بحوث و دراسات

المنحى الجديد في الفقه الشيعي في مجال المرأة

8 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

-1-

حركة جديدة في الفقه الشيعي

في العقدين الأخيرين من القرن العشرين بدأت ملامح حركة جديدة تظهر في مجال الفقه الإسلامي الشيعي حول قضايا المرأة، لكن من دون أن تلفت النظر في وقتها على نطاق واسع في المجال الفكري والفقهي الإسلامي العام، حيث كان الانشغال بالشأن السياسي آنذاك في أوج شدته، ويكاد يغطي على كافة الميادين الأخرى، وذلك نتيجة التحوُّل الإسلامي الذي حصل في إيران، الحدث الذي نقل النخب والجماعات الإسلامية من هامش الفعل السياسي إلى قلب الفعل السياسي، وتقدم معه الاهتمام السياسي على باقي الاهتمامات الأخرى الفكرية والفقهية وغيرهما، حين كان للسياسة سطوتها التي لا تقاوم.

والذين حاولوا الكشف عن بداية ما أسموه التطورات الحديثة التي دخلت على الفقه الشيعي في الأزمنة المعاصرة، توقفوا عند هذه الفترة وهم يؤرخون لبداية هذه التطورات الحديثة، وهذا ما أشار إليه الباحث الإيراني الشيخ مهدي مهريزي وهو يتحدث عن التطور الفقهي الجديد في مسألة بلوغ الفتيات، إذ يقول: «كان السائد في الفقه الشيعي أن الفتاة تبلغ في سن التاسعة، ولم يحصل أي إعادة نظر في هذا الرأي، بل إن هذا التصور لم يكن يخطر على بال أحد، ولكن أعيد النظر في هذا الموضوع في السنوات الأخيرة، ولعله من الممكن حصر زمن هذا التغيير بعام 1980م، حيث قدحت هذه الفكرة في أذهان قسم من علماء الدين ودعتهم إلى بحث هذه المسألة والتأمل فيها، وقال بعضهم بعدم موضوعية تعيين سن بلوغ محدد للفتيات، وإنما الملاك في بلوغ الفتيات هو الحيض» [1].

وتنامت هذه الحركة الجديدة في الفقه الشيعي ونضجت وتراكمت مع العقد الأخير من القرن الماضي حيث فقدت السياسة بعض سطوتها الشديدة التي كانت عليها في حقبة الثمانينات، واستعاد الفكر الإسلامي بعض توازنه، ورجع إلى ساحته وساحة الفقه الإسلامي بعض رجاله الذين انصرفوا من قبل وانقسموا في ساحة السياسة.

وخلال هذه الفترة وتحديداً عام 1994م صدر كتاب (مسائل حرجة في فقه المرأة) للشيخ محمد مهدي شمس الدين، ويصلح هذا الكتاب أن يؤرخ للتطور الفقهي الذي حصل خلال هذه الفترة، وعن اقتراب الفقه الإسلامي الشيعي من المسائل التي وصفها الشيخ شمس الدين بالحرجة في فقه المرأة، وهي المسائل المتعلقة بأحكام علاقة المرأة بالسياسة والمجتمع والدولة.

وفي هذا الكتاب قدّم الشيخ شمس الدين تأملات في نقد وتجديد منهج النظر والاستنباط الفقهي في مجال أحكام المرأة والأسرة، وناقش بعض الآراء ووجهات النظر المطروحة والمتداولة في هذا الشأن، ناقداً لها ولمنهجية استنباطها، ومتبنياً لآراء ووجهات نظر استدلالية وبرهانية مغايرة في المعنى والمبنى.

وقد حافظت هذه الحركة الجديدة في الفقه الشيعي على نموها وتطورها مع دخول العالم القرن الحادي والعشرين، ويمكن القول: إن الاجتهادات الفقهية الجديدة التي ظهرت خلال هذه الفترة في مجال المرأة لعلها الأكثر أهمية وتميُّزاً، وتتفوق من هذه الناحية وتتقدم على الاجتهادات والتجديدات السابقة عليها.

ويُعَدُّ الشيخ يوسف الصانعي المرجع الديني الموجود في مدينة قم الإيرانية، الأكثر بروزاً خلال هذه الفترة حيث طرح العديد من الآراء ووجهات النظر الجديدة واللافتة في مجال المرأة وعلى أساس قواعد أصول منهج الاستنباط في الفقه الاستدلالي.

وقد وجد بعض الباحثين أن الاجتهادات والتجديدات الفقهية التي طُرحت خلال هذه الفترة في مجال المرأة؛ تؤرخ لمرحلة جديدة، وهذا ما ذهب إليه الشيخ مهدي مهريزي وهو يتتبع تاريخ تطور الاتجاهات الدينية المعاصرة في إيران حول مسألة المرأة، والتي قسَّمها إلى ثلاثة اتجاهات، تنتمي إلى ثلاثة أطوار زمنية، وهي حسب رأيه: الاتجاه التراث التقليدي الذي يبدأ مع عصر الحركة الدستورية في إيران مطلع القرن العشرين، والاتجاه الكلامي – الاجتماعي ويبدأ من ستينات القرن العشرين، والاتجاه الفقهي والحقوقي الذي يبدأ عنده مع بداية الألفية الثالثة، ويؤرخ الشيخ المهريزي لهذا الاتجاه بدءاً من الشيخ يوسف الصانعي الذي عَدَّه رائد طرح الآراء الفقهية الجديدة في العصر الحاضر على شكل فتاوى في الرسالة العملية [2].

وتدعمت هذه الحركة الجديدة خلال هذه المرحلة بإسهامات فكرية وفقهية من آخرين يجمعهم المنحى التجديدي، ومن هؤلاء الشيخ إبراهيم الجناتي الذي يَعُدُّه الشيخ المهريزي بأنه من رواد الاتجاه التجديدي الذين حققوا تحوُّلاً في مناهج الاجتهاد، وأساليب الدفاع عن الفقه الإسلامي، ومن هؤلاء أيضاً السيد محمد البجنوردي عضو مجلس القضاء الأعلى سابقاً في إيران، إلى جانب آخرين.

وهذه الحركة الجديدة التي تنامت وتراكمت، ووصلت إلى هذا المستوى من التطور والتجديد في فقه المرأة، يبدو أنها سوف تحافظ على بقائها وحضورها، خصوصاً وأنها تستند إلى قواعد وأصول استدلالية وبرهانية، وتتصل بحقل علمي يُعَدُّ من أبرز حقول الدراسات الإسلامية وأكثرها عراقة وثراء، وهو حقل الفقه الإسلامي الذي عُرفت به الحضارة الإسلامية أكثر من أي حقل آخر، وتميَّزت به حتى وُصفت بحضارة الفقه.

ولكون التجديد يتصل بقضايا المرأة الأمر الذي يؤكد الحاجة لهذه الحركة، ويلفت النظر إليها، ويساعد على بقائها وحضورها وذلك لتأخر التجديد والنظر الاجتهادي الجديد في هذه القضايا المتصلة بالمرأة، والتي كانت بأمس الحاجة والضرورة إلى المراجعة وإعادة النظر بعد التغير الواسع والكبير الذي حصل في واقع المرأة اليوم.

وما هو جدير بالإشارة أن مستوى التطور الراهن الذي وصل إليه التجديد الفقهي في مجال المرأة، لم يصل إليه بهذا المستوى من قبل، ومازال يحافظ على وتيرته المتصاعدة كمًّا وكيفاً في سبيل حماية وضمان كرامة وحقوق المرأة، وإظهار الفقه الإسلامي بموازين العدل، ولرفع الظلم والتمييز الواقع ضد المرأة، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، يمكن القول: إن الفقه الشيعي بات يتقدم اليوم على باقي المذاهب الفقهية الإسلامية الأخرى في مجال التجديد الفقهي حول المرأة، ولعل هذا التقدم يرجع إلى أمرين متلازمين، الأمر الأول له طبيعة موضوعية ويرجع إلى ارتباط الفقه الشيعي بتجربة الدولة في إيران، التجربة التي فتحت عليه آفاق الاجتهاد والتجديد الواسع والملحّ استجابة وتفاعلاً مع متطلبات ومقتضيات الأسلمة الشاملة على مستوى المجتمع والدولة. الأمر الثاني له طبيعة ذاتية ويرجع إلى باب الاجتهاد المفتوح في الفقه الشيعي الذي جعله يحافظ على عنصر الحركة الحيوية في بنيته الداخلية، ويكون أكثر استعداداً وقابلية في التواصل والاستجابة لتطورات العصر وتحولات العالم، وفي القدرة على مواكبة ما يطرح ويثار من إشكاليات وشبهات لها علاقة بالعلوم والمعارف الإسلامية، وهكذا في القدرة على مواكبة ما يستجد من تطورات وإنجازات في ميادين الفكر والمعرفة.

والاجتهاد المفتوح هو الذي يُشكِّل أرضيات انبعاث نزعات الإصلاح والتجديد في الفقه الإسلامي، وفي المعرفة الإسلامية بصورة عامة، وهو الذي يحرِّض على انبعاث مثل هذه النزعات ويدعمها، ويضمن لها بقاءها واستمراريتها، ويزودها بالحيوية والفاعلية.

والملاحظة الجديرة بالتنويه أن هذه التطورات الفقهية الجديدة التي حصلت ومازالت تحصل اليوم، تصلح أن يؤرخ لها في حركة تطور علاقة الفقه الإسلامي الشيعي بموضوع المرأة، وذلك لأنها وصلت إلى مستويات من التجديد لم تصل إليه بهذا المستوى من قبل، ولأنها أيضاً باتت تعبّر عن نمو حركة جديدة لها روادها ونسقها الفكري والاجتهادي في داخل الفقه الإسلامي الشيعي المعاصر.

ومن المرشح لهذه الحركة الجديدة المحافَظة على نموها ووجودها، ومتى ما ظهرت مثل هذه الحركة فإنها لن تتراجع بسهولة، أو تتلاشى بسرعة حتى لو تباطأت مسيرتها في النمو، أو تأخرت في التمدد والاتساع، وتعرضت للنقد والمواجهة، وذلك لكون أن هذه الحركة قد تأخرت كثيراً قبل ظهورها، وتراكمت الحاجة إليها بصورة كبيرة، وهي الحاجة التي أعطت، وسوف تُعطي هذه الحركة زخماً وقدراً من البقاء والاستمرار.

ثم لكون أن المرأة المسلمة المعاصرة التي تعلمت وتثقفت، وانخرطت في كافة ميادين العلم والحياة؛ لم تعد تحتمل تلك الصورة التي تنتقص من كرامتها وإنسانيتها، وتشكك في عقلها ودينها، ولم تعد تقبل بذلك التمييز الذي يمارس بحقها بعيداً عن موازين العدل ونظام الحقوق.

كما أن تطورات العصر أخذت تُجابه وتُحاصر الفقه الإسلامي بالعديد من التساؤلات والإشكاليات الحرجة والملتبسة والتي لابد من مواجهتها والتفاعل معها.

وهذا يعني أن واقعاً جديداً بات ينتظر المرأة، وهذا الواقع آخذ في التشكل بالقوة أو بالفعل، على المدى القريب أو المدى البعيد، وعلى مستوى الواقع الفعلي، أو على مستوى منظورات الرؤية.

-2-
المرأة وتشوُّه الصورة

هناك صورة قديمة تشكَّلت حول المرأة في داخل الفقه الإسلامي، وظهرت وتجلَّت في بعض الفتاوى والأحكام الفقهية، هذه الصورة حين التعرف عليها فإنها تصدم بشدة المرأة المسلمة المعاصرة، وسوف ترى فيها تشويهاً وانتقاصاً لمكانة المرأة وكرامتها ونوعاً من أنواع التغييب والاستعلاء عليها، وشكلاً من أشكال التمييز الذي يُمارس ضدها، وتعسُّفاً وانتهاكاً لحقوقها.

وقد تتبع الشيخ المهريزي مثل هذه الفتاوى والأحكام التي وردت في كتب الفقهاء ومصنفاتهم الفقهية، وأشار إلى بعضها في كتابه (نحو فقه للمرأة يواكب الحياة)، ومن هذه الأحكام:

1- في مسألة الحضانة: تساءل الفقهاء: هل يجب أن تكون الحاضنة عادلة أم يكفي فيها الأمانة؟ قال بعضهم بعدم اشتراط العدالة لأن أكثر النساء فاسقات.

2- في مسألة صلاة الميت: وعند السؤال عن: هل يجوز للمرأة الصلاة على جنازة الرجل؟ أمام هذا السؤال أجاب الشافعي برأيين، قال في أحدهما: يجب أن يصلي عليها الرجل، لأن الرجال أقرب إلى الله، ودعاؤهم يستجاب أسرع من النساء، وإذا صلَّت عليها امرأة فذلك بمثابة إهانة للميت.

3- في مسألة إرث الخنثى: تساءل الفقهاء: هل يجب أن يكون نصيب الخنثى من الإرث كسهم الذكر أم كسهم الأنثى؟ قال بعضهم نقلاً عن القرطبي في كتابه (جامع أحكام القرآن): يجب أن يجري عليها الفحوص الجنسية أولاً، وإذا لم تُفلح هذه الفحوص في تحديد جنسيتها يجب عدُّ أضلاعها فإذا كانت أضلاعها قليلة فهي رجل، لأن أحد أضلاعه خلقت منه المرأة، وإذا كانت أضلاعها أكثر فهي امرأة.

4- في مسألة أوصاف مستحقي الزكاة: قال الفقهاء: إن الإيمان والفقر شرطان في استحقاق الزكاة، والعدالة ليست شرطاً في ذلك، لأن مستحقي الزكاة من النساء، والنساء أكثرهن فاسقات.

5- في مسألة زواج العبد بالمرأة الحرة دون إذن مولاه: أفتى الفقهاء بأن مثل هذا الزواج هو زنا، لكن لا يقام فيه حد الزنا، لأن الرجل عبد والمرأة ضعيفة العقل.

6- في مسألة الحرب بين المسلمين والكفار: إذا تحارب المسلمون والكفار ثم تصالحا واتفقا على إعادة من يلجأ أي منهما إلى الطرف الآخر. أمام هذه المسألة أفتى بعض الفقهاء بأن مثل هذا الحكم يسري على الرجل دون المرأة؛ لأن النساء ضعيفات العقول، وبالتالي إذا لجأت مسلمة من الكفار إلى المسلمين لا يجوز إعادتها إليهم لأنها قد ترتد عن الإسلام [3].

هذه بعض النماذج القليلة التي تكشف عن ملامح صورة متوارثة عن المرأة في الفقه الإسلامي، وعند الفقهاء، أو عند بعضهم، ولاشك أن المرأة المسلمة المعاصرة لا تقبل بهذه الصورة وبقائها، وهي تكافح اليوم وبكل جهد لتغيير تلك الصورة ونقدها والإطاحة بها، فلم يعد الجهل والأمية يغلبان على شخصية المرأة اليوم، كما كانا يغلبان عليها في السابق، وهذا القدر من التغيير في انتقال المرأة من الأمية إلى التعلم، يكفي لتغيير كامل الصورة عن المرأة؛ لأن بهذا التغير تتغير رؤية العالم عند المرأة، الرؤية التي تؤثر في منظومة تفكير المرأة، وفي طبيعة مواقفها وسلوكاتها في المجتمع والحياة.

وقد وجد أصحاب المنحى الجديد أن هذه الصورة حول المرأة في الفقه الإسلامي بحاجة إلى مراجعة ونقد لأنها لا تنسجم وتتعارض مع رؤية الإسلام للمرأة التي كرَّمها، وأعاد لها شخصيتها، وضمن لها حقوقها، وعَدَّ النساء شقائق الرجال.

وفي هذا النطاق يرى الشيخ يوسف الصانعي «أن شكل القوانين الموجودة حاليًّا فيما يرتبط بالمرأة، لم يبلغ حتى الآن مستوى الانسجام الكامل مع الإسلام، كما أنه لم يحقق المواكبة الضرورية لما يطرأ من تحولات في المجتمعات الحديثة» [4]. وحين يناقش بعض النصوص الدينية التي أعطت الرخصة للأب والجدّ في تزويج البنت غير البالغة، والتي جاءت على صورة أسئلة موجهة للإمام المعصوم، كسؤال عبدالله بن الصلت حين سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الجارية الصغيرة يزوجها أبوها وهل لها أمر إذا بلغت؟ أجاب الإمام: لا ليس لها مع أبيها أمر. وفي هذا الشأن يعقب الشيخ الصانعي بالقول: «إن هذه الأسئلة إنما انبثقت من العرف والثقافة اللتين كانتا رائجتين في ذلك الزمان، حيث لم يكن يتعارف تزويج الأمّهات لبناتهنّ، وبعبارة أخرى: إن سلطة الرجل آنذاك لم تكن لتسمح بتدخّل الأمهات في هذا الموضوع، بل كان الرجل هو من يدير تمام أمور الحياة لوحده، بحيث لم يكن للنساء من دور في هذا المضمار، ولم يكن كعصرنا الحاضر تبدي المرأةُ رأيها فيه، بل ويمكنها أن تغدو مع ذلك محامياً أو وزيراً أو طبيباً» [5]. ومن جهته يرى السيد محمد البجنوردي وبطريقة ناقدة أن بعض الفتاوى أكثر تعسفية فيما خصّ فقه المرأة لدى بعض الفقهاء في بعض الأوساط، وأكثر الفقهاء -حسب نظره- لديهم حرج في هذا المجال [6]. ولهذا يعتقد أن الفقهاء والحقوقيين لو أعادوا النظر في الموارد المتصلة بمسائل المرأة مثل مسألة الشهادة، وإرث الزوجة من زوجها المتوفى، وكيفية القصاص وألوانه، ومسألة الديات، وتولي القضاء، ومسائل أخرى مرتبطة بحقوق المرأة في الفقه المدني والجزائي، ووردوها برؤية منفتحة فإن كثيراً من هذه الأحكام سوف يتغير، وإن بالإمكان إجراء تغييرات في المواقف الفقهية تجاه الكثير من الأحكام التي ينظر إليها اليوم بوصفها تمييزاً ضد المرأة [7].

وبسبب تلك الصورة أثار البعض من داخل الوسط الديني شبهة حول الفقه، وكيف أن الفقهاء تجاهلوا حقوق المرأة الاجتماعية، وأوجدوا بوناً شاسعاً بينها وبين الرجل، وقد طرحت هذه الشبهة على الشيخ المهريزي في حوار معه حول مكانة المرأة في الفقه الإسلامي، ومع أنه رأى أن السؤال لا يخلو من مغالطة، إلا أنه ختم جوابه بالقول: إن بعض آراء الفقهاء قلَّما تأخذ بالحسبان الحقوق الاجتماعية للمرأة، إلى جانب وجود فقهاء وخاصة من المعاصرين أعادوا النظر في تلك المسائل المرتبطة بالحقوق الاجتماعية للمرأة [8].

وعندما سئل عن الأحكام التي لا تنسجم مع واقع المرأة وينبغي أن يعيد الفقهاء النظر فيها؛ قال الشيخ المهريزي في خاتمة الجواب: «إن جميع مسائل المرأة بحاجة إلى إعادة نظر، إذ إن المسائل التي قد ندافع عنها اليوم مثل قاعدة الإرث يجب أن نعيد النظر فيها، ونرى كيف يمكن اليوم تبيينها، أو كيف يمكن درء الشبهات المثارة حولها» [9].

ومن الواضح أن منشأ تلك الصورة المتشكلة حول المرأة في تصورات بعض الفقهاء ترجع بشكل أساس إلى نصوص وروايات وردت في كتب السنة الشريفة، وكانت بحاجة إلى مزيد من الفحص والتشخيص في سندها ومتنها قبل العمل بها والبناء عليها، والكشف عن كيفية التعامل معها لكونها تحتمل تفسيرات وتأويلات متعددة ومتباينة، ولا تخلو من غموض والتباس، إلى جانب الحاجة في الكشف عن طبيعتها وقيمتها التاريخية والأخلاقية، والنظر إليها في إطار الرؤية الكلية للإسلام، وبصورة خاصة في إطار رؤية الإسلام الكلية للمرأة.

وقد تعرضت كل النصوص والروايات إلى مراجعات ومحاكمات من فقهاء معاصرين، وبالذات من أصحاب المنحى التجديدي في الفقه، فحين يتحدث الشيخ محمد مهدي شمس الدين عن طبيعة النصوص المروية في السنة حول المرأة فإنه يقسمها إلى قسمين: إلى نصوص ضعيفة السند أو مرسلة أو مرفوعة، لا تصلح أن تكون أدلة على الحكم الشرعي، وإلى نصوص معتبرة شرعاً بين صحاح وموثقات وحسان، فهي من ناحية السند صالحة للدلالة على الحكم الشرعي إذا ثبت أنها واردة لبيان الحكم الشرعي الإلهي، ولم تكن تدبيراً لمواجهة حالة طارئة، أو توجيهاً خاصًّا بشخص معين في حالة معينة.

وفي نقده لطريقة تعامل الفقهاء مع هذه النصوص يقول الشيخ شمس الدين: «جرى كثير من الفقهاء في فقه المرأة على العمل بما روي من النصوص من دون احتراز عن الأحاديث الضعيفة، ومن دون محاكمة لمتون الأحاديث المعتبرة» [10].

وعندما تعرض الشيخ الصانعي لمثل هذه الروايات في سياق بحثه عن نقد مستندات النظرية المشهورة عند الفقهاء في إثبات ولاية الجد ونفي ولاية الأم على الأولاد الصغار المتوفى أبوهم، يشير إلى طائفة من الروايات واردة في كتاب الوصية، حيث استغرب وجود روايات تضع المرأة وشارب الخمر في مصاديق السفهاء، وحسب قوله: «والذي يبعث على الأسف والاستغراب ولا يمكن قبوله بأي وجه من الوجوه، أن هناك ثلاث روايات واردة في باب الوصية، يمكن أن يثار فيها احتمال الدَّسّ والوضع والنوايا السيئة. ومفاد هذه الروايات عَدّ كلٍّ من المرأة وشارب الخمر من مصاديق السفهاء في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾ [11] وأنهما لا يصلحان وصيًّا».

وبعد أن أشار إلى هذه الروايات الثلاث، ومنها موثقة السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: «المرأة لا يُوصى إليها؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾». ويُعقِّب الشيخ الصانعي بقوله: «إن مفاد هذه الروايات مخالف للأصول القرآنية والسنتية والعقلية المسلمة؛ ولهذا لا يمكن الأخذ بها حتى لو كان بعضها صحيحاً من ناحية السند، فهل يمكن القول بأن تمام النساء من السفهاء؟ هل يمكن نسبة ذلك إلى النسوة العظيمات جميعهن في تاريخ الأديان وتاريخ الإسلام» [12].

ومن هذه الروايات اقترب الشيخ الصانعي وشكَّك في صحة ما ورد في نهج البلاغة حول نقصان عقل النساء وإيمانهن، وعَدَّ هذا الأمر من الواضحات، وحسب كلامه «من الواضح أن ما جاء في نهج البلاغة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، حول نقصان عقل النساء وإيمانهن ليس صحيحاً، بل لابد من طرحه عرض الجدار، أو ردّ علمه إلى أهله، وهم المعصومون صلوات الله عليهم أجمعين، ذلك أنه من المسلَّم أن مفاد هذه النصوص مخالف للقرآن والقواعد؛ إذ كيف يمكن أن يأمر الله النساء بترك الصلاة في بعض الأوقات، فيتركنها، امتثالاً لأمره وإطاعة لمطالبه، ثم يكون ذلك موجباً لنقص إيمانهن؟ فهل طاعة الأوامر الإلهية توجب نقصان الدين والإيمان؟» [13].

لهذا كان من الضروري تغيير تلك الصورة المتوارثة عن المرأة في الدراسات الفقهية، الصورة التي تنتمي إلى الماضي، ولم تعد صالحة للبقاء في الحاضر، وهي لا تسيء فقط للمرأة، وإنما للفقه الإسلامي وللفقهاء كذلك، وذلك لأن واقع المرأة المسلمة اليوم يقدم صورة مغايرة تماماً لتلك الصورة القديمة، وهذه الصورة المغايرة ينبغي أن تلغي تلك الصورة القديمة وتحلَّ مكانها.

وما يميِّز المنحى الجديد في الفقه الإسلامي أن الصورة التي يعبر عنها حول المرأة تنتمي إلى واقع المرأة اليوم، بخلاف ما هو سائد في الفقه الإسلامي الذي تنتمي صورته عن المرأة إلى الواقع المتوارث من القديم، وهذه من المفارقات التي تفاصل بين المنحى الجديد والمنحى القديم في الفقه الإسلامي.

-3-

التحرر من آراء السابقين

التحرر من آراء السابقين هي السمة البارزة التي ظهرت وتجلت عند أصحاب المنحى الفقهي الجديد في الموقف تجاه المرأة، ولا ينبعث التجديد عادة في أي زمان ومكان، وفي أي بُعد ومجال إلا بعد التحرر من آراء السابقين، والتخلص من ذهنية الخضوع والتبعية، وامتلاك الشجاعة الفكرية، وحين ينظر الناس لأنفسهم على أساس أنهم رجال وأولئك رجال، أولئك اجتهدوا في زمانهم وهم يجتهدون في زمنهم.

وانفتاح باب الاجتهاد في الفقه هو الذي يولد الاستعداد للتحرر من آراء السابقين، وينمي هذه الروح، ويخلق مثل هذه الشجاعة.

ونلمس مثل هذا الموقف عند السيد البجنوردي الذي يرى أن من الشروط الذاتية والموضوعية التي يجب توافرها عند الفقيه ليكون مجدِّداً، هو عدم الالتزام بآراء من سبقه من الفقهاء، وأن يتحرر من سلطة القدماء المعرفية والفقهية، ويضيف فإذا اعتقد الفقيه أن المتقدمين أفقه منه وأعلم سيشكل هذا الاعتقاد قيداً ومعوقاً اجتهاديًّا، يجعله يصبُّ جهده للبحث عن أدلة تدعم آراءهم وتصوِّبها نتيجة لوقوعه تحت تأثير سلطة أولئك [14].

وحينما يصل البجنوردي إلى موضوع المرأة، يرى أن الموقف الفقهي من مسائل المرأة كان متأثراً برأي الأوائل، وأن الفتاوى السائدة في هذا الشأن متأثرة بآراء القدامى وحسن الظن بهم، وبالبيئة والتقاليد والأعراف، وعدم الجرأة على مخالفة مشهور الفقهاء. ويرى في المقابل أن باب الاجتهاد مفتوح، وفي الأصل يحرم على المجتهد أن يقلد رأي غيره، بل عليه أن يفتي بما يراه بقطع النظر عمَّا قاله الآخرون، ويستقل برأيه واجتهاده واستنباطه [15].

وعندما بحث الشيخ محمد مهدي شمس الدين مسألة أهلية المرأة لتولي السلطة العليا في الدولة الحديثة، تبيَّن عنده بعد النظر في الأدلة أن ما تسالم عليه الفقهاء من عدم مشروعية تصديها وتوليتها للسلطة، هي دعوى ليس عليها دليل معتبر، وأمل أن يكون هذا البحث حافزاً للفقهاء على إعادة النظر والبحث في بعض المسلمات الفقهية بإعادة النظر والبحث في أدلتها، وفي طرق الاستدلال عليها، وعدم الاسترسال في الاتكال على فهم فقهائنا القدماء [16].

وفي هذا السياق أيضاً يرى السيد محمد حسين فضل الله «أن اجتهاد القدماء كان مرتكزاً على ثقافتهم، ونحن نعرف أن القدماء اختلفوا فيما بينهم حسب اختلاف ثقافتهم، ولذلك يمكن لنا أن نختلف مثلهم بأن ندرس النصوص دراسة جديدة كما لم يدرسها أحد قبلنا، مع ملاحظة الفهم السابق عندما نريد أن نؤكد فهمنا» [17].

وفي مجال التطبيقات الفقهية أظهر الشيخ يوسف الصانعي استقلالية في الرأي وتحرراً من آراء الفقهاء السابقين، وتجلى ذلك في دراساته الفقهية الجديدة والمعاصرة حول مسائل المرأة التي توصل فيها إلى آراء واجتهادات خالف فيها رأي المشهور عند الفقهاء، وظل ينتقد مستندات نظرياتهم، ودخل في محاكمات استدلالية مع هذه النظريات، تثبيتاً لرأيه، وتأكيداً عليه بالقواعد والأصول الاستدلالية والبرهانية، ونفياً لرأي المشهور، وتضعيفاً له، وكشفاً عن ثغراته وما يعتريه من ضعف وخلل وعدم تماسك.

وسوف نتحدث لاحقاً عن بعض هذه الآراء والاجتهادات، والجديد الذي تميزت به عن رأي المشهور. ولولا هذا التحرر من سلطة القدماء وهيبتهم ما انبعث اليوم في داخل الفقه الإسلامي هذا المنحى الفقهي الجديد.

-4-

مرجعية الرؤية القرآنية

من السمات الأساسية التي ميَّزت أصحاب المنحى الفقهي الجديد في تكوين رؤيتهم للمرأة استنادهم الواضح إلى القرآن الكريم في الاستنباط الفقهي، وفي محاكمة الروايات الواردة في كتب الحديث، وفي اكتشاف رؤية الإسلام الكلية للإنسان والمجتمع والكون، وملامح ومكونات هذه الرؤية في مجال المرأة.

فقد وجد هؤلاء أن هناك مفارقة بيِّنة بين الصورة التي يعرضها القرآن الكريم للمرأة، والصورة التي تعرض لها الكثير من الروايات في السنة الشريفة، فالقرآن الكريم تحدث عن نماذج للمرأة متعالية عن تلك النواقص التي أشارت إليها بعض الروايات وربطتها بالمرأة، ومن هذه النماذج امرأة فرعون التي ضرب القرآن الكريم بها مثلاً للذين آمنوا، في إشارة لعظمة هذا الموقف، والحاجة الملحة لتذكره المستمر، والاعتبار به في كل زمان ومكان، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [18]، فقد صوَّر القرآن بهذا النموذج كيف يمكن أن يتغلب الإيمان عند المرأة وهي في قمَّة مركز السلطة والجاه والرفاه والنعيم الذي لا يُضاهى ولا يُوصف، ومن الصعب التخلي عنه، في ظل هذه الأجواء التي تظهر عادة ضعف المرأة لكونها ميَّاله بطبعها إلى الرخاء والنعيم، وإلى الجمال والزينة، في ظل كل ذلك أظهرت امرأة فرعون إيمانها، وكشفت عن قوة حقيقية في شخصية المرأة جعلتها تتغلب على الضعف الذي هو من أكثر ما يميز المرأة.

ولعل القرآن الكريم تقصَّد أن يسمي هذه المرأة باسم امرأة فرعون حتى يضرب بها مثلاً، وعندما قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ كأنها أرادت أن تُصوِّر مستوى النعيم والرفاه الذي كان يحيط بها من كل جانب، وأرادت من الله أن يُعوِّضها عن ذلك ببيت في الجنة، فالمرأة التي تظهر هذا المستوى من الإيمان، ويتغلب عندها الإيمان في مثل هذا الموقف الذي يختاره الله ليضرب به مثلاً حتى يتذكره الناس وينتبهوا إليه، فهل يصح بعد ذلك القول والادِّعاء أن المرأة والنساء ناقصات الإيمان!

والنموذج الآخر الذي تحدث عنه القرآن الكريم، هو نموذج بلقيس ملكة سبأ، في إشارة منه لتصوير رجحان العقل عند المرأة، وهي القصة التي لا يكاد الحديث يتوقف عنها في كل حديث يتناول موضوع المرأة ويقترب منه، وذلك لشدَّة أهمية هذا الموقف الذي يظهر حكمة وتعقل المرأة في أشد الظروف خطورة، ولكون الموقف يتحدث عن علاقة المرأة بالحكم والدولة، وهو من المواقف البليغة للغاية التي تحدَّث عنها القرآن، وهو من أكثر المواقف أهمية في دحض تلك التصورات التي تنتقص من مكانة ودور المرأة.

كما تُعَدُّ هذه القصة أهم قصة تحدَّث عنها القرآن حول علاقة المرأة بالحكم والدولة، حيث يقول تعالى: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ المُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [19].

وأول ما يلتفت إليه الشيخ محمد مهدي شمس الدين وهو يتحدث عن هذه القصة، أنه لم يرد في هذه الآيات تنديد أو نقد لكون بلقيس ملكة بوصفها امرأة، كما لم يرد تنديد أو نقد لشعب سبأ على أنه خضع لحكم امرأة وهي بلقيس، ويُعلِّق الشيخ شمس الدين على هذه الملاحظة في الهامش بقوله: «وهنا نلاحظ أنا لا نجد في القرآن كله منعاً أو ذمًّا لكون المرأة ذات سلطة في المجتمع، أو لكون المجتمع محكوماً ومقوداً من قبل امرأة» [20].

ويختتم الشيخ شمس الدين ملاحظاته حول هذه القصة بقوله: «إن هذا المثال يكشف عن أن شخصية المرأة مؤهَّلة للحكم والقيادة كالرجل، وأنها كالرجل أيضاً يمكن أن تقود إلى خير ويمكن أن تقود إلى شر، وأن الضعف والخوف والقصور الفكري ليست طبائع في المرأة، بل هي نتيجة تربية خاصة وثقافة معينة درجت بعض المجتمعات عليها» [21].

وقد أظهر لنا القرآن الكريم في هذه القصة كيف أن المرأة يمكن لها التفوق على الرجل في أهم أمرين طالما حاول الرجل أن يتملكهما لذاته، ويعدّهما من أوثق الأمور ارتباطاً بهوية الذكورة وطبيعتها، هما العقل والسلطة، وأراد أن يوجه المعرفة والتاريخ بما يخدم هذا الأمر والبرهنة عليه، وهذا ما دحضته هذه الآيات التي صوَّرت انحياز المرأة إلى العقل حين شاورت بلقيس أهل الحل والعقد عندها ولم تستبد برأيها ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ في مقابل انحياز الرجل إلى القوة والتظاهر بها ﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾.

فالمرأة التي يصوِّرها القرآن الحكيم برجحان العقل فهل يصح لنا اتهام النساء بنقصان العقل!

وبعد أن تطرق الشيخ شمس الدين لهذه الأمثلة والقصص أراد منها التأكيد على ما أسماه مرجعية الرؤية القرآنية في عملية الاستنباط الفقهي، حيث رأى أن تلك الأمثلة تكشف عن الرؤية الإسلامية لموقع المرأة في نظام القيم ونظام الحقوق والواجبات في الشريعة الإسلامية، وأن هذه الرؤية القرآنية -حسب رأيه- هي المناخ التشريعي للأحكام، فهذه الأحكام ليست بلا جذور، وليست بلا إطار وفلسفة، بل هي تركز على قاعدة عامة تعبّر عنها هذه الرؤية القرآنية، وبذلك تكون هذه الرؤية مرجعاً في فهم النصوص التشريعية وتفسيرها [22].

وحين أشار الشيخ شمس الدين إلى منهج التعامل مع النصوص الواردة في السنة حول المرأة والأسرة أكد ضرورة ملاحظة هذه النصوص على ضوء التوجيه القرآني، وأما ملاحظتها بمعزل عن التوجيه القرآني فسوف يؤدي حسب تقديره إلى خلل في عملية الاستنباط.

وعند الشيخ يوسف الصانعي نلمس وبوضوح كبير استناده إلى القرآن الكريم وإلى الأصول القرآنية في دراساته الفقهية حول المرأة، وعلى أساس هذه الأصول القرآنية ظل يُحاكم ويرجِّح الروايات


ولاية المرأة في الإسلام قراءة في ضوء الفقه الإسلامي

7 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

من خلال قراءاتي ـ وهي غير كثيرة ـ لما كُتب في الفقه عن وحول إشغال المرأة لبعض المناصب أو الوظائف في الدولة الإسلامية، رأيتها تركز على أساس واحد، وتنطلق منه في الانتهاء إلى النتيجة وإصدار الفتوى، ذلك الأساس هو أن هذا المنصب المعين الذي يُراد إسناده للمرأة يعطيها الولاية، وليس لها هنا حق الولاية.

وتتحرك الكتابات ـ وفيها البحوث ـ حول الموضوع المشار إليه، وكأن الولاية مصطلع فقهي ذو معنى واحد محدد ومعين، في الوقت أن الأمر ليس كذلك، وذلك أننا عندما نرجع إلى المعجم اللغوي العربي والمعجم الفقهي الإسلامي، بغية الوقوف على ما يسعفنا في هذا المجال، لا نجد ما يمكننا الاستفادة منه كمحور للبحث، ومنطلق لإبداء الرأي.

ويعود هذا إلى أن الولاية ليست مصطلحاً فقهياً، وغير ذات معنى واحد في عالم الاستعمالات الفقهية.

ومن هنا ليس أمام الباحث إلاّ محاولة تتبع واستقراء الاستعمالات الفقهية لكلمة الولاية من تلكم الاستعمالات المشار إليها.

والذي انتهيت إليه ـ في هذه العجالة ـ هو التالي:

1 ـ يمكننا أن نسمي الولاية في الفقه الإسلامي (الولاية الشرعية) في مقابلة (الولاية القانونية) المصطلح المعروف في أدبيات القوانين الوضعية.

2 ـ يمكننا أن نلخص المفاهيم الفقهية لمصطلح الولاية الشرعية بالمعاني التالية:

ـ حق التسلط.
ـ حق التصرف.
ـ حق القيام بتدبير شؤون الآخر.
ـ واجب المسؤولية.

3 ـ يمكننا أن نقسم الولاية الشرعية ـ ومن واقع استخداماتها الفقهية ـ إلى القسمين التاليين:

أ ـ الولاية المنصوصة:

وأعني بها الولاية التي تستفاد نص شرعي ـ آية أو رواية ـ مثل:

ـ مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المستفادة من الآية الكريمة:

>وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ <([1]).

ـ مسؤولية الرعاية المستفادة من الحديث الشريف: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته).

ـ حق تسلط الإنسان على ماله المستفاد من الرواية: (الناس مسلطون على أموالهم).

ب ـ الولاية غير المنصوصة:

ويراد بها تلكم الولايات التي لم تستفد من نص شرعي، وإنما استفيدت من الاجماعات أو من المبادئ العقلية، كسيرة الناس أو ما يعبر عنه بـ (سيرة العقلاء) أو (بناء العقلاء)، مثل: ولاية الأب والجد على عقد نكاح الصغير والصغيرة، فإنها مما درجت عليه سيرة الناس، وليس للشريعة الإسلامية فيها إلاّ دور إقرارها.

ومنه نفهم أن الولاية الشرعية إذا حاول الباحث دراستها داخل إطار التشريع الإسلامي، بعيداً عن معطيات العرفان والتصوف وحتى الفلسفة، وإنما يدرسها في هدي معطيات المبادئ الإسلامية الأساسية، وتحت ظلال مقاصد الشريعة.

وأعني بذلك أن المشرع الإسلامي يراعي في وضعه للأحكام جلب المصلحة للإنسان المسلم ودرء المفسدة عنه.

ومن خلال الاستقراء للأحكام الشرعية في شتى مجالاتها، وعلى مختلف أنماطها، وجدنا أن المشرع الإسلامي لكي يحقق هدفه المشار إليه، يراعي في تشريعه لأحكامه أن تُوجِد التوازن بين كل القوى لدى الإنسان في الجانب البايولوجي والفسيولوجي والعقلي والروحي والنفسي والبدني.

والفروق في التشريع بين الرجل والمرأة والكبير والصغير تنشأ عن مراعاة هذا التوازن، وهو أمر طبيعي، كما أن أحكام التشريع الإسلامي في تنظيم العلاقات بين الفرد والفرد، والفرد والأُسرة، والفرد والمجتمع، وبين المجتمعات بعضها مع البعض، يُراعى أن تأتي متوازنة بما يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، ويوصل إلى تحقيق مقاصد الشريعة.

وفي إسناد الوظيفة وإناطة المسؤولية يشترط التشريع الإسلامي التوفر على عنصرين، هما:

ـ الكفاءة.
ـ الأمانة.

وفي ضوء ما تقدم لا توجد ولاية بمعنى التسلط؛ لأن الموظف أو المسؤول في أعلى مسؤولية وأقل وظيفة دوره هو أن يقوم بتنفيذ وتطبيق التشريع، ولا يسمح له بتجاوز حدود المسؤولية المناطة به.

وقياس المنصب في الدولة الإسلامية على مجتمعات الأسياد والعبيد قياس مع الفارق؛ لأن السيادة في الإسلام للتشريع والطاعة من المسلم لله تعالى بامتثاله للتشريع.

وبعد هذا، أعود فأقول: متى درس الباحث الولاية الشرعية داخل هذا الإطار، فإنه سوف يرى أنها تتنوّع للتالي:

ـ إعطاء حق.
ـ فرض واجب.
ـ إناطة مسؤولية.

ومتى نظرنا إلى الولاية ـ كما ينظرها الآخرون ـ نوعاً من التسلط، فإنه من الطبيعي أن يكون لصاحب الحق المجال في ممارسة حقه، وهو شيء من السلطة، وأن يكون لمن يقوم بواجبٍ ما المجال لأداء الواجب، وهو ـ أيضاً ـ شيء من السلطة، وأن يكون لصاحب المسؤولية المجال للقيام بمسؤوليته، وهو شيء من التسلط أيضاً.

وبهذا ندرك أن الولاية بمعنى السلطة أو السلطنة أو التسلط، ملازمة لكل من هذه المذكورات. ومتى فُهمت الولاية بالشكل المذكور ـ في أعلاه ـ تكون للمرأة كما تكون للرجل عند ممارسة حق أو أداء واجب أو قيام بمسؤولية، من غير فرق بينهما.

والتشريع ـ دينياً كان أو مدنياً ـ هو الذي يمنح الحق، ويفرض الواجب، وينيط المسؤولية. فالدين عندنا، والقانون عند غيرنا، هو الذي له حق هذا التشريع. وهنا لا بد من وقفة مع (الأصل) الذي وضعه الفقهاء، واعتمدوه أساساً يرجعون إليه في مقام الشك، ويفتون حسب ما ينهي إليه.

وأُريد به ما يسمونه بـ (أصالة العدم)، وهو ـ كما ذكر السيد هاشم معروف الحسني في كتابه (الولاية والشفعة) ([2]) ـ نظرياً وتطبيقياً: bالأصل عدم الولاية بجميع معانيها لأحد عن أحد؛ لأنها سلطة حادثة، والأصل عدمها، ولأنها تقتضي أحكاماً توقيفية، والأصل عدمها أيضاً.

والقدر المتيقن منها هو ولاية النبي 2 والأئمة E لما دلّ من العقل والنقل على أن لهما الولاية في التصرف في نفوس الناس وأموالهم من غير توقف على إذن أحد من الناس، على حد تعبير السيد بحر العلوم في بلغتهv.

إن مثل هذا التأصيل هو مما أملاه المنهج الفلسفي الذي اتبعه أكثر الفقهاء المسلمين في أكثر من مرحلة من مراحل تاريخ الدرس الفقهي.

وهذا الأصل ـ كما أشرت ـ وُضع ليرجع إليه في مقام الشك في الأُمور الحادثة، والولاية وصف حادث، والأُمور الحادثة ـ كما تقول الفلسفة ـ إذا شك في وجودها ينفى بأصالة العدم، أي أننا أخذاً بهذا الأصل عندما نشك في ثبوت الولاية لأحد نحكم بعدم ثبوتها.

قد كان هذا الأصل أقوى مساعد للفقهاء في نفي ولاية المرأة عن كثير من الأُمور، ومن ثَمَّ منعها من ممارسة كثير من الأعمال والوظائف.

وأول ما يلاحظ على هذا الأصل، هو أن هذا الأصل معدود من مبادئ المنهج الفلسفي العقلي الذي يقوم على أساس من الاستنتاج العقلي.

والفقه لأنه تشريع تُستقى مادته من المصادر النقلية (الكتاب والسنة)، تكون الطريقة السليمة لدراسة قضاياه، هي الاستقراء لا الاستنتاج، نتتبع فيه بغية الوصول إلى الحكم الخطوات التالية:

1 ـ مراجعة النصوص الخاصة:

وأعني بها تلكم النصوص التي ترتبط بموضوع البحث مباشرة.

2 ـ وفي حالة عدم العثور على نص خاص يستفاد منه حكم المسألة، يرجع إلى النصوص العامة، وهي ما يصطلح عليه فقهياً العمومات والإطلاقات التي تشمل بعمومها أو إطلاقها موضوع البحث.

والنصوص الشرعية بفئتيها الخاصة والعامة هي من الكثرة بحيث تغطي كل ما يحتاجه الفقيه في مجال استنباط الأحكام الشرعية. وعلى هذا لا نكون بحاجة لمثل هذا الأصل، ولا تصل النوبة إليه.

ويلاحظ عليه ثانياً: أن الفلسفة تُجري مثل هذا الأصل في مجالات بحثها، وهي الأُمور التكوينية، ويعنى بالأُمور التكوينية هنا الأشياء الممكنة التي لها قابلية الاتصاف بالوجود والاتصاف بالعدم، وقد عبروا عنها في هذا السياق بالحوادث.

والولاية ـ بجميع جزئياتها والتي ذكرتُ شيئاً منها ـ هي من التشريعات التي لا مجال لإجراء المبادئ الفلسفية عليها.

3 ـ والإجماعات إذا كان بمستوى الحجية فإنها تثبت الولاية وتنفيها، وعلى هذا: يؤخذ بها في حالة الإثبات وفي حالة النفي. وإذا لم تكن بمستوى الحجية لا يؤخذ بها.

4 ـ لا فرق بين الرجل والمرأة في توليهما الأعمال التي فيها ولاية، إلاّ ما استُثني بنص معتبر الإسناد، واضح الدلالة.

هذه هي أهم الخطوات التي على الباحث الفقهي اتّباعها.

والآن لنتناول ـ وباختصار غير مخل ـ أهم الولايات التي أُثير البحث فيها وحولها لنرى مكان المرأة فيها، نتناولها كأمثلة ونماذج فقط.

ولبندأ بـ(ولاية النبي 2) من باب التبرك والتيمن، ولأُركّز على تبيين المراد من الولاية ـ هنا ـ وذكر دليلها، ونوعيتها تشريعية أم عقائدية (كلامية).

إن ولاية النبي 2 ـ المشار إليها ـ مستفادة من قوله تعالى: >النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ<([3])، والآية تنص على ولاية النبي 2 على النفوس، وبقياس الأولوية (مفهوم الأولوية) أفاد الفقهاء الولاية على الأموال، فقالوا:
للنبي
2 الولاية على النفوس والأموال.

والولاية ـ هنا ـ تعني التسلط على نفوس المؤمنين وأموالهم، والتصرف بها، من باب تقديم ولاية النبي 2 على ولاية المؤمنين.

