بحوث و دراسات

السيد محمد باقر الصدر – مكوّنات المشروع الفكري الإسلامي

15 أكتوبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

سعى السيد محمد باقر الصدر(1400هـ) للعمل على أكثر من جبهة من جبهات الفكر الإسلاميّ:
1ـ فعلى صعيد البناءات العقلية سعى الصدر لإعادة تكوين العقل الفلسفي والمنطقي، فعمل على الكشف عن قصور المنطق الأرسطي عن تفسير الظاهرة المعرفيّة وتصويبها لوحده، وإنْ اعترف بدوره الكبير في المعرفة الإنسانيّة، لكنّه رأى فيه ـ على المستوى العمليّ ـ بنيةً عقليّة قاصرة عن إمكانيّة التوظيف لخدمة القضايا المختلفة. وقام الصدر وفقاً لذلك بتقديم مشروعه في المذهب الذاتي للمعرفة، وهو مشروع يعتمد نظريّة الاحتمال وقواعده، فيلتقي مع علم الرياضيّات، ويحاول أن يفسِّر الذهن البشريّ ونشاطاته الفكريّة على أساس مرحلتين:
إحداهما: التي تسمّى بمرحلة التوالد الموضوعي، والتي يسير الفكر فيها من المفردات والجزئيّات، فيتصاعد في القوّة الاحتمالية التي يملكها وفقاً لأصول موضوعيّة تلعب القواعد الرياضيّة دورها فيها.
وثانيهما: مرحلة التوالد الذاتي، التي يحاول فيها السيد الشهيد محمد باقر الصدر أن يصنع اليقين العلميّ بالأمور، ويعطي للاستقراء دوره المعرفيّ في مقابل التيّارات الشكّيّة والترجيحيّة. فهذه المرحلة عنده يأخذ فيها الذهن نشاطاً مستقلاًّ عن القواعد الرياضيّة الصارمة، والمعايير الموضوعية الحاسمة، لكي يقفز ـ وفقاً لبنيته الذاتيّة ـ من مرحلة إلى مرحلة.
لقد حاول الصدر أن يخوض في مشروعه هذا غمار تحليل جهاز الإدراك البشريّ، فكانت مسيرته تنطلق من نقطة الصفر، غير محمَّلة بحمولات فلسفة بعينها، ونمط تفكير مدرسة فكريّة خاصّة. وهو إذا لم يقدّم الكثير من الإضافة في المشهد العالميّ لهذا الموضوع فقد قدّم إضافات غير عاديّة عندما نقرأ تجربته في السياق الشرقيّ والإسلاميّ.
لقد ترك مشروع الصدر في المذهب الذاتيّ للمعرفة أثراً على تقارب العلم والدين، وذلّل من العقبات المنهجية والتباعد السياقي والمناخي بين هذين المجالين.
لقد كنّا نأمل أن يحظى مشروع السيّد الصدر المعرفيّ بحضوره اللائق به في المناخ الفكريّ الإسلاميّ، ولو بالنقد والتفنيد، وأن لا يظلّ بعيداً عن الدرس المنطقيّ في المؤسّسة الدينيّة، لكنّ الأقدار تقضي بما لا نريد ولا نشتهي. ونأمل من القيّمين على المناهج التعليميّة في الحوزات والمعاهد الدينيّة، ومن المشتغلين والمختصّين بالدرس العقليّ عامّة، أن يأخذوا موضوع هذا الكتاب بجدّيّة للتعرُّف على هذه التجربة المنطقيّة والفلسفيّة الفريدة في مناخنا الدينيّ؛ بهدف تطويرها أكثر فأكثر، وأن لا يبقوا أسرى مدارس فلسفيّة بعينها بوصفها في الوعي الطلابيّ العامّ حقائق لا تقبل النقد، أو إلهامات إشراقيّة لا يمكن كشف الستار عن أيّة نقطة ضعفٍ فيها؛ فإنّ هذا بعينه منطقٌ معاكسٌ للمنطق الذي يفترض أن تقوم عليه الدراسات الفلسفيّة والمنطقيّة والمعرفيّة الجادّة.
ولم يقف مشروع الصدر عند هذا القدر من الإيجابيّات، بل تعدّاه ليفتح كوّةً في جدار العقل الجزمي، عبر منح المعرفة فرصة الخطأ الواقعي، في الوقت الذي لا يُعمل بهذا الخطأ ولا يهتمّ به من الناحية العملية بحيث لا يوجب تذبذباً أو شكّاً معيقاً عن إمكانية تقدّم المعرفة البشريّة، وقد كان ذلك عبر تعديل الصدر مفهوم اليقين من البرهانيّة إلى الموضوعيّة.
ولم يقف الصدر عند مستوى تكوين النظرية ـ المشروع، بل استمرّ في ممارسة تطبيقات متعدِّدة لرؤيته المعرفيّة هذه مع علومٍ، كالفلسفة والكلام والرجال والفقه والأصول وغير ذلك.
وإلى جانب النشاط المنطقي المعرفي والفلسفي الذي اشتغل عليه الصدر كان نشاطه الكلامي في العمل على إعادة بَنْيَنَة علم الكلام الإسلاميّ، مستخدماً فيه المنهج الاستقرائي الذي يراه محمد إقبال المنهج القرآنيّ الحسّيّ في معرفة الطبيعة والوجود. وقد كان إقبال انتقد ـ قبل الصدر ـ بشدّة توجُّه المسلمين نحو العقل اليوناني، الذي حمّله مسؤوليّة تراجعهم على مستوى التطوّر العلميّ. وعبر هذا السبيل تمكّن الصدر من الاقتراب من الذهن المعاصِر في تساؤلاته الكلاميّة.
واصل الصدر مسيرته البحثيّة عبر ملاحقة المفردات الكلاميّة الإشكاليّة، ليضع لها حلولاً تفصيليّةً تتبُّعيّةً، منسجمةً مع ذهنيّته الاستقرائيّة. وهو ما جاء في بحثه حول التناقضات المتوهَّمة في سيرة أهل البيت، وموضوعة التعارض بين النصوص الحديثيّة.
وقد كان منهج الصدر في الحوار الكلامي يعتمد الهدوء والموضوعيّة في عرض الآخر ومناقشته، ممّا جعله يخرج البحث الكلامي من الدفاعيّة السجاليّة إلى الحوار العلميّ الهادف والبنّاء.
ولم يفُتْ الصدر أن يأخذ البُعد الاجتماعيّ في أصول الدين، كما في مقدّمة (فلسفتنا) وموجز أصول الدين. وهو ما أراد منه إخراج علم الكلام من التجريديّة للدخول في العملانيّة والواقعيّة.
2ـ ولو تركنا المجالات العقلية، من المنطق والفلسفة والكلام، وعطفنا نظرنا ناحية الملفّات الاجتهاديّة في العلوم الشرعيّة لرأينا كيف أنّ الصدر اهتمّ في (اقتصادنا) بفقه النظريّة.
إنّ فلسفة وجود فقه النظريّة تكمن أولاً: في الحاجة الدفاعيّة، فإنّ العقل المسلم صار بحاجة ـ لكي يبقى ـ إلى نسج رؤى متكاملة عن الحياة، استجابةً لتحدّيات مرحلة الخمسينيات والستينيات؛ لمواجهة خصوم الإسلام السياسي والاجتماعي. وهو ما صرّح به الصدر في (المدرسة القرآنيّة). فالآخر (الشيوعي) قدّم رؤى متكاملة في نظم الحياة؛ ولهذا كان (اقتصادنا).
كما تكمن ثانياً: في الحاجة البنائيّة، وهي حاجة المشروع الإسلاميّ لأساسيّات فقه النظريّة؛ لعدم كفاية الفقه الفردي والرسائل العمليّة، فأين فقه الاجتماع، وفقه الاقتصاد، وفقه السياسة، و…؟! بل إنّ الدستور الذي يُراد بناء النظام عليه هو الآخر بحاجة لفقه نظريّة ونظم. وهذا ما يحرّك عجلة الفقه من الفرديّة إلى الفقه العامّ أو يبلغ بنا التوحيد بين الفردي والعامّ.
أمّا هويّة فقه النظريّة فهي هويّة اجتهاديّة، بمعنى أنّها حقل اجتهاديّ في النصّ. لهذا هو فقه، وليس خارج الفقه أو وراء النصّ. وقد أخطأ مَنْ اعتبره اجتهاداً في مقابل النصّ. وهي أيضاً هويّة معرفيّة تبلغ مستوى التنظير. فالفكر يبدأ من الفهم، إلى النقد، إلى الإبداعات الجزئيّة، إلى تكوين نظريّات، إلى بناء مشاريع فكريّة كبرى.
أمّا الموقع العلميّ لفقه النظريّة فهو التخطّي من فقه المسائل (الأحكام)، والعبور من فقه القواعد أيضاً، ليصل إلى تكوين النظام (فقه النظريّة)، لكنّه لا يعبر الفقه المقصدي بمعناه المتداول اليوم. فالصدر ليس مقاصديّاً بالمعنى المصطلح الخاصّ، لكنّه يساعد على مقاصديّة شيعيّة.
إنّ فقه النظريّة يقوم على مبدأ الترابط، وأنّ تأثيرَ الشيء رهينُ ارتباطه بالأشياء الأُخَر. فالبنك الإسلاميّ يدرس تارةً في سياق إسلاميّ؛ وأخرى في مناخ ربويّ. وهناك ترابط خاصّ (ترابط مسائل = فقه نظرية)، وترابط عامّ (ترابط نظريّات = فقه الهيكل العام / اقتصاد + سياسة + عقيدة). وما يحتاجه فقه النظريّة هو فهمٌ اجتماعيّ للنصوص، ورفضٌ تامّ لكلّ أشكال البتر السياقي لها.
ولفقه النظريّة مراحل ومسارات يتحرّك فيها. فمبدأ الانطلاق والسير يحوي غموضاً وصعوبة في عرض النظريّة، ولا سيّما نتيجة تأثيرات الفقه الفردي، وهيمنة منطق الظنّ في المدرسة الأصوليّة. وهذا معناه أنّنا بحاجة إلى رصد القوانين لاكتشاف المذهب.
وأمّا حركة السير فتكوينها من الأسفل إلى الأعلى، أي من فقه الأحكام والمسائل؛ لتجميعها، وصولاً إلى فقه النظريّة. فنحن في البداية نكتشف التفاصيل والجزئيّات الفقهيّة ذات الصلة، وهي مرحلة معقَّدة، ثم نعمد إلى مرحلة التركيب، أو التحويل من الجزئيّ إلى الكلّي، وهي عملية تجميعٍ منظَّم للمفردات؛ لتكوين رسم فسيفسائي متكامل، لننتهي إلى مرحلة التَبْيِئَة، أو التحويل من الكلّي إلى الجزئيّ، بوضع الناتج (الكلّي) ضمن المفاصل الفكريّة العامّة (عقيدة + مفاهيم + أخلاق…)، معتبرينه جزئيّاً من ضمن كلٍّ أوسع.
ولكنّ فقه النظرية يواجه مشاكل؛ فهو من جهة يناقض منطق الاجتهاد الذي يشظّي النتائج عبر نظام التنجيز والتعذير؛ ومن جهة أخرى يعتمد ـ من وجهة نظر النقّاد ـ على الظنون والتخمينات والأقيسة والاستحسانات.
ولحلّ هاتين المشكلتين يمكن طرح (الحلّ الخارج ـ اجتهادي)، عبر ما ذكره الصدر نفسه من فتح يد الفقيه لاختيار البدائل الاجتهاديّة عبر صلاحيات وليّ الأمر، أو تقليد الميّت، وغير الأعلم.
ويمكن أيضاً طرح (الحلّ الداخل ـ اجتهادي)؛ إمّا باعتماد نظرية الشيخ شمس الدين، وهي نظرية أدلّة التشريع العليا، وقدرتها على حذف التفاصيل المعيقة لتعبيد الطريق، أو باستخدام المنحى الاستقرائي الذي أشار إلى بعضه الصدر في (المعالم الجديد للأصول)، بحيث يتأمّن لنا الخروج من الجزئيّات بقانون له قدرة الحذف لكلّ مفردةٍ تعاكِس رسم الصورة الكلّية.
3ـ وبالتحوّل من الفقه إلى الاجتماع نجد قضيّة العلاقة بين المثقَّف والفقيه ماثلةً. فالمثقَّف وعيُه تجريبيٌّ، والفقيه وعيُه نصّيّ. والمثقَّف متحرِّرٌ، والفقيه ملتزمٌ. والمثقَّف ناقدٌ، والفقيه مدافعٌ. الأمر الذي يخلق مشكلةً في العلاقة، وهي علاقة مأزومة تاريخيّاً، تتجلّى في التجربة المعتزليّة تارةً؛ وتجربة الفلاسفة أخرى. وقد ازدادت اليوم تعقيداً بعد تنامي العلوم الإنسانيّة، وانتقال المثقَّف في تموضعه من الخارج ـ ديني (ماركسي و…) إلى الداخل ـ ديني. وقد اهتمّ الصدر أكثر بالمثقَّف الخارج ـ ديني.
والخلاف بين المثقَّف والفقيه يرجع إلى إشكاليّة المنهج (حقيّة نصّيّة أم واقعيّة تجربيّة/ المرجعيّة الماضويّة وسلطان العقل)، وإشكاليّة السلطة، وإشكاليّة الاعتراف المتبادَل. وقد حاول الصدر فكّ هذا الاشتباك، عبر تثقيف الفقيه وتفقيه المثقَّف تارةً؛ وتحرير العلم والثقافة من الوضعيّة بتوحيد المنهج عبر (الأسس المنطقيّة للاستقراء)، مع تحرير الدين من الفقه من خلال انفتاح الصدر على العقليّات والقرآنيّات والسيرة تارةً أخرى، ومبدأ المشاركة من قبل الفريقين في الإدارة الاجتماعيّة عبر تجربة الحركة الإسلاميّة التي تولاّها الصدر في العراق ثالثةً.
4ـ ويبقى ملفّ إصلاح الحوزة والمرجعيّة الدينيّة. فقد رأى السيد الصدر ـ على صعيد المشكلة الخارجيّة ـ غياباً سياسيّاً واجتماعيّاً (فقدان التواصل) في الحوزة العلميّة، وغياباً للوعي الواقعيّ عبر التعاطي مع الأمور بالذهنيّة الأصوليّة الهندسيّة.
كما رأى ـ على الصعيد الداخلي ـ أزمة برامج التعليم، والأزمة الماليّة، وأزمة الحاشية، و…
أمّا على صعيد المشكلة الأولى فقد حاول الصدر حلّها عبر الحضور السياسيّ والاجتماعيّ، من خلال المساهمة في تأسيس الحركة الإسلاميّة، ومواكبة حركة الإمام الخمينيّ، إلى جانب الحضور في مواجهة الماركسيّة، وتنشيط موضوع الوكلاء، واختيار الشباب الحاضر منهم.
 وأمّا على صعيد المشكلة الثانية فقد عمل على وضع برامج تعليميّة، بعد نقد القديم، ككتابه (دروس في علم الأصول)، معلِناً مشروع المرجعيّة الرشيدة القائمة على: المجالس الاستشاريّة، ومجالس الخبراء، والتنظيم الماليّ الدقيق، وكفّ يد العلماء عن الأخذ من الناس، وتأمين حياتهم من جانب المرجعيّة.
وهكذا أراد السيد الصدر تحقيق ارتباط المرجعيّة المباشر بالمشروع السياسيّ الإسلاميّ؛ ليأخذ شرعيّته منها.
وقد كان وضع آماله ببعض المراجع الكبار ليعدل بعد ذلك فيطرح مرجعيّة نفسه.

كلمة أخيرة ــــــ
إذا أردنا أن نعرّج بعد هذه الجولة المستعجلة في فكر السيد الصدر على الاهتمام الإيرانيّ بمنجَزات الصدر القيّمة ـ ونحن نعدّ هذا العدد من مجلة (نصوص معاصرة) ـ سنجد أنّ الوسط العلميّ الإيرانيّ في الحوزات والجامعات كان اهتمامه بالسيد الصدر على المستوى الفكريّ والثقافيّ محدوداً، منذ استشهاده وحتّى أواخر التسعينيّات من القرن الماضي.
وقد لوحظ أنّه بعد مجيء الرئيس محمّد خاتمي إلى السلطة كان هناك اهتمامٌ بملف السيد الصدر. وقد أقيم عام 2001م مؤتمر عالميّ للسيد الصدر في طهران باهتمام مكتب الثقافة والعلاقات الإسلاميّة، ورعايةٍ خاصّةٍ من مرشد الثورة السيّد عليّ الخامنئيّ.
ومنذ ذلك الوقت بدأ الاهتمام الإيرانيّ بأعمال السيد الصدر، وأخذت المجلاّت والدوريّات والنشريّات تكتب مقالات بحثيّة وغير بحثيّة حوله في مجالات مختلفة. وقُدّم السيد الصدر منذ ذلك الحين بوصفه ناشطاً متميِّزاً في المجال الفلسفيّ والكلاميّ، إلى جانب المجالات الفقهيّة والأصوليّة.
لا أدري بالضبط ما هو السبب في تأخُّر المحافل العلميّة في إيران عن مواكبة الصدر، حتّى أنّ نظريّاته في الفقه وأصول الفقه لم تتلقّاها الحوزات الإيرانيّة بعدُ، اللهمّ إلاّ تلك التي يكون لتلامذة الصدر نفوذٌ مباشرٌ فيها، لكنّني أظنّ أنّ أحد أسباب هذه الانعطافة الإيرانيّة ناحية الصدر ترجع إلى وجود إحساس إيرانيّ عامّ، منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي، بضرورة الانفتاح على المنجزات الفكريّة التي تقع وراء الحدود الجغرافيّة لهذا البلد المسلم. وربما يكون ذلك إحساساً من المثقَّف الإيرانيّ بأنّ ما عنده يحتاج إلى مزيد من التطعيم والمزاوجة مع ما عند الآخرين. وقد صادفت تلك الفترة انفتاحاً متبادلاً بين إيران والعالم العربيّ، وربما ترك ذلك أثره في هذا الموضوع.
إنّ المحافل العلميّة الإيرانيّة بدأت مؤخَّراً بالانفتاح على الشخصيّات الخارجيّة، لكنّها لم تغطِّ بعدُ مساحةً واسعة من هذه الشخصيات.
فالعلاّمة محمد مهدي شمس الدين ـ مثلاً ـ لم يحظَ بالكثير من اهتمام الباحثين الإيرانيّين في نظريّاته في الفكر الإسلاميّ والاجتهاد الشرعيّ والفقه السياسيّ.
ونجد بعض المراكز الفكريّة في الحوزة العلميّة تهتمّ اليوم ببعض الشخصيّات الأقدم زمنيّاً، وتقيم لها المؤتمرات، وتصحِّح كتبها، وتعقد حولها الندوات، مثل: السيد عبد الحسين شرف الدين، والسيد محسن الأمين، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والشيخ محمد جواد البلاغي، وأمثالهم، وهم شخصيّاتٌ في فترةٍ قديمة نسبيّاً، في حين يستحسن أن يكون الاهتمام بشخصيّات أقرب إلى عصرنا وهمومنا، دون أن يُترَك العمل على تلك الشخصيّات الأقدم، مثل: العلاّمة شمس الدين، والعلاّمة محمد حسين فضل الله، والشيخ محمد جواد مغنيّة، والسيد موسى الصدر، والسيد محمد صادق الصدر (الصدر الثاني)، والشيخ عبد الهادي الفضلي، والسيد هاشم معروف الحسني، والسيد عبد الأعلى السبزواري، والسيد محمد الشيرازي، وغيرهم.
وعندما أنفتح في نقديّتي هذه على الوسط الإيرانيّ فلا يعني ذلك إعفاء الوسط العربيّ من النقد. فصحيحٌ أنّ العرب اهتمّوا مثلاً بالسيد الصدر، لكنْ مع ذلك تظلّ الاهتمامات بشخصيّات أُخَر غيره قليلة للغاية، بل منعدمة أحياناً. هذا إذا أردتُ أن آخذ علماء الدين الشيعة بعين الاعتبار، وأمّا إذا أردتُ أن أوسِّع الدائرة إلى سائر المفكِّرين والشخصيّات العلميّة في العالم العربيّ والإسلاميّ فإنّ الأمر يبدو أوضح.
ورغم ذلك كلّه لم نعد نحبِّذ أن تنشغل المؤتمرات والملتقيات بالأشخاص فقط، بل نرى أن تشتغل على مركزيّة الموضوعات ومحوريّتها، وما يستجدّ من قضايا الفكر والحياة، ويكون الاهتمام بالأشخاص بقدر اقتراب أفكارهم من قضايا عصرنا، وإمكان توظيفها فيها.
 
وختاماً نودّ أن نتوجه بالشكر الجزيل لفضيلة الشيخ العزيز الأستاذ أحمد أبو زيد حفظه الله تعالى على جهوده المباركة في مساعدتنا في توفير المواد العلمية لهذا الملف الخاص بالسيد الشهيد الصدر، فجزاه الله خيراً.

_________________________________________________

(*) نشرت هذه المقالة في العدد 26 من مجلة نصوص معاصرة في بيروت، ربيع عام 2012م.


هوامش و تعليقات على مقالات الكاتب الفاضل محمد عباس دهيني

10 أكتوبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

تابعت بعض المقالات التي ينشرها الكاتب الفاضل  محمد دهيني في موقع النصوص و بعض الدوريات التي يتولى ادارة التحرير فيها ، و قد استرعى نظري أهمية الموضوعات التي يطرحها و العناوين الكبيرة التي يتناولها .   و في نفس الوقت لفتتني بعض العناوين الصادمة – من وجهة نظري-  التي تحملها  بعض المقالات  . و أثناء قراءتي لها خطرت لي بعض الملاحظات ، فرأيت من المناسب طرحها في شكل تعليقات و هوامش . و كلي أمل أن يتسع لها صدر الكاتب الفاضل و أن تكون مساهمة متواضعة في المناقشات و الآراء النقدية .
 
المقالة الأولى :  و قد حملت عنوانا مثيرا جدا  بل مستفزا  – في نظري – و هو  :  اسم فاطمة جاهلي بامتياز  ، و قد نشرت  في موقع النصوص بتاريخ 19/ 8/ 2011 للميلاد .
 و ذكر فيها بأن بعض الخطباء يزعم بان اسم السيدة فاطمة بنت الرسول صلوات الله عليهما  هو إلهي المنشأ  و مشتق من فاطر . و حاول الكاتب فيه ان  يورد أمثلة من التاريخ و الأدب ليثبت  بأن هذا  الاسم لم يكن جديدا في التاريخ العربي  ، و ان السيدة فاطمة ع لم تكن أول من تسمى به ، و ما الى ذلك . و أخال ان ثمة مبالغات تضمنها المقال  ، إذ لم نسمع  يوما  ان خطيبا  متمرسا و مطلعا على أبجديات الخطابة  و موضوعاتها  ،  ينكر ان يكون اسم فاطمة لعدد من النساء قبل السيدة فاطمة الزهراء ع ! بل أخال ان الأطفال عندنا يحفظون عن ظهر قلب اسم والدة أمير المؤمنين ع  و هو فاطمة بنت أسد  . فما أكثر المرات التي يطرح فيها الخطباء  العاديون فضلا عن الحوزويين منهم    ، فضائل و مناقب السيدة فاطمة بنت أسد  (رض)  و  ما حظيته من حب النبي (ص) و حفاوته و اهتمامه بها في حياتها و بعيد وفاتها . و ما أكثر المرات التي نسمع الخطباء يذكرون بأن النبي (ص)  كلف الامام عليا ان يبيت على فراشه ليلة الهجرة   للتمويه على رجالات قريش و لإنجاح  هجرة النبي (ص) و نجاته ،   و أن يؤدي عنه الأمانات  ثم يلتحق بالنبي (ص)  و يحمل معه الفواطم  عند هجرته  . و ما أكثر المرات التي سمع جمهور هذه  المجالس قصة هجرة الامام علي و حمله الفواطم معه و هن فاطمة بنت حمزة ، و  فاطمة بنت الزبير  وفاطمة بنت أسد و فاطمة بنت رسول الله (ص)  .  بل ان كثيرا من جمهور هذه  المجالس درسوا الأدب العربي في  المدارس و المعاهد  و ربما حفظوا معلقة  امرؤ القيس  المعروفة " أطلال " التي كان يتغزل فيها بحبيبته فاطمة .   و بعد كل ذلك ، لا أدري ان كان هناك خطيب يزعم بأن هذا الاسم لا سابقة له في التاريخ !  أخشى أن يبدو لقارئ  هذا المقال  غير المطلع على طبيعة هذه المجالس ، بما فيها الشعبية  ،  ان خطباءها  فضلا عن جمهورها  غارقون  في الجهل و الأمية !  .

أما كون اسم السيدة فاطمة بنت النبي (ص)  إلهي المنشا ، إذا  كان القصد منه بأن   الله تعالى اختاره لها  ، او انه تعالى وجه رسوله (ص)  ان يسميها بهذا الاسم ، فإذا وجدت أخبار معتبرة  في ذلك ،   فأي مانع من ان يكون الله تعالى اختار هذا الاسم من بين سائر الأسماء  في الدنيا  لابنة جبيبه و صفيه محمد (ص)   ؟ و ما المانع أن تأتي روايات عن أهل البيت (ع) فتكشف  بعض دلالات و خصوصيات هذا الإختيار الإلهي  أو  النبوي لهذا الإسم  والمشتقة منه  أو المتسقة مع بعض معانيه و تطبيقاته  ؟
شخصيا لا أجد مسوغا لتضخيم المسألة  و طرحها بهذه الطريقة المثيرة بل المستفزة في بعض تعبيراتها ، و لا أوافق  الكاتب على بعض الأوصاف التي أسقطها  بشكل مباشر أو غير مباشر   ،  عند   مطالبته  الجمهور في ختام المقالة بالقول :  كفى السماح لهؤلاء الجهلة المتنسكين و المدلسين  ان يعبثوا بعقولنا !! ان المطالبة بتطوير الخطاب المنبري الديني  أمر مشروع و ان السعي لتحسين أداء المنابر شكلا و مضمونا ، أمر في غاية الأهمية  ، كما ان الإتجاه النقدي لدور المنابر الدينية و خطابها و مضامينها بغية تنميتها غدا مطلبا ملحا جدا على أن يتحلى بالضوابط الموضوعية .
 
المقالة الثانة : حول رواية من زار  الرضا (ع) فأصابه في طريقه قطرة من السماء أو صداع في رأسه حرم الله جسده على النار  ، المنشورة في موقع الكاتب بتاريخ 19/ 5/ 2011 .
 و في البداية  لا بد  من الإشارة  بأني هنا لست في وارد التوجيه و التأويل لهذه الرواية أو ما يشبهها  ، أو قبولها و ردها  ، و لكني بصدد مناقشة  منهج الكاتب و طريقة تعامله  مع من يخالفه في متبنياته .  أشار ان بعض الخطباء و مرافقي الزوار يطرحون  الموضوع بطريقة بعيدة عن الأمانة العلمية في النقل و الآلية الصحيحة للفهم  .. فينقلب فعلهم الحسن الى قبيح . و تطرق الى  روايتين  ثم أسقطهما من الاعتبار  . فقد رأى ان الأولى  جاء في سندها محمد بن أحمد السناني و هو مجهول و سهل بن زياد الآدمي و هو ضعيف . و في سند الثانية محمد بن علي ماجيلويه و هو مجهول و ابراهيم بن هاشم والد علي بن ابراهيم و هو مجهول.
و الواقع لو كان الكاتب بصدد بحث مستقل حول الموضوع و بالمنهجية التي يرتضيها  و لغرض طرح رؤيته و قناعاته الشخصية و النتائج  التي ينتهي إليها  ، لكان ذلك من حقه ككاتب و باحث  ، و يكون من حق القارئ و المتابع ان يتفق أو يختلف معه في منهجه أو في آرائه و نتائج بحثه .  أما و الحال انه ينقد رؤى و أفكار  جملة من الخطباء و المتحدثين و التي يعرضونها عبر المنابر و أثناء الزيارات  ، فعندها يفترض ان لا يلزمهم  يقناعاته الشخصية  في مناهج البحث و قواعده   . كما لا يصح في هذه الحالة أن يغفل  المباني و الآراء  المخالفة لقناعاته و اختياراته  و كأنه قد وضع يده على كبد الحقيقة  و أصاب الحق الحقيق دون سواه  .
و في ضوء هذه المنهجية  الأخيرة  المقترحة ، ستختلف نتائج البحث ، فمثلا ان محمد بن احمد السناني هو  من مشايخ الصدوق  و ممن أكثر الصدوق الرواية عنه مترحما  و مترضيا عنه  .  كما ان محمد بن علي ماجيلويه من مشايخ الإجازة   أيضا  و روى عنه كثيرا و ترضى  عنه . و قد ذهب جملة من العلماء بان مشيخة الإجازة و الترضي و الترحم و كثرة الرواية من مثل الصدوق و ما شابه هي قرائن تفيد التوثيق أو الوثوق  حسب تفاوت المباني  . صحيح ان بعض العلماء  كالسيد  الخوئي لم يقبل ذلك حسب مبناه ، و رأى بان الترضي لا يدل على التوثيق ، و لا يعدو ان يكون مجرد دعاء  ، و لكنه ليس هو الرأي الوحيد المطروح في المقام .   و اذا جئنا الى ابراهيم بن هاشم القمي فقد نص بعض الرجاليين كالكشي و الطوسي  بانه نشر حديث الكوفيين في قم ، و مع تشدد القميين في قبول الروايات اعتبر ذلك قرينة في صالحه .  و حسنه بعض العلماء مثل الشهيد الأول و البهائي و التفريشي و بحر العلوم . و العلامة  الحلي و ان توقف فيه في خلاصته في البداية لكنه في  الأخير  رجح قبول رواياته و صحح بعض الروايات التي يرد في طريقها .   و لئن ذهب بعض الى عدم التعويل على توثيقات المتأخرين لحدسيتها  ، فإنه  ليس محل اتفاق  . كما انه وقع في رجال كامل الزيارات و تفسير القمي  ، و قد ذهب بعض كالسيد الخوئي في مبناه السابق حول الكامل  ، و من وافقه على توثيق كل من ورد فيهما . أما سهل بن زياد فقد اختلف في شأنه بين مضعف و موثق ، و قد نقل عن الشيخ الطوسي قولان فيه ،  وقيل ان التعديل في الفهرست هو رأيه الأخير  ، و إن نوقش بتضعيفاته  لبعض رواياته  . و رأى بعض كالوحيد البهبهاي  توثيقه بناء على بعض القرائن، و هذا يعني ان ثمة خلاف بين العلماء بشأنه .   و في ضوء ذلك ، فانه يمكن القول بان  ضعف الروايتين ليس موضع اتفاق ، و من ثم هناك من لا يرى اسقاطهما ،  لا سيما في مثل هذه الموارد من فضائل الأعمال و السنن .  
 و عليه  مالمانع ان يعمد بعض الخطباء و المتحدثين في المجالس  في سياق الترغيب لزيارة الامام الرضا عليه السلام بالاستشهاد بهذه الروايات . أضف الى ذلك ، ان هناك من يأخذ بقاعدة التسامح في أدلة السنن ، و يعتمد على روايات  من بلغه  ،  و من ثم يرى صحة العمل بأمثالها رجاء . على  ان  أصل زيارة الإمام المعصوم عليه السلام  و فضلها  مفروغ منه  كما ذكر الكاتب . طبعا  من حق الكاتب أن يتبنى الرأي المتشدد في الجرح و التعديل ، و لكن  و حيث انه بصدد مناقشة غيره   ، فليس من حقه  ان  يلزمهم أو يحاسبهم أو يحاكمهم طبقا لقناعاته و مبانيه ، بل  عليه ان لا يغفل  بقية المباني في هذا السياق .
من جهة أخرى و في سياق متصل بالروايات المتعلقة بفضل زيارة الامام الرضا فقد ذكر الكاتب بعض المحاذير  العقائدية فيما اذا لم تفسر هذه الروايات بالمعنى الكنائي الذي اختاره ، و  من هذه المحاذير   ، كما يقول :  ان ذلك خلاف سياقات الوعد الإلهي بالجزاء و الثواب ، فالوعد يكون عادة في مقابل المشقة و التعب.
و الواقع ان هذه المقولة مما يذكرها بعض أهل الحديث في ردهم لكثير من الروايات الواردة في مصادر المسلمين أجمع ، فقد اعتبر بعضهم كابن الجوزي و غيره ان من علامات الوضع ورود  ثواب كثير على أعمال بسيطة .    و هنا فانني أرى ان الكاتب علي الدهيني  كفانا مؤونة البحث و الرد على هذه الدعوى  ، في القسم الأول من بحثه حول أحكام الشعائر الحسينية المنشور في الاجتهاد التجديد ،  في مناقشته للشيخ البهبودي و السيد الحسني في بحثه المذكور . و رأى ان البهبودي وقع فريسة عدم تعقل الثواب الكبير على فعل بسيط كالبكاء على الحسين عليه السلام .   و مما ذكره ان الثواب الالهي  إما تفضل أو استحقاق ، فالأول بيده سبحانه كما و كيفا ، و  على الثاني  فكلنا نعلم انه لا مطابقة بين الواجبات و بين المستحبات و بين  ثوابها و جزائها . و ان الثواب هو الذي يرفع من قيمة العمل ، و الدليل على ذلك الخلود في الجنة . و  أهم ما ذكره في هذا الصدد هو  ان الموازين الإلهية في الإثابة تختلف عما هو سائد بين الناس  . و في سياق رده عليهما ذكر جملة من الروايات بما فيها الصحيحة السند التي توعد ثوابا جزيلا على  أعمال بسيطة  و من مصادر المسلمين ، منها عن أبي عبد الله عليه السلام  ، من قال حين يأخذ مضجعه ثلاث مرات : الحمد لله الذي يحيي الموتى و يميت الأحياء و هو على كل شيئ قدير ، خرج من الذنوب كهيئة يوم ولدته أمه .  و عنه عليه السلام :  الحاج على ثلاثة أصناف : صنف يعتق من النار ، و صنف يخرج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمه ، و صنف يحفظ في أهله و ماله ، و هو أدنى ما يرجع به الحاج . و قال لقد رأيت العشرات بل المئات من الأحاديث التي تفرغ ثوابا عظيما على بعض الاعمال .
 
 المقالة الثالثة :   مقالة  لبيك يارسول الله من النداء الى الفعل ، المنشورة في موقعه بتاريخ 22/ 9/ 2012 .
   ان الدعوة الى اجرء البحوث النقدية لكتب الأخبار و الرويات عند المسلمين ليست جديدة ، بل ان المحققين
 من علماء المسلمين من مختلف المذاهب مارسوها – و لا يزالون-  حسب المناهج و القواعد التي اقتنعوا بها . فالدعوة مشروعة و القيام بها مهم  للغاية على ان يتم وفق الأسس العلمية و الموضوعية .  و الجيد في المقالة انها تناولت أمثلة من مختلف مصادر المسلمين دون التركيز على اتجاه دون غيره  ، و لقد كان الأوفق    البدء  بالأمثلة بحسب حسب التسلسل التاريخي للمصادر التي اعتمد عليها  ، بصرف النظر عن انتماءات أصحابها  . كما يلاحظ  ان المقالة أبرزت البحار و كأنه هو المصدر الأساس لما ذكر عن صهاك ، في حين  ان ثمة مصادر في المثالب كما للكلبي و غيره أقدم بكثير ، و لعلها هي الأساس في بعض ذلك ، و قد جمعت في البحار و غيره . نعم اني اشاطر الكاتب الرأي في عدم الحاجة الى طرح أمثالها  ، فضلا عما يترتب عليه من نتائج سلبية  ، العرب و المسلمون في غنى عنها . بل اننا أحوج الى تعزيز الصفوف و تقوية الترابط الداخلي للعرب و المسلمين .
 
