بحوث و دراسات

منتدى آفاق يقيم حلقة نقاشية حول كتاب (مكانة السلطات الأبوية)

7 أغسطس 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

أقام منتدى أفاق الثقافي حلقة نقاشية حول كتاب (مكانة السلطات الأبوية في عصر العولمة) للدكتور زياد عبد الله الدريس ، وذلك مساء الأربعاء 13/9/1433هـ بمشاركة مجموعة كل من : الأستاذ جعفر العيد، والأستاذ هادي آل سيف، والأستاذ مالك آل فتيل، والأستاذ حسين غزوي، بأوراق نقدية للكتاب، وأدارها الأستاذ إبراهيم الزاكي .
الحلقة التي حضرها جمع من الكتاب والمثقفين وغاب عنها مؤلف الكتاب، بدأت بورقة للأستاذ آل سيف الذي قدَّم فيها عرضا مختصرا لأفكار الكتاب منوها إلى أن الكاتب تعمّد وضع أسئلة أكثر مما يعلب أجوبة جاهزة. في كل فصل من فصول الكتاب من أجل فتح الباب لإثارة أسئلة ونقاشات أكثر.
ثم تحدث الكاتب والباحث جعفر العيد في ورقتة التي استعرض فيها الكثير من الملاحظات، وأشكل فيها على الكاتب قوله بعدم وجود مصادر ومراجع لهذا التخصص ( سوسيولوجيا الثقافة)، ملفتا إلى أن البحث جاء خاليا من الجهد الذاتي للكاتب.
بعد ذلك تطرق الأستاذ مالك آل فتيل في ورقته لمجموعة ملاحظات عن الكتاب ، أهمها حداثة العلم نفسه، منتقدا في ذات الوقت الكاتب لعدم تعريفه (سوسيولوجيا الثقافة) تعريفاً وافياً، مع اعترافه بحداثة العلم.
من جهته ناقش الأستاذ حسين الغزوي في ورقته مفهوم العولمة من حيث النشأة كمصطلح جديد، مبينا أن العولمة لا تخرج عن كونها نتاجا لحركة التقدم التقني وثورة المعلومات والاتصالات وظهور العقول الالكترونية كمتغيرات.
وأخيرا قدَّم الكاتب والباحث غريبي مراد ورقة أشار فيها إلى أن الكتاب مشحون بعدة قراءات لمفكرين غربيين معاصرين ومتأخرين، ملفتا أن الكاتب استغرق في موضوع العولمة و قد وفق لدرجة ما في تقديم الرؤى و التوجهات و المطارحات المتباينة حول موضوعة العولمة.
ورقة الأستاذ هادي آل سيف
وقدم في ورقته عرضا عن أفكار الكتاب؛ حيث ذكر أن الكاتب قسم الكتاب إلى قسمين، الأول يتناول التأثيرات السوسيولوجية والتربوية للعولمة، وتأثيراتها على الهوية، من منظور كوني عام. ثم تضييق دائرة المنظور لتتناول تأثيرات العولمة على الهوية العربية والإسلامية، وتحديداً في المخزون التربوي والتعليمي.
أما الجزء الثاني فيتناول بصورة أكثر تحديداً مكانة المعلم في عصر العولمة، كأنموذج جلي لتأثيرات العولمة على مكانة السلطات الأبوية. حيث تتم مقاربة سوسيولوجية لمفاهيم المكانة والهيبة والرضا. مرجوعاً دائما إلى دلالة النسبية الثقافية المؤطرة لكافة أشكال التحليل الثقافي للظواهر الثقافية.
ونوها أن الكاتب تعمّد وضع أسئلة أكثر مما يعلب أجوبة جاهزة. في كل فصل من فصول الكتاب من أجل فتح الباب لإثارة أسئلة ونقاشات أكثر.
وواصل آل سيف حديثه أن الكاتب تناول ظاهرة العولمة كمفهوم وتعريف. فقد عرفها الكاتب بأنها هيمنة المال والتكنولوجيا على العالم، من خلال توظيف المال من أجل المزيد من التكنولوجيا، والتكنولوجيا من أجل المزيد من المال.
ثم أضاف أن الكاتب يتجاهل المؤلف التساؤلات التي تتكرر حول الفرق بين مفهوم العولمة والعالمية ، فالعولمة احتواء للعالم والكون، والعالمية تفتح على ما هو عالمي وكوني.
وأشار إلى أن الكاتب تناول أضرار العولمة ومنافعها وتأثيراتها على الهوية ؛ حيث فرض الغرب منهجية من التقدم الذي أولى اهتماما بالمواطن قبل الاهتمام بالإنسان، وركز على مهارات الفرد دون التركيز على ضميره، غافلاً أن الهدف النهائي لكل الحراك الانساني هو أن تعيش الإنسانية حياة كريمة.
مضيفا إلى جسد الثقافة التقليدي في ظروف العولمة الليبرالية إلى التضاؤل في اتجاهين: الأولى هي تهشيم التنوع النمطي الثقافي و الثانية هي انحطاط وانحلال الثقافة التي يراد لها أن تكون هي البديل عن ثقافات ما قبل السوق. وهو ما دفع إنسان العولمة إلى المطالبة ليس بحريته بل بكرامته التي توشك أن تذوب في محرك الثقافة الاستهلاكية.
وعند الانتقال – والقول لآل سيف – لأثر العولمة على التعليم فلا يمكننا أن ندرس أي نظام اجتماعي جديد أو ظاهرة طارئة أو تحول في ملامح الهوية دون إدراج المدرسة في منظومة أدوات الدراسة، ذلك أن المدرسة هي التي تحتضن الجيل القادم إلى الحياة في تشكلها الجديد.
مضيفا أن هذه الأهمية للمدرسة والتربية لم تغفل عنها مؤسسات العولمة التي سارعت باختراق الحصون التربوية، مستندة في ذلك إلى إضعاف البعد الفلسفي للتربية وحصرها في المنحني الاقتصادي للتعليم، وتوجيه المعرفة العلمية بحسب القوي التي تمتلكها، والتأثير في اتخاذ القرار التربوي، وربط العلماء والباحثين بولاءات معينة للشركات النفعية.
ورقة الأستاذ جعفر العيد
أشار العيد في بداية ورقته إلى أن الكاتب بين في مقدمة كتابه أن الكتاب هو خلاصة لمضامين أطروحة دكتوراه فلسفة في الدراسات الحضارية، أنجزها المؤلف لدي جامعة موسكو الحكومية التربوية، قسم سوسيولوجيا الثقافة عن تحولات التعليم في العالم العربي في ظروف العولمة. لكنه عاد واستدرك- أي الكاتب- بقوله : بالرغم من أنه تم إعادة صياغة لغة وعناوين البحث بالأسلوب الملائم لنشره في كتاب.. إلا أنه تم الإبقاء على معظم مضامين وبيانات البحث كما هي منذ تاريخ كتابته في عام 2005.
ثم أشار العيد إلى أن الكتاب جاء في جزئين : الجزء الأول: التأثيرات السوسيولوجية والتربوية للعولمة، وتأثيراتها على الهوية، من منظور كوني وتأثيرات العولمة على الهوية العربية والإسلامية، الجزء الثاني : مكانة المعلم في عصر العولمة، كأنموذج جلي لتأثيرات العولمة على مكانة السلطات الأبوية.
ويعلق العيد بقوله : من خلال هذا الكلام يحتاج الكاتب فعلا أن يضع تعريفا للمفاهيم والمصطلحات المطروحة ( العولمة- السلطات الأبوية- الهوية- المعلم- مصطلح الثقافة الاجتماعية)، مضيفا لقد أجهد الكاتب نفسه وتوصل إلى مصطلح من عنده للعولمة؛ حيث يقول: بأنها هيمنة المال والتكنولوجيا على العالم، من خلال توظيف المال من أجل المزيد من التكنولوجيا، والتكنولوجيا من أجل المزيد من المال.
وتابع العيد ملاحظاته حلو الكتاب بقوله: أما مصطلح الثقافة فلا أجد أن الكاتب جاء بتعريف لها، مشيرا إلى أن الثقافة "هي ذلك الكل المعقد من أنماط السلوك المشترك السائد في المجتمع سواء كان معنوي أو مادي".
بعدها تطرق إلى إشكاليات البحث ، موضحا أن التطرق إلى المصطلحات والمفاهيم يفتح لنا نافذة كبيرة من النظرة التقليدية على هذه الدراسة.
وأخذ العيد يستعرض بعض من تلك الاشكاليات بداية بعنوان الدراسة الذي يختلف عن محتواه – على حد قول العيد- فلم تكن الدراسة لتتحدث عن السلطان الأبوية؛ لأن السلطة تتصل بـ( السلطة السياسية- الإعلامية – الاجتماعية).
كما توقف العيد عند قول الكاتب عند كلامه بعدم وجود مراجع لهذا التخصص ( سوسيولوجيا الثقافة)، مشيرا إلى أن الانثربولوجيا الثقافية هي كتب تتحدث عن هذه الكتب.
ولم يتفق العيد مع الكاتب كون المعلم نموذج للتأثير، بل رأى أن المعلم بجانب النظام والبيئة الاجتماعية والطالب والأدوات والوسائل والمبنى المدرسي عناصر تمثل العملية التربوية.
وأوضح العيد أن البحث جاء خاليا من الجهد الذاتي للكاتب، قائلا: كنت ابحث عن جهد الكاتب لم أجده، متسائلا في ذات الوقت إذا كانت هذه دراسة دكتوراة، فماهي النتائج التي توصل إليها كباحث ؟ ثم استرجع وقال : قد تكون هناك نتائج لكني لم أجدها، أو لم تكن مدرجة ضمن الكتاب.
ورقة الأستاذ مالك آل فتيل
أوضح آل فتيل في بداية ورقته لمجموعة ملاحظات عن الكتاب ، أهمها حداثة العلم نفسه وهو سوسيولوجي الثقافة ( علم الاجتماع الثقافي)، مع ذكر للمراجع الحديثة لهذا العمل، علاوة على إيضاحها لموقف الكاتب من الظاهرة المدروسة؛ حيث وضح بأنه سيكون في موقف "المتحيز ضد" العولمة مدرجاً تبريره لهذا الموقف.
وذكر آل فتيل بأن الدراسة – كما وضحت المقدمة- كتبت في وقت سابق مما استدعى حذف بعض المعلومات والنقاشات التي استنفذت أهميتها، مبيناً أنها كتبت كأطروحة دكتوراه فلسفة في الدراسات الحضارية عام 2005م. بينما نشرت في عام 2009م.
كما أشار إلى أن الكاتب قسم الكتاب إلى قسمين، الأول حول ظاهرة العولمة، والثاني حول مكانة المعلم، فأتى الكتاب كمجموعة من المقالات، الأمر الذي سهل القراءة والمراجعة حيث ذيل كل فصل بمراجعه الخاصة، مستعيناً بقوة الترابط والترتيب المنطقي للفصول.
وبين آل فتيل خلال ورقته أن الكاتب قام بتفكيك ظاهرة العولمة ثقافياً بإبراز تأثيراتها على الهوية والوطنية والتعددية وعلاقتها بالديموقراطية والبروتستانتية والإسلام، بالإضافة إلى تأثيرها على منظومة القيم الإنسانية.
وأضاف بالقول أن صاحب الكتاب برزت دراسته بشكل واضح في فصل "ثقافة السوق"، حيث أبرزت النزعة الاستهلاكية لهذا العصر وهيمنة النقود وتحول الإنسان إلى سلعة "سلعنة الإنسان"، وكل ظني بأن الكاتب "اشتعل" في هذا الفصل، فلغته كانت مغايرة لبقية الفصول.
وفي إدارته لموضوعات المثلث: المكانة والرضا والأداء، أوضح آل فتيل إلى الكاتب أن استطاع عبر عرضه مجموعة من الدراسات إقناعنا بالعلاقة بين المفاهيم وطبيعتها وأثرها على موضوع الدراسة وهي المكانة، بعد أن عرَّف المكانة وعلاقتها بالهيبة وعلاقتها بالمادي في فصول سابقة.
ولفت إلى أنه يُحسب للكاتب أسلوب عرضه المتماسك، المشفوع بسلسلة من مقولات وآراء المفكرين والعلماء، بعدها يقوم بتصدير رأيه وتبريره. كما يُحسب له استعانته بمجموعة كبيرة من المصادر، مراجع ودوريات ومواقع انترنت، متنوعة المصدر مكانياً (أوروبا ، آسيا، أمريكا، عرب و مسلمين)، وكذلك زمانياً.
جدير بالالتفات "النزعة الإنسانية" للكاتب- على حد قول آل فتيل- في تناوله لجميع موضوعات ومفاهيم الدراسة، فطالما يؤكد على الإنسانية والمعنوية بدلاً من المهنية والمادية كلما تسنى له ذلك. كما يجب التذكير بأن الموقف من العولمة الذي اتخذه الكاتب كان بغرض الدراسة ولا يعني هذا بالضرورة موقف الكاتب نفسه، ولعل موقفه الشخص يتمثل في مقولة " التفاعل مع العولمة دون الانصهار في وأحديتها الثقافية".
من جهة أخرى انتقد آل فتيل الكاتب أنه لم يعرف الكاتب سوسيولوجيا الثقافة تعريفاً وافياً، مع اعترافه بحداثة العلم،لافتا إلى أن الكاتب لم يحدد سبب اختياره لظاهرة العولمة عن غيرها من الظواهر الأخرى ، مثل: الحداثة، العالم الواحدي القطب، المعلوماتية، وسلسلة من الظواهر الكونية الأخرى، ملاحظا أن الكاتب قام الكاتب بعرض مجموعة من التعاريف لا تنافس التعاريف السابقة، حيث عرفها بـ"هيمنة المال و التكنولوجيا على العالم".
كما لاحظ آل فتيل على صاحب الكتاب أنه لم يحدد "السلطات الأبوية" إلا متأخراً (الفصل الثالث، القسم الثاني) وقد عرفها بالسلطات البيداغوجية وليس الأبوية.. لم أتحقق من صلاحية ترادف "الأبوية" مع "البيداغوجية"، إذ أن مصطلح بيداغوجيا مصطلح متعدد التعاريف لكنه في نهاية المطاف يستخدم بمعنى تربوي أو مدرسي.
وتساءل آل فتيل لماذا اختار الكاتب المعلم كممثل للسلطات الأبوية؟ لمَ لم يختر رجل الدين أو القائد السياسي.
ثم استرجع وقال : المعلم هو التربية، المعلم ممثل للسلطات الأبوية، وكأنه يقع فيما استشكل عليه المجتمع من حيث تضخيمه لدور المعلم.
ورقة الأستاذ حسين الغزوي
من جهته ناقش الأستاذ حسين الغزوي في ورقته مفهوم العولمة من حيث النشأة كمصطلح جديد، مشيرا إلى أن أول من أطلق هذا المصطلح هو ( مارشال ماك لوهان ) الذي تنبأ بخسارة الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الفيتنامية حتى وأن لم تهزم عسكريا؛ لأن الحرب تحولت إلى حرب تلفزيونية، مما يعني – على حد قوله- أن الإعلام وشبكة الاتصالات التقنية هي أول منجز لمفهوم عولمي.
وتابع الغزوي حديثه بقوله: إن العولمة لاتخرج عن كونها نتاجا لحركة التقدم التقني وثورة المعلومات والاتصالات وظهور العقول الالكترونية كمتغيرات برزت في أعقاب الحرب العالمية الثانية والكتابات الغربية التي تؤكد بأن العولمة ماهي إلا زيادة الارتباط المتبادل بين المجتمعات الإنسانية من خلال عمليات انتقال السلع ورؤوس الأموال وتقنيات الإنتاج .
ثم تطرق الغزوي إلى العولمة وعلاقتها بالجانب الاقتصادي، موضحا أن للعولمة تأثيرا اقتصاديا كبيرا في الوقت الحالي، وساهمت بشكل مباشرة وغير مباشر في نشر الثقافة الكونية فأصبحنا ذات هوية مركبة والحديث عن الهوية وعلاقتها بالعولمة ظاهرا جليا لا يحتاج إلى توضيح.
واختتم الغزوي ورقته بقوله: إن للعولمة ذات بعدين ( إيجابي و سلبي ) وما ينبغي علينا إلا أن نوظف الجانب الايجابي في حياتنا العامة ونستفيد من كل أدوات العولمة الحديثة والمعاصرة في التنمية البشرية، والابتعاد عن استخدام تلك الأدوات في اللهو والتسلية.
ورقة الأستاذ الغريبي مراد
وجاءت ورقة الأستاذ مراد غريبي ( عضو مركز آفاق ) والتي ألقها بالنيابة الأستاذ عبد المنعم القلاف، حيث لاحظ أن الكتاب من خلال الصفحات التي طالعها، هو كتاب مشحون بعدة قراءات لمفكرين غربيين معاصرين و متأخرين، كما لاحظ الأستاذ الغريبي محاولة تقديم صورة متعددة للقارئ واستغرق الكاتب في موضوع العولمة و قد وفق لدرجة ما في تقديم الرؤى و التوجهات و المطارحات المتباينة حول موضوعة العولمة،
وتابع قوله: لكن بالنسبة لتوظيف علم اجتماع الثقافة في بحث السلطات الأبوية و تعذره بأن الدراسات الوحيدة في مجال علم اجتماع الثقافة تعود للطاهر لبيب و عبد الغني عماد، في حين دراسات مغاربية متوفرة و مرموقة باللغة الفرنسية و العربية،
أذكر على سبيل المثال تعددية القيم للدكتور طه عبد الرحمن و كتابه سؤال الأخلاق و دراسة لعالم الاجتماع المغربي الأستاذ أحمد شراك و دراسات الباحث الدكتور أحمد طاهري و دراسات رائعة للدكتور عبد السلام حيمر و كتابي الثقافة و المقاومة، الثقافة و الامبريالية للراحل إدوارد سعيد.
ونوها الغريبي أن الكاتب لم يوازن بين مناقشة العولمة كفكرة و كأيديولوجيا و كتراكم ثقافي من جهة و من جهة أخرى التحديد الدقيق للسلطة الأبوية و أنواعها و علاقتها بمفهوم العولمة قبولا و رفضا و حيثيات ذلك كله.
واختتم الغريبي ورقته بكلمة، كان من الواجب على الكاتب الارتكاز على الدراسات الفلسفية للمفاهيم قبل ولوج منهج تطبيق سوسيولوجيا الثقافة، مستغربا كيف لم يعتمد على أحد الكتب المهمة في فرنسا و هو المقيم هناك ككتاب العولمة الثقافية كتاب نقدي و في صميم علم اجتماع الثقافة للباحث جون بيار فارنيه.
و تصور لو كان عنوان الكتاب مقاربات للسلطات الأبوية في عصر العولمة مع أخذ في عين الاعتبار الملاحظات الآنفة الذكر لكان أحسن و أفضل خاصة من وجهة نظر ابستيمولوجية.
مداخلات
وكان للمفكر المحفوظ مداخلة اوجزها في ملاحظتين هما:
الملاحظة الأولى
تعريف سيسولوجيا الثقافي قال الأستاذ جعفر انها "الثقافة الاجتماعية" فوقع الاشتباه في تعريف الثقافة الاجتماعية، إذ أنها لاتساوي سيسولوجيا الثقافة و انما هي الثقافة كما هي معيشة وكما يعيشها الناس، ومن مجموع أشكال العيش الاجتماعي ومنها يتشكل مفهوم السيسولوجيا الاجتماعية فالسيسولوجيا لا تساوي الاجتماع ولا تساوي الثقافة الاجتماعية وانما تساوي ما يعيشه الناس من أنماط حياة وانماط معيشة ومجموع هذه الأنماط يسمى سيسولوجيا ولذلك كتاب الطاهر هو اول كتاب كتب في هذا الموضوع
الملاحظة الثانية
عن "افول المعلم"، يبدو ان افول المعلم ليس المقصود به غياب المعلم وليس غياب دور المعلم ولكن غياب السلطة، وتعلمون ان احد اشكال غياب السلطات او خلخلتها مع ازدياد التقنية الحديثة وثورة المعلومات والتواصل بطبعها توجد خلخلة في السلطات فحينما يتم الحديث عن افول المعلم يكون الحديث عن تضاءل دور سلطة سواء مع التلاميذ او في صنع المناهج الدراسية، فلا أحد يتحدث عن غياب دور المعلم في العملية التعليمية او غياب دوره المأمول سواء في العملية التعليمية أو دوره في المجتمع وانما يتم الحديث عن الأفول من خلال ضعف سلطة المعلم من خلال عوامل موضوعية عديدة توفرت في الفضاء الاجتماعي.
وأما الكاتب حسن الحمادة تحدث فيها عن اقتباسات المؤلف التي قال عنها جعفر العيد أنها متكررة ، ارجع ال حمادة هذا الاقتباس لكون الكتاب رسالة دكتواره وهو حال الرسائل الأكاديمية التي تتطلب مثل هذه الاقتباسات للاتكاء عليها علميا.


حوار مع الشيخ حيدر حب الله حول الحراك الجماهيري، قراءة في مستقبل الإصلاح والتغيير في الأمّة

30 يوليو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

البصائر: بدءاً، تشهد الساحة العربية والإسلامية حراكاً جماهيرياً يطالب بالتغيير على المستوى السياسي، وهذا الحراك ربما يعبر عنه بالاحتقان الداخلي، والنتائج التي حقّقها هذا الحراك الإطاحة بنظامي ـ تونس ومصر ـ جثما على صدر الأمّة عقداً من الزمن، لم تشهد الساحة العربي والإسلامية خلالها إلا الظلم والاستبداد والتقهقر. السؤال هو: كيف تقرؤون هذا الحراك الطالب بالتغيير من حيث دلالات شموليّته للعالم العربي، ومن حيث تأثير العامل الدولي، وما هي نتائجه المستقبليّة؟


 أعتقد أنّ العناصر المبرّرة والدوافع الكامنة خلف الحركة الثورية الأخيرة في عالمنا العربي لا تقف عند حدود هذا البلد العربي أو ذاك؛ لأنّها مشتركة، مع الحفاظ على الخصوصيات هنا وهناك، مما يعطّل بعض العناصر هنا لصالح عناصر أخرى والعكس هو الصحيح.

ولو عدنا قليلاً إلى بعض هذه العناصر لوجدناها على نوعين:

1ـ الدوافع الراجعة إلى تردّي حال الداخل العربي والوطني على الصعد السياسية والاقتصادية، وعلى مستوى الحريات وقضايا الأمن والشباب وغير ذلك.

2ـ الدوافع الراجعة إلى تردّي الموقف العربي والوطني إزاء القضايا الكبرى التي تهمّ الأمة وسيادتها وكرامتها وعنفوانها، وفي مقدّمتها القضيّة الفلسطينية.

عندما تكون المبرّرات مشتركةً بين بلداننا العربية، فمن الطبيعي أن تترك الحركة في مصر وتونس تأثيراتها على مجمل هذه البلدان. إنّ فشل القومي والعروبي والقطري في تقديم أنموذج سليم في التجربة العربية دفع نماذج أخرى للظهور بهدف صيرورتها بديلاً عن الوضع القائم المتردّي، وإذا كان الأنموذج السلفي لم يقدر على اجتذاب الشارع العربي في تجربته السلطوية، نظراً لما رآه المواطن العربي في تجربة طالبان وباكستان وغيرها من انتكاسات وتداعيات وفشل على مستوى بناء الجماعة والأوطان، وإذا كان الأنموذج الصوفي ـ إذا صحّ التعبير ـ لم يقدر على تحسين أوضاع السودان، ولا أخرج المغرب الإسلامي من مأزقه، فإنّ المجتمع العربي اتجه فترةً للأنموذج الإيراني بعد أن رأى بعض منجزاته، لاسيما على صعيد القضايا الكبرى للأمة.

ويبدو لي أنّ النفخ في النيران الطائفية قد ساعد على تضعضع الصورة الحسنة للأنموذج الشيعي ـ إضافة إلى مشكلات داخليّة خاصّة ـ فتراجع تأثيره بشكل بارز في الفترة الأخيرة، وشكّل الملفّ العراقي مادّةً دسمة ومركزاً خصباً لبناء جدار الفصل بين المجتمعات العربية من جهة وهذا الأنموذج الجديد من جهة ثانية، ساعد على ذلك بعض المظاهر السلبية التي أبداها هذا الأنموذج في السنوات الأخيرة عن نفسه، لاسيما بعد الانتخابات الأخيرة في إيران..

إنّ تراجع سلسلة نماذج كانت لها ريادتها من القومية إلى القطرية إلى السلفية إلى الصوفية إلى الشيعية السياسية، أو بناء المعوقات أمامها، أدّى إلى حركة شعبية في الوطن العربي لا تنطلق من خلفية هذه الأيديولوجيات، وتحاول أن تفرّ من شيء إلى شيء لم تجده في جميع أو أغلب هذه التجارب، وهو قضايا الإنسان اليومية وحاجاته الأساسية من الحريّات والتعددية والحقوق والمشاركة في القرار والموقف، والتوزيع العادل للثروة وتخفيف حدّة الشرخ الطبقي القاتل و.. إنّ أغلب هذه النماذج لم يوفر استجابةً حقيقية وعميقة لهذه الحاجات؛ لهذا لجأ الشباب العربي لصرخة تعرف ما لا تريد لكنها حتى الآن لا تعرف ماذا تريد؛ لأنها لم تختر بديلاً واضحاً يمكن بناء الوضع عليه، من هنا لاحظنا سعياً غربياً للاستفادة من مشهد الفراغ الأيديولوجي هذا ربما لتكريس ما يشبه الأنموذج التركي المعتدل الذي يقدر على تلبية الحاجات العاطفية والدينية للشعوب العربية مع حدّ معقول من الرجولة السياسية في القضايا المتعلّقة بفلسطين المحتلّة، إلى جانب إسلامية معتدلة تتعاطى الديمقراطية وتستطيع التعايش مع أشدّ أنماط العلمانية تطرّفاً.

هنا يظهر العمل الدولي في اشتغاله على سَوْق هذه الحركات الشبابية الناهضة نحو نماذج في الحكم والتغيير تنسجم مع المصالح الكبرى للدول الأجنبية والكيان الغاصب، وأعتقد أنه إذا لم يشتغل أصحاب المشروع الإسلامي الحركي على نقد ذاتي جادّ ليخرجهم من مجموعة المفاهيم القاتلة في الاجتماع الإسلامي، فسوف يزداد الشرخ بين الشارع العربي والحركة الإسلامية بالمعنى العام، ما سيعزّز النفوذ الإسلامي المتطرّف أو النفوذ الليبرالي المشبوه، ويزيد من صعوبة الموقف في المستقبل.


البصائر: الأيقونة المستجدّة: (الشعب يريد تغيير النظام) تفتح الباب على جملة أسئلة، ما يتصل بسياق الحوار هو مقاربة مفهوم (الإصلاح) الذي بات يقترب من الثورة، أو ما يتداول في أدبيات النهضة من الإصلاح الشمولي الجذري. كيف تنظرون لعمليّة الإصلاح من حيث المفهوم ومن حيث إمكانه؟


الإصلاح حاجة طبيعية متكرّرة تتطلّبها حياة الفرد والجماعة باستمرار؛ وفاءً للديمومة وتواصل العيش، يتخذ الإصلاح شكلين أساسيين عادةً: أحدهما عندما يتراجع المستوى الميداني لأداء الفرد والجماعة بسبب انحرافات حصلت أو اكتشاف خطأ ما في الرؤى والأفكار، أما النوع الثاني من الإصلاح، فلا يختزن بالضرورة فرضية وجود مرض ما في مكان ما في حياة الفرد والجماعة، فعندما تتطوّر الحياة وتتعقّد تحتاج الرؤى والأفكار والممارسات إلى إصلاح، بمعنى أن نسقها القديم لم يعد كافياً فصار لابد من إجراء تعديلات فيها يُقدرها على الاستجابة الصحيحة للمتغيّرات.

يعتقد كثيرون منّا أنّ الإصلاح والتجديد يختزنان صورة سلبية مفترضة عن الذات الفردية والجماعية، وحيث تكون الذات هذه هي التراث والتاريخ والعمق الحضاري للأمّة، سيعني مشروع الإصلاح افتراضاً نقدياً لهذا التراث وتمرّداً عليه ورغبةً في كشف عورته.. القضية ليست كذلك دائماً، فقد يكون التاريخ والتجربة والموروث الديني والاجتماعي وغيرهما ناجحاً، لكنّ ذلك لا يعني بالضرورة قدرته على تحقيق النجاح في اللحظة التاريخية المعاصرة، هذا ما يفرض إعادة بنائه أو إجراء تعديلات عليه، إما بحذف جزء أو بإضافة آخر أو بإعادة تنظيم الأجزاء ومواقعها في الخارطة العامّة.

يمكن الاشتغال على الإصلاح بهذين المديين له دون أن يجرّ ذلك إلى وضعنا قهراً في مواجهة وجودية مع التاريخ والتراث، لكنّ إمكانات هذا الموضوع تظلّ عسيرةً؛ لأنّ الإصلاح هنا سيعني تلقائياً أنّ مواقع السلطة في الاجتماع العربي والإسلامي والتي تبلورت على أساس الوضع السابق، سوف تتعرّض تلقائياً للاهتزاز بفعل تغيير الأفكار والممارسات والأهداف ولو تغييراً جزئياً معقولاً، الأمر الذي يضع حركة الإصلاح أمام مواجهة مباشرة مع السلطة.. إنّ جرّك إلى هذه المواجهة قهريٌ ولا يمكنك الفرار منه..

لو أخذنا حركة الأنبياء لوجدنا كيف وضعتهم في مواجهة مباشرة (وجودية) مع الملأ بالمفهوم القرآني، وهم السلطة المالية والسياسية والدينية بمفهومنا المعاصر.. وعندما تكون في مواجهة السلطة فمن الطبيعي أنك ستقف في موقع الذي لا يملك الإمكانات التي تملكها السلطة، وبتعبير آخر لا تملك حصّة السلطة في الوجود؛ لأنّ سلطويتها جاءت من إمساكها بمفاصل القوّة في المجتمع، وهي القدرة والمال والنفوذ الروحي.. وعندما يشتدّ الصراع بين الطرفين ستجد السلطة نفسها مضطرّةً للقمع والكبت والحسم، مما يفرض المنطق الثوري حينئذٍ، أي الإصلاح الشمولي والجذري الذي يمكّن المصلحين من تحقيق نتائج تماماً كما في المواجهة الحادّة بين الأنبياء ومللهم حيث كان ضرب الأساس الاعتقادي بمثابة إعلان حرب شاملة على كلّ مواقع السلطة التي تعتاش على هذه العقيدة.