وبيان ذلك: أن للإنسان السلطة على نفسه وماله سلطة تشريعية، أي إن له التصرف بنفسه وماله في حدود المسموح به شرعاً. ولكن لو اقتضى الأمر أن تُقَدّمَ المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، تُقدم بأولوية ولاية النبي 2.

وفي تبيان شمولية ولاية النبي 2 على النفوس والأموال يقول أُستاذنا السيد الحكيم في كتابه (نهج الفقاهة): bمقتضى قوله تعالى: >النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ<، ونحوه مثل قوله 2 في رواية أيوب بن عطية: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه)، وقوله 2 في حديث الغدير: (ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)، ثبوت الولاية
للنبي
2 والإمام B على النفوس. ومقتضى عدم الفصل، والأولوية، ثبوت الولاية على الأموال أيضاًv([4]).

والمراد بالنبي في الآية الكريمة نبينا محمد 2 بقرينة السياق، وحيث جاء بعد الفقرة المذكورة في الآية نفسها قوله تعالى: >وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ<؛ ولاتفاق علمائنا من مفسرين وفقهاء على ذلك.

ولكي نتفهم نوع الولاية ـ هنا ـ علينا أن نمهد لذلك ببيان الفرق بين وظائف أو مسؤوليات النبي، والتي تتمثل بالتالي: النبوة. الرسالة، الإمامة.

أ ـ (النبوة):

أصل كلمة (نبوّة): (نبوءة) بالهمزة، وخففت لتسهيل الاستعمال، فهي من (أنبأ) بمعنى (أخبر)؛ لأنها ـ في هذا السياق ـ إخبار عن الله تعالى، فالنبي سمّي نبياً؛ لأنه يخبر عن الله تعالى.

ب ـ (الرسالة):

هي الشريعة الإلهية التي يُرسل بها النبي متحملاً مسؤولية تبليغها للناس، ولذا سمّي رسولاً، من الفعل الممات (رَسَلَ) بمعنى أرسل.

ج ـ (الإمامة)

هي رئاسة الدولة وزعامة الأُمة وحماية الدين.

وللإمامة مفهوم آخر، وهو خلافة النبي في كل ما للنبي من صفات ومسؤوليات عدا النبوة. وهو المفهوم الذي لا ينطبق عندنا ـ معاشر الإمامية ـ إلاّ على الأئمة الاثني عشر.

وبعد هذا التقسيم لا بد من الإشارة إلى أن علماء الكلام يقسمون الولاية إلى قسمين: الولاية التكوينية والولاية التشريعية.. ويقولون: إن الولاية التكوينية هي التي تكون للنبي بصفته نبياً، وللإمام بصفته إماماً بالمعنى الثاني للإمامة.. وبعكسها الولاية التشريعية فإنها هي التي تكون للنبي بصفته إماماً بالمعنى الأول للإمامة، الذي هو رئاسة الدولة وزعامة الأُمة وحماية الدين.

فالولاية قد تكون مسألة كلامية وهي الولاية التكوينية، وقد تكون مسألة فقهية وهي الولاية التشريعية.

ثم الولاية التشريعية لأنها ترتبط بتطبيق النظام الإسلامي في مادة مهمة من مواده التشريعية، وهي التي تنص على وجوب تقديم المصلحة العامة (المصلحة العلياء للدين كمبدأ، والمصلحة العليا للمسلمين كأُمة) على المصلحة الخاصة، من باب تقديم الأهم على المهم إذا كان موضوع التـزاحم النفوس أو الأموال، وأن يتم التقديم بأمر الحاكم الإسلامي العام؛ لأن ذلك من صلاحياته الخاصة.

أقول: لأنها كذلك لا تكون إلاّ بجعل شرعي لمن يشغل منصب الإمامة (بمعنى رئاسة الدولة وزعامة الأُمة وحماية الملة) نبياً كان أو إماماً معصوماً أو فقيهاً عادلاً.

وما جاء في حديث الغدير من قول النبي 2: (ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: مَن كنتُ مولاه فهذا عليّ مولاه) يدل دلالة واضحة على نصب الإمام عليّ C إماماً (رئيساً للدولة وزعيماً للأُمة وحامياً للدين)، وجعل الولاية له على النفوس والأموال تلك الولاية التي جعلت للنبي 2.

والتوقيع الصادر عن الإمام المهدي B: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله تعالى)، واضح في دلالته على نصب الفقيه العادل إماماً للشيعة؛ بمعنى زعامة الطائفة وحفظ المذهب.

ومثله ما جاء في مقبولة ابن حنظلة: (قد جعلته عليكم حاكماً)، يقول الشيخ صاحب الجواهر في تبيان ذلك: bولظهور قوله B: (فإني قد جعلته عليكم حاكماً) في إرادة الولاية العامة نحو المنصوب الخاص، كذلك إلى أهل الأطراف، والذي لا إشكال في ظهور إرادة الولاية العامة في جميع أُمور المنصوب عليهم فيه، في قوله B: (فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله)، أشد ظهوراً في إرادة كونه حجة فيما أنا فيه حجة الله عليكمv([5]).

ومما تقدم تبيّنا الرأي الفقهي الإمامي في الحاكمية الإسلامية والحاكم الإسلامي العام، وهو ـ أعني الرأي ـ يقوم على المبدأ الإسلامي العام المتفق عليه بين الفقهاء المسلمين، وهو أن الحاكمية لله تعالى.

وعلى أساس من ذلك: لا يخلفه فيها أحد في قيادة وإدارة المجتمع البشري إلاّ بجعل منه، وقد تم هذا بالنسبة لنبينا محمد 2، وكذلك لا يخلف النبي محمداً 2 من يقوم بالمهمة المذكورة، إلاّ بجعل أو نصب منه 2، عن أمر من الله تعالى.

وقد تم هذا لعليّ وبقية الأئمة المعصومين E عندنا ـ معاشر الإمامية ـ وذلك بنصوص عامة وخاصة صدرت منه 2، توفرت على ذكرها الكتب المعنية بذلك، ذكرتُ منها حديث الغدير فقط لأجل الاختصار، ولشهرته وتواتره.

وأيضاً لا يخلف الأئمة أحد للقيام بهذه المسؤولية إلاّ بجعل منهم E، وقد تم هذا في حق الفقيه العادل من قبل الإمام المهدي C بنص التوقيع الشريف الصادر منه.

وهنا حيث انتهينا إلى هذا، أُحاول أن أُشير إلى الرأي الفقهي في تولي المرأة المسلمة لمنصب رئاسة الدولة، ذلك أن تولي الرجل للمنصب المذكور متفق عليه، فهو شيء مفروغ منه، لا يثار البحث فيه.

إن مسألة تولي المرأة رئاسة الدولة الإسلامية لم يثر البحث فيها من قِبل فقهائنا المتقدمين والمتأخرين عدا المعاصرين. وقد يرجع هذا لعدم ابتلاء الشيعة في الدولة الإسلامية السنية، وكذلك في الدولة الإسلامية الشيعية لعدم الحاجة لطرح المسألة للدراسة؛ لقيام الرجل بذلك.

ولكن الأمر اختلف عنه في عصرنا هذا المسمى بالعصر الحديث.. عصر حقوق الإنسان، والمناداة بمساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات.

ومن الرادة الأوائل في إثارة البحث في هذه المسألة الشيخ حسين علي المنتظري، فقد تناولها بالدراسة في كتابه (دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية)([6]). والنتيجة التي انتهى إليها مَن بحثوا المسألة، هي ترجيح كفة اعتبار الذكورة في رئيس الدولة.

وسأحاول ـ هنا ـ أن أُلخّص أدلتهم، ثم أُسلط الضوء عليها توضيحاً ونقداً، ما تأتّى لي ذلك في هدي ما يسلمني إليه مسار البحث.

وأهم ما استدلوا به:

أولاً ـ القرآن الكريم:

واستدلوا منه بأكثر من آية، وأهمها الآية 34 من سورة النساء >الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ<. ويأتي الاستدلال بهذه الآية لإثبات ولاية الحكم للرجل ونفيها عن المرأة، وفق الخطوات التالية:

1 ـ إن المرد من القوّامية في قوله تعالى (قوّامون) السلطة، والسلطة معنى من معاني الولاية، ففي (مجمع البيان): bأي قيّمون على النساء، مسلطون عليهنّ في التدبير والتأديب والرياضة والتعليمv ([7]).

2 ـ إن سبب قوّامية الرجال على النساء، هو تفضيله تعالى للرجال على النساء، ففي (مجمع البيان) ـ أيضاً ـ : b>بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ< هذا بيان سبب تولية الرجال عليهن، أي إنما ولاّهم الله أمرهنّ لما لهم من زيادة الفضل عليهنّ بالعلم والعقل وحسن الرأي والعزم، >وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ<، عليهنّ من المهر والنفقة، كل ذلك بيان علة تقويمهم عليهنّ وتوليتهم أمرهنّv ([8]).

3 ـ ويقرّب العلامة السيد الطباطبائي في (الميزان) الاستدلال بالآية على إثبات ولاية الحكم للرجال ونفيها عن النساء بقوله: bوعموم هذه العلة (أي الفضل والإنفاق) يعطي أن الحكم المبني عليها أعني قوله: >الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء< غير مقصور على الأزواج بأن تختص القوّامية بالرجل على زوجته، بل الحكم مجعول لقبيل الرجال على قبيل النساء في الجهات العامة التي ترتبط بها حياة القبيلين جميعاً، فالجهات العامة الاجتماعية التي ترتبط بفضل الرجال كتجربتي الحكومة والقضاء ـ مثلاً ـ اللذين تتوقف عليها حياة المجتمع، وإنما يقومان بالتعقل الذي هو في الرجال بالطبع أزيد منه في النساء، وكذا الدفاع الحربي الذي يرتبط بالشدة وقوة التعقل، كل ذلك مما يقوّم به الرجال على النساء.

وعلى هذا، فقوله: >الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء< ذو إطلاق تامv ([9]).

وناقش الشيخ المنتظري الاستدلال المذكور بقوله: bولكن عندي في التمسك بالآية للمقام إشكال، إذ شأن النـزول وكذا السياق شاهدان على كون المراد قيمومة الرجال بالنسبة إلى أزواجهم، إذ لا يمكن الالتـزام بأن كل رجل بمقتضى عقله الذاتي وبمقتضى إنفاقه على خصوص زوجه له قيمومة على جميع النساء حتى الاجنبيات، ولو سلم الشك، فَصِرْفُ الاحتمال يكفي في عدم صحة الاستدلال.

فإن قلتَ: عموم العلة ـ كما مرَّ عن تفسير الميزان ـ يقتضي ذلك، فيؤخذ به إلاّ فيما ثبت خلافه.

قلتُ: أولاً: إن العلّة الثانية لا عموم لها، إذ إنفاق الرجل يختص بزوجة ولا يرتبط بسائر النساء.

وثانياً: إن الأخذ بالعموم وتخصيص ما ثبت خلافه يوجب تخصيص الأكثر، إذ لا قيمومة لرجل على سائر النساء إلاّ في مورد الولاية أو القضاءv.

ويمكن المناقشة ـ أيضاً ـ بالتالي:

1 ـ كلمة (قوّامون) ليست حقيقة شرعية ولا مصطلحاً فقهياً. ومن هنا، لا بد من تحديد المراد منها من خلال الاستعمالات اللغوية ـ الاجتماعية.

جاء في (معجم ألفاظ القرآن الكريم) ـ مادة قَوَمَ ـ : bوتدور المعاني التي تفيدها هذه المادة حول النهوض أو انتصاب القامة، أو الاعتدال، بمعانيها المادية أو المعنوية.

=قام على أهله أو نحوهم: رعاهم وتولى الإنفاق عليهم.

=قوّام: صيغة مبالغة في (قائم)، يقال: هو قوّام على أهله: دائم القيام بشؤونهم والسهر على مصالحهم. الجمع قوّامون.

=قوّامون >الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء<: أي يرعونهن ويقومون بمصالحهنv.

ونستفيد من هذا أن القوّامية لا تعني القيمومة التي فهم منها المستدلون التسلط والتصرف، وإنما تعني إناطة مسؤولية رعاية مصالح النساء وتدبير شؤونهنّ بالرجال، ومن أظهر مصاديق تلك الرعاية وذلك التدبير، هو وجوب إنفاق الرجل (الزوج) على زوجته، وهذا يعني أن الإنفاق من القوّامية، وليس من القيمومة، وقد يرجع هذا إلى أن أكثر المجتمعات ـ ومنها المجتمعات العربية التي نحاول معرفة معنى القوّامية لديهم ـ مجتمعات ذكورية، تحمّل الرجل مسؤولية رعاية مصالح المرأة وتدبير شؤونها.

وهم لا يرمون من هذا إلى أن تلك الرعاية وذلك التدبير هما من نوع الولاية السلطوية، وإنما هما شأن من شؤون تركيبة المجتمع.

والإطلاق أو العموم في الآية الكريمة المتمثل في كلمتي (الرجال) و(النساء) لا يمكن الأخذ به والركون إليه مع وجود قرينة السياق التي اعتبرت الإنفاق على الزوجة من أظهر مصاديق القوّامية.

فالمراد من الرجال ـ هنا ـ الأزواج، ومن النساء الزوجات، فلا نظر للآية ولا شمولية فيها لكل الرجال مطلقاً وكل النساء مطلقاً حتى ندخل رئيس الدولة في عمومها ونحكم له بالقيمومة أو الولاية على المرأة.

2 ـ إن التفضيل المشار إليه في الآية الكريمة لا يعني تفضيل الرجال خاصة، كما أنه لا يعني تفضيل النساء خاصة، وإنما يراد به أن إناطة المسؤوليات وفرض الواجبات يعتمد قاعدة التفضيل الذي يقوم على أساس من القدرة على النهوض بالمهمة والقيام بها.

ونخلص من كل ذلك إلى أن القوّامية غير القيمومة، وأن الآية الكريمة لا إطلاق فيها ولا عموم، وعلى هذا لا يتم الاستدلال بها ولا يصح.

ثانياً ـ الحديث الشريف:

ومن أهم ما استدلوا به لنفي ولاية الحكم عن المرأة الحديث المروي في (الوسائل)، عن محمد بن علي بن الحسين الصدوق في (الخصال)، عن أحمد بن الحسن القطان، عن الحسن بن علي العسكري، عن محمد بن زكريا البصري، عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، (عن عمرو بن شمر)، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر B يقول: bليس على النساء أذان ولا إقامة ولا جمعة ولا جماعة… ولا تولّى المرأة القضاء ولا تلي الإمارة…v ([10]).

ويناقش بأن سند الرواية المذكور ضعيف بعمرو بن شمر الذي سقط من إسناد الوسائل، ذلك أن محمد بن عمارة يروي عن جابر الجعفي، بواسطة عمرو بن شمر، وورد تضعيف عمرو بن شمر في رجال النجاشي ورجال ابن الغضائري، وقال أُستاذنا الخوئي في (معجم رجال الحديث): bأقول: الرجل لم تثبت وثاقته، فإن توثيق ابن قولويه إياه معارض بتضعيف النجاشي، فالرجل مجهول الحالv([11]).

ومثله أحمد بن الحسن القطان، ومحمد بن زكريا الغلابي البصري لم ينص عليهما بتوثيق ولا بعدمه.

وعليه، لا يتم الاستدلال بهذا الحديث لضعفه سنداً.

ثالثاً ـ أصالة العدم:

ومما استدلوا به لنفي ولاية الحكم عن المرأة أصالة العدم، وقد أوضحت ـ فيما سبق ـ فحوى هذا الأصل، وكيفية استدلالهم به، ثم ناقشت في جريان الأصل هنا، وأوضحت المنهج السليم الذي ينبغي أن يتّبع هنا.

والنتيجة التي يسلمنا إليها البحث هي:

1 ـ عدم وجود نص معتبر يعتمد عليه في نفي تولّي المرأة الحكم.

2 ـ إن نفي تولي المراة للإفتاء أو القضاء يقتضي ـ كما يقولون ـ نفي تولّيها للحكم بطريق أولى.

إن هذا يتطلب ـ إذا صح القياس المشار إليه ـ تحقق نفي تولّي المرأة للإفتاء والقضاء، ثم القياس، وهو ما لم يتحقق ـ كما سيأتي.

3 ـ لا إجماع معتبر يركن إليه في نفي تولّي المرأة للحكم؛ لأن الكاشف منه غير متحقق، والمدركي ليس بحجة.

4 ـ والميل إلى اشتراط الذكورة في الحاكم آتٍ من أنه الأمر الغالب؛ لأن المجتمعات في أغلبها مجتمعات ذكورية، درجت على إسناد منصب رئاسة الدولة للرجل من المنطلق المشار إليه.

ولنعقب مسألة تولّي المراة منصب الحكم بمسالة الإفتاء:

تبحث هذه المسألة ـ عادة ـ ضمن شروط المفتي، وتحت عنوان (اشتراط الذكورية) أو (اشتراط الرجولية) من موضوع الاجتهاد والتقليد، الذي كان يبوّب قديماً في موضوعات علم أُصول الفقه، ثم نقل إلى موضوعات علم الفقه، وأخال أن هذه النقلة تمت من قِبل السيد اليزدي في كتابه (العروة الوثقى).

ويقول الشيخ الجيلاني في بحثه القيّم (شرطية الذكورة في المفتي) المنشور في مجلة (فقه أهل البيت): bلم نجد من عظمائنا الماضين حديث التضييق إلاّ من الشهيد الثاني Q، فإنه قال في كتاب القضاء من (الروضة) ـ في شرح عبارة الماتن: (وفي الغيبة ينفذ قضاء الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء) ـ : (وهي البلوغ والعقل والذكورة) … نعم، اشتهر هذا الشرط بعدما انتهت نوبة المرجعية والزعامة الدينية إلى الفقيه الأكبر آية الله العظمى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي ـ رضوان الله تعالى عليه ـ فألّف رسالته العملية المباركة المسماة بـ (العروة الوثقى)، وصرّح فيها باشتراط الذكورة في المفتي، وسهّل الطريق لمن بعده من أعلام الشيعة في انتشار آرائهم في الفتوى بالتعليق والتحشية والشرح عليها، فتلقى أكثرهم هذا الاشتراط بالقبول من دون أي غمز فيه، فمنهم السيد السند آية الله العظمى أبو الحسن الإصفهاني، والآيات العظام: الحائري اليزدي، وضياء الدين العراقي، والسيد أحمد الخوانساري، والإمام الخميني، والشيخ الأراكي، والسيد الخوئي، والسيد الكلبايكاني، أعلى الله درجاتهم في بحبوحات الجنات) ..v ([12]).

إن كل من بحث موضوع الاجتهاد والتقليد من الأُصوليين أو الفقهاء ممن تناول مسألة اشتراط الذكورة أو الرجولية في المفتي، كانت نتيجة بحوثهم اختلافهم في جواز تولّي المرأة لوظيفة الإفتاء.

وفي جواز تقليدها: ذهب بعضهم إلى القول بالجواز، وقال آخرون بعدم الجواز.

الأول ـ وممن قال بعدم الجواز السيد الخوئي والسيد السبزواري، فقد جاء في (التنقيح) ـ تعليقاً على قول السيد اليزدي في (العروة الوثقى): مسألة 22: bيشترط في المجتهد أُمور: البلوغ والعقل والإيمان والعدالة والرجوليةv ـ تحت عنوان (الرجولية) ما نصه: bاستدلوا على عدم جواز الرجوع إلى المرأة في التقليد، بحسنة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال: قال: قال أبو عبدالله جعفر بن محمد الصادق B: bإياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم…v لدلالتها على اعتبار الرجولية في باب القضاء، ومن المعلوم أن منصب الإفتاء لو لم يكن بأرقى من القضاء فلا أقل من أنهما متساويان، إذ القضاء أيضاً حكم وإن كان شخصياً وبين اثنين أو جماعة رفعاً للتخاصم، والفتوى حكم كلي يبتلي به عامة المسلمين، فإذا كانت الرجولية معتبرة في باب القضاء كانت معتبرة في باب الإفتاء بالأولوية.

ويرد على هذا الوجه، أن أخذ عنوان الرجل في موضوع الحكم بالرجوع إنما هو من جهة التقابل بأهل الجور وحكامهم، حيث منع B عن التحاكم إليهم، والغالب المتعارف في القضاء هو الرجولية، ولا نستعهد قضاوة النساء ولو في مورد واحد، فأخذ عنوان الرجولية من باب الغلبة لا من جهة التعبد وحصر القضاوة بالرجال، فلا دلالة للحسنة على أن الرجولية معتبرة في باب القضاء فضلاً عن الدلالة عليها في الإفتاء لو سلّمنا أن القضاء والفتوى من باب واحد، على أنه لم يقم أي دليل على التلازم بينهما ليعتبر في كل منهما ما اعتبر في الآخر بوجه.

وأيضاً استدلوا عليه بمقبولة عمر بن حنظلة، حيث ورد فيها: (ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا).

وقد ظهر الجواب عنها بما بيّناه في الحسنة المتقدمة، مضافاً إلى أنها ضعيفة السند، على أن قوله B: (من كان) مطلق، ولا اختصاص له بالرجال، إذاً لم يقم دليل على أن الرجولية معتبرة في المقلَّد، بل مقتضى الإطلاقات والسيرة العقلائية عدم الفرق بين الإناث والرجال.

هذا، والصحيح أن المقلَّد يعتبر فيه الرجولية، ولا يسوغ تقليد المرأة بوجه، وذلك لإنّا قد استفدنا من مذاق الشارع أن الوظيفة المرغوبة من النساء إنما هي التحجّب والتستّر، وتصدى الأُمور البيتية، دون التدخل فيما ينافي تلك الأُمور، ومن الظاهر أن التصدي للإفتاء ـ بحسب العادة ـ جعلٌ للنفس في معرض الرجوع والسؤال؛ لأنهما مقتضى الرئاسة للمسلمين، ولا يرضى الشارع بجعل المرأة نفسها معرضاً لذلك أبداً، كيف ولم يرض بإمامتها للرجال في صلاة الجماعة، فما ظنك بكونها قائمة بأُمورهم ومديرة لشؤون المجتمع، ومتصدية للزعامة الكبرى للمسلمين.

وبهذا الأمر المرتكز القطعي في أذهان التشرعة، يقيد الإطلاق، ويردع عن السيرة العقلائية الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم مطلقاً رجلاً كان أو امرأةv([13]).

وقال السيد السبزواري في (مهذب الأحكام) تعليقاً على قول صاحب العروة المتقدم: bلسيرة المتشرعة، وانصراف الأدلة عن المرأة، مع ذكر الرجل في بعضها.

ودعوى أن قيام السيرة على الرجوع إلى الرجال، إنما هو لعدم وجود امرأة مجتهدة جامعة للشرائط من كل جهة، لا أنه مع وجودها لا يرجع إليها، وأن الانصراف بدوي لا اعتبار به كما ثبت في محله، وأن ذكر الرجل إنما هو من باب المثال لا التخصيص كما هو الأغلب.

مردوده بأن المستفاد من السيرة قيامها على اعتبار الرجولية حتى مع وجود امرأة مجتهدة، كما هو المشاهد بين المتشرعة في عدم رجوعهم، إلى النساء مع وجود الرجال في أحكام الدين، والانصراف محاوري معتبر، ونعلم أن ذكر الرجل من باب التخصيص لا المثال، مع أنه وردت إطلاقات من الروايات على عدم الاعتماد عليهنّ، ويشهد له ما ورد من أنه: (ليس على النساء جمعة ولا جماعة ـ إلى أن قال B ـ ولا تولّى القضاء ولا تستشار) v ([14]).

وممن لم يذهب إلى القول باشتراط الرجولة في المفتي: السيد الحكيم والسيد رضا الصدر والسيد تقي الطباطبائي القمي.

ففي (المستمسك): bوأما اعتبار الرجولة: فهو أيضاً كسابقه عند العقلاء [يعني أن اشتراطها غير ظاهر عند العقلاء كالعدالة والإيمان]، وليس عليه دليل ظاهر غير دعوى انصراف إطلاقات الأدلة إلى الرجل، واختصاص بعضها به، لكن لو سلم فليس بحيث يصلح رادعاً عن بناء العقلاء، وكأنه لذلك أفتى بعض المحققين بجواز تقليد الأُنثى والخنثىv ([15]).

ويقول السيد رضا الصدر في كتابه (الاجتهاد والتقليد)، وهو في معرض تعداد شروط المفتي تحت عنوان (الرجولة): bقيل: باشتراط الرجولة في المفتي، لكن الإطلاقات وسيرة العقلاء حاكمتان بعدم اشتراطها فيه، وليس هناك ما يصلح لتقييد الإطلاقات، وللردع عن السيرة، (و) أما قوله B: (فانظروا إلى رجل منكم) فلا يصلح للتقييد، ولا الردع، لما عرفت في البحث عن اشتراط البلوغ (ويعني به قوله: لاحتمال كون التعبير بالرجل من باب المثال أو لكونه وارداً مورد الغالب)، ولعله لذلك قال بعض المحققين بجواز تقليد الأُنثى والخنثى.

ويشهد لعدم اشتراط الرجولة في المفتي صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبدالله B في حديث، قال: قلتُ له: إن معنا صبياً مولوداً فكيف نصنع به؟ فقال: مر أُمّه تلقى حميدة فتسألها كيف تصنع بصبيانها، فأتتها فسألتها كيف تصنع؟ فقالت: إذا كان يوم التروية فأحرموا عنه، وجرّدوه وغسّلوه كما يجرد المحرم، وقفوا به المواقف، فإذا كان يوم النحر فارموا عنه وأحلقوا رأسه، ثم زوروا به البيت، ومري الجارية أن تطوف به بالبيت، وبين الصفا والمروة.

فإن الظاهر منها الإرجاع إلى حميدة لأخذ الحكم لا لأخذ الحديث، كما أنها لم ترو حديثاً لزوجة ابن الحجاج، بل أخبرتها بالحكم، وبما يجب أن تصنعه في حج ولدها، والإخبار بالحكم عن مثلها ليس إلاّ الإفتاء.

ويشهد لعدم اعتبار الرجولة في المفتي اتفاق أهل السنة على جواز تقليد المرأة، فإنهم يعدّون عائشة أُم المؤمنين من المفتين.

وهذا الاتفاق كان بمرأى من الأئمة الطاهرين جميعاً، ولم يصدر عنهم تخطئة له، ولو صدر لوصل، وذلك يكشف عن إمضائهم لهv ([16]).

وقال السيد تقي الطباطبائي القمي في كتابه (مباني منهاج الصالحين) تعليقاً على قول أُستاذه السيد الخوئي في تعداده لشروط المفتي: (… والذكورة): bما يمكن أن يذكر في هذا المقام أُمور:

الأول: الإجماع، وإشكاله ظاهر.

الثاني: ما رواه أبو خديجة، بتقريب أن عنوان (الرجل) لا يصدق على غير المذكّر.

وفيه: أن الرواية واردة في القضاء، ومقامنا البحث عن الفتوى.

الثالث: ما رواه ابن حنظلة، وفيه: أن الرواية ضعيفة سنداً بـ(عمر)، مضافاً إلى أنها واردة في حكم القضاء فلا يرتبط بالمقام.

وفي المقام: روي مرسلاً، (عن عامر بن عبدالله بن جذاعة، قال: قلت لأبي عبدالله B: إمرأتي تقول بقول زرارة ومحمد بن مسلم في الاستطاعة، وترى رأيهما، فقال: ما للنساء وللرأي)، وهذه الرواية ساقطة سنداً، فإن عامراً لم يوثّق.

الوجه الثالث: ما أفاده سيدنا الأُستاذ، وملخصه: أنه فُهم من مذاق الشرع أن اللازم على المرأة الاستتار، ولم يرض الشارع بتصدي المرأة للأُمور العامة وإدراتها، وهذا رادع عن السيرة الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم.

وهذا الوجه لا يرجع إلى محصل، وأنه أخص من المدَّعى، فإن جواز تقليد المرأة لا يستلزم تصديها للأُمور العامة، وبين المقام وبينه بون بعيد، إذ يمكن أن تكون امرأة مجتهدة متسترة في كمال التستر، والجاهل يعمل بآرائها لا سيما إذا كان المراجع امرأة مثلها، كما يجوز إمامتها للنساءv ([17]).

والآن ـ وبعد نَقْلِنا لهذه النصوص الفقهية بكاملها ـ لنحاول أن نستخلص ونلخص، ثم نحاول إلقاء الضوء عليها نقداً واختياراً.

إن خلاصة ما استدلَّ به المانعون من تولّي المرأة منصب المرجعية وتصدّيها للإفتاء، هو:

ـ الإجماع.

ورُدَّ بأن الكاشف منه غير موجود، والمدركي ليس بحجة.

ـ مشهورة أبي خديجة.

وموضع الاستدلال فيها، هو قول الإمام B: (ولكن انظروا إلى رجل منكم..) بدعوى أن كلمة (رجل) في المشهورة لم ترد بعنوان المثال، وإنما بعنوان التخصيص، فتقيد الإطلاقات الواردة في المقام.

ورُدَّ هذا الاستدلال بأن كلمة (رجل) ـ هنا ـ استعملت مثالاً؛ لأن الغالب في المفتين أن يكونوا من الرجال، وبأن المشهورة جاءت في موضوع القضاء، فلا نظر فيها إلى مقام الإفتاء، ولا تشمله إلاّ بقياس الأولوية، وهو غير تام هنا.

ـ مقبولة عمر بن حن


بغية الرَّاغبين في سلسلة آل شرف الدِّين كتابة تاريخ الأجيال / تعدُّد النَّوع ووحدة الوظيفةالإصلاحيَّة

5 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

هدف الدراسة

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم معرفة بكتاب "بغية الرَّاغبين في سلسلة آل شرف الدِّين"([1]) بوصفه كتاباً يتضمن كتابةً مختلفةً متميِّزةً، تتنوع بين الترجمة والسيرة والتاريخ السياسي والأدبي والعمراني، وتهدف، بمختلف هذه الأنواع، إلى أداء وظيفة اجتماعيَّة واحدة إصلاحيَّة، سوف نحاول تبيّنها بعد قليل.

في الكتابة والرؤية الناظمة

تؤدَّى هذه الكتابة بلغة أدبيَّة متميِّزة تتيح لها أن تنهض بأداء تلك الوظيفة من طريق إبلاغ المتلقي الرسالة التي تحملها في مناخٍ من المتعة الأدبيَّة.

ويبدو أن المؤلف كان يدرك تنوّع كتابته، فوضع لكتابه عنواناً ثانوياً هو: «تاريخ أجيال في تاريخ رجال، كتاب نسب وتاريخ وتراجم»، كما أنه يحدد هدفه من وضع هذا الكتاب، فيقول: "وضعته أداءً لحقوق الآباء والأرحام، وشكراً لجهودهم في دين الإسلام، ودلالة للخلف على جادة السلف، ليعرفوها، وإرشاداً للأبناء إلى سبيل الآباء ليقتفوها، فإن فعلوا ذلك فقد حفظوا جدودهم (حظوظهم) وإلاَّ فليضرعوا خدودهم. وأعيذهم بالله أن ينقضوا محكم بنائهم، أو يسلكوا غير سبيل آبائهم: >ومن يشاقق الرَّسول من بعدما تبيَّن له الهدى، ويتَّبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولَّى<" (1/9).

 

فالهدف المحدَّد هو أن يتبع الخلف «سبيل المؤمنين» المتمثِّل في جادَّة السلف، فيكون هؤلاء، في تراجمهم وسيرهم وتاريخهم، قدوة تقتدى وتخلَّد طوال الزمن، ولعلَّ هذا ما يشير إليه الاستخدام اللغوي، اختيار «سلسلة»، و«تاريخ أجيال»، فكل جيل حلقة في سلسلة تمتد إلى ما شاء الله…

 

وإن كنا لاحظنا جماليَّة الاستخدام اللغوي في عبارة العنوان الثاني، فإننا نلاحظ جماليَّة هذا الاستخدام في الفقرة التي اقتبسناها، وتتمثل هذه الجمالية في خصائص، منها: المعجم اللغوي السهل، بنية العبارة البسيطة المتينة في آن، توازن العبارات وتقابلها، في نسق يقترب بها من الشعر، الإيقاع الناظم للتوازن المتمثل بتكرار الأصوات، وتنوّع الخطاب بين خبر وشرط، وخبر يخرج إلى معنى استحالة ألاَّ يسلكوا الجادَّة المعنية، ويستشهد على ذلك بآية كريمة تؤكد ما يذهب إليه، وتضع المتلقي أمام مسؤوليته بعدما تبيَّن له الهدى، ما يعني أن هذا الكتاب هو سعي في تبيين الهدى، ونهوض بالواجب، فما ينظم هذه الكتابة هو هذه الرؤية المتمثلة ببيان الهدى، وتحديد سبيل المؤمنين، إنها – أي هذه الرؤية – المبدأ/القانون الذي يحكم تشكل بنية هذا الكتاب ونظام علاقات مكوِّناته.

 

وهكذا نرى أن اللغة توظف، أيضاً، في سبيل أداء هذه المهمة بنجاح، فتكون هذه الكتابة أدبيَّة أيضاً في الوقت نفسه الذي تكون فيه أداة إيصال ترجمة أو سيرة أو تاريخ…

في الهدف/الوظيفة

ويصرِّح المؤلِّف، في غير موضع من كتابه، بالهدف من كتابته، فعلاوة على ما سبق ، نذكر بعض النماذج الأخرى على سبيل المثال فحسب:

 

- من المعروف أن العلماء الكبار المتفرّغين للفقه والفتوى… كانوا يربأون بأنفسهم وأوقاتهم عن الشعر ونظمه، وقد سمَّى الشيخ عبد الحسين صادق ديوانه الكبير المتضمِّن شعراً جيداً «سقط المتاع». يقول المؤلِّف عن مراسلات الأخوين السيدين صالح ومحمد: «وشعرهما يدل على أنهما كسائر من قصر أوقاته على العلم ممن يربأ بنفسه وأوقاته عن القريض ونظمه…».

 

ويقول عن شعر السيِّد صدر الدين: "وكان يرتجل الشعر ارتجالاً ويقتضبه اقتضاباً، ولا يسهر عليه جفناً، ولا يكدّ فيه طبعاً، ولا يثبته في ديوان»، ويعلِّق في الهامش: "وقد ضاع شعره في إيران ضيعة البدر في ليالي الشتاء".

 

ثم يورد أبياتاً للسيد صالح، ويقول بعد ذلك: "وما كنت لأورد هذه الأبيات لولا أنها تمثِّل حناناً يوجب على أولاد هذين السيدين وأحفادهما أن يتبادلوه بينهم في كل خلف" (1/144 و145 و160).

 

وعندما يتحدَّث عن السيد إسماعيل يروي بعض نوادر كان السيد يحدِّث بها أولاده، ويقول: «وكان سيدنا الفقيد يحدِّث أولاده بأمثال هذه النوادر عنه وعن غيره تهذيباً لهم وإرشاداً إلى مكارم الأخلاق، وأن العلم والفضل والانتساب إلى الأكابر وشرف العائلة لا ينبغي أن يكون سبب غرور الرجل وتكبّره وترفّعه، بل الواجب أنه كلما ارتفع رتبةً عند الناس وخصَّه الله بفضيلةٍ ازداد تواضعاً، وأن خير معرّف للرجل بين الناس فضله وعلمه وتقواه، وأن الرجل يلزم أن يكون صادقاً في توكله، ثابتاً في عزمه غير متلوِّن" (1/211).

 

وهذه، كما يبدو، كتابة في الأخلاق، تضاف إلى ما سبق ذكره من أنواع الكتابة، ما يعني أن هذا الكتاب، كما سبق أن قلنا، يتضمن أنواعاً كثيرة من الكتابة الهادفة إلى أداء وظيفة واحدة سبق أن ذكرناها.

في مادَّة الكتابة ومصادرها

وإن تكن هذه الكتابة تصدر عن رؤية معيَّنة، فإن مادَّتها الأوليَّة مأخوذة من مصادر موثوقة، ما يعني أن هذه المادة نفسها، في الأساس، أو في طبيعتها، تمثِّل تلك الجادَّة/سبيل الله، ومن هذه المصادر نذكر:

 

1 – أحاديث وأخبار شفويَّة عن والده وجدّه وخاله وابن عمِّه.

 

2 – مجاميع تضمَّنت تراجم لرجالات آل شرف الدين ومنَجَزات عائلية.

3 – مخطوطات لمؤرِّخين عامليين.

4 – قصائد تضمَّنت معلومات أو مقولات أو دلالات يمكن الإفادة منها (1/ج).

 

ويبدو أن المؤلف كان يجيد استقراء النصوص الشعرية، والإفادة منها، ومن نماذج ذلك نقدِّم، على سبيل المثال، ما يقوله عن نكبة عاملة أيَّام الجزار، ومحنة الشيخ إبراهيم يحيى آنذاك، يقول: «يفهم ذلك من لاميته العصماء، وهي تربو على مئة بيت شكا فيها ضرَّه ومحنته في تشريده، متذمِّراً من سوء حاله في بعلبك ومتشوِّقاً إلى أهليه، ومما جاء فيها مخاطباً لهم:

 

سقـى الله مغناكم وجاد بلادكـم

 

من الغيث محلول النطاق هطول…».

 

وإذ يستقرئ الشعر، يشرح ويعلِّق، ويؤرِّخ للشاعر، ويختار نماذج من شعره تنتظم في المحور المركزي/الهدف أو الوظيفة، ما سبق أن ذكرنا، ومنها خطاب الشيخ في قصيدته هذه لولي الأمر وصاحب العصر (عجَّل الله فرجه):

 

فيا ابن الإمام العسكـري إلـى متـى
… تلاف الهـدى والدِّين قبل تلافـه
… أقـل،
يا وقـاك الله، عثرة عامل
… لعمـري لقد شـدَّ البلاء عقالـه
ولولا رجـاء الرَّيِّ مـنك لعـمَّهـم

 

يـرجِّيك جيل فـي الزمان فجيل
فأنـت طبيب الدين، وهـو عليل
وسكَّانـها، إن الكريـم مـقـيل
عليهـم، فنـدَّت عند ذاك عقـول
وهم روضـة الدِّين الحنيف ذبول.

 

وإن يكن هذا الصَّنيع تأريخاً للشعر، فإن في الاختيار نفسه ما يدل على تذوّق مرهف للجمالية الشعريّة، متمثلة، في هذه الأبيات، على سبيل المثال، في ثنائيات التناظر والتضاد: تلاف = تلافه، عقاله # عقول، الرَّي = روضة # ذبول، والتكرار الصوتي القاف الدال، وتكرار الألفاظ، والمجاز وتنوّع الخطاب الخ… وهذا يعني أنَّ المؤلِّف يمتلك كفاءة المؤرِّخ والناقد المتذوِّق، القادر على اختيار ما تتوافر فيه الصفتان: الجمالية الشعرية، والدلالة المنتظمة في المحور المركزي.

في الكاتب وتميّزه

تحتاج إجادة هذه الكتابة إلى كاتب مختلف غير عادي، إمام في مختلف هذه المجالات، والسيِّد عبد الحسين شرف الدِّين، بشهادة عارفيه، وقارئي مؤلفاته، هو هذا الكاتب الإمام، فقد كان كما هو معروف «إماماً في اللغة وعلوم العربيَّة وآدابها والمنطق والتاريخ والحديث والتفسير والرجال والرواية…»، علاوة على «أن أسلوبه يكاد يكون نسيج وحده» (1/و)، ويتساءل المحقق آقابزرك الطهراني، في سياق ترجمته له فيقول: «أهو مجتهد فاضل، أم متكلِّم بارع، أم فيلسوف محقق، أم أصولي ضليع، أم مفسِّر كبير، أم محدث صدوق، أم مؤرخ ثبت، أم خطيب مصقع، أم باحث ناقد، أم أديب كبير؟» (2/602).

 

وقد وظَّف هذه القدرات جميعها في مسار تحقيق الهدف الذي حدَّده، فاتخذ موقعاً في النهضة الإصلاحية الإسلامية يتحدَّث عنه الأستاذ محمد علي قاسم فيقول: إنه ثالث ثلاثة، «فهو يلي في نهجه الإصلاحي ودعوته البنَّاءة، جمال الدِّين الأفغاني وتلميذه مفتي الديار المصرية محمد عبده…» (1/ب).

في المنهجية

تقتضي هذه الكتابة استخدام منهجية قوامها: أولاً طيّ التفاصيل وإيثار الإيجاز، ومما يقوله في هذا الصدد: «نطوي التفاصيل كما طويناها في ما سبق من كلامنا إيثاراً للإيجاز الذي إن تعدَّيناه تجاوزنا إلى تاريخ العراق في هذه الفترة، وهذا ليس موضوع الكتاب» (1/376)، وثانياً، التركيز على موضوع القول، كما يفيد ما اقتبسناه، وإن كان من استطراد إلى قضية ما ينتهي إليها الكلام فيلمّ بها إلماماً، ومما يقوله في هذا الصَّدد: «لما انتهى بنا الكلام إلى الحياة العلميَّة رأينا أن من المناسب أن نلمّ بها في سبيل الاختصار، كما هو الشأن في كل ما يذكر مستطرداً» (2/78). وثالثاً، الإعراض عن التفاصيل الشخصيَّة والتركيز على موضوع الحديث، فلدى زيارته إلى دمشق للقاء الملك فيصل لقي من الاهتمام ما يكتب "في تاريخ مذهَّب مجنَّح"، لكنه لم يكتب هذا، وقال: "لنا في دمشق ذكريات زهر، لو كان غيري رجلها لنشرت صحفها، وفصَّلت مواقفها في تاريخ مذهَّب مجنَّح، ولكني أعرض عن التفاصيل وأطويها في جمل تنسجم وهذا النسق المتواضع» (2/157)، ورابعاً، تسجيل الحقائق، وإن بدا منها ما هو خارق للعادة يفسِّره، ومن نماذج ذلك نذكر أنه لدى ترجمته للسيد صدر الدين ابن السيد صالح سجَّل أنَّ هذا السيِّد كان إذا زاره زائر من البلاد العامليَّة يكلمه بمصطلح أهل تلك البلاد لا يخرم ألفاظهم ولا لهجتهم، ولا تفوته أمثالهم السائرة في محاوراتهم، شأن الألمعي من أهل عرفهم الخاص الواقف على جلائل أمورهم ودقائقها، كأنه لم يفارق جبل عامل وأهله منذ استهلَّ حتى اكتهل، علماً أنه غادر تلك البلاد وهو في السادسة من عمره، ثمَّ لم يرجع إليها حتى لحق بربه، وهذه خصيصة تكاد تلحق بخوارق العادات». وإذ يسجل هذه الخصيصة ويتبيَّن طبيعتها: «تكاد تلحق بخوارق العادات»، يستدرك فيذكر مصدر معلوماته المتمثِّل بالسيد هادي وهو ابن أخي السيد صدر الدين، وبالسيد محمد هاشم الموسوي الأصفهاني وهو صهر للسيِّد، ثم يفسِّر هذه الخصيصة بأن السيد أخذ عن والديه كثيراً، ثم إنه كان يأنس بالعامليين فيسعى إلى لقائهم والأخذ عنهم، علاوة على أخذه من السيد قاسم عباس الموسوي نزيله وتلميذه…، وإذ يذكر السبب يقول: "وبهذه التقريبات تخرج هذه الخصيصة عن خوارق العادات» (1/148). وخامساً، الموضوعية، وإعطاء ذوي الحقوق حقوقهم، فلدى حديثه عن السيد محسن الأمين، يقول: «علاّمتنا الحجة الكبير السيد محسن الأمين قدس سره" (1/15)، ما يدلّ على أنَّ الكلام الذي يُقال عن خلاف بين العالمين الكبيرين، إن صحّ، ليس له أي تأثير لا على موضوعيَّة البحث ولا على الموقف، وهذه هي أخلاق العلماء والباحثين. وسادساً، الانطلاق من مبادئ في التاريخ للرجال والأحداث، فلدى ترجمته للسيد حسن بن السيد الهادي، يتحدَّث عن أستاذه الميرزا محمد حسن الشيرازي، فيبدأ القول بـ«هو الإمام المجدِّد…»، ويعلِّق في الهامش بأن المعروف بين المسلمين أن الله عزَّ وجلَّ يقيِّض لهذا الدِّين على رأس كل مئة سنة من يجدِّده ويحفظه، ويستشهد بالحديث الشريف الذي ينصُّ على ذلك، ويحقِّقه، ثم يذكر ما يثبت رأيه فيذكر المجدِّدين، على رأس كل مئة سنة، في التاريخ الإسلامي (1/302 و303).

 

إن علماء المنهج والمنهجيَّة يعودون في ما يعودون إليه، ليضعوا مبادئهم وإجراءاتهم، إلى إنجازات العلماء الكبار، وها نحن نتبيَّن، هنا، منهجيَّة لهذا النوع من الكتابة الذي صنَّفناه تحت عنوان: «الكتابة – تاريخ الأجيال: تعدد النوع ووحدة الوظيفة».

القائد الأنموذج

وإن تكن أولى مهمَّات هذه الكتابة أن تتبيَّن الجادَّة/ سبيل المؤمنين، فإن أهم ما ينبغي إنجازه في هذا المجال هو تبيّن صورة من يخطّ هذه الجادّة ويمضي في سبيلها، ويكون قائداً يتَّبع. يتبيَّن السيد عبد الحسين شرف الدين صورة هذا القائد مجسَّدة عملياً في نماذج كثيرة من الذين يترجم لهم، ومن هؤلاء، على سبيل المثال، السيد محمد بن الحسن بن الهادي الصَّدر، إذ رأى أن للقيادة صورة مؤتلفة في روحه وبدنه وشخصيته، وتتمثَّل هذه الصورة ليس في البطولة والبسالة فحسب، وإنما في صفات أخرى أيضاً، ومنها، أولاً، أن القائد ينبغي أن يكون مؤمناً، وأن يجاهد عن عقيدة وإخلاص، وثانياً، أن يكون مفكِّراً حكيماً، واسع العقل بعيد الغور يقلِّب الأمور بطناً لظهر، وثالثاً، أن يدلي بالرأي ويشاور ثم يتخذ القرار، ورابعاً، أن يمضي بعزم إلى تنفيذ القرار بعد أن يُتَّخذ من دون وهن ولا عناء، وخامساً، أن يندفع بنفسه في الميدان، ينهد في الرعيل الأول، وسادساً، أن تكون مواقفه وحدةً وأن يكون موقفه عنواناً لهذه الوحدة…، وبعد أن يتبيَّن السيِّد هذه الصفات يقول: «… ولعلَّ لهذه الخصائص ترجع زعامته، وبهذا تفسَّر شعبيته» (1/364 و365).

