بحوث و دراسات

سنة وشيعة؟ أم عراقيون فقط؟

6 نوفمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة


      كلما تأملت الواقع العراقي الذي يعيشه أهلنا في العراق أتألم من أعماق قلبي … وكلما سافرت إلى بلد يعيش أهله في وئام وسلام ورفاهية, أقارن بينه وبين أبناء شعبي فيستولي عليّ الحزن وأحبس دمعتي بين أجفاني, وأتساءل لماذا أصبح وضعنا هكذا؟ وما هي أسباب هذا البؤس والشقاء؟

      وحينما أدقق النظر باحثاً عن الأسباب التي مزّقت العراق أجد أن من أهمها الطائفية والعنصرية, فما عاد كثير من العراقيين يشعرون بأنهم عراقيون, بل أن بعضهم يشعر بأن هويته قومية فيرى أنه عربي أو كردي أو غير ذلك, والبعض الآخر يرى أن انتماءه إلى طائفته أقوى من انتمائه إلى وطنه, فيشعر أنه شيعي أو سني أو مسيحي أو غير ذلك. وهذه مصيبة كبيرة تهدد هذا الوطن الجميل الذي احتضن عشرات الحضارات وسكنت على ترابه عشرات الشعوب وعاشت فيما بينها طيلة هذا الفترة الطويلة مؤتلفة متآخية حتى كان العراقيون  – بسبب هذا التآخي – سباقون إلى الاختراعات وتقنين الشرائع ووضع المسلات القانونية, ولعل مسلة حمورابي وأمجاد السومريين في اختراعهم للكتابة وغيرها أقوى شاهد على ما أدّعي.

      تذكر (الموسوعة العربية العالمية) تحت عنوان (عراق) ما نصه:

      ((كان العراق بحق مهدًا لحضارة عريقة، ففيه بدأت إحدى أقدم محاولات الإنسان في الزراعة وتدجين الحيوان في حدود الألف السابع قبل الميلاد، ونشأت المدن والمراكز الحضارية على شواطئ النهرين العظيمين دجلة والفرات وفيه كانت إحدى أقدم محاولات الإنسان في الكتابة والتدوين، كما ازدهرت فيه نتيجة لذلك التربية والتعليم، والقوانين وتدوين الطب والكيمياء والرياضيات والفلك والفن والأدب والتجارة والصناعة وغيرها. وغدت تلك المحاولات المبكرة الأساس المتين الذي قامت عليه الحضارة العراقية القديمة فيما بعد.))

      إذن لماذا نسي العراقيون كل هذا التاريخ والمجد, وانشغلوا بمسائل طائفية ترتبط بخلافات وحروب قديمة وقعت في صدر الإسلام؟ أي قبل ألف وأربعمائة سنة تقريباً؟.

      لو سلَّمنا جدلاً بأن هناك خلاف بين الإمام علي والخلفاء في زمنه, أو ما نقطع به من خلاف بينه وبين معاوية, فالواجب علينا هو نأخذ العبرة من تاريخنا, وننظر ونتأمل كيف أن هذه الخلافات مزقت الأمة الإسلامية في ذلك العصر, وبالتالي فينبغي أن لا نكررها وأن نتحد ولا نسمح لأيّ خلاف أن يدخل بين صفوفنا. هذا هو المنطق السليم. ولكن ماذا فعلنا نحن؟ جئنا بعد ألف وأربعمائة سنة وانقسمنا إلى قسمين: قسم مع علي وقسم مع الخلفاء!!! وصرنا نحقد على بعضنا البعض, ومزقنا وطننا الجميل, واختلفنا لأن اختلافاً وقع قبل ألف وأربعائة سنة, وتحاربنا في بعض الحالات لأن علياً ومعاوية تحاربا, فهل هذا تصرف يقوم به عاقل؟! أو يُقدم عليه رجل حكيم؟!

      إن ما جرى على الأمم الأخرى وما حصل لها من تجارب يمكن أن نستفيد منه نحن, لأننا لسنا بدعاً من الشعوب, ولا نختلف عنهم في طينتنا ودمنا, فهناك حالات في العالم تشبّه الحالة العراقية, أمريكا على سبيل المثال, أمة تشكلت من عشرات القوميات من أوروبا ومن الأفارقة السود وغيرهم, وحينما كانوا منشغلين بالفتن الداخلية والطائفية لم يكن لهم شأن بين الدول, كانوا أمة فقيرة وذليلة, يوماً يستعبدها الأسبان, ويوماً تستعمرها بريطانيا, بريطانيا التي أذلتهم وفرضت عليهم اللغة التي يتكلمون بها اليوم, إذ الأمريكان اليوم يتكلمون الانجليزية كما نعرف, وهي لغة دخيلة عليهم فرضها الانجليز عليهم حينما استعمروها, ولكن متى صارت أمريكا أقوى دولة في العالم؟ ومتى سيطرت على الأرض, وصارت بريطانيا اليوم تابعاً لأمريكا؟

      الجواب: عندما شعر أهلها بأنهم أمريكيون فقط, وشعروا بأن هويتهم هي بلد اسمه (أمريكا) وعندما توّحدوا, أنت تعرف يا قارئي العزيز أن اسم أمريكا هو:
United states of America
      وتعني (الولايات المتحدة الأمريكية), ارتدي نظارتك ودقق النظر في الكلمة الوسطى, ستجد أنها (المتحدة) وهو ما نفتقده للأسف الشديد. إن الأمريكيين يطلقون على أنفسهم اسم:
Nation
      ومعناها: الأمة, إنهم يرون أنفسهم أمة, وهو تعبير يتسامى على الأديان والطوائف والأعراق.

      خلاصة ما أريد قوله وما أدعو إليه هو أننا إذا أردنا أن نضع حداً لمشاكلنا وأن نوقف هذا الجنون الذي يجري في بلادنا, فلابدّ أن نشعر بأننا عراقيون أولاً وقبل كل شيء, وبأن العراق هو هويتنا, نضع مصلحته فوق مصلحة أيّ شيء آخر, يجب أن يشعر الشيعي بأن السني العراقي أقرب إليه من الشيعي غير العراقي, ويجب أن يشعر السني العراقي بأن الشيعي العراقي أقرب إليه من السني غير العراقي, وكذلك الأمر بالنسبة إلى العربي والكردي, لأننا أبناء وطن واحد, ومصيرنا واحد, وإذا رأينا سياسياً يحرّك الوتر الطائفي فيجب أن لا ننجر ورائه بل يجب أن نضع عشرات بل مئات من علامات الاستفهام حول هذا السياسي, وبعد البحث والتدقيق سنجد أنه يطبق مشروعاً أجنبياً تمَّ تحضيره في خارج العراق, وأنه عميل خاسئ لهذه الدولة أو تلك.

      وإذا رأينا رجل الدين يحرك الشيعة ضد السنة, أو يحرض السنة ضد الشيعة فيجب أن نحتمل احتمالين لا ثالث لهما: فإما أن يكون هذا (الملا) مغفلاً وغبياً, وهذا لا يستحق أن نطيل الكلام حوله. وإما أن يكون كصاحبه السياسي, مدفوعاً من هنا وهناك, ليقوم بتمزيق العراق وتفريق أبناء شعبه, لأن الدين صار يستخدم كذلك ورقة للعب بين الدول التي لها أطماع وأوهام في العراق.

      كنت جالساً في جلسة أغلبها من رجال الدين, وكانوا يتحدثون عن (صدام حسين) وكان أحدهم يكرر الحديث بأن صدام حسين كان سنياً. فتكلمت أنا وقلت: إن تكرار الحديث عن أن (صدام حسين كان سنياً) لا ينفع العراقيين اليوم في شيء, هذا أولاً, وثانياً إن في هذا الكلام استفزازاً لأهل الطائفية السنية بلا داعي, وثالثاً: إن هذا الكلام غير دقيق أصلاً, فمن قال بأن صدام حسين قتل الشيعة لأنه سني؟ صدام حسين قتل كثيراً من أهل السنة أيضاً, قتل كثيراً من أبناء عشائر الجبور وعشائر الدليم عندما حاولوا الانقلاب عليه, وهم من أهل السنة أيضاً, وصدام حسين أباد الأكراد بالأسلحة الكيماوية, والأكراد كانوا من أهل السنة أيضاً, وحتى بعد أن انتهى صدام من قتل معارضيه من أهل السنة, بدأ بتحطيمهم إعلامياً ونفسياً فكانت مخابراته تبث النكات والطرائف المضحكة على أهالي الدليم وعلى الأكراد تصفهم تارة بالغباء وأخرى بالتخلف, كل ذلك في خطة مدروسة للقضاء عليهم معنوياً, وتحطيم نفسيتهم, ولازال البعض إلى الآن يردد هذه النكات والطرائف لبساطة في تفكيره.

     إذن صدام حسين لم ينطلق من منطلقات سنة وشيعة, بل أن صدام حسين كان ديكتاتوراً لا يهمه إلا نظامه وكرسيه, يصفّي كل من وقف بوجهه سنياً كان أو شيعياً, عربياً كان أو كردياً.

فقلت لرجال الدين الجالسين في تلك الجلسة: إنكم بهذا الكلام وأمثاله تؤججون حرباً أهلية وطائفية بين أهل السنة والشيعة, لها أول وليس لها آخر, فأجابني أحدهم قائلاً: (وليكن, يتحاربون مدة وتنتهي كما حصل في لبنان) فتعجبت من هذا الجواب وغادرت الجلسة وأنا أسأل نفسي: متى ينتبه العراقيون إلى هذه المؤامرات؟


محمد … أكبر من أن يؤثر عليه فلم تافه

4 نوفمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

أولاً وقبل كل شيء أود بأن أبيّن بأنني لا أنطلق في مقالي هذا من منطلقات دينية وإنما أريد أن أعالج هذا الموضوع الحساس من نواحي ثقافية وفكرية بحتة, لقد حرصت شخصياً على البحث عن الفلم ومشاهدته لكي أرى مدى الإهانة التي استهدفت شخصية النبي محمد حتى أكتب عن علم وتثبت, رأيت الفلم ووجدت أن الفلم يصور النبي على أنه سفاك للدماء يحرّض أصحابه على القتال ليجبر الناس على اعتناق معتقداته ودينه الذي يبشر به, كما أنه مسرف في الأكل والجنس, وهناك مشاهد أخرى أربأ بقلمي عن الإشارة إليها لما فيها من وقاحة وانحطاط يندى له جبين الإنسانية المتحضرة التي يحمل لوائها الغرب!.

أبرز ما لفت انتباهي في هذا الفلم هو التركيز الشديد على إضفاء الصفة الكوميدية وإسقاطها على شخصية النبي محمد, فقد كان الممثل الذي مثل دور النبي يقوم ببعض الحركات البهلوانية والألفاظ الهزلية ليضحك المشاهد على شخصية النبي محمد تلك الشخصية التي يقدسها أكثر من مليار ونصف من سكان العالم, كما يحترمها ملايين الباحثين والمثقفين على وجه الكرة الأرضية, وأود هنا الإشارة إلى كتاب صدر في أمريكا نفسها تحت عنوان (The 100: A Ranking of the Most Influential Persons in History )  للكاتب الأمريكي مايكل هارت, وهو كتاب جمع فيه مؤلفه مائة شخصية يرى أنها أكثر الشخصيات تأثيراً في التاريخ, والملفت للنظر أنه جعل أسم النبي محمد في أول القائمة, وحينما ثارت عليه الأوساط المسيحية المتشددة هناك والتي تطالبه بوضع اسم النبي عيسى أجاب بجواب غاية بالدقة, قال ما مضمونه: (إن جميع الـ (99) الذين ذكرتهم ولدوا في بيئات حضارية ودرسوا في جامعات ثقافية وكان لهم آباء يدعمونهم, فكان من الطبيعي أن يكونوا عظماء, أما محمد فقد ولد في بيئة قاسية ونشأ في صحراء قاحلة, فَقد أباه وأمه وهو صغير السن, ومحمد لم يتلقَ تعليماً ولم يعرف القراءة ولا الكتابة ثم مع كل هذا جاء بالإسلام, ووّحد العرب وصنع منهم أمة عظيمة وقوية هزمت إمبراطورية الفرس وامبراطورية الروم وأسست لنفسها إمبراطورية ضخمة اجتاحت العالم ووصلت حتى أوروبا, مثل هكذا شخص لابدّ أن أضعه في صدر القائمة).

نعم هذا هو النبي محمد الذي يستهزئ به هذا الفلم التافه, وممولوه المشبوهون. هذا من جهة.

ومن جهة أخرى, لنناقش بعض المسائل التي وردت في الفلم, والتي اتخذوا منها وسيلة للتشنيع على النبي وتشويه صورته:

الفلم يصوّر النبي محمد وكأنه رجل يحب القتال ويحب إسالة الدماء الخ, وهنا لابدّ أن نشير إلى أن حروب النبي محمد كلها دفاعية, بمعنى أنه لم يبدأ قتال المشركين, وإنما كانوا هم من يبدأ, فيضطر النبي محمد للدفاع عن حياته وحياة أصحابه وكيانه, وأنا أدعو الجميع إلى التحقيق في ذلك ومراجعة النصوص التاريخية للتأكد من صحة كلامي, هذه مسألة

والمسألة الأخرى,إن محمداً كان يدعو إلى تطلعات الشعب العربي في ذلك الزمان, فقد كان شعباً جاهلاً ومحمد دعاه إلى العلم, وكان الشعب منقسماً إلى فقراء يكاد الفقر يقتلهم وأغنياء لا تسع المخازن ثروتهم فدعا محمد إلى توزيع الثروة بشكل عادل وشرع الزكاة والخمس في بعض الحالات لتحقيق العدالة الاجتماعية, فكان الوقوف بوجهه هو وقوف بوجه تطلعات الشعب المشروعة فكان من الطبيعي أن يقاتل في سبيل قومه ومبادئه العليا.

 ومَن الذين قاتلهم محمد؟ كلهم كانوا نفعيين وانتهازيين وجدوا في الإسلام خطراً عظيماً يهدد مصالحهم المالية والاجتماعية, ولا تسع هذه المقالة أن أطيل في هذا الموضوع, ولكن هذه كلها مؤشرات تشير إلى أن اتهام النبي محمد بأنه سفاك للدماء هي تهمة واهية ولا أساس لها, وليت شعري كيف يُتهم بذلك النبي محمد وهو القائل: (لزوال الدنيا جميعاً أهون على الله من دم يسفك بغير حق) كنز العمال, ج15, ص 32. وما عشت أراك الدهر عجباً!.

ثم يصوّر الفلم بأن النبي محمد كان يحب النساء والدليل هو كثرة أزواجه, وقد تزوج النبي محمد أكثر من زوجة, ولكن لم يكن ذلك بدافع الشهوة الجنسية كما يحب منتجو هذا الفلم أن يصوروا للمشاهِد, لقد كان أول زواج له من خديجة وقد كانت متزوجة برجلين قبله ولها منهم أولاد وعمرها أربعين عاماً حينما تزوجها النبي محمد بينما كان عمره خمسة وعشرين سنة فقط فهي أكبر منه بخمسة عشر سنة,  وهنا نلاحظ أن النبي كان أعزباً إلى حين بلوغه الخمسة والعشرين, ومعنى ذلك أنه لم يكن شهوانياً كما يصورونه, وحينما بلغ الخمسين توفيت زوجته ورفيقة دربه خديجة بنت خويلد فبقي سنتين بدون زواج وفاءً لها وحزناً عليها, وفي الفترة التي تلت ذلك تزوج بعدة زوجات ولكن لأسباب دينية واجتماعية, فمحمد لم يكن رجلاً عادياً في تلك الفترة, تزوج امرأتين تنتميان إلى أكبر ديانتين في ذلك الزمان, وهما صفية وكانت يهودية, وماريا وهي مسيحية من مصر, ليثبت لأهل تلك الديانتين بأنه ليس ضد الأديان السابقة, وتزوج البقية لأهداف نبيلة مثل الرحمة بالأرامل وتكريمهن فقد تزوج بسودة وأم سلمة وأم حبيبة وكلهن من الأرامل ليعطي للعرب درساً عملياً في الزواج من الأرملة بعد أن كانوا يستنكفون من ذلك, وتزوج من بعض القبائل التي تعادي الإسلام ليكسب قلوبهم ويحقن الدماء إلى غير ذلك من الأسباب المذكورة في محلها. فكان لهذه المصاهرات أعظم الأثر في تلطيف الأجواء بين المسلمين وغيرهم وحقن الدماء وتجنب الحروب, إذن لم يكن النبي شهوانياً يحب النساء فمحمد الشاب لم يتزوج إلا بخديجة ومحمد (الرسول) هو الذي تزوج بأكثر من امرأة للأسباب التي ذكرنا ولغيرها مما ذكر في الكتب المختصة.

ثم لماذا يُستهدف النبي محمد فقط بذلك والحال أن الكتب المقدسة عند الغربيين (التوراة والإنجيل) تذكر أن أنبياء آخرين كإبراهيم وداود وسليمان كانوا متزوجين (كذلك) بأكثر من زوجة, فلماذا لا نرى الأفلام والصحف الغربية تتحدث عن ذلك؟ لماذا النبي محمد فقط؟ أليس في هذا ما يشير إلى أن المسألة سياسية أكثر منها دينية؟ أليس في ذلك تنفيراً للأمة الغربية لاستعداء المسلمين؟ واستفزازاً للأمة الإسلامية لكراهية الغربيين؟ وهذا هو بالضبط ما يريده رجال السياسة في الغرب حتى يبارك لهم الشعب الغربي حروبهم الاستعمارية الظالمة على الشعوب الإسلامية المستضعفة.

والغريب أن العذر الذي يعتذر به مثقفو الغرب ومفكريهم هو (حرية التعبير) بمعنى أن أمريكا وغيرها من الدول التي يُهان فيها الإسلام ورموزه – هذه الدول كفلت حرية التعبير لمواطنيها, وبالتالي لا يمكن قانونياً منعهم من إنتاج الأفلام ورسم الصور الهزلية التي تسيء للأديان الأخرى وكل ذلك لحرية التعبير, وأنا مع حرية التعبير ولست ضدها ولكنني هنا أحب أن أتساءل: هل القوانين الغربية تكفل حرية التعبير بشكل مطلق وبدون قيود؟ بمعنى لو أن أبيضاً أمريكياً كتب مقالاً عنصرياً يهاجم فيه السود وسبب ذلك اضطرابات وحوادث اقتتال بين السود  والبيض في الأحياء والمدن الأمريكية, فهل ستسكت الدولة في هذه الحالة وتبقى تتفرج بحجة (حرية التعبير) لذلك الأبيض الذي سبب كل ذلك؟ طبعاً لا. إذن أنا أختتم مقالتي بسؤال لمشرعي القوانين الأمريكية: إذا كانت إهانة النبي محمد سببت مقتل سفيركم في ليبيا مع ثلاثة من الموظفين في السفارة وأنزلت علمكم من سفارتكم في القاهرة, وزعزعت هيبة أمريكا (أقوى دولة في العالم) ولا ندري ماذا ستفعل في المستقبل, ألا يكفي ذلك مبرراً لكم في تشريع قوانين تمنع إهانة المقدسات الإسلامية؟!!


قراءة سريعة لكتاب دروس تمهيدية في تاريخ علم الرجال عند الإمامية

3 نوفمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
93 زيارة

قراءة سريعة لكتاب دروس تمهيدية في تاريخ علم الرجال عند الإمامية

اسم الكتاب: دروس تمهيدية في تاريخ علم الرجال عند الإماميّة
للأستاذ حيدر حب الله ، حرّره الفاضل أحمد عبد الجبار السمين.
نشر: دار الفقه الإسلامي المعاصر 2012م.


 
الكتاب يطرق باب الاهتمام بتاريخ علم الرجال  ، و ان كان هناك من تناول بعض المفردات التاريخية له في ثنايا بعض الكتب ، و لكن تخصيص  دروس و تحريرها في كتاب  خاص تعد خطوة مهمة في هذا المسار .

استرعى نظري و أنا في مطلع المطالعة عنوان جذبني و هو :  مقترح لنهضة رجالية و حديثية . ( ص 47) دعا فيه الى قبول آراء الرجاليين من المسلمين الشيعة و السنة لبعضهم ، على الأقل بناء على بعض الاتجاهات. و قد سبق للشيخ شمس الدين ان دعا لمثل ذلك  بناء على الوثوق بالصدور .
يبدو لي ان اللمؤلف بسط المسألة كثيرا و جردها  من تراكماتها التاريخية دون معالجات جدية عميقة . بل اكتفى بتقديم تخريجات مبسطة جدا على بعض الاتجاهات لدى الفريقين . و يظهر لي اذا تمت حسب الاتجاه الأول و هو الخبروية ، فكيف تتم حسب الثاني  و الثالث ؟ هل يعتبر الرجاليون من هذا الفريق أو ذاك ثقاة في النقل ؟ ان الفجوة القائمة مردها الى أزمة الثقة في النقول   ثم التكاذب بين مختلف الأطراف . و عدم قبول قول المبتدع فضلا عن شهادته !
ثم ان الناظر لجملة من كتب الرجال و شروح الحديث و كتب المصطلح و الدراية و ما كتب فيها سيلحظ هناك اتجاهات متشددة سعت الى تقديم تنظيرات لرد روايات ليس فقط لرواة لمجرد انتسابهم لفريق معين  كم قبيل كونه عامي أو رافضي  و ما شابه  ، أولاعتقادهم  ببعض المعتقدات ، كالرجعة و التفضيل و ما الى ذلك . و المشكلة تكمن في التساهل في رمي  كثير من الرواة لهذا الفريق المرفوض أو ذاك ليس بناء على معلومات علمية  موثوقة بل بمجرد النظر في مضامين رواياتهم  فيما اذا كانت تحمل مضامين معينة مثل فضائل أهل البيت عليهم السلام  ، و هكذا بناء على النظر في متون الروايات ، لا يكتفى برد تلكم الروايات لمخالفتها لمباني معينة ، بل يكتشف منها الاتجاه الفكري للرواة فيرمون بكل تهمة مسقطة كالتشيع مثلا . و قد جر ذلك الى رمي بعض كبار المحدثين و المؤرخين بذلك من قبيل أبي جعفر الطبري و الحاكم النيسابوري و النسائي و ما الى ذلك .

و السؤال هنا ، كيف يمكن الاعتماد على مثل هذه الاتجاهات و المواقف من مختلف الفرقاء ، دون مراجعة لهذه القواعد  و النظرات السلبية في البداية و تقديم تفسيرات و مراجعات لها . صحيح ان الكتاب ذكر بعدم الاعتماد على من يتهم الرواة لمجرد الانتماء ، و لكن ماذا عن رد المرويات بناء على تناولها لفضائل أهل البيت ؟  و بناء عليه تم إهمال كثير من الرواة و مروياتهم  حتى في المدونات الحديثية الموصوفة بالصحيحة  أو المعتبرة  عند هذا الفريق أو ذاك . و السؤال الذي يطرح على المؤلف هو هل يعتمد روايات الصحيحين ؟ لأن من روى عنهما أو رويا عنه  فقد جاز القنطرة ،  كما قيل .  و تاليا ما هو الموقف من  المستدركات أو صحيح بن خزيمة و بن حبان  و ما شابه  ، و ان نسبت بعضها الى التساهل ؟ مع العلم بأن جملة من رجال الصحيحين نسبوا الى التدليس  و منهم  من  نقد من الرجاليين  ، إلى أمور أخرى لسنا بصددها .  و  ما الموقف من الرواة الذين جرحوا لمضامين مروياتهم و ليس بناء على معرفة أحوالهم من حيث التوثيق أو التجريح و التعديل ؟  فكيف التعامل معهما و مع تصحيحات الجمهور ؟ المطلوب تقديم قواعد أو ما يشبهها لا مجرد طرح أفكار قد تكون مورد جدل  بين مستحسن لها و معترض عليها . و ان كان هذا أيضا يسهم في تقديم الأفكار على مدى الزمن .
نعم المقترح الذي قدمه حول إعداد موسوعة رجالية مشتركة جدير بالاهتمام من قبل الجوامع و الحوزات و المرجعيات الاسلامية . و لكنه كمترح يبدو جيدا و لكنه أيضا يحتاج الى مجهودات و بلورة رؤى تمهيدية حياله .

حول بدايات الكذب في الحديث : حول الروايات  الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله  في التحذير عن الكذب عليه ، اختار المؤلف لفظ البخاري في المتن ، و ذكر في الهامش بانها وردت في الكافي باختلاف يسير . ( ص 54)  و يلاحظ ان  رواية البخاري لا  تتضمن وقوع الكذب في عصره ، و رواية الكافي  أخالها من طريق سليم  بن قيس تتضمن بوضوح الى هذا المضمون و مفاده لقد كثرت علي الكذابة .. و هي أكثر تناسبا مع مضمون الفكرة التي اسشهد بها الكاتب ، إلا لأن لدى المؤلف نظر في السند  كما أوضح  في مقام آخر . ( 59) على  انه في موارد عدة في الكتاب لم يدقق في السند . ( ص ، 60 ، 61 ، 55)  كنت أتوقع ان يتوقف المؤلف  وقفة تحليلية  موسعة  على هذه الرواية المفصلة عن أمير المؤمنين عليه السلام ، بدل الاكتفاء بشرح المعنى فقط  و هي وثيقة تاريخية  مهمة تشير الى أمهات  العوامل لظهور الروايات المختلفة و المكذوبة . ثم و ان كانت سندا بها كلام حسب بعض المباني ، و لكن مضمونها منطقي و ينسجم مع التطورات التاريخية و مع منطق الأشياء  ، و تعززه روايات أخرى ، و مروي في الكافي و النهج مع خلاف يسير جدا .
انتهى الكتاب  الى تأخر علم الرجال عند الإمامية كعلم مستقل (64) و كان المطلوب بيان الأسباب و العوامل التي أدت لذلك ، طالما  الكتاب تاريخي  . و هل هناك أسباب موضوعية تاريخية ، كما هو الحال بالنسبة لأصول الفقه و الفقه التفريعي .
                                                        
كما كنت أتمنى لو قدم نبذة عن ظهور أبرز القواعد الرجالية عند الفريقين أو أهم القواعد المشتركة عند الفريقين و تاريخ ظهورهما  . كما  من المهم التوقف عند بعض الظواهر  اللافتة  من قبيل تمازج القواعد الدرائية و الرجالية مع الفقه الاستدلالي عند الإمامية ، بينما الوضع مختلف عند بعض الفرق الأخرى ، بحيث نجد ان علوم الحديث و الدراية و المصطلح و الرجال تكاد تكون منفصلة عن الفقه و أصوله ، بل ظهرت موسوعات حديثية صحيحة مستقلة لدى بعض الاتجاهات ووجدت تخصصات علمية في الجامعات و الجوامع تفصل بشكل واضح بين هذه العلوم و المجالات . بينما كثيرا ما نجدها تكاد تندمج عند الإمامية في البحوث الاستدلالية فقها و أصولا . من جهة أخرى ، يلاحظ بعض الباحثين بأن بعض تجارب الصحاح بما فيها المعروفة و المعتمدة جدا في موارد غير قليلة لم تراعي قواعد الجرح و التعديل في الرواة  على الرغم من انها تحمل عناوين الصحاح و ما شابه .  و في جميع الأحوال فلكل أسلوب انعكاساته و آثاره إيجابية كانت أو سلبية بحسب المناظير المختلفة .

