأُعطينّ هذه الرايةَ رجلاً يحبّ الله ورسوله يفتح الله على يديه ".
قال عمر بن الخطاب: ما أحببتُ الإمارة إلاّ يومئذٍ، قال: فتساورتُ لها رجاءَ أن أُدعى لها، قال فدعى رسول الله(صلى الله عليه وآله) عليَّ بن أبي طالب فأعطاه إيّاها وقال: " امشِ ولا تلتفت حتّى يفتح الله عليك " فسار "عليٌّ " شيئاً ثم وقف ولم يلتفت وصرخ: يا رسول الله على ماذا أُقاتل الناس؟
قال(صلى الله عليه وآله) : " قاتِلهُم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمَّداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله "13.
قال الشافعىّ في كتاب " الأُم " عن أبي هريرة، أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: " لا أزال أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فإذا قالوا لا إله إلاّ الله فقد عصمُوا منّي دماءَهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله ".
قال الشافعى: فأعلَمَ رسول الله أنّ فَرضَ الله أن يقاتلهم حتّى يُظهروا أن لا إله إلاّ الله فإذا فعَلوا مَنَعوا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، يعني إلاّ بما يحكمُ الله عليهم فيها وحسابهم على الله بصدقهم وكذبهم وسرائرهم، اللهُ العالم بسرائرهم، المتولّي الحكم عليهم دون أنبيائه وحكاّم خلقه، وبذلك مضت أحكام رسول الله فيما بين العباد من الحدود وجميع الحقوق، وأعلَمَهُمْ أنَّ جميع أحكامه على ما يظهرون وأنّ الله يدين بالسرائر 14 .
قال، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : " من شهد أن لا إله إلاّ الله واستقبل قبلتنا وصلَّى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلمُ له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم " 15
وقال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) روى أنس قال: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: " أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله فإذا شهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلُّوا صلاتنا، حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقّها ".
كل هذه الأحاديث تصرّح بأنّ ما تُحقَن به الدماء وتُصان به الأعراض ويدخل به الإنسان في عداد المسلمين هو الاعتقاد بتوحيده سبحانه ورسالة الرسول، وهكذا يتّضح ما ذكرناه من بساطة العقيدة وسهولة التكاليف الإسلامية.
النهي عن تكفير المسلم في السنّة
ثمّ إنّه قد وردت أحاديث كثيرة تنهى عن تكفير المسلم الذي أقرّ بالشهادتين فضلاً عنّا إذا كان يمارس الواجبات الدينية، وإليك طائفة من هذه الأحاديث:
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) :
1. " بُني الإسلام على خصال: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله والإقرار بما جاء من عند الله، والجهاد ماضٍ منذُ بعث رُسُله إلى آخر عصابة تكون من المسلمين… فلا تكفّروهم بذنبٍ ولا تشهدوا عليهم بشركٍ ".
2. " لا تكفّروا أهل ملّتكم وإن عملوا الكبائر ".16
3. " لا تكفّروا أحداً من أهل القبلة بذنب وإن عملوا الكبائر ".
4. " بُني الإسلام على ثلاث: … أهل لا إله إلاّ الله لا تكفّروهم بذنب و لا تشهدوا لهم بشرك ".
5. عن أبي ذرّ: أنّه سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: " لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسق أو بالكفر إلاّ ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك ".
6. عن ابن عمر: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: " مَن قال لأخيه يا كافر فقد باءَ بها أحدهما ".
7. " مَن قذف مؤمناً بكفرٍ فهو كقاتلِه، ومن قتل نفسه بشيء عذّبه الله بما قَتَل ".
8. " من كفّر أخاه فقد باء بها أحدهما ".
9. " إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فهو كقتله، ولعنُ المؤمن كقتله ".
10. " أيّما رجل مسلمٍ كفّر رجلاً مسلماً فإن كان كافراً وإلاّ كان هو الكافر ".
11. " كُفّوا عن أهل لا إله إلاّ الله لا تكفّروهم بذنبٍ فمن أكفر أهل لا إله إلاّ الله فهو إلى الكفر أقرب ".
12. " أيّما امرئ قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلاّ رجعت عليه ".
13. " ما أكفر رجل رجلاً قطّ إلاّ باء بها أحد هما ".
14. " إذا قال الرجلُ لأخيه يا كافر فقد باء به أحدُهما إن كان الذي قيل له كافراً فهو كافر، وإلاّ رجع إلى من قال ".
15. " ما شَهِد رجلٌ على رجل بكفر إلاّ باء بها أحدُهما إن كان كافراً فهو كما قال وإن لم يكن كافراً فقد كفر بتكفيره إيّاه ".
16. عن على: في الرجل يقول للرجل: يا كافر يا خبيث يا فاسق يا حمار قال: " ليس عليه حدّ معلومٌ، يعزّر الوالي بما رأى".17
الإسلام و وحدة المسلمين
هذا مضافاً إلى أنّ الإسلام يؤكّد على وحدة المسلمين ونبذ كل ما يهدم هذه الوحدة من التهمة والظنّة والغيبة والتكفير والتفسيق، والنميمة.
وإليك نبذة ممّا جاء في الكتاب العزيز والسنة المقدسة من الترغيب في الاجتماع والأُلفة، قال الله تعالى:
1. {إنَّ المُؤْمِنُونَ اِخْوَةٌ}18 .
2. {وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ}19 .
3. {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذينَ مَعَهُ أشِدَّاءُ عَلَى الكَفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ}20 .
4. {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم}21.
5. {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَميعاً وَلا تَفَرَّقُوا}22 .
6. {إنَّ الَّذينَ فَرَّقوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيْءٍ إنَّما أمْرُهُمْ إلى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ}23 .
7. {يا أيُّها النَّاسُ إنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا}24 .
هذا من الكتاب وأمّا السنّة فإليك طائفة من الأحاديث في هذا المجال:
1. قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : " لا تدخلون الجنّة حتى تؤمنوا ولا تؤمنون حتّى تحابّوا، أوَلا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم ".25
2. قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : " الدين النصيحة؟ قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمّة المسلمين ولعامّتهم والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتّى يُحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ".26
3. " ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم وهم يد على من سواهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يُقبَل منه يوم القيامة صرف ولا عدل " 27 .
4. " إيّاكم والظنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخواناً ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيّام " 28 .
5. " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه يوم القيامة ".
إلى غير ذلك من الأحاديث الحاثّة للمسلمين على الوئام والتآلف والتوادد ونبذ الفرقة والاختلاف، والتشاجر والتشاحن، والطرد والإقصاء 29 .
موقف علماء الإسلام من تكفير المسلم
وقد تشدّد علماء الإسلام في تكفير المسلم ونهوا عنه بقوّة، وبالغوا في النهي عنه.
قال ابن حزم حيث تكلّم فيمن يكفّر ولا يكفر: 30 وذهبت طائفة إلى أنّه لا يكفَّر ولا يفسَّق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فُتيا، وأن كلّ من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنّه الحق فإنّه مأجورٌ على كلِّ حال، إن أصابَ فأجران، وإن أخطأ فأجرٌ واحدٌ.
(قال) : وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن على، وهو قول كل من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة(رض) لا نعلم منهم خلافاً في ذلك أصلاً.
وقال شيخ الإسلام تقي الدين السُبكى: إنّ الإقدام على تكفير المؤمنين عَسِر جداً، وكُلّ من كان في قلبه إيمان يستعظم القولَ بتكفير أهل الأهواء والبدع مع قولهم لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، فإنّ التكفير أمرٌ هائل عظيم الخطر(إلى آخر كلامه وقد أطال في تعظيم التكفير وتفظيع خطره). 31
وكان أحمد بن زاهر السرخسي ـ وهو أجل أصحاب الإمام أبي الحسن الأشعري ـ يقول: لمّا حَضَرَتِ الشيخَ أبا الحسن الأشعري الوفاةُ بداري في بغداد أمرني بجمع أصحابه فجمعتُهُم له فقال: إشهَدوا عليَّ أنّني لا أُكفّرُ أحداً من أهل القبلة بذنبٍ، لأنّي رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبودٍ واحدٍ، والإسلام يشملهم ويعمّهم. 32
وقال القاضي عبد الرحمان الايجيّ: جمهور المتكلّمين والفقهاء على أنّه لا يكفَّر أحد من أهل القبلة ثمّ استدلّ قائلاً -: إنّ المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة من كون الله تعالى عالماً بعلم، أو موجداً لفعل العبد أو غير متحيّز ولا في جهة ونحوها لم يبحث النبي(صلى الله عليه وآله) عن اعتقاد من حكم باسلامه فيها ولا الصحابة ولا التابعون، فعلم أنّ الخطأ فيها ليس قادحاً في حقيقة الإسلام. 33
وقال السيد محمّد رشيد رضا: إنّ من أعظم ما بُليَت به الفرق الإسلامية رمي بعضهم بعضاً بالفسق والكفر مع أنّ قصد الكلِّ الوصول إلى الحق بما بذلوا جهدهم لتأييده، واعتقاده والدعوة إليه، فالمجتهد وإن أخطأ معذور.. 34
ما يترتب على هذا الأصل
إذا كان الكتاب والسنة يكتفيان في الحكم على الشخص بالإسلام بذكر الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان، والحجّ وما مرّ عليك في الحديث المنقول عن البخاري وغيره، فيجب علينا:
1. الحكم بأنّ جميع الفرق الإسلامية إلاّ من قام الدليل القطعي على كفره يندرجون تحت عنوان الإسلام، وحكمه، ولا يصحّ لأحد أن يكفّر أحداً فرداً أو طائفة بمجرّد أنّه يرتكب عملاً صحيحاً مشروعاً وغير شرك عنده، غير صحيح وغير صحيح وغير مشروع بل شرك عند المكفّر.
إنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) كان يقبل إسلام من اعترف بوحدانية الإله ورسالة نبيّه الخاتم من دون أن يسأله عن الأمور التي زعم ابن تيمية أنّها شرك في العبادة، وتأليه لغيره سبحانه، مع شيوع هذه الأمور بين الأمم المتحضّرة في الشامات واليمن آنذاك.
ولو كان الاعتقاد بحرمتها والاجتناب عنها عملاً، من مُقوّمات الإيمان والإسلام لكان على النبي(صلى الله عليه وآله) التصريح بذلك، ولو مرّة واحدة عند وفود الأُمم علنه ودخولهم في دين الله بأن يقول: وعليك أن تترك:
البناء على القبور من غير فرق بين الصالح وغيره.
وبناء المساجد على قبور الصالحين.
والصلاة والدعاء في مشاهدهم ومراقدهم.
والتبرّكَ والاستشفاءَ بآثارهم.
والتوسّلَ بهم وبحرمتهم ومقامهم و…
مع أنّه لم يُرَ منه(صلى الله عليه وآله) كما لم يُنقل أنّه أخذ الاعترافَ بهذه الأُمور.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنذها ليست من مقوّمات الإيمان ولا من موجبات الكفر والشرك بل هي من الأُمور الفقهية التي يُبحث عنها في الفقه حرمةً وجوازاً.
إنّ المسلمين اليوم بأمسّ الحاجة إلى توحيد الكلمة ورصّ الصفوف، والابتعاد عن كل ما يُفرّق جمعهم، ويشتّتُ كلمتهم. ولكننّا لو جَعَلنا هذه الفوارق وما شابهها ممّا يوجب خروج هذه الجماعة أو تلك من الإسلام لتمزّقت وحدة الأُمة، وسهل حينئذٍ ابتلاعها جميعاً من قبل أعداء الإسلام المتربصين الطامعين.
2. التأسّف على ما مضى من إقدام المذاهب الإسلامية المختلفة على تكفير بعضها بعضاً من دون تورّع وتحرّج، سابقاً. فأخل الحديث والحنابلة يكفّرون المعتزلة، والمعتزلة يكفّرون أهل الحديث والحنابلة.
ثمّ لمّا ظهر الأشعرى، وحاول إصلاح عقائد أهل الحديث والحنابلة، ثارت ثائرة تلك الطائفة ضدَّه فأخذ الحنابلة يكفّرون الأشاعرة، ويلعنونهم ويسبّونهم على صهوات المنابر.
فهذا هو السُبكي يقول حول تكفير الحنابلة للأشاعرة: هذه هي الفتنة التي طار شررها فملأ الآفاق وطال ضرَرها فشمل خراسان والشام والحجاز والعراق وعظم خطبُها وبلاؤها وقام في سبّ أهل السنّة(يريد بهم الأشاعرة) خطيبها وسفهاؤها، إذ أدّى هذا الأمر إلى التصريح بلعن أهل السنّة في الجمع، وتوظيف سبِّهم على المنابر، وصار لأبي الحسن الأشعري كرّم الله وجهه بها أسوةٌ بعليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه في زمن بعض بني أُمية حيث استولت النواصب على المناصب، واستعلى أولئك السفهاء في المجامع والمراتب. 35
3. التأسف على سريان هذه الحالة إلى مجال الفروع فإذا بأصحاب المذاهب الفقهية الأربعة تختلف و تتشاحن و تتنازع وتحدث فتنٌ كثيرةٌ وداميةٌ بينها.
فقد وقعت فتنةٌ بين الحنفية والشافعية في نيسابور ذهب تحت هياجها خلقٌ كثير، وأُحرقت الأسواق والمدارس وكثُر القتل في الشافعية فانتصروا بعد ذلك على الحنفية وأسرفوا في أخذ الثأر منهم في سنة 554 هجرية، ووقعت حوادثُ وفتنٌ مشابهةٌ بين الشافعية والحنابلة واضطرت السلطات إلى التدخّل بالقوّة لحسم النزاع في سنة 716 وكثُر القتلُ وحرق المساكن والأسواق في أصبهان، و وقعت حوادثُ مشابهةٌ بين أصحاب هذه المذاهب وأتباعها في بغداد ودمشق وكلُ واحد منها إلى تكفير الآخر. فهذا يقول: من لم يكن حنبليّاً فليس بمسلم، وذاك يغري الجهلة بالطرف الآخر فتقع منهم الإساءة على العلماء والفضلاء منهم وتقع الجرائم الفضيعة. 36
4.الاستنكار لما ذهب إليه ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، حيث كفّرا جميع الأُمّة قاطبة سنّيها وشيعيّها، بحجّة أنّهم يتوسّلون بالنبيّ والعترة وأنّهم يدعونهم و يستغيثون بهم، وأنّهم يعمّرون قبورهم ويتبرّكون بها و…
فهل كان النبيّ يسأل الوافدين عليه المُظهرين للشهادة هل يتوسّلون بالأنبياء والصالحين أو لا؟ هل يدعونهم ويستغيثون بهم أو لا؟ هل يعمّرون قبورهم أو لا؟ هل يتبرّكون بآثارهم أو لا؟
أو أنّه كان يكتفي في الحكم عليهم بالإسلام والإيمان بما تضافرت عليه النصوص التي أوقفناك على طائفةٍ كبيرةٍ منها، مع أنّه لم تكن حياة العرب ولا غيرهم خالية عن هذه الأُمور، بل كانت زاخرة بها وبأمثالها كما أسلفنا.
ولعلّ في القرّاء من يستبعد أنّ ابن تيمية ومحمّد بن عبد الوهاب، كانا يكفّران المسلمين، ولأجل ذلك فإنّنا نأتي هنا بنصوص من الثاني لكون آرائه أكثر رواجاً الآن.
يقول محمّد بن عبد الوهاب:
إنّ الكفّار الذين قاتلهم رسولُ الله(صلى الله عليه وآله) مُقرّون بأنّ الله هو الخالق الرازقَ المدبّرُ ولم يُدخلهم ذلك في الإسلام لقوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصارَ…فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ} 37 .
ثمّ إنّهم يقولون ما دعونا الأصنام وتوجّهنا إليهم إلاّ لطلب القرب والشفاعة، لقوله تعالى: {وَالَّذينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللهِ زُلْفى}38 .
وقوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَعاؤنا عِنْدَ اللهِ} 39 .
ثمّ يقول: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) ظهر على قومٍ متفرقين في عبادتهم، فبعضهم يعبد الملائكة، وبعضهم الأنبياء والصالحين، وبعضهم الأشجار والأحجار، وبعضهم الشمس والقمر فقاتلهم ولم يفرّق بينهم.
ثمّ يُنهي كلامه قائلاً: إنّ مُشركي زماننا أغلظُ شركاً من الأوّلين لأنّ أُولئك يُشركون في الرخاء، ويُخلصون في الشدة وهؤلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى:
{فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللهِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إلى البَرِّ إذا هُمْ يُشْرِكُونَ40}. 41
هكذا يرمي محمد بن عبد الوهاب المسلمين بالشرك الغليظ لكونهم يتوسّلون بالنبي والأئمّة والأولياء ويستشفعون بهم.
ثمّ يقول في كتابه كشف الشبهات: "إنّ التوحيد الذي جَحَدوه هو توحيد العبادة الذي يسمّيه المشركون في زماننا الاعتقاد كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلاً ونهاراً ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا لهم أو يدعو رجلاً صالحاً مثل اللات أو نبيّاً مثل عيسى".42
وحاصل كلامه أنّ المسلمين اليوم، موحّدون من جهةٍ ومُشركون من جهةٍ أُخرى، أمّا الجهة الأولى فلقولهم بأنّ الله سبحانه هو الخالق الرازق المدبّر. وأمّا الجهة الثانية فلأنّهم يعبدون الأنبياء والصالحين بدعائهم والتوسّل بهم والتبرّك بآثارهم وتعمير قبورهم. ويسمّي الأُولى: التوحيد في الربوبية، والثانية التوحيد في الألوهية، وهو يرتكب الخطأ في تسمية القسم الأوّل بالربوبية، والثانية بالألوهية، وهو يرتكب الخطأ في تسمية القسم الأوّل بالربوبية، والثانية بالألوهية، وكذا تسمية دعاء الأنبياء والصالحين عبادةً، ويتَّضح كلّ ذلك عند البحث عن ميزان التوحيد والشرك في العبادة فانتظر.
هذا وقد كتب مفكّرون وكتّابٌ عديدون عن ظاهرة تكفير محمد بن عبد الوهاب وأتباعه للمسلمين قاطبةً، نذكر بعضهم وما كتبوه على سبيل المثال:
يقول جميل صدقي الزهاويّ: " كان محمدُ بن عبد الوهاب يسمّي جماعته من أهل بلده: الأنصار، وكان يسمّي متابعيه من الخارج: المهاجرين.
وكان يأمر من حجَّ حجَة الإسلام قبل إتّباعه أن يحجَ ثانياً قائلاً: إنّ حجَّتك الأُولى غير مقبولة لأنّك حججتها وأنت مشرك.
ويقول لمن أراد أن يدخل في دينه: إشهد على نفسك أنّك كنت كافراً، واشهد على والديكَ أنّهما ماتا كافرين واشهد على فلان وفلان(يسمّي جماعة من أكابر العلماء الماضين) أنّهم كانوا كفّاراً فإن شهِدَ بذلك قَبِلَهُ.
وكان يصرّح بتكفير الأُمّة منذ ستمائة سنة ويكفّر كل من لا يتّبعه وإن كان من اتقى المسلمين، ويسمّيهم مشركين، ويستحلّ دماءهم وأموالهم، ويُثبتُ الإيمان لمن اتّبعه". 43
وكتب الآلوسي في تاريخ " نجد " عن سعود بن عبد العزيز: " أنّه قاد الجيوش وأذعنت له صناديدُ العرب ورؤساؤهُم بَيْدَ أنّه منع الناس عن الحجّ… وغالى في تكفير من خالفَه وشدّد في بعض الحكام " 44 .
إنّ وظيفتنا في العصر الحاضر الذي تقاربت فيه الشعوب المتباعدة وتصادقت الدول المتعادية، على اختلاف مسالكها ومشاربها المتباينة، ومدارسها وأيديولوجياتها المتناقضة، فتصافحت وتعانقت، واتّحدت وتوحَّدت، أن نعمل على توحيد الصف الإسلامي وذلك بأن نرجِعَ إلى الكتاب والسنَّة، وأن يُحتَرمَ جميع المسلمين، المنضوين تحت لوائهما، ويُتركَ خلافُ كلّ فرقة إلى نفسها، ولا يُعدَّ ذلك فارقاً، وفاصلاً بينها وبين الفرق الأُخرى.
نعم انّ هذا لا يعني ترك البحث العلميّ والنقاش الموضوعيّ في القضايا المختلف فيها، بل المقصود هو أن لا تُتخذ تلك القضايا وسيلة للتفرّق والتمزّق، والتنازع والتشاحن، فلا ضيرَ في أن يجتمع العلماء في مكانٍ واحدٍ ويتناقشوا ويتناظروا في جوٍّ هادئٍ لتقريبِ وجهات النظر فيما بينهم ومعرفة فوارقهم وجوامعهم، بل يتعين ذلك خدمة للإسلام ورحمة بالمسلمين.
ثمّ ممّا يدلّ على سهولة التكليف في عامة الشرائع، والشريعة الإسلامية الغرّاء خاصة أنّ الأصل في الأفعال هو الإباحة لا الحظر والحرمة، وذلك آية التسهيل وعلامة التيسير وهذا هو ما نبحث عنه في الأصل القادم الذي يلي هذا الأصل.
ولكن نلفت نظر القارئ إلى الجواب الذي صَدَر من الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز المؤرخ 8 / 3 / 1407 برقم 717/2 على السؤال الذي وُجِّه إليه حول الإئتمام بمن لا يعتقد بمسألة الرؤية يوم القيامة أي رؤية الله جلّ وعلا من قِبَلِ أهل الجنّة -. حيث يكفّر من لا يقول بذلك ولا يعتقده وحيث نَقَل عن عدّةٍ منهم ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم، بأنّه كافر حيث قال الأوّل: والذي عليه جمهور السلف أنّ من جَحَدَ رؤية الله في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممّن لم يبلغه العلم في ذلك عُرِّف ذلك كما يُعرَّف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصّرَ على الجحود بعد بلوغ العلم فهو كافر.
إن هذه الفتوى تضادّ ما تضافر عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) من أنّ أركان الإسلام عبارة عن التوحيد والإقرار بالرسالة وغيرهما ممّا مضى ذكره فهل كان النبيّ يوجب على من يعترف بالشهادتين الاعتقاد برؤية الله؟ ؟
إنّ الرؤية مسألةٌ اجتهاديةٌ تضاربت فيها أقوال المفسّرين، ومن نفى الرؤية فإنّما اجتهد في النصوص التي زعم القائل دلالتها عليها، فلو كان مُصيباً فله أجران، ولو كان مُخطئاً فله أجرٌ واحد لا أنّه كافر خارج عن الإسلام.