 

وفي أنموذج آخر هو أنموذج العالِم المتفرِّغ للعلم، هو أخوه السيد شريف، يتبع الطريقة المتبعة في تراجم الرجال، فيذكر نسبه ومكانته العلميَّة وأخلاقه، ومولده وتحصيله وأساتيذه ومشايخه وشهادات العلماء فيه ومؤلفاته وشعره ووفاته، ومرضه ووصيته وفرحته عند لقاء الله تعالى ومآتمه ومراثيه، وهذه ترجمة وافية، جاءت كما يقتضي علم التراجم أن تجيء، ولكن ما تتميز به ترجمة السيد شرف الدين، علاوة على ما سبق ذكره، أولاً، التقاط تفاصيل تمثل "صورة بارزةً عن قداسة أولئك الصفوة الهداة، وعن شعورهم بالواجب تجاه خالقهم وإخوانهم"، فالسيد شريف، كان يأتي زميله وصديقه السيد حسن محمود الأمين، بعد أن أصيب بالحمى، وفقد الشعور والإدراك ونسي كل شيء حتى الصلاة وأفعالها وأقوالها، في أوقات الصلاة، ويجلس إلى جانبه، ويقول له: قل وافعل كما أقول وأفعل (2/12)، وثانياً، التركيز على ما يتميَّز به المُترجم له، فإن كان السيد محمد الحسن الصدر قد تميَّز بالقيادة/الزعامة وتوافرت له شروطها، فإن السيد شريف تميَّز بالانصراف إلى العلم، والعمل، ينفق أوقاته عليهما «ويخلي ذرعه على التبحُّر في الفقه والأصول، وكان يكره الشهرة والظهور، كما أشار إليه بعض الأفاضل في رثائه؛ حيث يقول:

 

ولديك أسـرار كتـمـت بيانـهـا
وعُلاك، لو رمت الظهور بها اختفت

 

وهـي الحقـيـقـة لـو أذاع الكاتـمُ
تحت الشعاع من الرِّجال عمائم (2/15)

 
السيرة الذَّاتيَّة

ولعلَّ الأنموذج الأبرز هو «السيرة الذاتية»، في هذا الكتاب، والسِّيرة كما نعلم أنواع، وقد اقتضت طبيعة الكتابة التي تحدَّثنا عنها أن تكون سيرة السيد الذاتية في هذا الكتاب مزيجاً من الترجمة الذاتية، والسيرة المقالة؛ إذ لم يعن السيِّد بسرد تفاصيل وقائع حياته اليوميَّة، كما لم يهتم بوصف الأمكنة والأشياء والناس، وصفاً مفصَّلاً، وإنما اختار مراحل بارزة من حياته، وتحدَّث عنها كأنه يتحدَّث في قضيَّة من القضايا التي يعالجها عادةً، ومن أبرز هذه المراحل: مولده، نشأته، طفولته، دراسته، مشايخه والآخذون عنه، وإجازاته ومؤلفاته وعودته إلى عاملة، ومقاومته للاستعمار: مؤتمر الحجير، التشرّد والنفي، العودة والمشاريع الإصلاحية والتربوية التي نفَّذها، حجّه، زيارته ومشاهده… وتتخلل ذلك استطرادات عن الحياة العلميَّة، وتاريخ جبل عامل إبَّان مواجهة الاستعمار الفرنسي.

 

والتقنيَّة الأكثر استخداماً في السَّرد هي تقنية التلخيص التي تلائم هذا النوع من الكتابة، ومن نماذج استخدامها على سبيل المثال نذكر: "أقمنا بين ظهرانيهم سنة واحدة، فكانت أجزل أيامنا فائدة، وأتمها عائدة، وأرجاها منفعة، قرأت فيها "شرح اللمعة" في الفقه، و"مباحث الألفاظ" من "فصول الأصول" (2/67).

 

وتبدو، في هذه المراحل، إشارات دالَّة على طبيعة الجادَّة – النهج التي تحدَّثنا عنها آنفاً، ومن نماذج ذلك نذكر على سبيل المثال فحسب:

 

لدى الحديث عن تربيته في المرحلة الأولى من عمره يقول متمثِّلاً:

 
لا عـذَّب الله أمِّـي أنـها  شربـت
 

حبَّ الوصـيِّ وغـذَّتنيه في اللَّبن (2/63)

 

ولدى الحديث عن لقائه بخاله العلاَّمة السيد محمد حسين، يذكر أن هذا العالم كان يبكي فرحاً بلقاء الأحبَّة، متمثلاً:

 
هجم السرور عليَّ حتـى أنَّه
 
من فرط ما قد سرَّني أبكاني (2/66)
 

وهذا يدل على طبيعة العلاقات العائلية، ورقَّة عاطفة هذا العالم الجليل، الحازم.

 

ولدى حديثه عن الأب الرحيم، المدرِّس الناجح، يقدِّم صورة فريدة عن العلاقة بين الأب وابنه من نحو أول، وبين المدرِّس وتلميذه من نحوٍ ثان (تراجع: 2/64 و65). ثم لدى حديثه عن العلاقة بالأب في ما بعد، يقول: إن والده أجمع على رجوعه من العراق، «ولم يكن لنا بد من النجوع لأمره» (2/104)، وعندما عاد إلى شحور كان في خدمته، عملاً بما أدَّب الله به عباده.

 

كما يقدِّم الصورة نفسها للأم الحنون العاقلة المدبِّرة المترفِّعة…، وعن الزوجة يقول: «كانت من خيرة الفاطميات في كل أمر يعلو به شأن الخفرات من حيث الدِّين ومن حيث الدنيا ومن كل جهة» (2/65).

 

أما العلماء الذين تلقَّى العلم على أيديهم فهم:

 

علمـاء أئـمـة حكمـاء

 
يهتدي النجم باتباع هداها (2/73).
 

ويقرّ بفضل جدِّه السيد الهادي وخاله الحسن والسيد إسماعيل الصدر، ليس على المستوى العلمي فحسب، وإنما على المستوى التربوي أيضاً فيقول: «ولهم في تربيتي والهيمنة عليَّ – في ما آتاهم الله من علم وحلم وحكمة – أساليب حملوني بها على طريقتهم المثلى، وضربت على قالبهم، واستفدت من جلواتهم، وخلواتهم، ومن مظان الفراغ من أوقاتهم أضعاف ما استفدته من سائر دروسي…» (2/77).

 

ولعلَّ هذا ما قصدناه عندما تحدَّثنا عن الجادَّة – سبيل المؤمنين، وهي هنا الطريقة المثلى التي يضرب المرء على قالبها وأساليبها، ومن مظاهر هذه الطريقة المثلى أنه قال لمدير مكتب الملك فيصل، عندما أراد أن يعطيه مالاً: "إننا لم نثر من أجله، في سبيل المال، وإنما هي عقيدة درج عليها كل شيعي منذ عهد الإمام عليB".

في التاريخ الثقافي

وفي ثنايا هذه السيرة الذاتيَّة، كما في ثنايا التراجم، نجد تاريخاً ثقافياً إن صحَّت التسمية، ونعني به التاريخ الذي يشمل ليس تاريخ الأحداث السياسية فحسب، وإنما الأحداث الأخرى أيضاً، ومنها: العلمية، والتربوية، والأدبيَّة والعمرانيَّة وهو في ذلك يسعى إلى تحقيق الهدف نفسه الذي ذكر أنه وضع كتابه من أجله، وفي ما يأتي نقدِّم نماذج دالَّة.

الحياة العلميَّة

يبدأ الكلام على الحياة العلميَّة بالقول: إنَّ سلطان العلوم الإسلاميَّة كان مشيَّد الأركان رفيع البنيان، وكانت دولتها مزدهرة وعواصمها مثابة للناس وأمناً… ينفر إليها من كلِّ فرقةٍ طائفة ترى في العلوم الدينية وما إليها غاية من أسمى الغايات، ولهذا احتشدت الجامعات بأمم من الطلاَّب تختلف أشكالهم ولغاتهم وأعراقهم، وتتّحد مبادئهم وأغراضهم. وهذا هو المبدأ الأساس الذي تبينَّاه في كتابه، وهو التنوّع والوحدة في آن. ثم يقول: إن هؤلاء الطلاب كانوا مؤمنين مخلصين…، وكان الانتخاب من بينهم طبيعياً، فيتم اختيار من كان أقوى على المصلحة وأرضى بالعبء وأدنى إلى الكفاية الجامعة لشروط الفضل والبر والتقوى وصدق النظر، وإذا اختار هذا الانتخاب العادل فرداً من ذلك المجموع الصالح كله للقيادة أذعن الجميع راضين محبورين، وآثر المختار سواه، وأشفق ألاَّ يكون قادراً على النهوض بالمهمة كما يجب، فالجميع «يستشرفون في الزعامة مركز المصلحة لا مصلحة المركز، ويستقبلون قيادة الكرسي لا كرسي القيادة»، وهذا، كما يضيف، هو سرّ النهضة العلميَّة، وما يؤسف له هو أن شبحاً كريهاً يحاول أن يقبض على تلك الأحلام المحقّقة ليخنقها، وما يضاعف الأسف أنه شاهد تلك الدولة إبان عظمتها… (راجع: 2/78)، فما يريده السيِّد هو أن تعود دولة العلوم الإسلاميَّة، لتتحقق النهضة بتحقّق سرّها.

 

وفي موضع آخر يتحدَّث عن أهمية العلم ورؤية الإسلام إليه، فيستشهد بالآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبويَّة الشريفة التي تدلّ على أنه ليس من دين يفهم من أسرار العلم ما يفهمه الإسلام الحنيف (راجع: 2/120 و121). ويرى أن الغرب دهمنا بخيله ورجاله، فاستحوذ علينا دخولاً في مدارسه وإصغاءً في وساوسه، فاندفعنا نزج بأفلاذ أكبادنا إلى أحضانه حتى إذا خرج الفوج الأول من شبَّان الجيل المأمول علمنا أن الخسارة أكبر من الرِّبح والإثم أكبر من المنفعة،… وفي سبيل تحصيل علم يرجع لنا اليقظة التي بُني عليها تاريخنا المجيد، وفي مصارعة هذا التيَّار أوحى إليه الواجب الديني أن يقوم بتأسيس المدرسة الجعفريَّة على الشرط الذي كان يفكِّر فيه من بعيد…،

طرائق تدريس: التعلُّم الذاتي

ويمكن أن نجد، في كلامه على طرائق التدريس، قراءةً على والده (2/64) ومباحثةً في الحوزة العلميَّة (2/71) ما يقدِّم وثيقة تاريخيَّة تربويَّة، من نحوٍ أول، وطرائق يمكن أن تتم الاستفادة منها من نحوٍ ثانٍ، ذلك أننا نجد في هذه الطرائق عناصر ممَّا يسمَّى اليوم «التعلُّم الذاتي»، فقد كان الطالب، على سبيل المثال، يعود إلى كتب النحو ليعرف إعراب العبارة وتفسيرها قبل الدرس كل يوم، وكان يعود إلى القاموس ليشرح غريب أبيات الشعر التي يحفظها، هذا على مستوى المرحلة الأساسيَّة في التعليم، أما في المراحل الأخرى، فقد كان الأستاذ الشيخ يستفزّ الطالب إلى إعمال النَّظر في معضلات المسائل؛ حيث تختلف أنظار العلماء، ويدفعه إلى مناقشة حجته ومعارضتها…، وهذه الطرائق سوى التلقين، ويمكن لنا أن نفيد منها، ما يعني ضرورة العودة إلى تاريخنا التربوي لنفيد منه لا أن نكتفي بما يقدَّم لنا جاهزاً، فنقبل عليه مستهلكين.

 

ما علينا فعله هو أن نعود إلى تراثنا ونعرفه، ثم نعرف ما يفِد إلينا، ونرى إلى حاجاتنا، ونصوغ، من ثمّ، ما ينهض بأداء هذه الحاجات وفاقاً لمنظور تكوّنه منظومتنا التربوية التي أسهم السيد شرف الدين وأمثاله في وضع أسسها، انطلاقاً من الرؤية الإسلامية الشاملة.

في الشِّعر

في الكتاب مختارات شعريَّة كثيرة، وقد مرَّ بنا أن السيِّد كان يجيد الاختيار، ويمكن أن نتبيَّن طريقته في الاختيار من تعليق له على الشعر الذي كان يتبادله الأخوان السيد صالح والسيد محمد شرف الدين في رسائلهما، يقول في هذا الصدد: «غير أن نظمهما لم يكن مما يجب أن يؤثر في شرع الأدب، ولذا ضربنا عنه صفحاً، على أنه لم يكن منحطاً عن أكثر ما أنشىء من الشعر في ذلك العصر» (1/446). ففي هذا القول: أولاً حكم على مستوى المراسلات الشعريَّة المتبادلة بين الأخوين بأنها نظم لا يؤثر في شرع الأدب، وثانياً حكم على ما كان يتم تداوله في ذلك العصر من نظم تحت اسم الشعر، فهو أكثر رداءة من النظم الذي ضرب عنه صفحاً، والسيّد هنا يبدو مؤرخ شعرٍ يستند في تأريخه إلى النقد الأدبي، وعلى أساس هذا النقد يختار ما يتضمّنه كتابه، واللافت في اختياره، وكنا قد تحدَّثنا عن أنموذج في ما سبق، تنوّع المختارات، بين شعر سهلٍ تفرضه أهمية الموضوع والشهرة كقول السيد صدر الدين ابن السيد إسماعيل ابن السيد صدر الدين بمناسبة هدم مقام أئمة البقيع F من قِبَل الوهَّابيين:

 

لعمـري إنَّ فاجعـة البقيـع
وسوف تكون فاتحة الرزايـا
فهل مـن سلمٍ لله يـرعـى

 

يشيـب لهولها فـود الرضيع
إذا لم نصحُ مـن هذا الهجوع
حـقـوق نبيِّـه الهادي الشفيع

 

وشعرٍ تُميِّزه الصناعة الفنيَّة، كهذا الأنموذج من الشعر المشجَّر الذي يُقرأ على تسعة عشر شكلاً تبدأ كلها بالكلمة نفسها وتشترك مع سواها في عدد من كلمات البيت، (1/246)

 

وشعر يمكن أن يُعدّ وثيقة تاريخية، فهو يقول مسوِّغاً إثبات رسالة الشيخ محمد علي مروة التي يعزِّيه فيها بوفاة والدته، والمتضمِّنة قصيدة طويلة: "نكتفي بإثباتهما لأنهما تصوّران تلك المرحلة من تاريخ البلاد"؛ إذ إن القصيدة تذكر ما حدث للسيِّد عندما فاجأه رجال الأمن العام في دارته يريدون تفتيشها بزعم أن فيها ما يعارض سياسة المستعمرين، وقد صوَّب أحدهم، وهو ابن الحلاَّج، مسدَّسه نحوه، فركله برجله ثم ضربه بحذائه، ففرَّ هو وأصحابه، وكان أن ارتاعت والدته بوقوع هذه الحادثة وقضت نحبها بعدها بيومين، ومما جاء في هذه القصيدة:

 

مـصـعِّـد حقد الغـيِّ للرُّشـد صـوَّبـا
…فأوهمها أن ابـنـها فـخـر هـاشـم
…متـى كان نبـح الكلب للبدر …لدينك أرخصـت الغوالـي
فأرخصـت ضـائـراً
ومـن يـك داعـي الحق داعيه لم يـكـن

 

رمى الدِّين سهماً قوَّض الصَّون والخب([2])
يُـقـاد حـاشـا أن يـقـادَ مـلـبَّـبـا
إذا مـا بدا يجلو عن الأفـق غـيـهـبا
سفـيـه بنـي الحلاّج
([3])مـع من تحزَّبا
فـرنـسا لك الغالـي، ويأبـى لك الإبـا
لـخـالـقـه إلاَّ العـزيـز المـقـرَّبـا

 

وشعر تقتضي ذكره أصول الترجمة، ومنه مختارات للمترجَم له، ومختارات ممَّا قيل في مدحه وتأبينه ورثائه.

 

وهكذا، كما يبدو، يتضمن هذا الكتاب من الشعر ما يجعله مصدراً من مصادره على مستويي التأريخ له وتدوين نماذج مختارة من نصوصه.

في التاريخ السياسي

يؤرِّخ السيِّد للكثير من الأحداث السياسيَّة في سياق ترجمته لهذا العلم أو ذاك، فالحدث التاريخي يقتضيه السياق المعني، وليس أي أمر آخر، ولمَّا كان أصحاب التراجم ينتمون إلى عدَّة بلدان كانت الأحداث التي تضمّنها هذا الكتاب تنتمي إلى تاريخ هذه البلدان، ومنها: لبنان والعراق وإيران.

في لبنان

نجد، في هذا الكتاب، تأريخاً لثلاثة أحداث بالغة الأهمية في تاريخ جبل عامل (لبنان الجنوبي في التَّسمية الحديثة) أولها نكبة الجزَّار، وثانيها النهوض بمدينة صور، وثالثها مقاومة الاحتلال الفرنسي.

 

ففي ما يتعلَّق بنكبة الجزَّار يجمل السيِّد الحديث عنها تحت عنوان: "مجمل الفتن" (1/131 – 135). ويلاحظ في إجماله أولاً اعتماده العرض المركَّز، وثانياً ذكر التواريخ بدقَّة، وتحقيق المختلف فيه منها، مثل تاريخ وقعة شحور، فيذكر أنها كانت يوم الثلاثاء الثالث عشر من رجب سنة 1198هـ، ويضيف ما قيل من أنها كانت سنة 1197هـ، ويعلِّق في الهامش مؤكداً صحة القول الأول، مؤيداً ما يذهب إليه بأقوال عدد من المؤرخين، ويحيل إلى مؤلفاتهم، وثالثاً بيان الأسباب التي جعلت كلاً من ناصيف النصَّار وحمزة بن محمد النصَّار يُقدِم على قتال الجزّار، وهو يعرف نتائج المعركة، ففي ما يتعلق بناصيف يقول: «وكان جيش الجزّار أكثر عدداً ومدداً وأوفر عتاداً، لكن ناصيفاً لم يكن لينكل عن خطته ولا لتثبط عقله، وقد عصفت في رأسه النخوة فأخذته حمية الإسلام وحفيظة العرب»، وفي ما يتعلق بحمزة يقول: إن الظالم أمعن في بغيه وطغيانه في استئصال شأفة الشيعة، فآثر الثائر الموت في مناجزته، فثار عليه برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهكذا كما يبدو، فإن الدافع لدى الرجلين هو حمية الإسلام وحفيظة العرب ومقاومة الظالم الذي يريد استئصال شأفة الشيعة، وهذا هو شأن الرجال الذين يريد السيد أن يُقتدى بهم، ورابعاً، ملاحظة أن الجزار ركَّز على استئصال الزعماء ونهب المكتبات وإحراقها، وهذا هو الهدف الحقيقي لهجمة الجزار، إنه يريد الناس قطعاناً جاهلة، وما كان هذا ليتم في عاملة، فقد لجَّ الظالم في غوايته، فقتل وشرَّد وهجَّر ودمَّر…، فقاوم الناس، ثم عادوا وأعادوا بناء قراهم وحراثة حقولهم وإعمار مدارسهم ومكتباتهم، وهذه الدورة تكاد تكون سنَّة في عاملة تتكرر على مدار تاريخها، وخامساً، إثبات بعض الوقائع التاريخية، وإن كان بعض المؤرخين ينكرها، والمعني، هنا، ممالأة العامليين لنابليون الذي حاصر عكا سنة 1212هـ، ظناً منهم أنه سينتصر، فيتم الخلاص من عسف الجزار (1/135)، وسادساً، الاستطراد إلى التأريخ الشِّعري، فيذكر ممن امتحن الله قلوبهم في تلك المحن الشيخ إبراهيم يحيى، ويستشهد بنماذج من شعره أملتها تلك الأحداث، ثم يذكر نماذج من شعره، وينتهي إلى القول: «وهذا القدر من أقواله كافٍ لتصوير صبره على تلك المحن، وتوكله فيها على الله تعالى"، فكأن ما ذكر من أقوال الشيخ كان من أجل بيان صبره على المكاره وتوكله على الله، وهو ليس فرداً في هذا، فرجالات عاملة قاتلوا وضحّوا وصبروا، ومنهم السيد صالح الذي جاء هذا البحث كله في سياق ترجمته، إذ هُجِّر ونُهب بيته وأُحرق، وفيه مكتبته، ثم قُتِل ابنه هبة الله أمامه، وسُجن في عكا مع من اعتُقل من العلماء والرؤساء، نحواً من تسعة أشهر، ثم تسنَّى له الفرار هو والشيخ سليمان بن معتوق العاملي من السجن والهرب إلى العراق سنة 1199هـ، ويفسِّر السيِّد توفقهما إلى ذلك بقوله: إنَّ الله عزَّ وجلَّ فرَّج عنهما بتضرعهما وابتهالهما إليه بدعاء الطائر الروحي الذي يرويه السيد ابن طاوس في كتابه «مهج الدعوات» (1/134).

 

وفي ما يتعلَّق بالنهوض بمدينة صور يتحدث عن تجربته الشخصيَّة، فيعرض ما كان عليه واقع هذه المدينة، فيقول: «… لا جامع لنا، ولا مجمع، ولا جماعة، ولا جمعية، ولا جمعة، ولا عيد، ولا أذان، ولا عنوان، ولا مدرسة، ولا، ولا، يدخل الأجنبي صور، وهي عنوان الإمامية في البلاد العامليَّة، فلا يحسّ منهم بأحد، ولا يسمع لهم ركزاً، يراهم – وهم الأكثرية – في معزل عن المسجد الحافل بغيرهم من المسلمين…»، ويذكر أنه تحدَّث إلى وجوه القوم في هذا الأمر واستصرخهم برفق، ثم يتحدث عن الصعوبات التي واجهها، وأبرزها من المتنفّذين والمتزعّمين، وقد مُني منهم «بخبط وشماس وتلوّن واعتراض»، ثم يعرض مسار سعيه في تحقيق النهوض بالمدينة…، وفي هذا تأريخ يصوِّر، أولاً ما كان عليه واقع مدينة صور، وهو يمثِّل أنموذجاً لما كان عليه واقع عاملة من تردٍّ ومن إرادة متزعِّميه على إبقائه في هذا التردِّي…، وثانياً السعي إلى تغيير هذا الواقع على الرغم من العراقيل التي يضعها هؤلاء المتزعِّمون. وفي هذا حثٌّ على المضي في سبيل النهوض بالبلاد مهما كانت الصِّعاب.

 

وفي ما يتعلق بمقاومة الاحتلال الفرنسي، يعرض السيِّد تجربته الشخصيَّة في مواجهة أحداث المرحلة التاريخيَّة الحاسمة التي ابتدأت بالحرب العالمية الأولى وانتهت بإعلان استقلال لبنان، مروراً بعهد الحكومة العربيَّة فزمن الاحتلال الفرنسي ومقاومته.

 

إبَّان نشوب الحرب العالميَّة الأولى عرف جبل عامل محناً كثيرة، منها: التجنيد، السُّخرة، الاضطهاد، الفقر، الجوع، المرض، الوباء…، ويعبِّر السيِّد عن موقفه في هذه الآونة، فيقول: «ولكن ما كان لنا ولسائر المخلصين للدِّين والقوميَّة والوطنيَّة أن نستكين…» (2/147). من سنن «تاريخ الأجيال» الذي تخطّه هذه الكتابة «لا استكانة في مواجهة القوَّة» أيّاً تكن. وعندما هزمت الدولة العثمانيَّة، وتبيَّنت أهداف الحلفاء، بدأت مقاومة مشروع الاستعمار، وفُوِّض السيّد والشيخ حسين مغنيَّة بتمثيل عاملة أمام لجنة الاستفتاء الأميركيَّة، وكان القرار الذي تبلور هو «الوحدة السوريَّة المستقلَّة، بحكومتها الدستورية اللامركزية، وأن يكون على رأسها الأمير فيصل ملكاً»، ورفض «أن يكون لأية دولة أجنبيَّة يدٌ في حكم، أو دخل في انتداب، ولا سيما الحكم الافرنسي»، وطلب «مساعدة أميركا لكونها دولة غنية قوية، بعيدة [آنذئذٍ] عن مطامع الاستعمار» (2/148 و149).

 

على أثر هذا الموقف ازداد الطين بلَّة مع الفرنسيِّين، وبدأت المواجهة، بالبرقيات والعرائض وإذاعة التصريحات، ثم وقعت حادثة ابن الحلاج المعروفة، وقد مرَّ ذكرها،…، ولم تلبث الثورة أن قامت نتيجة هذه الأجواء، وسعى الفرنسيون إلى إثارة فتنة طائفية، فسلَّحوا المسيحيين والمسلمين، وكان لا بد من اتخاذ موقف حاسم ولا سيما من الزعماء السياسيين، فأرسل زعماء الثورة العربية من عشائر الفضل إلى كامل الأسعد يخيّرونه بين أمرين: إما أن ينضم إليهم أو أن يكون هدفاً لحربهم، فأجاب الأسعد بأنه لا يستطيع التفرّد بالرأي ولا بد من المشورة، وتمَّ بعد التداول مع العلماء والأعيان أن يعقد مؤتمر في وادي الحجير وعقد المؤتمر يوم السبت 5 شعبان سنة 1338هـ، الموافق 24 نيسان سنة 1920م، (راجع: 2/153 و2/439 و440). أسهب المؤرخون في الكلام على مؤتمر الحجير، ونكتفي هنا بذكر مقرَّراته، وهي:

 

1 – تأييد مقرَّرات المؤتمر السوري في رفض تقسيم سوريا والانتداب الفرنسي، وإعلان الدولة العربيَّة في سوريا، وتتويج فيصل ملكاً عليها.

 

2 – انضمام جبل عامل للدولة العربيَّة (الوحدة السورية) ومبايعة الملك فيصل على تطهير البلاد من الاحتلال الفرنسي.

 

3 – المحافظة على النصارى وحقوقهم وحلف اليمين على ذلك.

 

4 – تفويض العلماء السيد عبد الحسين شرف الدين والسيد محسن الأمين والسيد عبد الحسين نور الدين بالبحث في مصير الجبل مع جلالة الملك فيصل في الشام.

 

ويلاحظ أن الوثيقة التي يثبتها محقِّق الكتاب عن مقررات المؤتمر تختلف عما ذكره السيد في أمرين: أولهما تقول الوثيقة: إنَّ المؤتمر فوَّض السيدين شرف الدين ونور الدين و«زعيم جبل عامل كامل الأسعد» (2/441)، في حين يقول السيد شرف الدين أن الاجتماع تمخَّض «عن تفويض الأخوين العلامتين السيد محسن الأمين والسيد عبد الحسين نور الدين (1/153)، وثانيهما أن الوثيقة تذكر أن مهمة الوفد تتمثَّل في «تمثيل البلاد لدى الملك فيصل ومفاوضته في موضوع تنفيذ هذا المقرر…»، في حين يذكر السيد أن المهمة كانت البحث في مصير الجبل، وفرقٌ بين المهمتين كبير، فالسيِّد يرى أن المهمة تتمثَّل في البحث في مصير الجبل الذي لم يحدَّد بعد، وليس في موضوع تنفيذ المقرَّرات.

 

يجمل السيِّد ما حدث بعد ذلك، من لقاء الملك فيصل، واشتعال الثورة في جبل عامل، وإخفاقها، ونفيه وعودته، واحتفالات بهذه العودة خلَّدها الشعر، ويسوِّغ تدوينه للشعر بحجَّة تصدر عن الرؤية التي تتبين موقع أي نشاط إنساني، ومنه الشعر، ودوره في البنية الاجتماعية، يتحدث السيد عن هذا الأمر فيقول: «وكنت أؤثر أن أتجاوز هذا كله لولا أن يفرض ذكره الوفاء لتلك العواطف والمكافأة عليها بتخليده إرثاً أتركه، لا أترك سواه لعقبي وبلدي، فإن فيه من تاريخ هذه المرحلة من مراحل الجبل صفحة جهاد غرّاء تنضم إلى صفحات هذا الجبل الجياد، وتثبت استمراره حرَّاً تتحرك في صدور أبنائه عوامل الخير طامحة إلى وجود أفضل" (2/171).

 

ومن نماذج الشعر الذي قيل فيه، ويبيِّن أن النهضة التي قادها هي نهضة الدين نقرأ للشيخ محمد حسين شمس الدين:

 

…عـلـم الإله بأن نهضتـه
لـو لـم يكن هو روح عاملة


الخمار ليس إسلامياً

2 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

مقدمة المترجّم:

 
مٌنذ سنوات، أٌثيرت القضية المفتعلة حول ارتداء الحجاب أو الخمار في الدول العلمانية، والتي بعض سكانها يدينون بالإسلام، وهناك من هي إسلامية بالكامل. ولكي لا نتطرق إلى الحالات التي أثير حولها جدال كبير،  فإنه يمكننا على سبيل المثال، ذكر الزوبعة أو ما يسمى بالأزمة السياسية التي اندلعت في البرلمان التركي ، عندما حضرت إحدى الأعضاء التي تنتمي إلى حزب الزعيم الإسلامي،  نجم الدين اربكان (رحمه الله) ، حيث كان محل متابعة من طرف المتشددين العلمانيين في الجيش التركي ، إلى أن جاءت أزمة أخرى في نفس البلد،  وحدثت أثناء حفل استقبال على شرف المسؤولين الكبار في الدولة والعسكريين وأعضاء الحكومة برئيسها الحالي رجب طيب اردوغان ، إذ ، حضرت زوجات بعض أعضاء الحكومة وهن يرتدين الحجاب فقام عدد كبير من المسؤولين وضباط الجيش بمقاطعة الحفل ، ونال الموضوع حقه في الصحف الداخلية والعالمية لعدة أيام ، وكادت القضية تتطور إلى أن تصبح قضية دولة .
هذا عن ما جرى في ذلك البلد العلماني ، حيث لا يختلف الحال الكثير في فرنسا انطلاقا من حادثة الفتاتين من أصل مغاربي ، عندما تعرضتا إلى طرد من طرف مدير الثانوية بسبب ارتدائهما الحجاب ، فتناولت الصحف الفرنسية خاصة الموضوع وتباينت الآراء بين رافض للقرار باعتباره يدخل في الحريات الشخصية والعقائدية ، وأن كل جالية لها الحق في ممارسة ديانتها وطقوسها الموروثة عن البلد الأم ، وبين مؤيد له باعتبار ذلك مخالف للتنظيمات والقوانين المعمول بها في هذا المجال،  وأنه سوف يؤثر على أبنائهم خوفا من الدين الإسلامي ، بالنظر إلى الذين اعتنقوه من الأروبين . وفي تلك الأثناء ، ظهرت الأزمة في مصر إبان عهد مبارك ، عند صحفيات التلفزيون حيث قامت وزارة الإعلام بمنعهن من الظهور على الشاشة مرتديات للحجاب وبقيّن في صراع مع المسؤولين وصادف ذلك أن اقتنعت  الصحفية الجزائرية خديجة بن قنة  بعد زواجها ، والعاملة في قناة الجزيرة الفضائية حيث حلّت على المشاهدين بحجاب شرعي ، وهذا ما شحذ همّم الصحفيات المصريات على مواصلة المعركة والتحدي لأن الجزيرة ليست قناة عادية ويحسب لها ألف حساب من طرف الغرب ، و ظلت القضية في مد وجزر إلى أن إنتصرن بعد سقوط نظام مبارك .
يضاف إلى هذا ، قضية طرد الطالبات الكويتيات لإصرارهن على ارتداء الحجاب في مؤسستهن بالكويت حيث عرفت الحادثة اهتماما كبيرا خصوصا من جانب البرلمانيين الإسلاميين هناك ، أما المثال الأخير الذي يصٌب في نفس الموضوع ، هو منع تلك الأستاذة الجامعية في اسطنبول من الترشح بسبب عدم نزعها للخمار، فقامت بحملة جمع توقيعات لدعم موقفها.
إنها حوادث متفرقة حول موضوع واحد غير عادي لأنه يتعلق بالمعتقد والجميع يعلم أن المساس بالديانة لا يسكت عنه عند أي طائفة ، وخير دليل على ذلك النداء الذي وجهته الكنائس الفرنسية إلى الرئيس السابق جاك شيراك مطالبين إياه بالتدخل، وأن يتحمل مسؤوليته التاريخية بعدم تأييد الأصوات المنادية بمنع ارتداء الحجاب في الأماكن العمومية والمدارس، ومن خلال هذه المقدمة الطويلة نوعا ما ، أود أن الفت انتباه القارئ الكريم أن ما جاء في المقدمة لا يلزم كاتب موضوع،
 le foulard n'est pas musulman ، وأن ما سيأتي هو ترجمة لموضوعه ، حيث أردت من خلال عرضه تقديم وجهة نظر الكاتب الذي قام بمقارنة بين ما ورد في الإنجيل وما تناوله القرآن الكريم وبعض الكتب السماوية الأخرى ، والقوانين فيما يخص ارتداء الحجاب ، حيث يقول في البداية : (إن إلزامية تغطية المرأة لشعرها قد أشير لها بأكثر من 1700 سنة ، قبل محمد ، ويقصد النبي صلى الله عليه وسلم ) وهذا عن طريق القوانين الآشورية التي أصدرها الملك (تقلاث فتا أزار الأول) ،(1074-1112 ) قبل المسيح عليه السلام ، والتي تنص على:  (إن النساء المتزوجات واللّواتي يخرجن إلى الشارع لا يكشّفن عن رؤوسهن وبنات الرجال الأحرار يغطين رؤوسهن .. أما المرأة العاهرة فهي التي لا تغطي رأسها وبذلك يكون شعرها مكشوفا) .
ولقد طٌبّقت عقوبات صارمة على الذين خالفوا هذا النص ، لأن ارتداء غطاء الرأس هو إجباري وامتياز بالنسبة للمرأة المحترمة ، والتي يجب أن تغطي رأسها ، والتي لا تقوم بغير ذلك،  فتعتبر من العاهرات أو العبيد وهي بما يسمى بالمرأة العمومية .  
إن هذه الإجراءات والقوانين ليس لها علاقة بالدين وهي تٌسوّي بين شرك الآشوريين وإيمان إسرائيل بإله واحد،  فاستنادا إلى الإنجيل (فأن تكون المرأة عارية أو شعرها غير مغطى هو نفس الشيء)، حيث يقول النبي عيسى – عليه السلام- (اكشفوا عن شعوركن ، شمّروا فساتينكن ، اكشفن عن سيقانكن) (إصحاح 2.47) قالها من أجل اهانة مدينة بابل الملعونة والتي ترمز إلى المرأة التي تعيش حياة سيئة .
إن الشابة المخطوبة النزيهة هي التي تٌقّدم لخطيبها مغطاة الرأس،  وهو ما جاء في نشيد الأناشيد (إصحاح 3.4) (عيناك حمائم عبر خمارك) ، هذا الخمار يجب أن يكون غير شفاف ، إذا حكمنا عليه بالحادث العارض الذي تعرضه له النبي يعقوب – عليه السلام-  حيث اكتشف ذات صباح في ليلة عرسه، أن المرأة التي وعدوه بها (رشال) غٌيّرت بـ "ليّا" وهي الأقل جمالا والأكبر سنّا (سفر التكوين / الباب 29) .
إن كل النّساء الشابات الصغار في الشرق الأدنى القديم ، يرتدين حجاب يغطي بدرجة أكثر أو أقل حسب المنطقة ، ومريم (يقصد السيدة مريم عليها السلام) ، أمّ عيسى (سيدنا عيسى عليه السلام) لا تقوم بكل تأكيد بالاستثناء عن هذا الاستعمال والذي أعطاه القديس (بول) صفة مزدوجة لاحترام ديني واختلافات جنسية (كل رجل يرجو أو يتبنى بأن الرأس المغطاة ، تكون اهانه إلى قائده ، لكن كل امرأة ترجو أو تتبنى بأن الرأس العارية تكون اهانه إلى القائد ، أي كما لو أنها مٌحلّقة لشعرها ، وأي امرأة لا تحمل الخمار عليها أن تقص شعرها ، لكن من العار على المرأة أن تحلق شعرها أو تقصه ، فلترتدي الخمار) المذهب الكورتثني باليونان (1.corinthien11.5)
فالحوّاريون هنا يركزون كثيرا على معرفة القائد وغطاء الرأس كاتجاه مزدوج للكلمة اليونانية kephalé) )، تعيينا لرأس جسم الإنسان وللجسم الاجتماعي .
هذا النص الغامض بقدر كبير ، هو في الأصل ضرورة اكتشاف الرجال للكنيسة ، حينئذ فليضعوا الطاقية kippa) la ) في المعابد من أجل وضع حدود بينهم وبين الرّب ، مظهرين أن ليس لهم رأس مليئة بالتكبّر والعكس بالعكس ، وإجبار النساء على تغطية رؤوسهن في الكنيسة . وقد لوحظ حتى في الفترة الحالية ونٌصّح بوضع الخمار كبير أسود اللون عند استقبال الأسقف .
ففي دولة الكامرون حيث توجد لغة دوالا (douala) ، ترجمنا كلمة الدين بالمنديل الصغير (petit fichu) ebassi أو ، لأن في القرن الماضي،  طلب مبعوث البابا من النساء وضع الخمار على الرؤوس قبل دخولهم الى المعبد .
لقد جاء الشرح والتفصيل في القرآن أكثر من الإنجيل ، حيث يأمر النساء بارتداء الحجاب ، لكي يتجنبن إثارة الرجال (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)، (وليضربن بخمورهن على جيوبهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) .
(السورة 62. آية 30) .
فقط العبيد المخصيين (المعفيين من الرغبة) و الأطفال الصغار (غير البالغين)،  الذين لا ينجذبون لحميمية النساء ، هؤلاء يمكنهم النظر إلى النساء بدون حجاب في بيوتهم ، غير أن القرآن لم يقل شيئا فيما يخص المواصفات المضبوطة لهذا الحجاب ، والذي كان في وقت الرسول (صلى الله عليه وسلم) متنوع ويأخذ عدة أشكال محلية تغطي على الأقل الوجه والنظر .
وفي رواية أكثر سرّية ، إن الفتاة لا تغطي إلا الشعر ، وهذا الخمار لا يتميز إلا باللّون الأسود لشابات الرومان ، وتمهيدا للزواج ، تقوم الشابة بوضع الخمار للتمكن من الزواج أي كأهلية للزواج .
فكلمة (nuage) الغيّم الذي يحجب الشمس،  والكلمات الفرنسية (nubile)، (nuageux) ، (noce) تأتي من النفس الجذور (الهندو أروبي) ، وتعني فكرة الإخفاء ، ونفس الشيء كانت تقوم به الكاهنة فستا Vesta()،  حيث إرتدت الخمار .
من جهة أخرى يعتبر الكاتب تارتليان : ( إن الفتاة بدون خمار، تعني فتاة لم تعد عذراء ) .
وتعدد المسيحية هذا التقليد مع لبس رداء للمتدينات الكاثوليك أو الأرتودكس والبروتستانت ، فرداء المتدينة والمتداول ، أصبح حينئذ رمز عرس مجازي بين الفتاة والمسيح .
إنه في نفس الوقت الذي أصبحت فيه المتدّينات قلائل،  والمتناولات السرّية ، اكتشفت فيه البلدان الغرب أن الخمار يوجد في الأحياء الكبيرة والمدارس،  وهي فضاءات فيها علامات التدّين بالضبط ، كما يقوم رمضان مكان الصوم الكبير أو الصوم الاربعيني .
وأن الرداء المسمى إسلامي ، يملأ الفراغ في الحي اللائكي ، لكن العلامات المذهبية والعقائدية لا يمكن أن تقتل الروح الملائكية ، وأن العادات القديمة لثلاثة آلاف سنة مضت ، لا تستطيع أن تبقى للأبد عند العائلات إلا العامة ، إذا أرادوا دمج القوانين الآشورية في حرياتنا ، ومع الحظ  فإن ارتداء الخمار ، لا يعني إلا عددا قليلا من التلميذات والطالبات .
إذن ، فإن طريق الحوار هي الأكثر توافقا من أجل أن لا يكون انتباه يؤثر على لباسهن ، وقد يكون مستحيل لفرض الاستعمالات الآشورية في أروبا العصرية على أن نٌحوّل المراهقات إلى شهيدات .
لأن الخمار (عبارة من المؤكد أن أصلها غير عربي)، وربما هي عبارة إسلامية بالمعنى الحقيقي للمطالبة ، غير أنه ليس للديانة الإسلامية وحدها . انتهت الترجمة الكاملة للموضوع.
 
وفي الأخير يظهر للقارئ الكريم،  أن الخمار أو الحجاب يعتبر عند الغرب من المسائل الجوهرية حيث يعتبرون المرأة بدون خمار ، امرأة عمومية أي غير محترمة ، اذا ما لطفنا العبارة ، فهذا خير رد على المتشبهات بالغرب من أمثال تلك المغتربة الجزائرية التي كتبت مؤخرا ، تقول أن الحجاب عبارة عن سجن من قماش ؟؟ على هذه النوعية من المشتبهات بالغرب والغرب يرفضهن  ويعتبرهن دخيلات إلى يوم الدين ، مهما مكثن في أحضانه ، ولا هن بالمنتميات للمجتمع الاسلامي الذي خرجن منه ، عليهن الإختيار وأن يعلمن هذا جيدا،  فإما أن يخترن الرجوع  الى ما جاء في كتاب الله ، مادمن يقرّن بأنهن مسلمات ، أو ارتدائه حسب معتقدات الاخرين ، مادمنا يقلدن إلى يوم الدين ، فليتسع صدرهن لذلك ، و ماهي الا نصيحة بدون التدخل في الخصوصيات ، مع احترامي لكل من لا تلبس الحجاب.

قيم العقل المعرفي الإسلامي وخيار العنف السياسي

2 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

التصور المركزي للبحث:

لكل أُمة تطلع إلى مشروع حضاري، يخرج مجتمعاتها من وضع اختلال التوازن القيمي إلى وضع التوازن بين عوامل الارتقاء الذاتي وعوامل الدفاع عن الوجود؛ بحيث ينشط هذا التوازن في عالم التطبيق([1])، ولكل مشروع حضاري أيّا كانت طبيعته وسماته جذر معرفي متراكم، وإن تفاوت عمقه التاريخي، ومتى كان الجذر أقدم كان أكثر تركزاً. فللصيرورة التاريخية للمعرفة التي تتحول إلى عقل قابل للنقد والمساءلة آثارها التي تنتجها أحداث تاريخية متلاحقة ومستمرة، تعمل في خياراتنا المعاصرة، وترسم مواقفنا إزاء الأحداث والأفكار والمفاهيم، وتوجه أعمالنا الفردية والمؤسساتية([2]).

ويتشكل العقل المعرفي من المعتقدات والتشريعات والأعراف والتقاليد والقيم المتوارثة؛ ليكون بمجموعه معياراً للتفهم المعاصر، وأساساً للخطاب السياسي والحضاري، وخلفية للاختيار بين بدائل الموقف إزاء موضوع واحد([3]).

ويُعدّ الدين من أبرز عوامل تشكيل العقل المعرفي، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط؛ لأنّ الإسلام هو المكون الأساس لثافة شعوبه حتى لغير المعتنقين لـه؛ لأنه صاغ المناخ الثقافي، وأوجد مساحة للتمازج والتعايش بين ثقافته وثقافة وعقائد المنتمين إلى غير دين الإسلام([4]).

لا يعزى التشكل السالب ـ فيما أعتقد ـ إلى أساسيات الإسلام أو نصوصه الرئيسة الأُولى، إنما إلى قراءات الفقهاء والمنظرين والمفكرين لتلك النصوص، ففي طول تاريخ تكوّن الثقافة المبتنية على أساس تلك النصوص الأُولى، تأسست مدارس واجتهادات ونـزعات فكرية وتوجهات وتيارات. ويُعدّ أمراً طبيعياً أن نصاً شمولياً مطلقاً من محددات الزمن والمكان والمستويات الحضارية والبيئية مثل النص القرآني أن يُقرأ قراءات متعددة، وتتناولـه اجتهادات متعددة، لا سيما وقد مرّ عليه زمن طويل تجاوز الخمسة عشر قرناً.

وعلى ما تقدم فلا يختلف إثنان في مكونات هذا الواقع المعرفي أو في مسبباته، ولا يختلف أحد في أن القضية في (قراءات الإسلام) التي أنتجتها ظروف التلقي لـه من جراء عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية، بيد أنّ إشكالية البحث تدور حول أن هذه القراءات هي التي أنتجت عقلاً معرفياً قد أصبح فيما بعد المنظور والزاوية التي تحدد اختيار الموقف، فبقدر ما تكون القراءة برهانية موضوعية إيجابية منفتحة يكون الموقف المختار مثلـها، وبقدر ما تكون انغلاقية منكفئة تتوهم احتكار الحقيقة والصحة يكون الموقف من جنسها، ولعل سؤالاً يرد هنا: لماذا الإسلام والشرق الأوسط؟

المبحث الأول: الإسلام والشرق الأوسط وخيار العنف السياسي

هل تعني هذه الثنائية أن الإسلام ثقافة تولد الإرهاب؟

أقول: كلا، لا جنسية للإرهاب والعنف السياسي والعقائدي ولا دين لـه. نعم، للإرهاب ثقافة ربما تتصل بالدين تأخذ منه مشروعيته([5])، إلاّ أن الواقع الحالي وطبيعة مسارات الصراع بين (مجتمعات الشرق الأوسط) وهيمنات الدول الغربية والنادي الديمقراطي المسيحي، يفرض تحديداً للبحث نضعه بالسياق الآتي:

إن الطبيعة الدينية للإسلام طبيعة ممتزجة، غير قابلة للفصل في مكوناتها العقائدية والتشريعية والأخلاقية، فهو المعادل لوجود الإنسان بكل مسارات حركته ووجوده، وهو الذي يمنح التصور الكوني، ويضع نظرية تفصيلية ومحددة في التكليف بشكل شامل لأنماط السلوك.

وفي الإسلام هرم معياري ضابط ومنضبط، بعكس المسيحية ذات الأُفق الاعتقادي ـ على الأقل في أزماننا المعاصرة ـ دون التشريعي. أما اليهودية فهي دين ذو نـزعة لا يلتفت فيه إلى صحة اعتقاد من كانت أُمّه يهودية، ثم هو دين يدعو إلى تحقيق سيادة اليهود على العالم كلـه بالوسائل كافة، أما الاتجاهات الفكرية العلمانية فهي تهمل الجوانب الاعتقادية الكونية، وتركز على (قوانين المجتمع المدني)، بلا تقييد لحرية المعتقد والدين.

