بحوث و دراسات

عن عقدة النقص تجاه السيد حسن نصر الله

12 مارس 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تردّدتُ كثيرًا قبل الدخول في المسارب الوعرة للنقاش المذهبي المتزايد مؤخرا والمشبوه بمضمونه وتوقيته والذي يفضي، بحكم الصدفة، إلى حالة رعناء من التحريض المكشوف على الشيعة ومعتقدهم وذلك عبر كافة وسائل الإعلام من فضائيات ومواقع إنترنت وتصريحات بالإضافة إلى فتاوى تعيسة هي، بحسب رأيي، لا تمت للإسلام المتسامح بصلة القربى. ما جعلني أخرج عن صمتي وترددي هو ما نقلته وسائل الإعلام من أن إمام أحد المساجد (حسب جريدة عرب الداخل) في فلسطين، ومن على منبر خطبة الجمعة أقسم بالله العظيم أن حسن نصر الله عميل.

لست هنا لأناقش ذاك „المتشيخ” الصغير وهو أقل ما يمكن أن يقال بحقه، وإنما محذرا ورافضا لعقلية الإقصاء والدسائس الطائفية في قضية مركزية يسعى مثيروها الأصليون من خلال أدواتهم العمياء أن يمزقوا نسيج الأمة ويشتتوا كلمتها منعا لتوحيدها وتمكينها، ليتسنى للأعداء التسلل لوعيهم وتسميمه كشرط ضروري لفرض السيطرة والهيمنة المطلقة على مقدراتها ومستقبلها. مع ذالك لا بد من مخاطبة بعض المضللين أو الذين انطلت عليهم مثل تلك الحملات والأضاليل، رغم إقراري سلفا أنني غير ضليع في الفقه ولا عالم في الدين، لكنني أعتمد بموقفي على حقيقة أن دين الإسلام مؤسس على تلازم العقل والإيمان، والمعرفة والعبادات، والتسامح ورؤية المصالح الكبرى وهو ليس دين النخبة العارفة والكهنوت بل دين الجماهير الفعالة التي تعرف كيف تقوم أمور دينها ودنياها حتى لو جاءت متعارضة أحيانا مع مشايخ السلطان والظلام، فأقول: جاء في القرآن الكريم (وقِفوهم إنهم مسؤولون)، وهذا معناه يا شيخ أنك ومن مثلك سوف تسأل أمام الله عن كل ما تقوله أو تكتبه أو تنشره، خصوصًا أنك لم تتأكد أو تتيقن أو تتبين في الدليل القاطع ما أقسمت بالله العلي العظيم على حقيقته. ولا أظنك غافلًًاأو جاهلًًاما يعنيه أن تـُقسم بالله العليّ العظيم كذبًا وافتراءً من أجل أن تثبت صدق توجهك وموقفك مما يضع ألف علامة سؤال على دوافعك. لذا وجب أن نذكرك بالآتي:

عن أبي هريرة قال النبي العربي الكريم (صلعم)، „أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وما له إلا بحقه وحسابه على الله”.

عن أبن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلعم) “كفوا عن أهل لا إله إلا الله لا تكفروهم بدين فمن كفر أهل لا إله إلا الله فهو إلى الكفر أقرب”. وقال أيضًا (من قال لرجل يا كافر فقد باء بها أحدهما).

أليس للمسلمين والعرب في رسول الله قدوة حسنة وهو الذي نهى عن تكفير الناس بمجرد قولهم لا إله إلا الله. أم أنك يا شيخ ومن يكفر الشيعة من الشيوخ تستنون بغير سنة النبي (صلعم).

إن الأسباب التي يتمسك بها من يكفر الشيعة هي أسباب غير صحيحة ومن المعلوم أن تكفير المسلم هو أمر خطير وشر مستطير تواترت الأدلة الشرعية عن النهي عنه والتحذير من الوقوع فيه، لأن تكفير المسلم هو الكفر بعينه. وتحضرني هنا خطبة الشيخ علي آل المحسن حول الأسباب التي تدعو أعداء الشيعة إلى تكفيرهم وهي أسباب لا تصلح لتكفير من يشهد بالشهادتين وقد أجملها في الأسباب التالية:

الجهل بمعتقدات الشيعة.

حيث أن الغالبية العظمى من أهل السنة والجماعة الذين يكفرون الشيعة ليست مطلعة على معتقداتهم وكتبهم ومصادرها، بل تعتمد كليًا على كتب ومصادر خصومهم.

 تصيد كلمات وأحاديث من كتب الشيعة.

وإدانتهم بكل رواية وردت في كتبهم والاحتجاج عليهم بكل قول أو تصريح صدر عن المنتمين للمذهب الشيعي، حتى لو كان من صغار الطلبة أو المندسين.

طعن الشيعة في بعض الصحابة.

بالرغم من أن تقييم مواقف الصحابة هي مسألة يجوز فيها الاجتهاد والاختلاف، فان الخطأ فيها لا يستلزم كفرًا. وقد ورد عن الرسول (صلعم) أن سباب المسلم فسوق وقتاله كفر. من المعروف تاريخيا أن الصحابة أنفسهم لم يكفروا من طعن فيهم، وقد يكون مهما هنا السؤال لماذا لم يكفر من شتم أمير المؤمنين علي وطعن فيه على المنابر، ولماذا لم يكفر من قتل صحابيًا وحافظًا للقرآن الكريم حتى لو كان صحابيًا.

رغم ذلك فقد صدرت مؤخرًا عدة فتاوى من كبار المرجعيات الشيعية، نذكر منها فتوى الإمام خامنئي والشيخ المرحوم العلامة محمد حسين فضل الله، فحرم فيها سب الصحابة.

تحريف القرآن: الشيعة يؤمنون أن القرآن لم يُحرف لأنهم يؤمنون كما السنة أن الذي أنزله، وهو القادر على كل شيء، قادر على حفظه ونشره، وخلاف هذا الموقف لن نجده لا من عالم شيعي ولا من أي مصدر شيعي على وجه الكرة الأرضية إلا من مفتٍ بغير علم أو كاذب أو مضلل.

أما من الناحية الوطنية، فإن جعل إيران والمقاومة الإسلامية في لبنان وكأنها عدوّة الإسلام والعروبة بدل إسرائيل في هذا الظرف الذي تمر به الأمة، والتعاطي معها على هذا الأساس عبر التحريض المتواصل ليلًًانهارًا بمن فيهم الشيعة في إيران ولبنان من خلال مواقع الإنترنت وبعض الفضائيات التي تنفث السموم بلا رادع أخلاقي أو وطني، لهو خير دليل على انخراط هذه الفئة التي تقف وراء ذلك في المشروع الأمروصهيوني الذي يهدف إلى زرع بذور الفرقة في الأمة وتقسيمها طائفيًا ومذهبيًا ووطنيًا من أجل تسهيل ضربها وتمزيقها واستعمارها من جديد.

ولو تمعنّا في الموقف الإيراني منذ إسقاط الشاه سنتبيّن بوضوح مواقفها المناهضة للاحتلال الاسرائيلي والهيمنة الأمريكية في المنطقة والداعمة لقضية فلسطين ولفصائلها الإسلامية السّنيّة والداعمة والراعية للمقاومة اللبنانية التي كنست الاحتلال من آخر شبر من أراضيها.

هذا في الوقت الذي تآمرت به العديد من الأنظمة الإسلامية والعربية كالنظام السعودي ونظام السادات-مبارك البائد، المتحالفة مع القوى الامبريالية، تلك الدول التي يقودها مخاتير من المذهب السني والذين حولوا دولهم إلى قواعد للاستعمار.

أما فيما يتعلق بالمقاومة اللبنانية، فحسبها أنها أحرزت انتصارًا تاريخيًا على الاحتلال الاسرائيلي لم تستطع الدول العربية والإسلامية مجتمعةً على تحقيقة خلال عقود طويلة. لهذا كان من الأجدر بمشايخ الاستعمار أن يتصرفوا، على أقل تقدير، كالشيطان الأخرس وأن يصمتوا ما داموا لا يستطيعون أن ينطقوا بكلمة حق..

بعد تفكر وتفكير عميق أصبحت أميل بشدة إلى الاعتقاد أن الحقد على نصر الله والمقاومة اللبنانية ليس نابعًا من دوافع مذهبية متخلفة بل من عقدة نقص، ومن عجز، بل من غياب الإرادة لمواجهة الأعداء، واستبدال المواجهة بخدمة هؤلاء الأعداء.

 


المقدس والحرية

9 مارس 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2 زيارة

بين الفينة والأخرى تثار في فضائنا العربي والإسلامي ، مجموعة من القضايا والممارسات ، التي تستفز الناس وتقسمهم إلى قسمين : الأول مع هذه القضايا باسم الحرية ، والقسم الآخر ضد هذه القضية باسم الدفاع والذود عن المقدس والثوابت .. ولعل آخر هذه القضايا المثارة ، والتي أخذت أبعادا اجتماعية وسياسية وحقوقية عديدة هي تغريدات الشاب السعودي حمزة كشغري المتعلقة بالذات الإلهية وشخصية الرسول الكريم , والقضية الأخرى إقدام القوات الأمريكية في أفغانستان على إحراق القران الكريم  , مما أجج النفوس ، وأنزل الآلاف إلى الشوارع منددين بالأمريكيين الذين مارسوا هذا العمل  المهين إلى المقدسات والثوابت الإسلامية .. وفي مقابل هذه القضايا والممارسات المتفاوتة في حجمها ومعايير النظر إليها , تعددت المواقف والتعليقات , وتباينت ردود الفعل, حولهما , فبين قائل إن الشاب كشغري   مارس حريته وان ماكتبه لايسيء إلى المقدسات

 , وطرف آخر يرى في تغريدات كشغري خروج عن الضوابط الشرعية ويستدعي ذلك محاكمته . .. ولكون قضية إحراق القوات الأمريكية للمصحف الشريف في أفغانستان قضية لم تتباين فيها وجهات النظر سأخصص حديثي عن قضية الشاب حمزة كشغري .

ويبدو من هذه القضية وغيرها من القضايا المشابهة ، أن هذه المسألة تعود إلى طبيعة العلاقة المتصورة بين المقدس والحرية .. فهناك أطرافا تتصور أن الحرية بكل آفاقها وأشكال ممارساتها الخاصة والعامة ، هي القيمة الكبرى التي ينبغي الدفاع عنها ، ورفض أي شكل من أشكال تقييدها أو تحييدها ..

لهذا فإن هذه الأطراف تقف موقفا إيجابيا ومؤيدا لكل فرد أو جهة مارست حريتها وعبرت عن قناعتها بحرية تامة .. وفي مقابل هذه الأطراف ، هناك أطرافا أخرى ترى أن الحرية هي قيمة من مجموعة قيم ومثل عليا ، ولا يمكن على الصعيد العملي من التعامل مع هذه القيمة بمعزل عن المنظومة القيمية الكاملة ، التي تحدد بعض الحدود والضوابط على مستوى الممارسة ..

وإن هذه الحدود والضوابط ليست تقييدا لقيمة الحرية ، وإنما في هذا الموضوع أو القضية الأولوية لقيمة أخرى مختلفة عن قيمة الحرية .. وهكذا تتباين وجهات النظر ، وستبقى العلاقة بين المقدس والحرية علاقة شائكة وقلقة ، وتتطلب المزيد من أعمال العقل والفكر لبناء تصور متكامل لطبيعة العلاقة بين المقدس والحرية ..

وفي سياق بلورة الرأي أو خلق مقاربة نظرية جديدة للعلاقة بينهما نود إبراز النقاط التالية:

1-مع الحرية وضد الإساءة :

الحرية الحقيقية للإنسان تبدأ حينما يثق الإنسان بذاته وعقله وقدراتهما ، وذلك لأن التطلع إلى الحرية بدون الثقة بالذات والعقل ، تحول هذا التطلع إلى سراب واستلاب وتقليد الآخرين بدون هدى وبصيرة .. لذلك فما لم يكتشف الإنسان ذاته ويفجر طاقاته المكنونة ، لن يستطيع من اجتراح تجربته في الحرية وبناء واقعه العام على قاعدة الديمقراطية والشراكة بكل مستوياتها .. وكما يقول الدكتور ( علي حرب ) أن الحرية ليست هواما ليبراليا كما يتخيلها السذج من الحداثيين الحالمين بفراديس أرضية أو بديمقراطيات مثالية .. هذه أكبر عملية خداع مارسها وما يزال المثقفون العرب والغربيون فيما يخص تحديث المجتمعات العربي وتطورها .. ذلك إن الذي يمارس حريته هو الذي يجترح قدرته ويمارس سلطته وفاعليته ، بما ينتجه من الحقائق أو يخلقه من الوقائع في حقل عمله أو في بيئته وعالمه ..

ومن لا سلطة له لا حرية له .. ولذا فالحرية عمل نقدي متواصل على الذات ، يتغير به المرء عما هو عليه ، بالكد والجهد ، أو المراس والخبرة ، أو السبق والتجاوز أو الصرف والتحول ، مما يجعل إرادة الحرية مشروعا هو دوما قيد التحقق بقدر ما يشكل صيرورة متواصلة من البناء وإعادة البناء ..

من هنا ووفق هذا المنظور مع الحرية كقيمة مركزية في منظومتنا القيمية والفكرية ، وضد الإساءة التي قد تمارس باسم الحرية وهي ليست من الحرية في شيء من الحرية أن تمارس قناعتك في أي موضوع ، ولكن ليس من الحرية أن تسيء إلى الآخرين ومقدساتهم ..

وعليه فإن فك الارتباط بين ممارسة الحرية والتصرف بإساءة إلى ثوابت الآخرين ومقدساتهم تتجلى العلاقة على نحو إيجابي بين المقدس والحرية .. بمعنى أن المقدس لا يقيد حرية الإنسان ، لأن هذه الحرية من لوازم إنسانية الإنسان ، ولكنه ( أي المقدس ) يرفض الإساءة المعنوية والمادية لأي إنسان آخر أو منظومة عقدية أخرى ..

لهذا فإن فك الارتباط بين الالتزام بقيمة الحرية وأشكال الإساءات التي تمارس يساهم في تعميق مفهوم الحرية في الواقع الاجتماعي ، ويزيل العديد من الهواجس والالتباسات التي يعيشها بعض الناس تجاه قيمة الحرية ..

فالحرية ليست تفلتا من الأخلاق ، وليس تشريعا للإساءة ، وليست وسيلة لهدم الثوابت والمقدسات ، وإنما هي ممارسة عقلية ونقدية ، تستهدف تظهير الحقائق باستمرار ومنع قمع السؤال مهما كان موضوعه وإبراز مستديم لإنسانية الإنسان التي لا يمكن أن تتجلى بدون الحرية قولا وفعلا ..

2-المقدس لا يشرع للتطرف وهتك الحرمات :

وفي مقابل الحرية التي ترفض الإساءة المعنوية والمادية لأي طرف من الأطراف ، المقدس لا يشرع في سياق الدفاع والذود عنه ممارسة التطرف والتشدد والغلو أو هتك الحرمات والأملاك العامة والخاصة .. لأن كل هذه الأشكال ليست دفاعا عن المقدس وثوابته ، وإنما هي افتئات بحق المقدس ..

لهذا فإننا في الوقت الذي نمارس النقد تجاه أولئك النفر الذي يمارس الإساءة المعنوية والمادية بحق الآخرين باسم الحرية ، في ذات الوقت نرفض ممارسة التطرف وقتل الأبرياء وهتك الحرمات والأضرار بالأملاك الخاصة والعامة باسم الدفاع عن المقدس وثوابت الأمة .. فإذا كان الشاب كشغري ، ارتكب خطئا بتغريداته المسيئة للذات الإلهية وشخصية رسول الإسلام ، فإن الرافضين والمنددين بهذه التغريدات ، ارتكبوا بدورهم خطئا شنيعا تجسد في ممارسة التطرف وقذف الناس بدون وجه حق وإطلاق أحكام جائرة بحق شريحة من شرائح المجتمع والوطن.

فالمقدس لا يتم الدفاع عنه ، بوسائل وآليات يرفضها ولا تنسجم ونظام قيمه التشريعي والأخلاقي .. فالمقدس لا يتم الدفاع عنه بهدم قيم الحرية وهتك الكرامة الإنسانية ، وإنما يتم الدفاع عنه ، بالالتزام بهذه القيم ومقتضياتها المتنوعة .. كما أن الحرية كقيمة وممارسة ، لا يتم الدفاع عنها ، عبر ارتكاب الموبقات والمحرمات ، ومصادمة الناس في مقدساتهم ، وإنما من حقك الأصيل أن تعبر عن قناعاتك وأفكارك ، دون أن تتعدى على حقوق الآخرين المعنوية والمادية .. فكما أن من حقك أن تؤمن بفكرة وتعبر عنها ، من حق الآخرين أيضا الإيمان بفكرة والتعبير عنها .. وإيمانك بفكرة ، لا يجعلك أنت الوحيد القابض على الحق والحقيقة ، كما أن إيمان الآخرين بذلك ، لا يحولهم وحدهم هم القابضون على الحقيقة ..

فنحن مع الحرية وهي حق مصان للجميع ، وهذا الحق لا يعني بأي حال من الأحوال ، أنه يشرع لأحد حق الافتئات على مقدسات الناس وكراماتهم ..

فالحرية هي بوابة الدفاع عن المقدس وثوابت الأمة .. والمقدس ليس نقيضا للحرية ، بل هو أحد المدافعين عنها ، والمانحين لها مضامين إنسانية وحضارية ..

فالتعصب لا يحمي المقدسات ، بل يشوهها ، ويخيف الناس منها .. كما أن العنف لا يوقف الإساءات التي قد تمارس تجاه مقدسات الأمة وثوابتها ..

لهذا فإننا نعتقد أن الإساءات المعنوية والمادية تبعد العلاقة على المستوى الإنساني بين الحرية والمقدس ، كما أن التعصب والتطرف وانتهاك الكرامات والحرمات ، يعمق الفجوة بين المقدس والحرية ..

والصورة المثلى التي تنشدها المجتمعات العربية والإسلامية ، هي أن تعيش حريتها كاملة على قاعدة احترام مقدساتها ..

  


كيف نطور البيئة الحقوقية في منطقة الخليج العربي

5 مارس 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

 

خلاصة الدراسة :

إن تطوير البيئة الحاضنة والضامنة لحقوق الإنسان في مجتمعات الخليج العربي ، مرهونة بقدرة هذه المجتمعات على تطوير أنظمتها السياسية وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية في الشأن السياسي والوطني .. وإنه لا يمكن أن تتطور البيئة والحقائق والوقائع المحترمة لحقوق الإنسان على المستويين القيمي والمؤسسي ، في ظل أنظمة سياسية تحتكر حقل السياسة والدولة ، ولا تفسح المجال لشعبها وقواه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمدنية  من المشاركة في السياسة والحكم .. فالدول التي تفتقد إلى تقاليد وأعراف وتدابير مؤسسية لمشاركة شعبها في الشأن العام ، هي دول في بنيتها الأساسية وخياراتها الكبرى طاردة لقيم حقوق الإنسان ، ومخربة لكل بيئة مجتمعية يمكن أن تتطور فيها مقتضيات صيانة واحترام حقوق الإنسان ..

لهذا فإننا نعتقد في منطقة الخليج العربي أن الإصلاح السياسي هو بوابة صيانة حقوق الإنسان على شكل مؤسسي وقيمي ..

ومن الناحية الواقعية والسياسية ، فإن تفاوت الحكومات الخليجية في مستوى رعايتها واحترامها لحقوق الإنسان ، يعود إلى التفاوت في طبيعة الأنظمة السياسية ومستوى فعالية حياتها السياسية والوطنية .. فالدول التي تمارس الانتخابات وتمتلك برلمانا شعبيا ، فهي دول متقدمة على غيرها في حقل احترامها وصيانتها لحقوق الإنسان .. أما الدول التي لا انتخابات فيها ولا مجتمعات مدنية حيوية ومستقلة تنشط في فضائها ، فهي دول متراجعة إلى حدود دنيا في صيانتها لحقوق الإنسان وفي مدى احترام أنظمتها ومؤسساتها لمقتضيات حقوق الإنسان وفق الشرعة الدولية والإسلامية ..

فالبيئة الضامنة لحقوق الإنسان في كل التجارب الإنسانية ، لا يمكن أن تنجز في كل أبعادها وآفاقها بدون الإصلاح السياسي في منطقة الخليج ، الذي يوسع من دائرة المشاركة الشعبية في القرار السياسي اليومي والاستراتيجي ، ويؤسس العلاقة بين الجميع على أسس المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات بعيدا عن الانتماءات التقليدية التي تزخر بها منطقة الخليج العربي وإن مشروعات التنمية لا يمكن أن تؤتي أكلها بالكامل ، بدون مركزية الإنسان فيها وصيانة حقوقه وكرامته ..

والدول التي تفتقد فيها المؤسسات والأطر التي تحفظ حقوق الإنسان ، وتحول دون انتهاكها ، فإن مشروعات التنمية فيها تتحول إلى مشروعات نمو كمية ، تبرز في سلع الحضارة والحداثة المعاصرة ، دون أن تسند بإنسان قادر على استيعاب تقنيتها وأسرارها ، والعمل على إدارتها بما يناسب اللحظة الزمنية وخطط التنمية في الوطن ..