المقالة الرابعة : هل الشهادة الثالثة بدعة  أم شعيرة ؟  المنشورة في موقع النصوص بتاريخ 22/5/ 2011 .
لقد بدا  لي من قراءة المقال كاملا  ، و لا سيما  في  جانب من كلام الكاتب فيه   انه صادر عن رد فعل من بعض الأحكام المتسرعة التي تصنف  الناس الى ولائي  و غيره . كما  اشتكى الكاتب  من ردود فعل الجمهور  ، و قال :   فإذا أوردنا الأذان بالصيغة النبوية بدون الشهادة الثالثة ، ثار علينا جمهور الشيعة الكرام مستنكرين و مستهجنين بدافع العصبية العمياء .   كما انطلق رد فعله – كما يبدو -  من بعض ما  تقوم به بعض القنوات الفضائية من إخفاء الإقامة الخالية من الشهادة الثالثة لبعض الأعلام . و قد خاطبهم بقوله : لقد فتح لكم باب الخلاص من هذه البدعة  مرجع كبير هو السيد محمد حسين فضل الله ، فهل تتابعون المسيرة أو تنقلبون على الأعقاب ، ثم عقب ذلك بالآية الكريمة المخاطبة للمسلمين بعد واقعة أحد " و من ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا "  و أيا كان فقد انتهى الكاتب الى ان الشهادة الثالثة بدعة في الدين    . و ذهب الى ان من مناشئ القول باستحبابها هو عدم كون الأذان و الإقامة من الواجبات في الصلاة ، و عدم حرمة الكلام الأجنبي في صحتها ، و تذكيرنا بالعقيدة الشعية ، و رضى العوام الذين يعيشون العصبية و لا يعنيهم الحق  .  و قال  في ختام مقاله : اسمعوا نصيحتي احذفوها قربة الى الله تعالى .
 
 و قد نقل  الكاتب في هذا  السياق ،   آراء بعض العلماء كالصدوق و الطوسي و الشهيدين و غيرهم . و مما نقله كلام الشيخ الطوسي في النهاية و مفاده بأن ما ورد في شواذ  الأخبار من قول أشهد ان ولي الله  و آل محمد خير البرية ، فمما لا يعمل عليه في الأذان و الإقامة ، فمن عمل بها كان مخطئا . و استظهر بأن شواذ الأخبار  تعني الأخبار الضعيفة و الكاذبة و الموضوعة و إلا لم ينسب العامل بها جازما الى الخطأ .
و الواقع ان الخبر الشاذ  حسب علماء المصطلح  و الدراية هو ما يرويه الثقة بما يخالف ما رواه غيره من الثقاة أو الجمهور أو الأكثر  . فهو أقرب الى الإنفراد في الرواية  المخالفة لما عليه المشهور . و اعتبره  بعضهم من قبيل العلل القادحة ، غير ان الشهيد الثاني ذهب الى ان الشذوذ لا يضر في صحة الحديث مع استجماعه لسائر شروط الصحة  بحيث يكون  رواي الشاذ احفظ او اضبط او اعدل .  ثم انه من المعلوم ان ثمة فرق كبير بين الخبر الضعيف و المكذوب و الموضوع  متى تحقق من كذبه  . فالضعيف قد يستأنس به و قد يستشهد به على نحو المؤيد  ، بل قد يرقى الى مستوى المقبول اذا عمل به  ، و قد ينجبر ضعفه بكثرة الطرق و ما الى ذلك ، بعكس المكذوب و الموضوع  . و يظهر من كلام الشيخ الطوسي من الشاذ انه غير المعمول به  أو غير المعول عليه  ، فهو أشبه بالمتروك . و من هنا نسب العمل به الى الخطأ  بمعنى خلاف الأولى  و ليس ما ذهب اليه  الكاتب ، و يؤيد ذلك ما صرح به في المبسوط ، و هو  قد وضعه للتفصيل و التفريع  ، حيث قال فيه : و لو فعله الإنسان لم ياثم به .  و به صرح جماعة كالشهيد الأول و الثاني و الأردبيلي و كاشف الغطاء و غيرهم ممن أورد الكاتب كلماتهم  التي تدل على ذلك . و فصل الشهيد الثاني في الروضة البهية، و هو ما لم ينقله الكاتب  : فلو فعل هذه االزيادة .. بنية انه منه أثم في اعتقاده ، و لا يبطل الأذان بفعله ، و بدون اعتقاده ذلك فلا حرج .  و قد نبه الأردبيلي الى ذلك بوضوح حين قال : و لا يتوهم المنع من الصلاة على النبي فيه ، لظهور خروجه منه ، و عموم الأخبار الدالة بالصلاة عليه مع سماع ذكره و لخصوص الخبر الصحيح المنقول .." و قال الشيخ جعفر كاشف الغطاء ، حسب نقل الكاتب ، و من قصده جزء من الأذان في الإبتداء بطل أذانه بتمامه .. و من قصد ذكر أمير المؤمنين لإظهار شأنه أو لمجرد رجحانه لذاته مع ذكر رب العالمين أو ذكر سيد المرسلين ، كما روي ذلك فيه ، و في باقي الأئمة الطاهرين أو الرد عل المخالفين و إرغام الفرق المعندين أثيب على ذلك . و من ذلك يفهم ان الفقهاء فصلوا القول في المسألة منذ القدم ، و بذلك فرقوا بين الزيادة البدعية  التي لم يرد أي دليل على رجحانها ، و بين ما دل دليل على صحتها و رجحانها في نفسها .
بل ندب الى  ذكرها في بعض العمومات كالصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله و سلم ) عند ذكره . و بهذا أو قريب منه جاءت كلمات  معظم الفقهاء بأن الشهادة الثالثة ليست من فصول الأذان و ليست جزء منه و لا من الإقامة ،  و لكن من أتى  بها دون اعتقاد بجزئيها لم يأثم و لم يبطل أذانه أو اقامته ، بل رجحها بعضهم بذاتها لكونها من تمام الرسالة ، كما هو الحال بالنسبة للصلاة على النبي عند ذكره في كل حال .
 أما ما ذكره الكاتب بأن  إخفات السيد الخميني الراحل للشهادة الثالثة أثناء الإقامة و إتيانه بها لمرة واحدة  ، فانه ليس كما استوحاه  بأنه يدل على ان في نفسه من استحبابها  شيئ .  بل هو للتفريق بين فصول الإقامة  و بينها  ، و لإبعاد الإشتباه عند الناس   بأنها منها .  و هو ما نبه اليه بعض الفقهاء مثل الشيخ جعفر كاشف الغطاء  و الشيخ اللنكراني و غيرهما  ،  بأهمية التغاير في صيغ الشهادة الثالثة  ،  و إلا فرأي السيد الخميني فيها واضح بينه في رسالته العملية و في الآداب المعنوية للصلاة .
 
و هنا أود أن أطرح وجهة نظر شخصية قابلة للأخذ و الرد و النقد .  لقد حان الوقت للكف عن تبادل أوصاف التبديع و التضليل لما نختلف فيه من المناهج و  الآراء و الأفكار  ، خصوصا و ان معظمها صادرة عن اجتهادات العلماء  المتأهلين و المفكرين المختصين . لأن الاسترسال  في إطلاق هذه الأوصاف و إصدار هذه الأحكام يعني ان كل من يختلف مع الآخر ، كان مجتهدا أو مقلدا ، يحق له أن ينسبه إلى شيئ من هذه الأوصاف أو ما يشاكلها . ثم اننا نلاحظ ان ثمة اختلاف في تحديد و ضبط  لمفاهيم بعض تلكم الأوصاف ، فهذا يعرف البدعة و أهلها بشكل و ذاك بآخر و ثالث يضيف عليه شرطا و رابع ينقص منه  قيدا و و هذا يوسع و ذاك يضيق  و هكذا .  انني أشدد كثيرا على  المثقفين بالذات   ، في أن يبتعدوا عن اتباع هذه الأساليب  ، و إلا إذا جاز لأحد أن يصف فعلا شعبيا قائما على اجتهاد جمهور أهل الفقه على انه بدعة و ضلالة و كل ضلالة في النار ، و ان ذلك قد ينسحب بالتالي على من يزاوله  فيوصفوا بالفئة المبتدعة و الضالة  ، فانه يجوز لغيره مثل ذلك . حان الوقت لكي نبدل هذه الثقافة التبديعية و التضليلية  و الإقصائية بثقافة و مفاهيم و أوصاف علمية و موضوعية غير جارحة و غير مهينة   من قبيل الصواب و الخطا أو قريب منهما  و ما شابه . لست  هنا في وارد نفي وجود البدعة و الضلالة و ما شابه من أوصاف وأحكام و مفاهيم و تطبيقاتها ، و لكني أدعو الى عدم التسرع في إطلاقها على من يخالف في المنهج الاجتهادي و النتائج المختلفة التي ينتهي اليها ، حتى لانقع في فوضى تبادل مثل هذه الأحكام الإلغائية و الإقصائية و التضليلية بحيث لن يبقى  أحد إلا و يطاله شيئ منها .
 
 و  أخيرا ما أود إعادة التأكيد عليه ، بان  أي كاتب  – لا سيما المختص – و أتحدث هنا بشكل عام  ،  له ان يبحث في الأدلة و الملابسات التاريخية لمختلف فروع الفكر عند المسلمين و غيرهم   و بالطريقة و المنهج الذين  يقتنع بهما علميا ، و له أن يتبنى من القواعد و المباني و الاراء التي ينتهي إليها في بحوثه  . و لكن حين ينسب رأيا إلى غيره فعليه ان يلتزم الأمانة في النقل و يبتعد عن الإنتقائية  و عن الأساليب الخطابية الإنفعالية  و إطلاق الأحكام و الأوصاف السلبية على من يخالفه في المنهج و الرأي   ، كما عليه أن يتجنب إلزام  غيره بما لم يلتزموا به .  إن  وصف جملة من الفقهاء بأنهم  ينطلقون  في  بعض فتاويهم و آرائهم الفقهية من إرضاء العوام الذين يعيشون العصبية العمياء  و لا يعنيهم الحق و الحقيقة  ، و ما شاكل ذلك ، من أوصاف و تعبيرات ، لا تندرج بحال من الأحوال ضمن  الأسلوب  العلمي الموضوعي  و  لا الخطاب  المنضبط . لقد تمنيت لو ان الكاتب في  هذه المقالات – و أتمنى مراعاته  في غيرها -  طرح رؤيته حول الملابسات التاريخية ، و عرض أدلة القائلين و المانعين  ، و ناقشها و حاكمها بالطرق العلمية  المتعارفة  ، ووجه نقوده المنهجية الموضوعية  لمن يخالفهم في  المنهج و الرأي ، و قدم رأيه أو ما يرجحه من آراء مع أدلتها ، لكان قد  أثرى البحث فيها ، و قدم للقاريئ – عاميه و متخصصه – مادة فكرية مفيدة  .
مشتاق اللواتي
 أهم المراجع :
مقالات الكاتب في موقعه و موقع نصوص معاصرة .
مجلة الاجتهاد و التجديد ، العدد 22 .
معجم رجال الحديث ، للسيد الخوئي .
تعليقة الوحيد البهبهاني .
الدراية للشهيد الثاني
  الروضة البهية للشهيد الثاني


التَّقليــد والنَّظـــر وظيفة المثقَّف المسلم اتجاه التَّكليف الشرعي

10 أكتوبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2 زيارة

 تمهيد
من النتائج المهمَّة لتقدُّم المجتمع وانفتاحه على مجتمعات أخرى وعوالم مختلفة أن تكثر الأسئلة لديه عن كل ما كان يعيشه، لأن هذا المجتمع سوف يقوم بالمقارنة بين ما يعيشه هو وما يعيشه الآخرون، ومن هنا تبدأ عمليِّة التأثر والتأثير بين الشعوب والثقافات والحضارات.
إن الطبقة الاجتماعية التي تتولَّى هذه المهمة، بحسب العادة، هي الطبقة المثقفة، والمثقَّف شخص يملك سلطة، ولكنها سلطة خفية تسري بنحو بطيء إلى سائر الناس فتسيطر عليهم، فالأسئلة التي يطرحها المجتمع تبدأ أولا لدى المثقف وهي عندما تصدر منه تتسم بالغرابة والاستنكار، ولكنها شيئاً فشيئاً ما إن تسير على الألسن ويكثر الحديث عنها، حتى تقل غرابتها والاستنكار عليها لتصبح أسئلة مشروعة تحتاج إلى معالجة، أو أنها إن كانت صحيحة فسوف تؤثر في تغيير الواقع القائم الذي ترتبط به. لذا نؤكد أن جدة الطرح أو السؤال لا ينبغي إلاَّ النظر إليها بوصفها عاملاً سلبياً بل بوصفها عاملاً إيجابياً يفتح باباً من التنمية للفكرة السائدة السابقة أكثر مما يمكن أن يكون لصالح الجديد، لقد جرت عادة مجتمعاتنا العلمية على بذل جهد زائد في ترتيب القضايا الأكثر جدلا عن تلك المغفول عنها.
من الأسئلة المثارة، لدى المجتمع الملتزم، السؤال عن التقليد، والسؤال هذا يرتبط بحياة هذا الإنسان بشكل جذري، لأن الإنسان الملتزم المقلّد لفقيه ما لا بدّ من أن يضبط إيقاع كل عمل يقوم به وفاقاً لفتوى الفقيه الذي يقلِّده، إذا الفقيه هو سلطة دينية على الإنسان الملتزم تجعله مقيدا بالفتوى ليأمن من العقاب الإلهي، وهذه السلطة لدى الإنسان الملتزم هي وسط بين الاختيار والإجبار، فالمسلم الملتزم أقدم على الالتزام الديني باختياره، ولكن عليه نتيجة هذا الاختيار أن يكون مقيَّداً في أفعاله بفتوى الفقيه الذي يقلده لأن هذا ما يفرضه عليه التزامه الديني. إن نتيجة هذه الحالة كانت أن بدأت الأسئلة تتحرك داخل هذا المسلم الملتزم الذي يملك ثقافة ووعياً، وهذه الأسئلة متنِّوعة ومختلفة، فمن الأسئلة ما أثير عن شروط التقليد، فهل هو ملزم بتقليد الأعلم ؟ ألا يحق له أن يقلد غير الأعلم؟ هل هو ملزم بتقليد الحي؟ ألا يحق له تقليد الميت؟ هل هو ملزم بتقليد شخص واحد في جميع ما يبتلي به؟ ألا يحق له التبعيض في التقليد؟
أمَّا السؤال الأهم فهو عن أساس الإلزام بالتقليد، هل أمر المكلف منحصر في أن يكون، نتيجة التزامه الديني، ضمن الأطر الثلاث التي ذكرها الفقهاء: إما مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً؟ هذا التخيير، وإن كان ثلاثياً في الظاهر، فإنه بالنسبة لهذا الشخص ليس ثلاثياً وليس تخييرياً بل ما يتجه إلى الإنسان المثقف والعامي على السواء هو أنه لا بد من أن يكون مقلداً لأنه حيث لا يكون مجتهداً وكان الاحتياط متعسراً فأمره منحصر بالتقليد.
إذا أصبح المكلف المثقف _ ونخصّ الكلام به لأن هذا السؤال إنما يثار عنده لا عند غيره _ ملزماً بالتقليد؟ ولكن ما الضير في ذلك؟ إن المشكلة تكمن في مفهوم الكلمة وواقعها لدى المثقف، فالتقليد عند المثقف يعني شلّ حركة فكره وتعطليها، لأن التقليد يعني الالتزام من دون السؤال عن ذلك بـ"لمَ؟" و"كيف؟" وو…. والتقليد يعني أن حياته بشكل عام، إن لم نقل بشكل كامل، لا بد من أن تسير طبق ما يفتي به الفقيه، وهذا هو ما يثيره جدا ويثير هذه الأسئلة في أفق ذهنه.
ليس بحثنا هنا عن مشروعية هذا السؤال أو صحته أو عن الجواب الصحيح عنه، لأن أحداً ما قد يقول: وما الضير في ذلك، إن الإنسان جرت عادته على أن يرجع إلى أهل الخبرة في كل ما لا يحيط به ولا يعرفه، ويقلدهم في ما يقولونه كالأطباء والمهندسين وغيرهم، والفقهاء هم من أهل الخبرة في التكليف الموجه للإنسان، ولهذا يرجع إليهم.
ولكن الجواب بهذه البساطة لا يكفي لحل المشكلة، لأن ارتباط المكلف بالفقيه من جهة يختلف عن ارتباطه بأي خبير آخر يرجع إليه، ومن جهة أخرى فإن مجال الفقيه يشمل ما لا يشمله أي شخص آخر، لأنه يرتبط بجميع مفرادت حياته حتى أخص خصوصياته.
من هنا انطلقت فكرة أخرى تحاول أن تخرج صاحب هذه الأزمة منها، تفتح الباب أمامه للجمع بين التزامه الديني وبين رغبته وميله إلى الفرار من المشكلة التي يعيشها والمرتبطة بالمفهوم السلبي لفكرة التقليد في ذهنه. والفكرة هي عبارة عن عملية الجمع بين ضرورة الرجوع إلى أهل الخبرة في مجال خبرتهم وبين حرية الانتخاب من بينهم في ما يراه، وهذه الفكرة تسمى "النظر"، وهي ما سنعالجه في مقالتنا هذه معتمدين في تصوير الفكرة أولا على مصدرها الأساسي ألا وهو كتاب "الاجتهاد والتقليد والاتباع والنظر" لمؤلفه يحيى محمد، ثم مستعرضين ما يمكن أن يرد من نقد عليها.
 
طريقة النظر
النَّظر هو من المصطلحات الكلامية، وعن القاضي عبد الجبار الهمداني أن النَّظر هو عبارة عن التفكير في الأدلَّة على اختلافها. وفي بعض التعاريف الأخرى: إنه "الفكر" أو "الفكر الذي يطلب من قام به الفكر علما أو غلبة الظن" أو "الفكر والبحث عن الدلائل العقلية"(1).
هذا المصطلح المستخدم كلامياً تمت الاستفادة منه في هذا البحث، فكانت طريقة النظر في الأحكام والفروع عبارة عن نظر المكلف في أدلة المجتهدين، ومن ثم ترجيح بعضها على بعضها الآخر، أو الاقتناع به أو عدمه حسبما يمليه عليه الوجدان والاطمئنان(2).
فطريقة النَّظر، إذاً، ليست عملية استنباط بل هي عملية ترجيح بين الأدلة، ومن هنا يفرّق بين النظر وبين التقليد بأن التقليد هو اتباع ما يفضي إليه قول المجتهد، من دون فحص دليله، وأما النظر فلا بد فيه من فحص الدليل.
إننا قبل استعراض الأدلة على هذه الفكرة، لا بد من الانتصار لها عبر تسجيل عدم غرابتها ولو بنحو جزئي؛ وذلك أولاً بأن الملاحظ هو أن المجتهدين أنفسهم يمارسون أحياناً طريقة الترجيح بين الآراء الفقهية، ما يعني أنهم يزاولون عملية النظر من دون تمييز لها عن طريقة الاجتهاد. فالفقيه يعرض الآراء المتعلقة في المسالة فإما أن يبدي قناعته الكلية ببعض هذه الآراء، أو أنه يرجح بعضها على بعضها الآخر أو يكون له رأي جديد فيها، وهو حينما يرجح بعض الآراء على بعضها الآخر بلحاظ الأدلة المقدمة، إنما يزاول طريقة النظر متضمنة مفهوم الاجتهاد(3).
وثانياً بأن طريقة التقليد تواجه بعض الملاحظات، وهي الآتية:
1- إن التقسيم، وإن كان ثلاثياً _ اجتهاد أو تقليد أو احتياط _ فهو يرتبط بالناحية الوظيفية، ولكن الأمر من حيث المرتبة ليس كذلك لأن مشروعية التقليد لا تكون إلا بالاجتهاد، ولأن المقلد لا يصح له التقليد ما لم يجتهد بذلك وإلا تسلسل الأمر ودار. وكذلك الاحتياط فإنه غير مسوّغ إلا عبر الاجتهاد.
2- إن الأقسام الثلاثة ترتفع في الموارد التي يحصل فيها لدى المكلف العلم الوجداني، كما في الضرورات والقطعيات والمسائل الواضحة وإن كانت قليلة جداً.
3- كما أن من الموارد التي لا مجال للتقليد فيها ما يرتبط بتشخيص الموضوعات وفهم المعاني العرفية؛ حيث لا يكون التقليد فيها إلا في ما يحكيه عن الشارع الإسلامي.
4-     الموارد التي يتمكن المكلف من الاستنباط فيها كمسألة تقليد الأعلم.
5- الرأي الفقهي القديم المنكر للتقليد، والذي يعمد إلى إلزام المكلفين جميعا بتحصيل العلم بالأحكام الشرعية. وهذا الرأي وإن تمت مناقشته بعدم إمكان ذلك لعامة المكلفين، فإن هذه المناقشة لا ترد على طريقة النظر، حيث يكتفي بها بتعلم معالم الدين بصورة مجملة، وتكون له القدرة على تفهم بعض الآراء الفقهية ليتمكن من الترجيح بينها.
لمن طريقة النظر؟
 لا يمكن فتح باب طريقة النظر أمام جميع المكلفين، لأنها تتطلب نوعاً من الثقافة لا تتطلبه عملية التقليد، فالفئة المخوّلة أو التي تملك أهليّة أن تسير على طريقة النظر، هي الطبقة الوسطى بين المجتهدين وبين العوام المحرومين من الوعي الثقافي الإسلامي، أي أنها طبقة المثقفين التي أخذت تضع ثقلها الكبير في التأثير على الحياة العامة، وهذه الطبقة، وإن كانت ليست بمستوى التخصص والاجتهاد، فإنَّها ليست بمستوى العامية الصرفة والتقليد، وذلك لما تمتاز به من استعداد وقابلية عقلية للتَّمييز بين ما يقبل وما لا يقبل من الآراء والفتاوى.
نعم، لا يمكن وضع تعريف منطقي أو دقيق لهذه الطبقة، ولكنها موجودة في جميع المجتمعات وإن برتب متفاوتة.
 
أدلة طريقة النظر
إن إطلاق عنان المكلف في التقليد وعدم إلزامه بالرجوع إلى شخص واحد، قد يتم فقهياً عبر رفع اليد عن شرطية الأعلمية في التقليد. كذلك يرفع اليد عن شرطية الحياة في المكلف، وكذلك برفع اليد عن عدم جواز التبعيض في التقليد، ولكن في البحث عن طريقة النظر هذه لا بد من أن نحافظ على اعتبار هذه الشروط لأننا نعدّ طريق النظر عدلاً للطرق الثلاث: الاجتهاد والتقليد والاحتياط.
1_ الدليل الشرعي
 قوله تعالى: ]الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأولَئِكَ هُمْ أولُو الأَلْبَابِ[ (الزمر:18)، فعموم الآية، أو إطلاقها، يثبت أن على الناظر أن يتعامل مع الآراء الفقهية بوصفها أقوالاً مختلفة، وعليه أن يعوّل على ما يراه أحسنها. فيكون النظر من تطبيقات الآية الشريفة.
وقد تحدث المفسرون عن الآية، ومما ذكره العلامة الطباطبائي عنها قوله: "فتوصيفهم باتباع أحسن القول معناه أنهم مطبوعون على طلب الحق وإرادة الرشد وإصابة الواقع، فكلما دار الأمر بين الحق والباطل والرشد والغي اتبعوا الحق والرشد وتركوا الباطل والغي، وكلما دار الأمر بين الحق والأحق والرشد وما هو أكثر رشداً أخذوا بالأحق الأرشد. فالحق والرشد هو مطلوبهم ولذلك يستمعون القول ولا يردون قولا بمجرد ما قرع سمعهم اتباعا لهوى أنفسهم من غير أن يتدبروا فيه ويفقهوه"(4).
والنتيجة هي أن الآية إما أنها تحبِّب اتباع أحسن الأقوال أو أنها توجب ذلك، وظاهر الآية ليس بعيدا عن الاحتمال الأخير(5).
2 _ دليل العقل أو الأقربية
إن الدليل الذي يرجحّه الناظر يُعدّ أقرب إلى الحكم الإلهي في وجدانه، وهذا من تطبيقات الظن الذي يقوم مقام العلم عند تعذُّر الوصول إلى العلم، وقد ذكر المحقق القمي أنه طبقاً لدليل الانسداد، فإن العبرة بقوة الظن. كما أن ترجيح الأعلم على غيره إنما هو باعتبار أن ملاك الحكم هو الرجحان والأقربية لا الأعلمية من حيث ذاتها، وعليه فالناظر إنما يرجع في العمل إلى ما يراه أرجح لأنه يراه أقرب إلى الواقع لا سيما مع كون ظنون الناظر منضبطة ضمن ضوابط الفحص والتمييز العقلائي. نعم هذه الأقربية لا تثبت وجوب اتباع الناظر لما يراه الأقرب، وإن كانت الأقربية مطلوبة في حد ذاتها من باب الأولوية.
3_ الدليل المنطقي
يعتمد هذا الدليل على قاعدة منطقية هي عدم صحة العدول عن اتباع الدليل الراجح باتباع الدليل المرجوح، مستشهداً لذلك باستدلال بالفقهاء من ضمن ما استدلوا به على وجوب تقليد الأعلم، من جهة أنه حيث يجب العمل بالدليل الراجح يجب تقليد الأفضل، فحجية الدليل تقوم أساسا على الترجيح، وهذه القاعدة تنسحب إلى الحكم بعدم جواز رجوع المكلف إلى من ينظر إليه بأنه مخطئ مشتبه في حكمه، أو أن حكمه لا يفيد الاطمئنان بشيء وأن هذا الأمر يشهد له العديد من الموارد التطبيقية عند الفقهاء، وهذه الموارد هي:
أ _ عدم جواز رجوع المجتهد إلى المجتهد الآخر إذا كان الأول يرى انسداد باب العلم والظن المعتبر في حقه إلى المجتهد القائل بانفتاح باب العلم، لأنه يرى خطأه في ذلك، فإن الانسدادي مثلاً لا يرى حجية خبر الواحد، فكيف يرجع إلى القائل بحجيته وهو يرى خطأه؟
ب _ عدم جواز تقليد المجتهد المتجزئ للمجتهد المطلق، لأنه يرى خطأه واشتباهه والحجة قامت عنده والتقليد مختص بمن لم تقم الحجة عنده، وهذا ينطبق على صاحب النظر.
ج _ ما ذكره الأخند من أنَّ العامي إذا استقل رأيه في بعض الموارد فكان خبيراً بالأدلة، فليس له التقليد بل له مخالفة الأعلم.
د ـ ما ذكره الأصفهاني، صاحب الفصول، من أن العامي لو علم بطلان ما أفتى به المفتي، فإن له أن لا يقلده في ذلك ومراجعة غيره. أو فتوى بعض المعاصرين بأن العامي لا يجوز له التقليد بكل ما لا يرى، اطمئناناً في حكم المجتهد .
4 ـ البناء العقلائي
ما نشاهده، في جميع الحرف والمهن، حيث إن من يرجع إلى أصحاب الاختصاص إذا كانت لديهم الخبرة والتمييز، فإنهم لا يرجعون إلى قول الأكثر علما إذا ظنوا أنه على خطأ وغير صواب ويشهد لذلك ما ذكروه في حكم رجوع صاحب الملكة إلى من يحتمل انكشاف الخطأ عنده إذا راجع الأدلة.
ولذا نقول في حق صاحب النظر: إنه كيف يسوغ دعوى أن العقلاء يلزمون صاحب النظر بالرجوع إلى من يراه مخطئا بعد الفحص، بل الأمر به أشد صعوبة لأنه ليس كصاحب الملكة ليس عنده سوى احتمال ذلك.
 
مراتب النظر
 إن صعوبة وضع تعريف وتحديد منطقييِّن للمثقف تفرض صعوبة على عملية وضع حد تفصيلي لمراتب النظر، أو حتى بين بعض هذه المراتب وبين الاجتهاد والتقليد لتداخل الحدود الوسطى، ولكن تقسيماً عاماً فرض، وهو تقسيم الناظر منهجياً إلى مرتبتين:
1_ المرتبة التفصيلية
ويمتاز فيها صاحب النظر بالدقة والوضوح في استبعاده لبعض الأفكار والقبول بأخرى، والمثال الذي يقدمه لهؤلاء هم طلاب مرحلة الخارج الذين يتمكنون من التمييز في التفاصيل التي تردهم، مع أن الفقهاء يحكمون عليهم بلزوم التقليد
2_ المرتبة الإجمالية
أن يطمئن صاحب النظر إلى ما يرده من إجمال الأدلة لبعضها دون بعض، مستعيناً لذلك بما له من قدرة فطرية يميز فيها ما يراه عقله أقرب للصواب، كيف وقد اكتفى العلماء في علم الكلام بالعلم الإجمالي بالأدلة العقديَّة، نعم على الناظر، في هذه المرتبة الإجمالية، أن يكون على بيِّنة واطلاع على ما يخص معالم الدين الأساسية وأصول الفقه، من دون الحاجة للدخول في التفاصيل التي يمارسها الفقهاء، لأن الكثير من المبادئ المقررة يمكن ممارستها بشكل تلقائي حتى مع عدم الدقة في معرفتها على التفصيل، وما لم يكن واضحا لديه فإن من الواجب عليه ممارسة النظر وترجيح ما يراه أقرب إلى الشريعة ومقاصدها.
 
فائدة طريقة النظر
لقد تم الحديث عن فائدة مهمة تترتب على طريقة النظر، على مستوى الأمة، ويرتبط ذلك بالموارد التي تدعو الضرورة إلى تشكيل لجان خاصة لصياغة القرارات الدستورية والقانونية؛ وذلك طبقا للنظر في أدلة اجتهاد الفقهاء والعمل على ترجيح بعضها على بعضها الآخر.
هذا عرض موجز لهذا الطرح الذي يعمل للتأسيس، لفتح الباب أمام حرية من نوع ما في انتخاب الحكم الشرعي الذي يميل إليه المكلف بنحو يكون على درجة من الاطمئنان للحكم، ما لا يوفره التقليد الذي يعني الالتزام بالعمل من دون إطلاع على تفصيل القول في الحكم أو المدرك فيه، أو في الخروج من الشعور بنحو من السلطة للفقيه على حياة الشخص الناظر.
على أن طريقة نقاشنا هذه قد تكون ذات لغة علمية خاصة هي لغة الفقه، وهذا ما يفرضه البحث، لا سيما وأن الكاتب إنما سار في عرضه لأدلته، على طريقة النظر هذه، على الطريقة الفقهية، فاستخدم أسلوب الاستدلال الفقهي بالاعتماد على القرآن أو العقل أو سيرة العقلاء مقربا الدليل في الجميع بما لم يخرج فيه عن السائد الفقهي.
نقد النظرية
إن هذه النظرية، مع تقديرنا لجدتها والجهد المبذول في التأسيس لها، هي، كأي طرح جديد، لا بد من أن تقع في دائرة النقد والتمحيص، ولا يعني أي نقد الحكم على النظرية بالإخفاق أو السقوط، بل لعله يصقلها لتصبح أكثر متانة وتتسع دائرة القبول لها أو أن تكون حجة الرافض لها واضحة للآخر.
إننا سوف نسجل ملاحظاتنا على هذه النظرية ضمن إطارين: الأول يتعلق بالملاحظات العامة الواردة على هذه النظرية، والثاني يتعلق ببعض الملاحظات الخاصة على الأدلَّة الواردة في هذه النظرية، أو على بعض مواطن الاستشهاد المذكورة فيها.
 