فالإسلام إذن، يختلف تماماً في تأثيره على صنع الإنسان؛ لأنه يرتبط به ارتباطاً صارماً لا مجال عنده لاتخاذ موقف دون العودة إلى موازينه وأُصولـه، وحيث أن موازينه وأُصولـه لم تبق في حدود النصوص الأُولى المؤسِّسة، إنما تجاوزتها إلى نصوص اجتهد الإنسان فيها على أساس من تلك الأُصول الأُولى، فألحقها التاريخ بالنصوص المؤسِّسة، فصارت منظومة معرفية ثم تحولت إلى عقل معرفي ثم قيم معيارية تكمن وراء كل تصرف، ومنها ممارسة العنف السياسي والعقائدي.

وهنا نتساءل:

ما صلة القيم المنتزعة من التراث والدافعة للعنف؟

الجواب: هناك صراع تاريخي بين مصالح الغرب وحقوق مجتمعات الشرق الأوسط، متى تم التحسس بالخطورة عليها، استعان الشرقي بقيمه وقراءاته التراثية لكي يكوّن شرعية للمواجهة([6])، ولعل هذه مقدمة (هي المدخل الأول) للإجابة عن: (لماذا الإسلام والشرق الأوسط)؟

فالصراع التاريخي على الموارد والنفوذ وطرق التجارة شكل تحدّياً مزدوجاً، زاده تزاحم وتدافع بين نظرية التبشير المسيحي، ونظرية الدعوة إلى الإسلام، فأوجد تعارضاً فيما بينهما (الغرب والشرق). وعلى تخوم أُوربا الجنوبية وتخوم العالم الإسلامي الشمالية نشأ تلاقح واحتكاك، أثّر في قراءة كل دين لنوع العلاقة مع الدين الآخر من الناحيتين الفلسفية والاستراتيجية، أي النفوذ والـهيمنة السيادية. فتنامى شكل العلاقة على اتجاهين: الأول (المواجهة الفكرية)، والثاني (المواجهة لأجل مدّ النفوذ على حساب الآخر). ولم ينشأ تطلّع أو نـزوع نحو علاقة تكامل وتعاون وحوار وإنهاء الـهيمنات.

فقد ظهرت المنافسات السياسية الحادة من فتح القسطنطينية، وظهرت في شكل الدعوة للسيطرة على القدس التي تطلبت السيطرة على بلاد الشام تحت دعوى حماية المسيحيين من إكراهات المسلمين، وظهرت استثمارات القوة في منتصف القرن التاسع عشر، والقرن العشرين، مما سمّي بالاستعمار الغربي للعالم الإسلامي. الـهدف منه نهب ثرواته إلى جانب ظهور عدد من الدراسات الاستشراقية لمهاجمة ثقافة المسلمين وعقيدتهم([7]). ثم ظهرت في شكل إقامة حكومات قطرية رافقت تجزئة وتفتيت العالم الإسلامي، وتم تنصيب حكومات تتخادم مع التطلعات الغربية، وهذا كلّه ولّد أصلاً علاقة صراعية تتصاعد باتجاه المواجهة الحادة والساخنة، والتي وجدت نفسها مضطرة لقراءة التراث الإسلامي من جديد؛ لاستنهاض أية دافعية تخدم تلك النوعية من المواجهة، التي بدأت في نهايات القرن العشرين تتلمس وسيلة للتغلب على صعوبات عدم التكافؤ بين القدرات الغربية، وقدرات المواجهة لدى شعوب الشرق للـهيمنة الغربية، فاختارت الإدارات الغربية استخدام القوة المفرطة والحروب المدمرة، بينما اختارت بعض أشكال (المقاومة الإسلامية) طريق القتل الجماعي مضطرة، مما سمّي مؤخراً بالإرهاب، الذي حاولت الولايات المتحدة الأمريكية نقلـه من الساحة الأمريكية ـ الأُوربية إلى مكافحته على أرضه، فاختارت افغانستان والعراق، وربما ستختار بلداناً أُخر ساحة لتصفية (قدراته) وتجفيف منابعه، وكلا المطلبين، أي مطلب تبدل السياسة الأُوربية ـ الغربية من سياسة العنف والقوة والنهب والاستغلال واحتكار التقنية([8])، ومطلب السياسة الجهادية السلفية لدى معتنقي نظرية الإسلام الجهادي في الشرق الأوسط، صعب.

فهل ستسهم بحوث وتأملات وأفكار ونظريات الحكماء من المفكرين إلى إبدال هذه الأنماط من العلاقات بين الشمال والجنوب وحضارتيهما؟

وهل يمكن فتح نافذة من النور أمام ايديولوجية يشترك الغرب والشرق في تبنيها من خلال مبدأ حوار الحضارات، ونقد تراث كل منهما لفتح الطريق أمام استراتيجيات جديدة تتطلع إلى مجتمع عالمي إنساني تربطه علاقة المصالحة والتعاون والتكافل؛ لمواجهة كوارث البيئة في أُوربا، والمجاعة في إفريقيا، والتخلف في آسيا، وتنتهي باعتمادها سلوكيات الاستباحة الغربية لمقدرات شعوب الشرق، وتحرّم استخدام القوة وأسلحة الدمار، كما تحرم سلوكيات القتل الجماعي العشوائي لأسباب سياسية وعقائدية، مقابل واقع بقاء العلاقة صراعية تغذي دوامة العنف والعنف المضاد، وبينهما ستضيع تنمية الإنسان وتقدمه، ويشيع الخوف والرعب، وينعدم الأمن الدولي؟

وسوف لن يكتب النصر الحاسم لأحد الطرفين طالما استطاع الإنسان ـ في الغرب والشرق ـ أن يستخدم التقنية استخداماً للموت وليس استخداماً للحياة والسلام، فهل من اكتشاف لقيم جديدة في ثنايا تراث أُوربا، وتراث الشرق معاً مما يحفز على الخير والتعاون وفتح الآفاق الإنسانية، والتعامل مع المصالح على موازين الحق والعدل الدولي بأُفق أرحب من الانكفاء العرقي أو الديني أو الجغرافي، أو الاستراتيجي؟

وهل من تجليات إنسانية لثقافة الأديان ونظريات فكر الإنسان بحيث توظف في هذا المجال للوصول إلى مجتمع عالمي معافى من الدمار والحروب والقتل والتجويع، (الذي عانى الشعب العراقي من نموذج قاسٍ منه والذي سمّي بالحصار الاقتصادي على الضحية دون الجاني؟

هل من سبيل للتنازع عن ايديولوجيات الإحباط، والقراءات المأزومة للمركّب (المصالح ـ الثقافة) الذي يفرض ثقافة من خلال إكراه السلاح أو يدافع عن عقيدة أو مصالح من خلال وسيلة الموت الجماعي غير المميز بين المذنب والبريء؟

هل ازدهار أُمة على حساب إفقار أُمة استراتيجية يُكتب لـها الديمومة؟

هل (نظرية) إصلاح الشرق الأوسط من الخارج وسيلة للمصالحة أو وسيلة للإخضاع؟

وهل في الإسلام نص أساسي يوّلد الإرهاب؟ أم القراءات الانكفائية لـه تولده لا سيما حين يتساند معه ظلم الدول الكبرى لشعوب الشرق الإسلامي الفقيرة، ثم ظلم الحكومات في بلدان العالم الإسلامي لشعوبها المضطهدة، واعتماد سياسات التعسف إزاء توجهات تراثية يتمثل ذلك بإبعاد وإقصاء التيارات الإسلامية حتى لو كانت معتدلة ومستنيرة وعقلانية؟

هل التخلف الاقتصادي والبطالة، والإثراء الـهائل لفئة قليل أو الإثراء الـهائل لدول الغرب على حساب اقتصاديات الشعوب المظلومة دافع لممارسة العنف في العالم الإسلامي؟

هل يحتاج العالم الإسلامي إلى تطوير اقتصادياته بالتعاون مع دول العالم المتقدم؛ لخلق دخول كافية تمنح من تداعيات الشعور بالإحباط، حتى يتساوى الموت والحياة، مما يشجع عل العمليات الانتحارية؟

هل يحتاج العالم الغربي لأن يتفهم أن الأمن الدولي أصبح مسؤولية مشتركة بين دول العالم وشعوبه؟

من هذا العرض يتبين أن الأسباب الدافعة لممارسة العنف السياسي والعقائدي في بلدان منطقة الشرق الأوسط هي:

1 ـ القراءات المتعصبة والانكفائية للإسلام، التي لبعضها ظروف وصيرورة تاريخية، ولبعضها الآخر إكراهات معاصرة.

2 ـ سياسات الغرب تجاه منطقة الشرق الأوسط، وممارسة الحروب والتدمير ضد بلدانهم، ونهب ثرواتهم، واحتكار التقنية عنهم.

3 ـ تخلف اقتصاديات الشرق الأوسط إلى جانب سوء التوزيع في بلدانهم، وثراء العالم الغربي على حساب حقوق الحياة عندهم.

4 ـ المساندة الدائمة والمطلقة من أمريكا والغرب للكيان الصهيوني رغم ممارساته الوحشية وجرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، والإعراض والتمرّد المستمر على الشرعية الدولية، وقرارات الأُمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية.

5 ـ دعم الغرب للحكومات المحلية المتخادمة مع السياسات الغربية، ودعم توجهاتها القمعية والإلغائية، ودعم ديكتاتوريات السلطة في بلدان العالم الإسلامي.

6 ـ الحرب الثقافية الغربية ضد الثقافة الإسلامية، واشتراك وسائل تشكيل الرأي العام بتشويه صورة المسلم في العقل الغربي. وتأسيس وتطوير الاغتراب الحضاري لدى أبناء شعوب الشرق الأوسط.

7 ـ تشجيع الغرب (لمجموعات متطرفة) لتنفيذ مآربها الآنية، مما يجعل هذه المجموعات تتقوى فتنقلب على سياسات الغرب فيما بعد. وكمثال على ذلك (مجموعات طالبان، ونظام صدام حسين الذي قام بدعمٍ محايد للغرب).

8 ـ عدم المساهمة في التنوير الموضوعي للإنسان المسلم؛ لخلق توجّهات منفتحة ومستنيرة.

وبعد استعراض أبرز الأسباب ستتناول هذه الورقة جزءاً من السبب الأول وتحليلاً وتأثيراً وإشكالية لـهذه الورقة.

المبحث الثاني: أُصول العقل المعرفي الإسلامي، النص القرآني وقراءات المفسرين

يشاطر الكثيرون من يرى أن العقل المعرفي العربي قد مرّ بمرحلتين، مرحلة ثقافة ما قبل الإسلام، ثم مرحلة الثقافة المؤسَّسة على النص القرآني، والأُولى فيما يعتقد الكثيرون لم تترك أثراً واضحاً لسبب بسيط هو احتواء الثانية للأُولى تصحيحاً أو إقراراً أو إلغاءً بحيث لم تعد واضحة الأثر.

أما الثانية، فإنها شكلت العقل المعرفي للمسلمين عرباً كانوا أو غير عرب على تفاوت في التمثل ونمط القراءة([9])، وهذه الثقافة لـها أُصول أساسية أولية، الأصل الرئيس فيها هو (النص القرآني الموحى به)، وهو نص نـزل خاتماً للنصوص السماوية ومعجزاً في صياغته، وجوهر إعجازه تعدد دلالاته بما يتوافق مع استمرارية الزمان وتعددية المكان (البيئات الحضارية) ومستوى الوعي البشري لحقائق الوجود، ويعتقد الكثيرون أن قضية المحكم والمتشابه([10]) إنما جاءت في النص؛ لكي يستمطر كل جيل من علماء الأُمة من النص الثابت في لفظه والمتعدد في دلالته ومضامينه الموقف من كل إشكالية تستجد في واقع مجتمع أو بيئة، وإمكان النص الذي تتعدّد فيه القراءات يجعل منه نصاً مفتوحاً على التأويل، وتتعدّد فيه الرؤى، وكل رؤية وتمثل وتأمل واستنتاج لـه جذره الذي يستند إليه، أي أنه يشتمل على قدر من المشروعية والمستند، ويبقى الحوار في مدى مقبولية الاستفادة التأويلية من النص([11]).

وحضارة ـ مثل حضارة المسلمين ـ تنعقد في أصلـها على نص مفتوح على التأويل توهم بأنها غير منضبطة، إلاّ أن الحق أنها أكثر ضبطاً من حضارة تقوم على أساس فكر بشري رائد متقدم على عصره، يلحق به سريعاً الجيل التالي فيتناول النص الأصلي المؤسِّس بالتحليل والتفكيك، حتى يصل به الحال في بعض الأحيان إلى مناقضة ذلك النص بالضد. أما النص الرّباني فيبقى دستوراً ثوابته (الآيات المحكمة)، وكل التأويلات تجري على أساسه ومعاييره، لذلك فإن الحضارة الإسلامية في أصلـها المؤسِّس تستند إلى (النص المنـزل) أكثر ضبطاً، ويلحق به مشكلاً العقل المعرفي النص المفسَّر للنص المؤسِّس، سواء كان من السنة (وهو أعلى مرتبة) من النص البشري، أو من (آراء المفسرين) والفقهاء والشرّاح والمتكلمين، وعموماً فالكل يسهم بدرجات في تشكيل العقل المعرفي الإسلامي.

ولو راجعنا النص القرآني نجد فيه عشرات النصوص التي تدعو إلى التعاون والتكافل بين البشر، وتحترم تلك النصوص وتقدس حق الحياة؛ لأنها هبة اللـه للبشر، وإلى جنبها نصوص تدعو للدفاع عن الحياة والإنسان والوجود العقائدي، وحرية العقيدة ومصالح الجماعة المنضوية تحت منظومة الاعتقاد، ولو نظرنا بطريقة متوازنة لكلا المجموعتين من النصوص، فلا نجد حاكمية من النمط الأول، أي (آيات التعاون بين البشر) على (الآيات الجهادية)، ولا نجد العكس، فلكل من الوقائع أحكام خاصة بها، إلاّ أن قراءات المفسرين أوجدت حاكمية الآيات الجهادية على آيات التعاون بين البشر.

فالمفسرون المنتمون إلى تموضع السلطة، والخاضعون لمقتضياتها ربطوا بين مصالح الدولة ومصالح العقيدة، أي أن كل تمرّد على الدولة أو إساءة لـها إساءة للعقيدة؛ لأن منطلقهم كان حماية السلطة أكثر من حماية العقيدة، وجعلوا الجهاد لأجل عقيدة الدولة أكثر مما هو رد للعدوان على مجتمع العقيدة.

بينما المفسرون المنتمون إلى (تموضع المعارضة) انطلقوا من التأكيد على حقوق الإنسان داخل الدولة أولاً، وهذا ألزمهم بالاعتراف بحقوق الإنسان مطلقاً، سواء المسلم أو غير المسلم؛ لذلك عاملوا آيات الجهاد على أساس أنه (قرار يتخذه حكماء يقدرون فيه ضرورة وأهدافه ووسائلـه)، وعليه فالجهاد تكليف جماعي عند الشيعة، وهو تشريع للأُمة وليس للأفراد، ولا يتخذ قرار الجهاد إلاّ بمراعاة مقاصد الشريعة (الأدلة العليا)، وحكمة التشريع، وحسابات الجدوى، وليس تطبيقاً تجزيئياً للنص([12]) خارج هذه المكملات الضرورية لحيثيات القرار.

والعقل الشيعي وإن لم يلج علم المقاصد ولوجاً عميقاً، إلاّ أنه جعل قضية الجهاد خاصة مرهونة بـ (حسابات القدرة والجدوى والـهدف البعيد والتداعيات)، واعتبره قرار الأُمة وليس قرار الأفراد؛ لكي لا يتخذ الفرد أو المجموعة قراراً دون مشورة حكماء الأُمة، ولا بد أن يجري تحت راية إمام شرعي لـه مؤسساته الدستورية، أما الدفاع الشرعي عن النفس أي ما يطلق عليه (بيضة الإسلام) فهذا لـه أحكامه الخاصة عند بعض فقهاء الشيعة، ويلحق بأحكام الجهاد عند غيرهم([13]). ووسائل الجهاد والدفاع عند الشيعة متعددة لا تنحصر بالقتال، فمنها المقاطعة الاقتصادية، ومنها الحث على قطع الصلات الدبلوماسية([14]).

ويرى مفسرو الشيعة أن قضية النسخ في القرآن قليلة جداً لا تتعدى آية أو آيتين([15])، في حين يصرّ المفسرون من باقي المذاهب على مقولة النسخ ويتوسعون فيه، وثمرة هذا الخلاف أن الآيات التي تؤكد على السلام والتعاون ادُّعي عليها النسخ، لإحباط أثرها على العقل المعرفي الإسلامي، وكمثال على ذلك، قولـه تعالى: >يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً<([16])، والأمر الربّاني للنبي 2 بقولـه تعالى: >وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لـها<([17])، وقولـه تعالى: >ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلـهم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ<([18])، وقولـه تعالى: >أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ<([19]). كل هذه الآيات ادُّعي عليها النسخ بآيات الجهاد والقتال، وفسروا قولـه تعالى: >يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللـه أَتْقَاكُمْ<([20]) بأنه التعارف، أي (معرفة الآخر) وليس التعامل (بالمعروف) الدالة عليه آخر جملة تأكيدية في الآية([21]). بل، إنّ أداة النفي وإلغاءه بالاستثناء المفيد للحصر في قولـه تعالى: >وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ<([22])، يؤكد على أن إرسال النبي كان لإشاعة أُخوة البشر، وتعاونهم بلا حصر بعقيدة أو عرق، وإلاّ فكيف تتحقق الرحمة من دون ذلك؟ وكيف تفهم لفظة (العالمين) إذا كان المسلمون جزءاً من (المجموع البشري) الذي يشاركنا الأرض والبيئة؟

لذلك حرّم القرآن الكريم إفساد الأرض والإساءة إلى البيئة الطبيعية والبشرية فقال: >فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولئك الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللـه<([23]).

ثم جاء الأمر الربّاني بالتعاون مع المجتمعات التي لم تدخل معنا في صراع مسلح فقال: >لا يَنْهَاكُمُ اللـه عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللـه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ<([24]).

ولو طالعنا تفسير الطبري([25]) وابن كثير([26]) والنيسابوري([27]) من القدماء، ودروزه([28]) من المعاصرين وابن عاشور([29])، وآراء الشافعي وأحمد وابن حزم وغيرهم([30])؛ لوجدنا أن قراءات هؤلاء جميعاً كانت قراءات bتموضعت حسب مقتضيات سياسة الدولة ومقولات السلطةv.

أما الشيعة الإمامية، فإننا نرى أن الشهيد الثاني يؤكد على أن الجهاد لا يجب إلاّ مع عدوان الغير على المسلمين([31])، وكذلك السياغي وصاحب البحر الزخار من علماء الشيعة الزيدية، وإلى حد كبير تأثر بهم الحنفية فنرى بعض هذه الآراء تسرّبت إلى مدوّناتهم.

لكن القرآن (بوصفه نصاً حمّالاً للوجوه) مما يمكن الإفادة منه للوجوه كافة، فلو أخذنا حزمة (موضوعية) من آيات في موضوع الجهاد وجعلناها حاكمة على الآيات الأُخر؛ لتحملنا مسؤولية عدم استمرار القتال طيلة حياتنا، طالما بقي في الأرض (غير المسلم)، ولو أخذنا حزمة موضوعية لآيات (السلام والتعاون) وجعلناها حاكمة على آيات الجهاد، لأسقطنا واجب الدفاع الشرعي عن الوجود الإسلامي، ولو أخذناهما معاً بلازمة التعارض والترجيح لرجح الحاكم على المحكوم من الحزمتين، ولو عاملناهما كل في مجالـه مع إشراك الواقع مرجِّحاً لاتخاذ القرار، وإشراك الحكماء في عقلنة مقتضى النص، لوجدنا أن قرار (قتال الغير) لا يتخذ بصورة فردية؛ لأن قضية القتال وما ينتج عنه من تدمير الثروات والبنى الأساسية للمجتمعات، وإشاعة الخوف والرعب، وإزهاق الأرواح ليس قراراً سهلاً، بحيث يتخذه فرد أو مجموعة أفراد يتفهمون النص على وجه من وجوهه، ثم يلزمون الناس بفهمهم، فيتخذون قرارين أحدهما إعلان الحرب، والمواجهة المسلحة بدون مشاركة حكيمة وعقلانية (لأهل الحل والعقد)، والآخر تكفير من لم يوافقهم في القرار على ما في ذلك من نتائج خطيرة ومدمرة، واعتبار من لم يوافقهم الرأي كافراً أو مرتداً يستحق الموت، وتهدر حياته ودمه، وتسقط الحرمة والحصانة عن أموالـه، ولعل هذا منتزع عندهم من أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو في حقيقته التوعية الداخلية والتثقيف أو تهذيب السلوك لصالح الأهداف السامية للشريعة والأُمة معاًv، لكنها سيقت مبرراً لمعاقبة الغير مفسرين النهي (بالمعاقبة).

ويسندون قضية المعاقبة إلى حديث النبي 2: bمن رأى منكم منكراً فليغيره بيدهv([32])، واليد كما هو لفظ دال على القوة، فإنه يدل على العطاء، أما العنف فهذا ليس تشريعاً للأفراد إنما تشريع للأُمة، ولا يحق لمجموعة أن تتولى تكليف الأُمة كلـها منفردة دون إجماع أو أغلبية منهم، أو دون أن تعهد الأُمة لـهم بتنفيذ التكليف من خلال سلطة مستنيرة شرعية مؤسساتية مدركة ضابطة تدرس ردود الأفعال، وتدرك مدى ما يؤدي ذلك التصور لمعنى النهي عن المنكر إلى الإخلال بالنظام العام، الداخلي أو الدولي، والصحيح والعقلاني أن توازن (قيادة عقلانية حكيمة) بين مفسدتي المنكر، وتداعيات النهي عنه، فلعل عنفاً يؤدي إلى إصلاح المجتمع، ولعل عنفاً يؤدي إلى دوامة من الكراهية والرد بالمثل، ولعل نهياً عن منكر يتم من خلال وسائل غير مسلحة مثل الممارسات الاحتجاجية، كالمظاهرات والاضرابات والاعتصامات وغيرها، وهذه إذا حصلت إن لم تمارس بطريقة محسوبة جيداً، فأنها تتسبب في فوضى داخلة وتستعمل في أهداف بسيطة بحيث تفقد فوائدها، لذلك فكل من وسائل الجهاد الدفاعي ووسائل الأمر بالمعروف للإصلاح الداخلي لا يخضع مباشرة للمتلقي للنص فينفذ مقتضاه بفهمه لـه أو بفهم مجموعته لـه دون الرجوع إلى رأي أغلبية الأُمة من خلال قادتها وحكمائها ومجتهديها، ولا بد من حساب (المفسدتين) أيهما الأشد، فيحتمل الأخف لدفع الأشد، كما هو مقتضى القادة العقلية والشرعية، معاً، ولا تعمم الحالات والمواقف، فلابد من أن تدرس كل حالة بخصوصها، ففي حالات يجد العقلاء أن السكوت أجدى، وفي أُخرى يجدون أن الحوار أوفق؛ لأن لخسارة المجموعة الجهادية في الصراع المسلح لـه تداعيات تدمير البُنى الارتكازية، وفرص التقدم، وهدر الطاقات البشرية والمادية، وضياع هذه القوى حينما يراد استعمالـها ـ بوضع أفضل ـ كقوة ضاغطة، أو قوى رادعة، فبخسارتها ـ لقرارها غير المدروس ـ تضيع على الأُمّة مجموعة معطيات، وبذلك تتسبب المواقف غير المحسوبة على (الجدوى) بإتلاف مجموعة مصالح تملك الأُمة حق استيفائها بالوقت الذي يرى حكماؤها أنه الوقت المناسب للمواجهة ـ وبالطريقة التي يختارونها ـ فهذه الطاقات مدخرة لذلك الوقت، وبإهدارها يبقى القرار الصحيح والسليم والمجدي فاقداً للقوى المنفذة لـه.

السنة النبوية والعقل المعرفي

عرّف العلماء السنة النبوية أنها أقوال النبي 2 وأفعالـه وإقرارته([33])، وحاول بعضهم التعامل مع السنة بوصفها نصوصاً مطلقة لا تقل عن إطلاقية القرآن الكريم، واختلفوا في الصحيح منها من دون الصحيح وصولاً إلى الضعيف والموضوع من جهة الصدور، كما ظهرت بصورة غير جلية اتجاهات ترى أن ظروف عصر النبي 2، وأُسلوب قيادته للجماعة المؤمنة في مكة، والدولة في المدينة تضطرنا للتعامل مع النص النبوي اعتبار الظروف الموضوعية لصدور الحديث أو الفعل، إلى جانب اختلافهم في دلالة الحديث ـ وإن كان من حيث الكم ـ أقل من الاختلاف في دلالة النص القرآني؛ لان القرآن نص معجز، والحديث النبوي لا إعجاز فيه، ويرى آخرون أن سلوك النبي هو عبارة عن التفهم الأرقى للمقولات القرآنية، وإن كان تفهماً بشرياً لما ورد في القرآن >قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ<([34]).

ويرسم القرآن الكريم صورة نبي الإسلام رسماً مختلفاً عن صورة عيسى A في العهدين القديم والجديد، وصورة موسى A، فهو في المسيحية تجسيد للرب، فماهيته ربوبية، لذلك جاءت آيات الإنجيل عبارة عن سيرة الرب، الذي جمع بين كونه الإلـه والمرسل بكينونة مزدوجة، بينما في اليهودية فإنه بشر يخطئ ويتمادى، وكل الرسل في العرض التوراتي كذلك ربما يقترفون الجرائم، أما نبي الإسلام فهو إنسان يوحى لـه، وقد سدده اللـه في القول والعمل، وأوهبه التفهم الأرقى لكلمة اللـه، لذلك جعلت نصوص القرآن من حيث المضمون معياراً لصحة الحديث النبوي، فما خالف القرآن فلا يعتد به مما رواه الناس عنه، فالعلاقة بين السنة مجملاً والقرآن كالعلاقة بين متشابه القرآن ـ في تفهم الناس ـ ومحكمه؛ لأن المحكم هو الضابط لـهذا التفهم، ولأن الخلاف على السلطة السياسية بعد النبي 2 أصبح محور الخلاف بين الاتجاه الشيعي والاتجاه السني، فقد تحول هذا الخلاف من النطاق السياسي إلى النطاق التدويني للحديث النبوي، وهذه من أخطر إشكاليات تدوين النص.

وعموماً فقد صار للشيعة مدونات حديثية يرجعون إليها ويعتقدون بطرقها وبصحة أغلب ما ورد فيها([35])، بينما انصرف أهل السنة إلى مدوناتهم التي كتبت تحت رقابة السلطة السياسية، وعبرت عن مقولاتها في الغالب، فاعتبروا (صحاحها) حقائق لا تقبل التشكيك في صدورها عن النبي 2([36])، وترك للناس تلقيها وحفظها والعمل بها بلا توسط الاجتهاد في فهمها في ضوء مقتضيات الواقع المتجدد والمقاصد العليا للشرع، وعلى الرغم من كل هذه التعارضات، فلقد اتفق محدثو الشيعة والسنة في كلتا المجموعتين من مدونات الحديث على صدور أحاديث عن
النبي
2 تشكل العقل الإسلامي تشكيلاً حضارياً إنسانياً بنّاءً، لا يلجأ إلى القتل والعنف إلاّ في الحالات التي يجدها ضرورية، فالحرب والقتال في مجمل المشروع الحضاري الإسلامي الذي أسسته نصوص القرآن والسنة النبوية استثناء إزاء قوانين قدسية الحياة، ولعل هذا ما تتفق عليه أيضاً عقول البشر كافة، ولكن إلى جانبها عشرات النصوص التي تؤكد على حق الإنسان في الدفاع عن وجوده وعقيدته ونفسه ومصالحه ومصالح مجتمعه وإقليمه بالوسائل المجدية، والأقل تدميراً مما يحقق لـها أهداف ذلك الدفاع ومع الأمرين معاً، فإن القاعدة الأساسية للصلات والعلاقات بين البشر هي قاعدة أُخوة البشر كافة وتعاونهم فقد قال 2: bكلكم لآدم وآدم من ترابv([37])، وقال: bالناس سواسية كأسنان المشطv([38])، وقال: bحب لأخيك ما تحب لنفسكv([39])، ولو أردنا استعراض هذه الشواهد لبلغت المئات.

ولم يكن اختلاف العقيدة فيما ورد عنه 2 سبباً في إزهاق الأرواح، فقد عاش 2 في مكة أكثر من عقد من السنين بين من يخالفونه بالعقيدة ويعارضونه، بل يقاتلونه ويعذبون أصحابه، ولكنه لم يتخذ سلوكاً عنيفاً ضدهم مع قدرته على ذلك، ثم هاجر مع أصحابه إلى يثرب وامتلك وسائل الدولة وقوتهاً، ولم يبادرهم بحرب أو قتل أو إرسال مجموعات إلى مكة لتقتل مخالفيه، وكان ذلك عليه من أسهل التدابير بيد أنه صدَّ هجمات مخالفيه دفاعاً عن نفسه، ولم تظهر في سياساته سلوكيات انتقامية ولا ضربات استباقية.

أما سياسته الداخلية في المدينة المنورة التي كان يسكنها اليهود ومن بقي على دينه، وطريقة عبادته، فقد كانت سياسة جامعة بناءة حقوقية دستورية، جسدتها صحيفة المدينة([40]) التي رسمت للكل ـ على اختلاف تنوعهم ـ حقوقهم وواجباتهم، وفيها يحدد حق الجوار فيقول: bإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم إلاّ من ظلم وأثمv([41])، ثم دعا اليهود للرجوع إلى كتبهم حتى يلتمسوا وعد اللـه لـهم بإرسالـه ثم قال: bفإن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كره عليكم، قد تبين الرشد من الغيv([42])، وفي صلح الحديبية نجد معاهدة للـهدنة والسلام وتبادل المصالح والمنافع تعقد مع اختلاف العقيدة، وعقيب معارك شرسة أُزهقت فيها الأرواح وسالت فيها الدماء فانتهت إلى المسالمة والسلام، وأغاث 2 أهل مكة وهم مشركون، فأرسل لـهم في مجاعة ألمت بهم غوثاً منه([43])، كل ذلك إلى جنب مئات النصوص التي تهذب وتخفف ويلات الحروب، وتراعي الأسرى والعزل والمدنيين وغير المحاربين، والتي تلزم المسلم بالرفق والإحسان لغير المسلم([44]).

وهذه الشواهد ـ كما قلنا ـ موضع اتفاق بين التدوين السني للحديث والتدوين الشيعي، وإلى جانبها نصوص تحث على الصبر والمقاومة والمرابطة والفروسية والمكافحة للعدوان، فغلّب (الرسميون ومثقفو السلطة وكتاب السلاطين) أحاديث القتال والجهاد والحروب على أحاديث السلام والبناء وازدهار البشرية كافة، على طريقة الناسخ والمنسوخ، وكذا الحال في كتب التاريخ والسيرة النبوية، حتى أن واقعة فتح مكة وطريقة تعامل النبي السامية مع أعدائه التاريخيين، أوجدت لديهم إشكالية في تفسيرها، من جهة كتّاب سيرته، التي صوروها نـزاعة للعنف.

وتروي السيرة أنه 2 بعث خالد إلى أسفل تهامة داعياً، فتصرف خالد وقتل أُناساً من بني جذيمة من كنانة، فوصل أمره إلى رسول اللـه 2 فارسل علياًA ومعه تعويض لكل منهم، حتى رضوا، فقام الرسول 2 وقال ثلاثاً: bاللـهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليدv([45])، وختم عمره الشريف في حجة الوداع وهو ينادي: bإن دماءكم وأموالكم عليكم حراماً إلى أن تلقوا ربكمv([46])، مؤكداً في ذلك حق الإنسان مطلقاً بالحياة، وحقه في الملكية.

الإجماع:

وهو الأصل الثالث من الأُصول الرئيسة المؤسِّسة للعقل الإسلامي، وقد عرّفه العلماء أنه (اتفاق العلماء على حكم ـ تعددت دلالة أصلـه ـ فاتفقوا على واحدة منها)، وهذا الأصل ـ على وجاهته ـ لم يقع في تاريخ أية أُمة إلاّ على الكبريات والبديهيات والمتفق عليه مما يندر للخلاف فيه، وفي الغالب تصور الأغلبية الموافقة على أمر ما ـ لأي سبب من الأسباب ـ إجماعاً، بصرف النظر عن ظروف حصول هذه الأغلبية، حتى صار دليلاً لابد أن يقام عليه الدليل مما يلزم فيه الدور، والأكثر إشكالاً أنه قد ادّعاه كل مخالف على مخالفه، وردّ المخالف بادعائه أيضاً، فتوحد في المفهوم وتعدد في المصداق، وهو فيما أعتقد جسر الوصل أو المنطقة الوسطى بين النص والاجتهاد الفردي، أي أن الاجتهاد الجماعي يأتي بالدرجة التالية بعد النص([47]).

الأدلة العقلية (الاجتهاد)

وهو الأصل الرابع المؤسِّس للعقل الإسلامي، ومرادهم منها مختلف، فالأدلة العقلية: مفهوم جامع شامل تعددت آلياته عند المفكرين المسلمين، فذهب الشيعة إلى مفهومه الأشمل بما سمّوه المستقلات العقلية، وذهب أهل السنة إلى أنه القياس والاستحسان والمصالح والذرائع والعرف وغيرها من الأُصول، وفي ظني أن مصطلح الاجتهاد جامع لاستخدام هذه الآليات.

وقضية الاجتهاد، قديمة قدم النص، فقد اختلف العلماء في أن النبي 2 هل كان يجتهد عندما تحصل واقعة ليس فيها نص؟ وأقر الجميع باجتهادات الصحابة، وتشكلت مدرستان: إحداهما تقف عند النص وهي bمدرسة المدينةv التي انتجت مذهب مالك وأحمد والظاهرية؛ وثانيهما تتوسع في الرأي والقياس وهي bمدرسة الكوفةv التي نشأ عنها مذهب أبي حنيفة، ويقال: إن مذهب الشافعي أفاد من المدرستين فتوازن، واتخذ أهل البيت G طريقاً ثالثاً يضع النص في موضع الموجّه، ويضع العقل في موضع الجامع بين مقتضى النص ومقتضى واقع الموضوع، ويأخذ بالاعتبار أنسنة القرار ثم يقضي بالواقعة على وفق هذه المداخلات.

وبعد عصر الأئمة الكبار تعاظم مفهوم الاجتهاد واتسع، وتكاملت آلياته حتى أواخر القرن الرابع الـهجري، فحصل تدهور في مجتمع الدولة الإسلامية مما أدى بالرسميين إلى حصر الاجتهاد bبما قالـه الأئمة الأربعةv، ولم يسمح لأحد أن يقول في أمر ما فتح اللـه به عليه إلاّ إذا أسنده لواحد من الكبار، ولم يلتزم الشيعة بهذا، واستمروا ينادون بوجوب الاجتهاد في الأُصول والفروع وجوباً كفائياً، مستندين في ذلك إلى أنه من ضروريات الحياة، ومن ضروريات الإفادة من النص. فالدين ـ بلا اجتهاد ـ يقرأ قراءة تاريخية، ويسبقه الزمن بمبتكراته، ويضطر المسلم للتعامل مع المستجدات خارج أُطر الضبط الشرعي، أو يتخلى عن التواصل مع الحياة وهذا فرض صعب، ويرى الشيعة أن الواقع متغير ولا متناه في وقائعه، والنص (متناه) في اللفظ، لا متناه في المعاني والمضامين المكتنـزة به، لذلك فالرابط بين النص والواقع هو الاجتهاد؛ لكي يستمر الفهم الصحيح والسليم للإسلام من خلال هذا المركب.

إذن، فالاجتهاد ضم مقتضى الواقع لموجّهات النص، والتخلّي عنه يؤدي إلى إحلال فهم سابق (غير واقعي) للنص، مما يؤدي إلى تصادم بين رسم سياسات للحياة المتجددة وسياسات للتقدم مع النص، وتقع القطيعة بينه وبين هاجس التقدم، وباستمرار الإغلاق تستمر القطيعة. ومن المؤسف أنه لم يغلق الاجتهاد الفقهي فقط، إنما غُلق الاجتهاد في كل مستويات المعرفة، وأُصيبت الأُمّة بالركود، فساير الأُوربيون العصر، وتوقف المسلمون في عصور مظلمة دامت ثمانية قرون، تراكمت فيها القطيعة بين الواقع والنص، والواقع والعقل الإسلامي المقيد بوقف الاجتهاد، وتعاظمت القطيعة بين المسلمين والإنسان خارج العالم الإسلامي، حتى أفاق المسلمون في القرن التاسع عشر على غزو أُوربي يمتلك تفوقاً في منهج البحث والتفكير، والمعرفة وتطبيقاتها، لا


التَّأثير الشِّيعي في مدرسة النظّام الاعتزاليّة العقليّة

31 يوليو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

محور البحث

يعتقد الكثيرون بأن البنى الأساسية للشيعة، في حقل الكلام، قد تأثَّرت بالمعتزلة. ويحاول كاتب هذا المقال، بالإضافة إلى مناقشة هذا الرأي وتزييفه، إثبات العكس منه، وبيان أن المعتزلة _ بمن فيهم معتزلة البصرة _ كانوا متأثرين إلى حد كبير بالفكر الشيعي. ويكفي لإثبات هذا المدَّعى، مراجعة آراء النظّام، وهو من خيرة أعلام المعتزلة، حيث نجد بصمات الفكر الشيعي واضحة عليه، سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار تأثير هذه الشخصية في المعتزلة، وأنه _ في ما يبدو _ الأساس لظاهرة "متشيِّعة معتزلة بغداد"، وربما كان هو السبب في تشيُّع بعضٍ منهم بشكل كامل.

المقدمة

إن لم نقل: إنَّ النظّام _ أبو إسحاق، إبراهيم بن سيار بن هانئ _ أهم شخصية كلامية وعلمية لدى المعتزلة، فهو من شخصياتهم الكبيرة، بل إنّه من أبرز علماء المئة الـهجرية الثانية([1]) في العالم الإسلامي. ويمكن عدّه على قمة الاتجاه العقلي للاعتزال([2]).

وقد استطاع بفكره المبدع الخلاَّق النَّاقد أن يتخطَّى حدود عصره العلمية، ويكون صاحب آراء عميقة وبديعة في المباحث الكلامية والفلسفية والقرآنية، بل وحتى الفقهية([3]).

ولهذا كانت آراؤه موضع جدل ونقاش عميقين وواسعين من جهة، وسبباً في تكفيره إبّان حياته وبعدها من جهة أخرى.

وقد أدى النقاش والجدل المذكوران إلى اتجاه بعض المتكلِّمين إلى اتّباعه والتلمذة لـه _ وهم الذين شكلوا في ما بعد المدرسة النظّامية([4]) _ وإلى اتجاه جماعة أخرى إلى مخالفته ورد أفكاره. وعليه، فقد كان شخصية مؤثرة، أثرت مباشرة في تأسيس المدرسة النظّامية كما ذكرنا، وفي تحريك الجو العلمي بإشغال مخالفيه بنقل آرائه ونقضها وإبطالـها.

وعلى صعيد آخر، فقد صدقت في حقه مقولة: "إن العالم ابن زمانه". فقد كان لمجموعة الاتجاهات الفكرية المتعددة، والظروف ومقتضيات الزمان والمكان، والتقلُّبات الاجتماعية والسياسية لتلك المرحلة، تأثيرها في صياغة شخصيته وأفكاره، فهو لم يكن من العلماء القابعين في زوايا الحجرات، يتلقى المطالب العلمية من أساتذته فقط، ويقيد ويحصر تفكيره بها، بل كان مطَّلعاً، وعن قرب، على المذاهب الفكرية الأُخرى. فقد ناظر أصحابها وبادلـهم وجهات النظر، وقد نقلت عنه عبارة حكمية تقول: "العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإذا أعطيته كلك فأنت من إعطائه لك البعض على خطر"([5]).

وتأسيساً على هذا الأصل، فقد تعرض لنقد الآراء والأفكار _ بغض النظر عن هويتها ومنشئها _ بروح منفتحة، ولم يتردَّد في قبول الآراء التي يراها محقّة، ولهذا كان يقبل ويتبنَّى كل تجديد وإبداع من الآخرين بعد أن يتحقَّق منه.

وبفضل هذا الخزين الـهائل من المعارف والمعلومات، عمل على ابتكار نظريات جديدة، ولم يخش مخالفة المشهور والمتعارف والسائد، وما تأثره بالشيعة _ مع النـزاع الشديد بين معتزلة زمانه (البصريون) الذين ينتسب إليهم _ وبين الشيعة إلاّ شاهد على ما نقول.

وذكر المؤرخون عنه أنَّه كان محيطاً بشكل كامل بالفلسفة، مع كونها حينئذٍ ضيفاً جديداً على العالم الإسلامي، وشاهداً على هذا نُقلت في "المنية" هذه القصة:

إنه جرى ذكر "أرسطو" عند جعفر البرمكي، وكان النظّام حاضراً، فقال لجعفر: لقد نقضتُ كتاب أرسطو. فقال لـه جعفر: أنَّى لك ذلك، ولا أظنك تحسن قراءته؟

فأجاب النظّام: أتريد أن أقرأه عليك من أوّلـه لآخره أو من آخره لأوَّلـه؟

ثم شرع في بيان محتويات الكتاب بالتسلسل، وأورد نقوضه عليها، فدهش جعفر وتعجب لذلك([6]).

وعدَّ كل من الشهرستاني والبغدادي إحاطته بالفلسفة وإتقانها([7])، من أسباب انحرافه، ولذا حملوا عليه وهاجموه.

وكان لـه، إضافة إلى ذلك، معرفة بالأديان الإيرانية والـهندية، ثم تعرف على أفكار الشيعة عن طريق هشام بن الحكم([8]).

وقد أسهمت معارفه الواسعة ومعلوماته في تشكيل عقليته المنفتحة، حيث كان ملاكه الوحيد في اختيار الرأي والعقيدة، هو اليقين العقلاني في تشخيص الحقيقة. وقد أوجد نوعاً من الترابط بين العلوم، حيث دمج بين الفلسفة والكلام، فقد: "اطلع على كتب الفلاسفة، ومال في كلامه إلى الطبيعيين منهم والإلهيين، وأنه استنبط من كتبهم مسائل خلطها بكلام المعتزلة"([9])، كما أنه حيثما شخّص الحق في آراء هشام بن الحكم الشيعي أخذ به وقبلـه: "ثم خالط هشام بن الحكم الرافضي فأخذ عن هشام"([10]). وإذا كان مخالفاً لرأيه وفكره، فإنه يدعو ويستجيب للبحث والمناظرة العلمية([11])، وكثيراً ما كان يقف على خطأ رأيٍ في هذه المناظرات والتأملات فيغير رأيه فيه، ولهذا فلعلـه يرد عنه في المسألة الواحدة رأيان أو عدة آراء متعددة متناقضة.

اتّصال النظّام بالشيعة وتأثره بهم

1 _ إن أصل تبادل الأفكار، وتأثر بعضها ببعض أمر طبيعي ومتَّفق عليه. ويدّعي كاتب هذا المقال أن النظّام _ وعلى الأقل في مقطع من عمره الفكري _ قد تأثر بالفكر الشيعي، وأنه نتيجة لموقعه العلمي المتميز فقد استمر هذا التأثر في أتباعه وتلامذته، حيث ترك بصماته واضحة على بعض المدارس الفلسفية والكلامية في ما بعد.

2 _ لا شك في أن أمثال "النظّام" لم يكن تأثرهم بالآخرين تقليداً صرفاً؛ لأن التقليد من دون تحقيق هو شأن العوام، لا المحققين من العلماء المتّبعين للأدلَّة والبراهين.

3 _ يحتمل أن يكون من جملة الذين أسهموا في إيجاد الميول الشيعية للنظّام، وتوجهه نحو عقائدهم، هو الخليل بن أحمد، في بداية طريق التعليم والتربية، وهشام بن الحكم، عند كبر سنه على حد قول البغدادي. لقد أدى هذا الارتباط إلى أن يتعرف النظّام على آراء الشيعة ومعتقداتهم، بعيداً عن تعصبات معتزلة عصره بالنسبة للشيعة، حيث أغلقوا مجال التفكير والانفتاح على أفكار مخالفيهم.

أ _ الخليل بن أحمد([12]) (100 _ 170 أو 175هـ) العالم النحوي واللغوي المعروف، واضع علم العروض، وصاحب كتاب العين. كان يعيش في البصرة، ومن تلامذته سيبويه والأصمعي. وقد ورد في دائرة المعارف الشيعية: إن كلاًّ من العلاَّمة الحلي في الخلاصة، والبهبهاني في تعليقته على منهج المقال، والصدر في تأسيس الشيعة، والقاضي نور اللـه في مجالس المؤمنين، نصوا على أنه كان شيعياً([13]).

ونقل صاحب أعيان الشيعة أن صاحب الرياض والشيخ البهائي، في حاشيته على خلاصة العلامة الحلي، عدَّاه من أصحاب الإمام الصادق ×([14])، ونقلاً عنه أنه قال في إثبات إمامة أمير المؤمنين ×: "احتياج الكل إليه واستغناؤه عن الكل دليل على أنه إمام الكل في الكل"([15]).

وعدّه بعض الباحثين من أساتذة النظّام. قال أحمد محمود صبحي: "إن والد النظّام ذهب به حين كان صبياً إلى الخليل بن أحمد ليعلمه"([16]). ونقل في طبقات المعتزلة، أن الخليل قال للنظّام: "نحن إلى التعلم منك أحوج"([17]). ويستفاد من هذه العبارة تلمذة النظّام للخليل، وذكر هذا في كتاب الغرر والدرر([18]) أيضاً([19]).

ب _ هشام بن الحكم الكندي([20]). وقد ذكر في الكتب الرجالية والتاريخية وكتب الفرق، أنه كان من كبار متكلمي الإمامية وعلمائها، وأنه من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم ، وأجمع علماء رجال الإمامية على توثيقه([21])، وقال في أعيان الشيعة عنه: هو من أكبر أصحاب أبي عبداللـه جعفر بن محمد الصادق ×، وكان فقيهاً، وروى حديثاً كثيراً، وصحب أبا عبداللـه × وبعده أبا الحسن موسى ×. ورويت لـه مدائح جليلة عن الإمامين، وكان ممن فتق الكلام في الإمامة، وهذّب المذهب بالنظر، وكان حاذقاً لصناعة الكلام، حاضر الجواب"([22]). ووردت هذه العبارة نفسها تقريباً في الفهرست([23]) لابن النديم([24]).