ولعلنا لا نبالغ حين القول : أن تغييب المواطن ( الإنسان ) وتنمية كفاءاته وطاقاته وقدراته في مشروعات التنمية ، هو أحد الثغرات الأساسية في المشروعات الاقتصادية والتنموية التي تعيشها منطقة الخليج العربي ..

وإن الاهتمام بمشروعات التنمية السياسية ، يساهم في خلق البيئة الاجتماعية الحاضنة والمدافعة عن حقوق الإنسان ..

وعليه فإن الدراسة ترى أن تطوير البيئة الحقوقية في منطقة الخليج العربي تتطلب الآتي :

1-     تنمية حس المواطنة في مجتمعات الخليج واستيعاب كل التنوعات الموجودة في الفضاء الخليجي .. وأن تكون المواطنة بكل حمولتها القانونية والدستورية هي قاعدة التعامل مع المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم التاريخية والتقليدية ..

2-             تظهير العلاقة العميقة التي تربط مفهوم التنمية في كل أبعاده مع حقائق حقوق الإنسان ..

3-     تفكيك الرؤية الدينية التي تفرق بين المواطنين لاعتبارات مذهبية ، وتبني خطاب الإصلاح الديني الذي يعطي أولوية لقيم الحرية والتسامح وصيانة حقوق الإنسان ..

4-     بناء كتلة وطنية تطالب بالإصلاح وتلح عليه بكل الوسائل السلمية ، وتتجاوز في حركتها كل عناوين التشظي الموجودة في المجتمعات الخليجية ، وتعطي أولوية لمشروع الإصلاح السياسي وكل مقتضياته ومتطلباته ..

الإصلاح السياسي وقضايا المواطنة:

إن الوصول إلى مبدأ المواطنة، وتجسيد مقتضياتها ومتطلباتها في الحياة الاجتماعية والسياسية، يتطلب على المستوى العملي، الكثير من العمل والكفاح للانعتاق من كل الدوائر والممارسات التي تحول دون الوصول إلى هذا المبدأ الجامع، الذي يؤكد على الحرية والمساواة بصرف النظر عن المنابت والأصول. ويبدو من العديد من المعطيات والتداعيات، أن تراخي الإرادة السياسية في البلدان العربية والإسلامية تجاه هذه القيم، هو المسئول إلى حد بعيد عن تدهور الأوضاع وتقهقرها في مختلف المجالات والميادين.. وذلك لأنه إذا لم يشعر الإنسان بإنسانيته، وتحمى حقوقه من الضياع والتلاعب، لا تتوفر لدى هذا الإنسان العلاقة المطلوبة مع واقعه السياسي والاجتماعي.

وحينذاك تبدأ الفجوة بالاتساع بين النخب السياسية السائدة وعموم المجتمع بمكوناته المتعددة، وتتبلور مستويات التناقض وحالات عدم الثقة.. فتتباين من جراء ذلك الأجندة والمصالح والعلاقات والأولويات. فتعاظمت من جراء ذلك المحن والأزمات، وتصاعدت التوترات والاحتقانات وبرزت في المشهد السياسي والاجتماعي، العديد من العناوين واليافطات، التي تسهم في المزيد من التشظي والتفتيت وخلق الحواجز بين أبناء المجتمع والوطن الواحد.. وتحوّل المجالين العربي والإسلامي من جراء هذه الوقائع وتأثيراتها المتعددة، إلى ساحة للصراعات المفتوحة على كل الآفاق والوسائل، واشتد أوار الخصام السياسي والتناقض الأيدلوجي.

وبتنا جميعا حكاما ومحكومين نعيش الأزمة بكل ضغوطاتها واحباطاتها وتأثيراتها.. ولا خيار أمام الجميع إلا الانخراط في مشروع الإصلاح السياسي والثقافي والاجتماعي، الذي يعيد للعرب والمسلمين دورهم الحضاري، ويخرجهم من ظلمات التخلف والتعصب والاستبداد بكل صنوفه وأشكاله.. وينقلهم من واقع الاحتراب الداخلي بعناوينه المختلفة إلى رحاب الوحدة والمواطنة الكاملة. وحجر الأساس في هذا المشروع الإصلاحي، هو إعادة الاعتبار للفرد والتعامل معه على أساس المواطنية بصرف النظر عن انتماءاته التاريخية والراهنة ، وأن تتعامل معه مؤسسة الدولة على أساس انتماءه الوطني.

وفي هذا الإطار من الأهمية التأكيد على النقاط التالية:

1-إن العدالة في مجالات الحياة المختلفة، هي سبيل إنجاز مفهوم المواطنية في الواقع الاجتماعي.. وذلك لأن المواطنة لا تعني التجاور المادي والجغرافي، وإنما هي بناء نفسي وروحي وثقافي، يتجاوز كل عوامل التباغض والتناحر والشكوك المتبادلة. وهذا الطموح والتطلع، لا يمكن أن يتحقق إلا بالعدالة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية. حيث لا مواطنة بدون عدالة ومساواة وتكافؤ للفرص. والأمم والمجتمعات التي استطاعت أن تكرس مفهوم المواطنة في تجربتها السياسية والحضارية، هي تلك المجتمعات التي قطعت شوطا طويلا في بناء الديمقراطية والمشاركة العامة والعدالة المجتمعية. إذ بدون هذه القيم، لا يمكن أن يتطور حس المواطنة، وتتبلور قيم الانتماء الوطني الصحيح. وعليه فإن العنصرية والطائفية والديكتاتورية وتكميم الأفواه وانعدام الحريات العامة، كلها حقائق وعوامل مضادة ومناقضة لمبدأ المواطنة. ولا يمكن أن يتطور هذا المفهوم في مجتمع يعاني من الأمراض والآفات المذكورة أعلاه. وذلك لأنها كلها تناقض مفهوم العدالة، وتشرع للتمييز وممارسة الظلم بكل صنوفه وأشكاله. وهذا بطبيعة الحال، يقتضي التزام برنامج وطني شامل، لإصلاح وتطوير الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بحيث تتأمن كل ضرورات المواطن، ويشعر بالأمن والثقة بوطنه راهنا ومستقبلا.

والعدالة في أحد وجوهها، تعني التحرر من الفقر والجهل والمرض، وتحقيق مستوى معيشي ، مطرد التقدم ولا يميّز بين المواطنين. والعمل على صياغة ثقافة وطنية جديدة، تصقل روحية المواطن، وترسم اتجاهاته المقبلة، وتعلي من شأن التعايش السلمي والمصير المشترك والمسؤولية العامة، وتهدم جدران العنصرية والطائفية والاستبداد.

وغياب العدالة في الواقع الوطني، هو الذي يهدم مستلزمات الوحدة الوطنية ويدق إسفينا في مشروع العيش المشترك والوفاق الوطني. فالحقوق والواجبات لا تتم على قاعدة فئوية أو قومية أو طائفية، وإنما على أساس المواطنة. فهي المعيار والضابطة الوحيدة لترتيب نظام الحقوق والواجبات.

2-الاختلافات السياسية والعقدية والقومية والمذهبية في الدائرة الوطنية، ينبغي أن لا تشرع وتسوغ للعداء والافتراق والانكفاء بل للتحاور والتبادل المعرفي وإثراء الثقافة الوطنية بالمضامين الحية والقادرة على اجتراح تعايش حيوي وفعال بين مجموع مكونات الحالة الوطنية.

إن المجتمعات الإنسانية ولاعتبارات عديدة، هي بحاجة بشكل دائم إلى تشريع قانون ودستور، ينظم حياتهم في شؤونها المختلفة، ويحدد المسؤوليات، ويجعل كل مؤسسات الدولة خاضعة لهذه القوانين الدستورية. ولعلنا لا نبالغ حين القول: أن تضخم مستوى الاستبداد السياسي والاستفراد بالرأي في العديد من الدول العربية والإسلامية، يرجع في أحد وجوهه إلى غياب المؤسسات الدستورية،التي تأخذ على عاتقها ضبط نزعات الاستفراد والغطرسة وأشكال الحكم المطلق. وإن الإصلاح السياسي لا يمكن أن يكون بمجرد التصريحات المناسبة أو الخطوات التكتيكية المقبولة شعبيا. وإنما هو بحاجة إلى دستور يترجم إرادة الإصلاح ويجعل مؤسسة الدولة في إرادتها منسجمة والإرادة العامة للأمة. فالإصلاح السياسي بحاجة دائما إلى قاعدة قانونية، وهذه القاعدة هي الدستور الوطني الذي ينظم العلاقات ويحدد المسؤوليات. وإن القانون هو المرجعية الوحيدة لمعالجة كل المشاكل والأزمات .   وإن كل أجهزة الدولة ومؤسساتها، ينبغي أن تكون خاضعة لمقتضيات القانون ومواد الدستور الوطني..

وبالتالي فإن مشروع الإصلاح السياسي، يقتضي توفر مرجعية دستورية، وشفافية في الأداء والسياسات، وخضوع كل قوى المجتمع ومراكز القوى في مؤسسة الدولة إلى القانون والدستور.. ولا يمكن أن نتصور إصلاحا سياسيا حقيقيا بدون الدستور ونظام قانوني يكفل الحريات ويصون الحقوق، ويحافظ على المكتسبات، وينظم عملية التنافس والصرع. فالدستور حصانة ضد تكرار أخطاء ومآسي الماضي، كما هو مطلب وطني عميق، ينسجم ومقتضيات العصر الحديث،وأصالة المجتمع.

 3-لا ريب أن الوحدة الوطنية في ظل الظروف والتحديات الكبرى التي تواجه واقعنا السياسي من الضرورات التاريخية التي ينبغي أن نوليها الأهمية القصوى. ولكن من الخطأ التعامل مع هذا المفهوم بعيدا عن ضرورة الإصلاح وإعادة صياغة هذه الوحدة بما ينسجم وقيم العدالة والحرية والتسامح. فالوحدة التي تبنى بوسائل قسرية لا تدوم، كما أن الوحدة الوطنية التي لا تحترم حقوق الإنسان وخصوصيات التنوع الثقافي في المتوفر في المجتمع، لا تستند على قاعدة صلبة ومتينة.لذلك من الضروري التأكيد على ضرورة تجديد أسس الوحدة الوطنية، والعمل على صياغة الذات الوطنية وفق أسس أكثر عدالة وإنسانية.   فالتحديات التي تواجهنا، ينبغي أن لا تصرفنا عن هذه الضرورة، وذلك لأن البناء السليم، هو القادر على مجابهة التحديات والاستجابة الفعالة لمقتضيات الراهن. فالوحدة الوطنية ضرورة قصوى، كما أن الإصلاح السياسي وتجديد أسس الوحدة الوطنية ضرورة قصوى أيضا ، وتحولات الراهن تدفعنا إلى الإيمان العميق بضرورة التجديد والإصلاح وصياغة الذات الوطنية على قاعدة الوحدة والتعايش السلمي بين مكونات الوطن والمجتمع.

فضاء المواطنة :

ثمة علاقة عميقة وجوهرية، بين مفهوم المواطنة والأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية السائدة. وذلك لأن الكثير من مضامين المواطنة على الصعيدين الذاتي والموضوعي، هي بحاجة إلى فضاء سياسي جديد، يأخذ على عاتقة تحريك الساحة بقواها ومكوناتها المتعددة باتجاه القبض على المفردات والعناصر الضرورية لهذا المفهوم.

فالمواطنة كمبدأ ومرجعية دستورية وسياسية، لا تلغي عملية التدافع والتنافس في الفضاء الاجتماعي، بل تضبطها بضوابط الوطن ووحدته القائمة على احترام التنوع وليس على نفيه، والساعية بوسائل قانونية وسلمية للإفادة من هذا التنوع في تمتين قاعدة الوحدة الوطنية. بحيث يشعر الجميع بأن مستقبلهم مرهون بها، وأنها لا تشكل نفيا لخصوصياتهم، وإنما مجالا للتعبير عنها بوسائل منسجمة وناموس الاختلاف وآفاق العصر ومكتسبات الحضارة. ولا يكتمل مفهوم المواطنة على الصعيد الواقعي، إلا بنشوء دولة الإنسان.. تلك الدولة المدنية التي تمارس الحياد الايجابي تجاه قنا عات ومعتقدات وأيدلوجيات مواطنيها.. بمعنى أن لا تمارس الإقصاء والتهميش والتمييز تجاه مواطن بسبب معتقداته أو أصوله القومية أو العرقية. كما أنها لا تمنح الحظوة لمواطن بفضل معتقداته أو أصوله القومية أو العرقية. فهي مؤسسة جامعة لكل المواطنين، وهي تمثل في المحصلة الأخيرة مجموع إرادات المواطنين.

لذلك فإن مفهوم المواطنة لا ينجز في ظل أنظمة شمولية- استبدادية، لأن هذه الأنظمة ببنيتها الضيقة والخاصة، تحول مؤسسة الدولة إلى مزرعة خاصة، تمارس الإقصاء والتهميش، كما تمنح الامتيازات بمبررات دون مفهوم الوطن والمواطنية.

فالدولة المدنية التي تحترم الإنسان وتصون كرامته، وتمنحه حرياته الأساسية، هي الحقيقة الموضوعية الوحيدة، التي تبلور مفهوم المواطنة، وتخرجه من إطاره النظري المجرد إلى حقيقة سياسية ومجتمعية راسخة وثابتة. فدولة الإكراه والاستبداد وممارسة القمع والتعسف، تجهض مفهوم المواطنة وتخرجه من مضامينه السياسية المتجهة صوب الموازنة الفذة بين ضرورات النظام والسلطة ومتطلبات الكرامة والديمقراطية. وكل الشعارات والمشروعات ذات الطابع التقدمي التي تحملها بعض السلط والدول، تبقي مجردة وفي دائرة الاستهلاك الإعلامي والسياسي بدون المواطنة التي تمارس حقوقها غير منقوصة وتلتزم بواجباتها دون مواربة. وعليه فإن مراعاة مصالح المواطنين والعمل على ضمان حقوقهم واحترام حرياتهم وصيانة كراماتهم، هو الذي يضمن الاستقرار السياسي، ويطور مستوى التفاهم والانسجام بين السلطة والمجتمع وتتبلور الإرادة الوطنية صوب القضايا الكبرى للوطن و الأمة .

لذلك فإن المواطنة وفق هذا المنظور، هي قوام الحياة السياسية الفاعلة والسليمة.. وحينما تجرد الحياة السياسية من مقتضيات ومتطلبات المواطنة، تتحول إلى حياة مليئة بالنزاعات والانقسامات وتكريس مضامين التخلف والانحطاط المجتمعي .

وذلك لأن المنابر الإعلامية ووسائط الثقافة في المجتمع، تشترك في عملية تفتيت مضمون المواطنة، عن طريق نشر ثقافة الكراهية والدعوة إلى المفاصلة والقطيعة مع بعض شرائح المجتمع. فينتشر التمزيق، وتتعاظم مظاهر التهميش وأشكال التمييز، وتهدد الوحدة الوطنية في أهم مقوماتها ومرتكزاتها ألا وهي المواطن. حيث أن تسميم المناخ الوطني العام، بثقافة التمييز والكراهية، ودعوات المفاصلة والتحريض الطائفي والقومي، تقلص إمكانية الاستقرار، وتحول دون توفر متطلبات الوحدة الوطنية. فالدولة التسلطية بصرف النظر عن أيدلوجيتها والشعارات التي ترفعها، هي التي تجوّف مفهوم المواطنة وتفرغه من مضامينه السياسية والمجتمعية .   لذلك هناك علاقة وطيدة بين مفهومي الدولة المدنية والمواطنة. إذ لا دولة مدنية بدون مواطنة كاملة تمارس كل حقوقها وتقدم بكل واجباتها الوطنية. كما أنه لا مواطنة مستديمة بدون دولة مدنية تسن القوانين التي تحمي قانون المواطنة ومتطلباته، وترفده بالمزيد من الآفاق وأدوات الفعالية المجتمعية. فلا يمكن أن تتحقق مواطنة في ظل دولة تسلطية ـ استبدادية ، لأن هذه الدولة ببنيتها القمعية، تلغي دور المواطن في عملية البناء وتسيير أمور الوطن. كما أنه لا يمكن أن ينجز مفهوم الدولة المدنية في مجالنا الإسلامي ، بدون احترام مفهوم المواطنة وتوفير كل مستلزماته الذاتية والموضوعية..

فالعلاقة جد وطيدة بين مفهومي المواطنة والدولة المدنية، إذ كل مفهوم يستند على الآخر لاستمراره وتجذره في المحيط الاجتماعي. وهذا بطبيعة الحال يتطلب " تسريع الاتجاه نحو الديمقراطية الحقيقية والتعددية الفعلية والتنمية الشاملة في الدولة وبالدولة إن أمكن، جنبا إلى جنب، محو الأميات المتكثرة، وتحرير الأبنية الثقافية السائدة من عقد الأتباع والتقليد، وتثو ير الوعي الاجتماعي. بما يؤكد معاني الحراك والمغايرة وحق الاختلاف، وتدعيم أسس المجتمع المدني بما يؤكد مفهوم المواطنة بكل لوازمه الحديثة وشروطه الإنسانية التي لا تفـــارق حـــرية الـــرأي والاجتهاد وحــق الخطأ في الوقت نفسه " (1). وبالتالي هناك منظومة متكاملة من القيم والمبادئ ، التي تكرس مفهوم المواطنة في الواقع الاجتماعي. ومن هذه المنظومة الديمقراطية والحوار والتسامح وحقوق الإنسان وحرية التعبير والانتماء. فكلها قيم ضرورية لإرساء مضامين المواطنة.. أي أن توفر هذه القيم، هو الذي يؤدي إلى إنجاز مفهوم المواطنة. وبمقدار غياب هــذه القيم أو بعضها، بذات المقدار يتم انتهاك مفهوم المواطنة..

وهذا يدفعنا إلى القول : أن المواطنة لا تنجز إلا في ظل نظام سياسي ديمقراطي- تعددي، يحترم حقوق الإنسان ويصون كرامته ويوفر ضرورات العيش الكريم.

وعليه فإن الاستقرار السياسي والمجتمعي في منطقة الخليج العربي  بحاجة إلى توفر العناصر التالية:

 1-المواطنة التي تمارس دورها في الشأن العام بدون خوف أو تردد.

 2-مؤسسات المجتمع المدني، التي تأخذ على عاتقها استيعاب طاقات المجتمع وتبلور كفاءاته وقدراته، وتساهم في معالجة المشكلات التي يمر بها المجتمع.

 3-الدولة المدنية التي تجسد إرادة المواطنين جميعا، ولا تميز بين المواطنين لدواعي ومبررات ليست قانونية وإنسانية. فهي دولة جامعة وحاضنة لكل المواطنين وتدافع عنهم، وتعمل على توفير ضرورات معيشتهم وحياتهم.

فالأوضاع الخليجية ، بدون هذه العناصر، تعيش القهقرى والمزيد من التراجع والانهيار على الصعد كافة.

لذلك فإن الجهود في منطقة الخليج  اليوم، ينبغي أن تتجه إلى توفير كل مستلزمات تجسيد هذه القيم والوقائع في الفضاء السياسي والاجتماعي والثقافي ..

ولعلنا لا نبالغ حين القول: أن غياب مبدأ المواطنة ومؤسسات المجتمع المدني والدولة المدنية عن واقعنا في الخليج، ينذر بتطورات كارثية على المستويات كافة. ولا خيار أمام النخب السياسية السائدة، إذا أرادت الاستقرار لأوطانها، إلا الانخراط في مشروع الإصلاحات السياسية والوطنية، المتجهة صوب إرساء دعائم المواطنة ومؤسسات المجتمع المدني والدولة المدنية الملتحمة في خياراتها الاستراتيجية مع خيارات مجتمعها، والساعية نحو إزالة كل رواسب الدولة التسلطية من واقعها ومؤسساتها وهياكلها المختلفة. وحده الإصلاح السياسي الحقيقي، هو الذي يوقف الكوارث القادمة وعلى الصعد كافة..

ويبدو من مختلف الوقائع والمعطيات والتطورات التي تشهدها منطقة الخليج العربي هذه الأيام ، أنها جميعا وبدون استثناء ، بحاجة إلى الانخراط الجاد في مشروع الإصلاح السياسي .. وإن تلكأ الحكومات الخليجية عن مشروعات الإصلاح السياسي أو تراجع البعض عنها ، سيدفع المنطقة بأسرها إلى المزيد من التوتر والاحتقان ..

فالمجتمعات الخليجية تستحق أوضاعا سياسية أكثر تقدما وحرية وعدالة مما هو قائم ..

وإن ممانعة هذه الدول من الانخراط في مشروع الإصلاح السياسي مهما كانت مبرراته ومسوغاته ، سيفضي إلى المزيد من الأزمات على كل الصعد والمستويات ..

ولعل الذي يؤكد ضرورة الإصلاح السياسي بوصفه الخيار الأمثل والأقل كلفة للجميع ، هو هذه المفارقة الصارخة التي تعيشها المنطقة حيث حكومات مترهلة وتصل إلى حد العجز في مواجهة التحديات الكبرى التي تواجه المنطقة ، ومجتمعات خليجية حيوية وحية وتعيش حراكا متصاعدا على أكثر من مستوى ..