هذا ولقد بسطنا الكلام في دلالة قوله سبحانه: {إلى ربّها ناظرة}45 على الرؤية وخرجنا بنتيجة واضحة وهي أنّ الآية لا دلالة لها على ما يتبنَّاه أصحابُ الرؤية، بل أنّ القول بالرؤية من البدع التي دَخَلت إلى الأوساط الإسلامية من جانب الأحبار والرهبان. 46

 

 

الهوامش:
——————————————————————————–
1. هذه المقالة هي المقالة الأولى من كتاب في ظلّ أصول الإسلام، والكتاب هومجموعة محارات للعلامة الأستاذ المحقق الشيخ جعفر السبحاني بقلم الاستاذ الشيخ جعفر الهادى، راجع في ظل أصول الإسلام: 11، الطبعة الثانية، مؤسسة الامام الصادق(عليه السلام) ، قم / ايران.. سورة الاخلاص (112) ، الآية: 1 ـ 4.
3. سورة الحج(22) الآية: 78.
4. سورة المائدة(5) الآية، : 6.
5. سورة البقرة(2) ، الآية: 185.
6. سورة البقرة (2) ، الآية: 286.
7. سورة الحج(22) الآية: 78.
8. البرهان: 3/105. يراجع بقية الحديث في المصدر المذكور.
9. وسائل الشيعة: الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 3.
10. الكافى: 1 / 164.
11. سورة النساء(4) ، الآية: 94.
12. صحيح البخاري ج1 كتاب الإيمان.
13. صحيح البخاري ج2، مناقب عليّ(عليه السلام) ، وصحيح مسلم ج6 باب فضائل عليّ(عليه السلام) .
14. الأم: 7 / 296 ـ 297.
15. جامع الأُصول 1: / 158 ـ 159.
16. نعم فعل الكبائر يوجب العقاب لا الكفر.
17. هذه الأحاديث مبثوثة في جامع الأصول ج1، و10 و 11 كما أنها مجموعة بأسرها في كنز العمال للمتقّي الهندي ج1.
18. سورة الحجرات(49) ، الآية: 10.
19. سورة التوبة(9) ، الآية: 71.
20. سورة الفتح(48) ، الآية: 29.
21. سورة آل عمران(3) ، الآية: 105.
22. سورة آل عمران(3) ، الآية: 103.
23. سورة الأنعام(6) ، الآية: 159.
24. سورة الحجرات(49) ، الآية: 13.
25. كنز العمال ج15: 892 و ج3: 413.
26. كنز العمال ج15: 892 و ج3: 413.
27. المستدرك للحاكم 2: 141 و مسند أحمد 1: 126 و 151.
28. كنز العمال 16: 86 و 1: 150.
29. كنز العمال 16: 86 و 1: 150.
30. الفصل بين الإهواء والملل والنحل 3: 247.
31. اليواقيت والجواهر: 58.
32. اليواقيت والجواهر: 58.
33. المواقف: 393، طبعة القاهرة، مكتبة المتنبى، لا حظ ذيل كلامه ترى أنّه يستدل على أنّه لا يجوز تكفير أية فرقة من الفرق الإسلامية إذا اتفقوا على أصل التوحيد والرسالة.
34. تفسير المنار 17: 44.
35. طبقات الشافعية 3: 391 تأليف تاج الدين السبكى.
36. راجع البداية والنهاية لاين كثير 14: 76، ومرآة الجنان 3: 343، والكامل لابن الأثير 8: 229، وتذكرة الحفاظ 3: 375، وطبقات الشافعية 3: 109 وغيرها ولاحظ الإمام الصادق: لأسد حيدر، وقد أشبع المقال في هذا المجال.
37. سورة يونس(10) ، الآية: 31.
38. سورة الزمر(39) ، الآية: 3.
39. سورة يونس(10، الآية: 18.
40. سورة العنكبوت(29) ، الآية: 65.
41. الصواعق الإلهية: 4، الطبعة الثالثة.
42. كشف الشبهات: 4، طبعة مصر تصحيح محبّ الدين الخطيب.
43. الفجر الصادق: 17 18.
44. كشف الارتياب: 9، نقلاً عن تاريخ نجد.
45. سورة القيامة(75) ، الآية: 23.
46. راجع الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل للأستاذ العلاّمة الشيخ السبحانى.
 
 
 
 

أطروحة الجهاد على ضوء القرآن الكريم

12 يناير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

بسم الله الرحمن الرحيم .الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطاهرين.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}[الصف/10-11].

تساؤلات وإستفهامات

هناك إشكالية يطرحها الكثيرون على تشريع الجهاد تارة عن حسن نية وأخرى عن سوء نية:

لماذا شرَّع الله الجهاد في الإسلام؟

ألم يكن بالإمكان التخلي عن هذا التشريع؟

ألم يكن بالإمكان جعل الإسلام دين سلام ومحبة بدلاً من دين الحرب والقتال؟

ألم يكن بالإمكان نشر تعاليم الدين الإسلامي وإقناع الناس بها دون اللجوء إلى السيف؟

وأمثال ذلك من الأسئلة التي تفترض معالجة موضوع الجهاد وفق الآيات القرآنية التي وردت في هذا الشأن.

مقدمات لا بد منها

وفي البداية، لا بد من الإشارة إلى الخدعة الكبرى التي يلجأ إليها الطواغيت، خاصة في العصر الحاضر، فإن أكبر دعاة الحرب وأكثرهم عدوانية وظلماً في العالم المعاصر يلبسون إعلامياً لبوس السلام، ويزعمون أن حروبهم العدوانية والتوسعية إنما هي من أجل السلام وفي خدمته، بينما نجدهم ينعتون المدافعين عن حقوقهم المشروعة والمقاومين لمشاريعهم العدوانية والتوسعية بالإرهاب والعدوان.

وقبل الدخول في عرض الآيات القرآنية لابد من تلخيص جملة مقدمات في نقاط:

أولاً: الأديان السماوية والأعراف البشرية في مختلف الأزمنة والأمكنة تعترف بحق الأفراد والجماعات والأقوام والأمم بالدفاع عن الأنفس والأموال إذا تعرضت للاعتداء والظلم، بل الدفاع عن الحقوق المعنوية كالحرية الفكرية والاستقلال والشرف والكرامة، وهم يبذلون في سبيل حمايتها الكثير من الغالي والنفيس.

والحرب الدفاعية الهادفة إلى دفع الظلم والعدوان واسترجاع الحقوق، وحفظ الاستقلال وحماية الأموال والأنفس، وصيانة الشرف، هي حرب مقدسة في نظر الدين والإنسان بشكل عام.

{فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} البقرة /191.

{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} الحج /39.

ثانياً: العدوان مستقبح والظلم مرفوض، وقد جاءت الأديان الإلهية ومنها الإسلام لترفض ذلك وتحرر الإنسان من الظلم ولترسي دعائم العدالة الاجتماعية، وهذا أيضاً من المسلّمات.

{وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} البقرة /190.

ثالثاً: امتلاك القوة والسلاح والاستعداد لمواجهة الظلم المفترض والمحتمل من شأنه أن يحدث منعة وحصانة يحول في كثير من الأحيان دون تحقيق الظالم لأطماعه، بل ربما ردعته عن التفكير بالإقدام على العدوان، وعليه، فإن الإعداد والاستعداد إذا لم يدفع إلى العدوانية أمر مستحسن وضروري جداً.

{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}الأنفال/60.

رابعاً: عندما بُعث رسول الله (ص) في مكة المكرمة قضى ثلاثة عشر عاماً يدعو الناس إلى الإسلام وإلى عبادة الله ونبذ عبادة الحجر والبشر، وتعرض هو والذين آمنوا معه لأشد أنواع الاضطهاد والأذى حتى اضطر إلى الهجرة عن مكة دون أن يؤذن له بالقتال.

خامساً: إن أول آية شرعت الجهاد وقتال المشركين جاءت صريحة بأنها حرب دفاعية لمواجهة الظلم.

فقد قيل أن أول إذن بالجهاد كان في قوله تعالى:

{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ… } [الحج/39-40].

وقيل أن أول آية في القتال هي قوله تعالى:

{وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ..}. [البقرة/ 190-191].

في الآية الأولى علّل الإذن بدفع الظلم، وجاء بعد أن أُخرِجوا من ديارهم واعتدي على أهم حق من حقوقهم وهو عبادة ربهم.

أما الثانية، فقد حصرت الأمر بالذين يقاتلونهم، الأمر الذي يجعل الحرب دفاعية بالكامل، وقد منعت من الاعتداء الذي هو قتال من لم يقاتل، وجاءت الآية التالية لتشير إلى أن القتال إنما هو لدفع الظلم واستعادة الحقوق.

سادساً: هذه القاعدة أو هذا الأصل لم يتغير بعد ذلك في كافة الآيات النازلة في القتال والحرب. وهذا ما سنستعرضه من خلال البحث الآتي:

آيات القتال

يمكن تقسيم آيات القتال في القرآن الكريم إلى طوائف:

الطائفة الأولى: الآيات المطلقة:

1- {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}. [التوبة/73].

2- {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ}. [النساء/74].

3- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً}. [التوبة/123].

الطائفة الثانية: الآيات المقيَّدة، وهي موزعة على قيود:

1- آيات مقيّدة برد العدوان

– {فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ}. [البقرة/191].

– {وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً}. [التوبة/36].

– {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}.[البقرة/190].

– (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ..}.[المائدة/33].

2- آيات مقيّدة بنقض العهود والأيمان

– {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ}.[الأنفال/58].

– {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ}. [التوبة/12].

3- آيات مقيّدة بالبغي

– {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ…}. [الحجرات/9].

4- آية مقيَّدة بدفع الجزية أو هي مغياة بذلك

اتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. [التوبة/ 29].

الجمع بين الآيات

مقتضى الجمع بين الآيات هو تقييد الآيات في الطائفة الأولى بالمجموعة الأولى والثانية من الطائفة الثانية، حيث يكون الإذن بالقتال لردع المعتدين ومواجهة الظلم والخيانة ونقض العهود، وعليه تحمل الآيات التي تحرض على القتال والتي تتحدث عن فضل المجاهدين وتحث على الجهاد، فإن المتتبع لسيرة الرسول (ص) الجهادية يجده في كل حلقات جهاده قد حارب دفاعاً كما سنعرضه في القسم الثاني من هذا البحث.

أما القتال لدفع البغي وردع الباغي، فلا يفرّق فيه بين بغي الكفار وبغي المسلمين إذا لم يندفع إلا بالقتال كما هو صريح الآية المتقدمة.

يبقى لدينا آية واحدة وهي الآية الأخيرة الواردة في قتال أهل الكتاب، والتي تبدو للوهلة الأولى أنها توجب قتال أهل الكتاب حتى يؤمنوا أو يؤدوا الجزية أو يقتلوا، وهي وإن كانت مغياة بذلك، إلا أن الكلام في استفادة الوجوب المطلق من ناحية القيود الواردة في الآيات السابقة، أي متى يجب قتالهم؟

هل لمجرد الامتناع عن الإيمان؟

أم عند خيانتهم وتآمرهم واعتدائهم؟

خاصة أن من الآيات القرآنية ما هو صريح في اعتماد أساليب الإقناع في الدعوة كما في قوله تعالى:

{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.[النحل/125].