ألَّف هشام كتباً كثيرة في مواضيع وعلوم مختلفة، ذُكرت أسماؤها في كتب الرجال، ويقارب ترتيبها وأسماؤها ما هو المذكور في الفهرست.

كان هشام، في الكلام خصوصاً، عالماً قلَّ نظيره، ويعدّ أهم شخصية كلامية في القرن الثاني. وكانت المحافل العلمية آنذاك تزخر بأفكاره واحتجاجاته ومناظراته في المسائل الكلامية، وقد وصفه بعض الكتّاب المعاصرين من أهل السنة بتعابير دقيقة وجذابة، فقال: وأبرز ممثل لمدرسة الصادق هو هشام بن الحكم، أكبر شخصية كلامية في القرن الثاني. شغل جميع المجامع العقلية في عصره، وخاض معارك كلامية وفلسفية (هي) من أدق المعارك مع مخالفي المذهب الإمامي… درس كل ما كان في عصره من فلسفات ومذاهب، وأنه تعمق فيها أكثر من جميع معاصريه… فالرجل إذن، كان على ثقافة واسعة عميقة بالفلسفة والكلام والسياسة([25]).

ونقلت كتب التاريخ بعض مناظرات هشام مع المخالفين، والتي تغلَّب فيها على الطرف المقابل([26])، كان قوياً في مناظراته، بحيث نقل أنه قال لـه بعضهم: "أنت أقوى الناس في الكلام! فقال لـه: وكيف عرفت ذلك ولم تكلمني؟ فأجاب: حيث رأيت كل من يدّعي علماً في الكلام يقول: ناظرت هشاماً وغلبته. فهذا هو الدليل على أنك عظيم عندهم"([27]).

ويقول سامي النشار: إن النظّام كان من أعاظم تلامذة هشام، وصرَّح البغدادي بأن النظّام "خالط هشام بن الحكم الرافضي فأخذ عن هشام"([28]). وقال الشهرستاني في إشارة مجملة لـهذا المطلب: "ووافق هشام بن الحكم في قولـه"([29])، ولكنه صرَّح في عبارة أخرى بالميول الشيعية للنظّام فقال: "وميلـه إلى الرفض و…" ([30]).

وتنبّه أحمد محمود صبحي، وهو من الكتاب المعاصرين، إلى العلاقة التي كانت قائمة بين النظّام وهشام، فهو بعد أن أشار إلى أن النظّام كان كثير السفر والسياحة، حيث سافر إلى الكثير من المناطق والمراكز العلمية والثقافية آنذاك، ومنها شرق الدولة الإسلامية، حيث مجتمع الثقافات الهندية واليونانية والإيرانية، ثم سافر إلى الكوفة، وفي ذلك يقول: "ثم قصد بعد ذلك الكوفة، وفيها التقى بهشام بن الحكم أكبر متكلمي الشيعة الاثني عشرية على مر العصور، وكانت بينهما مناظرات وتأثير متبادل، عن هشام أخذ" ([31]). ثم أعدّ قائمة في الآراء التي تأثر فيها بهشام، سنتعرض لها في محلها. ويوضح سامي النشار أيضاً تأثير هشام على النظّام وانعكاس هذا التأثير على المعتزلة النظّاميين، فيقول:

"فمن أكبر تلامذته (هشام) النظّام، فيلسوف المعتزلة الكبير… ويبدو أثر هشام بن الحكم كبيراً جداً في معظم المذهب النظّامي"([32]).

وقد ظهر من كل ما تقدم ما يأتي:

أ _ لا تردُّد في أن النظّام، وهو من أعاظم متكلمي الإسلام في القرن الثاني وأوائل القرن الثالث، تأثر بهشام بن الحكم، المتكلم الإمامي الكبير، فكانت لـه ميول شيعية.

ب _ إن هذا التأثير _ كما يقول سامي النشار _ قد انعكس على مدرسة النظّام وانتقل إلى الأجيال اللاحقة.

ج _ إن آراءه الشيعية التي نقلـها عنه كثير من المؤرخين وكتاب الفرق، دليل آخر على هذا التأثر.

ليس من أهداف هذا المقال إثبات كون النظّام إمامياً، بل إثبات أنه ورغم انتسابه للاتجاه الكلامي العقلاني المعتزلي الذي ينتسب بالنتيجة إلى المذهب السني، والذي _ باعتباره منهجاً فكرياً كلامياً _ يتعارض مع توجهات الشيعة، كانت لـه أيضاً آراء شيعية معتنى بها من الناحية الكمية والكيفية. بل، إن بعض آرائه هذه لـها دور محوري في تحديد المنظومة الفكرية.

ونقوم الآن باستعراض هذه الآراء بالتفصيل، وذلك بالاستناد إلى المصادر الكلامية والتاريخية.

 

القسم الأول

الآراء الشيعية للنظّام في مجال المباني الكلامية والفقهية والحديثية

الأول: حجية قول الإمام المعصوم

يقول الشهرستاني: إن النظّام كان يعتقد بأن الحجية والاعتبار الشرعي يدور مدار قول الإمام المعصوم ورأيه: "وإنما الحجة في قول الإمام المعصوم"([33])، وكذلك الكاتب أحمد محمود صبحي حينما يعرض قائمة عن المباني الشيعية للنظّام يذكر منها: "حجية قول المعصوم"([34]). ويشير سامي النشار أيضاً إلى رأي النظّام هذا، ويقول: "إنما الحجة عنده (النظّام) في قول الإمام المعصوم". وقال: "إن ابن حزم ومذهب الظاهرية يعتقدون ذلك في النظّام أيضاً"([35]).

ويلزم هنا التأكيد على ملاحظتين:

أ _ هل أن مراد النظّام من المعصوم هو النبي | أو شخص أو أشخاص بعد النبي

وفي الجواب ينبغي تشخيص محل البحث والنـزاع، فإنه لا خلاف في حجية القرآن الذي هو وحي اللـه وكلامه، وكذلك حجية قول النبي | الذي هو معصوم أيضاً ]وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى[ [سورة النجم/3 و4]، ولا خلاف في ذلك، فكل الفرق الإسلامية مجتمعة عليه. فالبحث هو أنه هل يمكن الاستعانة بمصدر آخر لاستنباط الحكم الشرعي في المسائل والموضوعات التي لم يرد حكمها في القرآن والأخبار المنقولة عن النبي

فهنا قال بعض المتكلِّمين بجواز استعمال القياس والإجماع وغيرهما، وقال آخرون كالشيعة القائلين بوجود الإمام المعصوم بعد النبي |، بأنه يصل الدور حينئذٍ إلى قول الإمام المعصوم، فإن لـه من الاعتبار ما للقرآن وللنبي |، ولا حجية ولا اعتبار للقياس، وأن الإجماع في حد ذاته ليس معتبراً، وإن كان لـه اعتبار فلجهة كشفه عن قول المعصوم.

لقد طرحت هذه البحوث بشكل جدي في زمن النظّام، ووقعت محلاًّ للنقض والإبرام. وبهذا يتضح أنه حينما يصرح النظّام في مثل هذا الظرف بأنه: "إنما الحجة في قول الإمام المعصوم"، فإنه ناظر إلى ظرف ما بعد النبي |، وإلاّ لكان قد عبر بكلمة "المعصوم" فقط، أو استعمل تعبير: "قول النبي |" مثلاً. هذا وبالرغم من أن عبارة "الإمام المعصوم" قابلة للإطلاق على النبي | أيضاً بطريق أولى، حيث أطلقها القرآن على النبي إبراهيم ×([36])، ولكن ذلك الظرف الزماني والمكاني المنظور المذكور، يعطي لتعبير "الإمام المعصوم" مفاداً خاصاً، وهو المستعمل في الأوساط الشيعية. وعليه، فإن النظّام مع دقته ونباهته لم يستعمل هذا التعبير من دون أن يلتفت إلى مفاده الخاص.

ب _ وفي ضوء ما ذكرنا في البند السابق، فإن لازم قول النظّام هذا، هو الاعتقاد بالوجود الخارجي والعيني للإمام المعصوم بعد النبي |، إلاّ أن يقال: إنه ذكر هذا المطلب بعنوان أنه حكم عقلي، أي أنه: لو فرض وجود إمامة معصوم فإن قولـه حجة ومعتبر شرعاً، وذلك لفرض عصمته عن الخطأ. ولا شك في أن هذا احتمال واهن جداً ولا مسوِّغ لـه؛ لأن النظّام لا يتكلم عن الفراغ وعالم الفرضيات، بل إنه ينظّر للواقعيات العينية والخارجية للمجتمع الإسلامي بعد مرحلة النبي، ليفتح طريقاً عملياً لحل مشكلة اجتماعية على أساس هذه الأفكار.

ويشهد لـهذا أنه، وبسبب وجود الارتباط المنطقي بين بحث حجية قول الإمام المعصوم وبحث الإجماع، فمن يقول بحجية قول الإمام المعصوم لم يقل بالحجية الذاتية للإجماع، والنظّام _ كما سنبيّن _ هو أحد أصحاب هذا المسلك. والطريف أن الشهرستاني ذكر رأي النظّام هذا بعد ذكره لمبنى النظّام في إنكار حجية الإجماع والقياس. واستظهر أمثال أحمد محمود صبحي وسامي النشار أن هذا رأي شيعي: وهذه فكرة عليها مسحة شيعية"([37]).

ويمكن طرح احتمال آخر أيضاً هنا، وهو: إنه يمكن أن يراد من المعصوم هنا هو الأفراد المحسنون، الأتقياء، لا المعصوم بالمعنى الشيعي. وهذا المعنى ورد في جواب "الخياط" لابن الراوندي القائل بأنه إذا كان الشيعة يقولون: إنه لا يخلو عصر من إمام واحد معصوم عن الخطأ والسهو، فإن أبا هذيل العلاف وهشام الفوطي قالا بوجود عشرات المعصومين في كل عصر، ولا تخلو الأُمة من وجود المعصوم.

فأجاب الخياط بأن مراد هذين الشخصين من المعصوم، هو جماعة من المسلمين المتقين الصالحين، فما ينقلـه أمثال هؤلاء من الأحاديث يكون حجة في حق غيرهم: ((وأما قول أبي الـهذيل وهشام الفوطي في الحجة في الأخبار، فهو أن اللـه جل ثناؤه لا يخلي الأرض من جماعة مسلمين أتقياء، أبرار، صالحين، يكون نقلـهم إلى من يليهم حجة عليهم"([38]).

وعليه، فالمعصوم بمعنى العادل والثقة، وهو الذي يشترطه الشيعة في رواة الأخبار أو في غيرهم من الموارد.

ومما يضعف هذا الاحتمال أن لفظ "المعصوم" الذي يطلق في باب الأخبار على النبي | ويكون نقلـه حجة، إنما يراد به التقي والبر والصالح، والفرق واضح بين هذه العصمة والعصمة التي يقول بها الشيعة. فالذين يشترطون العصمة بالمعنى المذكور في رواة سنة النبي من العامة، يقولون: إننا نتمسك بعد القرآن بسنة
النبي
| في تحديد تكاليفنا الشرعية، والسنة التي تصلنا عبر أمثال هؤلاء الرواة، يمكن الوثوق بها والاعتماد عليها والعمل بها. وأما بعد القرآن والسنة، فإننا نستخدم وسائل أخرى كالقياس والإجماع و… .

وبعد أخذ هذا التحليل بنظر الاعتبار نستنتج: إن شخصاً لم يكن القياس والإجماع عنده من منابع استنباط الحكم الشرعي، ولم يقبل الاجتهاد بالرأي؛ لأنه نتيجة ظنية، ولأجل هذا يطعن في مشاهير الصحابة، كالخلفاء الثلاثة وعبداللـه بن مسعود بسبب عملـهم بالقياس والرأي والظن الحاصل من اجتهادهم، ويرى قول المعصوم حجة بعد نص القرآن والسنة، لا يمكن لـهذا أن يقبل الاحتمال الأخير في معنى المعصوم؛ لأن المعصومين _ على هذا الاحتمال _ يكون إخبارهم عن
النبي
| فقط حجة، أما اجتهادهم فغير مقبول. ومن ناحية أخرى، فإن فرض السؤال ناظر إلى الموارد التي يُعدم فيها النص من القرآن والسنة، وبهذا يضعف هذا الاحتمال الأخير أيضاً.

وبعد ضم هذا الرأي من النظّام إلى بقية آرائه الشيعية، والأخذ بنظر الاعتبار قرائن أخرى كارتباطه بهشام، يقوى احتمال تبنِّيه لرأي الشيعة هذا في المعصوم([39]).

الثاني: إنكار حجية الإجماع

إذا راجعنا المصادر المتعددة التي نقلت رأي النظّام هذا، نكاد نجزم بأنه لم يكن يعر أي أهمية للإجماع، وقد نسب هذا الرَّأي إليه كل من ابن الراوندي والشيخ المفيد والشهرستاني والبغدادي وابن أبي الحديد، والمؤلفون المعاصرون أيضاً. قال ابن الراوندي _ على ما نقلـه الخياط _ : "إن النظّام ومن تبعه جوَّزوا الخطأ على الأُمة"([40]). ولم يدافع الخياط عن النظّام وأتباعه في هذا المورد، ومعناه تأييد ابن الراوندي في ما نسبه للنظّام في هذا المورد.

وذكر الشيخ المفيد في جواب المستدلّين بحديث النبي|: "ما كان الله ليجمع أمتي على ضلال"([41])، على حجية الإجماع، بعد أن بيّن أن هذا الحديث ورد بمعانٍ ومضامين وألفاظ مختلفة، وأن هذا الاختلاف يخدش الاستدلال به على حجية الإجماع، وناقش في أصل صدور هذا الحديث من النبي |، وقال: "وقد دفع صحتها جماعة من رؤساء أهل النظر والاعتبار، وأنكرها إمام المعتزلة وشيخها إبراهيم بن سيّار النظّام"([42]). وذكر الشهرستاني والبغدادي هذا المطلب بوضوح([43]).

وفصَّل ابن أبي الحديد قليلاً، فقال: ذكر النظّام رأيُه في إنكار حجية الإجماع في كتاب النكت، فاضطر إلى ذكر عيوب الصحابة، دفاعاً عن هذا الرأي([44])، وسنتعرض في نهاية هذا المقال إلى بحث النظّام ومطاعنه.

وذكر كتّاب الفرق المُحدَثون، ومنهم: سامي النشار، وأحمد محمود صبحي، وأحمد أمين رأي النظّام في إنكار حجية الإجماع([45])، وفصَّل صبحي في عرضه لرأي النظّام في باب الإجماع، حيث قال بعد ذكر تعريف النظّام للإجماع: إنَّ هذا التعريف يختلف عن التعريف المألوف المشهور بين عامة المسلمين، ويتفق ويتلاءم مع تعريف الإمامية للإجماع. ويقول الغزالي: إنَّ الإجماع عبارة عن اتفاق أمة محمد | بهيئة خاصة، على أمر من أمور الدين([46])، وقال في تعريف آخر: الإجماع اتفاق أهل الحل والعقد([47]). وعرَّفه بعضهم بقولـه: اتفاق مجتهدي الأمة الإسلامية في عصر واحد على أمر من اأمور الدين.

فالتعاريف التي ذكرها علماء العامة للإجماع تتمحور حول هذه التعاريف المذكورة، وأن عامة أهل السنة باستثناء أهل الظاهر، كداود الظاهري، يعدّون الإجماع حجة شرعية([48]). هذا والحال أن صبحي ذكر أن تعريف النظّام للإجماع هو: "كل قول قامت عليه الحجة وإن كان واحداً"([49]). وكما أشار صبحي، فإن هذا التعريف للإجماع شاذ ولا يتلاءم مع تعريف مشهور أهل السنة. ومن الواضح أن هذا التعريف للإجماع يرجع في الواقع إلى إنكار حجية الإجماع وموضوعيته حيث لم يعط الأصالة لاتفاق الأُمة وإجماعها، أو أهل الحل والعقد، بل الأصالة والموضوعية هي للحجة، وعليه:

أ _ فإن قول حتى شخص واحد إذا كان موافقاً للحجة فهو حجة.

ب _ وأنه إذا اتفق كل مجتهدي الأُمة على قول، ولكن لم يكن موافقاً للحجة، فلا قيمة لإجماعهم.

وعليه، فهذا التعريف يتوافق مع تعاريف الشيعة الإمامية للإجماع.

وقد طرحت في الكتب الأُصولية للشيعة مباحث كثيرة ودقيقة في موضوع الإجماع وتعريفه وأقسامه، وفي حجية الإجماع، وتفصيلـها خارج عن موضوع هذا المقال. وبشكل عام فإن رأي الإمامية أن الإجماع ليس لـه حجية واعتبار شرعي في حد ذاته، بل بضميمة قول الإمام المعصوم، أي أنه إذا كان المعصوم بين المجمعين فالإجماع حجة. وهذا في الواقع معناه حجية قول المعصوم لا الإجماع؛ لأنه يكتشف بهذا الإجماع قول المعصوم، إذ لو كان رأيه مخالفاً لرأي المجمعين، فلا بدّ من أن يلقي الخلاف بينهم بطريقة ما، فلا يحصل في النتيجة إجماع.

يقول الشيخ المفيد: ((إن الإجماع حجة لتضمنه قول الحجة، وكذلك إجماع الشيعة حجة لمثل ذلك، دون الإجماع، والأصل في هذا الباب ثبوت الحق من جهته بقول الإمام القائم مقام النبي |"([50]).

وعلى هذا، فلا تؤثر كمية المجمعين وعددهم في ملاك اعتبار الإجماع، بل حتى لو كان رأي شخص واحد موافقاً لقول المعصوم، فذلك الرأي حجة. ولو كان رأي الكل مخالفاً لقول المعصوم، فهو ساقط عن الاعتبار([51]). إذن، يمكن القول وبكلمة واحدة: إن الإجماع في حد ذاته لا اعتبار ولا قيمة لـه عند الإمامية. وكما قال الشيخ الأنصاري بعبارة جميلة ودقيقة: "إن الإجماع في مصطلح الخاصة، بل العامة الذين هم الأصل لـه، وهو الأصل لهم…"([52])، أي أن فكرة الإجماع أصلـها من العامة، وأنه أصل "حجة" عندهم.

وعلى ما تقدم، فالآراء المطروحة في مسألة الإجماع ثلاثة:

أ _ الإجماع حجة مطلقاً، وإنَّ تحقُّق الإجماع نفسه هو موضوع الحجية والاعتبار الشرعي.

ب _ الإجماع ليس حجة مطلقاً.

ج _ الإجماع حجة باعتبار اشتمالـه على قول المعصوم، وبعبارة أخرى: الإجماع الكاشف عن قول المعصوم حجة، ولا حجية لـه في حدّ نفسه.

والقول الأول، هو قول أكثر علماء السنة؛ والثاني، هو قول أهل الظاهر من السنة والخوارج، وبناء على أحد التفاسير هو قول النظّام أيضاً؛ والقول الثالث، هو قول الشيعة الإمامية.

والحكم القطعي في رأي النظّام وفي معرفة أي من هذه الآراء يعتمد كلياً على معرفة مراد النظّام من (الحجة) في قولـه: "كل ما قامت عليه الحجة وإن كان واحداً"؟:

أ _ فإن كان مراده "النص"، فيكون معنى التعريف المذكور: إن الإجماع الحجة هو ما وافق نصاً من القرآن أو النبي |، حتى لو كان القائل به شخصاً واحداً.

ب _ وإن كان مراده: الحجة والبرهان العقلي، أو الأعم من نص القرآن والنبي والحجة العقلية، فيكون الإجماع عنده عبارة عن: كل رأي قامت عليه حجة من القرآن أو النبي | أو العقل، سواء كان القائل به شخصاً واحداً أم أكثر.

ج _ إذا كان مراده: قول المعصوم، يصبح تعريفه هكذا: الإجماع عبارة عن القول والرأي الذي يوافق قول المعصوم. (وتقدم وجود احتمالين في معنى المعصوم أحدهما هو ما يقولـه الشيعة، وأغلب الظن موافقة النظّام لـه).

وعلى الاحتمالين الأوَّلين، فإن رأي النظّام سيكون مخالفاً للشيعة. نعم، على الاحتمال الثالث، وبالتفسير الشيعي للمعصوم، يكون رأيه شيعياً تماماً.

وقد قوّيتُ سابقاً احتمال كون رأي النظّام في أصل حجية قول الإمام المعصوم متحداً مع قول الشيعة. ويقوي هذا الاحتمال أيضاً التأمل في صدر كلام الشهرستاني وذيله؛ حيث قال: "قولـه في الإجماع أنه ليس بحجة في الشرع و… وإنما الحجة في قول الإمام المعصوم"([53]). وواضح أن رأي النظّام في أصل أن الإجماع في حد نفسه ليس حجة، بل يحتاج إلى حجة أخرى، يوافق قول الشيعة، ولكن في تفسير "الحجة" ما هي؟ احتمالات أحدها يوافق قول الشيعة، وهو الاحتمال الذي أيدته القرائن.

فالاحتمالات، في رأي النظّام هذا، أربعة، كما ذكر أحمد محمود صبحي:

1 _ تأثر بمتكلمي الشيعة، ومنهم هشام بن الحكم.

2 _ إنه حيث وافق الشيعة في إنكار القياس والاجتهاد، وإن الحجة هي قول المعصوم فحسب، فمن المنطقي أن ينكر حجية الإجماع.

3 _ إن إنكار حجية القياس والاجتهاد، جرّه إلى إنكار الإجماع، وذلك للتلازم المنطقي بين الموقفين.

4 _ إن المبنى العقلي للنظّام في الكلام ساقه إلى إنكار الإجماع؛ لأن العقل يحكم بأنه إذا لم يوجد نص من الكتاب والسنة، فقيام الإجماع محال([54]).

الثالث: الإمامة بالنَّص والتَّعيين

ذكر الشهرستاني أن من آراء النظّام الأخرى قولـه: "لا إمامة إلاّ بالنص والتعيين ظاهراً مكشوفاً"([55])، وعلى أساس هذا النقل فإن الإمامة أمر لا يتحقق بانتخاب الناس، بل بتنصيب النبي |، وبالأمر الإلـهي، وإذا صحت نسبة الشهرستاني للنظّام هنا، فإن رأيه هذا شيعي صرف، وهناك قرينة على صحة النقل المذكور بناء على ما نقلـه الخياط، من أن ابن الراوندي نسب القول بالإمامة إلى علي الأسواري([56]): "ثم قال الكذاب [ _ يعني ابن الراوندي _ ]: وأما الأسواري فقد حكي عنه القول بالإمامة"([57]). وبعد أن ردّ الخياط هذه النسبة ذكر أنه حصلت مناظرات بين الأسواري وعلي بن ميثم([58]) الرافضي في مسألة الإمامة، وتغلّب الأسواري عليه، فاستدلّ بهذا على أن الأسواري لم يكن في مسألة الإمامة ذا مسلك شيعي.

وإذا قبلنا قول الخياط هذا، – مع أنه يسعى في "الانتصار" إلى تعديل مواقف المعتزلة، وتقريبها إلى مباني عامة أهل السنة _ يجب أن نرى أن هذا الموقف من الأسواري صدر منه حينما كان متأثراً بأبي الهذيل العلاّف، حيث إنه تحوّل بعد ذلك وأصبح من أتباع النظّام([59])، وتبنَّى جميع آرائه([60])، كما يذكر الشهرستاني والبغدادي.

بناء على هذا، فالنتيجة هي أنه يمكن الحكم بصحة ما نسبه ابن الراوندي، وأن قول الأسواري في مسألة الإمامة كان موافقاً للشيعة، وذلك بعد اتصاله بحلقة النظّام، وأن نسبة الخياط ناظرة لظرف ملازمته لأبي الهذيل.

وبالإضافة إلى ما تقدَّم، يمكن ذكر مؤيد آخر لانتساب هذا الرأي للنظّام، وذلك بالتحليل الآتي:

أ _ تقدم أنه ليس للإجماع أية قيمة واعتبار عند النظّام.

ب _ إن عامة متكلمي الإسلام وعلمائه يرون وجوب الإمامة، بمعنى أنه يجب أن يحكم الإمام ويقود المجتمع والأُمة الإسلامية([61]).

ج _ إن الاختلاف، في مسألة الإمامة، إنما هو في كيفية التعيين، ومواصفات الإمام، وهنا يوجد رأيان: فأهل السنة قائلون: إنَّ الإمام يُنتخب بالإجماع، وبيعة المسلمين؛ والإمامية قائلون بالانتصاب بالنص وببيعة النبي |. وحيث إن النظّام أنكر الإجماع وحجيته، فيجب أن يكون _ منطقياً _ قائلاً برأي الشيعة، ولهذا قال الشهرستاني: إنَّ رأي النظّام هنا هو رأي الشيعة، "وننبّه هنا إلى أنه وقع الاختلاف في أصل وجوب الإمامة بمعنى أن وجوبها عقلي أو شرعي، فذهبت الإمامية والكعبي وأبو الحسن البصري وجماعة المعتزلة إلى وجوبها عقلاً وسمعاً، وجمهور المعتزلة والأشاعرة قائلون بوجوبها السمعي فقط"([62]).

هذا، ولكن نقل عن النظّام قول آخر في الإمامة، مغاير لما نقل هنا([63])، حيث يقول: إن قولـه تعالى: ]إن أكرمكم عند اللـه أت


بين الشِّيعة والمعتزلة العلاقة الملتبسة وتاريخ الخلاف الفكري

29 يوليو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تمهيد

من المسائل التي تثار حول الشيعة _ إلى جانب عشرات التُّهم التي انهالت عليها خلال العصور التاريخية _ مسألة تأثرها بأفكار المعتزلة في المذاهب الكلامية وفقدانها الاستقلالية في هذا المجال. وسوف نرى، من خلال هذا البحث، كيف يثبت عكس ذلك، فضلاً عن نفي الادّعاء نفسه، بمعنى أن المعتزلة أنفسهم هم الذين أفادوا من الفكر الشيعي وتأثروا به.

بداية، سنرصد آراء بعض المفكرين المسلمين من معتزلة وأشاعرة، إضافة إلى جملة من الغربيين، وذلك من خلال المسار التاريخي للموضوع. وسيتضح كيف أن التشيُّع بوصفه تياراً، وقف بوجه المعتزلة ومنذ بداياتهم الأولى في مختلف المجالات، ما قد يجعل الباحث يعزو توجيههم للتهمة السابقة إلى تلقيهم هزائم على يديه. وسنبرهن من خلال البحث على تأثر المعتزلة بالشيعة. وهنا علينا أن نذكِّر بمسألتين:

1-      إنهُ لا نقاش في أصل التأثر والتأثير، فإن جميع الأفكار في المجتمع، وبمختلف أطيافها، ستخضع لمرحلتي التأثر والتأثير بشكل مباشر أو غير مباشر. لكنّ موضوعنا يُعنى بما هو فوق التأثر المتقابل الطبيعي، أي مؤثرات الاتجاه العام في علم الكلام الشيعي.

2-      إن مرادنا من المعتزلة هو ذلك المذهب الذي أسس من قبل "واصل بن عطاء" في أوائل القرن الثاني (وذلك لأن بعض الباحثين قد ينسب تاريخ الاعتزال لعهد عثمان أو الإمام علي × وغير ذلك مما هو خارج عن بحثنا).

 إدِّعاء تأثّر الشيعة بالمعتزلة

لعل "الخيّاط المعتزلي (م/300 هـ) هو أول القائلين([1]) بتأثر الشيعة بالمعتزلة؛ حيث يقول في كتابهِ الانتصار:

أمَّا جملة قول الرافضة فهو: "إن الله عز وجل ذو قد وصورة وحد يتحرك ويسكن ويدنو ويبعد ويخف ويثقل… هذا توحيد الرافضة بأسرها إلا نفراً منهم يسيراً صحبوا المعتزلة واعتقدوا التوحيد، فنفتهم الرافضة عنهم وتبرَّأت منهم، فأمّا جملتهم ومشايخهم مثل هشام بن سالم وشيطان الطاق وعلي بن ميثم وهشام بن الحكم وعلي بن منصور والسكاك فقولهم ما حكيت عنهم"([2]).

ويقول في عبارة أخرى: "فهل على وجه الأرض رافضي إلاّ وهو يقول "إنّ للهِ صورة، ويروي في ذلك الروايات ويحتج فيه بالأحاديث عن أئمتهم إلاّ من صحبت المعتزلة فقال التوحيد، فنفتهُ الرافضة عنها"([3]).

ثم يذكر في مقابل ذلك أفكار المعتزلة، وهي عبارة عن:

"إن الله واحد ليس كمثلهِ شيء، لا تدركهُ الأبصار ولا تحيط بهِ الأقطار وأنه لا يحول ولا يزول ولا يتغير ولا ينتقل، وإنه الأول والآخر والظاهر والباطن وإنه في السماء إله وفي الأرض إله، وإنه أقرب إلينا من حبل الوريد، وما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم ولا خمسة إلاّ هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلاّ هو معهم أينما كانوا، وإنه القديم وما سواه محدث، وإنه العدل في قضائهِ، الرحيم بخلقهِ، الناظر لعبادهِ، وإنه لا يحب الفساد ولا يرضى لعبادهِ الكفر ولا يريد ظلماً للعالمين… وهذهِ الأقاويل الأمة مجمعة عليها مصدقة قول المعتزلة فيها"([4]).

ومن الطريف أن يدَّعي إجماع الخوارج والمفوضة والجبريين والمشبهة والإخباريين وكأنهُ لا يوجد نزاع بين الإخباريين والمعتزلة، ولا شيء من الأزمات التي دارت في عصر المأمون والمعتصم والواثق. وكذلك نفي الخلاف بين حسن البصري وواصل، وأن يقول: ليس من أحد سوى الشيعة انحرف في معتقداته، حيث إن الادعاء يفرض تصديق الأمة جمعاء لكلام المعتزلة، أما الشيعة فلها طريق منحرف عن ذلك!

وكان أبو الحسن الأشعري ثاني شخص، بعد الخياط، ينسب ذلك للشيعة _ لكن ليس بتلك الجرأة _ فكتب يقول:

"الفرقة السادسة من الرافضة يزعمون أنّ ربهم ليس بجسم ولا بصورة، ولا شبيه الأشياء ولا يتحرك ولا يسكن ولا يماس، وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة والخوارج، وهؤلاء قول من متأخريهم وأوائلهم فإنهم كانوا يقولون ما حكينا عنهم من التشبيه"([5]).

ثم أعقب الاشعري ابن تيمية فواصل، في هذا الموضوع، وقال فيه:

"ولكن في أواخر المئة الثالثة دخل من الشيعة في أقوال المعتزلة كابن النوبختي، صاحب كتاب الآراء والديانات، وأمثاله، وجاء بعد هؤلاء المفيد بن النعمان وأتباعهُ، ولهذا نجد المصنفين كالأشعري لا يذكرون عن أحدٍ من الشيعة إنهُ وافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم إلا عن بعض متأخريهم، وإنما يذكرون عن قدمائهم التجسيم وإثبات القدر وغيرهِ، وأول من عرف في الإسلام إنهُ قال إن للهِ جسم هشام بن الحكم"([6]).

وقد كرر هذا الكلام من المعاصرين "أحمد أمين":

"بعض الشيعة يزعم أن المعتزلة أخذوا عنهم، وأن واصل بن عطاء من المعتزلة تلميذ لجعفر الصادق، وأنا أرجِّح أن الشيعة هم الذين أخذوا من المعتزلة تعاليمهم"([7]).

ونقل عبد القاهر البغدادي، في الفرق بين الفرق، عن ابن الراوندي والجاحظ وأبي عيسى الوراق قول هشام بن الحكم في التجسيم،([8]) وجميعهم كانوا معتزلة لمدّةٍ من عمرهم، وكذلك الدكتور علي عبد الفتاح أعاد كلام ابن تيمية مرة أخرى([9]).

ونسب ابن حزم الأمر نفسه للشيعة في كتاب الفصل:

"وجمهور متكلميهم، كهشام بن الحكم الكوفي وتلميذه أبي علي الصكاك وغيرهما، يقولون بأن الله تعالى محدث، وأنه لم يكن يعلم شيئاً حتى أحدث لنفسهِ علماً، وهذا كفر صريح. وقد قال هشام هذا في حين مناظرته لأبي الهذيل العلاف: إنّ لربهِ سبعة أشبار بشبر نفسهِ([10]).

وكتب القاضي عبد الجبار الهمداني في المنية والأمل يقول:

وتفردوا بأن قالوا: علم الله حادث وأطبقوا إلاّ من عصم الله على الجبر والتشبيه([11]).

أما الشيخ إسحاق بن عقيل، مؤلِّف كتاب الفرق الإسلامية، فقد عدّ التشيع منحازاً للمعتزلة أو أنه يرجع للمشبهة، وهو مما لا تقول به المعتزلة ولا المصادر الشيعية([12]).

إلى جانب هذا الكم من كتب المسلمين، يضاف بعض المستشرقين الذين كان لهم رأي مشابهٌ في الموضوع، لاسيما من يعدّ منهم الصراع السياسي عاملاً في ظهور التشيع نافياً وجود العوامل الدينية عنهُ([13]).

 فقد ذكر "مكدرموت" هذا الموضوع في جوانب عديدة من كتاب الفكر الكلامي للشيخ المفيد، منها بُعيد نقله لكلام ابن تيمية من دون تتمة، فذكر يقول:

"كانطباع أولي عن الإمامية هذا صحيح (أنهم كانوا من المشبهة) لكنهُ لم يشر لبعض وثائق نهايات القرن الثالث عندما أخذوا تعاليم مهمَّة من المعتزلة، فكلامه بحاجة لتتمة"([14]).

نعم، لا يوجد خلاف بين "مكدرموت" وابن تيمية في أصل تأثر الشيعة بالمعتزلة. ويقول "آدم متيز":

"من ناحية الأفكار الكلامية وأسلوبها هم ورثة للمعتزلة، وكان تهميش المعتزلة للأدلة النقلية عاملاً مواتياً مع مآرب الشيعة، ولم يكن لهم مدرسة كلامية تذكر في القرن الرابع"([15]).

ويقول ( مونتغمري وات ) في هذا السياق:

ليس هناك فرق ملحوظ بين الشيعة وبعض المعتزلة، فمن طريقة التفكير فهم يعدّون القرآن مخلوقاً _ مثلاً _، لكن الذي بقي غامضاً هو مدى تأثير المعتزلة ومن أين نشأ([16]).

الاستقلال الفكري (الشيعة والإمامة)

يعدّ بحث الإمامة أول أوجه الإستقلال في التفكير الشيعي. ونظراً لكون الإمامة هي ما يخلف الرسالة إلا في وحيها، فقد شكَّلت هذهِ المسألة وحدها الكثير من نقاط الافتراق. فقال بعض الباحثين: إن خلاف الشيعة الوحيد مع المعتزلة هو في باب الإمامة. ويظهر أن هذا الكلام من قبيل قولهم: إن الخلاف بين المسلمين والمسيحيين، هو في نبوة رسول الإسلام. فإن لهذا الخلاف نتائج عديدة ومؤثرة. فإن اتخذت الشيعة موقفاً من القياس أو إجماع أهل السنة أو قولها بالأمر بين الأمرين فهو عائد لتوجيهات الإمام وآرائهِ. إذن فمجرد الخلاف في مسألة الإمامة يولّد بطبيعة الحال قضايا كثيرة لها مدخليتها على النتائج. فلو سلمت الشيعة بالإمامة، فلن يختص ذلك في باب الأخلاق والأحكام، بل لا بد من العمل بقول الإمام حتى في مجال العقائد أيضاً، وعلى هذا الأساس يتكون الاستدلال والبرهان.

لذا يجب أن تأخذ الأحكام الصادرة بحق الشيعة بعين الاعتبار إلتزامها باتباع الإمام في جميع المجالات.

 بحوث الشيعة الكلامية بعد الرسول

بما أن تكوين الشيعة، بدأ في عهد الرسول([17]) أو بعد رحيلهِ، من جهة، وبما أن الشيعة أقلية تفتقد للقوة العسكرية لمجابهة أعدائها من جهة أخرى، لذا كانت تبحث دائماً عن سبيل آمن للمحاججة والبحث. ومنذ ذلك الحين، بدأت البحوث الكلامية تنشأ وتتعزز، نظير محاججة اثني عشر رجلاً من الشيعة بخصوص الإمام علي × كان من جملتهم خالد بن سعيد، سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد وعمار بن ياسر… حتى قال في وصفهم الإمام
الصادق
×([18]):

"فأفحم أبو بكر على المنبر حتى لم يحر جواباً، ثم قال: وليتكم ولست بخيركم أقيلوني أقيلوني. فقال لهُ عمر بن الخطاب: انزل عنها… إذا كنت لا تقوم بحجج قريش لم أقمت نفسك هذا المقام!؟ والله لقد هممت أن أخلعك وأجعلها في سالم مولى أبي حذيفة".

وهكذا بالنسبة لاحتجاجات سلمان الفارسي([19]) والسيدة الزهراء([20]) في الإمامة.

 أئمة الشيعة وتنشئة المتكلِّمين

على الرغم مما يقال من تبلور علم الكلام الشيعي في القرن الرابع في عهد الشيخ المفيد، إلاَّ أنَّ أئمة الشيعة كانوا في أزمنتهم يدعون لبحوث الكلام ويدرسون في هذا المجال، فكان قيس بن الماصر متكلماً شيعياً قبل ظهور المعتزلة، وقد تتلمذ على يد الإمام السجاد ×([21]).

كما تلقى هشام بن الحكم الكثير عن الإمام الصادق × وجاء في سفينة البحار أن مناظرةً جرت بينه وبين رجلٍ شامي.

وحتى المخالفين كانوا على علمٍ بتبعية علم الكلام الشيعي للأئمة([22]).

ولم تقتصر بحوث الشيعة على موضوع الإمامة بل شملت جميع الجوانب، فلهشام ثلاث رسائل في الرد على أرسطو والثنوية وأصحاب الطبائع([23]).

لقد كانت دعوة الأئمة ^ لأصحابهم في تعلم علم الكلام([24])، ومنها حديث يونس "يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلمته"([25]) جميعها تدل على حرصهم على الخوض في تفاصيل علم الكلام وإتقان بحوثهِ.

أئمة الشيعة وبحوث الكلام

إن من أهم الأمور التي سقطت من بحوث خصوم الشيعة الأمر المتمثل بالرؤية الخاصة والبعد المتميز في نصوص الأئمة وبياناتهم الفلسفية والكلامية، لاسيما في أحاديث الأئمة علي والسجاد والصادق والرضا ^. لقد كانت تلك الأحاديث تعبر عن أصالة علم الكلام الشيعي ونظرياتهِ ومما يجدر ذكرهُ هنا هو أن الحاجة لوجود متكلم شيعي تنتفي حيثما وجد الإمام (في المحيط الذي يقطنهُ في أقل تقدير)، لذا عندما كان الإمام الصادق في المدينة كان هشام بن الحكم في الكوفة يتابع نشاطهُ في علم الكلام. ثم إن سيرة الأئمة الأربعة، المتقدم ذكرهم آنفاً تدلّ على أن سائر الأئمة إن لم يتعرضوا لبحوث الكلام _ بغض النظر عن الضغوط السياسية _ فذلك لأنها لم تكن مطروحة في أزمانهم بشكل ملحوظ.

تأسيساً على ما تقدم، يكون أئمة الشيعة متقدمين على المعتزلة في طرح البحوث الكلامية. فبالإضافة لنهج البلاغة وما يزخر بهِ من نصوص كلامية، فالصحيفة السجادية أيضاً لها أهميتها من الناحية الكلامية، فإن افترى بعضهم في حق نهج البلاغة ونسبهُ للشريف الرضي، فإن ذلك لا يصدق بحق الصحيفة السجادية فلا يعتري شك في أنها من آثار الإمام السجاد × القيمة.

وقد أثبت السجاد × في صحيفتهِ بعض ما يتعلق بالإلهيات والكلام، ومما قاله في هذا الصَّدد:

1 ـ نفي الصفة عن الباري

 اللهم يا من لا يصفهُ نعتٌ الواصفين([26]).

 عجزتْ عن نعتهِ أوصاف الواصفين([27]).

 ضلّتْ فيك الصفات وتفسخت دونك النعوت([28]).

 لا يبلغ أدنى ما استأثرت بهِ من ذلك أقصى نعت الناعتين([29]).

2 ـ استحالة رؤية الباري

 الذي قصرت عن رؤيتهِ أبصار الناظرين([30]).

 يا من تنقطع دون رؤيتهِ الأبصار([31]).

 ولم تدرك الأبصار موضع أينيتك([32]).

3 ـ نفي الضد والشبيه عنه

 فقد قدمت توحيدك ونفي الأضداد والأنداد والأشباه عنك([33]).

 أنت الذي لا ضد معك فيعاندك، ولا عدل لك فيكاثرك، ولا ندّ لك فيعارضك(34).

لقد نفى الإمام السجاد × في أدعيتهٍ شبيه الباري، قبل أن ينفصل واصل بن عطاء عن حلقات درس البصري ويعتزم تأسيس الاعتزال، إذن فالشيعة ليسوا بحاجة لأن يأخذوا ذلك من المعتزلة. (وقد كان استشهاد الإمام السجاد × سنة 95 هـ, في أعلى التقادير، في حين كان عمر واصل آنذاك خمسة عشر عاماً تقريباً).

4 ـ إدراك كنهه فوق مدارك البشر

 أنت الذي قصرت الأوهام وعجزت الأفهام عن كيفيتك([34]).

 حارت في كبريائك الأوهام([35]).

5 ـ لا يحد وغير متناهٍ

 أنت الذي لا تحد فتكون محدوداً([36]).

 لا حد له بأولية ولا منتهى له بآخرية([37]).

 ومجدك أرفع من أن يحد بكنههِ([38]).

6 ـ نفي التجسيم والبشرية عنه

 سبحانك لا تحس ولا تمس، ولا تكاد ولا تماط ولا تنازع ولا تجارى ولا تمارى ولا تخادع ولا تماكر([39]).

 وبجـلال وجهـك الكـريم الـذي لا يبلى ولا يتغير ولا يحول ولا يغنى([40]).

 أنت الذي لا يحويك مكان([41]).

7 ـ أزلية الرب وأبديته

 الحمد لله الأول بلا أول قبلهُ والآخر بلا آخر يكون بعده([42]).

 أنت الله الأول في أوليتك وعلى ذلك أنت دائم لا تزول([43]).

8 ـ توحيده

 وجنبنا الإلحاد في توحيدك والتقصير في تمجيدك([44]).

 ليس كمثلهِ شيء، ولا يعزب عنهُ شيء، وهو بكل شيء محيط، وهو على كل شيء رقيب. أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد المتوحد المفرد المنفرد. وأنت الله لا إله إلا أنت الكريم المتكرم العظيم المتعظم الكبير المتكبر. وأنت الله لا إله إلا أنت العلي المتعال الشديد المحال. وأنت الله لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم العليم الحكيم. وأنت الله لا إله إلا أنت السميع والبصير القديم الخبير. أنت الله لا إله إلا أنت الكريم الأكرم الدائم الأدوم. وأنت الله لا إله إلا أنت الأول قبل كل أحد والآخر بعد كل عدد. وأنت الله لا إله إلا أنت الداني في علوهِ والعالي في دنوه. وأنت الله لا إله إلا أنت ذو البهاء والمجد والكبرياء والحمد. وأنت الله لا إله إلا أنت الذي أنشأت الأشياء من غير سنخ، وصوَّرت ما صوَّرت من غير مثال وابتدعت المبتدعات بلا أضداد. أنت الذي قدرت كل شيء تقديراً، وسيرت كل شيء تيسيراً، ودبرت ما دونك تدبيراً. أنت الذي لم يعنك على خلقك شريك ولم يوازرك في أمرك وزير، ولم يكن لك مشاهد ولا نظير. أنت الذي أردت فكان حتماً ما أردت…([45]).

وقبل أن نلجأ إلى نصوص نهج البلاغة، بإمكاننا أن نستوحي حديث الإمام علي × في الإلهيات ومعرفة الله من المصادر الآتية: فكتاب المعيار والموازنة للإسكافي (م. 240) الذي يعود تأريخ تأليفهِ لقرن قبل ولادة الشريف الرضي، ذكرت فيه خطبة للإمام علي × هذا نصها:

"الحمد لله وأستعينهُ وأؤمن بهِ وأتوكل عليهِ، الأول لا شيء قبله والآخر لا غاية له، علا فدنا، دنا فعلا، لا تقع الأوهام له على صفة ولا تنعقد القلوب منه على كيفية، ولا تحيط له بذات ولا تنالهُ التجزئة ولا يدركهُ التبعيض الذي لا من شيء كان ولا من شيء خلق ما كان قدرهُ، بان بها الأشياء وبانت الأشياء منه، فليست لهُ صفة تنال ولا حدّ تضرب لهُ فيهِ الأمثال، كل دون صفاته تحبير اللغات وضل في ما هنا لك تصاريف الصفات، وحار في ملكوتِهِ عميقات مذاهب التفكير وانقطع دون الرسوخ في عملهِ جوامع التفسير، وحال دون غيبهِ المكنون حجب الغيوب وتاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول، فتبارك الذي لا يبلغهُ بعد الهمم ولا ينالهُ غوص الفطن وتعالى الذي ليس لهُ وقت معدود ولا أجل ممدود ولا نعت محدود([46]).

وكان لكلمات الإمام علي × الانتشار الواسع على ألسن الناس، ما دعا مؤلف المعيار والموازنة لأن يقول:

"إن عامة ما ذكرنا من كلامهِ، ولم نذكرهُ من خطبهِ في التوحيد والثناء على الله وتذكيرهِ ومواعظهِ قد تحلى بها أكثر المتكلمين، وتزين بها الواعظون، وتكسب بها القصاص، ورددها في مجالسهم أهل الذكر"([47]).

وقد تكون هذهِ المواضيع متوافرة في نصوص سائر الأئمة
كالحسين
×([48]) والباقر ×([49]) وبكمٍّ أكبر في أحاديث الصادق ×.

كان للإمام الصادق × نقاشات عديدة، فتارة مع الزنديق المصري([50]) وأخرى مع ابن أبي العوجاء أو عبد الله بن المقفع، أو محمد بن علي الكوفي،([51]) حيث أن الأول من تلامذة حسن البصري والثاني من بلاد فارس والثالث من الكوفة.

يعدّ الإمام الرضا × رابع أئمة الشيعة ممن خاضوا في لجج علم الكلام وتفاصيلهِ وكانت جل بحوثهِ في هذا المجال خلال تواجده في إيران، ومنها:

1.الاستدلال بالمبادئ العقيلة([52]).

2.في التوحيد([53]).

