بحوث و دراسات

ظاهرة الوضع في الحديث الشريف دراسة في المفهوم، الحكم، الآثار، والمواجهة

19 يونيو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تمهيد
لا يختلف اثنان من دارسي الحديث النبوي وغيره في وجود ظاهرة الوضع في الحديث، وأنّ هناك في التاريخ من مارس هذا الكذب والدسّ في أحاديث النبي والصحابة وأهل البيت.
بل إنّ الحديث النبوي المتواتر، كما عدّوه، يصرّح ـ برأي البعض على الأقلّ ـ بأنّ الكذب على الرسول قد شهد بداياته في زمن النبي|، وأنّ النبي كان يحذّر دائماً من الكذب على لسانه، في إشارة منه وتوجّس لما سيؤول إليه الحال بعد وفاته.
ومن الواضح عند باحثي السنّة والحديث أنه من الضروري دراسة هذه الظاهرة التي تفشّت في كتب المسلمين، بهدف تمييز الأحاديث وردّ الموضوع والأخذ بما سواه، ومن هنا تماماً جاءت هذه الوريقات.

1ـ تعريف الحديث الموضوع
أ ـ يأتي الوضع في اللغة على معاني متعدّدة:
منها: الإسقاط، يقال: وضع الجناية بمعنى أسقطها، ويقال: وضع هذا الأمر عن كاهله بمعنى أسقطه.
ومنها: الترك، يقال: إبل موضوعة، أي متروكة في المرعى.
ومنها: الاختلاق والكذب، يقال: وضع فلان هذه القصّة، بمعنى اختلقها وافتراها.
ومنها: الخسارة، يقال: وضع فلانٌ في تجارته، أي خسر، ومنه بيع المواضعة.
ومنها: الدناءة، يقال: فلانٌ وضيع أي دنيء.
والأصل في ذلك كلّه يرجع إلى الخفض والحطّ(1).
ب ـ أما في الاصطلاح الحديثي، فيعني الكذب والدسّ والاختلاق والنسبة إلى رسول الله| أو من نزّل بمنزلته، بغير حقّ. من هنا عرّفوا الحديث الموضوع بأنّه المختلق المصنوع كذباً على النبي في قوله أو فعله أو تقريره(2).
وبهذا يظهر الفرق بين الحديث الموضوع والحديث الضعيف؛ فإنّ ضعف الحديث قد يكون ناشئاً من عدم ثبوت اتصال السلسلة السندية أو وجود اضطراب حقيقي ما في السند أو في المتن، لكنّ هذا لا يعني أنه موضوع؛ لاحتمال أن يكون مطابقاً للواقع وأن يكون الرواة صادقين في النقل، كلّ ما في الأمر أننا لم نطّلع على حالهم في الصدق والكذب، وهذا على خلاف الحديث الموضوع فإنه الذي نراه مكذوباً على النبي| بحيث تقوم لدينا الحجّة على عدم صدوره، سواء كانت هذه الحجّة قطعيةً أم معتبرة ظنية.
وقد وقع بعض العلماء والباحثين في حالة خلط بين الحديث الضعيف والحديث الموضوع، بمن فيهم بعض كبار المؤلّفين في الموضوعات كابن الجوزي (597هـ)؛ حيث نجدهم يذكرون حديثاً في الموضوعات، ثم عندما يريدون إبداء وجه الوضع فيه لا نجدهم يذكرون سوى ضعف السند، اللهم إلا إذا أرادوا بذلك اصطلاحاً خاصّاً بهم.
وقد تنطلق حالة الخلط بين الحديث الضعيف والموضوع، من تشخيص حالة الراوي، فيتصوّر أنّ كل راوٍ شهدوا عليه بالوضع وأنّه كذاب وضّاع، فإن كل روايةٍ يرويها ستكون من الموضوعات، وهذا ما وقع فيه أيضاً جماعة من أمثال ابن الجوزي، مع أنه لا تلازم بين كون الراوي وضّاعاً وبين كون هذا الحديث الذي يرويه موضوعاً؛ لأنّ الكاذب قد يصدق والثقة قد يكذب أحياناً، وليس الوضّاع بالذي لا يذكر أيّ رواية صادقة، بل على العكس ـ كما سوف نرى ـ قد يتعمّد رواية الصدق أحياناً تمهيداً لكذبه.
وعليه، لا تلازم بين الحديث الموضوع والحديث الضعيف، ولا ترابط بين الحديث الموضوع والحديث الذي يكون أحد رواته مضعّفاً.
ومن الوضع والحديث الموضوع، نعرف المراد من الواضع، فإنّه الراوي الكاذب لا مطلق الراوي الذي لم تثبت وثاقته، فبعض الرواة لم تثبت عدالتهم ولا حُسن حالهم ولا وثاقتهم فكانوا مجاهيل أو مهملين، لكنّ هذا لا يعني أنّهم وضاعون؛ إذ اتهامهم بالوضع يحتاج إلى دليل؛ كأن يشهد علماء الرجال والجرح والتعديل بأنهم كذابون يضعون الأحاديث، كما جاء في حقّ جعفر بن محمد بن مالك في مصادر الرجال الشيعية(3)، وفي حقّ سليمان بن عمرو أبي داود النخعي في مصادر الرجال السنية(4). أو ترد رواية عن أحد المعصومين تشهد بكذب فلان، كما ورد في حق أبي الخطاب حيث جاءت رواية بكذبه على لسان الإمام الصادق% نقلها لنا يونس بن عبد الرحمن عن الإمام الرضا×(5)، شرط أن تكون الرواية معتبرة.
وكما لا يصحّ في تشخيص الحديث الموضوع أن يكون أحد رواته من الوضّاعين، كذلك لا يصحّ القول بأنّ فلاناً وضاع أو يضع الحديث لمجرّد وقوعه في سند حديث ثبت لنا وضعه؛ لاحتمال أنّ الواضع شخص آخر في السند كذب على لسانه.
وبهذا يمتاز في ذهننا الحديث الموضوع عن الضعيف، وعن الواضع، فلا نقع في الالتباس الذي وقع فيه بعض العلماء.

2ـ الآثار السلبية لحركة الوضع
تتعدّد الآثار السلبية لحركة الوضع في الحديث، ويمكن ذكر بعضها كما يلي:

أـ التشويش على مرجعيّة السنّة
من الطبيعي أنه عندما يكثر الوضع في الحديث تصاب السنّة ـ بوصفها مصدراً معرفياً دينياً ـ باضطراب؛ إذ تظهر حالة فقدان الثقة بالأحاديث المنقولة، فلا تعود هناك مصداقية للروايات، الأمر الذي يضعف عملياً من مكانة السنّة الشريفة.
وهذا بالفعل ما قد حصل في بعض الأوساط المسلمة منذ القرن الثاني الهجري، فكثرة الكذب في الحديث ـ إلى جانب عوامل أخرى ـ دعت أمثال الإمام أبي حنيفة النعمان (150هـ) إلى الشك في الروايات، حتى عُرف مذهبه بقلّة الاعتماد نسبياً على الحديث الشريف، وقد ساعد هذا الأمر ـ فيما يبدو ـ على شيوع نظرية القياس في المذهب الحنفي، تعويضاً عن خسارة مصدر معرفي ديني هام كالسنّة الشريفة.
ولم يقتصر الأمر عند هذا الحدّ، بل قد عرف عن المعتزلة الذين هيمنوا على الثقافة الإسلامية فترةً من الزمن، أنهم كانا شديدي التحفّظ من المرويات، ولهذا قلّما نجد عندهم حضوراً للحديث النبوي، وليس هذا إنكاراً منهم لحجية السنّة كما تصوّره بعض الباحثين، بقدر ما هو انعدام لحالة الوثوق بالروايات، نظراً لشيوع ظاهرة الكذب والتقوّل.
وحتى لو لم يتخذ الفقيه أو المحدّث أو العالم المسلم موقفاً متشدّداً من الحديث كحال بعض المعتزلة، إلا أنّ حركة الوضع والدس لا شك فرضت على العلماء المسلمين بمذاهبهم أن يضاعفوا الجهود النقدية لتصفية الأحاديث من المكذوبات، والمعايير التي وضعها العلماء ـ مهما كانت قوية ـ لا تستطيع أن تطيح بالأحاديث الضعيفة فقط وتحتفظ بالأحاديث التي صدرت حقّاً عن النبي|؛ لكثرة الملابسات، وهنا من الطبيعي أن تطيح جهود العلماء ببعض الروايات الصحيحة، فإنّ عدم صحّة المتن عندك لا يعني بالضرورة عدم صحته واقعاً، وعدم صحّة السند للإرسال أو جهالة أحد الرواة مثلاً لا يعني كذب رواة السند وعدم صدور الرواية، وهذا معناه أنّ حركة الوضع فرضت جملة معايير نقدية أطاحت ببعض نصوص السنّة الواقعية، وربما حلّ محلّها نصوص اعتبرت حجّةً لكنها لم تصدر واقعاً، الأمر الذي يضعف السنّة الشريفة ويفقدها قدرة الحضور المناسب في المجتمع الإسلامي.
ب ـ خلق مفاهيم دينية هجينة
عندما توضع الأحاديث وتنتشر بين الناس ويجهد العلماء لتصفية الحديث النبوي من الدسائس، من الطبيعي أن تبقى بعض الأحاديث في كتب المرويات عند المسلمين، لتتحوّل إلى مرجعٍ يستخرج من خلاله الفقهاء والمفسّرون وعلماء الكلام والعقيدة وعلماء أصول الفقه والأخلاق، والمؤرّخون و.. يستخرجون منها فتاوى أو نظريات أو عقائد أو فهماً للقرآن أو قناعةً بحدثٍ تاريخي هنا وآخر هناك… إنّ هذه النصوص الموضوعة سوف تتحوّل تلقائياً، بعد استقرارها في بطون الكتب ـ المرجع، إلى مفاهيم ومقولات وعقائد، ثم ستصبح في المرحلة اللاحقة قناعات اجتماعية وممارسات عملية يسير عليها ملايين المسلمين في العالم.
وهكذا تترك الأحاديث الموضوعة ثقافة هجينة غريبة عن الإسلام الحقيقي داخل ثقافتنا الإسلامية، تتسرّب إلى وعينا الديني لتلعب به، ونحن نحسبها قيماً وأحكاماً ومفاهيم دينية، ليس تقصيراً منّا بالضرورة، بل قصوراً أحياناً، وقدراً يصعب الخروج من تحت سلطان أحكامه.
إنّ حجم خطورة الأحاديث الموضوعة أكبر مما نتصوّر، فقد يضع شخص حديثاً في علاقة المسلم بجاره النصراني، ثم يتسرّب الحديث إلى الكتب الكبرى، ويصبح مرجعاً لاجتهاد فقيه هنا وآخر هنا، ليتحول إلى فتوى سرعان ما تترك أثرها على علاقات ملايين المسلمين بجيرانهم النصارى، فتتشكّل علاقات ما كان يريدها الإسلام أساساً، لكنها صارت راسخةً في وعينا الإسلامي رسوخ المفاهيم الإسلامية الحقيقية.

ج ـ الإطاحة بمفاهيم دينية أصيلة
هناك مهمتان مقدّستان لا تقلّ إحداهما قداسةً عن الأخرى:
الأولى: الدفاع عن الدين من أن يطيح فكرٌ هنا وآخر هناك بحقائقه ويضحّي بمفاهيمه.
الثانية: الدفاع عن الدين من أن يضيف فكرٌ هنا وآخر هناك عليه مفهوماً غريباً لا علاقة له به.
إنّ وظائف العلماء السعي على الجبهتين معاً، فلا يصحّ تصوّر أن الدفاع عن الدين ضدّ الراغبين في الإطاحة ببعض مفاهيمه، أقدس من الدفاع عنه ضدّ بعض المتحمّسين له الذين يضيفون إليه الزيادة بحجّة الغيرة عليه أو الاندفاع له، فالزيادة في الدين خطرها كالنقيصة فيه تماماً، والأحاديث الموضوعة زيادةٌ في الدين أحياناً عندما تثبت مفهوماً ليس موجوداً في الدين، وإنقاصٌ منه أحياناً أخرى عندما تنفي مفهوماً موجوداً فيه واقعاً.
من هنا نعرف أن الوضع في الحديث لا يقف عند حدود إضافة مفهوم هجين إلى الدين، بل إنه يدفعنا إلى خسارة بعض المفاهيم، وهذه الخسارة تكون على نحوين:
الأول: إنّ جهود العلماء لتنقية الحديث والتثبت فيه قد توقعهم في تضعيف رواية صدرت واقعاً، الأمر الذي يفقدنا المفهوم الذي تريد هذه الرواية أن تخبرنا عنه، فالعلماء هنا كانوا مضطرّين لممارسة هذا النقد والتثبت لعلمهم بوجود الأحاديث الموضوعة، فهذه الأحاديث كانت أحد الأسباب الأساسية لانتهاج العلماء منهج النقد والتمحيص، وها هي اليوم تدفعنا لإلقاء أحاديث صحيحة لنخسر مضمونها، ولا ندري هل سيكون مضمون هذا الحديث متوفراً في مكانٍ آخر أم لا؟!
الثاني: أن لا يطرح العلماء الحديث الصادر واقعاً، لكنهم يثبتون الحديث غير الصادر والذي يكون موضوعاً، وفي هذه الحال قد يكون الحديث الموضوع ذا لسانٍ نافٍ، أي إنه ينفي مفهوماً دينياً أصيلاً، وهنا عندما يأخذ العلماء به فسوف ينفون هذا المفهوم الديني اعتماداً على الحجّة التي وصلتهم، بل قد يعارض الخبر الموضوع(6) واقعاً (الحجة ظاهراً) خبراً قد صدر واقعاً (وكان حجّة ظاهراً)، ونتيجة التعارض قد يتساقطان، فنخسر المفهوم الذي أراد الخبر الصادر واقعاً إيصاله إلينا، أو قد تكون المرجّحات في حال التعارض لصالح الخبر غير الصادر واقعاً، أو قد يقول الأصولي بالتخيير في حال التعارض ويختار الخبر غير الصادر واقعاً، وفي هذه الحالات كلّها نحن نفقد المفهوم الإسلامي الأصيل الذي كان الخبر الصادر واقعاً يهدف إيصاله إلينا.

دـ خلق الفرقة بين المسلمين
من المعروف أنّ إحدى المساحات الهامة التي اشتغل عليها الوضّاعون كانت الانحيازات القبلية والعشائرية والقومية والمناطقية والمذهبية والفرقية وقضايا المثالب والمناقب، ولهذا تكثر الأحاديث الموضوعة في هذه الدائرة، حتى ذهب السيد حسين البروجردي (1380هـ) إلى إسقاط حجية الخبر في هذه الأمور ما لم تحشد له القرائن لتحصيل الوثوق به، كما ينقل عنه ذلك السيد جلال الدين الآشتياني(7).
وقد ترك وضع الحديث في هذه الأمور أثراً سلبياً:
1ـ كانت روايات ذمّ مقدّسات الآخرين وما يتصل بهم ذات أثر سلبي على علاقات المسلمين بعضهم ببعض، فعندما يضع الراوي حديثاً في ذمّ الفرس أو ذمّ العرب أو ذم الأكراد أو ذم الديلم، ثم يتداول هذا الحديث فإنه يترك ردّة فعل سلبية في المجتمع من حيث علاقات الناس بعضهم ببعض.
وهكذا الحال في ذمّ المقدّسات المذهبية، حيث وضع المتطرّفون من أنصار المذاهب روايات قاسية في حقّ مقدّسات ورموز المذاهب الأخرى، وهو الأمر الذي ترك أثراً عظيماً في تمزيق المسلمين وشدّة الخلاف بينهم، وخروجه من حالة الخلاف الفكري إلى حالة النزاع الانتقامي.
2ـ ساعدت بعض النصوص الموضوعة على إيجاد حالة طبقية في المجتمع الإسلامي، فكان العرب يضعون بعض الروايات في تفضيلهم وتفوّقهم ونجابتهم بما كوّن في الوعي الإسلامي عند الكثيرين حالة تقدّم العرب على غيرهم في الفضيلة. ووضعت نصوص في تفضيل بعض العشائر والقبائل، بحيث كانت تتقدّم على غيرها كقريش، مع أنّ القرآن جعل معيار الفضيلة العلم والتقوى، لا الأنساب ولا الأعراق ولا القبيلة.

هـ ـ ظهور الوعي السطحي وغير العقلاني
ساعدت بعض أشكال حركة الوضع في الحديث على تبلور نوعٍ من الوعي السطحي عند المسلمين، وهنا يمكن التركيز على القصّاصين الذين أغرقوا سوق الحديث بمرويات القصص المثيرة للأنبياء والأئمة والصالحين والأولياء، وكذلك قصص الحروب والمغازي.
فقد بالغ هؤلاء في هذه الروايات التي أتوا ببعضها من كتب اليهود والنصارى وغيرهم، وصار همّ الناس وفهمها للدين قائماً على حال قصصية سردية خيالية؛ لكثرة هذه الروايات التي ألقيت بينهم، فظهر التديّن القصصي الذي يمتاز بالسطحية المفرطة، وصار الدين عبارة عن قصص وحكايا يتناقلها الناس، بدل أن يكون حكماً وقيماً ومواعظ.
ونتيجة هذا الوضع انخفض معدّل الوعي العقلاني، وصارت صورة الأشخاص والتاريخ عبارة عن أحداث كلّها خيالية سوريالية ما فوق طبيعية، كالبطولات وألوان الفداء والكرم والقوّة والشجاعة وغير ذلك.
لقد ساعد ذلك على وعي بسيط وساذج وغير مفهوم للأمور، وقد ابتعد المسلمون بسبب ذلك عن تعاليم الدين الجوهرية وعن التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد والأخلاق وأحكام الشريعة.

وـ التعطيل والتخدير والتجهيل
لعبت حركة الوضع في الحديث دوراً كبيراً في تعطيل نشاط المسلمين، وكبح جماح قوّتهم وعنفوانهم، فقد سعى الوضّاعون الموالون للسلطة ـ أيّ سلطة ـ لوضع الأحاديث التي تمنع المسلمين من الثورة والنهوض والنقد وإبداء الرأي، وصوّروا الحاكم ظلاً لله على الأرض، لا يجوز التعرّض له إلا إذا صدر منه الكفر البواح. ولم يكن الحاكم بالأحمق الذي يكفر أمام آحاد المجتمع الإسلامي وهو يحكم باسم الدين، فغطّ المسلمون في سبات سياسي ولم يعرفوا تداولاً للسلطة وحراكيةً في العمل السياسي، لهذا لم يكن سوى سبيل الخنوع أمامهم أو القيام بثورات موت.
كما أفرط الوضّاعون في مساعدتهم للسلطات حين وضعوا أحاديث القضاء والقدر التي تعطّل إرادة الإنسان وتخبر عن الجبر واللابدية في الفعل الإنساني، وساعدتهم في ذلك فئات أخر من الوضّاعين كانت تشتغل على إفراز مفهوم خاطئ للتوكّل على الله، وذلك عبر التسليم بالواقع وعدم السعي لتغييره، وجعل الفشل والتراجع ـ مع الحاكم ـ قدراً إلهياً لا مفرّ منه.
وهكذا خُدّر بعض المسلمين وتعطّلت الكثير من طاقاتهم على الفعل والتغيير، وجاء فريق ثالث من الوضاعين ليضع نصوصاً في العزلة وترك الناس وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والانكفاء عن الحياة الاجتماعية والسياسية، بل جاءت نصوص تعطيل الجهاد إلى أجلٍ غير مسمّى، ليساعد ذلك كلّه على تثبيط عزائم المسلمين ودورانهم حول أمور تافهة أفضت بهم إلى انهيار دولتهم الكبرى في القرن السابع الميلادي، وهم ممزقون يتناقشون في ما لا يهمّ النقاش فيه.
ليست حركة الوضع في الحديث هي المسؤولة عن ذلك كلّه، بل كانت مساهمةً فيه ومساعدةً عليه، نتيجة له وسبباً معاً.
كانت هذه البعض الآثار السلبية لحركة الوضع، نكتفي بها، وسيظهر أمرها أكثر فأكثر في الأبحاث القادمة بعون الله تعالى.

3ـ حكم وضع الحديث ورواية الحديث الموضوع
يعدّ هذا البحث من الأبحاث الهامة في دراسة مسألة الوضع في الحديث، وسوف ندرس أولاً حكم وضع الحديث، فيما نتعرّض فيما بعد لحكم رواية الحديث الموضوع، فالبحث في مرحلتين:

أولاً: حكم وضع الحديث شرعاً
المعروف بين علماء الشيعة والسنّة هو القول بحرمة وضع الحديث عن علم وعمد على لسان المعصوم ـ النبي والإمام ـ بل عدّ ذلك أمراً إجماعياً(8).
والمستند في ذلك واضحٌ؛ لأن وضع الحديث شكلٌ من أشكال الكذب والافتراء، وحرمة الكذب من الواضحات في الفقه الإسلامي، وتشتدّ الحرمة عندما يكون كذباً على المعصوم، مع الأخذ بعين الاعتبار الآثار السلبية الكثيرة الناتجة عن هذا الكذب كما ألمحنا إلى بعضه في البحث السابق. بل قد ذهب بعض الفقهاء إلى الحكم ببطلان الصوم بالكذب على الله تعالى ورسوله والمعصومين، فجعلوه من المفطرات، كما يظهر بمراجعة أبحاثهم الفقهية، لاسيما الفقه الإمامي.
وتخطّى بعض العلماء القول بكون الكذب والوضع من كبائر الذنوب إلى القول بكون الواضع كافراً، وقد نسب ذلك إلى كلٍّ من الشيخ أبي محمد الجويني، والقاضي أبي بكر بن العربي(9).
وفي مقابل هذا القول المشهور، نسب إلى بعضهم القول بجواز وضع الحديث، وأشهر الجماعات التي نسب إليها ذلك:
1ـ الكرامية، المنسوبون إلى محمد بن كرام بن عراق السجستاني (255هـ).
2ـ بعض المتصوّفة والزهاد.
3ـ بعض أهل الرأي(10).
وبصرف النظر عن مدى دقّة هذه النسبة، وهل هي صحيحة أم غير صحيحة، وإن كانت الشواهد المتفرّقة تدفعنا إلى ترقّب دقّة هذه النسبة؛ فإنّ الكرامية نسبوا إلى الزهد والتقوى تماماً كالزهاد والمتصوّفة، وسوف نلاحظ ـ وهو أمر مترقب ـ كيف أن الخوف على القيم الدينية وانشغال الناس بأمور أخرى كان سبباً في وضع بعض الأحاديث لتصويب الوجهة.
والذي يهمّنا هنا هو النظر في المعطيات التي يُستند إليها في تجويز الوضع، حيث من الواضح وجود حركة تجويز في الجملة، وأنّ هذه الحركة انطلقت من دوافع الحرص على الدين أيضاً.
ومن الجليّ أنّ المجوّزين لا يقصدون مطلق الرخصة في الكذب على لسان النبي|، وإنما كذب خاص أو نوع ومقدار محدّد من الكذب يخدم الأهداف النبيلة التي وضعوها، وهذا يعني أن نظرية جواز الوضع:
1 ـ محدودة وغير مطلقة حتى عند أصحابها.
2 ـ ذات غايات ومقاصد نبيلة من وجهة نظر القائلين بها.
وعلى أية حال، فأهم الأدلّة التي ذكرت لتجويز الوضع ما يلي:
الدليل الأول: وهو يقوم على إنكار كبرى إطلاق حرمة الكذب، وذلك على أساس أنّ الكذب إنما تثبت حرمته إذا كان مضرّاً لا مطلقاً(11)، وهذا ما يعني أنّ الكذب لا يحوي في ذاته العلّية التامة للقبح والحرمة، لا على مستوى معطيات العقل العملي ولا على مستوى معطيات النصوص الشرعية، على خلاف الظلم فإنه قبيح بذاته، أما الكذب ففيه اقتضاء القبح أو إنه متساوي الطرفين إلى القبح وعدمه، وإنما يكون قبيحاً بلحاظ النتائج المترتبة عليه.
ويمكن تعزيز هذا التقييد في حرمة الكذب بأنّ الشريعة جوّزت الكذب لمصلحة أو للإصلاح بين المؤمنين أو لدفع الضرر عن النفس ونحو ذلك، وهذا دليل واضح على أنّ الكذب لا يحوي قبحاً ذاتياً، وأنّ حرمته إنما كانت بملاحظة الآثار الضررية التي تترتب عليه.
ومن محاسن الصدف أنّ النصوص الناهية عن الكذب على رسول الله| تحتوي إشارةً إلى خصوصية الضرر اللاحق، فإنّ الحديث المتواتر المعروف في تحريم الكذب على النبي قد جاءت في بعض صيغه عبارة إضافية، فصار على الشكل التالي: μمن كذب عليّ متعمداً ليضلّ به الناس فليتبوء مقعده من النار(12)، وهذه الصيغة وصف الهيثمي حالها تارةً بأنّ رجالها رجال الصحيح، وأخرى بأنّ إسنادها حسن، وإن كانت بعض الطرق عنده ضعيفة(13).
وجاءت صيغة أكثر تأييداً، وهي التي تقول: μمن كذب عليّ متعمداً؛ ليحلّ حراماً أو يحرّم حلالاً أو يضلّ الناس بغير علم فليتبوأ مقعده من النار(14)، فهذه الصيغة تحدّد المسار الذي يتحرّك فيه الكذب، ولا تطلق الحرمة أو الوعيد بالنار إلا ضمن هذا المسار من الغايات والأهداف.
هذا كلّه يعني أن كبرى حرمة الكذب ودليل خصوص الكذب على النبي ليس فيهما إطلاق لحالة الكذب غير المضرّ على النبي، من هنا يمكن الكذب لغاية نبيلة كترقيق قلوب الناس ودفعهم نحو فعل الخير، لاسيما في قضايا الفضائل من الأعمال والمستحبات والمكروهات والأخلاق والآداب، أو تعريف الناس بمقام النبي والصحابة وأهل البيت، فتوضع روايات المناقب، وأيّ ضررٍ فيها؟!
هذا الدليل يمكن التعليق عليه من جهات:
أولاً: إنه وإن أمكن النقاش في إطلاقية حكم العقل العملي بقبح الكذب، من حيث عدم وجود دليل على وجود حكم إطلاقي كذلك، وفاقاً لغير واحدٍ من المحقّقين(15)، إلا أنّ النصوص الشرعية مطلقة في النهي عن الكذب عامّة، لا تقييد فيها بحالة وقوع الضرر، لا أقلّ ما جاء في موقع النسبة إلى الله تعالى وإلى الدين.
ثانياً: بصرف النظر عن الكبرى العامة، فإنّ حديث تحريم الكذب على لسان النبي| والمحكوم بتواتره، كافٍ في إطلاق الحرمة، وأما إشكالية القيد الإضافي، فهذا القيد وارد في طريقين أو ثلاثة من عشرات طرق هذا الحديث، وعلى فرض صحّته ـ وبعضُ طرقه ضعيفة ـ لا يقيّد النصوص المطلقة الأخرى؛ لأنّ هذا الحديث لا يحرز صدوره من النبي مرةً واحدة، بل الأرجح أنّه صدر عدّة مرات للتأكيد على هذا الأمر، فأيّ مانع من صدوره مطلقاً في أغلب الموارد، وصدوره بهذا القيد في موارد قليلة أخرى. وهذا الأمر لا يوجب تقييد النص المطلق؛ لأنّ الدليلين مثبتان، ولا مجال لإيقاع التعارض بين الدليلين المثبتين إلا في حالة إحراز وحدة الملاك، وإلا فالبيانات الشرعية تارةً تبيّن مساحةً وأخرى أوسع منها، وهذا موجود وبكثرة في الكتاب والسنّة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام: 144).
نعم، لو ورد القيد ـ الضلال ـ مورد العلّة التي يدور مدارها الحكم وجوداً وعدماً، كانت العلّة مقيّدةً للأدلة المطلقة، كما لو قال: يحرم الكذب؛ لأنه مضرّ، فإنّ ظهور الخطاب في التعليل يمكنه ـ لو تحقّقت سائر الشروط ـ أن يقيّد إطلاقات حرمة الكذب، وهذا غير متحقّق هنا.
ثالثاً: قد يقال بأنّنا لو غضضنا الطرف عن ذلك كلّه، والتزمنا باختصاص حرمة الكذب ولو على النبي بحال لزوم الضرر، إلا أننا ندّعي تحقق الصغرى هنا؛ لأنّ الواضع عندما يضع الحديث لا يلتفت إلى الآثار الأخرى، ويظنّ أن الحديث سوف يترك أثراً إيجابياً فقط، لكنه لا يلتفت إلى أنّ بعض قيود الحديث أو طريقة بيانه أو لحن خطابه سوف يواجه فقيهاً هنا أو مفسّراً هناك، وقد يقيّد به مطلقاً هنا ويخصّص به عاماً هناك، أو قد يشكّل أساساً لولادة مفهوم فيما بعد لم يلتفت إليه حتى الواضع نفسه، إنّ النص النبوي حيث إنّه نصّ مقدّس سوف يكون مرجعاً لآلاف المفسّرين له عبر القرون اللاحقة، وما دام بالإمكان جداً أن لا يلتفت الواضع إلى تمام ظهورات وتجلّيات هذا النص في عناصر الثقافة الأخرى، فإنه سيترك أثراً هنا أو هناك، وخصوصيّة مقام النبوة ستجعل النص عرضةً لأن يستفاد منه في مواضع متعددة بغير المفهوم الذي أراده حتى الواضع، وهذا معناه أنّ الوضع فيه آثار سلبية كبيرة جداً على أجيال المسلمين وثقافاتهم ووعيهم وطريقة تفكيرهم.
وبهذا يظهر أنّ الدليل الأول غير تام على الترخيص.
الدليل الثاني: إنّ الأدلّة الدالّة على حرمة الكذب على رسول الله| لا إطلاق فيها يشمل حالة الكذب على لسانه بدافعٍ شريف، كحثّ الناس على فضائل الأعمال وترغيبهم في السنن والمندوبات وما شابه ذلك، وذلك أنّ الحديث المعروف: μمن كذب عليّ متعمّداً..ν إمّا خاص بمن كذب على النبي بمعنى اتهمه بالجنون أو السحر كما هي حال غير المسلمين، دون كذب المسلمين عليه بداعي الترغيب بدينه، أو أنه ظاهر في الكذب الذي يرجع بالضرر على النبي ويكون ضدّه ومخالفاً لمصالح دينه، دون الكذب الذي يرجع بالخير عليه وعلى دينه، فإن كلمة (عليَّ) تختلف عن كلمة (لي) والكذب عليه غير الكذب له، ووضع الحديث في الفضائل وما شابهها كذب له لا عليه(16).
إلا أنّ هذا الدليل باطل أيضاً؛ لأنّ كلمة (عليّ) لا تعني (ضدّي) في مقابل كلمة (لي) التي تعني (معي ولصالحي)؛ وإنما تفيد في اللغة العربية مطلق نسبة الشيء إلى الآخر، دون أن يكون الآخر قد قاله، ومثال ذلك أن يقال: كذبت على لسانك، بمعنى أنني نقلت شيئاً غير صحيحٍ عنك، ولا يفهم العربي من هذا الكلام عنصر الكذب لمصلحة أو لضرر، وسبب استخدام النبي| كلمة (عليّ) هنا إنّما هو توضيح جهة الكذب والمكذوب عن لسانه، فلو قال: من كذب، ثم سكت عن تحديد المكذوب عن لسانه لما حصلت الفائدة، ولهذا ربط الكذب به فقال: μكذب عليّν، من هنا اعتبر ابن حجر العسقلاني من فسّر هذا الحديث بهذه الطريقة الواردة في الاستدلال جاهلاً باللغة العربية(17).
وبهذا يظهر أنّ وضع الحديث على لسان المعصوم حرام حتى لو كان لغايةٍ شريفة، فما يفعله عددٌ قليل من المسلمين أو الخطباء أو الوعّاظ من ابتكار قصص أو حكايات أو بطولات أو أحداث بداعي الخير ورغبةً في ربط الناس بالدين أو القيم أو الأخلاق أو النبي أو أهل البيت أو الصحابة أو غير ذلك، غير جائز شرعاً.
بل قد ذكر الخطيب البغدادي عن غير واحدٍ من أهل العلم أنّ الكذب على لسان النبي يوجب ردّ الحديث أبداً حتى لو تاب فاعله واعتبر ذلك من عقوبة الكذاب(18).
وهذا الكلام جيد لو لم يحصل الوثوق بخبره حتى بعد توبته، وإلا فلا موجب له إذا استطعنا تمييز الروايات في مرحلة كذبه عنها في مرحلة صدقه. ودعوى العقوبة تحتاج إلى دليل، ولم يرد في الكتاب والسنّة أن هذه عقوبة الكذاب على النبي|.

ثانياً: رواية الحديث الموضوع
بعد الفراغ عن حرمة وضع الحديث على المعصوم×، وقع البحث في جواز رواية الحديث الموضوع، وقد ذهب العديد من العلماء إلى القول بحرمة رواية الحديث الموضوع لمن يعلم بأنه موضوع أو قامت عنده الحجّة على كونه كذلك(19)، حتى لو كان هذا الحديث في الفضائل والخيرات(20).
والذي يبدو منهم تقييد ذلك بما إذا لم يوضح الراوي كون هذا الحديث موضوعاً(21)، وإلا فمجرّد ذكر السند لا يكفي عندهم؛ إذ لا يتميز الحديث الموضوع عن غيره بمجرّد ذكر السند، ولا تحفظ السنّة إلا بالكشف عن الموضوعات(22). نعم ذهب العلامة المامقاني إلى كفاية ذكر السند دون الجزم بالصدور؛ لأنه أتى به عند أهل الاعتبار، والجاهل غير معذور في تقليد ظاهره، بل مقصّر في ترك التثبت(23).
لكن السؤال: ما هو الدليل على حرمة رواية الحديث الموضوع؟
لا شك أنه لو ذكر الناقل الحديثَ الموضوع بصيغة الجزم بصدوره مثل: μقال رسول اللهν، فإنه يحرم من باب الكذب؛ لأنه يذكر أنّ الرسول| قد قال ذلك وهو يعلم أنه لم يقله، وهذا واضح، إلا أنّ الكلام في ذكره السند، أو قوله: روي عن رسول الله|، فإنّ ذلك لا يحوي كذباً حتى يكون حراماً، فما هو الموجب للحكم بالحرمة حينئذٍ؟!
استدلّ على ذلك أو قد يستدلّ بما يلي:
أولاً: إنّ في ذلك إعانةً على الإثم، فإنّ وضع الحديث إثمٌ، ونحن بترويج الأحاديث الموضوعة نساعد الوضّاعين على وضعهم ونعينهم في كذبهم، كما أنّ في رواية الحديث الموضوع ترويجاً للقبيح وتضليلاً للمسلمين، فلا يجوز(24).
وهذا الاستدلال إنما يتمّ ـ في مطلعه ـ بناءً على ثبوت كبرى حرمة الإعانة على الإثم، فلو أنكرت هذه القاعدة كما ذهب إليه بعض كبار الفقهاء المتأخرين(25)، لم يعد هناك مجال لتوظيف هذه القاعدة فيما نحن فيه. هذا، مضافاً على أنّ الاستناد إلى كبرى حرمة الإعانة لا يتصوّر هنا مع وفاة الوضّاعين للأحاديث منذ مئات السنين، فلا يصدق عرفاً أننا نعينهم ونساعدهم وهم عند ربهم إلا بضرب من المجاز؛ لأنّ المفروض أن الفعل قد صدر قبل مجيئنا نحن إلى الدنيا، عنيت فعل الكذب، فما معنى الإعانة عليه هنا؟! نعم، نحن نعين سبيل الكذب على النبي، وهذا شيء آخر، فالاستدلال بحرمة الإعانة على الإثم يعاني من مشاكل هنا، اللهم إلا إذا وضع الحديث الآن بتعاون عدّة أطراف.
وأما أن في رواية الحديث الموضوع ترويجاً للباطل وتضليلاً للمسلمين، فهو إنما يتم لو اعتقد الراوي للحديث بكون مضمون الحديث باطلاً، كما لو روى رواية موضوعة تجيز شرب الخمر، فهنا يتحقّق تضليل المسلمين أو إيقاعهم في الباطل وترويجه، وتغريرهم بالحرام، وقد تبنّى غير واحدٍ من الفقهاء قاعدة حرمة تغرير الجاهل وإيقاعه في الحرام الواقعي ولو لم يكن يدري وكان معذوراً فيما فعل، لكنّ هذه القاعدة ـ لو تمّت ـ لا إطلاق فيها ـ وفاقاً للمحقق الخوئي(26) ـ لعدم إحراز جريانها في غير حالات المحرّم الواقعي الذي يكون بحيث يهتم به الشارع على كلّ حال، كالدماء والفروج والأحكام، أما في غير ذلك كروايات خواصّ النباتات أو تاريخ الأنبياء أو أحداث عصر ظهور المهدي أو وقائع القيامة أو حياة القبر، فلا يعلم شمول هذه القاعدة له ما لم يمسّ الحديث الموضوع اعتقاداً دينياً بسوء.
هذا كلّه، فضلاً عن أنّ مضمون الحديث الموضوع قد يكون بنظر الراوي له حقاً وليس بباطل، فكيف نخاطبه بحرمة الترويج للباطل أو تضليل المسلمين؟!
وأما إذا قصد بتضليل المسلمين تضليلهم في تصوّرهم أنّ هذا الكلام قاله النبي، وهو لم يقله، بصرف النظر عن إشكالية المضمون، فهذا هو عين الكذب، فنرجع إلى حرمة الكذب، والحال أنّ الراوي لم يكذب، ولا دليل محرز بعدُ على حرمة تضليل المسلمين بهذا المعنى ما لم يتعنون بعنوان الكذب المحرّم، والمفروض لحوقه للواضع لا لراوي الحديث الموضوع.
فهذا الدليل بهذه الصيغة غير دقيق.
ثانياً: الاستناد إلى الحديث النبوي المعروف: μمن كذب عليّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من النارν، فقد افترض محمد جمال الدين القاسمي أنّ في هذا الحديث إشارة إلى حرمة نقل الحديث مع العلم بكذبه وأنّ الناقل مستحقّ للنار، إلا أن يتوب(27).
وهذا الاستدلال غير واضح؛ وربما لعدم قوّته عبّر عنه القاسمي بالإشارة، لا بالظهور والدلالة، وإلا فالحديث ظاهرٌ في الكذب، ونقل الكذب ليس كذباً، لا عرفاً ولا عقلائياً، حتى مع العلم بأنّه كذب.
نعم، بعض صيغ الحديث قد تكون شاملةً لمقام نقل الكذب، وذلك مثل صيغة: μمن يقل عليّ ما لم أقلّ فليتبوأ مقعده من النار(28)، بدعوى أنّ القول عليه ما لم يقل يشمل الكاذب، ويشمل من ينقل عنه؛ إذ يصدق على الناقل أنه يقول على النبي ما لم يقل، ولو بالواسطة، اللهم إلا إذا استفيد من الرواية الكذب خاصّة، ولو من باب أن الناقل لا يقول عن النبي، بل يحدّث عن الراوي عن النبي.
وعليه، فالاستدلال بهذا الحديث مشكل.
ثالثاً: الاستناد إلى رواية خاصّة واردة في المقام وهي: μمن حدّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين(29) فإنّ هذا الحديث واضح الدلالة على حرمة التحديث مع العلم بالكذب(30)، وتنزيله منزلة الكاذب الواقعي؛ لترتيب آثار الكاذب على هذا الناقل عن الراوي الكذاب فيما نقله كذباً.
وهذا الحديث منقول عن سمرة بن جندب الذي وقع فيه خلاف بين الشيعة والسنّة، فيراجع، وعلى تقديره فهو خبر آحادي لا وثوق بصدوره، والحجّة هو الخبر الموثوق بصدوره لا الثقة ولو بلا وثوق، كما حقّقناه في محلّه.
كما قد يقال بأنّ هذا الحديث خاصّ بالتحديث عن النبي، لا عن الراوي عن النبي، فلا يشمل ذكر السند وأمثال ذلك.
رابعاً: الاعتماد على دعوى الإجماع على حرمة التحديث بالموضوع دون بيان حاله، كما ذكر بعض الباحثين(31).
لكنّ الاعتماد على هذا الإجماع ـ لو تمّ صغروياً ـ ممنوع، بعد وضوح مدركيته من خلال سائر الأدلّة التي ذكروها، لاسيما الحديث الأخير الوارد في صحيح مسلم.
من هنا، لا نجد دليلاً مقنعاً على حرمة رواية الحديث الموضوع بعنوانه، فيتبع الأمر الآثار المترتبة عليه هنا أو هناك، فإن كان لرواية حديثٍ موضوع ضمن سياق ما أثر إيجابي أو لم يحرز أنّ له أثراً سلبياً مبغوضاً جداً، فلا دليل على تحريم روايته، ومن ذلك مقام المخاصمات فقد يحتجّ الباحث على خصمه بروايات خصمه مع اعتقاده بأنّ بعضها موضوع ولا يشير إلى الوضع، بل يظهر بقرينة السياق أنه لا يعتقد بها لا أنه يعتقد بكذبها، وأما إذا تمّ إحراز ضرر غير مشروع يلحق الرواية هنا أو هناك، حرم أو كره بمقدار الأثر السلبي اللاحق.
يشار إلى أنّ رواية الحديث الموضوع يكفي في رفع حالة التضليل فيها الإشارة إلى ضعفه، ولا يجب الإشارة إلى وضعه، فإنّ تضعيفه نحو توهين له كافٍ في رفع التضليل في بعض الموارد على الأقلّ. وهذا يعني أنّ المصنف أو الكاتب أو الخطيب أو الواعظ أو المدرّس، عليه أن يلتفت إلى حجم المفاسد المترتبة، تبعاً للمقام ولشخصه ولشخص مخاطبه ولمضمون الحديث وغير ذلك، لا القول مطلقاً بالحرمة ولا مطلقاً بالجواز.