لا أريد أن أميل لفكرة الحلول الجذرية؛ لأنني أعتقد ـ فقهياً ـ أنّ هذا النوع من الإصلاح في الداخل الإسلامي يمثل الاستثناء لا القاعدة، وهو موضوع يتصل بمعالجة فقهية مطوّلة للمسألة لسنا بصددها الآن، لكنّني أريد الإضاءة على أنّ الإصلاح الجذري قد تندفع الأمّة إليه بطريقة غير مدروسة، وبتعبير آخر ليس للثورة لحظة مقرّرة من قبل، إنّها لحظة ذاتها التي لا يمكن التنبؤ بها على وجه الدقّة دائماً.


البصائر: عندما نتحدث عن ضرورة الإصلاح في الأمّة فذلك يستدعي وجود مبررات تستدعي ذلك الإصلاح، وأيضاً يستدعي وجود قدرة عند مجتمع ما.. على ممارسة الإصلاح. وأيقونة (الشعب يريد تغيير النظام) تتجه رأساً نحو الإصلاح السياسي من خارج قوانين اللعبة السياسية المعتمدة… فهل يعني ذلك أنّ مجتمعاتنا تجاوزت الإصلاح الثقافي؟


يؤسفني القول بأنّ الأمة كانت تتجه في الستينيات والسبعينيات ثم في التسعينات نحو إصلاح ثقافي، إلا أنه باء بالفشل؛ ولأنّه كذلك، لا نجد ديناميات أيديولوجية أو ثقافية تحرّك المشهد الثوري في عالمنا العربي اليوم، وإن حاول كثيرون اعتبار هذا المشهد امتداداً لهم، مع الإقرار بأنّ مفاهيم الديمقراطية والحرية و.. تعبّر عن رؤية ثقافية ما.

هل يتقدم الإصلاح الثقافي على السياسي أم العكس هو الصحيح؟ لكلّ واحد من الخيارين سلبياته وايجابياته، فتقدّم الإصلاح السياسي على الثقافي قد يفضي إلى فرض أفكار الأمر الواقع، وهي أفكار وإن اتسمت بالواقعية حيث تستجيب للواقع لكنّها تظل الأمر الثانوي المتفرّع على الواقع دون أن يصنع واقعاً.. فهناك فرق بين أن تصنع واقعاً وبين أن يصنعك الواقع، لقد كانت هناك إمكانية في لحظة ما أن تنتقل الأمة من مرحلة إلى أخرى انتقالاً واعياً، إلا أنّ سوء إدارة الأنظمة والسلطات السياسية وغيرها فوّت علينا هذه الفرصة التاريخية التي تعالج مشكلات الأمة بدون حاجة إلى عمليات جراحية.

لكن ثمّة مصلحة تكمن خلف تجاوز الإصلاح الثقافي، وهي ولادة المثقف من جديد، فقد بات عالمنا العربي يشهد غياب المثقف النهضوي والعلمي لصالح المثقّف المقاول، كما يحبّ بعض علماء الاجتماع العرب أن يسمّيه، وأظنّ أنّه لا يجوز منح هذا النوع من المثقف موقع ريادة نهضة الأمة؛ لأنّ المثقف المقاول أو المنفعي ليس جديراً ولا أهلاً لإطلاق مشروع إصلاحي في الأمة؛ لهذا تركته الأجيال الشابّة، ففي الغرب الحديث كان المثقف إلى جانب الشاب يتناغمان في أيقونة التغيير والصيرورة، لكن عندما يرى شبابنا العرب مخملية مثقفنا وتعاليه وجلده لمجتمعه وإجادة التلاعب بالأفكار لمصالح شخصية، فلن يكونوا على استعداد لفعل شيء من أجل أفكاره.

ربما نحن بحاجة إلى ثورة مؤمنة شبابية داخل الجسم الثقافي تطيح بالأصنام المتكلّسة التي باتت تحكم حياتنا الثقافية والدينية معاً.


البصائر: الآمال أصبحت كبيرة منذ شرارة ( بو عزيزي) لكنّ التعقيدات التي تشهدها المجتمعات العربية من الحالة القبلية والطائفية وضعف مؤسّسات الدولة والمجتمع المدني، ومن كونها موضع تأثير وتجاذبات الدول الكبرى، فإنّ عوامل القلق أيضاً كبيرة، السؤال عن التحديات الأساسية التي تواجه الحراك التغييري وسبل تخطّيها؟


تبدو مخاطر الحالة القائمة من عدة نواحٍ، فنحن من جهة لا نجد قيادة ذات تجربة في العمل السياسي أو النهضوي، الأمر الذي يجعلها عرضة لأحد أمرين: إما الاندفاع السطحي الحماسي نحو خيارات مدروسة أو الذوبان في مشاريع الآخرين دون إحساس بذلك ممّا يعرّض منجزات الثورة للاضمحلال، ومن ثم فنحن أمام مصيرين: إما التطرّف والجمود المكْلِفَين أو التلاشي والفشل. وهذا ما يفرض مساهمة العلماء والمثقّفين الناضجين في مشروع دعم هذه الثورة وترشيدها دون ممارسة وصاية عليها، إنّ مسؤولية العلماء والمثقفين تكمن في هذه المرحلة في التواصل مع الحركة الشبابية لتبادل الرؤى والأفكار معها أو مدّها بما ينفعها من إرشادات وأفكار.

وأذكر هنا مشاركة السيد محمد باقر الصدر في تدوين دستور الجمهورية الإسلامية في إيران، فإنّ هذا العالم المثقف لم ينتظر من الحركة الثورية أن تطلب منه المساعدة أو مدّ يد العون، وإنما قام من تلقاء نفسه بالمشاركة وقبل انتصار الثورة في الترشيد الثقافي والديني دون أن يسأل عن إمكانات استجابة الفريق الآخر له في رؤيته الفكرية هذه، لاسيما ونحن نعلم أنّ بعض الأجنحة لم تكن على صلة جيدة به، لكنّ هذا لم يمنعه من العمل من موقع المسؤولية.. إنّ مسؤولية علماء الدين والمثقفين الواعين اليوم أن يكتبوا ويتكلّموا أو يعبّروا ويساهموا ولو لم يُطلب منهم في أيّ موقف أو قضية من القضايا التي تهمّ الحركة الشبابية دون أن يتعاطوا معها بمنطق الوصاية أو على طريقة الأب القاهر.

المشكلة الأخرى التي نلاحظها اليوم هي دخول بعض التيارات الدينية المتطرّفة على الخطّ مستفيدةً من الحالة القائمة، ونحن نعرف أنّ هذه التيارات المتطرّفة لا تؤمن حتى بأصول الحركة الشبابية هذه، مثل الديمقراطية والتعدّدية والمجتمع المدني ومنطق المؤسّسات؛ لأنها تعيش على الفردية والاستبداد وتنتفع من الديمقراطية للوصول إلى مآربها حتى إذا بلغتها نحرت الديمقراطيةَ نفسها.. هذا الخطّ يتهدّد الحركة الشبابية إذ إما أن يصادرها أو تنجرّ إلى التصادم والاصطراع معه، وعلى كلا التقديرين نحن أمام مشكلة جديدة، إذ قد تكون الغلبة للتيار المتطرّف؛ لأنّ مواجهته قد تجعل القاعدة الشعبية تشعر أحياناً ـ نتيجة عدم وجود وعي ديني متقدّم ـ بأنّ الحركة الشبابية تقف ضدّ الدين، وهو عنوان سيشكل وصمة عار لهذه الحركة في مجتمعاتنا ذات الطابع الديني المحافظ.

مشكلة أخرى في هذا السياق هي الاندفاع نحو تمثل الأنموذج الغربي بطريقة غير منسجمة مع الأصول العقدية والتراثية والحضارية لأمّتنا، ممّا يضع التجربة أمام حالة التبعية للغرب، لذا من الضروري أن تبدي الحركة الناهضة شكلاً معتدلاً ومعقولاً من أشكال الممانعة والخصوصيّة لا يفضي إلى تقوقع، ولا يعزلها عن التواصل مع الغرب بوصفه مركزاً من مراكز العلم وحضارةً للحظة الحاضرة.


البصائر: الروح الجديدة (الشبابية) طرحت تساؤلات عن الريادة وصناعة المبادرة بين النخبة والشباب، وأعادت الاعتبار للعمل الجماهيري الشعبي.. بيد أنّ ظاهرة بعض المجتمعات، خصوصاً في الشريحة الشبابية أنّه يعيش حالة من اللا اهتمام بالشأن العام والروح التغييريّة.. ما رأيكم بذلك وما السبيل لخلق تحوّلات في اهتمام الشباب في العالم العربي والإسلامي نحو مسؤولية الإصلاح؟


يحتاج هذا الأمر إلى تغيير ما في نمط الحياة والتفكير، سآخذ مثالاً فبعض مجتمعاتنا ما زال تفكيرها الديني سكونياً، إنها تثور لحدث طقسي بسيط قد يفضي إلى جرح نرجسي، لكنها لا تتحرّك إزاء أكبر قضايا الأمّة، ما هو السبب؟ أحد الأسباب هو نسق الوعي الديني الذي لم يراعِ منطق الأولويات، فقدّم ما حقّه التأخير وأخّر ما حقّه التقديم، إذاً فنحن بحاجة في بعض المجتمعات المحكومة لنسق التديّن التقليدي إلى حفر معرفي جديد لتغيير الوعي؛ لأنّ بعض أشكال التديّن التقليدي ذات نمط تعطيلي، فليست الجبرية هي الاتجاه التعطيلي الوحيد في الأمة، بل هناك التيارات التي تتخذ من الطاعة أساساً للتديّن، إنّ هيمنة فكرة الطاعة بشكلها المفرط في بعض النظريات عند هذا المذهب أو ذاك قد سدّ الأفق أمام حياة نقدية وأما منطق الشورى والنصح للحاكم.. إنّه منطق تعطيلي؛ لأنه يعطّل دور الأمة في المشاركة السياسية بل في الحياة السياسية عموماً.. من هنا أظنّ أننا بحاجة إلى إصلاح ثقافي في بعض هذه المجتمعات كي يوفّر المناخ المحيط لولادة فاعلية شبابية..

الأمر الآخر هو نمط العيش ودخول بعض مجتمعاتنا العربية ـ وهي تعيش الأمن والاستقرار ـ في النمط ما بعد الحداثوي للحياة، إنّه نمط يقصّر من مدى النظر، ويجعل منتهى الآمال في أن يلبس بطريقة خاصة أو يعيش كالفنّان الفلاني أو ينشغل بمتابعة الرياضة الفلانية بطريقة إفراطية.. هذه الثقافة السطحية تلعب وسائل الإعلام العربية أكبر الأثر في خلقها، إنّها ممتازة في تسطيح الوعي وتعليب الأفكار والأذهان وصناعة العقول الناجزة، مما يحوجنا إلى نهضة في وسائل الإعلام تقدر على تغيير نمط الوعي وإيجاد تحوير في المثل ـ القدوة التي تصنع لشبابنا اليوم.

ومن الضروري أن نشير إلى أمر، وهو أن لا تأخذنا الحماسة لاستنساخ تجربة مصر وتونس في كلّ البلدان العربية قبل دراسة مقوّمات وإمكانات وظروف كلّ بلد، إنّ هذا الخطأ حصل في بداية الثمانينيات بعيد انتصار الثورة في إيران، ثم توصّل قادة الثورة أنفسهم بعد زمن إلى أنّ هذه الطريقة غير صحيحة وأنّ عملية الاستنساخ هذه لابد أن تدرس بدقّة، فليس من الضروري لو نجحت تجربة في مكان أن تنجح في مكان آخر، حتى نقوم بجلد ذواتنا وأجيالنا الصاعدة بحجّة عدم حركتها.

 

ــــــــــــــــــــــــــ

(*) نشر هذا الحوار في مجلّة البصائر، العدد 48، عام 2011م، وقد شارك فيه أيضاً مجموعة من الشخصيات العلمية والثقافيةوهم: الشيخ حسن الصفار، والشيخ محمد حسن الحبيب، والدكتور صلاح الفضلي.



أهل البيت وفقهاء المذاهب الإسلامية وجه مشرق لعلاقة تعاون وتقارب

26 يوليو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة


مقدمة

الأمة الإسلامية بجميع مذاهبها وطوائفها أمة واحدة، فكر واحد ومنهج واحد وسلوك واحد, ومصالح واحدة, ومصير واحد, وتواجه عدواً واحداً، وحّد صفوفه وإمكاناته الفكرية والمادية والإعلامية والعسكرية لمواجهة الأمة الإسلامية بفكرها وقادتها وكيانها؛ من أجل إيقاف المسيرة الإسلامية وعرقلة حركتها التاريخية الرامية لإعادة الإسلام إلى موقعه الريادي بين الأمم.

وقد تنوعت أساليب المواجهة الاستكبارية مع الأمة الإسلامية, وفي مقدّمتها إيجاد البلبلة والاضطراب في داخل مكوّناتها بخلق أجواء الفتن الطائفية والمذهبية على ضوء نظرية أو شعار «فرّق تسد», ومن هنا تكون الأمة الإسلامية في العصر الراهن أحوج ما تكون إلى الوحدة والتآزر؛ لأنها تتعرض إلى هجمة شرسة ودؤوبة, وتقع على عاتق العلماء والدعاة مسؤولية إعادتها إلى موقعها الريادي بتوحيد صفوفها، وخصوصاً توحيد المواقف العملية تجاه التحديات الخطيرة.

ومن أهم وسائل تحقيق الوحدة تقريب العلاقات الراهنة بين المسلمين إلى مستوى العلاقات بين أئمة المذاهب الإسلامية, فهي علاقات تعاون وتآزر وتكاتف, ولم تكن علاقات تنافر وتدابر وتقاطع, فقد أدّوا دورهم ومسؤوليتهم، كلّ حسب قراءته للإسلام ودرجة فهمه لمتبنياته وثوابته, فالاختلاف بين أئمة المذاهب كان اختلافاً نظرياً واختلافاً في القراءات نتيجة لاختلافهم في المستويات العقلية واختلافهم في التنشئة الاجتماعية وفي ظروف التعلّم والتلّقي واختلافهم في تأثير العامل الوارثي على شخصياتهم.

وفي جميع الظروف والأحوال وأجواء الاختلافات النظرية، وخصوصاً في مجال الفقه، كانوا يلتقون معاً في العمل للإسلام والحرص على مفاهيمه وقيمة وتقريرها في العقول والقلوب والمواقف العملية والسلوكية, وكانوا يواجهون تحديات واحدة من قبل الحكّام والمنحرفين في ثوابت العقيدة والشريعة, ومن قبل التيّارات المنحرفة، كالزنادقة والغلاة, وكان الودّ والاحترام المتبادل حاكماً على علاقاتهم، فلا تقاطع ولا تدابر, ولا حساسية ولا خصومة, وقد تضافرت جهودهم من أجل نشر مفاهيم الإسلام, واتحدت الخطى في نطاق الأفق الأرحب، متعالين على الفواصل الجزئية التي تعاملوا معها في حدودها الضيّقة، وكذلك تعامل معها أتباعهم ومريدوهم.

وعلاقات الودّ والاحترام والتآزر والتعاون ينبغي أن تكون نبراساً لنا جميعاً لتتحكم في روابطنا ومواقفنا العملية في هذه المرحلة الخطيرة التي تكالبت فيها قوى الشر والانحراف على مواجهة الأُمة الإسلامية بعقيدتها ووجودها, وتلك المواجهة لا تقتصر على مذهب دون آخر ولا طائفة دون أُخرى، وهي لا تفرّق بين أتباع أئمة المذاهب, فلا فرق لديها بين أتباع جعفر الصادق ومالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أتباع المذاهب الأخرى، كالزيدية والأباضية.

فلتتكاتف وتتآزر القوى والتيارات الفاعلة في الأمة لتوحيد الصفوف وتوحيد المواقف العملية؛ لإعادة الإسلام إلى موقعه الريادي في قيادة البشرية، التي جرّبت جميع التيّارات فلم تحقق لها السعادة والأمان والسلام, فليكن الإسلام لها منقذاً من أزماتها المختلفة.

 

ثقافة الاستيعاب والذهنية التعدّدية: مواقف، فتاوى، وآراء

إنّ التعددية ظاهرة طبيعية ينبغي مراعاتها, فقد أقرّها الإسلام ولم يعطلها أو يلغيها, فقد أقرّ القرآن الكريم والرسول الأكرم هذه التعددية القائمة على أسس عشائرية أو قومية أو وطنية, فكان المسلمون على انتماءات وولاءات ثانوية, فهناك الأوس والخزرج والقريشيون, وهناك مهاجرون وأنصار وما شابه ذلك, وتطورت التعددية لتصبح مذاهب متنوعة, ولكّنها تلتقي معاً في الأُفق الأرحب.

فينبغي إشاعة ثقافة الاستيعاب ومراعاة التعددية, والتعامل معها كأمر واقع لا يمكن تجاوزه, ولنتقتدِ بالصالحين والمصلحين من قادة الأمة, ونتخذ مواقفهم ومناهجهم نبراساً في حركتنا نحو تحقيق مفاهيم وقيم الإسلام في الواقع.

وكان أئمة وفقهاء المذاهب في مقدّمة دعاة الوحدة، وكانوا يؤكدون على استيعاب الآخرين ومراعاة التعددية, ويدعون على مداراة مسايرة المخالفين بالرأي والولاء والانتماء، وعدم الانعزال عن نشاطاتهم وفعالياتهم؛ حرصاً على الوحدة والاتحاد.

ومن توجيهات الإمام جعفر الصادق× أنه قال: «خالقوا الناس بأخلاقهم, صلّوا في مساجدهم, وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم, وإن استطعتم أن تكونوا الأئمة والمؤذنين فافعلوا, فأنّكم إذا فعلتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، رحم الله جعفراً ما كان أحسن ما يؤدّب أصحابه, وإذا تركتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، فعل الله بجعفر ما كان أسوأ ما يؤدّب أصحابه([1]).

وهذه الرواية وروايات أخرى وردت في باب التقيّة, وقد فسّر الإمام الخميني& التقية بمعناها الإيجابي الذي يقصده الإمام الصادق×، فقال: تارة تكون التقية خوفاً, وأخرى تكون مداراة.

والخوف قد يكون لأجل توقع الضرر على المتقّي نفسه أو عرضه أو ماله أو ما يتعلق به؛ وقد يكون لأجل توقعه على غيره من إخوانه المؤمنين؛ وثالثة لأجل وقوع الضرر على حوزة الإسلام, بأن يخاف شتات كلمة المسلمين بتركها، ويخاف وقوع ضرر على حوزة الإسلام لأجل تفريق كلمتهم…

والمراد بالتقية مداراة أن يكون المطلوب فيها جمع شمل الكلمة ووحدتها؛ بتحبيب المخالفين وجرّ مودتهم من غير خوف ضرر كما في التقية خوفاً([2]).

وعلى ضوء ذلك، وفي ظروف التآمر الاستكباري المتواصل على الوجود الإسلامي, يكون العمل بالتقية ضرورياً على كلا المعنيين, فهو ضروري للمحافظة على حوزة المسلمين, وضروري في جمع الكلمة.

وقد صدرت مجموعة من الفتاوى الدالة على ضرورة مراعاة التعددية واستيعاب القراءات المختلفة للإسلام, ومن هذه الفتاوى([3]):

1 ـ فتوى المرجع الديني السيّد علي الخامنئي

«الفرق الإسلامية بأسرها تعتبر جزءاً من الأمة الإسلامية, وتتمتع بالامتيازات الإسلامية، وإيجاد الفرقة في ما بين الطوائف الإسلامية يعد خلافاً لتعاليم القرآن الكريم وسنة النبي’، كما يؤدي إلى إضعاف المسلمين وإعطاء الذريعة بأيدي أعداء الإسلام، ولذلك لا يجوز هذا الأمر قط».

 

2 ـ فتوى المرجع الديني السيد علي السيستاني

«كلّ من يشهد الشهادتين، ولم يظهر منه ما ينافي ذلك, ولم ينصب العداء لأهل البيت، فهو مسلم».

 

3 ـ فتوى المرجع الديني السيّد محمد سعيد الحكيم

«يكفي في انطباق عنوان الإسلام على الإنسان الإقرار بالشهادتين والفرائض الضرورية في الدين، كالصلاة وغيرها، وبذلك تترتب عليه أحكام الإسلام من حرمة المال والدم وغيرها».

 

4 ـ فتوى المرجع الديني السيّد حسين إسماعيل الصدر

«إنّ المذاهب واقع إسلامي لا بدّ أن ينظر إليها بكل احترام وتقدير, ولا بدّ لأتباعها الاقتداء بها؛ وفقاً لقاعدة الإلزام».

 

5 ـ فتوى المرجع الديني الشيخ بشير النجفي

«كلّ من يقرّ بالتوحيد، ويعتقد بنبوة محمد بن عبد الله، وأنّ رسالته خاتمة النبوات والرسالات الإلهية، وبالمعاد، ولا يرفض شيئاً مما علم وثبت أنّه من الإسلام، فهو مسلم، تشمله الأحكام الإسلامية, وهو محقون الدم والعرض والمال, ويجب على المسلمين جميعاً الدفاع عنه وعن ماله وعرضه، والله العالم».

 

6 ـ فتوى شيخ الأزهر الأسبق الشيخ محمود شلتوت

«إنّ الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه اتبّاع مذهب معين, بل نقول: إن ّ لكل مسلم الحقّ في أن يقلّد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحاً والمدونّة أحكامها في كتبها الخاصّة, ولمن قلّد مذهباً من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره ـ أيّ مذهب كان ـ، ولا حرج عليه في شيء من ذلك.

فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك, وأن يتخصلوا من العصبية لمذاهب معيّنة, فما كان دين الله وما كنت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب,فالكل مجتهدون ومقبولون عند الله تعالى, يجوز لمن هو أهلٌ للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقرّرونه في فقهم, ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات».

 

7 ـ فتوى الشيخ يوسف القرضاوي

«من شهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله, خالصاً من قلبه, فقد أصبح مسلماً، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين».

 

8 ـ فتوى الشيخ أحمد كفتارو

«لا يجوز تكفير أحد من أهل القبلة متى نطق بالشهادتين؛ فإنّ ذلك يعصم ماله ودمه».

وقد نّبه بعض العلماء إلى خطورة الخلافات في ظل التآمر على الإسلام, ووجهوا الأنظار إلى المخاطر الحقيقية.

قال السيّد محسن الأمين: «ما زلنا نتنازع حبل الخلافة, حتى أصبح خليفتنا المفوَّض الفرنسي».

وقال شيخ الأزهر السابق الشيخ عبد العزيز البشري: «ما زلنا نختلف حول غسل أو مسح القدم, حتى أصبحنا لا نملك من وجه الأرض موقع قدم»([4]).

 

أهمية نشر أحاديث ووقائع التعاون والتآزر بين أهل البيت وسائر الفقهاء

إنّ المصلحة الإسلامية العليا تستلزم نشر أحاديث ووقائع التعاون والتآزر, والتقليل قدر الإمكان من الأحاديث والوقائع التي يشم منها رائحة الفرقة، وإن كانت عند البعض صحيحة السند؛ لأنها مخالفة للمصلحة الإسلامية العليا, وينبغي أن تعرض في دوائر خاصة مغلقة, أو الاعتراف بها كأخطاء واقعية لا ينبغي تحميل الجيل الراهن أو مرحلتنا المعاصرة مسؤوليتها, فإذا وجدنا رواية تدل على حسن العلاقة بين أئمة المذاهب أو فقهاء المذاهب فلا بد من التركيز عليها ونشرها, والعكس صحيح, وهذا ما سنؤكده أو نثبته في هذه الدراسة المختصرة, وهي الكفيلة بتقريب القلوب وإنهاء مظاهر الخلافات الصاخبة والمتشنجة.

ومن الأمثلة على ذلك ما روي عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: «رأيت أبا بكر يكثر النظر في وجه عليّ بن أبي طالب, فقلت له: يا أبه, إنّك تكثر النظر إلى عليّ بن أبي طالب, فقال لي: يا بنيّة سمعت رسول الله’ يقول: «النظر إلى وجه عليّ عبادة»([5]).

وفي رواية أخرى: جاءت وفود أسد وغطفان وهوزان إلى أبي بكر، ثم رجعوا وأخبروا عشائرهم بقلّة أهل المدينة وأطمعوهم فيها, فكلّف أبو بكر عليّاً بأن ينصب كميناً على أطراف المدينة, فأطاعه علي×, فلم يستطيعوا الهجوم وتراجعوا؛ لأنهم وجدوا المدينة محروسة([6]).

وحينما خرج أبو بكر للقتال في أحد الوقائع: «أخذ عليّ بزمام ناقته, وقال: أقول لك ما قال لك رسول الله’ يوم أحد: شمّ سيفك, ولا تفجعنا بنفسك, وارجع إلى المدينة»([7]).

ومن الروايات الواقعة في طريق التقريب أنّ عمر بن الخطاب استخلف علياً على المدينة في السنوات: 14 و15 و18 هجرية([8]).

ولم يتخلف أنصار الإمام علي× عن الغزوات التي قادها عمر بن الخطاب, فاشتركوا فيها تحت إمرة من نصّبه قائداً عسكرياً، فاشترك أبناء عمّه العباس فيها, واشترك أبناء إخوانه فيها، ومنهم: محمد بن جعفر الذي استشهد في تستر, واشترك عمّار بن ياسر وسلمان وحذيفة بن اليمان وجابر بن عبد الله في أغلب الغزوات والفتوحات([9]).

وحينما طلب منه العباس أن لا يدخل في الشورى التي عيّنها عمر قال: «إني أكره الخلاف»([10]).

وفي عهد عثمان اشترك أبو أيوب الأنصاري وأبو ذر الغفاري في فتح أفريقية, وإشترك الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وآخرون في غزو طبرستان بإمرة سعيد بن العاص»([11]).

وحاول الإمام× تهدئة الأوضاع المتشنجة بين الخليفة والمعارضين له, وأصبح وسيطاً بين الطرفين لإخماد الفتنة, ونصح المعارضين بعدم قطع الماء عنه  في وقت الحصار، فلم يستجيبوا له, فبعث إليه ثلاث قرب مملوءة بالماء([12]).

وبعث عثمان إليه فأتاه, فتعلّق به المعارضون ومنعوه, فحلّ عمامة سوداء على رأسه ورماها داخل البيت ليعلمه وقال: «اللهمّ لا أرضى قتله, والله لا أرضى قتله».

وأرسل الحسن والحسين للدفاع عن عثمان, فمنعوا المعارضين من الدخول إلى منزله, وقد أصابت الحسن عدّة جراحات في الدفاع عنه([13]).

وفي فترة الحصار رفض الإمام علي× الصلاة بالمسلمين, وقال «لا أُصلّي بكم والإمام محصور، ولكن أصلّي وحدي»([14]).

ولنقتدِ بالأئمة والمصلحين في أدب الحوار؛ لأّنه يؤدي إلى تأليف القلوب وإقناعها بالرأي الأصوب، ومن ذلك ما روي أن يحيى بن أكثم سأل الإمام محمداً الجواد× عن دلالة بعض الروايات التي يفهم منها بعض الفضائل بحق الخليفة عمر بن الخطاب ـ وهي مخالفة لثوابت العقيدة عند الطرفين ـ، فأجابه الإمام قائلاً: «لست بمنكر فضائل عمر, ولكنّ أبا بكر أفضل من عمر…»([15]).

 

فلنقتدِ بالإمام الخميني

ومن المصلحة الإسلامية في مرحلتنا الراهنة وجميع المراحل القادمة أن نروّض أنفسنا على ذكر محاسن الآخرين وإن اختلفنا عنهم في الانتماء والولاء؛ لأنها الكفيلة بتقريب القلوب وتأليفها, وغلق الثغرات أمام أعداء الإسلام للحيلولة دون تصيّدهم لها لخلق البلبلة والاضطراب في صفوف المسلمين وإثارة الخلافات الطائفية, ولنقتدِ بالإمام الخميني& في مواقفه الوحدوية, حيث كان يوجِّه الأنظار إلى المواقف المشرقة الإيجابية, ولم يبخس الآخرين حقّهم في التقييم الموضوعي.

ومن قوله: «لنلاحظ كيف هي معيشة الذين كانوا يدعون إلى الإسلام؟ مثلاً: نفس النبي الأكرم وبعده الخلفاء الأوائل ـ الذين كانوا على نحو آخر ـ، ثم الإمام عليّ أمير المؤمنين×، فهل كانت حياتهم تشبه حياة ملالي البلاط»([16]).

ويستشهد في خطاب آخر بسيرة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، حيث يقول «عندما وصل الخليفة الثاني في أحد أسفاره قريباً من أحد البلدان التي كانت تحت سلطته إذ ذاك كان الدور لغلام الخليفة أن يركب والخليفة يمشي راجلاً, ويأخذ اللجام بيده، وعندما وردا المدينة ـ كما نقل ـ كانا في تلك الحالة, فالخليفة يمشي والغلام راكب على البعير, إذا وجدت مثل هذه الحكومة, فلا مجال لهذه الأقوال؛ لأنه في ظلّها لم تبق أنانية للإنسان»([17]).