3.في البرهان على أن الله سبحانهُ موجود وأنه موجد للعالم([54]).

4.في البرهان على أن الله سبحانه واحد لا شريك له([55]).

5. في البرهان على أن صفات الله عين ذاتهِ، وأن الصفات الزائدة مسلوبة عنه تعالى([56]).

6.في البرهان على أن صفات الفعل خارجة عن ذات الله سبحانهُ ومنتزعة عن مقام الفعل([57]).

7. في البرهان على القضاء والقدر، وأنه لا يوجد شيء في العالم إلا بقضاء الله تعالى([58]).

8.في الجبر والتفويض وضرورة الأمر بين الأمرين([59]).

في الواقع يمكن اعتبار نهج البلاغة من أهم مصادر أفكار علماء الشيعة، وخصوصاً علماء القرن الرابع. ويمكن إدراك هذا التأثر من عدة جوانب. فالترتيب المنطقي للمصطلحات، والاستنتاج السليم، إضافة إلى بعض المفردات المستجدة نظراً لثراء اللغة العربية ومن دون الحاجة لترجمة النصوص اليونانية، تلك الفقرات جميعها وُظّفت في لغة أدبية فلسفية معمقة. وقد حظيت بعض الجوانب الفلسفية من كلام الإمام الأول باهتمام ملا صدرا ومدرسته.

 رواد الشيعة في علم الكلام من البداية وحتى عصر المفيد

1- كميل بـن زياد([60]). 2- سليم بـن قيس الهلالي([61]). 3- حارث العوار الهمداني([62]). 4- أبو هشام بن محمد بن الحنفية([63]). 5- ميثم بن يحيى التمار([64]). 6- أويس القرني (إبن عامر) سيد التابعين([65]) 7- صعصعة بن صوحان([66]). 8- أصبغ بن نباتة([67]). 9- علي بن إسماعيل بن ميثم([68]). 10- زرارة بن أعين([69]). 11- أبو طالب الحضري([70]). 12- محمد بن عبد الله الطيار([71]). 13- أبو جعفر الأحول مؤمن الطاق([72]). 14- محمد بن الحكيم الخثعمي([73]). 15- هشام بن الحكم([74]). 16- يونس بن عبد الرحمن([75]). 17- محمد بن إسحاق القمي([76]). 18- مظفر الدين محمد الخراساني([77]). 19- علي بن عباس الجزايني الرازي([78]). 20- الفضل بن شاذان النيشابوري([79]). 21- أبو الطيب الرازي([80]). 22- أبو منصور صرام النيشابوري([81]). 23- ابن أبي عقيـل العمـاني([82]). 24- أبو عبدك الجرجاني([83]). 25- ابن مملك الإصفهاني…([84]). 26- محمد بن أبـي جعفـر الـرازي([85]). 27- إسماعيل بـن محمد بن إسماعيل بن هلال المحزومي([86]). 28- حديد بن حكيم الوجه المتكلم([87]). 29- إسماعيل بن إسحال أبو سهل النوبختي([88]). 30- محمد بن بشر أبو الحسين السوسنكَردي([89]). 31- أبو الحسين علي بن وصيف([90]). 32- حسن بن موسى النوبختي([91]).

 الصِّدام بين المعتزلة والشيعة في مختلف المجالات

وهذا دليل آخر على استقلال الشيعة عن المعتزلة، فالمواجهة حاصلة منذ بدايات تكوين مذهب الاعتزال.

خلافات علم الكلام بين الشيعة والمعتزلة

هنالك خلاف كبير، في وجهات النظر، بين الشيعة والمعتزلة، فإن كانت الشيعة قد أخذت عن المعتزلة أفكارها، إذن فما هو المسوِّغ لهذا الكم من الخلافات بينهما. وهنا سنشير إلى بعض نقاط الافتراق بين الاتجاهين:

1-إتفق أهل الإمامية على أنهُ لا بد في كل زمان من إمام موجود…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك وجواز خلو الأزمان الكثيرة من إمام موجود([92]).

2-اتفقت الإمامية على أن الإمامة لا تثبت مع عدم المعجز لصاحبها إلا بالنص على عينه والتوقيف، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([93]).

3-اتفقت الإمامية على ان الإمامة بعد النبي |. في بني هاشم خاصة…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([94]).

4-اتفقت الإمامية على أن رسول الله | استخلف أمير المؤمنين × في حياته ونصّ عليه…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك…([95]).

5-اتفقت الإمامية على ان النبي | نص على إمامة الحسن والحسين بعد أمير المؤمنين ×…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([96]).

6-اتفقت الإمامية على أن الإمام لا يكون إلاّ معصوماً من الخلاف لله تعالى…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([97]).

7-اتفقت الإمامية على أن رسول الله | نص على علي بن
الحسين
×…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([98]).

8-اتفقت الإمامية على ان الأئمة بعد الرسول | أثنا عشر إماماً، وخالفهم في ذلك كل من عداهم من أهل الملة([99]).

9-اتفقت الإمامية على أن المتقدمين على أمير المؤمنين ضلال فاسقون…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([100]).

10- اتفقت الإمامية والزيدية والخوارج على أن الناكثين والقاسطين من أهل البصرة والشام، أجمعين، كفار ضلال ملعونون بحربهم أمير المؤمنين ×… وأجمعت المعتزلة سوى الغزال وعمر بن عبيد وابن باب على خلاف ذلك([101]).

11- اتفقت الإمامية والزيديـة وجماعـة مـن أصحـاب الحديث على أنّ الخوارج في النار بذلك مخلدون، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([102]).

12- اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى من فرض الطاعة هو كافر ضال مستحق للخلود في النار، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([103]).

13- اتفقت الإمامية على أن العقل محتاج في علمه ونتائجه إلى السمع، وأنه غير منفك عن سمع ينّبه العاقل على كيفية الاستدلال، وأنه لا بد في أول التكليف وابتدائه في العالم من رسول، ووافقهم في ذلك أصحاب الحديث وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([104]).

14- اتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة، وإن كان بينهم في معنى الرجعه اختلاف، واتفقوا على إطلاق لفظ البداء في وصف الله تعالى وأن ذلك من جهة السمع من دون القياس، واتفقوا على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا عن موجب التنزيل وسنة النبي |، وأجمعت المعتزلة على خلاف الإمامية في جميع ما عددناه([105]).

15- اتفقت الإمامية على أن الوعيد بالخلود في النار متوجه إلى الكفار، خصوصاً من دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى والإقرار بفرائضه من أهل الصلاة…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وزعموا أن الوعيد بالخلود في النار عام في الكفار وجميع فساق أهل الصلاة([106]).

16- اتفقت الإمامية على أن من عُذّب بذنبه من أهل الاقرار والمعرفة والصلاة لم يخلّد في العذاب وأخرج من النار إلى الجنة…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([107]).

17- اتفقت الإمامية على أن رسول الله | يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أمته، وأن أمير المؤمنين × يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته، وأن أئمة آل محمد ^ يشفعون كذلك…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وزعمت أن شفاعة رسول الله | للمطيعين من دون العاصين وأنه لا يشفع في مستحق العقاب من الخلق أجمعين([108]).

18- اتفقت الإمامية على أن مرتكب الكبائر من أهل المعرفة والإقرار لا يخرج بذلك عن الإسلام…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([109]).

19- اتفقت الإمامية على أن الإسلام غير الإيمان… وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([110]).

20- اتفقت الإمامية على أن قبول التوبة تفضّل من الله عز وجل وليس بواجب في العقول إسقاطها لما سلف من استحقاق العقاب…، وأجمعت المعتزلة على خلافهم، وزعموا أن التوبة مسقطة لما سلف من العقاب على الوجوب([111]).

21- ارتأى المعتزلة التفويض فقالوا: "أفعال العباد غير مخلوقة فيهم وأنهم المحدثون لها"([112])، و… إن العبد قادر خالق لأفعالهِ خيرها وشرها([113])، وإن الله تعالى ليس له في أفعال العباد المكتسبة صنع ولا تقدير لا بإيجاد ولا نفي"([114]) بينما تقول الشيعة بأنه أمر بين أمرين([115]).

22- تعتقد الشيعة بأن


التَّصــوُّف والتَّشــيُّع دراســـة في العلاقـــة الجدليـــة

25 يوليو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

من هو د. نصر الله بورجوادي؟

ولد الدكتور نصر الله بورجوادي سنة 1322 هجري شمسي في مدينة طهران.

بعد إكماله للدراسة الثانوية، سافر إلى أمريكا، وتخرج عام 1345 هـ. ش في جامعة سان فرانسيسكو بدرجة بكلوريوس في الفلسفة. ثم نال الماجستير والدكتوراه، في التخصص نفسه في عامي 1349 و 1356هـ.ش. من جامعة طهران. عيِّن معيداً في الفلسفة والمنطق والعرفان الإسلامي في جامعة شريف الصناعية بين عامي 1350 و 1363 هـ. ش، ثم أصبح مساعد أستاذ في الفلسفة في جامعة طهران من عام 1363 حتى سنة 1376 حين أصبح أستاذاً فيها، ولا يزال حتى يومنا هذا.

أما الوظائف، السابقة والحالية، التي تولاَّها فهي:

-     رئيس مركز التعليم في جامعة شريف الصناعية.

-     مدير قسم المنشورات في الجامعة نفسها.

-     عضو في جمعية اللغة والأدب الفارسيَّين.

-     رئيس موسوعة العالم الإسلامي.

-     رئيس مركز الإصدار الجامعي ومدير ورئيس تحرير صحيفة (وزين نشر دانش).

وقد صدرت له مجموعة من المقالات والكتب بالفارسية والإنجليزية.

q يجدر بنا بداية أن نسأل الدكتور عن هدفهِ من التحقيق في مجال التصوُّف؟

د. پورجوادي: يصعب على المرء التحدث عن نفسه وخصوصياته الدينية، لكني أقول في مقام الإجابة عن سؤالكم: إنَّني، ومع كوني ترعرعت في عائلة دينية لها إطلاع كامل على المسائل الدينية والعقديَّة، كنت وكسائر تلاميذ الثانوية والجامعة آنذاك، أرغب في دراسة الطب، لكن سرعان ما اكتشفت رغبتي الجامحة في دراسة علم النفس والفلسفة. فواصلت دراستي في الفلسفة جامعياً، وكتبت موضوعات في فلسفة الأديان وفلسفة اللغة التحليلية. ونظراً لما عشته من تجارب وأحداث دينية شهدت، في وجودي، نقلة نوعية، فاتجهت نحو تراثنا الديني الفلسفي والعرفاني لابن سينا، وملا صدرا وابن عربي، وما توافر من الأشعار الفارسية لشعراء مثل العطار النيشابوري وغيرهِ. ثم تحولت مسألة التحقيق في الأمور التي من هذا النوع فغدت من طموحاتي. وقد اعتمدت في التحقيق على أصول البحث والتحليل التَّاريخيَّة، فلو أردت مطالعة تاريخ التصوف والعرفان، مثلاً، فلا بد من أن تكون نظرتي للموضوع بعيدةً عن اعتقادي الخاص ومعتمدة على أساليب علمية صرفة. فإن نحن رفضنا إعادة النظر في البحوث العقدية إذن فما هي الجدوى من التحقيق فيها؟

q لماذا اختصت الغالبية من بحوثك ورسائلك بالمرحلة الممتدة من صدر الإسلام حتى القرن الخامس الهجري؟

د. پورجوادي: لقد انصبَّ جل اهتمامي على تاريخ العرفان وفكره، وخصوصاً العرفان في إيران، وقدَّمت أعمالاً في هذا المجال. كذلك لي دراسات محدودة للعهد المعاصر، لكن بقي مصب اهتمامي طوال 15 _ 20، عاماً على القرون المتقدمة لأنها مرحلة تبلور الحضارة والفكر الإسلاميين. فقد شكل القرنان الثالث والرابع، مثلاً أهم مراحل تكوين الفلسفة الإسلامية، ولم يغيّر الذين جاؤوا بعد ابن سينا الكثير ممّا وضعهُ سابقاً. وحتى إذا ما أردنا التطرق للمراحل المتأخرة، فإننا لا محالة نرجع في ذلك للفارابي وابن سينا. فهكذا تكون الحال أيضاً إذا ما أردنا التحقيق والبحث في العلوم العرفانية والدينية فلا بد من الرجوع إلى قرون الإسلام الأولى. لذا نرى أن أهمية الحضارة الإسلامية وما لها من علوم عقلية ونقلية تعود للقرون الأولى للإسلام، أي لا بد من مراجعة مصادر هذهِ العلوم وينابيعها ومعرفة من أين نشأتْ؟

q يظهر أن تأسيس محيي الدين بن عربي وأتباعه للعرفان النظري قد أحدث تحوُّلاً جذرياً في أصول العرفان والتصوف. وقد يعدّه بعض الباحثين انحرافاً عن العرفان الحقيقي، ويقولون: إن هكذا نوع من العرفان جاء ليقضي على العرفان الحقيقي. فما هو رأيكم؟

د. پورجوادي: ابن عربي هو من الشخصيات المهَّمة جداً، لكننا نواجه في طريقنا للتعرف إليه إشكالات عديدة. لذا علينا التحقُّق من بيانات ابن عربي بشكل دقيق للوقوف على ما أحدثهُ من تحوُّل في هذا المجال. فقد تناول في بحوثه موضوعات تطرق لها آخرون من قبل، كآرائه في بحث الولاية مثلاً؛ إذ ترجع سابقة الخوض في هذا الموضوع إلى عهد الحكيم الترمذي. وهكذا بالنسبة لأبحاث ابن عربي في الأسماء الإلهية.

إنَّ من أهم المصادر التي كان يرجع إليها ابن عربي كتاب: "إحياء العلوم، للغزالي وما ورد فيه من متبنَّيات في ما يخص الأسماء الحسنى. إذن، فهو لم يبتكر شيئاً جديداً؛ إذ إن غالبية هذه المتبنَّيات قُرِّرت سابقاً، سوى أنّ ابن عربي قد منحها أطراً فلسفية جديدة. ولم تخل آراؤه من هفوات خصوصاً في ما يتعلق بالتشيُّع وغيرهِ من البحوث العلمية والعرفانية. ويعتقد بعض الباحثين بأن ابن عربي قد ابتكر بعض المصطلحات والواقع خلاف ذلك. فكما أخفق في خصوص اسماعيل واسحاق كذلك أخفق في ما يتعلق بالتمكين والهواجس من مصطلحات. ففي الحقيقة إن هذهِ المفردات يعود تاريخها لمئات السنين، إلاّ أن ابن عربي كان يستلهم منها بعض المفاهيم، مستعيناً بقوة الإدراك التي كان يتمتع بها، ومن خيالٍ خصب وقدرة على الاستيعاب.

لقد فلسف ابن عربي وصدر الدين القونوي وأتباعهما العرفان، الأمر الذي أدى إلى ابتعادهم عن التيارات العرفانية في إيران. ففي الحقيقة أن اتجاه ابن عربي في العرفان كان مغايراً لما هو متداول باللغة الفارسية لدى الإيرانيين؛ وذلك لجهله باللغة الفارسية؛ إذ كانت العربية لغة العرفان والتصوف الأولى حتى أواسط القرن الخامس، لذا كانت جميع الكتب التي تصدر في تلك المرحلة مكتوبة باللغة العربية. بل وحتى العرفانيات الفارسية كانت تكتب من قبل الإيرانيين في رسائلهم بالعربية.

في أواسط القرن الخامس، دخلت الفارسية منافسةً للعربية في التصوف والعرفان، فأصبح لها تفوُّق في بعض المجالات؛ وذلك أنَّ الفارسية هي التي جعلت من الشعر العرفاني شجرةً لها امتدادها في أرجاء العالم الإسلامي. أتذكَّر المرحوم عثمان يحيى، في مؤسسة دائرة المعارف، حين أثنى على ابن عربي وأشعاره فقال: لم ينظم العرفان أحدٌ بعد ابن عربي بهذه الروعة. فرد عليه الشاعر المصري صلاح الصاوي قائلاً: لو كنت مطَّلعاً على اللغة الفارسية وتاريخها لما ادعيت هذا الادعاء، فإن الفارسية مليئة بهكذا نوع من الأشعار، بل وبما يفوق أشعار ابن عربي أيضاً، وهذه حقيقة واقعية.

كانت أهم العوامل التي ساعدت اللغة الفارسية، في مجال العرفان، الأشعار العرفانية نفسها. فقد تضمنت مثنويات(1) سنائي وجلال الدين الرومي وما نظم العطار النيشابوري وحافظ وسعدي والخواجوي والكرماني وغيرهم ابتكاراتٍ قل نظيرها في الشعر العربي العرفاني. وليس من أسماء لامعة في العربية سوى ابن الفارض وابن عربي، في مقابل الوفرة الوفيرة من الشّعر الفارسي الذي عمَّ آسيا والامبراطورية العثمانية وشبه القارة الهندية، بل وترك بصماتهُ أيضاً على ابن عربي نفسهِ. ولست وحدي من يدَّعي ذلك، إنما جميع الذين حققوا في هذا المجال ذهبوا إلى أن ابن الفارض قد تأثر بالشعر الفارسي من قبل الإيرانيين الذين توافدوا على مصر.

والجدير ذكرهُ هنا أن العرفاء وأصحاب المدارس الصوفية كانوا يجيدون اللغتين، وظلّوا كذلك حتى عصر ابن عربي، فلم تقتصر قراءات الإمام الغزالي – مثلاً – على العربية فقط، فقد مكَّنه إطلاعه على الشِّعر الفارسي وتراكيب لغته من كتابة مبحثٍ رصينٍ في باب "السماع" ضمن كتاب إحياء العلوم. وهكذا بالنسبة لعين القضاة الهمداني، أو نجم الدين كبرى وروزبهان الشيرازي (ممن كانوا بعيدين عن قواعد الفارسية والتصوف الخراساني). بالإضافة لتأثر أولئك الذين لا يجيدون الفارسية بالمؤلفات العربية التي كان يدونها الإيرانيون. وهذه ميزة لم تتوفر لدى ابن عربي؛ حيث أنهُ بقي في قطيعة مع لغة العرفان الفارسية. لذا اتصفت أسس الفكر العرفاني لديهِ بالفلسفة. فظلت آثارهُ خاليةً من خصوصيات مدرسة التصوف والعرفان الفارسية.

كان لصدر الدين القونوي دور في نشر آراء ابن عربي عندما قام بتصنيفها وتدرسيها للآخرين. واللافت للنظر هنا أنهُ كان يلقي دروسهُ بالفارسية صبحاً وبالعربية عصراً، أو بالعكس، مستعيناً بالألفاظ الفارسية عند الحاجة. وقد نتج عن جهود القونوي في قونية بلورة علم عُرف بالعرفان النظري تستند أسسهُ على الفلسفة الأفلاطونية الحديثة. إضافةً إلى انتماء بعض المطالب كالولاية والأسماء والصفات، ممَّا كان يطرح من قبل المتصوفة، إلى ذلك العلم. وقد حظي هذا العلم باهتمام الفلاسفة وتوجههم لهذا النوع من العرفان، وإن خضع للنقد في ما بعد.

q ربما كانت هذه النزعة الفلسفية سبباً في عدم انتماء أي مدرسة صوفية لمحيي الدين ابن عربي.

د. پورجوادي: نعم هذا صحيح، فحتى أولئك الذين كانوا ينظرون إلى هذه الموضوعات من الناحية النظرية، كانوا يبحثون عن شخصٍ ذي بصيرةٍ للاستعانة به على أدعيتهم وطقوسهم العبادية وإرشادهم لها.

q كانت اللغة الفارسية تماشي، في نصوصها، السليقة والمقام من دون التقيّد بالمصطلحات والبحوث الفلسفية. ألم يكن ذلك ناشئاً عن التجربة العرفانية الواقعية؟ وما هو الحد الفاصل بين العرفان أو التصوف الإيراني وسائر مدارس العرفان؟

د. پورجوادي: هنالك صنفان من اللغة: أحدهما اللغة المتداولة في الفلسفة، والآخر لغة الشعر والشعراء. وتكون الفلسفية منها لغة انتزاعية مجردة، فعندما نتطرق لموضوع العدل والمحبة _ مثلاً _ سيكون مصب اهتمامنا على صميم هذه المفردات مجرَّدة عن عرضياتها، بينما تصورها لنا لغة الشعر بخيالات واسعة كأنها لباس للبدن، في حين أنها ليست مادية. وكما يقول السهروردي: يمكننا أن نسمَّي عالم الشعر بالملكوت والمثال والنظائر.

وهكذا لو أرادوا الخوض في بحوث الحقيقة المطلقة، فيشبهونها مثلاً بضياء الشمعة، ثم يصنفون مراحل إدراك الحقيقة وكنهها في علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، هذه الأمور جميعها مندرجة تحت أطر حكاية الشموع والفراش المتهاوي حول شعاعها. إنّ الفراشة تبقى في مرحلة الإخبار ما لم تلمس الحقيقة وتشاهد نورها، كالشخص الذي يسمع بالخبر من دون أن يراه بأم عينهِ. إلاّ أن شعاع الشمع قد يسمح للفراشة برؤية بعض الأشياء، وإنْ لم يتسنَّ لها رؤية النور نفسهِ. وبذلك يمكنها إدراك ماهيات هذا العالم. وهذه هي مرحلة علم اليقين. وعندما تبصر النور تكون قد أدركت بذلك عالم الشهود وهذه مرحلة عين اليقين. وإذا ما ألقت بنفسها على شعلة الشمع واحترقت فقد نالت مرحلة حق اليقين.

هذا تشبيهٌ يستعين به الخواجه نصير الدين الطوسي في معرض شرحهِ لمراحل هذا الطريق ونهايته، أي حق اليقين. وقد سبقهُ الحلاج من قبل في ذلك. لكن لغة ابن عربي في العرفان تختلف عن ذلك تماماً، فلا تحتوي الفتوحات، أو "فصوص الحكم" على هكذا نوع من التعبيرات. نعم، قد يشير في بعض أشعارهِ إليها من الاستغراق في معجمها الشعري. وهكذا الحال بالنسبة لتلامذتِهِ، إلاّ من كان منهم فارسياً أو متأثراً بالفرس.

لغوياً، يعود منشأ هذين القسمين من اللغة للعهد الإسلامي، حيث كانت اللغة الفارسية هي لغة العرفان والشعر لدى من تأثر بها من هنود كأمير خسرو الدهلوي وبيدل وكذلك العثمانيين.

q ما هو الفرق بين التصوف الفارسي وغيره من مدارس التصوف من جهة نظر أرباب المعرفة وسيرهم؟

د. پورجوادي: من ناحية المذهب والعقائد لا يوجد فرق بين أنواع التصوف، فالصوفي الشافعي _ مثلا _ في إيران يتحد في عقائدهِ مع الصوفي الشافعي في مصر. أما من الناحية الاجتماعية فهما يختلفان بلا شك نظراً لاختلاف الثقافتين. وقد وقع الخلاف في داخل المجتمع الصوفي في إيران، فشهد انقسامات عديدة، فوصف بعض منهم بالإباحية وتعرض لانتقاد الفرق الأخرى من الصوفية، فدوَّنت من أجل ذلك الكتب والرسائل، أمثال: غلطات السالكين أو الأخطاء التي أثبتها أبو نصر السراج في اللمع، وما كتبهُ روز بهان البغلي، وانتقادات الغزالي اللاذعة في الرسالة الإباحية، وابن الجوزي في تلبيس إبليس. فجميع تلك الانتقادات وُجِّهت إلى من اتصفوا بالإباحية من متصوفة إيران. والخلاصة: لم يكن للتصوف والعرفان في العالم الإسلامي شكل منسجم باسم التيار الصوفي، بل خضع التصوف والعرفان لمراحل تاريخية متبانية، فمثلاً كان يطلق في إيران، في مرحلة من المراحل، على المدارس العرفانية اسم المتصوّفة، وإن لم ترتبط بالتصوف أساساً. وفي القرن الثالث أيضاً لم تكن نيشابور وغيرها من المدن لتشهد مقولة التصوف، بينما كان توجد فيها مذاهب عرفانية عديدة.

ولم يكن "الملاميون"، في القرن الثالث في نيشابور من المتصوفة، ولا الحكيم الترمذي، ولا أبو بكر الوراق في ما وراء النهرين. فكان الصوفي يطلق على أهل العراق خاصة. وكذا "الكرامية" لم يكونوا متصوفةً أيضاً.

وإذا رجعنا لابن سينا، في النمط الثامن والتاسع من الإشارات وغيرها من آثارهِ، سنجدهُ لم يتطرق للتصوف والمتصوفة حتى في كلمة واحدة. بينما كان يذكر العرفاء ومقاماتهم كثيراً. فلماذا لم يذكر ابن سينا شيئاً عن المتصوفة؟ هل كان رافضاً لهم؟ الجواب: لا لم يكن كذلك. فلو أن ابن سينا كان يعيش في القرن الثامن، وتجنب ذكر المتصوفة، لالتمسنا لهُ عذراً في ذلك، بينما لم يكن ذلك حاكماً في نهاية القرن الرابع وبداية الخامس بأن يخشى الشخص أن يتطرق لمواضيع التصوف وأهلهِ فيكتم رفضهُ لهم.

وقد كان في زمن ابن سينا مؤلفون كالسلّمي وأبي نصر السراج خلقوا أجواءً باسم التصوف، وأدرجوا تحتها جميع النزعات العرفانية، إلاّ أنهم جعلوا فروقاً بين أصناف التصوف، لذا كانوا يقولون: إن أوائل متصوفة أصفهان هو علي بن يوسف البنا وتلميذهِ علي بن سهل الإصفهاني. بينما، من دون شك، كان يوجد من قبلهم زهادٌ وعبادٌ اتصفوا بالصِّفات نفسها. حيث كانت هذهِ المنزلة في القرن الثالث مختصةً بجملة من مشايخ القوم وحتى تصوفهم كان لهُ طابع خاص يختلف عن سواه.

وهناك إجماع على وجود عارف باسم ابن يزدانيار في عصر الجنيد وأبي الحسين النوري عرف بتصوفه الخاص بمدينة (أرومية). ومن الملفت للنظر أن الكلابادي، في كتاب التعرف، وعندما يعدد المتصوفة، يذكر واحداً لكل مدينة. وعدَّ بعضُ الباحثين ذلك أنموذجاً ومصداقاً لا غير، والحال أن ذلك كان يتضمن دلالة مهمَّة هي ذكرهُ للرواد والشخصيات البارزة لكل مدينة، كأبي بكر الأبهري في أبهر، وابن يزدانيار في أرومية، وعلي بن سهل الأصفهاني في أصفهان وغيرها من مناطق خراسان وما بين النهرين والجبال. فهؤلاء هم أناس عظام حافظوا على مبادئهم وصانوها. من هنا نجد وقوع خلاف بين علي بن سهل والجنيد في ما يخص تصوف ابن يزدانيار، إذ إنّه صنّف بوصفه صاحب مذهب مستقل في التصوف.

والخلاصة، إن العرفان في تلك المدن كان قائماً بشخصياتها، لأن السلالات والتكتلات اليوم لم تكن موجودةً آنذاك. وقد ذكرت هذهِ الموضوعات كي لا نتوهم وجود حركة موحدة امتدت تاريخياً حتى وصلت إلينا.

q هل تؤيدون الرأي القائل بوجود منهج للتصوف الفارسي هو الحب، وبأن منهج العرفان عند ابن عربي هو المعرفة؟ وما هو المنهج الأسمى؟

د. پورجوادي: كان هذا الموضوع محل خلافٍ في سالف العصر، ومن الأسئلة التي طرحت: ما هو الأرجح بين الحب والمعرفة؟ فنسب بعضهم ذلك للمعرفة وآخرون قالوا بأرجحية المحبة. غير أن مما يجدر ذكرهُ، في ما يخص الحب في العرفان أو التصوف الفارسي – وإن لم يكن مستحسناً استخدام مفردة التصوف هنا، إلا أن انعدام مرادفٍ لها ألجأنا لذلك اضطراراً _ هو أن الحب كان يمثل ديناً ومعتقداً بالنسبة لإيران في مرحلة من المراحل.

وقد أشرت سابقاً، في أغلب مقالاتي، إلى أن هناك علاقة وثيقة بين الخالق والإنسان مع صعوبة شرحها. فحقيقتها كحقيقته _ عز وجل _ لا يمكن إدراكها. حيث إن العلاقة بين الإنسان وربهِ هي علاقة من نوعٍ فريدٍ مختلف عن علاقة الأخوة والأبوة مثلاً، فهذه علاقة معينة واضحة. لكنّ العلاقة مع الله _ جل وعلا _ لا مثيل لها. فكما أننا لا نستطيع وصف الباري كذلك علاقتنا بهِ يستحيل وصفها. إلاّ أننا نجد أنفسنا مضطرين للتحدث عنها وعن الدين والعلاقات الاجتماعية الإنسانية للاستعانة بها في وصف علاقتنا مع الله _ جل شأنهُ _. وهذه الأمور جميعها قيود تفرضها اللغة. ففسَّروا العلاقة تلك بتفسيرات عديدة وتشبيهات مختلفة، فقال بعضهم: إن علاقة الإنسان ببارئهِ كعلاقة الابن بأبيه، وآخرون قالوا: كالعبد والمولى أو المعلم والتلميذ أو كعلاقة الكلي بأجزائهِ. وشبَّههُ جماعةٌ بشعاع الشمس وذراتها الضئيلة. أما في تعاليم ديننا فقد ورد التأكيد على صفة العبودية خصوصاً. فالإنسان عبدٌ ومعبودهُ الله، أو رقٌّ وهو مولاهُ. فهذهِ العلاقة قد ورد ذكرها في القرآن ولها قدسيتها الخاصة. وهناك صفات أخرى أيضاً ورد ذكرها في القرآن الكريم، كعلاقة المحبة في قوله تعالى: ﴿يُحبّهم وَيُحبّونهُ﴾، فالمحبَّة هنا أيضاً هي مرآة عاكسة لعلاقة الإنسان بخالقِهِ، إلاّ أن أولويات الخطاب الديني أكدت على علاقة العبودية أكثر من غيرها.

إهتم الإيرانيون، في حقبة من تاريخهم، بموضوع المحبة إهتماماً منقطع النظير، فجعلوا من العشق وشيجةً للعلاقة بين الله والإنسان، ففسَّروا سائر المفاهيم والمقولات وفاقاً لهذهِ النظرية، وعدّوا كل كائن عاشقاً لخالقهِ. فالأرض والزمن والبحار والشمس وجميع المخلوقات هي عاشقة. هذا النَّمط من العشق المفترض بين الإنسان والخالق هو تعبير يفسح في المجال أمام صلاحية بعض التأويلات، فقالوا في خصوص العهود _ مثلاً _ وفقاً لمقولة العشق: أنَّ الله هو المعشوق الأزلي الذي عاهد الإنسان، فوجب علينا الوفاء بعهده كأي عاشقٍ مخلصٍ. وقد تضمنت فكرتهم هذه شروطاً ومميزات، منها استحالة عكس العبودية. فيبقى الرب رباً والإنسان عبداً للأبد. إلاّ أنك في مقام علاقة العشق تقول: إنهُ _ عز وجل _ هو الذي أراد مبتدئاً ثم الإنسان ثانياً، فإرادتهُ سبقت إرادة الإنسان، أي يحبهم قبل أن يحبّوهُ. يقول يزيد البسطامي: إنهُ كان يعتقد، وطوال ثلاثين عاماً، بأنهُ يحب الله، ثم كشف بعد ثلاثين سنة أنهُ هو في البداية طلبنا ودعانا.

ولعلاقة العشق والمحبة خصوصية أخرى تجسَّدت على لسان الشعراء. فإنكم عندما تتحدثون عن العشق تعنون بذلك لوازمهُ من حسن وجمال. وعندما قلتم: إنَّ الإنسان عاشقٌ، ففي هذهِ الحالة يكون المعشوق وهو الله متَّصفاً بالحسن والجمال، وهو الجمال المطلق بحق. من هنا يكتسب حديثكم هذا طابعاً فنياً وشعرياً في الوقت نفسه. فيأتي دور القيم الجمالية لتثبت أنَّ هذا العالم هو مظهر جمال الخالق، فكل ما في هذا العالم هو من أنوار حسنهِ.

وجاء في الشعر الفارسي لقد شع نور وجهك بأزليته المطلقة، فتجسد العشق وألهب أرجاء الكون.

فهذا الكون، في الحقيقة هو صنع صانع، أي عملٌ فنِّيٌ. وكان قديماً يطلق على الأعمال الفنية "صنع". والصانع هو الفنان والرسام بعينهِ. فالعالم أيضاً هو صنعٌ وعمل فنيٌ، وكما أن الفنانين والرسامين يتركون تواقيعهم أسفل لوحاتهم، كذلك الباري تعالى ترك صفة جماله على هذا العالم بمثابة ذلك التوقيع، لأن الجمال جمال الله لا غير، وكل ما ترونهُ من جميلٍ في الكون يحمل توقيع بارئهُ لا محالة. وتختلف نوعية علاقة الإنسان بالعالم وبني البشر عما مرّ من تعريف للعلاقة.

إنّ ما نقل من كون آية ﴿يُحبّهم وَيُحبّونهُ﴾ قد نزلت بحق العجم لتشرِّفهم بالإسلام لاحقاً، وأن الله يحبُّ الفرس والفرس يحبونهُ، ذلك كلُّه بمثابة توقيع منهُ على جباههم، فكون العشق الإلهي دين للفرس هو حقيقة تاريخية ثابتة منذ القدم. من هنا كان أدبهم أدباً عاشقاً. وهو بٌعدٌ يفتقدهُ عرفان ابن عربي، فهو لم يتناول مسألة العشق كما فعل الإيرانيون. إن العرب توصلوا للموضوع بشكل محدود جداً، ثم اهتم به الفرس ونشروهُ في سائر ثقافاتهم محدثين بذلك تحولاً كبيراً في جميع المجالات، مع المحافظة على صفة العبودية وبُعدِها في الوقت نفسه، فتأكيدهم على العشق في آدابهم كان ملازماً لمفهوم العبودية من دون إهمالهِ، لذا بقيت علاقة العبودية تحتفظ بقدسيتها.

q أين يكمن اختلاف النظر بين بعض العرفاء كأحمد مع محمد الغزالي، أو اختلاف شمس مع جلال الدين الرومي قبل أن يلتقيا؛ حيث أنّ أحدهما كان بدافع العشق والآخر بفعل الخوف؟

د. پورجوادي: يمكن رصد ذلك من جهتين: إحداهما عن طريق سير العرفاء الذاتية، فمع أن أبا حامد قد درس المناهج التقليدية من كلام وفقه والعلوم العقلية والنقلية إلاّ أنهُ شهد انقلاباً في ذاتهِ غيَّر مسير حياتِهِ. بينما كان أحمد ومنذ البداية يطالع كتباً جانبية إضافةً إلى المناهج، فدرس الفقه مثلاً، لذا كان يقال: إنَّه فقيه، وهكذا في علم الكلام ولهُ آراءً فيهِ أيضاً، وإنْ لم يكن من المتكلمين الكبار. أما الجهة الأخرى في الموضوع فهي رأي هؤلاء في مسألة التصوف، فقد منح أحمد الغزالي قضية العشق أهمية بالغة، وهو من القائلين بثبوت علاقة العشق والمحبة الأزليين، وإن الإنسان عاشق من الأزل، ويعترف بوجود عهد بين العاشق والمعشوق أيضاً. بينما لم يعدّ الإمام الغزالي قضية العهد أمراً واقعياً بل قال بمجازيتهِ نافياً عنهُ الحقيقة، ولا يعترف بعالم الذر، ولا يقول بثبوت عهد الله لذرية آدم، ناهيك عن اختلاف الاثنين في السليقة والنزعة، فكان أحمد الغزالي شاعراً، في حين لم يمتلك أبو حامد الحس الشاعري.

q هل تعدّون العرفان أمراً دينياً أو أنهُ أعم من ذلك؟ هل هو نابع من صميم الديانات أو أنهُ من الممكن رصدهُ خارج دائرة الأديان؟ وهل هو حقيقة دينية أو أنهُ درجة تنتمي لدين؟ وما هي نوعية العلاقة بين العرفان والدين من وجهة نظركم؟

د. پورجوادي: كان العلم الوجداني، أو ما يصطلح عليه أهل العرفان والتصوف بعلم المعاملات، موجوداً في مختلف الأديان، من مسيحية ويهودية وبوذية،فجميع هذهِ الديانات تهتمّ بمسألة إدراك النفس لكمالاتها، وقضية تجرد النفس هي من الموضوعات المطروحة في جميع الأديان.

أفلوطين أيضاً كان في الاتجاه نفسه، وكان لعرفانهِ تأثير على المسيحية والإسلام. ويمكننا فرض طابع يتجاوز الجانب الديني للعرفان؛ وذلك بلحاظ الجوانب النظرية منهُ. وتكتسب هذه النواحي النظرية قليلاً من النزعة الفلسفية.

وهناك جماعة غربية اليوم اسمها (New Age) تسعى إلى اختلاق عرفان مزيف، فيجب على من كان عملياً في صدد تزكية النفس أن يكون منتمياً لمذهب أو سنة. فجميع الأديان تنص على ضرورة الانتماء لسنة أو طريقة معينة، أو كما نعبر عنهُ نحن بضرورة استناد الأعمال والأفعال لموازين الوحي والرسالة السماوية، أما على صعيد البعد النظري والفلسفي فمن الممكن افتراض حالاتٍ مختلفة خارجة عن دائرة الدين.

q لو عددنا الدين وسيلة ناجحة في إيصال البشر للغاية الإلهية، فإن مسار البحث سيختلف تماماً. في هذه الحالة يكون العرفان مجهوداً بشرياً كسائر ممارسات البشر الهادفة للارتقاء بمستوى الإنسان نحو الأفضل. لذا نجد الأديان تشير إشارات مختصرة إلى موضوع العرفان، فما هو رأيكم في ذلك؟

د. پورجوادي: يعود هذا التمايز بين الدين والعرفان إلى ما تفرضونه أنتم من تعريف لهما.

فلو عرفنا الدين بأنه مسألة اجتماعية غايتها سعادة الإنسان أو توفير القوانين لهُ لتحصيل سعادة الدنيا والآخرة، فإننا هنا سنلمس فرقاً واضحاً بين الدين والعرفان. وإن أخذنا هدف الدين من معرفة الله بعين الاعتبار ففي هذهِ الحالة علينا الفصل بين الدين والعرفان.

ينسب بعض المحدّثين لابن عباس أنهُ قال في معرض تفسيرهِ لآية ﴿وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون﴾: إن الله خلق البشر ليعرفوه، فما الغاية من الصلاة والصيام؟ فنحن لا نصلي من أجل أداء حركات رياضية، ولا نصوم لسلامة المعدة خصوصاً! فيجب أن تكون لهذهِ الأعمال أهداف أسمى من الماديات وحدود دائرة الدنيا، وَإن فسرّنا الدين بهذهِ الطريقة فلن يكون بإمكاننا أن ندعي بأن العرفان هو من صنع البشر.

q نحن ننظر إلى الفلاسفة بوصفهم أناساً وظفوا ثرواتهم العلمية إلى جانب الموهبة الإلهية، استجابة لدعوة الله عز وجل، فتارةً يدركون الحقيقة وأخرى يضلون في طريق الخرافات. ويحتل الدين، لدى الفلاسفة، مكانةً مرموقة، وإن كانت الفلسفة مستقلة عن الدين، فقد يهتم بها الدين أحياناً أو يقف ضدها في أحيان أخرى. وهكذا بالنسبة للعرفان فهو لم يأت مع الأنبياء، أي أن يدعوا الناس لمصالحة الله، بل إن العرفان لا بد من أن ينبثق من ذات الإنسان ونزعاته، بمعنى أن الإنسان يمكن أن يلجأ للعرفان حتى في حالة لم يبعث إليه الأنبياء. نعم تضمن بعث الرسل إرشاداً ودعماً لجميع الطبقات، ومنهم ذوو المعنويات فعززوا من عرفانهم. وهذا هو أروع ما منحهُ الدين لطبقة العرفاء، فكان لهُ دور ملحوظٌ في تعزيز موقف العرفان. العرفان بدوره أسهم في فهم الدين بصورة أفضل وفي إدراك جوهرهِ، لكن بقيت هوية العرفان مستقلة عن الدين.

د. پورجوادي: أوافقكم في ذلك لو أننا لم نجعل العرفان في مقابل الدين.

q يقال: إنَّ العرفاء سرعان ما يتوافقون في ما بينهم، وإن الوسط العرفاني قليلاً ما يشهد خلافات بين أربابهِ، وكذلك قيل: إن الدين كلما طرح في مستويات متدنِّية ضاعف ذلك من مواضع الخلاف بين الأديان. ولعل ذلك يعدّ دليلاً على أنّ العرفان أعم من الدين، فإننا قد نشاهد عارفاً من الهندوس يجالس ويحاور العارف المسلم بانسجام واضح، ولا يصدق ذلك – مثلاً – على الفقهاء أو المتكلمين.

د. پورجوادي: لهذا الدليل أعتقد بأن العرفان يمثل خطوة الإنسان الأولى نحو التخلي عن نرجسيته ودائرة الأنانية، فإن الإنسان عندما يتجاوز النفس _ بمعناها الاصطلاحي _ ويتسامى، آنذاك يكون بإمكانِهِ أن يطرح الخلاف جانباً، ذلك لأن منشأ جميع الخلافات هو حب الأنا، فإن أهملهُ سينصرف اهتمامه للمبدأ وتعيين الحق والحقيقة، تاركاً وراءه الخلافات، فيتبلور الاتحاد عبر مفهوم التوحيد وحقيقته.

q لو سلَّمنا باستقلالية العرفان، في هذه الحالة لن يبقى معنى لتسلسل الأذكار التي يتناقلها العارف من شيخ إلى شيخ حتى يصل تواترها
للرسول
، لأن حقيقة اتصال الإنسان بالله _ عز وجل _ تكون عبر تسلسل الأفراد واحداً بعد آخر؛ الأمر الذي يشرحهُ لنا الدين. وإذا كانت الأذكار مجدية فما الحاجة للاتصال؟ ويظهر في دين خاتم الرسل أن جميع المسؤوليات تقع على عاتق شخصٍ واحد، فإن كان للكاهن أو القسيس دور في الأديان السابقة، فليس ذلك مشهوداً في آخر الأديان، إذ لا توجد فيه وساطات بين السماء والأرض، وحتى من يأتي من أولياء كان واجبهم الإرشاد والهداية من دون التسيير والأدلجة اللذين كانا أساساً في العرفان.

د. پورجوادي: إنّ موضوع تناقل الأذكار بين شيوخ التصوف حتى يصل نسبها للرسول هو قضية تاريخية لا أدري مدى صحتها، فهل معنى مفهوم الذكر الصوفي الآن متطابق مع مراد القرآن منهُ، وهل كان في القرن الثاني والثالث بالمعنى نفسه، فنحن لم نحقق في ذلك حتى الآن.

ليس بإمكاننا _ من الناحية التاريخية _ إثبات اتصال التلميذ عبر ما يلقنهُ شيخهُ من أذكار. وأنا أرى أن ذلك من إفرازات حركة الإخباريين في مقابل العقليين والمعتزلة، فالمتصوفة كانوا في بادئ الأمر من السنة وتأثروا كثيراً بالإخباريين. ففي تاريخنا لا يمكن إثبات اتصال أحد بالرسول أو الإمام علي (عليهما أفضل الصلاة والسلام) فنحن نبقى في تشكيكٍ بين العتمة والنور بالنسبة للقرنين الثاني والثالث؛ وذلك نظراً لما لعبهُ الإخباريون من دور مؤثر آنذاك.

وبعيداً عن مسألة التاريخ وإثباتاتهِ، فأنا شخصياً أعتقد بأن الشخص الذي يهذب نفسهُ ويطهرها من الكذب والذنوب، سيكون لأذكاره التلقينية أثرها في المقابل. فالمرشد كذلك سيكون مفتقداً لهذا التأثير إذا انعدمت فيه تلك الصفات والمميزات، كما لو يتخيَّر الفرد أذكاراً بنفسهِ.

q هذا صحيحٌ، فإن استيعابي لما يلقيهِ عليّ المعلّم أعلى بكثير ممّا إذا قرأت الموضوع بنفسي. لكن المشكلة تكمن في قضية أخرى، وهي ما إذا كانت أعمالك الدينية تقبل منك في حالة صحتها وإن لم تكن عاملاً بالفتوى، هذا بالنسبة للدين ظاهراً وعملاً، وفي الجانب الروحي والمعنوي بإمكان المرشد المجرب أن يساعد في إحراز الذكر النافذ لصميم الروح، لخلق مناخات تسهم في رفع الاحتياجات وحل المشكلات. لكن أن يكون نيل هذه الدرجة منوطاً بتلقي الأذكار من فم المرشدين، فهذا ما يتنافى مع الدين الإسلامي ومبدأ أن كل إنسان يعين مصيرهُ بنفسهِ. والإشكالية الأخرى هي أن القائلين بالاتصال التاريخي المتسلسل، يحاولون إثبات استحالة المضي في الأعمال عقلاً من دون ذلك الاتصال.

د. پورجوادي: يحاول العديد، في مجال الفلسفة، من الانتساب لابن سينا _ مثلاً _، والحال أن الفلسفة تفكيرٌ عقليٌ لا يصدق عليه ذلك. أما في مجال التصوف فيعتقد بعضٌ ممّن تأثروا بمنهج الإخباريين بضرورة وجود ذلك التواصل والاتصال.

q إذن فالاتصال لا أصول لَهُ في العرفان؟

د. پورجوادي: لا يمكن الجزم تاريخياً بتلك التسلسلات والتواترات، فإن ظهورها جميعها يعود للقرن الخامس وما بعده.

q تصريحكم هذا فيه نوع من نقد التصوف. ومن المناسبة بمكان أن نتطرق للانتقادات المختلقة التي وجهت للتصوف سواء من داخلهِ أم من خارجهِ، فهل التصوف قابل للنقد في الأساس؟ وقد أورد الفقهاء والفلاسفة وحتى المتصوفة أنفسهم _ على مر التأريخ _ انتقادات للتصوُّف، فهل تؤيدونها؟

د. پورجوادي: كان المتصوفة أبرز نقاد التصوف، أمثال: اللمع أو غلطات السالكين، وملاحظات الغزالي. وأنا اعتقد بأنَّ الواجب يحتم علينا اليوم إجراء دراسات وتحقيقات علمية تاريخية، فليس لدينا مصادر في تاريخ التصوف سوى بعض التذكرات، أمثال نفحات الأنس.