4ـ أنواع الوضع وأشكاله وأساليبه
تتعدّد أشكال وضع الحديث وتختلف أنواعه، ومن الضروري التعرّف على أساليب الوضع، إذ غالباً ما يتصوّر للوضع أشكال مبسّطة فينطلي الأمر على الباحثين في حنكة الواضعين وذكائهم، الأمر الذي يفرض الاطّلاع على هذه الأساليب، تمهيداً للتمكّن من تمييز الأحاديث الصحيحة عن غيرها بطريقة جيّدة.
وأهم أشكال الوضع ما يلي:

4 ـ 1 ـ الوضع الكامل التام
وله عدة حالات:

4 ـ 1 ـ 1 ـ الوضع الكامل في السند والمتن
ذهب بعضهم إلى أنّ هذا الشكل من وضع الحديث أوضح الإشكال وأشهرها، حيث يقوم الواضع بافتراض مضمونٍ ما يعتقد صوابه، فيحوّله إلى متن حديث، ثم يخترع له سنداً افتراضياً متصلاً بالنبي|، أو يرسله بإحدى درجات الإرسال.
وتقع هذه العملية ابتكاريةً بالكامل، مثل أن يفكّر الراوي في موضوعٍ ما، فيصطنع له متناً، ثم يخترع له سنداً لم يسبق أن شاهده من قبل.
وقد اختلف في هذا المنهج والأسلوب، فذهب بعضهم ـ مثل الدكتور صلاح الدين الإدلبي ـ إلى أنّ هذا الكلام كلّه خياليّ صرف، اخترعه بعض الباحثين في الحديث، وأنّه لا وجود لوضع كهذا في كتب الحديث(32)، فيما ذهب آخرون كالدكتور صبحي الصالح إلى أنّ أكثر حالات وضع الحديث على هذا الشكل، لاسيما في أحاديث القصّاصين(33).
والحقّ أنّ تحقق هذا النوع من الوضع بمعنى اختراع تمام متن الرواية واختلاق رواة للسند كلهم لا وجود لهم مطلقاً أمرٌ بعيد جداً فيما بأيدينا من مرويات، إلا إذا كان الخبر مرسلاً لا سند له؛ لغلبة وجود ولو راوٍ واحد في السند يكون معروفاً ومتداولاً في أسانيد أخرى، علماً أن تحقّق ذلك خارجاً آنذاك معقول في بعض الدوائر الضيقة هنا وهناك. وأما بمعنى اختراع المتن والسند بحيث يكون تركيب السند اختراعياً لا أسماء الرواة، فهو أكثر إمكاناً حيث يقوم الواضع بضمّ اسم إلى آخر، ولو كان أحدهما معروفاً، فلا موجب لإنكار القضية بالمطلق.

4 ـ 1 ـ 2 ـ الوضع الكامل في المتن خاصة
تقوم هذه الحالة المشهورة جداً على أساس:
أ ـ اختراع الواضع لمتن من عنده لا يأخذه من أحد(34)، وإنما هو فكرة جاءته من بنات أفكاره، فيفتش له عن سند، فمثلاً قد يحيا الواضع في عصر الكليني ويسمع بالسند المتداول: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، فيقوم بالقول: حدثني علي بن إبراهيم عن… ويستخدم السند عينه، دون أن يخترع سنداً من عنده؛ ليلصق هذا السند بالمتن الذي اخترعه. وهذا كثير الوقوع على المستوى الاحتمالي، لاسيما في الأسانيد المشهورة المعروفة، حيث يستغلّها الوضّاعون لتركيب متونهم عليها.
وأكثر ما يتوقع حصوله هنا هو أن يؤمن الواضع بفكرةٍ ما باجتهاد ذهني، أو تحيّز طائفي، أو لتفسير خاص له للقرآن، أو بتطبيق خاص له لآيات القرآن على مصاديق معيّنة مذهبية أو قومية، فيجعل فكرته متناً ويحوّلها إلى حديث يركّبه على السند أو يرسله ويرفعه.
ب ـ أن لا يكون المتن من اختراع الواضع، وإنما يأخذه من موضع قائم موجود(35)، وهذا أيضاً كثير التحقّق في فرصه الاحتمالية، وله عدّة مصاديق:
منها: أن يعمد الواضع إلى كتب أهل الكتاب من التوراة والإنجيل والتلمود وسائر المصنفات الأخرى، ليأخذ منها قصّة أو حديثاً أو حكمةً أو موعظة أو حكماً فقهياً، ثم ليركّبه بعينه على سند موجود قائم، وهذا ما يعرف بالإسرائيليات التي غلب وجودها في مجال القصص وتاريخ الأنبياء ونحو ذلك.
من هنا، يحتاج ناقد الحديث لدراسة نصوص أهل الكتاب وثقافتهم، لاسيما في تلك الفترات بالتحديد؛ لأنّ ذلك يساعده على اكتشاف الموقف بطريقة أفضل.
نعم، ليس كلّ تشابه معناه الوضع، فقد يقول النبي قولاً يشبه قول نبي آخر، لكن مع ذلك تبقى هذه المسألة معيناً رئيساً في المقام.
ومنها: أن يعمد الواضع إلى كتب الحضارات والحكماء القدامى في الحضارات المختلفة وينظر في ثقافات الشعوب، فيرى حِكَماً معروفةً عندها، ثم يقوم بتركيب هذه الحكمة الآتية من بلاد الروم أو العرب أو فارس أو البربر أو الهند أو.. على أسانيد جاهزة. وهذه الحِكَم قد تكون أمثالاً شعبيةً مفيدة، وقد تكون كلاماً مكتوباً أو مأثوراً لحكماء تلك الشعوب والحضارات، وهو ما يفتح بدوره المجال على توسعة ثقافة الناقد للحديث على هذا الصعيد أيضاً.
ومنها: استقاء كلام لأحد الصحابة أو التابعين أو تابعيهم يقتنع به الواضع، فيقوم بتركيب المتن على السند ليحوّله إلى نصّ نبوي، بغية إعطائه نفوذاً اجتماعياً، إما لأنه يريد الانتصار لهذا الشخص أو ذاك، ويريد أن يعطي كلامه قوّة ونفوذاً، أو انحيازاً منه لمضمون الكلام.
من هنا، نجد بعض الروايات التي يطابق نصّها تقريباً نصّاً موجوداً في كتب أهل الكتاب، أو في ثقافة بعض الشعوب، أو فيما ينقل عن بعض الشخصيات الإسلامية القديمة.
ومنها: استقاء كلام الأطباء أو الشعراء لنسبته إلى نبي أو إمام، على نفس الطريقة المتقدّمة، وقد ذكر بعض نقاد الحديث أنهم لاحظوا كتب الطبّ القديمة ووجدوا تطابقاً بينها وبين بعض الروايات الطبية(36)، وهكذا في مجال الشعر.
وهذا الاختراع أو الاستقاء للمتون، وتركيبها على الأسانيد التي قد تكون صحيحةً، يسمّى في عرف الدراية بالوضع أو الدسّ على الثقات، وقد كانت مشكلةً عويصة، ويسمى الحديث بـ μالموضوع على الثقاتν، وقد أفرد البهبودي في كتابه μمعرفة الحديثν فصلاً تحت عنوان: μالموضوعات على الثقاتν عالج فيه بتفصيل نسبي هذه الظاهرة(37)، والتي لها مصاديق أخرى ستأتي بعون الله تعالى.
ويلاحظ على ظاهرة وضع المتون بالطرق غير الطريقة الأولى، أنّ أصحابها لم يكونوا مبتكرين لأفكار، فكان مستواهم أقلّ ـ فكرياً ـ من مستوى وضّاعي المتون بشكل ابتكاري(38).
هذا كلّه يعني أنّ ناقد الحديث عندما يلاحظ هذا التقارب أو التطابق، فإنه وإن احتمل صدق الراوي، لكنّ احتمال الوضع يكون حاضراً حينئذٍ، تفرضه المعطيات الاحتمالية العقلانية، بل قد يقوى الاحتمال إلى حدّ الاطمئنان في بعض الحالات.
ويجب أيضاً التنبّه للأحاديث المقطوعة والمرفوعة والتي لا سند لها؛ لاحتمال عدم خبرة الواضع بالحديث فيخترع المتن ويسنده إلى النبي أو الصحابي أو الإمام بطريقة الرفع والإرسال.

4 ـ 1 ـ 3 ـ الوضع الكامل في السند خاصّة
يقصد بهذه الحال أن يقوم الواضع بالعثور على حديث موجود، وله سند أو لا سند له، فيقوم لأجل تقوية هذا الحديث باختراع سندٍ له، إما رجاله معروفون أو غير معروفين، أو لا وجود لهم، كلاً أو بعضاً، وفي الغالب يقوم باختراع سند من شخصيات معروفة.
هذه الظاهرة بالغة الخطورة؛ لأنّ هذا معناه أنه من الممكن أن يقوم الوضّاعون ـ لأجل تقوية حديث ضعيف ـ بتركيب أسانيد كثيرة له، من شخصيات معروفة أو شبه معروفة، فهم قد سمعوا سابقاً بالحديث لكنهم يريدون تقويته، ولم يقوموا باختراعه أو اقتباسه من مكانٍ ما، وهذا يعني أنّ كثرة الأسانيد التي فيها أشخاص ضعاف يصعب تحصيل الوثوق منها؛ لاحتمال أنهم جميعاً اخترعوا الأسانيد لمتنٍ كان موجوداً بسند ضعيف، وهذا الأمر يزداد إشكالاً عندما يشترك الوضاعون لهذه الأسانيد في مذهب خاص أو اتجاه خاص فكري أو سياسي أو غير ذلك، فلا ينبغي الاغترار بكثرة الطرق قبل نقد هذا الجانب.
هذا، ويعبّر أحياناً عن الحديث الذي يجري تبديل بعض رواته أو كلّهم لمزيد ترويج أو غير ذلك بالحديث المقلوب(39).

4 ـ 2 ـ الوضع الجزئي
يختلف الوضع الجزئي عن الوضع التام، من حيث إنّ الواضع لا يقوم بابتكار سندٍ لمتن أو متنٍ لسند، أو سندٍ ومتنٍ معاً، وإنما يصادف حديثاً موجوداً له سنده ومتنه، ولم يقم هو بابتكار أيّ من الجزأين الرئيسين فيه، لكنه يقوم بإدخال بعض التعديلات على أحد هذين الجزأين، وبذلك يقع الوضع الجزئي، وله حالات:

4 ـ 2 ـ 1 ـ الوضع الجزئي في الأسانيد
ويحصل ذلك بأن يجد الوضاع حديثاً له سند مبتلى بحذف أحد رواته مثل: زيد، عن عمرو، عن رجل، عن النبي، وهنا يقوم بوضع اسم بدل كلمة (رجل)، كي يقوّي هذا السند، ويدعم هذا الحديث الذي يريد أن ينتصر له.
هذا معناه أننا إذا وجدنا حديثاً رواه الثقة عن ثقة عن رجل أو عمّن حدثه، ثم وجدنا الرجل الوضاع يرويه عن ثقة عن زيد الثقة، فمن غير المعلوم إمكان ردم هوّة الإرسال الموجود في السند الأول بالاسم الظاهر الذي أتانا به الضعيف في السند الثاني؛ لاحتمال أن الخبر وصله مرسلاً، لكنه أراد تقويته بإضافة هذا الاسم.
وهكذا الحال لو ورد في السند شخصٌ معروف بالكذب، فأراد الوضاع أن يلغي اسمه ويستبدله بشخص ثقة؛ كي لا يسقط الحديث، فهنا يقوم بحذف اسم الراوي الضعيف واستبداله براوٍ ثقة معروف. وهذا ما يدفع للتنبيه إلى أمرٍ هام، وهو أنّ الوضاعين كثيراً ما يستغلّون أسماء الرواة المشاهير كمحمد بن مسلم وأبي هريرة وعائشة وعبد الله بن مسعود وزرارة بن أعين، فيضعون أسماءهم في الأسانيد كي تأخذ الروايات حضورها.
هذا، والوضع الجزئي في الأسانيد قد يكون في أوّلها، وقد يكون في وسطها، وقد يكون في آخرها.

4 ـ 2 ـ 2 ـ الوضع الجزئي في المتون
تعدّ ظاهرة الوضع الجزئي في المتون من ظواهر الوضع الخطيرة جداً؛ لأنّ الواضع لا يتصرّف في الأسانيد، وإنما يتصرف في المتن تصرّفاً جزئياً يريد به حرف المعنى الأصلي، أو إضافة معنى جديد، أو حذف معنى محدّد كان دالّه موجوداً في المتن.
والوضع الجزئي في المتن يحصل من خلال حالات عديدة، أبرزها:
1 ـ إضافة كلامٍ ما في أوّل الحديث، فقد يأتي الحديث معبراً عن قاعدةٍ عامة، فيقوم الواضع بتطبيق هذه القاعدة على موردٍ ما، ثم يقوم بذكر المورد معلّلاً بالقاعدة، فمثلاً قد تأتي رواية تقول: إن قطع الرحم منقصة في الرزق، فيقوم الواضع بإضافة مصداق حقيقي أو جعلي في مقدمة الحديث، كأن يقول: إمام المسلمين من رحمكم وقطع الرحم منقصة للرزق، أو يقول: صل أباك فقطع الرحم منقصة للرزق.
2 ـ إضافة كلامٍ في وسط الحديث، والمثال الذي يذكره العلامة التستري هنا جيد، فقد جاء في أحد الأحاديث عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله| أنّه قال: μلو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّل الله تعالى ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً منّي يواطؤ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً(40). إنّ هذا الخبر الذي ينقله حتى الشيخ الطوسي مخالفٌ لكل صيغ هذا الحديث الواردة عند المسلمين، وهذا ما يضاعف من احتمال زيادة جملة: μواسم أبيه اسم أبيν. وقد احتمل العلامة التستري أنّ سبب وضع هذه الجملة يرجع إلى إرادة الواضع تطبيق عنوان (المهدي) على المهدي بن المنصور الدوانيقي(41).
لكن ثمة احتمال آخر يشرحه لنا خبر يزيد بن حازم الوارد في كتاب الغيبة للنعماني، في أن تكون هذه الإضافة من صنع جماعة المغيرة بن سعيد من غلاة الشيعة، للترويج لمحمد بن عبد الله بن الحسن، وهو من أهل البيت وقد ادّعى أنه القائم(42). وهناك احتمالات أخرى تبحث في محلّها.
3 ـ إضافة كلام في آخر الحديث، وهذا أيضاً أمر معقول جداً، حيث ينهي الراوي الحديثَ، فيضيف إليه مصداقاً أو يطبّقه على مصداق خارجي، أو يرفقه باستثناء أو تخصيص أو ما شابه ذلك.
وهذه الحالات الثلاث تعرف باسم: الإدراج المتعمّد في الحديث؛ فإنّ الحديث المدرج هو الحديث الذي يدرج الراوي فيه كلاماً كالذي قلناه.
4 ـ تغيير ألفاظ الحديث، وهنا لا يزيد الواضع شيئاً، إنما يستبدل كلمةً بأخرى تخدمه أو تنفعه، فبدل μيحرمν يقول: لا ينبغي، وبدل μلا تفعلν، يقول: لا يصح، وهكذا مما يسبب اختلالاً وقلقاً وتحريفاً في المعنى.
لكن يجب أن نشير إلى أمرٍ مهم جداً في موضوع الإدراج في الأحاديث أو تغيير ألفاظها، فليس كلّ إدراج أو تغيير معناه الوضع، بل هناك أسباب عديدة لهاتين الظاهرتين، فقد عُرف عن الشيخ الصدوق الإدراج في الأحاديث ـ وإن كان هناك نقاش في صح


ثبات الشَّريعة وإدارة التغيُّرات الاجتماعيّة والاقتصاديّة

16 يونيو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

خلاصة
يعتقد فقهاء الإسلام بأنّ الشريعة الإسلاميّة هي شريعة شاملة وثابتة, كما أنّ هناك العديد من الروايات الواردة عن المعصومين‡ تدلّ بدورها على شموليّة هذه الشريعة وثباتها. هذا ونتيجةً للتحوّل اللَّافت الذي طرأ على المجتمعات البشريّة، منذ زمن التشريع حتى عصرنا هذا ـ وخاصّة في القرنين الأخيرين ـ فقد طرح تساؤل دقيق عن كيفيّة التوفيق بين شموليّة الشريعة الإسلاميّة وثبـاتها وبين هذا التحوّل الكبير.
يطرح الشهيد الصدر، للإجابة عن هذا السؤال، نظريّته المسمّاة بـ «منطقة الفراغ». وستسعى هذه المقالة إلى عرض النظريّة البديلة, التي تشكلّ، في نظر الكاتب، إجابة واضحة عن هذا التساؤل, مدّعياً انسجامها كذلك مع الروايات التي تتعرّض لشموليّة الشريعة وثباتها, وذلك بعد توضيح نظريّة الشهيد الصدر وتسجيل بعض الانتقادات عليها. ويجدر بالذكر أنّ النظريّة البديلة إنّما تُبنى بشكل مختصر على المقدّمات الآتية:
إنّ العلم والتجربة البشريّة هما المسئولان ـ على مرّ الزمان ـ عن إحداث التغييرات الأساسيّة في الحياة البشرية, وذلك من خلال مستويين هما: علاقة الإنسان بالطبيعة وعلاقة الإنسان بالإنسان.
لا يخفى أنّ هذه التغييرات قابلة للتوجيه والإدارة.
إنّ مسألة شموليّة الشريعة وثباتها مرتبطة، بشكل مباشر ووثيق بالعناوين العامة للعلاقات, لا بمصاديقها.
يمكن تقسيم عناوين العلاقات إلى ثلاث مجموعات: عناوين أوليّة وعناوين ثانويّة وعناوين عامّة.
بيّنت الشريعة الإسلاميّة حكم كلّ عنوان على أساس المصالح والمفاسد, وذلك على نحو القضية الحقيقيّة, وليس هناك من عنوان إلاّ وقد بُيّن حُكمه؛ إمّا بصورة مباشرة أو غير مباشرة (من خلال العموميَّات).
يقوم الشارع الحكيم سبحانه وتعالى ـ من خلال تشريع الأحكام الثانويّة ـ بتوجيه التغييرات وإدارتها في سبيل تحقيق الأهداف المتوخّاة. وعلى هذا الأساس, يمكن استنباط حكم كلّ تغيير يستجدّ على مستوى العلاقات من خلال الجهاز التشريعيّ. ونستنتج من ذلك أنّ حُكم العناوين يكون ثابتاً؛ بينما يكون حُكم المصاديق قابلاً للتغيير.
مقدّمة
يرى المفكّرون والفقهاء المسلمون العظام أنّ الشريعة الإسلاميّة جامعة وثابتة. وفي هذا الصدد يقول الإمام الخمينيّ:
«يقدّم الفقه نظريّة واقعيّة ومتكاملة لإدارة شؤون الإنسان من المهد إلى اللحد(۱). ويُعدّ [الإسلام] مدرسةً مختلفة بشكل جذريّ عن بقيّة المدارس غير التوحيديّة, وذلك على مستوى مواكبتها ومتابعتها لجميع الشؤون الفرديّة والاجتماعيّة والمادّية والمعنويّة والثقافيّة والسياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة, كما أنّها لم تغفل عن أيّة نقطة لها دور في تربية الإنسان والمجتمع, وذات تأثير على تطوّرهما الماديّ والمعنويّ حتّى وإنْ كانت تافهة»(۲) .
وفي هذا الإطار, هناك روايات كثيرة تدلّ على شموليّة الشريعة. ومن باب المثال, نجد أنّ الإمام الصادق عليه السلام يصف الأشخاص الذين كانوا يقولون: نعمل برأينا في المسائل التي لا يوجد حُكمها في الكتاب والسنّة النبويّة:
«كَذَبُوا! لَيْسَ شَيْ‏ءٌ إِلاّ وَقَدْ جَاءَ [حُكمه] فِي الْكِتَابِ وَجَاءَتْ فِيهِ السُّنَّةُ»(۳).
كما أنّ هناك روايات كثيرة تدلّ على ثبـات الشريعة أيضاً؛ من جملتها قول الإمام الباقر%:
«قال جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله): أَيُّهَا النَّاسُ حَلالِي حَلالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَحَرَامِي حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة»(۴).
هذا، وقد أثار التحوّل اللَّافِت الذي طرأ على المجتمعات البشريّة ـ منذ زمن التشريع حتى الآن، وخصوصاً في القرنين الأخيرين ـ تساؤلاً مهمّاً عن كيفيّة التوفيق بين شموليّة الشريعة الإسلاميّة وثباتها من جهة وهذا التحوّل من جهة أخرى.
فكيف يمكن للأحكام الثابتة أنْ تقود الناس، في تصرّفاتهم وعلاقاتهم باتجاه الأهداف التي يتطلّع إليها الإسلام، في جميع الميادين, وبالنسبة لجميع الناس وفي جميع الأزمنة؟
وأصل هذا السُّؤال إنّما يتوجّه إلى نصّ الشريعة التي شُرّعت من قِبَل الله تعالى, وبُلّغت بوساطة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام), وهو لا يتناول طريقة استكشاف تلك الشريعة في عصر الإجتهاد. وبعبارةٍ أخرى, فإنّ السؤال يتعلّق بدور الزمان والمكان في الشريعة, وليس بدورهما في عمليّة الاجتهاد والاستنباط؛ لكن، وفي الوقت نفسه, يرتبط هذان السؤالان أحدهما بالآخر، بحيث يكون للجواب عن الأوّل أثر في الجواب عن الثاني.
وفي السياق نفسه, يُطرح هذا البحث في مجال الأحكام الاقتصاديّة التي تكون منشأً لاكتشاف المذهب والنظام الاقتصاديّ في الإسلام. فمقتضى جامعيّة الشريعة الإسلاميّة وثباتها ألاّ يُغفل فيها عن بيان حُكمِ أيّ تصرّف أو علاقة في المجالات الثلاثة: الإنتاج والتوزيع والإستهلاك, فلا بدّ من أن تكون أحكامها ثابتة وعالميّة أيضاً. وبعبارة أخرى, يلزم من شموليّة الشريعة الإسلاميّة وثباتها أن يكون للإسلام نظام اقتصاديّ جامع وشامل, ثابت وعالميّ؛ وحينئذ يُطرح علينا هذا السؤال مرّة أخرى: كيف تتلاءم الشموليّة والثبات في هذا المجال مع التحوّلات السريعة واللافتة التي تطرأ على الأفعال والعلاقات.
في جوابه عن هذا السؤال, قام الشهيد الصدر، في كتابه: "إقتصادنا"، بطرح نظريّة تحت عنوان »منطقة الفراغ التشريعيّ« لتظهر بعد ذلك عدّة مقالات في صدد توضيحها ورفع الإشكالات المتوجّهة إليها, بل وتعديلها في بعض الأحيان؛ إلاّ أنّ بعض الإشكالات لم تعالَج حتّى الآن. ويبدو أنّ هذه النظريّة لم تكن موفّقة في الإجابة عن السؤال السالف.
بعد توضيح هذه النظريّة ونقدها, ستسعى هذه المقالة إلى عرض النظريّة البديلة التي تشكّل في نظر الكاتب إجابة واضحة عن هذا السؤال وتكون متلائمة أيضاً مع الروايات التي تتحدّث عن جامعيّة الشريعة وثباتها.
بيان الموضوع
يُطرح السؤال: «كيفيّة انسجام ثبات الشريعة مع تحوّل المجتمعات»، في شأن الأحكام التي تكون موضوعاتها عرضة للتحوّل والتغيير. ويرتبط موضوع الأحكام الشرعيّة بإحدى العلاقات الأربع الآتية:
علاقة الإنسان بنفسه.
علاقة الإنسان بالله.
علاقة الإنسان بالطبيعة.
علاقة الإنسان بالآخرين.
فقد شُرّعت، في الإسلام، أحكام متنوّعة لتنظيم هذه العلاقات, بما يضمن للإنسان والمجتمع سلامة السير على جادّة السعادة الدنيويّة والأخرويّة. ويتوجّه السؤال آنف الذكر بشكل أساسيّ إلى الأحكام التي شُرّعت لتنظيم العلاقات الإنسانيّة الإجتماعيّة, وكذلك علاقة الإنسان بالطبيعة؛ لأنّ هذه العلاقات تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان, وتتحوّل بتطوّر العلوم؛ فهي تغييرات تحصل على أثر تطوّر العلوم والفنون, وتقترن بتطوّر خلاقيّة الإنسان واهتدائه إلى أدوات ووسائل جديدة, تساعده على التحكّم في الطبيعة وتسهيل عمليّة خلق علاقات إجتماعيّة جديدة وتسريعها.
نظريّة منطقة الفراغ
بيّن الشهيد الصدر نظريّته في موضعين من كتاب "إقتصادنا"(۵)، وأوضح، بعض تلامذته نظريّة أستاذهم(۶). وسنسعى من جهتنا إلى بيان هذه النظريّة في ثلاثة محاور.
 مفهوم منطقة الفراغ
تشتمل الشريعة الإسلاميّة على قسمين: قسم يحتوي على تشريعات إلهيّة ثابتة »منجّزة« وغير قابلة للتغيير والتبديل. وقسم آخر أُوْكِل أمره إلى وليّ الأمر نفسه, بحيث لا يحتاج إلى أيّ تشريع إلهيّ ثابت غير قابل للتغيير, ما يفضي بوليّ الأمر إلى أنْ يحكم فيه على أساس الأهداف الكلّية للإسلام ومقتضياتها. ويُعدّ القسم الثاني هو منطقة الفراغ؛ يعني المنطقة الفارغة من التشريعات الثابتة وغير القابلة للتغيير.
 ضرورة وجود منطقة الفراغ
لا يخفى أنّ الشريعة الإسلاميّة ليست شريعة مؤقّتة؛ بل هي أبديّة وعالميّة. ونظراً إلى تطوّر المجتمعات لا بدّ من أن تشتمل على عنصر متغيّر يمكنها من خلاله أن تظهر بوصفها نظريّة ومشروعاً أبديّاً عالميّاً يسعى إلى إدارة المجتمعات وسَوقها نحو سعادة الدنيا والآخرة. وتوضيحاً لهذا الأمر, لا بدّ لنا من تعيين الجوانب المتغيّرة في حياة الإنسان, وتوضيح تأثيرها على البرنامج التشريعيّ الإسلاميّ الذي يُنظّم الحياة الإنسانيّة. فمن الواضح أنّ  هناك نوعين من العلاقات في دائرة الحياة الإنسانيّة: علاقة الإنسان بالطبيعة، وعلاقته بالآخرين. فالعلاقة الأولى ليست متوقّفة على وجود المجتمع؛ ولكنها متأثّرة به؛ حيث أنّ وجود المجتمع هو سبب في تراكم التجارب ونموّ رأس المال البشريّ المرتبط بمعرفة الطبيعة, ما يؤثّر في توسعة دائرة حاجات الإنسان ورغباته تبعاً لذلك, نعم لا يمكن لعلاقة الإنسان بالطبيعة أن تكون عاملاً مؤثّراً في تنظيم علاقته بالناس الآخرين.
وعلى أثر مواجهة الإنسان للمشاكل الجديدة وإيجاده للحلول المتنوّعة لها، ستتحوّل علاقته بالطبيعة، مع مرور الزمان، إلى عاملٍ يسلّحه بوسائل جديدة وطرائق ناجعة أقوى وأكثر كفاءة في تسخيرها والاستفادة منها. أمّا علاقة الإنسان بأفراد نوعه, فهي بطبيعتها ليست متحوّلة ولا متغيّرة؛ لأنّ الهدف منها هو حلّ المشاكل الثابتة؛ ولهذا السبب تكون هذه العلاقات مبنيّة على قواعد ثابتة؛ وإن كان من المحتمل أن يتغيّر شكلها الظاهري؛ فمن باب المثال: إنّ كل شعب يحصل على ثروةٍ ما من خلال ارتباطه بالطبيعة هو محتاج إلى قاعدة للتوزيع, ولا يتأثّر ذلك بآليّات الإنتاج وتغيّر وسائلها وطرقها، سواء كانت بسيطة أم معقّدة متطوّرة. وبناءً على ذلك, فالتشريعات التي تُنظّم هكذا علاقات استناداً إلى الرؤية الإسلاميّة إلى العدالة, يمكن نظرياً أن تكون ثابتة؛ بوصفها ناظرة إلى حلّ المشاكل الثابتة. لذلك كان من الطبيعي جدّاً أن يعرض الإسلام أصوله النظريّة والتشريعيّة في قالب أصول ثابتة, تستطيع أن تُؤطّر علاقات الناس بعضهم ببعض عبر العصور المختلفة؛ لكنّ هذا لا يعني أنّ الإسلام أهمل الجهات المتحوّلة في حياة الإنسان, أي علاقته بالطبيعة؛ لأنّ تحوّل هذه العلاقة وتطوّر الإنسان في استفادته من الطبيعة, يهدّدان البرنامج الذي تُبنى عليه العدالة الإجتماعيّة. فلا يمكن في العصر الذي أصبحت فيه الوسائل الزراعيّة آليّة أن يقال: كلّ من يحيي أرضاً فهو مالك لها! لأنّه في هذه الصورة, سيتحوّل أفراد قليلون ممّن يستطيعون أن يحيوا أراضٍ كثيرة إلى ملاّك كبار, وهو ما يعرّض التوزيع العادل للخطر, والحال أنّ ذلك هو من أهمّ الأهداف الإسلاميّة. فللوقوف أمام هذا التهديد, لا بدّ من أن يؤخذ بعين الإعتبار في البرنامج التشريعيّ منطقة خالية يحكم فيها الوليّ الفقيه على أساس مقتضيات الزمان, ذلك كلّه مقدّمة لتحقيق الأهداف الإسلاميّة.
 حدود منطقة الفراغ
تشمل منطقة الفراغ الأفعال التي لم يُشرّع لها حُكمٌ إلهيّ إلزاميّ من وجوب أو حرمة؛ لذلك فهي تختصّ بالمواضيع التي يكون حكمها الشرعي الأوليّ هو الاستحباب أو الكراهة أو الإباحة. ففي هذه الموارد, يستطيع الوليّ الفقيه أن يحكم بالوجوب أو الحرمة على أساس مصالح الإسلام وأهدافه, وذلك من خلال الاستناد إلى الأصول اللازمة التي حصل عليها من المنطقة المملوءة في الشريعة؛ نعم في موارد الحكم الإلزاميّ التي يُشخّص فيها حصول تزاحم بين الأحكام, يستطيع الفقيه أيضاً أن يحكم بتقديم الأهمّ على المهمّ؛ غير أنّ هذا الفرع خارج عن بحثنا.
نقد نظريّة الشهيد الصدر
 يُفهم من كلمات الشهيد الصدر أنّ تغيّر علاقة الإنسان بالطبيعة يعدّ أمراً طبيعياً وناشئاً من طبيعة الإنسان؛ فالإنسان موجود مفكّر ومبدع، ولا يمكن الوقوف أمام تطوّره في هذا المجال؛ لأنّ جموده حينئذ سيكون بمنزلة السجن الفكريّ البشري. وبناءً عليه, فإنّ الإسلام لا يعيّن برنامجاً ثابتاً في سبيل تنظيم هذه العلاقة؛ أمّا في ما يخصّ علاقة الإنسان بأفراد نوعه, فالأمر مختلف تماماً؛ إذ إنّ هذه العلاقة تكون ثابتةً في حلّها للمشاكل؛ ولهذا لا شيء يمنع الإسلام من امتلاك برنامج تشريعيّ ثابت يُؤطّر هذه العلاقة. ويمكننا أن نستنبط من هذا الكلام قضيّتين كلّيتين:
الأولى: إنّ هدف العلاقة القائمة بين أبناء البشر هو تأمين حاجاتهم الثابتة.
الثانية: إنّ علاقة البشر بالطبيعة في تغيّر دائم وتحوّل مستمر.
بيد أنّ الشهيد الصدر لم يتمكّن من إقامة دليل جامع ومانع على هذين الإدّعاءين الكليّين؛ ففي الواقع, يمتلك كلا القسمين أموراً ثابتة وأموراً متغيّرة, كما أنّ الذهن الإنسانيّ المبدع هو في سعي دائم للظفر في كلا المجالين بوسائل ومناهج وعلاقات جديدة.
ولهذا نجد أنّ الإنسان، ومن خلال سيطرته على الطبيعة، يسعى إلى إنتاج المواد الأوليّة والسِّلع الزراعيّة وبعض المعدّات الضروريّة. ومع تطوّر العلوم والفنون وتنامي التجارب، يتمكّن من الاهتداء إلى اكتشافات واختراعات جديدة يوماً بعد يوم. وبوساطة الوسائل والمناهج الجديدة التي حصل عليها, يكتسب الإنسان القدرة على تسخيرٍ أكبر للطبيعة وإنتاجٍ أحدث للبضائع والخدمات. تبرز على السطح ـ بالموازاة مع الحاجات الثابتة (الأساسيّة) من قبيل الحاجة إلى الغذاء واللباس والمسكن ـ حاجاتٌ جديدة نظير الحاجة إلى الثلّاجة, جهاز التلفزة, السيّارة والحاسوب، والتي هي نتيجة للاكتشافات والاختراعات الجديدة.
وعلى هذا المنوال نفسه, تكتنف العلاقات السائدة بين أفراد الإنسان حالة من التغيير والتكامل؛ فالظفر بالمعدّات والآلات الحديثة, إضافةً إلى أنّه يؤدّي إلى تسهيل العلاقات السابقة وتسريعها وتعميمها, فإنّه يفضي إلى ظهور حاجات جديدة وعلاقات مستحدثة؛ ما يؤدّي في النهاية إلى ولادة قوانين حقوقيّة, وبروز أحكام قضائيّة وجزائيّة جديدة. وتنبع هذه التغييرات من التغيّر والتكامل الطارئين على علاقة الإنسان بالطبيعة؛ ومثالاً على ذلك نلاحظ أنّه بانتقالنا من عصر الثورة الزراعيّة إلى عصر الثورة الصناعيّة, تمّ اختراع وسائل النقل الجديدة (نظير السيارة, القطار والطائرة), وكذلك أجهزة الطباعة, التصوير, المذياع, التلفاز والهاتف وبقية وسائل الاتصال العامّة, وفي نهاية المطاف كان اختراع الحاسوب, الإنترنت والأجهزة الذكيّة…
وقد أدّى ذلك إلى إيجاد تحوّلات جذريّة في العلاقات الإنسانيّة وإلى نشأة حقوق فرديّة جديدة, ما استدعى وضع قوانين تكون قادرة على تأطير هذه العلاقات والتنسيق بينها في سبيل الوصول إلى الأهداف المرجوّة منها في عصرَي الحداثة وما بعد الحداثة. كما أنّ الإنسان، وفي سبيل تسريع العلاقات الاجتماعيّة وتسهيلها, قام عبر التاريخ باختراع بعض المعدّات التي أحدثت في بعض الأحيان تحوّلات جذريّة في العلاقات المذكورة, فكان يقتضي ذلك إعادة تنظيم هذه العلاقات من خلال وضع قوانين جديدة.
وأبرز مثال على هذه المسألة إنّما يتجلّى في اختراع النقود المعدنيّة والورقيّة والائتمانيّة وابتكار البنوك والأوراق الماليّة, نظير سندات القروض والأسهم والشركات, وتأسيس الأسواق الماليّة الثانويّة (أي أسواق التداول).
وبالإضافة إلى ذلك, قد يتوصّل الفكر البشريّ الخلاّق ـ بصورة مباشرة أيضاً ـ إلى بعض الابتكارات الجديدة في مجال العلاقات الاجتماعيّة. ومثالاً على ذلك, يمكننا أن نذكر عقد التأمين الذي كان سبباً في انبثاق قطاع التأمين بأقسامه وأنواعه المختلفة. وبناءً عليه، يمكننا أن نستنتج وجود حاجات ثابتة في كلا المجالين المرتبطين بعلاقة الإنسان بالآخرين, وسوف يسعى الفكر الإنساني المبدع إلى الاهتمام بكلا هذين المجالين, ومع هذه الاكتشافات والاختراعات الجديدة تغدو الوسائل والمناهج السابقة عرضة للتّغيير, وذلك في الوقت نفسه الذي تظهر فيه حاجات جديدة على السطح.
2. ويعتقد الشهيد الصدر (ره) بأنّ التغيير والتكامل اللّذَين يطالان علاقة الإنسان بالطبيعة, إنّما يهدِّدان في بعض الموارد، البرنامج الموضوع من قِبَل الشريعة الإسلاميّة لتنظيم العلاقات الاجتماعيّة؛ ولهذا السبب تمّ الأخذ بنظر الاعتبار في هذا البرنامج وجود منطقة للفراغ, وذلك للوقوف بوجه مثل هذه التهديدات؛ حيث يقوم الوليّ الفقيه في سبيل ذلك بإعمال حُكمه الولائيّ في هذه المنطقة الخالية من أيّ نوع من الأحكام التشريعيّة الثابتة. ومن جهة أخرى قام الشهيد (ره) بتطبيق منطقة الفراغ على الأحكام المُباحة والمكروهة والمستحبّة؛ وأمّا الأحكام الواجبة والمحرّمة, فجعلها ضمن المنطقة المملوءة في الشريعة, والتي يقصر الوليّ الفقيه عن الوصول إليها.
بدايةً, يبرز الإشكال في شأن تحديد المنطقة التي يمكننا أن نجعل فيها الأحكام الوضعيّة, بمعنى: هل يستطيع الولي الفقيه رعايةً للمصلحة أن يفتي بصحّة العقد الذي حكم الشارع ببطلانه؟
لا نعثر، في نظريّة الشهيد الصدر، على جواب واضح عن هذا السؤال.
والإشكال الآخر الذي يمكن توجيهه لهذه النظريّة، أنّه عندما نقارن بين كلام الشهيد الصدر على ضرورة وجود منطقة الفراغ وبين رأيه الذي تعرّض فيه لبيان حدود هذه المنطقة، سنستنتج بشكل تلقائي أنَّ تطوّر علاقة الإنسان مع الطبيعة لن يشكّل تهديداً للبرنامج التشريعي الإسلاميّ على صعيد العلاقات التي حكم فيها الشارع حكماً إلزاميّاً. وبعبارة أخرى، لن يعدّ التطوّر المشهود في علاقة الإنسان مع الطبيعة سبباً تاماً يضطر معه الولي الفقيه إلى القيام بتغييرات ـ بحسب ما تقتضيه المصلحة ـ على مستوى أحكام العلاقات التي كان موضوعها الوجوب أو الحرمة. وكما لا يخفى, فإنّه لم تتمّ إقامة أي دليل أو برهان على هذه المسألة.
3. يعتقد الشهيد الصدر (ره) أنّ بإمكان الوليّ الفقيه أن يفتيَ بالوجوب أو الحرمة في العلاقات التي يكون حكمها الأوّلي هو الاستحباب أو الكراهة أو الإباحة، وذلك اعتماداً على الأهداف الإسلاميّة والقواعد اللازمة المستفادة من المنطقة المملوءة في الشريعة؛ أمّا الموارد التي يكون الحكم الشرعيّ فيها إلزامياً، فيمكنه أن يحكم فيها في حالة وقوع التزاحم فقط, وذلك بتقديمه الأهمّ على المهمّ.
يتحصّل ممّا تقدّم، أنّ حكم الوليّ الفقيه، في كلا الموردين، ليس حكماً تشريعيّاً، بل الأمر كذلك أيضاً حينما يحكم في موارد الاستحباب أو الكراهة أو الإباحة؛ فإن أقصى ما يقوم به هو تقديم الأهمّ بسبب وجود التزاحم. ولتوضيح وافٍ للمسألة لا بدّ من ذكر بعض المقدّمات:
المقدّمة الأولى: لقد تقدّم أنّ العديد من الأحاديث قد دلَّ على أنّ الشريعة الإسلاميّة هي شريعة جامعة وشاملة وأبديّة، فقد استوعبت هذه الشريعة كلّ مجالات الحياة، وبيّنت أحكام جميع الأفعال البشريّة. وكما لا يخفى، فإنّ الشهيد الصدر (ره) يسلّم بالمقدّمة القائلة: إنّ لكلّ فعل حُكماً خاصّاً في الشريعة الإسلاميّة، ولكنّه يعتقد بالمقابل أنّ الأحكام غير الإلزاميّة في الإسلام قابلة للتغيير.
المقدّمة الثانية: يتّفق علماء الشيعة على أنّ إنشاء الأحكام الشرعيّة إنّما تمّ على أساس المصالح، وكما أنّ هذه القاعدة شاملة للوجوب والحرمة؛ فإنّها تنطبق أيضاً على الأحكام الشرعيّة الشاملة للكراهة والاستحباب والإباحة أيضاً. فمثلاً: إذا حكم الشارع على فعل خاصّ بأنّه مستحبّ، فمفهومه يستبطن وجود مصلحة كامنة وراء ذلك الفعل، غير أنّ هذه المصلحة لمْ تصل إلى حدّ الإلزام.
 وهنا لا بدّ من طرح سؤال عن المجوّز الذي يُسمح على أساسه للولي الفقيه بأنْ يغيّر حكم الاستحباب ـ والذي أُنشئ على أساس وجود مصلحة في الفعل ـ ويستبدله بالحرمة. ولا يخفى، أنّه لا يمكن أن يتصوّر وجود أيّ مجوّز لهذا العمل سوى تزاحم هذه المصلحة مع مفسدة أخرى يلزم اجتنابها. وفي هذه الحالة, لن يوجد أيّ فرق بين الأحكام الإلزاميّة وغير الإلزاميّة؛ حيث أنّ الولي الفقيه سيقدّم الأهمّ على المهمّ في كلا الموردين, وذلك من باب التزاحم(۷).
النظريّة المختارة
تُعدّ الشريعة الإسلاميّة شريعة جامعة و أبديّة، وفي الوقت نفسه فإنّ التشريع فيها هو بنحو لا يشكّل مانعاً يقف في وجه ابتكارات الإنسان وإبداعاته وتقدّمه على صعيد علاقته مع الطبيعة ومع الناس الآخرين، كما أنّه لا يسمح من جهة أخرى بتوظيف هذه الإبداعات في طريق معاكس ومخالف لأهداف الإسلام المرسومة. وبعبارة أخرى, فإنّ الشريعة لن تقف مانعاً وحائلاً دون التغيير والرقيّ والتقدّم، بل هي تسوق التطوّرات والإبداعات باتّجاه الأهداف التي تسعى إليها. وتوضيحاً للنظريّة المختارة نذكر بعض المقدّمات:
المقدّمة الأولى: وضمن سعينا في إيجاد حلّ لإشكاليّة ثبات الشريعة ليس المهمّ هو تحديد نطاق التحوّلات والحدّ الذي بلغته، وإنّما تكمن الأهميّة في علمنا بأنّ حصول هذه التغييرات والتطوّرات يتمّ على يد الإنسان وبتصميم منه، ولهذا فهي قابلة للتّوجيه والإدارة. وبناءً عليه، فإنّ تقدّم العلوم والفنون وتطوّر المناهج والاختراعات والاكتشافات ـ التي تُعدّ المنشأ الأساس لتغيير العلاقات وتطويرها ـ هي خطوات إراديّة, يُقدم عليها الإنسان بمحض اختياره؛ ولذا فمن الممكن منطقيّاً، ومن خلال التربية، أن تسير أفكار الناس تلقائياً في الاتجاه الموافق لأهداف الشريعة, وأن تنصبّ إبداعاتهم وابتكاراتهم في الصراط المستقيم. هذا من جهة, ومن جهة أخرى يمكن الحيلولة دون وقوع التغيّرات والتطوّرات التي لا تنسجم مع أهداف الشريعة, من خلال سَنّ القوانين المناسبة.
المقدّمة الثانية: تقوم المناهج والاتجاهات الفكريّة، البشريّة منها والإلهيّة، بتنظيم السلوكيّات والعلاقات الاجتماعيّة بما يتناسب مع أهدافها، كما أنّ المنطق العقلانيّ يقتضي الردع عن التغيّرات والتحوّلات التي تقود باتّجاه معاكس ومخالف لهذه الأهداف. وهو ما نشهده في الشريعة الإسلاميّة؛ فالله سبحانه وتعالى قد نظّم الأفعال والعلاقات الاجتماعيّة في جميع ميادين الحياة وساحاتها، على نحو يستطيع جميع البشر من خلاله أن يرتقوا في سلّم التكامل ويصلوا إلى ذروة الكمال البشريّ، وذلك بما يتناسب مع استعداداتهم وقابليّاتهم. ومن البديهيّ بمقتضى هذا الطرح أن يتمّ الردع عن العقائد والأفكار والسلوكيّات والعلاقات التي يعقبها سقوط الإنسان وتردّيه، وإلاّ سيكون ذلك مخالفاً للحكمة الإلهيّة. وفي الوقت نفسه, يجب أن يُفتح الباب أمام توظيف الأفكار والابتكارات والابداعات بما يتناسب مع الأهداف المرسومة؛ وفي غير هذه الصورة، فإنّ تكامل الإنسان الماديّ والمعنوي سيتوقّف, وهو ممّا لا يتوافق مع أهداف الإسلام أيضاً.
وعلى هذا الأساس, فإنّ الشريعة الإسلاميّة لا تمنع من التقدّم العلميّ والصناعي بشكل مطلق؛ لأنّ نتيجة ذلك انسداد باب التغيير والتطوّر بوجه المجتمعات البشريّة، كما أنّها لا تفتح الطريق في المقابل بشكل مطلق، بحيث يكون مسموحاً للإنسان أن يوظّف استعداداته في أيّ ميدان كان وأن يتقدّم في أيّ اتجاه؛ وذلك لأنّ النتيجة التي ستحصل إثر ذلك هي السماح بوقوع تغييرات وتحوّلات تخالف أهداف الشريعة وتناقض غرضها؛ بل إنّ الشريعة تقوم بتوجيه التغيرات والتطورات بشكل دائم، وهو المقصود من "إدارة التغيّرات والتطوّرات"، فهو يعني توجيه التغيّرات والتبدّلات وتنقيتها.
المقدّمة الثالثة: ليس المقصود من شموليّة الشريعة الإسلاميّة وثباتها، أنّ لكلّ مصداق من مصاديق العلاقات حُكماً ثابتاً في الشريعة، وأنّ الشريعة الإسلاميّة لمْ تهمل أو تغفل حتّى عن حكم أيّ مصداق؛ بل المقصود هو أنّ الشريعة المقدّسة لم تهمل حكم أيّ عنوان من العناوين التي تنطبق على الأفعال والعلاقات، وأنّها وضعت أحكاماً ثابتة وعالميّة لجميع العناوين.
وليس المقصود أيضاً من شموليّة الشريعة وثباتها على مستوى العناوين، أنْ يشكّل كلّ عنوان منطبقٍ على فعل ما موضوعاً مستقلاًّ لحكم ثابت في الشريعة؛ بل المراد هو أن يكون هذا العنوان نفسه موضوعاً أو مندرجاً تحت عنوان عام يشكّل موضوعاً؛ ومثالاً على ذلك الإجارة التي تُعدّ عنواناً يدلّ على نوع من العلاقات الخاصّة في مجال المعاملات, وهو يشكّل موضوعاً للحكم الشرعي بالجواز. وكذا عنوان الربا؛ فإنّ حكمه في الشريعة الإسلاميّة الحرمة؛ أمّا التأمين, فبناءً على قول بعض الفقهاء، يكون عنواناً دالّاً على نوع من العقود الجديدة في المعاملات، فلا يقع هذا العنوان موضوعاً لأيّ حكم آخر.
غير أنّنا إذا نظرنا لعنوان العقد الذي يعدّ عنواناً عامّاً وشاملاً للتأمين أيضاً؛ فإنّه يقع موضوعاً للحكم بوجوب الوفاء. ولهذا فإنّه بإمكاننا من خلال إجراء عمليّة خاصّة ـ سيأتي الحديث عنها في طيّات الكلام ـ أن نستنبط حكم التأمين من خلال أحكام بعض العناوين الأخرى. وعلى أيّ حال، لا يمكننا تصوّر شموليّة الشريعة وثباتها على مستوى المصاديق، ولا يمكن القبول برحابة الصدر بمثل هكذا إدعاء؛ وأمّا في ما يتعلّق بالعناوين, فيمكننا القبول بذلك على النحو الذي تقدّم.
وبناءً على ذلك, يبقى التساؤل مطروحاً عن الشكل الذي ستتّخذه عمليّة الإدارة والتوجيه، وكيف سيسوق هذا البرنامج التشريعيّ الثابت والجامع هذه التغييرات والتطوّرات باتجاه أهدافه المرسومة؟ إنّ الجواب عن هذا التساؤل يوجد ضمن العمليّة التشريعيّة للأحكام ولكن بصورة مضمرة؛ حيث أنّ هذه العمليّة تجري بشكل يقتضي ذلك.
المقدّمة الرابعة: يتّضح منهج عمليّة تشريع الأحكام المرتبطة بالأفعال والعلاقات الإجتماعيّة في الشريعة الإسلاميّة من خلال بيان المسائل الثلاث الآتية(۸):
أولاً: لقد شُرّعت الأحكام في الشريعة بشكل قضايا حقيقيّة.
والقضيّة الحقيقيّة هي القضيّة الكلّية التي يصدق موضوعها على المصاديق المتحقّقة فعلاً، وعلى ما من شأنه أن يتحقّق في المستقبل(۹)، فمثلاً في آية ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾(۱۰) تمّ تشريع حكم الحلّيّة والحرمة لعنوان البيع وعنوان الربا بصورة مطلقة؛ ولهذا فإنّ كلّ مصداق يصدق في كلّ زمان على عنوان البيع (البيع والشراء) سوف يعدّ حلالاً، وهذا الحُكم غير مختصّ بالمصاديق التي تحقّقت في زمان الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، والكلام نفسه يصدق في مورد الربا أيضاً.
وتشكّل هذه الخاصّية التي يتّصف بها التشريع حلاًّ لمشكلة "المصاديق المستحدثة". وبناءً عليه, فإنّ المصاديق المستحدثة التي يصدق عليها عنوان البيع ستكون مشمولةً لحُكم الحلّيّة.
ثانياً: تُقسم عناوين الأفعال والعلاقات إلى ثلاثة أقسام؛ فالعناوين التي تقع موضوعاً للأحكام الشرعيّة ثلاثة أنواع, تتفاوت في ما بينها بحسب السعة والضِّيق, وهي بالترتيب: العناوين الأوّلية، العناوين الثانويّة، والعناوين العامّة.
فالعناوين الأوّلية: هي العناوين التي ترتبط ذاتاً بأفعال المكلّفين (السلوكيّات والعلاقات) وبشكل مباشر، حيث أنّ لكلّ فعل عنواناً ذاتيّاً يصدق عليه في جميع الحالات؛ وعلى سبيل المثال, يكون كلّ من: الأكل، الشرب، الوضوء، الغسل، البيع والشراء، الإجارة، والإقراض عنواناً أوليّاً لفعل خاصّ.
والعناوين الثانويّة: هي عناوين عرضيّة لا تصدق على الأفعال إلاّ حينما تطرأ عليها حالة خاصّة؛ من قبيل عنوان الإسراف الذي يصدق على الأفعال الخارجة عن حدّ الاعتدال؛ ولذلك يُطلق على كلّ من الأكل والشرب واللِّباس والإنفاق الخارج عن حدّ الاعتدال عنوان الإسراف. كذلك يُعدّ عنوانا الضرر والحرج من العناوين الثانويّة؛ أي أنّ كلّ فعل تعرضه بعض الحالات الثانويّة بحيث تؤدّي إلى أنْ يتّصف بالحرج أو الضرر سوف يكون مشمولاً لحكمهما؛ ففي مثال الوضوء الذي يشكّل ضرراً على المريض، أو الرجل الطاعن في السنّ الذي يحتاج إلى قطع مسافة طويلة في جوّ بارد من أجل تحصيل الماء, يُعدّ الوضوء بالنسبة له أمراً محرجاً. وكذلك في المعاملات، يكون كلّ من الغبن والضرر عنواناً ثانويّاً؛ إذ إنّ مقتضى المعاملة في حالة اختلاف القيمة المتّفق عليها عن القيمة السوقيّة اختلافاً فاحشاً أن تكون غبنيّة، كما أنّ مقتضاها في حالة وجود الجهل أو الخطر في ما يخصّ العوض والمعوّض أو شرائط المعاملة هو أن تُعدّ معاملة غرريّة. ويمكن أن يكون العنوان الأوليّ للمعاملة الغبنيّة أو الغرريّة بيعاً أو إجارة أو  مُزارعة أو مُساقاة أو ما شابه ذلك.
وتُطلق العناوين الثانويّة كذلك على تلك العناوين التي تصدق على الحالات الخاصّة العارضة على المكلّف، فالإنسان الذي يُعدّ موضوعاً للأحكام الشرعيّة يُشترط أن تتوافر فيه صفة البلوغ والعقل والقدرة، كما أنّ الأحكام الشرعيّة لا تكون منجزةً إلاّ في حالة علم الإنسان العاقل البالغ القادر واختياره؛ أمّا إذا عرضت عليه حالات من قبيل الجهل, النسيان, الاضطرار والإكراه وأمثال ذلك، فإنّ الحكم الشرعي سيسقط حينئذ ولن يُعدّ منجزاً، وكذلك إذا عرضت عناوين من قبيل: الجنون والعجز؛ فهي وأمثالها من شأنها أن ترفع الحكم الشرعي.
أمّا العناوين العامّة, فهي العناوين التي تُعدّ ـ بالقياس إلى العناوين الأوليّة ـ بمنزلة الجنس بالنسبة للنّوع، فتكون بذلك شاملة لعدد كبير من العناوين الأوليّة. وتفترق العناوين العامّة عن العناوين الثانويّة في كونها تصدق على العناوين الأوليّة للأفعال في جميع الحالات في الوقت الذي تصدق فيه العناوين الثانويّة على الأوليّة في حالات خاصّة فقط؛ فمثلاً: يُعدّ عنوان العقد عنواناً عاماً يشمل جميع المعاملات التي يُعدّ فيها الإيجاب والقبول، ويصدق عليها دائماً. نعم، من الممكن أيضاً أن تكون للعناوين العامّة مراتب متُعدّدة من حيث الشموليّة, وذلك في ما لو قايسنا بعضها إلى بعض, بحيث تكون ـ بحسب الاصطلاح الفنّي ـ كليّاً إضافيّاً.
ثالثاً: يكون موضوع الأحكام الشرعيّة في الشريعة الإسلاميّة من العناوين الأوّلية, الثانويّة والعامّة. والله سبحانه وتعالى قد شرّع بعلمه اللامتناهي وحكمته المتعالية الأحكام المذكورة لكي يظفر الإنسان والمجتمع الإنسانيّ بسعادة الدنيا والآخرة، وذلك فيما إذا جعل أعماله متوافقةً مع هذه الأحكام. وبناءً عليه, فلا يمكننا تصوّر وجود منطقة خالية من التشريع على صعيد العناوين. وبعبارة أخرى، لا تشمل منطقة الفراغ، في التشريع الإسلامي، مجال العناوين أبداً، وهذا هو المقصود من جامعيّة الشريعة وشموليّتها. كما أنّ أحكام العناوين المذكورة تُعدّ أبديّة وغير قابلة للتَّغيير، رغم تغيّر أحكام المصاديق في مقام التطبيق.
رابعاً: تُقدّم أحكام العناوين الثانويّة على أحكام العناوين الأوليّة والعناوين العامّة، كما أنّ أحكام العناوين الأوّلية تُعدّ مخصّصةً لأحكام العناوين العامّة. وقد تمّ بحث مسألة تقدّم أحكام العناوين الثانويّة على أحكام العناوين الأخرى أصوليّاً في باب الحكومة أو الورود. كما بُحثت مسألة تقدّم أحكام العناوين الأوليّة على العناوين العامّة تحت عنوان التخصيص. وفي الواقع نحن لا نبغي فتح أبواب هذا البحث على مصراعيه، وإنّما نريد فقط أن نشير إلى أنّ أحكام العناوين الثانويّة تؤدِّي دوراً مهمّاً في العمليّة التشريعيّة ومدى تأثيرها وتأثّرها بالتغييرات الطارئة. وبعبارة أخرى، فإنّ حكم المصاديق الجديدة للعلاقات سيعدّ مقبولاً إذا أجيز وصُدّق عليه من قبل أحكام العناوين الثانويّة، فمثلاً: يُعدّ عقد التأمين ـ بناءً على بعض الأقوال ـ عقداً جديداً، ويحكم عليه بالصحّة استناداً إلى الآية المباركة ﴿أوفوا بالعقود﴾، وذلك في حالة عدم وجود الغرر أو الغبن أو الضرر، أو أيّ عنوان من العناوين الثانويّة التي يمكن أن تنطبق عليه، وإذا لم تتحقّق هذه الشروط فسيجري عليه حكم أحد العناوين الثانويّة التي انطبقت عليه. ولهذا، فإنّ الشرع الإسلاميّ المقدّس, قد سمح عن طريق بيان الأحكام الثانويّة بحصول بعض التغييرات على مستوى حركة الأحكام التي تتوافق مع أهداف البرنامج التشريعي. أما لو لم تكن مندرجة تحت دائرة الأحكام الثانويّة فسوف تكون غير ممضاة حينئذ. وبعبارة أخرى، إنّ تقدّم العلوم والفنون وتفاعل الأفكار البشريّة وتنازعها وتلاقحها على مرّ الزمن، من شأنه أن يكشف عن مصاديق جديدة في علاقة الإنسان مع الطبيعة، أو في علاقة الناس، بعضهم مع بعض، في ميادين متنوّعة وساحات متُعدّدة في الحياة.
ولا تخرج المصاديق الجديدة للعلاقات، في أيّ مجالٍ كانت، عن حالتين:
أ- الحالة الأولى: أن يصدق عليها أحد العناوين الأولية ـ والذي اتخذ موضوعاً للحكم الشرعيّ ـ وذلك بمعنى أن يكون الجديد هو المصداق من دون العنوان، وفي هذه الحالة، يأخذ المصداق الجديد حكم ذلك العنوان، ومثالاً على ذلك: يمكننا عدّ المصاديق الجديدة للبيع والشراء في زماننا الحاضر من هذا القسم؛ فالبيع والشراء عبر الإنترنت أو عبر البطاقات الائتمانية وأمثال ذلك لم يكن موجوداً في الزمن السابق، وقد ظهر في العصر الحاضر نتيجةً لحصول الإنسان على وسائل وأجهزة حديثة.
ب- الحالة الثانية: أن لا يصدق أيّ من العناوين الأوّلية المأخوذة في موضوع الحكم الشرعي على هذا المصداق؛ ما يعني نشوء مصداق جديد بعنوان أوّلي جديد.
يعتقد الكثير من الفقهاء بأنَّ التأمين هو من هذا القبيل؛ يعني هو عقد جديد لا يمكن أن ندخله تحت العقود المعاملاتيّة المعهودة في الشريعة. وعلى هذا الأساس, يمكن أن نعدّ التأمين مثالاً ومصداقاً لهذا القسم؛ لذا فإنّ هذا المصداق سيدخل تلقائيّاً من خلال عنوانه الأوّلي الجديد تحت أحد العناوين العامّة التي بيّن الشارع من جهته حكمها.
وبناءً عليه, يدخل عقد التأمين ـ فيما لو عددناه عقداً جديداً ـ في قول الله سبحانه وتعالى "أوفوا بالعقود"، وبهذه الطريقة سنتوصّل لمعرفة أحكام هذا النوع من المصاديق. وعلى كلا التقديرين، لا بدّ من أن نجري على مصاديق العلاقات الجديدة حكم العنوان الأوّلي أو العنوان العام، وذلك إذا لم تندرج تحت عنوان من العناوين الثانويّة من قبيل: الغرر والغبن والضرر والحرج وأمثال ذلك؛ وإلاّ فإنّ حكم العناوين الثانويّة سوف يسري إليها. وعلى هذا الأساس, فإنّ أحكام العناوين الثانويّة تمثّل الإطار العامّ لانتخاب التغييرات الموافقة لأهداف الشريعة والحكم بجوازها.
تبيّن، ممّا تقدّم، أنّ الشريعة الإسلاميّة مع جامعيّتها وثباتها، لا ترفض التغييرات التي تتلاءم مع أهدافها ومشروعها، وذلك من خلال وضع الأحكام على طبق العناوين العامّة. هذا من جهة, ومن جهة أخرى فإنّها تقف بوجه التغييرات والتحوّلات التي لا تتناسب مع أهدافها المذكورة، وذلك من طريق وضع الأحكام على طبق العناوين الثانويّة.
وفي الختام, يجدر التنبيه إلى أنّ المصاديق هي محلّ لتزاحم العناوين؛ فقد تقع إحدى العلاقات مصداقاً لعنوانين أوّليين ذوَي حُكمين مختلفين، وفي هذه الحالة تجرى قاعدة التزاحم, ويُقدّم حينها الأهمّ على المهمّ.
خلاصة البحث و نتيجته
إنّ تقدّم العلوم والتجارب البشريّة، على مرّ الزمن، من شأنه أن يولّد تغييرات وتطوّرات على مستوى علاقة الإنسان بالطبيعة وعلاقاته بالآخرين، ولا يخفى أنّ هذه التغيّرات ناشئة من إرادة الإنسان واختياره؛ لذلك فهي قابلة للتوجيه والإدارة. وتُعدُّ الشريعة الإسلاميّة شريعة شاملة وأبديّة، إلاّ أنّ هذه الشموليّة والأبديّة تتجلّيان على مستوى عناوين العلاقات لا مصاديقها. كما أنّ الشارع المقدّس، ومن خلال تقسيمه لعناوين الأحكام إلى ثلاثة أقسام: العناوين الأوليّة, الثانويّة والعامّة, وبيانه لحُكم كلّ عنوان على أساس المصلحة والمفسدة, يكون قد أوجد شريعةً شاملة وأبديّة لا تتنافى من جهة مع التغييرات المتناغمة مع أهداف الشريعة، كما أنّها سوف تقف من جهة أخرى سدَّاً منيعاً في مقابل التحوّلات المخالفة لهذه الأهداف.