المرحلة الثانية : صحيح ان كتاب الالفاظ  لهشام بن الحكم من حيث العنوان مشترك  بين المنطق و النحو و الأصول  ، و لكن نظرا لاهتمامه بالجدل و نقض منطق أرسطو و و نقد المانوية و مذاهب  فكرية و فلسفية أخرى  ، فلا  يبعد القول انه في المنطق . و لكن في نفس الوقت ،  يمكن البحث في مروياته الأصولية  الكلامية و  الفقهية ، فان كانت لها طابع أو مضمون تأصيلي كما في بعض مرويات بعضهم كزرارة مثلا ، يمكن ان يستشف الكاتب  منها ميوله  الفقهية و الأصولية ، ان كانت له ، و إن كان  لا يمكن الجزم بذلك .
بالنسبة لبعض الكتب المؤلفة  التي  تحمل العناوين الرجالية  ، كما  للعقيقي و ابن محبوب  ، مع ان الأخير لديه كتاب آخر حول معرفة الرواة  و هو قريب الدلالة في المقام .  و أذكر ان السيد الخوئي رجح ارجاع البدايات الى ابن محبوب في بعض بحوثه . و لكن  المؤلف  بعد التشكيك في طبيعة كتاب العقيقي الرجالية ، ( 68)  ذكر بأن كتاب العقيقي كان عند ابن داوود و نقل عنه في موارد  . ( 81)
من وجهة نظري ، حينما لا تكون لدى الباحث معطيات واضحة ، فان من الطبيعي ان يصار البحث الى محاولة تجميع  القرائن و الشواهد و الإشارات   من قبيل اسم الكتاب أو التشابه في العناوين  و ميول و اهتمامات صاحبه و الجو العلمي العام  و مدى وجود إرهاصات  و كلمات المؤرخين  مثل  الطوسي  و ما شابه للبناء عليها . ثم ان تواصل التأليف في الرجال بنفس العناوين ( الرجال و المشيخات ) في القرن الثالث  الى ان ظهرت الكتب الواصلة الينا يعضد كون العناوين السابقة كانت لنفس المضمون . كما  ان شهادة الشيخ الطوسي  في العدة تؤكد على ان التعامل مع رجال الحديث و التدقيق في احوالهم كانت عادتهم منذ القدم  . و تفيد هذه الشهادة  بانهم  كانت لديهم ألفاظ معينة و تعبيرات متبانى عليها في  الجرح و التعديل . و حيث ان الطوسي كان قريب عهد بأصحاب الأصول و المصنفات  السالفة و قد  اهتم بجمعها  و تنقيحها و تصنيفها ، بل ان كلماته و  انتاجه المتنوع يدللان  على ان كثيرا منها كانت لديه ، و في ضوئه فإن شهادته   تستند على أصول ووقائع  و أعراف و تقاليد  في الوسط العلمي  امتدت  الى زمانه . و لعل ما يعززها ان الشيخ الكليني  كان له  كتاب الرجال  ( لم يشر اليه الكتاب اليه )  ، و ان ابا غالب الزراري كتب في رسالته مشايخ آل أعين ، و و أستاذ الصدوق بن الوليد كانت له نظرات رجالية و اهتمام  بالتدقيق في الرواة  و الصدوق كتب في الرجال ، و كان في بعض الأحوال يعتمد على أستاذه ، كما ان تشدد بعضالقميين معروف  .  و المفيد أيضا  أبدى اهتما بها في رسالته العددية  ، كما ذكر بعض التوثيقات في بعض كتبه التاريخية  و تأكيد بعضهم في مقدمات الكتب باعتمادهم على الثقاة ، مما اعتبرت توثيقات عامة  ، كما في الكامل و تفسير القمي  و غيرهما ،  الى ان تأتي النوبة الى  البرقي و أصحاب الأصول الرجالية .
 
من الأمور اللافتة  ان الشيخ المفيد على الرغم من أستاذيته و مشيخته لجملة وافرة من العلماء الذي أسهموا بأعمال كبيرة  متنوعة معروفة ، و لكن المفيد نفسه لم يكن له إسهام ملحوظ  لا في الأصول و لا الحديث و لا الرجال  ! و أكثر اهتمامه و تركيزه على الكلام و الجدل و تراجم أهل البيت ع  و الفقه  . و مع ذلك كانت له نظرات قوية في نقد الروايات العقدية من جهة المتن  و مدى افادة العلم  . و هذه الحالة تحتاج الى دراسة .

 ومن ذلك   يبدو للباحث ان الحراك الفكري لدى الإمامية كان طبيعيا جدا و ان التأخر النسبي لتبلور بعض العلوم لديهم كانت له أسباب موضوعية راجعة الى اعتقادهم باستمرار النص المعصوم  الى الأئمة الإثني عشر عليهم السلام  . و هذا لم يمنع ان تنضج لديهم الملكات العلمية في مختلف العلوم و تبرز لديهم قامات متنوعة فيها  مثل الهشام و مؤمن الطاق و زرارة و محمد بن مسلم  و أبان وأبو بصير و غيرهم . و خلال ما يقرب من قرنين بعد الغيبة الكبرى تم استكمال البنى و الهياكل لمختلف المجالات الفكرية الدينية الحديثية و الفقهية و الأصولية و الرجالية و التفسيرية  .  فبدء من ظهور الموسوعات الحديثية  التي  كان عليها المدار ثم الى الفقه الروائي ثم الى الفقه المجرد ثم الى الفقه التفريعي  . و هكذا بالنسبة لجمع الروايات ثم وضع القواعد للتعامل مع المختف أو المتعارض  ، كما في الأستبصار  و كذا الاهتمام ببقية العلوم  كالأصول و الرجال  . 
                                       

 و قدر للشيخ الطوسي ان يتضلع بدور رائد في أغلب هذه المجالات  و في  أكثر من مرحلة  تأسيسية و انتقالية  . و يبقى ان نحدد العلاقة التاريخية لظهور هذه الاهتمامات و الأعمال العلمية  . 
و يظهر للمتتبع ان التطور الفكري كان طبيعيا في مدرسة الإمامية  ، و لو لم  يكن للسالفين اهتمام برجال الحديث عندهم لما وصل الأمر الى المستوى  الذي وجد زمن النجاشي و الطوسي  ، و هذا ما تؤكده الشواهد الى جانب بعض الشهادات و المؤشرات التاريخية  .  كما ان  انفتاح المدرسة البغدادية على سائر اتجاهات الفكر عند المسلمين واضح يتجلى في نتاجات أقطابها كالمفيد و المرتضى و الطوسي  ، في الكلام و الأصول و الفقه و التفسير .
 
دور المشاريع المكملة :  يبدو لي لو اعتبرت  منجزات هذه الفترة كمرحلة مستقلة  تالية و متواصلة لما قبلها ،  لكان منطقيا جدا و متسقا  مع طبائع التطور .  و برصد  خصائصها و الإشارة الى مظاهرها و رموزها و أهم الأعمال التكميلية التي طرحت فيها   و إن اعتمدت  في الأصول على  المرحلة السابقة ، يلاحظ انها تحمل سماة مرحلة  قد تكون انتقالية  . كما ان الفترة التاريخية الطويلة  لما يقرب من أربعة قرون تناسب  أن تعتبر مرحلتين .
العلامة و تضعيفات بن الغضائري : ذكر ان العلامة الحلي اعتمد تضعيفات بن الغضائري إلا عند تعارضها مع توثيقات غيره ، و هو مخالف لقاعدة ان الجرح مقدم على التعديل . ( 140)  و الواقع ان القاعدة ليست على اطلاقها بل هناك من قيدها فيما اذا كان الجرح معللا ، و ينظر في أسبابه و علله . ثم ان ذلك قد يعني بأن العلامة غير متيقن او مقتنع بتضعيفه أو تعامل معه على خلاف التضعيف  .

الأصول الأربعمائة : توقعت  ان الكتاب سيتناول ظهور مصطلح الأصول الأربعمائة  الذي أخاله ظهر زمن المحقق  ، و ما إذا كان له علاقة بما قيل عن الرواة الذين جمعهم بن عقدة عن الإمام الصادق عليه السلام ،    و خلفياته و معانية و استعمالاته من قبل الرجاليين  واعتبار المتأخرين انها قرينة  ايجابية في بعض الأحوال .

مناقشة الإنتقادات  :  تطرق الكتاب  الى بعض الانتقادات الموجهة الى علم الرجال عند الإمامية و تولى مناقشتها و الاجابة عليها  ، كما  حول ما نسب الى  كتاب النجاشي . و كنت اتمنى لو توسع و عمق المضامين .  و يلاحظ هنا انه لم يوثق اسماء الكتب و المؤلفين الذين وجهوا الانتقادات و لم يذكرهم في الهوامش كما هو المتعارف . ( 129)  و نفس الأمر يلاحظ عند مناقشته لما قيل عن أعمال العلامة الحلي ، لم يشر الكاتب الى اسماء الناقدين و مقالاتهم و كتبهم . ( 196) كذلك الحال فيما قيل بان الإمامية لم يعرفوا علم الرجال في القرون الأولى حسب ابن تيمية  ، و ما إذا كان  العلامة الحلي  قد تأثر به . يلاحظ عدم التوثيق للمقولات و لا المصادر و لا المؤلفين . ( 222)
الإنفتاح الى المنجز السني : أشار  الى  وجود انفتاح واضح على المنجز السني ، و لم يذكر أمثلة كافية تدل عليه ، باستثناء ما ورد عن الشهيد الثاني  أو ما ذكره  عن العلامة . ( 236) . و في نظري المتواضع ان انفتاح الفكر الإمامي على بقية اتجاهات الفكر عند المسلمين لم يتوقف ، منذ تمركز الزعامة العلمية في بغداد و النجف و الحلة ، و المساجلات  و النتاجات الكلامية و الأصولية و التفسيرية و الفقهية تشهد على ذلك ، بل كان ثمة تداخل على مستوى الرواية و التتلمذ بين بعض الزعامات الفكرية الكبيرة  ، حتى لقد نسب بعضهم الى مذاهب و اتجاهات أخرى ، كالطوسي و العلامة . و الناظر في بعض الأعمال الكلامية للمفيد و المرتضى و الطوسي ، و في الأعمال الأصولية و الفقهية و التفسيرية لكل من المرتضى و الطوسي يجد حضورا كبيرا و واضحا للآراء المتعددة لمختلف الاتجاهات و المذاهب . بل ان تفسير التبيان  و كتاب الخلاف في الفقه للطوسي يعتبران بحق من أوائل الأعمال المقارنة في هذين المجالين المهمين  . و لئن كان طابع المساجلة و الانتصار  ظاهرا فيها فانه يعبر عن ثقافة العصر بشكل عام .

الشيخ النوري و النقد الموجه اليه : توقعت ان يبحث و لو بشكل عام عن مناشئ التقد اللاذع الذي وجهه السيد الخميني للشيخ النوري ( 368) مع كونه من المتخصصين في الرجال و الدراية و له جهود معروفة في التتبع و التحقيق و آراء نقدية في المجال . كما ترك تأثيرا على جملة من تلامذته الذين واصاوا البحث و قدموا أعمالا علمية  .  و هل هناك من يشارك السيد الخميني في نقده ؟

 أشار الكتاب في أكثر من موضع حول محاولات النظم في علم الرجال في بعض المراحل ، و توقعت  ان يذكر أمثلة منها . (  248، 362)
منهج المجلسي : تطرق الكتاب الى بعض أعمال و اسهامات المجلسي في مجال الرجال و تصنيف الحديث على الرغم من كونه أقرب الى منهج المحدثين . ( 314)  و كنت أتمنى ان يشير الى منهجه في التصنيف و مصطلحاته الخاصة به كما تظهر في مرآة العقول ، بحيث كثيرا ما نجده يصرح بما مفاده ضعيف على المشهور صحيح عندي ، و ما شابه ، مما يدلل على تميزه ووجود قواعد خاصة به و  مصطلح خاص به .

مباني متشددة : ذكر الكاتب بانه حسب بعض المباني كما للسيد الخوئي و العاملي  صاحب المدارك ، تسقط آلاف الروايات عن الحجية ، ( 254 ، 399 )  و كنت أتمنى لو يوضح كيف تعامل هذان العلمان  مع هذا الوضع و هل انعكس بهذه القوة على آرائهما .
 
الخوئي و البروجردي : لم يتضح سبب تقديم الخوئي على البروجردي خلافا للتاريخ الزمني لهما . ( 392، 413)
أشار الكتاب بأن الاتجاه الموروث – حسب تعبيره – الذي أصل له السيد الخوئي من نقده لعدد من القواعد الرجالية في مجال توثيق الرواة حسب مبنى الوثاقة السندية التي انتصر لها السيد الخوئي ،  يتعرض للتحول نحو مبنى الوثوق الخبري و المضموني و الاطمئنان الشخصي  من جراء المخاوف و المحاذير على التراث الحديثي و حفظ الهوية . ( 410) و أشار الكاتب الى ما أسماه بمظلومية السيد الخوئي بعدم وجود دراسات أو مؤتمرات علمية حوله على الرغم من جهوده و اسهاماته الكبيرة في العلوم الحوزوية . ( 412) و قد بدى لي طغيان الطابع الإنشائي  و الأسلوب الخطابي العاطفي  هنا . فلم يقدم أمثلة واضحة على ذلك ، و قدم تفسيرا سريعا له . مع ان مبنى الوثوق ليس جديدا بل له جذوره في الفكر الإمامي ، و هو أقرب الى الاتجاهات البحثية الحديثة التي  لا تعول كثيرا على التوثيقات السندية .  ثم ان هناك نقد غير قليل تعرض له مبنى الوثاقة و أساليب التوثيق السندي ، حتى ان ابن خلدون ذكر بأنه أسلوب لا يتناسب مع البحث التحليلي في تاريخ العمران البشري . نعم  كنت أتمنى لو ان الكاتب ذكر أبرز نقاط القوة و الضعف لكليهما ، و بحث في تاريخيهما و ذكر  كيف يمكن تفادي نقاط ضعفهما معا .
لم يشر الى بعض الأعمال من قبيل العتب الجميل على أهل الجرح و التعديل للعلامة عقيل و كذا الى كتاب ثقاة الرواة  للاصفهاني  ، على الرغم من رصده و تتبعه الواسعين .
توقعت ان يرصد الكتاب تطور أدبيات التعديل و التجريح و التوثيق و ألفاظها و مصطلحاتها و كيفية التعامل معها في كل دور و مرحلة ، و التطور الحاصل في كل مرحلة ، و العوامل التي أدت الى ظهورها او انكفائها او اختفائها .

و على كل حال  ، فالكتاب  بشكل عام  جهد مقدر للكاتب ، وقد  اعتمد على تتبع و استقراء واسعين و قدم صورة موجزة و بلغة واضحة عن  نشأة العلم و أصوله و رموزه  و  تطوره  حتى يومنا هذا  . أتمنى للمؤلف و المقرر كل التوفيق و التسديد ، سائلا المولى ان يوفقهما للمزيد من الأعمال العلمية المفيدة.


السلفية – إشكالية المفهوم الملتبس وأزمة المواقف والمعايير

2 نوفمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

1ـ تستبطن كلمة السلفية مفهوم السلف، الذي يختزن الماضي في دلالاته، ويرى هذا المفهوم أن الماضي هو الأفضل، ولهذا سمّيت القرون الأولى بالقرون المفضّلة، ومعنى ذلك أن البشرية تتجه نحو الانحدار عن تلك القمم السامية التي بلغتها مع هذه القرون المفضّلة، ومن ثم فالحلّ الوحيد للخروج من المأزق هو العودة لتمثل تلك القرون، وإعادة إحيائها، مما يجعل السلف هو محور الخلف، لا المحور الذي ينطلق الخلف منه لمواجهة الحاضر وصنع المستقبل فحسب، بل المحور الذي يجب أن يعود الحاضر إليه، ليطابق المستقبلُ الماضي.
هذا هو المفهوم المعاصر لعنوان السلفية، مهما كان انتماؤها الديني أو المذهبي، وإن سمّي بها فريقٌ من هذا المذهب أكثر من غيره، فهناك سلفية مسيحية، وسلفية يهودية، و…
2 ـ ولا شك ـ وفقاً للمنطق الديني الذي نؤمن به ـ أنّ السلفية مفهوم صحيح بمعنى ما، وغير صحيحٍ بمعنى آخر، فالأنبياء والمعصومون والوحي والقرآن و.. ظواهر في الماضي، وهي تمثل سلفاً لنا، وعندما يدور الدين حول نصوص الوحي الإلهي فمن الطبيعي أن ينتج معنى من السلفية، وعلى هذا الأساس تصبح السلفية مطلباً، أي أن شيئاً ما في السلف يشكل درجةً من المحورية في حياتنا، وهذا قدر متفق عليه بين الأديان، إنما الموضوع الذي يثير بعضَنا من السلفية هو ممارسة استنساخ حرفي للتاريخ من جهة، وتوسيع رقعة المرجعية الماضوية من جهةٍ أخرى؛ ويعني ذلك عدم وجود تمييز في الرؤية السلفية بين جواهر الماضي وظواهره، فظواهر الزمن الماضي هي جوهره ورسالته، ومن ثم يجب التركيز على هذه الظواهر، مع أن الكثير من هذه الظواهر ليست جزءاً من رسالة السلف الممتدّة في الزمان والمكان، وإنما هي تعبير عن تطبيق السلف جوهرها ومضمونها على عصرهم وزمانهم، وهذا ما يفتح المجال على مفهوم التاريخية في تفسير الماضي، ولهذا نجد قدراً من التكيّف لدى أنصار التاريخية ـ على أطيافهم ـ مع الواقع المعاصر، فيما نجد قدراً من الاصطدام بين السلفيين والواقع.
إن السلفية تركّز على القشور غير ملتفتة إلى الرسائل الكامنة في المضمون، فتذهب بالمعنى لصالح اللفظ، وبالمغزى لصالح المعنى، فتشعر في الحياة السلفية أنك تعيش صورةً عن القرون الغابرة، وطبعاً حديثنا كلّه نسبي، فالسلفية نسبٌ وأطياف، ليس كلّها ـ كما أشرنا ـ مذموماً، كما أن التاريخية نسبٌ وأطياف، ليس كلّها ممدوحاً ومحموداً.
3 ـ هذا على خطّ الخلط بين الرسالة والكلمات، بين القشر واللبّ، بين الوسائل والأهداف، أما على الخط الآخر، فنجد توسعةً وبسطاً للسلف المقدّس، فبعد أن كان النبي  والقرآن هما المرجع الأساس، بدأت تتسع الدائرة على الصعيد السنّي، فدخل الصحابة في مرجعية السلف، ودخل العلماء المتقدّمون، بعد أن دخل التابعون، وكثير من تابعيهم، فتحوّل الماضي برمّته إلى مرجع ـ نظرياً وعملياً أو عملياً فقط حتى مع عدم التنظير له ـ وأخذت الجهود والطاقات تتركّز ـ وبشكل كبير ـ على تبرير تصرّفات السلف وتوجيهها وتأويلها، ولم يقتصر الأمر على الصحابة والزاهدين والمؤمنين، بل تعدّاه إلى بعض الملوك والسلاطين الذين بذلت جهود مضنية لتبرير سلوكهم، ليس آخرهم يزيد بن معاوية في قتله في مجزرة رهيبة سلالة النبي ، وهي سلالة معروفة بالطهر والصفاء في مجتمع المسلمين آنذاك، حتى لو اختلفوا في وجهة نظر بعضهم معها.
هذه هي عُقد السبحة التي يجب السير معها عندما تبدأ الطريقة السلفية في تناول كل شيء.
وليس الأمر على الخط السني فحسب، بل سائر المذاهب الإسلامية عرفت ـ وبنسب متفاوتة ـ هذه الظاهرة، فتعدّى الأمر أهل البيت  ليشمل صحابة الأئمة أحياناً، بل والعلماء اللاحقين، وتركت هذه الطريقة الذرائعية تأثيرها على رسم صورنا للتاريخ الإسلامي.
إنّ هذا كلّه يبيّن لنا أنّ السلفية ليست مفردات عقدية أو تشريعية بقدر ما هي طريقة تفكير ومنهج عمل، وهذا ما يؤكّد على ضرورة مواجهة هذه الظاهرة ليس عبر الدخول معها في سجال المفردات والمقولات و.. فحسب، بل الأهم من ذلك نقد الأسس الفكرية والمنطلقات المنهجية التي أدّت إلى الوصول إلى هذه الظاهرة وتكوّنها في مجتمع المسلمين، فعندما يكون الظرف ملوّثاً فإن مظروفه سيتلوث تلقائياً.
4 ـ ونتيجةً للاستنساخ الحرفي للتاريخ، وإعادة تمثل قضاياه والتماهي معها، تظهر الحروب القديمة مجدداً دون سببٍ لها في العصر الحاضر، وسببها الوحيد أنها وقعت في الماضي، فإذا تصارع السنّة والشيعة في بغداد في القرن الخامس الهجري، فإن طريقة التفكير السلفية تظلّ دوماً مستحضرةً لهذا الصراع، وتحمّل سنّة هذا العصر وشيعته مسؤولية المجازر التي حصلت آنذاك، وهذا ما يجعل هناك طاقةً كامنة رهيبة مستعدّة للانفجار في أيّ لحظة، يغذيها تاريخ طويل.
ومن شأن هذا الوضع أن يسمح للزعماء السياسيين باستحمار القاعدة العامة التي تفكّر بهذه الطريقة، فيحرّكون فتنةً هنا أو هناك لأغراض سياسية، فيما يظنّ المساهمون في الموضوع أنهم يريدون تصفية حساب قرونٍ مضت، وأنّهم يتقرّبون بذلك إلى الله جلّ وعلا، وبهذا يختلط الديني بالسياسي اختلاطاً سلبياً هذه المرة، ويوظّف الدين لحسابات سياسية، ويساق رجال الدين وعلماؤه إلى متاهات كانوا في غنى عنها، لو كانوا بنوا طرائق تفكيرهم على غير هذه الحال.
وليس الأمر كذلك في الماضي فقط، بل يمكن أن يكون ذلك في الحاضر نفسه؛ فإذا تصارع فريقان من المسلمين اليوم في بلدٍ ما لأسباب سياسية خاصّة بذلك البلد، أضيفت الصبغة الدينية على الصراع، مما يسمح باستخدامه في مناطق أُخرى، وبهذا تصير الفتنة طائفيةً لا سياسية، وبدل أن تفسّر الأحداث في هذا البلد على أنها ترجع إلى ظروف مرحلية ومحليّة سياسية وظّف فيها الشأن الطائفي، إذ بها تفسّر طائفياً بامتياز وكأن الشأن السياسي الميداني لا علاقة له.
وتبدأ عملية تصفية الحساب على أكثر من صعيد، فإذا حصل تطورٌ ما على هذه الجبهة فلا بد من الأخذ بالثأر في الجبهة الأخرى، هذا هو التصوّر الديني، أما السياسيون الدنيويون فلا يعنيهم ذلك إلاّ بقدر استخدام الدين لتسوية المصالح السياسية.
5 ـ وهذا ما من شأنه ـ وقد حصل دوماً ـ صنع شريحة من رجال الدين ليست سوى وعّاظ للسلاطين، فإذا أيّد السلطان هذا الموقف صدرت الفتوى لصالحه، وإذا عارضه كانت الفتوى المعاكسة جاهزةً أيضاً؛ لأن هذه هي النتيجة الطبيعية لوضع الفكر الديني نفسه ـ بما تبنّاه من طرائق تفكير ـ في سياق مصالح السياسيين أو نزواتهم الآنية.
كيف يمكن أن نحترم رجل دين يمثل في الوعي العام، قيم الرسالة والسماء و… وهو يجعل نفسه ـ شعر أم لم يشعر، وضع تفسيراً لذلك أم لم يضع ـ في يد السلطان؟ لا نريد أن تكون هناك مصادمة بين الفقيه والسلطان دوماً، لكننا في الوقت عينه لا نريد أن يهيمن السلطان على الفقيه في أخطر مسؤولياته، وهي الفتوى ونشر الدين وتعاليمه، فليس البديل عن معارضة السلطان هو الانضواء تحت لوائه حتى لو كان على خلاف الشرع الحنيف.
إن استقلال السلطات التشريعية والقضائية والإعلامية بات اليوم من واضحات القانون وحاجات الحياة؛ ومعنى ذلك أن المؤسّسة الدينية، وهي ـ بدرجةٍ ما ـ تنتمي إلى هذه السلطات وغيرها، يفترض أن تكون مستقلّة إلاّ عمّا يمليه عليها الضمير والشرع والدين، ومجرّد عدم جواز شقّ عصا المسلمين لا يبرّر عدم المعارضة السلمية وإبداء وجهات النظر، فهذا خلط بين مفهومين لا علاقة بينهما، لأن مجتمعاتنا اعتادت على أن ترى في إبداء الرأي معارضة سلبيّة للأنظمة، فصارت حرية التعبير فيها شقّاً لعصا المسلمين، مع أنّه لو أعيد تنظيم علاقتنا وثقافتنا لاستطعنا ـ كما استطاع غيرنا ـ التفكيكَ بين النقد والفتنة، وبين إبداء الرأي والمعارضة السلبية، وبين حرية التعبير والانفلات من الضوابط، وهو أمرٌ ـ مع الأسف ـ لم تروّض الكثير من مجتمعاتنا عليه، الأمر الذي يحيج إلى مشاريع ثقافية وتوعويّة في هذا المضمار.
من هنا، لا يصحّ من علماء الدين أن يوالوا السلطان الجائر بحجّة عدم جواز شق عصا المسلمين، وكأننا أمام خيارين: إما أن نسلّم مطلقاً للسلطان، فنطوّع الدين له ولمصالحه، ملبّسين هذا التطويع ثوباً دينياً، أو أن نصطدم به بشراسة ونخلق الفتنة والفوضى في بلاد المسلمين، كما تريده بعض ألوان التفكير الديني في مجتمعاتنا المعاصرة.
6 ـ وهكذا تضيع في الثقافة الإسلامية صورة الأولويات، فيغدو المسلم الذي لا أتفق معه أسوأ من الكافر الذي أختلف معه، فتصدر الفتوى بحرمة دعم المقاومة الإسلامية في لبنان لاعتبارات مذهبية ضيّقة، وتنهار قضايا الأمة أمام زواريب الصراعات الفئوية الصغيرة، فأيّ حال يرتجى لأمة لديها علماء من هذا النوع؟ وكيف يمكن أن نتصوّر لها النهوض في ظلّ هذا الوضع السيء؟
لقد قال علي  فيما ينقل عنه: لو تمثل لي الفقر رجلاً لقتلته، وكل النهضويين والإصلاحيين والمنفتحين اليوم على قضايا الأمّة يقولون ـ وعلى اختلاف مذاهبهم ـ : لو تمثلت لنا الطائفية رجلاً لقتلناه، تلك الطائفية التي تجعل هذه الأمّة في الحضيض وتسمح للغرب الاستكباري والصهيونية العالمية أن تتلاعب بكل قضاياه وشؤونه.
اللهم أمدّ علماء الإسلام بالوعي والبصيرة كي يخدموا قضايا أمتهم الكبرى، وأبعد عنهم ضيق الأفق، وقصر النظر، وإلى الله المشتكى.

الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ
]آل عمران: 103[.

____________________________________________________

( *) نشر هذا المقال في العدد 43 من مجلة المنهاج في بيروت، خريف عام 2006م.


التعامل مع تعددية الأديان والمذاهب والرؤى الفكرية الخارجة عن نطاق الأديان والمذاهب

2 نوفمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

توطئة
 
تكاثرُ المشاكل الإنسانية وتزايدُها طردا في التشعب والتعقيد يدفعنا جميعا إلى بلورة فهم أدق لطبيعة المشاكل التي تواجهنا، أكان على الصعيد الوطني أو الإقليمي أو العالمي.  ينطبق هذا بالأخص على تلك المشاكل التي تكمن وراءها خلفيات قديمة لا تزال الاختلافات التقليدية الموروثة ما بينها تستثير  خصاما سياسيا-اجتماعيا في حراك هذا العصر.  أملي أن تساعد حوارات بناءة هادفة كحوارنا هنا اليوم في تكوين فهم معرفي أدق وأفسح لتلك الاختلافات … فهمٍ ينمي فينا القدرة على تفهم أكثر موضوعية للتنوع الديني والمذهبي والفكري، في أوطاننا وإقليمنا وعبر العالم، ومن ثم يمكّننا من التعايش مع هذا التنوع والتعدد بوئام وطيد لا يقبل من أي دين أو مذهب أو منظور فكري مسلكا تعصبيا إزاء دين أو مذهب أو منظور فكري آخر.    
 
شاعر إنكليزي في القرن السابع عشر (جون دون) لاحظ أن لا شخص منفصل بذاته عن مجتمعه، كانفصال جزيرة وسط بحر.  اليوم، إذ نحن نعايش العولمة في جل المعطيات المعاصرة، نلاحظ وضوحا أن لا مشكلة محلية  تبقى طويلا معزولة عن الشأن العالمي. أي اضطراب أو عثار في الحال الإنساني، أينما يحدث في قريتنا العالمية، أكان جراء صراع سياسي، أو نزاع ديني، أو خصام مذهبي، أو هتك لحقوق الإنسان، أو تلويث للبيئة أو  غير ذلك…  إذا ما تفاقم سرعان ما يسري أثره عبر العالم بأسره.  خلاصةً، إذن، ما عاد شأن داخلي إلا إذا تفاقم غدا شأنا خارجيا بامتياز، والعكس صحيح.  
 
بإدراك  تكاثف هذا التشابك في الحال الإنساني تبرز  الحاجة أكثر إلحاحا من أي وقت سبق لأمم الأرض إلى أن تتواءم وتتعاون في إطار اعتماد متبادل لا غنى عنه لأيما مجتمع معاصر. بمثل ذلك، تبرز الحاجة إلى أن يتعامل المواطنون في أيما دولة ما بينهم بوئام وتعاون في إطار مواطنة متساوية، قائمة على أساس تكافؤ الحقوق والواجبات.  كذا إقليميا تبرز الحاجة إلى أن تتواءم وتتعاون الدول في إطار التكافؤ السيادي وحسن الجوار.  كذا عالميا تبرز الحاجة إلى أن تتواءم وتتعاون جميع المجتمعات الوطنية في إطار صداقة وتبادل مصالح.  كل ذلك بصرف النظر عما يوجد بين الشعوب، ومرارا بين الشعب الواحد، من تنوع الانتماء، فكرا ودينا ومذهبا وعرقا وسوى ذلك.  خلاصةً، إذن، تعددية الأديان والمذاهب والرؤى الفكرية  في أيما مجتمع معاصر، وعبر العالم، لا تضر ولا تضير إذا هي انظبطت تحت وحدة الجامع الإنساني، مردفةً بوحدة المشترك الوطني، في كل بلد.    
 
إزاء هذا التشابك في الواقع الإنساني في عصرنا، عالميا، إقليميا، ووطنيا، الإهتمام ببحث التنوع الديني والمذهبي والفكري الخارج عن نطاق الأديان ومذاهبها بحثا عقلانيا، خلاف ما يجري مرارا من تراشق انفعالي بين المتطرفين من كل دين أو مذهب أو منظور فكري، أمر ضروري لأجل نبذ التعصب، ومن ثم التمكن من بناء حياة كريمة، آمنة، موفورة العناصر المنمية لأحوال الجميع. خلاصةً، إذن، الغيرة على الدين أمر محمود، لكن التعصب من قبل أيما دين ضد دين آخر ليس كذلك.  كذا الغيرة على مذهب أو منظور فكري سرعان ما تتشوه إذا خامرها تعصب ضد مذهب أو منظور فكري آخر.   
 
التحاور إسلاميا بين المذاهب في الإسلام
 
في ضوء ما تقدم دعنا نتدارس الحالة الإسلامية تحديدا.  لأجل ذلك، دعنا ابتداء نرسم للإسلام رسما أساسيا كدين جامع، دعوته موجهة للناس كافة عبر العالم، قائمةً على أساس الإقناع لا الإكراه.                
 
كجميع الأديان الكبرى التي لها أطر وسيعة، الإسلام يتكون من أربعة محاور: العقائد، الشعائر، الأحكام، الأخلاق.  
 
على صعيد العقائد، يتمحور الإسلام في ثلاثة أصول: التوحيد، النبوة، المعاد.  مؤدى هذه الأصول هو 1) الإيمان بالله واحدا أحدا، فردا، صمدا، ليس كمثله شيئ، 2) الإيمان بأن الله مصدر هداية البشر، بواسطة أنبياء ورسل يبتعثهم من بين البشر، وأن محمدا خاتم أنبيائه ورسله، و3)  الإيمان بالآخرة دارَ حساب وجزاء.  
 
على صعيد الشعائر، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج وشهادة لا إله إلا الله ومحمد رسول الله، تشكل أركان الإسلام الخمسة.
 
على صعيد الأحكام، يلزم الإسلام المسلمين بالامتثال لشريعته.  إلى جانب الشعائر، تحدد الشريعة الأحوال الشخصية وأحكام المعاملات.  الزواج، الطلاق، الحضانة، النفقة، الميراث، التجارة، العقود، وعقوبات لقاء بعض الجرائم والجنح: أحكام كل تلك وأحكام أمورٍ جمة أخرى مبينة تفصيلا في ثنايا الشريعة.  
 
أخيرا، على صعيد الأخلاق، يؤصل الإسلام العدل والمساواة وكرامة الإنسان والشورى في الحكم والحياة مبادئَ  جذريةً لصلاح الإنسان واستقامة أمره، فردا ومجتمعا، في كل زمان ومكان.  كذلك يندب إلى القيم المنمية للحياة، كما الصدق، الأمانة، التواضع، التعاون، إتقان العمل، الصفح، طلب العلم، حسن الجوار، وفضائل جمة أخرى.   
 
في كل ما سبق ذكره، وهو ما يتشكل منه جوهر الإسلام وعموم مضمونه، مفاهيم كافة المذاهب الإسلامية سواء.  جميع المذاهب تقر بالقرآن كلامَ الله المنزل والمحفوظ للأبد، وبالسنة النبوية منظومةَ أفعال وأقوال ملزم تباعها  للمسلمين كافة.  بهذا المعنى، كأمر أساس، جميع المسلمين على مرجعية واحدة  للنظر في أيما أمر حياتي أو أخروي له في الإسلام فهم صريح أو حكم محدد.  
 
مع رسوخ هذه الأرضية الأساسية المشتركة، ماذا، إذن،  يختلف بين مذهب وآخر في الإسلام لدرجة أن الاختلاف مرارا ما يولد تشنجا بين المذاهب، وأحيانا تعصبا يؤدي إلى تحامل وتخاصم؟  بنظري، لا يوجد ما يفسر ذلك سوى قصور  في فهم المذهب الآخر، ناتج عن ضيق في الاستيعاب المعرفي لما لدى الآخر من نظر مستنبط باجتهاد منهجي مأثور لديه.  جراء شحن تعصبي مسبق لدى المتحاورين، سرعان ما يؤدي قصور الفهم للمذهب الآخر إلى إفساد سلامة الحوار.  في حديثي أمام المؤتمر، بقدر ما سيتاح من وقت، سوف استعرض نموذجا سليما، بل راقيا، للحوار بين المذاهب الإسلامية بغية توحيد الكلمة وإنماء الوئام. ***
 


المرأة ومرجعية الإفتاء – دراسة فقهية استدلالية حول شرعية تقليد المرأة

21 أكتوبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

تمهيد

تناول الفقه الإسلامي في القرن الأخير قضايا المرأة بطرق مختلفة، وقدّمت في هذا المجال رؤى وتصوّرات، وبحجم تنوّع النتائج كانت هناك آليات متنوعة أيضاً في تناول الموضوع، وكانت الآليات المدرسية في الاجتهاد الفقهي واحدةً من مناهج طَرْق قضايا المرأة، وقد قدمت هناك أيضاً نتائج مختلفة وجديدة.
بدوري، سأحاول في هذه الدراسة ـ وبإيجاز ـ تناول موضوع إشكالي في الثقافة الإسلامية اليوم، وهو ثنائي المرأة والمرجعية الإفتائية الدينية، ولما كان الموضوع منتمياً إلى مقولة الفقه الإسلامي، وهدفت الدراسة إلى قراءته من هذه الزاوية، كان من الطبيعي أن نقترب ـ ولو بعض الشيء ـ من لغة هذا الفقه، لهذا أستميح القارئ العذر في استخدام المصطلحات التخصّصية، اللهم إلا إذا كان من أهل الاختصاص أيضاً.
 
المسألة التي يدور هذا البحث حولها تتعلّق بقضايا الاجتهاد والتقليد في الفقه الإسلامي وينبني البحث هنا ـ تبعاً لذلك ـ على تجاوز بعض المسلّمات الفقهية في هذا المضمار، وحيث ذكرت في المصادر الفقهية شروط للمقلّد، استعرض الفقه واحداً من هذه الشروط، ألا وهو الذكورة، أي لابد في مرجع التقليد من أن يكون ذكراً رجلاً فلا يمكن له أن يكون أنثى، مهما بلغ من العلم، لا من ناحية عدم الاعتقاد بإمكان بلوغ المرأة مرتبة الاجتهاد على المعروف، بل من زاوية حقوقية تمنعها من التصدي لمقام الإفتاء، كي يرجع إليها الآخرون في ذلك، وعليه:
أولاً: لا نزاع ـ معتدّ به ـ في إمكانية بلوغ المرأة مكانة الاجتهاد، تماماً كما هي الحال بالنسبة للرجال، والتاريخ شاهد على ذلك.
ثانياً: لا تتعلّق دراستنا بالموضوعات ذات الصلة، من قبيل تصدّي المرأة لمنصب إمامة المسلمين بمختلف معانيها، أو تصديها منصب القضاء، أو إمامتها للجماعة أو مسألة الأخذ بشهادتها أو ما شابه ذلك، فهذه الموضوعات مختلفة من الزاوية الموضوعية عن محور دراستنا، وإن كان البحث الاجتهادي ـ كما سنرى ـ يستعين بها في الحصول على نتائج فقهية داخل موضوعنا هنا.
وسوف نلاحظ وجهة نظر تربط بين مسألة الإفتاء والولاية، وسنتطرق لها بإذن الله تعالى.
ثالثاً: إن موضوعات مثل قضاء المرأة وولايتها وشهادتها وإمامتها للجماعة و.. سوف نفترضها في هذه الدراسة مسلّمة، وإلا فنحن نعتقد بإمكان النقاش في بعضها، لكننا سنتعامل معها بوصفها ثوابت مؤكّدة قدر الإمكان، وعلى سبيل المثال فقط نذكر أن الشيخ مرتضى الأنصاري (1281هـ) يصرّح في كتاب القضاء والشهادات بأنه لا دليل على اشتراط الذكورة في القاضي بحيث تكون معتبرةً، عدا ادّعاء غير واحدٍ من الفقهاء عدمَ الخلاف([2])، وهذه شهادة ليست بالهيّنة،لكننا سنغض الطرف عن هذا الموضوع الآن وأمثاله.
رابعاً: تستوعب مسألتنا تقليد المرأة المجتهدة نفسها من جهة، كما وتقليد غيرها لها من جهة ثانية، فليس البحث في رجوع الغير إليها فحسب، بل حتى في تقليدها لنفسها على تقدير بلوغها مرتبة الاجتهاد، وإن كان الجدل الفقهي متركّزاً ـ بشكل أكبر ـ على المحور الأول، أي تقليد الغير لها.
 
تبدو المعطيات التاريخية لهذا الموضوع ـ أي موضوع المرجعية الافتائية ـ غير متكافئة بين الفقه الشيعي والفقه السنّي، فلم نجد ظهوراً جاداً له في الفقه السني مؤخراً، على خلاف الحال في الفقه الشيعي، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى ظاهرة الانحسار النسبي لموضوعة التقليد نفسها في الفقه السني قياساً بما عليه الحال في الفقه الشيعي الإمامي، فلم يتم تناول مسألة المرجعية سنياً كما تلقاها الفكر الشيعي لتأخذ حيّزاً كبيراً من الحياة الشيعية مؤخّراً.
على أيّة حال، يبدو أن الفقه السني، أو غير الإمامي، لم يشرط ـ بالاتفاق أو شبه الاتفاق على الأقل ـ منصب الإفتاء بالذكورة، فابن حزم الأندلسي (456هـ) يتعرّض في «الإحكام في أصول الأحكام» لشروط الاجتهاد والمُفتي والمستفتي، دون أن يشير إطلاقاً إلى شرط الذكورة([3]). وعلى المنوال نفسه، يعقد أبو إسحاق الشيرازي (476هـ) في كتاب اللمع باباً خاصاً بشروط المُفتي والمستفتي دون أن يذكر شرط الذكورة، ولو على نحو القيل([4])، وهكذا الحال مع الغزالي (505هـ) في مباحث الاجتهاد والتقليد من كتاب المستصفى([5])، إذ لم يكن هناك ـ وكذا في فواتح الرحموت للأنصاري المطبوع على هامشه([6])ـ أي عين أو أثر لمسألة الذكورة في الاجتهاد أو التقليد.
وهكذا يصرّح الشيخ حسن العطار، صاحب الحاشية المعروفة على جمع الجوامع للسبكي، بعدم اشتراط الذكورة في المجتهد، لإمكان الاجتهاد لهنّ رغم نقص عقولهن([7])، وإن كان كلامه في الاجتهاد بالمدلول المطابقي.
ولمزيد من تأكيد الموضوع في المشهد السني، ينقل ابن قدامة المقدسي (620هـ) في المغني أنه حكي عن ابن جرير الطبري قوله بجواز تولّي المرأة القضاء، ثم يجيب عنه ـ أي ابن قدامة ـ بأنه يجوز لها أن تكون مفتيةً لا قاضية، مرسلاً أمر إفتائها إرسال الواضحات([8]).
وفي كتاب أدب المفتي والمستفتي لابن الصلاح الشهرزوري (643هـ) تصريح بعدم اشتراط الذكورة في المفتي([9])، وينصّ الإمام النووي (676هـ) في المجموع ـ بعد ذكر جملة شروط في المُفتي ـ على تساوي الرجل والمرأة في الإفتاء، وعدم اشتراط الذكورة، مرسلاً الأمر ـ ككثيرين غيره ـ إرسال المسلّمات([10]).
وفي روضة الطالبين لمحيي الدين النووي (676هـ) لا ينصّ كما في المجموع على عدم المنع عن إفتاء المرأة، لكنه يستعرض شروط المفتي ويبحث فيها، دون إشارة إلى الذكورة ونحوها([11]).
ويستعرض ابن قيم الجوزية (751هـ) في كتابه «أعلام الموقعين عن رب العالمين» ما يسمّيه: المكثرين والمتوسّطين والمقلّين في الإفتاء، ناصّاً على أنّ منهم جميعاً الرجال والنساء، ذاكراً أسامي بعض النساء في كل فريق من الفرقاء الثلاثة منهنّ: عائشة، وأم سلمة، وأم عطية، وصفية، وحفصة، وحبيبة و…([12]).
ومن النصوص الحاسمة مؤخّراً، نص الموسوعة الفقهيّة الكويتية، حيث ذكرت أنّ عدم اشتراط الذكورة في المُفتي حكم اتفاقي([13]).
وهكذا نجد تتالياً في النصوص السنيّة ترفض هذا الشرط، ففي الفتاوى الهندية (مذهب أبي حنيفة) أنه لا تشترط الذكورة في المُفتي ولا الحرية([14])، وفي كشاف القناع للبهوتي (1051هـ) أنّه تصحّ فتوى العبد والمرأة و..([15])، وقد ذكر علاء الدين الحصفكي (1088هـ) في «الدر المختار» عدم اشتراط الذكورة ولا الحرية ولا النطق في الإفتاء([16]).
أما على صعيد الفقه الشيعي الإمامي، فقد لاحظنا بعد مراجعة الموضوع في المصادر الفقهية أنّ أوّل من أثار هذا البحث كان الشهيد الثاني (965هـ) في مباحث القضاء من كتاب الروضة البهية، مدعياً الإجماع عليه ـ على خلاف في تفسير ادّعائه هذا ـ حيث قال: «وفي الغيبة ينفذ قضاء الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء وهي: البلوغ، والعقل، والذكورة، والإيمان، والعدالة، وطهارة المولد إجماعاً، والكتابة، والحرية، والبصر على الأشهر..»([17]).
وحيث لم يكن مبحث الاجتهاد والتقليد متداولاً ـ باستقلال ـ في المصنّفات الفقهية الإمامية، كانت موضوعاته تدرس في علم أصول الفقه، وأحياناً في بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفقه نفسه، وقد لاحظنا ثلاثة أنواع من المصادر الأصولية التي عالجت هذا البحث هي:
1ـ المصادر التي تقع قبل حقبة الحركة الإخباريّة، أي قبل القرن العاشر الهجري، وقد تعرّضت هذه الكتب الأصولية في مباحث الاجتهاد والتقليد منها لمباحث مثل التصويب والتخطئة، وتعريف حقيقة الاجتهاد، وبيان أن أحكام النبي| ليست اجتهادية، وجواز أو عدم جواز التقليد في أصول الدين، وبيان ما يتوقف عليه الاجتهاد من علوم و..
ولم نجد في هذه المصادر ذكراً لشرط الرجولة في المُفتي، رغم أنها أفردت بحثاً حمل عنوان: صفات أو صفة المُفتي والمستفتي، فليراجع مثل «الذريعة إلى أصول الشريعة» للسيد المرتضى (436هـ)، و«العدّة» للطوسي (460هـ)، ومعارج الأصول للمحقق الحلي (676هـ)، وتهذيب الوصول إلى علم الأصول، وكذلك مبادئ الوصول للعلامة الحلي (725هـ)، و..([18]).
2ـ المصادر التي جاءت في إطار الصراع الإخباري ـ الأصولي، ولم نجد فيها حديثاً عن هذا الموضوع إطلاقاً، فلتراجع مصنّفات الوحيد البهبهاني (1205هـ) على سبيل المثال، مثل كتابي الفوائد الحائرية، والرسائل الأصولية، للتأكّد من ذلك([19]).
 3ـ المصادر الأصولية المتأخرة التي عالجت في خاتمتها مباحث الاجتهاد والتقليد، وقد تعرّضت هناك لحقيقة الاجتهاد، وما يحتاج إليه فيه، كما تعرّضت لشروط المقلّد ذاكرةً منها الحياة، والأعلمية، وتعرّضت أيضاً لمبحث الاجتهاد المتجزئ، كما تناولت مبحث التخطئة والتصويب و..
وهذا النوع من المصنّفات لم نجد فيه ذكراً لشرط الذكورة، رغم التعرّض لبعض شروط مرجع التقليد، كالحياة والأعلمية، فليلحظ في ذلك ما كتبه ـ على سبيل المثال ـ الشيخ حسن في مقدّمة معالم الدين الأصولية، والشيخ البهائي في زبدة الأصول، والخراساني في كفاية الأصول، والمشكيني في حواشي الكفاية، والعراقي في مقالات الأصول، وكذلك في نهاية الأفكار، والإصفهاني في نهاية الدراية، والخوئي في مصباح الأصول و..([20])، وقد شذّت بعض الكتب الأصولية عن ذلك، فتعرّضت لموضوع الذكورة، وستظهر في مطاوي هذا البحث، إن شاء الله تعالى.
وقد لاحظنا أن هذا البحث لم يلقَ حضوراً في الميدان الفقهي، رغم الإشارة السالفة للشهيد الثاني في الروضة، وإذا لقي حضوراً فهو ضعيف وبسيط جداً، حتى أن الشيخ الأنصاري (1281هـ) المعروف بتفريعاته الفقهية يخصّص رسالةً للاجتهاد والتقليد، ويفصّل فيها شروط المقلَّد ولا يذكر عدا البلوغ والعقل والإيمان والاجتهاد، باحثاً في الحياة والأعلمية، دون أن يشير بتاتاً إلى فكرة الذكورة([21])، وسوف نضيف لدى الحديث عن دليل الإجماع المقام على شرط الذكورة كلاماً آخر أيضاً يفيد في تكوين صورةٍ تاريخية.
وقد استمرّ الوضع على هذا المنوال إلى أن جاء السيد محمد كاظم اليزدي (1337هـ) وذكر شرط الذكورة في مرجع التقليد في كتابه «العروة الوثقى»([22])، وذلك بدايات القرن العشرين الميلادي، حيث تحوّل هذا الموضوع ـ تبعاً لتحوّل كتاب العروة إلى مادة تدور حولها الدراسات الفقهية ـ إلى مادة تدرس في الفقه الإمامي على نطاق واسع، وشاهدنا له حضوراً جاداً في البحث الفقهي منذ تلك الفترة وحتى عصرنا الحاضر.
ولرصد المشهد في الفترة الأخيرة، لاحظنا وجود رأيين في هذا المجال:
الرأي الأول: وهو الرأي السائد مؤخّراً، ويتبنّى وجهة نظر صاحب العروة في اشتراط الذكورة، ومن أنصار هذا الرأي ـ غير اليزدي صاحب العروة ـ كل من المحقق الجواهري (1340هـ)، والفيروزآبادي (1345هـ)، والميرزا النائيني (1355هـ)، والشيخ عبد الكريم الحائري (1355هـ)، والمحقق العراقي (1361هـ)، ومحمد حسين كاشف الغطاء (1373هـ) والسيد حسين البروجردي (1380هـ)، وعبد الهادي الشيرازي (1382هـ)، والشيخ محمد رضا آل ياسين (1370هـ)، وآية الله محمد الخوانساري (1405هـ)، والإمام الخميني (1409هـ) والسيد الخوئي (1413هـ)، والسيد الكلبايكاني (1414هـ)([23]).
وقد استمرّت هيمنة هذا الرأي على الموقف الفقهي حتى العصر الحاضر، حيث يذهب أكثر مراجع التقليد المعاصرين إلى هذا الشرط، كالسيد السيستاني، والشيخ التبريزي، والوحيد الخراساني، والشيخ محمد تقي البهجت، والسيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم، و..([24])، وقبل صاحب العروة، وجدنا تبنّي هذا الموقف من بعض الفقهاء من أمثال السيد المجاهد محمد الطباطبائي (1242هـ) في كتابه «مفاتيح الأصول»([25]).
الرأي الثاني: وهو الرأي المخالف لما ساد في الفترة الأخيرة بالخصوص، وقد ذهب إليه المحقق الإصفهاني (1365هـ) في رسالته في الاجتهاد والتقليد، متوقّفاً فقط في موضوع التسالم([26])، والسيد محسن الحكيم (1390هـ) في المستمسك([27])، وإن كانا لم يعلّقا على العروة في شرط الذكورة، مما يعني تبنّيهما هذا الرأي المخالف علمياً لا فتوائياً([28]).
وممن ذهب إلى هذا القول أيضاً السيد رضا الصدر([29])، والشيخ محمّد مهدي شمس الدين([30])، كما مال إليه العلامة السيد محمد حسين فضل الله([31])، وتبناه الشيخ محمد الجيلاني([32])، ولم يذكره صريحاً كشرطٍ الشيخ يوسف الصانعي في رسالته: توضيح المسائل([33])، وهو الظاهر من السيد تقي القمي أيضاً في مباني منهاج الصالحين([34])، ومن شريعتمدار الجزائري في النور المبين([35]).
كانت هذه صورة موجزة للمشهد التاريخي والمعاصر فقهياً من مسألة شرط الذكورة، وسوف نستعين بهذه الصورة في الأبحاث القادمة إن شاء الله تعالى.
ونحاول ـ بدايةً ـ استعراض موقف النظرية القائلة بعدم شرط الذكورة في مرجع التقليد، ثم نعقبها بذكر أدلّة النظرية الذاهبة إلى هذا الشرط، لنحاول بعد ذلك الخروج بنتيجة وموقف إن شاء الله تعالى.
 