ومن المعلوم أن الإيمان لا يمكن أن يتحقق بالإكراه.

{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}. [البقرة/256]،

{أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) [يونس/99].

وقد ذهب البعض إلى أن آية قتال أهل الكتاب باعتبارها متأخرة نزولاً (نزلت مع سورة براءة بعد فتح مكة في سنة تسع للهجرة) فهي ناسخة لما سبقها.

إلا أنه يمكن القول بأنها غير ناسخة وإنما جاءت في شروط خارجية معروفة بعد أن تآمرت قبائل اليهود مع المشركين ونكثوا العهود والمواثيق، وكذلك فعل غيرهم ممن لم يعجبه انتشار الإسلام وتعاظم دوره في الجزيرة حتى أن الخارجين عن حدود الجزيرة بدأوا تحركاً لمهاجمة الدولة الفتية، مما دفع الرسول (ص) للخروج إلى تبوك.

هذه الظروف يمكن أن تشكل قرينة تمنع الإطلاق.

ومهما يكن، فإذا كان الجهاد الابتدائي الذي يقصد منه الدعوة إلى الإسلام – كما يقال- مشروطاً بحضور الإمام المعصوم على رأي المشهور، فإنه هو الذي يبين الحكم الشرعي عندئذٍ، فينحصر البحث في زمان غيبته بالجهاد الدفاعي، إلا إذا اعتبرنا أن الفقيه الجامع لشرائط الولاية والنيابة العامة يقوم مقام الإمام المعصوم في الجهاد الابتدائي أيضاً.

والذي يهوّن علينا البحث أن أعداء الدين الإسلامي لم يؤلوا جهداً في محاربة الإسلام واضطهاد المسلمين والسعي الدؤوب لفتنتهم عن دينهم والإيقاع بينهم والاستيلاء على ثرواتهم وسلبهم حرياتهم وغير ذلك من صنوف الظلم والعدوان.

ومن هنا، جاء الحث على الجهاد والتشجيع على الإعداد والاستعداد، فإن في الدفاع ما يكفي لهذا الكم الهائل من الآيات التي تأمر بالجهاد وتدعو إليه وتبين أهميته وتظهر الوعد الإلهي للمجاهدين بالنصر والتسديد والإمداد.

دائرة الدفاع لدفع الظلم

ومن الجدير بالذكر هنا أن الدفاع لدفع الظلم له دائرة واسعة تتناول ما يلي:

أولاً: الدفاع عن الثروات المستهدفة والتي يطمع بها الأعداء.

ثانياً: الدفاع عن السيادة والاستقلال والأمن الإجتماعي.

ثالثاً: الدفاع عن الأرض والسماء.

رابعاً: الدفاع عن الحريات، حرية الأفراد، وحرية الأمة وعلى رأسها حرية التفكير وإبداء الأفكار وعرضها.

هذه الحقوق الإنسانية ليس من حق أحد أن يتنازل عنها، ولا أن يفرط بها ولا يمكن لأمة أن تعيش كأمة دون قوة رادعة تحمي هذه الحقوق.

{وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ}. [البقرة/25].

{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}. [الحج/40].

هذه الآية الأخيرة جاءت بعد آية الإذن بالقتال مباشرة والتي علّلت الإذن بالعدوان الواقع:

{ذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ..}. [الحج/39-40].

فالقتال لإزالة العوائق عن طريق الدعوة إلى الله عندما يصر الظالمون على سد الطريق بها ومنع صوت الدعوة من الوصول إلى كافة الناس، مثل هذا القتال يأخذ طابع الدفاع عن الحقوق الإنسانية، لأن من حق كل إنسان أن يسمع نداء الحق.

ويمكن لنا من خلال استعراض السيرة الجهادية لرسول الله (ص) أن نتلمس تفسيراً عملياً لآيات الجهاد.

السياسة الجهادية للرسول (ص)

من الواضح لكل من قرأ سيرة الرسول (ص) أنه ومنذ الأيام الأولى لبعثته المباركة واللحظات الأولى للانطلاق في الإنذار والتبليغ، واجه مصاعب جمة ومشكلات عصيبة، وقابله قومه بالجمود والرفض، وشنّوا ضده حرباً إعلامية نفسية مفتوحة لم توفر سلاح الدعاية والتشويه والتشنيع والاتهامات والدعاوى الكاذبة في سبيل إسقاطه بين الناس والطعن في شخصيته ومكانته كما هي طريقة أهل الجحود والعناد في كل عصر.

وقد تطورت حربهم ومواجهتهم مع الأيام، وكلما اكتشفوا تأثيره على الناس، إلى الاعتداء على شخصه الشريف وتعذيب أصحابه الضعفاء حتى استشهد منهم من استشهد تحت وطأة التعذيب.

ولم يكن يمنعهم آنذاك من التفكير بقتله إلا الخوف من أبي طالب رحمه الله، هذا بالإضافة إلى أنهم لم يكونوا حتى ذلك الوقت يدركون حجم الخطر الواقعي الذي يشكله عليهم رسول الله (ص) ودينه الجديد.

واشتدت المحنة على الذين دخلوا في الإسلام وعلى الرسول (ص) وبني هاشم عامة، فكان الحصار الذي فرض على بني هاشم والذي استمر ثلاثة أعوام منعوا خلالها من الاتصال بالناس ومن التعامل معهم ومبايعتهم بشكل تام.

وكانت أيضاً بسبب ذلك هجرة المسلمين إلى الحبشة بعد الضغط وممارسات التعسف والاضطهاد والفتنة، وقد حاولت قريش اللحاق بهم إلى الحبشة عبر مبعوثيها لتأليب الأجواء عليهم هناك والسعي لاستعادتهم ليكونوا تحت الرقابة المباشرة والحصار.

في مثل هذه الإجواء مرت المرحلة المكّية من حياة الرسول(ص) والتي استمرت ثلاث عشرة سنة من الصبر والمعاناة وتحمل الشدائد في سبيل نشر معالم الدين وإيصال صوت الإسلام إلى الناس، ولم يكن الرسول(ص) طيلة تلك المدة يأذن لأحد من المسلمين باللجوء إلى السيف رغم الاستفزازات المستمرة والصعوبات البالغة، ولقد كاد الكثير من المسلمين أن يفقد صبره وتحمله، إلا أن الرسول(ص) كان يحرص على عدم الدخول مع قومه والرافضين لرسالته بأي عمل عسكري أو مواجهة مسلحة، وكثيراً ما كان يلجأ إلى شراء العبد الذي يدخل الإسلام وإعتاقه لإنقاذه من الفتنة والبلاء الذي ينصب عليه من قبل مولاه إذا أسلم.

وكان يأمر الضعفاء بكتمان إيمانهم، يأذن لهم بالتقية وإظهار كلمة الكفر، ولا يلتقي بهم إلا سراً بعيداً عن عيون المراقبين.

بعد الهجرة

 ثم كانت الهجرة المباركة إلى المدينة، التي شكّلت مفصلاً مهماً في تاريخ الإسلام ومرحلة جديدة أتاحت الفرصة لإنتشار الإسلام وإنطلاقه بكل الاتجاهات، وكسر الحواجز والمعوقات التي كانت تحول دون ذلك في المرحلة المكية.

ومن يلقي نظرة على هذه المرحلة، ويتتبع أحداث الفترة من هجرته(ص) إلى وفاته، يجد الرسول(ص) قد خاض معارك عدة ولجأ إلى السيف أحياناً كثيرة في قتال مع المشركين انتهى بفتح مكة، ومع اليهود لم ينته إلا بإخراجهم من المدينة والسيطرة على معظم حصونهم ومعاقلهم خارجها.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا اعتمد الرسول(ص) منطق القوة وما هي العوامل التي دفعته لإتباع سياسة الحرب، وهل كان(ص) يفرض الحرب على الآخرين أم أن الحرب كانت تفرض عليه فرضاً ويختارها الأعداء ؟

وبعبارة أخرى: هل كان الرسول(ص) يعتمد على أسلوب القوة والسيف ليفرض الإسلام على الناس فرضاً، وهل كانت تنقصه الحجة والدليل في إثبات صدقه وصحة دينه ونبوته؟

والذي يدعونا لإثارة هذه التساؤلات والبحث عن الإجابة عليها أن عدداً من المستشرقين الذين لم يتفهموا واقع الرسالة الإسلامية، ولم يدرسوا بدقة وإنصاف سيرة الرسول(ص) وإنما قرأوها بخلفية الباحث عن الثغرات فقط فخرجوا بتصور بعيد جداً عن الصواب مفاده أن الإسلام إنما انتشر بالسيف والقوة في محاولة للطعن في قدرة الإسلام على الحوار العقلي وتقديم الدليل المقنع.

إذن، الموضوع له أهمية كبيرة، وعلينا نحن المسلمين إدراك حقيقة الأمر والتعرف على السياسة الجهادية لرسول الله (ص).

حروب الرسول(ص) وسراياه

1– قبل بدر الكبرى:

نقل المؤرخون أن هناك عدة سرايا أرسلها الرسول(ص) قبل بدر هي:

 – سرية بقيادة حمزة، قوامها ثلاثون راكباً، خرجت إلى سيف البحر والتقت بأبي جهل في ثلاثمائة راكب. ولم يحدث بين الطرفين قتال، وكانت هذه السرية في الشهر السابع من الهجرة.

 – سرية عبيدة بن الحارث، الذي خرج في ستين من المهاجرين في شوال على رأس ثمانية أشهر من الهجرة، فلقيت جمعاً عظيماً من قريش في وادي رابغ ولم يجر قتال بين الفريقين، وكان على قريش أبو سفيان بن حرب، وذكروا أن سعد بن أبي وقاص رمى المشركين ولم يحصل قتال بالسيوف حتى انصرفوا.

 – غزوة الأبواء بقيادة الرسول(ص) على رأس أحد عشر شهراً لاعتراض قريش فلم يلق كيداً، وقد وادع في الغزوة بني ضمرة على ألا يعينوا عليه أحداً وكتب بينهم كتاباً، وقيل بني مرة بن بكر.

 – غزوة بواط لاعتراض قريش، فيها أمية بن خلف في مئة رجل من قريش وألفين وخمسمائة بعير، وكانت على رأس ثلاثة عشر شهراً ولم يقع فيها قتال، وقيل لاعتراض عير بني بن ضمرة.

 – غزوة سفوان أو بدر الصغرى، على رأس ثلاثة عشر شهراً أيضاً في طلب كُرُز ابن جابر الفهري الذي كان قد أغار على أطراف المدينة على بعض رعاتها وأخذ أنعامهم، فطلبه الرسول(ص) حتى بلغ وادي سفوان في بدر ولم يدركه فرجع، وقيل كانت هذه الغزوة بعد غزوة العشيرة.

 – غزوة ذي العشيرة، على رأس ستة عشر شهراً من الهجرة لاعتراض عير قريش التي جاء الخبر بأنها خرجت من مكة تريد الشام، وقد جمعت قريش أموالها في تلك العير، ولم يلق فيها عبيداً، لكن وادع فيها بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة ثم رجع إلى المدينة.

 – سرية عبد الله بن جحش إلى بطن نخلة لرصد تحركات قريش، وقد خرجت السرية في كتمان تام لوجهتها، حيث كتب الرسول(ص) كتاباً وأمره أن لا يفظه إلا بعد أن يسير يومين، فلما سار يومين نظر في الكتاب فوجد فيه أن سر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة فترصد بها عير قريش أو قريشاً حتى تأتينا منها بخبر، ومرت بهم قريش هناك وانكشف أمر السرية فخافوا أن يصل خبرهم إلى مكة فتدركهم قريش فصمموا على قتال العير، فرموا رجلاً فقتلوه وأسروا رجلين منهم وفرّ الرابع واستاقوا العير. وقد أنكر عليهم رسول الله(ص) ذلك وامتنع عن أخذ الغنيمة، قالوا حتى نزل في ذلك الوحي فأخذه.

الغاية من هذه السرايا والغزوات:

 الملاحظ أن هذه السرايا والغزوات لم يحصل فيها أية مواجهة دموية إلا السرية الأخيرة التي لم تكن مأمورة بالقتال، بل كانت مهمتها استطلاعية، والذي يبدو واضحاً أن الرسول(ص) أراد في بداية تشكيله للكيان الإسلامي والانطلاق نحو تبليغ رسالته أن يحقق عدة أمور كان لا بد منها:

الأول: الحفاظ على هيبة المدينة وحرمها، وإبعاد الأعداء الذين حالوا بينه وبين نشر الإسلام لسنوات طويلة، وبالتالي منعهم من الاقتراب من المدينة والمرور عليها، وهذا الأمر يعطي الدولة الجديدة هيبة خاصة ويقوي نفوس الذين يرغبون في الدخول في الدين الإسلامي.

الثاني: الحد من نفوذ قريش، وإسقاط هيبتها بين العرب، فقد كانت عقبة كبيرة في طريق الكثير من القبائل التي لولاها لدخلت في الإسلام، وكانت قوافل تجارة قريش تمر على أطراف المدينة في طريقها إلى الشام ذهاباً وإياباً، وكانت بالنسبة لقريش موقعاً اقتصادياً مهماً لا يستغنى عنه، فأراد الرسول(ص) من خلال اعتراض تلك القوافل أن يحقق هذين الهدفين ويجبر قريش على التخلي عن إصرارها على محاربة الرسول(ص) ومعارضة الإسلام ووضع العقبات في طريق انتشاره، ولقد كان يدخل ذلك في دائرة التعامل بالمثل، والحصار في مقابل الحصار.

وبالفعل فإن قريشاً أدركت هذا المعنى فكانت ترى أن تجارتها باتت في خطر، وأنها إن سكتت على الأمر انتشر ذلك في العرب وسقط عزها وعنفوانها، وما لها من مكانة.

وقد يفهم البعض من تلك السرايا أنها كانت تهدف إلى وضع اليد على الأموال واكتساب الغنائم، لكن هذا الفهم خاطئ مبني على النظرة السطحية، ولم يأخذ في الحسابات الأهداف الحقيقية للرسالة الإسلامية، ولم يقارن هذه النتيجة بالمنهج الذي اعتمده الرسول طيلة حياته الرسالية.

فالغنيمة لم تكن في يوم من الأيام هي الباعث على الحرب في الإسلام، نعم قد يشكل ذلك باعثاً عند البعض من المسلمين أو عند بعض الحكام، إلا أن الإسلام لم يحارب ولم يأمر بالحرب من موقع طلب الغنيمة.

2– بدر الكبرى

 بدر كانت المعركة الأولى والمواجهة المسلحة الأولى بين قريش وحلفائها من جهة والرسول(ص) والذين آمنوا معه من جهة أخرى.

ولقد جاءت بدر على أثر مقدمات ووقائع عدة هيأت للحرب من تلك المقدمات:

أولاً: مكاتبة قريش لمشركي المدينة التي يقولون فيها: "إنكم أوتيتم صاحبنا وإنكم أكثر أهل المدينة عدداً، وإنا نقسم بالله لتقتلنَّه أو لتخرجنه أو لنستعن عليكم العرب أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم".

هذا الأمر شكّل بداية لعدة مراسلات، عمل من خلالها المشركون في مكة على تحقيق تحالف مع مشركي المدينة للقضاء على الإسلام، وبالفعل فقد ظهرت بوادر ذلك التحالف في بعض التصرفات.

ثانياً: خطة الرسول (ص) القاضية بالتضييق على قريش في مصالحها الحيوية وإعاقة حركة قوافلها التجارية عبر أطراف المدينة وحريمها، كما تقدم.

وقد كان الرسول (ص) في غزوة ذي العشيرة المتقدم ذكرها قد خرج لاعتراض عير قريش بقيادة أبي سفيان، وقد فاتته ولم يدركها، وكانت متجهة نحو الشام وفيها أموال قريش، يقال أنه لم يبق أحد في مكة من ذوي المال إلا وقد شارك فيها، فلما علم الرسول (ص) بعودتها انتدب المسلمين لاعتراضها، فبلغ أبا سفيان ذلك، فأرسل إلى مكة يستغيث قريشاً التي ثارت ثائرتها، وتجهزت بسرعة لاستنقاذ القافلة، لكن أبا سفيان غيّر طريقه ونجت القافلة من اعتراض المسلمين، ورغم ذلك فقد أصرت قريش على المضي إلى المدينة لمحاربة الرسول (ص)، وقد أصر أبو جهل على مهاجمة المدينة رغم الأصوات التي نادت بالرجوع والاكتفاء بسلامة القافلة والأموال، ورغم رجوع البعض منهم كبني زهرة على ما نقل.