وإن معالجة هذه المفارقة لا يمكن أن يتم إلا بإصلاح سياسي حقيقي تشهده بلدان الخليج العربي.. وحتى لا نقع في الأحكام المجردة ، فإننا نعترف أن دول الخليج العربي ، أقدمت على بعض الخطوات الإصلاحية ، التي لا يمكن نكرانها ، إلا أنها لاعتبارات عديدة ، ليست بمستوى النخب السياسية والاجتماعية الخليجية وذلك للأسباب التالية :

1-     تراجع بعض هذه الدول عن بعض إصلاحاتها ودخولها في نفق استخدام العنف والعودة إلى الخيار الأمني ، وما يستتبعه  هذا الخيار من متواليات تضر بالاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي ..

2-إن الخطوات التي أطلقتها هذه الحكومات وعدت خطوات إصلاحية ، لم تصل إلى مستوى أن تشكل بنية مؤسسية ومشروع وطني متكامل للإصلاح السياسي والدستوري وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية ..

3-وجود مراكز قوى عديدة في دول الخليج العربي ، لا زالت رافضة لخيار الإصلاح وتعمل على إجهاضه وتخريب أسسه وتجويف بعض الخطوات الإصلاحية من الداخل..

 4-غياب أية محاولة حقيقية في كل الخطوات الإصلاحية المعلن عنها عن مأسسة وتطوير النظم السياسية الخليجية .. فلا زالت بنية الحكومات على حالها وكأن كل خطوات الإصلاح هي للتجميل وتحسين الصورة ، وليس لإحداث تحول سياسي ومؤسسي حقيقي في شؤون وكيفية إدارة الدولة والمجتمع في الخليج ..

5-     إن أغلب الدول الخليجية ولاعتبارات متعلقة بطبيعة الخيارات والعلاقة بين قوى المجتمع المختلفة ، لا زالت تغذي تنمية الفوارق والتناقضات الأفقية والعمودية في المجتمعات الخليجية .. فبنية هذه الدول وخياراتها السياسية ، لا زالت تراهن لاستمرار قوتها ، على استمرار حالة التشظي الداخلي بعناوين طائفية وقبلية ومناطقية ، دون أن تخطو خطوات جديدة في صياغة مشروع وطني جامع ومستوعب لكل التنوعات والتعدديات الموجودة في المجتمعات الخليجية ..

حقوق الإنسان والتنمية:

حيث وجد الإنسان ، وجدت التنمية,وحيث غاب الإنسان تغيب بالضرورة التنمية.وذلك لأن التنمية بوصفها مشروعات وآليات وتوجيهات هي من خصائص الإنسان وحدة.. أي أن الأنساق التي تتجه إلى تعظيم الإمكانيات أو تنمية القدرات, لا يقوم بها إلا الإنسان..

وعلية فإن المشروعات السياسية التي تمتهن الإنسان و كرامته, أو تنتقص عبر إجراء اتها المتعددة من إنسانيته, لا تستطيع من الناحية الواقعية,مهما رفعت من يافطات وشعارات من تحقيق التنمية. وتكثير الكلام والخطب حول التنمية ومشروعاتها وآفاقها, لا يخلق تنمية.

كما أن المشروع السياسي الذي يسقط من حساباته إنسانية الإنسان, أو لا يعمل على تعزيز حقوق الإنسان, فإن هذا المشروع مهما أوتي من إمكانات وقدرات, فإنه
 لن يستطيع من بناء تنمية مستديمة ومتوازنة… فالتنمية لا يحققها إلا الإنسان, وحينما يغيب هذا الإنسان, فإن الشعارات بوحدها لا تنجز تنمية, والادعاءات لاتبني واقعا جديدا.. فالشرط الشارط لإنجاز مفهوم التنمية في المجتمعات الإنسانية, هو وجود الإنسان, الذي يشعر بعمق بحريته وحقوقه ويمارس إنسانيته, هو الإنسان القادر على تنمية القدرات وتعظيم الطاقات والإمكانيات..

وحينما يغيب هذا الإنسان, تغيب الإمكانية الفعلية للتنمية المستدامة.

ولعل هذا ما يفسر لنا إخفاق الكثير من مشروعات التنمية في بلداننا العربية والإسلامية.. فهذه البلدان تمتلك كل المواد الخام والثروات الطبيعية التي تمكنها من تحقيق تنمية عظيمة على الصعد المختلفة ولكن وبفعل غياب الإنسان وحقوقه وحريته, فإن هذه المواد والثروات, تضيع في أغلبها سدى,ولا يمكن الاستفادة القصوى من هذه الخيرات والبركات .وحين التأمل العميق في هذه المفارقة ، حيث الإمكانات الهائلة ويقابلها غياب التنمية المستدامة, نجد إن غياب الإنسان بحريته وحقوقه، هو المسئول الأول عن غياب التنمية الحقيقية في هذه البلدان. فالإمكانيات الطبيعية و المادية بوحدها لا تخلق تنمية, وعمليات استيراد كل سلع الحضارة والاستهلاك, لا تنتج تنمية بل كلها مظاهر تؤكد غياب التنمية المستدامة في هذا البلد أو ذاك..فحجر الزاوية في مشروعات التنمية هو الإنسان بحقوقه وحرياته، فهو القادر على تحويل المواد الخام إلى مشروعات تنموية عملاقة, كما إنه هو القادر على تذليل كل الصعاب التي تحول دون انطلاق مشروعات التنمية الشاملة.

وعليه فإن تغييب حريات الإنسان وحقوقه من الفضائين السياسي والاجتماعي , لا يخلق تنمية مستدامة, حتى لو توفرت كل المواد الخام والإمكانيات المادية . وذلك وببساطة شديدة, لكون الإنسان هو الذي يدير هذه المواد والإمكانيات, ويحولها إلى مشروعات وحقائق تنموية. وحينما يكون هذا الإنسان مكبل وتزداد عليه القيود من كل حدب وصوب, فإن إمكانياته الإبداعية وقدراته الإدارية ستتراجع. فالإنسان في منطقة الخليج العربي  , ليس أقل عقلا من الإنسان في المجتمعات المتقدمة ،ولكن ما يميز الإنسان في المجتمعات المتقدمة عن الإنسان في المجتمعات الخليجية,هو أن الإنسان في تلك المجتمعات يشعر بعمق بحريته وله كامل الحق بممارسه كل حقوقه الخاصة والعامة,لذلك هو ينطلق ويبدع في مجالات البناء والتنمية. أما الإنسان في المجتمعات الخليجية, فإنه يشعر بالقيود المتعددة, ولا يمارس إنسانيته وحريته على أكمل وجه, لذلك هو مشغول بمحنه الذاتية, ومن ينشغل بأوضاعه الخاصة, وتضغط عليه سلبا لن يتمكن من الإبداع والتميز في عمله العام..

لذلك فإن الخطوة الأولى للإنطاق في مشروعات تنموية حقيقية في بلدان الخليج العربي  , هي إعادة الاعتبار للإنسان وجودا وفكرا وحقوقا, وتعزيز كل هذه العناصر في إطار مؤسسي, يشعر فيه كل إنسان بالاعتزاز والقدرة على التعبير عن آراءه وأفكاره وإبداعاته.

هذه هي الخطوة الأولى التي تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان ومشروعات التنمية…فالتنمية لا تستورد ولا تستنسخ, وإنما هي بحاجة إلى الإنسان الذي يحمل همها وعبئها في آن. بحاجة إلى الإنسان الذي يحول الخطط إلى حقائق.

بحاجة إلى الإنسان الذي يخلق واقعا اجتماعيا, دافعا نحو البناء والعمران,ومحاربا لكل أشكال الكسل والترهل والجمود..

فإذا أحسنا صياغة العلاقة بين إنسان هذه المنطقة والتنمية وحاجاتها ومتطلباتها المتعددة, حين ذاك ننطلق في رحاب البناء المفتوح على كل المبادرات والطاقات, والقادر على دمج كل القدرات في سياق مشروع تنموي متكامل..

وعليه فإن إدراك تحولات العالم وتطوراته, لا يكفي للانخراط الفعال في شؤون العصر وقضاياه الملحة.. وإنما من الضروري أن يرافق هذا الإدراك والاستيعاب, تجديد رؤيتنا وفهمنا لذواتنا وإنسان هذه المنطقة.

لأن تجديد رؤيتنا لهذه العناصر, والالتزام بمقتضيات هذا التجديد, هو سبيلنا لتجاوز حالة الشعور بالعجز وانعدام القدرة أمام التحولات الهائلة التي تجري في العالم على مختلف الصعد والمستويات…

لذلك فنحن مع كل خطوة ومبادرة, تعزز موقع الإنسان في مشروعات البناء والتنمية، وندرك بعمق أنه لا تنمية مستدامة, بدون إنسان مكتمل الإنسانية والحقوق….

فالتنمية بوصفها مشروعات اقتصادية عملاقة ، وبنية خدمية متكاملة ، وخطط اجتماعية متواصلة ، لا يمكن أن تنجز على الصعيد الواقعي ، بعيدا عن العامل البشري ـ الإنساني . لأن هذا العامل هو الذي سيترجم وينفذ كل هذه المشروعات والخطط ، وغياب حقوق الإنسان الأساسية ، سيحوله إلى منفذ سيء لهذه المشروعات والخطط ، أو في أحسن الفروض سيحوله إلى عنصر فساد وإفساد ، يعمل لمصلحة الشخصية ، وسيوظف موقعه في هذه المشروعات للإثراء اللامشروع .. لهذا فإننا نجد وفي الكثير من دول الخليج العربي  ، أن الكلفة الحقيقية للمشروع لا تتجاوز (10) ملايين إلا أن الميزانية المصروفة على هذا المشروع هي أكثر بكثير من رقم (10) ملايين .. فهذه الزيادة هي عمولات ورشوات ومحسوبيات وسرقات .. والأنكى من ذلك أن المشروع لا ينفذ وفق المواصفات المطلوبة .. فالذي يسرق المال العام ، لن يجتهد في توفير أسباب النجاح الحقيقية للمشروع الذي يقوم به . وعليه فإن إصلاح وضع الإنسان ، وتوفير ضرورات عيشه الكريم وصيانة حقوقه الأساسية ، كلها من الضرورات القصوى لعملية النجاح والتميز في مشروعات البناء والتنمية . فالتنمية قبل أن تكون تنمية للجدران والشوارع والخدمات ، هي تنمية إلى الإنسان في وعيه وحريته وحقوقه .. وأي تراجع على هذا الصعيد ، سينعكس سلبا على الجانب المادي للتنمية .. والمجتمعات التي بحثت عن الجوانب المادية للتنمية دون الالتزام بحقوق الإنسان وكرامته ، لم تجن إلا المزيد من العذابات والكوارث الاجتماعية والإنسانية .. فالمباني شاهقة والشوارع واسعة والخدمات في جلها متوفرة ، إلا أن الإنسان بإنسانيته ووعيه وحقوقه غائب أو مغيب .. ولعل أحد أسباب ذلك هو التعامل مع مفهوم التنمية تعاملا ايدولوجيا مغلقا ، لا عمل لنا إلا استنساخ هذه التجربة ، متغافلين عن تمايز الأوضاع والظروف والخصوصيات .. " ويعتبر الاقتصاد مميز مركزي في التجربة الحضارية الغربية ، فهو عصب حياة الإنسان التي تحددت في شبكة علائقية ثلاثية الأضلاع : علاقة الإنسان بذاته وعلاقته بـ "الآخر " وعلاقته بالطبيعة . أما علاقة الإنسان بذاته ، فالاقتصاد الغربي ينظر إليها من زاوية كون الإنسان كائن غرائزي ، وأن بقاءه متوقف على إشباع حاجاته الغريزية . وبما أن تلبية هذه الحاجات غير مضمونة لشراهته من جهة ، وشح الطبيعة من جهة ثانية ، وجب عليه أن يستنفر كل قواه ويطور قدراته حتى يشبع حاجاته بشكل مستمر ، وهذا ما جعل الإنسان يتحول إلى قوة عمل استثنائية ، يستمد منها هوية ذاته ، حيث تحدد بوصفه " كائنا عاملا ". إنه            بعمله يطوع الطبيعة لينخرط في مسلسل الإنتاج ، كما أن قوة العمل هذه جعلت منه كائنا " اقتصادا نيا " ، ومن ثم فهو أحد إثنين : إما منتج أو مستهلك ، لا تحركه إلا نوازعه النفعية ، وبهذا المعنى يصبح الإنسان وسيلة للتنمية وليس غاية لها . أما علاقة الإنسان بالإنسان "الآخر" فمحكومة بالعلاقة الأولى ، أي علاقة الإنسان بذاته . فكل ذات بحاجاتها اللامحدودة ، تجد نفسها مقيدة في طموحها من أجل الإشباع ، ومحصورة بطموحات الذات الأخرى . وبما أن الإشباع غير محدود ، وتلبية الحاجات غير مضمونة ،فإن التصارع والتنافس والنفعية بين هذه الذوات هو اللغة السائدة والناظمة لتلك العلاقة . ألم يكن توماس هو بز سباقا إلى التنظير لهذه اللغة عندما نعتها بـ " حرب الجميع ضد الجميع " ، واعتبر " الإنسان ذئبا للإنسان الآخر " . أما بخصوص علاقة الإنسان بالطبيعة ، فهي تنحدر بدورها من التصور الأول لعلاقة الإنسان بذاته . فالطبيعة التي ينظر إليها كمقابل للإنسان تمتلك مصادر إشباع حاجاته ، ولكنها ممتنعة ومستعصية . ومن ثم ، فالحصول على ما يلبي رغباته لن يكون تكرما من الطبيعة ، بل انتزاعا بالقوة ، كيف لا ومصدر بقائه رهين بيد الطبيعة ؟ لذلك يكد الإنسان من أجل أن ينتصر على الطبيعة ، وذلك بإخضاعها والتحكم فيها . وتلك هي طبيعة العلاقة في منظورها الليبرالي ، ألم يشترط ديكارت ضرورة أن يصبح الإنسان " سيدا ومالكا للطبيعة " لتحقيق إنسانيته"(2) فالتنمية ليست لهاثا متواصلا للمنفعة بكل أشكالها ، بعيدا عن القيم والضوابط .. كما أنها ليست دحرا لخصوصيات المجتمع أو تجاوزا لحقوق الإنسان الأساسية ..فالتنمية في المجتمعات الإنسانية ، بحاجة إلى توافر جملة من العوامل والشروط . وعلى رأس هذه العوامل والشروط ، هي الشروط الثقافية والسياسية .. فالتنمية كمنجز إنساني ، لا تتحقق على أنقاض ثقافة المجتمع أو على امتهان كرامة الإنسان فيه .. ومن يبحث عن التنمية على هذا الأساس ، فإنه سيزيد من محن المجتمع وسيفاقم من امتهان حقوق الإنسان وكرامته ، دون أن يصل إلى مطامحه في التقدم والتنمية . فالتنمية بتجلياتها المتعددة ، هي حصيلة عقل ووعي وإرادة الإنسان .. وأي خلل في هذه العناصر ( العقل ـ الوعي ـ الإرادة ) .. سينعكس سلبا على مجمل العملية التنموية ..فكلما تقدم الإنسان في وعيه وإرادته وحقوقه ، توفرت أسباب النجاح لمشروعات التنمية . أما إذا قمع الإنسان ، وقيدت حريته ، وامتهنت كرامته ، وانتهكت حقوقه ، فإنه لن يكون قادرا على إنجاز مشروعات البناء والتنمية .. فالتنمية الحقيقية هي التي تبدأ من تنمية الإنسان عقلا ووعيا وحقوقا وإرادة ، وكل جهد يبذل في هذا السياق ، هو من صميم الجهود والأنشطة التنموية . ونحن هنا نفرق بين عمليات النمو وعملية التنمية . فالمجتمعات المتأخرة أو المتخلفة سياسيا وعلى صعيد حقوق الإنسان ، لا تعيش تنمية حقيقية بل نموا كميا ، لا يصمد كثيرا أمام تداعيات ومتواليات غياب الحرية وحقوق الإنسان .. فالمجتمع الذي لا حرية سياسية لديه ، وتنتهك حقوق الإنسان فيه ، لا يخرج عن نطاق الحياة الطبيعية . لذلك تتوفر فيه الكثير من مظاهر النمو وسلع الحضارة الحديثة ، ولكن هذه المظاهر والسلع ، لا تستند إلى عمق مجتمعي وسياسي . فهي أقرب إلى القشور التي لا مضمون لها .. أما المجتمعات التي تصون حقوق إنسانها ، وتوفر له سبل ممارسة حريته السياسية والعامة ، فإنه حتى ولو كانت مظاهر النمو متواضعة أو محدودة لديه ، فإنه إذا أحسن التخطيط واستخدام موارده وإمكاناته بصورة إيجابية ، فإنه قادر على إنجاز تنميته المستقلة . لأن المجتمع يعيش الحياة الحقيقية ، ويشعر بذاته ويثق بقدراتها وإمكاناتها ، ويمتلك القدرة الفعلية للدفاع عن ذاته وخياراتها السياسية والثقافية والاقتصادية . فقوة الأمم والمجتمعات الحقيقية بمواردها الإنسانية قبل مواردها الطبيعية والاقتصادية ، لذلك من الضروري أن تتوجه الجهود والإمكانات لتطوير هذه الموارد وتوفير المناخ الملائم لمشاركتها في شؤون المجتمع والأمة . فالثروة المادية بوحدها ، لا تخلق تنمية ، وإذا لم تسند بتنمية بشرية مستديمة ، قد تتحول هذه الثروة من نعمة إلى نقمة ، ومن رافعة لعمليات البناء والتقدم ، إلى سبب لتكالب الأعداء وتصارع الفرقاء ..إن تنمية الإنسان على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية ، هو أحد الشروط الأساسية للاستفادة من خيرات الأرض وثرواتها . وبدونها لن نستفيد إلا من فتاتها ، وستأتي الأمم المتقدمة تحت عناوين ويافطات متنوعة ،لأخذ هذه الثروات و نهبها. " و إن الأنيما المعاصرة التي يعاني منها النمو يجب أن لا تحجب عنا الفوضى المتزايدة في المجتمع الذي لغمه الرأسمال الليبرالي ، فهذا الأخير عاجز عن أن يعطي للحياة في المجتمع معنى غير معنى النزوع نحو الإسراف والتبذير واحتكار الموارد الطبيعية، والعائدات الناتجة عن النشاط الاقتصادي ، وفي نهاية الأمر التفاوت وعدم المساواة . إن مخدر النمو هو الأفيون الجديد للشعوب التي تحطمت معاييرها الثقافية وتضامنها الجماعي بهدف إغراقها في هاوية التسليع السحيقة "(3) . فبدون التحام التنموي بالإنساني ، ستبقى الكثير من الخطوات والمشروعات فوقية ، وبعيدة عن النسيج الاجتماعي والثقافي ، مما يجعل تأثيرها محدودا وضيقا .. " وتشكل أزمة هذه النظم جزءا لا يتجزأ من أزمنة النظم المجتمعية العربية التي تكونت بعد الاستقلال ، والتي لا تزال مفتوحة منذ عقود نتيجة إخفاقها عموما في مشاريع تحديثها المختلفة ، الاشتراكية منها والليبرالية ، التي طبقت في العقود الخمسة الماضية . وتتجلى هذه الأزمنة في توقف عملية التنمية أو تراجع معدلاتها بشكل ملحوظ خلال العقدين الماضيين وإفلاس السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والتقنية جميعا والتهميش المتزايد للعالم العربي في الساحة العالمية . بل ليس هناك أي شك في أن أزمة النظم السياسية الأتوقراطية الفردية التي رعت هذا التحديث ، في شقيها الأبوي العشائري والبيروقراطي الحزبي معا ، هي الوجه الأبرز لهذه الأزمة . وهذا ما يؤكده تدهور شريعة النظم وانهيار الثقة العامة بقدرتها على مواجهة التحديات والمشاكل المطروحة على المجتمعات ، وتفاقم الشعور عند السكان بالفراغ السياسي وبالافتقار للقيادة السياسية الحكيمة والقلق على المستقبل وتصاعد التوترات وتفجر النزاعات والحروب الداخلية والإقليمية ونمو تيارات العنف المنفلت في داخل البلاد العربية وخارجها معا . وفي موازاة ذلك تثير مضاعفات هذه الأزمة المتفجرة وإسقاطاتها المحتملة على المصالح الدولية مخاوف الدول الصناعية وتدفعها إلى مضاعفة الضغوط على النظم والتدخل المتزايد في شؤون المنطقة بهدف دفعها نحو التغيير الذي يتفق مع مصالحها أو يحفظها وإحداث تبديل جذري في سلوك الأنظمة المحلية وخياراتها الاستراتيجية "(4). من هنا نستطيع القول ، أن هناك علاقة عميقة بين ظاهرة الاستئثار والاستبداد السياسي وتصحير الحياة السياسية والمدنية وظاهرة الفساد بكل مستوياتها وأشكالها .. فالمجتمع الذي تضمحل فيه الحياة العامة ، وتحتكر فيه القرارات المصيرية السياسية والاقتصادية من فبل فئة محدودة ، تنتشر فيه حالات الفساد السياسي والمالي . وذلك لأن الاستئثار و الاحتكار ، يخلق فئات اجتماعية وسياسية واقتصادية طفيلية ، لا تعيش إلا على الالتواء والفساد . وتتخذ من تداعيات الاستئثار والاستبداد غطاءا لتمرير انحرافها وفسادها وسرقتها للمال العام وخيرات الأمة والمجتمع. "فالسياسات التي تتبعها سلطات الاستبداد هي دائما سياسيات فئوية تقود حتما ، كما تدل على ذلك الوقائع ، إلى التخلف في المجالات كلها ، لاسيما في مجال تطوير الاقتصاد ، وفي المجال الاجتماعي ،وفي مجال الخدمات العامة ، وفي مجال التعليم ، وفي كل ما يتصل برفع مستوى المعارف وتحويلها في ميادينها كافة إلى قوة مادية لصنع التقدم والعدالة في توزيع الثروة وفي أبواب إنفاقها . وفي ظل هكذا سياسة تتسع رقعة الفقر ويزداد عدد الفقراء ، وتتلاشى الفئات الوسطى ، إذ تنحدر أقسام واسعة منها إلى مواقع الفقراء ، وينحسر عدد المالكين للثروة ، وهم بمعظمهم من حاشية السلطان ، وذلك بالفساد والاستغلال وبالجريمة المنظمة وبكل أنواع الموبقات ، وما أكثرها "(5) . فحقوق الإنسان كقيم وإجراءات ، هي من ضرورات التنمية الشاملة . ومن يبحث عن التنمية فعليه أن يوفر شروطها الثقافية والسياسية . وعلى رأس هذه الشروط هو صيانة حقوق الإنسان . ولا بد من إدراك "طبيعة الترابط العضوي بين حرية الوطن وحرية المواطن ؛ فالأوطان القادرة على مواجهة تحديات الخارج ، مهما عظمت ، هي الأوطان التي تستند إلى مواطن حر يتمتع بحقوقه وكرامته "(6) .