الإطار الأول: الملاحظات العامة
الملاحظة الأولى: ونسجلها من خلال ملاحظة الأساس الذي ذكره الفقهاء لتقسيمهم الثلاثي المشهور، وهو: المكلَّف إما أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً. إن الأساس في ذلك هو أن كل مكلف يعلم علما إجماليا بثبوت أحكام إلزامية في الشريعة المقدسة من وجوب وحرمة، وبهذا العلم الإجمالي تتنجز التكاليف بحقه، والعقل يلزم المكلف بأداء هذه التكاليف، والطريق لأداء هذه التكاليف هو الخروج عن عهدتها بإحدى الطرق الثلاث: إما الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط، والاجتهاد متعذِّر على العامي والاحتياط متعسر، فيبقى التقليد هو الطريق الذي لا بد للعامي من أن يسلكه.
وقد أشار الفقهاء إلى أن اعتماد المكلف لطريق التقليد ينبغي ألاَّ يكون عبر التقليد بل لا بدّ من أن يكون ذلك عبر الاجتهاد، ودفعا لتوهم أن مثل هذا الأمر متعسر على العامي، يتحدث الفقهاء عن السيرة العقلائية وبناء العقلاء بوصفهما أمرين واضحين يعتمد عليهما العامي في التقليد، لأن الثابت من بناء العقلاء رجوعهم في كل حرفة وصنعة، بل في كل أمر راجع إلى المعاش والمعاد إلى أهل الخبرة، وإنه من باب رجوع الجاهل إلى العالم، لأنه من أهل الخبرة والاطلاع ولا ردع عن هذه السيرة، وهي وإن لم يلتفت إليها المكلف مفصلا ولكنها موجودة عنده ارتكازا بحيث يلتفت إليها بأدنى إشارة.
هذا ما ذكره الفقهاء في بيان تقسيمهم الثلاثي، ونحن أمام طريقة النظر هذه نجد محاولة جديدة تعتمد على إبداع طريق رابع لا يشمل جميع المكلفين، ويرى في هذا الطريق سيراً نحو الخروج عن مسؤولية المكلف أمام التكاليف الإلهية، ونحن هنا نسأل عن هذا الطريق الجديد المسمى طريق النظر: هل يسلكه المكلف عبر الاجتهاد الشخصي من قبله، أي أن عليه أن يلاحظ أدلة طريقة النظر ويقتنع بها، بوصفها حجة يقطع من خلال سلوكها بخروجه عن عهدة التكاليف ومسؤولية الطاعة أو إن طريق ذلك التقليد، والتقليد لا بدّ من أن يكون للمجتهد الحي الأعلم، والاحتفاظ بشرطي الحياة والأعلمية في البحث فرض مسلم، لأننا إنما بحثنا طريقة النظر مع حفظهما شرطين في المجتهد الذي لا بدّ من تقليده. وحيث أننا لا نملك فتوى من مجتهد حي أعلم لا في زماننا، ولم يسبق أن حصل وأن أفتى فقيه بطريقة النظر هذه، فإذا ينحصر طريق ذلك بأن يقوم كل مثقف مسلم بالبحث والتمحيص حول طريقة النظر هذه إلى أن يصل إلى حد الاجتهاد فيها وتكون هي المدرك له لاعتماده على طريقة النظر وتركه لطريقة التقليد. كما أن على هذا الناظر أن يلحظ الأدلة التي ذكروها لإثبات وجوب تقليد الأعلم، ويطمئن لبطلانها، وإلا فإذا كان يحتمل وجود دليل على لزوم تقليد الأعلم فليس له اتباع طريقة النظر وترك طريق التقليد.
وينبغي ألاَّ يتصور أن بالإمكان سوق ما ذكروه في مسألة التقليد من وجود ارتكاز عند كل مكلف على التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم، لان الأمر في طريقة النظر ليس كذلك، فليست مسألة النظر هي من البناءات العقلائية الارتكازية التي تملك وضوحاً داخلياً لمن لم يلتفت إليها ووضوحاً عاماً لمن التفت إليها. بل لا بد من التفات من نحو خاص لا يتأتى إلا بتتبُّع المسألة للوصول إلى درجة من العلم بها أو الاطمئنان إليها. وهذه الملاحظة قد تعود في الحقيقة إلى ملاحظة ما تملكه هذه النظرية من قيمة واقعية لا علمية، ولكنها ملاحظة تضعف الاعتماد على مثل هذا الطرح.
الملاحظة الثانية: تعتمد طريقة النظر على وظيفة ملقاة على عاتق الناظر، وهي أن يلاحظ الآراء وينتخب منها ما يراه هو الأقرب بنظره والأرجح، ولكن ثمة سؤال مهم هنا وهو: ما هي الأقربية؟ وما هو المعيار الذي يستند إليه الناظر في الترجيح بين الآراء؟ أي ما هي المرجعية المعرفية التي لا بد للناظر من أن يكون لديه على أساسها موقف من الفتاوى على الصعيد المعرفي؟ إننا أمام احتمالات، وقد تم استخدام العديد من العبارات العابرة التي تصب في هذه النقطة، أي في ما يرجع إليه الناظر من آراء فقهية، فقيل: إنه أحسن الأقوال، إنه الأقرب إلى الحق، وما يقبل وما لا يقبل من الآراء والفتاوى، الأقرب إلى واقع الحكم الإلهي، الأقرب إلى الصواب، ما يراه راجحاً، الاطمئنان لصحة القول، الترجيح بين الأدلة، ما يراه أقرب إلى الشريعة ومقاصدها(6). إن هذا الاختلاف في التعبير، وإن أمكن إرجاع بعضه إلى بعضه الآخر واعتبار العبارات شتى والمقصود واحد والمعاني متداخلة، ولكن لا يمكن القول بأنها جميعها كذلك، ونحن حينئذ لا بد من أن نقول: إنَّ الاحتمالات في ذلك متعددة والمرجعيات التي يعتمد عليها الناظر مختلفة ولا داعي لحصرها في واحد، بل أحد هذه الأمور هو ما يكون موجباً لالتزام الناظر بالرأي الفقهي الكذائي. ولكن العديد من هذه الآراء لا تزال تتصف بالغموض، فما هو المراد من أحسن الأقوال؟ وما المراد من الأقرب إلى الصواب؟ وما هو معيار الخطأ والصواب؟ وما المراد ممَّا يراه راجحا؟ وما هو معيار الرجحان؟
 و نعود إلى ملاحظة الاحتمالات التي يمكن أن تشكل معياراً لرفض هذه الآراء أو القبول بها:
الأول: إنه عبارة عن الأقرب إلى واقع الحكم الشرعي، ولعله هو المراد من قوله الأقرب إلى الحكم أو الأحسن. إننا إن أردنا التجاوز قليلا عن غموض المراد من واقع الحكم الشرعي، فما هو معنى هذه المفردة. ونفترض أن المراد منه ما يصطلح عليه الفقهاء بأنه الحكم الواقعي. ولكن هذا المعيار لا يمكن أن يكون هو المرجع المعتمد لدى الناظر، لأنه كيف يعرف أن هذا الرأي هو الأقرب إلى واقع الحكم الشرعي، ألا تتوقف معرفة الأقرب إلى شيء ما على معرفة ذلك الشيء ؟ هل يفترض الكاتب الحكم الشرعي معلوما حتى يعرف الناظر الأقرب إليه؟ وإذا كان معلوما تفصيلا فلا حاجة إلى اتباع الأقرب لأنه معلوم ، وان كان معلوما إجمالاً فهل تكفي الأقربية هذه للخروج عن العلم الإجمالي بالتكليف الثابت على العهدة؟
 الثاني: إن المعيار هو قبول الرأي المتبع والاطمئنان إلى صحَّته قياساً بالرَّأي الآخر الذي لا يتصف بالقبول، وهذا المعيار لا يمكن أن يكون هو الملاك لطريقة النظر، لأن العلم بخطأ رأي المجتهد وكون رأيه غير قابل للقبول لأجل خطئه متفق عليه، وقد ذكر الفقهاء أن المقلد إذا علم خطأ المجتهد لا يجوز له تقليده، لأن التقليد لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي، وإذا علم المكلف خطأ المجتهد فكيف له أن يقلِّده في هذا الرأي ؟
الثالث: إن المعيار هو ملاحظة الأقرب إلى مقاصد الشريعة. وفكرة المقاصد هي من المسائل الشائكة عند الفقهاء، وهي لا تزال غريبة على الفقه سواء السني أم الشيعي، وإن صدرت الدعوة من قبل جماعة من الفقهاء للاعتماد عليها في الفتوى وعند استنباط الحكم الشرعي، ونحن، وإن كنا نرى لفكرة المقاصد أهميتها القصوى في عملية الاستنباط وأنها سوف تشكل بملاحظتها فقهاً أشد ارتباطاً بتعاليم الإسلام ورسالته، فإنَّنا نرى أنَّ هذه المهمة تقع على عاتق الفقهاء والمجتهدين؛ وذلك عند قراءتهم للنص الديني ومراجعتهم للإجماعات والأدلة، وأين منها صاحب النظر؟ إضافةً إلى أنها لا تزال غير منقحة حتى عند الفقهاء والمجتهدين فكيف بغير المجتهد وإن كان صاحب نظر، بل يكفي لهذا الناظر أن يلحظ أمراً واحداً، وهو أن الشريعة بنيت على جمع المفترقات وتفريق المجتمعات كما اشتهر، فأي أقربية هذه التي تحصل من ملاحظة مقاصد الشريعة.
الرابع: إن المعيار ملاحظة قربها للعقل وتقبل العقل لها، أي أن الناظر يستعين بما له من قدرة فطرية يميز فيها ما يراه عقله أنه أقرب للصواب من بين ما يرد إليه من إجمال في الأدلة(7).
لعل أكثر ما أخذ حيزاً عند الفقهاء في البحث هو كون العقل دليلاً، ما يطرح سؤالاً واحداً هو: إلى أي مدى يمكن للعقل أن يكون دليلاً، فالخلاف الأصولي الأخباري يمتد في إحدى تشعباته إلى دائرة العقل، هذا لا سيما مع استشهاد الأخباريين بعدد من الروايات التي تنهى عن استخدام العقل، ولعل أشهرها أن دين الله لا يصاب بالعقول، على أن العقل الذي يريد أن يشكل مرجعية هنا لتفضيل بعض الآراء الفقهية على بعضها الآخر عند صاحب النظر لا نعرف ما المراد منه تحديداً، ولنا هنا احتمالات في ذلك:
أحدها: أن يكون العقل المحض الفطري، أي المدركات الأولية العقلية الموجودة لدى كل إنسان، كامتناع اجتماع النقيضين ونحوها، وهذا الأمر نستبعد أن يكون هو المراد، لأننا نسأل: هل لدينا فعلا مثل هذه الآراء الفقهية التي تتناقض مع مدركات العقل الأولية ؟
الثاني: أن يكون العقل بمعنى الوعي، وبمعنى ملاحظة أن أقرب الفتاوى إلى الواقع الذي يعيشه الشخص الناظر هي الأقرب إلى أن تتصف بالوعي، وأن الأدلة أو الفتوى التي يرى أنها ترتبط بواقعه أكثر هي المقدمة على غيرها، ولكن هذا غريب جداً؛ إذ متى كان الواقع هو الحاكم على الفتوى ؟ ومتى كانت الفتوى تسير طبق الواقع، نعم إذا كانت الفتوى لا ترتبط بالواقع، بمعنى أنها ليست واردة لهذا الواقع الذي يعيشه ويحيا فيه، فهو عندئذ غير ملزم باتباعها لعدم ارتباطها به، وأما إذا كانت الفتوى ترتبط بواقعه، ولكنها غريبة بعض الشيء عن المألوف الذي يعيشه، فهذا لا يعني أن ليس لها الترجيح.
الثالث: أن يكون المراد من العقل مجموع ثقافة الشخص الناظر، وما يختزنه ذهنه من فكر، وما يحويه من معطيات جمعها من خلال تكوينه الفكري ومرجعياته المعرفية، وهذا ما نتصور أنه الأقرب إلى مراد الكاتب، وهنا نتساءل: أي تكوين فكري هذا الذي يملك من الوعي وسعة الاطلاع ما يجعله حاكماً على فتوى الفقيه الأعلم فيعتقد بأنها لا تتوافق معه؟ مع أن الفقيه الأعلم لم تصدر منه الفتوى إلا بعد البحث المضني من ملاحظة الأدلة وتتبعها. أو هل يكفي أن أملك رؤية ثقافية عامة وذهناً تحليلياً يعتمد على اللاتخصصية بإقرار من الكاتب(8) بل والسطحية في الفتوى أمام المجتهد الأعلم لأرجح رأي غيره من المجتهدين عليه؟
ثم إن طبقة المثقفين هذه التي تملك مثل هذا العقل هل تتمكن من علاج جميع جهات المسألة التي هي محل ابتلائها؟ أو هل تكفي ملاحظة جهة من الجهات والنظر من خلالها لكون الفتوى أقرب إلى الواقع مع الإغفال عن الجهات الأخرى؟ ومثالاً على ذلك نذكر شرطية طهارة المولد في المقلد، فإن المثقف إذا لاحظ الأدلة التي ساقها الفقهاء لأجل إثبات شرطية هذا الشرط قد لا يقتنع بها وعند ملاحظته لأدلة بعض آخر قد يرى أنها أقرب للواقع، ولكن هل يتمكن هذا المثقف من حلّ ما يتمسك به الفقهاء المثبتون لمثل هذا الشرط من الأمر الثابت عن الفقهاء عامة من شرطية طهارة المولد في إمامة الجماعة أو في الشهادة. ولا أريد هنا أن أطالبه بحل لذلك، ولكن ألا ينبغي عليه ملاحظة ذلك عندما يريد ترجيح قول النافي على قول المثبت.
الملاحظة الثالثة: لقد قسَّم الفقهاء الأحكام إلى دائرتين: دائرة العبادات ودائرة المعاملات، ولعل المائز الأساسي بين الدائرتين هو خضوع المعاملات لدائرة الإمضاء، أي أن الشارع أمضى فيها ما لدى العقلاء، واقتصر عمله التقنيني على التدخل في بعض التفاصيل لإظهار الموقف الشرعي منها، وأما دائرة العبادات فهي خاضعة لدائرة التأسيس، أي أن الشارع قام بتشريع مجموعة من الوظائف العبادية للمكلف، وهذه العباديات تمتاز بأنها تحمل عنصر التعبد أي التسليم أمام ما ورد، من دون أن يكون للتساؤل عنها أيّ مجال مفتوح.
ونحن لا نريد أن نسحب التعبد هذا إلى دائرة الاستنباط لدى الفقيه، لأن الناظر إذا كان في العبادات يريد ملاحظة أقرب الأدلة التي يسوقها الفقيه لإثبات فعل عبادي أو جزئه أو شرطه، فالمجال مفتوح ولكن السؤال عن أي أقربية نستطيع أن نتحدث في دائرة العبادات؟ فإذا كانت العبادات لا تخضع للعقل مهما كان المراد منه من الاحتمالات المتقدمة، فأي مائز وأي معيار يكون هو الضابط الذي يرجع إليه الناظر ليلحظ القرب والبعد في الفتوى والدليل ليأخذ بالقريب أو الأقرب ويدع البعيد أو الأبعد؟
الملاحظة الرابعة: يخضع الاستنباط الفقهي لمجموعة من المباني التي يؤسسها الفقيه مسبقاً، وهذه المباني منها ما يرجع إلى علم الأصول، ومنها ما يرجع إلى علم الرجال، ومنها ما يرجع إلى ملاحظات خاصة في النصوص التشريعية لدى الفقيه . نعم دائرة تأثير هذه المباني قد لا تكون عامة شاملة لمختلف جزئيات المسائل الفقهية، ولكنها تؤثر في دائرة مهمة لا يمكن إغفالها أو التغاضي عنها، ومن هنا ينشأ السؤال: أنَّى لهذا الناظر والحال أنه يمتاز باللاتخصصية، تشخيص الأقرب في دائرة الفتاوى التي يرجع الاختلاف فيها إلى اختلاف المباني؟ فلنفترض أن فقيها كالسيد الخوئي مثلاً الذي اشتهر مبناه الرجالي بتوثيق رجالات تفسير القمي بنى على هذا الرأي، وأصدر فتواه في مسألة ما. ولنفترض أن هذا الحكم كان فيه نوع من البعد عن عقل هذا الناظر وثقافته لورود نص ما ورد في سلسلة رواته أحد رجالات القمي، ولكن فقيها آخر لا يبني على مثل هذا المبنى، فلم تتم لديه الرواية سنداً، ولم يفت طبقاتها وعلى هذا الأساس كانت فتواه أقرب إلى عقل هذا الناظر وثقافته، فهل لهذا الناظر أن يعدّ فتوى الفقيه الآخر أقرب، وهو لا يدرك المبنى الذي اعتمد عليه مثل السيد الخوئي، أو أن على الناظر أن ينقّح المباني العامة قبل دخوله في النظر والترجيح.
الملاحظة الخامسة: إن من أهم ما يردّ به على الاعتماد على طريقة النظر هذه هو ملاحظة الروايات الواردة في باب التعارض من علم الأصول،
وتعميقاً منا لهذه الملاحظة سوف نوردها بشيء من التفصيل عبر مقدمات هي:
الأولى: لقد أفرد الأصوليون باباً مستقلاً للبحث في حل مشكلة تعارض الروايات، وخصوصية هذه الروايات أنها تحكي عن التعارض الذي كان يحدث لدى أصحاب الأئمة، والأئمة أحياء موجودون والأصحاب متمكِّنون من الوصول إليهم، وإذا راجعنا هذه الروايات نجد أن المعيار الذي يذكره الإمام لحل مشكلة التعارض يرجع إلى ضوابط عامة ذكرها الإمام ×، ووردت في العديد من الروايات وأشهرها روايتان هما:
1 _ رواية عمر بن حنظلة: وهذه الرواية وردت بداية في شأن اختلاف الحكمين، ثم وردت في حكم تعارض الدليلين لدى الحاكمين، ونص الرواية هو الآتي: "عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله × عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً، وإن كان حقاً ثابتاً له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: ]يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به[. قلت:فكيف يصنعان؟ قال: ينظران [إلى] من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله. قلت: فإن كان كل رجل اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما، واختلفا في ما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر، قال: قلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر ؟ قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه، وإنما الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله ’: حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم. قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة، قلت: جعلت فداك، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفا لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد. فقلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاًَ. قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر. قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً؟ قال: إذا كان ذلك فارجه حتى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات"(9).
وإنما ذكرت الرواية كاملة لأجل أن يكون واضحاً لدى القارئ مدى ما وصل إليه السائل من فرض مسألة التعارض ووقوع المكلف بين أمرين، وأن الإمام حتى آخر الافتراضات لم يرجعه إلى الأخذ بما يراه هو أقرب وأصوب.
2 _ مرفوعة زرارة بن أعين. "قال: سألت الباقر × فقلت: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ ؟ فقال: "يا زرارة، خذ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشاذ النادر، فقلت: يا سيدي انهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم ؟ فقال ×: خذ بقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك، فقلت: إنهما معا عدلان مرضيان موثقان ؟ فقال: أنظر إلى ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه وخذ بما خالفهم، فإن الحق في ما خالفهم، فقلت: ربما كانا معاً موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع؟ فقال: إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك ما خالف الاحتياط، فقلت: إنهما معاً موافقين للاحتياط أو مخالفين له فكيف أصنع؟
فقال ×: إذن فتخير أحدهما فتأخذ به وتدع الآخر"
(10).
الثانية: إن الضوابط المذكورة في الروايتين هي عبارة عن مرجحات ذكرها الإمام، كالترجيح بالشهرة أولا مقابل غير المشهور أو الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة، وهذه المرجحات، وإن كانت توجب أقربية المشهور من غيره أو الموافق للكتاب من غيره أو الموافق للعامة من غيره، فإنَّ هذه الأمور جميعها لا ترجع إلى رأي من حصل عنده هذا التعارض من الأصحاب أو الفقهاء بل ترجع إلى أمور واقعة في الخارج ومتحققة، أي أنها لا ترجع إلى مجرد استصواب الناظر أو ما يصل إليه هو بنفسه. وبهذا يظهر لنا الإشكال على طريقة النظر هذه، فإن الإمام لم يرجع هذا الشخص إطلاقاً إلى ملاحظة ما يراه هو أقرب إلى الواقع بل جعل له قواعد يرجع إليها للترجيح.
كما أن الملاحظ في الروايتين ترجيحهما الواضح للاحتياط، ففي الأولى ورد الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات، وفي الثانية ورد خذ بما فيه الحائطة لدينك.
الثالثة: ونحن نعلم أن الفتوى اليوم هي بمكانة الرواية عن أصحاب الأئمة، فقد كان الأصحاب يتلقون أحكامهم عن طريق نقل الرواية وبقي الأمر كذلك إلى كتب فقهائنا الأوائل، ثم بدأت الرواية تتحول إلى الفتوى، وبهذا نعرف أن المعيار الذي ينبغي أن يرجع إليه المكلف، وإن كان من ذوي النظر، لا يمكن أن يكون هو ما يراه هو أقرب للصواب بل يرجع إلى ترجيح ما يذكر في الفقه كترجيح أحوط الأقوال أو قول الأعلم.
والنتيجة هي أن الأقربية للواقع لم يتحدث عنها الإمام إطلاقاً بعضها ملاكاً للترجيح للمكلف إعماله، بل إن الأمر عندما وصل إلى مكان مسدود في الترجيح أمر الإمام السائل بالاعتماد على الاحتياط. وطريق الأقربية هذا لو كان محلاً للاعتبار لأمر به الإمام أصحابه. وقد استدل بعض فقهائنا على اعتبار الأعلمية باعتبار أن فتوى الأعلم هي الأقرب إلى الواقع وأجاب عن ذلك بعض فقهائنا بأنه لا دليل لدينا إطلاقاً على كون الأقربية من المرجحات؛ إذ لم يقم دليل على أن الملاك في التقليد ووجوبه هو الأقربية للواقع بل إن الأقربية ليست مرجحة في الروايتين المتعارضتين، ومن هنا قد تعارض الصحيحة الموثقة ولا في البينتين لوضوح أن إحداهما لا تتقدم على الأخرى بمجرد كونها أقرب الى الواقع كما إذا كانت أوثق من الأخرى مع أن حجية الطرق والأمارات من باب الطريقية إلى الواقع فكذلك الحال في الفتويين المتعارضتين(11).
الملاحظة السادسة: لقد تقدم أن الانتصار لهذه النظرية تم عبر تسجيل أن الملاحظ أن المجتهدين أنفسهم يمارسون أحياناً طريقة الترجيح بين الآراء الفقهية، ما يعني أنهم يزاولون عملية النظر من دون تمييز لها عن طريقة الاجتهاد، فالفقيه يعرض الآراء المتعلقة في المسألة، فإما أن يبدي قناعته الكلية ببعض هذه الآراء أو أنه يرجح بعضها على بعضها الآخر، أو يكون له رأي جديد فيها، وهو حينما يرجح بعض هذه الآراء على بعضها الآخر، بلحاظ الأدلة المقدمة، إنما يزاول طريقة النظر متضمنة مفهوم الاجتهاد(12).
إذا، لطريقة النظر نوع من المشروعية أو عدم الغرابة، باعتبار أن من الفقهاء من يمارس عملية النظر هذه وإن لم يميزها من طريقة الاجتهاد، ولنا على هذا الكلام ملاحظة، وهي أننا لا نسلم بأن الفقيه يقوم بعملية النظر في ما ظن أنه كذلك، لأن الفقيه عندما يلاحظ الأدلة التي قدّمها من سبقه من الفقهاء ويلاحظ النقد الوارد عليها فيتبنى رأياً منها أو دليلاً، لا يقوم بمجرد ممارسة النظر والترجيح، لأن الفقيه في ملاحظاته هذه يقوم باستخدام ما يملكه من أدوات اجتهادية، ويعمل على استخدامها في تمحيص الآراء هذه وتقييمها وانتخاب الصحيح فيها وليس ما يمارسه الفقيه حينئذ هو كالذي يمارسه الناظر، وعليه فقياس الأمرين وجعلهما سواء فيه نوع من الاتهام لعمل الفقيه هذا، وكأن الفقيه عند عمله هذا يترك أدوات الاجتهاد وآليات الاستنباط جانباً ليقوم بعملية ترجيح مجردة كالتي يقوم بها الناظر. ولو فرضنا أن فقيها قام فعلاً بهذا الأمر فإنه لن يكون صاحب رأي في تلك المسألة ولن يكون ممن اجتهد فيها.
الملاحظة السابعة: مما استشهد به لإثبات طريقة النظر هو أن الكثير من علماء الاتجاهين السني والشيعي قد عدّوا صورة الإجمال في معرفة الدليل مقبولة بخصوص العقائد وعلم الكلام حتى بالنسبة للعامي فضلا عن المجتهد. فقد رأوا أن من الواجب على كل عامي أن يعلم أدلة العقائد ولو إجمالا لعدم اختصاصه وتبحُّره…. فإذا كان هذا الرأي سليماً، رغم أهمية العقائد وكونها تحتاج إلى الأدلة القاطعة، فكيف لا يصح الأمر مع الأحكام وهي من الفروع التي لا ترقى إلى مستوى تلك العقائد (13). فإذا نتمسك بنوع من الأولوية وأن الفروع أولى من الاكتفاء بالإجمال فيها من العقائد، ولكن هنا حصلت الغفلة عن فارق بين العقائد والفروع، وأن هذا الفارق هو الذي أوجب الاكتفاء بالإجمال في العقائد وهو أن المطلوب في العقائد لما كان هو الاعتقاد الذي هو بمعنى عقد القلب وتحصيل ما تركن إليه النفس، كان


بين الشِّيعة والمعتزلة العلاقة الملتبسة وتاريخ الخلاف الفكري

9 أكتوبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

 تمهيد
من المسائل التي تثار حول الشيعة _ إلى جانب عشرات التُّهم التي انهالت عليها خلال العصور التاريخية _ مسألة تأثرها بأفكار المعتزلة في المذاهب الكلامية وفقدانها الاستقلالية في هذا المجال. وسوف نرى، من خلال هذا البحث، كيف يثبت عكس ذلك، فضلاً عن نفي الادّعاء نفسه، بمعنى أن المعتزلة أنفسهم هم الذين أفادوا من الفكر الشيعي وتأثروا به.
بداية، سنرصد آراء بعض المفكرين المسلمين من معتزلة وأشاعرة، إضافة إلى جملة من الغربيين، وذلك من خلال المسار التاريخي للموضوع. وسيتضح كيف أن التشيُّع بوصفه تياراً، وقف بوجه المعتزلة ومنذ بداياتهم الأولى في مختلف المجالات، ما قد يجعل الباحث يعزو توجيههم للتهمة السابقة إلى تلقيهم هزائم على يديه. وسنبرهن من خلال البحث على تأثر المعتزلة بالشيعة. وهنا علينا أن نذكِّر بمسألتين:
1-         إنهُ لا نقاش في أصل التأثر والتأثير، فإن جميع الأفكار في المجتمع، وبمختلف أطيافها، ستخضع لمرحلتي التأثر والتأثير بشكل مباشر أو غير مباشر. لكنّ موضوعنا يُعنى بما هو فوق التأثر المتقابل الطبيعي، أي مؤثرات الاتجاه العام في علم الكلام الشيعي.
2-         إن مرادنا من المعتزلة هو ذلك المذهب الذي أسس من قبل "واصل بن عطاء" في أوائل القرن الثاني (وذلك لأن بعض الباحثين قد ينسب تاريخ الاعتزال لعهد عثمان أو الإمام علي × وغير ذلك مما هو خارج عن بحثنا).
 
إدِّعاء تأثّر الشيعة بالمعتزلة
لعل "الخيّاط المعتزلي (م/300 هـ) هو أول القائلين([1]) بتأثر الشيعة بالمعتزلة؛ حيث يقول في كتابهِ الانتصار:
أمَّا جملة قول الرافضة فهو: "إن الله عز وجل ذو قد وصورة وحد يتحرك ويسكن ويدنو ويبعد ويخف ويثقل… هذا توحيد الرافضة بأسرها إلا نفراً منهم يسيراً صحبوا المعتزلة واعتقدوا التوحيد، فنفتهم الرافضة عنهم وتبرَّأت منهم، فأمّا جملتهم ومشايخهم مثل هشام بن سالم وشيطان الطاق وعلي بن ميثم وهشام بن الحكم وعلي بن منصور والسكاك فقولهم ما حكيت عنهم"([2]).
ويقول في عبارة أخرى: "فهل على وجه الأرض رافضي إلاّ وهو يقول "إنّ للهِ صورة، ويروي في ذلك الروايات ويحتج فيه بالأحاديث عن أئمتهم إلاّ من صحبت المعتزلة فقال التوحيد، فنفتهُ الرافضة عنها"([3]).
ثم يذكر في مقابل ذلك أفكار المعتزلة، وهي عبارة عن:
"إن الله واحد ليس كمثلهِ شيء، لا تدركهُ الأبصار ولا تحيط بهِ الأقطار وأنه لا يحول ولا يزول ولا يتغير ولا ينتقل، وإنه الأول والآخر والظاهر والباطن وإنه في السماء إله وفي الأرض إله، وإنه أقرب إلينا من حبل الوريد، وما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم ولا خمسة إلاّ هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلاّ هو معهم أينما كانوا، وإنه القديم وما سواه محدث، وإنه العدل في قضائهِ، الرحيم بخلقهِ، الناظر لعبادهِ، وإنه لا يحب الفساد ولا يرضى لعبادهِ الكفر ولا يريد ظلماً للعالمين… وهذهِ الأقاويل الأمة مجمعة عليها مصدقة قول المعتزلة فيها"([4]).
ومن الطريف أن يدَّعي إجماع الخوارج والمفوضة والجبريين والمشبهة والإخباريين وكأنهُ لا يوجد نزاع بين الإخباريين والمعتزلة، ولا شيء من الأزمات التي دارت في عصر المأمون والمعتصم والواثق. وكذلك نفي الخلاف بين حسن البصري وواصل، وأن يقول: ليس من أحد سوى الشيعة انحرف في معتقداته، حيث إن الادعاء يفرض تصديق الأمة جمعاء لكلام المعتزلة، أما الشيعة فلها طريق منحرف عن ذلك!
وكان أبو الحسن الأشعري ثاني شخص، بعد الخياط، ينسب ذلك للشيعة _ لكن ليس بتلك الجرأة _ فكتب يقول:
"الفرقة السادسة من الرافضة يزعمون أنّ ربهم ليس بجسم ولا بصورة، ولا شبيه الأشياء ولا يتحرك ولا يسكن ولا يماس، وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة والخوارج، وهؤلاء قول من متأخريهم وأوائلهم فإنهم كانوا يقولون ما حكينا عنهم من التشبيه"([5]).
ثم أعقب الاشعري ابن تيمية فواصل، في هذا الموضوع، وقال فيه:
"ولكن في أواخر المئة الثالثة دخل من الشيعة في أقوال المعتزلة كابن النوبختي، صاحب كتاب الآراء والديانات، وأمثاله، وجاء بعد هؤلاء المفيد بن النعمان وأتباعهُ، ولهذا نجد المصنفين كالأشعري لا يذكرون عن أحدٍ من الشيعة إنهُ وافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم إلا عن بعض متأخريهم، وإنما يذكرون عن قدمائهم التجسيم وإثبات القدر وغيرهِ، وأول من عرف في الإسلام إنهُ قال إن للهِ جسم هشام بن الحكم"([6]).
وقد كرر هذا الكلام من المعاصرين "أحمد أمين":
"بعض الشيعة يزعم أن المعتزلة أخذوا عنهم، وأن واصل بن عطاء من المعتزلة تلميذ لجعفر الصادق، وأنا أرجِّح أن الشيعة هم الذين أخذوا من المعتزلة تعاليمهم"([7]).
ونقل عبد القاهر البغدادي، في الفرق بين الفرق، عن ابن الراوندي والجاحظ وأبي عيسى الوراق قول هشام بن الحكم في التجسيم،([8]) وجميعهم كانوا معتزلة لمدّةٍ من عمرهم، وكذلك الدكتور علي عبد الفتاح أعاد كلام ابن تيمية مرة أخرى([9]).
ونسب ابن حزم الأمر نفسه للشيعة في كتاب الفصل:
"وجمهور متكلميهم، كهشام بن الحكم الكوفي وتلميذه أبي علي الصكاك وغيرهما، يقولون بأن الله تعالى محدث، وأنه لم يكن يعلم شيئاً حتى أحدث لنفسهِ علماً، وهذا كفر صريح. وقد قال هشام هذا في حين مناظرته لأبي الهذيل العلاف: إنّ لربهِ سبعة أشبار بشبر نفسهِ([10]).
وكتب القاضي عبد الجبار الهمداني في المنية والأمل يقول:
وتفردوا بأن قالوا: علم الله حادث وأطبقوا إلاّ من عصم الله على الجبر والتشبيه([11]).
أما الشيخ إسحاق بن عقيل، مؤلِّف كتاب الفرق الإسلامية، فقد عدّ التشيع منحازاً للمعتزلة أو أنه يرجع للمشبهة، وهو مما لا تقول به المعتزلة ولا المصادر الشيعية([12]).
إلى جانب هذا الكم من كتب المسلمين، يضاف بعض المستشرقين الذين كان لهم رأي مشابهٌ في الموضوع، لاسيما من يعدّ منهم الصراع السياسي عاملاً في ظهور التشيع نافياً وجود العوامل الدينية عنهُ([13]).
 فقد ذكر "مكدرموت" هذا الموضوع في جوانب عديدة من كتاب الفكر الكلامي للشيخ المفيد، منها بُعيد نقله لكلام ابن تيمية من دون تتمة، فذكر يقول:
"كانطباع أولي عن الإمامية هذا صحيح (أنهم كانوا من المشبهة) لكنهُ لم يشر لبعض وثائق نهايات القرن الثالث عندما أخذوا تعاليم مهمَّة من المعتزلة، فكلامه بحاجة لتتمة"([14]).
نعم، لا يوجد خلاف بين "مكدرموت" وابن تيمية في أصل تأثر الشيعة بالمعتزلة. ويقول "آدم متيز":
"من ناحية الأفكار الكلامية وأسلوبها هم ورثة للمعتزلة، وكان تهميش المعتزلة للأدلة النقلية عاملاً مواتياً مع مآرب الشيعة، ولم يكن لهم مدرسة كلامية تذكر في القرن الرابع"([15]).
ويقول ( مونتغمري وات ) في هذا السياق:
ليس هناك فرق ملحوظ بين الشيعة وبعض المعتزلة، فمن طريقة التفكير فهم يعدّون القرآن مخلوقاً _ مثلاً _، لكن الذي بقي غامضاً هو مدى تأثير المعتزلة ومن أين نشأ([16]).
الاستقلال الفكري (الشيعة والإمامة)
يعدّ بحث الإمامة أول أوجه الإستقلال في التفكير الشيعي. ونظراً لكون الإمامة هي ما يخلف الرسالة إلا في وحيها، فقد شكَّلت هذهِ المسألة وحدها الكثير من نقاط الافتراق. فقال بعض الباحثين: إن خلاف الشيعة الوحيد مع المعتزلة هو في باب الإمامة. ويظهر أن هذا الكلام من قبيل قولهم: إن الخلاف بين المسلمين والمسيحيين، هو في نبوة رسول الإسلام. فإن لهذا الخلاف نتائج عديدة ومؤثرة. فإن اتخذت الشيعة موقفاً من القياس أو إجماع أهل السنة أو قولها بالأمر بين الأمرين فهو عائد لتوجيهات الإمام وآرائهِ. إذن فمجرد الخلاف في مسألة الإمامة يولّد بطبيعة الحال قضايا كثيرة لها مدخليتها على النتائج. فلو سلمت الشيعة بالإمامة، فلن يختص ذلك في باب الأخلاق والأحكام، بل لا بد من العمل بقول الإمام حتى في مجال العقائد أيضاً، وعلى هذا الأساس يتكون الاستدلال والبرهان.
لذا يجب أن تأخذ الأحكام الصادرة بحق الشيعة بعين الاعتبار إلتزامها باتباع الإمام في جميع المجالات.
 
بحوث الشيعة الكلامية بعد الرسول
"فأفحم أبو بكر على المنبر حتى لم يحر جواباً، ثم قال: وليتكم ولست بخيركم أقيلوني أقيلوني. فقال لهُ عمر بن الخطاب: انزل عنها… إذا كنت لا تقوم بحجج قريش لم أقمت نفسك هذا المقام!؟ والله لقد هممت أن أخلعك وأجعلها في سالم مولى أبي حذيفة".
وهكذا بالنسبة لاحتجاجات سلمان الفارسي([19]) والسيدة الزهراء([20]) في الإمامة.
 
أئمة الشيعة وتنشئة المتكلِّمين
على الرغم مما يقال من تبلور علم الكلام الشيعي في القرن الرابع في عهد الشيخ المفيد، إلاَّ أنَّ أئمة الشيعة كانوا في أزمنتهم يدعون لبحوث الكلام ويدرسون في هذا المجال، فكان قيس بن الماصر متكلماً شيعياً قبل ظهور المعتزلة، وقد تتلمذ على يد الإمام السجاد ×([21]).
كما تلقى هشام بن الحكم الكثير عن الإمام الصادق × وجاء في سفينة البحار أن مناظرةً جرت بينه وبين رجلٍ شامي.
وحتى المخالفين كانوا على علمٍ بتبعية علم الكلام الشيعي للأئمة([22]).
ولم تقتصر بحوث الشيعة على موضوع الإمامة بل شملت جميع الجوانب، فلهشام ثلاث رسائل في الرد على أرسطو والثنوية وأصحاب الطبائع([23]).
لقد كانت دعوة الأئمة ^ لأصحابهم في تعلم علم الكلام([24])، ومنها حديث يونس "يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلمته"([25]) جميعها تدل على حرصهم على الخوض في تفاصيل علم الكلام وإتقان بحوثهِ.
 