وينبغي نشر الأخبار والوقائع والمواقف المشرقة التي وقفها علماء الشيعة والسنة في الدفاع عن بعضهم، وفي تلاحم بعضهم مع البعض, ومنها على سبيل المثال: وقوف علماء الشيعة في العراق إلى جنب الدولة العثمانية في صراعها مع الاستعمار، وتحريم المرجع السيد محسن الحكيم& لقتال الأكراد في العراق, ومطالبته جمال عبد الناصر بالإفراج عن الشيخ سيد قطب, ودعم الإمام الخميني& لحركات التحرر, وكذلك تجويز المراجع إعطاء الزكاة للفلسطينيين، وإعلان شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت استنكاره للاعتداء على علماء الدين في إيران, فجاء في بيانه الذي وجهه للعالم الإسلامي: «إنّ الاعتداء على علماء الدين في إيران سابقة لا يقدم عليها إلاّ متحلّل من دينه، خارج على عقيدته، منكر لما أكّده الله تعالى في حقّ العلماء…

أشهدك اللهم أنّ الاعتداء على حملة رسالتك قد وقع, وإنّ رفع الأذى عن أوليائك فرض في رقاب المؤمنين….

إنّ العمل على إنقاذ المظلوم أمر يحتمه الإسلام، ويوجب رفع الضرر عن الناس، ويأمر به ويفرضه..، وإنّ علماء الإسلام في إيران قد تكرّر الاعتداء عليهم, ونالت ويلات السجون منهم، وتلك جريمة في حقّ الأخلاق, ووصمة عار في جبين الأمة, ويوم تهون أقدار العلماء لن تكون الكلمة إلاّ لهوى النفس الجامحة وقوى الشرّ المخربة, ألا فلينتبه المسلمون في كافة الأقطار».

وقد بعث إلى مراجع التقليد في النجف وفي إيران رسالة جاء فيها: «إننّا نعتبر الاعتداء عليكم اعتداءً على جلالة الرسالة التي تحملونها..، نصركم الله»([18]).

ونشر مثل هذه المواقف يزيد من الألفة والمحبّة بين المسلمين, وقد أثبت الواقع صحة ذلك، من خلال بتعاطف علماء السنة والحركات الإسلامية السنية مع علماء الشيعة, والدفاع عنهم في بعض الفتاوى والبيانات.

 

المظاهر الإيجابية في العلاقات بين أهل البيت وفقهاء المذاهب

كان أئمة وفقهاء المذاهب يعملون من أجل الدعوة إلى الإسلام, وتحكيمه في العقول والقلوب والإرادات والمواقف السلوكية والعملية, ولم يمنعهم الاختلاف النظري في فهم النصوص الثابتة من اللقاء والاجتماع والتزاور, فقد كانوا يعملون مع الخلافات الناجمة عن القراءات المتعددة للإسلام في نطاقها الجزئي, ولم يحولوها إلى فواصل كلية, ولم يصدر عنهم وعن أتباعهم ـ باستثناء المتطرفين ـ أي رأي أو موقف يلغي أو يشطب على الآخرين, بتكفيرهم أو تفسيقهم أو اتهامهم بالمروق من الدين, بل كانوا ينظرون إلى الآفاق العليا وإلى المحاور المشتركة التي تجمعهم, وإذا حدثت بعض الخلافات الصاخبة فإنها كانت ظاهرة استثنائية طارئة، سرعان ما تضمحل، لتعود العلاقات إلى الأصل، وهو التفاهم والانسجام والتعاون والتآزر.

وفي ما يلي نستعرض مظاهر هذه العلاقات، وأهمها: العلاقات في مجالي العمل والفقه, وعلاقات الاحترام والتكريم والولاء, ووحدة الموقف من السلطات الحاكمة, فلم يكونوا أعواناً لها, ولم يحسب أحدهم على حاكم من الحكّام، وخصوصاً الحكّام الذين خالفوا كتاب الله تعالى وسنة نبيّه.

 

العلاقات في مجالي العمل والفقه

إنّ توجّه أئمة المذاهب وفقهائهم إلى طلب العلم كان استجابة للتعاليم والإرشادات الإسلامية الداعية إلى التفقّه في الدين والغور في مفاهيمه وقيمه بجميع جوانبها: العقائدية والتشريعية الشاملة لجميع جوانب الحياة الإنسانية, استناداً إلى ثوابت القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة, ولم يبحثوا في طلب العلم عن جاه أو منصب دنيوي أو مال أو عرض من أعراض الدنيا, ولم تصدر أية فتوى من أحدهم تناصر الحكّام إلاّ في حدود المصلحة الإسلامية العليا والمحافظة على الوجود الإسلامي من الغزو والانهيار.

ولم تكن العلاقات في مجالي العلم والفقه علاقات انزواء وانكماش وتقوقع, وإنما كانت علاقات تفتح، انعدم فيها عنصر الأنا، والعنصر الشخصي, والنظرة السلبية مع الآخرين, فالجميع انطلقوا ضمن الأهداف المشتركة، وكانوا يأخذون العلم من مناهله ومنابعه على اختلاف مناهجها ومتبنياتها, فلا يوجد انفصال في الحياة العلمية, حيث يروي بعضهم عن بعض، ويتبنى بعضهم آراء بعض, وقد اتفق الجميع على مرجعية أئمة أهل البيت^ العلمية؛ لأنهم أخذوا العلم عن آبائهم، وأخيراً عن عليّ بن أبي طالب عن رسول الله’, فقد أخذوا العلم عن أهل البيت مباشرة أو بصورة غير مباشرة، وعلى رأسهم أبو حنيفة ومالك».

وكان أتباع أهل البيت^ وأتباع أئمة المذاهب يطلبون العلم والفقه سويّة بلا انزواء ولا تقاطع, فيدرسون عند هذا أو ذاك بغض النظر عن مذهبه ومتبنياته الفقهية والأصولية,وكان يحدّث أحدهم عن الآخر أو عن إمام مذهب آخر, مثلاً: كان سفيان الثوري يحدّث عن الإمام جعفر الصادق×، وعن الأعمش, وكان الأعمش يحدّث عنهما, وكان أبان بن تغلب يحدّث عنهما أيضاً, وكان الإمام أبو حنيفة يحدّث عن الإمام جعفر الصادق× وعن أتباعه, وهم بدورهم يحدّثون عن الإمامين الصادق وأبي حنيفة.

وهكذا كانت العلاقات قائمة على قواعد الودّ والمحبّة والثقة المتبادلة، وكان أهل البيت يشجّعون أتباعهم على تعميق مثل هذه العلاقات, وكانوا بأنفسهم يحضرون في مجالس مَن هم أقل منهم علماً وشأناً؛ لكي يكونوا قدوة لأتباعهم في إزالة الحواجز والفواصل الجزئية, وعلى سبيل المثال: كان الإمام علي بن الحسين× يجالس قوماً دوناً ويستمع إلى حديثهم, حتى قيل له: إنّك تجالس قوماً دوناً, فأجاب القائل ـ وهو نافع بين جبير ـ: إني أجالس من أنتفع بمجالسته في ديني([19]).

وقال الزهري: «حدّثت عليّ بن الحسين بحديث، فلمّا فرغت قال: أحسنت بارك الله فيك, هكذا سمعناه, فقلت: لا أراني حدّثت حديثاً أنت أعلم به منّي، قال: لا تفعل ذلك, فليس من العلم ما لم يعرف، إنما معنى العلم ما عرف»([20]).

وكان الفقهاء والعلماء يستمعون إلى نصائح أئمة أهل البيت^ المعاصرين لهم, ويلتزمون بتوجيهاتهم وإرشاداتهم, اعترافاً منهم بمرجعيتهم العلمية، فقد روي أنّ الحسن البصري كان يقصّ في الحج, فمرّ به الإمام علي بن الحسين، فقال له: يا شيخ، أترضى نفسك للموت؟ قال: لا، قال: فثم دار للعمل غير هذه الدار؟ قال: لا، فقال: فعملك للحساب؟ قال: لا، قال: فِلمَ تشغل الناس عن طواف البيت؟ فما قصّ الحسن بعدها([21]).

فقد استجاب لتوجيهات الإمام عليّ بن الحسين×, وتقبّل نصيحته، فلم يخالفه، ولم يصّر على عمله, بل تراجع عنه.

وكان يروي أحاديث كثيرة يسندها إلى أئمة أهل البيت^, وكذلك كان سفيان الثوري والأوزاعي وغيرهم, كما ورد في كتب الحديث المتنوعة.

وكان سفيان الثوري من تلامذة الإمام جعفر الصادق×([22]).

ووردت له عبارات عديدة يكرّر فيها القول: «حدّثني جعفر بن محمد»،  و«سمعت جعفراً يقول»([23]).

وكان يسأله عن كثير من مجالات العلم والمعرفة, وبالخصوص مجال الفقه والأحكام الشرعية, وعن عللها([24])، ونتيجة للاختلاف في إدراك الحقائق والوقائع, والاختلاف في المتبنيات الاجتهادية، كان يعترض على بعض مواقف وممارسات الإمام الصادق×, فكان الإمام يجيبه على اعتراضاته أو إشكالاته برحابة صدر, فقد اعترض على لباسه, فأحسر عن ردن جبته، فإذا فيها جبة صوف بيضاء يقصر الذيل، عن الذيل وقال: «لبسنا هذا لله، وهذا لكم, فما كان لله أخفيناه, وما كان لكم أبديناه»([25]).

والدروس المستفادة أنّ للأمة أو للآخرين حقّ الاعتراض أو التساؤل لمعرفة الحقيقة أو تصحيح الأخطاء, فينبغي للمتصدّي أن يتقبل ذلك ويجيب عليه، لا أن يضع نفسه بعيداّ عن النقد, وهذا من شأنه تقريب القلوب وتأليفها.

ولتعميم الفائدة بالاستفادة من رواية سفيان الثوري عن الإمام الصادق× في معرفة القواعد والثوابت الشرعية والفكرية نذكر نصّها كما روي أنه قال:  سمعت جعفراً يقول: «الوقوف عند كل شبهة خير من الاقتحام في الهلكة, وترك حديث لم نروه أفضل من روايتك حديثاً لم تحصه, إنّ على كل حقّ حقيقة وعلى كل صواب نوراً, فما وافق كتاب الله فخذوه, وما خالفه فدعوه»([26]).

وما ورد بعد بمثابة ميزان ثابت تُوزن به الروايات والأحاديث لمعرفة مدى سلامتها وصحة صدورها, وبهذا الميزان يمكن تهذيب الكثير من الأفكار والأحكام وعدم التمسك بها أو التعصب لما جاء فيها.

وقال له: لا أقوم حتى تحدّثني, فقال: «إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها ودوامها فأكثر من الحمد والشكر عليها….، وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار…، إذا أحزّ بك أمر من السلطان أو غيره فأكثر من قول: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله؛ فإنها مفتاح الفرج…».

فعقد سفيان بيده, وقال: «ثلاث، وأيّ ثلاث»([27]).

وأخذ الإمام أبو حنيفة العلم عن أربعة من أئمة وفقهاء أهل البيت^، وهم: محمد الباقر, جعفر الصادق, وزيد بن عليّ, وعبد الله بن الحسن بن الحسن, ولهم في قلبه منزلة وإكرام, وعرفت عنه محبّة واضحة لهم([28]).

وكان يتقبل نصائحهم ومحاسبتهم له، فقد كان الإمام محمد الباقر× يحاسبه على آرائه، وخصوصاً في القياس, وكان يتقبّل هذه المحاسبة، ويستمع لتوجيهاته وإرشاداته, ويتعامل معه تعامل المرؤوس مع رئيسه([29]).

وقد اعترف بفضل الإمام الصادق× عليه، في إيصاله إلى هذه الدرجة والمنزلة العملية والفقهية, فقال: «لولا السنتان لهلك النعمان», ويرى الشيخ محمد أبو زهرة أن هاتين السنتين كانتا عندما خرج أبو حنيفة من العراق مهاجراً بدينه، فإنه أقام ببلاد الحجاز, ولعله لازم الإمام الصادق في هذه المدة([30]). 

وكان الإمام الصادق يختبره في الكثير من المسائل من أجل زيادة العلم والمعرفة, فقد سأله عن محرم كسر رباعية ظبي, فقال: لا أعرف جوابها, فقال: أما تعلم أنّ الظبي لا يكون له رباعية([31]).

وكان يشجعه على التعليم والتدريس, وكان يحضر حلقه الدرس التي يعقدها, وهو لا يعلم به, وحينما يعلم بحضوره يقف احتراماً وإجلالاً ([32]).

وكان الإمام أبو حنيفة يستمع إلى إرشادات وتوجيهات الإمام العلمية والفقهية والأصولية, ففي إحدى المرات دخل القاضي عبد الله بن شبرمة والإمام أبو حنيفة على الإمام الصادق, فقال ابن شبرمة: هذا الرجل من أهل العراق له فقه وعلم, فقال الإمام: لعله الذي يقيس الدين برأيه…، ثم قال له: «اتق الله، ولا تقس الدين برأيك…، اتق الله، يا عبد الله ولا تقس، نقف نحن غداً وأنت ومن خالفنا بين يدي الله عز وجل, وتقول أنت وأصحابك: سمعنا ورأينا، فيعمل بنا وبكم ما يشاء»([33]).

وأخذ الإمام مالك بن أنس العلم عن جماعة، ومنهم الإمام جعفر الصادق×, ولكّنه أخفى الحديث عنه في عهد الأمويين, فلم يرو عنه حتى ظهر أمر بني العباس, وكان لا يروي عنه حديثاً حتى يضمه إلى آخر([34]).

وكان الإمام الصادق× يشجع طلاب العلم للحضور في حلقة الإمام مالك الدراسية, وأخذ العلم منه؛ لإزالة الحواجز والفواصل بين المسلمين عموماً، وطلاب العلم خصوصاً, وهذا التشجيع يساهم مساهمة فعالة في تعميق أواصر الإخاء والمودة,وفي تقريب وجهات النظر لاتخاذ المواقف الواحدة تجاه الأحداث والوقائع والوجودات.

ومن الأمثلة على


الجهاد الابتدائي الدعوي في الفقه الإسلامي قراءة استدلالية في مبادئ العلاقات الدولية