وخلاصة القول : أن التنمية الشاملة في مجتمعاتنا ، بحاجة إلى تنمية وصيانة حقوق الإنسان فيها . فهي أحد المداخل الأساسية لإنجاز تنمية مستديمة وشاملة ، دون التضحية بحريات الناس وحقوقهم الأساسية .

حقوق الإنسان ومفارقات الواقع:

ثمة


التبرّع بالأعضاء: نظرة إسلاميّة *

5 مارس 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

قد لا يختلف اثنان على حقِّ أيِّ إنسانٍ خسر عضواً من أعضائه، نتيجة مرض أو حادث، أن يسعى إلى الحصول على البديل إذا كان الطبّ والعلم قد توصَّلا إلى جعل ذلك في إطار الممكن. ومن الطَّبيعي أن يكون للدّين وجهة نظره في مسألة وهب الأعضاء، كما للطبِّ مثلها، وكذلك للقانون والتّربية ولأيِّ طرفٍ له صلة ما في هذا المضمار.

ونحن عندما نتحدَّث عن الهبات، فإنَّنا نقصد بذلك أعضاء الجسم بكلِّ أجهزته، مما يحتاج إليه الإنسان، سواء كان من الأحياء أو من الأموات. وفي كلِّ الحالات، لا بدَّ لمن يتَّخذ الدّين مرجعيَّة له، الرّجوع إلى الفتوى لتحديد السّلطة الَّتي له على جسده، حيّاً كان أو ميتاً..

ولهذا، من الطَّبيعيّ في هذا المضمار أن نسأل: ما هو موقف الدّين الإسلاميّ من هبة الإنسان لأعضائه؟ ومن أين ينبع هذا الموقف؟ وما هي حيثيّاته؟ هل يضع موانع، أو شروطاً ما، وفي أيِّ حالة؟

في البدء، لا بدَّ لنا من أن نفهم السِّياق العام الَّذي يشكِّل خلفيّةً ننطلق منها في تعرّفنا إلى رأي الدّين بخصوص وهب الأعضاء، فعندما بعث الله الأنبياء ليبلّغوا رسالاتهم، كان همهم واحداً، وهو حلّ مشاكل الإنسان الروحيَّة والجسديَّة والأخلاقيَّة والنفسيَّة والمعيشيَّة، ودفعه قُدُماً في معارج الرّقيّ والتّقدم.

 لقد دعت الأديان الإنسان إلى أن يهتمَّ بنفسه وبصحّته وحاجاته، ضمن صيغة التوازن والرّفق، ليحيا الحياة الأفضل، ويمارس إنسانيّته بالشَّكل الأمثل: «إنَّ لبدنك عليك حقاً».

وفي حدود علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، أولى الدّين اهتماماً كبيراً كي يخرج الإنسان من شرنقة ذاته إلى رحاب العطاء الإنساني، وإلى آفاق البذل والتَّضحية، كطريقٍ للحصول على رحمة الله ونعمته: «لا يؤمن عبد حتى يُحبّ للناس ما يحبّ لنفسه»، وعندما تحدَّث رسول الله # عن المجتمع المؤمن قال: «مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالحمّى والسّهر». وأروع صور العطاء وأرقاه، أن تؤثر الآخر على نفسك؛ مصلحته على مصلحتك، راحته على راحتك، فالإيثار أفضل العبادة وأعلى مراتب الإيمان..

شروط وحيثيّات

لهذا، وبناءً على منظومة البذل والعطاء والإيثار والتَّضحية الَّتي هي في صلب الدّين، ندرك كيف شكَّلت الشَّريعة الإسلاميَّة بدعواتها بيئةً حاضنةً، لا لتجيز وهب الأعضاء فحسب، بل لتحثَّ عليه، وتعتبره من أهم المستحبّات، حتى يكاد يصل فيها إلى حدِّ الواجبات… 

وهنا، قد يطرح أحد إشكاليَّةً، وهي أنَّ الشَّريعة في الكثير من مفاصلها، تعاملت مع جسد الإنسان على أنّه مُلْكٌ لخالقه، فلا يحقّ للإنسان أن يُسبّب ضرراً لجسده أو أن ينهي حياته، فكيف يمكن له أن يهب أيّ عضو من أعضائه، ومن أين تأتي له هذه الصَّلاحيَّة، ومن يهبه إيّاها؟

إنَّ هذه الصَّلاحيَّة ليس فيها نصّ واضح بالخصوص في القرآن أو السنَّة، ولكن لدينا قاعدة في التَّشريع الإسلاميّ، تنصّ على أنّه إن غاب الدَّليل الخاصّ، نلجأ إلى الأدلَّة العامَّة الكُليَّة، ومنها نفهم التَّفاصيل وننظّم الأمر. وما أكثر الأدلّة العامَّة بخصوص البذل والتَّضحية والإيثار!

وهنا نرى من المنطلق الفقهيّ والشَّرعيّ الَّذي نتبنّاه، جواز هبة الأعضاء بحيثيّات وشروط، وقد تبنّى هذا الرّأي أغلب العلماء من شتّى المذاهب الإسلاميَّة والجمعيّات الفقهيَّة. وفي ما يلي، نلخِّص أبرز هذه الحيثيّات والشّروط في عدّة نقاط:

- لا بدَّ في التبرّع من الحيّ إلى الحيّ، من أن يكون المتبرّع واعياً لما يقوم به وباختياره، وأن لا يكون التبرّع سبباً لإنهاء حياته أو لتلف الأعضاء الحيويَّة والأساسيَّة عنده، كالعين أو القلب أو غير ذلك حسب حالته الصحيَّة، والقاعدة الفقهيَّة تقول: «إنَّ الضّرر لا يُزال بمثله»، كما نقول إنّه لا يصحّ أن نُصلح الخطأ بالخطأ..

- لا يؤخذ بعين الاعتبار الانتماء الدّيني للواهب أو المتبرّع أو عنصر القرابة أو الجنس، كما في الصَّدقة مثلاً، الَّتي من نظامها أنَّها تعطى لمطلق محتاج، بعيداً عن كلِّ الاعتبارات: «النّاس صنفان، إمّا أخ لك في الدّين، أو نظير لك في الخلق».

- بعد الموت، يشترط لهبة الأعضاء أن تكون موثّقةً بوصيَّة، أو بموافقة شفهيَّة من الإنسان الباذل قبل موته، وإن كان الأفضل أن يتمَّ ذلك كتابةً.

 - إنَّ حرمة الإنسان ميتاً كحرمته حيّاً، لهذا يُشترط تأمين كلّ الاحتياطات الَّتي تضمن احترام جسد الميت بعد أخذ العضو منه، ودفنه وفق الأصول الشّرعيَّة.

- بخصوص موضوع بيع الأعضاء وشرائها، ما زال الجدل الفقهيّ حول حليّته كمبدأ قائماً – ونحن نرى أنَّ هذا الأمر لا يقع تحت عنوان الهبة المنطلقة من قيم البذل والعطاء – حيث إنّ هذه العمليّات قد تسيء في بعض نماذجها إلى إنسانيَّة البائع والمشتري على حدٍّ سواء، ولا نرى تكريس ذلك سبيلاً لحلِّ المشاكل الاجتماعيَّة، لكنّ الضَّرورات تقدّر بمقدارها.

- بالنّسبة إلى العائلة، لا يحقّ لها عدم تنفيذ وصيَّة الميت بهبة أعضائه، سواء كان ذلك منطلقاً من رأيهم أو موقفهم برفض الفكرة أصلاً، أو كان ذلك مجرّد حالة عاطفيَّة، والعكس صحيح..

- لا مشكلة شرعيَّة إذا نفّذ الطَّبيب عمليَّة الهبة، بغض النَّظر عن قناعاته، ما دام الواهب يرى ذلك جائزاً أو قد أوصى به، على قاعدة «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم». وغير ذلك من التَّفاصيل الَّتي تيسّر ولا تعسّر عمليّة هبة الأعضاء، وتبقيها ضمن إطارٍ يحفظ القيمة الإنسانيّة ومصلحة المجتمع.

تثبيت المفهوم اجتماعيّاً

وبعيداً عن التَّفاصيل الفقهيَّة، لا بدَّ من أن نشير إلى أنَّ موضوعاً كموضوع وهب الأعضاء، يتطلَّب إضافةً إلى الإباحة التقنيَّة من المرجعيّات الدينيَّة والقانونيَّة والطبيَّة، أن يتشكَّل وعي مسؤول، وحالة من المقبوليَّة في الوجدان الشَّعبي والثّقافي والاجتماعي، وهذا يتطلَّب منا عدّة أمور:

- العمل على إزالة كلّ الأوهام النفسيَّة وغير النفسيَّة الَّتي لا تزال حاضرةً في واقعنا، والَّتي قد تُنسب خطأً إلى الدّين، ما تحول دون أن يوصي الإنسان بشيء من أعضائه لمن يحتاجها بعد موته..

ـ التّركيز على مفهوم الصَّدقة الجارية عملاً بمنطوق الحديث عن الرّسول الأكرم #: «يموت الرّجل إلا عن ثلاث: ورقة علم ينتفع بها، وولد صالح يدعو له، وصدقة جارية»، والعمل على توسعة هذا المفهوم ليطال وهب الأعضاء، فيكون هو أيضاً نوعاً من الصَّدقة الجارية.

ـ إعطاء الشموليَّة لهبة الأعضاء، بحيث تدخل تحت عنوان الآية: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32].

وهب الخلايا الجذعيَّة:

في عالم الطبّ، قد لا تمرّ ساعة إلا وتحمل لنا إمّا اكتشافاً جديداً، أو ملامح لاكتشاف جديد. واليوم، يتردَّد موضوع الخلايا الجذعيَّة (stem cells)، الَّذي قد يكون سبيلاً لتأمين أعضاءٍ يحتاج إليها الإنسان، فتحلّ له الكثير من آلامه ومشاكله الصحيَّة، ليحظى بحياةٍ نوعيَّةٍ أسمى.

لهذا، نأمل أن يحظى موضوع وهب الخلايا الجذعيَّة بالأولويّة في التَّدارس والمناقشة والتَّحليل، من قبل الفقهاء والمشرّعين الدّينيين، لتوفير الإجابات وتيسير أمور النّاس الَّذين تمثّل لهم الفتاوى تشريعاً لحركتهم.

وهنا، أغتنمها فرصةً لأدعو إلى تقريب المسافة بين حركة البحث العلميّ من جهة، وحركة البحوث الفقهيَّة من جهة أخرى، بجهدٍ من الطَّرفين، فلا يكون العلم غير آخذ بالاعتبار نظرة الدّين وتأثّر قرارات شريحة واسعة من النّاس به، حتى على مستوى الأنظمة والدّول، وهو ما يعيق حركة تطوّر العلم وإنتاجيَّته، ولا يأخذ الدّين البحوث العلميَّة بنظرة جانبيَّة أو ثانويَّة..

كما ونأمل أيضاً أن تكون الطّروحات الفقهيَّة ملهمةً ومتابَعَة، لأنَّها أولى بالاهتمام بمصلحة الإنسان والرّفق به ومباركته وإحيائه، وهي من يمكنها النَّظر إلى الأمور من عدَّة زوايا؛ جسديَّة وروحيَّة، خاصَّة وعامَّة، إضافةً إلى أنَّها تشكِّل بمنظومتها الأخلاقيَّة الضَّابط لحركة العلم في الكثير من الأحيان، الَّذي يُوجَّه إليه أكثر من علامة استفهام في جنوحه نحو الماديّة والكسب..

وأخيراً، لا بدَّ من كلمة تقدير لكلِّ الَّذين يبذلون جهداً لتطوير زراعة الأعضاء وتنظيم هبتها والباذلين لها، وعلى الجميع أن يسعوا، ونحن نؤمن: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى} [النّجم: 39- 40].

* الكلمة التي ألقيت في الجامعة الأميركيَّة في بيروت 28 ربيع1 1433هـ 20-2-2012

 