أئمة الشيعة وبحوث الكلام
إن من أهم الأمور التي سقطت من بحوث خصوم الشيعة الأمر المتمثل بالرؤية الخاصة والبعد المتميز في نصوص الأئمة وبياناتهم الفلسفية والكلامية، لاسيما في أحاديث الأئمة علي والسجاد والصادق والرضا ^. لقد كانت تلك الأحاديث تعبر عن أصالة علم الكلام الشيعي ونظرياتهِ ومما يجدر ذكرهُ هنا هو أن الحاجة لوجود متكلم شيعي تنتفي حيثما وجد الإمام (في المحيط الذي يقطنهُ في أقل تقدير)، لذا عندما كان الإمام الصادق في المدينة كان هشام بن الحكم في الكوفة يتابع نشاطهُ في علم الكلام. ثم إن سيرة الأئمة الأربعة، المتقدم ذكرهم آنفاً تدلّ على أن سائر الأئمة إن لم يتعرضوا لبحوث الكلام _ بغض النظر عن الضغوط السياسية _ فذلك لأنها لم تكن مطروحة في أزمانهم بشكل ملحوظ.
تأسيساً على ما تقدم، يكون أئمة الشيعة متقدمين على المعتزلة في طرح البحوث الكلامية. فبالإضافة لنهج البلاغة وما يزخر بهِ من نصوص كلامية، فالصحيفة السجادية أيضاً لها أهميتها من الناحية الكلامية، فإن افترى بعضهم في حق نهج البلاغة ونسبهُ للشريف الرضي، فإن ذلك لا يصدق بحق الصحيفة السجادية فلا يعتري شك في أنها من آثار الإمام السجاد × القيمة.
وقد أثبت السجاد × في صحيفتهِ بعض ما يتعلق بالإلهيات والكلام، ومما قاله في هذا الصَّدد:
1 ـ نفي الصفة عن الباري
 اللهم يا من لا يصفهُ نعتٌ الواصفين([26]).
 عجزتْ عن نعتهِ أوصاف الواصفين([27]).
 ضلّتْ فيك الصفات وتفسخت دونك النعوت([28]).
 لا يبلغ أدنى ما استأثرت بهِ من ذلك أقصى نعت الناعتين([29]).
2 ـ استحالة رؤية الباري
 الذي قصرت عن رؤيتهِ أبصار الناظرين([30]).
 يا من تنقطع دون رؤيتهِ الأبصار([31]).
 ولم تدرك الأبصار موضع أينيتك([32]).
3 ـ نفي الضد والشبيه عنه
 فقد قدمت توحيدك ونفي الأضداد والأنداد والأشباه عنك([33]).
 أنت الذي لا ضد معك فيعاندك، ولا عدل لك فيكاثرك، ولا ندّ لك فيعارضك(34).
لقد نفى الإمام السجاد × في أدعيتهٍ شبيه الباري، قبل أن ينفصل واصل بن عطاء عن حلقات درس البصري ويعتزم تأسيس الاعتزال، إذن فالشيعة ليسوا بحاجة لأن يأخذوا ذلك من المعتزلة. (وقد كان استشهاد الإمام السجاد × سنة 95 هـ, في أعلى التقادير، في حين كان عمر واصل آنذاك خمسة عشر عاماً تقريباً).
4 ـ إدراك كنهه فوق مدارك البشر
 أنت الذي قصرت الأوهام وعجزت الأفهام عن كيفيتك([34]).
 حارت في كبريائك الأوهام([35]).
5 ـ لا يحد وغير متناهٍ
 أنت الذي لا تحد فتكون محدوداً([36]).
 لا حد له بأولية ولا منتهى له بآخرية([37]).
 ومجدك أرفع من أن يحد بكنههِ([38]).
6 ـ نفي التجسيم والبشرية عنه
 سبحانك لا تحس ولا تمس، ولا تكاد ولا تماط ولا تنازع ولا تجارى ولا تمارى ولا تخادع ولا تماكر([39]).
 وبجـلال وجهـك الكـريم الـذي لا يبلى ولا يتغير ولا يحول ولا يغنى([40]).
 أنت الذي لا يحويك مكان([41]).
7 ـ أزلية الرب وأبديته
 الحمد لله الأول بلا أول قبلهُ والآخر بلا آخر يكون بعده([42]).
 أنت الله الأول في أوليتك وعلى ذلك أنت دائم لا تزول([43]).
8 ـ توحيده
 وجنبنا الإلحاد في توحيدك والتقصير في تمجيدك([44]).
 ليس كمثلهِ شيء، ولا يعزب عنهُ شيء، وهو بكل شيء محيط، وهو على كل شيء رقيب. أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد المتوحد المفرد المنفرد. وأنت الله لا إله إلا أنت الكريم المتكرم العظيم المتعظم الكبير المتكبر. وأنت الله لا إله إلا أنت العلي المتعال الشديد المحال. وأنت الله لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم العليم الحكيم. وأنت الله لا إله إلا أنت السميع والبصير القديم الخبير. أنت الله لا إله إلا أنت الكريم الأكرم الدائم الأدوم. وأنت الله لا إله إلا أنت الأول قبل كل أحد والآخر بعد كل عدد. وأنت الله لا إله إلا أنت الداني في علوهِ والعالي في دنوه. وأنت الله لا إله إلا أنت ذو البهاء والمجد والكبرياء والحمد. وأنت الله لا إله إلا أنت الذي أنشأت الأشياء من غير سنخ، وصوَّرت ما صوَّرت من غير مثال وابتدعت المبتدعات بلا أضداد. أنت الذي قدرت كل شيء تقديراً، وسيرت كل شيء تيسيراً، ودبرت ما دونك تدبيراً. أنت الذي لم يعنك على خلقك شريك ولم يوازرك في أمرك وزير، ولم يكن لك مشاهد ولا نظير. أنت الذي أردت فكان حتماً ما أردت…([45]).
وقبل أن نلجأ إلى نصوص نهج البلاغة، بإمكاننا أن نستوحي حديث الإمام علي × في الإلهيات ومعرفة الله من المصادر الآتية: فكتاب المعيار والموازنة للإسكافي (م. 240) الذي يعود تأريخ تأليفهِ لقرن قبل ولادة الشريف الرضي، ذكرت فيه خطبة للإمام علي × هذا نصها:
"الحمد لله وأستعينهُ وأؤمن بهِ وأتوكل عليهِ، الأول لا شيء قبله والآخر لا غاية له، علا فدنا، دنا فعلا، لا تقع الأوهام له على صفة ولا تنعقد القلوب منه على كيفية، ولا تحيط له بذات ولا تنالهُ التجزئة ولا يدركهُ التبعيض الذي لا من شيء كان ولا من شيء خلق ما كان قدرهُ، بان بها الأشياء وبانت الأشياء منه، فليست لهُ صفة تنال ولا حدّ تضرب لهُ فيهِ الأمثال، كل دون صفاته تحبير اللغات وضل في ما هنا لك تصاريف الصفات، وحار في ملكوتِهِ عميقات مذاهب التفكير وانقطع دون الرسوخ في عملهِ جوامع التفسير، وحال دون غيبهِ المكنون حجب الغيوب وتاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول، فتبارك الذي لا يبلغهُ بعد الهمم ولا ينالهُ غوص الفطن وتعالى الذي ليس لهُ وقت معدود ولا أجل ممدود ولا نعت محدود([46]).
وكان لكلمات الإمام علي × الانتشار الواسع على ألسن الناس، ما دعا مؤلف المعيار والموازنة لأن يقول:
"إن عامة ما ذكرنا من كلامهِ، ولم نذكرهُ من خطبهِ في التوحيد والثناء على الله وتذكيرهِ ومواعظهِ قد تحلى بها أكثر المتكلمين، وتزين بها الواعظون، وتكسب بها القصاص، ورددها في مجالسهم أهل الذكر"([47]).
وقد تكون هذهِ المواضيع متوافرة في نصوص سائر الأئمة
كالحسين×([48]) والباقر ×([49]) وبكمٍّ أكبر في أحاديث الصادق ×.
كان للإمام الصادق × نقاشات عديدة، فتارة مع الزنديق المصري([50]) وأخرى مع ابن أبي العوجاء أو عبد الله بن المقفع، أو محمد بن علي الكوفي،([51]) حيث أن الأول من تلامذة حسن البصري والثاني من بلاد فارس والثالث من الكوفة.
يعدّ الإمام الرضا × رابع أئمة الشيعة ممن خاضوا في لجج علم الكلام وتفاصيلهِ وكانت جل بحوثهِ في هذا المجال خلال تواجده في إيران، ومنها:
1.الاستدلال بالمبادئ العقيلة([52]).
2.في التوحيد([53]).
3.في البرهان على أن الله سبحانهُ موجود وأنه موجد للعالم([54]).
4.في البرهان على أن الله سبحانه واحد لا شريك له([55]).
5.في البرهان على أن صفات الله عين ذاتهِ، وأن الصفات الزائدة مسلوبة عنه تعالى([56]).
6.في البرهان على أن صفات الفعل خارجة عن ذات الله سبحانهُ ومنتزعة عن مقام الفعل([57]).
7.في البرهان على القضاء والقدر، وأنه لا يوجد شيء في العالم إلا بقضاء الله تعالى([58]).
8.في الجبر والتفويض وضرورة الأمر بين الأمرين([59]).
في الواقع يمكن اعتبار نهج البلاغة من أهم مصادر أفكار علماء الشيعة، وخصوصاً علماء القرن الرابع. ويمكن إدراك هذا التأثر من عدة جوانب. فالترتيب المنطقي للمصطلحات، والاستنتاج السليم، إضافة إلى بعض المفردات المستجدة نظراً لثراء اللغة العربية ومن دون الحاجة لترجمة النصوص اليونانية، تلك الفقرات جميعها وُظّفت في لغة أدبية فلسفية معمقة. وقد حظيت بعض الجوانب الفلسفية من كلام الإمام الأول باهتمام ملا صدرا ومدرسته.
 
رواد الشيعة في علم الكلام من البداية وحتى عصر المفيد
1- كميل بـن زياد([60]). 2- سليم بـن قيس الهلالي([61]). 3- حارث العوار الهمداني([62]). 4- أبو هشام بن محمد بن الحنفية([63]). 5- ميثم بن يحيى التمار([64]). 6- أويس القرني (إبن عامر) سيد التابعين([65]) 7- صعصعة بن صوحان([66]). 8- أصبغ بن نباتة([67]). 9- علي بن إسماعيل بن ميثم([68]). 10- زرارة بن أعين([69]). 11- أبو طالب الحضري([70]). 12- محمد بن عبد الله الطيار([71]). 13- أبو جعفر الأحول مؤمن الطاق([72]). 14- محمد بن الحكيم الخثعمي([73]). 15- هشام بن الحكم([74]). 16- يونس بن عبد الرحمن([75]). 17- محمد بن إسحاق القمي([76]). 18- مظفر الدين محمد الخراساني([77]). 19- علي بن عباس الجزايني الرازي([78]). 20- الفضل بن شاذان النيشابوري([79]). 21- أبو الطيب الرازي([80]). 22- أبو منصور صرام النيشابوري([81]). 23- ابن أبي عقيـل العمـاني([82]). 24- أبو عبدك الجرجاني([83]). 25- ابن مملك الإصفهاني…([84]). 26- محمد بن أبـي جعفـر الـرازي([85]). 27- إسماعيل بـن محمد بن إسماعيل بن هلال المحزومي([86]). 28- حديد بن حكيم الوجه المتكلم([87]). 29- إسماعيل بن إسحال أبو سهل النوبختي([88]). 30- محمد بن بشر أبو الحسين السوسنكَردي([89]). 31- أبو الحسين علي بن وصيف([90]). 32- حسن بن موسى النوبختي([91]).
 
الصِّدام بين المعتزلة والشيعة في مختلف المجالات
وهذا دليل آخر على استقلال الشيعة عن المعتزلة، فالمواجهة حاصلة منذ بدايات تكوين مذهب الاعتزال.
خلافات علم الكلام بين الشيعة والمعتزلة
هنالك خلاف كبير، في وجهات النظر، بين الشيعة والمعتزلة، فإن كانت الشيعة قد أخذت عن المعتزلة أفكارها، إذن فما هو المسوِّغ لهذا الكم من الخلافات بينهما. وهنا سنشير إلى بعض نقاط الافتراق بين الاتجاهين:
1-    إتفق أهل الإمامية على أنهُ لا بد في كل زمان من إمام موجود…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك وجواز خلو الأزمان الكثيرة من إمام موجود([92]).
2-    اتفقت الإمامية على أن الإمامة لا تثبت مع عدم المعجز لصاحبها إلا بالنص على عينه والتوقيف، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([93]).
3-    اتفقت الإمامية على ان الإمامة بعد النبي |. في بني هاشم خاصة…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([94]).
4-    اتفقت الإمامية على أن رسول الله | استخلف أمير المؤمنين × في حياته ونصّ عليه…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك…([95]).
5-    اتفقت الإمامية على ان النبي | نص على إمامة الحسن والحسين بعد أمير المؤمنين ×…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([96]).
6-    اتفقت الإمامية على أن الإمام لا يكون إلاّ معصوماً من الخلاف لله تعالى…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([97]).
7-    اتفقت الإمامية على أن رسول الله | نص على علي بن
الحسين ×…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([98]).
8-    اتفقت الإمامية على ان الأئمة بعد الرسول | أثنا عشر إماماً، وخالفهم في ذلك كل من عداهم من أهل الملة([99]).
9-    اتفقت الإمامية على أن المتقدمين على أمير المؤمنين ضلال فاسقون…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([100]).
10-      اتفقت الإمامية والزيدية والخوارج على أن الناكثين والقاسطين من أهل البصرة والشام، أجمعين، كفار ضلال ملعونون بحربهم أمير المؤمنين ×… وأجمعت المعتزلة سوى الغزال وعمر بن عبيد وابن باب على خلاف ذلك([101]).
11-      اتفقت الإمامية والزيديـة وجماعـة مـن أصحـاب الحديث على أنّ الخوارج في النار بذلك مخلدون، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([102]).
12-      اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى من فرض الطاعة هو كافر ضال مستحق للخلود في النار، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([103]).
13-      اتفقت الإمامية على أن العقل محتاج في علمه ونتائجه إلى السمع، وأنه غير منفك عن سمع ينّبه العاقل على كيفية الاستدلال، وأنه لا بد في أول التكليف وابتدائه في العالم من رسول، ووافقهم في ذلك أصحاب الحديث وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([104]).
14-      اتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة، وإن كان بينهم في معنى الرجعه اختلاف، واتفقوا على إطلاق لفظ البداء في وصف الله تعالى وأن ذلك من جهة السمع من دون القياس، واتفقوا على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا عن موجب التنزيل وسنة النبي |، وأجمعت المعتزلة على خلاف الإمامية في جميع ما عددناه([105]).
15-      اتفقت الإمامية على أن الوعيد بالخلود في النار متوجه إلى الكفار، خصوصاً من دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى والإقرار بفرائضه من أهل الصلاة…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وزعموا أن الوعيد بالخلود في النار عام في الكفار وجميع فساق أهل الصلاة([106]).
16-      اتفقت الإمامية على أن من عُذّب بذنبه من أهل الاقرار والمعرفة والصلاة لم يخلّد في العذاب وأخرج من النار إلى الجنة…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([107]).
17-      اتفقت الإمامية على أن رسول الله | يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أمته، وأن أمير المؤمنين × يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته، وأن أئمة آل محمد ^ يشفعون كذلك…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وزعمت أن شفاعة رسول الله | للمطيعين من دون العاصين وأنه لا يشفع في مستحق العقاب من الخلق أجمعين([108]).
18-      اتفقت الإمامية على أن مرتكب الكبائر من أهل المعرفة والإقرار لا يخرج بذلك عن الإسلام…، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([109]).
19-      اتفقت الإمامية على أن الإسلام غير الإيمان… وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك([110]).
20-      اتفقت الإمامية على أن قبول التوبة تفضّل من الله عز وجل وليس بواجب في العقول إسقاطها لما سلف من استحقاق العقاب…، وأجمعت المعتزلة على خلافهم، وزعموا أن التوبة مسقطة لما سلف من العقاب على الوجوب([111]).
21-      ارتأى المعتزلة التفويض فقالوا: "أفعال العباد غير مخلوقة فيهم وأنهم المحدثون لها"([112])، و… إن العبد قادر خالق لأفعالهِ خيرها وشرها([113])، وإن الله تعالى ليس له في أفعال العباد المكتسبة صنع ولا تقدير لا بإيجاد ولا نفي"([114]) بينما تقول الشيعة بأنه أمر بين أمرين([115]).
22-      تعتقد الشيعة بأنه لا بد من تأويل النصوص الشرعية المخالفة لحكم العقل القطعي، أما المعتزلة فقد تطرفوا لجانب العقل كثيراً حتى أنهم أنكروا بعض النصوص الشرعية لعدم توافقها مع العقل([116]).
23-      قالت الإمامية بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقاً للكتاب و السنة، واستند المعتزلة في وجوبهما لحكم العقل خصوصاً([117]).
24-      ذهب المعتزلة للقول بوجود مرحلة وسطى بين الوجود والعدم أسموها الحال، بينما لا يعتقد الإمامية بوجود أي حد فاصل بينهما([118]).
 
مناظرات الشيعة والمعتزلة
لقد احتدم صدام الشيعة مع المعتزلة منذ باكورة تأسيس الاعتزال. وكانت المشاركة في المناظرات، إما من قبل الأئمة ^ أو من ينوب عنهم من تلامذتهم، كمحاججة الإمام الصادق × لأحد المعتزلة التي ذكرها فخر الرازي في المطالب العالية([119]).
وكذلك حوار الإمام الصادق × مع واصل بن عطاء([120]) أو مناظرات هشام بن الحكم مع عمرو بن عبيد([121]) وأبي الهذيل العلاف([122])، ونقاشات ابن مملك الأصفهاني مع أبي علي الجبائي([123]) في باب الإمامة.
يقول الدكتور سامي النشار في هشام:
تهاجم المعتزلة هشاماً وتنبذه بالزندقة…، فهذا دليل واضح على أنهُ أكبر مناقض للمعتزلة، بل إنهُ نجح إلى حد كبير في قطعهم.
تضاف إلى تلك المناظرات بحوث علي بن إسماعيل، وهو من علماء كلام الشيعة مع أبي الهذيل والنظّام([124])، وهناك بحوث عديدة للشيخ المفيد مع المعتزلة، جاء ذكر بعضها في الفصول المختارة.
ردود الشيعة على المعتزلة
1-    المجالسة مع أبي علي الجبائي بالأهواز ( أبو سهل النوبختي )([125]).
2-    كتاب الرد على المعتزلة (هشام بن الحكم)([126]).
3-    كتاب الرد على المعتزلة في طلحة والزبير (هشام بن الحكم)([127]).
4-    كتاب الرد على من قال بإمامة المفضول (هشام بن الحكم)(

نظريّة المعرفة عند الإمام الشافعي قراءة في البناءات الأوّلية

6 أكتوبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

 حياة الشافعي
محمد بن إدريس الشافعي مؤسِّس المذهب الشافعي. ولد سنة 150 هـ في عسقلان في فلسطين، وقيل في اليمن في السنة التي توفي فيها في العراق أبو حنيفة مؤسس المذهب الحنفي. عربي الأصل، يعود نسبه إلى قريش. توفي والده وهو طفل صغير، فهاجر مع أمّه إلى مكة، وكان الحجاز آنذاك موطن الكثير من المحدّثين والفقهاء والمفسِّرين.
في مكة سادت طريقة ابن عباس في التفسير، فيما أرسى في المدينة مالك بن أنس مدرسته الفقهية، وكان للمحدثين آنذاك مكانة خاصة.
بعد اجتيازه لمراحل التعليم الأولى المعروفة، مثل حفظ القرآن وبعض الأحاديث النبوية وتعلّم الكتابة، يمّم الشافعي وجهه صوب البادية لتعلم العربية الفصيحة، لأن لغة المدينة فقدت أصالتها بسبب اتساع رقعة الإسلام واختلاط اللغات والثقافات، وظلّت البادية وثقافتها ولغتها بمنأى عن هذه الظاهرة، فاحتفظت اللغة بصحتها وفصاحتها وأصالتها؛ لهذا كان علماء اللغة يتركون المدن نحو البادية لتصحيح لغتهم وضبطها وتأسيس "علم لغة" صحيح يُصار فيه إلى ضبط اللغة وتدوينها واكتساب معالم الثقافة العربية.
اللغة العربيّة وحياة البادية:
ولا نبالغ إذا قلنا: إنَّ اللغة العربية هي وليدة الحياة البدوية الأعرابية قبل أن تكون ثمرة لثقافة المدينة العربية. ويكفي لإثبات ما ذهبنا إليه أن نمرّ مرور الكرام على الموسوعة اللغوية المعروفة "لسان العرب" التي كتبت في القرنين السابع والثامن الهجري يتبيَّن، حيث سنلاحظ أن معظم مصطلحاتها التي تربو على ثمانين ألف مصطلح لا تتجاوز حدود حياة البادية البسيطة الساكنة والخشنة، ولا تعكس حالة الترف والنعيم والبذخ لحياة عرب المدينة؛ فلن تجد فيها مثلاً المصطلحات التجارية والصناعية والطبية والهندسية التي كانت متداولة يومذاك، ولا المفاهيم النظرية، مثل المفاهيم الفلسفية والكلامية والرياضية التي سادت في تلك البرهة الزمنية. هذا الأسلوب في تدوين كتب اللغة يكشف بوضوح عن ذهن مكرّس لضبط اللغة وتدوينها وروايتها، وقد وضع المؤلف ثلاثة معايير رئيسية لتمييز الفصيح من غيره هي:
1 _ المرحلة الزمنية: أي يجب أن يعود الشعر أو النَّص الذي يستند عليه إلى العهد الجاهلي، وإلى النصف الأول من القرن الهجري الثاني كحدّ أقصى.
2 _ أن تكون المفردة المستعملة بدوية بعيدة عن لغة الحضر وثقافته، لأنهم اعتقدوا بفساد لغة المدينة بسبب اختلاطها مع اللغات والثقافات
الأجنبية. وتدلّ بعض المصطلحات التي تداولها أهل اللغة، مثل "غير النجدي" و"المولَّد" و"الجرمقاني"، على هذا التمايز الذي وضع بين اللغة البدوية واللغة الحضرية.
3_ يجب أن يكون الشعر أو النَّص وليد الفطرة والبداهة حتى إن كان مضمونه تافهاً، إذ يرقى على غيره ويضفى عليه الاعتبار وإن كان محتواه خيالياً.
يظهر من التأكيد على هذه المعايير الثلاثة أنَّ علماء اللغة القدامى، شأنهم شأن المحدثين، كانوا يتحرّون فقط وثاقة الرواية المنقولة وأصالتها (سواء كانت الرواية نبوية أم لغوية)؛ لهذا أصبح كلام البادية بمثابة النصّ المقدس، وكأنّ هذه البداوة هي الضامنة لمنع أي انحراف أو خطأ(1)؛ فلم تنحصر لغة البادية في كونها مصدراً مهماً في ضبط اللغة وتدوينها، بل أصبحت هي البنية التحتية للغة وبالنتيجة إطاراً للعقل الإسلامي _ العربي.
المرجع في العربية الفصحى
 بلحاظ ما ذكرناه نواجه السؤال الآتي: لماذا لم يستند الرواة وعلماء اللغة على القرآن بدلاً من اعتمادهم على البادية في إرساء العربية الفصيحة؟، ويلاحظ أن عامة الأبحاث النحوية، أو اللغوية، في القرون الأولى، تخلو عن عمد من أي استدلال بالنص القرآني أو استناد إليه(2)3، ويدلّ مصطلح "شاهد" المتداول بين أهل النحو واللغة على الشعر والنثر العربيّين من أن يشمل الآي القرآني؛ ولم تُذكر شواهد من القرآن في كتب النحو واللغة إلاّ بعد استقرار أصول النحو واللغة في القرن الثامن وما تلاه(3).
هذه الظاهرة أثارت استغراب معظم المؤمنين وأهل الشريعة وخصوصاً في العهود المتأخرة، فنرى الفقيه الظاهري ابن حزم _ على سبيل المثال _ يتعجب من اعتماد عامة أهل اللغة والنحو على أشعار الجاهليين كامرئ القيس، وعدم استنادهم على كلام اﷲ أو النبي ’(4). في الردّ على هذا السؤال نقول: إن بعض الباحثين يرى أن السبب هو القراءات المختلفة والمتواترة، في الوقت نفسه، الموجودة للنَّص القرآني، بحيث أصبح من المشكل توفيق هذه القراءات القرآنية مع القواعد النحوية واللغوية التي تتغذى من نصوص أقدم كانت قد بلغت مرحلة الكمال؛ فإمّا أن يصار إلى تجاوز القواعد العلمية لصالح القرآن، أو أن يُعرّض القرآن لتأويلات مختلفة؛ الأمر الذي يبدو أنه بعيد عن الاحتياط. ولكن هذا الردّ ينطوي على صيغة كلامية وبعد دفاعي، إذ يُعتقد بأنَّ السبب وراء اجتناب أهل النحو واللغة للاستناد على القرآن أكثر تعقيداً وعمقاً، لاسيما إذا أخذنا بالاعتبار بعض المعطيات العلمية والتاريخية؛ ويمكن أن نعدَّ الثقافة العربية نفسها سبباً من هذه الأسباب، إذ أنها قامت على أساس نسيج وتركيب شفويَّين، أمّا المكتوب فإنه لا يرقى إلى مستوى الاعتبار إلاّ حينما يؤسّس على الرواية الشفوية أو "الحفظ", بمعنى أن عنصر الرواية الشفوية يؤدي دوراً مصيرياً في تكوين النصّ؛ لهذا يعدّ "السماع"، أو الرواية الشفوية، هو الطريق الأفضل والأكثر وثوقاً في نقل الحديث أو الشعر واللغة، وبلغ الأمر حد أن يكتم رواة اللغة والشعر، أو ينكروا أحياناً، معرفتهم بالكتابة من أجل أن تكون رواياتهم أكثر وثوقاً واطمئناناً.
هذا الأمر كان أكثر وضوحاً بخصوص أعراب البادية، حيث كان العلماء يتشددون، ويتوسّل بعضهم بمختلف الأساليب قبل أن يروى شعراً عن أعرابي للتأكد من كونه أمياً، لأنه إن لم يكن كذلك لما كان لكلامه وقع على حدّ تعبير الجاحظ(5)، وكان بعض الأعراب، غير الأميين، الذين يدخلون المدن يحاولون كتمان معرفتهم بالكتابة، ويطلبون في حال افتضاح أمرهم للرواة أن يتستروا على هذا السرّ(6). وقد استخدم بعض المحدثين والرواة مصطلحات مثل "سمعت" أو "حدّثنا" لإخفاء معرفتهم بالكتابة خلف هذه الألفاظ، وبالتالي إضفاء صفة الاعتبار على ما يروون.
بلحاظ ما أشرنا إليه يمكن القول إن القرآن ورغم منزلته الرفيعة نصّ مكتوب، ولابدّ لتثبيته من تبديله إلى نص مقروء, أي أن تُسند صورته المكتوبة بالضبط الشفوي.
 من الواضح جداً أن اللغة القياسية الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها هي لغة العرب قبل الإسلام (خصوصاً الشعر) التي تم بناؤها على يد علماء اللغة والنحو حتى أخذت شكلها النهائي. بكلام آخر، فإن علوم اللغة من صرف ونحو أدَّت دوراً أساسياً في تثبيت القرآن وقراءته عن حفظ؛ لهذا حصل خلط في البصرة منذ البداية بين القارئ وبين النحوي واللغوي، فقد عُرف كل من "نصر بن عاصم" و"يحيى بن معمر" بوصفه قارئاً ونحوياً ولغوياً على الترتيب(7).
 
مشكلة المصطلحات المعرَّبة في القرآن
أوجد تثبيت القرآن باللغة العربية القياسية مشاكل، منها مشكلة المصطلحات المعرّبة في القرآن التي يعود سببها إلى تأثير لغة أهل مكة والمدينة وثقافتهم على النصّ القرآني، ذلك أن هاتين المدينتين (وخصوصاً مكة) كانت على الدوام محلّ التقاء اللغات واللهجات المحلية للقبائل المختلفة بسبب وضعها الديني والاقتصادي، وكان من الطبيعي أن تنعكس هذه الثقافة على القرآن لكونه نصّاً حيوياً خاطب في بدايته أهل مكة والمدينة، وبالنتيجة فإن مصطلحاته تجاوزت الحدود اللغوية المختلفة لشبه الجزيرة العربية، واحتوت السريانية والعبرية والفارسية. هذا الأمر وضع علماء اللغة والنحو القدامى، وتبعاً لذلك المفسِّرين أمام مشكلة جدية، وتحوّل البحث في المعاني الدقيقة للمصطلحات القرآنية وما إذا كانت عربية أم معربة إلى سجال متواصل؛ لأن القرآن عرّف نفسه بأنه كتاب عربي (السورة 12، الآية 2)، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الأبحاث والقواميس اللغوية (النحوية والصرفية) القائمة على أساس لغة البادية لا تعطي المعنى الدقيق لهذه المصطلحات. ومن الضروري أن نضيف هنا أنَّ اللغة العربية الفصيحة المعترف بها رسمياً من قبل علماء اللغة والأوساط الرسمية هي لغة منتقاة ونتاج مشترك، لأنها لا تعكس اللهجات المختلفة والحوار التقليدي اليومي للقبائل العربية البدوية، وتتوفر مثل هذه اللغة على خاصيتين عامتين: الأولى، أنها أرقى من مستوى عامة الناس، بمعنى أن العامة لا تستخدمها في كلامها؛ والثانية، أن خصائصها وعناصرها التي تتشكل منها لا ترتبط بمجتمع محلي محدَّد، بعبارة ثانية فإن اللغة المشتركة ليس فيها خصائص أي من اللهجات المحلية، بل إنها لغة مستقلة بذاتها لا يمكن نسبتها إلى أي مجتمع في الجزيرة العربية(8).
حاول بعض الباحثين اللجوء إلى حلول كلامية لفكّ هذا اللغز والبحث عن تفسير لمشكلة المصطلحات الأجنبية في القرآن، ومنهم الإمام الشافعي وأبو عبيدة وابن فارس؛ فذهبوا إلى أن وجود هذه المصطلحات الغريبة يستلزم الحكم بنقصان اللغة العربية التي جاء بها آخر وحي إلهي وأكمله، وهذا محال، لأن الله يختار أكمل لغة من أجل أن يخاطب الناس بآخر وحيه(9).
ولحلّ هذا التعارض قالوا بغنى اللغة العربية وسعتها، بحيث لا يستطيع الفرد العادي أن يحيط بمفرداتها ومصطلحاتها، وفي هذا الصدد يقول الشافعي: لا يستطيع أحد الإحاطة باللغة سوى النبي ’.
إذن فاللغة العربية الفصيحة (لغة القياس) تعدّ "لاشيء" مقارنةً بسعة لغة القرآن وكذلك اللغات العربية المحلية(10).
مهما يكن، فإن الشافعي ذهب إلى قبيلة هذيل لتعلّم اللغة والآداب والتقاليد العربية الأصيلة، وبقي هناك عدة سنوات اكتسب خلالها فنون الشعر والأدب، وبلغ به الأمر مرتبة جعلت الراوي واللغوي الألمعي العربي الأصمعي يستند عليه في الرِّواية.
عاد الشافعي إلى مكة بعد إقامة طويلة في البادية، ودرس فيها الحديث والفقه، ثم انتقل إلى المدينة مستفيداً من علوم مؤسس المذهب المالكي مالك بن أنس، وبقي فيها حتى وفاة أستاذه سنة 179. ولا شك في أن الإمام مالك ترك تأثيراً عميقاً في بلورة شخصية الشافعي العلمية ومنهجه الفقهي. ثم عاد ثانية إلى مكة، ومنها انتقل إلى نجران في اليمن بحثاً عن لقمة العيش وليتسلّم المنصب الإداري الذي أوكل إليه، ولكن لم تمض مدَّة طويلة حتى دبّ الخلاف بينه وبين الوالي، فدبّر له هذا الأخير مكيدة اتهمه فيها لدى الخليفة العباسي هارون الرشيد بأنه يخطّط مع بعض العلويين للثورة عليه، فاستُدعي الشافعي إلى بغداد، لكنه لم يعاقب لمعرفة هارون بفضله وعلمه ولوساطة الفقيه البغدادي المعروف آنذاك محمد بن الحسن الشيباني.
 
تأثير المدرسة البغدادية على الشافعي
اغتنم الشافعي هذه الفرصة وتعلّم أساليب الاستدلال والاستنباط الفقهي في العراق على يد الشيباني، إذ كانت المدرسة البغدادية متأثرة بتعليمات أبي حنيفة الفقهية وتختلف تماماً عن المدرسة الفقهية، في المدينة. كان الشافعي يعرّف نفسه في بغداد بأنَّه من أنصار المذهب الفقهي المالكي، لكن حقيقة الأمر أنه تأثر بالمنهج العقلي ـ القياسي لمدرسة العراق الفقهية التي تركت بصماتها واضحة في تكوين أفكاره الفقهية وصياغتها، ويمكن للباحث أن يلاحظ الارتباط بين هذين المذهبين الفقهيين المختلفين في كتاب "الرسالة" وكتاب "الأم". ومن بغداد عاد الشافعي إلى مكة، وأقام مجلس درس مستقل في المسجد الحرام، وخلال تسع سنوات من إقامته في مكة استطاع إرساء مبانيه الفكرية، والالتقاء بعدد كبير من العلماء والفقهاء الذين يؤمّون مكة لأداء فريضة الحج من كل صوب.
رجع الشافعي سنة 195 إلى بغداد ثانية ولكن ليس تلميذاً، وإنما أستاذ وصاحب رأي وفتوى. يقول المؤرخون: إن الشافعي كتب "الرسالة" في هذه البرهة الزمنية بطلب من المحدث العراقي الكبير عبد الرحمن بن مهدي، كما ألّف في هذه المرحلة كتابه المعروف في الفقه الذي اشتهر باسم "البغدادي"، وهو عبارة عن مجموعة من الآراء والفتاوى الفقهية الشافعية، وكتبه قبل كتاب "الأم". ويطلق مصطلح "المذهب الفقهي القديم" للشافعي على هذه المرحلة من حياته، حيث بقي خلالها في بغداد حتى سنة 198، حين وصلت الخلافة إلى المأمون الذي أطلق يد أهل الكلام لاسيما المعتزلة، عندها رأى الشافعي أن الأرض قد ضاقت به فرحل إلى مصر لكون واليها من قريش التي ينتمي إليها هو.
أجمع المؤرخون على أهمية هذه المرحلة من عمر الشافعي، لأنه أقدم خلالها على تأسيس مذهب جديد، جدّد فيه النظر في الكثير من آرائه الفقهية، وقام أيضاً بتحرير جديد لـ"الرسالة" عدل فيه عن معظم فتاواه السابقة، وقدّم نظريات وآراء جديدة ألّف على أساسها كتاب "الأم"؛ كما قام في هذه المرحلة بتصنيف أو إملاء كتب جديدة، وأصبح يطلق على هذه البرهة من عمره مصطلح "المدرسة الفقهية الجديدة".
تتلمذ على يد الشافعي في مكة وبغداد ومصر فقهاء كبار، أمثال أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني (ت 264هـ) وأبي يعقوب يوسف البويطي (ت231هـ) وربيع بن سليمان المرادي (ت 270هـ) في مصر، وتنسب إلى هذا الأخير رواية جميع كتب الشافعي التي ألّفت في مصر.
بعد مرض طويل، توفي الشافعي سنة 204 هـ، وهو في الرابعة والخمسين من العمر(11).
يعدّ الشافعي بحقّ مؤسس علم أصول الفقه؛ فقد أعطى بتأليفه "الرسالة" التي مثّلها الفخر الرازي بأرغنون أرسطو تفسيراً علمياً لمباني الاستنباط، وأضفى نظاماً منطقياً ومستقلاً، في الوقت نفسه، على آراء أسلافه من الفقهاء وأبحاثهم المتفرقة المشتتة، ولهذا خضعت كتب الشافعي ولاسيما كتابه المهم "الرسالة"، ومنذ القدم، للبحث والدراسة الجادة؛ ولا يمكننا هنا أن نغضّ الطَّرف عن الدور الذي أدَّاه بعض المستشرقين المعروفين في هذا المجال، أمثال غولدزيهر وشاخت وغيرهما، حيث احتفظت أبحاثهم بأصالتها رغم نواقصها المنهجية واستنساخ بعض نتائجها، مما سنذكره في مبحث تدوين السنة النبوية، حيث سنشير إلى بعض آراء هذين المستشرقين.
"الأيديولوجية الوسطية" في فكر الشافعي
من الأبحاث المهمة التي نشرت خلال الأعوام الأخيرة والتي حاول كتّابها تقديم قراءة جديدة للشافعي، يمكن أن نشير إلى كتاب "الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية"، للمفكِّر المصري المعروف نصر حامد أبو زيد، وقد طُبع هذا الكتاب، للمرة الأولى، في مكتبة مدبولي في القاهرة سنة 1992، ثم طبع ثانية سنة 1996 مع إضافات في المقدمة للمؤلف، ويعدّ هذا الكتاب توسيعاً لمقالة تحت عنوان: "الأيديولوجية الوسطية التلفيقية في فكر الشافعي" التي نشرت في مجلة الاجتهاد في عددها الثامن سنة 1990.
رغم أن الكتاب يبدو للوهلة الأولى غير دقيق وألّف بشكل عاجل، إلاّ أنه يتضمّن إشارات وملاحظات تستحق الاهتمام، ولو جرى التوسّع فيها وتبيينها بنحو مستدلّ لشكلت خطوة مهمة في طريق فهم التراث الإسلامي؛ لاسيما أن المؤلف سعى إلى إماطة اللثام عن العلاقة الخفية بين السلطة والحقيقة، ليثبت أنَّ هذه الأخيرة ليست منزَّهة ولا بريئة كما يقال، بل إنها على علاقة دقيقة ومعقدة بالسلطة، فالعناصر الأيديولوجية للسلطة تقوم بدور مصيري في بلورة المعرفة والحقيقة، لتكونها بالشكل الذي تريده والأنموذج الذي تطمح إليه.
ويتطرق أبو زيد، من خلال تقييمه لفكر الإمام الشافعي، إلى نقد الحوار الديني المعاصر، ويضع الأسئلة التالية أمام معارضيه: ألم يكن الأئمة الأربعة وخصوصاً الإمام الشافعي من جنس البشر؟ ثم ألا يخضع اجتهادهم للأحكام والاجتهادات البشرية المحكومة بقوانين الصواب والخطأ؟ فلماذا إذن يُتّهم من ينتقد أفكارهم أو يقيّمها بالخروج من الدين والشريعة؟ ألا يعدّ دفاع الحوار الديني عن التراث الإسلامي دفاعاً عن منهج تقليدي في الفكر ونأياً عن أي إبداع؟؛ ثم يضيف: ليس من باب العفوية أن يُحاط فكر الشافعي، في مثل هذه الأجواء، بهالة من القداسة، ويُسلب من الناقدين والمفكرين حق تقييمه أو الحكم عليه.
إن وجه التمايز بين الفكر الديني المعاصر والفكر الديني المنفتح هو كالفرق بين التقليد والإبداع، والتعصب والتسامح. فالحوار الديني يخشى دائماً من نقد التراث الإسلامي وتقييمه، بينما تقوم حياة هذا التراث على أساس هذا النقد والتقييم المستمرين.
إننا نقف على أكتاف كبار كالشافعي وأمثاله، ونتطلع إلى أفق بعيد لم يتسنّ للسلف أن يتطلع إليه. ولا يعني الرجوع إلى السنّة والاعتماد عليها إلاّ استثمار ما توصّل إليه فطاحل أمثال الشافعي، لنخطو إلى الأمام بإحكام ونطرد عنّا الكسل والعجز، ولا نتوقف عند السبل المعهودة والتقليدية.
 