وحاصل ما يمكن إقامته من أدلة لإثبات عدم اشتراط الذكورة في مرجع التقليد ما يلي:
الدليل الأول: إن مبدأ قدرة المرأة على بلوغ مرتبة الاجتهاد، مما لا إشكال فيه من الناحية التكوينية، بل قد حصل ذلك تاريخياً، كما تشهد له كتب التاريخ والتراجم وغيرها، وهذا معناه أن المرأة ببلوغها مرتبة الاجتهاد يحصل لها القطع واليقين بالحكم الواقعي أو الظاهري، ومعه كيف يجوز لها تقليد غيرها ممن قد يخالفها الرأي؟! ومن ثم لا تكون مشمولةً للبناء العقلائي في رجوع الجاهل إلى العالم بعد فرض خروجها عن الجهل.
وبعبارةٍ أخرى، إن ما دلّ على عدم جواز تقليد المجتهد لغيره ـ أو عدم لزومه عليه كما هو مبنى جماعة ـ يجري في المرأة تماماً كما يجري في الرجل، فلا معنى لإلزامها بالتقليد بعد بلوغها مرتبة الاجتهاد.
وهذا الدليل يثبت ـ فقط ـ شرعيّة تقليد المرأة نفسها، إذا بلغت مرحلة الاجتهاد، وقد يقال: إنّه يحتاج لإتمامه إلى نقض وجهة النظر القادمة، والتي تقول بأن في رأي المرأة نقصاً، الأمر الذي قد يلغي ـ ولو تعبّداً ـ شرعية تقليدها لذاتها، إلا أنّ هذا الكلام لا محلّ له هنا حتى لو تمّت تلك النظرية فإن المفروض حصول القطع لها بالواقع أو الظاهر، ولا معنى لسلب الحجية عن هذا القطع بعد حصوله، إلا إذا بنينا في مباحث أصول الفقه على إمكان ذلك بعد اعتبار قطعها بحكم القطع الذاتي، والخلاف مبنائيّ. وسوف نتعرّض لهذا الرأي ـ أي نقصان رأي المرأة وعدم الاعتداد باجتهادها ـ وندرسه ضمن أدلّة القول باشتراط الذكورة في الإفتاء.
الدليل الثاني: التمسّك بالأدلّة العامة المثبتة لمبدأ التقليد، فإن في هذه الأدلّة إطلاقاً يشمل كون المقلَّد أنثى، وأبرز هذه الأدلة:
أولاً: العمومات والمطلقات اللفظية الواردة في الكتاب والسنّة من مثل: >فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ< (الأنبياء: 7)، و>فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَ..<(التوبة: 122)، إلى غيرها من الأدلّة العامة غير المقيّدة بقيد الذكورة.
ثانياً: الارتكاز والسيرة العقلائية القائمة على رجوع الجاهل إلى العالم، بلا فرقٍ ـ جزماً ـ بين كون العالم ذكراً أو أنثى، فإن هذا المبدأ يعمل به العقلاء غير ناظرين فيه إلى الجنس المرجوع إليه من الذكورة والأنوثة، وهذا معناه قيام ارتكازهم وبنائهم على الرجوع حتى إلى الأنثى دون وجود ردع شرعي عن هذا البناء([36]).
وهذا الدليل ربما يناقش من جهات:
الأولى: إن الأدلة اللفظية ليست في مقام البيان من حيث شروط الرجوع إلى أهل الذكر أو غيرهم، وإنما هي بصدد تأسيس مبدأ الرجوع إلى العالم، ومعه لا يمكن التمسّك بإطلاقها لنفي شرطٍ ما أو قيد مخصوص.
والجواب: إن النوع الأول من أدلة التقليد، ليس تأسيساً لمبدأ تشريعي جديد، بل هو إرشاد إلى المرتكز العقلائي العام في رجوع الجاهل إلى العالم، ومعه تتحدّد مساحته تبعاً للمرتكز المرشد إليه، وحيث أثبتنا انعقاد السيرة العقلائية على الرجوع مطلقاً، كانت دلالة النصوص متّسعةً من هذه الناحية أيضاً.
وبعبارةٍ أخرى، الإطلاق منعقدٌ في المرشَد إليه لا في الإرشاد، وفي المدلول عليه لا في الدلالة، وهذا كاف للتمسّك بالنصوص العامة لنفي شرط الذكورة أو نحوها.
نعم، لن تكون الأدلة اللفظية مستقلةً حينئذٍ عن الارتكاز العقلائي، وهذا ممّا لا ضير فيه، بعد أن كان استدلالنا بمجموع النوعين من الأدلة، كما هو ظاهر.
الثانية: إن هذه الإطلاقات منصرفة إلى الرجل، لعدم معهودية تصدّي النساء لشؤون الإفتاء، ومعه لا مجال للتمسّك بها، فإن الانصراف يهدم الإطلاق، كما هو المقرّر في أصول الفقه([37]).
والجواب: إنه من غير الواضح منشأ دعوى الانصراف هذه، فهل يراد ادعاء أن مثل عنوان أهل الذكر أو ما جاءت فيه ضمائر منفصلة مثل«ارجعوا إلى من…» منصرف استعمالاً للرجال، وهو ما لا يخفى ضعفه ووهنه، وعليه فالانصراف المدّعى هنا ناشئ عن كثرة الفقهاء الذكور، مما يعني أن نشوءه منطلق من كثرة الوجود لا كثرة الاستعمال، وهو غير موجب لهدم الإطلاق على ما قرّر في أصول الفقه أيضاً.
هذا، مضافاً إلى أنّ هذه المناقشة ـ إن تمّت ـ فإنّما تتمّ في الأدلّة اللفظية التي يتصوّر فيها انصراف يهدم الإطلاق، لا في مثل الارتكاز العقلائي الدائر أمره بين الوجود واليقين وعدمهما، مما يلغي فيه معنى النص الإطلاقي حتى يجري الحديث فيه عن الانصراف، كما هو واضح.
الثالثة: إن المستدلّ غفل عن العمومات العليا التي خصّصتها أدلّة شرعية التقليد نفسها، وهذه الأدلة هي عمومات ومطلقات النهي عن العمل بالظن، خرج منه الظن التقليدي (والمراد بالظن التقليدي هنا مطلق عدم العلم في مورد الرجوع إلى قول الغير)، وبقي الباقي تحت العموم، وعليه، فلو شك في مورد أنه مشمول لدليل التقليد، كما في حال الأنثى، جرى الرجوع إلى عمومات النهي عن اتّباع الظن لإثبات عدم الجواز، مما يعني عدم شرعيّة التقليد بحسب النتيجة.
وبعبارة أخرى، المحرز تخصيص أدلة التقليد لعمومات النهي في مورد الرجل، ومعه يبقى غيره تحت العمومات ولا يكون مشمولاً لأدلّة الجواز([38]).
ويرد عليه: إن مفروض المستشكل وقوع الشك في أدلة التقليد ومدى دلالتها على الشمول لغير الرجل، وهو ما ينفيه المستدل بادعائه انعقاد الإطلاقات والعمومات على الشمول لغير الرجل مع عدم وجود انصراف فيها، أو قيام الارتكاز مع عدم الردع، ومعه كيف يمكن إدخال المرأة في دائرة عمومات النهي بعد التأكّد من شمول المخصّص المنفصل لها؟!
الرابعة: إنّ شرط التمسّك بالسيرة العقلائية كونها جاريةً عصر المعصومين، وهو أمرٌ غير محرزٍ في المقام، فلم تتصدّ المرأة للإفتاء في عصرهم حتى يكون سكوتهم حجةً وإمضاءً([39]).
والجواب ما قرّروه في علم أصول الفقه بمباحث موسّعة نسبياً من أن العبرة في الإمضاء هو إمضاء النكتة العقلائية المرتكزة لا الواقع العملي للعقلاء، وهذا البناء الذهني العقلائي المرتكز كافٍ في إمضاء الشارع للسيرة، على ما حقّقوه مفصلاً، فالخلاف مبنائي.
وبهذا ظهر صحّة التمسّك بأدلة شرعية التقليد لاسيما منها الارتكاز العقلائي، نعم، هذا الدليل موقوف على عدم وجود مخصص أو مقيد للعمومات والمطلقات المجوّزة للتقليد، وكذلك على عدم وجود رادع عن السيرة والبناء العقلائي، وقد ذكر أنصار عدم جواز تقليد المرأة أدلة قالوا: إنها مخصصة أو مقيدة أو رادعة، فلابد من بحثها ليعرف ـ عبر ذلك ـ سلامة هذا الاستدلال.
الدليل الثالث: ما ذكره بعض الفقهاء المتأخّرين من التمسّك بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله× ـ في حديث ـ قال: «قلت له: إن معنا صبياً مولوداً، فكيف نصنع به؟ فقال: مُر أمّه تلقى حميدة، فتسألها كيف تصنع بصبيانها؟ فأتتها، فسألتها كيف تصنع؟ فقالت: إذا كان يوم التروية فأحرموا عنه، وجرّدوه، وغسّلوه كما يجرّد المحرم، وقفوا به المواقف، فإذا كان يوم النحر فارموا عنه واحلقوا رأسه، ثم زوروا به البيت، ومُري الجارية أن تطوف به في البيت وبين الصفا والمروة»([40]).
وتقريب الاستدلال بالرواية أن الإرجاع إلى حميدة كان إرجاعاً في الحكم لا في أخذ الحديث، مضافاً إلى أن حميدة نفسها بحسب الرواية عينها، لم تنقل للمرأة حديثاً أو ترو لها رواية، بل أعطتها حكماً شرعياً، مما يدلّل على أن المقام مقام إفتاءٍ وتقليد لا مقام روايةٍ أو نقل([41]).
 ونوقش الاستدلال بالرواية بأنها غير ظاهرة في الحكم والإفتاء بقدر ما هي ظاهرة في نقل الحكم وتعليمه، فلا معنى للتسرية في غير محلّها([42]).
ويجاب عنه بأن نقل الحكم لا على شكل رواية هو عين الإفتاء في تلك الأيام، أفهل كان سائر الفقهاء في تلك العصور ـ أي في النصف الأول من القرن الثاني ـ يقومون في ممارساتهم الاجتهادية بأكثر من فهم النص الحرفي للمعصوم×، ثم ينقلون ما فهموه للناس؟!
إلا أن مثل هذه الرواية قاصرة في لغتها ـ إنصافاً ـ عن إفادة جواز تقليد المرأة، ذلك أن هناك احتمالاً ـ استوقفني ـ في أن يكون مراد الإمام×، أن تُسأل حميدة كيف تصنع هي بصبيانها، خصوصاً مع استخدام صيغة الجمع في الصبيان مع أنّ المرأة السائلة كان معها صبي واحد، لكن حميدة أجابت بصيغة الحكم دون صيغة الإخبار، وهذا معناه أن الإمام إنما أرجع إليها لتخبر ماذا تصنع هي مما عرفته عن الإمام×، ويكون× ممضياً فعلها هذا.
الدليل الرابع: التمسّك بسكوت الأئمة^ عن إفتاء أم المؤمنين عائشة، بل عن اتفاق أهل السنّة على جواز تقليد المرأة، وقد كان الأمران ـ أي إفتاء عائشة وإجماع أهل السنة على الجواز ـ بمرأى من أهل البيت^ ومسمع، ولم يصدر منهم شيء، ولو صدر لوصلنا شيء منه، مما يدلّ بمجموعه على الإمضاء([43]).
وهذا الاستدلال كأنه مبني على ما نسب إلى السيد البروجردي من أن الفقه الإمامي بمثابة الحاشية على فقه أهل السنة، بحيث يلزم الأئمة^ ببيان ما يخالف الحق في ذلك الفقه، فبعد افتراض إجماع الفقه السني على الجواز وسكوت الأئمة^ يعلم رضاهم بما اتفق عليه أهل السنة.
وقد يناقش هذا الدليل من ناحيتين:
الناحية الأولى: إن الشقّ الثاني منه، وهو إجماع أهل السنّة على الجواز بمرأى من أهل البيت، يمكن التوقّف فيه، فالمعلومات التاريخية التي وصلتنا حول هذا الموضوع لا تحكي عن الموقف السنّي في تلك الحقبة بوضوح، نعم، هي تحكي عن بدايات القرن الرابع الهجري تقريباً فما بعد، وهذا يعني نهايات الغيبة الصغرى بحسب العقيدة الإمامية، ومن ثم لا دليل على أنّ موضوعاً من هذا القبيل كان مطروحاً على بساط البحث الجادّ في القرون الثلاثة الهجرية الأولى، نعم، نُسب إلى أبي حنيفة كلام في المرأة القاضية، لكنه ـ على تقدير صدوره ـ لا يعلم أنّه بحيث كان رائجاً يستدعي تصدّي الأئمة له.
وبعبارةٍ أخرى، يحتمل أن لا يكون هذا الموضوع في تلك الحقبة مثاراً أصلاً في الوسط السنّي بشكل جادّ، أو يكون مثاراً على نطاق محدود دون أن يدخل ساحة التداول العام، والشواهد التاريخية لا تؤكّد ذلك بحجم اليقين به، وإن كان الاحتمال المعتدّ به موجوداً، ومعنى ذلك عدم إمكان التمسّك بالسكوت لإثبات الإمضاء، كما هو معلوم.
الناحية الثانية: إنه من غير الضروري أن يكون ردع الأئمة^ عن خطأ ما في الثقافة الإسلامية والفقه السنّي عبر إصدار نصّ معارض لمضمون ما اتفق عليه أهل السنّة أو فعلته بعض نساء الصدر الأول، فإن هذا أحد أشكال الردع وبيان الخطأ، وثمة شكل آخر يتبلور عبر تكوين وعي متشرّعي لا يسمح بانعقاد حكم من قبيل ما اتفق عليه الفقه السنّي، بل يراه بارتكازه منافياً للشريعة، وهذا كافٍ في تحقيق الردع وبيان الحق، ومن غير البعيد أن يكون أهل البيت^قد استخدموا هذا السبيل عبر عشرات من النصوص التي تفيد تنحّي المرأة عن مثل هذه المجالات، مثل إمامة الجماعة، ومنصب القضاء، والشهادة، إضافة إلى ما دلّ على عدم تولّيها شيئاً، وما دلّ على ضعفها، ونقصان عقلها، وعدم مشاورتها وما شابه ذلك، فإنّ هذا الحجم الهائل من النصوص يمكنه ـ بتراكمه ـ أن يساهم في تكوين ارتكاز متشرّعي رادع بنفسه، يكون له من قوّة الردع ما قد لا يكون لنصّ صريح.
وما قلناه في هذه المناقشة بناحيتها الثانية في غاية المتانة من وجهة نظرنا، بيد أنها تفتقر إلى إثبات مفرداتها، وسوف نتعرّض لاحقاً لهذه المفردات التي قد يدّعى مساهمتها في تكوين بناء متشرعي، لنرى مدى جدوائيّتها في ذلك، بل حتى لو فرض صحّة هذه المفردات، ليس هناك ما يؤكّد وجود ردع ارتكازي متشرعي نتيجتها، ذلك أن هذه النصوص عرفتها الساحة السنّية ـ ولو بعد حقبة الحضور ـ ربما شبه ما عرفها المناخ الشيعي، والمفترض أنها لم تفعل فعلها في تكوين ردع ارتكازي في المجتمع الديني السنّي ما قد ينفي ضمانها تحقيق الردع في المجتمع الشيعي، ولا أقلّ من الشك القويّ المضعف للمناقشة.
الدليل الخامس: التمسّك بما دلّ على حجية الرواية، حيث صرّحوا فيها بعدم الفرق بين الرجل والمرأة([44])، مع ادعاء أن الملاك في باب الرواية والإفتاء واحد، والوجه في هذا الكلام أن أدلّة حجية الرواية مثل آية النفر وسؤال أهل الذكر هي بعينها أدلّة حجية الفتوى، فكيف يمكن التمسّك بإطلاقها في الرواية لجواز رواية المرأة دون الفتوى حتى يحكم بعدم جواز تقليدها؟!([45]).
إلا أن هذا الوجه قابل للمناقشة، وذلك:
أولاً: إن أدلّة الفتوى والرواية مختلفة على بعض المباني، فآية النبأ من أهمّ الأدلة اللفظية عند كثير من الأصوليين على حجية الخبر، إلا أنه لا شأن لها عندهم بالفتوى، فلا دليل على وحدة المدرك فيهما دائماً.
ثانياً: إن بناء العقلاء وإن قام على الأخذ بالخبر والفتوى معاً، إلا أن الملاك مختلف، فتلك من باب الظن بإصابة الواقع، وهذا من باب الرجوع إلى أهل الخبرة، ومن الواضح أن الخبر يؤخذ به من باب حسيّته، أما قول أهل الخبرة فيؤخذ به من باب حدسيّته، ولعلّ وحدة الجانب الحسّي بين الرجل والمرأة يجيز الأخذ بروايتها، فيما تتدخل نكتة الحدسيّة للمنع الشرعي عنه، انطلاقاً من رؤيةٍ شرعية لعقل المرأة ورأيها أو انطلاقاً من رؤية لمستلزمات وظيفة المرجعية من الاختلاط وغيره.
وبعبارةٍ ثانية، وحدة الدليل تفيد اقتضاء الإطلاق في الفتوى والرواية، وهذا ممّا يسلّم به الجميع أن مثل السيرة العقلائية ـ على الأقل ـ شاملٌ في الموردين للرجل والمرأة، إلا أن هذا لا يمنع من ورود دليل خاص في الفتوى دونه في الرواية؛ لاختلاف خصوصيات الحسيّة والحدسيّة أو التصدّي لمنصب الإفتاء دونه في الرواية، وعليه فلم يقدّم هذا الدليل شيئاً علاوةً على ما اقتضاه الدليل الثاني المتقدّم، فتبقى دلالته موقوفةً على عدم ورود دليل مخصّص للعمومات أو رادع للسيرة.
نعم، ينفع هذا الاستدلال لردّ دعوى الانصراف إلى الرجل ـ في الجملة ـ في خصوص الفتوى، فيصلح نقداً عليهم بعدم ادعائهم الانصراف في أمر الرواية.
والمتحصّل من أدلّة شرعيّة تقليد المرأة، صحّة الدليلين الأول والثاني على الأقل، لإثبات جواز تقليدها نفسها وتقليد غيرها لها، على أن يكون ذلك ـ في الثاني ـ موقوفاً على معرفة حال أدلّة الطرف الآخر.
 
وجملة الوجوه المذكورة أو التي يمكن أن تذكر لتأييد هذه النظرية ما يلي:
الوجه الأول: التمسّك بالإجماع المدّعى في لسان الشهيد الثاني& على ما جاء في عبارة الروضة([46])، إضافةً إلى القول بأنه المشهور المعروف عند الإمامية([47])، أو المتسالم([48]).
ويناقش أولاً: إن البحث التاريخي الذي استعرضناه بداية هذه الدراسة يؤكّد عدم وجود إجماع شيعي ولا إسلامي، ولا حتى شهرة شيعية في هذا الموضوع، لا أقلّ من عدم إحرازه، فقبل الشهيد الثاني في القرن العاشر الهجري لا عين ولا أثر لهذا الموضوع في المصنّفات الفقهية والأصولية والكلاميّة، وحتى بعده لم يظهر لهذه الفكرة حضور فاعل إلا بعد صاحب العروة في القرن الرابع عشر الهجري، فأيّ مستند لدعوى الإجماع الشيعي أو الشهرة على شرط الذكورة في المرجعية؟!
ثانياً: إن شواهد النصوص القديمة لا تخلو من تأييد نظرية الشرطية فحسب بل تعزز احتمال عدم وجودها، فعندما تذكر في المصنفات الأصولية الشيعية الرئيسية قبل القرن العاشر شروط المُفتي والمستفتي لا يُذكر شرط الذكورة إطلاقاً، رغم أن المقام مقام بيان صفات المُفتي، مما يشكّل قرينة احتمالية قوية على عدم انعقاد موقف على مثل هذا الشرط آنذاك، وإلا لبيّنوه في هذا البحث، أو أوكلوا بيانه إلى موضعٍ آخر، فهذا العلامة الحلّي يذكر في باب الأمر بالمعروف من (قواعد الأحكام) صفات المفتي ولا يأتي على ذكر الرجولية([49])، ومثله الشهيد الأوّل في مقدمة كتاب ذكرى الشيعة([50])، حيث يذكر ثلاثة عشر صفةً في المفتي، والأمر عينه مع المحقق الكركي في خاتمة رسالته في صلاة الجمعة([51]).
بل إن ملاحظة المصادر السنيّة في بحث شروط المُفتي والمستفتي تؤكّد لنا أن البحث الشيعي جاء متناسقاً معها من حيث عدم شرط الذكورة، فأبو إسحاق الشيرازي (476هـ) يعقد في كتاب «اللمع في أصول الفقه» باباً لذكر صفة المُفتي والمستفتي دون إشارة إلى شرط الذكورة، كما لا نجد في «المستصفى» للغزالي (505هـ) «وفواتح الرحموت» في مبحث الاجتهاد والتقليد عيناً ولا أثراً لهذا الشرط، وهكذا الحال في الباب عينه من كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم الأندلسي وغيرها من مصادر الأصول السنية التي استعرضنا شطراً منها سابقاً، فإذا كان الموقف الشيعي مخالفاً كان لابد أن يظهر الفرق في هذا البحث بالذات من كتب أصول الفقه، وهو ما لم نجده إطلاقاً، كما يظهر بالمقارنة، لاسيّما مع تقارب تقسيمات أصول الفقه الشيعي وأبحاثه في تلك الحقبة مع أصول الفقه السنّي، كما يعرفه الباحث في تاريخ علم أصول الفقه، بحيث يشعر الإنسان أنّ أحدها كان حاشيةً أو تعليقاً على الآخر، فراجع المصادر الأصوليّة للطرفين في القرنين الخامس والسادس الهجريّين.
ثالثاً: على تقدير انعقاد إجماع أو شهرة شيعيّة أو حتّى إسلامية على هذا الشرط، من المحتمل جداً كون هذا الإجماع مدركياً مستنداً إلى جملة الأدلّة التي ستَرِدُ معنا عمّا قريب، ومع احتمال المدركية، إن لم نقل بالظن بها على تقدير انعقاد الإجماع، لا يعود الإجماع حجة، كما هو الصحيح في علم أصول الفقه.
رابعاً: إن الإجماعات المنقولة غير حجّة كبروياً، فكيف بهذا الإجماع المدّعى من جانب الشهيد الثاني مع ما فيه من الوهن من ناحية:
أ ـ رصدنا للمصنّفات التي لم نجد لها ذكراً لهذا الموضوع إطلاقاً ولو بالإشارة.
ب ـ عدم تكرّر ظاهرة ادّعاء الإجماع في هذا الموضوع بعد الشهيد الثاني بمقدار معتدّ به، حتى من جانب أنصار نظرية الشرطية أنفسهم، مما يدلّ على توقّفهم ـ لا أقل ـ في تصحيح إجماع الشهيد الثاني، وإلا لما اكتفوا بالإجماع المنقول عنه نفسه كما هو ظاهر، وادّعاؤهم الإجماع على الشرطية في منصب القضاء لا يحسن الخلط بينه وبين مقامنا هنا، كما حصل مع غير واحدٍ من متأخّري المتأخّرين.
ج ـ ما قيل عن وجود ارتباك في نصّ الشهيد الثاني نفسه وتسامح، فذِكر الشهيد الثاني الإيمان والعقل والعدالة شرائط للقضاء صحيح، لكنها ليست من شروط الاجتهاد.
وهذا الإشكال الذي ينقله صاحب مفاتيح الأصول عن الشيخ علي سبط الشهيد الثاني([52]) ربما يكون محلّ كلام في الرصد التاريخي، إلا أن لي وقفة سؤال مع الشهيد الثاني من ناحية ثانية، فقد ذكر بعد عدّة صفحات على نصّه المذكور عند الحديث عن قاضي التحكيم أن «استجماعه لشرائط الفتوى شرط إجماعاً، وكذا بلوغه، وعقله، وطهارة مولده، وغلبة حفظه، وعدالته، وإنما يقع الاشتباه في الباقي»([53])، فنحن لم نفقه ما هي شرائط الفتوى؟! فهناك عدّ منها ـ إجماعاً ـ البلوغ والعقل وطهارة المولد، فكيف فصل هذه الثلاثة عن شرائط الفتوى في هذا النص؟! فإذا كان البلوغ غير شروط الفتوى لم يكن نصّه السابق مدعياً فيه الإجماع على كون البلوغ من شرائط الفتوى، بل ادعاؤه الإجماع يكون على اشتراط القضاء بالبلوغ، ولعلّه لذا احتمل صاحب الفصول أن يكون مراد الشهيد الثاني من الإفتاء خصوص القضاء وإن استظهر ـ أي صاحب الفصول ـ بعد ذلك الفتوى منه([54]).
وعبارة الشهيد الثاني ـ بعد جملة الملاحظات ـ لا تكاد تكون واضحةً، لاسيما وأن أحداً لم يتحدّث عن مثل البصر والكتابة في شرائط الفتوى قبله حسب الظاهر، ولو كان لم يكن بالمعروف والمشهور، بل إن الشهيد الثاني نفسه ذكر شروط المفتي في كتابه «منية المريد» وحصرها في الإسلام، والتكليف، والعدالة، والفقاهة، مشيراً إلى قضية شرط الأعلمية والحياة([55])، ولو كانت الذكورة شرطاً لذكرها، وإن كانت درجة دلالة كلامه في منية المريد غير قوية لاعتبارات مقامية وسياقية، تعود إلى طبيعة الكتاب وأنه كتاب أخلاقي لا كتاباً فقهياً، لكنها على أيّ حال ذات درجة من الدلالة.
د ـ ثمّة نصّ فيه نحو معارضة لكلام الشهيد الثاني، يظهر منه الإجماع أو شهرة عدم اشتراط الذكورة في المفتي، ويعود النص للقرن الثاني عشر الهجري، أي بعد قرنين فقط من عصر الشهيد الثاني، وصاحب النص هو المحقق محمد إسماعيل الخواجوئي المازندراني (1173هـ)؛ إذ كتب رسالةً في شرائط المفتي، نصّ فيها أنهم: «يعتبرون الذكورية والحرية في القاضي دونهما (أي المفتي والمجتهد)»([56]).
وظاهر الجمع في «يعتبرون» أنه يعود إلى الفقهاء، مما يؤكّد ـ على الأقلّ ـ شهرة القول بعدم اشتراط الذكورة في اجتهاد المجتهد ولا في إفتائه، مما يشكّل قرينةً عكسيّةً على دعوى الإجماع من الشهيد الثاني.
هذا، وقد صرّح السيد محمد المجاهد الطباطبائي (1242هـ) بأنّه لم يشر أحد من علماء الأصول إلى اشتراط الذكورة([57])، رغم قوله هو نفسه بالاشتراط، كما أتى صاحب الفصول على هذا البحث مقتصراً فقط على نقل كلام الشهيد الثاني، مع أنه توسّع في الشروط الأخرى للمفتي، دون أن يبت بهذا الشرط، أو يذكر أدلّةً أو بحثاً أو أقوال فيه، الأمر الذي له دلالة معبّرة([58]).
هـ ـ ما ذكره بعض المعاصرين من أن الشهيد الثاني نفسه في بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من كتاب الروضة قد ذكر صفات المفتي دون أن يتعرّض لصفة الذكورة([59])، مما يدلّ على أنّ مراده هنا صفات القاضي([60]).
والمتحصّل عدم وجود أي دليل على إجماع أو شهرة شيعيّة أو إسلاميّة على شرط الذكورة، بل ربما أمكننا ادعاء الإجماع أو الشهرة على عدم الشرطية، لا أقلّ قبل القرن العاشر الهجري وفق البيانات المتقدّمة.