15 يوليو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2 زيارة

تمهيد
تتصل قضية الجهاد الابتدائي اتصالاً وثيقاً بقراءة الإسلام للعلاقة مع الآخر، فهذا الجهاد ـ بالمفهوم السائد في التراث الفقهي ـ يؤسّس لعلاقة الحرب مع غير المسلم، أو ما يسمّى بأصالة الحرب في الإسلام، فطبقاً للقول بوجوب الجهاد الابتدائي مرّةً على الأقل كلّ عام فإنّ المجتمع الإسلامي ـ  مادام قادراً ـ سيظلّ يعلن الحرب على الآخرين حتى لو لم يعلنوا هم الحربَ عليه، حتى أنّ الفقه الإسلامي تحفّظ ـ عند العديد من الفقهاء ـ على توقيع معاهدات سلام مع غير المسلم لمدّة تزيد في الحدّ الأقصى عن عشر سنوات، وهذا معناه أنّ الدولة الإسلامية ملزمة ـ حال القدرة ـ على شنّ هجمات متواصلة على الآخرين لا تنتهي سوى بإسلامهم أو قتلهم أو إخضاعهم.
من هنا، كان هذا الموضوع بالغ الحساسية والأهمية، ويشكل أهم مبدأ دستوري تقوم عليه العلاقات الدولية في الإسلام، ويتصل مباشرةً بالحريات الدينية في العالم، وقد استغلّه الكتّاب والباحثون الغربيون وغيرهم لتوجيه النقد على الإسلام وثقافته التي نعتت بالهجومية العدوانية، وكان جزءاً لا يتجزءاً من تكوين ما يسمى بـ (الإسلام فوبيا). ولا يعنينا نقدهم أو تجريحهم أو تهجّمهم إذا ثبت بالدليل المنطقي المعتبر أنّ الله أراد ذلك منّا فيما نفهمه من العقل والنصوص الدينية، إنّما المهم أن نبحث هذا الموضوع، الذي قلّما تعرّض الفقهاء القدامى لأصل شرعيّته؛ لهذا افترضوه واضحاً، ولا نجد عندهم كثير جدلٍ وكلام في مبدأ الجهاد الابتدائي أو جهاد الدعوة في الإسلام؛ من هنا، يمكن أن يُبحث هذا الموضوع مجدّداً من زاوية فقهية اجتهادية تقرأ الأدلّة الشرعية، لتنظر في مديات دلالتها على هذا النوع من الجهاد.
والبحث في الجهاد الابتدائي يقع على مرحلتين: إحداهما تعريف هذا الجهاد وتحديد مفهومه ومقوله، كي لا يحصل التباس في النقطة التي يدور حولها البحث والتنقيب، وثانيهما في حكمه من حيث الشرعية وعدمها ومن حيث الوجوب وعدمه، وفي الإطار الثاني نبحث تارةً عن شرعية هذا الجهاد وكذلك دليل وجوبه، ثم نبحث مرّةً أخرى في الأدلّة على عدم شرعيته من رأس ووجود ما يمنع تسويغه في النصوص الدينية والأدلّة الفقهية، لكن ونظراً لسعة البحث وطوله نقتصر هنا ـ بعد تحديد مفهوم الجهاد الابتدائي ـ على دراسة نظرية شرعيّته وتقييمها، تاركين البحث في أدلّة عدم شرعيته إلى فرصة أخرى، إن شاء الله تعالى.
1 ـ الجهاد الابتدائي الدعوي التحريري، البُنية والمفهوم والحقيقة
يقصد بالجهاد الابتدائي، ابتداء المسلمين للكافرين بالحرب بهدفٍ واحد هو الدعوة إلى الإسلام وبذل الجهد لجعلهم مسلمين أو خاضعين للمسلمين، فإن كان الكفّار مشركين أو مطلق غير أهل الكتاب، وضعوا أمام خيارين هما: القتل أو الإسلام، وإن كانوا من أهل الكتاب وضعوا أمام خيارات ثلاثة: إما أن يسلموا، وإما أن يخضعوا ويصبحوا من أهل الذمّة فيدفعون الجزية، وإما أن يُقتلوا؛ ولهذا السبب يسمّى هذا الجهاد أحياناً بجهاد الدعوة، وجهاد التحرير؛ لأنه يحرّر النفوس من الكفر، أي إن الهدف منه دعوة الكفار للإسلام، فسبب البدء به ليس اعتداء الكفار، بل كفرهم؛ فلتطهير الأرض من الشرك وبسط يد الإسلام على المعمورة ـ بحيث لو ظلّ الكفر ببعض أنواعه يبقى تحت هيمنة الإسلام ـ يقوم هذا الجهاد.
هذا هو المشهور المعروف في معنى الجهاد الابتدائي، وإن لم يفرد أكثر العلماء تعريفاً اصطلاحياً للجهاد في كتبهم الفقهية، بل لقد عدّه الفقهاءُ الجهادَ الأصليَّ في الإسلام، فيما ألحقوا به ـ إلحاقاً ـ الجهاد الدفاعي، يقول الشيخ النجفي (1266هـ): «لا ريب في أنّ الأصليّ منه قتال الكفار ابتداءً على الإسلام.. ويلحق به قتال من دهم المسلمين منهم، وإن كان هو مع ذلك دفاعاً..». ويقسّم الشيخ جعفر كاشف الغطاء (1228هـ) الجهاد إلى خمسة أقسام، يعود أربعة منها في الحقيقة إلى الجهاد الدفاعي، فيما الخامس هو الابتدائي فيقول: «الخامس: جهاد الكفر والتوجّه إلى محالهم؛ للردّ إلى الإسلام، والإذعان بما أتى به النبي الأمي المبعوث من عند الملك العلام، عليه وآله أفضل الصلاة والسلام»( 4). ويقول الميرزا القمي (1231هـ): «وأما الحقيقة الفقهية، فالذي هو موضوع كتاب الجهاد في أكثر الكتب الفقهية، هو الجهاد مع الكفّار حال حضور الإمام وبإذنه، وكذا مع البغاة كذلك، وقد ذكروا حكم قتال من دهم من الكفّار بحيث يخاف منه على بيضة الإسلام والمسلمين من الاصطدام والاستيصال، فيه استطراداً…»( 5) ، فهذا النصّ واضح في أن أحكام الجهاد المسطورة في أكثر كتب الفقه الإسلامي ترجع إلى غير الجهاد الدفاعي الذي يدهم فيه المسلمين عدوّ، ومثل ذلك يقول الشهيد الثاني (965هـ): «وهو أقسام: جهاد المشركين ابتداءً؛ لدعائهم إلى الإسلام.. والبحث هنا عن الأوّل، واستطرد ذكر الثاني [الدفاعي] من غير استيفاء..»( 6) ، فالدفاعي جاء بحثه استطراداً أيضاً، ويقول الشيخ المنتظري: «وقسّم الفقهاء الجهاد إلى قسمين: الجهاد الابتدائي، والجهاد الدفاعي، وأرادوا من الأوّل قتال المشركين والكفار لدعائهم إلى الإسلام والتوحيد والعدالة..»( 7). ويقول ابن رشد الحفيد (595هـ): «اتفق المسلمون على أنّ المقصود بالمحاربة لأهل الكتاب ـ ما عدا أهل الكتاب من قريش ونصارى العرب ـ هو أحد أمرين: إما الدخول في الإسلام، وإما إعطاء الجزية..»(8 ). وفي كتاب الفتاوى الهندية للشيخ نظام ـ وهو من كتب الحنفية ـ جاء: «كتاب السير.. الباب الأوّل: في تفسيره شرعاً وشرطه وحكمه، أما تفسيره، فالجهاد هو الدعاء إلى الدين الحقّ والقتال مع من امتنع وتمرّد عن القبول، إما بالنفس أو بالمال..»(9 ) ، وقال الحصكفي (1088هـ) في تعريف الجهاد: «الدعاء إلى الدين الحق وقتال من لم يقبله».
من هنا، نلاحظ على العديد من الفقهاء أنّه عندما عرّف الجهاد في مقدّمة بحثه في كتاب الجهاد لم يعرّف سوى الجهاد الابتدائي، ولا أقل من التركيز عليه أكثر( 10)؛ مما يشي بأن المرتكز في وعيهم أنّه هو المفهوم الأصيل للجهاد، الأمر الذي يعيد تشكيل تصوّرنا عن الوعي الفقهي لمفهوم الجهاد، وأنّ الجهاد الابتدائي إنّما غُيّب بسبب ضعف قدرات المسلمين عن الحرب، لا بسبب عدم وجود مفهوم له في الفقه الإسلامي، وهذه نقطة بالغة الأهمية.
وقد جاء التعبير بـ«الجهاد الابتدائي أو جهاد الدعوة أو جهاد التحرير أو جهاد الطلب» متأخراً بين الفقهاء والباحثين، ولم يكن هذا المصطلح رائجاً، إنما كانت معانيه تُفهم من خلال كلامهم، وإذا تمّ البناء على وجوب هذا الجهاد من جهة وعدم اشتراطه بحضور المعصوم من جهةٍ أخرى، بناءً على ما ذهب إليه جماعة من المتأخرين( 11)، والقول باشتراطه كلّ عام مرّةً، ينفتح بحث هام جداً نسمّيه: أصالة الحرب أو أصالة السلم في الإسلام، وهو المبدأ الأوّل في العلاقات الدولية في الفقه الإسلامي؛ إذ طبقاً لهذه الأحكام الثلاثة قد يقال بأصالة الحرب، وأنّ السلم يحتاج إلى عنوان طارئ هو المعاهدة أو الذمة أو.. وعليه فبحث الجهاد الابتدائي من أهمّ مباحث فقه الجهاد والعلاقات الدولية في الإسلام.
وقد أخذ مفهوم هذا الجهاد بالتحوّل لدى بعض الفقهاء والباحثين في القرن العشرين شيعياً وسنياً، مثل القول: إنه الجهاد حال منع الدولة الكافرة من نشر الإسلام فيها، فيكون جهاداً لتحقيق الحرّية أو دفاعاً عن حقوق الإنسان في المعتقد، أو دفاعاً عن التوحيد، أو تحريراً للإنسان من عبودية غير الله، أو ممارسةً للأبوّة المشفقة على الناس لهدايتهم وغير ذلك( 12)، مما يرجع إلى ما يسمّى في عُرف الدراسات القانونية الدولية بالتدخل الإنساني، مع الالتفات إلى وجود بعض ملامح هذه التحليلات في كلمات بعض العلماء السابقين، مثل ابن تيمية الحراني( 13)، ثم ظهر من لم يقبل هذا التحويل لمفهومه فأخذه كما هو أو رفضه مطلقاً( 14).
2 ـ نظرية شرعية الجهاد الابتدائي ووجوبه
يكاد وجوب الجهاد الابتدائي ـ فضلاً عن شرعيته ـ أن يكونا من مسلّمات الفقه الإسلامي، سوى كلمات قليلة توحي بعكس ذلك، كما فيما ينسب إلى الإمام الثوري وابن شبرمة، وابن عمر، وعطاء، وعمرو بن دينار… من عدم وجوب غير الدفاعي(15 )، وهو يحتمل مشروعية الابتدائي، وسقوط وجوبه فقط. وقد بلغ وضوح الأمر حداً أنّ الفقهاء لم يبذلوا جهداً مركّزاً للبرهنة عليه، وكأنهم اتفقوا على أن نصوص الكتاب والسنّة عندما تحدّثت عن الجهاد إنما قصدت هذا النوع منه؛ لذلك لم يجدوا حاجةً للبرهنة عليه بعنوانه، إذ أصل وجوب الجهاد في الإسلام من الواضحات التي يعرفها كلّ من قرأ الإسلام بمصادره، حتى قال الإمام الشوكاني (1250هـ): «أما غزو الكفار، ومناجزة أهل الكفر، وحملهم على الإسلام، أو تسليم الجزية، أو القتل، فهو معلوم من الضرورة الدينية، ولأجله بعث الله رسله …»( 16).
ولابدّ لنا من بحث هذا الموضوع؛ إذ في ضوئه يُفهم باب الجهاد بأكمله، ويُعرف لماذا عندما تحدّثوا عن شروط الجهاد حصروها بالابتدائي؟ إذ إنهم كانوا يرون الدفاعيّ على الهامش غير مركّز عليه ـ بالدرجة عينها ـ في الكتاب والسنّة؛ من هنا، لابدّ لنا من ذكر أدلّة الجهاد الابتدائي، وتناولها بجديّة أكبر، لنرى ما توصلنا إليه، وهي:
أدلّة نظرية شرعيّة الجهاد الدعوي، استعراض وتقييم
1 ـ 2 ـ المستند القرآني لنظرية الجهاد التحريري الدعوي
في سياق المستند القرآني، يمكن تقريب الاستدلال من خلال عدّة بيانات:
أ ـ النصوص القرآنية الخاصّة المشرعنة للجهاد الابتدائي
البيان الأوّل: الاستناد إلى آيات خاصّة اعتبرت ظاهرةً في تشريع الجهاد الابتدائي، وقد ركّز عليها أنصار نظرية جهاد الدعوة( 17)، وأبرزها ما يلي:
الآية الأولى: وهي آية السيف كما يسمّيها بعضهم، قوله تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِاليَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: 29).
فهذه الآية تأمر شديداً بالقتال، وهي من أواخر آيات الجهاد، ولا ترى غايةً لتوقف الحرب سوى إعطائهم الجزية، أي خضوعهم لسيطرة المسلمين، وإلا تواصلت الحرب معهم، اعتدوا على المسلمين أم لم يعتدوا، وبهذا الفهم للآية غصّت كلمات العلماء هنا بلا حاجة لنقلها، وقد فهم العديد منهم أن الجزية في الآية وضعت عقوبةً من الله تعالى على أهل الكتاب، لعنادهم الحقّ، وكفرهم بما جاء به الرسول|( 18)، وقد استدلّ بعض الفقهاء بهذه الآية للسماح بقتل الشيوخ والعجزة، حتى لو لم يكن لهم رأي ولم يقاتلوا المسلمين، نظراً لإطلاق الآية هنا( 19)؛ بل تخطى بعضهم إلى احتمال أنّ الغاية في الآية غايةٌ لوجوب مقاتلة أهل الكتاب، فتفيد سقوط وجوب مقاتلتهم عند إعطائهم الجزية، وهذا لا يمنع عن جواز مقاتلتهم ولو قدّموها، ومن ثم فالآية لا تمانع من الإطاحة بوجود أهل الكتاب من العالم حتى لو استعدّوا لتقديم الجزية(37 )، وهو ما يخالف ما ذكره مثل النووي من أن الآية وضعت نهايةً للإباحة(20 ).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُواْ المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 5).
فهذه الآية صريحة في الدلالة على أن المشركين يُقاتَلون وبشدّة حتى تتحقق منهم التوبة المتجلّية تماماً في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والذي هو تعبير كنائي عن إسلامهم، ففي الآية بيانٌ للغائية المرسومة للجهاد، كما أنّ فيها مفاداً شرطياً، وهو أنّهم إذا أسلموا خلّيَ سبيلهم، ومعنى ذلك ـ بمقتضى مفهوم الشرط ـ أنهم إذا لم يسلموا فلا تخلية لسبيلهم، بل الحرب والأخذ والقبض عليهم يبقى سائراً سارياً، إما على نحو الوجوب كما هو ظاهر كلمات العلماء أو على نحو الإباحة من خصوص هذه الآية، كما هو ظاهر الشربيني في مغني المحتاج( 21)؛ فالآية من الآيات الواضحات على هذا الحكم هنا، وأنّ قتالهم لكفرهم، وهذه هي روح الجهاد الابتدائي( 22).
وباجتماع هاتين الآيتين قد نفهم بعض مبرّرات الحكم المعروف بين الفقهاء في التمييز بين أهل الكتاب وغيرهم؛ فإن الآية الأولى التي تحكي عن أهل الكتاب جعلت منتهى الحرب إعطاء الجزية، ومن الواضح أنّ دخولهم في الإسلام يوقف الحرب بالتأكيد، فإذا كانت الجزية توقفها فالإسلام يفعل ذلك بطريق أولى، مما يجعل الاحتمالات في حقّ أهل الكتاب ثلاثة: القتل أو الإسلام أو الجزية، وهي تعبير آخر عن صيرورتهم أهل ذمّة أو معاهدين خاضعين.
أما في الآية الثانية، وهي الآية التي يتركّز خطابها في المشركين، فهي تجعل منتهى الحرب التوبة، أي الإسلام، مما يجعل الخيارات المطروحة في موضوع المشرك أقلّ: إما القتل أو الإسلام، وهذا ما يطابق ـ كما أسلفنا ـ وجهة النظر الفقهية السائدة.
وأكثر من ذلك، حيث ذهب المتمسّكون بهذه الآيات ـ لاسيما هاتين ـ إلى اعتبارها ناسخةً نسخاً تاماً لكافّة الآيات التي تتحدّث عن الجدال بالتي هي أحسن والدعوة إلى سبيل الإسلام بالحسنى والكلمة الطيبة وأنه لا إكراه في الدين والحث على الصلح والسلم، إلى غيرها من المفاهيم السلمية، فتكون بتمامها منسوخةً، مما يعزّز كون الأصل في معاملة الكافرين هو الشدّة والقتال لا اللين والحوار الحسن وما شابه ذلك.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ (البقرة: 193)، بل الأرفع منها دلالةً قوله:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾  (الأنفال: 39).
فهذه الآية تضع حدّاً للحرب، وهو  «ارتفاع الفتنة»، والمراد بالفتنة ـ كما ذهب إليه أكثر المفسّرين من الصحابة والتابعين، كابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وزيد بن أسلم و.. ـ الشرك، وهو المعروف أيضاً، أو الكفر كما ذكره جماعة(23 )، ومعناه أنّه يجب عليكم قتالهم كي لا يكون هناك شرك، والملفت في الآيتين أن تعبير «فتنة» قد ورد نكرةً في سياق النفي، أي أنّه يجب عليكم القتال إلى أن ينعدم الشرك في الأرض مطلقاً، فلا يبقى مظهرٌ له، إذ النكرة في سياق النفي تفيد العموم في لغة العرب، بل تفيد شمول تمام معاني الفتنة أيضاً(24 )، بل تكملة الآيتين توضح المطلوب أكثر؛ حيث إنها تتحدّث عن صيرورة الدين لله، بمعنى أنّ الغاية ليست محض القتل وسفك الدماء، بل صيرورة الإسلام هو الدين الظاهر الغالب، وهذا كلّه كلام صريح في أنّنا إنّما نحاربهم لا لأنهم اعتدوا أو لم يعتدوا فحسب، بل لكي يزول الشرك ويعلو صوت الإسلام غالباً عالياً.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ (التوبة: 7).
فهذه الآية تؤسّس أحد المبادئ في معاهدة المشركين، وهو سقوط تمام المعاهدات معهم، فلا عهد لهم ولا سلام معهم، ومعنى ذلك أنّ الأساس معهم ـ طبقاً لأواخر ما نزل في الجهاد ـ هو عدم العهد، فيكون العهد أمراً ثانوياً طارئاً يراه حاكم المسلمين لضرورات وحالات استثنائية، لا أنّه الأصل الذي تقوم عليه العلاقة مع المشرك، إذاً، فلا عهود معهم، ولا معنى لذلك إلاّ أن يحاربوا أو يغدوا مسلمين، والآية رتبت الحكم على وصف المشرك دون أن تزيد قيداً آخر، مما يجعلها في صيغة الإخبار تقريباً عن أنّ المشركين بعد اليوم إلى يوم القيامة لن يحفظوا عهداً ولن يفوا بوعد، وهذا ما يؤكّده تاريخ العلاقة بين المسلمين والكافرين على امتداد الزمن، حتى المعاصر.
أما ذيل الآية، فهو يطالب المؤمنين بالمحافظة على عهدٍ واحد فقط وقع مع الجماعة التي اتفقوا معها عند المسجد الحرام، فهذه الجماعة الخاصّة يطالب الله المؤمنين بالوفاء بعهدهم معها ما داموا وفوا بالعهد، فهذا هو العهد الوحيد الواجب الوفاء به، فهذا الاستثناء لا يبطل القاعدة في صدر الآية، بل يؤكّدها.
وقد عزّز أصحاب هذا الاتجاه(25 ) تفسيرهم لهذه الآية بما تلاها من آية: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلَّاً وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (التوبة: 8)، فهي تؤكد عدم استحقاق المشركين بعد اليوم للعهد، والسبب في ذلك ـ كما يخبرنا الله سبحانه ـ أنّهم لا يفون بالعهود ولا يفوّتون فرصةً للانقضاض على المسلمين، فهذا إنباءٌ إلهي إلى يوم الدين أنّ هذه الفئة من الناس لا أمان لها ولا عهد، إذاً فلا سبيل معهم سوى الحرب إلى أن يسلموا.
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ (التوبة: 123)؛ فهذه الآية صريحة في أنّ الحرب هنا ليست لردّ العدوان أو الحرابة، بل لفتح البلاد، فهي تقول بوجوب قتال من يلي المسلمين منهم، بحيث يُبدأ بالأقرب فالأقرب، من هنا أشار بعض المفسّرين ـ كالقرطبي وابن كثير و..( 26) ـ إلى أنّ النبيّ|  قد طبق هذه الآية بأن بدأ بالعرب، ثم لما استسلمت له أقاليم الجزيرة، بدأ بالروم والفرس وهكذا( 27).
كانت هذه أهمّ الآيات الكاشفة عن معيارية الكفر في شنّ الحروب في الإسلام، وأنّ استراتيجية الجهاد في القرآن إنما هي استراتيجية دعوية بامتياز.
وقفات تحليلية نقدية مع نصوص جهاد الطلب في القرآن الكريم
هذا البيان للاستدلال القرآني على شرعية الجهاد الابتدائي يواجه مجموعةً من الملاحظات، أبرزها:
الملاحظة الأولى: إنّ آية الجزية التي استدلّوا بها على الجهاد الابتدائي بملاك الكفر تبطل نظرية أصحابها، لأنّها تجعل منتهى الحرب، ليس الإسلام وإزالة الكفر من على وجه الأرض، بل خضوع الطرف الآخر لنظام الجزية، ونظام الجزية يجامع بقاء الكفر في العالم، فكيف يمكن أن تلتئم أجزاء هذه النظرية التي ترى الحرب في الإسلام بملاك الكفر لا الحرابة، مع آية الجزية التي تقبل انتهاء الحرب بإخضاعهم ولو لم يسلموا؟ فأين هو تحقق الملاك؟ وكيف كانت الحرب مقدّمةً له؟( 28).
وهذه الملاحظة دقيقة من جانبٍ دون آخر، فهي دقيقة من حيث إفساد نظريّة الكفر في الحرب، لكنّ ذلك لا يساوق إبطال الجهاد الابتدائي، وبعبارةٍ أخرى يجب التمييز بين أمرين هنا هما: شرعية الجهاد الابتدائي، ورجوع ملاك هذا الجهاد إلى نشر الدعوة وإبادة الكفر، فآية الجزية ـ بالبيان الذي تقدم للمستدلّ ـ تفيد في إبطال أيّ تصوّر يقول بأنّ غاية الحرب في الإسلام إبادة الكفر تماماً، إلاّ أنّها لا تبطل أساس الجهاد الابتدائي لهيمنة الإسلام على العالم بالقوّة بقطع النظر عن تحديد ملاك هذه الحرب، فإذا كانت الآية قد رأت نهاية حرب اليهود والنصارى في دفعهم الجزية لا في ردّ عدوانهم فهي تدلّ على شرعية الابتدائي حتى لو لم نستطع البرهنة بها على تحديد ملاك الحرب.
بل يمكن الترقي أكثر بالقول: إنّ القول بأنّ ملاك الحرب هو الكفر لا الحرابة يحتمل معنيين: أحدهما كون الكفر لوحده سبباً لاندلاع الحرب، سواء كان يهدف من الحرب إلغاء الكفر أو إبقاءه مع هيمنة الإسلام مادياً عليه. ثانيهما: كون الكفر سبباً للحرب بمعنى إرادة إلغائه من وراء قيامها؛ فعلى التفسير الثاني تصحّ الملاحظة المذكورة، أما على التفسير الأوّل فلا، بل قد يدّعي الطرف القائل بملاك الكفر أن إبقاء أهل الكتاب لا ينافي كون الجهاد لدعوتهم إلى الإسلام لا لردّ عدوانهم، وذلك أن خضوعهم للدولة الإسلامية يمثل مقدّمةً رئيسة لنشر الإسلام في أوساطهم ـ كما يقول الرازي وابن العربي وغيرهما( 29)ـ ومعه يصحّ أن يقال: إن الجهاد كان طريقاً لنشر الدعوة، إما فوراً كما هي الحال مع المشرك، أو عبر الواسطة كما في حالة أهل الكتاب.
وعلى أيّة حال، فلا تلغي المناقشة المذكورة ـ لوحدها ـ طبيعة استدلال المستدلّ بآية الجزية على شرعية الجهاد الابتدائي، ولسنا نحتمل كثيراً أن يقصد هذا المستدلّ قتل تمام الكافرين، فإن نظام الذمّة الذي يُبقي على ديانات أهل الكتاب من واضحات الفقه الإسلامي بمذاهبه؛ من هنا نتحفّظ على فعل من خلط في تحليل كلمات العلماء بين عدم جعلهم القتل أصلاً في التعامل مع الكفّار، وبين كون القتال أصلاً في علاقتنا بهم؛ فهذا خلط بين موضوعين(30 )، وكلمات مثل ابن تيمية واضحة في هذا التمييز( 31) . يضاف هنا أنّ السيد الخوئي حاول رفع معيارية الكفر في آية الجزية بأنّ القرآن فرّق بين المشركين وأهل الكتاب، فالمشرك يحارب بسبب كفره، دون أهل الكتاب الذين لابدّ أن يصدر منهم شيء حتى يحاربوا، كحربهم للمسلمين أو كعدم إعطائهم الجزية، فعدم إعطاء الجزية بمثابة فعل يقوم المسلمون بردّ الفعل عليه وهو الحرب، وهذا ما تريده آية الجزية( 32).
لكن هذا الكلام غير واضح، فإن دفع الجزية كناية عن الخضوع والنزول تحت سيطرة المسلمين، وهناك لا معنى لفرض وجود طرف آخر يقوم بفعل ونحن نردّ عليه، وإلا فهل يأمر الإسلام بمحاربة أهل الكتاب فقط لأجل الحصول على المال؟! وهل صحيح ما ذكره القرطبي وغيره من أنّ الأمر بمنع المشركين من دخول الحرم الذي فيه خوف الفقر والعيلة عوّضهم الله عنه بالتزامه بقانون الجزية( 33)، رغم أنه لا يوجد دليل على الربط بين الآيتين؟! وهل هو تفسير عقلائي أن نعتبر عدم إعطاء مجتمع بشري معين أموالاً لنا دون أن يكون قد فعل شيئاً ضدّنا بمثابة فعل فيما محاربتنا له هو ردّ الفعل، دون ملاحظة مبرّرات أخرى؟!
الملاحظة الثانية: إنّ آية الجزية وكثيراً من آيات الكتاب وردت بصيغة «المقاتلة» لا «القتل»، فلم تقل: اقتلوا، بل قاتلوا، وهناك فرق لغوي بينهما، فالأولى بمعنى وجود من بدأ الحرب لتصحّ صيغة المفاعلة؛ فيما الثانية لا تفترض ذلك، مما يجعل أيّ آية فيها صيغة المقاتلة ظاهرة في رفع العدوان، وبدء الطرف الآخر بالحرب مسبقاً، فلا تدلّ على شرعية الجهاد الابتدائي( 34). وقد حاول بعض الفقهاء ـ كما في بدائع الصنائع ـ أن يستفيد من هذه الصيغة لإثبات أن الآية تفترض أهلية القتال في الطرف الآخر؛ فلا تشمل المجنون والصغير والأنثى و..( 35) ، وهذا ما يصبّ ويلتقي مع روح هذه الملاحظة وإن لم يطابقها، لانفراده بالأهلية وذهابها إلى الفعليّة.
وسوف تكون لنا وقفة مركّزة حول الفرق بين «قاتل» و«قتل» لدى الحديث عن الروايات في هذا الباب، حيث ورد بعضها بهذه الصيغة، فنؤجل ذلك إلى محلّه، حيث سيتبيّن عدم صحّة هذه الملاحظة في الجملة.
الملاحظة الثالثة: إنّ آية انسلاخ الأشهر الحرم، قد يدّعى وجود قرائن عديدة فيها وشواهد تخرجها عن سياق تأسيس شرعية الجهاد الابتدائي بملاك الكفر، وهذه الشواهد هي:
الشاهد الأوّل: إنّ الآية اللاحقة لهذه الآية تقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: 6)، وهذا معناه أنّه لو كان القتل والحرب بسبب الكفر لكان المفترض الحكم بقتله بعد كلّ هذا التشدّد في آيات سورة براءة، إذاً فليس من تفسير للاستجارة هنا سوى أنّ المشرك إنما دخل دار الإسلام مسالماً لا معلناً الحرب وعدوانياً، والجدير ذكره هنا أنّ الآية لم تجعل سماع كلام الله هدفاً للمستجير، بل جعلت إجارته من جانب المسلم ذات هدفٍ رسالي، أي إن استجارك لسببٍ ما فأجره حتى يكون في إجارته ما يوجب سماعه كلام الله فلعلّه يُسلم، إذاً فهي شاملة لمطلق الاستجارة بغية أن يتعرّف على حياة المسلمين علّه يهتدي، كما أنّ الآية صريحة في المشرك الذي لا مجال فيه إلاّ للإسلام أو القتل، فبأيّ وجهٍ جاز إبلاغه مأمنه رغم بقائه على كفره؟!(36 ).
وهذا الشاهد ـ بهذه الصيغة ـ يقبل النقاش؛  من حيث إنّه لما كان الجهاد الابتدائي جهاد دعوة، كان من الطبيعي أن يركّز على موضوع الدعوة ويكون مجرّد سبيلٍ لها، وعليه فالآية عندما تسمح بالاستجارة لهدفٍ دعوي لا تكون منافيةً لمبدأ تشريع الجهاد الابتدائي، فقوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ﴾ ، سواء كان غايةً لقبول الاستجارة فقط، كما ذكر المستدلّ بهذا الشاهد هنا، أو كان غاية للطرفين كما ذكره جمع من المفسّرين، هو ما يرفع المنافاة هنا، وبعبارةٍ أخرى: لمّا أرادت الشريعة من قتال المشركين نشر الإسلام وتطهير الأرض من الشرك، كان من الطبيعي أن تسنح بالفرصة كي يُسلم المشرك، ولهذا أشارت للغاية، مما يعني أنه لولاها لم يجز قبول أمانه الذي يطلبه، وأما مسألة جواز إبلاغه مأمنه رغم بقائه على كفره فهذا أمر طبيعي احتراماً لعقد الأمان، بمقتضى: ﴿أَوْفُواْ بِالعُقُودِ﴾ ، ولا يضرّ بمبدأ لزوم قتله؛ فإن أمانه هنا كان لدليلٍ حاكم هو العقد الشرعي المتفق عليه معه، ولا ضير في تشريع حرب مع احترام العهود فيها، كالسفير المحترم؛ وبهذا يظهر أنّ مبرّر عدم قتل هذا المشرك ليس سلميّته وعدم عدوانيته كما قيل، بل غرضيّة الدعوة ووفاء بالعقود، فهذا هو المقدار المؤكّد من الآيات هنا.
نعم، يمكن أن يُستفاد من هذه الآية أنّ الإسلام يفضّل إسلام الطرف الآخر على قتله، وشاهد ذلك أنّه في أشدّ آيات الجهاد قوّةً وتشدّداً يفسح المجال لإسلام الطرف الآخر، وذلك أنّها تأمر بقبول استجارة الكافر لا أنّها تعلّق الأحكام على قبولها، فهي تقول: ﴿فأجره﴾، أي إن استجار وجبت إجارته بغية دعوته للدين، مما يجعل إسلامه أهمّ ومقدّماً على قتله، لهذا لم تقل: «فأجرته» كما هو واضح، بناءً على تفسير الأمر هنا بالوجوب لا بالإباحة لوقوعه موقع توهّم الحظر.
هذا، وقد ادّعى بعض أنصار الجهاد الابتدائي أنّ آية الاستجارة منسوخة بآية انسلاخ الأشهر الحرم التي وقعت قبلها أو بغيرها من آيات الجهاد الحاسمة، لكنّ أحداً لم يقدّم شواهد تاريخية على هذا النسخ بحيث يلغي الآية، وعليه، يرجع تحديد النسخ إلى طبيعة ملاحظة الآيتين، والذي نجده فيهما أنّه لا تنافي بينهما إطلاقاً، فالأولى تصدر حكماً عاماً بحقّ جماعة المشركين بالقتل، فيما الثانية تصدر حكماً خاصّاً ﴿أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ، محصوراً بصورة طلب الأمان، فموضوع الآيتين مختلف، نعم آية الاستجارة أخصّ من آية انسلاخ الأشهر الحرم، فالمفترض أن تخصّصها وقد وقعت معها ضمن سياق واحد، ولو فرض أنهما نزلتا منفصلتين واجتمعتا في المصحف على هذا النحو فلا دليل ـ كما يقول العلامة شمس الدين( 38) ـ على تحديد المتأخر والمتقدّم، حتى يدّعى نسخ الأولى للثانية، مع أنّ المفترض في دعوى النسخ إثبات هذا الأمر.
والنتيجة أن دعاوى النسخ الاعتباطية كثيرة في كتب التفسير عند المسلمين، فالآيتان لا تناقض بينهما، فقد قبل الفقه الإسلامي عقد الأمان الفردي واحترام السفراء رغم أنّ الحرب قائمة، إذاً لا موجب لدعوى النسخ هذه.
الشاهد الثاني: الآية اللاحقة على آية الاستجارة، قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾، فهذه الآية تبقي على عهد المسلمين للمشركين، فلو صحّ أن مثل آية انسلاخ الأشهر الحرم ناسخة لتمام آيات موادعة المشرك لكان المفترض الإطاحة بهذا العهد الذي وقع عند المسجد الحرام أيضاً، إذاً فحتى بعد جعل القتال أصلاً كانت المعاهدات نافذة المفعول، وليس من معنى لذلك سوى عدم كون الكفر معياراً للحرب، وإلا وجب قتال حتى المعاهدين لفرض كفرهم، بل العدوانية هي المعيار هنا( 39).
وقد سجّل بعض أنصار هذا الشاهد نقداً على أنفسهم بأنّ هذا العهد الذي تستثنيه الآية كان سابقاً على آية انسلاخ الأشهر الحرم؛ لهذا احترمه القرآن، والذي ندّعيه المنع من اليوم فصاعداً عن استخدام سياسة المعاهدات معهم، واستبدالها بسياسة القتال، وهذا غير الوفاء بمعاهدة سابقة، فهو مثل ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾  (النساء: 22، 23).
وقد أجاب الناقد نفسه بأنّ هذه الملاحظة غير واردة؛ لأنّ المفروض أن مثل آية السيف تلغي المعاهدات السابقة، فهذا هو سياق النصوص الأولى من سورة التوبة، فعدم إلغائها شاهدٌ على احترامها(40 )، بل لا معنى للنسخ حينئذٍ.
وهذا الشاهد يمكن أن يلاحظ عليه أنّ معنى الآية ليس أنّهم لم يستقيموا لكم لكن استقيموا أنتم لهم، كما قد يستوحى للوهلة الأولى، بل معناها استقيموا لهم ما استقاموا لكم( 41)؛ فحرف «ما» هنا ليس للنفي، بل بمعنى «ما داموا»، وهذا المعنى ينسجم مع الواقع؛ حيث يراد من هذه الجماعة بقية فئات العرب التي دخلت مع قريش العهد يوم الحديبية، ولم تخلفه، بل أخلفته قريش وبنو الدئل من بكر، وبقيت على العهد بنو خزيمة، وبنو مدلج، وبنو ضمرة و..
إذن، وطبقاً لهذا المعنى، تستثني الآية المعاهدات السابقة التي وفى أصحابها، احتراماً منها للعهود، دون أن يعني ذلك رخصة في العهود الجديدة، ولا يوجد إلغاء للمعاهدات السابقة في غير صورة إلغاء الطرف الآخر لها أو خوف خيانته، فالتمييز بين العهود القديمة السابقة والجديدة اللاحقة بهذا المعنى تمييز معقول ومتصوّر، ولهذا قال أنصار الجهاد الابتدائي: إنّ هذا الاستثناء يؤكّد القاعدة ولا يلغيها.
نعم، مقولة النسخ المدّعاة تغدو باطلة هنا؛ لأنه لو حصل نسخٌ لكل أوامر الموادعة مع الكافر فلا معنى لشرعية حتى العهود السابقة، بل المفترض أنّها نسخت عملياً، ولا نجد خصوصيةً تعبديّة لتلك الجماعة المتبقية من صلح الحديبية، مما يكشف عن عدم وجود نسخ أصلاً في المقام.
الشاهد الثالث: ما جاء في الآية اللاحقة: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلَّاً وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾  (التوبة: 8). فهذه الآية وقعت ضمن السياق نفسه، وهي تبيّن سبب موقف القرآن منهم ومن إبطال عهودهم والتنزّه عنها، إذ تؤكّد أنّ هذا الفريق يتربّص بالمسلمين وينافق في حقهم، وأنه ما زال مصمّماً على أذيّتهم، من هذا المنطلق كان هذا الموقف القرآني متشدّداً منه ـ أي من هذا الفريق ـ مطلع سورة براءة. وهذا الشاهد وما سبقه من شواهد جاء عقب آية الانسلاخ مباشرةً ولا شاهد على تقدّمه الزماني؛ فلا وجه لادعاء النسخ فيه(42 ).
وهذا الشاهد جيّد، خصوصاً لآية نفي العهود التي سبقت هذه الآية، والتي لا يبعد وحدة النـزول معها، مع فهم الإخبار في الآية عن وضع تاريخي لا عن قضية حقيقية، كما سوف نذكر لاحقاً بعون الله، نعم يبقى أن يحتمل التعدّد في النـزول هنا، بمعنى نـزول هذه الآية منفصلةً عن آية انسلاخ الأشهر الحرم، فلا يصحّ حينئذٍ جعلها قرينةً وشاهداً، فعدم ثبوت تقدّمها أو تأخرها لا يؤكّد تقارنها معها، وإن كانت وحدة النـزول وانسجام السياق يعزّزان ذلك.
لكن حتى مع هذا الشك وعدم التأكّد من وحدة النـزول، يمكن إبطال الاستدلال بآية انسلاخ الأشهر الحرم باحتمال القرينة المتصلة، حيث لا يبعد تمسّك العقلاء بالشك في اتصال القرينة وانفصالها لرفع اليد عن الظهور الأولي المخالف للقرينية، فينعقد الإجمال في آية الانسلاخ من هذه الزاوية، ولا يعود يمكن التمسّك بها، وبعبارة ثانية: نحن لا نعرف هل كانت الآية الثامنة قرينة متصلة بحيث نزلت مع آية الانسلاخ أم قرينة منفصلة نزلت بعدها أو قبلها؟ فعلى الاحتمال الأوّل سيتمّ تماماً الشاهد الأخير، وعلى الاحتمال الثاني لن يكون تاماً؛ لأنّ ظهور أي جملة يتمّ بتمام القرائن المتصلة فلا يعود للآية الثامنة تأثير على دلالة الآية محلّ الشاهد، فمع الشك في الاتصال والانفصال سوف نشك في أنّ هذا الموجود بين أيدينا ـ وهو الآية الثامنة ـ هل هو قرينة أم لا؟ ومعه لا تجري أصالة عدم القرينة، كما تقرّر في أصول الفقه، بل الصحيح هو الإجمال بمقدار دلالة القرينة.
الشاهد الرابع: جملة الآيات اللاحقة المتحدة السياق، والتي تعطي ميزةً جديدة، وهي:  ﴿اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلَاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلَّاً وَلَا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ * فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ﴾  (التوبة: 9 ـ 13).
وميزة هذا السياق تأكيده على أنّ هذا الموقف الغاضب كان لنقضهم العهود، وداخل ذلك ـ ومعه ـ تؤكد على لزوم الوفاء لهم بالعهود على تقدير عدم نكثهم الأيمان، فالتركيز على نكث العهود والأيمان شاهد على أنّ الموضوع موضوع فئة خرقت الاتفاقات وكانت هي المعتدية البادئة، ومع سياق من هذا النوع ـ حتى مع الشك في الاتصال ـ كيف يمكن الجزم بأنّ النص هنا يتحدّث بالمطلق، ويطوي صفحة المعاهدات والتوافق حتى يؤمنوا، لاسيما وأنّ هذه المجموعة من الآيات قد كرّرت مسألة التوبة ضمن السياق المذكور، مما يشير إلى أن شرط التوبة لا يعني جعل باب الحرب مفتوحاً، بل معناه أنّ هذه الفئة التي لا عهد لها بسبب كثرة نقضها للعهود وتربصها بالمؤمنين لا نهاية في الحرب معها إما الموت أو أن تُسلم، لا بمعنى أنّ هدف الحرب معها هو الإسلام، بل بمعنى أن تحقق الإسلام ـ حيث قال: إن تابوا ولم يقل: كي يتوبوا أو ليتوبوا ـ يحول دون استمرار الحرب، وفرق بين الأمرين، علماً أن الآيات نفسها تشير إلى بدء الطرف الآخر بالاعتداءات وإخراج الرسول أيضاً، وهذا كلّه يضع آيات مطلع سورة التوبة في ضمن سياق دفاعي.
وحصيلة الكلام في آية الانسلاخ ـ بحسب أسباب نزولها وبحسب سياقها الكامل حتى مع الشك في اتصال القرينة ـ أنها تعلن الحرب التي لا نهاية لها سوى بالقضاء على الطرف الآخر، لكنّها لا تريد شمول حكمها لكل غير مسلم هادفةً إسلامه أو إخضاعه، بل هي مختصّة بفريق من الكافرين لا يفون بالعهود ولا يكفّون ـ متى استطاعوا ـ عن الاعتداء، فأرادت تحقيق حالة ردع تنهي خطرهم فيها، غايته أنّه لو أسلموا انتهت الحرب معهم، لا أنّ هدف الحرب كان إسلامهم، ولا أقلّ من عدم الظهور في هذا المعنى، ومفاد الشرطية يظلّ سارياً هنا؛ لهذا فتفسير «المشركين» في آية الانسلاخ بـ «الذين نقضوكم وظاهروا عليكم» كما فعل العيني في عمدة القاري( 43) هو المتعيّن.
والإشكالية التي وقع فيها أنصار الجهاد الدعوي هنا أنّهم ظنوا الآيات إخباراً على نحو الإنباء الغيبي غير المحدّد بزمان ولا مكان، فيما الآيات ظاهرة في الحديث عن فرقة خاصّة تظلّ تهدّد أمن الجماعة المسلمة مهما وقّعنا معها من عقود، فهذا هو السياق التاريخي واللفظي المحيط بمطلع سورة براءة، ومن أين لنا أن نعمّم لمطلق المشركين بحيث يكون المقصود هنا حتى المشرك الذي كان موجوداً في شرق آسيا آنذاك؟! فلا دليل على كون الألف واللام في (المشركين) للجنس، بل الأقرب ـ ولا أقلّ أنّه القدر المتيقّن ـ أنّه إشارة لمشركي العرب الخارجيين الذين كانوا يواجهون عمليّاً الدعوة الإسلامية وكان سلوكهم الغدر ونقض العهود بصورة متكرّرة كما حصل تاريخياً، فغير هذا يحتاج إلى دليل.
الملاحظة الرابعة: إن الآية الرابعة التي ذكروها، وهي الآية السابعة من آيات سورة التوبة، قد تبيّن عدم صحّة الاستدلال بها، فهي لا تريد إلغاء العهود مطلقاً، بل المقدار المؤكّد من دلالتها ـ بحسب ما يعطيه السياق المحيط ـ هو أصالة الحرب مع الذين يكيدون بالدين شرّاً وينكثون العهود كلّما سمحت لهم الفرصة، فهذا الفريق يُجْزَم بشمول الآية له، أما غيره فلا، ويشهد له أنّ الآية نفسها استثنت المعاهدين الملتزمين بالمعاهدة التي وقعت عند المسجد الحرام في صلح الحديبية، فهي بهذا الاستثناء تؤكّد أنها لا تريد إلغاء العهود، بل خصوص عهود من لم يستقم، لهذا تلزم بالوفاء طالما الوفاء من الطرف الآخر قائم، ولا يرد علينا هنا أننا لم نقبل بقرينية هذه الآية هنا، لأن مناقشتنا في القرينية كانت بلحاظ آية الانسلاخ، لا بلحاظ الآية نفسها، فلو بقينا والآية يظهر بوضوح أنّها عندما تبطل العهد في صدرها تربط الوفاء به في ذيلها بالاستقامة، وسبب ذلك أنّ الآيات جميعها ترفض العهد مع المعتدي، وبدون النتيجة التي توصّلنا إليها سابقاً قد يصعب الجواب هنا.
الملاحظة الخامسة: إنّ قتال من يلوننا من الكفار كما أفادته الآية 123 من سورة التوبة، لا يدلّ على القتال لفتح البلدان، وإن اشتهر، بل على وجوب قتال من كانوا على مقربة من المسلمين وتماسّ معهم، وهو ما ينسجم ـ أيضاً ـ مع دفاعية الجهاد، فقد تريد الآية الإشارة إلى لزوم قتال الأقرب لا الأبعد حتى مع عدوانية الطرفين، بحيث يأمن المسلمون حدودهم القريبة، فحماية أنفسهم من القريب أولى من البعيد.
وبعبارةٍ أخرى: الآية بصدد وضع آلية حربية تعمل بها الدول في العصر الحديث، كما يقول الإمام محمود شلتوت(44 )، بل نضيف: إنّ كلّ ما في الآية هو لزوم قتال الأقرب، بلا أيّ إشارة إضافية إلى نوعية هذا القتال، وتطبيقه على الفتوحات شأن يرجع للمفسّرين، وليس عليه أيّ شاهدٍ من كتاب أو سنّة، نعم، قد يتمسّك هنا بإطلاق الآية، أي سواء اعتدوا أم لم يعتدوا، لكنّ هذا يرجع إلى البيان الثاني للاستدلال القرآني وسيأتي، وهذا غير ما نحنُ فيه من استعراض نصوص تفيد خصوصية الابتدائية والدعوية وملاك الكفر في الحرب.
وقفة مع تشريع القرآن القتال حتى لا تكون فتنة و..
الملاحظة السادسة: أمّا آيات القتال حتى لا تكون فتنة، والتي فسّرها كثيرون بالشرك أو الكفر، فينبغي التوقف عندها قليلاً لتحقيق معنى الفتنة لغوياً وقرآنياً؛ ونظراً لأهمية الموضوع نتعرّض لكلمات اللغويين، حيث يقول الفراهيدي في العين: «.. والفتن إحراق الشيء بالنار.. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾  (الذاريات: 13)، أي يحرقون، وكان أصحاب النبي| يفتنون بدينهم، أي يعذّبون ليردّوا عن دينهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ (البقرة: 91)، والفتنة: العذاب، والفتنة: أن يفتن الله قوماً، أي يبتليهم، والفتن: ما يقع بين الناس من حروب..»( 45). وجاء في صحاح الجوهري: «فتن: الفتنة: الامتحان والاختبار.. والفاتن المضلّ عن الحقّ..»( 46). وقال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: «فتن: الفاء والتاء والنون: أصلٌ صحيح، يدلّ على ابتلاء واختبار، من ذلك الفتنة..»(47 ). وجاء في لسان العرب لابن منظور: «فتن: الأزهري وغيره: جماع معنى الفتنة الابتلاء والامتحان والاختبار، وأصلها مأخوذ من قولك: فتنت الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميّز الرديء من الجيد.. والفتن: الإحراق.. ابن الأعرابي: الفتنة الاختبار، والفتنة المحنة، والفتنة المال، والفتنة الأولاد، والفتنة الكفر، والفتنة اختلاف الناس بالآراء، والفتنة الإحراق بالنار، وقيل: الفتنة في التأويل الظلم.. ابن سيده: الفتنة الخبرة، وقوله عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾، أي خبرة، ومعناه أنهم أفتنوا بشجرة الزقوم وكذبوا بكونها.. والفتنة: إعجابك بالشيء. والفتنة: الضلال والإثم، والفاتن: المضلّ عن الحق.. والفتنة: الجنون، وكذلك المفتون، وقوله تعالى: ﴿وَالفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ معنى الفتنة ها هنا الكفر، كذلك قال أهل التفسير، وفي التنـزيل العزيز: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، والفتنة: الفضيحة.. والفتنة: العذاب..»( 48). ونحو هذه الكلمات ما جاء في مختار الصحاح وغيره(49 ).
وبمراجعة المصادر اللغوية لا يبدو أنّ الكفر أو الشرك من الدلالات اللغوية الرئيسة لكلمة «فتنة»، على خلاف الاختبار، والبلاء، والاختلاف، والحرب، وربما لهذا عندما ذكر ابن منظور مثل الآية التي نحن فيها نسب تفسير الفتنة بالكفر إلى المفسّرين، وكأنه لا يجد الأمر لغوياً بحتاً.
وانطلاقاً مما أعطتنا إياه مصادر اللغة، نحتمل جداً ـ ويلوح من بعضهم ـ أنّ المفسّرين لم يعتمدوا على معطيات لغوية بحتة في تفسير الفتنة بالكفر في الآية، بل الذي دعاهم إلى ذلك هو الآية نفسها من حيث اشتمالها بعد ذلك على تعبير: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ﴾، إضافةً إلى حضور مفهوم الجهاد الابتدائي في وعي المفسّرين أيضاً، فهذا الذيل هو الذي عزّز عندهم فرضية الكفر والشرك، وإلا فكلمة الفتنة في أصلها إذا أعطت هذا المعنى فهو من الدرجة الثانية أو الثالثة، ولهذا لم يبدأ أيّ من اللغويين ـ بحسب تتبّعنا ـ لدى تفسيره جذر كلمة «فتن» بمعنى الكفر والشرك، مما يشهد ـ عادةً ـ على أنّ هذا المعنى يقع مدلولاً للكلمة بدرجة لاحقة، فيكون بحاجة إلى شواهد حافّة.
وفرضية بُعد احتمال إرادة الشرك أو الكفر يُساعدها أن هذا المعنى جاء وليد الثقافة الإسلامية؛ فعرب الجاهلية المشركون لا يعتبرون الشرك فتنةً؛ لأنّهم لا ينظرون إليه بمنظار سلبي تختزنه كلمة الفتنة، وهذا معناه الحاجة إلى حشد شواهد لتكريس هذا المفهوم الديني للكلمة، لأنه أقرب إلى المصداق منه إلى المفهوم.
وإذا تخطينا اللغة، إلى الاستخدام القرآني لجذر (ف . ت . ن) نجد الأمر عينه، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ (الأنعام: 53)، وقال: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ (طه: 85)، وقال: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾  (طه: 40)، وقال: ﴿…وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ …﴾ (الإسراء: 60)، وقال: ﴿إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ (القمر: 27)، وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ …﴾ (التغابن: 15)؛ وقال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَالقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾  (ص: 34)، وقال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ…﴾ (العنكبوت: 2 ـ 3)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ…﴾ (البروج: 10)؛ وقال: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً…﴾ (الأنفال: 25)، وقال: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ…﴾ (الأنفال: 28)، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً…﴾ (الأنبياء: 35)، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ (الفرقان: 20)، وقال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلَاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾  (الصافات: 62


مسألة الإمامة بين النص والاختيار

14 يوليو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

على الرغم من كون مسألة الإمامة مبحثاً قديماً، بل هي أول مسألة خلافية واجهت المسلمين بعد وفاة نبيِّهم (صلى الله عليه وآله) ـ كما يذكر الأشعري(1)، "وأعظم خلاف بين الأمّة .. إذ ما سُلَّ سيفٌ في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان"، على حدِّ قول الشهرستاني(2)، إلاّ أنها لا تزال تحتلّ أهمية كبيرة في حياتنا الراهنة، وتشكِّل الركيزة الأساس في التأسيس للفكر السياسي الإسلامي المعاصر.
لذلك، لا تستهدف هذه الدراسة المقارنة لمفهوم الإمامة بين المذاهب الإسلامية نبش الخلافات القديمة، وإثارة النعرات والأحقاد الدفينة، إنما تسعى إلى طرح هذه المسألة الخلافية ـ الإمامة ـ على بساط البحث الموضوعي الهادئ، محاولة أن تساهم في التأسيس لنظرية سياسية إسلامية تستند إلى نصوص الشريعة السمحاء، وتتلاءم مع مقتضيات العصر وتطوّرات الحضارة الإنسانية لا سيما في ميدان الفكر السياسي.
الإمامة في اللغة:
جاء في القاموس المحيط للفيروزآبادي:
أن الإمامة مصدرها فعل (أمَّ) إذ يُقال: (أمّهم وأمَّ بهم: تقدّمهم) , وهي الإمامة، والإمام: كلما ائتُم به من رئيس أو غيره(3).
أمّا في لسان العرب، فيقول ابن منظور: (الإمام كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالّين، .. والجمع أئمة، .. والقرآن إمام المسلمين، وسيِّدنا محمد (صلى الله عليه وآله) إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية، وإمام الجند قائدهم،.. وائتم به: اقتدى به.
والإمام هو المثال.. والإمام الطريق…)(4).
ويقول الزبيدي في تاج العروس: (والدليل إمام السفر، والحادي: إمام الإبل ، وإن كان وراءها لأنه الهادي لها…)(5).
وخلاصة هذه التعريفات المتقاربة أن الإمام هو الذي يتقدّم القوم، فيأتمون به، ويتّخذونه مثالاً يقتدون به، فيكون هادياً لهم إلى الطريق، فهو إذاً رئيس القوم وقائدهم.
الإمامة في الكتاب والسنّة:
ورد لفظ (الإمام) في القرآن الكريم بصيغة الإفراد ، وبصيغة الجمع في عدة مواضع منها: ( وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً . . . ) البقرة/ 124.
( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا . . . ) السجدة/ 24.
(يَوْمَ نَدْعُوا كُلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ . . . ) الإسراء/ 71.
( . . . وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) القصص/ 5 .
( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ ) القصص/ 41 .
أما في الحديث النبوي الشريف فقد ورد لفظ الإمام في مواطن كثيرة أبرزها: (( من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية ))(6).
الإمامة في الاصطلاح:
ثمة تعريفات كثيرة للإمامة تختلف في اللفظ أو في الدلالة والمعنى، ولئن تعددت تعريفات علماء أهل السنّة (واختلفت في الألفاظ فهي متقاربة في المعاني)(7)، لكن الاختلاف الجوهري في تعريف مفهوم الإمامة هو بين علماء السنّة من جهة وأئمة علماء الشيعة من جهة أخرى.
وفيما يلي بعض ابرز تعريفات علماء السنّة لمفهوم الإمامة.
يعتبر الماوردي (364 ـ 450هـ) ـ وهو أول من صاغ النظرية السياسية الإسلامية عند أهل السنّة ـ
أنّ (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا…)(8).
ويذهب إمام الحرَمَين الجويني إلى أنّ الإمامة (رياسة تامة، وزعامة تتعلّق بالخاصة والعامة في مهمّات الدين والدنيا)(9).
ويعرّفها الإيجي بأنها (خلافة الرسول (صلى الله عليه وآله) في إمامة الدين…)(10).
أمّا ابن خلدون فيقول: (وإذ قد بيَّنا حقيقة هذا المنصب وأنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين، وسياسة الدنيا به تسمَّى خلافة وإمامة، والقائم به خليفة وإماماً)(11)
ويذهب محمد رشيد رضا إلى الرأي نفسه، فيعتبر أنّ (الخلافة والإمامة العظمى وإمارة المؤمنين ثلاث كلمات معناها واحد)(12).
ونرى أن ثمة ترادفاً بين ألفاظ الإمامة والخلافة وإمارة المؤمنين عند أهل السنّة(13).
فالنووي يُجوِّز (أن يقال للإمام: الخليفة والإمام وأمير المؤمنين)(14).
ويوافقه ابن خلدون(15) ومحمد رشيد رضا(16).
ويُفسّر الشيخ محمد أبو زهرة ذلك الترادف بقوله: (المذاهب السياسية كلها تدور حول الخلافة وهي الإمامة الكبرى، وسمّيت خلافة لأن الذي يتولاها ويكون الحاكم الأعظم للمسلمين يخلف النبي (صلى الله عليه وآله) في إدارة شؤونهم، وتُسمّى إمامة لأن الخليفة كان يُسمّى إماماً ولأن طاعته واجبة…)(17).
وهكذا أخذت الإمامة عند أهل السنّة معنىً اصطلاحياً، فقصد بالإمام: (خليفة المسلمين وحاكمهم)، فلم يفرّقوا بين لقبَي الخليفة والإمام(18).
أمّا بالنسبة إلى الشيعة (الاثني عشرية)، فإن الإمامة عندهم أصل من أصول الدين، و(حجر الزاوية في المذهب الشيعي)(19).
ولعلّ أفضل تعريف نجده في ما ينسب من القول إلى الإمام الثامن علي الرضا (عليه السلام): (( إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء، إن الإمامة هي خلافة الله وخلافة الرسول (صلى الله عليه وآله) ، . . ، إن الإمامة هي زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين، الإمامة رأس الإسلام النامي وفرعه السامي ، وبالإمامة تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف ، الإمام يُحلُّ حلال الله ويُحرّم حرام الله ويقيم حدود الله ويذبّ عن دين الله، الإمام (هو) المُطهَّر من الذنوب والمبرّأ من العيوب المخصوص بالعلم المرسوم بالحلم، الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل، ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب ولا اكتساب، بل اختصاص من المتفضّل الوهّاب . . . ))(20).
اختلاف مفهوم الإمامة بين السنّة والشيعة:
يختلف مفهوم الإمامة عند الشيعة عن مفهوم الإمامة والخلافة عند أهل السنّة كما اتّضح.
لأن الإمامة عند السنّة هي "خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به"، أي نيابة عن النبي في سلطته الزمنية دون الدينية، وبالتالي ليس للخليفة صلاحيات الرسول في التشريع، والأحكام التي تصدر عنه اجتهادية لا إلهية(21)
بينما الإمامة عند الشيعة هي "خلافة الله وخلافة رسوله" ومنزلتها "منزلة الأنبياء" وهي "إرث الأوصياء".
وعليه فإن الإمام يخلف النبي (صلى الله عليه وآله) في سلطتيه الدينية والسياسية، أي له صلاحيات الرسول (صلى الله عليه وآله) في التشريع، والأحكام التي تصدر عنه هي أحكام إلهية وليست اجتهادية، فهو يحلّ حلال الله ويحرّم حرامه(22).
وعليه يجب أن يكون الإمام كالرسول (صلى الله عليه وآله) معصوماً عن الذنوب والأخطاء ومخصوصاً بالعلم الإلهي لكي يكون حجّة على العباد، وهادياً لهم، ومؤيداً من الله، وعالماً بجميع ما يحتاج إليه الناس في أمور دينهم ودنياهم.
ويلزم من ذلك أن الإمام يجب أن يكون منصوصاً عليه من الله ورسوله.
ويستدل الشيعة على النصّ على الإمام بآيات من القرآن الكريم: ( وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ . . . ) القصص/ 68 .
(قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً . . . ) البقرة/ 124.
( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتّقِينَ إِمَاماً ) الفرقان/74.
( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا . . .) الأنبياء/ 73.
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) القصص/ 5.
(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) السجدة/ 24 .
فهذه الآيات تشير إلى أن الله هو الذي يجعل أو يختار الإمام أو الأئمة للناس .
أما عصمة الإمام فيستدل الشيعة عليها بالآية القرآنية التي يخاطب الله بها النبي إبراهيم (عليه السلام) وهي : ( وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) البقرة/ 124.
إذ قيَّد الإمامة (عهد الله) بعدم الظلم، والمعصية ظلم، وبالتالي يجب أن يكون الإمام معصوماً من جميع المعاصي حتى ينال عهد الله ، أي الإمامة .
ويذهب العلاّمة الطباطبائي إلى أن معنى الإمامة هو غير معاني الخلافة والرئاسة والوصاية.
ففي رأيه أن الإمامة التي جعلها الله لنبيِّه إبراهيم (عليه السلام) (هي كون الإنسان بحيث يقتدي به غيره) في تقليد أفعاله وأقواله .
ويلاحظ السيد الطباطبائي أن الله تعالى كلما تعرَّض في محكم كتابه إلى (معنى الإمامة تعرّض معها للهداية تعرُّض التفسير)، ويستشهد بعدة آيات على ذلك منها: ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا…) الأنبياء/ 72 ـ 73.( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) السجدة / 24 .
فهو سبحانه قد وصف الإمامة بالهداية وصف تعريف ، ثم قيَّدها بالأمر، فبيَّن أنّ الإمامة ليست مطلق الهداية، بل هي الهداية التي تقع بأمر الله . . .
إذاً فالإمام هو "هادٍ يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه"، لأنه "هو الذي يسوق الناس إلى الله سبحانه يوم تبلى السرائر، كما يسوقهم إليه في ظاهر هذه الحياة وباطنها.. ". ويستدلّ بقوله تعالى: ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ . . .) الإسراء/ 71 .
لذلك يشترط في الإمام أن يكون مهتدياً بنفسه لا بغيره ، إذ يقول تعالى: (. . . أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقّ أَحَقّ أَن يُتّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدّي إِلّا أَن يُهْدَي‏ . . .) يونس/ 35 .
ويستنتج السيد الطباطبائي (أن الإمام يجب أن يكون معصوماً عن الضلال والمعصية ، وإلاّ كان غير مهتدٍ بنفسه . . ولا يكون إماماً هادياً إلى الحق البتة).
ويستدل على ذلك بالآية التالية: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) الأنبياء/ 73 ، فيفسِّرها بأن (أفعال الخيرات التي يقوم بها الإمام لا يهتدي إليها من غيره بل بنفسه) وذلك (بتأييد إلهي وتسديد رباني)(23) ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ).
ويمكننا تلخيص عقيدة الشيعة في الإمامة بما يلي:
1ـ وجوب الإمامة على الله .
2ـ وجوب النص على الإمام .
3ـ وجوب عصمة الإمام .
4ـ علم الإمام إلهام من الله .
5ـ منزلة الإمام كمنزلة النبي باستثناء الوحي والكتاب .
لهذا السبب نجد أن علماء الشيعة يميِّزون بين لفظ الإمام ولفظ الخليفة، ولا يستخدمون اللفظ الأخير في أبحاثهم إلاّ للإشارة إلى (من اغتصبوا آل البيت حقوقهم … واقتصر لفظ الخلافة على التاريخ السياسي)(24).
ونذكر هنا أنه قد اختلف موقف الشيعة من السلطة القائمة عن موقف أهل السنّة، فشكَّل الشيعة المعارَضة السياسية والدينية لها، بينما كان الموقف السني تسليماً للأمر الواقع(25).
وهذا ما دفع الشيعة إلى البحث في الإمامة ، فقاموا بتحديد مصطلحات هذا العلم وموضوعاته ، بل بابتداعها (26)، فيما كانت الأبحاث السنّية في الإمامة في موضع الردّ على أسئلة الشيعة .و"بهذا شابهت صيغة الجواب صيغة السؤال وغلب استعمال لفظ الإمامة على استعمال لفظ الخلافة في أبحاثهم"(27).
وينقل ابن النديم أن أول من تكلّم في مسألة الإمامة هو علي بن إسماعيل بن ميثم التمار، وقد ألّف "كتاب الإمامة".
وأن هشام بن الحكم أحد تلامذة الإمام الصادق(عليه السلام) وأبرز متكلمي الشيعة، هو "الذي فتق الكلام في الإمامة وهذّب المذهب"(28).
غير أن تأثّر أهل السنّة بمصطلحات الشيعة في الإمامة، لا يعني ـ كما أسلفنا ـ تماثل مفهومها لدى الفريقَين(29).
فالإمامة عند السنّة نظرياً هي منصب سياسي لحفظ الدين وتنفيذ أحكامه، لكنها ـ برأينا ـ كانت عملياً ـ كما عرفها التاريخ الإسلامي ـ حكومة الأمر الواقع، وإن حاول بعض علماء أهل السنة أن يضفي عليها الشرعية بالبحث عن تبرير ديني لمن وصل واستلم زمام السلطة، وحاول فرض وصياغة النظريات السياسية الإسلامية على مقاسات الحكومات، فجاءت النظرية تجسيداً للأمر الواقع وليس العكس(30).
ومع أن المسلمين انقسموا بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) فريقَين رئيسيين:
فريق أهل السنّة القائلين "بأنّ الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار".
وفريق الشيعة القائلين "بأن الإمامة تثبت بالنص والتعيين"(31).
ولكن الفريق الأول لم يخلص لرأيه سواء من الناحية العملية أو من الناحية النظرية، ففي التطبيق العملي والتاريخي لنظرية العقد والاختيار، "تباينت طرق اعتلاء الخلفاء الثلاثة: من بيعة تمت فلتة، ثم استخلاف، ثم أن تكون في ستة هم المرشّحون والناخبون على السواء"(32).
وهنا يعتبر الدكتور أحمد محمود صبحي أن ذلك التباين قد أدّى إلى تعذر استنباط قاعدة شرعية تُحدِّد كيفية اختيار الخليفة، مما شكّل ثغرة في النظام السياسي الإسلامي نفذ منها مبدأ الغلبة ليملأ هذا الفراغ بسهولة "حيث لا تشريع يحول دونه، وذلك منذ أن قام المُلْك العضوض بقيام الدولة الأموية"(33).
ويذهب الدكتور صبحي، وهو باحث سنِّي مصري إلى أن "تولّي أبي بكر لم يحسم مشكلة كيفية اختيار الخليفة، إذ يتعذر أن تستنبط من بيعته قاعدة شرعية تحدّد كيف يختار الحاكم، لقد كانت بيعته ـ على حد تعبير عمر فيما بعد ـ فلتة، ولا يمكن أن يستنبط تشريع مما يتمّ فلتة، وإنّما تمت البيعة لأن أحداً من المسلمين ـ في رأي عمر ـ لا يطاول أبا بكر"(34).
ويتابع الدكتور صبحي بكل موضوعية: "فإن أضيف إلى ذلك أن معظم كبار الصحابة لم يكونوا حاضري بيعة السقيفة، والى ما أشيع أن عمراً ساق الناس إليها سوقاً، لتبيّن أن الأمر قد تمّ على عجل، وأنه لم يحتكم إلى ذلك تشريع من الدين".  ويعتبر صبحي أن بيعة أبي بكر ـ بصرف النظر عن مكانته ـ لم تستند "إلى مبدأ شرعي سواء أكان نصاً أم احتكاماً إلى اجتهاد في غياب النص"(35).
ولدى الشيعة انتقادات عديدة لمبدأ البيعة والاختيار تاريخياً وفكرياً، "فمن الناحية التاريخية لم يتمّ اختيار قط إلا بالنسبة لخليفَتين: أبي بكر وعلي .أمّا الأول فقد ساق عمر الناس إليها سوقاً فضلاً عن أنها تمّت فلتة . وأمّا الثاني فقد خرج عليه الذين بايعوه، وليس بعد ذلك إلاّ عهداً صرفاً من خليفة إلى من يليه أو قهراً وجبروتاً، فانقلبت الخلافة عند القائلين بالاختيار وأنها من حق الأمّة إلى أن أصبحت من الناحية الفعلية بالنص والتعيين)(36).
ويُعدّ الإمام علي (عليه السلام) أول من وجَّه نقداً قاسياً لأسلوب تولّي أسلافه للخلافة ، وذلك في خطبته المسمَّاة الشقشقية حيث يقول: "لقد تقمَّصها فلان (يعني أبا بكر) وإنه ليعلم أن محلّي منها محلّ القطب من الرحَّا .. فيا عجبا!! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشدّ ما تشطّرا ضرعَيا فصيّرها في حوزة خشناء، يغلظ كَلامها، ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها … حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيا لله وللشورى! متى اعترض الريب فيّ مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر! لكنني أسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه (سعد بن أبي وقّاص)، ومال الآخر لصهره (عبد الرحمن بن عوف)، مع هنِ وهنِ، إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنَيه … وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع…)(37).
أما من الناحية الفكرية أو النظرية، "فلم يقدّم أهل السنّة ـ كما يعلّق د. صبحي ـ نظرية متماكسة في السياسة تحدّد مفاهيم البيعة والشورى وأهل الحلّ والعقد فضلاً عن هوّة ساحقة تفصل بين النظر والتطبيق (..و) ظهرت نظريات أهل السنّة في السياسة في عصر متأخر..، كما جاء أكثرها لمجرد الردّ على الشيعة، والتمس بعضها استنباط حكم شرعي من أسلوب تولّي الخلفاء الثلاثة الأوائل…)(38).
وذهب بعض فقهاء السنّة إلى القول بالنصّ على إمامة أبي بكر وعمر ، وحاول تأويل بعض الآيات القرآنية كما يستدلّ الأشعري بقوله تعالى: (قُل لِلْمُخَلّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى‏ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ. .) سورة الفتح / 16. فيتعسّف في تأويلها بأن المقصود من القوم أولى البأس الذين سيقاتلهم المسلمون (الأعراب) هم أهل اليمامة كما قال البعض وقد قاتلهم أبو بكر ، وإن كانوا الروم فقد قاتلهم أبو بكر أيضاً "وإن كانوا أهل فارس فقد قوتلوا في أيام أبي بكر وقاتلهم عمر من بعده وفرغ منهم. وإذا وجبت إمامة عمر وجبت إمامة أبي بكر مثلها لأن عمر هو عاقد الإمامة لأبي بكر ، وإذا ثبتت إمامة أبي بكر الصدّيق ثبتت إمامة عمر لأن أبا بكر نصّ عليه، وعقد له الإمامة واختاره، كما ثبتت إمامة عثمان بعقد الإمامة له من قبل الخمسة أصحاب الشورى الذين نصّ عليهم عمر)(39).
ولوهن مقالة الأشعري انصرف معظم أهل السنّة عن الأخذ بها، وكانت الفترة بين أواخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع الهجري هي التي شهدت بداية نشوء هذه النظريات مع الأشعري (270 ـ 330هـ)، حيث تحوَّل أهل السنّة عملياً ثم نظرياً من القول بالاختيار إلى القول بالنصّ، وقد حاول الماوردي (364 ـ 450هـ) استنباط قاعدة شرعية بطريقة عقد الإمامة من واقع الخلفاء، فذهب إلى القول إن الخلافة تنعقد بوجهين:
الأول: اختيار أهل الحلّ والعقد: كعقد أبي بكر لعمر، وأقلّ عددهم واحد كعقد العباس لعلي ، أو اثنين كعقد الزواج ، أو خمسة كعقد من عقدوها لأبي بكر.
الثاني: بعهد الإمام من قبل لمن بعده: كعهد أبي بكر لعمر(40).
بل إن ابن حزم الأندلسي يستدلّ بما أشار إليه عمر قبل وفاته، بعدم جواز تأخير اختيار الخليفة أكثر من ثلاث ليالٍ منذ لحظة موت الخليفة، بأن هذه الطريقة قد انعقد عليها الإجماع(41).
وهل يصحّ اعتبار عمل الصحابي إجماعاً(42).
ويؤكد تهافت مبدأ الاختيار أمران:
"أولهما اعتراف عمر أن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرَّها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه…"(43). والأمر الثاني قول أبي بكر ساعة احتضاره: "ليتني كنت سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ثلاثة أمور: أحدها: ليتني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر حق…)(44).
وهذا القول يظهر شك أبي بكر في صحّة بيعته، وربما ندمه على قبول البيعة، ومنه يلزم عدم صحّة مبدأ الاختيار لانعدام الدليل عليه، وإلا لكان عرفه كل من أبي بكر وعمر ولما أقرَّا بما يخالف هذا المبدأ(45).

 
الهوامش:
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأشعري، أبو الحسن (ت330هـ) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلِّين (جزءان) (تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد)، (ط2: مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1962)، ج1، ص39.
 
(2) الشهرستاني، أبو الفتح (ت 548هـ): الملل والنحل (3أجزاء)، (تحقيق: أحمد فهمي محمد)، (ط1: دار السرور، بيروت، 1948)، ج1، ص16.
 
(3) الفيروز آبادي، مجلد الدين: (القاموس المحيط) (تحقيق: محمد مصطفى أبو العلاء)، (دار الجيل، بيروت، لا، ت)، ج4، ص78.
 
(4) ابن منظور، جمال الدين (ت: 820هـ): لسان العرب، (تحقيق: عبد الستار فراج)، (لا. ط) دار صادر. بيروت، 1388هـ، ج12، مادة (أمم)، ص24.
 
(5) الزبيدي، محمد مرتضى: تاج العروس من جواهر القاموس لا. ط: دار مكتبة الحياة، بيروت، لا. ت، ج8، ص193.
 
(6) الكليني، محمد بن يعقوب (ت: 328هـ): أصول الكافي، تحقيق: (محمد جواد الفقيه)، (ط1: دار الأضواء بيروت، 1992)، ج1، ص 438 ـ 439؛ الأشعري. مصدر سابق، ج1، ص 34.
 
(7) عبد الله الدميجي: الإمامة العظمى عند أهل السنّة والجماعة، (ط1: دار طيبة، الرياض، 1987)، ص 32.
 
(8) الماوردي، أبو الحسن (ت: 450هـ): كتاب الأحكام السلطانية، (لا. ط: لا دار نشر، القاهرة، (1909ص3.
 
(9) الجويني، أبو المعالي: غياث الأمم في التياث الظلم، (تحقيق: د. مصطفى حلمي)، (ط1: دار الدعوة، الإسكندرية، 1400هـ)، ص15.
 
(10) الإيجي، عضد الدين: المواقف في علم الكلام، (لا. ط: عالم الكتب، بيروت، لات)، ص 395.
 
(11) ابن خلدون، عبد الرحمن: المقدمة (ط4: دار الباز للنشر والتوزيع ـ مكة، 398هـ) ص190.
 
(12) محمد رشيد رضا: الخلافة أو الإمامة العظمى (لا. ط: مطبعة المنار، القاهرة، 1341هـ)، ص101.
 
(13) الدميجي، مصدر سابق، ص 36 ـ 37.
 
(14) النووي، يحيى بن شرف الدين (ت676هـ): روضة الطالبيين، (لا. ط: المكتب الإسلامي، لا مكان، لات)، ج10، ص49.
 
(15) ابن خلدون، مصدر سابق، ص190.
 
(16) محمد رشيد رضا، مصدر سابق، ص101.
 
(17) محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، (لا. ط: دار الفكر العربي، لا مكان، لات)، ج1، ص21.
 
(18) و (19) (أحمد محمود صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية، (لا. ط: دار النهضة العربية، بيروت، 1991)، ص20 وص28.
 
(20) الكليني، مصدر سابق، ص 256 ـ 260.
 
(21) عبد الغنى سني: الخلافة وسلطة الإمامة (بالتزكية)، ص12، نقلاً عن أحمد محمود صبحي. مصدر سابق، ص 20.
 
(22) أحمد محمود صبحي: الزيدية، (ط3: دار النهضة العربية، بيروت، 1991). ص 27 ـ 28.
 
(23) محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، (ط2: مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1973)، ج1، ص270ـ 275.
 
(24) ـ (26) أحمد محمود صبحي، نظرية الإمامة، ص 22 ـ 24.
 
(27) محمد ضياء الدين الريِّس: النظريات السياسية الإسلامية، ص 76، نقلاً عن المصدر السابق، ص 23.
 
(28) ابن النديم، محمد بن إسحق (ت: 438هـ): الفهرست: (لا. ط: دار المعرفة، بيروت، 1987)، المقالة الخامسة، ص 249.
 
(29) أحمد محمود صبحي: نظرية الإمامة، ص 24.
 
(30) أحمد محمود صبحي: الزيدية، ص 31 ـ 32؛ محمد جواد مغنية: الجوامع والفوارق بين السنّة والشيعة، (ط1: مؤسسة عز الدين، بيروت، 1994)، ص 75 ـ 81.
 
(31) الشهرستاني، مصدر سابق، ج1، ص 16.
 
(32) (36) أحمد محمود صبحي: الزيدية، ص21 وص31.
 
(37) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج1، ص 54 ـ 68.
 
(38) أحمد محمود صبحي: الزيدية، ص31 ـ 32.
 