الهوامش:

(*) عضو الهيئة‌ العلميَّة‌ ومدير قسم الاقتصاد في المعهد العالي لأبحاث الثقافة‌ والفكر الإسلامي.

(۱) روح‌ الله الموسوي‌ الخميني‌: صحيفة‌ النور، مؤ‌سّسة‌ تنظيم‌ ونشر آثار الإمام‌ الخميني، الأولى، 1378، ج‌ 21، ص‌ 289.
(۲) المصدر نفسه: الوصيّة الإلهيّة‌ ـ السياسيّة، ص‌ 402.
(۳) راجع: جامع‌ الأحاديث، ج‌ 1، المقدمة، ص‌ 275؛ بحار الأنوار، ج‌ 26، كتاب ‌الإمامة، أبواب‌ علومهم: باب‌ 1, ص‌ 33, ح‌ 52 و ج‌ 2، ص‌ 169، ح‌ 2 و3 و ص‌ 170، ح‌ 8، ص‌ 305، باب‌ 34، ح‌ 49.
(۴) راجع: بحار الأنوار، ج‌ 2، ص‌ 260، ح‌ 17؛ ‌وراجع أيضاً: ج‌ 2، ص‌ 172، ح‌ 13؛ ج‌ 6، ص‌ 93، ح‌ 1؛ ج‌ 11، ص‌ 56، ح‌ 55؛ ج‌ 12، ص‌ 7، ح‌ 15 و ج‌ 36، ص‌ 132، ح‌ 85.
(۵) راجع: السيد محمد باقر الصدر: إقتصادنا، تحقيق‌ مكتب ‌الإ‌علام‌ الإسلامي، فرع‌ خراسان‌ (لجنة‌ الإقتصاد)، مركز النشر التابع‌ لمكتب‌ الإ‌علام‌ الإسلامي، الطبعة‌ الأولى، 1417 ق، 1375، ص‌ 380 – 382 وص‌ 686 – 691.
(۶) من باب المثال, راجع: أحمد علي‌ اليوسفي: ماهيت وساختار اقتصاد اسلامي [ماهية الإقتصاد الإسلامي وبنيته]، مركز نشر آثار المعهد العالي لأبحاث الثقافة والفكر‌ الإسلامي، الأولى، 1379، ص‌ 75 و83 و84 و انديشه ماندگار [الفكر الخالد]، خاصّ بالمؤتمر الدولي لآية الله العظمى‌ الشهيد السيد محمد باقر الصدر، العدد‌ 1، تشرين الأول 1379 ﻫ.ش، ص‌ 16 و17.
(۷) سيتّضح هذا المطلب عند بيان النظريّة المختارة بشكل أكثر وضوحاً وجلاءً.
(۸) ومن الجدير بالذكر، أنّ أغلب التطبيقات والأمثلة التي عُرضت كانت مختصّة بباب المعاملات، وذلك لضلوع الكاتب بفقه المعاملات بشكل أكبر؛ إلاّ أنّ القضايا المطروحة كليّة وقابلة للتعميم.
(۹) راجع: روح‌ الله الموسوي‌ [الإمام] الخميني: منهاج ‌الوصول‌ إلى‌ علم الأصول، تحقيق‌ و نشر مؤسّسة‌ تنظيم‌ و نشر آثار الإمام‌ الخميني، الأولى، 1373، ج‌ 2، ص‌ 285 – 287.
(۱۰) البقرة‌ (2): 275.


لا دين يحتكر الحقيقة موقف إسلامي من التعددية الدينية

7 يونيو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تمثل التعددية الدينية مفصلاً أساسيًّا من مفاصل الدراسات الكلامية الحديثة، حيث نَجَمَتْ عنها سجالاتٌ وإشكاليات متنوعة ومتشعبة، وأدَّى الأمر، في كثير من الحالات، إلى محاكمتها وإدانتها بقوة، وفي حالات أخرى إلى تبنِّيها الكامل، واعتبارها الوسيلة الفضلى للخروج بالمجتمع الإنساني من مآزق ومآسٍ جلبتْها عليه الصراعاتُ الدينية والنزاعات المذهبية. وقد راوَحَ الموقفُ حيالها بين مَن رفضها رفضًا قاطعًا، معتبرًا إياها بمثابة إنهاء لوجود الدين، وبين من احتضنها بحرارة لمعالجة التوترات الاجتماعية الناجمة عن الشعور بالأحقِّية المطلقة واللاغية للآخر من كلِّ أنظومة دينية.
ومهما يكن من أمر فلا شك أن الدين، والاعتبارات المنتمية إليه، والإيديولوجيات المستنبَطة منه، والأحكام القائمة عليه، أسفرتْ، في حقب تاريخية عديدة، عن نشوب حروب ونزاعات كبيرة أراقت دماءً كثيرة، وأحدثت خرابًا واسعًا. إن صفحات التاريخ زاخرة بأحداث دامية، مناشئُها ومنطلقاتُها دينية الطبع وقدسية الصبغة، راحتْ ضحيتُها شخصياتٌ من جميع الأديان والمذاهب. وبصرف النظر عما جرى في القرون الماضية بين الطوائف والأديان والمذاهب من منازعات دموية ومفتِّتة فإن الراهن المعيوش أمامنا خيرُ دليل على أن النزاعات الناشئة عن التمايز الديني والتفاوت الإيديولوجي لا تزال مصدرًا للعنف والصراع، سواء بين الأديان، مثلما نلاحظ في بعض الدول الآسيوية الجنوبية وبعض الأقاليم الأفريقية الغربية والشرقية التي تقطنها مجموعات كبيرة من النصارى والمسلمين، أو بين أبناء مذاهب تنتمي إلى مذاهب دين واحد، كما هي الحال في مناطق واسعة من القارة الهندية وبعض دول الشرق الأوسط.
من الواضح جدًّا أن مواقف دينية بحتة وقراءات واستنباطات مذهبية هي خلفية لكثير من هذه النزاعات، دون الرغبات السياسية أو غير السياسية الأخرى. بل أكثر من ذلك، إن نظرة فاحصة في مناشئ النزاعات المذهبية والدينية تبرهن على أن أحكامًا شرعية وفتاوى اجتهادية، مرتكزة على فهم ديني أو مذهبي خاص لبعض المرجعيات الدينية أو المذهبية، كانت تصدر بحقِّ المخالف والمختلف، من هدر دم ورخصة قتل وتكفير وتفسيق وتنجيس، أسَّستْ لاشتباكات ونزاعات كبيرة في التاريخ الإنساني. ويجيء تأكيدُنا على ذلك هنا منعًا لأيِّ تصور يلقي اللوم كلَّه على العوام ويبرئ ذمة المرجعيات الإيديولوجية.
من يجهل أن عقلية الاعتزال تمثل إشراقًا جيدًا وسط جمود وتعصب كبيرين داما طويلاً؟ لكن الانفتاح العقلي والنزعة العقلية الاعتزالية لم تمنعا هذه الجماعة من إنزال عقاب أليم ضدَّ المعارضين، في ما عُرِفَ في التاريخ الإسلامي بمحنة خلق القرآن الكريم – الحدث الذي أزهق كثيرًا من الأرواح وأحدث جرحًا داميًا في جسد الأمة آنذاك. هذه هي حال توجُّه ريادي في العقلانية والحرية؛ فكيف هي الحال بالنسبة إلى اتجاهات متعصبة هي مصدر ممارسات تعسفية شنيعة ارتُكِبَتْ بحقِّ بعض المذاهب الدينية أو المذهبية في ظل ما سمي بالاجتهادات؟!
والأشد مرارة مما حدث في الساحة الإسلامية هو ما شهده التاريخ القروسطي المسيحي من ممارسة قتل وتعذيب وقهر ضد المُعارِض، تحت غطاء ديني متقدِّس، وإصدار أحكام قاسية في محاكم تفتيش العقائد، ونزاعات دموية بين طوائف مسيحية أو معارك ونزاعات اندلعت بين أنصار الدين المسيحي واليهود، باعتبارهم قتلة النبي عيسى.
وعلى كل حال، فإن الرؤية الحصرية والاحتكارية للحقِّ لدى كلِّ دين وعقيدة مذهبية، والشعور بأن كلَّ أبواب الحقيقة والنجاة أو الفوز بالجنة والسعادة مغلقة في وجه الآخر المخالف والمختلف دينيًّا، وعدم ترك احتمالٍ لإمكان حياة ما للتعايش السلمي، عناصر فجَّرت نزاعات كان لها طابعٌ ديني في بعض الأحيان.
من جهة أخرى، بلغ الواقع العالمي، في ظلِّ تطورات علمية كبيرة وتنميات شاملة، على جميع الصُّعُد، مرحلةً من التقارب والتفاعل جعلت من الصعب أن يفكر أحدٌ بالعيش المنزوي في منأى عن الآخرين، مهما اختلفوا فكريًّا ودينيًّا.
بالإضافة إلى ما سبق فإن تحرر المجتمع الغربي من السلطة الكنسية القاهرة، ومن أجواء الإرهاب الديني الذي ساد في القرون الوسطى، مكَّن النخبة المسيحية من إلقاء نظرات فاحصة على مضامين ديانات أخرى، وعدم الانغلاق دون الفضائل الإنسانية والمعطيات الراقية والقيم الاجتماعية التي احتوتْها، والاضطرار إلى الاعتراف ببعضها، والتشكيك في اعتبار مَن هو خارج الدين المسيحي بعيدًا عن الحقيقة كليًّا ومحرومًا من فرصة نجاة، مما عزَّز الاحتمال لدى هؤلاء بأنَّ الديانات قد تلتقي على حقيقة مشتركة سمَّوْها لاحقًا بجوهر الدين.
من هنا نشأت حركة أخلاقية وفلسفية معرفية، دعت إلى ضرورة التوقف عن الرؤية الحصرية، والاحتكارية للحقيقة، وإلى لزوم الاعتراف بالآخر المختلف دينيًّا. وقد تم تعريف هذه الانطلاقة المتسامحة بين الأديان بالتعددية كمبدأ أو تبنٍّ لفكرة ضرورة تمتع الإنسان بحرية كاملة في اختيار المعتقد، وعدم فرض دين على أحد، واتباع منهج التسامح والتساهل مع الآخر في السلوك والتعايش، رغم اعتقاد هذه المجموعة أن مَن ليس على عقيدتها لا يذوق من النجاح شيئًا في الحياة الآخرة.
وقد تَبَلْوَرَ توجُّهٌ آخر مفاده أن غير المسيحي، في حال تعذر وصوله إلى العقيدة المسيحية وبقائه على فطرة إنسانية سليمة، قد يحظى بالنجاة – وإن كان، في ظاهره، ليس على هذه الديانة. ويسميه بعض اللاهوتيين منهم "المسيحي المجهول".
هكذا تطورت نظرية التعددية لتصل إلى مرحلة أكثر رقيًّا وتقدمًا – وجوهرها أن الديانات الأخرى تمتلك شيئًا من الحقيقة، بل هي شريكة في امتلاك الحقيقة. إن أول ما يترتب على هذه الرؤية هو إبطال امتلاك دينٍ الحقيقةَ كلَّها وحده. بذلك اكتملت حلقات ثلاث من التعددية:
1. "التعددية الأخلاقية": وهي التي تفرض على أتباع دين أن يتسامحوا ويلينوا في سلوكياتهم وتعاملاتهم مع أصحاب دين آخر، من دون أن يعني ذلك الاعتراف بوجود حصة من الحقيقة والنجاة لهم.
2. "التعددية الخلاصية أو الاستنقاذية"، القاضية بأن غير المسيحيين يمتلكون فرص الفوز بالجنة أو بالخلاص المسيحي. إن هذا البعد من التعددية هو الذي يمكِّن المسيحي من الالتزام بالتعددية الأخلاقية، لأن وجود اعتقاد بإمكان وجود فرصة السعادة لغير المسيحي هو الذي يفسح المجال للتسامح السلوكي والتصرف البعيد عن العنف مع أتباع ديانات أخرى.
ومعلوم أن التعددية الخلاصية تقف في وجه الحصرية، بل في وجه الشموليين الذين يتنازلون عما يقوله الحصريون من استحالة نجاة غير المسيحي، في خطوة تقتضي فتح أبواب الجنة في وجه أبناء الأديان الأخرى قليلاًَ.
3. ومع أن الاهتمام الأساسي لجون هيك، في مشروعه التعددي، كان انصبَّ في هذين البعدين للتعددية، إلا أن تطورًا كبيرًا أخذ يستهلك كلَّ جهوده مؤخرًا، لتركيزه على أخطر مرحلة، وأكثر المستويات حساسية في نظرية التعددية، ألا وهي "التعددية الدينية المعرفية".
إن جون هيك بطل هذه الساحة والمنظِّر الأكبر لنظرية التعددية بهذه المدلولات الخاصة. وبذلك تمكَّن من كسر جمود كبير، وإفساح المجال أمام التعايش السلمي بين الديانات المختلفة، مع قدر أقل من الاحتكاك. ومع أن نظرية هيك استطاعت تحويل الأديان المتصادمة إلى أديان متسالمة، تلتقي على حقيقة واحدة، وتشترك في إمكان توفير فرصة الخلاص لأتباعها، وبذلك مكَّنتْ من إسداء خدمة كبيرة للمجتمع البشري، بيد أن الموضوع ليس بهذه الصورة الأولية وعلى هذا التصور البسيط، لأن ما يترتب على هذه النظرية من مضاعفات على القضايا الدينية لا يستهان به أبدًا.
إن الرؤية التقليصية
Reductionism أو التوجُّه الاختزالي هو ما يمثل الأساس في إنجاز جون هيك التعددي. ومعنى ذلك أنه، بفضل اختزال نطاق حقيقة الدين إلى "خبرة" شخصية تعبِّر عن حال إيمانية بالمطلق، تمكَّن من حسم الصراع وبتِّ الأمر. وهكذا ضيَّق الخناق على الفكر الديني، وحاصر حدوده، وقلَّص مساحة الدين إلى ما لا يمكن أن يكون الاختلاف عليه كبيرًا – وخصوصًا إذا تحوَّل الدين عنده إلى جوهر باطني، أو خبرة دينية باطنية، لا يكون في وسع أحد التفكير بتقييمها وإصدار الحكم، لها أو عليها.
بهذه المناسبة ينبغي القول إن بعضهم قد يتصور أن التعددية الجون هيكية هي، في الأساس، من خلق الليبرالية الدينية التي تعود إلى الليبرالية السياسية. غير أن الأمر، وان لم يكن يغيِّر شيئًا من حقيقة أن التعددية الدينية – وبالذات المعرفية والحقيقية منها – هي الأداة الكبرى والخدمة العظمى لمشاريع نظرية وأطروحات فكرية وغير فكرية، كالليبرالية السياسية والاقتصادية والعلمانية والعولمة، لكنه لا يكشف بقوة ووضوح عن وجود مخطَّط مدبَّر من جهات سياسية أو غير دينية في إطلاق هذا المشروع الأنثروبولوجي غير الفلسفي، خاصة لو أخذنا في الاعتبار خلفيات علمية هائلة تكمن وراء هذه التعددية نتيجة نظريات شلايرماخر وغيره، ممن ساهموا، نوعًا ما، في كشف النقاب عن تعقيدات كبيرة في عملية التكوُّن المعرفي لدى الإنسان، سواءً كان ذلك في "النص" وعلم التأويل فيه، أم في غير النصِّ من بحوث في النقد الأدبي. مهما يكن من أمر فإن مواطن كثيرة في هذه النظرية قابلة للنقد:
1. إن التعددية المعرفية الدينية تغلق الباب في وجه أيِّ إمكان لتقييم ذلك البعد الديني الحقيقي، أي تلك الخبرة الدينية الإيمانية. وبذلك قد يصعب التمييز بين الانفعالات والمشاعر الناشئة من اختلالات عقلية أو نفسية وأوهام باطلة، تأتي الإنسان عادة تحت ضغط عناصر خارجية أو داخلية، وبين التجارب الصافية والمعبِّرة عن شهود حقيقي روحاني للإنسان المتديِّن والمؤمن بالحقيقة المطلقة.
2. لقد انطلق جون هيك وغيره من المنظِّرين للتعددية من توسع العنف الديني الذي يقوم على رؤى دينية متصلبة ومتشددة على الصعيد المعرفي. غير أن مسألة التصادم الديني لا تتطلب، بالضرورة، ممارسة اختزال هائل وجوهري للمضمون الديني، ولا تدعو إلى اعتبار كلِّ ما هو خارج خيال الإنسان أو نفسِه من عملِ الثقافة والحياة الاجتماعية وحسب.
3. لا يمكن أن ننكر أن هيك وغيره كرَّسوا نظرية التعددية في سياق تاريخي وزمني واجتماعي خاص، وبالذات تحت وطأة عجز تنظيري كبير وأزمة النص – لو صح التعبير – مما دفع فلاسفة الدين وفلاسفة اللغة إلى التحرك باتجاه تطوير الهرمينوطيقا [= علم التأويل] ودَفَعَهم إلى القيام بتنظير التعددية.
بيد أن الفضاءات والمناخات الإسلامية، نصًّا واجتهادًا وواقعًا اجتماعيًّا، تتميز كليًّا؛ وقد لا يكلِّف أمرٌ كهذا الدين الإسلامي، في سبيل تحقيق مجتمع فيه قمة التعددية والتسامح، كلَّ الخسارة التي تكبَّدتْها العقيدة المسيحية من جراء تبنِّيها هذه الصيغة الاختزالية لدائرة الدين. ولذلك قد يكون من المبرَّر أن أدعو الإخوة إلى قراءة التعددية الجون هيكية في سياقها الزمني والتأريخي، تفاديًا لعملية إسقاط تفصيلي على الواقع الإسلامي المعرفي.
ولعل غفلة هيك عن إدراك صعوبة انطباق العقيدة المسيحية على الإسلام هي التي دفعتْه إلى الرهان على التصوف أو العرفان الإسلامي، عندما يتوقع للإسلام أن يتأزم وضعُه في مواجهة العلوم الجديدة، مثلما حدث للفكر المسيحي، ليبادر الإسلام، إذ ذاك، إلى تحقيق صلة بين العلم والإيمان، ومن ثم يُشيد بالتوجُّه الصوفي الإسلامي، كمجموعة واعية لعمق مضامين الأديان الأخرى – مع أن الفكر الصوفي الذي يتجاهل الشريعة، بحجة الوصول إلى "الحقيقة" أو "الطريقة"، غير معترَف أساسًا لدى الأغلبية الإسلامية؛ بالإضافة إلى أنه لا يشكل نسبة ملحوظة من النزعة الصوفية ذاتها. إلا أننا لا نريد هنا أن نذكر ذاك البعد الإيجابي الرحب في بعض التوجهات الصوفية، في ظل اهتمام مركَّز على حقيقة الدين ومغزى الرسالة الإسلامية، أكثر مما فعل الفقهاء في الغالب.
مع ذلك كلِّه فإن المناخ الإسلامي ليس في منأى كامل عن القراءات المتصلبة التي كانت سائدة لدى اللاهوتيين المسيحيين في العصور الماضية. وفي الحقيقة، إن درجة من تلك الرؤى الدينية الضيقة قائمة في الوسط الإسلامي. وبقدر ما تتوسع دائرة هذه الممارسات بقدر ما يُبرَّر وجودُ عدد من الاتجاهات والإصلاحات الانفعالية الغربية في مقابل السلوك الكنسي المتجمد.
4. إن هيك يصف الدين كردِّ فعل بشري حقيقي حيال الحقيقة المتعالية. بذلك يحاول إرجاع الاختلافات الدينية إلى اختلافات الناس في مواجهة الحقيقة – إلى هنا، قد لا يكون على خطأ. لكنه أخطأ عندما أبْعَدَ تلك الحقيقة عن متناول الإنسان، وزاد المسافة بين الحقيقة الثابتة والحقيقة المثبتة، من خلال عدم اعترافه بمعرفةٍ لدى الإنسان عن تلك الحقيقة، فتحوَّل الدينُ لديه إلى صنع بشري لا يعبِّر عن الحقيقة في مقام الثبوت؛ أو، بتعبير آخر، إنه يعتبر الدين تعبيرًا بشريًّا عن تلك الحقيقة الثابتة، فيضع الدين على مرتفَع لا يمكن الإنسان أن يمسَّه ألا عبر خبرة روحية وباطنية.
5. من تبعات التعددية المعرفية الدينية – حسب التنظير الجون هيكي – أن الدين والمعرفة الدينية سيظلان في دائرة "النسبية المعرفية"، دون تلك "الحقيقة" الخارجة عن قدرة الإنسان على الوصول إليها (كي لا يُظلَم هيك ويُنسَب إليه القول بالنسبية المطلقة). فحسب رأيه، لا يختلف النبي في ما يقوله أو يدَّعيه من نبوة أو وحي عن غيره؛ و"التجربة النبوية" هي تجربة دينية "متميزة"، يعود السرُّ فيها إلى تميُّز النبي في شخصيته الراقية. فباستثناء التجربة الدينية التي يمارسها النبي فإن الوحي وما يتلفَّظه أو ما يأتي به كوحي، أو يعبِّر عنه بواسطة إمكانات التعبير الإنساني، يُعتبَر دينًا؛ بمعنى أنه ردُّ فعل إنساني في مواجهة الحقيقة السامية. بهذا المعنى تبطل النبوة كشريعة ودين إلهي.
أخيرًا، إن نظرة سريعة على ركائز أطروحة هيك تُظهِر لنا عدة إيجابيات:
1. لقد بات من الممكن أن نتصور حالة من التسامح والتعايش السلمي المستقر بين الأديان والطوائف الدينية; إذ إن هذه التعددية لا تحصر الحقيقة في دين دون آخر. وهذا ما يعمِّق التسامح إلى أبعد حد. ومثل هذا الرأي من شأنه أن يمهد الطريق أمام ضرورة الاعتراف الكامل من جانب المسيحية بالدين الإسلامي كدين سماوي، ولزوم توفير المجال الفسيح من جانب السلطات المسيحية العالمية للتحرك الإسلامي، بسبب استحالة القول بأفضلية المسيحية.
2. إن إبراز "الإيمان" في نظرية هيك يمثل اقترابًا من جوهر الدين في وقت أمسى الإيمان الحقيقي متأخرًا لحساب الفقه والشريعة (حسب مصطلح الكلمات وليس واقعها). ولا يخفى التركيز الإسلامي الكبير في الخطاب القرآني وفي السنة على نية الإنسان النابعة من الإيمان، أو الآيات القرآنية الصريحة في تقديم الإيمان والنية على العمل الصالح.
3. إن فكرة التعددية لدى هيك تقلِّص من فوارق الأديان عندما ينصُّ على صعوبة إثبات أرجحية دين خاص على غيره، أو تعذر هذا على الإثبات.
4. إن التركيز على التقاء الأديان على جوهر موحَّد وحقيقة متماثلة ينطوي على مقاربة إسلامية دينية صريحة في القرآن – وسط تأكيدات قرآنية كبيرة لا تعترف بتعدد الأديان كما هو مألوف في الساحة الإسلامية. إن درسًا سريعًا قرآنيًّا لحالات استخدام لفظ "الإسلام" ومشتقاته سيبرهن على أن المسافة بين ما يسمى بالأديان ليست كما يُتصوَّر أحيانًا.