ولَمْ يزوِّدنا الآخرون بجديد سوى التكرار والإعادة. ففي الحقيقة يوجد هنالك العديد من الرسائل والكتب، يجدر بنا أن نجمعها وندرسها بمنهجية علمية، فإن غالبية انتقادات الفقهاء _ على سبيل المثال _ كانت وليدةً لعوامل اجتماعية وتاريخية خلال القرون الأربعة والخمسة الأخيرة. كان لحافظ _ كما نعلم _ مواقف انتقادية تجاه المتصوفة. فلتسليط الضوء على ذلك لا بد لنا من رصد المتصوفة المعاصرين لهُ، لنعرف ما هو نوع تصرفاتهم الاجتماعية آنذاك، ومن هم شخصيات التصوف البارزة في تلك المرحلة، لقياسها بأوضاع المراحل الأخرى. فعلى سبيل المثال، كان، في بغداد، في القرن الثالث، شخصيات مهمة تختلف عن أولئك الذين جاؤوا في المراحل اللاحقة في شيراز وأصفهان، وأطلقوا على أنفسهم متصوفة.

q كانت رؤى علماء العهد الصفوي وفقهائه سطحيةً، بينما اتصفت انتقادات المتصوفة في القرنين: الرابع والخامس بعمق وتركيز أكثر، فهل خضعت للدراسة والتحقيق؟

د. پورجوادي: نعم، نوعاً ما حظي ذلك باهتمام العديدين، وهناك كتب عديدة في هذا المجال. وقد قمتُ أنا شخصياً ببعض التحقيقات في المجال نفسه، وكان كتاب تلبيس إبليس لابن الجوزي _ مثلاً _ من أهم انتقادات كبار الشيعة للتّصوُّف.

وقد أفاد صاحب كتاب تبصرة العوام الكثير من ابن الجوزي. أما ابن الجوزي فكان قد جمع بين آراء المتصوفة والغزالي.

ملا صدرا، أيضاً، كان يعتمد في نقد المتصوفة على آراء الآخرين، لاسيما الغزالي. وقد توهم بعض أنَّ ملا صدرا كان يروي مواضيعهُ عن المتصوفة في عصرهِ خصوصاً، والواقع خلاف ذلك، فلو أمعنتم النظر في ذلك لوجدتم أن الغزالي _ مثلاً _ قد أثبت المطالب نفسها بخصوص متصوفة عصرهِ، ثم إن بعض ملاحظات ملا صدرا لا تعود لمتصوفة عصرهِ أساساً، أي إن ملا صدرا كان قد نقلها نصاً عن الآخرين.

q ما هي العلاقة بين التصوف والتشيع؟ ولماذا غالبية الفرق الصوفية هم من السنة؟

د. پورجوادي: في الحقيقة نحن لا نعلم كيف بدأ التصوف أو المذاهب العرفانية بمختلف أشكالها، غير أن القدر المتيقن في المسألة هو وجود شخصيات صوفية في القرن الثالث، ولا تتوافر معلومات وافية عن القرن الثاني. فقد قيل عن أبي هاشم – مثلاً – إنهُ كان صوفياً، لكن أي صوفي هو في ذاته؟ فهل كان مرتدياً للألبسة الصوفية أو أن للموضوع دلالات أخرى أوسع من ذلك؟

هناك كثيرون ذكروا الحسن البصري ضمن مشايخهم في رسائلهم وتذكراتهم. فأساساً لم يكن مصطلح الصوفي متداولاً آنذاك لنقول: إنهم كانوا متصوفةً. وليست ثمة معلومات مؤكدة في هذا الباب للبحث في مسائلة. ولهذا الدليل ليس بإمكاننا تحديد دور الإمام الصادق × مع وجود تفسير عرفاني منسوب إليهِ، ذكرهُ السلّمي. بالإضافة إلى مصادر أخرى. كذلك نقلوا التفسير نفسه عن الإمام الرضا ×. وقد تضمنت كتب العرفاء والمتصوفة العديد من أقوال الإمام الصادق ×. وأنا لا أرى هذا إلا إجحافاً بحق الصادق ×، فقد بقي البعد العرفاني من فكرهِ مجهولاً. فهو إن لم يكن من مؤسسي العرفان الإسلامي، فلهُ في أقل التقادير إسهام كبير فيهِ. لقد بينّت مطالعات (ماسسينون وبيل نويا) وغيرهم ممن حققوا في القرون الأولى نقاطاً مهمَّة في هذا المضمار.

q كان تحليل بيل نويا مستنداً على التفسير المنسوب للإمام
الصادق
×، فهل يحتفظ تحليلهُ بمصداقيتهِ. إذا كان هناك تشكيك في ثبوت التفسير نفسهِ؟

د. پورجوادي: ليس التفسير وحدهُ دليلنا في ذلك، فقد رووا عن الإمام الصادق× في غير مصدر، وقد نسبوا مصباح الشريعة لهُ × أيضاً، ثم إن جميع النصوص العرفانية نُسبت للإمام × من قبل الشيعة والسنة.

كذلك إنّ وجود اسم الإمام الصادق × في الكثير من مصادر أبناء العامة هو دليل آخر على الجانب العرفاني في شخصيتهِ. لقد بقي العديد من مجريات القرن الثاني مبهماً لدينا، فبقيت حقيقة علاقة التشيع بالتصوف في بقعة الإبهام.

ظهر التصوف ونما في المجتمع السني، واستمر ذلك لعدة قرون. أما الشيعة فكانت تحتفظ بتعاليمها الروحية والمعنوية قبل دخولها دائرة التصوف. فيجب أن لا نغفل عن دور الأئمة لاسيما الإمام الصادق × في الجوانب المعنوية. لذا كان رافد الشيعة في هذا المجال هو من داخل محيطها. وقد تمتع الشيعة الإثنا عشرية بنظرة منفتحة على ما يحيط بهم من أفكار، فكانوا يأخذون من الآخرين ما يوافقهم من أفكار مع إدخال بعض التغييرات عليها لتتطابق مع اتجاه التشيع بصورة كاملة، فكان تلقيهم لفكرة الولاية _ مثلاً _ بادرةً جيدة في جملة الافكار المستوحاة من الآخرين.

قدمتُ في مؤتمر خارج القطر مقالة بالإنجليزية، ذكرت فيها أنهُ كان للتشيع تعامل مزدوج مع التصوف في بعض الحقب الزمنية، وخصوصاً في القرن السابع وما بعدهُ، أي تجسد هذا الازدواج في التعامل في زمن الخواجه نصير فصاعداً. لقد كانت الشيعة تخالف الجوانب الاجتماعية والعملية في فكر المتصوفة، في حين تعدّ بحوثهم النظرية وتعاليمهم العرفانية إسلامية في ذاتها. حتى أن ملا صدرا لم يكن رافضاً لبحوثهم النظرية إلاّ أنهُ كان معترضاً على ممارساتهم العملية والاجتماعية من بدع وإباحية وابتذال. وقد وجدت جماعات أيضاً رفضت بحوثهم العقلية والعرفانية، كبعض الإخباريين


نظرية الحكم الإسلامي عند أبي الصَّلاح الحلبي (447هـ)

23 يوليو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

المقدمة

البحث عن الخلفية التاريخية لمسألة ولاية الفقيه يُعدّ من أهم البحوث النظرية التي تجب معالجتها، نظراً لما أثير حولها من وجهات نظر متناقضة. وممّا لا شك فيه أنَّ الإمام الخميني (قده) يعدّ أوّل فقيه استطاع تطبيق هذه النظرية، وخوض تجربتها وتنفيذها، بوصفها أساساً للنظام السياسي في البرهة المعاصرة.

لكن مسار البحث يتجه نحو نظرية ولاية الفقيه نفسها، بوصفها فكرةً، ومعرفة ، ما يثير سؤالاً مفاده: هل هي من إبداعات مؤسس الجمهورية الاسلامية أيضاً أو لا؟

وقد ذهب بعض النقّاد في تحليلاته، إلى أنّ موضوع ولاية الفقيه لم يرد بحثه في مصادر الفقه الشيعي والسنّي، كما لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة الشريفة. فلو رجعنا ـ والقول لهؤلاء النقَّاد ـ القهقرى قليلاً لوجدنا أنّ أول من طرق هذا الموضوع هو المحقق أحمد النراقي؛ وذلك قبل ما يقل عن قرنين، معتبراً أنّ انتظام الأمور الدنيوية للناس بيد الفقيه. وعليه، فلم يكن موضوع ولاية الفقيه إلى ما قبل النراقي ذا طابع سياسي.

وبشكل عام، فإنّ ما يراه هؤلاء النقَّاد يتمثل في أنّ نظرية الحكم في الفقه الشيعي كانت حصيلة الاجتهادات الفقهية المتأخرة في القرنين الأخيرين، وأنّه لم يكن للشيعة قبل ذلك نظرية في نظام الحكم. وأن كثيراً من فقهاء الشيعة يرون التفكيك بين الأمور العرفية والأمور الشرعية، فالذي يتولى النحو الأول ـ في ما يرونه ـ هم الملوك، فيما يتولى النحو الثاني الفقهاء.

وتأسيساً على هذا، فإن الفقهاء ـ برأي هؤلاء ـ ساندوا النظام الملكي، وأقرّوا بشكل عملي فكرة فصل الدِّين عن السياسة!

وما يبدو هو أنّ هذا الرأي ينطلق من منظار معاينة الأمور من خارجها؛ وذلك في الوقت الذي نجد فيه أن بعض الفقهاء البارزين ـ ممّن له ثقل فقهي وعلمي معترف به في الأوساط العلمية ـ يطرح دعوى الإجماع، أو اتفاق الأصحاب على ثبوت الولاية للفقيه، واعتبار ذلك أمراً ارتكازياً ومن مقتضيات الفقه الشيعي، بل ومن البديهيات التي يكفي في تصديقها محض التصور الصحيح لها.

ولكن ينبغي الالتفات في الوقت نفسه إلى أنّه يوجد بين الفقهاء من يشكّك في ثبوت ولاية الفقيه، بل يظهر منه الإنكار لها كالشيخ الأنصاري الذي يتربّع على قمّة الفقاهة؛ حيث يرى أن دون إثباتها خرط القتاد على حد تعبيره. غير أنّ من له أدنى اطّلاع على البحوث العلمية ـ سيما الفقهية والأصولية منها ـ يجد أنّ اختلاف الرأي في البحث العلمي أمر طبيعي، فقد يرى فقيه ما وجوب صلاة الجمعة وجوباً عينياً فيما يذهب آخر إلى حرمتها.

وفي الوقت الذي لا نستبعد فيه وجود دوافع سياسية لدى بعض النقّاد، في ما يطرحونه في هذا الخصوص، نؤكد أنّ البحث في ولاية الفقيه كان مثاراً ـ قبل الفاضل النراقي ـ بمدّة مديدة ضمن حلقات الدرس، وفي إطار الجو العلمي الهادئ البعيد عن الأغراض السياسية.

إنّ الإلمام بالخلفيّة التاريخية للبحث، والاطّلاع على مراحل سيره يوقف الباحث ـ بلا شك ـ على كنز قيّم من الأفكار الجديدة والراقية التي تعدّ طيّبة لجهود فقهائنا على مدى مئات السنين.

كما أنّ الإحاطة بالأبعاد المختلفة لهذه النظرية، طوال التاريخ وكذلك مبدأ نشوئها لدى علماء الشيعة، يعطي الفرصة لروّاد الحقيقة ومن يريد التعرّف إلى الفكر السياسي للشيعة، لمواصلة البحث بشكل أفضل في هذه النظرية، بغية الإسهام في إنمائها وتطويرها.

وقد كُتبت، في هذا المجال، مقالات معدودة، إلاّ أنها ناقصة ومحدودة، وربما لم يكن بعضها ليخلو من غرض غير علمي. والذي تمّ إنجازه حتى الآن لا يعدو أن يكون عرضاً لأقوال الفقهاء بصورة تفكيكية ومجزأة، مجرّدة من الشمولية ومن مراعاة المتغيرات السياسية والاجتماعية في دراسة هذه النظرية.

إنّ دراسة رأي أي فقيه يستدعي بالضرورة الإلمام والإطّلاع على خلفية الموضوع الذي يراد بحثه واستدعاء جميع القرائن الحافّة به ومقتضيات الزمان والمكان التي تساعد على فهمه وتفسيره، كما هو الأمر في تفسير الآيات، حيث يلاحظ فيها شأن النزول، والكلام نفسه ينطبق على دراسة الأحاديث.

والذي نطمح إليه، في هذا البحث، هو استخلاص قراءة لبعض جوانب نظرية ولاية الفقيه في مختلف مراحل سيرها التأريخي وإجراء استطلاع لأقوال أبرز الفقهاء العظام في كلّ عصر في الأبواب المرتبطة بفقه الدولة في الفقه الإمامي، كإقامة الجمعة وجباية الزكاة والخمس والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء والحدود والشهادات والوصية والأوقاف والحجر، أو بعض النظريات المتعلّقة ببحث الإمامة في علم الكلام، لنرصد من مجموع ذلك كلّه سير نظرية ولاية الفقيه وتطورها في جميع مراحل حركتها ومنعطفاتها.

ومن خلال البحث والتتّبع، يمكن تقسيم المراحل التاريخية لسير نظرية ولاية الفقيه إلى سبع مراحل:

المرحلة الأولى: عصر النص

وهي مرحلة التأسيس لنظرية ولاية الفقيه. وهنا مسألتان ينبغي الالتفات إليهما في هذا المجال هما:

الأولى: إنّ الفقهاء المنصوبين، بشكل خاص ،من قبل الأئمةo، كانوا مبثوثين في البلاد بشكل مترابط ومنظّم سيّما في عصر الإمام الرضا× وما بعده. وكانوا يتصدّون ـ إضافةً إلى أخذ الأخماس ـ للإجابة عن المسائل وحل المشكلات الكلامية والفقهية في الوسط الشيعي، والقيام بدور المحور في تثبيت الإمامة للإمام اللاحق وتدعيمها في المناطق التي كانوا يتواجدون فيها.

وتقسّم المناطق التي ينتشر فيها الوكلاء الى أربعة أقسام: 1 ـ بغداد، المدائن، السواد، الكوفة 2 ـ شمال البصرة والأهواز 3 ـ قم وهمدان 4 ـ الحجاز، اليمن، مصر.

وكان هؤلاء الوكلاء يرتبطون بالإمام× عن طريق المكاتبة.

إن التأمل في نصوص المكاتبات والرسائل يكشف عن مدى صلاحيات الوكلاء العاميّن، وكذلك عن ارتباط الوكلاء الخاصين في المناطق الصغيرة بهم.

الثانية: تتركز على الروايات والنصوص الواردة عن الأئمةo والدالة على ولاية الفقيه. وسوف نعرضها في الأدلّة النقلية لإثبات النظرية.

المرحلة الثانية: عصر الغيبة إلى وفاة الشيخ الطوسي (460 هـ)

وأبرز الفقهاء في هذه المرحلة هم: الشيخ المفيد، وأبو الصلاح الحلبي، والسيد المرتضى، وسلاّر الديلمي، والشيخ الطوسي، (قدست أسرارهم).

والذي يظهر من كلمات الشيخ المفيد، باعتباره أول فقهاء عصر الغيبة الكبرى وأشهرهم، أنّ فكرة ولاية الفقيه قد اقترنت مع ولادة الفقه والاجتهاد في المذهب الشيعي. ويعدّ كتاب الكافي في الفقه لأبي الصلاح الحلبي أول كتاب فقهي يتناول البحث في ولاية الفقيه في قسم مستقل تحت عنوان تنفيذ الأحكام.

وتنتظم هذه المرحلة في مستويين: الأول، ويتناول فيه بشكل عام رأي الشيخ المفيد وأبي الصلاح الحلبي. والثاني، ويتناول فيه رأي السيد المرتضى، وسلاّر الديلمي، والشيخ الطوسي.

المرحلة الثالثة: عصر الطوسي حتى ابن إدريس الحلّي (598هـ)

وتعدّ هذه المرحلة، بلحاظ مضايقات السلاطين ممّن سيطرت عليهم العصبيات المذهبية من جهة، وبلحاظ سيطرة آراء الشيخ الطوسي على الساحة العلمية وحالة الجمود التي انتابتها ـ حتى عرف ذلك العصر بـ"عصر المقلِّدة" أو "عصر القدرة" ـ من جهة أخرى، مرحلة سكون وركود بالنسبة لنظرية ولاية الفقيه، حيث نلاحظ تحفّظاً من قبل الفقهاء في تلك المرحلة عن إبداء الرأي في هذه النظرية، وعدم نقلهم لآراء من قبلهم في ذلك، فضلاً عن القبول بها أو الردّ لها، بل إنهم لم يتطرقوا في تلك المرحلة إلى منصب القضاء إلاّ من طرف خفي، مع أنه يمثّل القدر المتيقن من ولاية الفقيه.

ومن أبرز فقهاء هذه المرحلة: القاضي ابن البراج، وإبن حمزة، والقطب الراوندي، وابن زهرة، والكيدري، وابن أبي المجد الحلبي، والحمصي الرازي.

المرحلة الرابعة: عصر ابن إدريس إلى عصر المحقق الكركي (940هـ)

لقد تعرض ابن إدريس ـ بإعلانه نهاية عصر الركود العلمي ـ إلى بحث نظرية ولاية الفقيه، مقتفياً في ذلك أثر أبي الصلاح الحلبي؛ حيث جاء في فصل "تنفيذ الأحكام" على ذكر مختلف أبعادها.

ثم جاء دور المحقّق الحلّي بعد ابن إدريس ليصطلح على الفقيه "من إليه الحكم" أو "من له حق النيابة"، كما يصطلح على الأمور التي ترتبط بمنصب الإمامة ـ ممّا هو أعم من القضاء ـ بـ"الحكم" ومن ثم تطبيقه على "الفقيه.

ومن فقهاء هذا العصر، أيضاً، العلاّمة الحلّي الذي كان يرى أنّ الفقيه المأمون منصوب من قبل الإمام×، وله طبقاً لهذا المنصب ـ إضافةً إلى نفاذ حكمه وإقامة الحدود ـ التمتع بسائر المناصب الأخرى أيضاً، كإقامة الجمعة، وتولّي سهم الإمام، وجمع الزكاة. ويرى العلاّمة الحلّي أنّ مصطلح "الحاكم" في مقبولة عمر بن حنظلة ينطبق على ثلاثة مناصب، وهي: القضاء، والإفتاء، والأمور الولائية الأعمّ من القضاء.

ومن فقهاء تلك المرحلة، أيضاً، الشهيد الأول، حيث يرى ثبوت النيابة العامّة للفقيه، معتبراً إيّاها الدليل على مشروعية إقامة الجمعة وإجراء الحدود.

من فقهاء تلك المرحلة أيضاً ـ إضافةً إلى ابن إدريس والمحقّق والعلاّمة الحليّان ـ يحيى بن سعيد الحلّي، وفخر المحقّقين، والفاضل المقداد، وابن فهد الحلّي.

ويوافق رأي هؤلاء الأكابر ـ غالباً ـ رأي من ذكرنا من الفقهاء ولا يختلفون معهم في هذه المسألة.

المرحلة الخامسة: عصر المحقّق الكركي إلى المحقّق النراقي (1245هـ)

تمتاز هذه المرحلة بأهمية خاصّة؛ وذلك من جهة الاعتراف الرسمي فيها بالمذهب الإمامي في إيران، ودعوة الفقهاء للمشاركة في أمر الدولة والحكومة.

وفقهاء هذه المرحلة هم: المحقّق الكركي، الشهيد الثاني، المحقّق الأردبيلي، صاحب المدارك، والفقهاء الأخباريون (نظير: العلاّمة المجلسي ووالده، والفيض الكاشاني)، وكاشف الغطاء، والميرزا القمي، والسيد محمد المجاهد.

ويعدّ المحقّق الكركي ثالث فقيه يتطرّق لبحث ولاية الفقيه بشكل واضح ومستقل، ويدافع عن مبدأ نيابة الفقهاء العامّة. وقد وافقه على ذلك من تلاه من الفقهاء، وتمسّك المحقّق الكركي بالإجماع بوصفه دليلاً من الأدلّة التي طرحها في المسألة.

ومن البحوث المهمّة المتميزة التي طرحت في هذه المرحلة: المبنى الفقهي الذي اعتمد عليه الفقهاء لدخولهم في أمر الحكومة الصفوية. وتشير الشواهد والمستندات التاريخية في تلك المرحلة إلى أنّ المستند الذي اعتمد عليه الفقهاء لتلك المشاركة كان الاعتقاد بولاية الفقيه، إضافةً إلى رعاية المصلحة العامّة والضرورة الاجتماعية آنذاك. ويمكن تقسيم المرحلة الخامسة إلى ثلاثة أقسام: 1 ـ عصر المحقّق الكركي والشهيد الثاني والمحقّق الأردبيلي 2 ـ عصر الأخباريين 3 ـ عصر تجديد الاجتهاد (الوحيد البهبهاني وتلامذته).

المرحلة السادسة: عصر المحقق النَّراقي حتى زمان الإمام الخميني (قده)

يعدّ المحقّق النَّراقي من الروَّاد الأوائل لعصر جديد في نظرية ولاية الفقيه، إذ تعرّض لتنقيح المناصب المختلفة للفقهاء، واستقراء الأدلّة ـ بما فيها الإجماع ـ على ذلك. كما تعرّض لبحث هذه النظرية أيضاً صاحب كتاب العناوين، ووافقه عليها حكماً وموضوعاً.

ومن فقهاء هذه المرحلة الفقيه الكبير صاحب الجواهر الذي صرّح، بضرس قاطع، بثبوت ولاية الفقيه بالنصب، معتبراً ذلك ممّا يقتضيه الذوق الفقهي، ولكنه في الوقت نفسه لم يعدّالولاية على الأنفس والأموال شيئاً يتجاوز الولاية على تدبير الأمور ونظمها.

وممّن يرى ثبوت ولاية الفقيه ـ من فقهاء تلك المرحلة أيضاً ـ الشيخ الأعظم الأنصاري، الذي تدين له الحوزات العلمية بمستوى البحث الفقهي الذي وصلت إليه نتيجة تأثير آرائه وتدقيقاته العميقة .

وبالرغم من ذهاب الشيخ الأنصاري، في كتابه: "المكاسب" إلى مثل ما ذهب إليه صاحب الجواهر من عدم ثبوت الولاية على الأنفس والأموال، وأن ثبوتها دونه خرط القتاد، إلاّ أنّه يرى في سائر مصنفاته، ككتاب القضاء، إطلاق الولاية للفقيه استناداً إلى ما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة من التعبير بـ"الحاكم" و"حجتي".

وثمّة وجه للجمع بين رأييه هذين سوف تأتي الإشارة إليه.

وممّن يرى ثبوت الولاية أيضاً للفقهاء: الفاضل الدربندي، والآقا رضا الهمداني، والسيد محمد آل بحر العلوم، والآقا النجفي، والسيد عبدالحسين اللاري.

ويستند المحقّق النائيني ـ وهو ممّن يرى ثبوت ولاية الفقيه الانتصابية العامّة طبقاً لتقريرات المرحوم الآملي ـ في دعمه للحركة الدستورية إلى أنّ خلع يد الغاصب للحكم ـ وهم غير الفقهاء ـ لمّا كان غير ميسّر ولا بممكن، فلا بد من القبول إذاً بالحركة الدستورية. فهو لا يرى هذه الحركة من الناحية النظرية في عرض نظرية ولاية الفقيه، وممّن تبع المحقق النائيني من الفقهاء في الاعتقاد بولاية الفقيه والدفاع عن النيابة العامّة للفقهاء كل من: المحقّق المامقاني، والآقا ضياء العراقي، وآية الله البروجردي.

ومن فقهاء هذه المرحلة أيضاً: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والشيخ مرتضى الحائري اليزدي والشيخ عبد الكريم الزنجاني، والسيد محمد رضا الكلبايكاني، والسيد عبد الأعلى السبزواري، والشهيد الصدر كما وردت آراؤهم في تقريرات بحوثهم.

وبالرغم ممّا يراه بعض فقهاء هذه المرحلة من اعتبار ولاية الفقيه محدودة بحدود الحسبة، أو اعتبار التصرف وفاقاً لها من باب القدر المتيقن، فإنَّ الكثير من الفقهاء الكبار من أمثال النائيني، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والشيخ عبد الكريم الزنجاني، والسيد كاظم الحائري (معاصر) يرون ـ مع أخذ مفهوم الحسبة بنظر الاعتبار ـ انطباقها على الولاية السياسية.

ولم تواجهنا حتى هذه المرحلة نظرية أخرى ـ غير نظرية ولاية الفقيه بالنصب ـ تطرح بوصفها نظرية لإدارة الحكم.

وتشتمل المرحلة السادسة على ثلاثة عصور أيضاً، وهي: 1 ـ عصر النراقي 2 ـ عصر الشيخ الأنصاري 3 ـ عصر المحقق النائيني.

المرحلة السابعة: منذ عصر الإمام الخميني (قده)

لقد مرّت نظرية ولاية الفقيه، بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ـ كونها تمثل الأساس للنظام الإسلامي على مستوى الدولة ودستورها ـ بتحديات كبيرة. فقد وجّهت إليها صنوف النقد من مختلف الأوساط العلمية والثقافية والسياسية، وهذا موضوع نترك الخوض فيه هنا إلى محلّه.

النَّظرية السِّياسيّة عند أبي الصلاح الحلبي (347ـ447هـ)

في كتاب "الكافي في الفقه"

يعدّ الشيخ تقي بن نجم الحلبي، المعروف بأبي الصلاح الحلبي، أحد أبرز فقهاء الإمامية في بدء عصر الغيبة، ومن معاصري الشيخ المفيد (المتوفى 413هـ). وقد كان ـ كما ذكرت ذلك كتب التراجم والرجال ـ من تلامذة السيد المرتضى (355 ـ 436هـ)، والشيخ الطوسي (385 ـ 460هـ.).

وكان خليفة السيد المرتضى في حلب كما أشارت إلى ذلك إحدى إجازات الشهيد الثاني، وعدّه المحدّث النوري خليفةً للشيخ الطوسي أيضاً في بلاد الشام. وقال العلاّمة الحلّي في صفته: "تقي بن نجم الحلبي أبو الصلاح، رحمه الله، ثقة، عين، له تصانيف حسنة ذكرناها في الكتاب الكبير"(1).

ومن أشهر مؤلفات الحلبي كتابه: "الكافي في الفقه"، وقد بقي هذا الأثر محطّ أنظار الفقهاء طوال تاريخ الفقه الإمامي. وسوف نتعرض، في وقفة مقتضبة مع هذا الكتاب، إلى نظرية هذا الفقيه المعروف في مجال الفكر السياسي، ونظام الحكم في عصر الغيبة، وتفصيل ذلك سوف يأتي تحت عنوان “ولاية الفقيه بالنصب”.

لقد وافق الحلبي شيخه المفيد في جميع ما أسّسه من أصول موضوعية لنظرية ولاية الفقيه، معتبراً إيّاها جزءاً من آراء الشيعة وعقائدها الضرورية التي لا تقبل التغيير، وتلك الأسس هي:

1 ـ إنّ تدخّل الدين في الأمور السياسية والاجتماعية يعدّ هدفاً من أهداف بعث الأنبياء، كما أنّ إنزال الكتب السماوية وتشريع القوانين هو لغرض حفظ مصالحِ العباد وتنظيم حياتهم الفردية والإجتماعية(2).

2 ـ تفسير الإمامة بمعنى الرئاسة وثبوتها للأئمة المعصومينo؛ حيث يرى الحلبي أنّ الإمامة عبارة عن الرئاسة، وهي عنده من باب اللطف الإلهي، فلا مجال فيها للانتخاب والرأي. ويرى أيضاً أنّ من شروط الرئاسة: العصمة، وأن يكون الرئيس أفضل الرعية وأشجعهم، وأعلمهم في أمور السياسة والأحكام. ثم تعرّض لإثبات هذا المعنى من الإمامة لأهل البيتo  (3).

3 ـ إنّ تنفيذ الأحكام الشرعية، والحكم بمقتضى التعبّد بها من فروض الأئمةo المختصّة بهم من دون سواهم ممّن لم يؤهَّل لذلك، فإن تعذّر تنفيذها عن طريقهمo أو بوساطة المؤهل لها من قبلهم لأحد الأسباب لم يجز لغير شيعتهم تولّي ذلك ولا التحاكم إليه(4).

4 ـ الاعتقاد بغيبة الإمام الثاني عشر آخر الأئمة المعصومينo، وأنه لا يجب عليه ـ بحسب الظاهر ـ تنفيذ الأحكام(5).

5 ـ عدم تعطيل الأحكام في عصر الغيبة؛ إذ الغاية من الإمامة كونها رئاسة للمجتمع ومراعاة مصالحه ومفاسده، وهذا أمر مستمر غير قابل للتعطيل(6).

6 ـ انتهاء مرحة النصب الخاص، فلا يوجد من ينوب عن الإمام× بشكل خاص، أو من يكون واسطة بينه وبين الأمّة(7).

معالم النظرية السياسية عند أبي الصلاح الحلبي

يتألّف كتاب الكافي من الناحية العلمية من قسمين، هما: "الكلام" و"الفقه". ويتناول الكتاب في البدء موضوع "التكليف" مبيناً حقيقته، وما ينطوي عليه من مفاهيم، ثم يقسّم التكليف إلى قسمين: "التكليف العقلي"، و"التكليف السمعي".

ثمّ يدرج المهم من مباحث الكلام في التكليف العقلي كمباحث التوحيد، والصفات، والعدل، والنبوة العامة والخاصة، والإمامة والمعاد، باحثاً بعد ذلك الأدلّة على وجود هذه التكاليف ولزومها في هذا القسم من جهة العقل.

أمّا القسم الثاني من الكتاب فهو عبارة عن قسم الفقه، ولذا يبتدئ ببيان التكليف السمعي، وتنقسم التكاليف السمعية ـ والتي يكون المنشأ فيها سماع الكتاب والسنّة ـ إلى ثلاثة أقسام هي: 1 ـ العبادات 2 ـ المحرمات 3 ـ الأحكام(8).

1 و2 ـ العبادات: وتطلق ـ عند الحلبي ـ على مجموع الواجبات الشرعية، وليس المراد بها الاصطلاح الشائع لها الآن، وهو "الواجب المشروط بالقربة، بحيث لا يسقط بدون قصدها"، بل تطلق العبادات وقتئذٍ على مجموع "التعبّديات والتوصّليات"، فالصلاة ـ يومية وغيرها ـ والزكاة والخمس والصوم والحج وأداء الدين والوديعة والأمانات والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتجهيز الميت تندرج عنده في قسم العبادات.

وتتمثّل المحرمات عنده مجموع في النواهي التي لا يجوز للمكلّف فعلها، وتشمل النواهي: جميع الأفعال والسلوكيات الصادرة من الإنسان، فينضوي تحتها ما يحرم من المأكل والمشرب والمنكح وما يحرم سماعه والتكسّب به.

3 ـ باب الأحكام: ويعدّ من أهم الأبواب الفقهية في التقسيم الذي اعتمده كتاب الكافي.

لقد نظّم الحلبي كتابه بطريقة يلاحظ من خلالها شطراه: "الكلام" و"الفقه" من منظار واحد وهو "التكليف"، ولا يختلفان في هذا المنظار إلاّ من حيث كونه ـ أي التكليف ـ سمعياً أو عقلياً. ويقسِّم باب التكليف السمعي المختص بالفقه ثلاثة أقسام هي: العبادات والمحرمات والأحكام، وهو لا يرى في الأحكام قسماً مستقلاً عن العبادات (الواجبات) والمحرمات؛ إذ إنه يفسر الأحكام بأنّها “مجموع القوانين التي يجب الالتزام والعمل بها طبقاً لما خطّته الشريعة”، فيدخل في ذلك المحرمات.

وتشتمل الأحكام على ثمانية أقسام هي: 1 ـ أحكام العقود المبيحة للوطء.
2 ـ أحكام الإيقاعات الموجبة لتحريمه. 3 ـ أحكام الزَّكاة وما يناسبها. 4 ـ أحكام العقود والأسباب الموجبة للاستحقاق وإباحة التصرف في ملك الغير. 5 ـ أحكام القصاص. 6 ـ أحكام الديات. 7 ـ قيم المتلفات وأرش الجنايات. 8 ـ أحكام الحدود والآداب
(9).

وهنا، وطبقاً لـهذا التقسيم لابدّ من ملاحظة أنّ مسألة الحكومة تندرج ضمن أي قسم من هذه الأقسام؟ ومن الطبيعي أن تدخل القضايا الدستورية الأساسيّة، ومسألة الإمامة بالأصل في إطار بحث إمامة الأئمة^ وولايتهم. ولما كانت الإمامة بالأصل تتعلّق بعصر الحضور، فلا بدّ من أن نقف على رأي الحلبي في مجال الحكومة في عصر الغيبة.

وجواباً على هذا السؤال، يمكن القول ـ وكما أشرنا سابقاً ـ إنَّ رأي الحلبي في ذلك هو القبول بـ"ولاية الفقيه". ويمكن إثبات ذلك بعدّة بيانات:

البيان الأول: مصاديق ولاية الفقيه

أولاً ـ الولاية على الأموال والحقوق الشرعية

تقدّم أن العبادات هي التكاليف السمعية الثلاثة، وهي: المحرّمات، والأحكام، والعبادات. وتنقسم العبادات ـ التي يعبر عنها بالواجبات بحسب الاصطلاح الشائع اليوم ـ إلى عشرة أقسام، القسم الثاني منها هو حقوق الأموال، وتشمل حقوق الأموال تسعة أمور، هي: 1 ـ الزكاة. 2 ـ زكاة الفطرة. 3 ـ الخمس. 4 ـ الأنفال. 5 ـ في سبيل الله. 6 ـ النذور. 7 ـ الكفارات. 8 ـ صلة الأرحام. 9 ـ برّ الإخوان(10).

ويرى أبو الصلاح الحلبي أنّ الحقوق الأربعة الأولى من هذه الحقوق المالية تكون إدراتها بيد الفقيه المأمون في عصر الغيبة. قال (رضوان الله عليه): “يجب على كل من تعيّن عليه فرض زكاة أو فطرة أو خمس أو أنفال، أن يخرج ما وجب عليه من ذلك إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبله سبحانه، أو إلى من ينصبه ليقبض ذلك من شيعته، ليضعه مواضعه. فإنْ تعذّر الأمران، فإلى الفقيه المأمون، فإن تعذّر أو آثر (وآثر .خ ل) المكلّف، تولى ذلك نفسه. فمستحق الزكاة والفطرة، الفقير المؤمن العدل دون من عداه"(11).

ومن خلال هذا النص نعلم أنّ الزكاة، والفطرة، والخمس، والأنفال تدفع بالدرجة الأولى إلى السلطان المنصوب بالنصب الإلهي، وإلى من ينصبه السلطان بالنصب الخاص بالدرجة الثانية، وتدفع في زمان الغيبة ـ عند تعذّر الدفع إلى إمام الأصل أو إلى منصوبه الخاص ـ إلى الفقيه المأمون ليصرفها في مواردها، فإذا تعذّر الوصول إليه، دفع المكلّف في المرتبة الرابعة الزكاة والفطرة التي بيده إلى عدول المؤمنين.

وقال (قدس سره) في الخمس والأنفال: "ويلزم من وجب عليه الخمس إخراجه من ماله وعزل شطره لولي الأمر انتظاراً للتمكن من إيصاله اليه، فإن استمر التعذّر أوصى حين الوفاة إلى من يثق بدينه وبصيرته ليقوم في أداء الواجب مقامه، وإخراج الشطر الآخر إلى مساكين آل علي×.. ويلزم من تعيّن عليه شيء من أموال الأنفال أن يصنع في ما بيّناه في شطر الخمس، لكون جميعها حقاً للإمام"(12).

والمراد بولي الأمر ـ بقرينة ما في صدر الكلام “فإن تعذّر الأمران فإلى الفقيه المأمون” ـ هو الفقيه المأمون؛ إذ لا يمكن الوصول قطعاً في عصر الغيبة إلى الإمام أو نائبه الخاصّ، إذاً فلا بد من دفع سهم الإمام في الخمس وجميع الأنفال الى الفقيه المأمون باعتباره النائب العامّ عن الإمام، ويعزل مع تعذّر الإيصال إليه، ثم يدفع له إذا زال العذر.

إذاً، فالمتعيَّن أن تُدفع الأنفال، وسهم الإمام إلى الفقيه المأمون، كما يترجّح إيصال الزكاة والفطرة إليه أيضاً. وبناءً على ذلك، يجب على الشيعة ـ كما سيأتي ذلك في بحث تنفيذ الأحكام في المصداق الثاني ـ أن يدفعوا الحقوق الشرعية إلى الفقيه الذي له أهلية الولاية ـ من حيث العلم وسائر الشروط الأخرى ـ والانصياع لأمره: "وإخوانه في الدين مأمورون بالتحاكم وحمل حقوق الأموال إليه والتمكين من أنفسهم لحدّ أو تأديب تعيّن عليهم، لا يحل لهم الرغبة عنه ولا الخروج عن حكمه"(13).

وللأنفال دور كبير من بين هذه الحقوق، وهي ـ في ما يراه أبو الصلاح الحلبي ـ عبارة عن: 1 ـ الأرض المفتوحة عنوة. 2 ـ الأراضي الموات. 3 ـ الأرض التي تركها مالكها ثلاث سنوات. 4 ـ رؤوس الجبال. 5 ـ الأودية. 6 ـ البحار. 7 ـ الآجام. 8 ـ تركات من لا وارث له. 9 ـ غير ذلك من الموارد(14).

وجميع هذه الثروات العظيمة، أو أغلبها في العالم، إنما هي تحت تصرف الدول وإدارتها، وتعدّ، من الحقوق الوطنية. فالأنفال ـ وكما هي عليه سير العقلاء ـ تقع تحت تصرف الدولة، ويتمّ الانتفاع بها تحت إشرافها.

كما أنّ هناك تلازماً بين الأنفال والحقوق الدستورية على نحو القضية الكبرى الكلية. وإن كان ثمّة نقاش واختلاف نظر في الصغرى حول من تكون له الأنفال؟

فقد يقال: إنّها ملك لجميع المواطنين، ولكن الإسلام يرى أن ملكيتها لله والرسول’، والأئمة المعصومين^. وتناط هذه الثروة في عصر الغيبة ـ حسب ما يراه فقهاء الشيعة ومنهم أبو الصلاح الحلبي ـ بالفقيه الجامع للشرائط(15).

ومع قطع النظر عن ذلك، فإنّ سير العقلاء قائمة على أساس التلازم بين حق الحاكمية والأنفال، كما أنّ إجماع المسلمين القطعي قائمٌ على أنّ الأنفال بيد إمام المسلمين الذي يدير أمورهم، إذ لا يمكن التفكيك بين أمرها وأمر الولاية، بأن تكون هذه الثروة العظيمة بيد جهة والولاية بيد جهة أخرى. ومن المعلوم أنّ بعض الدول ترتكز في اقتصادها وميزانيتها ـ خصوصاً التي تعتمد على النفط منها ـ على الأنفال بشكل رئيسي.

ثانياً ـ الولاية على تنفيذ الأحكام

والأحكام كما يعرّفها أبو الصلاح ـ كما أشير ـ هي: الأحكام الوضعية غير التكليفية التي يجب على المكلّف مراعاتها والعمل على وفقها في مقام التنفيذ.

وتنقسم "الأحكام" في كتاب الكافي ـ والتي يمكن تفسيرها بالمعاملات بالمعنى الأعم ـ إلى ثمانية مجاميع: 1 ـ العقود المبيحة للوطء. 2 ـ الإيقاعات المحرّمة للوطء. 3 ـ أحكام التذكية. 4 ـ العقود والأسباب الموجبة للاستحقاق وإباحة التصرف في ملك الغير. 5 ـ القصاص. 6 ـ الديات. 7 ـ قيم المتلفات وأرش الجنايات. 8 ـ الحدود والآداب (التعزيرات).

لقد جعل الشارع طبقاً للحكمة الإلهية هذه المقررات على اختلاف أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والأسرية وغيرها لكي تنفّذ وتطبق في المجتمع.

ويعدّ تنفيذ الأحكام بالدرجة الأولى، حسب رأي أبي الصلاح الحلبي، من "فروض الأئمة المختصّة بهم" ولا اعتبار لتنفيذ غيرهم. ويجب على من يجد شروط النيابة العامّة التنفيذ والتصدّي لذلك الأمر في عصر الغيبة؛ إذ لا يجوز تعطيل الأحكام بأيّ شكل من الأشكال، سيما وأن الحكمة من تشريعها متوافرة في كل عصر. وأمّا شروط من يجب عليه القيام بذلك فهي: العلم بالحق في الحكم المردود إليه، والتمكّن من إمضائه على وجهه، واجتماع العقل والرأي، وسعة الحلم، والبصيرة بالوضع، وظهور العدالة، والورع، والتدين بالحكم، والقوة على القيام به، ووضعه مواضعه"(16).

والشرط الأول المذكور أعلاه، وهو: "العلم بالحق في الحكم المردود إليه" تعبير آخر عن الفقاهة، فإنّه يشترط العلم في أمر الحكومة وإدارة الأمور باعتبار أنّ الحاكم يخبر عن الله سبحانه وتعالى، ولا يكون هذا العلم عن تقليد بل عن اجتهاد؛ لأن الفاقد لملكة الاجتهاد جاهل بالأحكام ولا يسوغ له تنفيذها: "لأنّ الحاكم إذا كان مفتقراً إلى مسألة غيره، كان جاهلاً بالحكم، وقد بيّنا قبح الحكم بغير علم"(17).

وعلى ضوء ذلك، فإنّ الحلبي (رحمه الله) يرى أنّ تنفيذ الأحكام من وظائف جامعي الشرائط من الفقهاء، وهم مأذونون في التصرف من قبل الأئمة^ إذا كانوا واجدين لشرائط النيابة العامّة.

وعنده أنّ ولاية القضاء غير الولاية على تنفيذ الأحكام، فالأولى لرفع الاختلاف والتنازع بين الناس، فيقضي الفقيه بينهم على أساس استنباطه لحكم الله، أمّا الثانية فتتضمن بعداً تنفيذياً للأحكام الشرعية التي قد لا ترتبط بمنازعات الأفراد ومخاصماتهم، مثل إجراء الحدود، والقصاص، والديات، وتتعلّق جميعاً بسلطان الإسلام، وهي من >فرض الأئمة^< التي يتكفّلها الفقيه.

وعليه، وعلى ضوء ما يراه أبو الصلاح الحلبي من أنّ للفقيه الجامع للشرائط ثلاثة مناصب هي: تولي الحقوق المالية والأنفال، وولاية تنفيذ الأحكام، وولاية القضاء، وأنّ هناك تلازماً بين هذه المناصب الثلاثة من الولاية والولاية السلطانية، يمكن استنتاج عدم انحصار ولاية الفقيه بالقضاء، وأنّ للفقيه الجامع للشرائط أن ينوب عن الأئمة^ في جميع ما هو ثابت لهم من الوظائف الظاهرية.

البيان الثاني: الاستظهار من مصطلح «سلطان الإسلام» وما شابهه

يطلق مصطلح "سلطان الإسلام" بشكل واضح وصريح على الولاية السياسية، وقد تكرّر ورود هذا المصطلح في كتاب الكافي، ويمكن حمله ـ لقرائن عديدة ـ على الفقيه الجامع للشرائط.

وهنا نشير إلى أهم الموارد التي ورد فيها استعمال هذا المصطلح:

1 ـ تناول أحد المفطرات في شهر رمضان، فإن لسلطان الإسلام أن يقيم الحدّ على الإفطار بحق المرتكب ويعزّر على انتهاك حرمة شهر رمضان(18).

2 ـ وديعة الغاصب والكافر الحربي: لما كان الغاصب غير مالك للمال، والحربيّ غير محترم المالية، فلا حرمة لما يودعانه، فيرد المودِع المال المغصوب إلى صاحبه، ويحمل أموال الحربي الى سلطان الإسلام: >فعلى المودع أن يحمل ما أودعه الحربي إلى سلطان الإسلام العادل× ويردّ المغصوب إلى مستحقه، فان لم يتعين له ولا مَن ينوب منابه حملها إلى الإمام العادل<(19).

فتردّ الوديعة في المرتبة الأولى إلى سلطان الإسلام، وفي المرتبة الثانية إلى نائبه الخاصّ، وفي المرتبة الثالثة إلى الإمام العادل. والإمام العادل ظاهر في الفقيه الجامع للشرائط.

3 ـ القذف: يتولّى حدّ القذف السلطان العادل، وعلى القاذف أن يقيد نفسه إلى سلطان الإسلام، أو من يصحّ منه إقامة الحدّ "(20)، و"من يصحّ منه إقامة الحد" هو الفقيه.

4 ـ الجهاد: إعلان الجهاد بيد سلطان الإسلام، ويدعوهم بالموعظة قبل بدئهم بالحرب، فاذا استجابوا كفّ عنهم القتال وولّى عليهم فقيهاً: “فإذا أجابوا إلى الحق، ووضعوا السلاح أقرّهم في دارهم إن كانوا ذوي دار ولم يعرض لشيء منها، وولّى عليهم من صلحاء المسلمين وعلمائهم من يفقههم في دينهم ويحمي بيضتهم ويجبي أموال الله تعالى منهم"(21).

إنّ الفقاهة شرطٌ في الولاية حتى في عصر الحضور، فلا تنحصر ولاية الفقيه بعصر الغيبة فحسب، بل حتى في عصر الحضور أيضاً، فلا ينتخب لأمر الولاية غير الفقيه. ووظائف الفقيه المنصوب هي:

أ ـ تعليم الدين والأحكام ب ـ حفظ الأمّة والدفاع عنها ج ـ قبض الأموال والحقوق.

ويقوم السلطان أو من ينوب عنه ـ عند دفاعه وحربه مع المفسدين وقطّاع الطريق ـ بدعوتهم لقبول الحق ويحذرهم من تنفيذ الحدّ فيهم: "ويخوفهم من الإقامة على المحاربة من تنفيذ أمر الله فيهم…"(22).

5 ـ الفسق: إن المعصية تستوجب الفسق، ومع ثبوت الفسق يعمل وفاقاً لحكم الله، وإجراء حكم الله يقع على عاتق سلطان الإسلام ونائبه، وينقسم حكم الله في هذه الموارد إلى خمسة أقسام:

أ ـ الحدود ب ـ التعزيرات ج ـ القصاص د ـ الديات هـ ـ أرش الجناية(23).