(39) الأشعري، أبو الحسن: كتاب الإبانة، (لا. ط: لا دار نشر، حيدر آباد. 1371هـ)، ص 48 ـ 51. انظر أيضاً: ابن حزم الأندلسي، أبو محمد: الفصل في الملل والأهواء والنحل، (لا. ط: المطبعة الأدبية، القاهرة، 1307هـ)، ج4. ص167 ـ 170؛ الدميجي: مصدر سابق، الفصل الرابع: طرق انعقاد الإمامة)، ص 125 وص 198.
 
(40) الماوردي، مصدر سابق، ص 4 ـ 5.
 
(41) ابن حزم الأندلسي، مصدر سابق، ص 167 ـ 170.
 
(42) أحمد محمود صبحي: الزيدية، الحاشية، ص 32.
 
(43) صحيح البخاري (فتح الباري)، ج12، ص 144 ـ 148؛ ومسند الإمام أحمد، ج1. ص55 ـ 57؛ وتاريخ الطبري، ج1، ص 182 ـ 184؛ المصنّف لعبد الرزاق، ج5، ص 439 ـ 445.. الخ، نقلاً عن د. رضوان السيّد: الأمّة والجماعة والسلطة (ط2: دار اقرأ، بيروت، 1986)، ص 78 ـ 79.
 
(44) تاريخ الطبري، ج2، ص 353، والإمامة والسياسة لابن قتيبة، ج1، ص 19.
 
(45) انظر: علي صبحي بلوط: مسألة الإمامة بين المعتزلة والإمامية (أطروحة دكتوراه في الفلسفة ـ كلية الآداب ـ ـ الفرع الأول ـ الجامعة اللبنانية، 1994)، القسم الثاني، الفصل السادس (الخلفاء الراشدون ومسألة الشرعية)، ص 351 ـ 376. (انظر: أدلة الشيعة الاثني عشرية على القول بالنص على الأئمة وعصمتهم وعلمهم ووجوب إمامتهم في دراسة أحمد محمود صبحي: نظرية الإمامة، مصدر سابق، في الباب الثاني من الكتاب، وكتاب المراجعات السيد عبد الحسين شرف الدين؛ وكتاب الشافي في الإمامة للشريف المرتضى؛ ودراسة نظرية الإمامة عند الشريف المرتضى (في كتاب الشافي). في أطروحة الدكتوراه لعلي بلوط، مصدر سابق، القسم الثاني.
 


المنهج التكاملي في البناء العقائدي

4 يوليو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

من الطبيعي أن يعتمد العلم ـ أي علم كان ـ على منهج يتلاءم وموضوعه، وينسجم ومضمونه وأهدافه، ويشكل تأصيل المنهج، المدخل الأساسي لتحديد معالم العلم وتركيز أسسه وتنظيم مباحثه وترشيد عملية البحث فيه لتصل إلى أهدافها المنشودة، وإن علماً لا يعتمد منهجاً واضحاً هو عرضة للتخبط والتجاذب والعشوائية.
وإذا كانت العلوم التجريبية تعتمد منهجاً واضح المعالم ينظم عملية البحث ويوجهها، سواء أكان منهجاً تجريبياً بحتاً أو استقرائياً أو غير ذلك، فإن العلوم الإسلامية، كعلم الكلام أو الفقه أو التفسير، لم تعتمد منهجاً واحداً وإنما تعددت مناهج البحث فيها، فثمة منهج عقلي يعتمد البراهين العقلية الأقيسة المنطقية، وآخر نقلي يعتمد النص مرجعاً نهائياً ووحيداً، وثالث وجداني يعتمد الكشف ويرتكز على العلم اللدني وفق أسلوب التخلية ثم التحلية ـ كما يقال ـ وقد تحول كل واحد من هذه المناهج إلى مدرسة لها جمهورها وأنصارها.
أمام تنوع المناهج وتعددها يقع التساؤل عن المنهج المعتمد والمختار في عملية الاستنباط الكلامي، فهل هو المنهج العقلي أو النقلي أو الوجداني؟هذا ما نبغي الحديث عنه باختصار دون الدخول في محاكمة تفصيلية للاتجاهات المتنوعة التي نشأت داخل هذه المناهج أو على هامشها.
المنهج التكاملي:
أعتقد أن طبيعة المعارف الإسلامية ـ وتحديداً علم الكلام  في شقه المتصل بتحصيل القناعات العقائدية ـ تفرض اختيار واعتماد منهج وسطي تكاملي يجمع بين المناهج المتقدمة، أي بين البرهان والقرآن والوجدان، فلا يتحتم اختيار منهج بعينه ورفض البقية أو فتح باب وسد بقية الأبواب، لأن كل واحد من هذه الأبواب أو المناهج قد يكون موصلاً إلى الحق أو معيناً على ذلك، وقد قيل: إنّ الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق.
 إنّ النظرة العميقة تؤكد الحاجة إلى كل من البرهان والقرآن والوجدان في عملية بناء العقيدة الصحيحة، فهي بمثابة أضلاع ثلاثة لجسد واحد يشد بعضها بعضاً ويعضده ويؤازره، فالعقل يحتاج إلى النقل والوحي، لأنه ـ أي العقل ـ يقف عاجزاً عن اقتحام بعض ميادين الغيب، فيحتاج إلى مصباح الوحي، كما أن النقل لا يستغني عن العقل، لأن العقل أساس حجيته، وهكذا لا يمكن إقصاء المنهج العرفاني رغم وعورة طريقه أمام سالكيه، فإنّ غاية ما ينشده المنهج العقلي وكذا النقلي هو إيصال الإنسان إلى حق اليقين والأخذ بيده إلى شاطئ الاطمئنان، وإذا كان العرفان كعلم نظري ليس بالضرورة أن يوصل إلى ذلك، وإنما الذي يوصل إليه جانبه العملي، لأن مجاهدة النفس قد تفتح الباب أمام مريدي الحقيقة وطالبي المعرفة.
 إننا ومن خلال التأكيد على المنهج التكاملي المشار إليه لا نرمي إلى ابتداع منهج توليفي يلفق بين المناهج الثلاثة المشار إليها، وإنما نحاول القول: إن المنهج الإسلامي في بناء العقيدة الصحيحة هو منهج وسطي جامع يستقي من قبس العقل ونور الوحي وطهر الوجدان وصفاء الفطرة.
السُّنة والمنهج التكاملي:
 إن هذا المنهج التكاملي ـ فضلاً عن اعتضاده بالدليل والحجة العقلية ـ فهو مستفاد من الروايات الواردة عن النبي(ص) والأئمة من أهل بيته(ع)، ففي الحديث عن الإمام الكاظم(ع): "إنّ لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة(ع) وأمّا الباطنة فالعقول"(الكافي1/16)، وفي حديث آخر عن الإمام الصادق(ع): "حجة الله على العباد النبي، والحجة فيما بين العباد وبين الله العقل"(الكافي1/25)، هذا بالنسبة لطريقي العقل والوحي، وأما فيما يرتبط بالوجدان فيكفيك الحديث الموثق عن الإمام الصادق(ع): " إن رسول الله (ص) صلى بالناس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفراً لونه قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه فقال له رسول الله(ص)؛ كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أصبحت يا رسول الله موقناً، فعجب رسول الله(ص) من قوله، وقال: إنّ لكل يقين حقيقة فما حقيقة يقينك؟ فقال: إنه يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها، حتى كأني أنظر إلى عرش ربي وقد نُصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون في الجنة ويتعارفون، وعلى الأرائك متكئون، وكأني أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذبون مصطرخون، وكأني الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي، فقال رسول الله(ص) لأصحابه: هذا عبدٌ نوّر الله قلبه بالإيمان، ثم قال له: إلزم ما أنت عليه، وفي خبر آخر: أبصرت فاثبت، قال الشاب: ادع لي يا رسول الله أن أرزق الشهادة معك فدعا له رسول الله(ص) فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي(ص) فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر"(الكافي2/53).
 وهكذا نلحظ في أدعية الأئمة من أهل البيت (ع) وجود إشارات واضحة إلى إمكانية وصول الإنسان إلى الحقيقة عن طريق الإلهام والكشف، ففي دعاء السحر المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي يخاطب الإمام زين العابدين(ع) ربه بالقول:"بك عرفتك وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك ولولا أنت لم أدرِ ما أنت"، إلى غير ذلك من الأدعية والروايات، ويهمني معاودة التأكيد على وعورة هذا الطريق أمام سالكيه واحتفافه بالمخاطر، وكثرة السقوط والانزلاق في هذا المسار إلاّ للأوحدي من الناس ممن شرح الله قلبه للإيمان وتحصن بسياج القرآن وساطع البرهان كما سنشير.
وفي ضوء ذلك تعرف أن الإصرار على انتهاج طريق واحد دون سواه في بناء العقيدة ونفي ما عداه لا مبرر له، بل إنه قد يعبر عن جهل بحقيقة المنهج الإسلامي في هذا المجال، كما هو الحال في طغيان المنحى النقلي لدى غلاة المدرسة الإخبارية الذين يصادرون دور العقل ويتنكرون لدور الوجدان، أو كما هو الحال في طغيان المنحى الوجداني لدى غلاة المدرسة الصوفية، أو طغيان المنحى العقلي لدى بعض الفلاسفة أو المتكلمين.
مرجعية العقل:
لكن يبقى أن ثمة تساؤلاً مشروعاً وملحاً يفرض نفسه وهو: أنه لو ظهر أو تبدى نوع من التضارب والتباين بين الطرق الثلاثة التي يعتمد عليها المنهج التكاملي، أعني العقل والنقل والوجدان فما هو الحكم والمرجع؟
يمكن القول: إنّ العقل يمثل دور المرجع والموجه والحكم، لأنه هو الذي يفسر النصوص وفي ضوئه يتم فهمها ومحاكمتها، بل هو أساس حجتها، فإن العقل هو الذي يفرض الإيمان بالأنبياء والرسل، كما أنه ـ مع ثابت الوحي ـ يمثل ويعتبر المرجع في ضبط إيقاع أهل الكشف، والحصن المنيع الذي يقي من الوقوع في شطحات الصوفية، ويركّز الكشف على قاعدة الشرع الحنيف قال تعالى {… واتقوا الله ويعلمكم الله…}(البقرة:282).
إنّ مرجعية العقل المشار إليها لا تحتاج إلى تجشم عناء الاستدلال، بل هي من القضايا التي قياساتها معها كما يقول المناطقة، مع ذلك فإن الكتاب والسنة قد نصّا على هذه المرجعية، فالقرآن الكريم استخدم الاستدلالات العقلية في أمهات القضايا العقدية، وتكررت دعوته إلى التأمل والتفكر، كما ذمّ الذين لا يستخدمون عقولهم ولا يَزِنون القضايا وفق ميزان العقل، قال تعالى:{إنّ شرّ الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون}(المائدة:58)، أما السنّة فحدث ولا حرج وقد ذكرنا بعضها، ولكن الحديث التالي الوارد عن علي(ع) واضح الدلالة حول مرجعية العقل وحاكميته على القلب، فضلاً عن الحواس، قال(ع) فيما روي عنه: " العقول أئمة الأفكار، والأفكار أئمة القلوب، والقلوب أئمة الحواس، والحواس أئمة الأعضاء"(بحار الأنوار 1/96) فالعقل إذن عند علي(ع) هو ميزان القلب وإمامه، كما أنه إمام في تفسير مطلق النصّ، ومصفاة حقيقية تتم في ضوئها غربلة تراثنا الحديثي تحديداً.

 


أسباب الصراع بين المماليك والعثمانيين: قراءة في كتاب

4 يوليو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2 زيارة


يتضمن كتاب "العراك بين المماليك والعثمانيين الأتراك" للباحث محمد أحمد دهمان، الذي نحن بصدد مراجعته، مخطوطة لمحمد بن محمود الحلبي الملقب بـ"ابن أجا" الذي توفي عام881هـ، حقّقها الأستاذ محمد أحمد دهمان وعلّق عليها، وأضاف إليها نصوصاً من إعداده تؤرّخ للإمارة "الدلغادرية" التي كانت تقع في منطقة الحدود بين أراضي الدولة المملوكية في بلاد الشام وأراضي الدولة العثمانية في بلاد الأناضول، أي المنطقة المعروفة اليوم بـ"لواء الإسكندرون" وبعض المناطق المجاورة لها في سوريا وتركيا.
كما تؤرخ هذه النصوص لأسباب النزاع المملوكي – العثماني وبداياته ولمجريات العلاقات بين الدولتين المملوكية والعثمانية والحروب بينهما والتي انتهت بانتصار العثمانيين والقضاء على دولة المماليك.
أما المخطوطة السالفة الذكر فهي تشتمل على وصف لحملة الأمير المملوكي (يشبك بن مهدي الدوادار) بين عامي 875 و 876 هـ إلى بلاد الشام للقضاء على تمرد (شاه سوار) الأمير الدلغادري بعد فشل ثلاث حملات سابقة في إنهاء هذا التمرّد.
ولا يقتصر المؤلف على وصف وقائع الحملة العسكرية إنما يقوم بوصف المناطق التي مرّت بها الحملة العسكرية في فلسطين ودمشق وحلب، وينقل وقائع رحلته إلى "تبريز" كمبعوث للسلطان إلى حسن أوزون، أحد حكام إيران من أسرة أقويونلو.
ومؤلف المخطوطة هو "قاضي الجيش" في رحلة الأمير يشبك، واسمه محمد بن محمود بن خليل الشمس الحلبي الحنفي، والمعروف بابن أجا، ولد في سنة 820هـ في حلب ونشأ فيها، وانتقل إلى القاهرة حيث ارتقى لصحبة الدوادار الكبير يشبك بن مهدي وعمل معه قاضياً للجيش في حملاته ورسولاً منه ومن السلطان إلى ممالك عدة كتبريز والأستانة وغيرهما.
ترجم فتوح الشام للواقدي إلى اللغة التركية نظماً في اثني عشر ألف بيت، وكتب المخطوطة هذه (سفرة سوار أو رحلة يشبك). توفي سنة 801 هـ في حلب.
ولعلّ أهمية المخطوطة في سياق النزاع المملوكي – العثماني تكمن في كونها تتحدث عن أبرز الأسباب الأولى للنزاع المتمثل في تمرّد شاه سوار المدعوم من العثمانيين ضد سلطان المماليك من جهة، وتصف أحوال الدولة المملوكية آنذاك من جهة أخرى.
أما النصوص التي كتبها المؤلف محمد أحمد دهمان فهي:
تاريخ الإمارة الدلغادرية، ثورة شاه سوار، طمع الدول المجاورة بالمماليك والعثمانيين، تحسّن العلاقات بين الدولتين المملوكية والعثمانية، النزاع بين المماليك والعثمانيين وزوال الدولة المملوكية.
وثمة ملحق في الكتاب حول "ثورة جانبردي الغزالي" مأخوذ من كتاب "إعلام الورى بمن ولي نائباً من الأتراك بدمشق الشام الكبرى" لإبن طولون، ومن تحقيق المؤلف.
الإمارة الدلغادرية قامت على ثغور بلاد الشام الشمالية حيث كانت هذه الإمارة تابعة للدولة المملوكية. وتقوم في المنطقة نفسها تقريباً التي كانت فيها أكثر وقائع سيف الدولة الحمداني مع الروم حيث هاجرت إليها في أوائل الحروب الصليبية فرق كثيرة من الأرمن وبنوا فيها إمارات صغيرة تحت حماية قياصرة القسطنطينية وجعلوا عاصمتها "سيس". وقد تمكن المماليك من تحطيم هذه الإمارة الأرمنية سنة 779هـ حيث قامت على معظم أراضيها الإمارة الدلغادرية.
والأسرة الدلغادرية التي حكمت (مرعش والبستان) وما حولهما قرابة 190 عاما (740 – 928ه)، وهي منطقة الحدود بين الدولتين العثمانية والمملوكية، هي بالأصل عشيرة تركمانية نزحت نحو الأناضول فراراً من جنكيزخان برئاسة زعيمهم ذو الغادر.
وقد تأرجح حكام الإمارة في التبعية والولاء بين المماليك والعثمانيين إلى أن سيطر شاه سوار على كامل الإمارة بعد مقتل أخيه أرسلان في القاهرة واتهام سوار لأخيه الثاني شاه بوداق بالتآمر مع السلطان المملوكي خوشقدم لقتل أخيهما.
وهكذا دعمت الدولة العثمانية شاه سوار في نزاعه مع أخيه بوداق المدعوم من المماليك الذين أرسلوا أربع حملات للقضاء على حكم سوار لكنهم فشلوا في الحملات الثلاث الأولى ونجحوا في الحملة الرابعة بقيادة الأمير يشبك في القضاء على تمرد سوار والقبض عليه وإعدامه.
وقد أظهرت هذه الحملات العسكرية المتتالية ضعف الدولة المملوكية عسكرياً من جهة، وانهيارها المالي وتفككها الاجتماعي – العسكري من جهة أخرى.
كانت خزانة الدولة فارغة وكانت تموّل الحملات العسكرية والرشوات للجنود والأمراء للمشاركة فيها من الضرائب الكبيرة المفروضة على الأهالي ولاسيّما التجار الذين كانوا يضطرون لرفع الأسعار لتعويض ما دفعوه للسلطان.
كما أظهر ابتزاز الأمراء والجنود للسلطان وتمرّدهم على المشاركة في القتال التفسخ الداخلي للدولة وانحطاطها السريع مما أثار أطماع جيرانها فيها، ولاسيّما دولتا العثمانيين والإيرانيين.
وإذا كانت قضية شاه سوار هي بداية النزاع السياسي بين المماليك والعثمانيين فإنه ثمة أسبابا أخرى أبرزها:
1 – بعد وفاة السلطان العثماني محمد الفاتح سنة 886هـ/1481م، تولى ابنه بايزيد الثاني السلطة، وقد نازعه عليها شقيقه "جم" الذي اضطر للفرار إلى طرسوس، وطلب اللجوء إلى حلب من أميرها ثم الدخول إلى القاهرة، بعد إذن السلطان المملوكي "قايتباي" له واستقباله والسماح له بتجهيز قوة عسكرية لقتال العثمانيين بزعامة أخيه الأمر الذي أثار السلطان بايزيد الذي تمكن من هزيمته.
2 – وزاد الأمر سوءاً أن بعض ملوك الهند قد أرسل هدية إلى السلطان العثماني بواسطة بعض تجار الهند الذين صودرت منهم الهدية من قبل نائب جدة وأرسلت إلى السلطان المملوكي مما أثار غضب ابن عثمان. بعد هزيمة سوار، تمكن أخوه علي دولات بن دلغادر، بدعم من العثمانيين عام 888هـ، من السيطرة على ملطية ومهاجمة حلب، حيث هزم الجيش المملوكي فيها عام 889هـ في واقعتين إلى أن تم الصلح في ذي الحجة من سنة 890ه.
لكن الصلح مع علي دولات لم ينه الصراع المملوكي – العثماني حيث وقعت معركة بين الطرفين في ربيع الأول سنة 891هـ في منطقة حلب كان النصر فيها للجيش المملوكي ثم تلتها معركة أخرى في رمضان سنة 893هـ كانت الغلبة فيها أيضا للمماليك. وفي المعركة الثالثة، حاصر المماليك مدينة أدنة وفتحوها بعد ثلاثة أشهر من الحصار.
وتجدر الإشارة إلى أن المماليك كانوا في كل معركة مع العثمانيين أو حلفائهم في بلاد الشام كانوا يضطرون لإرسال "تجريدة عسكرية"، الأمر الذي كان يكلف الدولة نفقات هائلة على الجنود والأمراء كمصاريف ورواتب ومكافآت ورشوات من جهة. كما كان يؤدي إلى تمرّد الأمراء والجنود وابتزازهم السلطان من أجل الحصول عل مزيد من الأموال من جهة أخرى.
أضف إلى ذلك أن إرسال التجريدة من القاهرة كان يحتاج وقتاً، الأمر الذي كان يشكّل نقطة ضعف المماليك في المواجهة العسكرية مع العثمانيين القادرين على حشد الجيوش بسهولة وسرعة من داخل بلادهم إلى بلاد الشام
وفي العام 897هـ انشغل العثمانيون بالاستيلاء على مملكة (حسن الطويل) في إيران بعد موته واستلام أولاده الحكم، مما أدى إلى فترة صلح وهدنة بينهم وبين المماليك استمرت قرابة ربع قرن (897 – 922هـ ). وفي هذه الفترة كانت أوضاع الدولة المملوكية تسير من سيء إلى أسوأ، وخاصة بعد وفاة السلطان قايتباي سنة 901هـ ومجيء ستة سلاطين مماليك بعده، قتل الثلاثة بالتآمر والانقلابات بينما عزل الرابع. أما الملك الخامس للمماليك (قانصوه الغوري) (906 – 922هـ) فقد توفي قهراً بعد هزيمته في معركة "مرج دابق" وعيّن مكانه السلطان طومان باي كآخر سلاطين المماليك الذي أعدمه العثمانيون بعد احتلالهم لمصر عام 923هـ.
وخلال الفترة الممتدة بين عامي 906 و920 هـ سادت علاقات المودة وحسن الجوار بين المماليك والعثمانيين، بينما تعرّضت خلالها حدود الدولة المملوكية لاعتداءات الصفويين الذين حكموا إيران آنذاك. أما عودة النزاع بين العثمانيين والمماليك فبداياته كانت بسبب استقبال السلطان لأحد إخوة السلطان سليم الذي تسلم السلطة (وأعمل السيف في إخوته وأبنائهم). ثم جاءت المعركة بين العثمانيين والصفويين عام 920هـ /1514م ورفض المماليك نصرة العثمانيين فيها وتحالفهم سراً مع الصفويين لتزيد الطين بلة.
وساهم انفجار النزاع رغبة السلطان سليم في الاستيلاء على أراضي الدولة المملوكية بعد شعوره بانهيارها الداخلي وخاصة بعد هرب خوشقدم، أحد أعوان السلطان المملوكي قانصوه الغوري إلى العثمانيين، وإعطائه تفصيلات كاملة عن أحوال مصر الاجتماعية والعسكرية، من شتى المظالم والمفاسد وعمليات الغش في الذهب والفضة وابتزاز أموال الناس والرشوة بين القضاة والضرائب المرهقة، إلى أوضاع جيش المماليك ومينائي الاسكندرية ودمياط.
وقد بدأت المعارك بين الطرفين سنة 921هـ إذ جرت مناوشات بين علي دولات وبعض عساكر العثمانيين الذين طلبوا مساندة من السلطان سليم وتمكنوا من احتلال بلاد علي دولات وقتله.
وأدت هذه الحادثة إلى تجهيز السلطان قانصوه الغوري حملة كبيرة قادها بنفسه إلى دمشق ثم إلى حلب فمرج دابق، حيث وقعت المعركة الشهيرة التي هزم فيها المماليك شر هزيمة وتوفي السلطان الغوري في إثرها سنة 922هـ / 1516م.
ودخل العثمانيون حلب ثم دخلوا حماه بعد خيانة حاكمها جانبردي الغزالي وتواطئه مع العثمانيين.
وكانت هذه المعركة الفاصلة إذ تلاها غزو العثمانيين للأراضي المصرية سنة 923هـ /1517م ودخولهم القاهرة عاصمة المماليك وقتلهم لسلطانهم وأمرائهم وكبار ضباطهم وحاشيتهم، حيث أنهوا حكم المماليك وبدأت السيطرة العثمانية على معظم البلاد العربية والإسلامية.
ويذكر المؤلف محمد دهمان أن أبرز أسباب النصر العثماني كانت التفوّق العددي للعثمانيين واستعمالهم للأسلحة المتطورة النارية والبنادق والمدافع، بينما كان المماليك الأقل عدداً لا يستعملون هذه الأسلحة.
كما لعبت الخيانة من قبل الأمراء وتمرّد الضباط دوراً كبيراً في هزيمة المماليك، ولا سيما خيانة أكثر المقربين من السلطان الغوري إبراهيم السمرقندي، و"خاير بك" نائب حلب، وجانبردي الغزالي نائب حماة الذي تولى نيابة دمشق من قبل العثمانيين.
ولا شك أن الانهيار الاجتماعي – الاقتصادي للدولة قد لعب الدور الأبرز في هذه الهزيمة حيث كان سبب تمرّد الأمراء والجنود وسخط الأهالي وترحيبهم بالعثمانيين، إضافة إلى العامل العسكري الكمّي والنوعي التقني والعامل الاستخباراتي المذكورين آنفاً.
اسم الكتاب: محمد أحمد دهمان، العراك بين المماليك والعثمانيين الأتراك، مع رحلة الأمير «يشبك بن مهدي» الدوادار لمؤلفها: محمد بن محمود الحلبي الملقب بابن أجا (دمشق 1406هـ/1986م