علي عبد الرازق ورؤيته إلى الدين والدولة

1 مارس 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

عندما ألغى كمال أتاتورك الخلافة الإسلامية 1924م، أصيب العالم الإسلامي بصدمة كبيرة في الوعي العام،لإلغاء الخلافة، في الوقت الذي كان الغرب قد احتل معظم أو هيمن على الكثير من البلاد العربية، كانت الخلافة في ذلك الوقت، قد تراجعت وأصبحت كما قيل عنها ( الرجل المريض)، بسبب صراعاتها مع أوروبا، ودخولها في حروب لا ناقة فيها للمسلمين ولا جمل، واستتبع ذلك أن العالم الإسلامي وقع في نفس الإشكالات التي وقعت فيها الخلافة العثمانية، حيث التخلف قد ساد معظم هذه البلاد العربية، وتراجعت نهضويا وتنمويا، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تتقدم وتنهض على كل المستويات.
وهذه بلا شك من أخطاء زعامات الدولة العثمانية المتأخرين، الذين ساهموا في تراجع الخلافة الإسلامية لأسباب ليست محل مقالنا، حسب البعض من المسلمين هذا التراجع على الإسلام وتعاليمه، وهو منها براء، لكن إلغاء الخلافة الإسلامية، لم يكن عملاً إيجابياً لأسباب كثيرة، فقد كانت تمثل رمزاً للعالم الإسلامي، وكان بالإمكان إصلاح الأخطاء التي وقعت منها خاصة الحروب التي دخلت فيها مع أوروبا، خاصة الحربين الكونيتين، مع محور ألمانيا وايطاليا،لكن كمال أتاتورك، كان يحمل فكراً مغايراً لفكر الأمة وهويتها، لكنه لم يظهر ذلك إلا عندما استقوى نفوذه السياسي والعسكري، ثم نصّب حاكما!، والدليل على ذلك أنه لم يكتف بإلغاء هذا الرمزية الإسلامية، بل قام بمنع حتى الأذان والطربوش، وإلزام الأتراك بالزى الأوروبي،ووقف التشريعات الإسلامية والقوانين الإدارية المرتبطة بالقيم والمرجعية الدينية، واستبدالها بقوانين غربية !!،و يعتقد أتاتورك أنه بهذا العمل يرضي الغرب أو يتقدم مثله، ولذلك قام بتقليده في كل شيء، وفرض علمانية متطرفة قاسية على الشعب التركي، والعمل على إنهاء الهوية،واستبدالها بهوية أوروبية، لكن الذاكرة المسلمة أدركت أن هذه الخطوة شكلت صدمة كبيرة لارتباطها بالأمجاد الإسلامية وبالخلافة الراشدة وعصر الفتوحات الكبيرة.
وفي عام 1925 أي بعد عام واحد على إلغاء الخلافة الإسلامية، أصدر الشيخ على عبد الرازق كتابه الشهير (الإسلام وأصول الحكم)، الذي لا يتجاوز المائة والعشرين صفحة، طرح فيه رأياً غير مسبوق، وهو أن الإسلام دين روحي فقط، وأنه لم يؤسس دولة في العصر الأول الإسلامي، وأن أفعاله (ص) كانت من مهامه النبوية، وليست من المهام السياسية، ومما قاله علي عبِد الرازق في هذا الكتاب " أن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما كان إلا رسولاً لدعوة دينية خالصة للدين، لا تشوبها نزعة ملك، ولا دعوة لدولة، وأنه لم يكن للنبي صلى اله عليه وسلم ملك ولا حكومة، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يقم بتأسيس مملكة، بالمعنى الذي يفهم سياسة من هذه الكلمة ومرادفاتها، وما كان إلا رسولاً كأخوانه الخالين من الرسل، وما كان ملكاً و مؤسس دولة ولا داعياً إلى ملك "(ص76،66) ـ مضيفاً في فقرة أخرى من الكتاب ـ " أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون وبريء من كل ما هيأوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عز ومن قوة. والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة. وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا، لنرجع فيها إلى إحكام العقل، وتجارب الأمم وقواعد السياسة.
كما أن تدبير الجيوش الإسلامية، وعمارة المدن والثغور،ونظام الدواوين لا شأن للدين بها، وإنما يرجع الأمر فيها إلى العقل والتجريب، أو إلى قواعد الحروب أو هندسة المباني وآراء العارفين"، (ص105،104 ). والواقع أن هذا الرأي الذي طرحه على عبد الرازق يعتبر سابقة في الفكر الإسلامي بما طرحه في هذا الكتيب، ذلك أن الإسلام وان كان لم يعتبر الدولة والسلطة جزءاً من الدين، لكن الدولة والسلطة ضرورة من ضرورات
تطبيق شرائع الدين، لأن الإسلام عقيدة وشريعة، وهذه الشريعة لا بد لها من الدولة والسلطة، وقد تحققت هذه الدولة في العصر الراشدي وما بعده، وهذه مسألة بديهية وضرورة عقلية للأمة وللمجتمع، لتطبيق الدين وتنفيذ أوامره وتكليفاته التشريعية. ولم يقل أحد أن الدولة والسلطة أمراً إلهياً، والفقهاء المسلمون في أغلبهم اعتبروا الإمامة من الفروع وليست من الأصول.
وهذا الذي قاله عبد الرازق فيه خلط عجيب بين الرؤية الإسلامية للدولة، وما كانت عليه الكنيسة المسيحية قبل تجريدها من صلاحياتها في القرن السابع عشر الميلادي. وهناك الكثير من مواقف للخلفاء الراشدين، تبرز أن الخليفة أو أمير المؤمنين،رأيه ليس معصوما ولا مقدسا، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه، قال في اليوم التالي لتوليه الخلافة، حيث وقف يحدد برنامجه السياسي بـ بمقاييس العصر :" أيها الناس: إني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة. والضعيف فيكم قوي عندي حتى أزيح عنه علته إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله ".، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في إحدى المناسبات:" لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة ". والتاريخ الإسلامي يحفل بالكثير من المواقف التي تبرز مدنية الدولة، ولا عصمة ولا قدسية لزعماء الأمة وسياساتهم، ولم يقل أحد بذلك، عدا الرسول (ص) بموجب الوحي الإلهي.
فالإسلام ليس كهنوتاً ولا أحد ادعى أن الدولة في الإسلام تعتبر أمراً إلهياً، إنما الإسلام أقام دولة وسلطة مدنية، تقوم بواجباتها السياسية والاجتماعية في المجتمعات الإسلامية، وهذه من سنن الحياة الطبيعية لكل الأمم والشعوب، وقد اتسمت بأسماء متعددة الخلافة ـ الإمارة ـ الإمامة ـ السلطنة ـ المملكة ـ الجمهورية في عصرنا الحالي. وقد رد على الشيخ علي عبد الرازق العديد من العلماء والباحثين، بعد صدور كتابه هذا، ومن هؤلاء الذين ردوا على هذا الكتاب العلامة محمد الطاهر بن عاشور في كتابه (نقد علي لكتاب الإسلام وأصول الحكم ) والشيخ أحمد الخضر حسين في كتابه (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم)، والشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية في كتابه[ حقيقة الإسلام وأصول الحكمٍ]ـ حيث فندوا كل ما قاله عبد الرازق، بعيدا عن النقد التعنيف أو التشهير أو التكفير، وسنشير إلى بعض هذه الردود في سياق هذا المقال.
والإشكالية أن صاحب كتاب (الإسلام وأصول الحكم) طرح حججا غير سليمة في رؤيته هذه، خاصة ما قاله، أن الإسلام دين لا دولة ـ رسالة لا حكم، ذلك أن الخلافة، أو الرئاسة السياسية للمسلمين ليست منصبا دينيا، أو جزءا من رسالة النبي(ص)، أنّ المحتجّين لها أو لطابعها الديني إنما يؤسِّسون ذلك على الإجماع، وليس على الكتاب أو السُّنة. وقد سلّم الشيخ بالمشروعية التي يصنعُها الإجماع حتى في الشؤون غير الدينية. لكنّ الإجماع ليس مثل الكتاب والسُّنة، وليس مصدراً يجعل من الأمر المُجْمَع عليه من أصول الدين. وإنما كانت فائدةُ هذا الإجماع التاريخي أنه جعل نَصْبَ الخليفة
واجباً، وهذا الوجوبُ هو وجوبٌ عقليٌّ وشرعي. والطريف أنّ مستند الشيخ عبد الرازق في الإجماع العقلي والشرعي على نَصْب (الإمام وليس الخليفة!) كان بشكلٍ رئيسيٍّ ما ورد في مقدمة ابن خلدون، ثم ما أورده المتكلمون المتأخّرون من تعظيمٍ لشأن الخلافة في الدين. وبذلك، وما دام رأيُهُ أنّ الخلافة ليست من الدين، فإنه قد صعّب الأمر على نفسه بالاعتصام بالنصوص الكلامية التقليدية، مُهمِلاً نصوصاً تقليديةً أُخرى أهمّ، وما أورده منها ما استنتج منه الاستنتاجات الصحيحة، لأنه جاء خالطاً خلْطاً غير ضروري بين الإمامة أو السلطة بحدّ ذاتها، وبين الخلافة. فمنذ أيام الماوردي (- 450 هـ)، بل قبل ذلك، يقول الفقهاء إنّ إقامة الإمام أو الإمامة واجب عقلاً وشرعاً، وهم يعنون بالإمامة ليس الخلافة أو إمارة المؤمنين المحدَّدة، بل السلطة السياسية، شأن ما قاله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في مواجهة المحكِّمة أو بعضهم والذين قالوا: لا حُكْم إلّا لله، فقد أجابهم : لا حُكْم إلّا لله، وفي الأرض حكّام. لا بد للناس من أميرٍ، يجمعُ الفيء، ويجاهد العدو، ويأخذ للضعيف من القوي، حتّى يستريح بَرٌّ ويُستراح من فاجر. وهذا واضحٌ تماماً ليس لدى الماوردي فقط، بل ولدى مُعاصره إمام الحرمين والغزالي والآمدي.. وكلُّ الفقهاء والمتكلمين من المعتزلة والأشاعرة والحنابلة والإباضية والماتريدية. فهم يقولون بضرورة السلطة والسلطان بالعقل (لحفظ نظام حياة الناس)، وبالشرع لحفظ الدين على أُصوله المستقرة (وهم يعنون بذلك الاستقرار كما سيتبيَّن)، ثم يقولون مباشرةً بعد ذلك إنّ الإمامة (أو اتخاذ السلطان أو الرئيس) ليس من أصول الدين ولا من التعبُّديَّات، ولذا فإنّ نَصْبَهُ قائمٌ على الاختيار من أهل الشورى أو من أهل الحلّ والعقد أو من أهل الاختيار".(1) فالشيخ عبد الرازق خلط بين وجود نظام الخلافة، وبين اختيار الخليفة، ولم يميز بين الاثنين عمداً أو توهماً، ذلك أن اختيار خليفة للمسلمين لا يندرج ضمن النظرية الكنسية من حيث أن هذا منصب له قدسية، بما عرف عن النظام البابوي في الدول المسيحية، وهو ما يسمى بالحق الإلهي في الحكم في النظم الأوروبية قبل عصر الأنوار كما يسمى. كما أن الشيخ علي عبد الرازق قد ناقض نفسه بنفسه عندما قال في هذا الكتاب أن (الإسلام دين فحسب) لكنه اعترف في الكتاب نفسه، أن الرسول لم يكن رسولا فحسب، بل أنه كان حاكماً، حيث قال ما نصه " من أجل ذلك كان سلطان لنبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى رسالته سلطاناً عاماً، وأمره في المسلمين مطاعاً، وحكمه شاملاً، فلا شيء مما تمتد إليه يد الحكم إلا وقد شمله سلطان النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نوع مما يتصور من الرياسة والسلطان إلا وهو داخل تحت ولاية محمد صلى الله عليه وسلم على المؤمنين" ص69 من كتاب ( الإسلام وأصول الحكم).
فكيف تلتقي مقولته أن الإسلام ديانة روحية فقط لا حكم، ثم يقول ( فلا شيء مما تمتد إليه يد الحكم إلا وقد شمله سلطان النبي ) ! وقد استشهد علي عبد الرازق بالعديد من الآيات والأحاديث التي سردها في هذا الكتاب لتأييد رأيه، بأن الإسلام دين فحسب، لكن هذه الآيات التي استند إليها عبد الرازق ـ كما يقول معارضوه، وأهمها : " وما أرسلناك عليهم وكيلا " ( الإسراء: 54 )، والآية " وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا " ( الإسراء : 105 )، والآية " فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر " ( الغاشية : 21، 22 )… الخ، هذه الآيات إنما نزلت بمكة، ومعلوم أن العمل على إنشاء دولة لم يكن بمكة ( حيث كان الرسول رسولا فحسب يقتصر عمله على مجرد نشر دعوته )، إنما كان إنشاء الدولة بالمدينة بعد أن هاجر الرسول إليها.
ويرون: إنه كان مما يقضي به واجب الأستاذ عبد الرازق – إذ يستند إلى تلك الآيات القرآنية – أن يفسرها على ضوء أسباب نزولها والظروف التي أحاطت بها، فلما كانت هذه الآيات قد نزلت بمكة حيث كان الرسول يعاني الكثير من إعراض المشركين عنه ومن إيذائهم له ولأتباعه من المؤمنين، فقد نزلت هذه الآيات ( كما يقول الأستاذ الكبير الشيخ الخضر حسين ) مواساة الرسول وتذكيره ببيان مهمته في ذلك الحين وهي مجرد البلاغ والإنذار. ثم إن هذه الآيات إنما تنفي أن يكون الرسول وكيلاً أو مسيطراَ على الذين أبوا قبول دعوته من المشركين لا على من آمن به من المسلمين.
أما الحديث الذي استند إليه الأستاذ عبد الرازق، وفيه يقول الرسول للرجل الذي أخذته الرعدة لدى المثول أمامه : " هون عليك فاني لست بملك ولا جبار "، فإنما يقصد بذلك أن الرسول ليس ملكاً ولا جباراً كالملوك الذي يعرفهم ذلك الرجل ويرهبهم ويخشى سطوتهم وجبروتهم، فالرسول إنما بقصد به تهدئة ذلك الرجل وإزالة الخوف عنه.
أما عن الحديث الذي يستند الأستاذ عبد الرازق إليه : " أنتم أعلم بشؤون دنياكم ".
فقد ورد في تأبير النخل، وكان الرسول قد أمر سائليه عن تأبيره ألا يؤبروه فتركوا تأبيره، فترتب على ذلك أن فسد التمر وأصبح شيصا، فلما ذكروا ذلك للرسول قال لهم : " أنتم أعلم بشؤون دنياكم " أي أنه لم يرسل ليبين للناس كيف وفي أي وقت يزرعون أو متى يؤبرون النخل أو لا يؤبرونه، إلى غير ذلك من الأمور الدنيوية التي يعرفها الناس بالتجربة .
فهذا الحديث لا موضع له في الواقع في هذا المقام، وبعبارة أخرى أنه لا مكان له في مقام الاستدلال على أن الرسول لم تكن له ولاية الحكم"(2).
ويستغرب العديد من الباحثين إصدار هذا الكتاب بعد إنهاء الخلافة الإسلامية مباشرة، مع أن الشيخ علي عبد الرازق له بعض الآراء في محاضرات ومناقشات تناقض ما قاله، بل أن البعض، ومنهم السياسي والقانوني المصري سعد زغلول ـ مع علاقته المتينة بعلي عبد الرازق، كونهما ينتميان إلى حزب الوفد المصري الليبرالي، إلا أنه انتقده بشدة على ما قاله في هذا الكتاب ـ مع ليبراليته المعروفة ـ ورغم أن سعد زغلول كان في موقع المعارضة من الملك فؤاد في ذلك الوقت الذي قيل أنه كان يطمح إلى الخلافة بعد إلغائها من قبل أتاتورك،يقول سعد زغلول:" لقد قرأت كتاب [ الإسلام وأصول الحكم ] بإمعان، لأعرف مبلغ الحملات عليه من الخطأ والصواب. فعجبت : أولاً كيف يكتب عالم ديني بهذا الأسلوب، في مثل هذا الموضوع ؟!. لقد قرأت كثيراً للمستشرقين ولسواهم، فما وجدت ممن طعن منهم في الإسلام حِدَّة كهذه الحدة في التعبير، على نحو ما كتب الشيخ علي عبد الرازق.. لقد عرفت أنه جاهل بقواعد دينه، بل بالبسيط من نظرياته، وإلا فكيف يدعي أن الإسلام ليس ديناً مدنياً ؟! ولا هو بنظام يصلح للحكم ؟! فأية ناحية من نواحي الحياة لم ينص عليها الإسلام ؟! هل البيع ؟ أو الإجارة ؟ أو الهبة ؟ أو أي نوع آخر من المعاملات ؟؟ ألم يدرس شيئاً من هذا في الأزهر ؟! أو لم يقرأ أن أمماً حُكِمَت بقواعد الإسلام فقط عهوداً طويلة كانت أنضر العصور ؟! وأن أمماً لا تزال تُحكم بهذه القواعد، وهي آمنة مطمئنة ؟!.. فكيف لا يكون الإسلام مدنياً ودين حكم ؟!.. أين كان هذا الشيخ من الدراسة الدينية الأزهرية ؟!. والذي يؤلمني حقاً أن كثيراً من الشبان الذين لم تقو مداركهم في العلم القومي، والذين تحملهم ثقافتهم الغربية على الإعجاب بكل جديد، سيتحيزون لمثل هذه الأفكار، خطأ كانت أو صواباً، دون تمحيص ولا درس.و كم وددت أن يفرق المدافعون عن الشيخ بين حرية الرأي، وبين قواعد الإسلام الراسخة التي تصدى كتابه لهدمها ".(3) ومن التخبطات التي وقع الشيخ علي عبد الرازق أنه قال من سيرة النبي(ص)أننا ما " عرفنا أنه تعرض لشيء من سياسة تلك الأمم الشتيتة، ولا غير شيئا من أساليب الحكم عندهم، ولا مما كان لكل قبيلة منهم من نظام إداري أو قضائي.. ولا سمعنا أنه عزل واليا، ولا عين قاضيا" (ص85). لكن الذي يحيّرك في كلام الشيخ عبدالرازق، أنه ناقض هذا الكلام بشكل صارخ في نصوص هذا الكتاب فيقول:" لاحظنا حال القضاء زمن النبي (ص) غامضة ومبهمة من كل جانب، حتى لم يكن من السهل على الباحث أن يعرف هل ولىّ صلى الله عليه وسلم أحدا غيره القضاء أم لا ". وينسى علي عبد الرازق العبارات التي قالها آنفا، أو ربما التي لم يقتنع بها في الأصل، فيضيف بعدها مباشرة " هناك ثلاثة من الصحابة يعدهم جمهور العلماء ممن ولي القضاء في زمن النبي (ص)، قال بعضهم وقلد رسول الله (ص) القضاء لعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وينبغي أن يضاف إليهم أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، فقد كان في عمله، على ما يظهر، نظير معاذ بن جبل سواء بسواء" (ص40).
ويعلق د/ عبدالاله بلقزيز على تناقضات علي عبد الرازق فبقول: " يقف مثلا أمام دلالة القضاء في الإسلام وتولية النبي صحابةً يقضون بين الناس نيابة عنه. ومع أنه لا يبدي تسليماً بصحة مثل تلك التولية، يسوق ما أجمع عليه جمهور العلماء من وقائع تدل على أن النبي ولى ثلاثة من صحابته قضاة في الأمصار ( عمر بن الخطاب، علي بن أبي طالب، معاذ بن جبل )، فيضيف إليهم أبا موسى الأشعري من دون أن ينتبه إلى ملاحظته النقدية التحفظية على حال القضاء في العهد النبوي". ويرى عبدالاله بلقزيز أن الارتباك واضحا في الرؤية العامة لما يريده المؤلف في رصد التجربة النبوية "ذلك ما يستفيده قارئ علي عبد الرازق، يحاول الأخير تبديد الاشتباه وبيان غياب لحظةٍ سياسية فيهما. لكن القارئ نفسه لا يملك مقاومة الشعور بأن
حجة عبد الرازق لم تكن قوية بما يكفي لتأسيس موقفه على النحو الرصين. إذ كان يخالطهما الكثير من الارتباك، ناهيك بتناقضات لم تكن تسمح لخطابه في المسألة بالتماسك، فحين يكتب أن الجهاد " كان آية من آيات الدولة الإسلامية، ومثالاً من أمثلة الشؤون الملكية " ويعززه بالتأكيد الصريح أن النبي إذا كان قد " لجأ إلى القوة والرهبة، فذلك لا يكون في سبيل الدعوة الى الدين " ( لأننا " ما عرفنا – يقول عبد الرازق – في تاريخ الرسل رجلاً حمل الناس على الإيمان بحد السيف، ولا غزا قوماً في سبيل الإقناع بدينه ". ينتهي إلى نفي الصفتين السياسية والدينية عن الجهاد من دون أن يثبت طبيعته، وتحديداً نوع صلته بالسياسة والدين ! والأمر نفسه نلحظه حين يتحدث عن التدبير المالي النبوي، فإذ يوحي بأنه فعل سياسي، نافياً أن يكون جزءاً من الرسالة، ينتهي إلى إسقاط الماهيتين السياسية والدينية عنه من دون أن يثبت له ماهية أو يقرر له صلة بأي من السياسة والدين!"(4).
لكن لماذا سكت علي عبد الرازق 40 عاما عن الرد على منتقديه؟ وهل صحيح أنه تراجع عما قاله في هذا الكتاب، لبعض أصدقائه القريبين ؟ وهل تأثر ببعض المستشرقين في فترة دراسته بالمملكة المتحدة ؟ وهل لعبت المخابرات البريطانية دورا في تشويه الخلافة العثمانية في الحرب الكونية الثانية من خلال بعض المستشرقين ؟ وسيكون لنا حديث عن هذه الأسئلة في مقال آخر بإذن الله.

________________________________________________

الإحالات:
1 ـ حوار وردود حول كتاب الإسلام وأصول الحكم ـ تقديم د/ رضوان السيد ـ
جداول للنشر بيروت ـ ص11،10
2ـ الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للدستور ـ د/ عبد الحميد متولي ـ منشأة
المعارف ـ الإسكندرية ـ ص61،60.
3ـ الإسلام والتحديات المعاصرة د/ محمد عمارة ـ نهضة مصر ـ القاهرة ـ ص 433،434.
4 ـ عبدالاله بلقزيز ـ العرب والحداثة.. دراسة في مقالات الحداثيين ـ
مركز دراسات الوحدة العربية ـ ص 138ـ 141

 

طردية العلاقة بين العدالة والكرامة

27 فبراير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

في دعوة الأنبياء ورسالة من أرسل منهم يلحظ وبشكل دقيق التركيز على قيمة العدالة وضرورة تحققها، بل كانت الدعوة للتوحيد غالبا ما تقرن بموضوع العدالة لما لهذه القيمية من مدخلية قوية في بناء مفهوم التوحيد بناءا معرفيا في ذهنية المتلقي والقابل.

إذ أن تحقيق العدالة بكافة مصاديقها تتطلب بداية إزالة كل ما تم تحميله من فهم لهذا المصطلح ، فهو يشكل المدخل السليم والحقيقي للتوحيد ، وأهم ما تحققه العدالة هو رفع الحجب التي فرضتها المسلكيات البشرية نتيجة الفهم البشري المتراكم للنص الديني والذي غالبا ما انحرف عن واقع الأمر، مما أدى إلى حجب الحقيقة وتشويه المفاهيم وتغييب منظومة القيم ،مما انعكس بالتالي على السلوك فتشكلت منظومة مفاهيمية بعيدة عن الحقيقة ورست على ضوئها منظومة سلوكية بعيدة عن الواقع، فحجبت الحقيقة وعلى ضوئها حجبت المعارف وألبست العدالة لباس آخر تحكمه الأهواء والاستمزاجات الشخصية .

إن تحقيق العدالة وفق واقع الأمر يعني رفع كل تلك الحجب عن العقل البشري ، واستجلاءالمفاهيم وفق دلالاتها واستعمالتها وبناءاتها الصحيحة ليتجلى الأمر بحقيقته بعد ذلك في النفس، لترى الحقيقة فتستقيم الذات وفق أسس العدالة السليمة ، وتنعكس عدالة الذات على تحقيق العدالة في الخارج فترتفع الحجب عن كثير من المعارف والعلوم،وتنتظم الحياة تحت عنوان القيم وجوهرها ألا وهي العدالة.

إن العدالة هي مطلب قيمي مهم في المجتمع ، لأن مقصد تحقيق العدالة هو تحقيق كرامة الإنسان، وتحقيق كرامة الإنسان مطلب لأداء وظيفته الاستخلافية وفق الرؤية الالهية في الأرض ليقيم المشروع الالهي فيها.

فوفق مقولة العدالة تتحقق الحريات بما يحقق العدالة ، وتكون المساواة وفق ما يحقق العدالة ، وتنتظم لذلك مجموعة الحقوق والواجبات وفق مطلب تحقيق العدالة ، وإذا تحققت هذه القيم في طول مطلب العدالة تحققت بذلك كل مقومات الكرامة الإنسانية وتأهلت النفس لأداء دور الخلافة على الأرض.

فكلما ازداد منسوب العدالة في النفس كلما ازداد في الخارج، كلما انتظمت القيم وبالتالي ارتقت كرامة الانسان، فالعلاقة بين العدالة والكرامة علاقة طردية .

فإذا قلنا نريد أن يرتفع سقف الحريات، تكون الحريات المطلوبة هي تلك التي تحقق العدالة بحيث لا يمكن لهذه الحرية أن تحقق نقيض العدالة بالظلم أو سلب الاخرين لحقهم ، فتكون الحرية المطلوبة حرية عادلة ، وهكذا المساواة وموضوعة الحقوق.

ولكن هل العدالة المطلوبة هي كما يراها الإنسان وعقله؟
عقل الإنسان محدود ، ولا يمكن للمحدود أن يحيط باللامحدود، قد يدرك هذا العقل حسن العدل وقبح الظلم ، ويدرك أهمية العدالة في بناء الكرامة الإنسانية ، ولكن ماهية العدالة وكيفها لا يمكن أن يدركه إلا بتعليم من الوحي، وهو ما سيصل له العقل إذا أدرك العدالة وأهميتها والتي يعتبر إدراكها مدخلا مهما لادراك التوحيد وعلى ضوء إدراك التوحيد من بوابة العدل،ستبنى منظومة المفاهيم والقيم وفق الرؤية الالهية التي تحقق حتما كرامة الإنسان بما يرتقي به إلى وظيفة .." إني جاعل في الأرض خليفة " .

إن السعي نحو الكمال الذي فطر عليه الإنسان هو الداعي العقلي الذي يدفعه دوما لإقامة العدل ، والبحث عنه ، ولكن تكمن المشكلة في فهم الكمال وآليات تحقيقه ومصاديقه ، فكلما ابتعد الانسان عن السماء -إن صح التعبير -كلما ابتعد عن تحقيق العدالة المطلوبة وكلما أصبحت كرامته عرضة للانتهاك .
فرغم السعي التاريخي الحثيث للإنسان نحو تحقيق العدالة في الأرض إلا أننا ما زلنا إلى الآن لم نقم جوهرة القيم (العدالة) ولم نحققها،ولعل أبرز الأسباب في هذا القصور هو الجدل الانساني الذي ينعكس في الواقع الخارجي إلى جدليات متشابكة الأهواء والمصالح ومتناقضة القيم والغايات، وهذا الجدل أدى إلى تشويه مفهوم الكمال  بعد الانحراف عن المبدأ والغاية والهدف وبالتالي انحراف آليات تحققه .لذلك كان التشديد على معرفة " من أين وفي أين  
وإلى أين" ، وهي معرفة ترسم خارطة طريق كاملة للإنسان في هذه الدنيا ليحقق هدف الكمال وآليات الوصول اليه.

إن القيم غاية يتطلب تحقيقهاوقيامها قيام جوهرها أي العدالة،وهذه الجوهرة تتطلب أن تحقق في ذات الإنسان كي تصبح لها قيامة في الأرض :" أقم العدل في نفسك يقوم العدل في أرضك" ، فالله لا يغير ما في القوم إلا إذا تغير ما في أنفسهم.
فالعدالة هدف السماء لأهل الأرض لأن بها تستقيم أمور الإنسان ويهتدي إلى الطريق الذي من خلاله تتحقق كرامته لتقوم خلافته ويؤدي بها وظيفته.
فإذا تحققت الكرامة بتحقق العدالة ترتقي النفوس وتترفع عن الرذائل التي تتنافى وتلك الكرامة التي حققتها العدالة كجوهرة للقيم كلها.