 
 

الشورى في الإسلام

4 يونيو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

" أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن الله تعالى جعلها رحمةً لأمتي، فمن استشار منها لم يُعدم رشدا، ومن تركها لم يعدم غيا"…
من المعلوم أن قواعد الإسلام سمحةٌ حاضنةٌ لكل الأساليب القيمية العملية المتحركة في كافة ميادين الحياة، والشورى مبدأ أساسي يشمل كل مواقع الفكر والعمل في المجتمع الإسلامي، وهي منهجٌ عملي للوصول إلى ما فيه الصلاح والإصلاح، كما أنها وسيلةٌ للبحث عن السبل الكفيلة بتنظيم القدرات وتطويرها وتنميتها.

لقد اختلف العلماء حول إذا ما كانت الشورى دستوراً عمليا شاملاً في كل القضايا السياسية، لكن الأكيد أن الله سبحانه وتعالى خصص لها سورة باسمها في المصحف المبين، وهي التي وردت في السياق القرآني في أكثر من موضع.
يقول الله تعالى :( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون)..ليس من محض الصدفة أن ترد الشورى بين ركنين أو أمرين من الأمور الدينية الواجبة في الإسلام، والتي تتمثل في الصلاة أولاً، والإنفاق ثانيا"، فالحديث عنها هنا هو ذو شقين: الأول عبادي يتعلق ببناء الشخصية الإيمانية وتزكية النفس، والثاني عمليٌ حياتي، يتعلق بالأمور العامة فيما يخص المجال الإقتصادي وبناء الدولة ونظام الحكم
 ومن هذا المنطلق، تمثل الشورى خط السلامة في حركة المجتمع الإسلامي، ليس على مستوى القاعدة فقط فحسب، بل على مستوى القيادة أيضاً، إذ يُطلعنا التاريخ على نماذج كثيرة استعمل فيها الصالحون-من موقع القيادة الذي يمثلونه- هذا المبدأ، فاستشارتهم لغيرهم تمثل أسلوباً انتهجه هؤلاء ليتبع المسلمون منحاهم، لما في ذلك من منفعةٍ لهم وللإسلام، ولما تؤدي له من انفتاحٍ على الآخرين، واجتنابٍ للكثير من الزلل، وجمعٍ للقلوب وتأليفٍ بينها على العلم والخير والإيمان…، وليس أدل على ذلك استشارة النبي (ص) لسلمان الفارسي في معركة الخندق، والشورى الواضحة في حديث النبي سليمان مع النملة. وهكذا، فإن وجوب طاعة ولي الأمر لا تمنع من توجيهه إلى الأخذ بالشورى في إصدار قراره، وذلك ما أمر الله به نبيه (ص)، عندما قال له: (وشاورهم في الأمر،فإذا عزمت فتوكل على الله)، فالأمر بالمشاورة ينطلق من الخط العام، بعيداً عما إذا كان النبي محتاجاً لذلك في الواقع الخارجي أم غير محتاجٍ له. ثمَّ إن الإسلام يرفض الإستبداد، حتى أنه أراد من خط المعاضة في الإسلام أن يتحرك على أساس أن يكون نوعاً من الشورى التي تقدم للحاكم النصيحة من موقع الإخلاص للقاعدة الإسلامية، بحيث لا يكون أسلوب التعبير عن الرأي أسلوب التهديم والإضعاف، بل أسلوب الإصلاح والتعاون
وفي المقلب الآخر، ورحمةً بالطفل، يأمر ذاك الدين المحمدي الأصيل أن تتشاور الأم مع الأب قبل أن يُقررا فصله عن الرضاعة:(فإن أرادا فصالاً عن تراضٍ أو تشاورٍ منهما فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما أتيتم بالمعروف)، فتتسرب هنا الشورى إلى داخل الحياة الأسرية لتنظمها ولتؤدي بها إلى الصلاح.
 رجل يشاور أحداً إلا هُدي إلى الرشد". وعن علي (ع): "من استيد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها".
في الواقع، مهما بلغ الإنسان من درجاتٍ عاليةً في العلم، فإنه كلما تواضع لذاك الأخير أكثر، كلما أخذ فرصاً أكبر لتطوير علومه. والتواضع يتمثل في عدم استبعاد الأشخاص عن عالم الشورى، لأن الإنسان يبقى دائماً –نظراً لطبيعته المحدودة- يحتاج إلى آراء الآخرين، حتى تتكشف له الزوايا المختلفة للموضوع الذي يفكر فيه أو يعمل به..ولكن المفارقة هنا هي صوابية اختيار الشخص الذي يستشيره. وفي هذا السياق، يوصي الرسول الأكرم (ص) عليا (ع): "يا علي، لا تشاور جباناً فإنه يضيّق عليك المخرج، ولا تشاور بخيلاً فإنه يقصر بك عن غايتك، ولا تشاور حريصاً فإنه يزين لك شرهاً". ويقول علي (ع): "لا تستشر الكذاب، فإنه كالسراب، يقرب لك البعيدن ويبعد لك القريب
"..
حرِيٌ بنا أن نتحرك في مواقع الحياة بعقلية المنفتح الخالي من العقد النفسية، والذي يقرأ في اليوم مائة كتاب وألف تجربة في بضع ساعات…إنها المشورة: عالمٌ من اختصار الوقت والتجارب، وعوالم من المعرفة..


الاستنساخ البشري بين الفقهاء وعلماء التجربة

28 مايو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

التهويل الإعلامي على عملية الاستنساخ

من الواضح أنّ هناك تهويلاً إعلامياً بشأن هذه العملية التي لم تثبت نجاحاً على كثير من مستويات الكائن الحي وأصنافه، بل قد أثبتت عجزها لحد الآن على الأقل.

ولو رجعنا إلى خلفيات هذه الطريقة في التكاثر لوجدناها لم تأت بشيء جديد، بل كانت مشابهة إلى حد ما لـ:

1 ـ تكاثر الأميبا والبراميسيوم والكلاميدوموناس وغيرها من الأحياء المجهرية والأُحادية الخلية.

2 ـ التطعيم بالبرعم، وهي زراعة برعم من شجرة النارنج في غصن من شجرة البرتقال، ليقوم هذا الغصن بإنتاج ثمرة مشابهة لبرعم التطعيم، وإن كان هذا النوع مشابهاً إلى حد ما طريقة استنساخ الأعضاء.

3 ـ التكثير بالأقلام، وهي عملية قطع غصن بطريقة ما، ثم يغرس هذا الغصن في الأرض فتنتج عنه شجرة كالشجرة الأُم.

4 ـ تكثير النباتات الظلية بالترقيد، وهي عملية زرع غصن من أغصانها في الأرض ومن ثم يقطع عن الشجرة الأم أو يتلف الجزء المتصل بالشجرة الأم باليبوسة فينقطع تلقائياً.

نعم هذه العملية فيها مجهود إضافي، وهو نزع نواتي خليتين ثم زرع إحدى النواتين في إحدى الخليتين، وهذه العملية بحد ذاتها بالنسبة إلى الباحثين قد تكون طبيعية، بل شبه عادية، وإن كانت تأخذ وقتاً وتستخدم فيها أجهزة متطورة عن أجهزة مصنعة سابقاً. ولو رجعت إلى طريقة التكاثر التي هي من دون تلقيح لوجدتها تعرف في كتب الأحياء بالطريقة البدائية. بل هنا أكثر بدائية؛ لأنّ الحيوان المجهري يقوم بهذه العملية بنفسه دون هذا الجهد المادي.

 

 

خلق النبي عيسى×

وقد يشكل على خلق نبي الله تعالى عيسى على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام، قال الله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}([1])، وهذه طريقة أخرى للخلق، ولكن الله تعالى هنا هو المتحكم بهذه الخلقة، والمشابهة هنا من حيث النفخ، قال الله العزيز الحكيم في كتابه الكريم: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}([2])، هذا بالنسبة للنبي آدم على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام، وأما بالنسبة إلى عيسى النبي على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام فقد قال تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ}([3])، {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ}([4])، والملاحظ أنه إكرام له ولأُمّه، أما هو فقد علم لما اصطفاه الله تعالى كنبي من أنبياء أولي العزم، وأما هي فواضح من الآيات التي جاءت في القرآن الكريم أنها أحصنت نفسها وانقطعت إلى الله تعالى فكرمها الله بهذا المولود المعجزة.

 

خلق آدم النبي على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام:

في بحث التفسير([5]) بينت هناك أنّ الله تعالى لما خلق آدم على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة السلام من الطين، أنه تعالى قال: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}([6])، وقال عز وجل: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ}([7])، فالتسوية هنا أي خلقه كاملاً بكل تفاصيله، بخلاياه، بشعره، ببنانه بحواجبه، بكروموسوماته، بنويات خلاياه، بخلايا دمه من الكريات الحمر والبيض والعناقيد الدموية، بعظامه ونخاعه، بأعصابه وغير ذلك، ثم نفخ فيه الروح، ولو لم يكن كذلك، أي لو كان قد خلقه على شكل دمية لما تميز هذا الفعل عن فعل أي نحات بارع، لذلك جاءت الآية الكريمة: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}([8])، تؤكد ما قد مر من المعنى.

ولا بد من المرور على ناقة صالح وحية موسى، وهناك مخلوقات أخرى لا تخطر على بال من يكذب بها، فلذلك لا أود ذكرها.

 

الاستنساخ لغة

في لسان العرب تحت مادة >نسخ<: نسخ الشيءَ يَنْسَخُه نَسْخاً وانْتَسَخَه واستَنسَخَه: اكتتبه عن معارضه. التهذيب: النَّسْخ اكتتابك كتاباً عن كتاب حرفاً بحرف، والأَصل نُسخة، والمكتوب عنه نُسخة؛ لأَنه قام مقامه، والكاتب ناسخ ومنتسخ. والاستنساخ: كتب كتاب من كتاب.

 

الاستنساخ البشري

من خلال قراءاتي لما كتب من تعريف لهذه العملية([9])، لم أعثر ـ أنا([10]) ـ على ما يناسبها، ولكن أمكنني أن أعرف هذه العملية بما يلي:

هي عملية تخليق كائن حي أو أكثر بزرع نواة مأخوذة من خلية جذعية ـ أي غير جينية ـ في خلية جينية منزوعة النواة([11]).

 

ناتج الاستنساخ

كائن مطابق نسبياً للحيوان المأخوذة منه الخلية الجسمية بحسب الادعاء.

 

خطوات هذه العملية

تتمثل هذه العملية بما يلي:

أولاً: تأخذ خلية جسمية من كائن حي، ثم تفرغ هذه الخلية ([12])من النواة المحتوية على المادة الجينية الكاملة أي (46) كروموسوماً. 

ثانياً: تؤخذ بويضة ـ خلية جينية ـ من أنثى ذلك الكائن الحي أو من نفس الأنثى التي أخذت منها تلك الخلية الجذعية وتفرغ من النواة.

ثالثاً: تزرع النواة (أ) داخل البويضة (ب)، فمعنى ذلك زرع نواة خلية جذعية (أ) في بويضة منزوعة النواة (ب). وبتعبير آخر نواة بلا خلية توضع في خلية بلا نواة، فتتكون خلية بنواة.

رابعاً: يتم تعريض هذه البويضة إلى شحنات كهربائية، ليُحدث ذلك انقساماً في نواة الخلية، وهذه العملية تشابه تلك التي في عملية التلقيح الطبيعي، ليتكون جنين جديد أو أكثر يكون نسخة طبق الأصل عن صاحب الخلية الجذعية (أ) من ناحية التكوين الجيني.

 

سبب انتزاع نواة البويضة

السبب واضح هو أنّ كلاً من الخليتين الذكرية والأنثوية تحمل(23) كروموسوماً وبعد الاتحاد تجتمع الكروموسومات من الخليتين فيكون الناتج (46) كروموسوماً، فيحمل الجنين صفات الأصلين، ولكن إذا أبقي على نواة البويضة فسوف يحصل الخلل أولاً بوجود نواتين، وهذا ليس صحيحاً، وباجتماع (69) كروموسوماً في خلية واحدة([13]). وأما إطلاق تسمية ـ بويضة ملقحة ـ على البويضة المنزوعة النواة بعد إدخال النواة التي انتزعت من الخلايا الجذعية ـ كما في الرسم ـ فهذا ليس صحيحاً؛ لأنها بعد انتزاع النواة تنتهي أغلب خواصها، فلا يصح الإطلاق حينئذ. والمخطط التالي فيه تصوير لعملية الاستنساخ:

 

 

مقدار الشبه

ليس صحيحاً أن يعتقد بأن الشبه يتحقق بنسبة 100%، إذ إن هناك مادة جينية موجودة في ميتوكوندريا بويضة الحاضن والتي قد تغير من تركيبة الكائن الجديد وتحدث اختلافاً فيه، وإن كان بسيطاً. وذكر بعض العلماء أنّ الطفل المستنسخ لا يصبح نسخة طبق الأصل للأصلين إذا ما كان البادل غير الحاضن.. حيث إنه في علم الجينات يتوقع أن يكون المتولد مشابهاً بنسبة تقرب من100 % للأصلين، وقد لا يكون نسخة مطابقة لما ذكر. فلا يمكن تجاهل العناصر البيئية المختلفة والنشأة في أجواء مختلفة عما فيه الأصلان، وهذا كله يؤثر في البناء الجيني للمتولد، وإلاّ لما اختلفنا عمن عاش عام (4000) قبل الهجرة. والغموض ما زال يكتنف كيفية انطباع التأثر على الجين الحالي، ثم يأخذ دوره في الجين التالي.. نعم قد يقال بالشبه إذا كان الباذل هو نفس الحاضن، ويبقى أثر البيئة له حسابه الخاص..

ونتعرض لبعض المصطلحات التي تهمنا لفهم الموضوع بشكل أتم. 

 

هي كتلة صغيرة من المادة الحية (بروتوبلازم Protoplasm)([14]) يحيط بها غشاء بلازمي في وسطها نواة. وهذا هو التعريف العام.

وقالوا فيها: إنها كتلة الجسم الأولية التي ينشأ منها مختلف أنواع الخلايا، والتي لديها قابلية التطور لتكوين أنسجة الجسم المختلفة، ويمكنها التحول إلى خلايا متخصصة(pecialized Cell) كـ(العضلات، الدم، الكبد، وغيرها). انظر إلى الشكلين التاليين لغرض التوضيح:

 

(1)نوية (2)نواة الخلية (3)جسيم ريبي (4)حويصل (5)شبكة بلاسمية داخلية خشنة (6)جهاز غولجي (7)هيكل خلوي (8) شبكة بلاسمية داخلية ناعمة (9)متقدرات (10)vacuole (11) هيولى (12)جسيم حال (13)جسيم مركزي

 

الخلية الجينية 

هي الخلايا الذكرية والأنثوية، وسميت بذلك لأنها معدة ـ أصلاً ـ للعملية التكاثرية ونقل الجينات الوراثية، بخلاف غيرها كما ستلاحظ.

 

الخلية المتخصصة

هي خلية لها القدرة على تكوين نوع معين من الأنسجة، كالأنسجة العصبية أو العضلية، و لا تتعدى إلى غيرها.

 

الخلية الجذعية الجنينية

وتسمى كذلك بالخلايا الأولية أو الأساسية أو الجذرية، وهي خلايا مشابهة للخلايا الجسدية، حيث تحتوي على (46) كروموسوماً، ولها القدرة على الانقسام والتكاثر وتجديد نفسها. وهي خلايا بدئية ـ انتبه لهـذا التعـبير وليسـت بدائية ـ غير متمايزة إلى أنواع خلوية متخصصة، فهي تعطي أنواعاً مختلفة من الخلايا المتخصصة، وهذه الميزة تسمح لها بأن تعمل كجهاز إصلاحي للجسم، باستبدال خلايا أخرى عاطلة و الحفاظ على وظيفة الأعضاء الجسمية.

والخلايا الجذعية قادرة على تكوين خلية بالغة، وأهميتها تأتي من قدرتها على تكوين أي نوع من أنواع الخلايا المتخصصة، كخلايا العضلات وخلايا الكبد والخلايا العصبية والخلايا الجلدية.

ومن هنا جاء اعتقاد الخبراء بأنّ الخلايا الجذعية بقدرتها هذه قادرة على تغيير تاريخ الأمراض البشرية عن طريق استخدامها لإصلاح نسج متخصصة، أو عن طريق دفعها للنمو بشكل عضو حيوي معين.

(صورة توضح تمايز الخلايا الجذعية) فاتحاد الخليتين الذكرية والأنثوية بعد التلقيح ينتج الخلية البدئية، ثم يتدرج التخصص فتتدرج القدرة تبعاً لذلك كما ترى.

 

خصائص الخلايا الجذعية

تتميز هذه الخلايا بالقدرة على الانقسام لفترة غير محدودة في الأوساط المخبرية، وأن تنتج خلايا متخصصة متعددة الفعالية والقابلية على إنتاج غالبية الأنسجة في الجسم الحي.

ويمكن أن توصف بشكل جيد على أساس التطور الطبيعي للإنسان الاعتيادي.

تبدأ عملية تنامي الإنسان عند حصول التلقيح لخلق خلية واحدة لها القدرة على تكوين كائن متكامل. هذه الخلية الناتجة من التلقيح تكون كاملة القدرة (Totipotent) أي أنّ قدرتها كاملة على إنتاج أي نوع من الخلايا.

ففي الساعات الأولى بعد عملية التلقيح تنقسم هذه الخلية إلى خليتين متشابهتين من نوع الخلايا كلية القدرة. ويعني ذلك أنه إن وضعت واحدة من هاتين الخليتين في رحم الأم أمكن إنتاج جنين متكامل. والتوائم المتشابهة تتكون عندما تنقسم اثنتان من الخلايا كلية القدرة، ومن ثم تكمل المشوار لتكوين زوج من الأجنة المتشابة وراثياً.

وبعد مرور حوالي أربعة أيام من عملية التلقيح ـ وبعد عدد من دورات الانقسام ـ تبدأ خلايا كلية القدرة بالتخصص مكونة كرة مجوفة من الخلايا تسمى الكيسة الأرومية، تتضمن خلايا خارجية تحيط بالتجويف في داخل كتلة من الخلايا تدعى كتلة الخلايا الداخلية.

 

أنواع الخلايا الجذعية

1. الجنينية: وتسمى أيضاً الخلايا الجذعية متعددة الفعالية، وتكون في مرحلة الجنين الباكر، ولها القدرة على إعطاء العديد من أنواع الخلايا، وليس كل أنواع الخلايا اللازمة للتكوين الجنيني؛ لأنّ فعاليتها وقدرتها ليست كاملة، لذلك فهي لا تعتبر أجنّة، ولا تكون أجنّة عند زراعتها في الرحم؛ لأنها غير قادرة على تكوين المشيمة والأنسجة الدعامية الأخرى التي يحتاج إليها الجنين في الرحم أثناء عملية التكوين، ويتم الحصول على الخلايا الجذعية الجنينية من الجزء الداخلي للبلاستولة.

2. البالغة: توجد في الأطفال والبالغين على حد سواء، وعندما تبدأ كتلة الخلايا الداخلية للبلاستولة بالتكاثر والانقسام المتكرر تنتج خلايا جذعية متخصصة مسؤولة عن تكوين خلايا ذات وظائف محددة (مثل خلايا الدم الجذعية التي تعطي خلايا الدم الحمراء وخلايا الدم البيضاء والصفائح الدموية، وهناك خلايا الجلد الجذعية التي تعطي خلايا الجلد بمختلف أنواعها)، وتسمى هذه الخلايا الجذعية الأكثر تخصصاً بالخلايا الجذعية البالغة.

ومن الجدير بالذكر، ومما يهم البحث في الاستنساخ البشري واستنساخ الأعضاء أنّ الخلايا الجذعية الجنينية أفضل من الخلايا الجذعية البالغة، وتواجه العلماء بعض المشاكل في الاستفادة من الخلايا الجذعية البالغة، مثل وجودها بكميات قليلة، مما يجعل صعوبة في عزلها وتقنيتها، ويقل عددها مع تقدم العمر بالإنسان، وليس لها نفس القدرة على التكاثر الموجودة في الخلايا الجنينية.

 

تقسيم الخلايا الجذعية من حيث القدرة

قدرة الخلايا الجذعية Potency هي خواصها الكامنة التي تفتح لها مجالاً من الخيارات ضمن عملية التمايز، مدى قدرة هذه الخلايا على التمايز لأنواع مختلفة من الخلايا البالغة هي ما يميز أي خلية جذعية. يمكن تمييز الأنواع التالية:

1. خلايا جذعية كاملة القدرة Totipotent وهي التي تنتج من اندماج البويضة مع النطفة. والخلايا التي تنتج من الانقسامات الأولى للبيضة المخصبة تكون عادة كلية الخيارات. فيمكن لها أن تتمايز إلى أنماط خلوية جنينية و خارج جنينية extraembryonic cell.

2. خلايا جذعية وافرة القدرة Pluripotent و هي أنسال الخلايا الكاملة القدرات، يمكن لها أن تتمايز لخلايا من الطبقات الجنينية، ولها القدرة الكاملة على تكوين أي نوع من الخلايا، إلا الخلايا الداعمة للجنين، كالأغشية والمشيمة.

3. خلايا متعددة القدرات Multipotent: هي خلايا  تخصصية لها القدرة على إنشاء مختلف الخلايا، ولكن من نسيج معين ـ أي من نفس العائلة ـ كالخلايا الجذعية المولدة لدم hematopoietic فيمكن لها التمايز إلى خلايا دموية حمراء أو بيضاء أو صفيحات.

4. أُحادية القدرة Unipotent يمكن أن تنتج فقط نوعاً وحيداً من الخلايا، لكن لها القدرة على تجديد نفسها، مما يميزها عن الخلايا اللاجذعية.

 

الكتلة الخلوية الداخلية

هي مجموعة من الخلايا التي تجمعت بعضها مع بعض عند تكوين الحويصلة الأولية والتي يخلق منها الجنين.

 

طرق الحصول على الخلايا الجذعية الجنينية

1. بأخذ هذه الخلايا مباشرة من كتلة الخلايا الداخلية في مرحلة البلاستولة من الأجنة الفائضة في عيادات الخصوبة.

2. بأخذ الخلايا من الأجنة المجهضة، وتؤخذ من المنطقة التي تكون الخصى والمبايض في الجنين لاحقاً، وتسمى الخلايا الجرثومية الجنينية.

طريقة الاستنساخ العلاجي: أو ما يسمى نقل أنوية ـ جمع نواة ـ الخلايا الجسدية، وهذه الطريقة تتبع تقنية الاستنساخ. ويتم الحصول على الخلايا من:

1 ـ خلايا المشيمة أو دم الحبل السري عند الولادة.

2 ـ أنسجة البالغين كنخاع العظام والخلايا الدهنية.

 

العلاج الخلوي

بعلاج بعض الأمراض المستعصية التي تنتج بسبب تعطل الوظائف الخلوية وتحطم أنسجة الجسم، مثل الزهايمر ومرض باركنسون وإصابات الحبل الشوكي، وأمراض القلب والسكري والتهاب المفاصل والحروق.

 

خطوط الخلايا الجذعية الجنينية (cell linesES)

عبارة عن تجمعات أو مزارع خلوية تشتق من النسيج الأصيلي الخارجي epiblast من كتلة الخلايا الداخلية inner cell mass للكيسة الأرومية.

والكيسة الأرومية تكون عادة مرحلة مبكرة من التطور الجنيني بعمر حوالي 4ـ5 أيام في الإنسان، و تتألف من50 ـ 150 خلية. في هذه الحالة تكون الخلايا الجذعية متعددة الخيارات وتعطي خلال نموها منتجات الطبقات الجنينية الثلاث: الطبقة الجنينية الخارجية ectoderm والوسطى mesoderm والداخلية endoderm. وهذا يعني أنّ الخلايا الجذعية في هذه الحالة قادرة على التنامي نحو أكثر من 200 نمط خلوي موجود في الجسم البشري، كل ما هو مطلوب هو إعطاء التنبيه المناسب لكل نمط خلوي نوعي. ولا تشارك هذه الخلايا في تكوين الأغشية خارج الجنينية أو ضمن تركيب المشيمة placenta .

 

تنتقل الصفات الوراثية عن طريق أجسام صغيرة جداً (كالعصي القصيرة) هي الصبيغات الوراثية (الكروموسومات)، وتحمل هذه الصبيغات الوراثية التعليمات الكاملة لخلق الإنسان. وعددها في كل خلية من خلايا جسمنا (46) صبغة (كروموسوماً).

وهذه الـ(46) كروموسوماً عبارة عن (23) زوجاً، كل زوج منها عبارة عن كروموسومين متشابهين بشكل كبير (وقد يقال تساهلاً: إنهما متطابقان)، واحد من هذه الكروموسومات أعطته لنا أُمهاتنا والآخر أعطاه لنا آباؤنا. وكل زوج من هذه الأزواج المتطابقة يعطيه الأطباء رقماً يميزه عن الآخر، ابتداء برقم واحد للزوج الأول إلى الزوج الأخير رقم (23). ونظراً لتشابه هذه الكروموسومات يقوم أخصائي المختبر بصبغها بمادة كيمائية. هذه الصبغة تقوم بتلوين الكروموسومات وتجعلها مخططة أفقيا باللون الأبيض والأسود. كل خط (أبيض أو أسود) يسمى مقطعاً أو شريحة (BAND). والزوج الثالث والعشرون له خاصية مهمة من ناحية تحديد الجنس (الذكورة والأنوثة) لذلك يطلق عليه الأطباء الزوج الجنسي، وفي المقابل يطلق على بقية الأزواج من(1) إلى(22) الأزواج غير الجنسية تمييزاً لها.

مخطط للكروموسوم وفيه: (1) الكروماتيد. (2) السينترومير. (3) ذراع الكروماتيد القصير. (4) ذراع الكروماتيد الطويل

ولو قارنا الزوج الجنسي بين الذكور والإناث لوجدنا فيه اختلافاً، فالكروموسومان الجنسيان في الزوج الجنسي عند الإناث متطابقان تقريباً، أي متشابهان بدرجة عالية في الشكل والطول، وكل واحد منهما يرمز إليه بالحرف الإنجليزي (X أكس)، بينما نجد الكروموسومين في الزوج الجنسي لدى الذكور مختلفين، فواحد منهما يرمز له بالحرف الإنجليزي (X أكس)، وهو يشبه كروموسوم أكس لدى الإناث، بينما الآخر مختلف، فهو أقصر بكثير من كروموسوم أكس، ويرمز إليه بالحرف الإنجليزي (Y واي). 

 

دي أن أي الجينات والبروتينات

الإنسان يتكون من بلايين الخلايا المتراصة فوق بعض أو جنباً إلى جنب. ولكل خلية نواة مملوءة بـ(46) كروموسوماً، فيها تحفظ المعلومات في داخلها.

الحامض النووي دي أن أي (DNA) يمكن تشبيهه بعقد من اللؤلؤ طوله آلاف الأمتار ولكن لا نراه بالعين المجردة؛ لأنه أرق من خيط الملابس بملايين المرات. هذا العقد الطويل  يجدل ويطوى طياً محكما ويرص ويصف بشكل بديع ليصبح كروموسوماً.

فهو إذن: عبارة عن خيط طويل ملتف من الحمض النووي (DAN). وكما أن عقد اللؤلؤ الطبيعي تحتوي على حبات لؤلؤ مرصوصة على طوله، فذلك الحمض النووي (DAN) يحتوي على حبات مصفوفة على طوله، تسمى مورثات أو جينات. يوجد (100000) مورثة موزعة على الـ (46) كروموسوماً كما لو شبهناها بـ(100000) حبة لؤلؤ في كل العقود،  وتحتوي هذه المورثات على وصفات بمقادير معدة بشكل دقيق كمقادير الدواء لتحضير جميع البروتينات بأنواعها. فيتضح أن البروتينات هي المواد الأساسية لبناء الخلية ولاستمرارها في العمل.

وفي كل خلية من خلايا جسمنا نسختان من كل مورث، واحدة منها موجودة على الكروموسوم الذي ورثناه من آبائنا، والمورثة الأخرى موجودة على الكروموسوم الذي ورثناه من أمهاتنا. وكما أنّ حبات اللؤلؤ مرصوصة على طول عقد اللؤلؤ الطبيعي، كذلك المورثات كل واحدة منها لها مكانها الخاص والمحدد على طول الكروموسوم.

 

تخصص الخلية

وكل خلية فيها نفس عدد الكروموسومات الموجودة في بقية الخلايا، لذلك فإن كل خلية تحتوي نفس الوصفات الوراثية (المعلومات) لتحضير جميع البروتينات. أي أنّ كل خلية لديها القدرة على إنتاج جميع البروتينات من غير استثناء، ولكن في الحقيقة لا تقوم كل خلية بإنتاج جميع البروتينات، ليس لأنها لا تستطيع، ولكن لأنها لا تحتاج جميع البروتينات، فلذلك على حسب تخصص الخلية ومكانها في الجسم تنتج المواد التي تحتاجها، أما بقية المواد الأخرى فلا تقوم بتصنيعها. فمثلاً خلايا الكبد تنتج فقط، المواد التي تحتاجها وكذلك خلايا المخ تقوم بإنتاج المواد التي تحتاجها خلايا المخ فقط حتى وإن كان لديها القدرة على إنتاج جميع المواد. فلكل عضو وظيفة خاصة به، فالكبد لها وظيفة معينة، والعين لها وظيفة معينه وكذلك بقية الأعضاء.

00000 سبحان الله العظيم00000

إذا فهمنا هذا الأمر فإنه يسهل علينا معرفة لماذا يصاب عضو واحد أو عدة أعضاء محدودة في الجسم عندما يصاب أحد الموروثات بعطب، مع أننا نعرف أنّ هذا العطب موجود في جميع الخلايا؛ لأنّ خلايا الكبد مثلاً لا تتأثر بوجود العطب في المورث حتى وإن كان موجوداً، لأن خلاياها لا تحتاج وجود المورث في الأصل، بينما تصاب فقط خلايا المخ؛ لأنّ المورث المعطوب مهم جدا لقيام المخ بوظائفه الطبيعية. وقد يصاب أكثر من عضو في آن واحد إذا كان المورث المعطوب مهماً لجميع الأعضاء التي ظهر فيها المرض.

 

الميتوكندريا The Mitochondria

من مكونات الخلية التي توجد في جميع أنواع الكائنات، ابتداءً من الأميبا إلى الإنسان. وقد وصف فلمنج الميتوكندريا لأول مرة في 1882م، و أسماها الخيوط أو (فيلا). ثم  ألتمان عام 1890م، و لكنه أطلق عليها (بيوبلاست) أي الأجسام الحية. ويعدّ بندا أول من استعمل كلمة (ميتوكندريا) للدلالة على هذه الأجسام عام 1897م.

ولا يمكن مشاهدتها بالمجهر([15]) العادي، و ذلك لأنّ معامل انكسار الضوء([16]) بالنسبة لها منخفض، بسبب ما تحتويه من مواد دهنية، بل تظهر بالمجهر الإليكتروني وبعد أن تصبغ بصبغات حيوية خاصة، فتظهر بصورة أوضح؛ لأنّ الإنزيمات المؤكسدة التي بداخلها تتأثر بلون المادة الصبغية.

ويتراوح طولها بين(0.5ـ1) ميكرون، ويصل في الأنواع الخيطية منها إلى (10ـ12) ميكروناً، وقد يوجد في الخلية نوع أو أكثر من هذه الأشكال.

وأما عددها فيختلف حسب النشاط الحيوي في الخلية، وهو ثابت بالنسبة للنوع الواحد من الخلايا، ففي الأميبيا يوجد (500.000)، ويوجد في الخلية الكبدية للفأر(2500) ميتوكندريون، ويتراوح ما بين (175ـ800) ميتوكندريون في خلايا الكبد السرطانية المعروفة باسم (هيباتوما).

وتكثر الميتوكندريا بصفة عامة في الخلايا الأكثر تخصصاً ـ كخلايا الكبد والكلية ـ عنها في الخلايا الأقل تخصصاً أو الأقل نشاطا.

وأمّا أماكن تواجدها ففي الخلايا المختلفة على هيئة حبيبات دقيقة أو عصى قصيرة أو خيوط، وفي معظم الحالات تكون موزعة توزيعاً منتظماً متجانساً في السيتوبلازم، ولكنه في أنواع معينة من الخلايا يقتصر وجودها على مناطق سيتوبلازمية محددة ـ كما في خلايا الكلية ـ حيث توجد في الأجزاء القاعدية منها، فتكون قريبة من الشعيرات الدموية التي تغذي


المدرسة الإصلاحية وخوارق العادات

20 مايو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

 تابعنا في الآونة الأخيرة عبر بعض الصحف و المواقع سجالا حول معجزات النبي صلى لله عليه وآله و سلم غير القرآن الكريم. وقد تمحورت المناقشات حول بعض آراء الكاتب السوري المعروف جورج طرابيشي في كتابه " المعجزات أو سبات العقل " وكعادة المناقشات في مثل هذه المسائل، تباينت الآراء بين من اتفق معه ومن اختلف معه.
وفي تقديري أنّ ثمة أمور قد تكون موضع وفاق بين مختلف المتحاورين من المؤمنين بالأديان السماوية في هذه المسألة. منها مسألة أصل إمكان وقوع الآيات المعجزة بل و وقوعها الفعلي من الناحية التاريخية، بعد أن نصّت الكتب الدينية على وقوع نماذج منها على يدي عدد من الأنبياء العظام صلوات الله عليهم. وبالنسبة للمسلمين فإنّ القرآن الكريم صرح في عدد غير قليل من آياته على وقوع الآيات المعجزة على يدي مجموعة من الرسل والأنبياء الكرام مثل نوح وإبراهيم و موسى وعيسى ومحمد وغيرهم من أنبياء الله تعالى صلوات الله عليهم أجمعين.
كما أنّ الجدل حول بعض التفاصيل المتعلّقة بالمعجزات في أدبيات المسلمين ليس بجديد. فقد اختلفوا في طبيعة الإعجاز البياني اللغوي والبلاغي للقرآن الكريم، حيث ذهب بعض المتكلمين كالنظّام ومن وافقه  كابن حزم والمرتضى إلى الصرفة، بينما ذهب آخرون إلى أنّ إعجازه في هذه الناحية راجع إلى طبيعته المتفردة المعجزة. ونسب إلى بعض متكلمي المعتزلة أنّهم أنكروا أن تكون بعض المعجزات من دلائل صدق نبوة الأنبياء عليهم السلام. واختلف كذلك  في مدى حدوث بعض الخوارق على أرض الواقع من قبيل شق صدر النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) قبيل نزول الرسالة عليه وبعدها، وكذا في معجزة شق القمر بعد نبوته (صلى الله عليه وسلم). كما اختلفوا كذلك في تفسير طبيعة إسرائه و معراجه و ما إذا كانا بالجسم والروح معا أم بالروح فقط وهكذا.
وهنا لا بد من التفريق بين من ينكر وقوع الآيات المعجزة، فيعتقد باستحالتها وامتناع وقوعها على الرغم من تصريحات القرآن الكريم بشأنها،  وبين من يناقش آراء بعض المفسرين  حول دلالات بعض الآيات القرآنية، و ما إذا كانت تشير إلى وقوع أية معجزة أم تشير إلى أمر آخر،   كبعض علامات يوم القيامة، كما في الآية الكريمة " اقتربت الساعة وانشق القمر" ( القمر/1).
ويفترض عدم الخلط بين الموقف الذي يناقش أو لا يقبل بعض المرويات و الأخبار التي تتحدث عن وقوع بعض الخوارق لبعض الأنبياء(عليهم السلام)، فينفي وقوع حوادث ووقائع محددة من الناحية التاريخية، دون أن ينكر أصل الآيات المعجزات. وكذلك الحال بالنسبة لمن يفسر بعض الحوادث بطريقة روحية من قبيل من ذهب إلى أنّ الإسراء والمعراج كانا بالروح لا بالجسد. فإنّ أصحاب بعض هذه الاتجاهات لا ينكرون أصل حدوث الخوارق وإمكانية وقوعها بقدرة الله تعالى وبإذنه سبحانه، بل ينفون بعض الحوادث من حيث الوقوع  التاريخي لعدم ثبوت مستنداتها عندهم وعدم اقتناعهم بها. ويختلفون في تفسير وقراءة بعض الآيات القرآنية التي يستدل بها على وقوعها على يدي النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). على أنّ هناك من ناقش الأدلة القرآنية التي يستند عليها الفريق الذي ينفي وقوع آيات مادية خارقة على يدي النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). ويرى هؤلاء أنّ الآيات القرآنية النافية للآيات المعجزة جلّها جاءت ردًا على اقتراحات المعاندين.( راجع البيان للحوئي 114) ( مفاهيم القرآن للسبحاني 4/95)  و أيًا كان، فإنّ مثل هذه الاختلافات التفصيلية تعد من نوع الاختلاف في التطبيقات والصغريات وليس في الكبريات حسب تعبير المناطقة.
 ومن المسلم به، أنّ الاختلاف في التفسير سائغ بل واقع بين علماء التفسير. كما أنّ عرض المرويات و الأخبار على قواعد النقد الداخلي والخارجي أو نقد أسنادها ومتونها أمر مقبول بل ومطلوب إنجازه من قبل المختصين. وفي ضوئه إذا توصل باحث مختص إلى ضعف بعض المرويات المنسوبة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) أو عدم صدورها فإنه لا يعد منكرا للسنة النبوية المطهرة. وقد ورد في مصادر الحديث والسيرة كثير من الوقائع المعجزة على أنّها صدرت من النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) من قبيل حنين الجذع و تسبيح الحصى ونبوع الماء بين أصابعه وإشفاء المرضى ونزول المطر باستسقائه وغيرها، وصرح بعض العلماء بصحة بعضها، إلا أنّ بعض المرويات لم تحظ بالقبول من قبل بعض المحققين. وهذا لا يعني إنكارا لأصل المعجزة من رأس، بل غاية ما في الأمر أنّهم نفوا وقوع حوادث وخوارق محددة لعدم ثبوتها لديهم. فالنبي محمد صلى الله عليه و آله وسلم  تذكر له  معاجز كثيرة، إلا أنّ البعض منها لا تتصف بالقطعية في روايتها، ولم تكن مورد قبول واعتماد، ولكن المعجزة الباقية له (صلى الله عليه و آله وسلم) والتي لا تزال حيّة هي القرآن. ( الشيعة في الاسلام للطباطبائي 191) وعليه ، مهما  اختلف في وقوع بعض الخوراق و تفاصيلها، فإنّ من المتفق عليه بأن القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الخالد الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لرسالة سماية خالدة بإذن الله تعالى. و الشريعة الخالدة يجب أن تكون المعجزة التي تشهد بصدقها خالدة أيضا، لأنّ المعجزة إذا كانت محدودة قصيرة الأمد لم يشاهدها البعيد، وقد تنقطع أخبارها المتواترة، فلا يمكن لهذا البعيد أن يحصل له العلم بصدق تلك النبوة، فلا بد للنبوة الدائمة المستمرة من معجزة دائمة. و هكذا أنزل الله القرآن معجزة خالدة؛ ليكون برهانا على صدق الرسالة الخالدة وليكون حجة على الخلف كما كان حجة على السلف. بينما كانت نبوات الأنبياء السابقين مختصة بأزمانهم وأجيالهم، كان مقتضى الحكمة أن تكون معجزاتهم مقصورة الأمد ومحدودة ( البيان للخوئي 43).
وقد ظهرت في العصر الحديث، وفي مطلع القرن العشرين، المدرسة التوفيقية أو الإصلاحية التي تزعمها الشيخ محمد عبده، والتي تأثرت بالاتجاه العلمي التجريبي الحديث. وكانت تنزع منزع التوفيق بين العقل والعلم من جهة وبين حقائق الدين بما فيها الحقائق الغيبية من جهة أخرى. و هذا المنهج قادها إلى تبني تفسيرات و تأويلات لبعض الحقائق الدينية الغيبية، أثارت جدلا بين العلماء والمفكرين المسلمين.
يتحدث محمد عبده عن القرآن كما في  " الأعمال الكاملة " : و تآخي العقل والدين لأول مرة في كتاب مقدس على لسان نبي مرسل بتصريح لا يقبل التأويل ( 3/ 382).. أمّا الدعوة التي يحتج فيها الإسلام بخارق العادة، وما أدراك ما هو خارق العادة الذي يعتمد عليه الإسلام في دعوته إلى التصديق برسالة النبي (صلى الله عليه وسلم) هذا الخارق للعادة هو القرآن الذي تواتر خبره ولم ينقطع أثره. ويقول: أمّا معجزة موت حي بلا سبب معروف للموت أو حياة ميت أو إخراج شيطان من جسم أو شفاء علة من بدن فهي مما ينقع عنده العقل و يجمد لديه الفهم، وإنما يأتي بها الله على يدي رسله لإسكات أقوام غلبهم الوهم ولم يضيء عقولهم نور العلم. ( 3/ 301) وتحدث عن النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) فقال: نبي صدق الأنبياء ولكن لم يأت في الإقناع برسالته مما يلهي الأبصار أو يحير الحواس أو يدهش المشاعر.. واختص العقل بالخطاب وحاكم إليه الخطأ و الصواب ( 3/ 459)"
و نقل الدكتور عمارة عن الأستاذ محمد عبده: الإسلام لا يعتمد على شيء سوى الدليل العقلي والفكر الإنساني الذي يجري على نظامه الفطري، فلا يدهشك بخارق للعادة و لا يغشي بصرك بأطوال غير معتادة، ولا يخرس لسانك بقارعة سماوية ولا يقطع حركة فكرك بصيحة إلهية، والمرء لا يكون مؤمنًا إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به" ويعلق  عليه عمارة: هكذا انتقلت طبيعة المعجزة إلى " كيف جديد" بعد أن بلغت الإنسانية سن الرشد، فلم تعد" الخراف الضالة " فإنّ القرآن معجزة عقلية ناسبت ذلك الطور الجديد.. و فارقت الطابع المادي للمعجزات التي ناسبت تلك المرحلة (عمارة التقرير العلمي 125).
ويلخص سيد قطب صاحب الظلال منهج هذه المدرسة في تفسير سورة الفيل، بأنّها تميل إلى تضييق نطاق الخوارق والغيبيات وإلى رؤية السنن الكونية المألوفة تعمل عملها. وحسب نظرها إنّ تفسير هذه الحادثة بوقوع وباء الجدري والحصبة أقرب وأولى، وأنّ الطير قد تكون هي الذباب والبعوض الذي يحمل الميكروبات، فالطير هو كل ما يطير ( الظلال 8/667). و يقرر السيّد فضل الله صاحب من وحي القرآن منهج  المدرسة التوفيقية – حسب تعبيره – بأنّها في منهجها العقلي تعتمد على محاولة تفسير الظواهر القرآنية الغيبيّة ببعض الاكتشافات العلمية التي تجعل الآيات القرآنية الظاهرة تعبيرًا مجازيًا أو شبه مجازي ولكن بدون قرينة لفظية أو عقلية مما يمكن أن يعتمد عليه المتكلم ( وحي القرآن  24/488) ويتحدث الشيخ الخليلي صاحب جواهر التفسير عن اتجاه المدرسة الإصلاحية كما يطلق عليها، فيرى بأنّه نتج عنها محاولة تضييق نطاق الغيبيات في القرآن-  تلافيا لاتهام الإسلام بالتصادم مع العقل – كما نراه واضحًا في تفسير المنار حيث فسر آدم بالجنس البشري و الشجرة بالشر والملائكة بملكات الخير والشيطان بملكة الشر(الجواهر1/41).
هذه قراءات تكاد تتوافق على تحديد  بعض أبرز معالم منهج هذه المدرسة حيال الآيات الخارقة.
وهنا يلزم أن نوضح أنّ محمد عبده في تحليله العقلي العام للمعجزة يؤكد بأنّها تتفق مع العقل ولا تتناقض مع مبادئه. يذكر في الأعمال الكاملة " المعجزة ليست من نوع المستحيل عقلا، فإنّ مخالفة السير الطبيعي المعروف في الإيجاد مما لم يقم دليل على استحالته (3/426) ولكن الذي ألجأه إلى تلكم التأويلات هو التزامه بفكرة تولّي زمن الخوارق المادية وتحول العقل البشري إلى طور معرفي جديد مع الرسالة الإسلامية.
و لعلّ ما دفع هذه المدرسة إلى انتهاج  هذا المسلك في التفسير هو محاولتها تقديم حقائق الإسلام بطريقة واضحة مفهومة من قبل الناس بحيث تناسب مع عقلية هذا العصر الذي شاع فيه المنطق الوضعي والتفكير المادي. وتجدر الإشارة إلى أنّ منهج التأويل والتفسير الإشاري الرمزي ليس بجديد في تاريخ الفكر عند المسلمين، فقد سلكت بعض مدارس المسلمين،  مناهج التأويل وضمن ضوابط لغوية و عقلية و على تفاوت بينها في الضيق والاتساع. وربما كان منشأ الخلاف، كما ألمح إليه بعض المفسرين في قراءتهم الآنفة، هو طبيعة المنهج الذي اتبعه محمد عبده في التأويل الذي قد لا يتقيد أحيانًا بالمحددات اللغوية والعقلية في منهجه.
وكيف ما كان، فإن الاختلاف فيى بعض هذه المسائل التفصيلية ليس جديدًا، بل له جذور في تاريخ المسلمين الفكري. ومع تواصل البحث والاجتهاد فيها، يتجدد الاختلاف كما تقتضيه طبائع الأمور .