صراع العقل مع العقل/دراسة حول الصِّراع الذَّاتي في علم الكلام

23 يوليو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

الصِّراع الذَّاتي

لم يتَّخذ التأسيس القبلي للنَّظر، لدى العقل، في علم الكلام، منظومة مشتركة ولا قاعدة موحَّدة. فقد كان هناك عدد من الاعتبارات جعلت من هذا العقل يتعدد بتعددها، بل ويتناقض بتناقضها؛ إذ كان العقل منقسماً غالباً إلى اتجاهين متضادين تولَّد عنهما الصراع أو النِّزاع، وهو الذي نطلق عليه "صراع العقل مع العقل"، تمييزاً له من صراع آخر قد جرى بين العقل والبيان.

وبالجملة يمكن القول: إن العقل قد واجه نوعين من الصراع ضمن "النظام المعياري"، أحدهما ذاتي، وذلك أنه لا يتعدى حقل الاعتبارات العقلية، والآخر عارض، وهو مع الدائرة البيانية "النقلية" التي أنكرت عليه ممارساته المعرفية في ظل الاعتبارات العارضة. وإذا كان الصراع الأول يدور حول تأسيس النظر والذي عليه تترتب حالات النزاع الأخرى الخاصة بقضايا الإنتاج المعرفي وفهم الخطاب "الديني"، فإن الصراع الثاني يدور حول هذا الفهم قبل أي اعتبار آخر، أي أنه صراع فهم لا تأسيس. وما يهمنا في هذا البحث هو الصراع الأول "الذاتي" فحسب.

إن عملية الصراع الذاتي للعقل المعياري قد تولَّدت بفعل النشاط العقلي المضاد، فالعقل أنتج ما هو ضد له، وذلك استناداً إلى اعتبارات التأسيس القبلي للنظر، إذ نعلم أن الأشاعرة قد خرجت من رحم المعتزلة ردَّ فعل عليها، وأن كلاًّ منهما يحمل مشروعاً للتأسيس القبلي، وأن الصراع بينهما بدأ منذ لحظات المخاض التي أسفرت عن فصل العقل الجديد عن القديم. وقد كانت إحدى محاورات الأشعري مع أستاذه أبي علي الجبائي حول المؤمن والكافر والصبي حاسمة في الفصل بينهما(1)، بل إنها بلورت روح التفكير لكلا العقلين، مثلما حدَّدت نوع التناقض الذي أصاب العقل المعياري بمجمله. ذلك أن الأشعري بدأ حياته العلمية بتبنِّي الفكر الاعتزالي، وقد استمر على هذا النحو سنين طويلة، حتى جاء اليوم الذي نفض فيه يده من ذلك الفكر ليؤسس قباله فكراً آخر ضدّه، رغم أنه وقف على الخشبة نفسها التي يقف عليها الأول، وأعني بذلك أنه جعل اعتباراته الأساسية قائمة على العقل. فالاعتبارات العقلية بين الطرفين مختلفة، إذ كانت مع المعتزلة وعدد من المذاهب الأخرى تمثل ما نطلق عليه "منطق الحق الذاتي"، حيث للحق اعتباراته الخاصة غير المقيَّدة بالقيود الخارجية، لكنها تحولت مع الأشعري إلى اعتبارات ما نطلق عليه "منطق حق الملكية"، وهو أن الحق مقيد بسلطة المالك المطلق. وبالتالي فالخلاف بينهما هو خلاف الاعتبارات ضمن الدائرة العقلية نفسها.

ومع أن الأشعري حمل بعض الاعتقادات التي كانت متبنَّاة من قبل السلف، ومن أبرزها مسألة قدم كلام الله وصفات اليدين والعينين والوجه وما إليها، وكذلك الصِّفات الإلهية السبع التي قال بها أبو حنيفة، بل وحتى نظرية الكسب التي يعتقد بعضهم بأنَّها ترجع في الأساس إلى هذا الإمام الفقيه(2).. لكن جميع هذه الاعتقادات جاءت _ مع الأشعري _ ضمن سياق خاص من التنظير القائم على الاعتبارات العقلية. وهي الاعتبارات نفسها التي جعلت حدوداً للممارسة العقلية في العديد من القضايا، وعلى رأسها تلك التي تتعلَّق بالحسن والقبح وما يترتب عليها من مسائل فرعية، وذلك بخلاف ما كان لدى المعتزلة من تنظير أفضى إلى نفي مثل هذه الحدود والقيود. ففي السؤال عما يرد في الخطاب الديني من مدح وذم وثواب وعقاب، هل كان لحسن الأفعال وقبحها، سواء في ذاتها أم في صفاتها أم في اعتباراتها أو العكس هو الصحيح، بمعنى أن اعتبارات الحسن والقبح جاءت لمدح الخطاب وذمه، فكل شيء مدحه الخطاب هو حسن، وكل شيء ذمه هو قبيح؟

وواضح أن هذا الاختلاف في الاعتبارات العقلية يجعل من علاقة المنطقين _ آنفي الذكر _ بالخطاب علاقة مختلفة. فلو أخذنا باعتبارات حق الملكية لكان تحديد هذه المسألة لا يخضع إلى تقدير العقل من حسن الأشياء وقبحها، بل المرجع في ذلك هو الخطاب الديني باعتباره الناطق الوحيد باسم المالك الحقيقي. ما يعني أنه لا مجال للتشريع العقلي في قضايا الحقوق والواجبات، وذلك على العكس مما هي عليه اعتبارات الحق الذاتي التي تجعل دائرة هذا التشريع مفتوحة بلا حدود.

ولدى الغزالي تمييز واضح للنتائج المتضادّة المترتبة على المنطقين السابقين، فمن ذلك ما صرح به: "قول المعتزلة: إنَّ الإنسان خالق لأفعاله؛ لأن الله لو خلقها ثم نسبها إليه، ولأنه لو فعلها مع أنه لم يفعلها، وعذَّبه عليها مع أنه لم يوجدها، لكان ظالماً له، والظلم نقصان، وكيف يصح أن يفعل شيئاً ثم يلوم غيره عليه، ويقول له: كيف فعلته؟ ولِمَ فعلته؟ وأهل السنة يقولون: وجدنا كمال الإله  في التفرد ونفي العيب والنقصان، وليس تعذيب الرب على ما خلقه بظلم، بدليل تعذيب البهائم والمجانين والأطفال، لأنه يتصرف في ملكه كيف يشاء، لا يسأل عما يفعل، والقول بالتحسين والتقبيح باطل، فرأوا أن يكون هو الخالق لأفعال العباد، ورأوا تعذيبهم على ما لا يخلقون جائزاً من أفعاله غير قبيح" . كذلك: "إيجاب المعتزلة على الله أن يثيب الطائعين كي لا يظلمهم، والظلم نقصان. وقول الأشعري ليس ذلك بظلم؛ إذ لا يجب عليه حق لغيره، إذ لو وجب عليه حق غيره لكان في قيده، والتقييد بالأغيار نقصان". كذلك: "قول المعتزلة: إنّ الله تعالى يريد الطاعات وإن لم تقع، لأن إرادتها كمال، ويكره المعاصي وإن وقعت، لأن إرادتها نقصان. وقول الأشعري لو أراد ما لا يقع لكان ذلك نقصاً في إرادته لكلالها عن النفوذ فيما تعلقت به، ولو كره المعاصي مع وقوعها لكان ذلك كلالاً في كراهته، وكذلك نقصان". كذلك: "إيجاب المعتزلي على الله تعالى رعاية الأصلح لعباده لما في تركه من النقصان. وقول الأشعري لا يلزمه ذلك لأن الإلزام نقصان، وكمال الإله أن لا يكون في قيد المتألهين"(3).

ويفهم من التناقضات العقلية السابقة التي أدلى بها الغزالي أن بعضها يذهب إلى أن اعتبارات الكمال متجلِّية في مسألة القيم الخلقية تبعاً لمنطق الحق الذاتي، في حين أن بعضها الآخر يذهب إلى أن هذه الاعتبارات تتمثل بالتفرد والملكية المطلقة، ومن ثم بالمشيئة _ الإرادة التي لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود، حتى وإن كانت على عدم توافق مع قيم الأخلاق كما يراها البشر، وذلك طبقاً لمنطق حق الملكية. فالنقص بحسب الاعتبارات الأولى يتمثل بدواعي القيم الأخلاقية، في حين أن النقص، حسب الاعتبارات الثانية؛ يتمثل بالقيود التي تكبِّل إرادة المالك الحقيقي وتحدد من فرادته وفعله المطلق.

إذن هناك صراع في التأسيس القبلي للنظر ضمن الدائرة العقلية، أو بين البداهتين الأوليَيْن للحق الذاتي وحق الملكية. والسؤال هو: كيف يمكن التأكد من مصداقية أي من هاتين البداهتين المتضادتين؟

لنعد إلى العقل، بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى، ومنها الاعتبارات الدينية، ونتساءل: هل هناك ما يمكن أن نتوصل إليه من صدق أحد هذين التصورين؟ أو هل بمقدور العقل أن يشخص طبيعة الحق فيدرك ما إذا كان يتوقف على قيد خارجي، كشرط الملكية، أو أن له اعتباراته الذاتية الصرفة من غير قيد وشرط؟ وبعبارة أخرى: هل الحق هو الذي يحدد سلطة الملكية، أو الملكية هي التي تحدد سلطة الحق؟ فمَن يحكم مَن؛ سلطة الحق في ذاته أو الملكية؟

دعنا نفترض أن العلاقة بين السيد المالك المطلق والعبد المملوك هي علاقة تقبل الحكم من طرف آخر هو العقل. فطالما أن أصحاب البداهتين ارتكنوا إلى العقل في تحديد كل منهما للبداهة كما رأوها، فإن هذا يعني أن العقل مدرك لطبيعة ما هو عليه الحق، وأن العلاقة بين المالك والمملوك هي علاقة محكومة بهذا الكاشف، سواء قُدّر الأمر على نحو اعتبارات الملكية، أم باعتبار الحق في ذاته.

والسؤال هو: كيف يتاح لنا التأكد عقلاً من صدق إحدى المقولتين وكذب الأخرى؟

بادئ ذي بدء، لا بد من التذكير بأننا أمام مسألة قيمية أو معيارية ولسنا أمام حقيقة موضوعية أو خارجية. ففي الموضوعات الخارجية قد يمكن كشف الحقيقة عبر التجربة والبحث الموضوعي. فمثلاً إن القضية التي تقول: إن المطر سيهطل غداً هي قضية قابلة للفحص والاختبار، فعلى الأقل يمكن الانتظار إلى يوم غد لنتأكد ما إذا كان المطر سيهطل أم لا. وعلى هذه الشاكلة لو ادعى شخص بأن هناك حياة في كوكب ما من منظومتنا الشمسية؛ فإن هذا الادعاء قابل للتحقيق والفحص الخارجي ليعرف من خلال البحث إن كان صادقاً أو كاذباً. أما في القضايا القيمية فإنا لا نواجه حقائق موضوعية خارجية، فليس هناك شيء يمكن أن نطلق عليه (حق، أو حسن، أو عدل.. الخ) ليمكن فحصه والكشف عن مضامينه إن كان محكوماً بقضايا أخرى مثل الملكية أو عارياً عنها. وبعبارة أخرى: لا يوجد في الواقع الموضوعي ما يمكن أن نطلق عليه "قيم" لنستكشفها عبر الحواس والآثار الخارجية. فعالم القيم هو غير عالم الواقع والوجود، رغم الصلة الوثيقة والتلازم بين العالمين، حيث لا يمكن التحدث عن القيم بمعزل عن وجود الأشياء، والعكس ليس صحيحاً، إذ يمكن التحدث عن الأخيرة بمعزل عن الأولى.

يضاف إلى ذلك أنه عندما نتحدث عن القيم فإننا لا نتحدث عنها بعلاقتها بالمادة الخارجية الجامدة، ولا بعلاقتها بالحياة النباتية والحيوانية، بل ولا حتى بعلاقتها بالحياة العاقلة؛ ما لم تمتلك القدرة والإرادة والاختيار. فالقيم إنما يصح وجودها واعتبارها لارتباطها بهذا الشرط الأخير من دون غيره، وهو شرط يتضمن وجود الحياة العاقلة. فمثلاً لا يمكن الحديث عن القيم عندما يتعلَّق الأمر بموضوع خارجي كالنار. فلا يقال للنار إن فعلها حسن أو قبيح، أو إنها تمتلك حقاً في هذا الفعل أو تفتقر إليه. وكذا لا يقال للحيوان مثل هذه النعوت، بل ولا يقال للعاقل المدرك فاقد القدرة والإرادة إن فعله حسن أو قبيح. وإنّما يقال ذلك لمن يمتلك القدرة والإرادة بما تتضمنان من الإدراك العقلي، حيث يُنعت فعله بالحسن والقبيح، أو الحق والباطل.

فالقيم قائمة _ إذن _ على شرط وجود الإرادة المدركة، وبالتالي لو كانت أفعالنا جبرية لما صدقت عليها أحكام هذه القيم. كذلك لو لم تكن لله القدرة في أن يفعل غير ما فعله في خلقه _ رغم سعة علمه وعظمته _ لما صدقت عليه
هو الآخر تلك الأحكام، بل لكان فعله كفعل النار، حيث ليس في وسعها غير الحرق.

لكن مع هذا تظل مشكلتنا معلقة بطبيعة الأحكام الصادرة في حق مثل هذه القيم. فهل هي أحكام عقلية كتلك التي لها علاقة بالموضوعات المنطقية والخارجية؟ إذ نعلم أن المعرفة العقلية لها أقسام بعضها ذهني وبعضها واقعي كالآتي(4):

المعرفة الذهنية، مثل قضية مبدأ عدم التناقض والواحد المضاف إلى مثله يساوي اثنين. وهذه المعرفة لا علاقة لها بالواقع عندما تعبِّر مقدماتها عن قضايا مفترضة.

المعرفة الإخبارية الضرورية، مثل مبدأ السببية العامة القائل: إنه لا حادثة من غير سبب ما يوجدها، وإن الشيء الواحد لا يمكن أن يكون في غير مكان في الوقت نفسه، وكذا لا يمكن أن يكون شيئان في المكان الواحد نفسه في الوقت نفسه. وهذه المبادئ تتصف بالضرورة العقلية، بمعنى أن العقل يدرك حتمية ما تتضمنه هذه القضايا، والضرورة فيها ليست منطقية كالذي عليه الحالة السابقة، بل هي من نوع آخر، إذ أن عدم التسليم بها لا يفضي إلى مشكلة منطقية كالتناقض، وكل ما في الأمر أن عقلنا يستبعد تماماً أن يجد شاهداً يكذِّبها، ومن يشك في ذلك فعليه التحقيق، بخلاف القضايا المنطقية التي لا تقبل مثل هذا الشك والتحقيق(5). فالفارق بين المجموعتين من القضايا هو أن المعرفة في القضايا الإخبارية تتميز بالضرورة الوجدانية، وأن اللابدية فيها هي لابدية تحدّية، في حين أن الضرورة في المجموعة الأولى هي ضرورة منطقية، وأن اللابدية فيها لا تقبل التحدي.

المعرفة الإخبارية الوجدانية، مثل الاعتقاد بالواقع الإجمالي للعالم، حيث ليست هذه المعرفة ضرورية، كما لا يمكن الاستدلال عليها، وبالتالي فهي من المعارف الوجدانية الصرفة(6).

المعرفة الاحتمالية، وهي حالة خاصة تتصف بأن إخبارها عن الواقع الموضوعي لا يطابق غالباً ما هو عليه الواقع، وذلك بخلاف المعرفة الإخبارية الضرورية التي شرطها مطابقة الواقع بالضرورة. فمثلاً إن قيمة احتمال ظهور وجه الصورة لرمية واحدة لنقد متماثل الوجهين تساوي (1/2)، وهذه تمثل قضية ضرورية لا شك فيها. وعليها يمكن استنتاج قضية أخرى جزئية بطريقة قياسية بالشكل الآتي:

إن قيمة احتمال ظهور وجه الصورة لكل نقد منتظم تساوي (1/2) بالضرورة، وحيث أن هذه قطعة نقد منتظمة، لذا فقيمة احتمال ظهور الصورة فيها تساوي (1/2) بالضرورة أيضاً، طالما كنا متأكدين من انتظام القطعة. وبالتالي فقد استنتجنا الجانب العقلي للقضية الجزئية. ولكن حين نرمي هذه القطعة النقدية عدداً من المرات، ولنفترض عشر مرات، فسوف نلاحظ أن نتائج ظهور وجه الصورة لا يؤدي بالضرورة إلى القيمة الاحتمالية النصفية، فقد تكون أكثر أو أقل من ذلك، بل الغالب إنها لا تكون نصفاً، لأسباب ذكرناها في دراسة مستقلة. ورغم أن هذه هي حال القضية الواقعية في الحسابات الاحتمالية، إلا أنَّ ذلك لا يغير شيئاً من ضرورة الحكم العقلي السابق. فالقضية المنطقية في المبادئ الاحتمالية ضرورية، وذلك على خلاف القضية الواقعية المستندة إليها. والسبب في هذا الاختلاف يرجع إلى طبيعة القضايا الاحتمالية نفسها، حيث تقتضي أن تكون القضايا الواقعية فيها غير محتمة، كما تقتضي أن تكون قضاياها المنطقية ذات صبغة ضرورية.

أما بخصوص المعرفة القيمية، كالحسن والقبح، فهي لدى الفلاسفة القدماء من المشهورات، ولدى أصحاب منطق الحق الذاتي من العلوم الضرورية التي تتوقف عليها متفرعاتها من الأحكام(7). لكن بعض الباحثين خلط بين هذين الاتجاهين، إذ نقل لنا مفهوم أصحاب منطق الحق الذاتي (العدلية)، ودافع عنه دفاعاً تاماً، لكنه رآه بعين الفلاسفة، واستشهد عليه ببعض عباراتهم، كالذي نقله عن ابن سينا في "الإشارات والتنبيهات" وما وافقه عليه شارحه نصير الدين الطوسي. لذا اتصفت عباراته أحياناً بالتهافت وعدم الاتساق. فالشيخ المظفر عرّف المشهورات بأنها قضايا لا عمدة لها في التصديق إلا الشهرة وعموم الاعتراف بها، كحسن العدل وقبح الظلم، حيث لا واقع لهذه القضايا وراء تطابق الآراء عليها، فلو خلِّي الإنسان وعقله المجرد فإنه لا يحصل له حكم بها، ولا يقضي عقله فيها بشيء كما يقول ابن سينا. وليس الأمر كذلك مع قضايا الضرورات الأولية كالحكم بأنَّ الكل أعظم من الجزء، إذ لو خلي الإنسان وعقله فانه لا يتردد في الحكم بها، إذ يكفي تصور طرفي هذه القضية للحكم بها. وعليه فإنَّ المعتبر في مثل هذه القضايا الأولية للعقل النظري هو أنها مطابقة لما عليه الواقع. أما المعتبر في المشهورات فهو أنها مقبولة لتوافق الآراء عليها، حيث لا واقع لها غير ذلك، وإن تطابق الآراء عليها هو لأجل قضاء المصلحة العامة، حيث بها يكون حفظ النظام وبقاء النوع، كقضية حسن العدل وقبح الظلم. فمعنى حسن العدل هو أن فاعله ممدوح لدى العقلاء، ومعنى قبح الظلم هو أن فاعله مذموم لديهم. فهذا هو المفهوم الوجودي للفلاسفة عن العقل العملي للحسن والقبح، وهو المفهوم نفسه الذي رأى المظفر أنَّ العدلية _ أصحاب منطق الحق الذاتي _ قائلون به، حيث يدل عندهم على كون تلك القضية من المشهورات لا الضرورات، واستشهد عليه بقول لابن سينا وبما وافقه عليه تابعه نصير الدين الطوسي(8). لكنه رغم ذلك ذهب في بعض عباراته مذهب القائلين بالحق الذاتي، ومن ذلك اعتباره قضايا الحسن والقبح من القضايا الذاتية، وان ما كان ذاتياً لا يقع فيه اختلاف، فالعدل بما هو عدل لا يكون قبيحاً أبداً، وكذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون حسناً أبداً،
أي
ما دام عنوان العدل صادقاً فهو ممدوح، وما دام عنوان الظلم صادقاً فهو مذموم(9).

ورغم أن المعنى الفلسفي السابق يثير مشكلة، وهي أنه إذا كانت قضية الحسن والقبح من المشهورات، فكيف تُرجح على ما يقدمه نص الخطاب، إلى الدرجة التي يتوقف عليها هذا الخطاب في التأسيس، سواء من الخارج أم من الداخل، وذلك تبعاً لمنطق الحق الذاتي الذي ذهب إليه الشيخ المظفر؟ ذلك أن القول بأنها من المشهورات يدعم فكرة منطق حق الملكية، بأنه لا أساس لها سوى ما ألفناه من الاعتبارات الإنسانية، من دون أن يكون لها بعد عقلي مجرد. إذ لو أن الله أدخل المؤمن الصالح في النار، وجعل الكافر الشرير في الجنة، فإننا سنعدّ ذلك أمراً قبيحاً لكونه من المشهورات عند الناس، أو لأنه مما توافقت عليه آراء العقلاء، من دون أن يكون له حكم عقلي مجرد يخصه. ولا شك في أنّ هذا الاعتبار لا قيمة له أمام الاعتبارات التي تخص الله تعالى، ومن ذلك ما قد يقال من اعتبارات المشيئة وحق التصرف المطلق بملكه. إذ ما الذي يجعلنا نعتقد بأنَّ ما يوليه الله من اعتبارات هي الاعتبارات نفسها التي نسلم بها نحن البشر بالتوافق والشهرة؟ فلو قيل: إن الله هو من العقلاء "بل رئيسهم، بل خالق العقل، فلا بد من أن يحكم بحكمهم بما هم عقلاء"(10)؛ لقلنا كيف عرفنا أنه يحكم بحكمهم، خصوصاً ونحن من عالم وهو من عالم آخر مختلف؟ إذ لو قيل: "إنَّنا عرفنا هذا بما دلنا عليه الخطاب الديني، حيث عرفنا أن حكم الله هو مثل حكمنا في هذه القضايا، لكان هذا القول غير صحيح، وذلك لتوقف إثبات الخطاب على صحة تلك القضايا. أما لو قيل: إننا عرفنا ذلك بالعقل، فإن كان المقصود هو الإدراك بحسب الشهرة والتوافق على الآراء بين العقلاء، فإن ذلك لا يقدم شيئاً، إذ قد يكون المشهور باطلاً، كما قد تكون اعتبارات المشهور لدينا هي غير اعتبارات من هو أعلى منا عقلاً وعلماً. وهنا تنقلب القضية إلى المفهوم الذي يخص منطق حق الملكية، وبالتالي يصبح من المحال أن تثبت المسألة الدينية وفق منطق الحق الذاتي، كما لا يمكن الحكم على الأفعال الإلهية بالحقوق والواجبات، وكذا الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، مادامت أنها لا تخرج عن حد الشهرة واتفاق العقلاء.

ومن حيث التحليل، عندما نقول: إنَّ المسألة عقلية، فهذا يعني أن الوجدان العقلي يشهد بصدقها؛ سواء شهد بذلك على نحو الضرورة، أم على نحو التأكيد فحسب. وهنا نجد أن القضايا القيمية هي أيضاً مما يشهد عليها الوجدان العقلي بالصحة والصدق، رغم أنها ليست بصدد الإخبار عن أشياء الواقع الموضوعي أو التطابق معها، ولا علاقة لها بالقضايا المنطقية المجردة، بل لها ما يجعلها حالة أخرى تختلف فيها عن جميع الحالات التي مرت بنا، وهو أنها تتضمن الكيفية القيمية. وليس في الأمر غرابة، فقد عرفنا كيف أن بعض الحالات المعرفية تمتاز قضاياها بالضرورة العقلية، رغم أنها لا تتطابق في الغالب مع مصاديقها الواقعية، كما هي الحال مع القضايا الاحتمالية، وكأنها بذلك تتضمن التناقض وعدم الاتساق، لكن حالها ليست كما يبدو، إذ أن طبيعتها، لاعتبارات منطقية ورياضية، تفرض عليها أن تكون غير متطابقة _ غالباً _ مع ما هو عليه الواقع. كذلك هناك من القضايا ما تكون محلاً للاعتقاد الراسخ بحسب العقل والوجدان؛ رغم أنها ليست من القضايا الضرورية، ولا من القضايا التي يمكن الاستدلال عليها، مثل قضية الإيمان بوجود الواقع الموضوعي العام. وبالتالي فإن الإدراك العقلي والأحكام التي تصدر عنه لا يمكن إرجاعها إلى وتيرة واحدة، إذ هناك صور وكيفيات مختلفة قد تعطي انطباعاً بالتعددية التي يمتاز بها العقل في إدراكه للأشياء تبعاً لما هو عليه شروطها الخاصة. ومن بين هذه الصور والكيفيات تلك المتعلقة بإدراك قضايا العقل العملي. فمثلاً لا يتردد العقل في أن يستقبح قتل بعضهم لوالديه، أو لمن أحسن إليه، أو لنظرائه من غير سبب موجه. لكن من الواضح ان مثل هذه الأمثلة تتضمن افتراض ان يكون بين الأفراد نوعاً من التماثل والاستقلالية. فالعلاقة بينهم ليست قائمة تبعاً لسلطة الملكية الحقيقية، إذ لا يمتلك بعضهم بعضهم الآخر، وبالتالي فان هذه الصورة يمكن ان يتفق عليها كلا المنطقين المتنازعين (الحق الذاتي وحق الملكية). وهي مؤشر على صلاحية العقل العملي في الحكم على الأشياء وفقاً للشروط المطلوبة. إلا أن المشكلة تكمن في الشرط الميتافيزيقي المتمثل بافتراض وجود علاقة من الملكية المطلقة، وليس في حالة التماثل السابقة. وبحسب هذا الافتراض فان هناك كائناً يتمتع بامتلاك غيره امتلاكاً مطلقاً، والسؤال هو: هل يحق له تعذيبه والعبث به من غير سبب موجه؟

لا شك في أنه ليس أمامنا في هذه الحالة إلاّ أن نفترض وجود طرف ثالث مجرد و"محايد" يتصف بقدرته على الإدراك والحكم، وأعني بذلك العقل أو الوجدان. فلو رجعنا إلى الوجدان العقلي، وبغض النظر عن كل الاعتبارات الخارجية كالدينية وما شاكلها، نجد أنه لا يشك في إدراك حالة القبح أو النقص القيمي لمثل ذلك الفعل، رغم اتصاف الفاعل بالملكية المطلقة. الأمر الذي يسوِّغ الواجبات العقلية، سواء كانت تخص المكلِّف أم المكلَّف.

وتبعاً للأمر المنطقي لابد لكل معرفة من قيود وشروط، ومن هذه القيود ما يتعلق بطبيعة القضايا نفسها. فمثلاً ان القضية التي تقول بان الواحد المضاف إلى واحد مثله يساوي اثنين، هي قضية تتحدث عن الواحد البسيط أو المجرد، وبالتالي لا يمكن نقضها بقضية أخرى لا تحمل هذه البساطة أو التجريد، كأن يقال: إنَّنا لو جمعنا حجم غاز بآخر مثله فإنه يمكن أن نحصل على حجم واحد منهما، أي ان الواحد المضاف إلى مثله يساوي واحداً لا اثنين.

كذلك فإنَّه في قضية السببية العامة يشترط أن تكون هناك حادثة ما، كأن تعبر عن تغير أو عن وجود بعد عدم، وهذا يعني أن هذا الشرط لا ينطبق في بسط هذه القضية على مبدأ الوجود الأول، ليقال: إنه لا بد له من سبب غيره، وذلك باعتباره ليس حادثة، حيث أنه موجود في الأصل من دون أن يسبقه عدم، كما أنه لا يتغير كي يقال: إن هذا التغير لابد له من سبب. وأيضاً ان من قيود هذه القضية هو أنها لا تتحدث عن معرفة نوع السببية وتعيين السبب، وبالتالي فإنها وإن كانت حالة عامة، يمكنها ان تنطبق على كل مظاهر الكون وحوادثه، وأنها كذلك شرط في المعرفة البشرية من دونها لا يمكن الوثوق بأي علم من مظاهر الكون والطبيعة، إلا أنها ليست كافية لتفسير هذه المظاهر والحوادث، وذلك باعتبارها لا تعمل على تشخيص طبيعة الأسباب التي تكمن وراء ما يحدث. فهذا هو قيدها كما يدركها العقل النظري القبلي.

وأيضاً إنه في قضية الإيمان بواقعية العالم من غير دليل، فإن قيدها هو أنها تصدق في حدود العالم المجمل للواقع الموضوعي، ولا دخل لها في تفاصيل هذا العالم. ذلك أن أي شيء جزئي في العالم يمكن إدراكه إن كان من الواقع أو من الافرازات الذهنية، وذلك عبر الدليل الاستقرائي والقرائن الاحتمالية. أما قضية الحياة بعمومها وكليتها فانه لا دليل على واقعيتها رغم إيماننا بها إيماناً جازماً، وإنه مهما شككنا فيها فإنه من الناحية الغريزية أو الفطرية نتعامل معها تعاملاً موضوعياً، أي بافتراض أنها ذات واقع موضوعي خارج حدود الذهن وإفرازاته الذاتية. فهذا هو قيد المعرفة الوجدانية بوجود الواقع الموضوعي.

كما يلاحظ، في القضية العقلية الخاصة بالاحتمالات أنها مقيدة بتماثل الحالات الممكنة، ولولا هذا التماثل لانتفت الضرورة من المعرفة، ولأصبحت المعرفة “تقديرية”. وبصفة عامة إن أغلب حالات الواقع يشهد عدم تحقق هذا الشرط، ما يعني أنه لا يخضع إلى الحكم العقلي، في حين هناك قضايا بسيطة يمكن أن ينطبق عليها الحكم العقلي، كالسحب العشوائي لبعض الكرات المختلفة الألوان مع علمنا بعددها وألوانها وتساوي أوزانها وإحجامها وأشكالها، حيث يكون الحكم فيها حكماً عقلياً غير قابل للنقض والتبديل(11).

على أن معنى الضرورة في هذه القضايا المختلفة هو أن تكون غير قابلة للخرق والتجاوز، فهي بالتالي صحيحة صحة مطلقة وشاملة وإن باعتبارات مختلفة. والحكم فيها يستند إلى ما يتفق عليه جميع الناس، إذ لو اعتمدنا على ما يقوله الآخرون لما وجدنا قضية يمكن الاتفاق عليها، بما في ذلك مبدأ عدم التناقض، فضلاً عن مبدأ السببية العامة وغيرها. وعليه كان لا بد من النظر إلى القضية نفسها بحسب التجريد العقلي، أي العمل على رؤيتها مباشرة من الداخل قبل محاكمتها باعتبارات مختلفة تبعاً لما هي عليه طبيعة هذه القضايا وقيودها. فقد يرى العقل فيها الضرورة، ولهذه الأخيرة أشكال مختلفة كما قدمنا، وذلك بخلاف ما هو معروف لدى المفكرين من وجود نمط واحد منها هو الضرورة المنطقية، وأحياناً يشار بشكل مجمل إلى الضرورة العقلية ليضم فيها عدد من الضرورات، كتلك التي تخص مبدأ عدم التناقض ومبدأ السببية العامة.

فتارة تكون الضرورة منطقية كما في عدم التناقض، وثانية تكون تحدّية كما في السببية، وثالثة احتمالية كما هي الحال في الاحتمالات العقلية. ونضيف إلى ذلك ما نطلق عليه "الضرورة القيمية" التي نحن في صدد بحثها وتحليلها. فهذه الضرورات بعضها يختلف عن بعضها الآخر، والصفة المشتركة بينها هي أنه لا يوجد مسوغ لتغييرها وإبدالها، ويفترض أن لها طبيعة شمولية وكلية مطلقة، بما في ذلك النوع الأخير من الضرورات، وهو الخاص بالعقل العملي تمييزاً له من الأنواع الأخرى المنضمة إلى العقل النظري.

والاختلاف بين هذه الضرورات هو أن الأولى (المنطقية) لها علاقة بالقضايا النظرية التجريدية، وأن الثانية "التحدّية" لها علاقة بالواقع الموضوعي مباشرة، وذلك باعتبارها إخبارية وكاشفة عن الواقع بالقيد الذي ذكرناه، وأن الثالثة (الاحتمالية) هي، وإن تحدثت عن الواقع، إلاَّ أن ميزتها كونها لا تطابق الواقع بالضرورة، أو أنها في أغلب الأحيان لا تطابقه. أما الضرورة القيمية فهي لا تتحدث عن أشياء الواقع الوجودي والتكويني، وبالتالي لا يمكن محاكمتها كما يحاول البعض محاكمة الضرورة التحدّية، بل المهم هو مشاهدتها بالرؤية المباشرة تبعاً لما يفضي إليه الوجدان العقلي ليعرف أنها شاملة وكلية مطلقة، لكن بحدود القيود التي هي عليها، مثلما رأينا مع غيرها من ضرورات العقل النظري

وقد كان الاعتراض العقلي الذي قدمه أصحاب منطق حق الملكية على قضايا الحسن والقبح، هو أنها لو كانت عقلية لما وقع التفاوت بينها وبين حكم العقل بالضرورات الأولية كقضية عدم التناقض وأن الكل أعظم من جزئه، حيث العلوم الضرورية لا تتفاوت في ما بينها في الحكم. وهذا غير صحيح، بل هناك تفاوت في هذه العلوم، كما أن فيها قيوداً يختلف بعضها عن بعضها الآخر، ويظل المشترك بينها هو القول بالضرورة بمعناها العام عندما يدركها العقل مجرداً، أو عند تصور طرفيها. ذلك أن العقل يحكم بضرورة صدق قضية الحسن والقبح، مثلما يحكم بهذه الضرورة للقضايا المنطقية والعقلية والاحتمالية، مع أخذ كل منها بحسب مجاله وقيوده واعتباراته. ومن الأمثلة على قضايا هذه الضرورة نذكر ما يأتي:

                         العقاب من غير بيان في التكليف قبيح.

                         التكليف بما لا يطاق، إن لم يكن عقوبة، قبيح.

                         الاعتداء على الآخرين من غير ذنب، ولا اضطرار، قبيح.

                         شكر المنعم الخيّر حسن.

                         الاعتراف بجميل المحسن حسن.

                         التعاون مع الأخيار في العمل الصالح حسن.

                         مساعدة المحتاجين الأخيار حسن.

                         ترجيح الأهم على المهم حسن.

                         دفع الضرر عن غير المستحقين حسن ما لم يفضِ إلى ضرر أكبر.

                         ردُّ المظالم إلى أهلها المستحقين حسن ما لم يؤدِّ إلى ضرر اكبر.

                         الانتصاف من الظالم إلى المظلوم حسن ما لم يؤدِّ إلى ضرر اكبر.

                         الصدق حسن ما لم يضطر إلى الكذب.

 

تجلِّيات الصراع العقلي

إن التضاد الحاصل بين البداهتين، كالذي سبق عرضه، كان له تأثيره وانعكاساته على عدد من الأصعدة: عالم الوجود والواقع، وعالم الفقه والتشريع، وأخيراً عالم فهم النَّص. وهذا ما سنتعرف إليه حسب الفقرات الثلاث الآتية:

أولاً:

إن أهم مسائل الخلاف العقلي، بين منطقي الحق الذاتي وحق الملكية في مجال الوجود والواقع، هي مسألة السببية وعلاقاتها في الطبيعة. فإذا كان منطق حق الملكية يميل إلى تفسير السببية طبقاً للعادة وذلك تبعاً لمقولة "لا فاعل في الوجود إلا الله"، الآمر الذي يتسق مع البداهة الأولية لهذا المنطق، فان الأمر مع منطق الحق الذاتي مختلف، ذلك أن طائفة من هذا الاتجاه اعتمدت في تفسيرها للسببية على منطق له علاقة بمفهوم "التوليد" كالذي فصَّل الحديث عنه القاضي الهمداني في كتابه "المحيط بالتكليف". فمفهوم السبب عند الهمداني يتضمن معنى الواسطة مشبهاً إياها بالآلة أو الأداة، فتارة يعبر عن الواسطة بأنها السبب نفسه، وأخرى يعد السبب واسطة بين الفاعل المختار وفعله(12). وعلى هذا المعنى يمكن أن يكون هناك سبب من غير مسبب، إذ قد يقع عارض يمنع وجود المسبب رغم وجود السبب، كما يمكن أن يكون هناك مسبب من غير سبب، حيث يحدث المسبب ابتداءً بفعل الفاعل المختار، وكذا قد يكون المسبب حادثاً بفعل السبب والذي يطلق عليه التوليد. وكما يقول الهمداني في هذا الصدد: “قد ذكرنا أن في أفعالنا ما لا يصح منا أن نفعله إلا بسبب، وفي أفعالنا ما يصح أن نفعله ابتداءً وبسبب، وفيها ما لا يصح أن نفعله إلاَّ مبتدأ من دون أن يقع بسبب، فالضرب الأول هو الصوت والألم والتأليف، والضرب الثاني هو الاعتماد والكون والعلم، والضرب الثالث هو الإرادة والكراهة والظن والنظر، وما كان من باب الاعتقاد الذي ليس بعلم”(13).

وما يقصده الهمداني من "الاعتماد" هو أن يحصل المتولد في غير محل القدرة، كالذي يحدث في الحركات والظواهر النائية المنفصلة عنا وعن أي فاعل مختار، مثلما يحصل من إحراق النار التي تولد التفريق، وما يكون في الماء من الثقل ما يوجب الّنزول، ويسمى ذلك عند بعضهم طبعاً، ويطلق عليه لدى طائفة من المعتزلة "الاعتماد"، حيث إنه معلق على القادر، إذ يصح أن يمنعه من التوليد والإيجاب(14).

وفي جميع الأحوال، لا ينفي الهمداني ما يصطلح عليه الفلاسفة بمبدأ السببية العامة، حيث أنه يردّ كلاً من السبب والمسبب، سواء كانا مقترنين أم منفردين، إلى الفاعل المختار، وهو المتمثل بالمكلِّف والمكلَّف، ومن ذلك قوله: “إذا كان المبتدأ احتاج إلى فاعل لحدوثه، فالمتولد إذا كان حادثاً يجب أن يجري مجراه في الحاجة إلى المحدث، ولا يمكن أن يقال: إنَّ حدوثه واجب، لأنه إنما يراد بالوجوب الاستمرار”(15). وهو ما يلزم عنه مضامين الحسن والقبح، سواء بفعل الفاعل للسبب أو بما قد يتولد عنه من المسبب، أو حتى من حيث فعل المسبب من غير سبب. وذلك كلّه لا يتنافى مع مبدأ السببية العامة. والهمداني يعترف بأن قدرتنا لا تسمح لنا في أغلب الأحيان إتيان المسبب من غير سببه، وذلك بخلاف القدرة الإلهية المطلقة التي يسعها ذلك مثلما يسعها فعل المسبب عن السبب بالتوليد. وعليه فإن هذا المعنى يختلف كلياً عن المعنى الخاص بعلاقة العلية كما يبشر بها الفلاسفة، ذلك “أن المتولد ذات منفصلة عن السبب، حادثة كحدوث نفس السبب، فأمكن أن يقال: إنَّه حدث من جهة القادر، وموجب العلة ليس بأمر يحدث فتصبح إضافته إلى الفاعل، بل ليس ينفصل عن المعلول"، لذا فالمعنيان مفترقان (16). فالمسبب أو المتولد مرتبط بالفاعل المختار حسب ما يفعله من السبب أو الواسطة، وهو بالتالي أولى أن يناط بفاعله من سببه(17)، ذلك لأن السبب واسطة بين الفاعل المختار وفعله، لذا لا يطلق على الفاعل موجباً، حيث الفعلية تنافي الإيجاب، كما لا يقال عن السبب أنه مولد، وذلك لأن المولد هو من أسماء الفاعل، والفعل ليس حادثاً بالسبب، وإنما حدوثه بالقادر أو الفاعل المختار، وبالتالي يصح القول: إنَّ ما أحدث الفعل هو القادر بهذا السبب(18). ما يعني أن للسبب تأثيراً على المسبب، وإن لم يكن هذا التأثير موجباً كالعلة بالنسبة إلى المعلول عند الفلاسفة. والغرض من هذا التحديد هو لأجل تنقيح قاعدة الحسن والقبح، حيث تصدق ليس فقط على الأفعال الابتدائية وإنما كذلك عما يترتب عليها من متولدات ومسببات.

هكذا: إن المفهوم السابق للسببية والتوليد مفيد بأكثر من اعتبار: فمن جهة أنه لا يتعارض مع الضرورات العقلية، وذلك باعتباره يحافظ على مبدأ السببية العامة القائل: إن لكل حادث لا بد له من “سبب” يوجده، أو بحسب تعبير هذا الاتجاه هو أن لكل حادث لابد له من فاعل، ابتداءً أو توليداً، ومن ذلك أنه يعد من الضرورات العقلية العلم بتعلق الفعل بفاعله، مثل تعلق الجواهر والأعراض كالروائح والألوان والطعوم بالخالق(19). أما من جهة ثانية فهو انه يتسق تماماً مع البداهة الأولية للحق الذاتي، وذلك لأنه يجعل من العلاقة بين الفعل والفاعل علاقة غير محتمة أو لزومية، وبالتالي فإن ذلك يحفظ لنا إرادتنا واختيارنا عندما تتولد عنهما الأفعال والمسببات، فليس هناك ما يجبرنا على الفعل ويلجئنا إليه، الأمر الذي تتصحح به صورة الحسن والقبح. ومن ذلك ما يقوله الهمداني: "إن الذم يتوجه على المتولد من الانفعال، كما يتوجه على المبتدأ، وذلك لأن أحدنا يذم على الكذب والظلم والقتل وغيرها، وكل هذه الأفعال تقع متولدة، فلو لم تكن حادثة من جهتنا لقبح ذمنا عليها"(20).

ويلاحظ أن فكرة هذا الاتجاه عن السببية تختلف عن فكرة الاتجاه الأول الذي حصر التأثير على الأشياء بالله من دون سواه. فعلى الرغم من أن اتجاه الحق الذاتي يرى أن ما يقوله الأول ممكن تبعاً للقدرة الإلهية غير المتناهية، إلا أنه مع ذلك اعترض عليه باعتباره يتنافى مع العدل وغرض التكليف، وهو أنه لا بد من أن يكون للغير تأثير كي يتصحح الفعل البشري وما يستحقه من الثواب والعقاب طبقاً لمنطق الحق الذاتي. وهو يطلق على هذا التأثير بإحداث الفعل، كأن يكون مصدر هذا الإحداث هو الله، أو الإنسان بما أحدثه الله فيه من قدرة. وبهذا يتصحح تكليفه وما يستحقه من جزاء. وهو في هذا المجال لا ينكر أن يكون هناك نوع من تأثير الأشياء بعضها على بعضها الآخر طبقاً لمنطق التوليد والاعتماد، وذلك بما أودعه الله فيها من قوى وخواص، وأنه لو شاء لما كان لها هذا التأثير أو التوليد البتة، بل جعل ذلك من الأمور التي تتصحَّح بها معرفة المعجزة وإثبات النبوة، حيث لا تعرف المعجزة بأنها معجزة ما لم تكن خارقة للعادة(21)، ومن ذلك خرقها لخواص الأشياء التي هي عليها، أي مبطلة لعلاقة التأثير بين السبب والمسبب. وهذا كله مما لا يقره الاتجاه الأول، وذلك لأن الفعل عنده محصور بالله، وانه لا تأثير للأشياء ولا توليد للمسببات، كما أنَّه ليس هناك من قوى فاعلة، بل كل حالة اقترانية بين شيئين هي نتاج فعل الله، فلا عرض حادث إلا والله خالقه وفاعله، وذلك اتساقاً مع البداهة الأولية لحق الملكية، إلى الدرجة التي ذهب فيها بعض لصحاب هذا المنطق إلى اعتبار الاعتقاد بتأثير الأشياء بعضها على بعضها الآخر يعد كفراً وبدعة، ومن ذلك ما قام به السنوسي في "المقدمات" بتأويل قوله تعالى: ]الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء[، حيث نفى أن يكون هناك تأثير للرياح على الغيوم، باعتباره يتضمن إثبات العلل الوسيطة، معتبراً مثل هذا الاعتقاد أصل الكفر والبدعة(22). وبالتالي فإن عموم اتجاه حق الملكية يختلف رأيه في السببية عن اتجاه الحق الذاتي، حيث أن الاقتران السببي بين الظواهر العرضية في الطبيعة هو لدى الأول مجرد اقتران من دون أن يتضمن التأثير من قبل العلاقة الاقترانية، في حين أنه لدى الأخير يتضمن هذا التأثير، وهو أن إحدى الظاهرتين العرضيتين تؤثر على الأخرى بقدرة الله، وذلك طبقاً لمنطق التوليد والاعتماد.

مع هذا، فهناك من أصحاب منطق الحق الذاتي من قدم تصوراً آخر يقترب بعض الشيء من التصور الفلسفي الوجودي. وقد نقل الأشعري في "مقالات الإسلاميين" عن المعتزلة بأنهم اختلفوا في السبب: هل هو موجب للمسبب أو لا على قولين؟ حيث ذهب أكثر المعتزلة المثبتين للتولد بأنَّ الأسباب موجبة لمسبباتها، وهو قول الفلاسفة. ومن ذلك ما جاء عن معمر بن عباد السلمي (المتوفى سنة 220هـ) أنه رأى أنّ الأعراض في الأجسام المادية هي من اختراعات الأجسام بحسب "الطبع"، كالنار التي تحدث الإحراق، والشمس التي تحدث الحرارة، والقمر الذي يحدث التلوين. كذلك ذهب الجاحظ إلى إثبات الطبائع للأجسام، حيث أثبت لها أفعالاً مخصوصة مثلما هو رأي الفلاسفة(23). وعلى هذه الشاكلة ذهب أبو القاسم البلخي الذي أيده الشيخ المفيد من الإمامية، حيث قال ضمن عنوان: "القول في الثقيل: هل يصح وقوفه في الهواء الرقيق بغير علاقة ولا عماد": “أقول: إنَّ ذلك محال لا يصح ولا يثبت، والقول به مؤدٍّ إلى اجتماع المضادات. وهذا مذهب أبي القاسم البلخي وجماعة من المعتزلة وأكثر الأوائل، وخالفهم فيه البصريون من المعتزلة، وقد حكي انه لم يخالف فيه احد من المعتزلة إلاّ الجبائي وابنه وأتباعهما”. كما قال المفيد تحت عنوان: "القول في الجسم: هل يصح ان يتحرك بغير دافع": “أقول إنه لو صح ذلك بأن توجد فيه الحركة اختراعاً كما يزعم المخالف، لصح وقوف جبل أبي قبيس في الهواء بأن يخترع فيه السكون من