ولقد كان إصرار أبي جهل يهدف إلى استعادة هيبة قريش عند العرب، وقد هدّد من لا يخرج معهم بهدم داره، وبالفعل فقد تابع الجيش سيره باتجاه المدينة، ولما بلغ خبر مسيرهم الرسول (ص) صمم على الخروج لمواجهتهم وذلك بعد أن امتحن أصحابه، واختبر مقدار استعدادهم، وسار بهم حتى بدر.

وكان المشركون في ما يقرب من ألف مقاتل مدرعين و مسلحين، معهم 700 بعير، ومن الخيل أربعمئة، وقيل مئتان وقيل مئة.

وكان المسلمون 313 رجلاً، ليس معهم إلا سبعون بعيراً وفرس واحد أو فرسان، ومن السلاح ستة أدرع وثمانية سيوف.

ونزل المشركون الذين سبقوا في الوصول إلى ماء بدر، نزلوا في العدوة القصوى وهي ربوة عالية إستراتيجية والماء معهم.

بينما نزل المسلمون في العدوة الدنيا أسفل منهم على غير ماء، وقد بعث الله سبحانه المطر فأوحل الأرض في العدوة الوسطى ولبّدها في العدوة الدنيا، وعوض المسلمين ما فاتهم من الماء فأقاموا الحياض وجمعوا فيها ماء المطر فشربوا واغتسلوا.

وأرسل رسول الله (ص) إلى المشركين يقول لهم: "معاشر قريش إني أكره أن أبدأكم بقتال فخلوني والعرب وارجعوا فإن أكُ صادقاً فأنتم أعلى بي عيناً، وإن أكُ كاذباً كفتكم ذؤبان العرب أمري".

ولقد أثَّر هذا الكلام بعتبة بن ربيعة الذي رجح قبول ذلك، إلا أن أبا جهل اتهمه بالجبن، وهذه تهمة عظيمة عندهم آنذاك، مما دفع عتبة إلى لبس درعه مع أخيه شيبة وابنه الوليد وتقدموا يطلبون البراز.

وأرسل الرسول (ص) لمبارزتهم عبيدة وحمزة وعلي وقال لهم: «اطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم..» وقد انتهت المعركة بالنصر الحاسم للمسلمين وقتل من المشركين سبعون وأسر مثلهم.

واستشهد من المسلمين تسعة أو أحد عشر وقيل أربعة عشر.

وإذا لاحظنا الفرق الكبير بين الفريقين على مستوى العدة والعدد، والفرق الكبير على مستوى الأهداف والإيمان، ندرك عظمة النتائج وأهمية المعركة والدور الإعجازي والغيبي فيها.

ولقد حققت معركة بدر أهدافاً عدة للمسلمين:

منها: أنها أسقطت هيبة قريش ومرغت أنفها بالتراب وقضت على غطرستها.

ومنها: أنها بعثت في المسلمين روح الثقة بالنفس ورفعت معنوياتهم، الأمر الذي انعكس على واقع الدعوة.

ومنها: أنها أعطت المسلمين مكانة في نفوس العرب وأصبحوا قوة يحسب لها حساب.

كما أن بدراً من الناحية السياسية أدخلت الجزيرة في مرحلة جديدة من خلط الأوراق والتحالفات والمواجهات، وكانت بداية لمواجهات عديدة أشد عنفاً انتهت بالسيطرة العسكرية للمسلمين على مكة.

3– ما بعد بدر الكبرى

بعد بدر، أحست قريش أن طريق تجارتها قد قطع، وحاولوا سلوك طريق العراق، فبلغ رسول الله (ص) ذلك، وبعث سرية قطعت طريقها، وكان قد آلى المشركون في مكة على أنفسهم أن لا ينفقوا من المال الذي سلم من قافلة أبي سفيان إلا في حرب المسلمين.

وقد تركت بدر في أعماقهم جرحاً بليغاً، فقرروا العودة إلى الانتقام والثأر، فأرسلوا في القبائل من يؤلبها ويستنفرها للحرب وتجهزوا لها وقدموا المدينة فكانت "وقعة أحد" الحرب الثانية التي جرت على أطراف المدينة، وذلك في شوال على رأس 32 شهراً من الهجرة.

ثم كانت غزوة الأحزاب (الخندق) التي اجتمع فيها أحلاف المشركين وحاصروا المدينة حتى نصر الله دينه بضربة علي (ع) المعروفة والعناية الإلهية التي أعادتهم خائبين.

ثم كان فتح مكة بعد أن أخل المشركون بصلح الحديبية.

هذه جملة الحروب التي جرت بين الرسول (ص) وقريش في مكة، وبعد فتح مكة كانت وقعة حنين التي تظاهر فيها عدد غير قليل من قبائل العرب على قتال رسول الله (ص).

وخلاصة ما يمكن استفادته من هذه الصراعات أمور:

1- القرآن الكريم يقول: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}، وهذا أصل بالنسبة لأسلوب الدعوة إلى الله ونشر الإسلام لا يخرج عنه إلا عندما يكون هناك دواعٍ أخرى وظروف خاصة تفرض ذلك.

2- الجهاد واستعمال السيف والحفاظ على القوة أمر ضروري جداً في كل زمان ومكان ليحفظ للإنسان وللمجتمع وللدين عزته ومنعته، وإلا راح ضحية، ومنع من تحقيق هدفه، وحيل بينه وبين أن يقول كلمته ويؤدي رسالته.

فالسيف ضرورري جداً لا من أجل إقناع الآخرين بل من أجل حفظ الاستقلال والهيبة والاحترام، ومن المعروف على مر التاريخ أن الناس لا يحترمون الضعفاء، بل في عصر الحرية الذي نعيش، الناس لا يستمعون إلا للقوي، ولا زالوا يحتقرون الضعيف.

3- أمام الأخطار التي تتهدد مجتمعاتنا والظلم الذي نتعرض له والقوى التي تحول دون استعمال المنطق والعقل، وتسلب الأمة حريتها، وتريد أن تفرض هيمنتها بالقوة، ليس من خيار أمام كل ذلك إلا اللجوء إلى القوة أيضاً.

4- الرسول (ص) في سياسته الجهادية كان يعمل على محورين:

الأول: تعبئة المسلمين وتنمية روح المقاومة والاستعداد والجهوزية، وحفظ حريم المدينة والقبائل التي دخلت الإسلام وعدم الرضا بالذل والانهزام.

الثاني: الدفاع والجهاد في الحالات التي كان يتعرض فيها الإسلام والمسلمون للتهديد، ومحاربة من ينقض العهود والمعاهدات.

5- سياسة الرسول (ص) مع أهل الكتاب كانت تبدأ بالمعاهدة على عدم المظاهرة على المسلمين وعدم الاعتداء وحفظ الحقوق، ولم يعمد رسول الله (ص) لمحاربتهم إلا نتيجة لنقض العهود والخيانة كما حصل مع بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة من يهود المدينة الذين خانوا الرسول (ص) ولم يلتزموا بالمعاهدات المشرفة، وظاهروا المشركين عليه، فأذلهم الله وقاتلهم الرسول (ص) وقتلهم.

6- حكم الرسول (ص) على بني قينقاع بعد حصارهم بالخروج وتسليم الأموال والأسلحة، وأجلاهم إلى أذرعات، وحكم على بني النضير الذين تآمروا على اغتيال الرسول (ص) ولم يتم لهم ذلك بالخروج بما حملت الإبل من المتاع، وحكم على بني قريظة بالقتل وسبي النساء والذراري والحكم الأخير كان نتيجة لنزولهم على حكم سعد بن معاذ الأنصاري، وكان هذا حكمهم في توراتهم فألزمهم بما ألزموا به أنفسهم.

والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 


الشهادة في القرآن الكريم

11 يناير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

 
فيما يلي نتحدّث عن المهام الأساسية الثلاثة للشهيد وهي:
1 ـ التذكير.
2 ـ القدوة.
3 ـ حفظ كتاب اللّه وشريعته من التحريف.
المهمة الأولى للشهيد في الدنيا: التذكير
هو الرسالة الأولى للشهيد. يقول تعالى: {إنّ هذه تذكرةٌ فمن شاءَ اتّخذ إلى ربِّه سبيلاً}[1].
ورسالة الأنبياء «أن يعود الناس إلى أنفسهم»، كما كان الإمام الحسين (عليه السلام) يخاطب الناس في كربلاء: «عودوا إلى أنفسكم».
نفسهم هي فِطَرهم وعقولهم وضمائرهم التي يسلخها عنهم الهوى والطاغوت والشيطان.
إن في نفس الإنسان كنوزاً من القيم والمعرفة واليقين والاستجابة للّه، ورصيداً كبيراً من الفطرة الصافية النقية، ومهمّة الشهداء الوصول إلى هذه الكنوز. إن هذه الأمة التي انطلقت من قلب الصحراء في جزيرة العرب، واستطاعت أن تهزم أكبر إمبراطوريتين في التاريخ في مدة يسيرة من عمر التاريخ لم تتمكّن من انجاز هذه الفتوح بقوة عسكرية نظامية متفوّقة ولا بالمال، وإن كان لابدّ لهذه الدعوة من تلك وذاك معاً، ولكن الأمة الشاهدة التي انطلقت من قلب الصحراء استطاعت أن تخاطب ضمائر الناس وفِطَرهم التي صدّهم عنها الطاغوت.
وفتحت هذه الأمة الشاهدة الطريق إلى فِطَر الناس وضمائرهم التي حاول الطاغوت في هاتين الإمبراطوريتين أن يغمرهما، واستجاب الناس في كل هاتين الإمبراطوريتين إلى دعوة هؤلاء الفاتحين الذين جاءوهم برسالة العودة إلى أنفسهم.
إن لنا نحن الدعاة إلى اللّه رصيداً من الفطرة في أعماق نفوس الناس، ومهمتنا الوصول إلى هذه الأعماق، فإذا استطعنا أن نصل إلى كنوز الفطرة فإن الناس يستجيبون لدعوة اللّه أفواجاً وأفراداً.
ونحن لا ننفي ولا ننكر أن الفطرة والضمير قد يجفّان وينضب معينهما تماماً، وقد يطمرهما الهوى والطاغوت والشيطان تماماً، فتنعدم الفطرة، وينعدم الضمير، كما حدث ذلك في قوم نوح (عليه السلام) {وقال نوحٌ ربّ لا تذرْ على الأرض من الكافرين ديّاراً * إنك إن تذرْهم يضلّوا عبادك ولا يلدوا إلاّ فاجراً كفّاراً}[2].
ولكن اللّه تعالى قد أودع في فطرة الإنسان وضميره وعقله من القوة ما يمكّنه من المقاومة أمام ضغوط الهوى والشيطان والطاغوت ردحاً طويلاً من الزمن. فإذا تمكّن الدعاة إلى اللّه أن يصلوا إلى نفوس الناس، واهتدوا الطريق إلى فِطَرهم وضمائرهم برفق ولين، فإن اللّه تعالى يفتح عليهم من قلوبهم ما أغلقه الهوى والطاغوت.
بين [الميثاق] و[الشهادة]:
ما هي الرسالة التي يحملها الشهداء والأمة الشاهدة إلى فِطَر الناس ؟ إن هذه الرسالة هي العودة إلى «الميثاق».
إنّ في فطرة كلّ إنسان عقداً وميثاقاً مع اللّه تعالى، والتزاماً بالعبودية والطاعة، ولا يشذّ إنسان عن هذا الميثاق الفطري. وقد شرحنا هذا الميثاق في رسالة مستقلة في تفسير قوله تعالى: {وإذْ أخذَ ربّك من بني آدمَ من ظهورِهم ذرّيتهم وأشهدَهم على أنفسِهم ألستُ بربّكم قالوا بلى}[3].
وكلّ إنسان يرتبط في عمق فطرته بهذا العهد والميثاق مع اللّه تعالى عن وعي والتزام وتعهّد.
إلاّ أنّ العوامل الضاغطة على الإنسان تتمكّن من إخماد جذوة الفطرة وإضعافها وطمرها أحياناً، فتختفي الفطرة من حياة الإنسان، وينسى الإنسان هذا الميثاق، ويغفل أنه شهد على نفسه بين يدي اللّه بهذا الميثاق {وأشهدهم على أنفسهم}. فيأتي دور الشهيد والأمة الشاهدة في إعادة الناس إلى ميثاق الفطرة، وتنبيههم إلى هذا الميثاق الذي عقدوه مع اللّه تعالى بوعي الفطرة ثمّ نسوه وأهملوه.
وإلى هذه العلاقة بين الشهادة والميثاق يشير الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):
«فبعث اللّه فيهم رسله وواتر أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكّروهم منسيّ نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن عقولهم».
وإنما يتمكّن الشهداء من معرفة فِطَر الناس، وما أودع اللّه تعالى في نفوسهم من الوعي الفطري العميق، بسبب الموقع الوسط الذي يحلّون فيه، فإنّ هذا الموقع الوسط يمكّنهم من شهود الفطرة، وما أودع اللّه تعالى فيها من الوعي الفطري وميثاق الطاعة والعبودية للّه تعالى، وشهود الانحراف الذي طرأ على هذه الفطرة بعد وعي وعهد وميثاق.
وهذا الشهود يحمّلهم ـ كما ذكرنا ـ مسؤولية تنبيه الناس وتذكيرهم بهذا الوعي وهذا الميثاق. إن العودة إلى اللّه تعالى حاجة حقيقية في نفس كل إنسان، كما أن الأكل والشرب والنوم حاجات في الإنسان، فلا يحتاج الإنسان إلى إكراه وضغط ليأكل أو يشرب أو ينام بقدر حاجته الطبيعية، ولكن قد يحتاج الإنسان إلى من ينبهه بموعد الأكل والشرب والنوم، كذلك (الدين) والعودة إلى اللّه حاجة فطرية مركوزة في عمق النفس، فلا يحتاج الإنسان لكي يعود إلى الفطرة إلى إكراه أو ضغط {لا إكراه في الدينِ قد تبيّن الرشدُ من الغيّ}[4].
ولكن الإنسان يحتاج إلى من ينبهه ويذكّره باللّه تعالى.
وهذه هي المهمّة الأُولى للشهيد والأمة الشاهدة في التاريخ.
التذكير رسالة الأنبياء في التاريخ:
إن القرآن الكريم صريح في أن رسالة الأنبياء (عليهم السلام) في التاريخ هي التذكير أولاً، ثم بعد ذلك التعليم، وإن مهمة التذكير قبل التعليم، وقد ورد التصريح بهذه الحقيقة في سورتين من أوائل ما نزل على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) من القرآن بعد تكليفه بالرسالة، وهما سورتا «المدثر» و«المزمل».
يقول تعالى: {كلاّ إنه تذكرةٌ * فمن شاء ذكره}[5].
ويقول تعالى: {إنّ هذه تذكرةٌ فمن شاء اتّخذ إلى ربّه سبيلاً}[6].
ويقول تعالى: {إنْ هو إلاّ ذكرى للعالمين}[7].
{وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين}[8].
ويأمر اللّه نبيه (صلى الله عليه وآله) بالتذكير، ويصرّح له بأنه مذكّر قبل كل شيء، بل يذكّره اللّه تعالى بأن مهمّته الوحيدة هي التذكير، وسائر المهام التي يجب عليه أن ينهض بها إنما هي من شؤون التذكير.
وهذه الحقيقة تتضح في الحصر الوارد {فذكّر إنما أنت مذكّرٌ}[9]، والقرآن الكريم «ذِكرٌ» أكثر من أي شيء آخر، أو إنه ذِكْرٌ فقط، والمسائل الأخرى التي يحفل بها كتاب اللّه من متطلّبات الذكر ومستلزماته.
يقول تعالى: {إنْ هو إلاّ ذكرٌ وقرآنٌ مبينٌ}[10].
{هذا ذكرٌ وإن للمتقين لحسنَ مآب}[11].
{إنا نحنُ نزّلنا الذكرَ وإنّا له لحافظونَ} [12].
{وهذا ذكرٌ مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون} [13].
ومهمّة القرآن الكريم ورسالته هي التذكير وتيسير التذكير:
{ولقد يسّرنا القرآن للذّكر فهلْ من مُدّكر} [14].
{وإنه لتذكرةٌ للمتقين} [15].
{ولقد صرفنا في هذا القرآنِ ليذّكّروا} [16].
ويقول اللّه تعالى لنبيه الكريم إنه لم ينزّل عليه القرآن ليشقى بجحود الناس وعنادهم ولجاجهم، وإنما بعثه بالقرآن ليذكّرهم به فقط، وما عليه بعد ذلك من أمرهم استجابوا أم لم يستجيبوا.
{طه * ما أنزلنا عليك القرآنَ لتشقى * إلاّ تذكرةً لمن يخشى} [17].
الاستجابة والانغلاق عن التذكير:
وللناس تجاه التفكير حالتان: حالة الاستجابة والانفتاح وحالة الانغلاق والصدود.
وفيما يلي نتحدث عن هاتين الحالتين:
أولاً ـ حالة الاستجابة والانفتاح:
إن من الناس من يستجيب للذكرى من دون صدود وإعراض، وينفتح قلبه للأنبياء والشهداء، ويتلقّى الذكرى ويتفاعل معها. وهؤلاء هم أصحاب القلوب الواعية الذين لم يتمكّن الشيطان من قلوبهم، ولم يصدّهم عن ذكر اللّه، ولم تنغلق قلوبهم عن ذكر اللّه، ولم يتمادوا في الإعراض عن اللّه.
وتعبير القرآن عن الذين يستجيبون والذين لا يستجيبون للذكرى دقيق وحريّ بالتأمّل والتفكير.
يقول تعالى عن الذين يستجيبون للذكرى: {تبصرةً وذكرى لكلِّ عبد منيب} [18].
والإنابة هي العودة.
وكلّ عودة تتضمّن بعداً وغفلة، ولكن عندما يكون البعد والغفلة والتخلّف عن الاستجابة والطاعة من غير عمد ولا صدود ولا لجاج فإن صاحبه يعود للذكرى سريعاً، ويستجيب.
يقول تعالى: {لنجعلَها لكم تذكرةً وتعيَها اُذنٌ واعيةٌ} [19].
وتعبير القرآن دقيق {اُذنٌ واعيةٌ}، أما الاذان الصمّاء فلا تعي ولا تدرك، ولا تنفعها التذكرة كيفما تكون الذكرى وأيّاً كان المذكّر.
يقول تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيدٌ} [20].
ذكرى لمن كان له قلب، أما من مسخ قلبه مسخاً، فلا تنفعه الذكرى، وذكرى لمن ألقى السمع، أما من صدّ عن السمع فلا تنفعه الذكرى.
وذكرى لمن كان شهيداً حاضراً، أما من كان غائباً بروحه وعقله وحاضراً بجسمه فقط فلن تنفعه الذكرى.
والشهيد هنا من الشهود والحضور، وهو الشهيد المتذكّر في مقابل الشهيد المذكّر يقول تعالى: {وذكّرْ فإن الذكرى تنفعُ المؤمنينَ} [21].
والمؤمنون في مقابل أهل الجحود والكفر المعرضين عن اللّه.
وهؤلاء المؤمنون يستجيبون للذكرى وتطمئن قلوبهم بذكر اللّه تعالى.
{الذين آمنوا وتطمئن قلوبُهم بذكر اللّه ألا بذكرِ اللّه تطمئن القلوبُ} [22].
ثانياً ـ حالة الانغلاق والصدود:
وفي مقابل حالة الانفتاح والاستجابة والإنابة نواجه حالة مرَضية هي حالة الانغلاق والجحود والصدود والإعراض عن اللّه تعالى، وهؤلاء لا تنفعهم الذكرى.
يقول تعالى عن هذه الطائفة: {وإذا ذُكّروا لا يذكرونَ} [23].
ويواجهون الذكرى والتذكير بالإعراض والصدود.
يقول تعالى: {وما يأتيهم من ذكر من الرحمنِ مُحدَث إلاّ كانوا عنه معرضينَ} [24].
{فما لهم عن التذكرةِ معرضينَ} [25].
وهؤلاء المعرضون يعاقبهم اللّه تعالى بأشد العقاب، ويجعل معيشتهم في الدنيا ضنكاً، ويحشرهم يوم القيامة عمياناً لا يرون شيئاً، كما تعاموا في الدنيا عن ذكر اللّه تعالى.
يقول تعالى: {ومن أعرض عن ذ كري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشرهُ يومَ القيامةِ أعمى} [26].
الإعراض عن اللّه عن علم وعن غير علم:
وحالات الإعراض عن اللّه تعالى على طائفتين:
فمن حالات الإعراض والضلال وإتباع الباطل والهوى ما يكون من دون علم ولا هدى.
يقول تعالى: {بل اتّبع الذين ظلموا أهواءَهم بغيرِ علم} [27].
والحالة الأخرى من الإعراض، أسوأ من هذه الحالة وأبعد عن اللّه، وأكثر انغلاقاً وصدوداً عن ذكر اللّه، وهي التي يعرض فيها صاحبها عن اللّه، بعد أن جاءه العلم، بغياً وظلماً، ثم بعد أن استيقنتها نفسه، يقول تعالى: {وما تفرّقوا إلاّ من بعد ما جاءهم العلمُ بغياً بينهم} [28] ، ويقول تعالى: {أفرأيتَ من اتّخذ إلهه هواه وأضلّه اللّه على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد اللّه أفلا تذكّرون} [29] ، ويقول تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} [30].
عقوبة الإعراض عن ذكر اللّه:
وعقوبة هؤلاء من سنخ الجريمة، إن الجريمة هي الإعراض عن اللّه والتصامّ والتعامي عن ذكر اللّه وآياته، والعقوبة هي الإضلال والختم والإغفال.
يقول تعالى: {وأضلّه اللّه على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} وهي عقوبة تتطابق مع الجريمة بدقة.
يقول تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتّبع هواه وكان أمرُه فرطاً} [31].
والإغفال عقوبة من يتغافل عن ذكر اللّه ويتبع هواه، و (الفرط) من الإفراط، وهو الخروج والتجاوز عن حدود اللّه تعالى وحقوقه، كحبّات القلادة التي تنفرط وتتناثر وتخرج عن مواقعها ونظمها، كذلك الإنسان عندما يتبع هواه ينفرط أمره كله: عقله، وضميره، وقلبه، وفطرته، ووعيه، ودينه، ويختل تعادله وتوازنه.
ومن عقوبة الذين يعرضون عن ذكر اللّه ويتعامون عن آيات اللّه أن يحشرهم يوم القيامة عمياناً، كما تعاموا في الدنيا عن آيات اللّه، ويجعل معيشتهم فيها ضنكا، وهما عقوبتان مع سنخ الجريمة.
يقول تعالى: {ومن أعرض عن ذ كري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال ربّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى * وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربّه ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى} [32].
ومن عقوبة المعرضين عن ذكر اللّه أن يقيّض اللّه تعالى لهم شيطاناً ويجعله قريناً لهم، ذلك أنهم مكّنوا الشيطان من أنفسهم، فتلك أيضاً عقوبة من سنخ الجريمة التي ارتكبوها.
يقول تعالى: {ومن يعشُ عن ذكرِ الرحمنِ نقيّض له شيطاناً فهو له قرينٌ} [33].
والذي يضلّه اللّه تعالى ويغفل قلبه فلا هادي له {ومن يضلل اللّه فما له من هاد} [34].
وهذا الضلال الذي يلزم الإنسان إجباراً ولا علاج له عقوبة وجريمة وليس بجريمة فقط، ولكن العقوبة هنا من سنخ الجريمة.
ولأن هذه العقوبة إلزامية ولا علاج لها يأمر اللّه تعالى نبيه بالإعراض عنهم.
يقول تعالى: {فأعرضْ عن من تولّى عن ذكرنا ولم يُردْ إلاّ الحياةَ الدنيا}[35].
والإلزام في العقوبة لا ينافي الاختيار.
فإن هذه العقوبة نتيجة لما اختاروا من العناد والشقاق، والنفاق بعد أن أتم اللّه تعالى لهم الحجّة وجاءتهم البينات.
عوامل الإعراض والصدود:
نذكر منها عاملين يذكرهما القرآن الكريم:
الأول: الشيطان.
يقول تعالى: {فأنساه الشيطان ذكر ربه}[36].
{استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر اللّه}[37].
والشيطان يصد عن ذكر اللّه {يصدكم عن ذكر اللّه}[38].
والثاني: الانغماس، والاستغراق في متاع الحياة الدنيا ولذاتها. يقول تعالى: {ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بورا} [39].
وساعات اليسر والرفاه تنسي الإنسان ذكر اللّه، وبالعكس فان ساعات الشدة والعسر تذكر الإنسان باللّه تعالى.
يقول تعالى: {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون}[40].
{ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذَّكَّرون}[41].
أسلوب التذكير:
مفتاح قلوب الناس اثنان: الصدق والرفق.
والكلام عندما يصدر من الإنسان عن صدق ويكون صاحبه مؤمناً بما يقول، وعاملاً بما يقول، يكون حينئذ له في النفوس من الفعل والتأثير ما ليس لغيره، فإن الكلام عندئذ يصدر من عمق النفس، ويحمل معه قناعة صاحبه وإيمانه وتفاعله معه، والكلام عندما يحمل معه تلك الخصائص، يكون له من التأثير ما ليس للكلام الذي يصدر عن سطح ضحل من سطوح النفس، ودون أن يكون له عمق وامتداد في نفس الإنسان.
ولأمر ما ينهانا اللّه تعالى أن نقول ما لا نفعل. يقول تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون * كبُرَ مقتاً عند اللّه أن تقولوا ما لا تفعلون} [42].
و (الرفق) المفتاح الآخر من مفاتيح النفس.
والذين آتاهم اللّه تعالى مفتاح الرفق يُحسنون النفوذ بالتذكير والموعظة إلى القلوب، وتلين لهم القلوب الصعبة، وتستجيب لهم القلوب النافرة.
ومهمة الوعظ ترقيق القلوب، فإذا رقّت القلوب استجابت للتذكير، وانفتحت على ذكر اللّه، وأقبلت على اللّه تعالى، أما عندما تعشو القلوب فلا تستطيع الذكرى أن تنفذ إليها.
فلابدّ للمذكّرين باللّه والدعاة إلى اللّه لكي يهتدوا إلى قلوب الناس أن يرفقوا بها، ويتخيّروا من أساليب الوعظ والتذكير أرقّها وأكثرها ليناً ورفقا، ويتجنّبوا الشدّة والقسوة في الكلام، فإن القلوب تستجيب للرفق، وتصدّ عن الشدة. ولهذا السبب يجب أن لا نحمّل الناس في الوعظ والتذكير ما لا يتحمّلون وما لا يعرفون.
عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): « إنا أمُرنا معاشر الأنبياء أن نكلّم الناس بقدر عقولهم. أمرني ربي بمداراة الناس، كما أمرنا بإقامة الفرائض »[43].
ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): « خالطوا الناس بما يعرفون، ودعوهم مما ينكرون »[44].
وعن الإمام الرضا (عليه السلام) ليونس (رحمه الله): « يا يونس حدّث الناس بما يعرفون، واتركهم مما لا يعرفون »[45].
ومن الرفق الاعتدال في الترغيب والترهيب، والخوف والرجاء.
عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): « ألا أخبركم بالفقيه حقاً ؟ من لم يقنّط الناس من رحمة اللّه، ومن لم يؤمّنهم من عذاب اللّه، ولم يؤيسهم من روح اللّه، ولم يرخّص في المعاصي»[46].
الرفق والعنف في الإسلام:
إن الرفق والعنف وجهان لحركة الدعوة على وجه الأرض، ومن دون أن يقترن هذان الوجهان لا تتمكّن هذه الدعوة أن تشق طريقها إلى قلوب الناس على وجه الأرض، من خلال العقبات والعوائق التي يزرعها ويضعها الطاغوت، أمام حركة الدعوة.
والوجه الأول لهذه الحركة هو الرفق واللين في دعوة الناس إلى اللّه تعالى، وتذكيرهم باللّه واليوم الأخر.
{ادعُ إلى سبيلِ ربِّك بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وجادلهم بالتي هي أحسنُ} [47].
{اذهبا إلى فرعونَ إنه طغى * فقولا له قولاً ليّناً لَعلّه يتذكّرُ أو يخشى} [48].
{وإذا سمعوا اللغوَ أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالُنا ولكم أعمالكم سلامٌ عليكم لا نبتغي الجاهلين} [49].
{ولا تجادلوا أهلَ الكتاب إلاّ بالتي هي أحسنُ إلاّ الذين ظلموا منهم وقولوا آمنّا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم وإلهنا وإلهُكم واحدٌ ونحن له مسلمون} [50].
{ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى اللّه وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمينَ * ولا تستوي الحسنةُ ولا السيئةُ ادفع بالتي هي أحسنُ فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌّ حميمٌ} [51].