إهانة النبي (ص) نظرة في منهج الرد

20 أكتوبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

أظهرت  ردّات الفعل الشعبيّة الإسلاميّة على الإساءة الأخيرة لنبيّ الرحمة محمَّدٍ (ص)، مستوى عالياً من الحضور للنبيّ (ص) في وجدان الأمّة. وفي الوقت نفسه بدا واضحاً غياب الصوت العربي الرسمي، إلا بخجلٍ أحياناً، قياساً بالإساءات السابقة التي ربّما سبق فيها حكّام المُسلمين والعرب شعوبَهم.
الأمر الذي يوحي بأنّ المسألة لدى هؤلاء الحكّام ليست مسألة الرسول(ص) بقدر ما هي مسألة إمكانيّات التوظيف لتحرّك الشعوب في رفد مصلحة الأنظمة السياسيّة التي يتربّعون على عروشها، أو عدم إمكانيّة ذلك، بحيث يوظَّفُ الغضب الشعبيّ جزءاً من حالة تنفيس الاحتقان المتراكم بفعل القمع والظلم والقهر، فيسلم للقائد والرئيس والملك نظامُهُ في انتظار ظروفٍ تسمح بجولة جديدة يُسمح فيها للشارع أن يغضب وينفّس احتقان الظلم الذي بات عليه كالقدَرِ.
ربَّما تكون المُشكلة اليوم في أنّ من يوجَّه نحوه الغضبُ الشعبي ليس دولة اسكندنافيّة بعيدة، بل "الدولة العُظمى"، الولايات المتّحدة الأمريكية، المتربّعة ـ بفعل دعايتها وضعفنا أو استضافنا لأنفسنا ـ على كرسيّ العرش العالمي، وإن كان هذا الكرسيّ يقتربُ شيئاً فشيئاً من أن يكون كرسيّاً في العالم "الافتراضيّ"، لا في العالم الحقيقي إلا لدى بعض من استقالوا من الواقع وصناعة التاريخ ولجأوا إلى العالم "الافتراضي"!. ولكن ما يبعث على التساؤل هو تراجع بعض الحركات الإسلاميّة عن رعاية حراك شعبي استنكاريّ لا يُراد له أن يشكّل صوتاً مستنكراً لما جرى، بل ومتلاقياً مع الأمواج المتحرّكة في أكثر من بلدٍ عربي وإسلاميّ، لعلّها تغيّر شيئاً من رعاية العالم المستكبر للإساءة لنبيّنا وديننا؛ بل حتّى خطوةً إلى الأمام لاستعادة عنفوان الأمّة التي تشعر بجرحٍ في كرامتها.
لن نخوض كثيراً في هذه النقطة؛ لأنّ حسم الحكم على حركة الإسلاميّين سابقةٌ لأوانها في ظلّ التقلّبات الكبيرة في الظروف الداخليّة والخارجيّة المحيطة، وإن كان البعضُ يُناقشُ في ذلك أيضاً، باعتبار أنّ الزمن لا ينتظر توفّر كلّ الظروف، بحيث قد تضيع خطوط الحركة وملامح الإستراتيجية الإسلامية في ظلّ تعقيدات حركة التفاصيل والتكتيكات المرحليّة.
في كلّ الأحوال، نُثير هنا بعض النقاط للتأمّل والتفكير تجاه ما جرى، ممّا قد يُساعد في وضوح الرؤية من جهة، ووضع معايير للتعامل مع مثل هذه القضايا فيما إذا تكرَّرت في المستقبل.
النقطة الأولى: الإساءة تاريخيّة
إنّ تاريخ المسيرة الإسلاميّة لم يخلُ يوماً من الإساءة إلى شخص النبيّ(ص) عبر الاتّهام والاستهزاء والاعتداء المعنويّ، فضلاً عن محاولة القتل والاغتيال في حياته، واستمرّ ذلك حتّى يومنا هذا… بل إنّ القرآن الكريم خلَّد هذه الإساءات، ووضعها في إطارٍ للتفاعل النفسيّ مبرَّدٍ نسبيّاً، فقال تعالى حاكياً مرحلة نبيّ اللهِ نوحٍ(ع):﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾(هود:38)، وقال تعالى حكايةً للسان فرعون عن موسى(ع): ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾(الزخرف:52)، وعن نبيِّنا(ص) عرفنا من نصّ القرآن أنّه قيل عنه إنّه "ساحرٌ" و"مجنونٌ" وغير ذلك، حتّى قال الباري عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾(الأنعام:10). وكان واضحاً أنّ الله أراد لنبيِّه أن لا يصرفه هؤلاء الجاهلون عن متابعة الطريق نحو الهدف الكبير، ولذلك قال له:﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾(القصص: من الآية 55)، ولذلك فربّما يُقال إنّ الموقف المبدئيّ للمُسلمين يقتضي منهم إهمال الإساءة وترك الأمر من دون مبالاة أو اعتراض؛ لأنّ في ذلك تكبيراً للشخص المسيء أو لنتاجه الذي قد يكون من أردأ صنوف الإنتاج بحسب المعايير الفنّية، ولاسيّما أنّ الاعتراض قد يحوّل ذلك الشخص أو نتاجه إلى ضحيّة تدفع نحو المزيد من حالات التعاطف العالمي؛ لأنّه أضحى "فكراً" مظلوماً.
وهذا الموقف صحيحٌ في حدّ ذاته؛ لأنّه لا ينبغي لأيّ جاهلٍ أن يوقفنا عن إكمال المسيرة واحتضان القضايا الكُبرى وتحقيق الأهداف السامية التي نحن مسؤولون عنها، في إحقاق الحقّ وتأكيد العدل، ولاسيّما أنّنا نعرفُ أنّ الباطل يموت بتركه، ولاسيّما في هذا العصر. ولكنْ هناك ظروف تجعلنا ننظر إلى الموضوع بطريقة مغايرة:
أ‌- أنّ ذلك يترافق مع هجمة عالميّة لحصار العالم الإسلامي والعربي وتفتيته، وفي الإمكان أن يكون ذلك جزءاً من حالة اختبار للأمّة تجاه وقائع يُراد تكريسها مستقبلاً، كما في هدم المسجد الأقصى مثلاً، أو جزءاً من حلقات سلسلةٍ طويلة من الخطوات في سبيل الإجهاز على واقع التقارب الإسلامي الإسلامي، أو الإسلامي المسيحي، وما إلى ذلك.
ب- أنّ المزاج الشعبي، في الشرق عموماً، هو مزاج انفعاليّ، وبالتالي يشكّل هذا النوع من الإساءات استفزازاً لمشاعر عابرة للجغرافيا والشعوب والدول والمجتمعات، بما لا يُترك فيه الأمرُ لعبث الأفراد من هنا وهناك؛ فإنّ المسألة أقرب ما تكون إلى المسائل المتعلّقة بالسلم العالميّ.
ت- أنّ الظروف المترافقة مع هذه الإساءة، سواء لجهة تراكم نوعٍ من المشاعر السلبيّة بين المُسلمين والمسيحيّين في بعض الدول، أو لجهة طبيعة جنسيّة صاحب الفيلم الشؤوم، يؤيّد فكرة أنّ وراء الفيلم، أو الإعلان عنه، أجهزة خبيثة تبتغي إيجاد أرضيّة للفتنة، أو إشعار عود ثقابٍ في نباتها اليابس تحت أكثر من ظرفٍ ومناخ.
وعلى هذا الأساس نقول إنّ من الخطأ الذي يلجأ إليه البعض، حتّى من الإسلاميّين، أن يتمّ الحديث عن العناصر الفنّية الرديئة للفيلم، أو عن التأثير المحدود الذي يُمكن أن يتركه، بحيث يرون أنّه من المبالغة تصعيد حالات الاستنكار إلى هذا المستوى؛ نقول من الخطأ ذلك لأنّنا نعتقد أنّ ما هو على المحكّ اليوم هو هل نقبلُ بسيادة الذهنيّة الشيطانيّة التي تلقى احتضاناً عالميّاً، وتبريراً يُراد له أن يكون منطقيّاً بعنوان "حرّية التعبير"، تلك الذهنيّة التي تعبّر عن نفسها بالإساءة لمقدّسات الآخرين، بما يجتذب إساءات متبادلة، ما يخلق نوعاً من التوتّر في العلاقات، لا بين أفرادٍ من هنا وهناك، بل بين شعوبٍ ومجتمعات بأسرها ترقى أعدادها إلى مئات الملايين.
ولذلك نقول: إنّ استنكارنا إنّما ينطلق من خلال حرصنا على بقاء النموذج الحضاري لإدارة العلاقات بين الناس المختلفين دينياً أو عرقيّاً أو مذهبيّاً أو ما إلى ذلك من الأطر، هذا النموذج القائم على الاحترام المتبادل للرموز والمقدّسات، من دون إنكار حقّ أحد في الاعتراض أو السؤال من الناحية العلميّة على أيّ أمرٍ؛ فكم من الكتب كتبت وهي تعترض على الإسلام أو على ما قام به النبيُّ(ص)، وقام العلماء المسلمون بمناقشتها علميّاً والردّ عليها، ممّا هو مسطورٌ في العديد من الكتب!.
وإنّنا لا نثورُ حتّى انتصاراً لنبيّنا (ص)؛ فهو المنصور بإذن الله ووعدِهِ، ولا نثورُ تنفيساً عن غضبٍ شخصيّ مرتبطٍ بالشعور بالإهانة فحسبَ، بل من أجل أن لا تختلط المفاهيم، فتتحوّل حرّية التعبير المنضبطة في إطار الاحترام والإنسانيّة والعقلانيّة، إلى حرّية تعكس انعداماً في القيم والأخلاق في إدارة العلاقات مع الأديان أو المذاهب أو الجماعات الأخرى؛ لأنّ الإساءة ينطبق عليها ما يقرُب من مفهوم السبّ والشتم، لا النقد العلمي الموضوعي؛ ليضعَ شخصٌ ما ملياراً ونصف المليار في حالة استفزازٍ، ثمّ يقومُ شخصٌ من هؤلاء ليضعَ ملياراً من دين آخر في حالة استفزاز… أليست هذه أرضية صدام الحضارات؟!.
النقطة الثانية: رسم صورة حقيقيّة للنبيّ (ص)
إنّ من الضروري لنا كمُسلمين أن نرسم صورةً واضحةً للنبيّ (ص) تنسجم مع الواقع والحقيقة، وهنا ندعو إلى تلمّس أجزاء تلك الصورة من القرآن الكريم، ولاسيّما في ظلّ الإسرائيليّات من الأحاديث التي دُسَّت في الكتب، وكُذبت على لسان النبيّ (ص) وصحابته أو التابعين، ممّا أريد منه تشويه صورّته أو صورة دعوته، وإيقاع التشكيك بصدقه في نبوّته، ممّا لم يقترب من القرآن الكريم.
إنّ القرآن الكريم يمثّل كتاب الحركة الإسلاميّة، والتي كان رائدها النبيّ الأكرم(ص)، وبالتالي فهو إذ يُواكب مسيرتها، يعطي الملامح الحقيقيّة لشخصه(ص)، ولمنهجه ومواقفه وروحيّته وإخلاصه لله وذوبانه في رساليّته بعيداً عن ذاتيّته وما إلى ذلك، بما يسمح لنا أن نراه ماثلاً أمامنا بكلّ ذلك بكلّ صدقيّة القرآن ونورانيّته.
وهذه الصورة، إذا ما نقلت ـ عبر الترجمة ـ إلى الثقافات والمجتمعات والفئات الأخرى عبر العالم، فإنّها كفيلةٌ بأن تحاكي في الإنسان الغربي، أو الشرقي، البُعد الإنسانيّ فيه، ليجد النبيّ محمّداً(ص)، نبيّاً للرحمة الأخلاقيّة، وللرحابة الفكرية، وللسعة الإنسانيّة، وللعمق القيادي، والسموّ الحضاريّ، بما يجعله نموذج الإنسان القدوة لإنسان هذا العصر.
النقطة الثالثة: نقد التراث الحديثي
ما سبق يحتّم علينا القيام بحركة ناقدة لتراثنا الحديثي، وذلك بهدف تنقيته من كلّ ما علق به، ولاسيّما أنّ فيه الغثّ والسمين، والصحيح والمكذوب، والحقيقيّ والمُبالغ فيه؛ فإنّ من غير الجائز في هذا القرن، وقد انفتحت الروح العلميّة على أوسع مدىً، أن نكتفي بتصنيفات رجالٍ مثلنا وإن كانوا على درجة عالية من الوثاقة، فقط لأنّهم سبقونا في الزمن، وإذا كانوا أقربَ منّا إلى عصر النصّ، فإنّ المسافة التي تفصلهم عن عصر النصّ تبقى بعيدةً نسبيّاً بما يكفي لدخول أصابع عابثة بالنصوص أو كاذبة في المضامين.
ولا يخافنَّ أحدٌ على تراثنا من الاضمحلال بتلك الحركة، كما يقول البعضُ إذا رأيتم أن نبدأ عمليّة تنقية فلن يبقى لدينا شيءٌ! هذا هو منطق الجهل الذي يزيّن به الشيطان للإنسان الجمود على ما سبق، في الوقت الذي يأتي الزمان لدى الأجيال المتلاحقة بإشكالات جديدة، وتساؤلات جديدة، قد تتنكّر للدين كلّه إذا بقيت بلا معالجة أو إجابات.
وربّما يدفعنا المنطق العلمي الموضوعي إلى أبعدَ من ذلك لنقول: لقد آن الأوان لنفكّر خارج الفضاءات المذهبيّة، لننتج فكراً إسلاميّاً فوق المذهبيّة، يؤسّس ضمن منطق العلم للقواعد والمعايير التي لا تنحبسُ في إطار المذهبة؛ لأنّها ستكون أشبه بالمصادرة، وهذا ـ لعمري ـ موضوع آخر، نشير إليه إشارةً ونتركه للتأمّل في مجالٍ آخر.
النقطة الرابعة: تقوية الداخل الإسلامي
نحن في حاجة إلى حراك دائميّ في تقوية عناصر الضعف والانقسام التي يعاني منها المُسلمون، فيراهم الأعداء والجاهلون لقمة سائغة للتناول، وهدفاً سهلاً للتصويب؛ لأنّ تقوية أواصر اللحمة الإسلاميّة من شأنه أن يعيد الهيبة إلى كيان الأمّة، فيكون ذلك نوعاً من الردع عن تكرار الإساءة، أو ـ على الأقل ـ يجعل الإساءات بمثابة طنين ذبابةٍ أزعجت ومرّت ولم تؤثّر على وضوح الرؤية وسلامية المسير.
ومع الأسف، فإنّ الكثيرين منّا معنيّون بتكريس حالة الانقسام، حتّى رأينا في ما رافق الإساءة الأخيرة، أنّ حركة الاستنكار خضعت للتجاذبات المذهبيّة تارةً والسياسيّة أخرى، بما جعل هذا الفريق يسجّلُ نقطة على الفريق الآخر، أو يشكّك ذاك بنوايا هذا، أو يرى في تحرُّكٍ ما تعميةٍ على حدثٍ معيّن، ولا يعود يرى هؤلاء وأولئك سوى السلبيّات التي تحرمنا من فرصة تحويل الإساءة إلى خطوةٍ في تعزيز التحام الأمّة من منطلق عاطفي يُستغلّ لتعزيز الجانب الفكري العقيدي المبدئي.
ولعلّه يجدر بنا التأكيد هنا على أنّ الأحداث والتحدّيات التي نمرُّ بها، سواء أكانت إيجابيّة كأحداث الانتصارات الكُبرى، أو سلبيّة كحالات عدوانٍ حربيّ أو ثقافيّ مسيء كالذي نمرُّ به… هذه الأحداث والتحدّيات ينبغي أن تشكّل بالنسبة إلينا فُرصاً حقيقيّة نعمل على استثمارها في سبيل تعزيز وحدة الأمّة تجاه قضاياها، ورفع منسوب الوعي تجاه الأخطار الداخليّة والخارجيّة، وتفعيل حركات نهضة تعزّز الانتصارات هناك، وتغيير نقاط الضعف بهدف تحويلها إلى نقاط قوّةٍ هنا.
نعم؛ لا مانع أبداً من استثمار أحداثٍ، كالإساءة إلى النبيِّ(ص)، في إعادة تصويب البوصلة نحو قضايا الصراع التي تواجهها الأمّة، وليس هذا عيباً أو منقصةً ينبغي أن نهربَ منها، بل هو جزءٌ من الواقعيّة السياسيّة والحركيّة التي تفرض عليك أن تستثمر العناصر الوجدانيّة التي تتهيّأ بفعل حدثٍ إيجابيّ أو سلبيّ لتتلقّف تذكير الأجيال التي طال عليها الأمد فنسيت، أو في صوغ فكر ووجدان الأجيال الصاعدة، لتعي واقعها أكثر، ولتُدرك طبيعة المؤامرات التي قد تختفي وراء الكلمات المعسولة، والخطابات الرنّانة.
يبقى أن نؤكّد على أنّ الشعوب لا يُمكنها أن تبقى في حالة استنكار وغضب، بل تحتاج إلى لحظة تفكير هادئ، بعيداً عن حرارة الحدث، لتحدّد وجهة الردّ، في المدى القصير والطويل، من موقع الفعل لا من موقع ردّ الفعل؛ لأنّ الحالة الانفعاليّة تجعل الشعوب تتحرّك وفق ما يُرسم لها؛ لأنّها فقدت أو أُفقِدَتْ نفسها زمام المبادرة، فأصبحت تُساق وفق قانون الاستجابة الشرطيّة بين الفعل وردّ الفعل، في الوقت الذي نُدرك بأنّنا ـ كشعوب ـ نخضع للكثير من التجارب التي تدخل في حساب مراكز الأبحاث والتخطيط والدراسات، فيتمّ تحديد صورتنا، وما يؤثّر فينا رغبةً تارة ورهبة أخرى، وبالتالي يتمّ تحديد المؤثّرات المناسبة من أجل خلق الظروف المؤاتية لحدثٍ يوازي فتنة مذهبيّة أو طائفية، أو يُراد من خلاله تأكيد فكرةٍ ما حول وحشيّة المُسلمين الذين إذا ما غضبوا ثاروا من دون أي موازين ضابطة…
النقطة الخامسة: مقترحات عمليّة
حتّى لا نبقى في خطّ النظريّة التجريديّة، وإن كنّا نعتقد أنّ ما سبق يصبّ في المعالجة الواقعيّة للأمور، ولكنّه يتطلّب معالجة على المدى الطويل، فإنّنا نطرح بعض الخطوات العمليّة القريبة التي من شأنها أن تفوّت الفرصة على الأعداء أو المصطادين في الماء العكر على حدّ سواء:
أوّلاً: إعلان السنة الهجريّة القادمة سنة رسول الله(ص)، ويجري على أساسها وضع الخطط والبرامج المتنوّعة بهدف إيجاد وعي جماهيري بصورة النبيّ(ص) الحقيقيّة، وبعناصر القدوة الحسنة التي ينبغي على الأجيال أن تضعها نصب أعينها في صوغ وجدانها وأخلاقها ومنهجها.
ثانياً: الإعلان عن جائزة عالميّة باسم رسول الله(ص)، على طريقة جائزة نوبل، ويكون لهذه الجائزة مؤسّسة لها أجهزتها التي تدير هذا العمل الضخم، بحيث يكون لنا في مختلف الميادين، وفي كل عامٍ، جوائز لمن يحقّقون هدفاً من الأهداف التي يُراد تحقيقها باسم رسول الله(ص). وهذا يحتاج إلى تضافر جهود جبّارة، وليست بالمستحيلة، وتحتاج إلى احتضان إسلامي عام؛ ونفترض هنا أن تكون المؤسّسة بعيدة عن الانغلاق المذهبي، لتضمّ في داخلها كفاءات متميّزة ومخلصة من كلّ المذاهب الإسلاميّة.
ثالثاً: تعزيز الاحتفالات المشتركة، بحيث يكون هناك إصرارٌ في القادم من الأيّام، على إحياءات مشتركة للمناسبات الإسلاميّة العامّة، كالمولد النبوي الشريف، ورأس السنة الهجرية، وذكرى المبعث، وغير ذلك، بما يعزّز حضور البُعد الإسلامي الاحتفالي لدى الشعوب.
رابعاً: التخفيف من حدّة الخطاب المذهبي، ولا سيّما الإعلامي منه، والقفز إلى الفضاء الإسلامي الرحب، لتبنّي خطاب إسلامي تكون المقاربة المذهبيّة جزءاً من خصوصيّة التنوّع، لا شيئاً يضيّق الإطار العام والعنوان الجامع ليحصره في الجماعة المذهبيّة، أو الحالة الحزبيّة أو ما إلى ذلك من أطر.
النقطة الأخيرة
الأمّة العزيزة التي تتّفق على قضاياها الأساسيّة، تفرض احترامها على العالم كلّه، ويحسب لها المسيئون ألف حسابٍ عندما تغريهم نفوسُهم بأيّ إساءة، وستكون القوانين التي تحمي ذلك أشبه بتحصيلٍ الحاصل، في الواقع إن لم تكن بالنصوص.
وإنّنا إنّما ندعو العالم، كدول وكمنظّمات دوليّة، إلى تحمّل مسؤوليّاته تجاه هذا المنطق الشيطاني العالمي الذي يسيء إلى المقدّسات، فليس لثقتنا بأنّه سيلجأ إلى ذلك بفعل حضور القيم في حركته؛ فإنّنا ندرك بأنّ هذا العالم لا تحرّكه إلا مصالحه، وعندما يمسّ الصراع الإسلام والمُسلمين، فإنّ كثيراً من العقد التاريخيّة أو الحضاريّة تبرز إلى الواجهة ليستقيل هذا العالم من أيّ قيمٍ يحرّكها تجاه شعوب أو أديان أو ثقافات أو مجتمعات أخرى.
بل قد نستطيع القول إنّ العالم الذي شرّع لقانون معاداة الساميّة، من أجل حماية الكيان الإسرائيلي الغاصب، وتنكّر فيه لأيّ قيمة من قيم حرّية التعبير حتّى ضمن المعايير العلميّة، هو عالمٌ لن يُعطينا شيئاً مشابهاً، إلا بالمقدار الذي نفرض فيه حضورنا واحترامنا الحضاريّ عليه؛ وهذا لا يكون إلا إذا شعرنا أنّنا أمّة، وتصرّفنا على أنّنا أمّة تقف في موازاة الأمم الأخرى حضاريّاً، لا في موقعٍ متأخّر عنها؛ والله من وراء القصد


الوحدة الإسلاميّة وقضايا التقريب بين المذاهب – حوار لمؤتمر التقريب في طهران(2008م)