"نظرية المعرفة" عند الشافعي
مهما يكن، فإن هذا المقال ليس في صدد شرح الآراء الفقهية للشافعي، بل هو بحث في "نظرية المعرفة" عند الإمام الشافعي. بعبارة ثانية، فإننا سنبحث في الأصول والمبادئ النظرية التي أقام عليها الشافعي أدوات استدلاله واستنباطه الفقهيَّين، ومن الأفضل أن نقول: إنه بحث في "المنهج" بمعناه الفلسفي، هذا المنهج الذي لم يذكره الشافعي بصريح العبارة، إنما نستشفّه من مطاوي أفكاره بشكل ضمني، حيث سنحاول الكشف عن أدوات هذه المعرفة، لهذا فإننا مضطرون إلى اتخاذ أصول موضوعة وافتراضات مسبقة خاصة نبيّنها كما يأتي:
1_ إن جميع العلوم والمعارف منسوجة بعضها مع بعض في سياق ثقافي محدّد، فالعلوم ليست مستقلة ومنفصلة بعضها عن بعض، بل ترتبط بوشائج وثيقة لتكوّن نظاماً معرفياً خاصاً؛ مثال ذلك وجود تناسب تام بين علم النحو وعلم اللغة مع بعض العلوم العربية _ الإسلامية الأخرى؛ ويسري هذا الحكم على المعارف الأخرى مثل العلوم القرآنية والحديثية. على هذا الأساس يمكن القول: إن الشافعي والأشعري والغزالي يدخلون في إطار منظومة معرفية واحدة رغم أن كلاًّ منهم ينتمي إلى دائرة معرفية خاصة.
2_ يمثّل أي فكر مرآة تعكس المسائل والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية لعصر ذلك الفكر، فالمفكّر لا يفكّر في فراغ، إنما يجسّد فكره مقتضيات عصره ومجتمعه ويعدّ ثمرة لحياة ذلك المجتمع. عليه لا يمكن أن نعدّ فكر الشافعي مجرّداً وخالصاً، إنما هو من جنس المعرفة التي تنمو وتتكامل في ظروف معينة، إذ أن قوانين الطبيعة لا يمكن أن تتخلف أو تتغير. لهذا فإنَّه من المهم جداً الالتفات إلى تأثير الرغبات الاجتماعية في فكره، ومعرفة العامل الذي أدى _ على سبيل المثال_ إلى أن يدافع الشافعي عن "عروبة" القرآن، وسبب تأكيده على "السنة النبوية"، والإجابة عن أسئلة من هذا القبيل توضّح ما يريده الشافعي حقاً وتكشف عن جوهر خطابه.
3_ رغم الاشتراك في النظرة الاجتماعية والمعرفية العامة للكون بين جميع المدارس والاتجاهات الفكرية العاملة في إطار الفكر العربي _ الإسلامي، فأن لكل من هذه المذاهب والفرق أسس ومبادئ معرفية خاصة بها تميزها عن غيرها؛ مثال ذلك ما يشترك فيه الأشاعرة والمعتزلة في نظرتهم الكونية، إلاّ أن المعتزلة أوجدت دائرة معرفية خاصة في البلاغة والنحو والفقه تميزها من الأشاعرة، وأخذت تفسّر الحقائق والمعارف بنحو خاص ينسجم مع عناصرها المعرفية. من هنا يمكن أن نستنتج أن "الصدق" و"الكذب" من الأمور النسبيَّة أو التأريخيَّة على حدّ تعبير علم الاجتماع. ويمكن على أساس هذا الفهم الكلام على أيديولوجيات مختلفة في إطار الفكر الإسلامي، وإطلاق صفة الاعتدال على الإمام الشافعي.
نفذ مصطلح "الأيديولوجيا" إلى الثقافة العربية من العالم الغربي في القرن العشرين، ليتحول سريعاً إلى مفهوم كثير التداول في ميادين العلوم السياسية والاقتصادية والفلسفية والأدبية المختلفة؛ ويراد منه مجموعة القواعد المرتبطة بالصواب والخطأ والثواب والعقاب (بمعناه الاجتماعي)، والسواء والشذوذ التي تكوّن نظرة خاصة إزاء الأفراد، أو حيال فئة معنية؛ وهذه القواعد لا تتسم بالضرورة والحتمية، وليس بالضرورة أن تكون مطابقة للحقائق العينية الخارجية لأنها تُنتج وفقاً لأنموذج معرفي خاص في وعي الفرد أو الجماعة, ولهذا يمكن أن نطلق عليها تسمية معرفة كاذبة.
4_ تستخدم جميع الفرق الفكرية المختلفة لغة الدين في مقام الدفاع عن آرائها الفكرية، أو المناظرة مع الخصم، بمعنى أن جميع النِّزاعات بين المذاهب والفرق الكلامية _ الدينية ترجع بشكل أو بآخر إلى مسألة "التأويل" المهمة. بتوضيح أدق، فإن هذا النِّزاع هو في الأساس حول شرعية التأويل، ومن له الحقّ في استثمار "النصوص". ويمكن اعتبار تاريخ الفكر الإسلامي بأنه يمثل ثمرة للنِّزاع حول شرعية تأويل النصوص الدينية؛ فقد حاول المعتزلة الإمساك بالحقيقة المطلقة، ولم يدّخروا جهداً إلا واستخدموه للقضاء على منافسيهم؛ كما تشبّث الحنابلة، الذين اشتهروا، في ما بعد، بلقب أهل السنة والجماعة، بالقوة لإزاحة المنافس المعتزلي؛ وذلك حينما تسلّم المتوكل العباسي الخلافة، ولم يألوا جهدا أيضاً في التعريض بالمعتزلة واتهامهم بأنَّهم ليسوا على سنّة السلف الصالح وخارجون عن الشرعية.
5 _ يمكن الاستنتاج، على أساس ما مضى، أنَّ تغلّب فكر معين في برهة زمنية محدّدة لا يعني أن بقية الفرق محكومة بالكفر الضلال، لأن مفاهيم الضلالة والكفر أصبحت أدوات سياسية في خدمة الطبقة الحاكمة أو المنافس القوي قبل أن تكون مفاهيم دينية.
6 _ المفاهيم الراسخة، في الفكر الديني المعاصر، تمتد جذورها في أغلب الأحيان إلى التراث الإسلامي العريق؛ هذا الارتباط بين الماضي والحاضر يكون واضحاً أحياناً، ويحتاج أحياناً أخرى إلى عملية جراحية عميقة لفهم هذه الصلة؛ أي أن هناك حاجة لرموز علم الحفريات في المعرفة ليتاح لنا إرجاعها إلى عناصرها الأصلية.
حينما نتوصل إلى اكتشاف الأسس الأيديولوجية لبعض هذه الحقائق الثابتة والأصول الاعتقادية المسلّم بها، سوف ندرك أنَّ هذه الحقائق والأصول ليست مسلّمة وخالدة كما افترضت، بل إنها تاريخية اكتسبت طابع القداسة في مرحة معينة وفي ظل أهداف وظروف واضحة، وأصبحت في آخر المطاف نصوصاً مقدسة؛ فيما يستطيع المنهج التحليلي _ النقدي الجديد أن يزيح النقاب عن وجه الاعتقادات والمسلّمات، ويكشف أنَّ هذه المقدسات تخفي وراءها عقائد فئة من الناس تعتاش عليها. ويكمن السرّ في مخالفة الفكر الديني العلنية مع هذه الأساليب في أنه لا يريد أن يخضع لمثل هذه العملية الجراحية العميقة.
"النصّ" واستخداماته
يوضّح المؤلّف، في مقدمة الكتاب، بعض المصطلحات والمفاهيم الرئيسية التي يعتقد بأنها غامضة على أذهان الكثير من المتخصصين ناهيك عن عامة الناس، والمصطلح الأول الذي يناقشه أبو زيد هو "النص Text", ويُستخدم في إطار علم التحليل الكلامي من جهة، وفي علم الإشارات من جهة أخرى، رغم أن استعماله في الحالة الثانية أوسع من الحالة الأولى، ويشمل الأنظمة اللغوية وغير اللغوية، وعلى هذا الأساس يمكن إطلاقه أيضاً على المراسم والاحتفالات وموضات الملابس والفنون السمعية _ البصرية والرسوم والكاريكاتور. أما في الحالة الأولى فلا يمكن إطلاقة إلاّ في حدود معينة، أو على علامات لغوية ذات معنى، وهذا ما نريده من مصطلح النصّ.
طبقاً لهذا الرأي، هناك حدّ فاصل يوضع بين "النصوص الأولية" و"النصوص الثانوية"، وإذا أردنا تطبيق هذا الأمر على التراث الإسلامي فإن القرآن يعدّ من النصوص الأولية, والحديث النبوي من النصوص الثانوية لاعتماده على النصّ الأول، ثمّ تلي ذلك اجتهادات الفقهاء والمحدثين التي تستند بدورها على النصّ النبوي، ولا نقصد من هذا الترتيب أن الحديث النبوي أقل أهمية من غيره، إنما هو مجرد تصنيف وصفي وليس تقييمياً، لتوضيح الأنواع المختلفة من النصوص وكيفية بنائها وقيامها على أساس النصّ الأول، والفرق بين النصوص الأصلية والنصوص التفسيرية.
أدرجت النُّصوص الثانوية، في تاريخ الثقافة العربية _ الإسلامية، في دائرة النصّ الأول لأسباب اجتماعية وتاريخية مختلفة، لتصبح بعد مدة قاعدة لكل تفسير أو تأويل. بعبارة ثانية: أقحمت اجتهادات أئمة الفقه وتفاسيرهم في دائرة النصّ الأول رغم كونها أفكاراً بشرية, وأصبحت جزءاً من المنظومة الأساسية التي لا يمكن للعقل مناقشتها، ولهذا يوصف العقل العربي _ الإسلامي بأنه يدور في حلقة مرجعية النصوص.
المسألة الأساسية الأخرى التي تناولها المؤلف هي كيفية التدوين من خلال الذاكرة أو العقل الشفوي، في إشارة واضحة إلى تدوين سنة النبي ’ والصحابة في القرن الهجري الثاني. ومعروف أن هذه النصوص تمّ جمعها وتدوينها اعتماداً على النقل الشفوي (الذاكرة) فقط، لكن الأهم من ذلك هو كيفية تدوينها؛ فقد واجه علماء هذه المرحلة سؤالاً رئيسياً عن الأسس التي تقوم عليها عملية النقل والتدوين، هل يتم ذلك على أساس العقل (الرأي) أو النقل والشرع؟، وكانت هذه نقطة البداية لنزاع طويل ومشهور بين أهل الرأي وأهل الحديث، وما إذا كان المرجع النهائي هو العقل (التأويل) أم الشرع؟ ولمن تكون الأولوية عند التعارض؟
من هذه النقطة بالذات ينهض الشافعي بدور مهم وتاريخي في محاولة اختيار الطريق الوسط, ويسعى إلى تأسيس أيديولوجية الاعتدال، رغم أنه انحاز أخيراً إلى جانب أهل الحديث كما سنرى.
نستنتج مما مرّ بنا أَّن النصوص، بحدّ ذاتها، لا تتوفر على أية قوة أو مرجعية، رغم أن أي نصّ يفعل فعله في إعمال سلطته ضمن حدود معرفية معينة، ويحاول أن يتقدم على النصوص السابقة بما يحمله من ثراء ومتانة، ذلك أن العلة الوجودية لأي نصّ جديد هي تناول ما لم تتناوله سائر النصوص؛ ومع ذلك فإن هذه القدرة لا يمكن بأي وجه من الوجوه، أن تصل به إلى مستوى من الاعتبار بحيث يصبح مرجعاً نهائياً، وأنموذجاً ثقافياً واجتماعياً كاملاً، إلاّ أن يتمّ تحميله على التكوين الاجتماعي والعقلي للمجتمع من قبل عناصر خارجية؛ وهذا ما حصل بالضبط في القرون الأولى لتكامل الفكر الإسلامي، حتى أصبح للقرآن والسنة النبوية مرجعية مطلقة شاملة بهمّة الفقهاء والمحدّثين المتشددين.
إن الهدف من الدعوة للتخلص من قيود النصّ المقدس هو تخليص عقولنا المخدوعة من المرجعية الشاملة والمطلقة لهذه النصوص؛ وهذه هي النقطة التي يولد منها التعارض بين العقل والنقل، وهذا التعارض يقع في الحقيقة، بين العقل مع المرجعية الشاملة والمطلقة للنصوص وليس مع النصّ نفسه، لأن العقل هو الوسيلة الوحيدة للمعرفة والتي يتمّ بها تفسير النصوص وشرحها، وأي جهد لإلغائه ينتهي مباشرة إلى إلغاء النصوص.
يعتقد المؤلف بأن مفاهيم، مثل مرجعية النصوص وسلطتها متآصرة بعضها مع بعض، بل هي وجهان لعملة واحدة، وفيها دلالة على معنىً واحد، وهي مفاهيم وليدة المراحل المتأخرة، وقد تأثرت بالتاريخ الاجتماعي للمسلمين قبل أن تكون مفاهيم دينية أو اعتقادية، ويمكن التحرّي عن بداياتها في أفكار أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، لينتشر هذا المفهوم بشكل واسع في العهود التي تلت ذلك.
يوضح أبو زيد، في فقرة أخرى من كتابه، أنَّ التحقيق العلمي لا يكتفي بالتحليل العلمي وحسب، بل يخوض في تفسير المفاهيم وتحليلها، ثم يطرح هذا السؤال المهم: لماذا يؤكد الشافعي على السنّة وشموليتها رغم اتخاذه لجانب الاعتدال؟, ويلتحق بهذا السؤال استفسار آخر وهو: لماذا هبّ الشافعي للدفاع عن عروبة القرآن، وتحديداً عن اللهجة والقراءة القرشيَّتين؟ وعمَّ يبحث الشافعي في لهجة قريش ليدافع عنها بهذه الصورة؟
ينقل الشافعي في كتاب "الأم"، بعض الروايات النبوية في فضل قريش، ولا يهمّه في هذا السياق أن ينقل روايات المراسيل والبلاغات (الروايات التي تبدأ بعبارة "بلغني") ويستند عليها، رغم أنه يسقط الاعتبار عن مثل هذه الروايات إلاّ إن أيَّدتها روايات مسندة. توضح هذه الأسئلة الهدف الذي يتوخّاه الشافعي، وترشدنا في الوقت نفسه إلى المنطلقات الأيديولوجية لفكره التي سنبادر، في ما يأتي إلى توضيحها وتحليل عناصرها.
 
المنطلقات الإيديولوجية في فكر الشافعي
يبتدئ منهج هذا البحث من تحليل فكر الشافعي وتوضيحه ليبين من ثم منطلقاته السياسية والمعرفية، بعبارة ثانية: إننا اخترنا المنهج التحليلي الذي ينتقل من الفكر إلى الواقع، تلافياً للمنهج الميكانيكي الذي ينتقل من الواقع إلى الفكر. ومن الواضح أن فكر الشافعي لا يمكن فهمه إلاّ في السياق الفكري الذي كان سائداً عصره ومرحلته التي يمكن أن نطلق عليها اسم مرحلة المنازعات والإشكاليات الكبرى بين أهل الرأي وأهل الحديث والمعتزلة والأشاعرة، وكذلك النِّزاعات الطائفية بين العرب والإيرانيين التي تجلّت في بعض الحركات مثل الشعوبية وغيرها.
يمثِّل الكتاب والسنة والإجماع والقياس، في رأي الشافعي، الأركان الأربعة للأدلة الشرعية (أصول الفقه)، حيث تتوالى بنحو خاص، وتعتمد حجية كل منها على الآخر حتى تنتهي إلى الكتاب. كان هاجس الشافعي الأول أن يضفي الشرعية على "السنة" بوصفها مصدراً معتبراً، لذلك لم يكتف بتبيينها، وإنما وضعها في مصاف "الكتاب" وعدّها جزءاً أساسياً في بنائه الدلالي (ما سنوضحه لاحقاً). على هذا المنوال أسند حجية الإجماع إلى الكتاب (المتألف من الكتاب والسنة)، ثم أجرى الحكم نفسه على القياس والاجتهاد، وفي هذا سعى الشافعي إلى إدراج كل الأدلة الشرعية في دائرة النص لإبداع نظام من نوع خاص، ليصبح النص ليس دالاً على القرآن وحسب، وإنما يشمل السنة والإجماع والقياس (الاجتهاد). ولم يأت هذا النظام الذي أسسه الشافعي من فراغ ، إنما كان له منطلقه الأيديولوجي الذي سعى أبو زيد إلى توضيحه وإماطة اللثام عنه.
قسّم أبو زيد كتابه على أساس أدلّة التشريع الأربعة، وتطرق في القسم الأول منه إلى النصّ القرآني، وطرح في بداية الأمر سؤالاً عن السبب الذي حمل الشافعي للدفاع عن عروبة القرآن.
لم يطق الشافعي الرأي الذي يعتقد بوجود مصطلحات أعجمية دخيلة في القرآن، ويرى أن مفرداته عربية كلها، ويحكم تبعاً لذلك بسعة اللغة العربية وشموليتها، بحيث لا يمكن أن يحيط بها إلاّ الأنبياء(12). فإذا كانت العربية بهذه السِّعة اللامتناهية، فإنَّه من المشكل والمتعذر إذن فهم القرآن وتفسيره، سواء في مفرداته أم في تركيبه، لأنه يمثل نسخة مصغرة وشاملة عن اللغة العربية، ولا يمكن تبديل هذا المشكل إلى الممكن إلاّ عبر الاستعانة بالسنّة، فهي اللغة التفسيرية القادرة على تيسير عملية الفهم القرآني؛ وعليه لا تختزل مشروعية السنّة في كشف المعنى القرآني، وإنما تؤدي دوراً أساسياً في بناء دلالة النص.
يقرّ الشافعي، شأنه شأن أبي عبيدة قاسم بن سلام (224 هـ)، بأنَّ جذور بعض المصطلحات القرآنية أعجمية، بيد أنه يدعي أنها أصبحت جزءاً من منظومة المصطلحات العربية بعد أن دخلت في نطاقها، لكنه ينكر، في الوقت نفسه، وجود مصطلحات معربة في القرآن، ويدافع عن عربية القرآن ونقاء اللغة العربية. وأراد من وراء ذلك تحقيق هدف محدد، وهو انتقاء لهجة قريش من بين اللهجات العربية المختلفة. فمن المعروف أن القرنين الأولين شهدا نزاعاً مشهوراً بين الفقهاء وعلماء القرآن حول القراءات المختلفة وحجّيّتها، مصدره الرواية المعروفة الواردة عن النبي ’ في أن القرآن نزل بسبعة أحرف، ما أدى إلى ظهور نحو أربعين تفسيراً مختلفاً لهذه العبارة(13)؛ فهل يقصد من هذه الأحرف القراءات أو اللهجات العربية المختلفة (مثل لهجة بني هوازن وثقيف وقريش وخزاعة )، أو أن هناك معاني أخرى لها؟، من الواضح أن تحديد العبارة بلهجة أو لهجات معينة كان يمكن أن يترك تأثيراً عميقاً على بلورة الثقافة الإسلامية، لأن ذلك من شأنه أن يفضي إلى إسقاط الاعتبار عن بقية القراءات. ورغم أن هذا النِّزاع بلغ نهايته المحتومة في عهد الشافعي، وتم اختيار قراءة عثمان القرشية (وعثمان قرشي) بوصفها اللهجة الرسمية المعتبرة، إلاّ أن الشافعي كان عارفاً بالتأثير الذي يمكن أن تؤدِّيه لغة الدين على المجتمع الإسلامي الذي كان في طور التكوين حينذاك، ولهذا دافع بضراوة عن عروبة القرآن، للدفاع في حقيقة الأمر عن لهجة قريش، لأنه كان يريد إثبات سيادة قريش وتفوّقها من جميع الجوانب حتى لو تمّ ذلك عبر تأويل لغة الدين.
 
الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة
اتسم رأي الشافعي في الخلافة وإحرازها بالتعصب، ولم يكتف بمواكبة جمهور أهل السنة بالقول: إن الخلافة تنحصر بقريش، بل رأى أنها تستحقها حتى لو حصلت عليها بالقوة والغلبة، ولا تتوقف صحتها على بيعة الأمة وإجماعها. كما أن الفتاوى الفقهية للشافعي لم تنأَ عن التعصب، فقد أفتى في كتاب الأم(14) بأن صحة الصلاة تتوقف على القراءة العربية الفصيحة، الأمر الذي أحرج المسلمين من غير العرب الذين ليست لهم القدرة على العربية الفصحى. ويمكن أن ندرك جوهر هذه الفتوى متى ما تم بحثها في سياقها التاريخي، لاسيما حينما تقاس بفتوى أبي حنيفة الفقيه الذي ينحدر من أصول إيرانية، فهو لم يشترط فيها فصاحة العربية لصحة الصلاة، بل أباح القراءة حتى باللغة الأعجمية لمن لا يتمكن من العربية مع كراهة. ورغم أن الاختلاف في الآراء بين الشافعي وأبي حنيفة يبدو للوهلة الأولى أنَّه سطحي ويتلخص في الفروع من دون الأصول إلاّ أن جذوره تمتد بعمق حتى يصل إلى المنطلقات الإيديولوجية لكل منهما، الأمر الذي أدى بهما إلى تفسير النص وتأويله كل حسب منطلقه المعرفي _ الإيديولوجي. بعبارة ثانية فإن الاختلاف بين الشافعي وأبي حنيفة يتركز على ماهية النصّ القرآني، وما إذا كان المراد منه معانيه، أم أنه يشمل على اللفظ أيضاً، وبخاصة اللهجة القرشية، ويشكّل جزءءاً منفصلاً عن تأثير ماهيته. وقد أثر هذا الاختلاف بشكل كبير على كيفية تفسير المفاهيم القرآنية (منهج الاستنباط).
 
مبدأ خطير في فكر الشافعي
أرسى الشافعي المبدأ الخطير والأساسي، وهو: "جامعية القرآن وشموليته" اعتماداً على تفسيره الخاص للغة، ما جعله نصاً قادراً على حلّ جميع المشكلات السابقة واللاحقة، وألقى هذا التصور بظلاله على كل التاريخ العقلي والفكر الديني، وجعل من العقل العربي عقلاً مطيعاً تابعاً تقتصر وظيفته على شرح النصّ وتفسيره، وكانت أولى نتائج هذا الفهم إلغاء العقل، ورغم أن الشافعي ليس هو من أبدع هذا المبدأ، فإنَّه أدّى دوراً رئيسياً في تثبيته وتركيزه، ما يمكن ملاحظته بوضوح في آرائه، وبخاصَّة في بحث الاستحسان والمصالح المرسلة.
يعتقد الشافعي بأنَّ شمولية النصّ القرآني منبثقة من عربيّته، هذه اللغة التي لا يمكن أن تحاط، من حيث سعتها، إلا من جانب الأنبياء. وجعل هذا التلازم بين شمولية "النص القرآني" وسعة "اللغة العربية" من تفسير هذا النصّ وفهمه أمراً متعذراً يتطلب الكثير من الجهد، ولا يتيّسر إلا للمفسّر المنحدر من أصول عربية، لأن الأعجمي لن يتوصّل إلى عمق الدلالة القرآنية مهما بذل من جهد ومشقة لفهم القرآن. على هذا الأساس شيّد الشافعي كل الأساليب البيانية القرآنية من النص والظاهر إلى الخاص والعام على فهم العرب له، ولم يرجع غموض دلالته ووضوحها إلى عناصر داخلية في النصّ، إنما ربط ذلك بعامل خارجي عن النص وهو أصل المتلقي، أو بكلمة أدق جنسيته وعنصره.
العربي القُح (أو العربي القرشي حسب الشافعي) لا يخلط أبداً بين العام الظاهر والعام في معناه الخاص، ويعلم حقّ المعرفة أنَّ المراد مثلاً من الناس في الآية 173 من سورة آل عمران: )الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ(، وكذلك في الآية 199 من سورة البقرة: )ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ(، ليس عامة الناس، بل يفهم من مدلولها أنَّها فئة خاصة من الناس(15)، لأن العرب أجازت مثل هذا الاستخدام (إرادة مدلول خاص من اللفظ العام)(16). كما أقام الألفاظ المترادفة أو المشتركة في مقام الدلالة على العربية وفهم العرب لها، واعتبر ذلك عاملاً مصيرياً وأساسياً في تعيين المدلول الحقيقي للكلام.
حاول الشافعي تثبيت وظائف السنّة بطرحه مسألة وجود الألفاظ العامة والخاصة في النصّ القرآني وكيفية دلالتها؛ وتبوّأت السنة عنده منزلة متقدمة ليست أقل من مكانة النصّ القرآني، وقال في توضيح هذا الأمر: إن اللفظ العام عنصر جوهري في تكوين اللغة العربية، لا نستطيع من دونه أن نتوصل إلى تعبير عن المفاهيم والتصورات الكلية في سياق ثقافي معين. ومع ذلك فإن اللفظ العام يخضع دائماً للتخصيص تحت تأثير عوامل داخلية وخارجية, ليتقابل العام والخاص ثنائياً بحيث يحتوي كل منهما إشارة إلى الآخر، ما أدى إلى أن يعدّ الشافعي، وخلافاً للأحناف، الدلالة العامة على العموم دلالة ظنية (غير قطعية) حتى إن كانت غير مخصّصة.
لإثبات هذا الرأي، استند الشافعي على قول ابن عباس: "ما من عام إلاّ وخُصّص"، وأوضح أن الاحتمال قوي في أن يكون لكل عام مخصص في مقام الدلالة، لأن من النادر أن نجد لفظاً عاماً من دون تخصيص، وهذا يعني أن الدلالة العامة ليست قطعية على العموم، وتنطوي على حكم المجمل الذي يحتاج إلى التبيين والتفسير لعدم وضوحه تلقائياً. وبناءً على هذا، فإن ألفاظ القرآن في غالبها عامة، وبالنتيجة فهي ظنية الدلالة وتحتاج إلى تخصيص لإخراج دلالتها من الإجمال وبلوغها المستوى القطعي، وهذه مسؤولية خطيرة تتبناها السنة التي تخصص الألفاظ العامة للنصّ القرآني في مقام الدلالة، لهذا فإن السنة ترقى إلى مرتبة النصّ القرآني لتصبح عنصراً لا ينفصم عن القرآن، بحيث تُعلّق الدلالة القرآنية وتدخل في حالة من غموض المعنى وإجماله من دون أخذها بنظر الاعتبار.
في مقابل الدلالة الظنية للعام، هناك "النص" و"المحكم"، فالأول هو التَّنزيل الذي لا يحتاج إلى التأويل، وأمّا الثاني فهو الكلام الذي يستلزم الشرح والتفصيل، ما توفِّره له السنة أيضاً التي تؤدّي وظيفتين مهمتين إزاء النصّ القرآني، إذ تكشف عن دلالة المحكم من جهة، وتخصص العام من جهة أخرى.
بلحاظ ما ذكرنا يمكن القول: إن القرآن يعتمد، في مقام الدلالة على السنة، من دون أن يتوفر على الاستقلالية من جهة، وتعدّ اللغة العربية من جهة أخرى مرجعاً لتفسير ألفاظه الغامضة وتبيينها. خلاصة القول: إنَّ النصّ القرآني يحتاج إلى السنة في "المحكم" و"العام الظاهر"، ويحتاج إلى اللغة العربية في "العام" المخصص وفي "الترادف" و"الاشتراك اللفظي" و"الاستعارة والكناية". و"النصّ" هو الدال الوحيد القائم بذاته الذي لا يحتاج إلى "تأويل" أو "تفسير" ، لكنه نادر وقليل الوجود.
في بحث السنة _ وهو الأوسع في كتابه _ يركّز أبو زيد على العناصر التي تقوم بدور رئيسي في تأسيس السنة وإضفاء الشرعية عليها، ويراد من السنة، في معناها اللغوي، الطريق والعادة والمنهج، وقد استخدم القرآن هذا المصطلح بمعانٍ مختلفة(17)


التَّأثير الشِّيعي في مدرسة النظّام الاعتزاليّة العقليّة

2 أكتوبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

 محور البحث
يعتقد الكثيرون بأن البنى الأساسية للشيعة، في حقل الكلام، قد تأثَّرت بالمعتزلة. ويحاول كاتب هذا المقال، بالإضافة إلى مناقشة هذا الرأي وتزييفه، إثبات العكس منه، وبيان أن المعتزلة _ بمن فيهم معتزلة البصرة _ كانوا متأثرين إلى حد كبير بالفكر الشيعي. ويكفي لإثبات هذا المدَّعى، مراجعة آراء النظّام، وهو من خيرة أعلام المعتزلة، حيث نجد بصمات الفكر الشيعي واضحة عليه، سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار تأثير هذه الشخصية في المعتزلة، وأنه _ في ما يبدو _ الأساس لظاهرة "متشيِّعة معتزلة بغداد"، وربما كان هو السبب في تشيُّع بعضٍ منهم بشكل كامل.
 
المقدمة
إن لم نقل: إنَّ النظّام _ أبو إسحاق، إبراهيم بن سيار بن هانئ _ أهم شخصية كلامية وعلمية لدى المعتزلة، فهو من شخصياتهم الكبيرة، بل إنّه من أبرز علماء المئة الـهجرية الثانية([1]) في العالم الإسلامي. ويمكن عدّه على قمة الاتجاه العقلي للاعتزال([2]).
وقد استطاع بفكره المبدع الخلاَّق النَّاقد أن يتخطَّى حدود عصره العلمية، ويكون صاحب آراء عميقة وبديعة في المباحث الكلامية والفلسفية والقرآنية، بل وحتى الفقهية([3]).
ولهذا كانت آراؤه موضع جدل ونقاش عميقين وواسعين من جهة، وسبباً في تكفيره إبّان حياته وبعدها من جهة أخرى.
وقد أدى النقاش والجدل المذكوران إلى اتجاه بعض المتكلِّمين إلى اتّباعه والتلمذة لـه _ وهم الذين شكلوا في ما بعد المدرسة النظّامية([4]) _ وإلى اتجاه جماعة أخرى إلى مخالفته ورد أفكاره. وعليه، فقد كان شخصية مؤثرة، أثرت مباشرة في تأسيس المدرسة النظّامية كما ذكرنا، وفي تحريك الجو العلمي بإشغال مخالفيه بنقل آرائه ونقضها وإبطالـها.
وعلى صعيد آخر، فقد صدقت في حقه مقولة: "إن العالم ابن زمانه". فقد كان لمجموعة الاتجاهات الفكرية المتعددة، والظروف ومقتضيات الزمان والمكان، والتقلُّبات الاجتماعية والسياسية لتلك المرحلة، تأثيرها في صياغة شخصيته وأفكاره، فهو لم يكن من العلماء القابعين في زوايا الحجرات، يتلقى المطالب العلمية من أساتذته فقط، ويقيد ويحصر تفكيره بها، بل كان مطَّلعاً، وعن قرب، على المذاهب الفكرية الأُخرى. فقد ناظر أصحابها وبادلـهم وجهات النظر، وقد نقلت عنه عبارة حكمية تقول: "العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإذا أعطيته كلك فأنت من إعطائه لك البعض على خطر"([5]).
وتأسيساً على هذا الأصل، فقد تعرض لنقد الآراء والأفكار _ بغض النظر عن هويتها ومنشئها _ بروح منفتحة، ولم يتردَّد في قبول الآراء التي يراها محقّة، ولهذا كان يقبل ويتبنَّى كل تجديد وإبداع من الآخرين بعد أن يتحقَّق منه.
وبفضل هذا الخزين الـهائل من المعارف والمعلومات، عمل على ابتكار نظريات جديدة، ولم يخش مخالفة المشهور والمتعارف والسائد، وما تأثره بالشيعة _ مع النـزاع الشديد بين معتزلة زمانه (البصريون) الذين ينتسب إليهم _ وبين الشيعة إلاّ شاهد على ما نقول.
وذكر المؤرخون عنه أنَّه كان محيطاً بشكل كامل بالفلسفة، مع كونها حينئذٍ ضيفاً جديداً على العالم الإسلامي، وشاهداً على هذا نُقلت في "المنية" هذه القصة:
إنه جرى ذكر "أرسطو" عند جعفر البرمكي، وكان النظّام حاضراً، فقال لجعفر: لقد نقضتُ كتاب أرسطو. فقال لـه جعفر: أنَّى لك ذلك، ولا أظنك تحسن قراءته؟
فأجاب النظّام: أتريد أن أقرأه عليك من أوّلـه لآخره أو من آخره لأوَّلـه؟
ثم شرع في بيان محتويات الكتاب بالتسلسل، وأورد نقوضه عليها، فدهش جعفر وتعجب لذلك([6]).
وعدَّ كل من الشهرستاني والبغدادي إحاطته بالفلسفة وإتقانها([7])، من أسباب انحرافه، ولذا حملوا عليه وهاجموه.
وكان لـه، إضافة إلى ذلك، معرفة بالأديان الإيرانية والـهندية، ثم تعرف على أفكار الشيعة عن طريق هشام بن الحكم([8]).
وقد أسهمت معارفه الواسعة ومعلوماته في تشكيل عقليته المنفتحة، حيث كان ملاكه الوحيد في اختيار الرأي والعقيدة، هو اليقين العقلاني في تشخيص الحقيقة. وقد أوجد نوعاً من الترابط بين العلوم، حيث دمج بين الفلسفة والكلام، فقد: "اطلع على كتب الفلاسفة، ومال في كلامه إلى الطبيعيين منهم والإلهيين، وأنه استنبط من كتبهم مسائل خلطها بكلام المعتزلة"([9])، كما أنه حيثما شخّص الحق في آراء هشام بن الحكم الشيعي أخذ به وقبلـه: "ثم خالط هشام بن الحكم الرافضي فأخذ عن هشام"([10]). وإذا كان مخالفاً لرأيه وفكره، فإنه يدعو ويستجيب للبحث والمناظرة العلمية([11])، وكثيراً ما كان يقف على خطأ رأيٍ في هذه المناظرات والتأملات فيغير رأيه فيه، ولهذا فلعلـه يرد عنه في المسألة الواحدة رأيان أو عدة آراء متعددة متناقضة.
 