{اذهبْ إلى فرعونَ إنه طغى * فقلُ هل لك إلى أن تزكّى * وأهديَك إلى ربِّك فتخشى} [52].
هذا هو الوجه الأول من حركة الدعوة وهو وجه الرفق واللين.
والوجه الأخر وجه يختلف تماماً عن هذا الوجه، وهو وجه العنف والشدّة. ولنقرأ بعض ملامح هذا الوجه الأخر في كتاب اللّه تعالى.
يقول تعالى: {واقتلوهم حيثُ ثقفتموهم وأخرجوهم من حيثُ أخرجوكم} [53].
{فخذوهم واقتلوهم حيثُ ثقفتموهم} [54].
{فإما تثقفنّهم في الحربِ فشرّد بهم من خلفهم} [55].
وهذا هو الوجه الأخر لحركة الدعوة، وهما وجهان متكاملان وليسا وجهين متناقضين. إن الوجه الأول هو الذي تواجه به الدعوة الناس في حركتها على وجه الأرض، فلا يقبل الناس على هذا الدين إلاّ بالرفق واللين، ولا تكسب الدعوة قلوب الناس ولا تنفذ إليها إلاّ بالرفق واللين، والتفاهم، والحكمة، والموعظة الحسنة. ولكن الطاغوت لا يدع هذه الدعوة تتحرّك على وجه الأرض بين الناس لتكسب قلوبهم وقناعاتهم وإنما يحاول أن يضع العقبات والعوائق في طريق الدعوة، ويصد الناس عنها، ويفتنهم ليتخلّوا عنها، ويعمل من أجل أن يحول بين الناس وبين رسالة اللّه تعالى.
ولكي تواصل الدعوة حركتها على وجه الأرض، لابدّ أن تدافع عن نفسها وعن الناس الذين تطلبهم، ولابدّ أن تواجه العقبات والفتن التي يزرعها الطاغوت في طريق حركة الدعوة بالقوة والشدة والعنف.
ولا يكاد ينفع هنا الرفق والإحسان، فإن لغة الرفق تنفع الناس وتكسبهم إلى جانب الدعوة وتفتح مغاليق قلوبهم، أما الطاغوت في رحلة المواجهة والصراع فلا تردّه إلاّ لغة القوة والعنف، ورد الكيد بالكيد، والمكر بالمكر، والشدّة بالشدّة.
وهذا هو الوجه الأخر للدعوة، ومن دونه لا تستطيع أن تواصل حركتها على وجه الأرض.
ولكن علينا أن نعرف جيداً أن الوجه الأخير من دون الوجه الأول لا يشق طريق الدعوة، ولا يفتح قلوب الناس.
وإن الذي كسب الناس للإسلام في الفتوح الإسلامية العسكرية في صدر الإسلام ليس القوة والسيف، وإنما الرفق واللين، واستخدم المسلمون القوة فقط لكسر شوكة الطاغوت وإزالة العقبات من أمام حركة الدعوة.
المهمة الثانية للشهيد في الحياة الدنيا: القدوة
يقول تعالى: {لقد كان لكم فيهم اُسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو اللّه واليومَ الاخرَ ومن يتولّ فإن اللّهَ هو الغنيُّ الحميدُ} [56].
الشهيد [مذكّر] و[قدوة]:
قلنا إن الدور الأول للشهيد هو التذكير، ورسالة التذكير هي الدعوة إلى اللّه، والتذكير به، والدعوة إلى [الموقع الوسط]، تذكيراً وتعليماً.
والدور الثاني للشهيد هو تجسيد القدوة للناس، للاقتداء والتأسّي. وفي الرسالة الثانية لا يدعو الشهيد إلى الموقع الوسط، وإنما يجسّد بسلوكه الموقع الوسط. فلا يشذّ عنه في قول أو فعل، ولا ينحرف، ولا يشطّ، ولا يقصّر، ولا يزيد.
ويجد الناس فيه تبلوراً واقعياً وحقيقياً للموقع الوسط.
والقدوة بهذا التصوّر تعني المرآة التي يجد الإنسان فيها نفسه وما أودع اللّه فيه من كنوز اليقين، والمعرفة، والتوحيد، والقيم، والجد، والعزم، والقوة، والشجاعة، والمقاومة، والحب.
يرى الإنسان في (القدوة) كل ما أودع اللّه فيه من هذه الكنوز، فهو من سنخ خلقه، إنسان يمشي في الأسواق، فما يجد في القدوة من المعرفة والقيم والكفاءات موجودة عنده، غير أن (القدوة) يمكن أن يبرزها إلى الفعل ويخرجها إخراجاً حسناً، وهو لم يفعل ذلك.
ولو كان الأنبياء من الملائكة لما وجد الإنسان فيهم مرآة صادقة لنفسه، وقد كان المشركون يستنكرون أن يكون الرسول من نوع البشر، يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويطلبون أن يكون الرسول من غير البشر، من الملائكة، مثلاً.
ويرد عليهم القرآن الكريم ردّاً بليغاً:
يقول تعالى: {وما أرسلنا قبلَك من المرسلينَ إلاّ إنهم ليأكلونَ الطعامَ ويمشونَ في الأسواقِ وجعلنا بعضَكم لبعض فتنةً أتصبرونَ وكان ربٌّكَ بصيراً * وقال الذين لا يرجونَ لقاءَنا لولا أنزل علينا الملائكةُ أو نرى ربَّنا لقد استكبروا في أنفسِهم وعتوا عتوّاً كبيراً} [57].
{وقالوا ما لهذا الرسولِ يأكل الطعامَ ويمشي في الأسواقِ لولا أنزل إليه ملكٌ فيكونَ معه نذيراً} [58].
{ولو جعلناه ملَكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون} [59].
والرد واضح، فإن الملكَ لا يكون قدوة للإنسان، ولا يكون مرآة تعكس له شخصيته وقيمته وكفاءاته.
وبالنتيجة لا يعكس له ما ينبغي أن يكون، ولا يعكس له مقدار تخلّفه وتقصيره.
أما القدوة (الإنسان) فيصلح أن يكون مرآة للناس، تعكس لهم أنفسهم، وتعكس لهم ما ينبغي أن يصلوا إليه ويحققوه، وتعكس لهم مقدار تخلّفهم وعجزهم، وتنبّه الناس إلى ضرورة تدارك أخطائهم وجبر نقاط الضعف والنقص في سلوكهم، وتعديل أفكارهم وأعمالهم بموجب ما تعكسه هذه المرآة.
أسلوبان في الدعوة:
هناك فرق واضح بين أسلوب الشهيد في الدعوة إلى اللّه، والأسلوب الذي يتّخذه غير الشهداء من عامة الناس إلى اللّه.
فمن الدعاة من يدعو الناس إلى الموقع الوسط ويرشدهم إليه. أما الشهيد (القدوة) فلما كان يجسّد بأقواله وأفعاله الموقع الوسط فهو يأخذ الناس معه إلى ذلك الموقع. والناس ـ على طريق اللّه ـ ينجذبون إلى من يقول لهم: هلموا معي إلى اللّه، أكثر مما ينجذبون إلى من يقول لهم: إذهبوا إلى اللّه.
وكانت دعوة الإمام الحسين (عليه السلام) من النوع الأول، يدعو الناس إلى مواجهة الظالمين، ويتقدمهم وأهل بيته وذراريه، فكان يقول لهم: « نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم ».
يروي الكاشاني في كتابه الصافي في تفسير القرآن أن أصحاب الحسين (عليه السلام) كانوا إذا أرادوا الخروج استأذنوا الحسين (عليه السلام) وقالوا: السلام عليك يابن رسول اللّه، فيردّ عليهم السلام، ويقول لهم: نحن على الأثر قادمون، ثم يقرأ قوله تعالى: {فمنهم من قضى نحبَه ومنهم من ينتظرُ وما بدّلوا تبديلاً}.
ويقول أميرالمؤمنين (عليه السلام) عن حروبه مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): « كنا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ، فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه »[60].
وفي حرب الأحزاب كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بنفسه يحفر ويحمل التراب من الخندق ويقول: « لا عيش إلاّ عيش الآخرة ».
وإذا كان (صلى الله عليه وآله) مع أصحابه في سفر، وكانوا يوزّعون الأعمال فيما بينهم قال: « وعليّ يلمُّ الحطب ».
وهذا هو الفرق بين الشهيد وغيره. إن الشهداء من الأنبياء والأوصياء والعلماء والدعاة إلى اللّه يجسّدون الموقع الوسط، ويأخذون الناس معهم إلى هذا الموقع، أما غير الشهيد من العلماء والدعاة، فيدلّون الناس على الطريق، ويدعون الناس إلى الإعمال الصالحة.
ولذلك دعوة الشهيد لا تضاهيها دعوة، ولا حركة، ولا يكون لغير الشهيد من التأثير والنفوذ في حياة الناس، ومن القدرة على تغيير مجرى التاريخ ما يكون للشهداء. وفي سير علمائنا الشهداء نجد نماذج كثيرة من أمثال هؤلاء، ممن كانوا يجسّدون المقاومة والثبات والصبر في البأساء والضرّاء، قبل أن يدعوا الناس إليها. وقد كان شيخ الشريعة الأصفهاني (رحمه الله) يحضر بنفسه القتال مع الانجليز، وهو في سنّ متقدمة من الشيخوخة، وكان يعسكر مع عساكر المجاهدين ويسير معهم، وكان القائد العثماني التركي يقول: كلما أرى خيمة شيخ الشريعة المتواضعة في وسط المعسكر ازداد قوة وطمأنينة وثقة.
وقد انقلب به القارب في النهر، وكاد أن يغرق، لولا أن أنقذه بعض المجاهدين.
اهتمام القرآن بالقدوة:
وللقرآن اهتمام بليغ في طرح القدوة للناس من الأنبياء والشهداء.
يقول تعالى عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): {لقد كان لكم في رسولِ اللّه اُسوةٌ حسنةٌ} [61].
ويقول تعالى عن إبراهيم الخليل (عليه السلام): {قد كانت لكم أسوةً حسنةٌ في إبراهيم والذين معه} [62].
ويقول تعالى: {لقد كان لكم فيهم اُسوةٌ حسنة لمن كان يرجو اللّهَ واليومَ الاخرَ ومن يتولّ فإن اللّهَ هو الغنيُّ الحميد} [63].
وبعكس ذلك يشجب القرآن الحالات التي ينفصل فيها الفعل عن القول، ولا يكون الكلام نابعاً من إيمان وتفاعل وعمل.
يقول تعالى: {لِمَ تقولونَ ما لا تفعلون * كبُرَ مقتاً عند اللّهِ أن تقولوا ما لا تفعلون}.
التأهيل للشهادة:
{إنْ يمسسْكم قرحٌ فقد مسّ القومَ قرحٌ مثلُه وتلك الأيامُ نداولها بين الناسِ وليعلمَ اللّهُ الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداءَ واللّهُ لا يحبُّ الظالمينَ} [64].
فأولئك أولاهم اللّه سبحانه مهمة الشهادة في الناس، واتخذ منهم شهداء.
إن الأمة الشاهدة لا تثبت على طريق الدعوة، ولا تستطيع أن تقاوم عواصف المواجهة، وألوان المكر والكيد، إلاّ من خلال معاناة صعبة ورحلة عذاب طويلة. وهذه المعاناة والعذاب يؤهلانها للشهادة بين الناس، وتدخلانها الجنة.
يقول تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلِكم مسّتهم البأساءُ والضرّاءُ وزُلزلوا حتى يقولَ الرسولُ والذين آمنوا معه متى نصرُ اللّهِ ألا إنّ نصرَ اللّهِ قريبٌ} [65].
المقاومة والرؤية:
إن المعاناة والعذاب يمنحان الإنسان المقاومة، والمقاومة تمنح الإنسان الرؤية. يقول تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلَنا وإن اللّهَ لمع المحسنينَ} [66].
والآية الكريمة صريحة في أن الجهاد يمنحُ الإنسان الهداية والرؤية، كما يمنحه معيّة اللّه تعالى في الحركة على طريق ذات الشوكة {وإن اللّهَ لمع المحسنين}.
المهمة الثالثة للشهيد: حفظ كتاب اللّه وشريعته من التحريف
{إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونورٌ يحكم بها النبيّون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيونَ والأحبارُ بما استُحفظوا من كتابِ اللّه وكانوا عليه شهداء} [67].
وهذه هي المهمّة الثالثة للشهيد، لان تحريف الكتاب، وتحريف حدود اللّه وشريعته من الوسائل التي تتبعها الجهة المعادية للدعوة، في إحباط دور الدين، ومسخه، وتفريغه من محتواه الحركي بعد ما تفشل هذه الجبهة في استئصال الدعوة من الأساس.
ولذلك نظائر في الشرائع الإلهية السابقة في تاريخ الدعوة والرسالة.
وقد أولى اللّه تعالى الشهداء مهمة المحافظة على الكتاب والشريعة من التحريف والتشويه، واستحفظهم كتابه وحدوده.
وأولى الناس بأن يوليهم اللّه تعالى هذه المهمة هم الشهداء، فان الشهداء أكثر الناس وعياً لشريعة اللّه وحرصاً على سلامتها.
شرطا الشهادة العصمة والعدالة.
إن المهمّة التي ينيطها اللّه تعالى بالشهيد مهمّة ضخمة، فهو من جانب مذكّر ومعلّم، ومن جانب آخر قدوة ونموذج، ومن جانب ثالث مسؤول عن حفظ الكتاب والشريعة.
وهذه المهام الثلاثة ترتبط بالكتاب والشريعة من جانب، ومن جانب آخر بحياة الناس، ومهمّة الشهيد تطبيق حياة الناس على هدى الكتاب والشريعة. وهذه المهمّة الصعبة تتطلّب من الشهيد أن يكون على درجة عالية من الاستقامة والاعتدال والالتزام.
وقد تحدثنا عن ذلك من قبل في البحث عن القدوة وتجسيد الموقع الوسط.
وهذه الاستقامة في الأنبياء بمعنى العصمة، وفي الأمة الشاهدة والدعاة والعلماء الشهداء بمعنى العدالة وهي الالتزام بحدود اللّه تعالى في الحلال والحرام.
وهذا الشرط في الحقيقة ملحوظ في صلب معنى الشهادة، فلا نحتاج إلى أن نطيل الحديث عنه.
الشهادة في الآخرة
الشهادة من مشاهد القيامة:
من مشاهد القيامة الشهادة، وهو مشهد رهيب. ويتم هذا المشهد بحضور الأنبياء وسائر الشهداء من المؤمنين، ويتم القضاء بحضور الأنبياء والشهداء وبشهادتهم.
يقول تعالى: {وأشرقت الارضُ بنورِ ربّها ووُضع الكتابُ وجيء بالنبيّين والشهداءِ وقُضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون} [68].
ولماذا يتمّ القضاءُ بحضور الأنبياء والشهداء؟
لان هؤلاء الشهداء كانوا مقاييس للناس في الحق والباطل في الدنيا، في الآخرة يقاسون بهم ويحاسبون على كل انحراف عنهم، ويقضى بينهم بموجب هذا المقياس.
وبذلك يؤدّي الشهيد شهادته يوم القيامة.
ولان الأنبياء والشهداء كانوا مسؤولين في الدنيا عن تذكير الناس وتوجيههم ودعوتهم لذلك يشهدون يوم القيامة على الناس أنهم أدّوا ما عليهم من التذكير والدعوة، ويقطعون على الناس الحجّة.
ولان هؤلاء الشهداء كانوا مسؤولين عن توجيه هؤلاء الناس وتذكيرهم، والناس أمتهم وإخوانهم في الدين، لذلك يكونون أشفق عليهم من غيرهم في الشهادة.
إنّ الطالب يؤثر أن يؤدّي الامتحان لدى المعلّم الذي علّمه الدرس، فإنه في أغلب الأحوال أشفق عليه من غيره ممن لم يكن له دور في تعليمه.
حضور للشهود في الدنيا وأداء في الآخرة:
ذكرنا من قبل أن للشهادة مرحلتين: مرحلة التلقّي، ومرحلة الأداء.
ولابدّ في الأداء من التلقّي، ومن دون التلقّي لا يمكن الأداء، وفي كل تلقٍّ لابدّ من حضور، وما لم يكن الشاهد حاضراً عند الناس لا يتمكّن من أن يتلقّى أعمال الناس.
والقرآن الكريم صريح في أن للشهداء حضوراً في حياة الناس وأعمالهم، وأنهم يرون أعمال الناس.
يقول تعالى: {وقل اعملوا فسيرى اللّه عملكم ورسوله والمؤمنون وستردّون إلى عالم الغيبِ والشهادة فينبئُكم بما كنتم تعملون} [69].
والشهود الذين يحضرون أعمال الناس في هذه الدنيا، بموجب هذه الآية الكريمة، ثلاثة: اللّه، ورسوله، والمؤمنون.
{وقل اعملوا فسيرى اللّهُ عملَكم ورسوله والمؤمنونَ}.
ويوم القيامة يكون الشاهد والقاضي والحاكم هو اللّه تعالى.
{وستُردّون إلى عالم الغيبِ والشهادة فينبئُكم بما كنتم تعملون}.
وفي موضع آخر يبين القرآن أنه يتحد يوم القيامة الشاهد والقاضي، وهذه المرّة ينهض الإنسان بنفسه بهاتين المهمّتين معاً يوم القيامة.
يقول تعالى: {وكلَّ إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرجُ له يومَ القيامةِ كتاباً يلقاه منشوراً * اقرأ كتابك كفى بنفسِكَ اليومَ عليك حسيباً}[70].
و (الطائر) عمل الإنسان، وكأنّ الوجه في التعبير عن العمل بـ (الطائر) أن العمل، بعد أن يقوم به صاحبه، ينفصل عن الإنسان ويستقلّ عنه ويفلت من قبضته، فإن العمل في قبضة الإنسان ما لم يؤدّه، فإذا فعله خرج عن قبضته. و(في عنقه) تعبير عن تثبيت عمل الإنسان في عهدته، وتسجيله عليه، واستحالة تخلّصه منه، وهذه هي مرحلة أداء الشهادة {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}.
فيتّحد في هذه الآية الكريمة الشاهد والقاضي، فيشهد الإنسان على نفسه فيقرأ كتابه الذي ألزمه اللّه تعالى إياه في عنقه، دون أن يتمكّن من نفيه أو أن يشكّ فيه، أو يتخلّص منه، ويحاسب نفسه بنفسه، والمحاسبة هنا هي الحكم والإدانة.
الشهداء يوم القيامة هم الشفعاء:
ومن رحمة اللّه تعالى بالإنسان أن جعل من الشهداء عليه شفعاء بإذنه تعالى، ومهمة الشهيد الرقابة والشهادة، ولكن عندما يكون الشاهد لدى القاضي شفيعاً عنده بإذنه تثبت للشاهد عند القاضي نقطة بيضاء في حياته للتجاوز عن الصفحات السوداء من أعماله، وشفقة الشهيد وشفاعته من فضل رب العالمين ورحمته.
يقول تعالى:{ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعةَ إلاّ من شهد بالحقّ وهم يعلمون} [71].
ويوم القيامة لا يتكلّم أحد عن أحد إلاّ بإذن اللّه تعالى، وما لم يأذن اللّه تعالى لأحد في الكلام لا ينطق بكلمة في ذلك اليوم الرهيب.
يقول تعالى: {ربّ السمواتِ والأرضِ وما بينهما الرحمنِ لا يملكون منه خطاباً * يومَ يقومُ الروحُ والملائكةُ صفاً لا يتكلمون إلاّ من أذن له الرحمنُ وقال صواباً} [72].
وهو موقف عجيب يمتزج فيه الجلال والكبرياء بالرحمة {ربّ السمواتِ والأرضِ وما بينهما الرحمنِ لا يملكون منه خطاباً}. ويصطفّ الملائكة والروح في هذا اليوم الرهيب صفاً، ولا يتكلم منهم أحد بكلمة إلا من أذن له الرحمن.
يقول تعالى عن مشاهد هذا اليوم الرهيب الذي لا يحق لأحد التكلم فيه إلاّ بإذنه: {يوم يأتِ لا تكلّمُ نفسٌ إلاّ بإذنه فمنهم شقيٌّ وسعيد * فأما الذين شقوا فف النا لهم فيها زفيرٌ وشهيقٌ * خالدينَ فيها ما دامت السموات والأرضُ إلاّ ما شاء ربّك إن ربّك فعّال لما يُريد * وأما الذين سُعدوا ففي الجنةِ خالدين فيها ما دامت الستُ والأرضُ إلاّ ما شاء ربّك عطاءً غير مجذوذ} [73].
وفي هذا اليوم لا يتكلم أحد بين يدي اللّه تعالى إلاّ من أذن له الرحمن، ولهذا الإذن نظام وقانون ; وقانون هذا الإذن أن من شهد بالحق يحق له يومئذ أن يشهد ويشفع في عباد اللّه {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلاّ من شهدَ بالحقّ} [74].
من الشهداء من ينظر في الكتاب المرقوم:
ومن هؤلاء الشهداء من له حضور في أعمال الناس، وينظر في الكتاب المرقوم الذي يضبط ويسجل أعمال الأبرار.
يقول تعالى: {كلاّ إن كتابَ الأبرارِ لفي علّيين * وما أدراك ما علّيون * كتاب مرقومٌ * يشهده المقرّبون} [75].
إن الشهداء ينظرون في هذا الكتاب المرقوم الذي يضبط أعمال الأبرار، وهذا الكتاب ليس كسائر الكتب، إنما هو أعمال العباد، ينظر فيها المقربون. ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ينظر في أعمال أمّته ويشهدها، بضرورة النصوص الصريحة الوار