التفكير بالدولة في مدرسة النجف…سياقات المفهوم وتحوّلاته في التاريخ القريب

25 فبراير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تحول التفكير في المفاهيم يرتبط عضوياً بالسياقات الثقافية والاقتصادية والسياسية والسسيولوجية السائدة في كل مجتمع من المجتمعات البشرية. ومدرسة النجف ظلت ومازالت أهم حاضنة للاهوت والفقه الشيعي، وعادةً ما كان الشيعة خارج مؤسسة السلطة في دولة الخلافة الأموية والعباسية والسلطنة العثمانية، وطالما تعرض فقهاؤهم للمراقبة والاضطهاد والقمع، خشية ثوراتهم ومعارضتهم للخلفاء والسلاطين، فاضطروا للابتعاد عن التفكير الفقهي بالدولة ونظمها. الدعوة للدستور في مدرسة النجف وانتظم الفقه في الحوزات العلمية في المجال الفردي الشخصي، ولم يتجاوزه إلى مجال الحكومة والسلطة وتنظيمات الدولة. بموازاة ذلك تبلور موقف لاهوتي فقهي يسلب المشروعية عن أية دولة في عصر غيبة الإمام المهدي وهو الإمام الثاني عشر، ويصفها بـ «دولة الضلال». ولم تتقلص المسافة بين بعض الفقهاء والسلطان إلا في العصر الصفوي، حينما احتاج السلطان إلى الفقيه ليخلع المشروعية على دولته. لكن مدرسة النجف مكثت بمنأى عن ذلك. وفي العصور التالية ابتعد نادر شاه عن الفقهاء، لكن مع السلطنة القاجارية حرص بعض ملوكهم على تجسير العلاقة مع المرجعية الدينية، والحصول على دعمها، وخصوصاً في صراعهم المستمر مع الروس، وحاجتهم الماسة إلى تعبئة المجتمع وحثه على القتال، عبر فتاوى الجهاد. في منتصف القرن التاسع عشر ظهرت الدعوة إلى الدستور للمرة الأولى في الدولة العثمانية، عندما سعى مدحت باشا، مع جماعة من زملائه المفكرين إلى تحقيق هذه الفكرة، واستطاع في آخر الأمر أن يحمل السلطان عبدالحميد الثاني على إصدار القانون الأساسي، عقب توليه العرش، بعد خلع السلطان عبدالعزيز، والسلطان مراد؛ فصدر الدستور سنة 1876م، وتأسّس البرلمان الذي عرف بـ «مجلس المبعوثان» غير أن السلطان عبدالحميد لم يسمح له بالاستمرار في دورته الثانية؛ فأصدر في 13 فبراير/ شباط 1878م فرماناً بحل المجلس، وإلغاء الدستور. وفي اليوم الثاني أمر بإخراج النواب البارزين من اسطنبول، وإعادتهم إلى ولاياتهم، ومنذ ذلك الحين أخذ عبدالحميد يحكم الدولة على طريقته الاستبدادية، التي اشتهر بها واشتهرت به. وأقفل مجلس المبعوثان أبوابه لمدة ثلاثين عاماً؛ فمنذ تعطيله سنة 1878 لم يفتح ثانية إلا في العام 1908.

 تسرب الوعي الدستوري إلى بعض النخب في ولايات الدولة العثمانية، وكانت الحوزة العلمية في النجف تتجاوب مع المنعطفات السياسية الكبرى، ويتفاعل بعض تلامذتها وفقهاؤها مع الأصوات المنادية بالإصلاح السياسي، وخصوصاً بعد وفاة الميرزا محمد حسن الشيرازي في سامراء العام 1312 هـ الموافق 1895م، عندما عاد طلابه إلى النجف ثانية، ذلك أن الحوزة العلمية فيها لم تفتقد مركزيتها بهجرة الميرزا الشيرازي إلى سامراء، وتصدى للمرجعية اثنان من تلامذته بعد غيابه، هما محمد كاظم المعروف بالآخوند الخراساني (ت 1329 هـ/ 1911م) ومحمد كاظم اليزدي (ت 1337 هـ/ 1919م) وقد ازدهرت الحوزة العلمية في النجف في هذه الفترة بتوافد الطلاب الشيعة لها من إيران والهند وأفغانستان ولبنان وسورية.

 وطالما طغت الجداليات السياسية والفكرية في إيران على مشاغل الطلاب واهتماماتهم، لوثوق العلاقة بين المرجعية الدينية في النجف والمجتمع الإيراني، والارتباط العضوي للمقلدين الإيرانيين بفقهاء النجف، وتجاوب هؤلاء الفقهاء مع التطورات السياسية والاجتماعية في إيران. ففي الحوزة العلمية في النجف – لحظة المشروطة – جرى اصطفاف انشطر معه موقف المرجعية؛ فتبنى محمد كاظم الخراساني، وتبعاً له تلميذه محمد حسين النائيني، وغيرهما، موقفاً مؤيداً وداعماً للمشروطة، فيما ذهب محمد كاظم اليزدي إلى تأييد فضل الله النوري، ومن اصطف معه، في مناهضة المشروطة. ومثلما سادت الدعوة لتقنين عمل السلطة، ونادى بها معظم النخبة قبل المشروطة، إلى أن امتد التثقيف عليها إلى عامة المجتمع، انقسم الناس تبعاً للانقسام في مواقف الفقهاء حيال المشروطة سنة 1906، وباتت قضية المشروطة هاجساً نخبوياً وجماهيرياً شاملاً، انخرطت النخبة المدنية والدينية في الكتابة والخطابة والحديث عنه، إثباتاً أو نفياً.

وصدرت الكثير من المنشورات والرسائل والمقالات والكتب والمطبوعات المتنوعة لمعالجة هذه القضية. يمكن القول إن أخطر رسالتين صدرتا خلال هذه الضجة، وعبرتا بوضوح لا لبس فيه عن الموقف المندد والرافض، والموقف المؤيد للمشروطة، هما: «تذكرة الجاهل وإرشاد الغافل» لفضل الله النوري، المطبوعة سنة 1908 أي قبل مقتله بسنة و «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» لمحمد حسين النائيني، المطبوعة سنة 1909.

ويبدو من عنوان الأخير لرسالته، أنه يشير إلى عنوان رسالة النوري، وينفي حكمها على دعاة المشروطة ومؤيديها، باعتبارهم «جاهلين… غافلين». يتلخص مفهوم المشروطة في تشكيل الحكومية على أساس دستور، ونظام برلماني، وتقييد سلطات الحاكم في إطار القانون. وكان الكاتب العثماني نامق كمال من أوائل من استخدم تعبيرات الدولة المشروطة «دولت مشروطه»، والإدارة المشروطة «إدارة مشروطه»، في كتاباته في القرن التاسع عشر، وهو يعني بذلك الحكومة الدستورية غير المستبدة. وكانت مثل هذه الحكومة توصف لدى الكتاب العثمانيين في ذلك العصر، بتوصيفات من قبيل: «مقيدة» و «معتدلة» و «محدودة». والقيد بمعنى الشرط، والمحدود هو المؤطر بحدود، أي بشروط. ويعتقد عبدالهادي الحائري أن هذه الكلمة وفدت من التركية، وأول من استخدم مصطلح المشروطة باللغة الفارسية، هو ميرزا حسين خان سبهسالار سنة 1868 حين كان سفيراً لإيران في الإمبراطورية العثمانية، إذ وردت هذه الكلمة في بعض التقارير التي أعدها ساعتئذ. مع أن النائيني يعتبر الحكومة وإدارة الدولة من مهمات الإمام المعصوم بحسب المنطق الكلامي، إلا أنه يرى أن إدارة شئون المجتمع المسلم، وتحقيق مصالحه، والدفاع عن حقوقه، مما لا مفر منه في زمن الغيبة، وقد وضع شرطين لشرعية هذه (الحكومة/السلطة) الإسلامية، هما عبارة عن: صياغة دستور يتضمن تعريفاً وافياً يحدد طبيعة السلطة وأغراضها وواجباتها وكيفية ممارستها، كما يميّز المصالح السياسية التي يجب على الحكومة العمل لإقامتها وحفظها، من المصالح الخاصة التي لا يحق لها التدخل فيها، كما يحدد صلاحيات الحاكم، ويعرف حقوق الشعب وحرياته، والحقوق الخاصة بكل طبقة من طبقاته، باعتبارها موافقة لمقتضيات الدين.

أحكام المراقبة والمحاسبة على الحاكم، من خلال جميع أفراد المجتمع المسلم، ومن خلال إيجاد مجلس أو هيئة. ويعتبر أعضاء هذه الهيئة ممثلين للشعب، وقوته العلمية، والمجمع الرسمي للهيئة هو مجلس الشورى الوطني… يلزم أن يكون أعضاء الهيئات الرقابية، مثل مجلس الشورى، مسئولين أمام الشعب عن أعمالهم، وظيفتها الحيلولة دون حصول أي تجاوز أو تفريط من قبل الحاكم في سلطته وواجباته ومنع تحولها إلى ملوكية. هذه الهيئة (المسددة) بحسب تعبيره تحل (محل العصمة، بدرجة ما) التي افتقدها المعتقد الإمامي بسبب غيبة الإمام المعصوم. هكذا تنخرط مرجعية النجف في رهانات الدستور وترسم الرؤية السياسية للنائيني إطاراً بديلاً للسلطة، يحدد الملكية ويقيد صلاحياتها المطلقة، ولا يسمح لها التعسف في السلطة. وما لبثت رسالة النائيني «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» التي دوّنها في النجف، أن تحولت إلى نص محوري في جدل الدين والدولة في إيران الحديثة والمعاصرة.

 ويشير محمد إسماعيل المحلاتي المعاصر للنائيني إلى أن حكم الفقيه لم يكن مطروحاً للنقاش، فلم يسأل أحدٌ عن ذلك، ولم يتحدث فقيه عنه، ما كان مورداً للسؤال هو الاستبداد، ومشروعية تحديد السلطة وتقييدها بدستور يحد منها، ويعطي الشعب حقاً في الرقابة عليها. وينفي الشيخ محمد حسين الغروي الأصفهاني (ت 1361 هـ)، وهو من أبرز الفقهاء والأصوليين والحكماء في الحوزة العلمية في النجف في النصف الأول من القرن العشرين، أن تمنح درجة الاجتهاد والتفقه في الشريعة تأهيلاً خاصاً للقيادة والرئاسة وتنظيم البلاد وإدارتها، «ذلك أن الفقيه بما هو فقيه، أهل النظر في مرحلة الاستنباط، دون الأمور المتعلقة بتنظيم البلاد، وحفظ الثغور وتدبير شئون الدفاع والجهاد، وأمثال ذلك، فلا معنى لإيكال هذه الأمور للفقيه بما هو فقيه، وإنما فوض أمرها إلى الإمام عليه السلام، لأنه عندنا أعلم الناس بجميع السياسات والأحكام، فلا يقاس بغيره ممن ليس كذلك».

التفكير بالدولة في المدونة الفقهية بمدرسة النجف في النصف الثاني من القرن العشرين، مع الشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيدالشهيد محمد باقر الصدر، ينتقل التفكير بالدولة إلى المدونة الفقهية، ولا يقتصر التبرير الفقهي على مشروعية تدوين الدستور، وإنما يتمدد ويتسع، بنحو لا تكتسب معه الدولة مشروعيتها إلا إذا أصبحت دولة إسلامية بشكلها ومضمونها، بمعنى أن نظام الحكم والإدارة فيها ينبغي أن يكون منبثقاً عن الميراث الفقهي، وهكذا يكون نمط النظام الاقتصادي، وتداول الثروة، والنظام المصرفي والنقدي والتربوي، وكل ما يتصل ببناء الدولة وترسيخها، من نظم وتشريعات وقوانين، ومؤسسات ومجالات متنوعة، ينبغي أن تتسلم الأحكام الشرعية التي تغتني بها المصنفات الفقهية، ويستنبط ما يستجد منها في إطار الأصول والأدلة والمدارك المقررة في الاستدلال الفقهي. فظهرت طائفة من الكتابات تعالج هذه القضايا، وتتحدّث عناوينها عن نظام الحكم والإدارة في الإسلام، واقتصادنا، ونظام العمل وحقوق العامل في الإسلام، والنظام المالي وتداول الثروة في الإسلام، والبنك اللاربوي في الإسلام… الخ.

في سنة 1954 كتب الشيخ محمد مهدي شمس الدين «نظام الحكم والإدارة في الإسلام»، وصدر في بيروت 1955، يتمحور الكتاب حول التدليل على أن الإسلام دين ودولة، وأن الحكومة جزء من التشريع الإسلامي، وهي إنما تتحقق بالنص وليس بانتخاب أو اختيار البشر، فيقول: «نحن في الإسلام نملك نظاماً للحكم والإدارة هو نظام محكم في ظل سلطة دينية وزمنية معاً»

في العام 1959 كتب السيد الشهيد محمد باقر الصدر نصاً محدود التداول، أتاحه لأعضاء حزب الدعوة الإسلامية، بمثابة أصول ومصادر إلهام للدستور الإسلامي، يتضمن تسعة أسس، يتحدّث في الأول منها عن المعنى اللغوي والاصطلاحي لـ «الإسلام»، والثاني عن أقسام «المسلم»، والثالث عن مفهوم «الوطن الإسلامي»، والرابع عن أنواع «الدولة الإسلامية»، والخامس عن ماهيتها وحقيقتها، وكون «الدولة الإسلامية دولة فكرية»، والسادس عن «شكل الحكم في الإسلام»، والسابع عن «تطبيق الشكل الشوري للحكم في ظروف الأمة الحاضرة»، والثامن عن «الفرق بين أحكام الشريعة والتعاليم»، والتاسع هو توضيح أن «مهمة بيان أحكام الشريعة وتعيين القضاة ليستا من مهام الحكم».

وهذا النص برغم أنه لا يتجاوز خمس عشرة صفحة، غير أنه وثيقة بالغة الأهمية، لتعبيره الصريح عن البناء العضوي لمفاهيم الدولة الإسلامية، والتشديد على الصلة العضوية بين هذه المفاهيم والكتاب والسنة والموروث الفقهي. واهتم الصدر بصياغة رؤية نظرية فقهية، حيال الاقتصاد في الجزء الثاني من كتابه الذائع الصيت «اقتصادنا»، الصادر سنتي 1959-1960 في النجف.

كما حاول أن يبلور موقفاً فقهياً نظرياً تجاه المعاملات المالية والنظام المصرفي وإيداع النقود وتداولها، في كتابه «البنك اللاربوي في الإسلام»، الصادر مطلع السبعينيات من القرن الماضي، مضافاً إلى اهتمامه بالنظرية السياسية في الإسلام، والأطر الدستورية الفقهية للدولة الإسلامية، في سلسلة تتكون من ستة كتيبات، صدرت العام 1979 مقارِنةًً لانتصار الثورة الإسلامية، وتناول من منظور قرآني فقهي شكل الحكومة الإسلامية.



عودة التفكير بالدولة خارج المدونة الفقهية

كان الشيخ محمد جواد مغنية، أحد الفقهاء الذين تخرجوا من النجف، وعرفوا بغزارة الإنتاج الفكري، قد أصدر أيام الثورة الإسلامية في إيران العام 1979 كتاباً عرض فيه تصوراته الفقهية بشأن الدولة الإسلامية، أوضح فيه أن مهمات الدولة لا تنحصر في الأحكام الدينية، ولا نص في كثير من القوانين الاجتماعية، ما يدل على تفويضها للعرف والعقلاء.

ومنذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي صدرت آراء شفاهية وتصريحات للشيخ محمد مهدي شمس الدين تؤشر إلى أنه أضحى يفكّر بدولةٍ خارج المدونة الفقهية، لكن تجلى بوضوح التحول لديه والإقلاع عن موقفه السابق في كتابه «نظام الحكم والإدارة في الإسلام» بعد صدور الطبعة الثانية الموسعة المنقحة من هذا الكتاب العام 1990، إذ استبعد ما لا ينسجم مع تفكيره الجديد، وعزّزه بمباحث كشف فيها عن موقف آخر، يختلف مع رؤيته السابقة. وأشار بوضوح إلى عدم توفر دليل في الإسلام يحدّد شكل نظام الحكم، فصرح «ليس في جميع ما استدل به الشيعة ما يتضمن تحديداً لنظام الحكم بعد النبي محمد (ص) وإنما تعيّن النصوص (الإمام/الخليفة) بعد النبي».

في العقدين الأخيرين لمدرسة النجف تمثل كتابات شمس الدين في الفكر السياسي رؤية اجتهادية مواكبة للحياة، ومتطلبات الاجتماع السياسي الإسلامي الشديدة الالتباس والتعقيد والتنوع، وتخلص رؤيته إلى ابتكار مفهوم سياسي يحاكي الديمقراطية وينسج على نموذجها في الحكم، فيستوعب ما يتصل بالإرادة الشعبية والانتخابات والتداول السلمي للسلطة، وما ينطوي عليه النظام الديمقراطي من حقوق وحريات، ويسمي شمس الدين ذلك بـ «ولاية الأمة على نفسها».

وتجلّت بمرور الأيام مفاهيم شمس الدين، وأضحى يتحدث عن الديمقراطية، باعتبارها الخيار الوحيد للمجتمعات الإسلامية، ولم يعد هناك ما هو ديني أو مقدّس في الدولة، بمعنى أنه يقدّم تفسيراً مغايراً لمفهوم الدولة، لا يرتبط بالسماء، وبالتالي تنتقل مشروعية السلطة في نظره، من السماء إلى الأرض، فهو يعتقد «في الإسلام مشروع الدولة كله مشروع غير مقدس، ليس لأنه مشروع مرفوض، ولكنه مشروع ناشئ من طبيعة الوظائف التي تقوم بها الدولة وهي ليست مقدسة في ذاتها في الفكر وفي الفقه الإسلاميين. وإنما المطلق والمقدّس والأساس من وضع له الشرع والشريعة، أي الأمة والدولة بالشأن التنظيمي العام للمجتمع. الأمة هي مقدّسٌ بالمعنى الذي ذكرناه، والدولة هي مؤسسة ذات وظيفة من مؤسسات الأمة».



السيستاني وكتابة الدستور

وبعد الاحتلال الأميركي للعراق، وسقوط نظام صدام عاد للنجف من جديد ألقها، وأصبحت محجّةً للسياسيين، وحرص رجال الحكم على التواصل مع المرجع السيد علي السيستاني، وحسم آرائهم في القضايا البالغة الأهمية، بالاعتماد على ما يقوله هو أو يحرّره مكتبه، مثل تدوين الدستور. فقد قررت سلطات الاحتلال تشكيل مجلس لصياغة الدستور، وتعيين أعضاء هذا المجلس، بالتشاور مع الجهات السياسية في العراق، ثم طرح الدستور بعد صياغته لاستفتاء شعبي، لكن السيستاني رفض ذلك، وشدّد على «أن تلك السلطات لا تتمتع بأية صلاحية في تعيين أعضاء مجلس كتابة الدستور… فالمشروع المذكور غير مقبول من أساسه، ولابد أولاً من إجراء انتخابات عامة، لكي يختار كل عراقي مؤهل للانتخاب من يمثله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور، ثم يجري التصويت العام على الدستور، الذي يقرّه هذا المجلس…».

ويكشف السيد السيستاني عن أن مرتكزات وأسس ومنطلقات النظام السياسي الجديد للعراق تقوم على «مبدأ الشورى والتعددية والتداول السلمي للسلطة، في جنب مبدأ العدالة والمساواة بين أبناء البلد في الحقوق والواجبات، وحيث إن أغلبية الشعب العراقي من المسلمين فمن المؤكد أنهم سيختارون نظاماً يحترم ثوابت الشريعة الإسلامية، مع حماية حقوق الأقليات الدينية».