17 أكتوبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

س1: كيف تقاربون مشروع الوحدة الإسلامية من خلال مفهومي الوحدة والتقريب بلحاظ الالتباس الذي يثيره الأول ومحدودية سقف الثاني بالمعنى التاريخي أو لجهة الوظيفة التاريخية؟ وكيف تقيمون آليات العمل التقريبي على ضوء الاهتزازات المذهبية الخطيرة التي عشناها في الآونة الأخيرة؟
حب الله: أيّ مفهوم نأخذه في  الإضاءة على الموضوع سيحمل معه ملابسات، كنت سابقاً أرى أنّ مفهوم التكامل والتعاون أفضل من مفهومي: التقريب والوحدة، لكن حتى هذين المفهومين لا يمكن أن يولدا في مناخ يرى أنني كامل والآخر وحده ناقص، وأنني لست بحاجة إلى معونة الآخر، إذاً أكثر المصطلحات إما بحاجة إلى ممارسة تعدّدية فكرية مسبقة وهو أمر نفتقده في واقعنا الثقافي ومن ثم يرفض المصطلح، أو أنّها تصطدم بمحاذير لا نريدها نحن، مثل محذور الوحدة بمفهومه السلبي الذي يفضى إلى إلغاء التعدّدية الإيجابية في الأمّة.
من هنا، أفضّل استخدام أحد مصطلحين:
1 ـ المصلحة المشتركة؛ لأن هذا المصطلح يدعم الذاتية والخصوصية في الوقت نفسه الذي يدعم الآخر ويقرّبني منه، لكن مشكلة هذا المصطلح من ناحيتين:
أ ـ من ناحية نفسية إيمانية؛ ذلك أنّ مفهوم المصلحة حينما نريده أن يحكم علاقتنا فهو يشي بشيء من الأنانية والذاتية، ومن ثم ففي اللحظة التي لا تغدو فيها مصلحتي قائمةً بالمشاركة معك سوف أعود للانقسام مرةً ثانية.
ب ـ من ناحية دينية، فإن هذا المصطلح لا يتآلف مع المبادئ القرآنية ـ بحسب فهمنا لها ـ في علاقة المسلمين ببعضهم، فهذه المبادئ لا تعطي أيّ إشارة إلى أنّ علاقة المسلمين تحكمها ـ بالدرجة الأولى ـ مصالح مشتركة، ولو كان هذا هو المبدأ لوجدنا إشارة له في القرآن، بينما لم نجد.
2 ـ الأخوة الدينية؛ فهذا المصطلح تتوافر فيه سمات عديدة، منها أنّه مصطلح قرآني، ومنها أنّ السبيل الوحيد للخروج منه ليس سوى تكفير الآخر، فإذا لم أتمكّن من تكفيره، فأنا محكوم بمبدأ الأخوّة هذا، ممّا يضيق فرص التفلّت منه، ومنها أنّه لا يلزمني بالتنازل عن معتقد أو بالذوبان في الآخر، أو بإحساس النقص في الذات، أو أيّ من هذه اللوازم السلبية.
ولعلّ أفضل المصطلحات هو مصطلح الأخوّة الدينية أو الإيمانية، فالمؤسّسات التقريبية تغدو حينئذٍ مؤسّسات تآخي بين المسلمين، تريد منهم أن يعيدوا في أنفسهم إحساس الأسرة الواحدة، حتى لو اختلف أبناؤها فيما بينهم.
أمّا عن الشق الثاني من السؤال، فأظنّ أن إحدى المشاكل الأساسية ـ رغم الجهود الجبارة ـ تكمن في عدم قدرة التقريبيين على الإمساك بزمام الطوائف التي يعيشون وسطها، فما زالوا يعانون من غربة في مناخهم الطائفي؛ لهذا لا سبيل أمامهم سوى مضاعفة نفوذهم داخل جماعاتهم، بمضاعفة مشاريع رفع مستوى الوعي العام في الأمّة؛ لتقدر الأمّة على ممارسة اختيار أفضل في قضاياها الدينية.
س2: صورة الآخر في التراث الفقهي والكلامي والرجالي وفي الذاكرة التاريخية صورة نمطية في سلبيتها وقتامتها, كيف يمكن للحوار السني/ الشيعي أن يكون منتجاً دونما خلخلة أو تحوير في أبعاد هذه الصورة أو تلك  (صورة الشيعي لدى السني والعكس) أو بالأحرى دون تغيير في آليات النظر إلى الآخر؟
حب الله: لا يمكن إحداث أيّ زحزحة قبل تغيير صورة الآخر، فما دامت هذه الصورة مشوّهة إذاً فهي ستشوّه كل العلاقة التي تقوم، وليست قضية التكفير سوى شكل من أشكال سوء قراءة الآخر، وليس المهم في قراءة الآخر الرجوع إلى مصادره فقط، وإنّما إيجاد مناخ تعدّدي يسمح بتعدّد الاجتهاد في القضايا الكلامية والأصولية، وليس فقط في القضايا الفقهية، إضافةً إلى إرفاق هذا التسويغ للاجتهاد بضمانات تسمح بالعمل على وفقه، سواء ضمانات تعذير أخروية أم ضمانات تعايش دنيوي مع هذا الاجتهاد الآخر، وما لم نصل إلى هذه المرحلة فلا أعتقد أنّه من السهل العبور نحو علاقات متوازنة بين المسلمين.
المشكلة أنّ ما يحكمنا هو ثقافة التطفيف التي ندّد بها القرآن الكريم، فهذه الثقافة ـ عندما نجرّدها عن مثالية المكيل والموزون التي جاءت في كتاب الله ـ تعني أن المطفّف يرى أنّ ما عنده وما له يجب أن يحصل عليه بكامله، فهو يعظّم ما عنده ويراه أثمن ممّا عند غيره، فيما يقلّل حقّ الغير، ولا يوفيه ما يستحق ولا يتعامل مع حقوق الآخرين وما عندهم من أفكار وأعمال إلا بمنطق الإنقاص والسخرية والاستهزاء والتقزيم، هذه هي المشكلة عندما يكون المذهبيون مطفّفين في وزنهم لما عندهم وما عند غيرهم، فيغدو المكيال بمكيالين هو الثقافة المهيمنة، فهذه الفتوى عند الطرف الآخر مضحكة مخزية، أمّا لو وجدت نماذج لها عندي فهي مبرّرة ومنطقيّة، وهذا الاجتهاد عندما يكون عند الآخر فهو سطحي ومنحرف، لكنّه عندما أجد له نماذج عندي فهو عميق ودقيق وهكذا.
س3: في الخلاف السياسي غالباً ما نعجز عن تدبير خلافاتنا بصورة حوارية، فنميل إلى الإلغاء و الإقصاء ومصادرة حقّ الطرف الآخر في الوجود، و في الحقل الديني والمذهبي تلعب التمثلات التاريخية دورها في إفساح المجال أمام التعصّب و لغة التكفير كوصفة جاهزة..هل ثمة ناظم معرفي ثقافي بنيوي يسمح بفهم هذه الظاهرة؟
حب الله: لا ينبغي اللهث ـ لحلّ أزمة العلاقة بين المسلمين ـ وراء وصفات من داخل المنظومة الدينية فحسب، أعني من التراث نفسه، وهي قضية أظنّ أنّها بالغة الخطورة، فالحلّ يكون ـ بالدرجة الأولى ـ من النظام المعرفي الذي نقرأ فيه الدين، وليس فقط في القضايا الدينية المبثوثة في الكتاب والسنّة، لأنّ النظم المعرفية الدوغمائية قادرة بيسر وسهولة على إفراغ النصوص الدينية التقريبية من مضمونها، بفعل جملة عناصر تاريخية ونصيّة أيضاً، فما لم نوجد مناخاً معرفياً تعدّدياً يؤمن بالتعدّدية بوصفها فكرة فلسفية وليست رؤية اجتماعية فحسب، أستبعد أن نجد في المنظور القريب حلاً للمعضل القائم؛ فالمشكلة من العقل الذي يقرأ الدين وليست من النصوص الدينية، مع الاحتفاظ بدور بعض النصوص الدينية في تمزيق المسلمين، عنيت بعض النصوص الموجودة في الأحاديث المبثوثة بين المسلمين.
يضاف إلى ذلك، ضرورة العمل على وضع حلول لأزمة الهوية التي تعيشها الأمة المسلمة اليوم، فعندما يعيش المسلم أزمة هوية وخوف على الوجود، بفعل المدّ الحضاري و.. القادم من غرب الأرض، فلن نجد شيئاً يضبط إيقاع الخوف والقلق على هذه الهوية، وهي ظاهرة ستتجلّى في المزيد من التقوقع داخل كلّ خصوصيات الهوية، سواء على الصعيد المذهبي أم القومي أم الوطني، وهو ما سيفعل فعله في خلق (كانتونات) منفصلة أو جزر غير متصلة بين المسلمين؛ لأنّ كل واحد يرى الآخر مصدر قلق على هويته ما دام يعيش في لحظته الحضارية أزمة هوية.
س4: هناك مأخذ على مشروع التقريب وهو انبناؤه على السياسي فيما يفرضه التحدي الخارجي من وحدة الصف، وبالنتيجة تلبسه بالبعد المصلحي والظرفي من كون السياسي متغير . فهل فعلاً يعيش مشروع الوحدة هذا الارتهان وتغيب عنه أو على الأقل تضمر فيه المراهنات الأخرى فقهية اجتهادية أو معرفية تأسيسية بشكل عام ؟
حب الله: سبق أن ألمحت في دراسة سابقة لي، أنّ الرهان على السياسي في قضية التقريب كان من أكبر الأخطاء التي حصلت، لا يمكنك أن تبني مشروعاً تهدف منه إلى إعادة الأوضاع الطبيعية بين المسلمين على أساس الخطر الخارجي فحسب، وإن كان هذا الأساس فعّالاً، لأنّك بذلك تكون قد ربطت الثابت بالمتحوّل، والنتيجة تتبع أخسّ المقدّمتين؛ فلابدّ ـ إذاً ـ أن يتحوّل بالتبع هذا الثابت، وهذا ما حصل بالفعل في الفترة الأخيرة؛ من هنا فالمفترض الانطلاق من التقريب المعرفي والعلمي والاجتماعي ليكون القرار السياسي خادماً لهذين التقريبين لا أساساً لهما، وهو ما سينتج تحوّلاً جذريّاً في مسيرة التقريب والتآخي؛ وحتى لو تغاضينا عن هذا الأمر، فهناك فرق بين أن يكون الواقع السياسي دافعاً لمشروع التقريب وبين أن يكون المشروع ذا صبغة سياسية وأهداف سياسية بحتة.
س5: على ضوء المنجز الذي حققته جهود التقريبيين و الذي يُختلف في تقييمه، ما هي في تقديركم الأهداف المرحلية الملحة التي ينبغي العمل عليها وذلك على خلفية بعض الثغرات التي كشفت عنها الأجواء المذهبية الخطيرة التي سادت في أكثر من منطقة؟
حب الله: أ ـ يفترض العمل بشكل جادّ على دراسة ظاهرة التكفير دراسة غير دينية هذه المرّة، إضافة إلى الدراسة الدينية، أي دراسة تنبع من علم النفس والاجتماع والتاريخ والسياسة والاقتصاد، لنقرأ الأوضاع التي أدّت إلى تفشي هذه الظاهرة بشكل كبير في الفترة الأخيرة، والبقاء على التفسير الديني أو المنطلق الديني لظاهرة التكفير فيه نوع من التسطيح وذرّ الرماد في العيون، فمثل هذه الظواهر لا تنبع من الدين فقط، وإنّما من الظروف التي ألجأت إلى توظيف الدين في ذلك.
ب ـ كما يفترض القيام بجهود حثيثة من جانب أصحاب الشأن والنفوذ تعبّر عن مبادرات سياسية لحلّ بعض المشكلات السياسية العالقة في المنطقة، والتي نعرف جميعاً أنّها ساهمت بشكل كبير في رفع وتيرة الخطاب الطائفي، ومطالبة السياسيين بالتوقف عن توظيف الخطاب الطائفي في معاركهم السياسية حتى لو اعتبروها محقّة، وسحب علماء الدين هذه الذريعة من يد السياسيين سيخدم مشروع التآخي الإسلامي بشكل أفضل.
ج ـ ولا يفوتنا التذكير بالعمل على رفع مستوى الوعي السياسي في الأمّة، من خلال تعريفها بدور مراكز المخابرات في العالم وقوى الهيمنة الكبرى في إيجاد الفرقة بين المسلمين، والكشف عن أرقام حقيقية في هذا المضمار من التاريخ القريب؛ فإنّ مشكلة الكثير من المسلمين ـ لاسيما أصحاب المشاريع محض الفكرية والثقافية والدينية ـ أنّهم يفتقدون الوعي السياسي؛ ممّا يقدّم لقوى الهيمنة العالمية لقمةً سائغة بجعل مشاريع هؤلاء ـ وهي مشاريع قد  تكون صائبة في نفسها ـ ورقة توظيف في مواجهة الأمّة الإسلامية بأجمعها.
د ـ كما يجب العمل على بعض المظاهر السلوكية التي تعيشها بعض الأطراف من عدم احترام مقدّسات الطرف الآخر، فهذا الملف في هذه المرحلة جيد، ضمن برامج فكرية وتوعوية تحاول الخروج من ممارسة هذا النهج في التعامل مع التراث ومع معتقدات الآخر ومقدّساته.
س6: هل من كلمة توجهونها للمشاركين في مؤتمر الوحدة الإسلامية في دورته21  والذي ينعقد تحت شعار:" ميثاق الوحدة الإسلامية.. نقد ومراجعة"؟
حب الله: إنّ وضع عنوان (نقد ومراجعة) كان اختياراً موفقاً؛ فحبّذا لو نعلن هذا العام القادم للتقريبيين عاماً للنقد والمراجعة؛ لأن مشكلتنا أنّنا نستغرق في نقد الآخر حتى تغيب ذواتنا عن المشهد النقدي؛ فنطهّر أنفسنا ونرمي بالذنب على غيرنا الذي قد يشاركنا فيه ولا يستقلّ به دوننا.


السيد محمد باقر الصدر – مكوّنات المشروع الفكري الإسلامي

15 أكتوبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

سعى السيد محمد باقر الصدر(1400هـ) للعمل على أكثر من جبهة من جبهات الفكر الإسلاميّ:
1ـ فعلى صعيد البناءات العقلية سعى الصدر لإعادة تكوين العقل الفلسفي والمنطقي، فعمل على الكشف عن قصور المنطق الأرسطي عن تفسير الظاهرة المعرفيّة وتصويبها لوحده، وإنْ اعترف بدوره الكبير في المعرفة الإنسانيّة، لكنّه رأى فيه ـ على المستوى العمليّ ـ بنيةً عقليّة قاصرة عن إمكانيّة التوظيف لخدمة القضايا المختلفة. وقام الصدر وفقاً لذلك بتقديم مشروعه في المذهب الذاتي للمعرفة، وهو مشروع يعتمد نظريّة الاحتمال وقواعده، فيلتقي مع علم الرياضيّات، ويحاول أن يفسِّر الذهن البشريّ ونشاطاته الفكريّة على أساس مرحلتين:
إحداهما: التي تسمّى بمرحلة التوالد الموضوعي، والتي يسير الفكر فيها من المفردات والجزئيّات، فيتصاعد في القوّة الاحتمالية التي يملكها وفقاً لأصول موضوعيّة تلعب القواعد الرياضيّة دورها فيها.
وثانيهما: مرحلة التوالد الذاتي، التي يحاول فيها السيد الشهيد محمد باقر الصدر أن يصنع اليقين العلميّ بالأمور، ويعطي للاستقراء دوره المعرفيّ في مقابل التيّارات الشكّيّة والترجيحيّة. فهذه المرحلة عنده يأخذ فيها الذهن نشاطاً مستقلاًّ عن القواعد الرياضيّة الصارمة، والمعايير الموضوعية الحاسمة، لكي يقفز ـ وفقاً لبنيته الذاتيّة ـ من مرحلة إلى مرحلة.
لقد حاول الصدر أن يخوض في مشروعه هذا غمار تحليل جهاز الإدراك البشريّ، فكانت مسيرته تنطلق من نقطة الصفر، غير محمَّلة بحمولات فلسفة بعينها، ونمط تفكير مدرسة فكريّة خاصّة. وهو إذا لم يقدّم الكثير من الإضافة في المشهد العالميّ لهذا الموضوع فقد قدّم إضافات غير عاديّة عندما نقرأ تجربته في السياق الشرقيّ والإسلاميّ.
لقد ترك مشروع الصدر في المذهب الذاتيّ للمعرفة أثراً على تقارب العلم والدين، وذلّل من العقبات المنهجية والتباعد السياقي والمناخي بين هذين المجالين.
لقد كنّا نأمل أن يحظى مشروع السيّد الصدر المعرفيّ بحضوره اللائق به في المناخ الفكريّ الإسلاميّ، ولو بالنقد والتفنيد، وأن لا يظلّ بعيداً عن الدرس المنطقيّ في المؤسّسة الدينيّة، لكنّ الأقدار تقضي بما لا نريد ولا نشتهي. ونأمل من القيّمين على المناهج التعليميّة في الحوزات والمعاهد الدينيّة، ومن المشتغلين والمختصّين بالدرس العقليّ عامّة، أن يأخذوا موضوع هذا الكتاب بجدّيّة للتعرُّف على هذه التجربة المنطقيّة والفلسفيّة الفريدة في مناخنا الدينيّ؛ بهدف تطويرها أكثر فأكثر، وأن لا يبقوا أسرى مدارس فلسفيّة بعينها بوصفها في الوعي الطلابيّ العامّ حقائق لا تقبل النقد، أو إلهامات إشراقيّة لا يمكن كشف الستار عن أيّة نقطة ضعفٍ فيها؛ فإنّ هذا بعينه منطقٌ معاكسٌ للمنطق الذي يفترض أن تقوم عليه الدراسات الفلسفيّة والمنطقيّة والمعرفيّة الجادّة.
ولم يقف مشروع الصدر عند هذا القدر من الإيجابيّات، بل تعدّاه ليفتح كوّةً في جدار العقل الجزمي، عبر منح المعرفة فرصة الخطأ الواقعي، في الوقت الذي لا يُعمل بهذا الخطأ ولا يهتمّ به من الناحية العملية بحيث لا يوجب تذبذباً أو شكّاً معيقاً عن إمكانية تقدّم المعرفة البشريّة، وقد كان ذلك عبر تعديل الصدر مفهوم اليقين من البرهانيّة إلى الموضوعيّة.
ولم يقف الصدر عند مستوى تكوين النظرية ـ المشروع، بل استمرّ في ممارسة تطبيقات متعدِّدة لرؤيته المعرفيّة هذه مع علومٍ، كالفلسفة والكلام والرجال والفقه والأصول وغير ذلك.
وإلى جانب النشاط المنطقي المعرفي والفلسفي الذي اشتغل عليه الصدر كان نشاطه الكلامي في العمل على إعادة بَنْيَنَة علم الكلام الإسلاميّ، مستخدماً فيه المنهج الاستقرائي الذي يراه محمد إقبال المنهج القرآنيّ الحسّيّ في معرفة الطبيعة والوجود. وقد كان إقبال انتقد ـ قبل الصدر ـ بشدّة توجُّه المسلمين نحو العقل اليوناني، الذي حمّله مسؤوليّة تراجعهم على مستوى التطوّر العلميّ. وعبر هذا السبيل تمكّن الصدر من الاقتراب من الذهن المعاصِر في تساؤلاته الكلاميّة.
واصل الصدر مسيرته البحثيّة عبر ملاحقة المفردات الكلاميّة الإشكاليّة، ليضع لها حلولاً تفصيليّةً تتبُّعيّةً، منسجمةً مع ذهنيّته الاستقرائيّة. وهو ما جاء في بحثه حول التناقضات المتوهَّمة في سيرة أهل البيت، وموضوعة التعارض بين النصوص الحديثيّة.
وقد كان منهج الصدر في الحوار الكلامي يعتمد الهدوء والموضوعيّة في عرض الآخر ومناقشته، ممّا جعله يخرج البحث الكلامي من الدفاعيّة السجاليّة إلى الحوار العلميّ الهادف والبنّاء.
ولم يفُتْ الصدر أن يأخذ البُعد الاجتماعيّ في أصول الدين، كما في مقدّمة (فلسفتنا) وموجز أصول الدين. وهو ما أراد منه إخراج علم الكلام من التجريديّة للدخول في العملانيّة والواقعيّة.
2ـ ولو تركنا المجالات العقلية، من المنطق والفلسفة والكلام، وعطفنا نظرنا ناحية الملفّات الاجتهاديّة في العلوم الشرعيّة لرأينا كيف أنّ الصدر اهتمّ في (اقتصادنا) بفقه النظريّة.
إنّ فلسفة وجود فقه النظريّة تكمن أولاً: في الحاجة الدفاعيّة، فإنّ العقل المسلم صار بحاجة ـ لكي يبقى ـ إلى نسج رؤى متكاملة عن الحياة، استجابةً لتحدّيات مرحلة الخمسينيات والستينيات؛ لمواجهة خصوم الإسلام السياسي والاجتماعي. وهو ما صرّح به الصدر في (المدرسة القرآنيّة). فالآخر (الشيوعي) قدّم رؤى متكاملة في نظم الحياة؛ ولهذا كان (اقتصادنا).
كما تكمن ثانياً: في الحاجة البنائيّة، وهي حاجة المشروع الإسلاميّ لأساسيّات فقه النظريّة؛ لعدم كفاية الفقه الفردي والرسائل العمليّة، فأين فقه الاجتماع، وفقه الاقتصاد، وفقه السياسة، و…؟! بل إنّ الدستور الذي يُراد بناء النظام عليه هو الآخر بحاجة لفقه نظريّة ونظم. وهذا ما يحرّك عجلة الفقه من الفرديّة إلى الفقه العامّ أو يبلغ بنا التوحيد بين الفردي والعامّ.
أمّا هويّة فقه النظريّة فهي هويّة اجتهاديّة، بمعنى أنّها حقل اجتهاديّ في النصّ. لهذا هو فقه، وليس خارج الفقه أو وراء النصّ. وقد أخطأ مَنْ اعتبره اجتهاداً في مقابل النصّ. وهي أيضاً هويّة معرفيّة تبلغ مستوى التنظير. فالفكر يبدأ من الفهم، إلى النقد، إلى الإبداعات الجزئيّة، إلى تكوين نظريّات، إلى بناء مشاريع فكريّة كبرى.
أمّا الموقع العلميّ لفقه النظريّة فهو التخطّي من فقه المسائل (الأحكام)، والعبور من فقه القواعد أيضاً، ليصل إلى تكوين النظام (فقه النظريّة)، لكنّه لا يعبر الفقه المقصدي بمعناه المتداول اليوم. فالصدر ليس مقاصديّاً بالمعنى المصطلح الخاصّ، لكنّه يساعد على مقاصديّة شيعيّة.
إنّ فقه النظريّة يقوم على مبدأ الترابط، وأنّ تأثيرَ الشيء رهينُ ارتباطه بالأشياء الأُخَر. فالبنك الإسلاميّ يدرس تارةً في سياق إسلاميّ؛ وأخرى في مناخ ربويّ. وهناك ترابط خاصّ (ترابط مسائل = فقه نظرية)، وترابط عامّ (ترابط نظريّات = فقه الهيكل العام / اقتصاد + سياسة + عقيدة). وما يحتاجه فقه النظريّة هو فهمٌ اجتماعيّ للنصوص، ورفضٌ تامّ لكلّ أشكال البتر السياقي لها.
ولفقه النظريّة مراحل ومسارات يتحرّك فيها. فمبدأ الانطلاق والسير يحوي غموضاً وصعوبة في عرض النظريّة، ولا سيّما نتيجة تأثيرات الفقه الفردي، وهيمنة منطق الظنّ في المدرسة الأصوليّة. وهذا معناه أنّنا بحاجة إلى رصد القوانين لاكتشاف المذهب.
وأمّا حركة السير فتكوينها من الأسفل إلى الأعلى، أي من فقه الأحكام والمسائل؛ لتجميعها، وصولاً إلى فقه النظريّة. فنحن في البداية نكتشف التفاصيل والجزئيّات الفقهيّة ذات الصلة، وهي مرحلة معقَّدة، ثم نعمد إلى مرحلة التركيب، أو التحويل من الجزئيّ إلى الكلّي، وهي عملية تجميعٍ منظَّم للمفردات؛ لتكوين رسم فسيفسائي متكامل، لننتهي إلى مرحلة التَبْيِئَة، أو التحويل من الكلّي إلى الجزئيّ، بوضع الناتج (الكلّي) ضمن المفاصل الفكريّة العامّة (عقيدة + مفاهيم + أخلاق…)، معتبرينه جزئيّاً من ضمن كلٍّ أوسع.
ولكنّ فقه النظرية يواجه مشاكل؛ فهو من جهة يناقض منطق الاجتهاد الذي يشظّي النتائج عبر نظام التنجيز والتعذير؛ ومن جهة أخرى يعتمد ـ من وجهة نظر النقّاد ـ على الظنون والتخمينات والأقيسة والاستحسانات.
ولحلّ هاتين المشكلتين يمكن طرح (الحلّ الخارج ـ اجتهادي)، عبر ما ذكره الصدر نفسه من فتح يد الفقيه لاختيار البدائل الاجتهاديّة عبر صلاحيات وليّ الأمر، أو تقليد الميّت، وغير الأعلم.
ويمكن أيضاً طرح (الحلّ الداخل ـ اجتهادي)؛ إمّا باعتماد نظرية الشيخ شمس الدين، وهي نظرية أدلّة التشريع العليا، وقدرتها على حذف التفاصيل المعيقة لتعبيد الطريق، أو باستخدام المنحى الاستقرائي الذي أشار إلى بعضه الصدر في (المعالم الجديد للأصول)، بحيث يتأمّن لنا الخروج من الجزئيّات بقانون له قدرة الحذف لكلّ مفردةٍ تعاكِس رسم الصورة الكلّية.
3ـ وبالتحوّل من الفقه إلى الاجتماع نجد قضيّة العلاقة بين المثقَّف والفقيه ماثلةً. فالمثقَّف وعيُه تجريبيٌّ، والفقيه وعيُه نصّيّ. والمثقَّف متحرِّرٌ، والفقيه ملتزمٌ. والمثقَّف ناقدٌ، والفقيه مدافعٌ. الأمر الذي يخلق مشكلةً في العلاقة، وهي علاقة مأزومة تاريخيّاً، تتجلّى في التجربة المعتزليّة تارةً؛ وتجربة الفلاسفة أخرى. وقد ازدادت اليوم تعقيداً بعد تنامي العلوم الإنسانيّة، وانتقال المثقَّف في تموضعه من الخارج ـ ديني (ماركسي و…) إلى الداخل ـ ديني. وقد اهتمّ الصدر أكثر بالمثقَّف الخارج ـ ديني.
والخلاف بين المثقَّف والفقيه يرجع إلى إشكاليّة المنهج (حقيّة نصّيّة أم واقعيّة تجربيّة/ المرجعيّة الماضويّة وسلطان العقل)، وإشكاليّة السلطة، وإشكاليّة الاعتراف المتبادَل. وقد حاول الصدر فكّ هذا الاشتباك، عبر تثقيف الفقيه وتفقيه المثقَّف تارةً؛ وتحرير العلم والثقافة من الوضعيّة بتوحيد المنهج عبر (الأسس المنطقيّة للاستقراء)، مع تحرير الدين من الفقه من خلال انفتاح الصدر على العقليّات والقرآنيّات والسيرة تارةً أخرى، ومبدأ المشاركة من قبل الفريقين في الإدارة الاجتماعيّة عبر تجربة الحركة الإسلاميّة التي تولاّها الصدر في العراق ثالثةً.
4ـ ويبقى ملفّ إصلاح الحوزة والمرجعيّة الدينيّة. فقد رأى السيد الصدر ـ على صعيد المشكلة الخارجيّة ـ غياباً سياسيّاً واجتماعيّاً (فقدان التواصل) في الحوزة العلميّة، وغياباً للوعي الواقعيّ عبر التعاطي مع الأمور بالذهنيّة الأصوليّة الهندسيّة.
كما رأى ـ على الصعيد الداخلي ـ أزمة برامج التعليم، والأزمة الماليّة، وأزمة الحاشية، و…
أمّا على صعيد المشكلة الأولى فقد حاول الصدر حلّها عبر الحضور السياسيّ والاجتماعيّ، من خلال المساهمة في تأسيس الحركة الإسلاميّة، ومواكبة حركة الإمام الخمينيّ، إلى جانب الحضور في مواجهة الماركسيّة، وتنشيط موضوع الوكلاء، واختيار الشباب الحاضر منهم.
 وأمّا على صعيد المشكلة الثانية فقد عمل على وضع برامج تعليميّة، بعد نقد القديم، ككتابه (دروس في علم الأصول)، معلِناً مشروع المرجعيّة الرشيدة القائمة على: المجالس الاستشاريّة، ومجالس الخبراء، والتنظيم الماليّ الدقيق، وكفّ يد العلماء عن الأخذ من الناس، وتأمين حياتهم من جانب المرجعيّة.
وهكذا أراد السيد الصدر تحقيق ارتباط المرجعيّة المباشر بالمشروع السياسيّ الإسلاميّ؛ ليأخذ شرعيّته منها.
وقد كان وضع آماله ببعض المراجع الكبار ليعدل بعد ذلك فيطرح مرجعيّة نفسه.