إدارة الأزمات من وحي القرآن

9 يناير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين ومن سار على دربه إلى يوم الدين وبعد ،
كلما اقتربنا من القرآن العظيم وعشنا مع آياته النورانية ، كلما ازداد القلب رحابة ، وازداد العقل تفتحا ، وازدادت الروح تألقا ،﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [1]
إن سنة الله في خلقه ومنذ أن خلق آدم عليه السلام هو تعرض الإنسان على صعيده الذاتي كدائرة ضيقة والمجتمع كدائرة أوسع للأزمات ، تتفاوت في حدتها وقتها ، ويتفاوت الإنسان والمجتمعات في إدارة هذه الأزمات والتغلب عليها.
ولعل المرادف للأزمات في القرآن الكريم هو (الابتلاء)، حيث أن هذا المصطلح هو المرادف للأزمة ، وقد آثرنا أن يكون عنواننا من العناوين المعاصرة لندرك أن العناوين الجديدة تجعلنا نعتقد أنها لم ترد في القرآن ولم تكن هناك معالجة قرآنية لها، وقد جاء القرآن بالوصف الدقيق والعلاج الناجع لها , ولعلنا في هذا المبحث نخص الجماعة المؤمنة بوصف الأزمات التي تتعرض لها ، أسبابها ، وسبل علاجها ومواجهتها.
أولا : أنواع الأزمات التي تتعرض لها الجماعة المؤمنة :
1- تسلط الكافرين على المؤمنين وصرف قلوب المؤمنين عن مواجهتهم.( الأزمة السياسية ) :
يقول عز وجل ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ [2] لقد وردت هذه الآيات في سورة آل عمران ، وصفا لحال المؤمنين في غزوة أحد حين عصى المؤمنين أمر نبيهم واختلفوا ، كانت النتيجة هزيمتهم وصرف قلوبهم عن مواجهة الكفار ، ليكون بمثابة عقاب رباني .
ونحن اليوم لا يوجد وصف أكثر من هذا الوصف القرآني لحالة التشرذم والخلاف والاختلاف بينها ، كان من نتائجها تسلط الظالمين على هذه الأمة ، بل أقسى ما في هذا الابتلاء ليس تسلط الكافرين بل هو صرف قلوب المؤمنين عن مواجهة الكافرين ، لقد كان الوصف القرآني دقيقا فقال ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾لقد انشغل المقاتلون بجمع لغنائم طمعا بالدنيا ، واختلفوا وعصوا نبيهم ، فاجتمع الكفار عليهم ليوجهوا لهم ضربة صاعقة ، هزت أركانهم وفرقت جموعهم وثبت من ثبت وفر من فر من ميدان المعركة حاملا معه خيبته واهتزاز دينه وفقدان دنياه.
لقد كان النبي صلوات الله عليه وعلى آله بين ظهرانيهم ، وكان درس أحد من الدروس القاسية للمؤمنين في تلك اللحظة لتشكل قاعدة للجماعة المؤمنة ، ونحن اليوم لم نعتبر من هذا الدرس القاسي ، فالوصف القرآني للأزمة هو واقع يتمثل اليوم بحال الأمة الإسلامية ، معاصي واختلاف وتشرذم ، وصرف قلوب المؤمنين عن مواجهة أعدائهم من الكفار والمنافقين.
2- الخوف والرعب الشديد .(الأزمة العسكرية ) :
﴿ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾ [3] .
لقد جاء القرآن معبرا بشكل دقيق عن حال المؤمنين ، وحالة الخوف التي وصلوا إليها ، حين أطبق العدو وحاصر المؤمنين كان التصوير القرآني دقيقا ومعبرا ، وهو يصف مشاعر المؤمنين وحالهم ، حتى وصلت القلوب الحناجر من شدة خفقانها خوفا ، بل وصل الحد إلى اهتزاز الإيمان واليقين بالله , و نحن نعيش نفس الأزمة ، تكالب الكفار والظالمين ، من كل مكان مستهدفين المؤمنين والموحدين ، نتساءل ما هو حال أبناء الأمة إذا استثنينا الصادقين والمخلصين نتساءل أين مليار مسلم مما يجري من قتل وتعذيب وجرأة على دينهم وأعراضهم وأرضهم ومقدساتهم من المرارة اليوم أن نصف حال هذه الأمة التي ضاقت بالمرجفين والمنافقين والمطبعين والممهدين لأعداء الله في ديار الإسلام.
لقد شكلت الأنظمة العربية اليوم بضعفها وهوانها جسرا لدخول الأعداء إلى عمق الأمة ، في حين عجز الحركات الإسلامية قادها إلى المزيد من التراجع وتغيير المواقف.
3- الخوف والفقر والضعف.( الأزمة الاقتصادية ) :
يقول عز وجل ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾[4] .
لقد أشار القرآن الكريم بشكل واضح ما ستتعرض له الأمة من خوف وفقر وجوع ونقص في الأموال والثمرات .
على الرغم من حجم الثروات التي يتمتع بها العالم الإسلامي اليوم نجد أنه أسير للاقتصاد الغربي ، فلم يعد بمقدور المسلمين أن يستقلوا باقتصادهم عن الغرب ، ولو قامت أمريكا بمنع القمح عن تصدير القمح لبعض البلدان الإسلامية ستصاب بالجوع .
أي حال وصل إليه المسلمين!
إن دخل المواطن المسلم من أدنى الدخول في العالم ، ولديه بلاد من أغنى بلاد العالم ثروة …كيف يحدث ذلك ؟!
إن وصف هذه الظاهرة وهذه الأزمة الاقتصادية وردت في القرآن الكريم وأسبابها وسبل علاجها.
4- الجهل والتخلف العلمي والفكري . ( الأزمة الثقافية والفكرية ) :
يقول عز وجل ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾[5]
لقد جاء القرن منددا بأولئك الذين يسيرون وهم هائمين على وجوههم لا يعقلون شيئا ولا يعلمون ، لقد كانت الأزمة العقلية والفكرية هي من أكبر الأزمات التي تواجه المجتمع المؤمن .
كيف يمكن أن ينهض المجتمع والجهل يعشش في أركانه وزواياه ، لذلك حرص الأعداء على إبقاء حالة الجهل على الأمة الإسلامية ، وحين سمح بالانفتاح العقلي من المأساة أنه استطاع أن يسيطر وستولي على العقول ويوجهها كيفما شاء.
أن أزمة الفكر والثقافة هي من أخطر الأزمات التي تواجه الأمة الإسلامية اليوم ، نظرا لتنوعها وتعددها .
ثانيا : أسباب الأزمات التي تتعرض لها الجماعة المؤمنة :
إن ظاهرة الأزمات والابتلاءات هي ظاهرة طبيعية في التاريخ الإنساني ، لكن الجماعة المؤمنة تختلف وتتميز عن الجماعات الإنسانية الأخرى بكون هذه الأزمات هي تدبير إلهي ، وتربية للجماعة المؤمنة لترتقي وتنهض بنفسها من قيود الجهل والظلام والالتصاق بالأرض ، ولتقوم بمهامها الموكلة إليها من التبليغ والهداية ، ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾ [6] .
 إن هذه الأمة تحتاج إلى التربية الربانية في كل حركاتها وسكناتها ، بحيث تكون مؤهلة لدورها الريادي للبشرية.
وقد وضع الله عز وجل القواعد والأسس التي تقوم عليها الجماعة المؤمنة ، مبينا ما يمكن أن تتعرض له الجماعة المؤمنة في حال بعدها وتجاوزها على تعاليم وأحكام الله عز وجل ، والابتلاءات والمحن والأزمات هي الثمن الذي على الجماعة أن تدفعه مقابل تخليها وتراجعها ووجود المنافقين فيها.
ولنجمل أسباب الابتلاءات والمحن بالآتي :
1- التمييز بين المؤمنين والمنافقين ، بين الصادقين والكاذبين :
يقول عز وجل ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ [7] إن إعلان الإيمان لا يكفي وحده إن لم يكن صادقا ، فإعلان الإيمان هو بداية الإعلان عن الاستعداد لمواجهة المحن والابتلاءات المتنوعة والمختلفة.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [8] .
ويقول عز وجل ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ﴾[9] ، إن الإخلاص هو عنوان الجماعة المؤمنة ، وأي خلط ستتعرض الجماعة المؤمنة للابتلاءات والأزمات ليمحص الله المخلصين الصادقين من الكاذبين.
لذلك على الجماعة المؤمنة أن تكون جاهزة ومستعدة لمثل هذه الابتلاءات التي تميز الصفوف ، وتكشف الوجوه الحقيقية ، فالمحن هي التي تكشف معادن الناس ، وصدق الناس.
وحين تتميز الصفوف يتنزل نصر الله عز وجل وبالنظر لما تتعرض له الجماعات والحركات الإسلامية نستوعب حجم الابتلاءات والمحن ، وكم أولئك الذين يسقطون في طريق الدعوة إلى الله عز وجل نسأل الله الثبات على الحق .
2- تبديل الإيمان بالكفر ، والجحود بنعم الله ، وارتكاب الذنوب والمعاصي:
يقول عز وجل ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾[10] .
إن الكفر والارتداد عن دين الله هو سبب نزول الابتلاءات والمحن ، فإن لم يكن هناك مصلحون ومغيرون حتما سيتنزل البلاء ، فالتخلي عن الدور في الدعوة إلى الله سبب في تنزل البلاء في ظل تفشي الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
يقول عز وجل ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ [11]
إذا توفر الإصلاح والدعوة إلى الله ارتفعت الأزمات والمحن ، أما إذا انتفى الإصلاح فلينتظر المجتمع الأزمات والابتلاءات .
اليوم حجم الإفساد والظلم يندى له الجبين في المجتمعات الإسلامية ، بل إن الترويج للفساد أصبح مسألة طبيعية لا تثير المؤمنين في مواجهتها والحد منها .
الا ترون الفضائيات ومدى السقوط الأخلاقي الذي وصلت إليه ، أينما حطت عيونك اليوم في المجتمع تصاب الغثيان أمام حالة التردي والانهيار الأخلاقي وحجم الإفساد.
إن الصوت الخافت في مواجهة هذه الأزمة الأخلاقية التي تجتاح العالم الإسلامي والارتداد عن دين الله بتقليد ومحاكاة الغرب لننتظر المزيد من الأزمات .
3- نسيان ذكر الله عز وجل:
يقول عز وجل ﴿ ْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء ﴾[12] ، إن الابتعاد عن منهج الله والغفلة ، ستورث العداوة والبغضاء ، ولعمري إن هذه الأزمة الحقيقية التي تعيشها الأمة الإسلامية .
ألا ترون حجم الفتن والخلافات بين الجماعات إلى حد استحلال الدماء والأعراض لم نعد نرى إلا اليسير من الدعوة إلى الرجوع لله عز وجل وتحكيمه فيما ينشب من خلاف وشجار ، متجاهلين قوله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا ﴾ [13] فحين نسوا وتناسوا ذكر الله كانت النتيجة أزمة الخلاف وأزمة الجهل يقول عز وجل : ﴿ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ ﴾فلا يوجد تقوى تقينا شر الفتن ولا يوجد علم يحفظ الأمة من هذا المستنقع الآسن.
نحن أمام أسباب حقيقية مدعاة لوقوع الأزمات والابتلاءات .
ثالثا: سبل الوقاية وعلاج الأزمات :
لم تتنزل المحن والابتلاءات والأزمات دون أن يكون هناك مخرج وحلول كفيلة بالخروج من هذه الأزمات ، فالله عز وجل يقول﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً *إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾[14]
لقد حدد القرآن الكريم الخطوات والوسائل التي يمكننا فيها مواجهة الأزمات والتغلب عليها ، وقد تمثل بالآتي :
1- التوازن وعدم الانهيار والاستسلام ، واليقين بفرج الله:
إن الجانب النفسي هو من أهم الجوانب التي أشار لها القرآن ، بحيث أن العامل النفسي هو الأخطر في مواجهة الأزمات ، لذلك حرص على مخاطبة النفوس وتثبيتها عند المحن والابتلاءات ، وتدريبها على أن هذه الأزمات ستنتهي حتما ، وإن اعتقد البعض أنها ستطول .
وهنا جاء قول الله عز وجل معقبا على مشاعر المؤمنين وهم في خضم الأزمة ، حيث اهتزاز الإيمان والثقة وسيطرت الأوهام والظنون ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ﴾ [15] ، وفي معرض آخر ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا ﴾ [16] ، إن الأزمة مهما اشتدت ستكون نهايتها الفرج والنصر،﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً *إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾ [17] ، حتى إذا ضاقت حلقاتها واستحكمت فرجت وكنت أظنها لا تفرج.
إن الاستعداد النفسي واليقين أن هذه الأزمة لها نهاية ، تملأ قلب المؤمنين بالأمل والعمل والحركة للخروج من هذه الأزمة ، بدل اليأس والقنوط ، والقبول بالأمر الواقع .
لقد كان القرآن أثناء تربيته للجماعة المؤمنة بشكل مباشر ، كان يركز على الجانب النفسي وما يعتصرها من مشاعر مؤلمة ، وخوف وظنون وأوهام تقودها نحو اليأس والخوف والاستسلام والانهيار ، ففي غزوة أحد وبعد انكشاف المسلمين ووقوع الهزيمة ، يصور الله عز وجل المشاعر التي اعتلجت في الصدور ﴿ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ ﴾ [18] .
لقد كانت أحاديث نفس ومشاعر وعواطف سيطرت على هذه الطائفة ، الشك والظنون والأوهام ، والخوف على النفس ، وانهيار المبادئ والقيم التي يحاربون ويجاهدون من أجلها ، حتى وصل اليأس بهم ليتساءلوا عن سبب خروجهم وجهادهم ، هل هناك انهيار أكثر .
لقد وصف القرآن الحالة كاشفا السبب الرئيسي لها بقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ [19] هنا لفتة جميلة ، أن الذين تولوا هم من المؤمنين ، ولم ينف القرآن الكريم هذه الصفة عنهم ، بل هم من جزء لا يتجزأ من الجماعة المؤمنة ، وسبب حالهم ،هو حرصهم على ما تركوه خلفهم من مال جمعوه ومن أزواج وأبناء ، فسول لهم الشيطان فرارهم ، موسوسا لهم الخوف على حطام الدنيا وما كسبوه .
فالتربية القرآنية لمواجهة الأزمات تبدأ في الشعور وفي النفس ، فبدون أن يكون هناك يقين وثقة وأمل بنصر الله ، لا يمكن أن يتم التغلب على الأزمات.
وقد أشار كتابنا اليوم إلى هذه النقطة ، مفرقين بين الاستعمار والقابلية للاستعمار ، فالاستعمار بحد ذاته لا يشكل خطرا بل الخطر الأكبر هو القابلية لهذا الاستعمار ، لذلك نحن نقول أن الغرب اليوم استطاع أن يستعمر ويحتل النفوس ، فلم تقتصر الهجمة على الجانب العسكري بل كانت موجهة للمشاعر والنفوس والعواطف.
ألا تسمعون اليوم النغمات القائمة على الديمقراطية والحريات ، وكرامة الإنسان ، والانطلاق نحو الشهوات والغرائز ، هذا العدو الذي هو السبب الأول في انهيار حقوق الإنسان في البلدان الإسلامية ، وهو من زرع الأنظمة الديكتاتورية ويغذيها ويدعمها ، ويدعي علينا أنه صاحب الرسالة الإنسانية .
بل يوجه المسلمين نحو الالتصاق بالدنيا وزخارفها ومتعها وشهواتها ، ليكسر روح الانطلاق والارتقاء للروح والنفس الإسلامية التي تسمو وتكسر قيودهم وقيود كل شياطين الإنس والجن.
لذلك علينا أن ندرك أن هذه المعركة ممتدة إلى يوم القيامة ، ونهايتها ليست هذه الأرض بل هي الآخرة ، فعلى الجماعة المؤمنة أن تجهز نفسها بالقيام بواجبها الشرعي والديني ، فلا تنتظر شيئا من مكاسب الدنيا ، إلا طاعة الله عز وجل ، وعليها أن تتحمل ما يصيبها دون النظر لهذه الدنيا .
فهاهم أصحاب الأخدود ، يواجهون مصيرهم بالحرق ولم تقم لهم قائمة أمام الظلم والإجرام ، ليكون الحكم يوم القيامة حيث العدالة الإلهية .
وهاهو الإمام الحسين عليه السلام يحز رأسه مدافعا عن دين الله ، وهو يعلم أنه لا مجال للانتصار الآني ، بل الانتصار الحقيقي هو مرضاة الله عز وجل.