اتّصال النظّام بالشيعة وتأثره بهم
1 _ إن أصل تبادل الأفكار، وتأثر بعضها ببعض أمر طبيعي ومتَّفق عليه. ويدّعي كاتب هذا المقال أن النظّام _ وعلى الأقل في مقطع من عمره الفكري _ قد تأثر بالفكر الشيعي، وأنه نتيجة لموقعه العلمي المتميز فقد استمر هذا التأثر في أتباعه وتلامذته، حيث ترك بصماته واضحة على بعض المدارس الفلسفية والكلامية في ما بعد.
2 _ لا شك في أن أمثال "النظّام" لم يكن تأثرهم بالآخرين تقليداً صرفاً؛ لأن التقليد من دون تحقيق هو شأن العوام، لا المحققين من العلماء المتّبعين للأدلَّة والبراهين.
3 _ يحتمل أن يكون من جملة الذين أسهموا في إيجاد الميول الشيعية للنظّام، وتوجهه نحو عقائدهم، هو الخليل بن أحمد، في بداية طريق التعليم والتربية، وهشام بن الحكم، عند كبر سنه على حد قول البغدادي. لقد أدى هذا الارتباط إلى أن يتعرف النظّام على آراء الشيعة ومعتقداتهم، بعيداً عن تعصبات معتزلة عصره بالنسبة للشيعة، حيث أغلقوا مجال التفكير والانفتاح على أفكار مخالفيهم.
أ _ الخليل بن أحمد([12]) (100 _ 170 أو 175هـ) العالم النحوي واللغوي المعروف، واضع علم العروض، وصاحب كتاب العين. كان يعيش في البصرة، ومن تلامذته سيبويه والأصمعي. وقد ورد في دائرة المعارف الشيعية: إن كلاًّ من العلاَّمة الحلي في الخلاصة، والبهبهاني في تعليقته على منهج المقال، والصدر في تأسيس الشيعة، والقاضي نور اللـه في مجالس المؤمنين، نصوا على أنه كان شيعياً([13]).
ونقل صاحب أعيان الشيعة أن صاحب الرياض والشيخ البهائي، في حاشيته على خلاصة العلامة الحلي، عدَّاه من أصحاب الإمام الصادق ×([14])، ونقلاً عنه أنه قال في إثبات إمامة أمير المؤمنين ×: "احتياج الكل إليه واستغناؤه عن الكل دليل على أنه إمام الكل في الكل"([15]).
وعدّه بعض الباحثين من أساتذة النظّام. قال أحمد محمود صبحي: "إن والد النظّام ذهب به حين كان صبياً إلى الخليل بن أحمد ليعلمه"([16]). ونقل في طبقات المعتزلة، أن الخليل قال للنظّام: "نحن إلى التعلم منك أحوج"([17]). ويستفاد من هذه العبارة تلمذة النظّام للخليل، وذكر هذا في كتاب الغرر والدرر([18]) أيضاً([19]).
ب _ هشام بن الحكم الكندي([20]). وقد ذكر في الكتب الرجالية والتاريخية وكتب الفرق، أنه كان من كبار متكلمي الإمامية وعلمائها، وأنه من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم ‘، وأجمع علماء رجال الإمامية على توثيقه([21])، وقال في أعيان الشيعة عنه: هو من أكبر أصحاب أبي عبداللـه جعفر بن محمد الصادق ×، وكان فقيهاً، وروى حديثاً كثيراً، وصحب أبا عبداللـه × وبعده أبا الحسن موسى ×. ورويت لـه مدائح جليلة عن الإمامين، وكان ممن فتق الكلام في الإمامة، وهذّب المذهب بالنظر، وكان حاذقاً لصناعة الكلام، حاضر الجواب"([22]). ووردت هذه العبارة نفسها تقريباً في الفهرست([23]) لابن النديم([24]).
ألَّف هشام كتباً كثيرة في مواضيع وعلوم مختلفة، ذُكرت أسماؤها في كتب الرجال، ويقارب ترتيبها وأسماؤها ما هو المذكور في الفهرست.
كان هشام، في الكلام خصوصاً، عالماً قلَّ نظيره، ويعدّ أهم شخصية كلامية في القرن الثاني. وكانت المحافل العلمية آنذاك تزخر بأفكاره واحتجاجاته ومناظراته في المسائل الكلامية، وقد وصفه بعض الكتّاب المعاصرين من أهل السنة بتعابير دقيقة وجذابة، فقال: وأبرز ممثل لمدرسة الصادق هو هشام بن الحكم، أكبر شخصية كلامية في القرن الثاني. شغل جميع المجامع العقلية في عصره، وخاض معارك كلامية وفلسفية (هي) من أدق المعارك مع مخالفي المذهب الإمامي… درس كل ما كان في عصره من فلسفات ومذاهب، وأنه تعمق فيها أكثر من جميع معاصريه… فالرجل إذن، كان على ثقافة واسعة عميقة بالفلسفة والكلام والسياسة([25]).
ونقلت كتب التاريخ بعض مناظرات هشام مع المخالفين، والتي تغلَّب فيها على الطرف المقابل([26])، كان قوياً في مناظراته، بحيث نقل أنه قال لـه بعضهم: "أنت أقوى الناس في الكلام! فقال لـه: وكيف عرفت ذلك ولم تكلمني؟ فأجاب: حيث رأيت كل من يدّعي علماً في الكلام يقول: ناظرت هشاماً وغلبته. فهذا هو الدليل على أنك عظيم عندهم"([27]).
ويقول سامي النشار: إن النظّام كان من أعاظم تلامذة هشام، وصرَّح البغدادي بأن النظّام "خالط هشام بن الحكم الرافضي فأخذ عن هشام"([28]). وقال الشهرستاني في إشارة مجملة لـهذا المطلب: "ووافق هشام بن الحكم في قولـه"([29])، ولكنه صرَّح في عبارة أخرى بالميول الشيعية للنظّام فقال: "وميلـه إلى الرفض و…" ([30]).
وتنبّه أحمد محمود صبحي، وهو من الكتاب المعاصرين، إلى العلاقة التي كانت قائمة بين النظّام وهشام، فهو بعد أن أشار إلى أن النظّام كان كثير السفر والسياحة، حيث سافر إلى الكثير من المناطق والمراكز العلمية والثقافية آنذاك، ومنها شرق الدولة الإسلامية، حيث مجتمع الثقافات الهندية واليونانية والإيرانية، ثم سافر إلى الكوفة، وفي ذلك يقول: "ثم قصد بعد ذلك الكوفة، وفيها التقى بهشام بن الحكم أكبر متكلمي الشيعة الاثني عشرية على مر العصور، وكانت بينهما مناظرات وتأثير متبادل، عن هشام أخذ" ([31]). ثم أعدّ قائمة في الآراء التي تأثر فيها بهشام، سنتعرض لها في محلها. ويوضح سامي النشار أيضاً تأثير هشام على النظّام وانعكاس هذا التأثير على المعتزلة النظّاميين، فيقول:
"فمن أكبر تلامذته (هشام) النظّام، فيلسوف المعتزلة الكبير… ويبدو أثر هشام بن الحكم كبيراً جداً في معظم المذهب النظّامي"([32]).
وقد ظهر من كل ما تقدم ما يأتي:
أ _ لا تردُّد في أن النظّام، وهو من أعاظم متكلمي الإسلام في القرن الثاني وأوائل القرن الثالث، تأثر بهشام بن الحكم، المتكلم الإمامي الكبير، فكانت لـه ميول شيعية.
ب _ إن هذا التأثير _ كما يقول سامي النشار _ قد انعكس على مدرسة النظّام وانتقل إلى الأجيال اللاحقة.
ج _ إن آراءه الشيعية التي نقلـها عنه كثير من المؤرخين وكتاب الفرق، دليل آخر على هذا التأثر.
ليس من أهداف هذا المقال إثبات كون النظّام إمامياً، بل إثبات أنه ورغم انتسابه للاتجاه الكلامي العقلاني المعتزلي الذي ينتسب بالنتيجة إلى المذهب السني، والذي _ باعتباره منهجاً فكرياً كلامياً _ يتعارض مع توجهات الشيعة، كانت لـه أيضاً آراء شيعية معتنى بها من الناحية الكمية والكيفية. بل، إن بعض آرائه هذه لـها دور محوري في تحديد المنظومة الفكرية.
ونقوم الآن باستعراض هذه الآراء بالتفصيل، وذلك بالاستناد إلى المصادر الكلامية والتاريخية.
 
القسم الأول
الآراء الشيعية للنظّام في مجال المباني الكلامية والفقهية والحديثية
 
الأول: حجية قول الإمام المعصوم
يقول الشهرستاني: إن النظّام كان يعتقد بأن الحجية والاعتبار الشرعي يدور مدار قول الإمام المعصوم ورأيه: "وإنما الحجة في قول الإمام المعصوم"([33])، وكذلك الكاتب أحمد محمود صبحي حينما يعرض قائمة عن المباني الشيعية للنظّام يذكر منها: "حجية قول المعصوم"([34]). ويشير سامي النشار أيضاً إلى رأي النظّام هذا، ويقول: "إنما الحجة عنده (النظّام) في قول الإمام المعصوم". وقال: "إن ابن حزم ومذهب الظاهرية يعتقدون ذلك في النظّام أيضاً"([35]).
ويلزم هنا التأكيد على ملاحظتين:
أ _ هل أن مراد النظّام من المعصوم هو النبي | أو شخص أو أشخاص بعد النبي |؟
وفي الجواب ينبغي تشخيص محل البحث والنـزاع، فإنه لا خلاف في حجية القرآن الذي هو وحي اللـه وكلامه، وكذلك حجية قول النبي | الذي هو معصوم أيضاً ]وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى[ [سورة النجم/3 و4]، ولا خلاف في ذلك، فكل الفرق الإسلامية مجتمعة عليه. فالبحث هو أنه هل يمكن الاستعانة بمصدر آخر لاستنباط الحكم الشرعي في المسائل والموضوعات التي لم يرد حكمها في القرآن والأخبار المنقولة عن النبي |؟
فهنا قال بعض المتكلِّمين بجواز استعمال القياس والإجماع وغيرهما، وقال آخرون كالشيعة القائلين بوجود الإمام المعصوم بعد النبي |، بأنه يصل الدور حينئذٍ إلى قول الإمام المعصوم، فإن لـه من الاعتبار ما للقرآن وللنبي |، ولا حجية ولا اعتبار للقياس، وأن الإجماع في حد ذاته ليس معتبراً، وإن كان لـه اعتبار فلجهة كشفه عن قول المعصوم.
لقد طرحت هذه البحوث بشكل جدي في زمن النظّام، ووقعت محلاًّ للنقض والإبرام. وبهذا يتضح أنه حينما يصرح النظّام في مثل هذا الظرف بأنه: "إنما الحجة في قول الإمام المعصوم"، فإنه ناظر إلى ظرف ما بعد النبي |، وإلاّ لكان قد عبر بكلمة "المعصوم" فقط، أو استعمل تعبير: "قول النبي |" مثلاً. هذا وبالرغم من أن عبارة "الإمام المعصوم" قابلة للإطلاق على النبي | أيضاً بطريق أولى، حيث أطلقها القرآن على النبي إبراهيم ×([36])، ولكن ذلك الظرف الزماني والمكاني المنظور المذكور، يعطي لتعبير "الإمام المعصوم" مفاداً خاصاً، وهو المستعمل في الأوساط الشيعية. وعليه، فإن النظّام مع دقته ونباهته لم يستعمل هذا التعبير من دون أن يلتفت إلى مفاده الخاص.
ب _ وفي ضوء ما ذكرنا في البند السابق، فإن لازم قول النظّام هذا، هو الاعتقاد بالوجود الخارجي والعيني للإمام المعصوم بعد النبي |، إلاّ أن يقال: إنه ذكر هذا المطلب بعنوان أنه حكم عقلي، أي أنه: لو فرض وجود إمامة معصوم فإن قولـه حجة ومعتبر شرعاً، وذلك لفرض عصمته عن الخطأ. ولا شك في أن هذا احتمال واهن جداً ولا مسوِّغ لـه؛ لأن النظّام لا يتكلم عن الفراغ وعالم الفرضيات، بل إنه ينظّر للواقعيات العينية والخارجية للمجتمع الإسلامي بعد مرحلة النبي، ليفتح طريقاً عملياً لحل مشكلة اجتماعية على أساس هذه الأفكار.
ويشهد لـهذا أنه، وبسبب وجود الارتباط المنطقي بين بحث حجية قول الإمام المعصوم وبحث الإجماع، فمن يقول بحجية قول الإمام المعصوم لم يقل بالحجية الذاتية للإجماع، والنظّام _ كما سنبيّن _ هو أحد أصحاب هذا المسلك. والطريف أن الشهرستاني ذكر رأي النظّام هذا بعد ذكره لمبنى النظّام في إنكار حجية الإجماع والقياس. واستظهر أمثال أحمد محمود صبحي وسامي النشار أن هذا رأي شيعي: وهذه فكرة عليها مسحة شيعية"([37]).
ويمكن طرح احتمال آخر أيضاً هنا، وهو: إنه يمكن أن يراد من المعصوم هنا هو الأفراد المحسنون، الأتقياء، لا المعصوم بالمعنى الشيعي. وهذا المعنى ورد في جواب "الخياط" لابن الراوندي القائل بأنه إذا كان الشيعة يقولون: إنه لا يخلو عصر من إمام واحد معصوم عن الخطأ والسهو، فإن أبا هذيل العلاف وهشام الفوطي قالا بوجود عشرات المعصومين في كل عصر، ولا تخلو الأُمة من وجود المعصوم.
فأجاب الخياط بأن مراد هذين الشخصين من المعصوم، هو جماعة من المسلمين المتقين الصالحين، فما ينقلـه أمثال هؤلاء من الأحاديث يكون حجة في حق غيرهم: ((وأما قول أبي الـهذيل وهشام الفوطي في الحجة في الأخبار، فهو أن اللـه جل ثناؤه لا يخلي الأرض من جماعة مسلمين أتقياء، أبرار، صالحين، يكون نقلـهم إلى من يليهم حجة عليهم"([38]).
وعليه، فالمعصوم بمعنى العادل والثقة، وهو الذي يشترطه الشيعة في رواة الأخبار أو في غيرهم من الموارد.
ومما يضعف هذا الاحتمال أن لفظ "المعصوم" الذي يطلق في باب الأخبار على النبي | ويكون نقلـه حجة، إنما يراد به التقي والبر والصالح، والفرق واضح بين هذه العصمة والعصمة التي يقول بها الشيعة. فالذين يشترطون العصمة بالمعنى المذكور في رواة سنة النبي من العامة، يقولون: إننا نتمسك بعد القرآن بسنة
النبي | في تحديد تكاليفنا الشرعية، والسنة التي تصلنا عبر أمثال هؤلاء الرواة، يمكن الوثوق بها والاعتماد عليها والعمل بها. وأما بعد القرآن والسنة، فإننا نستخدم وسائل أخرى كالقياس والإجماع و… .
وبعد أخذ هذا التحليل بنظر الاعتبار نستنتج: إن شخصاً لم يكن القياس والإجماع عنده من منابع استنباط الحكم الشرعي، ولم يقبل الاجتهاد بالرأي؛ لأنه نتيجة ظنية، ولأجل هذا يطعن في مشاهير الصحابة، كالخلفاء الثلاثة وعبداللـه بن مسعود بسبب عملـهم بالقياس والرأي والظن الحاصل من اجتهادهم، ويرى قول المعصوم حجة بعد نص القرآن والسنة، لا يمكن لـهذا أن يقبل الاحتمال الأخير في معنى المعصوم؛ لأن المعصومين _ على هذا الاحتمال _ يكون إخبارهم عن
النبي | فقط حجة، أما اجتهادهم فغير مقبول. ومن ناحية أخرى، فإن فرض السؤال ناظر إلى الموارد التي يُعدم فيها النص من القرآن والسنة، وبهذا يضعف هذا الاحتمال الأخير أيضاً.
وبعد ضم هذا الرأي من النظّام إلى بقية آرائه الشيعية، والأخذ بنظر الاعتبار قرائن أخرى كارتباطه بهشام، يقوى احتمال تبنِّيه لرأي الشيعة هذا في المعصوم([39]).
 
الثاني: إنكار حجية الإجماع
إذا راجعنا المصادر المتعددة التي نقلت رأي النظّام هذا، نكاد نجزم بأنه لم يكن يعر أي أهمية للإجماع، وقد نسب هذا الرَّأي إليه كل من ابن الراوندي والشيخ المفيد والشهرستاني والبغدادي وابن أبي الحديد، والمؤلفون المعاصرون أيضاً. قال ابن الراوندي _ على ما نقلـه الخياط _ : "إن النظّام ومن تبعه جوَّزوا الخطأ على الأُمة"([40]). ولم يدافع الخياط عن النظّام وأتباعه في هذا المورد، ومعناه تأييد ابن الراوندي في ما نسبه للنظّام في هذا المورد.
وذكر الشيخ المفيد في جواب المستدلّين بحديث النبي|: "ما كان الله ليجمع أمتي على ضلال"([41])، على حجية الإجماع، بعد أن بيّن أن هذا الحديث ورد بمعانٍ ومضامين وألفاظ مختلفة، وأن هذا الاختلاف يخدش الاستدلال به على حجية الإجماع، وناقش في أصل صدور هذا الحديث من النبي |، وقال: "وقد دفع صحتها جماعة من رؤساء أهل النظر والاعتبار، وأنكرها إمام المعتزلة وشيخها إبراهيم بن سيّار النظّام"([42]). وذكر الشهرستاني والبغدادي هذا المطلب بوضوح([43]).
وفصَّل ابن أبي الحديد قليلاً، فقال: ذكر النظّام رأيُه في إنكار حجية الإجماع في كتاب النكت، فاضطر إلى ذكر عيوب الصحابة، دفاعاً عن هذا الرأي([44])، وسنتعرض في نهاية هذا المقال إلى بحث النظّام ومطاعنه.
وذكر كتّاب الفرق المُحدَثون، ومنهم: سامي النشار، وأحمد محمود صبحي، وأحمد أمين رأي النظّام في إنكار حجية الإجماع([45])، وفصَّل صبحي في عرضه لرأي النظّام في باب الإجماع، حيث قال بعد ذكر تعريف النظّام للإجماع: إنَّ هذا التعريف يختلف عن التعريف المألوف المشهور بين عامة المسلمين، ويتفق ويتلاءم مع تعريف الإمامية للإجماع. ويقول الغزالي: إنَّ الإجماع عبارة عن اتفاق أمة محمد | بهيئة خاصة، على أمر من أمور الدين([46])، وقال في تعريف آخر: الإجماع اتفاق أهل الحل والعقد([47]). وعرَّفه بعضهم بقولـه: اتفاق مجتهدي الأمة الإسلامية في عصر واحد على أمر من اأمور الدين.
فالتعاريف التي ذكرها علماء العامة للإجماع تتمحور حول هذه التعاريف المذكورة، وأن عامة أهل السنة باستثناء أهل الظاهر، كداود الظاهري، يعدّون الإجماع حجة شرعية([48]). هذا والحال أن صبحي ذكر أن تعريف النظّام للإجماع هو: "كل قول قامت عليه الحجة وإن كان واحداً"([49]). وكما أشار صبحي، فإن هذا التعريف للإجماع شاذ ولا يتلاءم مع تعريف مشهور أهل السنة. ومن الواضح أن هذا التعريف للإجماع يرجع في الواقع إلى إنكار حجية الإجماع وموضوعيته حيث لم يعط الأصالة لاتفاق الأُمة وإجماعها، أو أهل الحل والعقد، بل الأصالة والموضوعية هي للحجة، وعليه:
أ _ فإن قول حتى شخص واحد إذا كان موافقاً للحجة فهو حجة.
ب _ وأنه إذا اتفق كل مجتهدي الأُمة على قول، ولكن لم يكن موافقاً للحجة، فلا قيمة لإجماعهم.
وعليه، فهذا التعريف يتوافق مع تعاريف الشيعة الإمامية للإجماع.
وقد طرحت في الكتب الأُصولية للشيعة مباحث كثيرة ودقيقة في موضوع الإجماع وتعريفه وأقسامه، وفي حجية الإجماع، وتفصيلـها خارج عن موضوع هذا المقال. وبشكل عام فإن رأي الإمامية أن الإجماع ليس لـه حجية واعتبار شرعي في حد ذاته، بل بضميمة قول الإمام المعصوم، أي أنه إذا كان المعصوم بين المجمعين فالإجماع حجة. وهذا في الواقع معناه حجية قول المعصوم لا الإجماع؛ لأنه يكتشف بهذا الإجماع قول المعصوم، إذ لو كان رأيه مخالفاً لرأي المجمعين، فلا بدّ من أن يلقي الخلاف بينهم بطريقة ما، فلا يحصل في النتيجة إجماع.
يقول الشيخ المفيد: ((إن الإجماع حجة لتضمنه قول الحجة، وكذلك إجماع الشيعة حجة لمثل ذلك، دون الإجماع، والأصل في هذا الباب ثبوت الحق من جهته بقول الإمام القائم مقام النبي |"([50]).
وعلى هذا، فلا تؤثر كمية المجمعين وعددهم في ملاك اعتبار الإجماع، بل حتى لو كان رأي شخص واحد موافقاً لقول المعصوم، فذلك الرأي حجة. ولو كان رأي الكل مخالفاً لقول المعصوم، فهو ساقط عن الاعتبار([51]). إذن، يمكن القول وبكلمة واحدة: إن الإجماع في حد ذاته لا اعتبار ولا قيمة لـه عند الإمامية. وكما قال الشيخ الأنصاري بعبارة جميلة ودقيقة: "إن الإجماع في مصطلح الخاصة، بل العامة الذين هم الأصل لـه، وهو الأصل لهم…"([52])، أي أن فكرة الإجماع أصلـها من العامة، وأنه أصل "حجة" عندهم.
وعلى ما تقدم، فالآراء المطروحة في مسألة الإجماع ثلاثة:
أ _ الإجماع حجة مطلقاً، وإنَّ تحقُّق الإجماع نفسه هو موضوع الحجية والاعتبار الشرعي.
ب _ الإجماع ليس حجة مطلقاً.
ج _ الإجماع حجة باعتبار اشتمالـه على قول المعصوم، وبعبارة أخرى: الإجماع الكاشف عن قول المعصوم حجة، ولا حجية لـه في حدّ نفسه.
والقول الأول، هو قول أكثر علماء السنة؛ والثاني، هو قول أهل الظاهر من السنة والخوارج، وبناء على أحد التفاسير هو قول النظّام أيضاً؛ والقول الثالث، هو قول الشيعة الإمامية.
والحكم القطعي في رأي النظّام وفي معرفة أي من هذه الآراء يعتمد كلياً على معرفة مراد النظّام من (الحجة) في قولـه: "كل ما قامت عليه الحجة وإن كان واحداً"؟:
أ _ فإن كان مراده "النص"، فيكون معنى التعريف المذكور: إن الإجماع الحجة هو ما وافق نصاً من القرآن أو النبي |، حتى لو كان القائل به شخصاً واحداً.
ب _ وإن كان مراده: الحجة والبرهان العقلي، أو الأعم من نص القرآن والنبي والحجة العقلية، فيكون الإجماع عنده عبارة عن: كل رأي قامت عليه حجة من القرآن أو النبي | أو العقل، سواء كان القائل به شخصاً واحداً أم أكثر.
ج _ إذا كان مراده: قول المعصوم، يصبح تعريفه هكذا: الإجماع عبارة عن القول والرأي الذي يوافق قول المعصوم. (وتقدم وجود احتمالين في معنى المعصوم أحدهما هو ما يقولـه الشيعة، وأغلب الظن موافقة النظّام لـه).
وعلى الاحتمالين الأوَّلين، فإن رأي النظّام سيكون مخالفاً للشيعة. نعم، على الاحتمال الثالث، وبالتفسير الشيعي للمعصوم، يكون رأيه شيعياً تماماً.
وقد قوّيتُ سابقاً احتمال كون رأي النظّام في أصل حجية قول الإمام المعصوم متحداً مع قول الشيعة. ويقوي هذا الاحتمال أيضاً التأمل في صدر كلام الشهرستاني وذيله؛ حيث قال: "قولـه في الإجماع أنه ليس بحجة في الشرع و… وإنما الحجة في قول الإمام المعصوم"([53]). وواضح أن رأي النظّام في أصل أن الإجماع في حد نفسه ليس حجة، بل يحتاج إلى حجة أخرى، يوافق قول الشيعة، ولكن في تفسير "الحجة" ما هي؟ احتمالات أحدها يوافق قول الشيعة، وهو الاحتمال الذي أيدته القرائن.
فالاحتمالات، في رأي النظّام هذا، أربعة، كما ذكر أحمد محمود صبحي:
1 _ تأثر بمتكلمي الشيعة، ومنهم هشام بن الحكم.
2 _ إنه حيث وافق الشيعة في إنكار القياس والاجتهاد، وإن الحجة هي قول المعصوم فحسب، فمن المنطقي أن ينكر حجية الإجماع.
3 _ إن إنكار حجية القياس والاجتهاد، جرّه إلى إنكار الإجماع، وذلك للتلازم المنطقي بين الموقفين.
4 _ إن المبنى العقلي للنظّام في الكلام ساقه إلى إنكار الإجماع؛ لأن العقل يحكم بأنه إذا لم يوجد نص من الكتاب والسنة، فقيام الإجماع محال([54]).
 
الثالث: الإمامة بالنَّص والتَّعيين
ذكر الشهرستاني أن من آراء النظّام الأخرى قولـه: "لا إمامة إلاّ بالنص والتعيين ظاهراً مكشوفاً"([55])، وعلى أساس هذا النقل فإن الإمامة أمر لا يتحقق بانتخاب الناس، بل بتنصيب النبي |، وبالأمر الإلـهي، وإذا صحت نسبة الشهرستاني للنظّام هنا، فإن رأيه هذا شيعي صرف، وهناك قرينة على صحة النقل المذكور بناء على ما نقلـه الخياط، من أن ابن الراوندي نسب القول بالإمامة إلى علي الأسواري([56]): "ثم قال الكذاب [ _ يعني ابن الراوندي _ ]: وأما الأسواري فقد حكي عنه القول بالإمامة"([57]). وبعد أن ردّ الخياط هذه النسبة ذكر أنه حصلت مناظرات بين الأسواري وعلي بن ميثم([58]) الرافضي في مسألة الإمامة، وتغلّب الأسواري عليه، فاستدلّ بهذا على أن الأسواري لم يكن في مسألة الإمامة ذا مسلك شيعي.
وإذا قبلنا قول الخياط هذا، – مع أنه يسعى في "الانتصار" إلى تعديل مواقف المعتزلة، وتقريبها إلى مباني عامة أهل السنة _ يجب أن نرى أن هذا الموقف من الأسواري صدر منه حينما كان متأثراً بأبي الهذيل العلاّف، حيث إنه تحوّل بعد ذلك وأصبح من أتباع النظّام([59])، وتبنَّى جميع آرائه([60])، كما يذكر الشهرستاني والبغدادي.
بناء على هذا، فالنتيجة هي أنه يمكن الحكم بصحة ما نسبه ابن الراوندي، وأن قول الأسواري في مسألة الإمامة كان موافقاً للشيعة، وذلك بعد اتصاله بحلقة النظّام، وأن نسبة الخياط ناظرة لظرف ملازمته لأبي الهذيل.
وبالإضافة إلى ما تقدَّم، يمكن ذكر مؤيد آخر لانتساب هذا الرأي للنظّام، وذلك بالتحليل الآتي:
أ _ تقدم أنه ليس للإجماع أية قيمة واعتبار عند النظّام.
ب _ إن عامة متكلمي الإسلام وعلمائه يرون وجوب الإمامة، بمعنى أنه يجب أن يحكم الإمام ويقود المجتمع والأُمة الإسلامية([61]).
ج _ إن الاختلاف، في مسألة الإمامة، إنما هو في كيفية التعيين، ومواصفات الإمام، وهنا يوجد رأيان: فأهل السنة قائلون: إنَّ الإمام يُنتخب بالإجماع، وبيعة المسلمين؛ والإمامية قائلون بالانتصاب بالنص وببيعة النبي |. وحيث إن النظّام أنكر الإجماع وحجيته، فيجب أن يكون _ منطقياً _ قائلاً برأي الشيعة، ولهذا قال الشهرستاني: إنَّ رأي النظّام هنا هو رأي الشيعة، "وننبّه هنا إلى أنه وقع الاختلاف في أصل وجوب الإمامة بمعنى أن وجوبها عقلي أو شرعي، فذهبت الإمامية والكعبي وأبو الحسن البصري وجماعة المعتزلة إلى وجوبها عقلاً وسمعاً، وجمهور المعتزلة والأشاعرة قائلون بوجوبها السمعي فقط"([62]).
هذا، ولكن نقل عن النظّام قول آخر في الإمامة، مغاير لما نقل هنا([63])، حيث يقول: إن قولـه تعالى: ]إن أكرمكم عند اللـه أتقاكم[ يدل على أن كل من يقيم كتاب اللـه وسنة نبيه هو مستحق للإمامة. وعليه، فلا يبقى مجال للنص والتعيين.
ونسب هذا القول لجمهور المعتزلة أيضاً([64])، وحيث نعلم أنَّ جمهور المعتزلة قائلون بحجية الإجماع أيضاً، فينتج منه أنه إذا تعدد القائمون بالكتاب والسنة _ كما هي العادة _ فكل من وقع إجماع الأُمة عليه يكون إماماً، فلا مشكلة عند جمهور المعتزلة.
أما من لا يقول بحجية الإجماع، فيجب أن يفكر بحل آخر: فإما أن يستخدم القوة والسيف للتغلب على منافسيه، وهذا، أولاً يحتاج إلى سلطة وقوة، وث


كل سني يجب أن يكون فيه تشيع وكل شيعي يجب أن تكون فيه سنة

26 سبتمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

رفض كل العروض للعيش خارج المملكة العربية السعودية، مؤكدا أن طرحه السني غريب عن وسطه المذهبي «لا عن النص الشرعي»، ويوحي بأنه متشيع، ويرى أن بني أمية ماتوا وبقي أتباعهم وهم يؤذونه وغيره إلى اليوم فالدول تموت وفكرها يبقى.
وتساءل لماذا أصر المسلمون على فتح الإسكندرية وشمال أفريقيا والأندلس، ولم يتوجهوا إلى أواسط أفريقيا، مشيرا إلى أنه ليس مع الفتوحات الإسلامية إلا للعراق والشام لأن سكانهما عرب مضطهدون، هو مثير للجدل في معظم آرائه بمختلف القضايا، ولديه قدرة على الحفظ دون الرجوع لمذكرة أو ورقة يحتفظ بها، كما أظهر اعتزازا بسعوديته ووطنيته، وبإعجابه الشديد بخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله، وكذلك المغفور لهما الملك عبدالعزيز والملك فيصل، على الرغم من طرحه آراء تاريخية قد تثير جدلا واسعا لفترة طويلة لأنها غير مقبولة ولا معقولة في هذه المرحلة من قبل جميع المسلمين في العصر الحالي. إنه الباحث السعودي حسن فرحان المالكي الذي حاورته «الكويتية» للتعرف على أفكاره، وفيما يلي تفاصيل الحوار:
• ما رؤيتك لما يجب أن نكون عليه كمسلمين؟
-أولا أن نكتشف النورين، نور الوحي ونور العقل، فنحن بعيدون عن كتاب الله قطعا من حيث التدبر وترتيب أفكارنا وعقائدنا وأولوياتنا وفق القرآن، لأنني أجد أن الموضوعات الكبرى في القرآن الكريم استبدل بها موضوعات مذهبية صغيرة تنازعت فيها الأمم منذ القدم، هذا فيما يخص نور الوحي (النص)،
أما في ما يخص نور العقل، وهو نور العلم والمعرفة أو النور الإنساني المعتمد على التفكر في الكتاب الكوني (المادة بتشعباتها) الذي ارتقى به الأوروبيون واليابانيون والأميركيون وغيرهم، ونحن أضعنا النورين الأول بالمزاحمة بالروايات، والثاني بتعطيل التفكر والبحث المادي.