منذ ثلاثة عقود بدأ التفكير بالدولة في مدرسة النجف يغادر المدونة الفقهية بالتدريج، حتى أني لم أعثر في العقد الأخير على أية كتابات، دوّنها المراجع والفقهاء في الحوزة العلمية في النجف، ترسم إطاراً فقهياً للسلطة والحكم والدولة ومؤسساتها، يتواصل مع الرؤية الفقهية النظرية للشهيد محمد باقر الصدر، ومحاولاته الجادة، التي بدأت بـ «اقتصادنا» واستمرت حتى الفترة الأخيرة من حياته في سلسلة «الإسلام يقود الحياة»، من أجل توطين مفهوم الدولة ونظمها السياسية والاقتصادية والمالية والمصرفية داخل المدونة الفقهية


الإسلام ليس مناهضاً للحداثة والعلمانية

17 فبراير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

ليس من السهل التصدي لإشكالية الإسلام والحداثة؛ هذه القضية الشائكة، تستدعي تقديم قراءات جديدة تُخرجالنصوص التأسيسية من إطارها التقليدي أو الكلاسيكي الى فضاء معرفي يأخذ في الاعتبار معطيين أساسيين: الأول، استخدام المناهج الحديثة كعلم الأديان المقارن، والانتربولوجيا وعلم الالسنيات وغيرها من العلوم الاجتماعية، في استنطاق القرآن؛ والثاني، إجراء عملية تحديث من داخل بنية الدين وفقاً للمعادلة التي طرحها كانط.
النص القرآني، نص مفتوح على التأويل، وهو يحمل هوية قارئه، وثمة آليات لا بد من توظيفها في القراءة والتفسير، أهمها: جدلية الوحي والواقع من جهة، والسياق التاريخي والسببي المرتبط بالتنزيل من جهة أخرى. الكثير من المسلمين ورجال الدين يرفضون وصف النص القرآني بكونه نصاً تاريخياً، على قاعدة التفريق بين القرآن والمصحف، لكن القول بأن القرآن نص تاريخي، لا يلغي قداسة الخطاب المتعالي، الذي يتطلب بالدرجة الأولى تفسيرات حداثوية تتوافق مع التحولات التي تشهدها الجماعات، خصوصاً أن الإسلام حاضر بقوة في الاجتماع والثقافة والسياسة، وهو يمثل أكبر طاقة محركة للأفكار في العالم الإسلامي
.
وإذا كانت المعركة المفصلية للتحديث في البيئات التي يغلب عليها الدين مسألة ضرورية، فمن المهم تخطي الانسداد الفقهي الذي فرضه الفقهاء التقليديون، لا سيما أولئك الذين يفسرون النص بحرفيته من دون الأخذ بأسباب النزول وفقه اللغة، والعلوم الأخرى، التي تكشف عن دلالات القرآن ومقاصدهورغم أن البعض يطالبون بالاعتماد على القرآن فقط كمرجعية دينية، ومن بين هؤلاء أهل القرآن، أو «القرآنيون»، وهو اسم أطلق على تيار إسلامي ظهر في مصر، لا يعتمد على الأحاديث والروايات، ويكتفي بالقرآن كمصدر للتشريع، ويستدل على ذلك بأن القرآن الوحيد الذي اجتمع كل المسلمين على صحته، بينما الأحاديث فيها اختلاف كثير على صحتها بين الفرق الإسلامية المتعددة، بل في الفرقة الواحدة اختلاف بين علمائها، إلاّ أن ذلك لا يمنع الاستناد الى السنّة النبوية عبر إخضاعها لعلم الجرح والتعديل وهو أحد علوم الحديث
.
القراءة الحداثوية للنصوص التأسيسية، تتطلب تخطي الاطار التقليدي، نتاج بيئته وظروفه التاريخية، علماً أن تجربة المعتزلة كانت متقدمة زمنياً بالنسبة للظروف المحيطة بها، وعلى هذا يمكن أن نفهم لماذا لم تنجح هذه التجربة الرائدة، تحديداً إذا أجرينا مقارنة بين المنهج النقدي الذي استخدمه أهل العدل والتوحيد، وبين واقع المجتمع الإسلامي في تلك المرحلة؛ فالجمهور كان غائباً عن الثقافة، عدا أن استخدام العقل النقدي لدى المعتزلة والفلاسفة تأثر بمنهجالفلسفة اليونانية، ولم يفرضه الواقع. الإسلام لا ينبذ الحداثة لكنه يتدرج نحوها ببطء شديد، وإشكالية التحديث أكملت دورتها في القرن التاسع عشر، وكان لرواد التيار الاصلاحي من أمثال رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ورشيد رضا ومحمد عبده وعلي عبد الرازق، دورٌ مهم في السعي للاجابة عن السؤال الذي طرحه شكيب ارسلان: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ وقد تبعهم بعد ذلك تيار ليبرالي، تقدمه طه حسين، والجيل الثالث إذا جاز التصنيف، مهد للمفكرين المعاصرين كنصر حامد أبو زيد وهشام جعيط ومحمد أركون
.
ثمة إشكالية أخرى تطرح نفسها: لماذا لم يتقبل الجزء الأكبر من المسلمين تحديث البنى الثقافية والدينية كما حصل على مستوى الحداثة المادية؟ يستخدم فتحي بن سلامة أستاذ علم النفس وعميد وحدة البحث والتكوين في العلوم الإنسانية العياديّة بجامعة باريس، مصطلح «حداثة ظِلٍّ» للدلالة على أن عمل الثقافة الحديث لم يتقدم بالوتيرة نفسها التي شهدها التحول المادي، «من هنا ليس بمقدور المسلم قراءة هويته وعالمه، وأن الأصل في ما نراه من تمرد جماعي ميتافيزيقي يائس، هدفه استعادة تأويل الأسلاف اللاهوتي المُطمْئن». خلاصة فتحي بن سلامة تؤكد على النتيجة الأولية الآتية: التحديث لا بد أن يطول البنى الثقافية والدينية، وبما أن الحداثة لم تفعل فعلها بسبب المنظومة التقليدية المسيطرة على وعي الجماعات، فهذا يدفع الى العودة للماضي لحماية الذات المجروحة من صدمة الحداثة الوافدة من الغرب، والتي تزامنت بداياتها مع الاستعمار
.
القراءة الحداثوية للإسلام قضية أساسية، وهي جزء من كل، فسطوة الرؤى التقليدية التي يدافع عنها حراث العقيدة في الوقت الراهن، تنبع من الأزمة الثقافية والأزمة المجتمعية والأزمة السياسية، فالحداثة إذا لم تتأسس على قواعد ثابتــة ولم تنهض من البنى المعرفية، فهي معرضة للانـهيار الســريع، وعلى هذا يمكن فهم أسباب فشل تجارب التحديث في العالم الإسلامي والعربي، الغارق في إحياء الماضي وإعادة صوغه بقوالب جديدة
.
الإسلام يحتاج الى فضاء معرفي متقدم والى تأويل يحاكي المستقبل، والرهان على الحداثة، يتطلب بذل جهد كبير، يُعيد للاسلام حيويته كدين تقدمي، قادر على تجاوز الأطروحات الاستشراقية التي اعتبرت أن الإسلام دين جوهراني ثابت وأنه مناهض للحداثة والعلمانية أيضاً. وفي هذا السياق نستحضر ما قاله فؤاد عجمي، الذي أكد على عدم خطورة الإسلام، لتشرذمه وانهياره وسقوطه في وجه عواصف الحداثة، وذلك حين طُلب منه العام 1993 التعليق على أطروحة صموئيل هنتنغتون حول «صدام الحضارات
».
الإسلام التقليدي يقف حاجزاً أمام الإسلام الاجتهادي، وليس من المستحيل استنطاق النص القرآني وفقاً للمناهج الحديثة التي استخدمتها المسيحية الغربية، وقد يقول قائل ومن بينهم الكاتب المصري «حامد عبد الصمد» أي إصلاح يُنتظر من شعوب تقدس نصوصاً جامدة ـ شرح عبد الصمد نظريته في كتابه الصادر باللغة الألمانية «سقوط العالم الإسلامي»، حيث خلص الى عدم إمكانية الإصلاح في الإسلام ما دامت دراسة القرآن عبر العقل النقدي ومبادئه ومناهجه أمراً محرماً يمنع أي تحرك ويقف في وجه كل قراءة حديثة ـ وفي الرد على عبد الصمد (ومعه فؤاد عجمي) المتأثر في أطروحة المستشرق برنارد لويس «أزمة الإسلام: الحرب المقدسة والإرهاب المدنس» لا بد من التأكيد على أن أزمة الإسلام هي جزء من الأزمات الثلاثية: الثقافية والمجتمعية والسياسية، وبما أن العالم الإسلامي لم يستطع التفلت من الدين ومن روابطه الاجتماعية والسلطوية، وبما أن الإسلام شديد الحضور في نسج المفاهيم والقيموالأفكار، فإن الأولوية يجب أن تعطى للاصلاح الديني، فقد آن أوان مصالحة الإسلام مع الحداثة
.
__________________________________________
([) 
باحثة لبنانية


الحركات الإسلاميّة وضرورة التّنظير

16 فبراير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

أظهر سياق التطوّرات للثورات العربيّة أنّ للإسلاميّين جمهوراً واسعاً على امتداد العالم العربيّ والإسلاميّ. أولئك الذين يلتزمون بالإسلام كقاعدةٍ للحركة السياسيّة، كما هو في المجالات الدينية التقليديّة الأخرى، من عباديّة وأخلاقيّة وما إلى ذلك.
 وقد شكّل هذا الصعود السياسي للإسلاميّين، خصوصاً أولئك الذين لهم تاريخ في الجهاد ضدّ العدوّ الصهيوني، ولا سيَّما حركة الإخوان المسلمين، أملاً في نفوس الكثيرين في تلاقي الحركات الإسلاميّة على هذا الهدف الكبير، الذي يمثّل القضيّة المركزيّة للعرب والمسلمين، أعني فلسطين، فيتمّ رفع منسوب القلق لدى العدوّ الصهيوني، استكمالاً لحالة الضغط التي يعانيها داخليّاً وخارجيّاً، على أثر الهزائم الاستراتيجيّة التي مني بها، منذ بداية القرن الحالي.
 لكنّ نوعاً من الصدمة أصابت كثيرين، عندما طالعتنا وسائل الإعلام بمواقف لإسلاميّين وازنين في حركات إسلاميّة صاعدة، تتضمّن رسائل تطمين للعدوّ الصهيوني تجاه بعض الاتّفاقيّات المعقودة من قبل النظم أو الرموز البائدة، أو منفتحة على وسائل إعلام العدوّ عبر تصريحٍ هنا أو إجابات على أسئلة هناك… أو مواقفُ توحي بأنّ ثمّة «إسلاماً» آخر يبرز إلى واجهة الأحداث. إسلامٌ يُراد له أن يكون منسجماً إلى حدّ كبير مع سياسات الدول الغربيّة الكُبرى التي كانت ـ تاريخيّاً ـ المسؤول الأوّل عن حماية الأنظمة الديكتاتوريّة، وكلّ الظُلم والقهر الذي لحق بالشعوب، ومنها الحركات الإسلاميّة نفسها، طوال عقود، وليس ما يشي حاضراً بتغيّر في بنية سياسات تلك الدول على أثر سقوط تلك الأنظمة ورموزها.
 وعلى أثر ذلك، بدأ الإعلام يعكس مواقف نقديّة طائرة من هنا وهناك لهؤلاء الإسلاميّين؛ ليتحدّث بعضٌ عن تسرّع في المواقف، أو عن صفقات تحت الطاولة بين بعض الحركات الإسلاميّة والدول الغربية الكُبرى تجاه فلسطين تحديداً، أو يذهب بعيداً في اتّجاه التخوين المُطلق. ويحلو للبعضِ، في غمرة التحليلات، أن يتحدّث عن عالمٍ «سنّي» صاعد، وعالمٍ «شيعيّ» يُراد له أن يستريح من عبء تحمّل قضايا الأمّة المركزيّة، التي تنتمي مذهبيّاً إلى العالَم الأوّل، ليأخذ دوره وخياراته في هذا المجال…
 كلُّ ذلك يجري على وقع التأجيج المتزايد للشعور التقسيمي، المذهبي تارةً، والطائفيّ أخرى، والقوميّ ثالثةً، عبر تضخيم الأوهام المتعلّقة بخطرٍ هنا وتهديد وجوديّ هناك؛ ومن شأن ازدياد منسوب الشعور التقسيمي العصبوي، أيّاً كان، أن يشكّل أرضيّة خصبةً لتقبّل أكثر المواقف تطرّفاً، حتّى تجاه القضايا المركزيّة، إذا ما قدّمت على طَبَق المناوأة والتنافر مع الخصم المذهبي أو الطائفي أو القومي، حسب ما دلّت عليه كلّ اختبارات تاريخنا المأزوم على امتداد القرون الماضية.
 ونحن إذ نحذّر أنّ من ذلك هو نوعٌ من الفتنة الذي قد يكون جزءاً من مؤامرة تهدف إلى ضرب ثقة الحركات الإسلاميّة بعضها ببعض، فلا تقترب من بعضها بعضاً أو تتلاقى على قضاياها المركزيّة التي تعني الأمّة جمعاء. وبغض النظر عن أنّ الركون إلى مثل تلك التحليلات إفرازٌ طبيعيّ ــ مع الأسف ــ لارتفاع منسوب الشعور والخطاب المذهبيّين، فإنّ المطلوب هو عدّة خطوات نحسبُها ضروريّة للتخفيف من حدّة سقوط الواقع كلّه تحت وطأة تسارع حركة الضغط الدولي القابض على أكثر من حراكٍ في العالم العربي في السنوات الأخيرة، وفي العام المنصرم خصوصاً.
أوّلاً: التأصيل الشرعي للحركة السياسيّة
 لا بدّ لكلّ حركة إسلاميّة من أن تقدّم خطاباً لقواعدها التنظيمية والشعبيّة على السواء، تبيّن فيه مستنداتها الشرعيّة الإسلاميّة في أيّ موقفٍ من مواقفها السياسيّة؛ إذ ليس الفقهُ الإسلاميّ مقصوراً على مسائل الصلاة والعبادات وبعض المعاملات التجارية والأحوال الشخصيّة فحسب؛ لأنّ أيّ حركة تَنسبُ نفسَها إلى الإسلام، لتعتبر نفسَها حركةً إسلاميّة، فمعنى ذلك أنّها تُعلن أنّ الإسلام، في نظريّاته ومفاهيمه، يمثّل قاعدتَها في رؤيتها وأهدافها وبرامجها، وكذلك في خطابها وأساليبها ومواقفها السياسيّة. أيْ أنّ حركتها على الأرض تمثّل صدىً للإسلام، فكراً وشرعاً ومنهجاً؛ وإلا لكانت مجرّد حركة سياسيّة تحمل عنواناً إسلاميّاً من غير مضمون واقعيّ. وإنّما نطرح تعميم الخطاب هنا لأنّ كلّ حركة إسلاميّة لا تقدّم تجربة سياسيّة فحسب، بل تقدّم تجربة إسلاميّة في ميدان السياسة، وهي بذلك تمارس تثقيفاً لجماهيرها الشعبية وقواعدها التنظيمية بنحو غير مباشر، بمنهج العمل السياسي الإسلامي، ممّا ينبغي أن يُواكب العمل على أرض الواقع، بحيث ترى تلك الجماهير والقواعد النظريّة الإسلاميّة وتطبيقها على أرض الواقع. ومن شأن هذا التأصيل أن يخدم الأهداف الآتية:
 1ـ أنّه يُعطي القاعدة الشعبية والتنظيمية الموازين والمعايير التي تقيس بها مدى انسجام القيادة مع الخطّ الإسلاميّ الشرعي. وهنا تلعبُ القاعدة الشعبيّة والتنظيمية دور الناقد والمصوّب لمسار القيادة، ودور المثبّت لمواقفها كذلك. ويُمكن للقيادة هنا أن تتّكل على القاعدة الشعبيّة والتنظيمية الواعية لدعمها في أيّ مشروع من مشاريع الإصلاح التي قد يعرقلها بعضُ من «طال عليهم الأمد فقست قلوبهم»، ممّن لا يقوون أو لا يريدون أن يواكبوا أيّ حركة تطوير في جسم التنظيم أو النظام. أضف إلى ذلك أنّ القواعد الشعبيّة التي تفهم منطلقات القيادة السياسية يُمكنها أن تشكّل هامشاً واقعيّاً للقيادة، تستند إليه للتخلّص من أيّ ضغوط خارجيّة تدفع باتّجاه أخذ مواقف معيّنة قد لا تكون في مصلحة الاستراتيجيا.
2ـ أنّ هذه المعرفة والثقافة تؤمّن الأرضيّة لاستمراريّة قيم الحركة الإسلاميّة عن طريق الإعداد العفوي والموجّه لمشاريع القادة القادرين على مواكبة المتغيّرات والتحدّيات، من خلال الرؤية الإسلاميّة ومنهج الحركة، ممّا يُساهم في تقوية البنية الذاتيّة للحركة الإسلاميّة عبر تحقيق التلاحم المستمرّ بين القيادة والقاعدة الجماهيريّة في الثقافة الحركيّة الإسلاميّة الموحّدة.
 3ـ أنّ ذلك يهيّئ لحوارٍ موضوعيّ بين الحركات الإسلاميّة حول مواقفها المتباينة، خصوصاً في هذه المرحلة التي تختلط فيها الأوراق، وتتعقّد فيها المواقف والقضايا، بدلاً من التقييم للمواقف على أساس مذهبيّ يأخذ من سلبيّات التنافر المذهبيّ سلبيّاته، فيُبعد كلّ حركة إسلاميّة عن تلمّس العناصر الإيجابيّة في تجربة الحركات الإسلاميّة الأخرى، وتقع حينئذٍ في محاذير الازدواجيّة في معايير التقييم بين من يوافقها في القاعدة المذهبيّة فيغدو موقفه إيجابيّاً، وبين من يخالفها فيغدو الموقف نفسه منه سلبيّاً، فتقع القاعدة الجماهيريّة في فوضى المفاهيم وضبابية تطبيق المعايير، فيسهل على اللاعبين الخارجيّين تغذية عناصر الفرقة، وإبعاد تراكم المواقف الإيجابيّة لخدمة الهدف الكبير الذي يقع في صلب أدبيّات كلّ تلك الحركات.
 4ـ أنّ ذلك يؤسّس لثقافة مشتركة لدى القواعد الشعبيّة لكلّ الحركات الإسلاميّة، تجاه ما يواجهها من تحدّيات؛ وكلّما ارتفع منسوب الوعي الجماهيري لقواعد السلوك والخطاب والمواقف السياسيّة، أصبحت تلك الجماهير أكثر تماسكاً وتآزراً؛ وكلّما انخفض منسوب الوعي لديها أصبحت أكثر عرضةً للإثارة العصبيّة والغرائزيّة وما إلى ذلك. ومن هنا وجدنا أنّ الوعي الجماهيري نقيض كلّ الحكومات الجائرة والظالمة في مدى التاريخ، ولا يزال هو الذي يجري اللعب عليه عبر سياسات التجهيل والتسطيح الثقافي والفكري، وخصوصاً عبر وسائل الإعلام التي تمتلك اليومَ فاعليّة تضاهي فاعليّة الجيوش الجرّارة.
 ثانياً: مُصارحة القاعدة قوَّة مضاعفة
 نحن لا ننكر أنّ ثمّة ذهنيّة لا نزال نُعاني منها في الشرق عموماً، وهي أنّ النقد أو بيان القواعد التي تحكم الحركة السياسيّة وغيرها، لا بدّ من أن يقتصر على الدوائر المغلقة، فلا يناسبُه الضوء الإعلامي، بحجّة أنّ ذلك يعرّف الأعداء بمنطلقات سياسة الحركات الإسلاميّة، ممّا قد يُساهم في إلغاء الهامش الذي تحتاج له أيّ حركة إسلاميّة في مواجهة الضغوط والتحدّيات. لكنّ ذلك مجرّد وهمٍ ضخّمناه، بسبب خوفنا من تأثير نقاط ضعفنا على مشروعيّتنا الجماهيريّة في الساحة، والحال أنّ الإسلاميّين، كغيرهم، لا ينبغي أن يُعفوا أنفسهم من الوقوع في الخطأ أو من نقاط الضعف التي تعتري العاملين في أيّ مجالٍ، بل أن يعملوا على تحويل نقاط الضعف إلى نقاط قوّة، وأن تكون المصارحة جزءاً من عمليّة تثقيل القاعدة الجماهيريّة التي تواكب عمليّة الإصلاح بعد وضع خططها. وإذا أراد الإسلاميّون نموذجاً، فليقرأوا ما في القرآن الكريم عن حال المُسلمين قبل أن يدخلوا المعركة في «بدرٍ»، وعن الهزيمة في «أُحُد» بسبب حبّ الدنيا، وعن الفرار في «حُنين» بسبب الإعجاب بالكثرة والاتّكال على الانتصارات السابقة؛ حتّى أنّنا قرأنا في وقعة «الأحزاب» قول الله تعالى عن المسلمين: «وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون وزُلزلوا زلزالاً شديداً» (1)؛ وكان كلّ ذلك توجيهاً من القرآن للعمل المستمر ــ من قبل القيادة والقاعدة معاً ــ على مواجهة نقاط الضعف من موقع الواثق بمواقع القوّة الأخرى التي يملكها في السيطرة على نقاط الضعف وتمتينها في العمليّة المستمرّة لبناء القوّة الذاتية. ثمّ إنّ هذا العصر كشف ثقافات الجماعات على مصراعيها، ولم يعد بإمكان أيّ أحد الاختباء وراء أي خطابٍ تلميعيّ للأحوال والمواقف، كما أنّ منسوب الوعي والحسّ النقدي ارتفع لدى كثير من الشرائح التي حصلت على قسطٍ وافر من العلم والخبرة، ممّا يعني أنّ التعامي عن الثغر والسلبيّات التي تحتضنها أيّ ساحة أو دائرة، وعدم الإجابة عن الأسئلة الحائرة لدى الجماهير، تجاه مدى الانسجام بين المواقف والقواعد الشرعيّة التي ألفتها في حركة التثقيف التقليدي، ولا سيّما في ظلّ التقلّب السريع في المواقف؛ كلّ ذلك سيصيب ساحة تلك الحركات بشيء من الانكشاف الذي قد يتّسع شيئاً فشيئاً، حتّى تتّسع الثغر التي يُمكن الأعداء أن ينفذوا من خلالها إلى ساحاتنا.
 غير أنّنا نفهم السرّية في المعلومات الحسّاسة التي تتّصل بالحركة الواقعيّة، التي يُمكن أن تدخل في تفشيل الخطط الموضوعة للمواجهة وإدارة الصراع؛ لا في القواعد الثقافيّة التي تدخل في إطار التثقيف والتربية الاجتماعيّة والدينية، وفي البنية الفكريّة للحركة السياسيّة وما إلى ذلك، ممّا هو مفتوح بطبيعته أمام أيّ مقاربة بحثيّة ساذجة أو علميّة. كما أنّه يمثّل الحركة المستمرّة لصوغ الثقافة الحركيّة لدى القواعد الشعبيّة التي ينبغي أن تخرّج قيادات مؤمنة بالخطّ ومبادئ الحركة، لا على طريقة أولئك الذين ارتبطوا بالعنوان، وغاب عنهم المضمون من أولئك الذين قال الله عنهم: «فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون» (2).
 ثالثاً: الصورة المذهبيّة وقراءة الأحداث
 إنّ التأجيج التقسيمي الذي أخذ شكلاً قوميّاً في اللعب على الوتر العربي ــ الفارسي أوّلاً، ثمّ في تحميله النغمة المذهبيّة ثانياً، نتيجة أحداث وعوامل عديدة أوجدت أرضيّة مأزومة لقراءة هذا الفريق المذهبي للمواقف والأحداث الصادرة من قبل أتباع الفريق المذهبي الآخر، فأصبح من السهل أن يرمي كلُّ فريقٍ مذهبيّ أيّ فريق يملك السلطة أو الحضور أو الفاعليّة بالعمالة للأجنبيّ، أو بالعمل على زرع الفتنة والشقاق في المجتمع، أو ما إلى ذلك، كما شهدنا ذلك في رمي الحركات الإسلاميّة الشيعية بالعمالة للاحتلال الأميركي في العراق، أو في رمي حركة المقاومة الإسلاميّة في لبنان بمحاربة المُسلمين السُنّة. وهو الأمرُ عينه الذي قد يُنظر فيه إلى الحركات الإسلاميّة السنّية الصاعدة، على أنّها تحارب المسلمين الشيعة، أو أنّها تتحرّك في فلك السياسات الاستكباريّة في مواجهة خفيّة مع مشاريع شيعيّة موهومة. وإذا كنّا نتحدّث هنا في شكلٍ عامّ، فإنّنا لا ننكر وقوع أيّ من الحركات الإسلاميّة في أخطاء في العمل أو في التشخيص؛ لكنّ ذلك لا يُلغي الفكرة التي نذكرها من أساسها، كما لا يعني مشروعيّة اختزال عنوان الحركة بخطأ ارتكبته، فضلاً عن اختزال المذهب الذي يقف وراءها بذلك، سواء كانت حركات إسلاميّة شيعيّة أو سنّية.
 وعلينا أن نعي نقطة مهمّة هنا، وهي أنّ كلَّ مذهب من المذاهب الإسلاميّة يحمل في إطاره صورةً نمطيّة عن المذهب الآخر وأتباعه، جرى توارثها عبر تاريخ الصراعات المأزومة التي رعتها ــ دائماً ــ السلطة السياسية وأجّجت نارها، وهذا يعني أنّ تغييب الخطاب الذي تبيّن فيه الحركات الإسلاميّة لقواعدها الشعبيّة الأسس الشرعية والقيمية التي ترتكز عليها في إطلاقها لمواقفها من كثير من الأحداث والقضايا، ولا سيّما القضيّة المركزيّة للمسلمين، وهي فلسطين، إضافة إلى غياب الحوار الموضوعي الذي يقيس المواقف والسلوك على طبق تلك القواعد، كلّ ذلك سوف يستدعي حكماً تلك الصورة النمطيّة للمذهب الآخر وأتباعه، أفراداً وحركاتٍ، وهي صورةٌ سلبيّة بطبيعة الحال، في الحكم على الواقع عبر النوايا السلبيّة المُفترض أنّ الآخر ينطلق منها في هذا الموقف أو ذاك، ممّا يُعزّز تلك الصورة النمطيّة أكثر، وليس غريباً حينئذٍ أن تُلصق تهم العمالة بهذه الحركة الإسلاميّة أو تلك، من قبل من يخالفها في المذهب، من دون النفاذ إلى القواعد الشرعية والقيمية التي حكمت هذا السلوك أو الموقف.
رابعاً: واقعيّة السياسة الإسلاميّة
 نحن لا ننفي فكرة أنّ السياسة الإسلاميّة هي سياسة واقعيّة، بمعنى أنّ الحكم الشرعي يتغيّر بتغيّر الزمان والمكان والظروف، التي قد تفرض موقفاً مرحليّاً على طبق العناوين الثانويّة، كالضرورة مثلاً، التي يصار من خلالها إلى تجاوز الظروف الضاغطة لحماية العناوين الأوّلية التي تمثّل المبادئ الإسلاميّة الكُبرى، من باب التزاحم بين الأهمّ والمهمّ، حيث يتجمّد الحكم الشرعي المهمّ ـ الذي قد يكون الوجوب أو الحرمة ـ لمصلحة الأهمّ الذي يرتبط عادة بالمبادئ الكلّية التي لا يُمكن التنازل عنها استراتيجياً. وبالتالي، نحن لا نريد أن نفرض ظروف كلّ حركة على الحركات الأخرى. يُمكن للحركة الإسلاميّة أن تفترض أنّ ظروف البلد والمجتمع التاريخيّة تفرض عليها اتّخاذ مواقف مرحليّة من بعض القضايا الكُبرى، لكنّها لا بدّ أن تتمّ من خلال الدراسة الدقيقة لطبيعة الظروف الموضوعيّة للبلد ومحيطه، على حدّ سواء، وفي المديين القصير والبعيد؛ لأنّنا نفهم ذلك حركة تكتيك لخدمة الاستراتيجيا على نهج قول الله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولّوهم الأدبار، ومن يولّهم يومئذٍ دبره إلا متحرّفاً لقتال أو متحيّزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير» (3)، بحيث لا يُلغي ذلك الموقف المهادن مرحليّاً الاستراتيجّة الشرعيّة في عدم جواز التنازل عن الحقوق والأرض والمكتسبات، أو تشتيت الموقف الإسلاميّ العامّ في ما تفرضه علاقة الأخوّة والتعاون بين الحركات الإسلاميّة.
 أخيراً: إنّ الحركات الإسلاميّة كلّها، ليست معنيّة بالانفتاح بعضها على بعض فحسب، بل على التعاون في مواجهة القضايا الكُبرى، والتحدّيات التي تعصف بالإسلام والمسلمين، إضافةً إلى مواجهة أيّ مخطّط استعماريّ يتّجه إلى المنطقة بطريقة مقنّعة، وأن تستفيد كلّ حركة إسلاميّة، خصوصاً تلك التي تتسلّم الحكم، من كلّ التجارب الإسلاميّة الأخرى التي سبقتها في عالم الحكم والسياسة، بغضّ النظر عن انتماءاتها المذهبيّة. فلتُدرس التجربة الإسلاميّة للحكم في إيران بمعزل عن عناصر الإثارة المذهبيّة، ولتُدرس التجربة الإسلاميّة في تركيا بمعزل عن الإثارة المذهبيّة كذلك، ولتُدرس التجارب السياسيّة للحركات الإسلاميّة في ظلّ الأنظمة التي لا تتخذ من الإسلام قاعدة لها، على أساس كلّ كتاب الله وسنّة نبيّه، إضافةً إلى إعادة قراءة كلّ التجارب الإسلاميّة التاريخية وتقويمها في ضوء تراكم تجاربنا العمليّة، وبعيداً عن «التابوات» المذهبيّة التي لا تفرز لنا إلا استعادة لتاريخنا المأزوم بكل أخطائه وتراكماته إلى الواقع المعاصر الذي يزداد تعقيداً، يوماً بعد يوم.