و اقتنع أو تأثر بهذا المنهج جمع من الباحثين والمفكرين، وانعكس ذلك على ما كتبوه في مجال السيرة النبوة الشريفة. فمثلا صرح الأستاذ محمد فريد وجدي في مقالاته عن السيرة المحمدية؛ قائلا: "وقد لاحظ قراؤنا إننا نحرص كل الحرص فيما نكتبه في هذه السيرة على ألا نسرف في كل ناحية إلى ناحية الإعجاز مادام يمكن تعليلها بالأسباب العادية حتى ولو بشيء من التكلف" ( فقه السيرة للبوطي: 27)؛ فهو يحاول الابتعاد ما وسعته المحاولة عن التفسير الخوارقي ولو باتباع أساليب متكلفة.
كما أن بعض كلمات الشيخ محمد الغزالي تكاد تتفق في مضامينها، مع اتجاه الأستاذ محمد عبده سالف الذكر.
ويقول الغزالي في "فقه السيرة"، وقد سرت في المسلمين لوثة شنعاء في نسبة الخوارق إلى الصالحين منهم.. ما كان محمد (ص) رجلَ خيالٍ يتيه في مذاهبه ثم يبني حياته ودعوته على الخرافة، بل كان رجل حقائق يبصر بعيدها كما يبصر قريبها.. إن النبوات بما قارنها من خوارق قد انتهت مع الماضي البعيد.. إن معجزة محمد بن عبد لله (ص) لم تكن على غرار من سبقها، بل كانت معجزة إنسانية عقلية دائمة. ( فقه السيرة 48- 52).
وحول بعض إرهاصات البعثة التي وقعت عند ولادة النبي (ص) حسب مؤرخي السيرة كسقوط شرفات من إيوان كسرى وخمود نار المجوس وانهدام الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت. يعلق عليها الغزالي وهذا الكلام تعبير غلط عن فكرة صحيحة، فإن ميلاد محمد كان حقا إيذانا بزوال الظلم واندثار عهده واندكاك معالمه (فقه السيرة: 61). وحول حادثتي شق صدر النبي (ص)، الأولى حينما كان طفلا عند حليمة السعدية، والأخرى عندما بلغ الخمسين من عمره الشريف، حسب مصادر الحديث والسيرة. ورغم ان الروايات من جهة السند صحيحة كما أبان الشيخ الألباني، ولكن الغزالي علق عليها :  لو كان الشر إفراز غدة في الجسم ينحسم بانحسامها، أو لو كان الخير مادة يزود بها القلب كما تزود الطائرة بالوقود فتستطيع السمو والتحليق، لقلنا إن ظواهر الآثار مقصودة. ولكن أمر الخير والشر أبعد من ذلك، بل البديهي أنه بالناحية الروحية في الإنسان ألصق. وأضاف: عندما ينتهي البحث إلى ضرورة استكشاف الوسائل التي يسير بها الروح هذا الغلاف المنسوج من اللحم والدم يصبح البحث لا جدوى منه لأنه فوق الطاقة. واستنتج من قصة شق الصدر أن بشرا ممتازا كمحمد لا تدعه العناية غرضا للوساوس الصغيرة التي تناوش غيره من سائر الناس. وذكر أن الخازن في تفسيره أورد واقعة شق الصدر الأولى عند تفسير قوله تعالى "ألم نشرح لك صدرك"، لكنه خالفه قائلا: وشرح الصدر الذي عنته الآيات ليس نتيجة جراحة يجريها ملك أو طبيب ويحسن أن تعرف شيئا من أساليب الحقيقة والمجاز التي تقع في السنة. ( فقه السيرة: 65-66)
ويتضح من النص السابق أنه لم يستطع هضم هذه الواقعة، ولكنه لم يصرح برفضها، ولم يحاول الغوص فيها أو التمحل والتكلف في تفسيرها.
بل ركز على ما تهدف إليه من مضمون عام، ملمحا إلى أنها قد تكون قصة مجازية رمزية ومؤكدا على أن النبي محمد (ص) بشر ممتاز يتمتع بعناية ربانية خاصة.
ويتفق السيد فضل الله مع هذا الاتجاه من جهة رفضه الاستغراق والاسترسال في تفسير كل مفاصل دعوات الأنبياء (ع) وليس فقط دعوة النبي محمد (ص) من خلال الآيات المعجزات. ويرى أن المعجزة ليست غاية الرسالات وليست أساسا في الدعوة بل هي مسألة استثنائية. يقول ضمن تفسير قوله تعالى "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي اليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر " (النحل: 43)، أما المعجزات التي تمثل الأعمال الخارقة للعادة، فقد كانت حالة طارئة استثنائية اقتضتها ظروف التحدي التي كانت تحاول إسقاط الرسالة أمام جماهير الناس البسطاء فيما كانت تمثله القوى المضادة من إمكانات" (من وحي القرآن: 13/283) ويقرر في تفسير آيات من سورة الإسراء والتي تتضمن طلب المعاندين من النبي (ص) إحداث بعض الخوارق: "وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا.. أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا.. أو ترقى إلى السماء ولن نؤمن لك حتى تخرج لنا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا" (الإسراء: 90-93)، قال: "لعل مشكلة الأنبياء في التصور المنحرف الذي يحمله الناس الذين كانوا يعيشون معهم عن فكرة النبوة والنبي، فقد كانوا يعتقدون بأن النبوة حالة غير عادية باعتبارها تفويضا إلهيا للنبي بأن يتحرك في الأرض.. إننا نعلم أن الله قد أرسل رسله من أجل أن يفتحوا عقول الناس وقلوبهم على الحق من موقع المنهج الفكري.. ولم تكن المعجزة أساسا في ذلك بل كانت ردا للتحدي الكبير الذي يحاول أن يسقط الدعوة أمام الناس كما في مسالة فرعون وموسى وأمثالها" (وحي القرآن: 14/249).
على أن فضل الله لم يتقبل تفسيرمحمد عبده لسورة الفيل. ومما لاحظه عليه أن بعض ما قاله عن احتمال أن تكون الحجارة من الطين المسموم الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل الطيور فيؤدي إلى تسمم الأجساد التي يدخل فيها، هو أيضا من الظواهر غير العادية لأن حمل الطيور لهذه الحجارة بهذه الطريقة أمر غير مألوف عادة فلا بد من تدخل الإرادة الإلهية الغيبية التي تخضع الأمور للسنن غير العادية. وانتهى إلى القول بأن الغيب جزء من النظام الفكري الديني فلا بد من تأكيده كمبدأ في مواجهة الفكر المادي باعتباره أصلا عقائديا في تفسيره للكثير من حقائق العقيدة.. مما لا يمنع عنه عقل ولا يثبت خلافه علم ولا ينافيه ظاهر لفظ. (من وحي القرآن: 24/489).
ويظهر أن بعض الأعلام والباحثين المشار إليهم أعلاه – كما توحي كلماتهم – لم يكونوا متأثرين بالاتجاه التوفيقي بقدر ما كان اهتمامهم منصبا على مواجهة ومعالجة ثقافة الاستغراق في تفسير حركة التاريخ ودعوات الأنبياء ورسالاتهم عبر الخوارق والمعجزات والآيات وتهميش جهودهم الكبيرة التي بذلوها لتحريك عقول أممهم وأقوامهم. فلقد هيمنت القراءة الخوارقية لحركة الرسالة والدعوة على فئة من الوعاظ والخطباء والكتاب وبعض الشرائح من الجماهير المسلمة، إلى درجة جعلتهم يرجعون جل دعوات الأنبياء وتفاصيلها ونجاحاتها وانتصاراتها إلى الخوارق والمعجزات بشكل يوحي وكأنه لم يكن ثمة دور للإنسان بما هو إنسان في حركة الدعوة، في التخطيط والتدبير واتخاذ الوسائل واتباع الأسباب ومعرفة السنن الكونية والاستجابة لمقتضياتها. وهذا النهج قادهم إلى التساهل في قبول كل الحكايات والأخبار والقصص وتبجيل المصادر التي تزخر بالخوراق والمعجزات والكرامات، دون تمييز بين غثها وسمينها وصحيحها وسقيمها ودون تدقيق في أصلها ومصدرها أو تحليل لمضامينها. وجل ما يتشبث به بعضهم لتمريرها على الناس بأنها ممكنة الوقوع بإذنه تعالى. غير أن هذا لا يثبت وقوعها التاريخي وهو ما يتطلب إثباته، سواء عبر النصوص الدينية أو البحث التاريخي. إذ إن بين مجرد الإمكان والوقوع مسافة لابد من اجتيازها للوصول إلى النتيجة، إثباتا أو نفيا. وهذا النهج المتساهل أدى إلى انتشار كثير من الإسرائيليات في مجتمعات المسلمين، بحيث تسللت إلى وعي الجماهير المسلمة وأسهمت في تشكيل كثير من مفاهيمها ونظراتها تجاه الدين ورموزه وحقائقه. وصار الناس يتهيبون من نقد هذه الحالة أو توجيه بعض التساؤلات والمناقشات حول بعض ما يطرحه هؤلاء من قصص وحكايات، خوفا من أن يوصفوا ببعض الأوصاف الجاهزة المعروفة، من قبيل رميهم بالتشكيك في قدرة الله تعالى أو التنقيص من منازل الأنبياء أو إنكار المعجزات والحقائق الغيبية أو التأثر بالشرق والغرب وما إلى ذلك.
إن إجراء البحث التحليلي النقدي للأخبار والحكايات والقصص التي تزخر بها بعض مصادر التراث، ضرورة ملحة لسلامة منهج البحث وصدقية النتائج التي ينتهي إليها.

                   

 

يلاحظ على بعض آراء و كلمات الباحثين و المفكرين السالفة الذكر  ،  أنّها تستبطن مفارقات تستحق التوقف عندها. فأثناء المقارنة بين القرآن الكريم والكتب السماوية الأخرى، وصفت الكتب السماوية ضمنا بمفارقة العقل، وأشير إلى الآيات المعجزة وكأنّها مصادمة للعقل وصنفت الأمم السابقة بأنّها لم تبلغ مستوى الرشد والفهم ولهذا كانت الآيات التي أجريت على أيدي أنبيائها مادية غير عقلية أو فكرية. والسؤال الذي يطرح هنا:   هل حقًا إنّ الكتب السماوية المقدسة الحقيقية كانت غير متآخية مع العقل؟ وكيف يمكن ذلك مع أنّها كتب منزلة من الله تعالى؟ والقرآن ينعتها بالهدى والنور" إنّا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور" ( المائدة /44) ويقول" وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور" ( المائدة 46) من هنا لا أستبعد أن يكون قصد الأستاذ محمد عبده منها الكتب الدينية المتداولة.
وإذا لم يخاطب الله تعالى ورسله الكرام الأمم السالفة ، استنادًا إلى العقل والفطرة فبماذا  خاطبوها إذاً؟ وهب أنّ تلك الكتب السماوية اشتملت على الخوارق المادية التي جاء بها الأنبياء السابقون عليهم السلام، فهل الخوارق تتناقض مع مبادئ العقل؟ وهل كل ما لا يقدر العقل البشري فهم أسراره وإدراك قوانينه يعتبر مضادًا له؟
إنّ كثيرًا من الآيات القرآنية تفيد خلاف ذلك. وتؤكد أن الأنبياء (عليهم السلام) كانوا يحاورون أقوامهم ويجادلونهم بأساليب منطقية ليحركوا عقولهم ويوقظوا تفكيرهم و يحرروهم من الخرافات والأوهام وعبادة  الأوثان والكواكب ويخلّصوهم من تأثيرات الآباء والعقائد الموروثة الباطلة و ما شابه.  يقول سبحانه" قالت لهم رسلهم أفي الله شك فاطر السموات الأرض" (إبراهيم/ 10) و    نقرأ عن أساليب الدعوة التي اتبعها النبي نوح " ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا* ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا* فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا* مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا" ( نوح/8-17) و نقرأ عن دعوة النبي إبراهيم (ع) " وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله و اتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا، ان الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا… " ( العنكبوت/16-17) و لنقرأ حوراه مع أبيه " إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا، " (مريم/ 42-43)  و لنقرأ عن حوار النبي موسى مع فرعون " قال فمن ربكما يا موسى، قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثمّ هدى، قال فما بال القرو ن الأولى، قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي و لا ينسى " (طه /49-50) ثمّ حدّثهم بنعم الله ومظاهر خلقه فقال:" الذي جعل لكم الأرض مهدًا وسلك فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى، كلوا وارعوا أنعامكم إنّ في ذلك لآيات لأولي النهى"  طه /53- 54) ويقص الله تعالى عن أساليب الحوار و النقاش المنطقي التي اتبعها الأنبياء (عليهم السلام) مع المترفين عبر التاريخ، يقول تعالى" وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم مقتدون، قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم، قالوا إنّا بما أرسلتم به كافرون " ( الزخرف/23-24)
 وهكذا نجد أن القرآن حافل بآيات كثيرة تؤكد أنّ الأنبياء كانوا يستخدمون مختلف أساليب الحوار الإقناعي والجدال الفكري مع أقوامهم وأممهم. وكانوا يدعون أقوامهم إلى النظر  في آيات الله تعالى والتدبر في مظاهر خلقه، ويخاطبون عقولهم  ويذكّرونهم بنعمه عليهم، إلى جانب الترغيب والترهيب. ولم تقتصر دعواتهم على إظهار الخوارق والآيات المعجزة فقط . و لهذا يقول تعالى " لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى…." (يوسف/111)
صحيح أنّ البشرية تسير في مدارج الإرتقاء والتكامل بفعل التراكم المعرفي والحضاري، و  تحرز مزيدا من التقدم العلمي و المدني كلما تقدمت حركة التاريخ. ولكن هذا لا يعني أن البشرية في سالف الأزمنة لم تكن تعي الحقائق الفطرية والبديهيات العقلية. وتاريخ الحضارات والمدنيات ومسيرة العمران البشري تشهد بخلاف  ذلك. والقرآن الكريم تحدث مبكرا عن تكريم الله تعالى للإنسان بالعلم " وعلم آدم الأسماء كلها…." ( البقرة /31)  نعم ورد في بعض الروايات عن النبي (صلى الله عليه وسلم)  نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم. و هذا مضمون تربوي ومنطقي وعقلائي اتّبعه جميع الأنبياء (عليهم السلام) بمن فيهم خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وسلم). فقد كانوا يخاطبون النّاس على قدر عقولهم، فيبسطون لهم المفاهيم ويقرّبونها إلى أفهامهم وعقولهم. لأنهم جمدوا عقولهم  وعطلوا تفكيرهم وجعلوهم في سبات عميق بما قدموه من الآيات المعجزة  أو تحدثوا  معهم بحديث الخرافة و الخيال  و اللامعقول .
إنّ الدارس المتتبع للقرآن الكريم يجد أن الأنبياء (عليهم السلام)  بشكل عام اعتمدوا في دعوتهم في الأعم الأغلب على الحوار و الجدال ومحاولة الإقناع الفكري  في مجال معارف الدين و حقائقه ولم يعتمدوا فيها على الآيات المعجزة.
إنّ دور الآيات المعجزة اقتصر على تأكيد صدقية الرسل في دعواهم كونهم رسل الله إلى أقوامهم، و لهذا احتاجوا إلى تقديم دلائل وآيات خارقة للعادة لا تغلب من قبل البشر بأي حال من الأحوال. فالأنبياء لم يأتوا بالآيات المعجزات لإثبات شيء من معارف المبدأ والمعاد مما يناله العقل كالتوحيد والبعث و أمثالهما وإنّما اكتفوا في ذلك بحجة العقل والمخاطبة عن طريق النظر كقوله تعالى " قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السمات و الأرض…. (إبراهيم /10) وإنّما سئل الرسل المعجزة لإثبات رسالتهم وتحقيق دعواها  (الميزان 1/84). أي أنّ وظيفة الآيات المعجزة التي زوّد بها الأنبياء عليهم السلام، هي في المقام الأول لإثبات صدق دعواهم بأنّهم مبعوثون من قبل الله تعالى.
ثم إنّ اعتبار الآيات المعجزة على أنّها وسائل تشل العقل و تجمد التفكير، وتشبيهها بالخيال ووصفها باللامعقول كما في بعض الكتابات، يرجع في النتيجة إلى الله سبحانه وتعالى.   بالتالي أنّ ذلك يعني أنّ الله تعالى تعامل مع البشر من أمم الأنبياء بهذه الطرق اللامعقولة حتى يضطرهم إلى الإيمان من غير اقتناع منهم!! أو أنّه سبحانه وتعالى جارى الثقافة الخيالية و الأسطورية والخرافية التي سادت في مجتمعاتهم، فعمّقها فيهم وأسبغ عليها الشرعية و المشروعية الدينية! ومما لا شك فيه أنّ ساحة الحكيم المطلق والغني الحميد تتنزه عن مثل ذلك. و من حق المرء أن يبدي استغرابه من بعض الكلمات التي شبهت الآيات الخارقة بالخيال وقرنتها بالسبات، في الوقت الذي نجد القرآن الكريم يعبر عنها بالآيات والبينات والبراهين. يقول تعالى لنبيه موسى (عليه السلام) "… فذانك برهانان من ربك… " ( القصص /32) و يقول " فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى…" ( القصص/36) و في المقابل يعتبر القرآن أعمال السحرة أقرب إلى الخيال، فيقول عنها "… فإذا حبالهم وعصيّهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى…  " ( طه66 ) ويصف تأثيرها السحري الظاهري في آية أخرى   بقوله "… سحروا أعين الناس  واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم"  (الأعراف 116) 
 كما أنّ القرآن بنفسه حافل بقصص الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، و ما أجراه الله تعالى من آيات خارقة على أيديهم، وهي بمجموعها تعتبر جزءا صميمًا من القرآن الكريم .  بل إنّ الاعتقاد بها هو جزء من عقيدة المسلم، فليس بوسع مسلم أن ينكرها أو يكذبها لأنّه بذلك يعد مكذبا للقرآن الكريم. فهل يعني ذلك بأنّ الكتاب السماوي للمسلمين يتضمن أمورًا خرافية   أو أنه زاخر بقصص الخيال و اللامعقول؟ وهل يعني ذلك أنّ جزءا مهمًا من عقيدة المسلم لا يعدو أن يكون حكايات خيالية تصنف ضمن خانة اللامعقول؟ من ناحية أخرى، إنّ القرآن هو أيضًا آية خارقة للمألوف و للنواميس الطبيعية، وإن كان إعجازه متميزا ومختلفا عن غيره، ولكنه في النتيجة خارق للعادة وللمألوف من السنن. مضافا إلى أنّ القرآن أشار إلى وقوع بعض الآيات الخارقة المحسوسة زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) من قبيل شق القمر والإسراء والمعراج والإمداد الملائكي في واقعة بدر. ولئن اختلف في تفسير بعضها، فهل يختلف في  الإعجاز الخبري بالمغيبات التي تضمّنها القرآن الكريم عن الماضي والحاضر للنص و المستقبل؟ ( الجواهر 1/118 ) تجدر الإشارة إلى أن الأستاذ عبده كما في الأعمال الكاملة  أكد الإخبارات الغيبية في القرآن. وهنا نتساءل كيف يقرأ  الحداثيون، خطاب الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) يخبره فيه باستماع نفر من الجن إليه وإيمانهم به بقوله " قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنّا سمعنا قرآنا عجبًا، يهدي إلى الرشد فآمنا به " ( الجن /1)  فهل يدرج كل ذلك ضمن مساحة الخيال أو الأسطورة أو اللامعقول في كتاب الله تعالى حتى لو كانت قليلة؟ 
 إنّ الآيات المعجزة التي أتى بها الأنبياء (عليهم السلام) لا يرفضها العقل، لأنّها ليست مستحيلة من الناحية العقلية ولا ممتنعة التحقق بالذات بحيث يبطلها العقل أو ينفيها أو لا يؤمن بها. وهي لا تتعارض مع  مبادئ العقل الضرورية ولا تنتهي إلى ما يضادها، حتى يرفضها العقل القطعي كما يرفض بعض المقولات من قبيل: أنّ الواحد ليس نصف الإثنين أو أن الجزء ليس أصغر من الكل،و لا تقرر إمكانية اجتماع النقيضين وارتفاعهما  معًا من كل جهة وما شابه من الأمور الممتنعة عقلا ( الميزان للطباطبائي 1/75).
كما أنّ الآيات المعجزة لا تتعارض مع قاعدة العلية وقانون  السببية الذي يقرره العقل. بل غاية ما في الأمر أنّها تخالف ما اعتاده البشر بحسب القوانين و السنن الطبيعية. فهي تخرق ما اعتاده الناس و ما ألفه الناس ولا تخرق واضحات العقل ومبادئه البديهية. نعم إنّها لا تخضع للحواس ولا للأنظمة التجريبية المادية ومن ثمّ فهي خارجة عن اختصاص علوم الطبيعة بفروعها المختلفة، فليس من اختصاصها إثباتها أو نفيها.
إنّ الآيات المعجزة تعبّر عن شكل من أشكال التصرّف الإلهي في السنن والقوانين الكونية، وهي – الآيات الخارقة -  تخضع لقوانين وسنن أخرى غير مادية لم يطلع عليها البشر العاديون. وهو أمر ليس بعسير على الله تعالى الذي خلق الطبيعة ووضع قوانينها و نواميسها و معادلاتها، فهو  القادر على  كل ممكن وعلى كل مقدور، فهو على كل شيء قدير. يقول تعالى "… وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون" (المؤمن 78) فالآيات الخارقة هي أمر من أمر الله تعالى الذي قال عنه عز وجل في سياق حديثه عن الروح " … قل الروح من أمر ربّي، و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا" (الإسراء /85) .
 

 

حكم الاغتيال في الفقه الإسلامي دراسة في حديث «الإيمان قيد الفتك»

14 مايو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

من النبويات المشهورة والمدوّنة في المجامع الروائية قوله: «الإيمان قيد الفتك» وهذه دراسة متواضعة قد تستوفي جوانب الحديث المختلفة.

أولاً: ألفاظ الحديث وأسانيده

ورد الحديث بألفاظ عدّة وأسانيد مختلفة عن طرق الفريقين، وضمن مناسبات تاريخية أحياناً ومجرّدة عنها أُخرى، والذي ظفرنا به هو ما يلي:

أ) ما ورد عن طرق أهل السنّة:

1 ـ حدثنا عبدالله، حدثني أبي، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن الحسن، قال رجل للزبير: ألا أقتل لك علياً؟ قال: كيف تقتله؟ قال: أفتك به، قال: لا، قال رسول الله’ : >الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن<([1]).

وذكر ابن عساكر هذا الحديث عن ابن العوام كما يلي:  >إنّ الإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن أخاه<([2])، ولا توجد كلمة «أخاه» في غير هذا المصدر.

والحديث مرسل، لكنه مقبول بناءً على نقل المتقي عن السيوطي في جمع الجوامع من أنّ كل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول، فإنّ الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن([3]).

2 ـ حدثنا محمد بن حزابة، حدثنا إسحاق (يعني ابن منصور) حدّثنا أسباط الهمداني عن السدي عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيقال: «الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن» ([4]).

قال الحاكم النيسابوري عن الحديث: الحديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه([5]).

وقال محقّق كتاب (سير أعلام النبلاء) عن سند الحديث: أسباط كثير الخطأ ووالد السدي ـ واسمه عبدالرحمن بن أبي كريمة ـ مجهول الحال وباقي رجاله ثقات، وله شاهد من حديث الزبير بن العوام عنه أحمد ورجاله ثقات إلاّ أنّ فيه عنعنة الحسن، و [شاهد] آخر من حديث معاوية عند أحمد أيضاً، وفي سنده [حديث معاوية] علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، وباقي رجاله ثقات، فالحديث قويّ بشاهديه([6]).

3 ـ حدثنا موسى بن عيسى بن المنذر المحمصي، حدثنا يزيد بن قيس، حدثنا محمد بن شعيب عن عطاء بن مسلم، عن السدي، عن عاصم بن رفاعة، عن عمرو بن الحمق، قال: «الإيمان قيد الفتك، من أمّن رجلاً على دمه فقتله فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتول كافراً».

قال الطبراني: هكذا قال في الإسناد: عطاء بن مسلم، والصواب: عطاء بن أبي سلم وقال: عاصم بن رفاعة، والصواب: رفاعة بن عاصم([7]).

وروي الحديث بالإسناد الآتي أيضاً: أخبرنا أبو محمد عبدالرحمن بن عمر، حدثنا أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي، قال: حدثنا أبو خراسان هو محمد بن أحمد بن السكن، حدثنا محمد بن بكير الحضرمي عن عاصم بن رفاعة العجلي، عن عمرو بن الحمق … ([8]).

كما وروي الحديث عن عمرو بن الحمق من دون ذكر لجملة: «الإيمان قيد الفتك» في مصادر روائية أُخرى([9])

4 ـ عن معان بن رفاعة السلامي عن أبي خلف الأعمى، وكان نظر الحسن بن أبي الحسن عن عثمان بن عفان أنه أتى النبي يوم فتح مكّة آخذاً بيد ابن أبي سرح، وقال رسول الله: «من وجد ابن أبي سرح فليضرب عنقه وإن وجده متعلقاً بأستار الكعبة» فقال: يا رسول الله فيسع ابن أبي سرح ما وسع الناس؟ ومدّ إليه يده فصرف عنقه ووجهه ثم مدّ إليه يده أيضاً عن بُعد وأمّنه، فلما انطلق قال رسول الله: «أما رأيتموني في ما صنعت؟» قالوا: أفما أومأت إلينا يا رسول الله؟ قال رسول الله: «ليس في الإسلام إيماءٌ ولا فتك، إنّ الإيمان قيد الفتك، والنبي لا يومئ». يعني بالفتك الخيانة.

قال الهندي: ومعان بن رفاعة ضعيف([10]).

5 ـ حدثنا العباس بن الفضل الأسباطي، حدثنا سعيد بن سليمان النشيطي قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن مروان بن الحكم قال: دخلت مع معاوية على عائشة أم المؤمنين فقالت: يا معاوية قتلتَ حجراً وأصحابه وفعلت الذي فعلت، أما خشيت أن أخبّئ لك رجلاً فيقتلك بمحمد بن أبي بكر؟ قال: لا، إني في بيت آمن، سمعت رسول اللهيقول: «الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن يا أم المؤمنين»([11]).

وعلي بن زيد ضعيف([12])، ولكن قال الذهبي عن الحديث: وللمرفوع منه شاهدان حديث الزبير عند أحمد وعبدالرزاق، وآخر عن حديث أبي هريرة عند أبي داود، فالحديث صحيح([13]).

ب) ما ورد عن طرق أهل البيت:

محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن رجل من أصحابنا، عن أبي الصباح الكناني قال: قلت لأبي عبدالله×: إنّ لنا جاراً من همدان يقال له الجعد بن عبدالله، وهو يجلس إلينا فنذكر علياً أمير المؤمنين× وفضله فيقع فيه، أفتأذن لي فيه؟ فقال لي: يا أبا الصباح أفكنت فاعلاً؟ فقلت: أي والله لئن أذنت لي فيه لأرصدنّه، وإذا صار فيها اقتحمت عليه بسيفي فخبطته حتى أقتله، فقال: يا أبا الصباح هذا الفتك، وقد نهى رسول الله عن الفتك، يا أبا الصباح إنّ الإسلام قيد الفتك، ولكن دعه فستُكفى بغيرك. قال أبو الصباح: فلما رجعت من المدينة إلى الكوفة لم ألبث بها إلاّ ثمانية عشر يوماً، فخرجت إلى المسجد فصلّيت الفجر ثم عقبت، فإذا رجلٌ يحرّكني برجله فقال: يا أبا الصباح البشرى، فقلت: بشّرك الله بخير فما ذاك؟ فقال: إنّ الجعد بن عبدالله بات البارحة في داره التي في الجبانة، فأيقظوه للصلاة فإذا هو مثل الزقّ المنفوخ ميتاً، فذهبوا يحملونه، فإذا لحمه يسقط عن عظمه فجمعوه في نطع فإذا تحته أسود فدفنوه.

ورواه محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن ابن محبوب مثله([14]).

ورواه الشيخ في التهذيب بإسناد ه عن الحسن بن محبوب مثله([15]).

والحديث مرسلٌ بجميع أسناده.

2 ـ روى أبو عمرو الكشي: حدثني محمد بن قولويه والحسين بن الحسن بن البندار القمي قالا: حدثنا سعد بن عبدالله، قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد، قال: حدثني إسحاق الأنباري قال لي أبو جعفر الثاني×: ما فعل أبو السمهري لعنه الله؟ يكذب علينا ويزعم أنه وابن أبي الزرقاء دعاة إلينا أشهدكم أنّي أتبرأ إلى الله عزّ وجلّ منهما، إنّهما فتانان ملعونان، يا إسحاق، أرحني منهما يُرحك الله عزّ وجلّ بعيش في الجنة: فقلت له: جعلت فداك يحلّ لي قتلهما؟ إنّهما فتانان يفتنان الناس ويعملان في خيط رقبتي ورقبة مواليّ، فدماؤهما هدر للمسلمين، وإياك والفتك، فإنّ الإسلام قيد الفتك، وأشفق إن قتلته ظاهراً أن تسأل لِمَ قتلته؟ ولا تجد السبيل إلى تثبيت حجة ولا عليك أدلاء الحجة فتدفع ذلك عن نفسك، فيسفك دم مؤمن من أوليائنا بدم كافر، عليكم بالاغتيال([16]) . قال محمد بن عيسى: فما زال إسحاق يطلب ذلك أن يجد السبيل إلى أن يغتالهما بقتل، وكانا قد حذّراه لعنهما الله([17]).

والرواية ضعيفة لمجهولية إسحاق الأنباري([18]).

قال ابن شهرآشوب: لما دخل مسلم الكوفة سكن في دار سالم بن المسيب … فلما دخل ابن زياد انتقل من دار سالم إلى دار هانئ هذا مما يدلّ على قوة الحديث واشتهاره بين المسلمين. فمن ذلك ما ذكره عباس بن عبدالمطلب راداً على أبي سفيان عند بذله المساعدة عليه وعلى علي× والله لولا أن الإسلام قيد الفتك لتدكدكت جنادل صخر (كناية عن تضارب السيوف والرماح)([19]).

ولكن السياق يدلّ على أن الفتك هنا فُهم بمعنى ارتكاب غطائهم الأمور والجنايات وسيأتي الإشارة إلى ذلك.

ومن ذلك أيضاً ما رواه ابن سعد من أن إبراهيم بن ميمون الصائغ ومحمد بن ثابت العبدي كانا صديقين لأبي مسلم الداعية بخراسان يجلسان إليه ويسمعان كلامه، فلما أظهر الدعوة بخراسان وقام بهذا الأمر دسّ إليهما من سألهما عن نفسه وعن الفتك به، فقال محمد بن ثابت: لا أرى أن يفتك به؛ لأنّ الإيمان قيد الفتك، وقال إبراهيم الصائغ: أرى أن يفتك به ويقتل فولّى أبو مسلم محمد بن ثابت العبدي قضاء مرو، وبعث إلى إبراهيم الصائغ فقتل([20]).

وكان شريك بن الأعور الهمداني جاء من البصرة مع عبيد الله بن زياد، فمرض فنزل دار هانئ أياماً ثم قال لمسلم: إنّ عبيدالله يعودني وإني مطاوله الحديث فأخرج إليه بسيفك فاقتله وعلامتك أن أقول: اسقوني ماءً … فلما دخل عبيدالله على شريك وسأله عن وجعه … فلما خرج ابن زياد دخل مسلم والسيف في كفّه، قال له شريك: ما منعك من قتله؟ قال: خصلتان: أما أحدهما فكراهية هانئ أن يقتل في داره، وأمّا الأُخرى فحديث حدّثنيه الناس عن النبي: إنّ الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن([21]).

وحديث مسلم& عن النبي’ مُرسل.  

وقد يستنتج من خلال مراجعة المرويات التاريخية أنّ الحديث كان شائعاً ومعروفاً بين المسلمين غير منكَر، وكان البعض يستند إليه في تبرير سلوكه من دون أن يسنده إلى النبي’ وكان يرسله إرسال المسلّمات.

3 ـ قال الجوهري: الفاتك الجريء، والجمع الفتاك. والفتك أن يأتي الرجل صاحبه وهو غارّ غافل حتى يشدّ عليه فيقتله([22]).

ثانياً: مفهوم الفتك، والفرق بينه وبين الغيلة والغدر

1 ـ قال ابن الأثير: الفتك أن يأتي الرجل صاحبه وهو غارٌ غافل فيشدّ عليه. والغيلة أن يخدعه ثم يقتله في موضع خفي([23]).

وزاد في غريب الحديث ([24]) على كلام ابن الأثير في تفسير الفتك: وإن لم يكن أعطاه أماناً قبل ذلك، ولكن ينبغي له أن يُعلمه.

2 ـ قال أبو عبيد: قوله: غيلة: هو أن يغتال الإنسان فيخدع بالشيء، حتى يصير إلى موضع يستخفي له، فإذا صار إليه قتله. أما الفتك في القتل فأن يأتي الرجل الرجل وهو غارّ مطمئن لا يعلم بمكان الذي يريد قتله حتى يفتك به فيقتله، وكذلك لو كمن له في موضع ليلاً أو نهاراً، فإذا غرّه قتله فأما إذا أعطاه الأمان ثم قتله فذلك الغدر، وهو أشدّ هذه الوجوه كلها . وقال ابن عساكر في شرح الحديث: الفتك: الخيانة. وفي عون المعبود: الفتك هو القتل بعد الأمان غدراً([25]).

4 ـ وجاء في مختار الصحاح، في مادة (فتك): الفتك بفتح الفاء وضمها وكسرها هو قتل الإنسان اغتيالاً على غرّة.

5 ـ قال الزمخشري: الفصل بين الفتك والغيلة: الفتك هو أن تهتك غرّته، فتقتله جهاراً . والغيلة أن تكتمن في موضع فقتله خفية([26]).

6 ـ قال ابن عساكر: قال المعافا بن زكريا: الفتك بطش الإنسان بغيره على وجه المكر أو الغدر([27]).

7 ـ وفي أقرب الموارد في مادة (فتك): فتك الرجل فتكاً بطش به، وقيل: جرحه مجاهرة.

8 ـ قال الطريحي في مجمع البحرين في مادة (فتك): انتهز منه فرصة فقتله أو جرحه مجاهرة أو أعم، قاله في القاموس. وقال في مادة غول: الاغتيال وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع فإذا صار إليه قتله. والأصل في الاغتيال أن يؤتى المرء من حيث لا يشعر، وأن يُدهى بمكروه ولم يرتقبه. والغيلة: الأخذ على غرّة.

9 ـ الفتك أن تهمّ بالشيء فتركبه وإن كان قتلاً. قال:

                             وما الفتك إلا         أن تهمّ فتفعلا

والفاتك الذي يرتكب ما تدعوه إليه نفسه من الجنايات والجمع: الفتاك([28]).

10 ـ قال الفيروزآبادي: الفتك مثلته: ركوب ما همّ من الأمور ودعت إليه النفس، فهو فاتك: جريء شجاع. وفتك به: انتهز منه فرصة فقتله أو جرحه مجاهرة أو أعم([29]).

والملاحِظ في كلمات اللغويين وشرّاح الحديث يرى:

أـ أن هناك تفسيرين للفتك، فالبعض يفسّره بقتل الغير على غرّة وغفلة، كما في الصحاح ومختاره ونهاية ابن الأثير وغيرها.

والبعض الآخر يرى أنّ الفتك هو ارتكاب ما تدعو إليه النفس من الجنايات، كما في كلام الزمخشري والفيروآبادي وغيرهما، والذي يبدو أنّ المعنى الجوهري للكلمة هو ما ذكره الأخيران من الجرأة وارتكاب ما تهمّ به النفس، وبما أن أبرز مصاديق هذا المعنى هو القتل غدراً وغرّة فقد غلب استعماله في اللغة والحديث في ذلك. لا سيما إذا فسّر الفتك ـ كما سيأتي ـ بقتل الغير على غفلة مجاهرة، فالمجاهرة في القتل تناسب معنى الجرأة وعدم المبالاة.

ب ـ أنّ قيد الغفلة والجهل وكذا المكر هو الأساس في الفتك، فإذا كان القتل مع إعلام ومعرفة سابقة للمقتول لم يطلق عليه الفتك.

ج ـ أنّ المائز بين الفتك والغيلة هو أحد أمرين على سبيل منع الخلو:

الأول: أنّ الفتك هو قتل الغير على غرّة وغفلة مجاهرة، والغيلة هي قتله على غفلة خفية، كما جاء ذلك في كلام الزمخشري، وعلى هذا فهما أمران متباينان من حيث الجهر والخفاء.

الثاني: أنّ الفتك هو على غفلة مجاهرة أو خفية، وأما الاغتيال فلا يكون إلاّ خُفية . كما يبدو ذلك من قاموس الفيروزآبادي، فيصبح الفتك أعم مفهوماً من الاغتيال، وكل غيلة فهو من الفتك ولا عكس.

د) إنّ المائز بين الفتك والغيلة من جهة والغدر من جهة أُخرى هو أنّ الفتك والغيلة لا يشترط فيهما أن يكونا مسبوقين بأمان من القاتل بالنسبة إلى المقتول، وأما الغدر فهو قتل الغير مع إعطائه الأمان.

لكن نقل أبو عبيد عن كتاب عون المعبود أنّ: الفتك هو القتل بعد الأمان غدراً، ويتلاءم هذا مع ما نقله ابن عساكر في معنى الفتك بأنه الخيانة. كما ويؤيد هذا التفسير حديث عمرو بن الحمق عن النبي: الإيمان قيد الفتك، من أمّن رجلاً على دمه فقتله فأنا من القاتل بريء، «وإن كان المقتول كافراً» ([30]).

إلاّ أنّه قد يستخلص من كل ما ذكر في هذا المجال: أنّ الفتك قد يطلق أيضاً على القتل غدراً وبعد إعطاء الأمان، ولكن ليس ذلك على وجه الشمول، فهناك استخدام شائع لكلمة الفتك في اللغة والحديث في موارد من القتل لم يسبقها الأمان بمعنى الوثيقة والمعاهدة وإن سبقها الأمان بمعنى إحساس المقتول الأمن من القاتل.

ثالثاً: معنى الحديث

قال الشريف الرضي: الإيمان قيد الفتك، وهذه استعارة، والمراد بذلك أن الإنسان المؤمن يمتنع لأجل إيمانه أن يسفك الدم الحرام طاعة لأمر الحمية وركوباً لسنن الجاهلية، فكأنّ إيمانه قيّد فتكه فتماسكه وضبط تهالكه. ومثل ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لخوّات بن جبير الأنصاري وكان خليعاً([31]) قبل إسلامه: ما فعل شراد بعيري([32]) يا خوّات؟ فقال: قيّده الإسلام يا رسول الله. ألا ترى كيف شبّهه عليه الصلاة والسلام في ريعان خلاعته وعنفوان نزاقته بالبعير الشارد الذي قد فارق مراحه([33]) وكيف أجاب هذا الإنسان عن كلام النبي عليه الصلاة والسلام ـ لما جعله بمنزلة البعير الشارد ـ جعل هو ما ردّه عن ذلك الشراد وعكسه عن تلك الحال بمنزلة القيد والعقال، وهذا القول من النبي’ أيضاً داخل في المجاز([34]).