كلمة أخيرة ــــــ
إذا أردنا أن نعرّج بعد هذه الجولة المستعجلة في فكر السيد الصدر على الاهتمام الإيرانيّ بمنجَزات الصدر القيّمة ـ ونحن نعدّ هذا العدد من مجلة (نصوص معاصرة) ـ سنجد أنّ الوسط العلميّ الإيرانيّ في الحوزات والجامعات كان اهتمامه بالسيد الصدر على المستوى الفكريّ والثقافيّ محدوداً، منذ استشهاده وحتّى أواخر التسعينيّات من القرن الماضي.
وقد لوحظ أنّه بعد مجيء الرئيس محمّد خاتمي إلى السلطة كان هناك اهتمامٌ بملف السيد الصدر. وقد أقيم عام 2001م مؤتمر عالميّ للسيد الصدر في طهران باهتمام مكتب الثقافة والعلاقات الإسلاميّة، ورعايةٍ خاصّةٍ من مرشد الثورة السيّد عليّ الخامنئيّ.
ومنذ ذلك الوقت بدأ الاهتمام الإيرانيّ بأعمال السيد الصدر، وأخذت المجلاّت والدوريّات والنشريّات تكتب مقالات بحثيّة وغير بحثيّة حوله في مجالات مختلفة. وقُدّم السيد الصدر منذ ذلك الحين بوصفه ناشطاً متميِّزاً في المجال الفلسفيّ والكلاميّ، إلى جانب المجالات الفقهيّة والأصوليّة.
لا أدري بالضبط ما هو السبب في تأخُّر المحافل العلميّة في إيران عن مواكبة الصدر، حتّى أنّ نظريّاته في الفقه وأصول الفقه لم تتلقّاها الحوزات الإيرانيّة بعدُ، اللهمّ إلاّ تلك التي يكون لتلامذة الصدر نفوذٌ مباشرٌ فيها، لكنّني أظنّ أنّ أحد أسباب هذه الانعطافة الإيرانيّة ناحية الصدر ترجع إلى وجود إحساس إيرانيّ عامّ، منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي، بضرورة الانفتاح على المنجزات الفكريّة التي تقع وراء الحدود الجغرافيّة لهذا البلد المسلم. وربما يكون ذلك إحساساً من المثقَّف الإيرانيّ بأنّ ما عنده يحتاج إلى مزيد من التطعيم والمزاوجة مع ما عند الآخرين. وقد صادفت تلك الفترة انفتاحاً متبادلاً بين إيران والعالم العربيّ، وربما ترك ذلك أثره في هذا الموضوع.
إنّ المحافل العلميّة الإيرانيّة بدأت مؤخَّراً بالانفتاح على الشخصيّات الخارجيّة، لكنّها لم تغطِّ بعدُ مساحةً واسعة من هذه الشخصيات.
فالعلاّمة محمد مهدي شمس الدين ـ مثلاً ـ لم يحظَ بالكثير من اهتمام الباحثين الإيرانيّين في نظريّاته في الفكر الإسلاميّ والاجتهاد الشرعيّ والفقه السياسيّ.
ونجد بعض المراكز الفكريّة في الحوزة العلميّة تهتمّ اليوم ببعض الشخصيّات الأقدم زمنيّاً، وتقيم لها المؤتمرات، وتصحِّح كتبها، وتعقد حولها الندوات، مثل: السيد عبد الحسين شرف الدين، والسيد محسن الأمين، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والشيخ محمد جواد البلاغي، وأمثالهم، وهم شخصيّاتٌ في فترةٍ قديمة نسبيّاً، في حين يستحسن أن يكون الاهتمام بشخصيّات أقرب إلى عصرنا وهمومنا، دون أن يُترَك العمل على تلك الشخصيّات الأقدم، مثل: العلاّمة شمس الدين، والعلاّمة محمد حسين فضل الله، والشيخ محمد جواد مغنيّة، والسيد موسى الصدر، والسيد محمد صادق الصدر (الصدر الثاني)، والشيخ عبد الهادي الفضلي، والسيد هاشم معروف الحسني، والسيد عبد الأعلى السبزواري، والسيد محمد الشيرازي، وغيرهم.
وعندما أنفتح في نقديّتي هذه على الوسط الإيرانيّ فلا يعني ذلك إعفاء الوسط العربيّ من النقد. فصحيحٌ أنّ العرب اهتمّوا مثلاً بالسيد الصدر، لكنْ مع ذلك تظلّ الاهتمامات بشخصيّات أُخَر غيره قليلة للغاية، بل منعدمة أحياناً. هذا إذا أردتُ أن آخذ علماء الدين الشيعة بعين الاعتبار، وأمّا إذا أردتُ أن أوسِّع الدائرة إلى سائر المفكِّرين والشخصيّات العلميّة في العالم العربيّ والإسلاميّ فإنّ الأمر يبدو أوضح.
ورغم ذلك كلّه لم نعد نحبِّذ أن تنشغل المؤتمرات والملتقيات بالأشخاص فقط، بل نرى أن تشتغل على مركزيّة الموضوعات ومحوريّتها، وما يستجدّ من قضايا الفكر والحياة، ويكون الاهتمام بالأشخاص بقدر اقتراب أفكارهم من قضايا عصرنا، وإمكان توظيفها فيها.
 
وختاماً نودّ أن نتوجه بالشكر الجزيل لفضيلة الشيخ العزيز الأستاذ أحمد أبو زيد حفظه الله تعالى على جهوده المباركة في مساعدتنا في توفير المواد العلمية لهذا الملف الخاص بالسيد الشهيد الصدر، فجزاه الله خيراً.

_________________________________________________

(*) نشرت هذه المقالة في العدد 26 من مجلة نصوص معاصرة في بيروت، ربيع عام 2012م.


التَّقليــد والنَّظـــر وظيفة المثقَّف المسلم اتجاه التَّكليف الشرعي

10 أكتوبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2 زيارة

 تمهيد
من النتائج المهمَّة لتقدُّم المجتمع وانفتاحه على مجتمعات أخرى وعوالم مختلفة أن تكثر الأسئلة لديه عن كل ما كان يعيشه، لأن هذا المجتمع سوف يقوم بالمقارنة بين ما يعيشه هو وما يعيشه الآخرون، ومن هنا تبدأ عمليِّة التأثر والتأثير بين الشعوب والثقافات والحضارات.
إن الطبقة الاجتماعية التي تتولَّى هذه المهمة، بحسب العادة، هي الطبقة المثقفة، والمثقَّف شخص يملك سلطة، ولكنها سلطة خفية تسري بنحو بطيء إلى سائر الناس فتسيطر عليهم، فالأسئلة التي يطرحها المجتمع تبدأ أولا لدى المثقف وهي عندما تصدر منه تتسم بالغرابة والاستنكار، ولكنها شيئاً فشيئاً ما إن تسير على الألسن ويكثر الحديث عنها، حتى تقل غرابتها والاستنكار عليها لتصبح أسئلة مشروعة تحتاج إلى معالجة، أو أنها إن كانت صحيحة فسوف تؤثر في تغيير الواقع القائم الذي ترتبط به. لذا نؤكد أن جدة الطرح أو السؤال لا ينبغي إلاَّ النظر إليها بوصفها عاملاً سلبياً بل بوصفها عاملاً إيجابياً يفتح باباً من التنمية للفكرة السائدة السابقة أكثر مما يمكن أن يكون لصالح الجديد، لقد جرت عادة مجتمعاتنا العلمية على بذل جهد زائد في ترتيب القضايا الأكثر جدلا عن تلك المغفول عنها.
من الأسئلة المثارة، لدى المجتمع الملتزم، السؤال عن التقليد، والسؤال هذا يرتبط بحياة هذا الإنسان بشكل جذري، لأن الإنسان الملتزم المقلّد لفقيه ما لا بدّ من أن يضبط إيقاع كل عمل يقوم به وفاقاً لفتوى الفقيه الذي يقلِّده، إذا الفقيه هو سلطة دينية على الإنسان الملتزم تجعله مقيدا بالفتوى ليأمن من العقاب الإلهي، وهذه السلطة لدى الإنسان الملتزم هي وسط بين الاختيار والإجبار، فالمسلم الملتزم أقدم على الالتزام الديني باختياره، ولكن عليه نتيجة هذا الاختيار أن يكون مقيَّداً في أفعاله بفتوى الفقيه الذي يقلده لأن هذا ما يفرضه عليه التزامه الديني. إن نتيجة هذه الحالة كانت أن بدأت الأسئلة تتحرك داخل هذا المسلم الملتزم الذي يملك ثقافة ووعياً، وهذه الأسئلة متنِّوعة ومختلفة، فمن الأسئلة ما أثير عن شروط التقليد، فهل هو ملزم بتقليد الأعلم ؟ ألا يحق له أن يقلد غير الأعلم؟ هل هو ملزم بتقليد الحي؟ ألا يحق له تقليد الميت؟ هل هو ملزم بتقليد شخص واحد في جميع ما يبتلي به؟ ألا يحق له التبعيض في التقليد؟
أمَّا السؤال الأهم فهو عن أساس الإلزام بالتقليد، هل أمر المكلف منحصر في أن يكون، نتيجة التزامه الديني، ضمن الأطر الثلاث التي ذكرها الفقهاء: إما مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً؟ هذا التخيير، وإن كان ثلاثياً في الظاهر، فإنه بالنسبة لهذا الشخص ليس ثلاثياً وليس تخييرياً بل ما يتجه إلى الإنسان المثقف والعامي على السواء هو أنه لا بد من أن يكون مقلداً لأنه حيث لا يكون مجتهداً وكان الاحتياط متعسراً فأمره منحصر بالتقليد.
إذا أصبح المكلف المثقف _ ونخصّ الكلام به لأن هذا السؤال إنما يثار عنده لا عند غيره _ ملزماً بالتقليد؟ ولكن ما الضير في ذلك؟ إن المشكلة تكمن في مفهوم الكلمة وواقعها لدى المثقف، فالتقليد عند المثقف يعني شلّ حركة فكره وتعطليها، لأن التقليد يعني الالتزام من دون السؤال عن ذلك بـ"لمَ؟" و"كيف؟" وو…. والتقليد يعني أن حياته بشكل عام، إن لم نقل بشكل كامل، لا بد من أن تسير طبق ما يفتي به الفقيه، وهذا هو ما يثيره جدا ويثير هذه الأسئلة في أفق ذهنه.
ليس بحثنا هنا عن مشروعية هذا السؤال أو صحته أو عن الجواب الصحيح عنه، لأن أحداً ما قد يقول: وما الضير في ذلك، إن الإنسان جرت عادته على أن يرجع إلى أهل الخبرة في كل ما لا يحيط به ولا يعرفه، ويقلدهم في ما يقولونه كالأطباء والمهندسين وغيرهم، والفقهاء هم من أهل الخبرة في التكليف الموجه للإنسان، ولهذا يرجع إليهم.
ولكن الجواب بهذه البساطة لا يكفي لحل المشكلة، لأن ارتباط المكلف بالفقيه من جهة يختلف عن ارتباطه بأي خبير آخر يرجع إليه، ومن جهة أخرى فإن مجال الفقيه يشمل ما لا يشمله أي شخص آخر، لأنه يرتبط بجميع مفرادت حياته حتى أخص خصوصياته.
من هنا انطلقت فكرة أخرى تحاول أن تخرج صاحب هذه الأزمة منها، تفتح الباب أمامه للجمع بين التزامه الديني وبين رغبته وميله إلى الفرار من المشكلة التي يعيشها والمرتبطة بالمفهوم السلبي لفكرة التقليد في ذهنه. والفكرة هي عبارة عن عملية الجمع بين ضرورة الرجوع إلى أهل الخبرة في مجال خبرتهم وبين حرية الانتخاب من بينهم في ما يراه، وهذه الفكرة تسمى "النظر"، وهي ما سنعالجه في مقالتنا هذه معتمدين في تصوير الفكرة أولا على مصدرها الأساسي ألا وهو كتاب "الاجتهاد والتقليد والاتباع والنظر" لمؤلفه يحيى محمد، ثم مستعرضين ما يمكن أن يرد من نقد عليها.
 
طريقة النظر
النَّظر هو من المصطلحات الكلامية، وعن القاضي عبد الجبار الهمداني أن النَّظر هو عبارة عن التفكير في الأدلَّة على اختلافها. وفي بعض التعاريف الأخرى: إنه "الفكر" أو "الفكر الذي يطلب من قام به الفكر علما أو غلبة الظن" أو "الفكر والبحث عن الدلائل العقلية"(1).
هذا المصطلح المستخدم كلامياً تمت الاستفادة منه في هذا البحث، فكانت طريقة النظر في الأحكام والفروع عبارة عن نظر المكلف في أدلة المجتهدين، ومن ثم ترجيح بعضها على بعضها الآخر، أو الاقتناع به أو عدمه حسبما يمليه عليه الوجدان والاطمئنان(2).
فطريقة النَّظر، إذاً، ليست عملية استنباط بل هي عملية ترجيح بين الأدلة، ومن هنا يفرّق بين النظر وبين التقليد بأن التقليد هو اتباع ما يفضي إليه قول المجتهد، من دون فحص دليله، وأما النظر فلا بد فيه من فحص الدليل.
إننا قبل استعراض الأدلة على هذه الفكرة، لا بد من الانتصار لها عبر تسجيل عدم غرابتها ولو بنحو جزئي؛ وذلك أولاً بأن الملاحظ هو أن المجتهدين أنفسهم يمارسون أحياناً طريقة الترجيح بين الآراء الفقهية، ما يعني أنهم يزاولون عملية النظر من دون تمييز لها عن طريقة الاجتهاد. فالفقيه يعرض الآراء المتعلقة في المسالة فإما أن يبدي قناعته الكلية ببعض هذه الآراء، أو أنه يرجح بعضها على بعضها الآخر أو يكون له رأي جديد فيها، وهو حينما يرجح بعض الآراء على بعضها الآخر بلحاظ الأدلة المقدمة، إنما يزاول طريقة النظر متضمنة مفهوم الاجتهاد(3).
وثانياً بأن طريقة التقليد تواجه بعض الملاحظات، وهي الآتية:
1- إن التقسيم، وإن كان ثلاثياً _ اجتهاد أو تقليد أو احتياط _ فهو يرتبط بالناحية الوظيفية، ولكن الأمر من حيث المرتبة ليس كذلك لأن مشروعية التقليد لا تكون إلا بالاجتهاد، ولأن المقلد لا يصح له التقليد ما لم يجتهد بذلك وإلا تسلسل الأمر ودار. وكذلك الاحتياط فإنه غير مسوّغ إلا عبر الاجتهاد.
2- إن الأقسام الثلاثة ترتفع في الموارد التي يحصل فيها لدى المكلف العلم الوجداني، كما في الضرورات والقطعيات والمسائل الواضحة وإن كانت قليلة جداً.
3- كما أن من الموارد التي لا مجال للتقليد فيها ما يرتبط بتشخيص الموضوعات وفهم المعاني العرفية؛ حيث لا يكون التقليد فيها إلا في ما يحكيه عن الشارع الإسلامي.
4-     الموارد التي يتمكن المكلف من الاستنباط فيها كمسألة تقليد الأعلم.
5- الرأي الفقهي القديم المنكر للتقليد، والذي يعمد إلى إلزام المكلفين جميعا بتحصيل العلم بالأحكام الشرعية. وهذا الرأي وإن تمت مناقشته بعدم إمكان ذلك لعامة المكلفين، فإن هذه المناقشة لا ترد على طريقة النظر، حيث يكتفي بها بتعلم معالم الدين بصورة مجملة، وتكون له القدرة على تفهم بعض الآراء الفقهية ليتمكن من الترجيح بينها.
لمن طريقة النظر؟
 لا يمكن فتح باب طريقة النظر أمام جميع المكلفين، لأنها تتطلب نوعاً من الثقافة لا تتطلبه عملية التقليد، فالفئة المخوّلة أو التي تملك أهليّة أن تسير على طريقة النظر، هي الطبقة الوسطى بين المجتهدين وبين العوام المحرومين من الوعي الثقافي الإسلامي، أي أنها طبقة المثقفين التي أخذت تضع ثقلها الكبير في التأثير على الحياة العامة، وهذه الطبقة، وإن كانت ليست بمستوى التخصص والاجتهاد، فإنَّها ليست بمستوى العامية الصرفة والتقليد، وذلك لما تمتاز به من استعداد وقابلية عقلية للتَّمييز بين ما يقبل وما لا يقبل من الآراء والفتاوى.
نعم، لا يمكن وضع تعريف منطقي أو دقيق لهذه الطبقة، ولكنها موجودة في جميع المجتمعات وإن برتب متفاوتة.
 
أدلة طريقة النظر
إن إطلاق عنان المكلف في التقليد وعدم إلزامه بالرجوع إلى شخص واحد، قد يتم فقهياً عبر رفع اليد عن شرطية الأعلمية في التقليد. كذلك يرفع اليد عن شرطية الحياة في المكلف، وكذلك برفع اليد عن عدم جواز التبعيض في التقليد، ولكن في البحث عن طريقة النظر هذه لا بد من أن نحافظ على اعتبار هذه الشروط لأننا نعدّ طريق النظر عدلاً للطرق الثلاث: الاجتهاد والتقليد والاحتياط.
1_ الدليل الشرعي
 قوله تعالى: ]الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأولَئِكَ هُمْ أولُو الأَلْبَابِ[ (الزمر:18)، فعموم الآية، أو إطلاقها، يثبت أن على الناظر أن يتعامل مع الآراء الفقهية بوصفها أقوالاً مختلفة، وعليه أن يعوّل على ما يراه أحسنها. فيكون النظر من تطبيقات الآية الشريفة.
وقد تحدث المفسرون عن الآية، ومما ذكره العلامة الطباطبائي عنها قوله: "فتوصيفهم باتباع أحسن القول معناه أنهم مطبوعون على طلب الحق وإرادة الرشد وإصابة الواقع، فكلما دار الأمر بين الحق والباطل والرشد والغي اتبعوا الحق والرشد وتركوا الباطل والغي، وكلما دار الأمر بين الحق والأحق والرشد وما هو أكثر رشداً أخذوا بالأحق الأرشد. فالحق والرشد هو مطلوبهم ولذلك يستمعون القول ولا يردون قولا بمجرد ما قرع سمعهم اتباعا لهوى أنفسهم من غير أن يتدبروا فيه ويفقهوه"(4).
والنتيجة هي أن الآية إما أنها تحبِّب اتباع أحسن الأقوال أو أنها توجب ذلك، وظاهر الآية ليس بعيدا عن الاحتمال الأخير(5).
2 _ دليل العقل أو الأقربية
إن الدليل الذي يرجحّه الناظر يُعدّ أقرب إلى الحكم الإلهي في وجدانه، وهذا من تطبيقات الظن الذي يقوم مقام العلم عند تعذُّر الوصول إلى العلم، وقد ذكر المحقق القمي أنه طبقاً لدليل الانسداد، فإن العبرة بقوة الظن. كما أن ترجيح الأعلم على غيره إنما هو باعتبار أن ملاك الحكم هو الرجحان والأقربية لا الأعلمية من حيث ذاتها، وعليه فالناظر إنما يرجع في العمل إلى ما يراه أرجح لأنه يراه أقرب إلى الواقع لا سيما مع كون ظنون الناظر منضبطة ضمن ضوابط الفحص والتمييز العقلائي. نعم هذه الأقربية لا تثبت وجوب اتباع الناظر لما يراه الأقرب، وإن كانت الأقربية مطلوبة في حد ذاتها من باب الأولوية.
3_ الدليل المنطقي
يعتمد هذا الدليل على قاعدة منطقية هي عدم صحة العدول عن اتباع الدليل الراجح باتباع الدليل المرجوح، مستشهداً لذلك باستدلال بالفقهاء من ضمن ما استدلوا به على وجوب تقليد الأعلم، من جهة أنه حيث يجب العمل بالدليل الراجح يجب تقليد الأفضل، فحجية الدليل تقوم أساسا على الترجيح، وهذه القاعدة تنسحب إلى الحكم بعدم جواز رجوع المكلف إلى من ينظر إليه بأنه مخطئ مشتبه في حكمه، أو أن حكمه لا يفيد الاطمئنان بشيء وأن هذا الأمر يشهد له العديد من الموارد التطبيقية عند الفقهاء، وهذه الموارد هي:
أ _ عدم جواز رجوع المجتهد إلى المجتهد الآخر إذا كان الأول يرى انسداد باب العلم والظن المعتبر في حقه إلى المجتهد القائل بانفتاح باب العلم، لأنه يرى خطأه في ذلك، فإن الانسدادي مثلاً لا يرى حجية خبر الواحد، فكيف يرجع إلى القائل بحجيته وهو يرى خطأه؟
ب _ عدم جواز تقليد المجتهد المتجزئ للمجتهد المطلق، لأنه يرى خطأه واشتباهه والحجة قامت عنده والتقليد مختص بمن لم تقم الحجة عنده، وهذا ينطبق على صاحب النظر.
ج _ ما ذكره الأخند من أنَّ العامي إذا استقل رأيه في بعض الموارد فكان خبيراً بالأدلة، فليس له التقليد بل له مخالفة الأعلم.
د ـ ما ذكره الأصفهاني، صاحب الفصول، من أن العامي لو علم بطلان ما أفتى به المفتي، فإن له أن لا يقلده في ذلك ومراجعة غيره. أو فتوى بعض المعاصرين بأن العامي لا يجوز له التقليد بكل ما لا يرى، اطمئناناً في حكم المجتهد .
4 ـ البناء العقلائي
ما نشاهده، في جميع الحرف والمهن، حيث إن من يرجع إلى أصحاب الاختصاص إذا كانت لديهم الخبرة والتمييز، فإنهم لا يرجعون إلى قول الأكثر علما إذا ظنوا أنه على خطأ وغير صواب ويشهد لذلك ما ذكروه في حكم رجوع صاحب الملكة إلى من يحتمل انكشاف الخطأ عنده إذا راجع الأدلة.
ولذا نقول في حق صاحب النظر: إنه كيف يسوغ دعوى أن العقلاء يلزمون صاحب النظر بالرجوع إلى من يراه مخطئا بعد الفحص، بل الأمر به أشد صعوبة لأنه ليس كصاحب الملكة ليس عنده سوى احتمال ذلك.
 
مراتب النظر
 إن صعوبة وضع تعريف وتحديد منطقييِّن للمثقف تفرض صعوبة على عملية وضع حد تفصيلي لمراتب النظر، أو حتى بين بعض هذه المراتب وبين الاجتهاد والتقليد لتداخل الحدود الوسطى، ولكن تقسيماً عاماً فرض، وهو تقسيم الناظر منهجياً إلى مرتبتين:
1_ المرتبة التفصيلية
ويمتاز فيها صاحب النظر بالدقة والوضوح في استبعاده لبعض الأفكار والقبول بأخرى، والمثال الذي يقدمه لهؤلاء هم طلاب مرحلة الخارج الذين يتمكنون من التمييز في التفاصيل التي تردهم، مع أن الفقهاء يحكمون عليهم بلزوم التقليد
2_ المرتبة الإجمالية
أن يطمئن صاحب النظر إلى ما يرده من إجمال الأدلة لبعضها دون بعض، مستعيناً لذلك بما له من قدرة فطرية يميز فيها ما يراه عقله أقرب للصواب، كيف وقد اكتفى العلماء في علم الكلام بالعلم الإجمالي بالأدلة العقديَّة، نعم على الناظر، في هذه المرتبة الإجمالية، أن يكون على بيِّنة واطلاع على ما يخص معالم الدين الأساسية وأصول الفقه، من دون الحاجة للدخول في التفاصيل التي يمارسها الفقهاء، لأن الكثير من المبادئ المقررة يمكن ممارستها بشكل تلقائي حتى مع عدم الدقة في معرفتها على التفصيل، وما لم يكن واضحا لديه فإن من الواجب عليه ممارسة النظر وترجيح ما يراه أقرب إلى الشريعة ومقاصدها.
 
فائدة طريقة النظر
لقد تم الحديث عن فائدة مهمة تترتب على طريقة النظر، على مستوى الأمة، ويرتبط ذلك بالموارد التي تدعو الضرورة إلى تشكيل لجان خاصة لصياغة القرارات الدستورية والقانونية؛ وذلك طبقا للنظر في أدلة اجتهاد الفقهاء والعمل على ترجيح بعضها على بعضها الآخر.
هذا عرض موجز لهذا الطرح الذي يعمل للتأسيس، لفتح الباب أمام حرية من نوع ما في انتخاب الحكم الشرعي الذي يميل إليه المكلف بنحو يكون على درجة من الاطمئنان للحكم، ما لا يوفره التقليد الذي يعني الالتزام بالعمل من دون إطلاع على تفصيل القول في الحكم أو المدرك فيه، أو في الخروج من الشعور بنحو من السلطة للفقيه على حياة الشخص الناظر.
على أن طريقة نقاشنا هذه قد تكون ذات لغة علمية خاصة هي لغة الفقه، وهذا ما يفرضه البحث، لا سيما وأن الكاتب إنما سار في عرضه لأدلته، على طريقة النظر هذه، على الطريقة الفقهية، فاستخدم أسلوب الاستدلال الفقهي بالاعتماد على القرآن أو العقل أو سيرة العقلاء مقربا الدليل في الجميع بما لم يخرج فيه عن السائد الفقهي.
نقد النظرية
إن هذه النظرية، مع تقديرنا لجدتها والجهد المبذول في التأسيس لها، هي، كأي طرح جديد، لا بد من أن تقع في دائرة النقد والتمحيص، ولا يعني أي نقد الحكم على النظرية بالإخفاق أو السقوط، بل لعله يصقلها لتصبح أكثر متانة وتتسع دائرة القبول لها أو أن تكون حجة الرافض لها واضحة للآخر.
إننا سوف نسجل ملاحظاتنا على هذه النظرية ضمن إطارين: الأول يتعلق بالملاحظات العامة الواردة على هذه النظرية، والثاني يتعلق ببعض الملاحظات الخاصة على الأدلَّة الواردة في هذه النظرية، أو على بعض مواطن الاستشهاد المذكورة فيها.
 