حين تسيطر على الجماعة المؤمنة هذه المفاهيم وهذه القيم الإلهية فهي تحقق شروط النصر من حيث لا تدري .
فلا مجال لليأس والقنوط والاستسلام مهما عظم حجم الأزمات والابتلاءات .
2- الرجوع إلى الله والتوبة النصوح:
حين تبدأ الأزمات على المؤمنين ألا ينهاروا ويستسلموا ، ومن ثم عليهم أن يبحثوا في أنفسهم، في أخطائهم ، في معاصيهم ، في ذنوبهم ، فالله يقول ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [20]
إن الظلم هو من واقع أيدي الجماعة المؤمنة فعليها أن تبدأ بالبحث عن معاصيها ومراجعة ذاتها وتصحيح المسيرة ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾[21] وعليه ، إن الخطوة التالية بعد عملية التوازن أن يتم الرجوع فيها لله ، بكل صدق وإخلاص ، وحين تتحقق التوبة والرجوع إلى الله تبدأ الأزمة بالانقشاع .
وفي هذا المعرض يقول عز وجل واصفا حال الثلاثة الذين تخلفوا في معركة تبوك عن رسول الله ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [22] ، لقد مر هؤلاء بأزمة حقيقية ، حتى وصف القرآن بأروع ما قيل في وصف حالة الأزمة والابتلاء ﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ﴾ ليس هناك أصعب وأقسى من أن يضيق الإنسان بنفسه فهي أصعب مستويات الأزمة ، وقد جاء القرآن مربيا ومعلما المؤمنين ، كيف يتعاملون في هذه الحالات ، ﴿ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ﴾ لا فرار من الذنوب إلا لله ، لا ملجأ من الله إلا إليه ، حين يتحقق هذا الشرط والتوبة النصوح والرجوع لله يتحقق زوال الأزمات.
وهنا لفتة جميلة ، كلمة ) ثم) وهي تفيد التراخي والترتيب حيث أشار القرآن أن القبول لم يأت مباشرة وسريعا بل مرت فترة ليدفع المؤمنين ثمن فعلتهم وقصورهم ، وهذه من رحمات الله عز وجل ، فهذه الابتلاءات هي كفارة وعذاب سريع بالدنيا ليخرج من هذه الدنيا كما ولدته أمه ، طاهرا صافيا نقيا خالصا مخلصا ، وهذا ما يجعل المؤمن يرى بالابتلاء الوجه الآخر من رحمات الله عز وجل بالمؤمنين وبالجماعة المؤمنة التي تدفع الثمن في هذه الدنيا بدل دفعها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .
وهنا تستحضرني قصة جميلة في إحدى الفتوحات الإسلامية ، حيث وقف أحد الحصون الرومانية منيعا أمام المسلمين وطال حصار المسلمين دون فائدة ، ودب اليأس في قلوب المؤمنين والمجاهدين ، جاء أحد المؤمنين قائلا ، ابحثوا في أنفسكم وبما قصرتم ، فأخذوا يفكرون فانتبهوا أنهم لم يعملوا بسنة السواك ، فكانت أشجار قريبة منهم فأخذوا يقطعون هذه الأشجار و يستاكون بها ، والكفار ينظرون إليهم فهالهم ما يرون ظانين أن المسلمين يحدون بأسنانهم ليأكلوهم ، فأعلنوا استسلامهم ، وفرح المؤمنون بنصر الله.
لا نتهاون بالصغائر إن الجبال من الحصى.
ولقد جاء القرآن داعيا كل المسرفين إلى التوبة والرجوع إلى الله : (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (
فما على الجماعة المؤمنة إلاّ أن تبدأ بالنقد الذاتي والبحث عن معاصيها وذنوبها ، والعودة لله عز وجل ، فحينها نكون قد بدأنا نحقق الشروط للخروج من هذه الأزمات
3- التأمل والتدبر في إيجاد الحلول ، و إتباع المنهج العلمي:
إن المؤمن حين يعيش الحالة الإيمان الحقيقي ، مجاهدا نفسه ، مقرا نادما على ما صدر منه في حق الله عز وجل ، يقينا فإن الله معه وناصره ومؤيده ، وستتجلى المعية الإلهية والتوفيق الإلهي في شتى الأمور .
يقول عز وجل ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [23] هناك ارتباط وثيق بين الجهاد بمعناه الأشمل والأعم من جهاد العدو وجهاد النفس ، وبين الهداية ، هذه العلاقة الطردية هي التي تحدد مقدار الهداية والتوفيق والخروج من الأزمات.
إذا عاش المؤمنين حالة الجهاد الحقيقي مع النفس وجاذبية الشهوات ، فإن الهداية والرحمات ستتغشاهم ، يقول عز وجل ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ﴾[24] لذلك إن كل مرحلة من مراحل مواجهة الأزمة تقود إلى المرحلة التالية ، حتى يتم الخروج منها ، فمن الأمل واليقين برحمة الله إلى التوبة إلى التأمل وإيجاد الحلول ، كلها حلقات متواصلة ، لا يمكن الفصل بينها ، وأي حلقة إذا ما فقدت سنفقد من خلاله التوفيق الإلهي في الحل الجذري.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ [25] ويأتي التأمل والتدبر في البحث عن الحلول ، في سياق التوازن والالتزام بالأمر الالهي والأخذ بالأسباب الدنيوية الكامنة وراء هذه الأزمات.
يقول عز وجل ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ [26]
لقد جاء القرآن الكريم ليضع للجماعة المؤمنة الطريقة المثلى في علاج الأزمات والابتلاءات ، فكانت بخطوات منظمة ، فأشار القرآن إلى كيفية قراءة الحل بشكل منطقي .
أولا : قراءة التاريخ :
إن التاريخ حافل وزاخر بالأزمات المشابهة التي عاشتها الأمم والشعوب الأخرى ، وحتما سيجد المؤمنون ضالتهم من خلال القراءة التاريخية ،
لذلك يعتبر التاريخ جزءا مهما من الثقافة الإنسانية والإيمانية في ضوء القرآن الكريم ، بل تعتبر من الضروريات لحياة الجماعة المؤمنة وتقدمها .
وقد زخر القرآن الكريم بالكثير من قصص الأقوام وقصص الأنبياء والجماعات ، لتشكل نبراسا لحياة الأمة ن فلم تأت هذه الأحداث والقصص من باب الترويح والاستمتاع ، بل من باب القياس والقراءة الموضوعية والاستفادة من أزمات الأمم.
ثانيا : القراءة العلمية والموضوعية للأزمة:
من الضروري أن تشخص الحالة المرضية والأزمة بشكل سليم ودقيق حتى يمكن ان يوفر العلاج الصحيح ، فإن لم يستطع الطبيب أن يكتشف الداء ويشخص الحالة بشكل سليم حتما سيكون الدواء المعطى للمريض غير فعال وستبقى الأزمة قائمة.
فقد قال عز وجل ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾[27] القيمة الحقيقية هي المعرفة القائمة على اليقين التي تقود إلى التشخيص الدقيق والعلاج الفعال .
إن الأمر الرباني باتباع المنهج العلمي هو الكفيل بالخروج من الأزمة ، وحالة الظن كفيلة باستمرار الأزمة واستفحالها.
ثالثا : إعداد العلاج والحل :
حين يتم التشخيص الدقيق حتما سيكون العلاج الفعال ، فالأخذ بالأسباب هي التي ستقود إلى العلاج والخروج من الابتلاءات.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ [28] ويقول عز وجل ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾ [29]
إن الإيمان يقود إلى الحق والحل باتباع المنهج القرآني الدقيق.
من هنا على الجماعة المؤمنة ألا تعيش حالة الأزمة والابتلاء بكل كيانها وتفتقد القدرة على القراءة والتشخيص ، والتأمل والتدبر بالحلول .
فعلى المؤمنين أن يعملوا ليل نهار متأملين متدبرين متفكرين في الحلول للخروج من واقع الأزمات التي تحيط بهم.
4- سؤال أهل الاختصاص والخبرة :
لقد أكد القرآن الكريم على ضرورة سؤال أهل الاختصاص والرجوع إليهم والاستفسار ، والاعتماد على تقييمهم وقدرتهم على الاستنباط والتحليل.
﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ [30] فكيف يمكن الوثوق باستنباط وتحليل وتقييم من لا علم له ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ﴾ [31] , إن سؤال أهل الاختصاص هي مسألة تأتي في السياق الطبيعي والمنهجي السليم الذي يقود نحو الحل والخروج من الأزمات.
لذلك إن أعظم مصيبة تعيشها الأمة اليوم هي تهميش الكفاءات وأصحاب العقول المتميزة ، وكما هو متعارف اليوم عليه في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية ( وضع الرجل غير المناسب في المكان الغير مناسب( ضيعت الكفاءات وهمشت القدرات والعقول المستنيرة .
وتستحضرني قصة قصيرة لست أعرف مدى دقتها ، لكنها دائما تشكل لي هاجسا في قراءتي للأحداث.
يقال أن المخابرات الفرنسية في عهد ديغول اكتشفت أحد العملاء المتنفذين في فرنسا ، وكان من الصعب كشف طبيعة المهمات التي يقوم بها ، وبعد المراقبة الدقيقة لم يستطيعوا الوصول إلى طبيعة مهماته ، مما اضطر الفرنسيين إلى اعتقاله مراهنين على التحقيق والصدمة .
وحسب الرواية التي قمت بقراءتها قديما – لا أذكر المصدر – قام بصدمته ديغول نفسه بسؤاله عن مهمته فكان رده العجيب الغريب (إن مهمتي أن أضع أرذلكم على أنبل مشاريعكم (
إن هذه المهمة الدقيقة الحساسة بكل ما تحتويه وتحمله هذه الجملة من معاني ، هو حال أمتنا اليوم ، ليس هناك مشروع حيوي وحساس إلا ويقوده أراذل القوم ، ممن لا يفقهون شيئا بالدين والدنيا .
بل نجد أن كثيرا من الأنظمة يصرون على تقليد المناصب الخطيرة لشخصيات إمعة مشهود لها بالفساد والخراب.
ووفي مرة سئل الرئيس عرفات لماذا تبقي على السارقين والمارقين في المناصب فكانت إجابته العجيبة ( حتى لا يأتي أحد بطنه فارغ فيملأه من جديد (
لا يوجد رجل نزيه يعتمد عليه في تقليده المناصب الحساسة، وحين كان يسأل مرات عن سبب وجود أمثال هؤلاء فيقول أن المرحلة تقتضي ذلك.
دول الخليج ، حدث ولا حرج ، أمير لا يعرف أن يكون جملة مفيدة ، يتقلد مناصب إستراتيجية .
فهل هناك فاجعة أكثر مما نحن فيه؟!
نحن اليوم بحاجة إلى الكفاءات والعقول الفريدة والخبرات للخروج من الأزمة ،على الأمة أن تسعى جاهدة لترفع هؤلاء وتقدمهم لقيادة المسيرة فبدونهم لا يمكن أن تعالج الأزمات.
ولعل هذا الموضوع بداخل الكثير ما يكتبه وما يعبر عنه .
5- الدعاء والتوجه واللجوء لله عز وجل:
إن حالة التجر والعبودية المطلقة لله عز وجل ، تتمثل في أعلى مراتبها بالدعاء ، حين يتحقق التوكل المقرون بالأخذ بالأسباب ن يبقى على الجماعة المؤمنة التوجه لله بالتجرد من كل جواذب الأرض ، يعيشوا حالة العبودية الخالصة في أبهى وأرقى صورها .
إن إعلان الطاعة والخضوع لله عز وجل هو الغاية الحقيقية للجماعة المؤمنة ، وما هذا العمل إلاّ لوجه الله وابتغاء مرضاته.
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [32] , لذلك فالدعاء هو العلاقة الحقيقية التي تشكل حالة الخضوع والذل والانكسار واللجوء لله عز وجل ، وقد عبر الرسول الأعظم عن الدعاء بقوله : الدعاء مخ العبادة .
لقد جمع النبي الدعاء بكل العبادة ، ليؤكد أن الدعاء يشكل المفهوم الحقيقي للعبادة, قد جاءت الآيات تباعا مشيرة إلى الدعاء .
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ [33] ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ [34] ويقول عز وجل ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾ [35] , بل يحذر الله أن يكون هناك ملجأ أو وجهة غي وجهة الله عز وجل ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً ﴾ [36] .
إن هذه القاعدة الإلهية تكشف بدون أدنى شك عن التوجه والقبلة الحقيقية للمؤمنين ، إن مقابل الدعاء لله الإخلاص لله عز وجل هو اللجوء للكفار والمشركين والعياذ بالله ، وهذا محض الشرك والكفر, لذلك حين تؤخذ الأسباب ويفعل المؤمن ما بوسعه ، ما عليه إلا بالدعاء والتوجه الخالص لله.
وفي هذا المقام تستحضرني كلمات للسيد حسن نصر الله حفظه الله – كان يقول بما معناه حين كانت تمر عليهم الأزمات وتنتهي الأسباب يبدأون بالدعاء والتوجه إلى الله ، فلا يعرفون كيف انتهت الأزمة, ورفع الله عنهم الغمة بعد الضغوط وانتهاء الأسباب.
إن المعية والرحمة الإلهية هي أقرب مما نتخيل ونتصور ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ [37] , إن الله مطلع يرانا ويعلم بحركاتنا وسكناتنا ، يعرف ما في قلوبنا ، لذلك من علامات الإخلاص والتوفيق هو الدعاء لله عز وجل والتقرب منه.
لا يكفي أن تؤخذ الأسباب ، بل بالدعاء تكتمل الحلقات وتكتمل الصورة ، فعليكم أيها المؤمنون بالدعاء ولعل هذا المقام لا يتسع إلى ذكر فضائل الدعاء والآيات والأحاديث التي سيقت في هذا الإطار .
وكل منا قد عايش الإحساس بالدعاء على صعيده الذاتي ، وهناك القصص الحاضرة والكثيرة في وقتنا الحالي تكشف عن أسرار ومعجزات الدعاء، وأترك الجميع ليستحضر أهمية الدعاء وروحانية الدعاء ومقاصد الدعاء .
لكن لنتذكر أن الدعاء هو الحلقة الأخيرة التي تكمل باقي الحلقات الأخرى في إطار مواجهة الأزمات ، وهو يشكل الركن الأساس في تلك المواجهة.
الخاتمة:
من خلال هذا البحث المصغر نستنتج الآتي:
أولا : أن الأزمات هي حالة إنسانية طبيعية تتعرض لها الجماعات والأفراد على حد سواء ، تتفاوت فيها ردات الأفعال ومواجهتها من جماعة إلى أخرى.
ثانيا : الجماعة المؤمنة تتميز عن باقي الجماعات الإنسانية الأخرى في قراءتها للأزمات والابتلاءات ، وكيفية مواجهتها والتعاطي معها ، فهي عبارة عن تربية وتوجيه للجماعة المؤمنة ، بما تحمله من رحمات وتأهيل للجماعة المؤمنة لقيادة البشرية ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ [38]
ثالثا : القرآن الكريم وصف الابتلاءات والأزمات وبين أسباب الابتلاءات والأزمات لتتلافها الجماعة المؤمنة ويتكون قادرة على مواجهتها.
رابعا : لقد كشف القرآن الكريم عن الوسائل وسبل العلاج ومواجهة هذه الأزمات ، فلم يترك الله هذه الأمة بدون دعم الهي وتربية إلهية ، وهذا ما خصه الله المسلمين عن سائر الأمم الأخرى.
بعد هذا العرض السريع والمقتضب لإدارة الأزمات علينا أن نؤمن أن الخروج من الأزمة يقتضي منا العمل ، وحمل الأمانة والمسؤولية الشرعية ، تجاه التكليف الإلهي ، ولا يستشعر منا أحد أنه بمنأى عن المسؤولية بل هو جزء منها ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)
الهوامش:
[1] يونس57
[2] آل عمران152
[3] الأحزاب10-11
[4] البقرة155
[5] الحج46
[6] آل عمران110
[7] العنكبوت2
[8] آل عمران142
[9] التوبة16
[10] النحل112
[11] هود117
[12] المائدة14
[13] الحجرات10
[14] الشرح5-6
[15] البقرة214
[16] يوسف110
[17] الشرح5-6
[18] آل عمران154
[19] آل عمران155
[20] النحل118
[21] الشورى30
[22] التوبة118
[23] العنكبوت69
[24] النساء175
[25] النساء173
[26] يوسف109
[27] النجم28
[28] النساء66
[29] يونس98
[30] النساء83
[31] الزمر9
[32] الذاريات56
[33] البقرة 186
[34] النمل62
[35] الأنبياء84
[36] الإسراء56
[37] ق16
[38] البقرة143