وقال ابن الأثير: قيّد الإيمان في الفتك، أي أنّ الإيمان يمنع عن الفتك، كما أنّ القيد يمنع عن التصرف، فكأنه جعل الفتك مقيداً([35]).

وقال ابن أبي جمهور الأحسائي في توضيح الحديث: أي الإيمان قيد للمؤمن عن الأفعال غير الملائمة للشريعة، ويدلّ بطريق العكس على أن من أفتك فهو غير مؤمن، ومن انتفى منه قيد الإيمان انتفى عنه الإيمان، فالفاتك غير مؤمن، والفتك كناية عن قتل العدوان([36]).

رابعاً: دلالة الحديث وحكم الفتك

عرفنا أن أسناد الحديث ـ بطريقيه ـ غير تامة غالباً إلا البعض منها على بعض الوجوه. فلنتحدث الآن عن دلالة الحديث فقهياً على فرض تمامية صدوره عن المعصوم× فنقول:

1 ـ يتضمن الحديث في مرويّاته المختلفة الفقرات الآتية التي يمكن استظهار حرمة الفتك من كلّ منها أو من مجموعها، وهي:

* «الإيمان ـ أو الإسلام ـ قيد الفتك» والمنساق من هذا التعبير أنّ الإيمان أو الإسلام لا يجتمع مع الفتك ويدلّ ـ كما قال الإحسائي ـ على أنّ من فتك فهو غير مقيد بالإيمان ومن انتفى عنه قيد الإيمان انتفى عنه الإيمان، فالفاتك غير مؤمن.

* «المؤمن لا يفتك» وهذه جملة خبرية تفيد الإنشاء والنهي، مثل قولنا: المؤمن لا يسرق أو لا يزني. بل إنّ دلالتها على النهي أبلغ من دلالة صيغة الإنشاء.

* «نهى رسول الله’ عن الفتك» ومادّة النهي كصيغته ظاهرة في الحرمة، كما حرّر ذلك في أصول الفقه.

هذا وقد صرّح الشيخ المفيد بمناسبة الحديث عن قتل الزبير في حرب الجمل ـ بحرمة الفتك والغيلة، وقال: قتل الغيلة يوجب النار، وإن كان المقتول في النار([37]).

2 ـ لا ارتياب في حرمة الفتك والاغتيال ـ حتى بالنسبة إلى مُهدَري الدم ـ فيما إذا تمثّل بالغدر والخيانة، فإن الغدر مرفوض عقلاً ومحرّم شرعاً. فقد روى علي بن إبراهيم عن أبيه عن علي بن أسباط عن محمد يعقوب بن سالم عن أبي الحسن العبدي عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين ذات يوم وهو يخطب على المنبر بالكوفة: «أيها الناس لولا كراهية الغدر لكنت من أهدى الناس، ألا لكل غدرة فجرة، ولكل فجرة كفرة، ألا وإنّ الغدر والفجور والخيانة في النار» ([38])

وروي عنه× أيضاً أنه قال: بشّر قاتل ابن صفية (الزبير) بالنار، وذلك لأن ابن جرموز غدر بالزبير وقتله بعد أن أعطاه الأمان، وكان قتله على وجه الغيلة والمكر([39]).

والغدر هو ترك الوفاء ونقض العهد([40])، والعهد المنقوض قد يكون عبارة عن الأمان المعطى للكافر المحارب من قِبَل الإمام أو أحد المسلمين، فيجب الوفاء به. بل حتى لو توهّم المحارب الأمان وجاء إلى المسلمين فليس لهم الاعتداء عليه([41])، وهذا ما يدلّ على حرمة الأمان وشدّة احترامه، وقد يكون العهد والأمان ناشئاً من قرارات حكومية تفيد الأمن والطمأنينة على حياة وحقوق المواطنين أو الوافدين إلى أراضي الدولة الإسلامية، كتأشيرة الدخول إلى أقاليم الدولة الإسلامية أو الإقامة فيها، فإنها توجب توفير الأمن لأصحابها، حتى ولو كانوا كفاراً غير ذميّين ما دام دخولهم أو إقامتهم في تلك الدولة مرخّصاً فيه بتصريح قانوني من الحكومة.

وقد يكون الأمان بسبب العهود والمواثيق الدولية المصدّقة من قبِل الدولة الإسلامية والتي تفيد الاحترام المتبادل والالتزام بعدم الإضرار بأمن المواطنين وسلامتهم، فلا يجوز الغدر بمواطني الدولة الكافرة وسلب أمنهم ما دامت الدولة الإسلامية ملتزمة بعهودها مع تلك الدولة، إلى غير ذلك من مصاديق العهود والأمان المستجدّة في كل زمان([42]).

ونستخلص الكلام ونقول: إنّ الغدر ليس له مفهوم شرعي محدّد، بل هو عبارة عن نقض الأمان، والأمان له المصاديق المنوّعة والمتجدّدة، فكلّ ما كان غدراً ونقضاً لأمان فهو محرّم شرعاً وعقلاً.

قال الطبري: وقد كان بعضهم يزعم أن أصحاب رسول الله’ كانوا استأذنوا رسول الله في قتل الكفار إذا آذوهم واشتدّوا عليهم بمكة قبل الهجرة وسرّاً، فأنزل الله في ذلك: {إنّ الله لا يحبّ كلّ خوّان كفور}([43]).

وللمحقق البحاثة السيد عبدالرزاق المقرّم& كلامٌ في توجيه امتناع مسلم من قتل ابن زياد في دار هاني من المفيد إيراده هنا، قال: إنّ الفتك مرغوب عنه عقلاً وشرعاً وسياسة دينية: أما العقل فهو يكره الغيلة ويبغض الخديعة، ولأن الاطمئنان بك ألزم أن تكون نفس المطمئن إليك وديعة، والواجب العقلي حفظ الوديعة. وأما الشرع فهذا الحديث متفق على روايته ولا يرتكب أهل البيت^ خطّة تثلم الشرف وتقدح في الدين. وأما السياسة الدينية فلو أن مسلماً أطاع المؤتمر وطبّق أعضائه بالفعل لتنفّرت الناس من أهل البيت^ وقالوا: هم أناس طلاّب ملل لا طلاّب إصلاح يتوصّلون إلى نجاح مقاصدهم بالمخادعة والاحتيال ومن أجلى مظاهر الاحتيال الفتك([44]) .

3 ـ لو افترضنا عدم تمامية دلالة الحديث على حرمة الفتك، وفرضنا أيضاً أنّ الفتك غير موجب لهتك الأمن ونقض العهد، فقد يقال بحرمة الفتك والاغتيال إذا انطبق عليه قانون تزاحم الأهم والمهم وبالبيان الآتي:

أـ قد توجب المبادرة إلى قتل المهدَرين ـ سواءً بطريق الفتك والغيلة أم بغيرهما ـ إلحاق الأذى والضرر الكبيرين على المقدم وغيره من المؤمنين الأبرياء، أو تسبّب نشوب حرب على الدولة الإسلامية، وفي مثل ذلك يقدّم وجوب الحفاظ على أرواح المسلمين وأمن الدولة الإسلامية على وجوب أو جواز قتل المهدور دمه، لأهميّة ذلك بالنسبة إلى إهلاك المُهدَر.

ويمكن أن يستأنس للحكم بحرمة الخيانة على طريقة الفتك والاغتيال برواية إسماعيل بن عبدالله القرشي قال: أتى إلى أبي عبدالله× رجل فقال له: يا بن رسول الله رأيت في منامي كأني خارج من مدينة الكوفة في موضع أعرفه، وكأنّ شبحاً من خشب أو رجلاًُ منحوتاً من خشب على فرس من خشب يلوح بسيفه وأنا أشاهده فزعاً مرعوباً، فقال له×: «أنت رجل تريد اغتيال رجل في معيشته، فاتق الله الذي خلقك ثم يميتك» فقال الرجل: أشهد أنك قد أوتيت علماً واستنبطته من معدنه، أُخبرك يا بن رسول الله عمّا فسّرت لي: إن رجلاً من جيراني جاءني وعرض عليّ ضيعته، فهممت أن أملكها بركْس (نقص) كثير، لما عرفت أنه ليس لها طالب غيري، فقال أبو عبدالله×: «وصاحبك يتولاّنا ويتبرأ من عدوّنا» فقال: نعم يا بن رسول الله، رجل جيّد البصيرة مستحكم الدين، وأنا تائب إلى الله وإليك مما هممت به ونويت به، فأخبرني يا بن رسول الله لو كان ناصبياً أيحلّ اغتياله؟ فقال: «أدّ الأمانة إلى من أئتمنك وأراد منك النصيحة ولو إلى قاتل الحسين×»([45]).

فإنها وإن كانت بصدد النهي عن الخيانة المتمثلة في اغتيال الشخص في معيشته وقطع رزقه، لكن النهي ثابت بطريق أولى في اغتيال الشخص في قطع حياته، إذا كان ذلك يجسّد الغدر والخيانة.

وقد وردت الإشارة إلى هذه الأهمية في بعض الروايات:

ففي صحيحة داود بن فرقد قال: قلت لأبي عبدالله×: ما تقول في قتل الناصب؟ فقال: «حلال الدم، ولكنّي أتقي عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطاً أو تغرقه في ماء لكي لا يشهد به عليك فافعل» قلت: فما ترى في ماله؟ قال: «توّه([46]) ما قدرت عليه»([47]).

وفي رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر× … فقلت لأبي جعفر×: أرأيت لو أنّ رجلاً الآن سبّ النبي’ أيقتل؟ قال: «إن لم تخف على نفس فاقتله».([48]) وبمضمونهما روايات أخرى أيضاً.

كما أن صاحب الجواهر& احتمل المعنى نفسه في رواية أبي الصباح الكناني التي سبق ذكرها فقال: ولا ينافي ذلك [جواز قتل السابّ لأحد الأئمة أو الناصبين]، في خبر أبي الصباح الطويل، وحاصله أنه استأذنه في قتل جعد بن عبدالله لوقوعه في علي× فقال: «قد نهى رسول الله عن الفتك، يا أبا الصباح إنّ الإسلام قيد الفتك…» الذي لا جابر له (سنداً) الممكن حمله على أنه روى ذلك للخوف عليه أو غيره ممّن هو بريء، لأنه رأى شدة عزمه على القتل، كما يظهر من بعض ما في الخبر المزبور([49]).

وإنّ كان قد يرى وعلى هذا التوجيه أنّ عدم الترخيص في قتل السابّ والناصب خوفاً على المُقدم على القتل قد ورد في روايات أُخرى، وبتصريح من الإمام بذلك الشأن، فمن المستبعد أن توجد حاجة ـ في ردع الكناني عن قتل الناصبي ـ إلى أن يروي الإمام له نهي النبي عن الفتك خوفاً على حياته.

ب ـ إن تنفيذ حكم الإعدام على طريقة الفتك والاغتيال حتى بالنسبة إلى مهدور الدم في كثير من الأحيان، ولا سيّما في الظروف العصيبة والصعبة ممّا يشوّه سمعة الإسلام والمسلمين عند غير المسلمين، ويوجب تنفير الناس عن الدين، وواضح أن إجراء أيّ حكم شرعي في المجتمع لو كان يؤدّي إلى كسر شوكة الإسلام ووهن المسلمين لا يجوز أو لا يجب تنفيذه، نظراً إلى أن الحفاظ على قدسية الدين وهيبته أهم من تطبيق بعض الحدود والأحكام.

وقد أشار صاحب الجواهر& إلى هذا المعنى، حيث استند في حرمة الغدر بالكفار إلى أنّ ذلك مما يوجب تنفير الناس عن الإسلام([50]).

ويقوي الحكم في ما إذا كان هناك المتربصون بالإسلام والأعداء الحاقدون عليه ينتهزون الفرصة ويشنّون حرباً إعلامية واسعة على الإسلام تُفني الأخضر واليابس، وتلحق به نكسة يطول أمدها، فإن كان الحدّ لا يجري على المسلم إذا كان في أرض العدو خوفاً من أن تأخذه الحمية ويلتحق بالعدو ([51]) ويكون ذلك خسارة لمسلم واحد ينجرّ إلى العدو، فكيف إذا كان إجراء الحدّ مما يوجب وهن الدين وكسر شوكته تماماً.

وقد أفتى السيد الخوئي& بعدم جواز اغتيال الكافر الكتابي، حتى ولو لم يكن ذمياً حفظاً للعناوين الثانوية([52]).

ج ـ وقد يؤدّي إجراء حكم القتل على سبيل الفتك والغيلة من قِبل آحاد المسلمين إلى حدوث الفوضى والإخلال بالأمن الاجتماعي، ومعلوم أنّ حفظ النظام من أهم الواجبات الاجتماعية، ولا يجوز تعريضه إلى الزعزعة والخطر([53]).

خامساً: أحكام أُخرى للفتك والغيلة

تبنّى بعض المذاهب الفقهية ثبوت أحكام وضعية للفتك والغيلة، مضافاً إلى حرمتهما التكليفية، فقال المالكية: إنّ قتل الغيلة يوجب إجراء عقوبة الموت على القاتل، حتى وإن لم يكن المورد موضوعاً للقصاص، فقالوا: إذا قتل المسلم الذمّي غيلة، بأن خدعة حتى ذهب به إلى موضع فقتله يقتل به سياسة لا قصاصاً، أما إذا لم يقتله غيلة فعليه الدية فقط([54]).

وقد أخرج أبو داود في المراسيل من طريق ابن وهب عن عبدالله بن يعقوب، عن عبدالله بن عبدالعزيز بن صالح الحضرمي قال: قتل رسول الله يوم حنين مسلماً بكافر قتله غيلة، وقال: «أنا أولى وأحق من أوفى بذمته»([55]).

وقال الشافعي: أبلغنا أنّ عمر بن الخطاب أمر أنْ يقتل رجل من المسلمين بقتل رجل نصراني غيلة من أهل الحيرة فقتله به([56]).

وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح أنّ رجلاً من البنط عدا عليه رجل من أهل المدينة فقتله قتل غيلة، فأتي به أبان بن عثمان وهو إذ ذاك على المدينة، فأمر بالمسلم الذي قتل الذمي أنّ يقتل، وأبان معدود من فقهاء المدينة([57]).

وقال المالكية أيضاً: لا يقتل الحر بالعبد إلاّ إذا كان القتل غيلة، فيقتل حينئذ به، وإنّ القتل للفساد لا للقصاص ([58]).

وقالوا أيضاً: لا يقاد الأب بالابن إلاّ أنّ يضجع فيذبحه، فأمّا إذا حذفه بسيف أو عصا فقتله لم يقتل، وكذلك الجد مع حفيده([59]).

وقالوا ـ خلافاً لجمهور الفقهاء ـ: لو عفا وليّ المقتول غيلة عن القاتل فإن عفوه لا يسقط عقوبة القتل، لأنّ الحق ليس له، وإنما لله سبحانه وتعالى، كما أنّ صلح الولي مردود والحكم فيه للإمام ([60]).

وقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عكرمة بن محمد عن عثمان بن سليمان قال: سمعت عمر بن عبدالعزيز وهو خليفة يقول: شيئان ليس لأهلهما فيها جواز أمر ولا لوالٍ، وإنّما هما لله يقوم بهما الوالي: من قتل عدواناً وفساداً في الأرض، ومن قتل غيلة([61]).

وذهب فقهاء الإمامية إلى أنّ الاغتيال كغيره من أنواع القتل في جواز القصاص أو العفو، فإذا اختار الولي العفو فليس للسلطان معه اعتراض([62]).

سادساً: تحريم الاغتيال وإشكالية الاغتيالات النبوية

ربما يتخيل أنّ هذا الحديث ينافي ما نقل عن رسول الله’ الأمر بالفتك أو تقريره في قصة كعب بن الأشرف والعصماء بنت مروان (أم المنذر) وأبي رافع (سلام بن أبي الحقيقي).

فإن كعب بن الأشرف كان يحثّ المشركين على قتال النبي، وخرج إلى مكة وجعل ينشد الأشعار ويبكي للذين أصيبوا من قريش ببدر، ويحرّض على رسول الله، فلمّا رجع إلى المدينة قال رسول الله لأصحابه: من لي بابن الأشرف؟ فقال محمد بن مسلمة ـ وكان أخا ابن الأشرف من الرضاعة ـ : أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله، فاجتمع محمد ونفر من الأوس وجاء ابن الأشرف فقال أحدهم: كان قدوم هذا الرجل (النبي) من البلاء علينا، عادتنا به العرب وحاربتنا ورمتنا من قوس واحدة، فقال كعب: أما والله لقد كنت أخبرك أنّ الأمر سيصير إلى ما أقول، فطلبوا منه أنّ يبيع عليهم الطعام أو التمر ويرهنوه ما يكون فيه الثقة، فقبل برهن السلاح منهم وتواعدوا على ذلك وأتوه إلى حصنه فهتف به أحدهم فنزل في ملحفته وخرجوا يتماشون وكان كعب حديث عهد بعرس وكان جميلاً وتطيّب بالمسك والعنبر فأدخل أبو نائلة يده في مقدم رأسه ثم شمّ يده وقال: ما رأيت طيباً أعطر قط، ثم مشوا ثم عاد لمثلها وأمسك به وقال: اضربوا عدو الله فضربوه فاختلفت أسيافهم عليه فلم تغن شيئاً قال محمد بن مسلم: فحين رأيت أسيافنا لم تغن شيئاً، ذكرتُ مغولاً (السكين الصغير) في سيفي فأخرجته ووضعته قرب سرته ثم تحاملتُ عليه فوقع عدوّ الله، فجاؤوا إلى رسول الله آخر الليل وأخبروه بقتل عدو الله([63]).

وأما العصماء بنت مروان فكانت تقول شعراً تحرّض على النبي وتؤذيه وتعيب الإسلام، فبلغ قولها ذلك إلى عمير بن عدي الخطيمي ورسول الله يومئذ ببدر، فقال عمير: اللهم إنّ لك عليّ نذراً لئن رددتُ رسول الله إلى المدينة لأقتلنّها.

قال عمير: فلما رجع رسول الله من بدر جئتها في جوف الله حتى دخلت عليها فوجدت صبياً ترضعه فنحّيته عنها ثم وضعت سيفي في صدرها حتى أنفذته من ظهرها. ثم خرجت حتى صلّيت الصبح مع النبي بالمدينة، فلما انصرف النبي نظر إليّ فقال: أقتلت بنت مروان؟ قلت: نعم … يا رسول الله، فهل عليّ في ذلك شيء يا رسول الله؟ قال: لا، ثم التفت النبي إلى من حوله فقال: إذا أحببتم أنّ تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى عمير بن عدي([64]).

وأما أبو رافع سلام بن أبي الحقيقي فقد بعث رسول الله عبدالله بن عقيل ومعه نفر من الخزرج إلى خيبر ليغتال أبا رافع، فخرجوا حتى أتوا داره فجاءت امرأته فقالت: ما شأنك؟ فقال ابن عقيل: جئت أبا رافع مهدية، ففتحت له الباب فدخلوا عليه بأسيافهم وقتلوه في فراشه، فقدموا على النبي’ وهو على المنبر فلما رآهم قال: أفلحت الوجوه([65]).

وقد أُجيب عن هذه الشبهة بأن اليهود كانوا قد عاهدوا النبي أنّ لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه عدوه، وهؤلاءهم الذين آذوا النبي والمسلمين وحرّضوا المشركين عليهم، وأصبحوا من أظهر مصاديق المحاربين وناقضي العهود، ولا بأس بالاحتيال على المحارب فإن الحرب خدعة([66]) بل ويجوز الفتك بأهل الحرب([67]).



الهوامش

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) باحث في الفقه الإسلامي، ورئيس التحرير السابق لمجلة الفكر الإسلامي، من إيران.



([1]) مسند أحمد بن حنبل 1: 353، الحديث 1433، طـ: دار الفكر.

 
([2]) تاريخ دمشق 18: 406.
([3]) منتخب كنـز العمال بهامش مسند أحمد 1: 57.
([4]) سنن أبي داود 1: 631.
([5]) المستدرك 4: 392.
([6]) سير أعلام النبلاء 17: 28.
([7]) مسند الشاميّين 3: 350، وراجع غريب الحديث لابن سلام 3: 301.
([8]) مسند الشهاب 1: 130.

([9]) السنن الكبرى 9: 142؛ مجمع الزوائد 6: 258، مسند أبي داود الطيالسي: 181، صحيح ابن حبان 13: 320.

([10]) كنـز العمال: ح30160.

([11]) الطبراني، المعجم الكبير 19: 319، وراجع مسند أحمد 6: 13، ح16832، طـ: دار الفكر.

([12]) مجمع الزوائد 1: 96.
([13]) سير أعلام النبلاء 3: 147.
([14]) فروع الكافي 7: 375، ح16.
([15]) التهذيب 10: 214، ح845.

([16]) يبدو من الرواية أنّ الإمام× استعرض أشكالاً ثلاثة لقتل أبي السمهري


أحكام الردّة قراءة أصولية في فقه الإمام الخوئي

14 مايو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

مؤشرات عامة في سمات البحث العلمي عند الإمام الخوئي

ربما يحتاج البحث الأكاديمي حول مفكر أُصولي في موضوع ما، كتحديد القراءة الأُصولية، التعريف بسيرة وشخصية ذلك الفقيه، وحيث إنّ موضوعنا حول الإمام السيد أبي القاسم الخوئي، فلابد من تحليل المكونات العلمية لعقليته الفقهية، لكن لأننا نتحدث عنه في وسط عرف الإمام الراحل أكثر من معرفته البديهيات فصار نافلة بحثية، لكن يبقى كثير العارفين بتكونات الإمام الخوئي& يحتاجون لتحليل النص الفقهي الاستعانة بتكون الشخصية الفقهية للإمام(1) .

لذلك نجمل القول في ذلك: فقد برع الإمام : برع في علوم عديدة، فتدارسها وترك عليها أثراً بارزاً من الإبداع والتطوير، ومنها إعادة هيكلية (علم الرجال) بعد أن محّص أُصوله بلا زمن معين ولا مرحلة بعينها، ووصل بها إلى تأسيس المباني والقواعد الكبرى وعند ذلك رجحها بعد أن أثبت اعتبارها وأقام الحجة عليها، وبذلك أعاد لعلم الرجال (روحه العلمية) فازدهر هذا العلم من جديد، وسدّ فراغاً كان يتضاءل في مناهجه وحقوله، ومما لا شك فيه أنّ هذا العلم من مقومات الاجتهاد ومعداته الكبرى، لذلك ربطه الإمام الراحل بخط يتوازى مع الفقه والأُصول، وأزال القطيعة المعرفية بينهما، على أني أظن أنّ تلك القطيعة كانت بسبب صعوبة الإحاطة بعلم الرجال وعدم إخضاعه لمنطق وقواعد عقلية الاجتهاد، ولا يزال البعض يدرسونه دراسة مبنائية(2).

 ثم إنّ الإمام الراحل هذب إلى جانب ذلك، بتقريراته الرفيعة المستوى علم الأصول وعالج بقواعده التي هذبها مختلف الموضوعات الفقهية، ولاسيما المستحدثات الفقهية، فهو إذن مبدع مؤسس في المجالين على اختلافهما، ثم إنه وضع أُسساً منهجية نظرية لتفسير القرآن الكريم ـ في سفره النفيس (البيان)، وطبق ذلك على مواضيع عدة أبرزها موضوع النسخ في القرآن الكريم، فقد كان هذا موضوعاً قد كثر فيه السجال، وعلى منواله نسج تلاميذه وغيرهم ممن شع عليه علمه، مثل أُستاذنا الدكتور الزلمي الذي لم يختلف معه إلاّ في مسألة واحدة(3) هي آية النجوى.    

ومن أبرز مؤشرات بحث الإمام الراحل أنه ربط علم الرجال والسيرة الرجالية ربطاً علمياً لم يكن معروفاً من قبل، على أني أتمنى أن يواصل البحث في علم الرجال، بعد أن أزال الإمام الخوئي كل معوقات البحث فيه، ففتح سبله للباحثين من مراهقي الاجتهاد. ومما يؤسف له أنّ من مظاهر بحث حوزاتنا الموقرة أنها لا تواصل البحث تراكمياً، فقد وضع مثلاً الإمام محمد باقر الصدر أساسيات علم اقتصاد إسلامي، ومصرف إسلامي، وأعاد إلى طاولة البحث منهجية برهانية لدارسة التاريخ إلاّ أننا لم نواصل البحث في هذه المجالات، ومثل ذلك لم يواصل العلماء البحث في علم الرجال على منهج الإمام الخوئي& فيما بعد ـ على ما اطلعت عليه ـ مع قلة اطلاعي.

واعتقد أنّ كتابه «معجم رجال الحديث» يحتاج حالياً إلى فريق عمل من المؤرخين لإثراء هذا التأسيس المعرفي المبدع؛ لكي تثبّت فيه المعلومة التاريخية عن السيرة والحدث وعصر الراوي، لكي تتضح معالم التموضع في حيثيات التعديل أو التضعيف؛ لأنّ الكتاب اعتمد على الرافد الرجالي فقط، مما أفقده ما يكمّله من الرافد التاريخي، ويحتاج لإبراز المفاهيم والقواعد الجديدة في بحث الإمام الراحل التي سطّرها بتواضع العلماء في ثنايا المعجم، مستقلة عن الكتاب بما يحقق عندنا قواعد جديدة للدراية، ولاسيما أنه قد برهن على أنها مقاييس برهانية للتوثيق والتعديل، فما اكثر ما نسف مما عرف في هذا العلم لضعف حجته أو لوجود ما يخالفه، فالوكالة عن الإمام× عند السيد الخوئي لا توجب التوثيق، وتوثيقات المتأخرين لا قيمة لها إذا كان للقدماء رأي في الراوي، وما أكثر ما كشف من اتحدوا في الاسم والكنية مما أغفله باحثون كثيرون، وعلى تلك القواعد أبرز رأيه في عدم صحة العمل بالشهرة مطلقاً، واختار لابدية الإحالة على السند الممحص، وتقاطع تماماً ـ وهو هنا أكاديمي بارع ـ مع من يرى قطعية صدور الكتب الأربعة، الذي لا تزال قطعية الصحاح مشكلة فكرية ومنهجية كبرى لم يستطع أن يعالجها أهل الصحاح (ونشهد أنه قد كثر الخلاف بينهم).

لقد نقل الإمام الراحل القواعد البرهانية من علم الأُصول إلى علم الرجال، فلم  يساوِ بين موثق بدلالة المطابقة، وبين الموثق بدلالة الالتزام، أمّا في التضمن فقد وثق على أساسها أسناد كامل الزيارات الذي عرفت أنّ الإمام رجع عن رأيه في أواخر عمره الشريف، مما يؤكد علمية العقل الاجتهادي عنده، ولو يعرف الناس كم بني من فروع على توثيق أسناد كامل الزيارات لعرفوا الشجاعة العلمية للإمام& وتقواه مجتهداً أكبر حينما يتوصل إلى إعلان التنصل عن رأي منهجي له آثار كبيرة مثل كامل الزيارات(3). كان قد مضى على تبنيه له عشرات السنين ولم تخالجه أدنى درجة من الخوف، وهو يبطل رأي من يرى صحة روايات الكافي مطلقاً في وسط عصفت به «قيم التقليد» ولم يتناوله خوف في موضوع الشك في نسبة كتاب ابن الغضائري إليه، وما في هذا النفي من فوائد كبرى ومع ذلك ـ وفي المقابل ـ ولأجل ألاّ ينسد باب العلم ـ قال بحجية خبر الواحد وحجية الظواهر، مما يكشف لك ذلك التعادل والوسطية والتوازن المدهش في فكره العلمي، ولعل هذه إطلالة سريعة على مزايا العقل الاجتهادي لمرجع أتباع أهل البيت^ وأخيراً يقرر الباحث أنّ الإمام الخوئي الذي تميزت مرجعيته بكثرة من تتلمذ عليه حتى وزّع علمه في الآفاق، فمتى تجد عملاقاً في العلم فإنه يقول لك: إنه تتلمذ على يده&، ولقد كان بودي أن أدرس كيف عالج الإمام الراحل بحكمته العالية والمتعالية أحداث عصره، وكيف حافظ على أدنى وجود للشيعة في العراق عامة والنجف الأشرف خاصة في وجه الاكتساح الطائفي المتعصب المسند من قوى دولية بإمكانات مجتمع مغلوب، مثل المجتمع الشيعي في العراق بين 1970 ـ 1992 بحيث لم يفارق الحياة حتى قاد بعد أن اشتد العود وتصلب الموقف انتفاضة المجد في شعبان، لكني آثرت بحثاً فنياً، ولعل وقتاً آخر يتسع لمثل هذه الأمنية. بالتعاون مع الباحثين في مجال الحدث التاريخي والاستراتيجيات السياسية والمحللين السياسيين لأحداث انتفاضة آذار المجيدة 1991.

المبحث الأول : فقه الردة في تكملة منهاج الصالحين

لماذا فقه الردة؟

لابد من التقرير أولاً أنّ تكملة المنهاج نص فقهي غير استدلالي، أو يعسر على الباحث أن يحصل على نص استدلالي منه، فتوليت قاصداً رصد معاني الاستدلال على ضوء ما عرفته من منهج الإمام قبل الوقوف على مباني تكملة المنهاج، وحتى أقارب موضوعاً حساساً مثل فقه الردة لم يخضع لدراسة مشبعة أو لم يتم تناوله على أساس علمي أو ربّما درس دون نشر النتائج، فلابد أولاً من بيان أسباب الاختيار.

إنّ موضوع (الردة) وأحكام المرتد قد خامره «اضطراب النظرية والتطبيق» منذ العصر الأول لنشر الفقه الإسلامي، فلقد اتهم بالردة مؤمنون مخلصون، مثل مالك بن نويرة، واتهم بها مفكرون مجددون وقتلوا بهذا الاتهام واستخدمته السلطات المتعاقبة سيفاً لممارسة الاغتيال السياسي تحت عنوان الزندقة، وصار التمرد على السلطة، تمرداً على الشريعة (وارتداداً) عنها. لذلك صار من الضروري إعادة النظر برؤية نقدية للتراث في هذا المجال ، وهو اليوم أكثر حساسية لكثرة المجموعات التي تستخدم التكفير كوسيلة للإقصاء والتهميش، بل والتصفية العقائدية والسياسية، وكذلك فإنّ أزمات الساحة الدولية وما فيها من تيارات فكرية ومناهج مستحدثة وما فيها من قدر كبير من الإسقاط على العقل العربي بحيث سيشكل (عاملاً) أو (عواملَ) تفتح الباب أمام توهم حصول الارتداد. ومما يزيد في الموضوع خطورة أنّ الدعاية الغربية المنظمة بالتقنية العالية ربّما تستغل هذا الاضطراب في فقه الردة وقضاء المرتدين لأغراض إدامة الحرب المنظمة بين المسلمين سواء بتشجيع الاحتراب الداخلي أو بإسقاط القيادات المجددة، إسقاطاً معنوياً لأجل هذا كلّه نحاول استنطاق نص الإمام الراحل في «فقه التكملة» حول الردة أولاً ثم آلية الاستدلال الأصولي في «مباني التكملة». وقد اخترت مجموعة مفردات من فقه الردة أتناولها على التوالي:

تحديد المرتد

يقرر الإمام الراحل أنّ المرتد: هو من خرج من دين الإسلام،(4) ويفهم من الخروج: التنصل التام، ولفظ الدين يشتمل على عموم الموقف العقائدي والتشريعي والأخلاقي، وهذا لا ينطبق على من يرى أنّ المرتد هو من أنكر ضرورياً من ضروريات الدين ـ إلاّ على افتراض أنّ إنكار البعض إنكار للكل، وهذا الافتراض يحتاج إلى مقدمات إثباتية، فإذا كان الأمر كذلك فإنّ إنكار حكم شرعي فرعي قد ثبت بدليل ما لا يقوى أن يكون محلاً للحكم بالارتداد؛ لأنه في الأقل ليس خروجاً عن الدين إلاّ إذا قلنا إنّ الإنكار نفسه إنكاران: الإنكار الكلي، أو إنكار ضروري، أو إنكار حكم فرعي ثابت بدليل قاطع، وهذا بدوره ينقسم إلى ما كان مستنداً إلى دليل يتصوره (المنكر) أنه دليل علمي، وما كان مستنداً إلى شبهة معقولة، وما لم يكن مستنداً إلى دليل أو شبهة، والقسم الرابع ما حكم بردة المخالف للمشهور(5).

فلكل مستوى من مستويات الارتداد حكم إذا تقبلنا فكرة تجزيئية المفهوم أو تفكيكه على صعيد إطلاق الوصف، وحيثية الحكم، وطريقة تطبيق الجزاءات التي سترد في فقرة لاحقة، ولعل الإمام الراحل حينما اختار عبارة (الخروج عن الدين)، فإنّ هذا الخروج يلزم أن يتحقق بشكل كامل في مجال المصداق؛ لكي ينطبق المفهوم، وإلاّ فإنّ إطلاق وصف الردة وتطبيق الجزاءات بالاستناد إلى دمج المستويات أو ما يطلق عليه في الاصطلاح الحوزوي (عموم الأدلة) فإنّه من باب التمسك بالعام في مقام الشبهة المصداقية، ولأنّ الحكم لا يثبت موضوعه، إنما يطبق على موضوعه فإنّ أكثر الفقهاء والأصوليين لا يقبلون هذا النمط من التفكير الفقهي(6). وستجد ذلك جلياً في تأسيسات الأحكام عند الإمام الخوئي&.

ومن المهم أن نلفت النظر إلى أنّ فقه المذاهب لم يقسم المرتد قسمة ثنائية، كما هو الحال في فقه الإمامية، بل تعامل مع الظاهرة تعاملاً واحداً، بينما قسم الإمامية المرتد إلى قسمين بحسب دخوله أصلاً في الإسلام إلى مرتد فطري، وملّي، وقد فصّل الإمام ذلك تبعاً لتواتر التقليد الفقهي.

قال الإمام الراحل: الفطري: من ولد على الإسلام من أبوين مسلمين، أو أحدهما، ثم خرج من الدين، والملي: من أسلم عن كفر ثم ارتد ورجع إليه.

وقد ظهرت ثمرات التقسيم في إجراءات التقاضي وتطبيق العقوبة بشكل منظم، بينما اضطربت آراء فقهاء المذاهب في إجراءات التقاضي وتطبيق العقوبات على المرتد من أبوين مسلمين أو أحدهما، من المرتد إن كان قد أسلم هو عن كفر ثم رجع له،(7) وظهر ذلك في الاستتابة(8) ومصادرة أموال المرتد(9) وظروف الجريمة(10) بعامة، إلا أنّ في أروقة فكر مجتهدي الإمامية خلافاً بسيطاً في مصداق المرتد الفطري. فمنهم من يرى أنّه من انعقدت نطفته من أبوين مسلمين، بينما يذهب الإمام الراحل إلى أنه المولود لأبوين مسلمين، جاعلاً المدار على الولادة(11)؛ لصعوبة الإثبات القضائي في الرأي الأول، وقد كان الشيخ صاحب الجواهر من قبل يستغرب هذا المدار من الفقهاء الذين سبقوه مؤسساً استغرابه على أنّ المراد أصل الخلقة لا خصوص التولد(12).

ولعلك تسأل عن الثمرة من الرأيين فيقال: إنهما ـ الوالدين ـ لو (ارتدا) وهو جنين فإنهم يعاملونه على مدار انعقاد النطفة مرتداً فطرياً، وإذا كانت القاعدة أنّ الشك يفسر لمصلحة المدين (المتهم) أو أنّ الحدود تدرأ بالشبهات مقابل حق المجتمع في وقف ممارسة الإلحادية بعد الإسلام، فإنّ الضبط المصداقي في الحكم عند السيد أكثر أكاديمية. ولعل العبارة الأكثر رصانة ما وردت في كشف اللثام، حيث قال: >من لم يحكم بكفره قط لإسلام أبويه أو أحدهما حين ولد، ووصفه الإسلام حين بلغ، فلو بلغ كافراً لم يكن مرتداً عن فطرة< وقد علّق عليه صاحب الجواهر بأنه لا يخلو من قوة(13)، أمّا مستند السيد الخوئي فهو صحيحة الحسين بن سعيد(14)، ومرفوعة عثمان بن عيسى التي تنص على الولادة، ومع ذلك يستغرب صاحب الجواهر ممن يرى إن المدار على الولادة، ويعتذر لهم بأنّ منشأ الوهم النصوص المتقدمة، ثم يفسرها بأنّ المراد من الولادة، (أصل الخلقة لا خصوص التولد) للغلبة(15)، وهنا يظهر التفهم الاجتهادي للرواية ويبنى الحكم (الموقف) على أساس أحد وجوه الدلالة المستفادة من النص، لكن هذا فيما نتمنى أن لا يؤسس إقصائية الفهم الآخر، سواء في صياغة الخطاب الفقهي- او التعامل على أساس الموقف الفقهي. ولا أجد محاورات مهمة في المرتد الملّي عند الإمامية، وفيما يأتي جدول مقابلة بين المرتد الفطري والملي:

المرتد الفطري

المرتد الملي

1ـ يجب قتله بلا استتابة على (الأشهر).
يستتاب (مع اختلاف في مدة الاستتابة).
2ـ تبين منه زوجته وتعتد عدة الوفاة.
ينفسخ العقد مع زوجته وتعتد عدة المطلقة.
3ـ تقسم أمواله حال ردته لورثته.
خلاف في مآل أمواله في حالة قتله.

 

مقاصد النص الحديثي

حتى نتحرك خلف مقاصد النص الحديثي فإنّ «الحكم بقتل المرتد الفطري ـ بلا استتابة ـ على رأي فقهاء الإمامية، وبشرط الامتناع عن الاستتابة عند المرتد الملي، فإنّ التسويغ المتعقل هو أنّ النص على كون الردة عملاً جرمياً والقانون يجعل هذا الفعل من جنس العلاقة الدستورية بين المواطن والدولة؛ لأنّ الردة فعالية عقدية وسياسية تسبب أضراراً على الأمن العقائدي والثقافي للمجتمع، وفي التجريم إقرار على أنّ المجتمع في عرف الإسلام مجتمع عقائدي في الوقت الذي ينفتح في إعطاء حق المواطنة للمسلم وغير المسلم، ويضع لكل منهما حقوقه وواجباته ويقبل الله (تعالى) من المسلم على أساس أنّ إيمانه لم يأت إيماناً سطحياً تقليداً لأحد أو اتخاذاً سريعاً لقرار مهم، إنما يطالبه البارئ أن يكون إيمانه إيماناً عقلانياً برهانياً يعتمد على آليات فلسفية تأملية، فالفقهاء جميعاً يتسالمون على أنّ الإيمان بالأُصول لا يصح بغير امتلاك الأدلة اليقينية فلا تقليد في الأُصول، وما دام الأمر كذلك فالردة انتقال من المعقول إلى اللامعقول، ومن الرشد إلى الغيّ. وحيث لا أسبقيات فكرية لدى المرتد الفطري لتطابق عقيدة الإسلام مع مقتضيات الفطرة الإنسانية، فإنّ الإسلام تحقق عنده فطرياً، أي تحقق التطابق، ولذلك فالردة هنا مضادة مع الفطرة ومضادة مع العقل والمنطق، فضلاً عن أنّ نظام الدولة في مجتمع إسلامي يقوم على تنميط الوعي العقائدي واستناد التشريعات العملية على الإيمان من مستوى (أحكام الفرد إلى أحكام القانون الدولي للكيان السياسي الإسلامي)، فمقتضى الردة «عدم التزام المرتد بكل هذه» وبذلك يشكل ظاهرة خطيرة على أمن المجتمع وانضباطه بقوانين الدولة، ويشكل أيضاً خروجاً عن أهداف الأُمة ومسارها الحضاري، لذلك كله جاء هذا الحد (العقوبة) بهذه الصرامة، في حين أنّ المرتد الملي، قد روعيت فيه الأسبقيات الفكرية التي كانت جاثمة في عقله ووجدانه، وإنها ربما تعود إليه بسبب تشكيلها في عقله المعرفي، ولا أفهم الاستتابة هنا إلاّ أنها فرصته لمراجعة عقلية ومناظرة برهانية بين ما يتصور ظهوره من مضادات بين الحقائق الإسلامية والشبهات التي يُعدّ تاريخه الثقافي مصدراً لها.

ومثل ذلك ما نلاحظه في علاقته الزوجية بين البينونة الكبرى وانفساخ العقد بالنسبة للملي، لقاعدة عدم صحة زواج المسلمة بغير المسلم، وهي من القواعد المتفق عليها بلا خلاف مطلقاً؛ لأنّ البينونة الكبرى ليس وراءها رجعة، بينما الانفساخ يمكن أن ينعقد صحيحاً مرة أخرى طالماً أُعطي الآخر حق الرجوع إلى الانعقاد الصحيح بالاستتابة، ولأنّ القانون يحكم بموته سواء نفذ الحكم أو لم ينفذ على الفطري، لذا قضي بان تقسم أمواله بين ورثته المسلمين استصحاباً (لوضعه الأول: الإسلام)، لاعتبار انطباق قواعد الإرث على المسلم، بينما لا تزول أموال المرتد الملي حال ردته، إنما تنتظر استتابته فإن تاب عادت أمواله إلى ملكيته، وإلاّ وزعت أيضاً بين ورثته (على خلاف بين الفقهاء) بينما ـ لا توجد هذه التفصيلات في فقه المذاهب الأخرى، فهم بين موجب للقتل ملياً كان المرتد أو فطرياً، وبين موجب لاستتابتهما معاً، واختلفوا في مدة الاستتابة بين من يرى مداها لا يزيد على ساعة(16) وبين من يحددها بـ (ثلاثة أيام)، وبين من يترك حق الاستتابة إليه، إذ لو طلبها المرتد أُعطيت له وإلاّ فيقام عليه الحد. وكذلك اختلفوا في الميراث، فأبو حنيفة يضع ميراثهما لورثتهما مطلقاً، أمّا مالك فيجعله في بيت المال، أمّا أبو يوسف فيفصل، فيرى أنّ ما اكتسبه في حال ردته فهو (فيء) تطبق عليه أحكام الفيء، وما اكتسبه قبل الردة فلورثته من المسلمين، لحديث (لا يتوارث أهل ملتين)، في حين ذهب عمر بن عبد العزيز إلى جعل ورثته في الكفار الذين يرثونه طبقاً لما جرى عليه العرف عندهم(17).