 وإنّنا إذ نطرح هذه الأفكار، فليس معنيّاً بها حركة إسلاميّة بالخصوص، لكنّها محاولة للتفكير في القواعدة العامّة التي ينبغي أن تحكم كلّ الحركات الإسلاميّة التي قد تغيب في مفردات السياسة وخصوصيّات الظروف عن حقيقة أنّها حركة إسلاميّة، ينبغي أن تقدّم تجربة إسلاميّة رائدة لجماهيرها ولكلّ العالم، تؤكّد فيها قدرة الحركة الإسلاميّة على التنظير إسلاميّاً في إطار الفكر السياسي، والتطبيق العملي لكلّ المبادئ التي تؤكّد خطأ الفكرة التي ترى أنّ المبادئ الدينية هي مبادئ مثاليّة غير واقعيّة، وأنّ الأخلاق والسياسة لا يجتمعان؛ والله من وراء القصد.

__________________________________________________


ظاهرة الأخباريين لدى الشيعة الإثني عشرية

14 فبراير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

ارتبط اسم الأخباري بمن يشتغل بالتاريخ ولما جاء الإسلام ارتبطت تسمية الأخبارية به ولا سيّما من ينقلون الحديث النبوي. وهكذا عرف هذا العلم بعلم الأخبار وعرف نقلته بالرواة والمحدثين أو الأخباريين. وكان قدماء الأخباريين يسمّون بأصحاب الحديث وكانوا موجودين لدى أهل السنّة والشيعة على السواء. ولعلّ أقدم نص يتحدّث عن الأخبارية باعتبارها فرقة قائمة ضمن المذهب الشيعي الإمامي هو ما ذكره الشهرستاني في كتابه «الملل والنحل»، إذ قال: «والأخبارية فرقة من الإمامية… وهي سلفية… كما عليه سنن السلف».
قال أحد أوائل فقهاء الشيعة الشيخ المفيد: «لكن أصحابنا المتعلقين بالأخبار، أصحاب سلامة وبعد ذهن، وقلة فطنة، يمرون على ما سمعوه من الأحاديث، ولا ينظرون في سندها، ولا يفرّقون بين حقها وباطلها، ولا يفهمون ما يدخل عليهم في إثباتها، ولا يحصلون معاني ما يطلقونه منها».
كان الأخباريون أو أصحاب الحديث يروون ما نقلوه عن أسلافهم أو قرأوه في كتاب ما أو رواية ما، ويأخذون بظاهر الرواية وصريح لفظها من دون تأويل أو استنباط.
يقول مؤسس حوزة النجف وواضع علم الأصول لدى الشيعة الشيخ محمد بن حسن الطوسي عن الأخباريين إنهم «ألفوا الأخبار وما رووه من صريح الألفاظ، حتى أن المسألة لو غُيّر لفظها، وعُبّر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا منها، وقصر فهمهم عنها». 
لقد كان بين فقهاء الشيعة في العصور الأولى علماء أخباريون يمثّلون المرحلة البدائية من التفكير الفقهي وهؤلاء هم الذين وصفهم الطوسي بضيق الأفق والاقتصار في البحوث الفقهية على أصول المسائل والانصراف عن التفريع والتوسّع في التطبيق، والذين يقابلهم الأصوليّون الذين يفكرون بذهنية أصولية ويمارسون التفريع الفقهي في نطاق واسع.
ويستند المحدث أمين الدين الأسترابادي (ت1033هـ)، وهو مؤسس الأخبارية الحديثة لدى الإثني عشرية، لتبرير الرجوع إلى الروايات ورفض الاجتهاد، إذ قال: «وعند قدماء أصحابنا الأخباريين قدّس الله أرواحهم كالشيْخين الأعلمين الصدوقين، والإمام ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني كما صرّح به في أوائل كتاب الكافي، وكما نطق به باب التقليد وباب الرأي والقياس، وباب التمسك بما في الكتب من كتاب الكافي فإنها صريحة في حرمة الاجتهاد، والتقليد، وفي وجوب التمسك بروايات العترة الطاهرة عليهم السلام المسطورة في تلك الكتب المؤلفة بأمرهم».
وينفي بعض علماء الإثني عشرية أن يكون أي من المحمدين الثلاثة (الكليني والصدوق والطوسي)، أصحاب الكتب الأربعة، وهي كتب الحديث الأساسية عند الشيعة الموازية للصحاح الستة عن أهل السنة، من الأخباريين بالمعنى الجديد الذي اصطلح عليه الأسترابادي.
فالأخباري كما أوضح الأسترابادي، هو من قنع بنقل متون الأخبار واقتصر في الحكم على موارد النصوص ومضامين الآثار، يفتي بمتون الأخبار من غير تعرّض لما لا نص فيه.
ويفسّر البعض علماء الشيعة ذلك بأن ذلك قد يعود لعدم اكتمال شروط الاجتهاد في نفس الأخباري القديم أو لكونه في عصر الأئمة وتمكنه من أخذ الأحكام بأسرها من النص والصراحة فلم يقنع بالاجتهاد. وقد عرّف الأسترابادي الأخباري بأنه «الفقيه المستنبط للأحكام الشرعية من الكتاب والسنّة».
أما وجه تسميتهم بالأخباريين فقد نقل عن المرجع الشيعي المتأخر الشيخ مرتضى الأنصاري قوله: «ويعجبني في وجه تسمية هذه الفرقة (الأخباريين) وهو أحد أمرين: الأول: كونهم عالمين بتمام الأقسام من الأخبار، من الصحيح، والحسن، والموثق والضعيف من غير أن يفرّقوا بينها في مقام العمل في قبال المجتهدين. الثاني: أنهم لما أنكروا ثلاثة من الأدلة الأربعة، وخصّوا الدليل بالواحد منها أعني الأخبار فلذلك سمّوا بالاسم المذكور».
ويوضح الأسترابادي أن الأخباريين لا ينكرون دليلية القرآن واعتباره مصدراً تشريعياً، «وإنما أرادوا الأخذ به من طريق أهل البيت عليهم السلام لأنهم أدرى بما فيه كما أن آيات القرآن وردت على وجه التعمية والكشف عما يحيط بالقرآن من غموض أو تفصيل لا يتم إلا بالرجوع إلى أهل البيت عليهم السلام فهم الذين لهم القدرة على القيام بهذه المهمة لأنهم أحد الثقلين، والكتاب هو الثقل الآخر».
المحدث الأسترابادي
تتمثل بداية الأخبارية الحديثة بظهور المحدث الأسترابادي الذي كما وصفته بعض المصادر بأنه كان أخبارياً صلباً وهو أول من فتح باب الطعن على المجتهدين، إذ يرى الشيخ يوسف البحراني أن الأسترابادي هو أول من قسّم الإمامية إلى أصولية وأخبارية. وقد أكثر الأسترابادي في كتابه «الفوائد المدنية» من التشنيع عليهم ربما نسبتهم إلى تخريب الدين.
وقال الشيخ محمد رضا المظفر إن أصحاب «الأخبارية الحديثة» أنكروا الركون إلى العقل والتفكير والتفسير، والاقتصار على التعبد بما جاء في الأخبار الواردة في الكتب الموثوقة في كل شيء والجمود على ظواهرها، والادعاء أن كل تلك الأخبار مقطوعة الصدور على ما جاء فيها من اختلاف، ثم اشتداد الغلو بهم بالقول بعدم الأخذ بظواهر القرآن وحده من دون الرجوع إلى الأخبار الواردة، ثم رفضوا علم الأصول بادعاء أن مبانيه كلها عقلية لا تستند إلى الأخبار. فقد رفضوا الركون إلى العقل في شيء، وأنكروا الاجتهاد، وجواز التقليد.
ويُرجع الشيخ حسن بن يوسف بن مكي العاملي كذلك الحركة الأخبارية إلى الأسترابادي ويقول: «بعد وفاة صاحب المعالم (ت1011هـ) ظهرت حركة أخبارية ضد علم الأصول زعيمها الميرزا محمد أمين الأسترابادي (ت1033هـ) فثار وأتباعه على علم الأصول والاجتهاد قاصدين شلّ حركة نموّه وترك العمل بقواعده مكتفين بالعمل بالأخبار والأحاديث في استنباط الأحكام الشرعية، وقد اشتدت حركتهم في هذه المعارضة في أواخر القرن الحادي عشر (الهجري) إلى أوائل القرن الثاني عشر، وبهذه المعارضة حصل الانقسام في صف علمائنا فاتخذت الأخبارية مذهباً مقابل الأصوليين».
أمّا المرحلة الثالثة لمدرسة الأخباريين فهي تبدأ مع المحدث الشيخ يوسف البحراني (توفي 1186هـ) والذي مثّل دور الاعتدال بسلوكه طريقاً وسطاً بين الاتجاهين المتصارعين الأخباري والأصولي، محاولاً تخفيف تطرف آراء الأسترابادي وأتباعه والحدّ من حملتهم الجارحة ضد الأصوليين ثم محاولة تقليص الخلاف بين الجانبين.
ويتحدث البحراني عن هذه المرحلة قائلاً: «وقد كنت في أول الأمر ممن ينتصر لمذهب الأخباريين، وقد أكثرت البحث فيه مع بعض المجتهدين من مشايخنا المعاصرين، إلا أن الذي ظهر لي بعد إعطاء التأمل حقه في المقام وإمعان النظر في كلام علمائنا هو إغماض النظر عن هذا الباب، وإرخاء الستر دونه والحجاب». 
أسباب الخلاف بين الأصوليين والأخباريين
أحصى الشيخ عبدالله بن صالح السماهيجي (توفي 1135هـ) هذه الفوارق بثلاثة وأربعين فارقاً، فيما حددها الشيخ يوسف البحراني بثماني مسائل. أما الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت1228هـ) فقد ذهب إلى أن عدد هذه الفوارق ثمانين فرقاً. أما أبرز مسائل الخلاف بين الأخباريين والأصوليين فهي الآتية: 
أولاً: اعتبار الأخبارييين أن العمل بالقواعد الأصولية يؤدي إلى ترك العمل بالنصوص الشرعية. يعتبر الأسترابادي أنّ أهل السنّة كانوا سباقين إلى التصنيف في علم الأصول وأن المتأخرين من علماء الإثني عشرية قد قلّدوهم في ذلك بسبب تعييرهم لهم على عدم اشتغالهم بهذا العلم، إذ غفلوا عن نهي الأئمة عن ذلك، على حد زعمه. 
ويذهب البحراني إلى أن دليل الإجماع قد سار عليه الإمامية مقتفين فيه أهل السنّة، وذلك لاقتفائهم لهم في علم أصول الفقه، وهذه مسألة من أمهات مسائله.
ثانياً: يقول الأخباريون إن أصحاب الأئمة وإلى زمان الكليني والصدوق إنما كان عملهم بالأخبار الواردة عن الرسول وآل بيته. 
ويتضح أن رفض الأخباريين لعلم الأصول كان مردّه أنه في نظرهم يؤدي إلى نبذ الأدلة الشرعية أو السمعية لأخذ الأحكام الشرعية مما يسمى بالأدلة العقلية التي يعتبرون أن أهل السنّة هم أول من ابتدعها. ولعل الذي ساهم في ترسيخ الإطار السني لعلم الأصول في أذهان الأخباريين هو أن الفقيه الشيعي المتقدم إبن الجنيد كان يتفق مع أكثر المذاهب السنية في القول بالقياس.
ثالثاً: استغل الأسترابادي حداثة علم الأصول للهجوم عليه وإثارة أتباع الإمامية ضده، وذلك لأن علم الأصول قد نشأ عند الشيعة بعد غيبة الإمام الثاني عشر لبروز الحاجة إليه. واعتبر الأخباريون أنه ما دام أصحاب الأئمة وفقهاء مدرستهم قد مضوا من دون علم أصول ولم يكونوا في حاجة إليه في فقههم، فلا ضرورة للتورط في ما لم يتورطوا فيه، ولا معنى للقول بتوقف الاستنباط والفقه على علم الأصول.
رابعاً: آثار الدور الذي يلعبه العقل في علم الأصول الأخباريين ضد هذا العلم.
ولعل أبرز المسائل الخلافية بين الأخباريين والأصوليين هي: الخلاف على حجية ظواهر الكتاب، والخلاف على حجية الإجماع، والخلاف على حجية دليل العقل، والخلاف على حجية الاستصحاب، والخلاف على حجية البراءة الشرعية.
وكان تطوّر البحث الأصولي لدى الإثني عشرية قد استمر إلى أواخر القرن العاشر هجري حيث كان المثل الأساسي لهذا الاتجاه الحسن بن زين الدين العاملي (توفي 1011هـ) صاحب كتاب «معالم الأصول». وفي هذه المرحلة برز أيضاً الشيخ محمد البهائي العاملي(توفي 1031هـ) الذي ألف كتاب «زبدة الأصول».
وعلى الرغم من وقوف الأخباريين في وجه الأصوليين في هذه الفترة فإنهم واصلوا مسيرتهم الفكرية وتصدّوا للجمود الفكري المتمثل في الحركة الأخبارية الحديثة، فظهر أيضاً لون جديد في البحث الأصولي امتاز بطابع فلسفي أمدّ الفكر الأصولي بطاقة جديدة ممثلاً بالفقيه الأصولي عبد الله التوني (ت1071هـ)، والأصولي محمد بن الحسن الشيرواني (ت1098هـ)، والسيد حسين الخوانساري (ت1099هـ)، وصدر الدين القُمّي (ت1160هـ)، وهو أستاذ الشيخ محمد باقر بن محمد الوحيد البهبهاني (1118-1206هـ) الذي لعب دوراً كبيراً في الحفاظ على الاتجاه الأصولي ومقاومة الاتجاه الأخباري وتراجعه.
وكان البهبهاني أحد أعلام القرن الثاني عشر في الفكر الأصولي حيث كانت كربلاء نقطة الانبثاق لهذا التيار في معركته مع الأخبارية الحديثة. ولولا البهبهاني لكان الاتجاه الأخباري مسيطراً على البلاد ومنتشراً، فقد شنّ على الأخبارية هجوماً عنيفاً بمؤلفاته ومحاججاته الشفوية الحادة مع علمائها. وعلى يديه كان ابتداء تطوّر علم الأصول الحديث، وخروجه من جموده الذي ألفه لقرون عدة، وانكشفت في عصره النزعة الأخبارية على نفسها ولم تستطع أن تثبت أمام قوة حجته.
يصف الفقيه الإيراني الشيخ مرتضى مطهري هذه الظاهرة الأخبارية في أوائل القرن الثاني عشر الهجري بأنها كانت أشدّ سطحية وجموداً من المذهب الظاهري، وأنها «فاجعة أليمة في عالم التشيّع لم يزل بعض آثارها باقياً حتى الآن ويسبّب التوقف والجمود في المجتمع الإسلامي الشيعي». ولعل آثار هذا الجمود لا تزال مستشرية على رغم سيادة مبدأ الاجتهاد وكثرة المجتهدين.

_____________________________________________
* كاتب لبناني