البوصلة
• هل أضعنا البوصلة مع أن لدينا أفضل شريعة سمحاء في الكون؟
-المسلمون جميعا لديهم الإسلام ولكن الإسلام اللفظي، أعني أنهم لم يغوصوا إلى حقائق الإسلام المعرفية والإيمانية وفق التوجيه القرآني، فعندما تأتي وتستعرض آيات العدل في القرآن الكريم تجد أن العدل في القرآن موضوع محوري كبير، بسببه بعث الله الرسل وأنزل الكتب، وهو بهذا أهم من أركان الإسلام عدا الشهادتين، لقولة تعالى: «لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط»، فلم يقل في التعليل «ليصلّوا أو ليصوموا أو ليحجوا أو ليزكوا» مع أهمية هذه الفرائض قرآنياً، إلا أن العدل فرض أعلى منها قرآنياً لوجود التعليل هنا، فقد جعل هدف إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط فيها بينهم، ونحن كمسلمين للأسف من أظلم الشعوب، فالأمة الإسلامية خاصة من أيام العهد الأموي أصيبت بهذا الظلم، وسكتت عن ظلم الحكومة الأموية التي كانت من أظلم الحكومات خاصة مع ورود النصوص الصحيحة، فقد كان هناك قتل وتعذيب، وهناك موسوعة كاملة تسجل التفنن في التعذيب ومعظمها في العصر الأموي والعباسي، وهي للدكتور عبود الشايجي في سبعة مجلدات مطبوعة!
وأكثر ما يؤسف أن المسلمين يومئذ «حكاماً وعلماء ووعاظا» لما عجزوا عن الارتقاء إلى عدالة النبي (ص)، أنزلوا النبي إلى ظلمهم ونسبوا إلى السيرة النبوية والسنة النبوية كثيراً من حالات العنف والإبادة ونزع الأعين والصلب والاستباحة والسبي وأشياء كبيرة.
كل هذا ليبرروا واقع ملوكهم ومن معهم، فتشوهت صورة النبي (ص) وأصبحنا نحتج على الآخرين والتشويه صادر منا في البداية، فلنبدأ بالتصحيح والنقد الذاتي قبل أن نتشدق بالدفاع عن النبي (ص)، فنحن أول من قبل تشويه صورته وسنته ورحمته وسعة أفقه ..إلخ.
الكتاب والسنة
• أين الكتاب الحق والسنة النبوية الحقة في أجندة المسلمين على مر العصور حتى الوصول إلى يومنا هذا؟
- في الواقع لسنا على كتاب ولا سنة، كيف ندعي ذلك ونحن في هذا التخلف والظلم والأحقاد المتبادلة ونشر الكراهية، هذا كله ضد الكتاب والسنة وتحريف لمعانيهما، بل حتى في موضوع أخص وهو موضوع الجهاد، فأن يأتي المسلمون من قديم ويقولون إن الله أمر بالجهاد فانطلقوا في مشارق الأرض ومغاربها لقوله تعالى:»واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم»، هكذا يفعلون بالقرآن، بينما لو تلوا الآية التي قبلها لوجدوا قول الله عز وجل: «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا فإن الله لا يحب المعتدين»، فلو التزم المسلمون بهذه الآية لما حاربوا إلا المعتدين فقط، ولأقبلوا على تدبر القرآن والكون، ولكان إنتاجهم الفكري والثقافي في الذروة، لذلك أنا لست مع الفتوحات الإسلامية إلا في ما يخص العراق والشام، لأنها قبائل عربية مضطهدة من قبل الفرس والرومان، فعلة القتال قائمة هنا، لأن علة القتال في القرآن اثنتان فقط، إما دفاعا عن النفس، وإما نصرة لمضطهدين، وأما التوسع في الفتوحات إلى الأندلس غربا وإلى الصين شرقا، فهذا غير شرعي ولا يسنده النص القرآني المهيمن، وقد ألهتنا الفتوح من قديم عن المعرفة في القرآن الكريم، وعن بناء الشورى وعن بناء السياسة مع إماتتها للمشاركة الشعبية والحرية والعدالة والنظام المالي العادل، وعن أشياء كثيرة، وأقصد هنا أن الخلل قديم، بدأ من القرن الأول في التوسع بعسكرة الإسلام مادياً ومعرفياً، فأدى هذا إلى تقليل المعرفة وتشويهها، ثم تفسير الكتاب والسنة جاء مستجيبا لعسكرة الإسلام ولساسته وسلاطينه الذين في أغلبهم كانوا ظالمين ويتجبرون على الناس، وتم إنتاج عقائد متساوقة مع الجبر العسكري مثل عقيدة الجبر، بحيث يدعون أن الإنسان مجبور على أفعاله، وأن ما هم فيه من مظالم هي من قدر الله فليؤمنوا به ويصبروا عليه!
وتم في الجانب الآخر إنتاج عقيدة الإرجاء التي تسهل على الناس دخول الجنة بمجرد أذكار بسيطة أو بناء مسجد كموضع قطاة (حمامة)!
فالمسلم عندنا لا يحتاج إلى أن يتعب نفسه في الأمر بالمعروف (القرآني) والنهي عن المنكر (القرآني)، وأطر نفسه على الصدق والعدل، وإنما الجنة أقرب من هذا، إنها مجرد تسبيحات وتكبيرات وتهليلات ويغفر له ما تقدم من ذنبه ولو كانت خطاياه مثل زبد البحر!
 وفي الجانب الآخر يتم إقلاق نفسية المسلم بأن الذنب الصغير يمكن أن يهوي به في جهنم سبعين خريفاً «مجرد كلمة يضحك بها الناس»!
فأصبح المسلم معه عشرة أحاديث تدخله الجنة وعشرة أحاديث تهوي به في النار سبعين خريفاً.
وهذا خلاف القرآن، فالقرآن لا يذكر الجنة إلا بعد أشياء كبيرة، ولا النار إلا بعد أشياء كبيرة، فثقافتنا بنيناها على روايات أحاديث متأثرة بالجانب السياسي والسذاجة الوعظية، فالله لم يأمر أن نقرأ الكتاب فقط، ولا أن نحفظه بل أمرنا أن نتدبره.
أبو ذر الغفاري
• هل تم ليّ معاني القرآن بشكل يتناسب مع ما أراد وكما ذكرت؟
- نعم فالسلطة هي التي فعلت، وتستطيع أن تحشد لها، فكان هناك صالحون ينطقون بالحق ووجدوا أذى، فأبو ذر الغفاري في زمنه وجد أذى في الجانب المالي والاقتصادي في ظل الامتيازات التي كانت لغيره، وكذلك عامر بن عبد قيس وكميل بن زياد وزيد بن صوحان والحسن البصري إلخ، والصلحاء عبر التاريخ لهم مواقف أنكروا فيها على سلاطين الجور. في العهد الأموي استطاعت السلطة وجبروتها أن تهدم الكعبة وتستبيح المدينة وتقتل أبناء النبي فماذا تريد بعد هذه الحرمات العظيمة؟ فالضعيف من الناس خاف، ودول الجبروت أصلا لم تكن كما ندعيه بأنهم كانوا يتسابقون على رضى الرحمن، وأن السيف بيد والقرآن بيد! فهذه أدبيات حماسية غير صحيحة على أرض الواقع، والأصل في الفتوح وخاصة في العهد الأموي والعباسي إنما هو لأجل المال والدنيا، والنبي (ص) يقول: «ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا، أن تنافسوها كما تنافسها الذين من قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم»، وقد أهلكتنا الدنيا فعلاً، وصرفتنا عن الدين والمعرفة والعدل والتسامح والهدوء النفسي ..إلخ.
 حتى في عهد النبي كان القرآن ينزل بنقد المؤمنين وتوجيههم «ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا»، فالإسلام الذي يظن صاحبه أنه إسلام كان النبي يقاومه لأنه ليس إسلاماً، فليس الإسلام بالمزاج وإنما بالبرهان والدليل،  وبعد أن توفي النبي (ص) لم يأت وحي ليقيّم المواقف ويسددها، ففي عهد النبي تلحظ في قراءة السور الكريمة تقييمات في كل الغزوات والمعارك، في بدر (الأنفال) وأحد (آل عمران) والخندق (الأحزاب) ..إلخ، فهي تقييمات للمسلمين فعلتم كذا وأطعتم في كذا وعصيتم في كذا، وتظنون بالله الظنون في الحدث الفلاني..إلخ، فجميعها تقييمات من الوحي للمسلمين في وقت مبكر، وقت النبوة ونزول الوحي وتألق الإيمان، فكيف سيكون حالهم بعدها؟
 بعد وفاة النبي (ص) وانقطاع الوحي لم يعد هناك تقييم، وأصبحت السلطة هي التي تقيم، وتقول للناس أحسنتم أو أسأتم.
والسلطة قاصرة عن النظرة القرآنية التي لا تجامل أحداً، ولا تخشى من أحد.. فلذلك نجد العتب القرآني شديداً.. بعكس الاعتذارات الفقهية.
قصور بشري
• من أين نشأ هذا المبدأ لدى السلطات؟ وهل تعتقد أن المسلمين الأوائل لم يكن إسلامهم كاملا؟
-في عهد الخلفاء الراشدين كان هناك قصور بشري يمكن تداركه، وأما في العهد الأموي والعباسي فقد أصبح هناك استبداد كبير، والسلطة أصبحت هي الرقم واحد، والعقل والعبقريات ضعيفة، وإذا اكتشفوا رجلا ذكيا لا يعينونه في نتائجه أو اهتماماته، وإنما يتم تكفيره وزندقته أو يستفاد منه ويأخذونه كمستشار لكيفية اغتيال المعارضين، ومشكلتنا في التاريخ الإسلامي أننا عندما نقول إن هناك قصورا بشريا في عهد الخلفاء الراشدين يسمى هذا طعنا وتهجما، وهذا قصور في الفهم، فالله عز وجل يقول للمسلمين الذين كان النبي فيهم «واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم»، أي لشقيتم، فهنا ينبه الله النبي ألا يطيع الصحابة في كثير من الأمور وإلا فسيشقون، ولو انطلقنا من هذه الآية بعد وفاة النبي لدلتنا على بداية العنت ولو كان نسبيا، وسيأتي العنت ولو تدريجيا، فالواجب أن نراقب مظان هذا العنت في حقوق الإنسان مثلاً، وهو من العنت، وكذلك التوسع في العقوبات (وهي عنت)، والتفاضل في العطاء، ومراقبة زحف العصبية القبلية (وهي من العنت)، والمتمثلة في القرشية المتغلبة على الأنصار حتى في الولايات وقيادة الجيوش والمشاركة في القرار..إلخ، رغم أن الأنصار أغلبية الصحابة (كانوا ثلثي الصحابة الأولين)، وكذلك لو راقبنا الاهتمام بالفتوحات وكيف تمت على حساب المعرفة والبحث والتدبر، ولو راقبنا أن القرآن لم يخرج إلى الناس إلا بعد عشرين سنة تقريباً من وفاة النبي أي بعد فترة طويلة، وبعد أن وصلت الروايات واختلطت الآراء الشعبية وغيرها التي كانت قد أتمت بناء كثير من القيم الدينية والعقلية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إذن فهذا يسمى قصورا (وكله من بدايات العنت المعرفي والحقوقي والسياسي الذي أسس لما بعده ولو بحسن نية أو على الأقل اقتدى به من بعده بسوء نية).
فالصالح من المسلمين يحدث منه قصور بلا قصد، فيأتي الظالم ليحصد هذا القصور ويعتمد عليه ويجعله شرعاً.. إلخ.
والجبن أو الخوف عن تقييم التاريخ وأثره في الفكر والدين مشكلة كبيرة، إذ إنه يبرر السكوت عن هذا التداخل (البشري- الديني) وبقاء الدين صافياً (عن كل إدخال بشري) واجب كل مسلم.
ولا ريب أن الوعي التاريخي هو أفضل ما يعيدنا إلى النص الأصلي، وعندما تقرأ الفتوحات ستجد أن المسلمين انطلقوا من أقصى الإسكندرية شرق أفريقيا إلى طنجة غرب أفريقيا ثم الأندلس، وستجد أن هذه المسافة الطويلة التي تمتد لآلاف الكيلومترات كان عرضها قد لا يتعدى عشرة كيلومترات باستثناءات في مصر، لماذا؟
لماذا الشريط الساحلي فقط، ألا نتساءل لماذا لم تفتح أفريقيا كلها؟ لماذا لم يتجهوا جنوبا؟ ألا يستحق هؤلاء البشر الهداية؟ ألا يستحقون الإسلام؟
 فالجواب يأتي واضحاً وهو أن غرض الفتوحات في العهد الأموي المال والجواري، وإشغال المعارضة الداخلية والتجنيد الإجباري وليس الغرض نشر الدين ولا الجهاد في سبيل الله.. وكلما اتهمنا التاريخ برأنا الإسلام من أهواء البشر، وعلى العكس كلما برأنا السلطات وضعنا أخطاءها وأطماعها على ظهر الإسلام الذي أصبح يئن من كثرة الأحمال التي ألقيناها بلا رحمة فوق ظهره!
 إذن فالبلاد المفتوحة هي البلاد التي يتمتع أهلها بالبشرة البيضاء والمال، وتم إهمال الفقراء أصحاب البشرة السوداء، فيؤخذ من البيض السبايا والأموال، أما الفقراء السود فلا نحتاج إليهم، فجيبوتي والصومال مثلا لماذا لم نصل إليها وهي على حدود العرب جنوباً ووصلنا إلى فرنسا والصين؟!
 لماذا لم نبعث لهم زورقا واحداً فيه مجموعة من الدعاة أو العساكر أو حتى داعية مسلم واحد، ولو ترى الخريطة في الفتوحات كلها شمالية بيضاء، بينما الرسالة المحمدية هي جمعاء للأبيض والأسود وغيرهم، فلو كانت الفتوحات هي نتيجة أوامر النبي أو كما قالوا إنه بشّر بهذا وأمر بكذا وكذا وأنه قال (جعل الله رزقي تحت ظل رمحي)، وغير ذلك من هذه الأحاديث الجهادية التي وضعتها السلطات، لما اقتصرت الفتوحات على البلدان البيضاء..
وهذه الأحاديث لا تصح، لأن النبي لا يخالف القرآن، وقد عرفنا علة القتال في القرآن (في حق المحاربين أو نصرة المضطهدين فقط).. وليس هناك حرب على أساس ديني، وإنما للأمرين السابقين، وسيرة النبي تشهد بهذا، فقد تتبعتها غزوة غزوة وسرية سرية.. والموضوع يطول..
 فهذا الخلل العسكري فقط، فما بالك بتتبع الخلل الفكري والنفسي والعصبية القبيلة، وعودتها بين زعامة قريش وثقيف وإهمال بقية القبائل، فهذه إذا لم يجتمع الباحثون المسلمون على مناقشتها فسنحمل الإسلام أخطاء الفاتحين وأخطاء البشر، وكلما نقدت التاريخ رفعت الإسلام، وكلما رفعت البشر أنزلت الإسلام تحت البشر.
النساء والمال
• هل تعني في تقييمك أن الفتوحات الإسلامية الأولى في أوروبا كان هدفها النساء والمال؟
- نعم الفتوحات التي في عهد بني أمية وبني العباس الهدف منها مثل أهداف المغول والصليبيين تماما، وتقتصر على التوسع والمال والتسلطن، وليس الهدف نشر الدين، فالدين لم ينشروه في بلاد المسلمين فكيف ببلاد غير المسلمين؟ فلم يتح لهم نشر الدين بمعنى الدين، ولا بد لديننا الذي نزعم أنه ديننا أن نخضعه للقرآن الكريم، فإذا رفع القرآن قيمة العدل يجب أن نرفعها، وإذا أهمل موضوع اللحية يجب أن نهملها أو على الأقل لا تكون أولوية دينية.. وإذا خفض القرآن قيمة الشخص نتبع الدين الحق في خفضها، أما أن تأتي أنت بدين بديل فتجعل العدل فيه قيمة صغرى وترفع من قيمة السلطان والأشخاص.. فهنا هذا دينك أنت لا دين الله، أنت الذي ضبطته وأصلحته وخيطته..إلخ.
يجب أن نقيم الدين الموروث بالخضوع التام لكتاب الله وسنة رسوله، فهذا لم يفعله المسلمون وهم بهذا يلعبون بالدين كما شاؤوا، بمعنى إن لم يعجبنا العدل والحرية نخرجها من أساسيات الدين، ولا نضع لها بابا من أبواب البخاري أو مسلم أو الترمذي، بينما باب الزينة وباب اللباس وباب المشي وباب الجلوس وباب القعود هذه موجودة، وأكبر جريمة يفعلها المسلمون وفعلها قبلهم النصارى واليهود هو الكذب على الله وعلى رسلهم، والنبي (ص) قد قال: «لتسلكنّ سنن من كانوا قبلكم، شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، ألا نردد ذلك على المنابر في هذه الأيام، فماذا فعلنا سوى أننا نزعم بأننا أفضل أمة أخرجت للناس دون مراقبة لشروط ذلك المذكورة في النص من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
وحتى هذا الموضوع (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) شوهناه، وحصرناه في أمور صغرى، متناسين أن أعظم المنكر الظلم، وأعظم المعروف العدل.. وهكذا..
قائد الضلال
• ما سبب الصد عن الدين ومن أين أتت هذه الأسباب؟
- نحن كمسلمين يجب أن نؤمن بجميع ما في القرآن الكريم، فالقرآن مثلاً ركز على إبليس (الشيطان) فلماذا نهمل معرفته ومكره وتلبيسه وتزيينه؟ ..إلخ.
الشيطان في القرآن هو قائد الضلال في هذا العالم، ولديه خبرة طويلة من أيام آدم عليه السلام وإلى اليوم، يدخل في كل نفس ويعرف طبيعتها وكيفية التأثير فيها مهما كانت تلك النفس إن لم تعتصم بالله، تصور الآن لو أن عالما نفسيا يدخل في كل نفس! كيف تكون قدرته على الإيحاء والإقناع؟ ألا تكون قدرة هائلة؟ والشيطان لا يركز على جنوده من القتلة والمجرمين فقط، وإنما غاية اهتمامه تتركز على من بيدهم تفسير الدين ودعوة الناس إليه.. من علماء وفقهاء وسلطات حامية لهذا الدين، فيدخل عبر مواطن التأسي والقدوة، ويشوش بهذا على الأنوار جميعا الوحي والعقل ..إلخ، وهمه الأول إطفاء نور القرآن وإطفاء نور النبوة، ليس بالمحاربة المباشرة وإنما بتحريف هذا الدين حتى يصبح معه أكثر مما هو مع الأنبياء.. وحتى يتبعه من أتباع الدين أكثر ممن يتبع النبي (ص)..
 وقد نجح -للأسف- هذا الشيطان في ذلك نجاحا كبيرا، فأخذ أكثر الناس معه، بالتأثير على الفقيه والسلطان قبل العامي الذي لا يتبعه أحد..
 والقليل من العلماء والباحثين والسلاطين من يتنبه لخطورة هذه الأمور، الشيطان وجنوده من نفس وهوى وعصبية ومصالح وكبر ..إلخ، وما أقوله هنا هو منطق إيماني وليس عقلياً مادياً نتيجة بحث تجريبي..
وللشيطان مشروع إضلال كبير، وقد أنسى المسلمين ذكره وأشغلهم ببعضهم، حتى أنك لو تدخل أي مكتبة تجد تحذير السنة من الشيعة، والشيعة من السنة، والسلفية من الجهمية والأشاعرة أكثر من التحذير من الشيطان الرجيم، بل لن تجد كتاباً في هذا الشيطان الذي تكثف تحذير الله منه في كتابه الكريم..
فهل كان تحذير الله عبثياً؟ معاذ الله..
إذن فالشيطان ليس له وجود في ثقافتنا الدينية، وكأننا استجبنا لمدننة المعاني الغيبية (مدننة: من المادية)..
والخلاصة هنا أن الشيطان قائد عام للضلال، له أتباع مجرمون من القتلة غير المسلمين مثل كفار قريش، وله صف آخر داخل المسلمين يحرف معاني الكتاب فيهمل منه أمورا كبرى كالعدل والعقل والحرية والتفكر والحقوق ..إلخ، فيرفع من الأشخاص فوق النص، ويجعل الناس كلهم سلفا، ثم انتشرت عبارة «اجتهد واخطأ» حتى لو أجرم وسفك الشخص الدماء بلا وجه حق، فهو في هذه الثقافة (اجتهد وأخطأ وله أجر واحد على كل جريمة ارتكبها)..
شرع النص
• ماذا تقصد؟
- أقصد أننا أصبحنا نأخذ الشرع من السلف، ونأخذ الشرع من تطبيقات البشر ونأخذ الشرع من الفقهاء، فالشرع يؤخذ من النص فقط، وما الحكم إلا لله، من القرآن ومن السنة، فالسنة لها معايير، فنحن نتفاخر إلى اليوم في قصائدنا وأدبياتنا بأن خالد القسري قتل الجعد بن درهم، وقال: «أيها الناس ضحوا تقبل الله أضحياتكم فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ الله إبراهيم خليلا»، ثم نزل وذبحه، ونحن إلى اليوم نسمع قول الذابح ولم نسمع قول المذبوح، فقد ردد هذه القصة البخاري في كتابه (خلق أفعال العباد)، ثم تتابعوا على مدح فعل خالد القسري إلى اليوم، وهذا الإمام ابن القيم على فضله يشيد بفعل خالد القسري في قصيدته النونية،
 فأي دين سنعرضه على العالم؟ فهذا المذبوح لم يؤخذ قوله بعد؟
ألم ترددوا لنا مثالاً في العدل، بأنه «إذا أتاك شخص وقد فقئت عينه فلا تحكم حتى يأتيك الآخر فربما فقئت عيناه»، فالمذبوح الجعد بن درهم وإلى الآن لم يسمع قوله!
 طبعاً كانت السلطة تتمسح بالدين، فالجعد بن درهم كان معارضا سياسيا فقط، وكان مع يزيد بن المهلب ضد يزيد بن عبدالملك، أما خالد القسري فهو رجل ظالم وفاجر وشرير وشريب خمور وليس بأهل أن يحكم على الناس ويذبحهم بلا حكم قضائي عادل..
الأحكام الوضعية
• هل هذا المنطق لايزال موجودا إلى يومنا هذا؟
-للأسف نعم فالأحكام الوضعية في كتب العقائد أسوأ من الأحكام التي نشكو وضعيتها من القوانين الغربية، كل كتاب عقائدي- سواء كان شيعيا أو سنيا- فيه كلمة (يستتاب فلان وإلا قتل) فهو كتاب وضعي، أو على الأقل فيه أحكام وضعيه، لأن كلمة «الاستتابة» ليست شرعية، ولا وجود لها في كتاب الله ولا سنة رسوله أبدا، والذي قال للنبي -وهو النبي- «ليخرجنّ الأعز منّا الأذل»، لم يستتبه النبي نفسه، والذين استهزؤوا بالله وآياته ورسوله في غزوة تبوك وأنزل الله فيهم (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)، لم يستتبهم النبي أيضاً، فضلاً عن أن يقتلهم أو يطلّقهم من زوجاتهم أو يسجنهم أو يجلدهم، ولم يمنعهم العطاء ولم يمنع من الزواج منهم أو يتزوجوا من الآخرين، ولا منعهم من الدفن في مقابر المسلمين، فحق للمضطهدين من المسلمين اليوم أن يطالبوا «بحقوق المنافقين في عهد النبي (ص)»، وأكبر عدو للرحمة والعدل والحرية المسؤولة في الإسلام المحمدي (القديم) هم أصحاب المذاهب أنفسهم أو كثير منهم ممن شرعنوا هذه العقوبات على أمور قد لا تكون محرمة أصلاً، فهم يأخذون الله ورسوله معهم لكبت حريات الآخرين، ويشرعنون القوانين المضافة للشرع، وكأن الله أنزل دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه، أو كأنهم شركاء لله- والعياذ بالله- فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى، أو كأن النبي قصر في تبليغ الرسالة فهم استكملوها!
حب النبي
• ماهي نظرتك للرسول وآل البيت؟
- حب النبي لا يتمكن في القلوب حتى تعرف معاناته مع من حوله ومع الكفار والمنافقين، فكان يعاني ممن معه من المسلمين كما يعاني من المنافقين والكفار (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون)، وقال (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض)، فمعاناة النبي في أكثر من اتجاه وليس كما تصوره لنا كتب التاريخ التي تصور النبي (ص) ملكاً عظيماً مطاعاً في كل الأمور..
كلا.. القرآن الكريم يثبت معاناته وتعبه مع بعض المسلمين والكفار والمنافقين والمعوقين والمرجفين والمترددين والشاكين..إلخ، لقد كان يدير الرسالة على حد السيف إن صح التعبير، ولكن أعطاه الله خلقا عظيما وتحملا (فلو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)..
وأهل بيته هم أقرب الناس إليه كالإمام علي والزهراء، وأنا أعاتب جماعتنا نحن السنة ليس لهم هذا الحضور الروحاني، هناك جفاء، نعم فضائلهم موجودة وحبهم موجود، ولكن بنسب، والحرص على النبي وعترته يجب ألا يبقى نظرية معلقة كالحدائق المعلقة، فنحن نحب النبي وآل البيت، نعم هذا كلام مع قليل من الحضور النفسي والثقافي، فأين التحقق من هذا، يجب أن يكون لها واقع، وهذا الواقع موجود لدى السنة دون بعضهم، فالنسائي لديه حضور قوي لأهل البيت، والحاكم النيسابوري لديه حضور قوي لأهل البيت، بينما بعضهم لديهم في ذكرهم وحبهم جفاف وجفاء، كما حصل عند بعض علماء الشام والبصرة قديماً.
بنو أمية
• ما أسباب هذا الجفاف من وجهة نظرك؟
-الأسباب كثيرة، فالدول تموت وتبقى عقائدها، فلا بد أن تبقى بقايا من الفكر الأموي الذي لعن الإمام عليا على المنابر مئة سنة أو تسعين سنة، فليس سهلا أن تزول آثاره، نعم مات بنو أمية وبقي كثير من أتباعهم والمتأثرين بأفكارهم، وهم يؤذون كل من اعترف وأقر وأشاد بفضائل أهل البيت ويتوجسون منهم.
ليبرالي مخلص
• ماهو سر حب الليبراليين لك وهل أنت فعلا حببتهم بالإسلام؟
-أنا أفرق بين ليبرالي مخلص لليبرالية بمعناها الكبير في نصرة الحرية والعدالة والحقوق، وليس كل من ادعى أنه ليبرالي وهو مع المظالم والمذهبية والجهل والعنصرية، ولكن أجد عند الليبراليين بشكل عام أن سبب نفورهم من الإسلام ليس بسبب الإسلام المحمدي بل ينفرون من الإسلام المذهبي الذي شوهه هؤلاء الذين ذكرناهم سابقاً، ثم الإسلام التاريخي يظنونه إسلاما إلهيا وأنه قد انتهى ولا يصلح لهذا الزمان، بينما لو عرفوا الإسلام الإلهي تماماً، لعرفوا أنه تم الاستيلاء عليه من المسلمين أنفسهم وفصلوه على مقياسهم، ثم قالوا (هذا دين الله ورسوله) ويجب أن تتبع هذا الدين (المقاس على قياسهم)، وإلا فأنت كافر وزنديق، فلذلك أنا متعاطف مع الليبراليين من هذه الجهة، وأراهم متفقين مع الإسلام الإلهي في مناداتهم للحرية والعدالة والمساواة وحرية التعبير حتى ولو لم يعرفوا ذلك، فهذا المشروع- مشروعهم- هو مشروع قرآني من حيث لا يشعرون، لأن هذه المعاني قرآنية، وأما عن نفسي فإن كانوا يحبوني فشكراً لهم، ولكني لا أبحث عن الجمهور، ولا توجد فرقة أو تيار أو مذهب الا وقد أرضيته في شيء واغضبته في شيء، وهذا ليس توزيعا مني، إنما الحقائق نفسها قد تتصادم عند البعض ولا تتصادم في حقيقة الأمر، فالليبرالي في المملكة العربية السعودية والخليج همهم فقط الحريات العامة، وشكواهم فقط أن المطاوعة منعوا الشرب والرقص وهذه الأمور، فهذه ليست الليبرالية التي يحلمون بها، وكذلك تجد ليبراليا آخر يقف مع الصراع الطائفي، وهذه ليست ليبرالية.. وقد تجد ليبراليا عراقيا يدافع عن مظالم في العراق، وليبراليا سوريا يدافع عن مظالم في سوريا، وآخر يدافع عن الجماعات المتطرفة أيضاً، وهذه أيضاً ليست الليبرالية، فالليبرالية أعلى من كل هذه التوظيفات، فموضوعها الحرية والعدالة والسلام والتسامح والتواصل والثقافة المشتركة، ولكن ليبرالية الكويت محببين إلى قلبي أكثر من غيرهم، لأسباب خاصة، وأنا أزعم أنهم وجدوا تصحيحا لبعض الأفكار التي كان قد نشرها بعض الإسلاميين المتمذهبين.
تناظر
• هل لديك في ذهنك توجه للتناظر مع التيارات المذهبية؟
- ليس لدي أي مانع فأنا أنادي من عشرين سنة للمناظرة في أول مقال كتبته في مجلة «اليمامة» عام 1991، وأتمنى أن أجد من يصرفني عن أي خطأ وقعت فيه دون قصد، ولكن من خلال تجربتي أجد أن المذهب استحوذ عليهم، وكم أتمنى أن يأتي شخص مليء بالمعلومات، فأحيانا يتوقف الكبار في الخلف ويقدمون أمامهم الصغار، ويقاتلون من وراء جدر وفي قرى محصنة، فأنا أريد أن يتقدم الجهابذة ونتناظر وننصر المعرفة والحقيقة، فالانتصار للحقيقة هو الهدف لنا، وأن نجعل رضا الله أعظم من رضا الناس.
مفصول من العمل
•أنت مفصول من عملك وجواز سفرك مسحوب بسبب آرائك.. فمن أين تعيش؟
-نعم المنع من السفر كان موجودا وتم سحب الجواز ثم سمح لي السفر، ولكن الجواز هو محل مفاوضات ونتمنى أن يعود قريبا، وعندما فصلت من عملي كان لدي بعض المال من وظيفتي التي فصلت منها، وكنت أكتب في صحيفة أيضاً فكانت الأمور جيدة قبل ذلك، واستعنت أيضاً بقروض مختلفة من وقت لآخر من بعض الأصدقاء.
محاصر إعلاميا
• أنت متهم بعد ظهورك في القنوات الشيعية أنك متشيع؟
-يحاصروننا إعلاميا بحيث لا نظهر في وسائل إعلامهم، ثم يتهمونني تارة بالتشيع وأخرى بالليبرالية، فأصررت على أن أشارك بآرائي وأن يعرفها الناس، فأنا لن أموت في بيتي فسأعبر عن آرائي ولو في قناة سلفية كالمستقلة أو شيعية كالكوثر أو ليبرالية كالحرة ..إلخ، هذا إذا كان ولا بد من التصنيف، والتشيع والليبرالية ليس عيباً، فلو كنت شيعياً أو ليبرالياً لأعلنت ذلك، ولكني أنطلق من النص وليس من الزوايا الشيعية والليبرالية التي نلتقي معها في وسط الطريق.. فهل أرفضها لأنها شيعية أو ليبرالية؟ فما دمت قد انطلقت من النص والوعي التاريخي وتوفر عندي مجموعة من الرؤى والحقائق فليتفق معي من شاء وليخالفني من شاء، لكن بحثي أصلي (من الكتاب والسنة باجتهادي)، ولم أجلبه من ليبرالية ولا شيعية حتى أنتسب لهذا وذاك.
 وكل مسلم يجب أن يكون فيه تشيع، وكل شيعي يجب أن يكون فيه سنة، وأنا منفتح ولكن كثرة المتهمين من السنة وخاصة أن طرحي السني المحب لأهل البيت غريب عن الوسط السني المتمذهب وليس الوسط السني الأصلي، فالسنة الأصلية لا تنكر أفكاري وإنما السنة المذهبية البشرية المتلبسة بالخصومات والاصطفافات، وهناك فرق كبير جدا بين الأمرين.
مذبحة الحولة
• أقسمت أنك لن تطلب القصاص ممن يذبح أبناءك أمامك لماذا؟
-لأني أعرف معنى الابتلاء، وأريد أن أرى الجميع (من محرضين وقتلة) مجموعين أمامي في وقت واحد.
 طبعا هذا السؤال كان على خلفية مذبحة الحولة في سوريا، فهم يريدون إجبارنا على أن النظام هو الذي فعلها، فأنا أقول إن هناك احتمالا بأنه فعلها، وهناك احتمال آخر بأن تكون جماعات متطرفة نعرفها جيدا هي من فعلت ذلك، ومن خلال خبرتي في التراث والتاريخ فإن أول من ذبح الأطفال هم أتباع معاوية، حيث فعل ابن أبي أرطأة في حملته على اليمن، فلهم تاريخ ويتعبدون به، وكذلك مسرف بن عقبة الذي استباح المدينة خرج منها وهو يقول «اللهم أني لا أعمل عملا أحب إليك من هذا العمل»، فهذه العقلية نعرفها من القرن الأول فلا يجوز استبعادها..
الأوضاع السياسية
• ما هي نظرتك للأوضاع السياسية في الساحة الإقليمية التي تجري حاليا؟
- ما يؤلمني هو خضوع المسلمين للمسلمين المتدينين بأجندات سياسية، فلم نتعلم من التاريخ، فما يحدث في بلاد المسلمين من قتل وحروب فيما بينهم اكتشفنا فيما بعد أنه كله خطأ كما في أفغانستان والسودان..إلخ.
ألا نتوقف قليلا قبل الفتوى والتحريض؟ وعن سيرنا خلف أجندات سياسية غريبة أو حتى محلية ربما، وأنا أنصح الجميع أن يتذكروا فهل تظنون أن الله عاجز عن ملاحقة الذين قتلوا مئات من الأبرياء في العالم الإسلامي؟
الأحقاد بين المسلمين في مجملها واقعة نتيجة توظيف عالمي وتوظيف عربي إسلامي، وهناك صراع مذهبي مبطن داخل السياسة، بمعنى سياسة تستبطن داخلها مذهبا، لذلك تتفجر هذه الأمور في العراق وسوريا واليمن وهكذا.
والجميع عند الله مسؤول.
تجلّ إيماني
• تمنيت إيمان الشيعة وروحانية الصوفية وعمل السلفية وعقل المعتزلة وفلسلفة اليونان.. ما الذي تريد أن تصل له من ذلك؟
-هذا خليط جميل وأكبر ما يميز به الشيعة الإيمان لديهم تجلّ إيماني رائع جدا، ولكن قد يكون عندهم قصور في جوانب أخرى، ويتميز عنهم المعتزلة في العقل والاهتمام به، والسلفية لديهم عمل الخير ومشمرون عن سواعدهم في هذا، وفلسفة اليونان في الجانب المادي والتجريبي.
مذهب وحيد
• ما سر إصرارك على وجود مذهب واحد في الإسلام؟
- أنا أقصد في ذلك ليس لدينا مذهب شرعي وحيد سوى الإسلام نفسه فهو الذي سمانا الله به، أما بقية الأسماء السنة والشيعة والمعتزلة وغيرها فهي أسماء وضعية مدرسية مذهبية، وبقدر ما تقترب من الإسلام فهي شرعية، وبقدر ما تبتعد فهي غير شرعية، فالشرعية كالإسلام، فلماذا أقول إنه لا يجوز أن يكون للإنسان مذهب، بل إن الإسلام وحده هو المذهب الشرعي، المذاهب الأخرى هي مذاهب بشرية يؤخذ منها ويترك.
تغليظ العقوبة
• ما رأيك بقانون حكم تغليظ العقوبة في الكويت الذي أقر حديثا؟
- تكلمت عنه وانتقدته وأنا لست معه، وعظمة الإسلام تأتي من الصبر على الأذى، ولأن هذا التشريع هو مضاد للشريعة وهي قد تكون من أجل تصفيات مذهبية وهو زيادة على الشريعة، وقد سبق ذكر منهج النبي (ص) في هذا الأمر..
تجمع الطوائف
• تدعو للوحدة الإسلامية ولكن ما تقوم به هو تشتيت للطائفة السنية؟
- سواء الطائفة السنية أو الشيعية لا ينبغي أن نراعي تجمع الطوائف على حساب المعلومة إن كان هناك معلومات، فالطائفة السنية بالمناسبة ليست مجتمعة، فأبو حنيفة يكفره بعض الغلاة كما في كتاب عبدالله بن أحمد بن حنبل، فهناك فصل كامل في ذم أبي حنيفة، وكذلك السلفية فرق يكفر بعضهم بعضا، والإخوان مع السلفية حرب، وحزب التحرير له أجندته الخاصة وتكفيراته، ولعل جماعة التبليغ هي أفضل الطوائف السنية على كثرة ما عندها من أحاديث ضعيفة وموضوعة، ولذلك يجب أن نتخلى عن التفكير السياسي.
لا إشكال معهم
• ألا تعتقد أن هيئة الأمر بالمعروف يتحاشونك لأنك تجادل وتملك منطقا وحججا؟
- ليس عندي إشكال معهم، وهم كتبوا ضدي بالمناسبة للجهات الحكومية، وربما استجابت هذه الجهات، لبعض التحريض من التيار المذهبي.
—————
نصرالله
في سؤال عن كونه أشد المعجبين بالخميني والسيد حسن نصرالله وأسباب ذلك الإعجاب قال:
السيد حسن في المقدمة لجهاده وصدقه وهو قائد متكامل في الجانب السياسي والروحي وحب الأيتام والشعور بشعور الناس والكرامة والشجاعة..
والإمام الخميني قرأت عنه، وشاهدت له فيلماً فأعجبت به من حيث الجملة، بالرغم من أنني كنت أبغضه وأكفره مع الجماعة.
————–
إيران وحزب الله
عن انتقاده لإيران في حقوق الإنسان ودفاعه عن حزب الله وعن كون هذه المعادلة من قبيل المفارقة يقول المالكي:
إيران في الجانب القومي والإسلامي لها مساهمات في رفعة قضية فلسطين، ولها تكنولوجيا علمية وعملية الانتخابات فيها، وكونها مظلومة أيضا منا نحن السنة نظلمها على المستوى المذهبي والمستوى السياسي منذ الحرب العراقية الإيرانية، فأقل ما نقول عذرا فغفر الله لنا ويجب أن ننصف، أما أن نزيد بأن نجعلها الشيطان الرجيم، نعم الخلاف السياسي شيء آخر، قد نخاصمها وقد يكون لها أطماع، وعلى مستوى الحقوق أنا أنتقدها بشدة في حقوق الإنسان، فيجب فتح حقوق الإنسان في الداخل، وإيقاف مسألة قتل مرتد وإيقاف رجم الزاني لأنه حكم يهودي دخل إلى الإسلام، لكن تبقى أخا والأصل هي الأخوة الإسلامية، أما حزب الله فهو ليس دولة حتى أحاكمه على مسألة حقوق الإنسان هو حركة مقاومة شريفة رفعت لنا دينا في أعناقنا جميعا، فجعلوها تقاوم فلا ينبغي أن نثقل عليها ونطالبها بمطالب الدولة، وأظن بعد الانتهاء من مسألة الطاقة النووية في إيران ستزول الاختلافات في المنطقة وتعود الأمة الإسلامية متحدة، ولو التقت إيران والسعودية ومصر القادمة فهذا الثلاثي سيكون عظيما، وسيكون المستقبل أفضل بين المسلمين في حال قدمت إيران التنازلات كونها الأقوى، ويكون قلبه المملكة وجناحاه إيران ومصر.
————–
نعرات الخليج
وعن رأيه في النعرات التي تثار قال المالكي: أنا أستغرب من ظهور النعرات في الخليج أن هذا فارسي وهذا زيدي، وفي شمال المملكة هذا عراقي فلا فرق بين العربي والأعجمي إلا بالتقوى، فأين إسلامنا؟ ألا ترون أن هذه جاهلية عادت بلباس إسلامي، وهذا خلافي مع الإسلاميين أنهم أحيانا يعبرون عن الإسلام بطرق جاهلية وبأجندات جاهلية، وإذا كانت هناك أصول غير عربية لبعض مواطني الخليج، فهم مواطنون، وبالمناسبة من أين نحن كشعوب؟ فجميعنا أتينا من بلدان أخرى، وحتى على مستوى الحكام فهناك من أتوا من بلدان أخرى، فهذه طبيعة الشعوب تتموج من دولة إلى أخرى.
————–
عروض
عن العروض التي قدمت إليه بسبب بعد هذه الأفكار المثيرة قال المالكي:
البعض عرض علي أن أخرج من المملكة وأذهب إلى اليمن، وآخر عرض علي الجنسية القطرية، وأنا قلت لا أرضى ببلد غير بلدي أبدا وحتى لو عشت سجينا في المملكة أحب إلي من أن أعيش معززا في بلاد أخرى، ودعوتي لجميع المعارضين السعوديين أن يصبروا على الداخل ويغيروا من الداخل بالكلمة والنقد الحر، والذين يظنون أن الأوضاع سيئة فهي ليست بالسوء الذي يعتقدونه، وهناك مجال للإصلاح في السعودية، وثقتي بالإصلاحيين كبيرة، وصحيح أنني تضررت كثيرا ففصلت من عملي، ومنعت من الكتابة بالصحف، ومن محاضرة المواد الأدبية، وضيق علي وعلى أبنائي، ولكن كل ذلك لا يجعلني أظلم وأذهب مع كل دعاية ضد المملكة، والله سبحانه يطالبنا بالعدل، نعم هناك قصور في حقوق الإنسان، أما أن يتم وصف الوضع كأننا في غابة فهذا غير صحيح، فأنا أشعر بالأمن في الرياض أكثر من الأمن في أي مكان بالعالم، وطوال عمري وأنا أتكلم ولم يأت أحد إلى بيتي ويهددني فهناك أمن، وليست لدي مشكلة مع هيئة الأمر بالمعروف، فالهيئة لها أخطاؤها في السعودية، ولكن ليست كما يصورها البعض.