شروط تحقق الفعل الجرمي

ذهب الإمام الراحل& إلى أنه يتحقق الارتداد مشروطاً بـ (البلوغ، وكمال العقل والاختيار). ولم يفصل في المنهاج، فأُعفي الصبي من العقوبة وان ظهر منه، ولفظة (الصبي) غير محددة فقهاً وقانوناً، إلاّ أنه ورد في الجواهر قيد بعد لفظة الصبي، قال: (وإن كان مراهقاً) ثم أسند ذلك لحديث رفع القلم(18). ثم عقب فقال: (إلا أنه يؤدّب بما يرتدع به، خلافاً لرأي الشيخ الطوسي في الخلاف فيما يخص المراهق لخبر (الصبي إذا بلغ عشر سنين …)(19) بيد أنّ صاحب الجواهر يرى >شذوذ الحديث، وعدم صراحته، وأنه معارض بما هو أقوى منه من وجوه< وكل ذلك يمنع العمل به.

وفي فقه المذاهب أربعة اتجاهات:

1ـ إنّ إسلام الصبي المميز لا عبرة به؛ لأنه لا يحصله باليقين والبرهان، وعليه فردته لا أثر لها، وهو قول (الشافعي). مستنداً إلى حديث رفع القلم، ويعبرون عنه بأنه مسلم حكماً أو تبعاً.  

2 ـ ما يرى صحة إسلام الصبي المميز، وهو قول لأبي حنيفة ومالك، مستندين إلى قوله’: «أمرت أن أقاتل الناس» وإسلام الإمام علي× وقبول الرسول بيعته وإسلامه، وعليه فأحكام الردة تنطبق عليه. بيد أنّ الحنابلة وضعوا شروطاً، منها أن يكون الصبي قد تعقل الإسلام وأن يتجاوز عشر سنوات؛ لأنّ النبي أمر بضربه على الصلاة وهو ابن عشر.

3 ـ من يرى أنّ صحة الإسلام منه لا توجب إيقاع عقوبة الردة عليه، أي أنهم يرون أنه متى صح إسلامه صحت ردته، لكنه لو ارتد لا يقتل، إنما يحبس إذ لا قتل إلاّ على البالغ فيحبس حتى يبلغ ثم يستتاب.

4 ـ منهم من يرى صحة الإسلام منه، ولا تصح الردة منه وقوعاً وأثراً. وكذلك المجنون(20).

الإكراه وإسقاط الجرم

أمّا الإكراه فهو مسقط للعقوبة، ولاسيما ما ليس مانعاً من صدور الفعل الجرمي عند الفقهاء لذلك اشترط الإمام الراحل لإسقاط العقوبة أن تقوم القرينة على تحقق الإكراه، وبذلك يؤكد أكاديمية التفكير الفقهي وعمليته، لاعتبار أنّ الإكراه شرط من جهة، ومانع من جهة، وهو بذلك يندرج تحت الحكم الوضعي، ففي مجال القضاء فلأن أصل المسألة من جملة الإجراءات الجنائية، فلابد من توفر القرينة لتحقق أي حكم قضائي مسقط للعقوبة أو مثبت لها، إلاّ أن ما يعارض هذا المنحى أولئك الذين يتمسكون بقاعدة «الحدود تدرأ بالشبهات» فلمجرد ادعاء الإكراه فإنّ ذلك يعد منه تراجعاً، ويقيم إزاء تطبيق الحد شبهة، وأظن أنّ مناط الإكراه بحاجة إلى تحقيق وتحديد؛ لأنّ الإكراه المباشر مقطوع بمسقطيته للعقوبة، وهناك في عالمنا إكراهات غير مباشرة، منها الانغمار الإعلامي أو الإسقاط الفكري والمعرفي الغربي على العقل الإسلامي، وهذا غير ملاحظ ولا معتبر في الفقه التقليدي.

مما يلفت النظر في فقه السيد الخوئي رأيه الرائع في قضية المرتد الملي، فإنه& يقرر أنّ أمواله لورثته من المسلمين، إلاّ إذا لم يكن له وارث، فيرى أنّ المشهور ـ (وهو يقف من الشهرة موقفاً متحفظاً) يقرر أنّ وارثه الإمام (بيت المال). ولأجل ذلك :

يقول الإمام الخوئي&: (وهو لا يخلو من إشكال)(21)، ويعلل ذلك بأنه كالكافر الأصلي استصحاباً، فيقرر أنّ أولاده الكافرين يرثونه في هذه الحالة.

ويلاحظ في فقه الإمام الخوئي& أنه يطبق قاعدة شخصانية العقوبة تطبيقاً رائعاً، فولد المرتد عنده ـ قبل البلوغ ـ محكوم بالإسلام، يرثه، ولا يتبعه في ردته إلاّ إذا بلغ فأظهر الكفر تضييقاً لسلطة القاضي أو تعسف التأويل لصالح الحق العام على حساب الحق الشخصي، ولو أظهر الولد بعد بلوغه الكفر فلا يعامل مرتداً، بل يذهب أبعد من ذلك في قوله: إنه حتى لو ولد له ولد بعد ارتداد الأب كان المولود محكوماً بالإسلام، ويسوغ ذلك بقوله ان انعقاد النطفة من أحد الأبوين مسلماً يكفي في جريان الاتباع وإن ارتد الثاني بعد ذلك(22).

المرأة وأحكام الردة

المرأة إمّا هي التي ترتكب فعل الردة، فتترتب عليها أحكامها أو ينالها من أحكام المرتد إذا كان زوجها.

فالمرأة المرتدة في فقه الإمام الخوئي& لو ارتدت عن فطرة لا تقتل، إلاّ أنها تبين من زوجها المسلم وتعتد عدة الطلاق ، وتستتاب فإن أصرت تحبس ويضيّق عليها، على حين أنّ مالكاً والأوزاعي والشافعي والليث يرون أنها تقتل لعموم الحديث النبوي >من بدل دينه فاقتلوه<، أمّا الثوري وأبو حنيفة فانهما لا يريان قتلها كالإمامية مستندين في ذلك إلى أنّ ابن عباس هو راوي الحديث لم يقتلها، وراوي الحديث أعلم بتأويله، مضافاً إلى أنّ رسول الله نهى عن قتل النساء أو قتل الكافرة،(23) فإذا كانت الكافرة لا تقتل للكفر الأصلي فأولى أن لا تُقتل لكفر طارئ، وبرأي الإمامية وأبي حنيفة أخذ قانون العقوبات المصري في تعديله في المادة (160)(24) والفارق أنّ فقه أبي حنيفة استخدم تأويل الراوي، والحديث معارض على عمومه والقياس، بينما استند الإمامية إلى نص حريز عن الصادق× الذي يصرح بحبسها، وكذلك صحيحة حماد(25) عن أئمة أهل البيت^. 

أمّا في زواج المرتد بالمسلمة فالحكم مستند الى الاتفاق على الحظر ، لكن بعض الفقهاء منعوا تزويجه حتى من الكافرة، يرد ذلك الإمام الراحل فيقول: (وفيه إشكال) بل الأظهر جوازه لاسيما في الكتابية.

العود إلى الفعل الجرمي

يؤكد أغلب الفقهاء أنّ من تكرر منه فعل الردة ثم تاب فيقتل في الرابعة، وهو رأي الشيخ الطوسي وقيل في الثالثة، يقول الإمام: (وكلاهما لا يخلو من إشكال، والأظهر عدم القتل)(26).

وسبب الإشكال أنّ استدلال الشيخ الطوسي بإجماع الأصحاب (استناد على الشهرة) وان الإجماع أعم من المدعّي (إنّ أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة) والمرسل الذي رواه في المبسوط ورُوى مرسلٌ يعارضه، وهذه جميعاً لا تقوم بها الحجة. 

السكران والردة

يرى أبو حنيفة أنّ السكران كالمجنون، فلا يصح إسلامه ولا تصح ردته، معتمدين على أصل الاستحسان؛ لأنّ حكم القياس عندهم أنهما يصحان منه؛ لأنه كالصاحي في اعتبار أقواله وأفعاله، لكن كون الردة تبنى على الاعتقاد، والسكران بمعزل عن ذلك، والظاهرية أيضاً لا يعتبرون أي فعل صدر منه، أمّا الإمامية وإن كان الأصل أنه يحكم بإسلامه وردته إلاّ أن اليقين بزوال تمييزه بالسكر. والتمييز شرط في التكاليف عقلاً وشرعاً، فقد رجع في الخلاف عن مقتضى القاعدة؛ لعدم توفر القصد، والشيعة إذا أبطلوا طلاق السكران، فمن باب أولى إبطال الحكم بردته في حال سكره، أمّا الشافعية والمالكية والحنابلة والزيدية فلديهم قولان، الراجح منهما مقتضى قاعدة إمضاء تصرفاته، إلاّ أنهم يميلون للمرجوح. 

المبحث الثاني: آليات الاستدلال الأُصولي عند السيد الخوئي في فقه الردة

الحكم الفقهي عند عموم الفقهاء عملية عقلية ذات مرجعيات دليلية واستدلالية فلابد لكل حكم من دليل، واستدلال محكم طبقاً لذلك الدليل (الدلالة Semantics ).

فمن جهة الدليل: نلاحظ ندرة واضحة في الاستدلال بالنص القرآني(27)، وسبب ذلك أنّ السمة الدستورية للآية القرآنية كانت في صدد «تجريم الفعل» فقط والإشارة إلى عقوبة الآخرة، أمّا العقوبة على الفعل فقد تركت للسنة النبوية وللتجربة السياسية لعصر النبوة أو حكومة الإمامة، لما ورد من قرارات النبي وأقواله، وقضاء الإمام علي× في مثل هذه الواقعات، لذلك ظهرت السنة لاسيما بروايات أهل البيت لها إسناداً للنبي أو اعتماداً على أنهم لا يروون إلاّ عنه أو ما وافق روايته طبقاً لاعتقاد الإمامية بعصمة الأئمة^.

أقول ظهرت واضحة أكثر مستندات أحكام الردة من النص القرآني، ولعل هذا الرصيد عام في فقه السيد الخوئي، وفقه فقهاء الإسلام جميعاً.

1 ـ ظهر أنّ الإمام الراحل لا يتعامل مع الروايات الواردة عن الأئمة^ تعاملاً واحداً، ذلك أنه اعتمد على تفاوت القوة الملزمة للرواية من جهة درجتها في الاعتبار، فمرة يسميها (صحيحة فلان)، وأخرى يطلق عليها (معتبرة فلان). وثالثة يشير إلى ضعف الرواية فيجبرها إمّا بمعتبرة أو مرسل أو ما يصلح جابراً للضعف، أو يترك العمل بها(28). وفي فقه الردة لاحظت أنّ السيد الراحل يرد الرواية لأسباب عدة منها:

أ ـ ضعف السند، كما أشار في إحداها أنّ في سندها علي بن حديد، وهو ضعيف(29).

ب ـ أو لكونها فتوى من الراوي واجتهاداً منه (مثل رواية جميل بن دراج) لأنه(30) قاس قتل المرتد إذا تاب وعاد ثلاثاً فقال: >لم أسمع في هذا شيء، لكنه عندي بمنزلة الزاني أنه يقتل في الثالثة<(31).

ج ـ لأن في سند الرواية مشتركاً بين الثقة وغير الثقة، مثل: محمد بن سالم(32).

د ـ أو لكون متنها مخالفاً للمقطوع به.

2 ـ فإذا خلا الفرع الفقهي من (مستند روائي) فإنك تجد رحاباً عقلية فسيحة في أصول ومستندات السيد الخوئي للوصول إلى الحكم، ومن أبرز الآليات الاجتهادية العقلية: اعتماده على الملازمات غير المستقلة «المرتبطة بالرواية ذات الصلة بالموضوع» اعتماداً على استنطاق المفاهيم من النص، أي الاجتهاد في خلفيات المنطوق.

ومنها: اعتماده على السيرة القطعية، مثل المتولد من كتابي، وقد أظهر الإسلام (اتقاءً للقتل) يقول الإمام: >لما جرت السيرة القطعية من زمن النبي قبول إسلام الكفرة لمجرد إظهار الشهادتين مع القطع بكونهم غير معتقدين حقيقة فإنّ ذلك ملزم لاعتبارهم مسلمين قضاءً لا ديانةً<(33).

ومنها: تطبيق مبدأ أو أصالة الإباحة ـ تكليفاً ـ يظهر ذلك في تعبيره& لعدم الدليل على المانع، على أنّ هذا المصطلح الأصولي مشترك الدلالة بين المانع بوصفه من أقسام الحكم الوضعي(34)، أو المانع مطلقاً بوصفه (المعارض الدليلي)(35).

وتجده في كثير من الأحيان يعول في استنباط الحكم على كونه ضرورة عقلية أو منطقية، مما يشعرك بأنه يقرر فيه أنه مما لا يحتاج إلى دليل نصّي. أو كونه من الواضحات التي يندر النقاش فيها.

وأخيراً ـ والفسحة العقلية لا تزال رحبة ـ اعتماده على القواعد الفقهية، سواء أكانت مقررة للحكم أم مانعة منه. ففي دعوى الإكراه ـ هل هو مسقط للعقوبة في حالات الارتداد أم لا؟ يرى الإمام ضرورة قيام القرينة، وإلاّ فلا أثر لها خلافاً لمن يرى سقوط الحد مع أي احتمال لصدق المدعي للإكراه تمسكاً بـأنّ الحدود تدرأ بالشبهات.

يقول الإمام: ((لكنك عرفت ان هذه الكبرى لم تثبت، لأنها إمّا واقعية أو أنها ثابتة واقعاً وظاهراً، والثانية غير متحققة في المقام لتحقق الارتداد والشك في تحقق الإكراه، والأخير مرفوع بالأصل (36) .

مما تقدم يظهر لك:

1 ـ إنّ العملية العقلية الأُصولية الاستنادية عند الإمام تشتبك فيها (قطعية صدور الدليل) مع قطعية انطباقه على الواقعة بما لا يقبل الفصل والتفكيك، فليس الاجتهاد عنده ربط الواقعة بدليلها الأُصولي مطلقاً وتأسيس الحكم الفقهي على هذا الربط تأسيساً عمومياً، بل تجد تدقيقاً يشعرك بالعمق الدلالي.

2 ـ وتجد أنّ «تقليب السوابق الإفتائية» في ضوء المنهج المتقدم يحقق إثراءً معرفياً ضخماً للموضوع المدروس.

3 ـ إنّ نظرية منهج علمي يمكن إعادة تشكيل هيكله من خلال الممارسة الأُصولية البارعة والمتمرسة عند الإمام الخوئي ـ لطول الممارسة وتراكم الخبرة، أمر في غاية الإمكان، لذلك أدعو من هنا المفكرين والعلماء إلى إعادة تحديث القواعد المنهجية للانتهاء من نظرية منهج إسلامية ـ طالما افتقدتها ثقافتنا المعاصرة.

استخلاصات البحث

لاحظنا من خلال العرض:

1 ـ إنّ تحديد وضبط المصطلح والمفهوم عند السيد عن (معنى الردة) أخرج كل ما يمكن أن يكون ذريعة لقتل المخالف والمتأول والمعارض السياسي من الوسائل التي تمكن السلطة من إقصاء الآخر، سواء السلطة السياسية أو السلطة الدينية أو المعرفية.

2 ـ إنّ لثقافة الآخر امتدادات تبقى لفترة، فإنّ تقسيم المرتد إلى فطري وملي مقدمة لتقسيمات جديدة يجب أن تكون محلاً للتنظير الفقهي المعاصر.

3 ـ لاحظنا دقة أكاديمية رفيعة في مجالات متعددة من الأحكام وأُسلوباً متميزاً في مجال منهج العرض، ومنهج المناقشة والاستردادية ومنهج الدليلية الأُصولية، وأخيراً المنهج الدلالي في الإفادة من الدليل وملازماته ومفهوماته (مفهوم الموافقة أو المخالفة) في تأسيس الحكم الشرعي.

3 ـ ولوجود تشريعات جديدة واستحسانات مرّت بالبحث فإني أرى ضرورة التفريق ـ على منطق الإمام الخوئي ـ بين الفتوى والقضاء في مجال الردة.

         الفتوى : بيان الأحكام الكلية من دون النظر إلى تطبيقها على مواردها، وهي حجة على المجتهد نفسه ومقلديه.

        أمّا القضاء: فصل الخصومة بين استحقاقين (مورد الترافع) . ويميز القضاء أيضاً أنه نافذ حتى لو حكم باجتهاد من لا تقلده.

       وقضية الردة: في أغلب مواردها قضية قضائية، فلابد من نظرة معاصرة؛ كي لا تتحول خلافيات الفتوى إلى (شبهات تدرأ الحد).

4 ـ وعلى مستوى الفتوى أو القضاء فلابد من :

أ ـ دراسة العوامل والظروف التي تؤدي إلى الوقوع بالارتداد وتحديد معناه (مصطلحاً ومفهوماً) وطرق الثبوت والإثبات، وشروط التحقق والموانع والأسباب.

ب ـ المعرفة اللازمة والواسعة بأدلة (أحكام الردة) ففي أدلتها تباينات دلالية كثيرة، فضلاً عن قضايا الصدور؛ لأنّ الأمر مما ثبت بالسنة دون القرآن.

ج ـ استخدام المعايير الاجتهادية لإرجاع الفروع المستحدثة إلى أُصولها مع الأخذ بالاعتبار القضية المعاصرة ومقتضياتها.

د ـ دراسة قاعدة (الحدود تدرأ بالشبهات) دراسة جديدة وتحديد مجال نفاذها، ولاسيما في أحكام الردة.

هـ ـ حصر موضوع الردة بالمختصين من الدرجة الأولى (المحكمة الدستورية العليا) لئلا يعاد استغلاله لأسباب سياسية أو دوافع تخريبية.

 

الهوامش

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نشرت مصادر كثيرة السيرة العلمية للسيد أبي القاسم الخوئي، يمكن الإفادة منها في تحليل التكون والتراكم.

(2) مرتضى الحكمي، مقدمة معجم رجال الحديث، ط 1 1970 ، المدخل.

(3) تراجع الإمام عن توثيق كامل الزيارات، موضوع معروف لدى أوساط الاجتهاد.

(4) الامام الخوئي، تكملة منهاج الصالحين: 61، ط3.

(5) عبد الكريم الأردبيلي، أحكام الارتداد، مجلة الحياة الطيبة ع 9/2002، 11؛ محمد إبراهيم الجنابي: الارتداد، مجلة الحياة الطيبة ع 9/2002، 153.

(6) الإمام المفكر السيد محمد باقر الصدر: الحلقات 3: 167.

(7) الكاساني: بدائع الصنائع، 135:7؛ ابن قدامة، المغني 550:8؛ نعمان عبد الرزاق، أحكام المرتد: 50 ـ 52؛ ابن حزم، المحلى 10: 218؛ البحر الزخار 5: 423.

(8) المصادر نفسها أعلاه.

(9) المصادر نفسها.

(10) المصادر نفسها.

(11) تكملة المنهاج: 62.

(11) الشيخ محمد حسن النجفي: جواهر الكلام 41: 609.

(12) المصدر نفسه: 610.

(13) وسائل الشيعة.

(14) الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام 41: 611.

(15) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 3: 47.

(16) المصدر نفسه 3: 47.

(17) جواهر الكلام 41: 611.

(18) الطوسي، الخلاف : 214؛ عبد الأمير كاظم زاهد، منهج الشيخ الطوسي في كتابه الخلاف، مجلة فقه أهل البيت ، العدد 27، سنة 2002.

(19) جواهر الكلام 41: 611.

(20) ابن قدامة، المغني 8: 563.

(21) السيد الخوئي، مباني تكملة المنهاج: 62.

(22) المصدر نفسه: 63.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(23) د. أحمد الكبيسي، المختصر في الفقه الجنائي: 182.

(24) المصدر نفسه: 183.

(25) مباني تكملة منهاج الصالحين: 1: 332.

(26) تكملة المنهاج: 63.

(27) لم يرد في مباني تكملة المنهاج مثلاً إلاّ الاستناد إلى آية نفي السبيل 1: 336.

(28) مباني تكملة المنهاج 1: 325، 326 ـ 337.

(29) المصدر نفسه 333:1.

(30) المصدر نفسه 332:1.

(31) المصدر نفسه 332:1.

(32) المصدر نفسه 333:1.  

(33) المصدر نفسه 1: 333 ـ 334.

(34) محمد تقي الحكيم، الأصول العامة. 

(35) عبد اللطيف البرزنجي: التعارض والترجيح: 162.

(36) مباني تكملة المنهاج 329:1. 





(*) أستاذ جامعي وكاتب بارز، من العراق.


التفسير الأثري عند المسلمين، مطالعة في المفهوم، الأدوار، التاريخ، الأعمال، والإشكاليات

12 مايو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

تمهيد

تتعدّد الأدوار التي يقوم بها الحديث الشريف والأثر، فإلى جانب كونه أحد المصادر العمدة في الاجتهاد الفقهي، يقدّم خدمات جليلة في مجالات أخرى مختلفة كالتاريخ والتفسير والأخلاق والعقيدة وغير ذلك.

وسوف نحاول هنا أن ندرس ـ بعون الله تعالى ـ دور الحديث والأثر في تفسير القرآن الكريم خاصّة، ونعتمد ـ ضمنيّاً ـ على عنصر المقارنة أيضاً بين الفريقين: السني والشيعي، لنحاول من خلال ذلك الكشف عن طبيعة العلاقة التي تحكم الكتاب بالحديث في الزاوية التفسيرية، وعن قواعد هذه العلاقة ومعاييرها.


أولاً: ما هو التفسير الأثري أو التفسير بالمأثور؟

يقصد بالتفسير الأثري تفسير القرآن الكريم بالنصوص الإسلامية الأولى ذات الطابع المصدري وهي: الكتاب الكريم نفسه، والسنّة النبوية، وسنّة أهل البيت، وما أثر عن الصحابة والتابعين وتابعيهم. مع الأخذ بعين الاعتبار وجود نقاش في تفسير التابعين، من حيث اندراجه في الأثر أو في التفسير بالرأي(١).

وهذا التعريف جامع يستوعب الخلافات المثارة بين المسلمين، لكنّ مرحلة الاعتبار والحجية تفرض خلافاً بين التيارات الإسلامية في قيمة هذا التفسير، فالإمامية في الغالب يأخذون بالتفاسير المروية عن النبي وأهل بيته، لكنّهم لا يتركون تفاسير الصحابة والتابعين مطلقاً، وإن لم يروا حجيّتها كحجية التفسير النبوي، أمّا أهل السنّة فيرون التفسير الأثري شاملاً لذلك كلّه، لكنّهم لا يرجعون كثيراً ـ من الناحية العملية ـ للتفاسير المأثورة شيعيّاً عن أهل البيت من الأئمة الاثني عشر، كما وبينهم نقاش في حجية تفسير الصحابي والتابعي.


ثانياً: حجية الحديث والأثر في تفسير القرآن الكريم

يقع البحث هنا في مرحلتين:

الأولى: حجية الأثر الواقعي بصرف النظر عن كيفية وصوله إلينا، فنحن نبحث عن أنّ التفسير النبوي في نفسه ـ كما لو سمعناه بالمباشرة من شخص الرسول| ـ هل هو حجّة في تفسير الكتاب أم لا؟

وهنا يتفق المسلمون على حجية التفسير النبوي من باب كونه تبليغاً عن الدين ومضمون الوحي، وهذا المقدار مما يرون فيه العصمة للنبي|، وأدلّة حجيّة السنّة النبوية تشمله.

لكنّ الخلاف وقع على ثلاثة محاور:

1 ـ سنّة أهل البيت النبوي، فقد ذهب الشيعة إلى حجيّة سنّتهم كحجية سنّة الرسول، مستندين في ذلك إلى حديث الثقلين وغيره مما جُعلوا فيه عدل القرآن ومرجعاً في تفسيره وبيانه، لكنّ أهل السنّة لم يقبلوا بهذه الحجيّة، وقالوا بأنّ أهل البيت كسائر الصحابة والتابعين، يلحقهم ما يراه الباحث في حجية قول الصحابي أو التابعي.

2 ـ سنّة الصحابي، ونقصد بها قوله الذي لا يكون إخباراً عن أمر، وقد وقع خلافٌ هنا بين من يقول بحجية سنّة الصحابي مطلقاً، كونهم أعرف بالدين ومواقعه منّا، ومن يقول بعدم الحجيّة مطلقاً؛ لاحتمال اعتمادهم على الاجتهاد الذي لا يُلزمنا، ومن يرى التفصيل بين ما ظاهره أنّهم اعتمدوا على الاجتهاد وما كانوا فيه معتمدين على غيره، بعدم الحجية في الأوّل دون الثاني.

وهذا الانقسام في الرأي موجود بين أهل السنّة أنفسهم، أمّا الشيعة فإذا استثنينا أهل البيت من الصحابة لم يكن للبقية عندهم حجيّة في القول، ما لم يكن إخباراً أو ما هو في قوّة الإخبار، مع ثبوت وثاقة الصحابي المخبِر بعد القول بعدم ثبوت نظرية عدالة جميع الصحابة.

وقد بحثنا في مناسبة أخرى حول حجية سنّة الصحابي بالتفصيل( ٢)، وتوصّلنا إلى أنّ الحقّ مع القائلين بعدم الحجيّة بما هي سنّة، إلى مع قرائن حافّة ذات دلالة، ومع عدم تحقّق سيرة متشرّعية كاشفة، فلا نطيل.

3 ـ قول التابعي، والرأي الأبرز والأقوى هنا هو أنّ قول التابعي يمكن أن يستفاد منه في بعض الجوانب التاريخية واللغوية وأمثال ذلك، أمّا عن الحجيّة فلا يوجد أيّ دليل يعطي قوله الحجيّة والاعتبار، لاسيما بعد كثرة الاجتهادات في كلماتهم.

الثانية: حجيّة الأثر المنقول المحكي، وذلك في مجال تفسير القرآن، فلو جاءت رواية ظنية الصدور معتبرة الإسناد تخبر عن معنى هذه الآية أو تلك، فهل هذه الرواية تحمل قيمةً يمكن على أساسها تفسير الآية الكريمة بهذا المعنى الذي ذكرته الرواية أم لا؟ من الواضح هنا أنّنا نتحدّث من حيث المبدأ، فنحن ندرس هنا السنّة المنقولة عن المعصوم ـ كلّ حسب اعتقاده ـ فيما إذا لم تبلغ درجة اليقين أو الاطمئنان في نقلها، بل كانت ظنية، كما هو الغالب في روايات التفسير من حيث ظنية الصدور فيها.

كما أنّ بحثنا هنا ليس عن تقويم واقع الروايات التفسيرية الموجودة في كتب السنّة مثل تفسير جامع البيان للطبري أو الدرّ المنثور للسيوطي، وفي كتب الشيعة مثل تفسير القمي وتفسير العياشي، من حيث صدقيّتها وقوّتها وخصائصها، فهذا ما سنتعرّض له لاحقاً بعون الله تعالى، إنما نبحث في أصل حجية السنّة المحكية المفسّرة للكتاب بطريق ظني، حتى لو بنينا على حجيتها بالطريق القطعي وكان المصدر معصوماً.

يوجد هنا اتجاهان أساسيان في علم أصول الفقه:

الاتجاه الأوّل: ويعتقد أن حجية خبر الواحد خاصّة بمجال الأحكام والقضايا الفقهية ولا شأن لها بغير ذلك؛ فلا حجية لأخبار الآحاد في العقائد والتاريخ والتفسير ـ غير آيات الأحكام وما بحكمها ـ والتكوينيات وخواص الأشياء كالنباتات ونحو ذلك، ما لم تتضمّن جانباً عملياً مأموراً به أو منهياً عنه. وبعبارة أخرى: حجية الحديث خاصّة بالمجال العملي لا العلمي.

يميل إلى هذا الاتجاه جماعة من العلماء، فالحجية شأن عملي يتصل بالتنجيز والتعذير وقضايا الفقه والعمل لا بغير ذلك ما لم تبلغ مرتبة اليقين.

الاتجاه الثاني: وهو ما يرى حجية الأخبار الظنية في مجال العلم والعمل ما لم يكن المورد مما يشرط فيه حصول العلم كبعض الأمور العقائدية، ولا يكون هناك ما ينفي مضمون الرواية( ٣).

والذي نراه ـ كما حقّقناه في محلّه ـ هو القول الثاني، بمعنى أنه إذا ثبتت كبرى حجية خبر الواحد الظني، وليست بثابتة عندنا، فإنّ بعض أدلّة الحجية لا تفرّق بين العلميات والعمليات، شرط كون الموضوع نفسه غير متوقّف على حصول العلم أو الاطمئنان، كبعض المسائل العقائدية. وتفصيل هذه الأبحاث نحيلها إلى موضعها، ولا نطيل.


ثالثاً: أدوار السنّة و.. بالنسبة إلى القرآن الكريم

من الواضح أن السنّة الشريفة بإمكانها أن تقوم بدورٍ فاعل بالنسبة إلى القرآن الكريم، وهذا الدور يمكن تلخيصه بما يلي:

1 ـ الدور الإثباتي: ويتجلّى في السعي لإثبات القرآن وحجيته واعتباره ومكانته والدفاع عنه أمام الشبهات التي تثار ضدّه، فنحن نجد في نصوص النبي والأئمة والصحابة الكثير من المأثور الذي يوضح قيمة القرآن ومكانته ويدعو الناس إليه، ويدافع عما يثيره الآخرون ضدّه.

وهذا المقدار من الدور لا يتصل بالجانب التفسيري؛ لأنه لا يقوم بتفسير القرآن العظيم، وإنما يثبته ويوضح مكانته ويدافع عنه؛ لهذا فهو لا يدخل في مجال بحثنا، إلا إذا كان إثبات القرآن معتمداً على تفسير آية معينة فيه.

2 ـ الدور التقريري: وهو الدور الذي يؤكّد المضمون القرآني، حيث يقوم الحديث بتقديم عين المعطيات التي يقدّمها القرآن، لكن بأسلوب مختلف وطريقة مختلفة، وهذا ما يسمّيه بعضهم ببيان التقرير، فالقرآن يوجب الصلاة ونجد الروايات توجب الصلاة أيضاً، وقد تشير أحياناً إلى موقف القرآن في هذا المجال، هذا الدور التقريري أو التأييدي ينسجم مع القرآن في المضمون، كما ينسجم معه في الإجمال والتفصيل.

وهذا الدور قليل الصلة بموضوع بحثنا، إلا إذا عرضت الرواية على الآية فأفهمتنا شيئاً فيها.

3 ـ الدور الدلالي: وهو الدور الذي يمارس التصرّف الدلالي في القرآن الكريم، وهذا هو دور التخصيص والتقييد والحكومة وأمثال ذلك، فالحديث هنا يقوم بتخصيص عموم آية، أو تقييد إطلاقها، أو يوسّع أو يضيّق من دائرتها عبر قانون الحكومة التي ذكروها في علم أصول الفقه.

وهنا، لاشك عندهم ـ ظاهراً ـ في أنّ السنّة الواقعية، وكذا المتواترة المحكيّة، يمكنها فعل ذلك، ما دامت معصومةً، إلا أنّ الكلام وقع بين العلماء في إمكانية تخصيص العام الكتابي بخبر الواحد، فالعديد من المتقدّمين رفض ذلك، فيما المعروف بين المتأخرين أنّ التخصيص والتقييد بيانٌ للمراد الجدّي، وأنّ ظنية الطريق في خبر الواحد لا تضرّ بإمكانية تخصيص العام الكتابي به؛ معتبرين أنّ العلاقة بين الحجج بعد ثبوت حجيتها تخضع لنظام الجمع والتوفيق العرفي بين النصوص، بلا نظر بعد ذلك لحيثية القطع الصدوري والظنّ الصدوري، على تفاصيل تبحث في محلّها.

4 ـ الدور الاستقلالي: ويسمّى بالسنّة المستقلّة أو المؤسّسة، ويعبّر عنها أحياناً ببيان الزيادة، ويقصد بذلك أن تأتي السنّة والحديث بأحكام أو مفاهيم لا وجود لها أساساً في القرآن الكريم بحسب فهمنا له، مثل تشريع الرجم، ومثل حرمة ذات البعل المزني بها على الزاني حرمةً مؤبّدة، على القول بها.

والمعروف بين المسلمين أنّ بيان الزيادة حجّةٌ معتبر، لكن ذهب بعض العلماء ـ وعلى رأسهم الإمام أبو إسحاق الشاطبي (790هـ) ـ إلى عدم حجية السنّة المستقلة عن الكتاب( ٤)، وانتصر لهذه الفكرة بعض المتأخرين في أوساط أهل السنّة.

ويحتمل كلام الشاطبي ردّ أيّ سنة تأتي ولا بيان في القرآن لها أساساً، كما يحتمل أنّ مراده أنّ النبي عندما يشرّع لا يشرع شيئاً لا وجود له في القرآن، غاية ما في الأمر أننا لا نفهم القرآن حقّ فهمه كي نعرف كيف فهم النبيّ منه ذلك.

5 ـ الدور التفصيلي: ونقصد به أن تقوم الروايات بتفصيل ما جاء في الكتاب، مثل بيان تفاصيل كيفية الصلاة، فإنّ الصلاة قد جاءت في القرآن، وثمة إشارات في القرآن للركوع والسجود والقنوت، لكن السنّة جاءت لتفصّل ما جرى بيانه إجمالاً في الكتاب.

والمعروف بين المسلمين حجية السنّة الواقعية والمحكية المعتبرة مطلقاً في هذا المجال، ويكون هذا بيان التفصيل للإجمال، ولم يخالف في ذلك إلا قلّة قليلة، مثل الحركة القرآنية في شبه القارّة الهندية.

6 ـ الدور الإرشادي والتوجيهي: ونقصد بهذا الدور أن يقوم الحديث بإرشادنا إلى نقاط موجودة في النص القرآني، قد لا نكون ملتفتين إليها، وهذا ما يحصل كثيراً في الروايات، كأن ترشدنا إلى آية مخصّصة لآية أخرى، أو تشرح لنا طبيعة العلاقة بين آيتين، أو تبيّن لنا أنّ الآية الفلانية تنسخ الآية الأخرى، بحيث عندما نقرأ القرآن ـ بعد اطّلاعنا على هذه الرواية أو تلك ـ يحصل لنا استظهار النسخ أو التقييد أو التخصيص أو الفكرة الجديدة الناتجة عن ضمّ آيةٍ إلى أخرى.

فالحديث هنا لم يقدّم لنا أمراً آخر غير ما في الكتاب، لكنه أرشدنا إلى ما في الكتاب الكريم ولفت نظرنا إليه فصرنا نفهم الكتاب فهماً جديداً من حاقّ الكتاب لكن بمعونة التوجيه الذي قدّمته لنا الرواية.

ويخيّل إليّ أنّ العلامة الطباطبائي قد استفاد من هذا الدور كثيراً في تفسيره المعروف، فصحيح أنه كان يفسّر القرآن بالقرآن وكان يؤخر ذكر الروايات إلى ما بعد التفسير القرآني الأصل، لكنّ المقارنة بين النتائج التفسيرية التي توصّل إليها من خلال تفسير القرآن بالقرآن وبين التفاسير الروائية، تجعلنا نظنّ أن الكثير من الروايات تركت أثراً عليه ولفتت نظره إلى أمورٍ في الآيات نفسها، لهذا نجد قدراً مهماً من التشابه بين نتائجه وبين الروايات، لاسيما المعتبرة منها.

وهذا الدور مندرج في الواقع في الدور التفسيري، كما سنلمح قريباً، لكنّ بعض مصاديقه ليست من التفسير، مثل ما هو من أهم أدوار الحديث على المستوى الإرشادي والتوجيهي، وهو قيامه بتعليمنا منهج تفسير القرآن بالقرآن ومنهج فهم القرآن كما يقول بعض الباحثين(٥ )، فالعديد من الروايات يستند فيها الحديث إلى الآيات نفسها ويشرح كيفية فهم النتيجة من الآية بمقاربتها مع آية أخرى أو في حدّ نفسها، وهذا دورٌ في غاية الأهمية.

7 ـ الدور التفسيري: ونقصد بهذا الدور كلّ ما يتصل بتفسير الروايات للقرآن بأيّ شكل من أشكال التفسير.

وأشكال التفسير متعدّدة أهمها:

أ ـ تفصيل المجمل وتخصيص العام وتقييد المطلق، وهذا سمّاه العلماء بياناً وتفسيراً، وربما من حيث إنّ فيه كشفاً عن المراد الجدّي من الآيات. لكنه في واقع أمره ليس تفسيراً للنص نفسه وإنما سمّوه تفسيراً ليجعلوا الحديث هنا مندرجاً ضمن النطاق الدلالي للقرآن نفسه حتى لا يقعوا في إشكالية التناقض بين الكتاب والسنّة، كما يقول بعض الباحثين المعاصرين(٦ ).

لهذا فصلنا فيما تقدّم هذا الدور عن الدور التفسيري، لكنه على أيّ حال داخل في إطار دراستنا ببعض مصاديقه على الأقلّ، اللهم إلا الكشف في القرآن عن مخصّصه كما ألمحنا.

ب ـ توضيح الدلالات القرآنية وفقاً لقواعد الفهم العقلائية والعقلانية، كأن تأتي الروايات وتشرح ما تدلّ عليه الآيات لغةً وعرفاً أو تقوم بمقاربة بين آيتين لتوضيح معنى جديد يمكن أخذه منهما وفقاً للقواعد العقلائية للفهم. وهذا دور هام وجليل وردت فيه العديد من الروايات والآثار، وهذا ما أشرنا إليه سابقاً، فهو يتصل بالتفسير إلى جانب التوجيه في كيفية فهم القرآن الكريم.

ج ـ تأويل الآيات القرآنية، بمعنى الكشف عن بطونها بحيث لا يستطيع الفهم العقلائي ـ لا أقلّ إلى يومنا هذا ـ استخراج هذه المعاني من الآيات. ويغلب في التفسير الروائي أو المأثور أن ترد هذه التأويلات استناداً إلى الأسلوب الرمزي، وبطريقةٍ غير مفهومة إطلاقاً أو غالباً.

وهذا النوع من الآثار إن ورد عن غير المعصومين^ لا تكون له أيّ قيمة إلزاميّة؛ لأنه لا يملك عناصر الإثبات ما دام فوق عقلاني، إلا عند من يحصل له اطمئنان شخصي بهذا المدلول أو المعنى الباطني. أما إذا وردت هذه المرويات عن أحد المعصومين فلابدّ من النظر فيها ومقارنتها بالآيات القرآنية:

فتارةً لا نستطيع أن نفهم دلالة الآية عليها مهما تأمّلنا فيها، وفي هذه الحال يفترض الأخذ بمضمون الرواية؛ لأنّ مجرد عدم فهمنا لا يثبت بطلان الرواية ولا يوجب طرحها بعد اشتمالها على سائر عناصر الاعتبار.

وتارة أخرى لا يقف الأمر عند حدّ عدم فهم العرف لهذا المعنى التأويلي الذي تدّعيه الرواية، بل يراه مناقضاً لدلالة الآية وغير منسجم معها وغريب عنها متنافر، وفي هذه الحال لابدّ من طرح هذه الرواية ولو كانت صحيحة السند؛ اعتماداً على أخبار العرض على الكتاب؛ لأنّ العرف ما دام يفهم أنّ هذه الرواية تخالف القرآن أو لا توافقه، فهذا معناه ـ بمقتضى أخبار العرض ـ لزوم طرحها جانباً، ومجرّد احتمال أنّ العرف مخطئ وأنّ هناك أموراً فوق عقولنا لا يفيد شيئاً، وإلا لبطلت أخبار العرض من رأس، إذ ما من رواية إلا ويمكن فرض مثل هذا الاحتمال فيها. ونحن نرى أنّ أخبار العرض جعلت فهمنا معياراً لا واقع الدلالة القرآنية.

ومن أهم وظائف المشتغل بالتفسير الروائي أو التفسير بالمأثور التمييز بين هذين النوعين من الروايات، فإذا جاءت رواية تفسّر الطعام في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ (عبس: 24)، بالعلم… أمكن الأخذ بها؛ لأنّ العرف لو خلّي ونفسه وإن لم يفهم العلمَ من الطعام الوارد في الآية، إلا أنه لا يرى هذا المعنى معارضاً لها. أما لو وردت رواية تقول بأنّ معنى قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُم مِيثَاقَاً غَلِيظاً﴾ (النساء: 21)، هو أن الميثاق الكلمة التي يوثق بها عقد النكاح والغليظ هو ماء الرجل يفضيه إليها، فإنّ العرف يستنكف هذا المعنى ويراه على خلاف اللغة العربية في الصفة والموصوف، وأنّ التأويل فيه خلاف قواعد البيان العقلائية.

د ـ استخدام منهج الجري والتطبيق، وذلك بأن تقوم الرواية بتطبيق الآية على أحد المصاديق، والتي عادةً ما تكون بارزة، كأن تطبّق بعض الآيات على أهل البيت أو مخالفيهم وهكذا… وكثير من التفسير بالمأثور عن الصحابة والتابعين فيه هذا اللون من التفسير، حيث يحاول أن يقدّم بياناً للآية بحدث جزئي أو مورد جزئي.

وفهم نصوص الحديث المفسّرة للكتاب بهذه الطريقة، أي أسلوب الجري والتطبيق مهم جداً، وقد اعتنى به العلامة المفسّر محمد حسين الطباطبائي.

لكنّ النقطة الجديرة بالانتباه هنا هي ملاحظة ألسنة الروايات التي يترقّب أن تكون قد جرت على قانون التطبيق، فإنّ هذه الروايات يغلب أن تكون بأحد لسانين:

الأول: لسان بيان مصداقٍ دون نفي غيره، كأن تقول الرواية بعد قراءة قوله تعالى: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾: مع علي وأهل بيته. فإنّ هذا اللسان يمكن فيه إرادة بيان أبرز المصاديق، فيحمل على ذلك دون وجود مشكلة في البَيْن.