الإطار الأول: الملاحظات العامة
الملاحظة الأولى: ونسجلها من خلال ملاحظة الأساس الذي ذكره الفقهاء لتقسيمهم الثلاثي المشهور، وهو: المكلَّف إما أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً. إن الأساس في ذلك هو أن كل مكلف يعلم علما إجماليا بثبوت أحكام إلزامية في الشريعة المقدسة من وجوب وحرمة، وبهذا العلم الإجمالي تتنجز التكاليف بحقه، والعقل يلزم المكلف بأداء هذه التكاليف، والطريق لأداء هذه التكاليف هو الخروج عن عهدتها بإحدى الطرق الثلاث: إما الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط، والاجتهاد متعذِّر على العامي والاحتياط متعسر، فيبقى التقليد هو الطريق الذي لا بد للعامي من أن يسلكه.
وقد أشار الفقهاء إلى أن اعتماد المكلف لطريق التقليد ينبغي ألاَّ يكون عبر التقليد بل لا بدّ من أن يكون ذلك عبر الاجتهاد، ودفعا لتوهم أن مثل هذا الأمر متعسر على العامي، يتحدث الفقهاء عن السيرة العقلائية وبناء العقلاء بوصفهما أمرين واضحين يعتمد عليهما العامي في التقليد، لأن الثابت من بناء العقلاء رجوعهم في كل حرفة وصنعة، بل في كل أمر راجع إلى المعاش والمعاد إلى أهل الخبرة، وإنه من باب رجوع الجاهل إلى العالم، لأنه من أهل الخبرة والاطلاع ولا ردع عن هذه السيرة، وهي وإن لم يلتفت إليها المكلف مفصلا ولكنها موجودة عنده ارتكازا بحيث يلتفت إليها بأدنى إشارة.
هذا ما ذكره الفقهاء في بيان تقسيمهم الثلاثي، ونحن أمام طريقة النظر هذه نجد محاولة جديدة تعتمد على إبداع طريق رابع لا يشمل جميع المكلفين، ويرى في هذا الطريق سيراً نحو الخروج عن مسؤولية المكلف أمام التكاليف الإلهية، ونحن هنا نسأل عن هذا الطريق الجديد المسمى طريق النظر: هل يسلكه المكلف عبر الاجتهاد الشخصي من قبله، أي أن عليه أن يلاحظ أدلة طريقة النظر ويقتنع بها، بوصفها حجة يقطع من خلال سلوكها بخروجه عن عهدة التكاليف ومسؤولية الطاعة أو إن طريق ذلك التقليد، والتقليد لا بدّ من أن يكون للمجتهد الحي الأعلم، والاحتفاظ بشرطي الحياة والأعلمية في البحث فرض مسلم، لأننا إنما بحثنا طريقة النظر مع حفظهما شرطين في المجتهد الذي لا بدّ من تقليده. وحيث أننا لا نملك فتوى من مجتهد حي أعلم لا في زماننا، ولم يسبق أن حصل وأن أفتى فقيه بطريقة النظر هذه، فإذا ينحصر طريق ذلك بأن يقوم كل مثقف مسلم بالبحث والتمحيص حول طريقة النظر هذه إلى أن يصل إلى حد الاجتهاد فيها وتكون هي المدرك له لاعتماده على طريقة النظر وتركه لطريقة التقليد. كما أن على هذا الناظر أن يلحظ الأدلة التي ذكروها لإثبات وجوب تقليد الأعلم، ويطمئن لبطلانها، وإلا فإذا كان يحتمل وجود دليل على لزوم تقليد الأعلم فليس له اتباع طريقة النظر وترك طريق التقليد.
وينبغي ألاَّ يتصور أن بالإمكان سوق ما ذكروه في مسألة التقليد من وجود ارتكاز عند كل مكلف على التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم، لان الأمر في طريقة النظر ليس كذلك، فليست مسألة النظر هي من البناءات العقلائية الارتكازية التي تملك وضوحاً داخلياً لمن لم يلتفت إليها ووضوحاً عاماً لمن التفت إليها. بل لا بد من التفات من نحو خاص لا يتأتى إلا بتتبُّع المسألة للوصول إلى درجة من العلم بها أو الاطمئنان إليها. وهذه الملاحظة قد تعود في الحقيقة إلى ملاحظة ما تملكه هذه النظرية من قيمة واقعية لا علمية، ولكنها ملاحظة تضعف الاعتماد على مثل هذا الطرح.
الملاحظة الثانية: تعتمد طريقة النظر على وظيفة ملقاة على عاتق الناظر، وهي أن يلاحظ الآراء وينتخب منها ما يراه هو الأقرب بنظره والأرجح، ولكن ثمة سؤال مهم هنا وهو: ما هي الأقربية؟ وما هو المعيار الذي يستند إليه الناظر في الترجيح بين الآراء؟ أي ما هي المرجعية المعرفية التي لا بد للناظر من أن يكون لديه على أساسها موقف من الفتاوى على الصعيد المعرفي؟ إننا أمام احتمالات، وقد تم استخدام العديد من العبارات العابرة التي تصب في هذه النقطة، أي في ما يرجع إليه الناظر من آراء فقهية، فقيل: إنه أحسن الأقوال، إنه الأقرب إلى الحق، وما يقبل وما لا يقبل من الآراء والفتاوى، الأقرب إلى واقع الحكم الإلهي، الأقرب إلى الصواب، ما يراه راجحاً، الاطمئنان لصحة القول، الترجيح بين الأدلة، ما يراه أقرب إلى الشريعة ومقاصدها(6). إن هذا الاختلاف في التعبير، وإن أمكن إرجاع بعضه إلى بعضه الآخر واعتبار العبارات شتى والمقصود واحد والمعاني متداخلة، ولكن لا يمكن القول بأنها جميعها كذلك، ونحن حينئذ لا بد من أن نقول: إنَّ الاحتمالات في ذلك متعددة والمرجعيات التي يعتمد عليها الناظر مختلفة ولا داعي لحصرها في واحد، بل أحد هذه الأمور هو ما يكون موجباً لالتزام الناظر بالرأي الفقهي الكذائي. ولكن العديد من هذه الآراء لا تزال تتصف بالغموض، فما هو المراد من أحسن الأقوال؟ وما المراد من الأقرب إلى الصواب؟ وما هو معيار الخطأ والصواب؟ وما المراد ممَّا يراه راجحا؟ وما هو معيار الرجحان؟
 و نعود إلى ملاحظة الاحتمالات التي يمكن أن تشكل معياراً لرفض هذه الآراء أو القبول بها:
الأول: إنه عبارة عن الأقرب إلى واقع الحكم الشرعي، ولعله هو المراد من قوله الأقرب إلى الحكم أو الأحسن. إننا إن أردنا التجاوز قليلا عن غموض المراد من واقع الحكم الشرعي، فما هو معنى هذه المفردة. ونفترض أن المراد منه ما يصطلح عليه الفقهاء بأنه الحكم الواقعي. ولكن هذا المعيار لا يمكن أن يكون هو المرجع المعتمد لدى الناظر، لأنه كيف يعرف أن هذا الرأي هو الأقرب إلى واقع الحكم الشرعي، ألا تتوقف معرفة الأقرب إلى شيء ما على معرفة ذلك الشيء ؟ هل يفترض الكاتب الحكم الشرعي معلوما حتى يعرف الناظر الأقرب إليه؟ وإذا كان معلوما تفصيلا فلا حاجة إلى اتباع الأقرب لأنه معلوم ، وان كان معلوما إجمالاً فهل تكفي الأقربية هذه للخروج عن العلم الإجمالي بالتكليف الثابت على العهدة؟
 الثاني: إن المعيار هو قبول الرأي المتبع والاطمئنان إلى صحَّته قياساً بالرَّأي الآخر الذي لا يتصف بالقبول، وهذا المعيار لا يمكن أن يكون هو الملاك لطريقة النظر، لأن العلم بخطأ رأي المجتهد وكون رأيه غير قابل للقبول لأجل خطئه متفق عليه، وقد ذكر الفقهاء أن المقلد إذا علم خطأ المجتهد لا يجوز له تقليده، لأن التقليد لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي، وإذا علم المكلف خطأ المجتهد فكيف له أن يقلِّده في هذا الرأي ؟
الثالث: إن المعيار هو ملاحظة الأقرب إلى مقاصد الشريعة. وفكرة المقاصد هي من المسائل الشائكة عند الفقهاء، وهي لا تزال غريبة على الفقه سواء السني أم الشيعي، وإن صدرت الدعوة من قبل جماعة من الفقهاء للاعتماد عليها في الفتوى وعند استنباط الحكم الشرعي، ونحن، وإن كنا نرى لفكرة المقاصد أهميتها القصوى في عملية الاستنباط وأنها سوف تشكل بملاحظتها فقهاً أشد ارتباطاً بتعاليم الإسلام ورسالته، فإنَّنا نرى أنَّ هذه المهمة تقع على عاتق الفقهاء والمجتهدين؛ وذلك عند قراءتهم للنص الديني ومراجعتهم للإجماعات والأدلة، وأين منها صاحب النظر؟ إضافةً إلى أنها لا تزال غير منقحة حتى عند الفقهاء والمجتهدين فكيف بغير المجتهد وإن كان صاحب نظر، بل يكفي لهذا الناظر أن يلحظ أمراً واحداً، وهو أن الشريعة بنيت على جمع المفترقات وتفريق المجتمعات كما اشتهر، فأي أقربية هذه التي تحصل من ملاحظة مقاصد الشريعة.
الرابع: إن المعيار ملاحظة قربها للعقل وتقبل العقل لها، أي أن الناظر يستعين بما له من قدرة فطرية يميز فيها ما يراه عقله أنه أقرب للصواب من بين ما يرد إليه من إجمال في الأدلة(7).
لعل أكثر ما أخذ حيزاً عند الفقهاء في البحث هو كون العقل دليلاً، ما يطرح سؤالاً واحداً هو: إلى أي مدى يمكن للعقل أن يكون دليلاً، فالخلاف الأصولي الأخباري يمتد في إحدى تشعباته إلى دائرة العقل، هذا لا سيما مع استشهاد الأخباريين بعدد من الروايات التي تنهى عن استخدام العقل، ولعل أشهرها أن دين الله لا يصاب بالعقول، على أن العقل الذي يريد أن يشكل مرجعية هنا لتفضيل بعض الآراء الفقهية على بعضها الآخر عند صاحب النظر لا نعرف ما المراد منه تحديداً، ولنا هنا احتمالات في ذلك:
أحدها: أن يكون العقل المحض الفطري، أي المدركات الأولية العقلية الموجودة لدى كل إنسان، كامتناع اجتماع النقيضين ونحوها، وهذا الأمر نستبعد أن يكون هو المراد، لأننا نسأل: هل لدينا فعلا مثل هذه الآراء الفقهية التي تتناقض مع مدركات العقل الأولية ؟
الثاني: أن يكون العقل بمعنى الوعي، وبمعنى ملاحظة أن أقرب الفتاوى إلى الواقع الذي يعيشه الشخص الناظر هي الأقرب إلى أن تتصف بالوعي، وأن الأدلة أو الفتوى التي يرى أنها ترتبط بواقعه أكثر هي المقدمة على غيرها، ولكن هذا غريب جداً؛ إذ متى كان الواقع هو الحاكم على الفتوى ؟ ومتى كانت الفتوى تسير طبق الواقع، نعم إذا كانت الفتوى لا ترتبط بالواقع، بمعنى أنها ليست واردة لهذا الواقع الذي يعيشه ويحيا فيه، فهو عندئذ غير ملزم باتباعها لعدم ارتباطها به، وأما إذا كانت الفتوى ترتبط بواقعه، ولكنها غريبة بعض الشيء عن المألوف الذي يعيشه، فهذا لا يعني أن ليس لها الترجيح.
الثالث: أن يكون المراد من العقل مجموع ثقافة الشخص الناظر، وما يختزنه ذهنه من فكر، وما يحويه من معطيات جمعها من خلال تكوينه الفكري ومرجعياته المعرفية، وهذا ما نتصور أنه الأقرب إلى مراد الكاتب، وهنا نتساءل: أي تكوين فكري هذا الذي يملك من الوعي وسعة الاطلاع ما يجعله حاكماً على فتوى الفقيه الأعلم فيعتقد بأنها لا تتوافق معه؟ مع أن الفقيه الأعلم لم تصدر منه الفتوى إلا بعد البحث المضني من ملاحظة الأدلة وتتبعها. أو هل يكفي أن أملك رؤية ثقافية عامة وذهناً تحليلياً يعتمد على اللاتخصصية بإقرار من الكاتب(8) بل والسطحية في الفتوى أمام المجتهد الأعلم لأرجح رأي غيره من المجتهدين عليه؟
ثم إن طبقة المثقفين هذه التي تملك مثل هذا العقل هل تتمكن من علاج جميع جهات المسألة التي هي محل ابتلائها؟ أو هل تكفي ملاحظة جهة من الجهات والنظر من خلالها لكون الفتوى أقرب إلى الواقع مع الإغفال عن الجهات الأخرى؟ ومثالاً على ذلك نذكر شرطية طهارة المولد في المقلد، فإن المثقف إذا لاحظ الأدلة التي ساقها الفقهاء لأجل إثبات شرطية هذا الشرط قد لا يقتنع بها وعند ملاحظته لأدلة بعض آخر قد يرى أنها أقرب للواقع، ولكن هل يتمكن هذا المثقف من حلّ ما يتمسك به الفقهاء المثبتون لمثل هذا الشرط من الأمر الثابت عن الفقهاء عامة من شرطية طهارة المولد في إمامة الجماعة أو في الشهادة. ولا أريد هنا أن أطالبه بحل لذلك، ولكن ألا ينبغي عليه ملاحظة ذلك عندما يريد ترجيح قول النافي على قول المثبت.
الملاحظة الثالثة: لقد قسَّم الفقهاء الأحكام إلى دائرتين: دائرة العبادات ودائرة المعاملات، ولعل المائز الأساسي بين الدائرتين هو خضوع المعاملات لدائرة الإمضاء، أي أن الشارع أمضى فيها ما لدى العقلاء، واقتصر عمله التقنيني على التدخل في بعض التفاصيل لإظهار الموقف الشرعي منها، وأما دائرة العبادات فهي خاضعة لدائرة التأسيس، أي أن الشارع قام بتشريع مجموعة من الوظائف العبادية للمكلف، وهذه العباديات تمتاز بأنها تحمل عنصر التعبد أي التسليم أمام ما ورد، من دون أن يكون للتساؤل عنها أيّ مجال مفتوح.
ونحن لا نريد أن نسحب التعبد هذا إلى دائرة الاستنباط لدى الفقيه، لأن الناظر إذا كان في العبادات يريد ملاحظة أقرب الأدلة التي يسوقها الفقيه لإثبات فعل عبادي أو جزئه أو شرطه، فالمجال مفتوح ولكن السؤال عن أي أقربية نستطيع أن نتحدث في دائرة العبادات؟ فإذا كانت العبادات لا تخضع للعقل مهما كان المراد منه من الاحتمالات المتقدمة، فأي مائز وأي معيار يكون هو الضابط الذي يرجع إليه الناظر ليلحظ القرب والبعد في الفتوى والدليل ليأخذ بالقريب أو الأقرب ويدع البعيد أو الأبعد؟
الملاحظة الرابعة: يخضع الاستنباط الفقهي لمجموعة من المباني التي يؤسسها الفقيه مسبقاً، وهذه المباني منها ما يرجع إلى علم الأصول، ومنها ما يرجع إلى علم الرجال، ومنها ما يرجع إلى ملاحظات خاصة في النصوص التشريعية لدى الفقيه . نعم دائرة تأثير هذه المباني قد لا تكون عامة شاملة لمختلف جزئيات المسائل الفقهية، ولكنها تؤثر في دائرة مهمة لا يمكن إغفالها أو التغاضي عنها، ومن هنا ينشأ السؤال: أنَّى لهذا الناظر والحال أنه يمتاز باللاتخصصية، تشخيص الأقرب في دائرة الفتاوى التي يرجع الاختلاف فيها إلى اختلاف المباني؟ فلنفترض أن فقيها كالسيد الخوئي مثلاً الذي اشتهر مبناه الرجالي بتوثيق رجالات تفسير القمي بنى على هذا الرأي، وأصدر فتواه في مسألة ما. ولنفترض أن هذا الحكم كان فيه نوع من البعد عن عقل هذا الناظر وثقافته لورود نص ما ورد في سلسلة رواته أحد رجالات القمي، ولكن فقيها آخر لا يبني على مثل هذا المبنى، فلم تتم لديه الرواية سنداً، ولم يفت طبقاتها وعلى هذا الأساس كانت فتواه أقرب إلى عقل هذا الناظر وثقافته، فهل لهذا الناظر أن يعدّ فتوى الفقيه الآخر أقرب، وهو لا يدرك المبنى الذي اعتمد عليه مثل السيد الخوئي، أو أن على الناظر أن ينقّح المباني العامة قبل دخوله في النظر والترجيح.
الملاحظة الخامسة: إن من أهم ما يردّ به على الاعتماد على طريقة النظر هذه هو ملاحظة الروايات الواردة في باب التعارض من علم الأصول،
وتعميقاً منا لهذه الملاحظة سوف نوردها بشيء من التفصيل عبر مقدمات هي:
الأولى: لقد أفرد الأصوليون باباً مستقلاً للبحث في حل مشكلة تعارض الروايات، وخصوصية هذه الروايات أنها تحكي عن التعارض الذي كان يحدث لدى أصحاب الأئمة، والأئمة أحياء موجودون والأصحاب متمكِّنون من الوصول إليهم، وإذا راجعنا هذه الروايات نجد أن المعيار الذي يذكره الإمام لحل مشكلة التعارض يرجع إلى ضوابط عامة ذكرها الإمام ×، ووردت في العديد من الروايات وأشهرها روايتان هما:
1 _ رواية عمر بن حنظلة: وهذه الرواية وردت بداية في شأن اختلاف الحكمين، ثم وردت في حكم تعارض الدليلين لدى الحاكمين، ونص الرواية هو الآتي: "عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله × عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً، وإن كان حقاً ثابتاً له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: ]يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به[. قلت:فكيف يصنعان؟ قال: ينظران [إلى] من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله. قلت: فإن كان كل رجل اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما، واختلفا في ما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر، قال: قلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر ؟ قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه، وإنما الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله ’: حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم. قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة، قلت: جعلت فداك، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفا لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد. فقلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاًَ. قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر. قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً؟ قال: إذا كان ذلك فارجه حتى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات"(9).
وإنما ذكرت الرواية كاملة لأجل أن يكون واضحاً لدى القارئ مدى ما وصل إليه السائل من فرض مسألة التعارض ووقوع المكلف بين أمرين، وأن الإمام حتى آخر الافتراضات لم يرجعه إلى الأخذ بما يراه هو أقرب وأصوب.
2 _ مرفوعة زرارة بن أعين. "قال: سألت الباقر × فقلت: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ ؟ فقال: "يا زرارة، خذ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشاذ النادر، فقلت: يا سيدي انهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم ؟ فقال ×: خذ بقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك، فقلت: إنهما معا عدلان مرضيان موثقان ؟ فقال: أنظر إلى ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه وخذ بما خالفهم، فإن الحق في ما خالفهم، فقلت: ربما كانا معاً موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع؟ فقال: إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك ما خالف الاحتياط، فقلت: إنهما معاً موافقين للاحتياط أو مخالفين له فكيف أصنع؟
فقال ×: إذن فتخير أحدهما فتأخذ به وتدع الآخر"
(10).
الثانية: إن الضوابط المذكورة في الروايتين هي عبارة عن مرجحات ذكرها الإمام، كالترجيح بالشهرة أولا مقابل غير المشهور أو الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة، وهذه المرجحات، وإن كانت توجب أقربية المشهور من غيره أو الموافق للكتاب من غيره أو الموافق للعامة من غيره، فإنَّ هذه الأمور جميعها لا ترجع إلى رأي من حصل عنده هذا التعارض من الأصحاب أو الفقهاء بل ترجع إلى أمور واقعة في الخارج ومتحققة، أي أنها لا ترجع إلى مجرد استصواب الناظر أو ما يصل إليه هو بنفسه. وبهذا يظهر لنا الإشكال على طريقة النظر هذه، فإن الإمام لم يرجع هذا الشخص إطلاقاً إلى ملاحظة ما يراه هو أقرب إلى الواقع بل جعل له قواعد يرجع إليها للترجيح.
كما أن الملاحظ في الروايتين ترجيحهما الواضح للاحتياط، ففي الأولى ورد الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات، وفي الثانية ورد خذ بما فيه الحائطة لدينك.
الثالثة: ونحن نعلم أن الفتوى اليوم هي بمكانة الرواية عن أصحاب الأئمة، فقد كان الأصحاب يتلقون أحكامهم عن طريق نقل الرواية وبقي الأمر كذلك إلى كتب فقهائنا الأوائل، ثم بدأت الرواية تتحول إلى الفتوى، وبهذا نعرف أن المعيار الذي ينبغي أن يرجع إليه المكلف، وإن كان من ذوي النظر، لا يمكن أن يكون هو ما يراه هو أقرب للصواب بل يرجع إلى ترجيح ما يذكر في الفقه كترجيح أحوط الأقوال أو قول الأعلم.
والنتيجة هي أن الأقربية للواقع لم يتحدث عنها الإمام إطلاقاً بعضها ملاكاً للترجيح للمكلف إعماله، بل إن الأمر عندما وصل إلى مكان مسدود في الترجيح أمر الإمام السائل بالاعتماد على الاحتياط. وطريق الأقربية هذا لو كان محلاً للاعتبار لأمر به الإمام أصحابه. وقد استدل بعض فقهائنا على اعتبار الأعلمية باعتبار أن فتوى الأعلم هي الأقرب إلى الواقع وأجاب عن ذلك بعض فقهائنا بأنه لا دليل لدينا إطلاقاً على كون الأقربية من المرجحات؛ إذ لم يقم دليل على أن الملاك في التقليد ووجوبه هو الأقربية للواقع بل إن الأقربية ليست مرجحة في الروايتين المتعارضتين، ومن هنا قد تعارض الصحيحة الموثقة ولا في البينتين لوضوح أن إحداهما لا تتقدم على الأخرى بمجرد كونها أقرب الى الواقع كما إذا كانت أوثق من الأخرى مع أن حجية الطرق والأمارات من باب الطريقية إلى الواقع فكذلك الحال في الفتويين المتعارضتين(11).
الملاحظة السادسة: لقد تقدم أن الانتصار لهذه النظرية تم عبر تسجيل أن الملاحظ أن المجتهدين أنفسهم يمارسون أحياناً طريقة الترجيح بين الآراء الفقهية، ما يعني أنهم يزاولون عملية النظر من دون تمييز لها عن طريقة الاجتهاد، فالفقيه يعرض الآراء المتعلقة في المسألة، فإما أن يبدي قناعته الكلية ببعض هذه الآراء أو أنه يرجح بعضها على بعضها الآخر، أو يكون له رأي جديد فيها، وهو حينما يرجح بعض هذه الآراء على بعضها الآخر، بلحاظ الأدلة المقدمة، إنما يزاول طريقة النظر متضمنة مفهوم الاجتهاد(12).
إذا، لطريقة النظر نوع من المشروعية أو عدم الغرابة، باعتبار أن من الفقهاء من يمارس عملية النظر هذه وإن لم يميزها من طريقة الاجتهاد، ولنا على هذا الكلام ملاحظة، وهي أننا لا نسلم بأن الفقيه يقوم بعملية النظر في ما ظن أنه كذلك، لأن الفقيه عندما يلاحظ الأدلة التي قدّمها من سبقه من الفقهاء ويلاحظ النقد الوارد عليها فيتبنى رأياً منها أو دليلاً، لا يقوم بمجرد ممارسة النظر والترجيح، لأن الفقيه في ملاحظاته هذه يقوم باستخدام ما يملكه من أدوات اجتهادية، ويعمل على استخدامها في تمحيص الآراء هذه وتقييمها وانتخاب الصحيح فيها وليس ما يمارسه الفقيه حينئذ هو كالذي يمارسه الناظر، وعليه فقياس الأمرين وجعلهما سواء فيه نوع من الاتهام لعمل الفقيه هذا، وكأن الفقيه عند عمله هذا يترك أدوات الاجتهاد وآليات الاستنباط جانباً ليقوم بعملية ترجيح مجردة كالتي يقوم بها الناظر. ولو فرضنا أن فقيها قام فعلاً بهذا الأمر فإنه لن يكون صاحب رأي في تلك المسألة ولن يكون ممن اجتهد فيها.
الملاحظة السابعة: مما استشهد به لإثبات طريقة النظر هو أن الكثير من علماء الاتجاهين السني والشيعي قد عدّوا صورة الإجمال في معرفة الدليل مقبولة بخصوص العقائد وعلم الكلام حتى بالنسبة للعامي فضلا عن المجتهد. فقد رأوا أن من الواجب على كل عامي أن يعلم أدلة العقائد ولو إجمالا لعدم اختصاصه وتبحُّره…. فإذا كان هذا الرأي سليماً، رغم أهمية العقائد وكونها تحتاج إلى الأدلة القاطعة، فكيف لا يصح الأمر مع الأحكام وهي من الفروع التي لا ترقى إلى مستوى تلك العقائد (13). فإذا نتمسك بنوع من الأولوية وأن الفروع أولى من الاكتفاء بالإجمال فيها من العقائد، ولكن هنا حصلت الغفلة عن فارق بين العقائد والفروع، وأن هذا الفارق هو الذي أوجب الاكتفاء بالإجمال في العقائد وهو أن المطلوب في العقائد لما كان هو الاعتقاد الذي هو بمعنى عقد القلب وتحصيل ما تركن إليه النفس، كان