قراءة في العدد (26) من مجلة نصوص معاصرة

29 يونيو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2 زيارة

تمهيد
إنّه الشهيد السعيد السيد محمّد باقر الصدر(رحمه الله)، ذلك العالم الواعي والمصلح والمجدِّد، الذي شكَّل بحقٍّ حلقةً كبيرة في سلسلة علماء الوعي والإصلاح في تاريخ الأمّة الإسلاميّة.
نفتقده اليوم في خضمّ صراعٍ كبير بين نهجَيْن مختلفَيْن:
1ـ نهج الوعي والإصلاح والجهاد، وقد مثَّله ويمثِّله بحقٍّ علماء كثيرون، كالسيد محسن الأمين، والسيد عبد الحسين شرف الدين، والسيد موسى الصدر، والسيد محمّد باقر الصدر، والإمام روح الله الخمينيّ، والسيد القائد عليّ الخامنئيّ، والسيد محمّد حسين فضل الله، والسيّد المجاهد حسن نصر الله، وآخرون وآخرون، باقون ما بقي الدهر.
2ـ نهج التخلُّف والخنوع، وقد مثَّله ولا يزال جمعٌ من المعمَّمين، الصغار منهم والكبار، يتحرّكون في كلّ ساحٍ، وجلُّ همّهم كيف يشوِّهون صورة هذا، وينفِّرون الناس من ذاك، ممَّنْ؟ من كلّ مفكِّرٍ حُرٍّ، يبحث في قضايا العصر وشؤونه، بأفقٍ رحب، ونظرةٍ حديثة وشاملة.
ولهم جميعاً نقول: سلامٌ عليكم….
وبعيداً عن أجواء هذا الصراع، الذي شاء الله له أن لا ينتهي، خصَّصت مجلّة «نصوص معاصرة» في عددها (26) (السنة السابعة، ربيع 2012م ـ 1433هـ) مساحةً كبيرة للحديث عن سماحته، تحت عنوان (الإمام الصدر ومشاريع النهضة في الفكر الإسلاميّ / 1 /)، وذلك في سبع مقالاتٍ علميّةٍ قيِّمةٍ. وتتلوها ستّ دراساتٍ فلسفيّة وتاريخيّة وفكريّة وحديثيّة واقتصاديّة. بالإضافة إلى قراءةٍ في كتاب «مشرعة بحار الأنوار»، للشيخ محمد آصف محسني.
كلمة التحرير
وهي بعنوان بعنوان «السيد محمد باقر الصدر، مكوّنات المشروع الفكريّ الإسلاميّ»، ويتناول فيها رئيس التحرير الشيخ حيدر حب الله سعي السيد محمد باقر الصدر للعمل على أكثر من جبهة من جبهات الفكر الإسلاميّ؛ إنْ على صعيد البناءات العقليّة، حيث سعى الصدر لإعادة تكوين العقل الفلسفيّ والمنطقي، ولم يقف عند مستوى تكوين النظريّة ـ المشروع، بل استمرّ في ممارسة تطبيقات متعدِّدة لرؤيته المعرفيّة هذه مع علومٍ، كالفلسفة والكلام والرجال والفقه والأصول وغير ذلك. وإلى جانب النشاط المنطقيّ المعرفيّ والفلسفيّ كان نشاطه الكلاميّ في العمل على إعادة بَنْيَنَة علم الكلام الإسلاميّ. ولو تركنا المجالات العقليّة، وعطفنا نظرنا ناحية الملفّات الاجتهاديّة في العلوم الشرعيّة، لرأينا كيف أنّ الشهيد الصدر اهتمّ في (اقتصادنا) بفقه النظريّة. وبالتحوّل من الفقه إلى الاجتماع نجد قضيّة العلاقة بين المثقَّف والفقيه ماثلةً. ويبقى ملفّ إصلاح الحوزة والمرجعيّة الدينيّة عبر الحضور السياسيّ والاجتماعيّ، والعمل على وضع برامج تعليميّة، معلِناً مشروع المرجعيّة الرشيدة القائمة على: المجالس الاستشاريّة، ومجالس الخبراء، والتنظيم الماليّ الدقيق، وكفّ يد العلماء عن الأخذ من الناس، وتأمين حياتهم من جانب المرجعيّة. وفي الختام كانت دعوةٌ للاهتمام بفكر السيد الصدر ونتاجه العلميّ، بعيداً عن المؤتمرات والملتقيات الخاصّة بالأشخاص فقط، وذلك عبر الاشتغال على مركزيّة الموضوعات ومحوريّتها، وما يستجدّ من قضايا الفكر والحياة، ويكون الاهتمام بالأشخاص بقدر اقتراب أفكارهم من قضايا عصرنا، وإمكان توظيفها فيها.
ملف العدد: الإمام الصدر ومشاريع النهضة في الفكر الإسلاميّ / 1 /
1ـ في المقالة الأولى، وهي بعنوان «الإمام الصدر ومعالم مشروع نهضويّ»، جرى عرضٌ لتفاصيل حوار مع السيد كاظم الحائري(أحد مراجع التقليد الكبار في قم، ومن أبرز تلامذة الشهيد الصدر، وله مؤلَّفات عديدة في الفقه والأصول والعقائد والأخلاق)(ترجمة: علي عباس الوردي)، وذلك ضمن العناوين التالية: تعريف بشخص المرجع الحائريّ؛ مكانة السيد الصدر في حوزة النجف؛ واقع النجف في عصر السيد الصدر؛ المعالم العامّة لفكر الصدر؛ مشروع الصدر الإصلاحيّ في الحوزة العلمية؛ السياسة التربوية للسيد الصدر؛ أفكار صدريّة لم تسمح الظروف بها؛ الإمامان الصدر والخمينيّ، علاقة وطيدة؛ ذكرياتي مع السيد الصدر.
2ـ وفي المقالة الثانية، وهي بعنوان «الشهيد الصدر والمنجز الفكري والحضاري»، للشيخ محسن الأراكي(أحد تلامذة السيد الشهيد محمد باقر الصدر، ومن أساتذة الدراسات العليا في الحوزة العلمية، وله مؤلّفات عدّة)(ترجمة: نظيرة غلاب)، تناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: تمهيد؛ السيرة الذاتية للشهيد الصدر؛ حياته وأعماله العلميّة؛ مشروع التجديد في نظام التعليم الحوزويّ؛ الصدر والمرجعيّة؛ الصدر والعمل السياسيّ؛ جولة مع الأحداث الأخيرة؛ الإصلاحات الجذريّة في فكر الشهيد الصدر: 1ـ الإصلاحات الفكرية؛ 2ـ الإصلاحات الاجتماعية؛ المرجعية الصالحة الرشيدة؛ الجهاز العمليّ للمرجعيّة الصالحة في تطوّره وتكامله؛ 3ـ الإصلاحات السياسية؛ أهمّ إنجازات الشهيد الصدر العلمية: أـ طرحه لأساليب ومناهج جديدة في الدراسات الإسلامية؛ ب¬¬¬ ـ دراسته لأفكار ونظريات الطرف المقابل، والتزامه البحث العلمي والنقد المنطقي؛ ج ـ مساعيه الخالدة في رفع إشكالات الإنسانية ومديات المعاصرة؛ د ـ إبداعات الشهيد الصدر في الدراسات الإسلامية، وإحياؤه للحوزة العلمية؛ إنجازاته العملية؛ تقييمٌ إجماليّ لأعمال الشهيد الصدر.
3ـ وفي المقالة الثالثة، وهي بعنوان «السيد الشهيد الصدر في وجهٍ مشرق آخر»، جرى عرض تفاصيل حوارٍ مع حرم السيد محمد باقر الصدر(من النساء المجاهدات الصابرات اللواتي خضن تجارب العمل الإسلاميّ، وعاشت مع السيد الصدر بإخلاصٍ ومحبّة وتضحية)(ترجمة: نظيرة غلاب)، وذلك ضمن العناوين التالية: نظرة إلى حياة السيد الصدر وأخته الشهيدة؛ أخلاقه(رحمه الله) في المنزل؛ علاقته الروحيّة الخاصّة بأهل البيت(عليهم السلام)؛ طريقته في الدراسة والاهتمام بالعلم؛ موقف السلطة الحاكمة من الشهيد الصدر؛ حول أعماله العلميّة ومدى الاهتمام بها؛ ذكريات من نباهته وفطنته؛ الصدر وأسباب الشهادة؛ طلاب السيد الشهيد؛ طريقته في تربية أبنائه؛ علاقته الشخصية بعموم الناس؛ وماذا عن الشهيدة المظلومة بنت الهدى؟!.
4ـ وفي المقالة الرابعة، وهي بعنوان «السنن التاريخية عند السيد الصدر، خطوة منهجية نحو استكشاف فلسفة التاريخ في القرآن»، للباحث في الحوزة والجامعة ميرزا محمد مهرابي(ترجمة: نظيرة غلاب)، تناول الكاتب بالبحث العناوين التالية: مقدّمة؛ 1ـ هل البحث في أمور التاريخ بحث علميّ صرف؟؛ 2ـ هل تتبع حركة التاريخ وتحوّله قانوناً خاصّاً؟؛ 3ـ ما هي القوة المحرِّكة للتاريخ؟؛ 4ـ ما هو دور الإنسان في حركة التاريخ؟؛ 5 ـ ما هو دور الدين والأنبياء في حركة التاريخ؟.
5ـ وفي المقالة الخامسة، وهي بعنوان «الاقتصاد الإسلامي في فكر الشهيد الصدر»، للأستاذ مجيد مرادي(باحث متخصِّص في الفكر السياسي والكلام الجديد، ومترجمٌ ناشط من العربية إلى الفارسية، وله كتابات متعدِّدة)(ترجمة: علي عباس الوردي)، تناول الكاتب بالبحث العناوين التالية: مقدّمة؛ مبادئ (أركان) الاقتصاد الإسلاميّ؛ الدين والاقتصاد؛ المشكلة الاقتصادية؛ ملاحظات منهجية؛ التوزيع ومصادر الإنتاج؛ الاستمرار في إحياء الأرض ونظرية الملكيّة؛ المصدران الثالث والرابع: المياه الطبيعية وبقية الثروات الطبيعية؛ الإنتاج ومسؤوليّة الدولة.
6ـ وفي المقالة السادسة، وهي بعنوان «التفسير الموضوعي، مآزقه وإشكاليّاته»، للشيخ علي سراقي(باحث متخصِّص في مجال علوم القرآن الكريم)(ترجمة: نظيرة غلاب)، تناول الكاتب بالبحث العناوين التالية: مقدمة؛ حول معنى التفسير الموضوعي ومراحله؛ أخطاء تلحق التعريف الصحيح؛ أخطاء تلحق مراحل اختيار الموضوع؛ أخطاء تلحق مراحل تجميع آيات الموضوع؛ الأخطاء التي تلحق مراحل العمل التفسيريّ؛ الخلل الذي يلحق مرحلة استخلاص النظريّة.
7ـ وفي المقالة السابعة، وهي بعنوان «أطروحة (مجتمعنا) في تراث الصدر: الدواعي، المنهج، النتائج»، للسيد منذر الحكيم(أستاذ الدراسات العليا في جامعة المصطفى(صلّى الله عليه وآله وسلّم) العالمية) والأستاذة عذرا شالباف(ماجستير فرع الاجتماع في جامعة طهران، وطالبة دكتوراه)، تناول الكاتبان بالبحث العناوين التالية: 1ـ القرآن الكريم كتاب المجتمع الإنساني؛ 2ـ المنهج القرآني في عرض مفاهيم الإسلام ونظريّاته؛ 3ـ أهل بيت الرسالة وبناء المجتمع الإنساني النموذجي؛ 4 ـ عقبات في طريق البناء الاجتماعي المنشود؛ 5 ـ المجتمع الإسلامي المنشود؛ 6ـ النظرية الاجتماعية القرآنية لدى الشهيد الصدر؛ 7ـ كيفية اكتشاف النظرية القرآنية عند السيّد الصدر؛ 8ـ أطروحة (مجتمعنا) في تراث الصدر؛ 9ـ الخطوط العامّة لأطروحة (مجتمعنا) في تراث الشهيد الصدر؛ 10ـ فصول الكتاب ومنهجه؛ نتائج ورؤى.
دراسات
1ـ في الدراسة الأولى، وهي بعنوان «عالم المثال ودوره في معالجة أزمات الإنسان المعاصر، مطالعة في وجهة نظر هنري كوربان»، للدكتور السيد محسن ميري(باحثٌ وأستاذ في الحوزة والجامعة، متخصِّص في المجال الفلسفي، ورئيس كليّة الإسلام والغرب في جامعة المصطفى العالمية، وله دراسات عدّة)(ترجمة: علي آل دهر الجزائري)، يتناول الكتب بالبحث العناوين التالية: مقدّمة؛ هواجس كوربان؛ عالم المثال في فلسفة إيران الإسلامية: 1ـ عالم المثال في الفلسفة الإيرانية القديمة؛ 2ـ عالم المثال من وجهة نظر ابن سينا؛ 3ـ عالم المثال عند السهروردي؛ 4ـ عالم المثال عند الملا صدرا؛ 5ـ عالم المثال من وجهة نظر الفلسفة الغربية؛ دور عالم المثال في معالجة أزمات الإنسان المعاصر: 1ـ التصوّر الثنائي؛ 2ـ العلمنة (فصل اللاهوت عن الفلسفة)؛ 3ـ إلغاء فكرة المعاد؛ 4ـ تهاوي قداسة الفنّ؛ 5ـ التوجه الأحادي الجانب للدين، وعدم وجود أسس أصيلة لتقارب الأديان؛ نقدٌ وتحليل.
2ـ وفي الدراسة الثانية، وهي بعنوان «زحف اللاعقلانية وهيمنة الأخطاء التاريخية، قراءة نقدية في كتاب (في محضر الشيخ بهجت)»، للشيخ جويا جهانبخش(باحث متخصِّص في مجال الكلام والحديث، وله عدّة دراسات تحقيقيّة وتراثيّة قيِّمة)(ترجمة: السيد حسن علي البصري)، سلّط الكاتب الضوء على العناوين التالية: تمهيد؛ اتّهام غير متحقِّق؛ على ساحل الحقيقة التاريخيّة؛ أحمد بن حنبل ومسألة التجسيم؛ بُعد الشقّة لا يُقعد العالم عن السفر؛ الروم أو الحبشة؟!؛ إصفهان ومكة وعمر وأنوشيروان؛ الأصمعي وزير هارون العباسي!؛ ما هي علاقة الجنيد بابن الجنيد؟؛ نوادر الرواندي أو كتاب التكليف للشلمغاني؟؛ ضياع طرابلس؛ ابن حجر العسقلاني أو ابن حجر الهيتمي؟؛ عرش الصفوية؛ رفض الروافض أو نواقض الروافض؟؛ إبداعٌ لم يجترحه الشيخ البهائي؛ رسالة من الماضي إلى المستقبل؛ عودة إلى مكاتبات غريبة؛ المصادقة على الحركة الدستورية (المشروطة) سهواً وغفلة؛ حيث لا ينفع التهديد؛ الآلوسي أم آلوسي آخر؟؛ استبصار أربعة آلاف شخص في مجلس واحد؛ أضعف الدول وأقواها؛ ضيافة على الطريقة الغربية؛ اليأس من العثور على قرآن يخلو من الخطأ؛ مَنْ هو (عبد الله بن الحسن)؟؛ ما هو ذنب هشام بن الحكم؟!؛ استلحاق زياد بن أبيه؛ وللحديث تتمة….
3ـ وفي الدراسة الثالثة، وهي بعنوان «نظريّة الحداثة عند الإمام الخامنئي»، للدكتور الشيخ عبد الحسين خسروپناه(أستاذ جامعي، ورئيس مركز الدراسات والأبحاث في الحوزة العلميّة في مدينة قم، وعضو الهيئة العلميّة في مركز الدراسات الثقافية (قسم الفلسفة والكلام) في إيران، وله مؤلَّفات عدّة في فلسفة الدين والكلام الجديد)(ترجمة: صالح البدراوي)، تناول الكاتب بالبحث العناوين التالية: أـ الرؤية التفصيلية للسيد الخامنئي؛ ب ـ الرأي الإجماليّ للإمام الخامنئي؛ أوّلاً: تصنيف الحداثة الفكريّة؛ ثانياً: النظرة للحداثة الفكريّة؛ ثالثاً: مميزات المثقَّف؛ رابعاً: خصائص الحداثة الفكريّة الحقيقية؛ خامساً: ماهية الحداثة الفكريّة؛ سادساً: أمراض الحداثة الفكريّة؛ سابعاً: خصائص الحداثة الفكريّة غير الحقيقية؛ خلاصة القول.
وعلى طريقتها في عرض الرأي والرأي الآخر قدّمت مجلّة «نصوص معاصرة» دراسة في شخصيّة سليم بن قيس الهلالي، يذهب صاحبها إلى وهميّة هذه الشخصيّة وكونها مختلقة، ثم عقّبتها بدراسة نقديّة لهذا البحث تثبت أنّ سليم بن قيس شخصيّة حقيقيّة تاريخيّة مؤكَّدة.
4ـ وفي الدراسة الرابعة، وهي بعنوان «سليم بن قيس الهلالي، حقيقة واقعة أم شخصيّة مصطنعة؟»، للدكتور عبد المهدي جلالي(باحث في الحوزة العلمية)(ترجمة: نظيرة غلاب)، تناول الكاتب بالبحث العناوين التالية: مقدّمة؛ بنية المقال؛ أسلوب ومنهج البحث في هذا المقال؛ سابقة البحث حول سليم بن قيس الهلالي؛ القسم الأول: شخصية سليم بن قيس الهلالي من خلال الكتاب المنسوب إليه؛ علاقة سليم بن قيس بالإمام علي(عليه السلام)؛ علاقات سليم بن قيس بأشخاص متفرِّقين؛ القسم الثاني: بحث حول سليم بن قيس الهلالي؛ الكتب والمصادر التاريخية: 1ـ كتاب أخبار الدولة العباسية، لمؤلِّف مجهول؛ 2ـ كتاب الأخبار الطوال، لأبي حنيفة الدينوري؛ 3ـ كتاب الاستغاثة، لعلي بن أحمد الكوفي؛ 4ـ كتاب الإمامة والسياسة، لابن قتيبة الدينوري؛ 5ـ كتاب البداية والنهاية، لابن كثير؛ 6ـ كتاب البدء والتاريخ، للمقدسي؛ 7ـ تاريخ ابن خلدون؛ 8ـ كتاب تاريخ الإسلام، للذهبي؛ 9ـ تاريخ الأمم والملوك، للطبري؛ 10ـ تاريخ الخلفاء، للسيوطي؛ 11ـ تاريخ خليفة بن الخياط؛ 12ـ تاريخ المدينة المنوّرة، لعمر بن شبه النميري؛ 13ـ تاريخ اليعقوبي؛ 14ـ التنبيه والأشراف، للمسعودي؛ 15ـ ديوان الإسلام، لابن الغزي؛ 16ـ الطبقات الكبرى، لابن سعد؛ 17ـ العبر في خبر من غبر، للذهبي؛ 18ـ الكامل في التاريخ، لابن الأثير؛ 19ـ مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان، لليافعي؛ 20ـ المسترشد، لمحمد بن جرير بن رستم الطبري؛ 21ـ مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج الأصفهاني؛ 22ـ كتاب الوفيات، لابن القنفذ؛ كتب ومصادر السيرة، والتراجم، والمناقب، وكتب التاريخ الخاصّة: 1ـ كتاب إعلام الورى بأعلام الهدى، للطبرسي؛ 2ـ الإمام جعفر الصادق، لعبد الحليم الجندي (معاصر)؛ 3ـ ترجمة الإمام الحسن(عليه السلام)، لابن عساكر؛ 4ـ ترجمة الإمام الحسين(عليه السلام)، لابن عساكر؛ 5ـ الجمل، للشيخ المفيد؛ 6ـ حياة الإمام الحسين، لباقر شريف القرشي؛ 7ـ الغارات، للثقفي؛ 8ـ الغدير، لعبد الحسين الأميني؛ 9ـ فضل آل البيت(عليهم السلام)، للمقريزي؛ 10ـ كشف الغمة في معرفة الأئمة، للإربلي؛ 11ـ كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين، للعلامة الحلي؛ 12ـ الكنى والألقاب، للشيخ عباس القمي؛ 13ـ المحبر، لمحمد بن حبيب البغدادي؛ 14ـ مقتل الحسين، لأبي مخنف؛ 15ـ المناقب، للموفق بن أحمد الخوارزمي؛ 16ـ مناقب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، لمحمد بن سليمان الكوفي؛ 17ـ نهج الإيمان، لعلي بن يوسف بن جبر؛ 18ـ وقعة صفين، لنصر بن مزاحم؛ 19ـ ينابيع المودة لذوي القربى، للقندوزي؛ الكتب الأصول في الرجال عند الشيعة: 1ـ كتاب اختيار معرفة الرجال، للشيخ الطوسي؛ 2ـ رجال الطوسي؛ 3ـ رجال النجاشي؛ 4ـ الفهرست، للشيخ الطوسي؛ كتب الأصول في الحديث عند الشيعة: 1ـ الاستبصار، للشيخ الطوسي؛ 2ـ تهذيب الأحكام، للشيخ الطوسي؛ 3ـ الكافي، لمحمد بن يعقوب الكليني؛ 4ـ كتاب من لا يحضره الفقيه، للشيخ الصدوق؛ المصادر العامة للحديث الشيعي: 1ـ الاعتقادات، للشيخ الصدوق؛ 2ـ بحار الأنوار، لمحمد باقر المجلسي؛ 3ـ الخصال، للشيخ الصدوق؛ 4ـ شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد؛ حُكْم ابن أبي الحديد في خصوص سليم؛ 5ـ عيون أخبار الرضا(عليه السلام)، للشيخ الصدوق؛ 6ـ الغيبة، للنعماني؛ 7ـ كمال الدين وتمام النعمة، للشيخ الصدوق؛ كتاب المتوارون، لعبد الغني بن سعيد الأزدي؛ التعريف بمؤلِّف الكتاب؛ موضوع ومحتوى كتاب المتوارين؛ الفارون من الحجاج بن يوسف؛ رجال ابن الغضائري؛ تعريف الغضائري؛ رأي ابن الغضائري في سليم بن قيس؛ كتب ومصادر متفرقة؛ نتيجة البحث.
5ـ وفي الدراسة الخامسة، وهي بعنوان «سليم بن قيس الهلالي فوق الشبهات، مطالعة نقدية في مقالة (سليم بن قيس…)»، للشيخ علي إلهي الخراساني(باحثٌ وأستاذ في الحوزة العلمية)(ترجمة: نظيرة غلاب)، تناول الكاتب بالبحث للعناوين التالية: مقدّمة؛ أدلة عدم الوجود الخارجي لسليم بزعم مؤلِّف المقال؛ الكتب التاريخية؛ كتب الرجال: اختيار معرفة الرجال، للشيخ الطوسي (رجال الكشّي)؛ رجال النجاشي؛ الرجال والفهرست، للشيخ الطوسي؛ سليم في كتب الرجال الأخرى؛ رجال البرقي؛ رجال ابن الغضائري؛ الكتب الحديثيّة.
6ـ وفي الدراسة السادسة، وهي بعنوان «دور الضرائب الإسلاميّة في النمو والاستقرار الاقتصادي»، للدكتور الشيخ حسن آقا نظري(أستاذٌ في الحوزة والجامعة، وعضو الهيئة العلميّة في مركز بحوث الحوزة والجامعة، متخصِّص في الاقتصاد الإسلامي)، تناول الكاتب بالبحث العناوين التالية: 1ـ علاقة النمو الاقتصادي وتوزيع الدخل من منظار علماء الاقتصاد: أـ النظريات التي تؤكد على أسس البرمجة وكيفية تبلور القرار السياسي داخل الاقتصاد؛ ب ـ النظريات التي تؤكد على إعادة توزيع الدخل عبر التسديدات الانتقالية؛ ج ـ النظريات التي تؤكد على الأزمات السياسية ـ الاجتماعية وأثرها على النمو؛ د ـ النظريات التي تلحظ أثر التساوي على النمو من خلال تركيب الطلب؛ 2ـ نمو الإنتاج الوطني من منظار الإسلام؛ 3ـ دور الضرائب الإسلامية في نمو الإنتاج الاقتصادي: 3ـ 1ـ العرض: أـ تأثير الضرائب على الادّخار؛ ب ـ تأثير الضرائب على الاستثمار؛ ج¬¬¬ ¬ـ تأثير الضرائب على عرض العمل؛ 3ـ 2ـ الطلب؛ 4ـ الضرائب والاستقرار الاقتصادي: 4ـ 1ـ الفترات التجارية في نظام الإسلام الاقتصادي ودور الضرائب في الاستقرار الاقتصادي: أـ الفترات التجارية في الاقتصاد الإسلامي؛ عوامل الاستقرار في الاقتصاد الإسلامي: 1ـ حذف الفائدة من النظام الاقتصادي وإبدالها بعامل المشاركة؛ 2ـ وجود استثمار مستقلّ وواسع وكثير؛ 3ـ وجود قطاع عام واسع في النظام الإسلامي؛ ب ـ الضرائب والاستقرار؛ الاستفادة من النفقات وصرف الضرائب.
قراءات
وأخيراً كانت قراءةٌ في كتاب «مشرعة بحار الأنوار»، للشيخ محمد آصف محسني، وذلك في مقالة بعنوان «النقد الحديثي عند الشيعة الإمامية، قراءة في كتاب (مشرعة بحار الأنوار)»، للشيخ محمد تقي أكبر نجاد(باحث وأستاذ في الحوزة العلمية)(ترجمة: نظيرة غلاب)، وقد تناول الكاتب بالبحث العناوين التالية: تمهيد؛ المبحث الأول: وجه تسمية الكتاب بـ »مشرعة بحار الأنوار«؛ المبحث الثاني: منهج الكاتب في »مشرعة بحار الأنوار«: 1ـ التوثيق من جهة إثبات صدور الحديث؛ 2ـ التوثيق من جهة إثبات صحة السند؛ المبحث الثالث: منهج نقد الروايات في »مشرعة بحار الأنوار«؛ المبحث الرابع: النقد وإعادة النظر: أـ النظرية المتََّبعة في قياس الأحاديث؛ موضوع العقل والجهل؛ أبواب العلم؛ ب ¬ـ نقد متن الروايات؛ مناقشة رواية خروج القائم(عليه السلام) بالسيف؛ تحقيق في الروايات التي تتحدث عن وقوع الصلح بين الحيوانات في آخر الزمان؛ النتيجة.
هذه هي
يُشار إلى أنّ «مجلّة نصوص معاصرة» يرأس تحريرها الشيخ حيدر حبّ الله، ومدير تحريرها الشيخ محمد عباس دهيني، ومديرها العامّ السيد علي باقر الموسى. وتتكوَّن الهيئة الاستشاريّة فيها من السادة: زكي الميلاد (من السعوديّة)، عبد الجبار الرفاعيّ (من العراق)، كامل الهاشميّ (من البحرين)، محمد حسن الأمين (من لبنان)، محمد خيري قيرباش أوغلو (من تركيا)، محمّد سليم العوّا (من مصر)، محمد علي آذرشب (من إيران). وهي من تنضيد وإخراج مركز الثقلين.
وتوزَّع «مجلّة نصوص معاصرة» في عدّة بلدان، على الشكل التالي:
1ـ لبنان: شركة الناشرون لتوزيع الصحف والمطبوعات، بيروت، المشرّفية، مقابل وزارة العمل، سنتر فضل الله، ط4، هاتف: 277007 / 277088(9611+)، ص. ب: 25/184.
2ـ مملكة البحرين: شركة دار الوسط للنشر والتوزيع، هاتف: 17596969(973+).
3ـ جمهورية مصر العربية: مؤسَّسة الأهرام، القاهرة، شارع الجلاء، هاتف: 2665394.
4ـ الإمارات العربية المتحدة: دار الحكمة، دُبَي، هاتف: 2665394.
5ـ المغرب: الشركة العربيّة الإفريقيّة للتوزيع والنشر والصحافة (سپريس)، الدار البيضاء، 70 زنقة سجلماسة.
6ـ العراق: أـ مكتبة أهل البيت، بغداد (الكاظمية)؛ ب ـ مكتبة الزهراء، البصرة، سوق العشار؛ ج ـ مكتبة الغدير، النجف، سوق الحويش.
7ـ سوريا: مكتبة دار الحسنين، دمشق، السيدة زينب، الشارع العام، هاتف: 932870435(963+).
8ـ إيران: أـ مكتبة پارسا، قم، خيابان إرم، سوق القدس، الطابق الأرضي، ت: 7832186(98251+)؛ ب ـ مكتبة الهاشمي، قم، كُذَرْخان، هاتف: 7743543(98251+)؛ ج ـ دفتر تبليغات «بوستان كتاب»، قم چهار راه شهدا، هاتف: 7742155(98251+).
9ـ تونس: دار الزهراء للتوزيع والنشر: تونس العاصمة، هاتف: 0021698343821.
10ـ بريطانيا وأوروپا، دار الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع:     
United Kingdom London NW1 1HJ. Chalton Street 88. Tel: (+4420) 73834037
كما أنّها متوفِّرةٌ على شبكة الإنترنت في الموقعين التاليين:
1ـ مكتبة النيل والفرات: http: //www. neelwafurat. com
2ـ المكتبة الإلكترونية العربية على الإنترنت: http: //www. arabicebook. com
وتتلقّى المجلّة مراسلات القرّاء الأعزّاء على عنوان البريد: لبنان ــ بيروت ــ ص. ب: 327 / 25
وعلى عنوان البريد الإلكترونيّ: info@nosos. net
وأخيراً تدعوكم المجلّة لزيارة موقعها الخاصّ: www. nosos. net؛ للاطّلاع على جملة من المقالات الفكريّة والثقافيّة المهمّة.