الثاني: لسان بيان المصداق بطريق الحصر أو لسان التفسير، وهذا اللسان مختلف تماماً عن اللسان السابق، فإذا جاءت الرواية في المثال المتقدم تقول: ليس الصادقون إلا أهل البيت، أو تقول: ما عنى بالصادقين إلا نحن، فإنّ هذا اللون من البيان لا يمكن فهمه فهماً تطبيقياً إلا مع قرائن وشواهد تفيد ذلك بحيث تبرّر ـ مثلاً ـ الحصر الإضافي، وإلا فإنّ الفهم العرفي والعربي يرى أنه بيان تفسير ومعنى لا بيان مصداق ومورد، ومجرّد الحمل على التطبيق لا يحلّ المشكلة، وذلك أنّ أيّ حمل أو توفيق بين كلامين يجب فيه أن يحتوي على شرط رئيس ليكون منتظماً وفقاً لقواعد الفهم العقلائي للغة والبيانات، وهذا الشرط هو قابلية طرفي المعارضة لهذا الحمل، بحيث يمكن أن يحمل كلّ من النصين على المعنى التوفيقي النهائي، ويستسيغ العرف أن يكون المتكلّم بكلّ من النصين قد أراد ذلك، وهنا أيّ بيان للمصداق هذا الذي يقال فيه: والله ما عنى إلا نحن؟! فهذا ليس مصداقاً وإنما إفادة حصرية للمعنى.

وفي هذه الحال الثاني يلاحظ نسبة الحديث إلى الآية، فإن لم يعارضها في دلالته الحصرية أخذ به، وإلا طرح، وفقاً لقواعد العرض على الكتاب الكريم.

هـ ـ بيان ملابسات النزول المساعدة على فهم الآيات وتفسيرها، فكثيرٌ من التفسير المأثور عن الصحابة والتابعين وأهل البيت يوضح ظرف نزول الآيات ويحدّد السياق المحيط بها، وهذا ما يجعله يلعب دوراً تفسيريّاً كبيراً لتوضيح معناها وتجلية المراد منها.

وهذا ما يعرف بروايات أسباب النزول، والمؤسف أنّ الكثير من هذه الروايات ضعيف السند لا يوجد ما يؤكّده، وكثير منه ورد مرسلاً، لكنه يظلّ مفيداً للمساهمة في تكوين صورة عن السياقات المحيطة بنزول الآيات الكريمة.

وتظلّ روايات أسباب النزول المعتبرة الصدور ذات قيمة حتى لو لم تصدر من المعصوم، بشرط أن تصدر ممّن عاصر نزول الآية لكي يخبر عن الجوّ الذي رآه وأحسّ به قبيل وبعد نزولها.

و ـ الكشف عن نواسخ الآيات القرآنية ومنسوخها، وهذا الدور يفهمنا الآيات ويرشدنا إلى طبيعة العلاقة فيما بينها؛ فقد اعتُمدت نصوص التفسير المأثور بمثابة مستند قوي لتأكيد حركة النسخ في القرآن الكريم.

لكنّ أكثر هذه الروايات ضعيف الإسناد أيضاً، فضلاً عن أنه يحتمل جداً أن يكون اجتهاداً من قبل الصحابي أو التابعي؛ إذ يكون قد اعتقد هو مسبقاً بتنافي الآيتين فاعتبر المتأخّرة منهما ناسخةً للمتقدّمة، فذكر أنّ الأولى منسوخة، وهذا كثير التحقّق.

ولهذا يميل العلماء المحقّقون إلى الكشف عن النسخ عبر مقاربة نصوص القرآن نفسه، لينظروا هل يمكن التوفيق العقلائي العرفي بينها أم لا؟ لا التعبّد بنصوص اجتهادية من جهة وضعيفة السند من جهة ثانية، ولا تنسجم في كثير من الأحيان مع طبيعة البيانات القرآنية من جهة ثالثة، بل ـ وهو الأهم ـ تفرط في ادّعاء النسخ في القرآن حتى تجعل مئات الآيات منسوخةً، مع أن ذلك قد يضعضع صدقية القرآن، فقد ذكر بعضهم أنّ مطلع سورة براءة نسخ حوالي خُمْس آيات الأحكام، وهذا كلّه إفراط في النسخ يعطّل الاستفادة من القرآن الكريم في كثير من المواضع.

من هنا، وجدنا مثل السيد الخوئي والدكتور وهبة الزحيلي ينتقدان هذا الإفراط في ادّعاء النسخ ويثبتان أنّ الكثير من الآيات التي ادّعي نسخها لم تكن كذلك.

ز ـ بيان القراءات القرآنية؛ لأنّ بعض القراءات يرشد ـ على أقلّ تقدير ـ إلى معاني الآيات المحتملة، وأكثر القراءات وردت عن الصحابة والتابعين وتابعيهم، وبعضها ورد عن أئمة أهل البيت.


رابعاً: التطوّر التاريخي للتفسير الأثري

تتعدّد مساحة التفسير بالحديث والأثر كما ألمحنا في تعريف التفسير الأثري، وسوف نستبعد هنا النصّ القرآني الذي يقوم بدور تفسير القرآن أيضاً، وفقاً لنظرية تفسير القرآن بالقرآن، وعليه نلاحظ أنّ هذا التفسير له مجالاتٌ أربعة:

المجال الأوّل: الحديث النبوي نفسه، حيث وردت بعض الروايات عن شخص النبي| يفسّر فيها بعض الآيات القرآنية أو يفصّل مجملها. وحجم هذه الروايات ليس بالكثير، كما سوف نبحث ذلك قريباً بعون الله.

المجال الثاني: أحاديث أئمة أهل البيت، وهي روايات كثيرة قامت بتفسير القرآن الكريم بأحد أشكال التفسير السابقة التي شرحناها، بعد استبعاد مجرّد التخصيص والتقييد والحكومة من السنّة للكتاب، وإلا فضمّ هذه سيبلغ بالروايات مبلغاً كبيراً.

المجال الثالث: آثار الصحابة، وهم الذين تربّوا في مدرسة النبوة، فكان منهم العالم المتخصّص بالقرآن ومعانيه ومنهم الذي له اطّلاع على أسباب النزول، وبعضهم كان له علمٌ بتطبيق الآية على بعض مواردها على الأقلّ، والنصوص عن الصحابة في التفسير كثيرة، لاسيما عن مثل ابن عباس وابن مسعود و..

المجال الرابع: آثار التابعين وتابعيهم، وهي كثيرة جداً تشكل كمّاً كبيراً من مجموع التفاسير المأثورة، كما سوف نلاحظ إن شاء الله تعالى.

وانطلاقاً من هذه الدوائر الأربع، سوف ندرس ـ بعون الله تعالى ـ حركة انطلاق دور الحديث والأثر في تفسير القرآن الكريم دراسة تاريخيّة، وسوف نسير معها بالترتيب التاريخي تقريباً، لننظر في خصائص كلّ نوع ومرحلته وما شابه ذلك.


1ـ التفسير الأثري في العصر النبوي

من الطبيعي أن لا يحتاج الصحابة والمحيطون بالنبي| إلى الكثير مما نحتاجه اليوم لتفسير القرآن، وعلى رأس ذلك كلٌّ من اللغة بفروعها وأسباب النزول وملابساته.

يقول ابن خلدون: إنّ القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم فكانوا كلّهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه(٧ ).

وأغلب الظنّ أن ابن خلدون يقصد الفهم الأولي للقرآن، لا فهم تمام معانيه بما فيها ذاك الناشئ عن مقاربة الآيات ومقارنتها، فإنه كلّما كان الصحابي حافظاً للقرآن مستحضراً آياته في سبيل مقاربتها ومقارنتها، كان أقدر على الخروج بنتائج أكثر، وهذا أمرٌ طبيعي لكلّ قارئ لنصٍّ نزول نجوماً في ثلاث وعشرين سنة.

نعم، إنّ الكثير من الجهود التي نبذلها نحن اليوم لم يكن يحتاجها المعاصرون لنزول الآيات والمتابعون لحدثها، وهذا ما يخفّف بدرجة كبيرة المسؤولية التفسيرية التي قد تلقى على عاتق النبي|.

من هنا، كان حجم التفسير النبوي قليلاً، لاسيما لو أخذنا بعين الاعتبار، ما ثبت منه تاريخياً بشكل موثق، ووظيفة النبي كانت إظهار القرآن للناس وعدم إخفائه عنهم، قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: 44)، والذي يعني بيانه مقابل إخفائه، لا بيانه بمعنى تفسيره كما هو المشهور، ولا أقلّ من أنّ ما نقوله يمثل القدر المتيقن، مع مقارنة هذه الآية بما دلّ على أنّ القرآن نورٌ بنفسه وبيان وتبيان.

من هنا، لا يصحّ قول من قال ـ وعلى رأسهم الشيخ ابن تيمية الحراني(٨ ) ـ بأنّ الرسول فسّر القرآن كلّه، استناداً إلى هذه الآية الكريمة.

على هذا الأساس، تركت لنا الحقبة النبوية تفاسير نبوية متفرّقة لآياتٍ من السور القرآنية، ولا يملك المسلمون اليوم تفسيراً متكاملاً نبويّاً للقرآن كلّه، وإنما بعض الشروح والتفاسير المختصرة المرفوعة إلى النبي في كتب المسلمين، وقد حاول جلال الدين السيوطي (911هـ) جمعها في كتابه على ترتيب السور القرآنية(٩ )، وهي تكشف لنا كم كانت المساهمة التفسيرية الواصلة إلينا موجزة ومختصرة، وكثيرٌ منها في آيات الأحكام، وكثير منها ضعيف على المستوى الحديثي والتاريخي، وهذا ما يلاحظه المراجع فيما تركه لنا ابن قيم الجوزية أيضاً.

ولست أوافق على ما ذهب إليه بعض الباحثين في أنّ عدم ترك الرسول| لنا تفسيراً كاملاً للقرآن كان لحكمة أن يتأمل الناس بعده في الكتاب( ١٠)، فإنه مهما فسّر الرسول القرآن ستظلّ هناك فرصٌ للتأمل، كيف وقد فسّر الصحابة والتابعون وأئمة أهل البيت القرآن كاملاً بعده دون أن تقف رحلة التأمّل في الكتاب الكريم.

لهذا، فالأقرب في تفسير هذه الظاهرة هو الرجوع إلى مركّب مؤلّف من مقدّمتين:

الأولى: ما ذكره ابن خلدون من علم المحيطين بالنبي باللغة بفروعها وامتداداتها علماً وجدانياً عفوياً إلى جانب معايشتهم لملابسات نزول الآيات، فإن جهداً هائلاً يبذله المفسّرون اليوم يعود إلى فقدانهم هاتين الخاصيتين: اللغة والتاريخ.

الثانية: عدم بلوغ الوعي الإسلامي آنذاك مرحلةً من إثارة التساؤلات التي تطالب بإعادة قراءة النصّ لتحصيل جوابٍ عنها، فعندما ظهرت الخلافات الكلامية والاصطفافات المذهبية عاد المسلمون مرةً أخرى إلى القرآن لاستنطاقه في حلّ مشاكلهم، فظهرت جوانب في النص لم تكن ظاهرة، هكذا الحال في كلّ عصر ومصر، والتجربة الإسلامية في عصر النبي كانت ممتلئةً بالأجوبة الشافية من خلال هذا المعطى القرآني الآتي من اللغة العفوية وملابسات النزول، لهذا كانت الأسئلة محدودة؛ لأنّ الوعي والإشكالية كانا في حدّ معيّن.

هذا يعني أن ثنائية التاريخ واللغة عندما تضاف إلى ثنائية الوعي والسؤال، تفسّر لنا قلّة الأسئلة حول التفسير القرآني في العصر النبوي وقلّة ما تركه النبي لنا ـ بحسب ما وصلنا ـ من تفسير القرآن الكريم.


2ـ التفسير الأثري في عصر الصحابة

بعد وفاة الرسول| بدأت مرحلة تفسير الصحابة، فقد توسّعت الدولة الإسلامية ودخلت في الإسلام شعوب وأمم ناطقةٌ باللغة العربية وغير ناطقة بها، وبدأت المسافة المعرفية تقع بين الأمّة والقرآن؛ لأنّ العاملَين اللذين ساهما في اختصار رحلة التفسير في العصر النبوي بدأ يضعف حضورهما هنا في هذه المرحلة، فاللغة العربية لم تعد لغة جميع المسلمين، وصارت هناك حاجة لتفسير النص العربي لغير العرب، كما أنّ الأيام كانت بانقضائها تلقي ظلالاً من الضباب على أحداث التاريخ ومعرفة ملابسات نزول النصوص، فلم يكن هناك من ملجأ في تلك المرحلة إلا العودة إلى الصحابة المقرّبين، فهم أكثر اطّلاعاً على هذين الأمرين: اللغة والتاريخ؛ فظهرت تفاسير الصحابة على شكل إشارات لغوية تارةً وتاريخية أخرى، وولد التفسير الأثري في عهده الثاني.

وقد تفاوت الصحابة في مديات معرفتهم تبعاً لمتابعتهم لما صدر في مجال تفسير القرآن عن رسول الله| تارةً، وملاحقتهم شؤون نزول كلّ آية كي يكونوا على دراية بملابسات ذلك أخرى، ومتابعتهم شؤون اللغة وسعة أفقهم وقدراتهم التحليلية ثالثة.

وكان لحفظ القرآن الكريم والتأمّل فيه ـ وهو في الحفظ كلّه ـ دور أيضاً في بروز بعض الصحابة في هذا المجال؛ إذ كلّما حفظ الصحابيّ الكتاب كلّه وتأمل في ثنايا آياته وقارن بينها وقارب.. حصلت له اجتهادات جديدة في فهمه، ونحن نعرف أنّ الصحابة كانوا منشغلين بمهمات مختلفة بعد وفاة الرسول|، فبعضهم اعتزل الناس ولم يعد له أيّ حضور، وبعضهم انشغل بالعمل السياسي أو القضائي أو العسكري في الغزوات والفتوحات، وبعضهم تفرّغ للعلم والتبليغ والدعوة، وكان هؤلاء بارزين في مجال المعرفة بالكتاب الكريم.

واختلفت أمزجة الصحابة في التفسير، بحسب ما وصلنا من نصوص مأثورة عنهم، فبينما كان بعضهم يركّز على كشف الجوانب اللغوية ويغلب على تفسيره الطابع اللغوي من شرح المفردات ونحو ذلك مثل ابن عباس، نتيجة أسئلة وجّهت إليه، أو ربما كان لغير العرب دورٌ في ذلك إذا صحّت نسبة هذه التفاسير له، كان فريقٌ آخر يعتمد منهج التحليل والاجتهاد، مثل ابن مسعود، رغم أنّ قلقاً ظلّ يكتنف بعض الصحابة من الخوض في التفسير، الأمر الذي كان يدعو بعضهم لعدم التصدّي لهذا الأمر.


أبرز مفسّري الصحابة

قال السيوطي: اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة، الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير. أما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب، والرواية عن الثلاثة نزره يسيرة، وكأنّ السبب في ذلك تقدّم وفاتهم، كما أنّ ذلك هو السبب في قلّة رواية أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ للحديث، ولا أحفظ عن أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ في التفسير إلا آثاراً قليلة جداً لا تكاد تجاوز العشرة، أما علي فروي عنه الكثير( ١١).

هذا النص يحتاج إلى تعليق:

أولاً: كيف عرف السيوطي أنّ هؤلاء هم أشهر المفسّرين، مع أنه لم يصله عن أبي بكر إلا عشرة روايات؟! أخشى أن تكون الروح المذهبية التقديسية هي السبب في هذا الأمر، من حيث إنّ الخلفاء الأربعة لابد وأن يكون لهم قصب السبق في كل شيء!!.

ثانياً: إنّ إقحام زيد بن ثابت والأشعري وابن الزبير ليس دقيقاً؛ لأننا لا نتحدث عن مطلق من له كلام في التفسير من الصحابة، وإنما عمّن اشتهر بالتفسير، لهذا نرجّح أن يكون مفسّرو الصحابة المشهورين ـ وكثير من الصحابة روى في التفسير ـ أربعة على الترتيب التالي، وفقاً لما وصلنا منهم:

أ ـ علي بن أبي طالب، لا سيما مع الأخذ بعين الاعتبار أيضاً التفاسير المنقولة عنه في المصادر الشيعية كالإمامية والزيدية والإسماعيلية.

ب ـ عبد الله بن عباس، مع الأخذ أيضاً تفاسيره في المصادر الشيعية.

ج ـ عبد الله بن مسعود، مع ملاحظة ما تقدّم.

د ـ أبيّ بن كعب، مع ملاحظة ما تقدّم أيضاً.


خصائص التفسير الأثري في عهد الصحابة

أبرز خصائص التفسير الأثري في عهد الصحابة، ما يلي:

1 ـ عدم استيعاب تمام آيات القرآن.

2 ـ يُسر التفسير وبساطته وإجماله العام.

3 ـ قلّة الاستنباط الفقهي فيه.

4 ـ شفاهية هذا التفسير في الغالب وعدم تدوينه مباشرةً(١٢ ). اللهم إلا مصحف علي× بناءً على أنّه كان حاوياً لتفسير القرآن الكريم أيضاً، لكن مع الأسف لم تصلنا نسخة هذا التفسير كاملة مدوّنة.

من هنا ربما يمكن اعتبار مصحف الإمام علي× هو أوّل وثيقة تفسيرية ظهرت في عهد الصحابة( ١٣)، وإن كان الأمر يحتاج إلى مزيد نظر في أنّه أول وثيقة ظهرت أو دوّنت ولم تظهر؟ هذا، وينقل وجود بعض المدوّنات عن ابن عباس وأبي بن كعب.


3 ـ التفسير الأثري في عهد التابعين وتابعيهم

التابعون ظاهرة تعليمية ثقافية عفوية تخرّجت من بيوت الصحابة، وكان أغلبهم من الموالي، وقد ظهر التابعون وتابعوهم مع النصف الثاني من القرن الأوّل الهجري إلى أواخر القرن الثاني الهجري، وزاد اختلاطهم بالشعوب الوافدة على الإسلام في عصر تعاظمت فيه الإشكاليات والتساؤلات، وتمّ الابتعاد فيه كثيراً عن اللغة والتاريخ، وازداد معضل إثبات ما صدر عن النبي والجيل الأقدم من الصحابة، فاشتدّت الحاجة إلى التفسير وظهر بشكله الموسّع الأول هذه المرّة.

وقد اعتمد التابعون في تفسير القرآن على القرآن تارةً، وتفاسير الصحابة أخرى، وعلى اللغة ثالثة، وما وصلهم من تاريخ رابعة، كما أعملوا اجتهادهم خامسة.

لكن حصل أمرٌ استجدّ بشكل واضح في هذه المرحلة وأسّس لإشكالية كبيرة في التفسير الأثري عموماً فيما بعد، وهو أنّ التابعين ـ فيما يبدو ـ لم يتحفظ بعضهم من الأخذ عن أهل الكتاب في قضايا لها صلة ما بمضمون آيةٍ هنا وأخرى هناك، الأمر الذي أدّى إلى نفوذ الإسرائيليات في تفسير القرآن بالحديث والأثر، وهو أمرٌ كان له وجود في عهد الصحابة لكن ضمن نطاق محدود نسبيّاً.

فارتفاع معدّل الاجتهاد في تفسير التابعين، وظهور معضلات من نوع الإسرائيليات، خفض من القيمة الاعتبارية للآثار الواردة عن التابعين وتابعيهم، ومع ذلك ظلّت لهم بعض الميزات؛ لقربهم الزمني وثقافتهم باللغة العربية وقلّة الوسائط بينهم وبين الأحداث، الأمر الذي لم يحظ به من تأخر من أرباب التفسير( ١٤).


مدارس التفسير عند التابعين وأبرز المفسّرين

برزت في عصر التابعين وتابعيهم عدة مدارس تفسيرية تمحورت حول نزعات هذا الصحابي في التفسير أو ذاك، وهذه المدارس هي:

1 ـ المدرسة المكية، ومحورها عبد الله بن عباس، وأشهر تلامذتها: سعيد بن جبير (95هـ)، ومجاهد بن جبر المكي المخزومي (103هـ)، وعكرمة البربري مولى ابن عباس (105 أو 107هـ)، وكان متهماً بالكذب عند بعضهم، وطاووس بن كيسان اليماني الهمداني (106هـ)، وعطاء بن أبي رباح المكي (114هـ)، وغيرهم.

2 ـ مدرسة العراق أو الكوفة، ومحورها عبد الله بن مسعود، وقد برز فيها كلٌ من: قتادة بن دعامة السدوسي البصري (118هـ)، والحسن البصري (110هـ)، ومسروق بن الأجدع (63هـ)، ومرّة الهمداني (76هـ)، وعامر بن شراحيل بن عامر الشعبي الحميري (104هـ)، والأسود بن يزيد بن قيس النخعي (74هـ)، وعلقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك (62هـ).

3 ـ مدرسة المدينة، ومحورها أبي بن كعب وأئمة أهل البيت^، وظهر في المفسرين هناك كلّ من: زيد بن أسلم العدوي المدني (136هـ)، وأبو العالية رفيع بن مهران البصري (90هـ)، ومحمد بن كعب القرضي الكوفي (117هـ)(١٥ ).


المفسرون من تابعي التابعين

شهد القرن الثاني الهجري حركة تفسير نشطة وبرزت بعض الشخصيات، ونحن نذكر أهم هذه الشخصيات:

1 ـ مقاتل بن سليمان الأزدي (150هـ).

2 ـ عبد الملك بن جريج الأموي (150هـ).

3 ـ شعبة بن الحجاج الأزدي (160هـ).

4 ـ سفيان بن سعيد الثوري (161هـ).

5 ـ مالك بن أنس (179هـ).

6 ـ وكيع بن الجراح (197هـ).

7 ـ سفيان بن عيينة الهلالي (198هـ).

8 ـ هشام بن محمد بن السائب الكلبي (206هـ).


خصائص التفسير في عهد التابعين وتابعيهم

وأهم خصائص التفسير في هذا العهد ما يلي:

1 ـ ارتفاع معدّل الاجتهادات الشخصية، في محاولة لاكتشاف معطيات جديدة في الكتاب، وحيث كانت التجربة جديدة ظهرت أخطاء واضحة جداً لتبدأ في أواخر هذا العصر بدايات عملية إصلاح شكّلت مخاضاً لولادة علم تفسير أكثر منهجيةً، ظهر فيما بعد ـ في بداياته ولأوّل مرّة ـ مع محمد بن جرير الطبري (310هـ) في جامع البيان.

2 ـ ابتلاء أكثر الأسانيد التي تمّ الاعتماد عليها لجمع الوثائق التاريخية ونصوص الصحابة والرسول بمشاكل حقيقية، من نوع الاعتماد على الضعفاء والمجاهيل أو عدم ذكر الأسانيد إطلاقاً، بل إنّ بعض المفسّرين أنفسهم واجهوا تهم الوضع والكذب مثل عكرمة وغيره، كما سنشير لاحقاً بعون الله تعالى. نعم بدأت الأسانيد تستحكم تدريجياً في أواخر هذه المرحلة.

3 ـ محاولة استحضار نتاجات أهل الكتاب، في فهم الآيات وتفسيرها وتكميل الصور التاريخية التي عرضها القرآن الكريم، الأمر الذي أوقع حركة التفسير كلّها في إشكالية عظيمة، وزاد من حركة الوضع في تفسير القرآن.

4 ـ ارتفاع ملحوظ في معدّل الخلافات التفسيرية في هذه المرحلة، فصارت هناك في الآية الواحدة آراء وآراء، الأمر الذي فتح علم التفسير على بدايات ظهور مدارس مختلفة في المنهج والأسلوب، وقد ساعدت في ذلك الخلفياتُ الفكرية والسياسية والمذهبية للمفسّرين أنفسهم، ومثال ذلك الخلاف بين تفسير قتادة والحسن البصري في آيات القدر.

5 ـ غالباً ما لم يكن تفسير هؤلاء للقرآن كاملاً، لكن تدريجياً بمرور الوقت صار عدد الآيات المفسّرة عند هذا المفسّر أو ذاك أكبر حتى تكاد تستوعب الكتاب كلّه(١٦ ).


4 ـ التفسير القرآني عند أهل البيت عليهم السلام

قام أهل البيت النبوي بتفسير القرآن الكريم للناس منذ وفاة الرسول|، وقد بذلوا جهوداً كبيرة في هذا المجال، ونقلت عنهم الكثير من الإفادات في تفسير القرآن العظيم، فمنذ وفاة النبي عكف الإمام علي بن أبي طالب× على جمع القرآن مرفقاً بتفسيره، وفق النظرية المعروفة، وأدرج إلى جانب كلّ آية معناها وتأويلها وما يتصل بفهمها من أمور.

وحتى لو غضضنا الطرف عن ذلك، وبقينا وما وصلنا من روايات عن الإمام علي× في تفسير القرآن، سنبقى نرى ـ كما لاحظنا من قبل ـ أنّه كان أكثر المسلمين تفسيراً للقرآن في العصر الإسلامي الأوّل، وهذا ما يدلّ على اهتمام كبير من أهل البيت بتفسير الكتاب العزيز.

وقد واصل أهل البيت مشروعهم التفسيري، فبرز الإمامان: محمد الباقر وجعفر الصادق، إذ لو جمعنا ما أثر عنهما في تفسير القرآن لوجدنا تفسيراً من أوسع تفاسير القرآن الواصلة إلينا في تلك الفترة.

ولم يترك أهل البيت كتاباً مستقلاً أملوه أو سطروه بأيديهم في تفسير القرآن سوى كتاب التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري، وسوف يأتي أنه لم تصحّ هذه النسبة عند العلماء.

إلا أنّ النصوص المتناثرة الموجودة في الكتب الحديثية عند الشيعة والسنّة مأثورةً عن أئمة أهل البيت تخوّلنا القول بأنهم تركوا واحداً من أوسع تفاسير القرآن الكريم، هذا إذا ضممنا إلى هذه الروايات المتناثرة ما جاء في الكتب الحديثية التفسيرية الناقلة عنهم، خاصّة مثل تفسير العياشي والقمي وفرات الكوفي وغير ذلك.


معالم التفسير القرآني في المأثور عن أهل البيت النبوي

يحوي تفسير أهل البيت للقرآن ـ بحسب ما وصلنا ـ على ما يلي:

1 ـ الإشارة إلى بعض القراءات القرآنية، مثل قراءة علي، وهذه القراءات التي تشير إليها بعض الروايات قد نجد لها ما يشبهها عند بعض القراء، وقد لا نجد لها مثيلاً عند أيّ من القراءات المعروفة عند المسلمين.

2 ـ الإكثار من الروايات التطبيقية القائمة على التفسير تارةً وعلى الجري والانطباق أخرى، حيث يلاحظ في التفاسير المنسوبة إليهم أنها تركّز على تطبيق الآية القرآنية على مصداقها، وفي كثير من الأحيان يجري تطبيق الآيات المادحة على أهل البيت أنفسهم أو شيعتهم، فيما يجري تطبيق الآيات الذامّة على خصوم أهل البيت أو منافسيهم أو أعدائهم أو شيعة هؤلاء.

3 ـ تفسير آيات الأحكام، إذ يلاحظ في تفاسير أهل البيت التعرّض لآيات الأحكام، ومدلولاتها الفقهية وغير الفقهية، وذلك بشكل ملفت.

4 ـ الطابع التأويلي الرمزي، إذ نجد في العديد من المرويات تأويلات باطنية ومعاني ذات طابع رمزي تشبه ما يظهر أحياناً من العرفاء والمتصوّفة.

5 ـ تفسير القرآن بالقرآن، حيث نجد في بعض الروايات محاولات للربط بين الآيات ومقاربتها للحصول على معطيات جديدة ومفيدة.

6 ـ بيان أسباب النزول، وهذا كثير في روايات أهل البيت التفسيرية، حيث يبيّن فيها ظروف نزول هذه الآية أو تلك بما يسلّط الضوء على المناخ التاريخي لنزول الآيات.

7 ـ إبطال تفاسير أخرى مطروحة في بعض الآيات، حيث نلاحظ أنّ بعض السائلين يطرح بعض التفاسير المثارة في عصره، ليعلّق الإمام عليها، فنجد أئمة أهل البيت يعلّقون سل


الحريّة والنظر هل تشلّ مقولة العقاب الأخروي حركة الإبداع الفكري؟

30 أبريل 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

كيف تشاد البناءات العقدية؟ وهل يجب على النظر العقلي أن يراعي النصّ في تشييد هذه البناءات؟ وكيف يمكن التوفيق بين الوصاية النصّية ومبدأ النظر في العقديات؟

أسئلة تواجه الفكر الديني عموماً، والإسلامي ــ سيما في مرحلتنا ــ خصوصاً، ذلك أنّها تلامس شرعية النظر العقلي والاجتهاد الفردي في العقديات بالدرجة الأولى، ومن ثم لابدّ من تقديم أجوبة لها، نطلّ من خلال بعضها على الموضوع هنا باختصارٍ شديد كالعادة.

1 ــ المدخل الإشكالي في هذا الموضوع هو هل يمكن تطبيق ثقافة تربوية في مجال النظر العقلي العقدي تقوم على مفهومي الثواب والعقاب؟ أم أنّ ذلك شلاً في روحه لحركة النظر وإرعاباً من نتائجها؟

ولكي تتمّ ملامسة الجواب عن هذه الإشكاليّة، لابدّ ــ بدايةً ــ من التأكيد على أنّ مبدأ الثواب والعقاب يصحّ تمريره هنا، إذا ما كان نظرنا إلى مقدّمات الفعل العقلي، أي إلى العُدَدِ والأدوات التي تمّ توظيفها أو استنـزافها في عملية النظر مقدّمةً لبلوغ الحقيقة العقدية، فإنّ نظام الثواب والعقاب من شأنه أن يحدّ من عمليّات الاستعجال أو الابتسار، وأن يقلّص من الاندفاعات غير المنطقية أو المماحكات العقلية غير المدروسة، وهو أمرٌ نخمّن أنّه إيجابي، لسلامة النظر العقلي، والرقي به نحو جودةٍ أفضل وأداءٍ أكثر ملاءمة.

إنّ ملاحقة مقولة العقاب الأخروي للباحث الديني في هذا المستوى من مسألة النظر، ليس أمراً سلبياً حينما يتمّ توظيفه لتحسين نوعية النشاط المعرفي محافظةً ــ قدر الإمكان ــ على عناصر الأمانة والهدوء والتروّي والعقلانيّة، إنّ توظيف هذه النظم الدينية، عنيت الثواب والعقاب، الثواب على بلوغ الحقّ، والعقاب على خطئه.. لكي تجوّد النشاط المعرفي يبقى ضرورة يحتاجها الدين والعقل معاً.

2 ــ لكنّ إنذار الباحث الديني بالعقاب الأخروي نتيجة تسرّعه ولا عقلانيّته في ممارسة النظر العقلي.. لا يعني تطبيق المقولة عينها في مجالات أخرى.. ولكي نقرأ هذا الموضوع جيداً ينبغي أن نعرف أنّه من الضروري تقديم ضمانات للباحث الديني في بحثه، وإلاّ أحجم عن البحث وقتلنا بذلك مناشط التفكير، وشلّت بفعلتنا حركة الفكر الديني، ولتقريب هذه الفكرة نحاول استحضار مقولة الحجيّة التي وظّفها علماء أصول الفقه، وذلك حينما قالوا بأن الفقيه حينما يقوم بوظائفه البحثية بأمانة عالية فإنه يملك ضمانات تبعده عن العقوبة الأخروية وتجعل لديه حصانة على تقدير أن يكون قد أخطأ، إنّ معنى هذا الكلام أنّ الفقيه قد انطلق في بحثه الفقهي من ضمانات تسعفه على افتراض أن يكون قد أخطأ في استنتاجاته، ولهذا قيل قديماً: للمجتهد أجرٌ إن أخطأ وأجران إن أصاب، بعيداً عن ما سجّل على هذه الجملة الأخيرة من اعتراضات.

إنّ هذه الضمانات المؤمّنة من العقاب هي التي أقلعت بحركة الاجتهاد الفقهي، وشكّلت إحدى صمامات الأمان التي تهيء الظروف لانبعاث حركة الاجتهاد وانطلاقتها، ولو أنّنا افترضنا أنّ الفقيه سينذر بعقاب لو أخطأ حتّى بعد قيامه بواجباته العلميّة لما وجدنا مثل هذا الحراك الفكري في المجال الفقهي مثلاً.

وما نريد إثارته هو تعميم هذا المنطق على الاجتهاد الكلامي بقسميه القديم والجديد، لأنّ عدم تعميمه سيقتل حركة الفكر الكلامي، كما هو الحاصل في أكثر من مجال، وعملية التعميم هذه ليست اعتباطية، بل ينبغي لها أن تقوم على بناءات فلسفية ومنطقيّة مدروسة، فنحن لا نريد هنا إبداع مقولات فلسفية من العدم، بقدر ما نريد تنظيم هذه المقولات التي يتواجد أغلبها بين أظهرنا في ميادين متفرّقة، ومن ثمّ إعطاؤها دوراً أكبر وأكثر فاعليّة، إذ ما دام الإنذار بالعقاب على الخطأ الاجتهادي الكلامي ماثلاً أمام الباحث الديني فلا يجدر انتظار الكثير من الإبداع منه.

3 ــ ولكي نتفهّم الموقف الديني المتحفّظ، انطلاقاً من أنّ إعطاء ضمانات يعني شرعيّة الأديان والمذاهب كافّة، أو يعني عبثيّة الديانات الحقّة أو غير ذلك ممّا وجدناه عند جماعة من كبار العلماء والمنظّرين من أمثال الوحيد البهبهاني (1205هـ) والشيخ عبدالله البحراني وغيرهما، من الضروري التركيز على الفرق بين مسألة الحقّ والباطل، ومسألة الثواب والعقاب، فأن يكون الإنسان معذوراً عند الله تعالى أمرٌ يختلف تمام الاختلاف عن كونه محقّاً أو مهتدياً لا ضالاً سبيل الصواب، والخلط بين هذين الثنائيّين أدّى ويؤدّي إلى حصول التباس، فإرسال الرسل، وبعث النُذُر، وسنّ الشرائع، واللطف بالعباد هو ــ علاوةً على إنجائهم من عذاب الله تعالى… ــ للبلوغ بهم مراقي الكمال، والأخذ بأيديهم لخير الدنيا والآخرة، وما هو صلاحهم وكمالهم في هذه الحياة، وهي أمورٌ تكوينية، إذ شاء الله تعالى أن لا تجري الأمور إلاّ بأسبابها، فمجرّد أن يكون الإنسان معذوراً في تناوله مادّةً سامّةً لا يجمّد من تأثير السمّ على بدنه بما قد يؤدّي إلى قتله.

وهذا ما نقصده هنا، فإنّ العذر الذي نتكلّم عنه لا يصيّر غير الإسلام إسلاماً، ولا يجعل غير الديانة الحقّة مؤدّياً إليها وموصلاً للغرض فيها، غاية ما في الأمر أنّ الملتبس عليه الأمر غير معاقب.

4 ــ لكنّ التباس الأمر لا يجدر استغلاله لصالح توسعةٍ غير منطقية، ومن هنا نحبّ في هذه العجالة توظيف الثنائي الكلامي ــ الفقهي، القديم ــ الجديد، ألا وهو ثنائي القاصر والمقصّر، فالقاصر لا يعاقب بحكم العقل على خلاف الحال مع المقصّر، وهذا أمرٌ لا يناقش فيه عادةً وغالباً، إنّما النقاش يقع في وجود القاصر في المجال العقدي كما هو الحال في المجال الشرعي أم أنّ المجال العقدي لا يتحمّل فرضيةً كهذه أبداً أو إلاّ نادراً.

وإذا رجعنا إلى مواقف العلماء وجدنا تيّارين رئيسيين يتجاذبان هذا الموضوع بدءاً ــ ربما ــ من الجاحظ (255هـ) وحتّى العصر الحاضر، فتيّار يحاول ــ في إثارته للموضوع ــ أن يجعل القاصر محصوراً في دائرة الصبيان والمجانين والعجزة، ممّن لا تسعفهم الحيلة للبحث والنظر ما دامت إمكاناتهم محدودة عقلياً و.. ونجد هنا نصوصاً لأمثال المرجع الخوئي (1413هـ) تكاد تقترب من هذا الرأي، أما التيار الآخر فهو يعتقد بأنّ القاصر ليس فقط موجوداً في المجال العقدي على الخلاف ممّن نفاه بالكلّية بل هو الحالة الغالبة في الاجتماع الإنساني، وقد نقل مضمون هذا الكلام عن الشيخ بهاء الدين العاملي (1031هـ) حتّى سبّبت له هذه الفكرة ــ على ما يقول الخوانساري (1313هـ) في "روضات الجنات" ــ مشاكل و.. وأكاد أعتقد بأنّ الإمام الخميني (1409هـ) هو أبرز شخصيّة في هذا المجال، إذ لديه نصّ يعدّ من أقوى النصوص في هذا المضمار، فهو يقول: "إن أكثرهم ]الكفّار[ ــ إلاّ ما قلّ وندر ــ جهّال قاصرون لا مقصّرون، أمّا عوامهم فظاهر، لعدم انقداح خلاف ما هم عليه من المذاهب في أذهانهم، بل هم قاطعون بصحّة مذهبهم… والقاطع معذور في متابعة قطعه ولا يكون عاصياً وآثماً، ولا تصحّ عقوبته في متابعته، وأمّا غير عوامهم فالغالب فيهم أنّه بواسطة التلقينات من أوّل الطفولية والنشوء في محيط الكفر صاروا جازمين ومعتقدين بمذاهبهم الباطلة.." (المكاسب المحرّمة 1: 200).

وكما أشرنا، ينصّ الخوانساري على طعن بعض العلماء بالبهائي لقوله: ((إنّ المكلّف إذا بذل جهده في تحصيل الدليل، فليس عليه شيء إذا كان مخطئاً في اعتقاده، ولا يخلّد في النار)) (روضات الجنّات 7: 67).

5 ــ ورغم هذه النصوص القاطعة يذهب البعض إلى تصوّر أنّ هذه المقولة مقولةٌ غربية، أتتنا من النـزعات البروتستانتية، ومن مدارس التعددية الدينية المعاصرة مع جون هيغ وأمثاله، وإنّما تعمّدتُ ذكر نصّين لفقيهين بارزين ليُعلم أنّ الفقه نفسه قادرٌ على تحمّل مثل هذا الرأي، مع اعتقادنا بالنـزعة الفلسفية والعرفانية للبهائي والخميني رحمهما الله.

إذن، فمن الضروري وعي التراث جيداً لملامسة إشكاليّات حسّاسة من هذا النوع، وعدم الاستعجال ــ الصادق أحياناً ــ في التعاطي مع هذه الموضوعات، ولو أردنا سرد الآراء ــ سيما آراء الفلاسفة والعرفاء ــ لطال المقام كثيراً.

إنّ هذه المقولة تمثّل ضمانة، تعلن أن من يطلب الحقّ صادقاً ويبذل الجهد المعقول في السعي خلفه ثم لا يبلغه أو يناله معذور في الجهل بالحقّ، دون أن يعني ذلك إعطاء العذر مطلقاً، فنحن لا ننكر وجود المقصّر، ولا غضّ الطرف عن المخالفات العملية لا أقلّ للعقل العملي كالظلم والقتل بغير الحق و… يجب أن تدرك المسألة بجميع جوانبها، ممّا لا مجال لإفاضة الحديث فيه في هذه الصفحات المحدودة.

6 ــ ويكاد التعجّب يمتلك الإنسان من اعتقاد البعض بأنّ الناظر الذي لا يبلغ الحقّ مقصّر، وشاهد ذلك أنّه لو لم يقصّر لبلغه، إنّ هذه الفكرة ذات صبغة أيديولوجية بحتة، تتجاوز وقائع الأمور، لصالح أيديولوجيا مسقطة، إذ من هو الذي برهن على هذا الأمر؟! وهل كل العقديات يجري عليها هذا القانون؟! وما معنى ارتهان شرعية النظر بصحّة النتائج؟! أليس في ذلك تفريغاً لحرمة التقليد في أصول الدين؟! وهل تحتجب الفطرة لعامل الذنب البشريّ فقط ولا تحجبها ظروفٌ قاهرة على الإنسان كالبيئة والمحيط؟!…

إنّ دراسة ظروف الناس من حيث القصور والتقصير أمرٌ لا يرتبط بالنتائج العلميّة التي خرجوا بها بقدر ما يرتبط بأدائهم العملي ونواياهم الداخلية، بل كيف يمكن رهن الثواب والعقاب بإصابة الحقيقة وعدم إصابتها، فإن الإصابة أمرٌ غير اختياري في حدّ نفسه فكيف يرهن العقاب بما لا يرجع إلى الاختيار؟! وأمّا التشكيك المستمر ّ في النوايا فهو مشكلة يجب حلّها من جذورها النفسية والعقلية.

7 ــ وبهذه الضمانة تنطلق الأفكار لتدرس العقديات بحرّية أمينة وصادقة، لا حرّية منفلتة وعشوائية تبنى على التعسّف والابتسار، وعبر هذا الطريق يحيا الاجتهاد الكلامي، وتخفّ وطأة القلق والخوف المانعين عن الإبداع والخلاقية، وأيضاً تبنى بذلك عقديات برهانية، لا على الطريق المعتزلية المتشدّدة، وإنما على طريقة تستوعب إمكانات الإنسان، إذ لا معنى لمطالبة الباحث اليوم بدراسة جميع الديانات والمِلَل وكافّة البراهين والأدلّة، فهو أمرٌ لا بالمقدور لشخص واحد ولا بالمستطاع للشعوب، بل ولا بالمطلوب على مستوى العقل العملي.

ويبقى أن نرسم تصوّراتنا بدقّة جميعاً لا يستثنى من ذلك أحد، حتّى لا ننتج أفكاراً تقتل مجتمعاتنا أو تسير بها نحو الانحراف التام.

وهكذا تبقى مقولة العقاب الأخروي فاعلةً تربوياً في مجالاتها المنطقيّة، تبني الروح وتهذّب النفس وتشيد الأخلاق الحميدة.

 

 

______

(*) نشرت هذه المقالة في العدد 35 من مجلة المنهاج في بيروت، خريف عام 2004م.