قراءة في العدد (22) من مجلة الاجتهاد والتجديد

29 يونيو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تمهيد
وتعود مجلّة الاجتهاد والتجديد (ربيع 2012م ـ 1433هـ) إلى محور الفنّ والغناء في الفقه الإسلاميّ / 2 / في (8) مقالاتٍ. كما تضمَّنت المجلّة (9) دراساتٍ في مجالات متنوّعة، ليكون الختام بقراءةٍ في كتاب (فقه الإمام عليّ(ع)).
كلمة التحرير
خصّص رئيس التحرير الشيخ حيدر حبّ الله كلمة التحرير، وهي بعنوان (الإمام الخوئيّ ومآلات النهضة في الاجتهاد وعلم النقد السنديّ)، للحديث عن مدرسة الإمام الخوئيّ في ثلاث نقاط: أوّلاً: معالم من مدرسة السيد الخوئيّ: 1ـ اعتماد مبدأ الجرأة العلميّة المتوازنة؛ 2ـ الاتّجاه ناحية علم الرجال والاهتمام السنديّ اتّجاهاً ملحوظاً مختلفاً عن الحالة العامّة في الحوزة العلميّة؛ 3ـ الميل في الاجتهاد الفقهيّ إلى اللغة العرفيّة؛ ثانياً: تأثيرات مدرسة السيّد الخوئيّ؛ ثالثاً: مدرسة السيّد الخوئيّ، مآلات وتراجعات.
محور العدد: الفنّ والغناء في الفقه الإسلاميّ / 2 /
1ـ في المقالة الأولى، وهي بعنوان «موسيقى القرآن، النظم والجاذبيّة قراءة في تجويز الموسيقى الهادفة»، للشيخ محمد هادي معرفة (أحد أبرز علماء القرآنيّات في القرن العشرين، فقيهٌ معروف، وصاحبُ مؤلَّفات كثيرة في الدفاع عن القرآن وصيانته من التحريف. توفّي عام 1427هـ) (ترجمة: نظيرة غلاب)، تناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: مقدّمة؛ القرآن وفصحاء عصر الرسول الأكرم(ص)؛ القرآن في عيون أدباء العصر؛ أين تكمن جاذبيّة القرآن؟؛ نغمات القرآن؛ الموسيقى من وجهة نظر الفقهاء؛ تفصيل المجمل؛ نتيجة البحث.
2ـ وفي المقالة الثانية، وهي بعنوان «الغناء المحرَّم: مفهومه، حكمه، وحدوده»، للشيخ محمد المؤمن القمّيّ (أحد أبرز الفقهاء في إيران، له دراساتٌ اجتهاديّة كثيرة في مجال مستحدثات الفقه والقانون)(ترجمة: حسن عليّ مطر)، تعرّض الكاتب للعناوين التالية: مقدّمة؛ آراء الفقهاء في الغناء؛ أدلّة حرمة الغناء، مجموعات النصوص الحديثيّة؛ مفهوم الغناء عند علماء اللغة؛ تعريف الغناء عند الفقهاء؛ مفهوم الغناء في الروايات.
3ـ وفي المقالة الثالثة، وهي بعنوان «فقه الغناء والموسيقى، دراسة تأصيليّة تجديديّة في ضوء القرآن والسنّة والمقاصد / القسم الأوّل»، للدكتور يحيى رضا جاد (أستاذ وباحث في علوم الشريعة الإسلاميّة، ومتخصِّص في الدراسات الفقهيّة، له عدّة مؤلَّفات، من مصر)، تناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: مقدّمة؛ تنبيه؛ أوّلاً: مقدّمات منهجيّة: 1ـ لا يجوز الاحتجاج بالحديث الضعيف، ولا يحلّ بناء الأحكام عليه؛ 2ـ لا يجوز تقوية الحديث بتعدُّد الطرق الضعيفة؛ 3ـ قول الصحابيّ ليس بحجّة في دين الله؛ 4ـ ما تعمّ به البلوى في حياة الرسول(ص) لا يصحّ تصوُّر خفاء حكم الشرع فيه؛ 5ـ الذرائع المفضية إلى الحرام ـ في ما كان معهوداً في زمن التشريع ـ تكفَّلت الشريعة بضبط بابها؛ 6ـ أقصى ما يدلّ عليه مجرَّد ترك النبيّ(ص) لشيء هو كراهة هذا المتروك، لا تحريمه؛ ثانياً: تعريفات الغناء؛ الموسيقى؛ المعازف؛ ثالثاً: مقدّمات تأصيليّة لمسألة الغناء والموسيقى؛ رابعاً: أدلّة المحرِّمين من القرآن الكريم، ومناقشتها.
4ـ وفي المقالة الرابعة، وهي بعنوان «الغناء في الفقه الإسلاميّ، مطالعة في نظريّة المحقِّق الأردبيليّ»، للسيّد عليّ الحسينيّ (باحث وكاتب في الحوزة العلميّة)(ترجمة: نظيرة غلاب)، تناول الكاتب بالبحث العناوين التالية: مقدّمة؛ تعريف الغناء؛ التعريف الأوّل؛ تفسير الرأي المشهور؛ الاستدلال على الرأي الأوّل؛ التعريف الثاني؛ التعريف الثالث؛ نظريّة حرمة الغناء؛ مستندات نظريّة حرمة الغناء؛ الغناء المستثنى من حكم الحرمة (الغناء الجائز)؛ الغناء في مجالس عزاء الحسين(ع).
5ـ وفي المقالة الخامسة، وهي بعنوان «التطوّر التاريخيّ لانبعاث البحث الفقهيّ حول الغناء والموسيقى»، للشيخ رضا مختاري (باحث وأستاذ في الحوزة العلميّة، من أبرز المختصّين بالتراث الدينيّ، له كتاباتٌ وتحقيقات عدّة، من إيران)(ترجمة: نظيرة غلاب)، تناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: تمهيد؛ القسم الأوّل: الرسائل المصنَّفة في الغناء؛ القسم الثاني: أقوال متفرِّقة في باب الغناء؛ القسم الثالث: ببليوغرافيا الغناء؛ القسم الرابع: أحاديث الغناء؛ القسم الخامس: أهل السنّة والموقف من الغناء؛ فهرس مشروع جمع الموروث الفقهيّ حول الغناء والموسيقى: 1ـ الرسائل المفردة المستقلّة؛ 2ـ الأقول المتفرِّقة؛ فهرس مشروع التراث الفقهيّ العامّ.
6ـ وفي المقالة السادسة، وهي بعنوان «العلاّمة الشعراني والموقف من الغناء والموسيقى»، للدكتور أكبر إيراني القمّيّ (أستاذٌ جامعيّ متخصِّص في الفلسفة الإسلاميّة، وخرّيج الجامعة الإسلاميّة في لندن، ناشطٌ في مجال تحقيق التراث)(ترجمة: نظيرة غلاب)، تعرّض الكاتب للعناوين التالية: مقدّمة؛ الشعراني ونقد رأي الشيخ الأنصاريّ في الغناء؛ الشعراني وتبنّي القول بنفي الحرمة الذاتيّة للغناء؛ علّة تحريم الغناء؛ موقف الشيخ الطوسيّ والفيض الكاشانيّ؛ الغناء، السماع، القول: الغناء والسماع الصوفيّ؛ الغناء وفق ألحان مناسبة؛ العلاج بالموسيقى؛ الثناء على الصوت الحسن؛ الغناء الباعث على الحزن أو الفرح؛ الشعراني ونقد نظريّة الإرجاع إلى العرف في مسألة الغناء؛ الغناء اللهويّ؛ دور النيّة والقصد في تحديد الصوت اللهويّ.
7ـ وفي المقالة السابعة، وهي بعنوان «الغناء والسماع في فكر شيخ العرفاء محيي الدين ابن عربي»، للدكتور أكبر إيراني القمّيّ (أستاذٌ جامعيّ متخصِّص في الفلسفة الإسلاميّة، وخريج الجامعة الإسلاميّة في لندن، ناشطٌ في مجال تحقيق التراث)(ترجمة: نظيرة غلاب)، تناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: مقدّمة؛ موقف الشرع الإسلاميّ من الموسيقى؛ ظهور العالم والسماع لكلام الحقّ؛ أنواع السماع: السماع المطلق، والسماع المقيّد؛ السماع ومسألة وحدة الوجود؛ أنواع السماع المطلق: 1ـ السماع الإلهيّ؛ 2ـ السماع الروحانيّ؛ السماع المقيّد (الغناء أو سماع العوامّ من الناس)؛ السماع من خلال المشاهدة؛ الوجد الصوفيّ وأقسامه؛ الحركة الناتجة عن السماع، وأقسامها؛ التواجد؛ الوجود؛ أقسام السامعين؛ ملامة المتظاهرين بالسماع والوجد؛ الحال المنبعث من سماع القرآن، ومن الشعر.
8ـ وفي المقالة الثامنة، وهي بعنوان «الموسيقى والغناء، مطالعة في الموقف الشرعيّ»، للشيخ يوسف الصانعي (أحد مراجع التقليد في إيران اليوم، تلميذ الإمام الخمينيّ والسيّد البروجرديّ، عضوٌ سابق في مجلس خبراء القيادة، له آراءٌ فقهيّة مخالفة لمشهور العلماء، ولا سيّما في فقه المرأة)(ترجمة: السيّد حسن مطر الهاشميّ)، تناول الكاتب بالبحث العناوين التالية: مقدّمة؛ تعريف الموسيقى؛ الجذور التاريخيّة لبحث الغناء في كتب الفقهاء؛ تعريف الغناء؛ 1ـ الغناء لغةً؛ 2ـ الغناء في كلمات الفقهاء؛ حكم الغناء؛ الأصل العمليّ في المسألة؛ أدلّة القائلين بالحرمة الذاتيّة للغناء: 1ـ العقل؛ مناقشة الاستدلال؛ 2ـ الإجماع؛ مناقشة الاستدلال بالإجماع؛ 3ـ الآيات الكريمة؛ 4ـ الروايات الشريفة: أـ الروايات التفسيريّة؛ كيفية الاستدلال، ومناقشته؛ ب ـ روايات مجالس الغناء؛ طريقة الاستدلال؛ مناقشة الاستدلال؛ ج ـ روايات الجواري المغنّيات (أجرتهنّ، وشراؤهنّ، وبيعهنّ)؛ طريقة الاستدلال ومناقشتها؛ الاستثناءات؛ النتيجة.
دراسات
1ـ في الدراسة الأولى، وهي بعنوان «المرجعيّة الدينيّة والاجتهاد المعاصر، حوار مع العلاّمة السيّد كمال الحيدريّ»، وقد أعدّ الحوار وأجراه: الأستاذ عماد الهلاليّ (كاتبٌ وباحث في الفكر الإسلاميّ، وطالب مرحلة الدراسات العليا في جامعة الأديان والمذاهب في إيران، من العراق) ضمن العناوين التالية: النبوّة والإمامة، الدور والوظيفة؛ المرجعيّة الدينيّة، الوظيفة والدور؛ بين المرجعيّة الدينيّة والمرجعيّة الفقهيّة؛ مستند أطروحة المرجعيّة الدينيّة الشموليّة؛ المراد من الفقه الأصغر والفقه الأكبر؛ المعرفة الدينيّة بين الترابط والتفكيك؛ المعارف التي يجب توفُّرها في المرجع؛ الاجتهاد الدينيّ ومنطق الحاجة إلى العلوم المقدّميّة؛ الفلسفة والعرفان، بين الموقف الإيجابيّ والتعاطي السلبيّ؛ انتخاب المرجع، السبل والآليّات والمقترحات؛ قيمة الشياع والاشتهار في إثبات المرجعيّة؛ المرجعيّة وإدارة الشيعة في العالم، واقع وإشكاليّات؛ «المرجعيّة الرشيدة» ومشروع إدارة الشيعة في العالم؛ مشاريع الإصلاح والتجديد الفقهيّ، قراءة وتقويم؛ الخلفيّات الكامنة خلف نقد المشروع المرجعيّ للعلاّمة الحيدريّ؛ ضرورة الاجتهاد والتجديد في علمَيْ الكلام والتفسير؛ مديات التجديد في الفقه الإسلاميّ؛ تعدُّد القراءات الدينيّة؛ الرسالة العمليّة والاحتياط الوجوبيّ؛ نماذج من فتاوى العلاّمة الحيدريّ؛ دور الزمان والمكان في فهم تعارض النصوص؛ الأعمال الفقهيّة والأصوليّة للعلاّمة الحيدريّ.
2ـ وفي الدراسة الثانية، وهي بعنوان «إجراء القوانين الجزائيّة في عصر الغيبة، دراسة في النظريّات والأصول»، للدكتور محمد رسول آهنكران (عضو الهيئة العلميّة في جامعة طهران ـ پرديس قم) والأستاذ مصطفى مسعوديان (طالب دراسات الماجستير في قسم فقه المباني الحقوقيّة الإسلاميّة في جامعة طهران ـ پرديس قم)، تناول الكاتبان بالبحث النقاط التالية: مقدّمة؛ أدلّة القائلين بجواز إقامة الحدود: أـ الأدلّة العقليّة؛ ب ـ الأدلّة النقليّة: 1ـ إطلاق الأدلّة؛ 2ـ الروايات: أـ مقبولة عمر بن حنظلة؛ دلالة الحديث؛ ب ـ رواية إسحاق بن يعقوب؛ دلالة الحديث؛ ج¬¬¬ـ رواية حفص بن غياث؛ مناقشة مستندات القائلين بالجواز؛ أدلّة القائلين بتعطيل الحدود؛ المناقشة؛ اتّجاه التوقُّف في المسألة؛ النتيجة.
3ـ وفي الدراسة الثالثة، وهي بعنوان «الضرائب الإسلاميّة ودورها في الحدّ من الفقر»، للدكتور الشيخ حسن آقا نظري (أستاذ في الحوزة والجامعة، وعضو الهيئة العلميّة لمركز بحوث الحوزة والجامعة، متخصِّص في الاقتصاد الإسلاميّ، من إيران)، تناول الكاتب بالبحث العناوين التالية: مقدّمة؛ 1ـ أسس توزيع الدخل: أـ المبادلة؛ ب ـ الحاجة أساس آخر للتوزيع؛ 2ـ الضمان الاجتماعيّ: أـ التكافل العامّ؛ ب ـ مسؤوليّة الدولة الإسلاميّة؛ 3ـ دور الضرائب الإسلاميّة في توزيع الدخل: أـ الأثر التوزيعيّ على صعيد الضمان الاجتماعيّ؛ ب ـ الأثر التوزيعيّ على صعيد توازن الدخل والثروة: 1ـ سعر ضرائب الدخل؛ 2ـ سعر ضرائب الثروة؛ 3ـ سعر زكاة النقدين؛ خلاصة واستنتاج.
4ـ وفي الدراسة الرابعة، وهي بعنوان «الصداقة بين الجنسين في ضوء القرآن الكريم»، للشيخ خالد الغفوري (أستاذ في الحوزة العلميّة، ورئيس تحرير مجلّة فقه أهل البيت(ع)، من العراق)، تناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: تمهيد؛ مقدّمة؛ موقف القرآن تجاه ظاهرة الصداقة بين الجنسين؛ الأمر الأوّل: البيان الإجماليّ؛ الأمر الثاني: فلسفة موقف القرآن في هذا التشريع؛ الأمر الثالث: مناسبات وأسباب نزول النصّ؛ الأمر الرابع: التحليل اللفظيّ؛ المعالجة الفقهيّة للنصّين القرآنيّين؛ أوّلاً: ما هو المراد باتّخاذ الخِدن؟؛ المناقشة؛ ثانياً: حرمة اتّخاذ الخِدْن؛ ثالثاً: تحديد المراد بـ (الخِدْن)؛ رابعاً: النهي عن اتّخاذ الأخدان مطلقاً؛ دعوى؛ المناقشة؛ خامساً: الاختلاط والتعايش بين الجنسين؛ سادساً: الزواج المؤقَّت واتّخاذ الخِدْن؛ سابعاً: استفادة الحرمة من نصوص أخرى؛ ثامناً: استفادة الحرمة من الأدلّة اللبّيّة؛ تاسعاً: النهي عن نكاح الزاني والزانية؛ نتيجة البحث.
5ـ وفي الدراسة الخامسة، وهي بعنوان «الاجتهاد، دراسة مقارنة في المفهوم والمصطلح»، للسيّد مهنَّد مصطفى جمال الدين (كاتبٌ في الجامعة والحوزة العلميّة، له اهتماماتٌ أدبيّة معروفة، من العراق)، تناول الكاتب بالبحث العناوين التالية: مقدّمة؛ أوّلاً: مفهوم الاجتهاد ونشوؤه عند أهل السنّة؛ 1ـ الاجتهاد في السنّة الشريفة من طرق أهل السنّة؛ 2ـ الاجتهاد بعد رحيل النبيّ(ص)؛ 3ـ مسيرة الاجتهاد عند أهل السنّة بين النمو والانغلاق؛ ثانياً: مفهوم الاجتهاد ونشوؤه عند الإماميّة؛ 1ـ الاجتهاد في السنّة الشريفة وما بعدها من طرق الإماميّة؛ 2ـ مصطلح الاجتهاد عند فقهاء الإماميّة؛ 3ـ تحديد مفهوم الاجتهاد عند الشيعة؛ ثالثاً: الإشكالات المترتِّبة على كلٍّ من المفهوم والمصطلح؛ 1ـ الإشكالات المترتِّبة على الاجتهاد مفهوماً ومصطلحاً؛ ثمار الإشكالات المثارة؛ 2ـ حيويّة الاجتهاد عند الإماميّة وتجدّده؛ 3ـ نظرة في تطوّر تعريف الاجتهاد؛ خلاصة البحث.
6ـ وفي الدراسة السادسة، وهي بعنوان «حقّ الشفعة، قراءة جديدة في شروطه وملاكاته ومعاييره»، للأستاذ مهدي موحِّدي محبّ (طالب دكتوراه في قسم الفقه والحقوق الإسلاميّة في جامعة طهران، من إيران)، تناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: تمهيد؛ مقدّمة؛ ما هو حقّ الشفعة؟؛ أدلّة ثبوت حقّ الشفعة؛ شروط حقّ الشفعة، دراسة وتحليل؛ المجموعة الأولى: 1ـ الشركة في المال؛ 2ـ إشاعة سهم كلٍّ من الشريكين؛ 3ـ أن تكون الشركة بين اثنين؛ ‌المجموعة الثانية: 1ـ أن يكون المال غير منقول؛ 2ـ كون المال قابلاً للقسمة؛ 3ـ نقل تمام الحصّة؛ 4ـ نقل الحصّة بالبيع؛ 5ـ أن يتعلَّق البيع بالسهم المشترك؛ خاتمةٌ واقتراح؛ النتيجة.
7ـ وفي الدراسة السابعة، وهي بعنوان «فقه التجارة، دراسة في ضرورات الوعي الفقهيّ التجاريّ»، للدكتور عليّ أكبر أيزدي ¬فرد (أستاذ في قسم الحقوق الخصوصيّ في جامعة مازندران، من إيران) والدكتور السيد رضا سليمان ¬زاده نجفي (أستاذ مساعد في قسم اللغة العربيّة في جامعة إصفهان، من إيران) والأستاذ حسين كاويار (طالب دكتوراه في قسم الحقوق الخصوصيّ في جامعة مازندران، وعضو جمعيّة الشباب الباحثين في إيران، جامعة ميمه، من إيران)، تناول الكتّاب بالبحث العناوين التالية: تمهيد؛ تحليل معنى التجارة، وضرورة تعلُّمها، من وجهة نظر الفقهاء؛ العلاقة بين التخلُّف وعدم تعلُّم التجارة؛ وجوب تعلُّم التجارة في الفقه؛ ضرورة تعلُّم التجارة في القرآن؛ المسؤوليّة الجزائيّة في ترك تعلُّم التجارة؛ التوصيات والاقتراحات.
8ـ وفي الدراسة الثامنة، وهي بعنوان «أحكام الشعائر الحسينيّة / القسم الأوّل»، للشيخ عليّ دهيني (باحث وأستاذ في الحوزة العلميّة، من لبنان)، تناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: مقدّمات تمهيديّة: 1ـ موضوع البحث؛ 2ـ ضرورة التوسُّع في الأبحاث العاشورائيّة؛ 3ـ ضرورة تأسيس مدارس خاصّة بالقُرّاء؛ 4ـ الإحياء ومصاديقه؛ 5ـ المشاريع الإصلاحيّة حول أحداث عاشوراء، وما يتعلَّق بها من الشعائر، أو ما يُنسب إليها؛ 6ـ لزوم توظيف الشعائر الحسينيّة لمصلحة المسلمين وقضاياهم المعاصرة؛ قاعدة وجوب تعظيم الشعائر أو حرمة هتكها؛ 1ـ في معنى لفظ الشعائر لغةً؛ 2ـ ما هي الشعائر في كلمات المفسِّرين والفقهاء؟؛ 3ـ الأدلّة على وجوب تعظيم الشعائر أو حرمة هتكها؛ 4ـ أدلّة إحياء أمر أهل البيت(ع)؛ 5ـ هل الشعائر توقيفيّة أو لا؟؛ 6ـ الموانع الطارئة على القاعدة؛ الشعيرة الأولى: البكاء؛ 1ـ في جواز البكاء على الميت: أـ المصادر الإماميّة التي تعرَّضت لجواز البكاء على الميت؛ ب ـ إطلالة على كلمات علماء الشيعة في هذا الموضوع؛ ج ـ كلمات علماء السنّة؛ 2ـ في استحباب البكاء على الإمام الحسين بن عليّ وأهل بيته(ع): أـ في لمحة عن المصادر التي ذكرت استحباب البكاء لقتل الحسين(ع)؛ ب ـ نظريّة الاستحباب المطلق مع تحصيل الثواب المذكور في الروايات للبكاء على الإمام الحسين(ع)؛ وقفة أخيرة في النظريّة الأولى: بكاء النبيّ(ص) على الحسين في روايات أهل السنّة؛ ج ـ نظريّة الدكتور البهبودي؛ د ـ نظريّة السيد هاشم معروف الحسنيّ؛ نقطة أخيرة؛ الشعيرة الثانية: التباكي؛ 1ـ ما هو المراد من لفظ (تباكى)؟؛ 2ـ في كلام العلامة النوريّ في (اللؤلؤ والمرجان)؛ 3ـ روايات التباكي.
9ـ وفي الدراسة التاسعة، وهي بعنوان «زراعة الأعضاء، تحليل الأصول الاجتهاديّة لفتاوى السيّد الخامنئيّ / القسم الثاني»، للدكتور الشيخ محمد رحماني (أستاذ في الحوزة العلميّة، وعضو الهيئة العلميّة في جامعة طهران، وعضو هيئة تحرير مجلّة فقه أهل البيت(ع))(ترجمة: الشيخ كاظم خلف العزّاوي)، يستكمل الكاتب البحث عبر العناوين التالية: الدليل الثاني: تغيير الخلقة الإلهيّة؛ نقد وتحقيق؛ الدليل الثالث: حرمة هتك وإهانة المؤمن؛ نقد وتحقيق؛ الدليل الرابع: حرمة المثلة؛ نقد وتحقيق؛ الدليل الخامس: قطع العضو أحد مصاديق الظلم؛ نقد وتحقيق؛ خلاصة؛ قطع عضو الميت الدماغيّ؛ الحكم الفقهيّ لقطع عضو الميت؛ أـ أدلّة حرمة قطع أعضاء الموتى؛ نقد وتحقيق؛ ب ـ مَنْ له حقّ إعطاء الإذن لقطع أعضاء الميت؟؛ 1ـ الوصيّة بقطع العضو؛ 2ـ إجازة الوليّ الشرعيّ؛ نقد وتحقيق؛ 3ـ موافقة الوليّ الفقيه؛ نقد وتحقيق؛ ج ـ دية قطع أعضاء الميت؛ وجه مصرف الدية؛ خلاصة؛ المحور الثاني: حكم أخذ العوض؛ 1ـ أخذ العوض من غير طريق البيع؛ 2ـ أخذ العوض عن طريق البيع؛ نتائج المحور الثاني؛ المحور الثالث: زراعة الأعضاء؛ توضيح.
قراءات
وأخيراً كانت قراءة في كتاب فقه الإمام عليّ(ع)، وهي بعنوان «فقه الأئمّة(ع) جولة استعراضيّة في كتاب «فقه الإمام عليّ(ع)»»، للشيخ صفاء الدين الخزرجيّ (باحث وأستاذ في الحوزة العلميّة، وعضو هيئة تحرير مجلّة فقه أهل البيت(ع))، وقد تناول الكاتب فيها بالبحث العناوين التالية: مقدّمة؛ أهمّيّة هذا الكتاب وأبعاده؛ محاولة اكتشاف المنهج الفقهيّ للإمام عليّ(ع)؛ كيفيّة العرض وتبويب البحوث؛ منهاجيّة البحث المعتمدة في هذا الكتاب؛ المعالم والخصائص؛ ما حقّقه هذا الكتاب من منجزات بحثيّة.
هذه هي
يُشار إلى أنّ «مجلّة الاجتهاد والتجديد» يرأس تحريرها الشيخ حيدر حبّ الله، ومدير تحريرها الشيخ محمّد عبّاس دهيني، ومديرها العامّ عليّ باقر الموسى، والمدير المسؤول: ربيع سويدان. وتتكوَّن الهيئة الاستشاريّة فيها من السادة: د. أحمد الريسوني (من المغرب)، د. عبد الهادي الفضليّ (من السعوديّة)، د. محمد خيري قيرباش أوغلو (من تركيا)، د. محمد سليم العوّا (من مصر)، الشيخ محمّد عليّ التسخيريّ (من إيران). وهي من تنضيد وإخراج مركز الثقلين.
وتوزَّع «مجلّة الاجتهاد والتجديد» في عدّة بلدان، على الشكل التالي:
1ـ لبنان ـ شركة الناشرون لتوزيع الصحف والمطبوعات: بيروت، المشرَّفية، مقابل وزارة العمل، سنتر فضل الله، ط4، هاتف: 277007 / 277088(9611+)، ص. ب: 25/184.
2ـ المغرب ـ الشركة العربيّة الإفريقيّة للتوزيع والنشر والصحافة (سپريس): الدار البيضاء، 70 زنقة سجلماسة.
3ـ جمهوريّة مصر العربيّة ـ مؤسَّسة الأهرام: القاهرة، شارع الجلاء، هاتف: 5786100؛ ص. ب: 683/13.
4ـ إيران: أـ مكتبة الهاشمي، قم، كُذَرْخان، هاتف: 7743543(98251+)؛ ب ـ دفتر تبليغات «بوستان كتاب»، قم، چهار راه شهدا، هاتف: 7742155(98251+).
5ـ البحرين ـ شركة دار الوسط للنشر والتوزيع، هاتف: 17488992(973+).
6ـ تونس ـ دار الزهراء للتوزيع والنشر: تونس العاصمة، هاتف: 0021698343821.    
وتتلقّى المجلّة مراسلات القرّاء الأعزّاء على عنوان البريد: لبنان ــ بيروت ــ ص. ب: 327 / 25.
وعلى عنوان البريد الإلكترونيّ: info@nosos.net.
وأخيراً تدعوكم المجلّة لزيارة موقعها الخاصّ: www.nosos.net؛ للاطّلاع على جملة من المقالات الفكريّة والثقافيّة المهمّة.


كتاب «الحشاشون» بين الثورة والإرهاب

28 يونيو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

كُتُب السيدة أميرة فرحات ربما كانت استجابة لدعوة البعض إلى الرجوع إلى التراث لاستلهامه الحلول لبعض ما تعاني منه الأمة العربية والإسلامية من معضلات.
كتاب السيدة فرحات «الحشاشون…» هو رابع كتاب لها عن مواضيع متعبة في التاريخ الإسلامي. لقد سبق لها ان كتبت عن «الخوارج» وعن «القرامطة» وعن «الزنج»، وكلها مواضيع تذكّر بأحوال الدول العربية والإسلامية في عز ازدهار قوتها وعمرانها وسيادة حضارتها. وكانت المؤلفة قد أصدرت كتابها «المختار في عيون المعارف والأخبار» وهو عبارة عن موسوعة (عشرة أجزاء): في الأدب والشعر والشعراء، وفي الحضارات والمعتقدات والأديان، وفي أحوال العرب في الجاهلية والإسلام وغيرها من المواضيع التي تريح القارئ وتثقفه وربما تنسيه واقعه الأليم.
أما التصدي لمواضيع الثورات في العالم الإسلامي قديماً فهو مهمة دقيقة تشد الأعصاب لما تذكر به من واقع راهن تعيشه الشعوب العربية والإسلامية خائفة قلقة. وهذا القلق هل مبعثه الثورات أم الإرهاب، علماً أن الإرهاب هو خوف جماعي ينتشر في جماعة أو جماعات بشرية لتحطيم إرادتها باصطناع العنف من مثل القتل والخطف والاغتيال تحقيقاً لغرض مضر بأمن الجماعة. فإذا نجحت وسيلة الإرهاب، وإذا استمر فلربما انقلب إلى ثورة لها غاية ولها تنظيم ولها مقولة فكرية أو هدف يتحدد. والثورة والإرهاب متلازمان يكمل أحدهما الآخر.
وقياساً على هذا تكون حركة «الحشاشين» أقرب إلى الثورة منها إلى الإرهاب. وان استعملته لتصل إلى تغيير في «مذهب الدولة» أي نشر الفكرة الإسماعيلية. وهذا لا بد من التساؤل: هل ان «الحشاشين» بثورتهم من أجل نشر المذهب الاسماعيلي والقضاء على المذهب السني السائد والمتمكن، قصدوا تغيير نظام الحكم بأقرب وسيلة وأفعلها وهو الثورة، أم انهم قصدوا استبدال القائمين على النظام بآخرين منهم. لقد جرى العرف في الأدبيات الإسلامية على تسمية هذه الانتفاضات بالثورات. فكتب التاريخ الإسلامي تطلق على جميع حركات الشعوب ثورات (الطبري، ابن الأثير…).
تقول المؤلفة بشأن كتابها «الحشاشون»: هذا الكتاب يبحث في «الحشاشين» في التاريخ ولطالما جذبت هذه الفرق الدينية العسكرية اهتمام الباحثين لما نسج حولها من أساطير، فضلاً عن الدور الفعلي الذي لعبته في منطقتنا بين إيران وسوريا خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر للميلاد. صحيح انها لم تصنع الأحداث الكبرى، إذ كان حجمها محدوداً إلى جانب قوى عظمى في ذلك الحين، مثل المغول والصليبيين والعباسيين والفاطميين والسلاجقة ثم الأيوبيين والمماليك، ولكنها كانت لاعباً معترفاً به، في مرحلة اتسمت بالتحولات الكبرى، ونعني بذلك تلك المرحلة التي تعرض فيها العالم الإسلامي لغزوين كبيرين في فترة واحدة (المغولي والصليبي)، جراء ما وصلت إليه حالة التفكك في هذا العالم أواخر الدولتين العباسية والفاطمية.
وفي فصل أخير تطرح المؤلفة السؤال حول الاغتيال وحول قتل الإنسان نفسه لهدف يراه نبيلاً. وهذا الموضوع تجدد طرحه بمناسبة قتل «القاعدي» أحمد مراح، الفرنسي الجنسية الجزائري الأصل، نفسه حتى لا يقع بين أيدي الشرطة الفرنسية فتأخذ منه بالإكراه أسراراً لا يستطيع كتمانها تحت وطأة التعذيب، وبالوقت نفسه يعتقدها مقدسة بحسب انتمائه التنظيمي.
وبهذا الشأن كان أحد المفتين السعوديين من آل الشيخ قد أفتى مناضلي الثورة الجزائرية بجواز قتل أنفسهم حتى لا يقعوا بين يدي الشرطة الفرنسية وذلك قبل استقلال الجزائر عن فرنسا في أواسط القرن العشرين.
وقد عالج الحشاشون هذا الأمر في مسارهم الطويل المبني على الاغتيال: اغتيال الغير العدو، فإن لم تحصل النجاة فاغتيال النفس من أجل الوصول إلى الفردوس الموعود (ص 29).
على ان الكتاب الذي يجد موضوعه مكانة متجددة في العصر الحاضر يلقي أضواء كاشفة على مواضيع نجدها مطروحة في الزمن الحاضر أيضاً حول الاضطراب القديم المتجدد في مسار الإسلام العربي وغير العربي، وحول الاغتيال السياسي.
وقد عالجت المؤلفة هذا الموضوع الأخير، «نهج الاغتيال السياسي» فقالت: «الحشاشون الاسماعيليون لم يخترعوا الاغتيال السياسي. انهم أعاروه اسمهم. فالقتل قديم قدم الجنس البشري وترمز إلى قدمه قضية قابيل (قايين) وهابيل في الإصحاح الرابع من سفر التكوين. وعادة ما يكون الدافع لمثل هذه الاغتيالات عقائديا. وقتل هذه الاغتيالات شائع في الشرق والغرب قديماً وحديثاً (اغتيال العلماء النوويين حديثاً على يد إسرائيل). وكثيراً ما ينظر القاتل إلى هذه الاغتيالات كواجب ايديويولجي يعبر عنه بصيغ سياسية أو دينية، وقد عرفت اثينا الاغتيال السياسي أيام الطاغية Hippias. ولدى اليهود قضية الفتاة جوديت في إصحاح جوديت، ثم جماعة السيكاري Sicarri أو جماعة الخناجر. ولديهم في الوقت الحاضر نماذج رهيبة من الاغتيال الفردي والجماعي، لا تحصى…
وعرف الإسلام الراشدي الاغتيالات: عمر وعثمان وعلي، والاغتيال السياسي بأشكاله يمارسه الحكام على خصومهم كلما استطاعوا.
«وكان الاسماعيليون كحراس على أسرار دفينة مبشرين بالخلاص عن طريق الإمام، وحملة وعدٍ بتحقيق رسالة. ودعاة انعتاق من مشاق العالم وعبء الشريعة. وكانوا بذلك جزءاً من تراث قديم يعود إلى بدايات الإسلام، بل إلى أقدم من ذلك كما انه يمتد في المستقبل إلى يومنا. هذا التراث يعتمد على نوع من العبادات تتناقض تناقضاً حاداً مع الدين الشرعي الذي يحميه النظام القائم».
وعرف الإسلام الكثير من أمثال هذه الفرق والجماعات قبل الإسماعيلية والجمعيات والجماعات ضمت الفقراء والمستضعفين ولكنها قبل «الحشاشين» كانت قليلة التنظيم…
وفكرة التكتل أو الروابط ليست مقصورة على الإسلام والمسلمين قديماً وحديثاً. ففي الولايات المتحدة مثلاً برزت هذه الظاهرة ومن أبرزها ما سمي بمذبحة «معبد الشعب» في جمعية دينية كان يتزعمها «كاهن» بروتستنتي يدعى جيم جونز. وقد أمر هذا المتزعم جماعته بتجرع السم (900 شخص) وفيهم أطفال ونساء ورجال، فأطاعوه.
وتقول «وفي ما يتعلق بمكانة الحشاشين في تاريخ الإسلام يمكن ان نقرر.. أربعة أمور: 1) ان حركتهم اعتبرت بمثابة تهديد عميق للنظام القائم. 2) ان الإسماعيلية لم تكن بالظاهرة المنعزلة… وانما كانت حلقة في سلسلة طويلة من الحركات الغامضة يحركها قلق عميق الجذور. 3) وان حَسَنَ الصباح نجح في توجيه الرغبات الغامضة… لدى الساخطين… 4) ان الاسماعيليين فشلوا في قلب النظام القائم فانقلبوا إلى جماعات حالمة…
لقد تميزت المؤلفة بحس اجتماعي تاريخي وحداثي حيث قدمت في سلسلة كتبها السابقة الذكر تصوراً مستقبلياً لمآل الأحوال ان استولت الفرق المتعثرة على الحكم في بلاد الإسلام والعرب خصوصاً