الإصلاح الديني وكتب الأدعية والأذكار والزيارات

25 سبتمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2 زيارة

 تحتلّ الأذكار والدعوات والصلوات والعبادات والزيارات والآداب و… مركزاً هاماً في شخصية الإنسان المسلم والمتديّن، ولا يقتصر هذا التأثير على الواجب من هذه الأعمال، بل يمتدّ ليشمل المستحب أيضاً، فإن الكثير من المستحبات والمكروهات تترك أثراً على تكوين وعي الإنسان وشخصيته وطريقة تفكيره.
وفي إطار رصد أهمية المستحب ومكانته في الحياة الدينية، نلاحظ تأثير زيارة المراقد المطهّرة على شخصية الإنسان الصالح، وما تتركه من تعميق لروابط الحبّ والولاء لأهل البيت^ في حياته، وما ترسّخه في نفسه من قيم الفضيلة والتضحية والوفاء و… بعيداً ـ فعلاً ـ عن القول الذي ذهب إليه بعض العلماء والمحدّثين من وجوب الزيارة ولو مرّة واحدة في العمر.
وأمام حجم تأثير المستحب والمندوب والمكروه والمرغوب عنه في حياة المسلم، نجد اتجاهاً كبيراً في الأوساط الدينية يميل إلى عدم أهمية البحث والوقوف كثيراً عند المستحب والمكروه، حتى أنّ العلامة محمد مهدي شمس الدين ينقل عن أستاذه السيد الخوئي أنّه لا يجب على الفقيه تبيين قضايا المستحب والمكروه والمباح (شمس الدين، الاجتهاد والتجديد: 153)، هذا مع أنّ السيد الخوئي رافضٌ لنظرية التسامح، ولعلّ لهذه النظرية تأثيراً كبيراً على هذه النزعة التساهلية عند العلماء المسلمين، حيث قبل بها الكثير من علماء السنّة والشيعة، انطلاقاً من وجود أدلّة من الروايات عليها.
ولسنا بصدد الحديث عن هذه القاعدة وكيف تطوّرت واتسعت، لتشمل عند مثل النراقي و… القضايا التاريخية وتستوعب السيرة الحسينية، الأمر الذي انتقد بعض أبعاده المحدث النوري، وهو وجهٌ من وجوه المحدثين المتأخرين (انظر: حيدر حب الله، نظرية السنّة في الفكر الإمامي الشيعي: 748 ـ 763)، إنما الذي نريد تسليط الضوء عليه هنا هو معالجة اجتماعية لهذه الظاهرة التي بات لها حضور بارز في حياتنا.
ولن آخذ مطلق المستحبات والمكروهات هنا بالحسبان، بل سأسلّط الضوء على الأدعية والزيارات والصلوات والأذكار… منطلقاً من مشروع كان يحضّر من طرف السيد الشهيد محمد باقر الصدر (1400هـ)، بوصفه من كبار رموز الإصلاح الديني في القرن العشرين، ففي رسالةٍ وجّهها الصدر إلى تلميذه المعاصر السيد محمد الغروي، بدا فيها راغباً ـ بل ساعياً ـ لتدوين كتاب في الأدعية والزيارات بدل كتاب مفاتيح الجنان للمحدّث الشيخ عباس القمي (1359هـ)، يتجاوز ما يثير المسلمين، ويركز على النصوص الصحيحة السند، والمشهورة الصحيحة المتن.
يقول الإمام محمد باقر الصدر في هذه الرسالة: «… كان لدينا مشروع كلّفنا به بعض تلامذتنا، وهو كتاب تأسيسي في الأدعية، فإن تهيأ ذلك فهو، وإلا فلابد في نظري من إدخال تعديلات على المفاتيح [يقصد ـ حسب الظاهر ـ مفاتيح الجنان] الموجودة، وكانت الفكرة في الكتاب التأسيسي تقوم على أساس جمع ما صحّ سنده من الأدعية والزيارات، ويضاف إليه المشهور الصحيح المتن، وإن لم يكن صحيح السند، مع إجراء التهذيب بحذف بعض الجمل إذا اقتضى الأمر التهذيب والحذف» (انظر: أرشيف رسائل المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر، رسالة خطية رقم: 60).
وإذا أردنا تحليل هذا النصّ فهو يدلّنا:
أولاً: إن فكرة تعديل مفاتيح الجنان هي البديل الاضطراري الذي اختاره السيد الصدر، وإلا فأصل المشروع هو استبدال المفاتيح بكتاب آخر، وصفه الصدر بالتأسيسي، وهي عبارة دالّة على مشروع جذري كان منويّاً، ومن ثم فلا يرى الصدر أن في استبدال المفاتيح أمراً محرّماً، لا من الناحية الفقهية كما هو واضح، ولا من الناحية الميدانية والاجتماعية والعملية، فلا ينبغي التحسّس من أصل المشروع، فالمفاتيح ليس نصاً نهائياً وإنما هو محاولة طيبة قام بها العلامة القمي خدمةً لقيم السماء وتعاليم الإسلام فجزاه الله خير جزاء المحسنين، لكن لا ينبغي الوقوف عندها. سيما وأنّ في الكتاب نفسه في كثير من نسخه المطبوعة اليوم بعض المشاكل، كما في بعض هوامشه؛ حيث يستفاد ـ ولو في الفهم العام ـ تحريف القرآن.
كما لا يُقصد الطعن بالشيخ القمي الذي عرفناه محققاً ناقداً في مجال الحديث والتاريخ في مواضع أخرى، خاطياً في ذلك خُطى أستاذه المحدّث الشيخ حسين النوري (1320هـ)، لكنّ القمي مجتهدٌ له آراؤه، ومن غير المعلوم أنّ ما صحّ سنده عنده معناه أنّه صحيح السند عند غيره، أو أنّه ملزم لغيره، فهذه اجتهادات لا تقف عند حدّ، ولعلّه يكتفي بوجود سند للرواية في مقابل كتاب «مفتاح الجنان» الذي أشار في مقدّمة «مفاتيح الجنان» إلى ورود بعض ما فيه مما ليس له سند أصلاً.
ثانياً: كان يرى السيد الصدر اضطراراً تعديل نسخة المفاتيح الموجودة، ونحن لا نوافقه ـ في نظرنا القاصر ـ على هذه الفكرة؛ لأن الدخول في تعديل الكتب الدينية والتراثية لمصالح ولو كانت هي مصلحة المسلمين العليا أمرٌ خطير للغاية، وباب إذا فُتح سوف يؤدّي إلى فوضى علمية وإلى أزمة في توثيق التراث، فقد نُقل أنّ السيد الصدر نفسه كان قد كلّف بعضَ طلابه بتحقيق كتاب المراجعات للسيد عبد الحسين شرف الدين؛ لأنّ أهل السنّة كانوا غيّروا في الطبعة المتأخرة لبعض كتبهم الأصلية الحديثيّة التي استند إليها السيد شرف الدين، ولعلّه اعتبر ذلك خيانةً لمصالح مذهبية ضيقة، فكما هي خيانةٌ أن نخفي الواقع لمصالح مذهبية، كذلك الحال في إخفاء وقائع أو وثائق أو نصوص أو… لمصالح إسلامية عليا أو.. ولنسمّها ما شئنا، فإن ذلك لن يغيّر من واقع الحال شيئاً؛ لأننا حتى لو استفدنا منه لمرحلة الآن أو لاحقاً، إلا أنه سيترك تأثيراً سلبياً على المسار البعيد والطويل، ولو استخدم كلّ فريق هذه الطريقة لدخلنا في متاهة التلاعب بالتراث، وهو أمرٌ نتأكد أنّ السيد الصدر لم يكن يقصده في مشروعه هذا.
فالأفضل ـ من وجهة نظرنا ـ إذا كان لابدّ من مشروع كهذا، أن يكون تأسيسياً أو لا يكون من أصل؛ جمعاً بين الأهداف وتوفيقاً بين المقاصد.
ثالثاً: يقدّم السيد الصدر أولويّتين مترتّبتين في التعامل مع الكتاب التأسيسي: إحداهما الأخذ بما صحّ سنده من الأدعية والزيارة، وثانيهما الصحيح المتن مع كونه مشهوراً، ولست أريد هنا محاكمة رسالة شخصية على أنها بحث علمي، لكن لا بأس بقدرٍ من التحليل؛ كونها دالّة بنسبة جيدة، فالسيد الصدر قدّم الصحيح السند دون أن يشير إلى صحّة المتن فيه، وإنما أخذ صحّة المتن في حالة المشهور غير الصحيح السند، مع أنه قد يرى بعضهم أن فيما هو صحيح السند مخالفاً متناً للكتاب أو السنّة أو… فكان ينبغي أن يؤخذ التقييم ثنائياً، أي صحيح السند والمتن معاً، سيما وأنه في الأدعية والزيارات يوجد جُمل خبرية كثيرة، وليس فقط إنشائية، ونحن نعرف أنه كلّما زادت الجمل الخبرية انفتح مجال تقييم المتن بشكل أكبر؛ لأن الإنشاء يشمل ـ عادةً ـ التشريعَ الذي لا يُعرف ملاكه؛ فمجال نقد المتن فيه أقلّ نسبياً.
يُضاف إلى ذلك، أن إجراء الحذف والتهذيب للجمل التي في نصوص الأدعية والزيارات فيه مشكلة تقدّمت، إذا قصد السيد الشهيد خصوص المشهور الصحيح المتن، أما إذا كان هذا القيد شاملاً للصحيح السند أيضاً، فالمشكلة سوف تتضاعف حينئذٍ؛ لأنّ في ذلك ما قد يكون إيهاماً في نقل كلام المعصوم المعتبر.
إنّ أصل مشروع السيد الشهيد بالغ الأهمية، ينطلق من ضرورة ضبط الكتب الدينية التي تكون في متناول عامة الناس وفي بيوتهم وفي المساجد والحسينيات و… كونها تشكّل الوعي الديني عندهم، وإذا كان السيد الصدر قد انتبه لهذا الموضوع، ونوى مشروعاً من هذا النوع، فإنّ السيد محسن الأمين (1952م) قَبْلَه قد حمل هذا الهمّ وخاض مشروعاً شبيهاً في كتابه (مفتاح الجنات)، الذي ركّز فيه على صحّة السند والمتن معاً، ومع عدم وجود سند صحيح كان مهتمّاً بالمتن وضبطه جداً، وقد اعتقد بأنّ هناك تحريفات وتصحيفات في أكثر كتب الأدعية، كما انتقد (مفاتيح الجنان) من وجهة نظر أخرى؛ حيث رأى أن بعض محتوياته لا يكاد ينفع الإنسان العربي، دون أن يدلّنا بوضوح على حجم هذه المواضع، وهل فعلاً تستحقّ الذكر أم لا؟ وقد أشار أيضاً إلى جهالة السند في روايات أخرى في المفاتيح (انظر: محسن الأمين، مفتاح الجنات 1: 11، 312، 322، 333، و 2: 449)، ونضيف معه أن التتبع أكّد لنا أنّ النسخة المعرّبة لمفاتيح الجنان فيها مشاكل أيضاً في التعريب، مما لا نخوض فيه فعلاً.
إنّ ما قام به السيد محسن الأمين في مجال الأدعية والزيارات من تقديم بدائل كان فعله أيضاً في مجال إصلاح حال السيرة الحسينية، حيث ألّف أكثر من كتاب بهذا الصدد، بدائل لقارئ العزاء والخطيب الحسيني كي يتمكّن من الاستمرار مستغنياً عن كتب أخرى ثمّة تساؤلات كثيرة حولها وعلامات استفهام.
وبكلمة موجزة وهامة: ليس المهم أن يجلس بعضنا ينتقد هذا الدعاء أو ذاك، أو هذه الزيارة أو تلك… فيُغرق الجوَّ في مجرد النقد، بقدر ما المطلوب تخطّي هذه المرحلة لوضع كتاب جامع في الأدعية والزيارات، يتمّ نشره على نطاق واسع، مصفّى من الملاحظات النقدية على مختلف الصعد حسب الإمكان، ليكون مرجعاً للمسلم والشيعي في أعماله العبادية، مع تقدير جهود السابقين كلّهم واحترام خطواتهم.
وأخيراً، وفي السياق عينه, وهو الذي نعتقد أن الصدر والأمين حملا همّه، من الضروري أن يُلتفت إلى مبدأ الوحدة الإسلامية ومصالح المسلمين العليا في هذا العصر، مع الانتباه ـ في الوقت عينه ـ إلى عدم إطلاق العنان لأنفسنا في التلاعب بالتراث أو تحوير الحقائق الإسلامية؛ فلا يصحّ أن نضع الأمّة الإسلامية وواقع المسلمين في أزمة لأجل رواية ضعيفة السند، ثمّ نبرّر فعلنا بالحفاظ على هويّة المذهب وحمايته من تهاوي أركانه وفرط عقد سبحته، بل ينبغي الالتفات إلى أنّ الواجب قد يصير حراماً بالعنوان الثانوي، فكيف بالمستحب؟! ألا يجب بناء توازن وسلّم أولويات؟ بل ألا يجب تنشيط فقه الأولويات أيضاً؟ ألا يجب حماية دم المسلمين من الفتنة؟ ألا يحتمل أحياناً أن بعض المستحبات قد تهدر دم مسلم بريء؟ فإذا كنّا نخاف على دين الناس، فحريّ بنا أن نخاف على نفوسهم وأعراضهم؛ فحرمة المسلم كحرمة الكعبة، كما جاء في بعض الروايات؟
إنّ على المدافعين عن مثل هذه الرواية أو تلك مما ثبت ضعفه وبان أنّه ليس له سوى بعض المصادر المتأخرة .. إنّ عليهم أن يعرفوا أنّ ما عندنا من كتاب ومن سنّة يكفيان لملئ نفوسنا إيماناً، وقلوبنا طمأنينة، وحياتنا نظاماً وانتظاماً.. ولم يغدُ الإسلام ولا التشيّع ـ والحمد لله ـ بحاجة في يوم من الأيام إلى مثل هذه الزيادات، فهو غنيّ بما فيه الكفاية للنهوض بنا، إن شاء الله تعالى.
إننا من منطلق مشروع السيد الصدر وغيره، ومن منطلق الضرورة والحاجة والأمانة العلمية و… ندعوا ـ بوصفنا من آحاد المسلمين ـ ونرجوا من المرجعيات الدينية المنفتحة على قضايا العصر والأمّة والدين، رجاءً حاراً نابعاً من قلب متألّم، أن يشكّلوا لجنةً تحت إشرافهم، تقوم بمشروعٍ كهذا، كيفما ارتؤوا صيغته فيما يرونه مناسباً، ويدعموه ويروّجوا له؛ فليس المهم هو الإنتاج والمهارة فحسب، بل المهم هو التسويق والترويج، كما بات مسلّماً اليوم في إدارة الصراعات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية و… ونحن واثقون ـ إن شاء الله ـ من أنّ خطوةً كهذه ستشكّل عنصراً مساعداً لحماية شخصية الإنسان المسلم اليوم، ورفع مستوى وعيه وتضامنه مع أخيه، وتحصين الساحة الإسلامية، بدل خلط الأدعية بالطلاسم في بعض الكتب، وبالغرائب والعجائب في كتب أخرى، والله تعالى وحده نسأل تغيير حالنا إلى أحسن الحال، إنه عليٌّ قدير.
}وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ{ [البقرة : 186].
 
 



قراءة في العدد (23) من مجلة الاجتهاد والتجديد

22 سبتمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تمهيد
إنّما هما صنوان، عنيتُ بهما «الاجتهاد» و«التجديد»؛ حيث إنّهما مترابطان ارتباط الشجرة بأرضها، وهل تنمو شجرةٌ في الهواء؟!
قد تنمو نبتةٌ في الماء دون التراب، غير أنّها لا تثمر، إنّما هي بضع وريقات خضراء، لا تلبث أن تذبل وتصفرّ وتسقط، وينتهي كلّ شيء.
هكذا، أيّها الأحبّة، لا يصحّ اجتهادٌ دون تجديد، وإلاّ كان كمَنْ فسَّر الماء بعد الجهد بالماء، أو كمَنْ يمشي في مكانه، تقليداً وتكراراً للجهود السالفة، بعيداً عن واقع الحياة ومتطلَّباتها، فيضحى أهله غرباء وسط الناس، يتحدّثون في ما لا حاجة للناس فيه، ويهملون ما هم في أمسّ الحاجة إليه.
نريد اجتهاداً راقياً مصحوباً بالتجديد والإبداع والمعاصَرة، اجتهاداً يستميل الشباب وغير المسلمين إلى دين الله الحنيف، لا اجتهاداً في اسمه، وتقليداً في مضمونه. ذاك ليس اجتهاداً ينفع الناس، ولا حاجة لهم به.
إنّها مجلّة «الاجتهاد والتجديد» تضع بين أيديكم، أيّها الأحبّة، في عددها الثالث والعشرين (23)، أربع عشرة مقالة متنوِّعة، لتختم بعد ذلك بقراءة في كتاب «شرعيّة الاختلاف بين المسلمين»، وهي بعنوان «ولاية الفقيه بين التجديد الكلامي والفقهيّ، مداخلة نقديّة مع الكاتب عمران سميح نزّال»، للشيخ صفاء الدين الخزرجي.
كلمة التحرير
وهي بعنوان «نقد المتن في التجربة الإماميّة». وفيها يقول رئيس التحرير الشيخحيدر حبّ الله: شهد النشاط الحديثيّ الشيعيّ الإماميّ، ومنذ القرون الأولى، حركةً في نقد المتن، تركّزت في النصوص العقديّة والتاريخيّة، ولم تشهد رواجاً كبيراً في النصوص الفقهيّة والشرعيّة والأخلاقيّة… ولم يحظَ نقد المتن بنشاطٍ قويٍّ وفاعل في وسط المحدِّثين، لكنّ الفقهاء والأصوليّين كانوا الأكثر نشاطاً في مجال الدرس الحديثيّ عند الإماميّة.
ولعلّ هناك أسباباً عديدة فرضت مسيراً خاصّاً لحركة نقد المتن عند الإماميّة، وأهمّها ما يلي:
أوّلاً: مسألة معارضة الحديث للقرآن الكريم بنحو التباين التامّ، أو التباين الجزئيّ بالعامّ من وجه عند بعضهم، بل وتشمل أيضاً مخالفة الروح العامّة له، وما لا يكون له شبيهٌ أو نظيرٌ فيه عند بعضٍ ثالث.
ويعتقد الشيخ حبّ الله أنّ هذا المفهوم الجديد [أي الثالث] لمعارضة القرآن الكريم هو الأصحّ، وهو الذي يوفِّر المجال لنقد متن الحديث بطريقةٍ علميّة متوازنة، بصرف النظر عن صحّة هذا التطبيق أو ذاك.
ثانياً: وإلى جانب مسألة معارضة القرآن، كانت هناك نظريّة التقيّة التي امتدّت في التصوُّر الإماميّ إلى أن يصدر أهل البيت في كثير من الأحيان تشريعاتٍ أو يبيِّنوا أحكام الدين بطريقة غير صحيحة، ولا مطابقة للواقع؛ وذلك بهدف رفع التهمة عنهم، أو حماية أنفسهم وجماعاتهم. وهذا معناه أنّه قد يصدر عن أهل البيت ما هو على خلاف الواقع ـ مع علمهم بأنّه على خلاف الواقع ـ لمصالح زمنيّة يرَوْنها.
وأبدى الشيخ حبّ الله موقفاً شخصيّاً متحفِّظاً من بعض امتدادات هذه النظريّة التي اختارها جمهور الإماميّة.
ثالثاً: القضيّة الأخرى المؤثِّرة عند الإماميّة في نقد المتن هي مسألة دور الأئمّة في التشريع؛ فإنْ قلنا بحقّ أهل البيت في التشريع، ويكون تشريعهم هذا كتشريع النبيّ، لم يَعُدْ يمكن نقد هذا الحديث؛ لكنْ لو رفضنا حقّ التشريع لهم فإنّه إمّا أن نردّ هذا الحديث؛ أو يتمّ تأويله بافتراض أنّه مجرَّد حكم إداريّ زمنيّ تدبيريّ صدر منهم بوصفهم مديرين للجماعة المؤمنة الموالية لهم، تماماً كبعض الأحكام السلطانيّة الزمنيّة، التي لا تملك بُعداً تشريعيّاً في أصل الدين.
رابعاً: العنصر الآخر من العناصر المؤثِّرة في موضوع نقد المتن في منظومة التفكير الإماميّ نظريّة بطون القرآن الكريم، التي يميل إليها الكثير من علماء الشيعة، بل يُتَّهم الشيعة بالترويج لهذه النظريّة بغية تمرير عقائدهم بعيداً عن القوانين الصارمة لظواهر الدلالات اللفظيّة.
مضافاً إلى نظريّة أخرى لعبت الدور نفسه، وشهدت رواجاً عند الأخباريّين الشيعة، دون أصوليّيهم، وما زال لها حضور في العصر الراهن، ولو بشكلٍ ضعيف، وهي النظريّة التي تقول بأنّ فهم القرآن الكريم أمرٌ خاصّ بأهل البيت، وأنّهم الذين خوطبوا بهذا الكتاب العزيز، وأنّ أيّ تفسير للقرآن لابدّ أن ينطلق من نصوصهم، وأنّ المرجعيّة المعرفيّة في التفسير هي سنّة أهل البيت، لا الاجتهاد الشخصيّ، ولا أقلّ من أنّ الكثير من ألوان الاجتهاد الشخصيّ في التفسير يغدو محظوراً وفقاً لهذه النظريّة.
ولا ينفي الشيخ حبّ الله نظريّة بطون القرآن، لكنّه يشرطها بأنْ تمرّ عبر الظواهر اللفظيّة، بحيث يكون هناك تناسبٌ ما بين الظاهر والباطن، أمّا لو فتحنا نظريّة البطون بالطريقة السائدة فإنّه لن يمكن التكهُّن بحال أيّ حديث أو رفضه بحجّة منافاته لظواهر اللغة الأوّليّة.
ويخلص بعد ذلك إلى القول: إنّني أعتقد أنّ نقد المتن الحديثيّ عمليّة تحتاج إلى تأمين أصول لها، وتوفير مناخ مناسبٍ لنموّها، كمرجعيّة القرآن، وإمكان فهمه، وغير ذلك. والجميع مدعوٌّ للنظر في منظومته العقائديّة والتاريخيّة والفكريّة، ليرى هل توفّر هذه المنظومة الجوّ المناسب لنشاطٍ فاعل في نقد المتن أم لا؟ وأعتقد أنّ هذه الدعوة لا تقف عند حدود المذهب الإماميّ، بل هي تطال سائر المذاهب، التي لم نتعرّض لها في هذه الوريقات؛ لخروجها عن محلّ البحث.
دراسات
1ـ في الدراسة الأولى، وهي بعنوان «أصول الفقه، وتطوُّر فكرة العقلانيّة في المجال الإسلاميّ»، للدكتور زكي الميلاد (باحث إسلامي بارز، ورئيس تحرير مجلّة الكلمة، له العديد من الكتابات الفكريّة القيّمة، من المملكة العربية السعودية)، يتناول الكاتب بالبحث جملةً من العناوين، وهي: 1ـ أصول الفقه والمقولات العقليّة؛ 2ـ العقل دليلاً؛ 3ـ بناء العقلاء؛ 4ـ ما حَكَم به العقل حَكَم به الشرع (قانون الملازمة)؛ 5ـ العقل بين اتجاهين متعارضين؛ 6ـ نتائج ومستخلصات.
2ـ والدراسة الثانية بعنوان «قوانين الفهم الاجتماعيّ للنصّ وجدليّة صنع المنهج»، للأستاذ الدكتور عبد الأمير كاظم زاهد (أستاذٌ جامعي، وباحثٌ في الفقه الإسلامي، وعميد كلّية العلوم الإسلاميّة في كربلاء، له مؤلَّفاتٌ فكريّة وفقهيّة متنوِّعة، من العراق).
3ـ وفي الدراسة الثالثة، وهي بعنوان «المسؤوليّات الاقتصاديّة للدولة الإسلاميّة»، للدكتور الشيخ حسن آقا نظري (أستاذٌ في الحوزة والجامعة، وعضو الهيئة العلميّة لمركز بحوث الحوزة والجامعة، متخصِّصٌ في الاقتصاد الإسلاميّ، من إيران)، تطالعنا العناوين التالية: 1ـ المصطلحات المتعلِّقة بنفقات الدولة: أـ الشأن العامّ؛ ب ـ المتطلَّبات العامّة؛ 2ـ أنواع النفقات العامّة: أـ التربية والتعليم؛ ب ـ حراسة الدين ومحاربة البدع؛ ج ـ الأمن القوميّ والإمكانيّات الدفاعيّة؛ دـ محاربة التبعيض والظلم الاقتصاديّ (تطبيق العدالة)؛ هـ‏ ‏ـ التكافل الاجتماعيّ (تأمين المتطلَّبات الأساسيّة للفقراء)؛ وـ الإعمار والبناء؛ زـ تحقيق الرفاهية وزيادة العطاء؛ ح ـ الرقابة على السوق وتنظيمه؛ ط‏ـ جباية الضرائب وتنظيم بيت المال.
4ـ وفي الدراسة الرابعة، وهي بعنوان «شرط الإيمان المذهبيّ في استحقاق الخمس والزكاة، مطالعة فقهيّة استدلاليّة»، للشيخ حيدر حبّ الله، يتناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: تمهيد؛ أوّلاً: شرط الإيمان على المستوى القرآنيّ: 1ـ في فريضة الزكاة والصدقات؛ 2ـ في فريضة الخمس؛ ثانياً: شرط الإيمان على مستوى نصوص السنّة الشريفة: 1ـ في مجال الزكاة والصدقات؛ المجموعة الأولى: نصوص إعادة الزكاة بعد الاستبصار؛ المجموعة الثانية: نصوص المنع عن إعطاء الزكاة لغير الشيعيّ؛ المجموعة الثالثة: نصوص المنع عن إعطاء فرق أو اتجاهات مذهبيّة بعينها؛ المجموعة الرابعة: نصوص المنع من إعطاء الزكاة للأقارب غير المؤمنين؛ المجموعة الخامسة: نصوص إعطاء الزكاة لأطفال المؤمنين؛ المجموعة السادسة: نصوص إعطاء غير الشيعيّ في الجملة؛ التحليل الإجماليّ العامّ لمجموعات النصوص الحديثيّة (الرأي الراجح)؛ 2ـ في مجال الخمس ومصارفه؛ خاتمةٌ ونتيجة.
5ـ وفي الدراسة الخامسة، وهي بعنوان «آثار المنطق والفلسفة على أصول الفقه، التعاريف المنطقيّة وتعريف أصول الفقه وموضوعه»، للشيخ ضياء الدين المحمودي (باحث في الفقه الإسلامي والحديث، له عدّة مصنّفات)، استعرض الكاتب العناوين التالية: مقدّمة؛ الأصول: تاريخه، والاختلاف في تعريفه؛ تعريف أصول الفقه، مراجعة تاريخية؛ المعرفة قبل التعريف؛ المحطّة الأخيرة في تعريف علم الأصول؛ اعتراض الخراساني على استعمال التعاريف المنطقية؛ الاختلاف في موضوع علم الأصول؛ اضطراب الفلاسفة في تفسير العرض الذاتيّ؛ أقسام الذاتيّات التي تحمل على الموضوع؛ تقسيم آخر للعرضيّ؛ كلام الملا عبد الله؛ تعليق على استعمال مصطلحات العلوم التصوُّريّة في علم الأصول.
6ـ وفي الدراسة السادسة، وهي بعنوان «إرث الزوجة من العقار، قراءة جديدة للنصّ القرآنيّ»، للشيخ خالد الغفوري (أستاذٌ في الحوزة العلميّة، ورئيس تحرير مجلّة فقه أهل البيت(عليهم السلام)، من العراق)، نقرأ العناوين التالية: مقدّمة؛ الأمر الأوّل: بيان الاتّجاهات والأقوال في المسألة ومسارها التاريخيّ؛ الأمر الثاني: البيان الإجماليّ للنصّ القرآنيّ؛ تفصيل البحث؛ تعليق؛ المناقشة؛ الموقف الأصوليّ من إشكاليّة المعارضة مع الكتاب؛ بيان وجه المعارضة؛ البيان الأوّل؛ البيان الثاني؛ البيان الثالث؛ المناقشة؛ البيان الرابع؛ البيان الخامس؛ إشكال؛ الجواب؛ محاولة لحلّ هذا التعارض؛ مناقشة؛ نتيجة البحث.
7ـ وفي الدراسة السابعة، وهي بعنوان «التحريف في السيرة الحسينيّة، مناقشة لمقالات السردرودي في مجلّة (نصوص معاصرة)»، للأستاذ مشتاق بن موسى اللواتي (باحث في الفكر العربيّ الإسلاميّ، من سلطنة عمان)، يتناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: تمهيد؛ بحوث تحليليّة ونقديّة حول واقعة كربلاء؛ وقفة مع بعض آراء الشيخ السردرودي؛ أسسٌ مقترحةٌ لمناقشة بعض الآراء النقديّة؛ نظرة في بعض النماذج التي ذكرها الباحث سردرودي؛ الأوّل: ما لم يَرِدْ في مصدرٍ تاريخيّ؛ الثاني: نماذج لم يتَّضح لنا سبب اعتبارها محرَّفة: أـ اختلاق شهيد؛ ب ـ هل من ناصرٍ ينصرني؛ ج ـ اسقوني شربةً من الماء؛ دـ طلب الأسرى المرور بالقتلى عند مغادرة كربلاء؛ هـ ـ دفن الإمام عليّ بن الحسين(عليه السلام) للأجساد؛ وـ مجيء العائلة إلى كربلاء، ولقاء جابر الأنصاريّ؛ زـ حول عدد القتلى من الجيش الأمويّ؛ ح ـ استشهاد طفلَيْ مسلم بن عقيل؛ ط ـ الجراحات في جسم الإمام الحسين(عليه السلام).
8ـ وفي الدراسة الثامنة، وهي بعنوان «أحكام الشعائر الحسينيّة / القسم الثاني»، للشيخ علي دهيني (باحثٌ وأستاذ في الحوزة العلميّة، من لبنان)، يستكمل الكاتب مقالته من خلال العناوين التالية: الشعيرة الثالثة: لبس السواد؛ 1ـ أدلّة كراهة لبس الأسود في الصلاة، أو مطلقاً، ومناقشتها؛ 2ـ هل الحكم بكراهة لبس السواد مطلقٌ أو لا؟؛ وقفة أخيرة في حرمة ارتداء لباس أعداء الدين؛ 3ـ ما هو المراد من النهي التنزيهيّ في العبادات؟؛ 4ـ كيف يكون لبس السواد حزناً على الإمام الحسين من ضمن الشعائر، وبالتالي مستحباً؟؛ الشعيرة الرابعة: زيارة الإمام الحسين(عليه السلام)؛ 1ـ المصنَّفات الحديثيّة التي ذكرت زيارة الحسين(عليه السلام)؛ 2ـ حكم الزيارة؛ 2ـ1ـ نظريّة الوجوب، الأدلّة والمستندات؛ 2ـ2ـ نظريّة الوجوب الكفائيّ؛ 3ـ زيارة الحسين(عليه السلام) مشياً؛ 4ـ تكرار زيارة الحسين(عليه السلام)؛ 5ـ استحباب زيارته في أوقات مخصوصة؛ الشعيرة الخامسة: الرواية في واقعة عاشوراء وما يتعلَّق بها من أحداث؛ 1ـ ضابطة الاعتماد على الروايات في مجال الأحكام الشرعيّة؛ 2ـ ضابطة الاعتماد على الرواية في مجال علم العقائد؛ 3ـ ضابطة الاعتماد على الروايات في مجال التاريخ؛ 4ـ ضابطة الرواية في الجانب القصصيّ والتمثيليّ؛ الشعيرة السادسة: التطبير (ضرب الرأس)؛ 1ـ تاريخيّة التطبير؛ 2ـ نظريّة الجواز، بل الاستحباب؛ الدليل الأوّل: التمسُّك بأصالة الإباحة؛ الدليل الثاني: فعل المعصوم(عليه السلام)؛ الدليل الثالث: تقرير المعصوم؛ الدليل الرابع: الروايات الخاصّة؛ الدليل الخامس: الروايات العامّة؛ الدليل السادس: قاعدة لزوم تعظيم الشعائر الدينيّة؛ 3ـ نظريّة التحريم؛ الدليل الأوّل: استلزام التطبير للضرر؛ الدليل الثاني: وهن المذهب وهتكه؛ الدليل الثالث: عدم انطباق عنوان الشعيرة عليه؛ إضاءة: في ملحقات التطبير؛ نتيجة البحث.
9ـ وفي الدراسة التاسعة، وهي بعنوان «قواعد التعامل مع أهل الكتاب، جولة في معطيات الكتاب والسنّة»، للأستاذ جلال وهابي همابادي (طالبٌ في مرحلة الدكتوراه، في قسم علوم القرآن والحديث، في جامعة آزاد الإسلاميّة في طهران) والدكتور كاظم قاضي زاده (أستاذٌ مساعد في قسم العلوم والدراسات في جامعة آزاد الإسلاميّة في طهران) (ترجمة: نظيرة غلاب)، يتناول الكاتبان العناوين التالية: مقدّمة؛ سماحة وعدل الإسلام تجاه الأديان الأخرى؛ كرامة الإنسان وحرّيّة المعتقد ركنان في الإسلام؛ حفظ كرامة الإنسان وإنسانيّته؛ التأكيد على حرّيّة الاعتقاد؛ تعريف «أهل الكتاب» لغةً واصطلاحاً؛ الاستعمال الاصطلاحيّ لأهل الكتاب في القرآن الكريم؛ مصاديق أهل الكتاب؛ الأحكام الفقهيّة والحقوقيّة الخاصّة بأهل الكتاب؛ 1ـ أهل الكتاب بين الطهارة والنجاسة؛ 2ـ حكم طعام أهل الكتاب؛ 3ـ الزواج من أهل الكتاب؛ 4ـ القضاء بينهم؛ 5ـ الحرب وأخذ الجزية.
10ـ وفي الدراسة العاشرة، وهي بعنوان «آلة الذبح، مطالعة في الأحاديث والموقف الفقهي»، للشيخ أحمد عابديني (باحثٌ وأستاذ الدراسات العليا في الحوزة العلميّة في إصفهان، وعضو الهيئة العلميّة لجامة آزاد ـ نجف آباد)، تطالعنا العناوين التالية: بحث حول آلة الذبح؛ الروايات الواردة حول آلة الذبح؛ طريق الجمع بين الأخبار.
11ـ وفي الدراسة الحادية عشرة، وهي بعنوان «فقه الغناء والموسيقى، دراسة تأصيليّة تجديديّة في ضوء القرآن والسنّة والمقاصد / القسم الثاني»، للدكتور يحيى رضا جاد (أستاذٌ وباحث في علوم الشريعة الإسلاميّة، ومتخصِّص في الدراسات الفقهيّة، له عدّة مؤلَّفات، من مصر)، يتابع الكاتب مقالته من خلال العناوين التالية: خامساً: أدلّة المحرِّمين من السنّة النبويّة، ومناقشتها؛ تنبيه عامّ هامّ؛ سادساً: استدلال المحرِّمين بمعانٍ خارجةٍ عمّا تقدم، ومناقشتهم؛ سابعاً: استدلال المحرِّمين بالإجماع ومناقشتهم؛ ثامناً: استدلال المحرِّمين بقاعدة سدّ الذرائع ومناقشتهم.
12ـ وفي الدراسة الثانية عشرة، وهي بعنوان «عقوبة الارتداد، محاولة لإثبات البُعد الولائي»، للدكتور محمد إبراهيم شمس ناتري (أستاذ مساعد، وعضو لجنة الحقوق الجزائيّة وعلم الجريمة، في جامعة طهران، پرديس قم) والأستاذ إبراهيم زارع (طالب في مرحلة الماجستير، فرع الحقوق الجزائيّة وعلم الجريمة، في جامعة طهران، پرديس قم)، نقرأ العناوين التالية: تمهيد؛ الارتداد في القرآن الكريم؛ الحكم الحكوميّ، الحقيقة والتعريف؛ خصائص الحكم الحكوميّ؛ مقدار انطباق حكم الارتداد مع آيات القرآن الكريم؛ أجواء صدور حكم قتل المرتد؛ المصالح والمفاسد المترتِّبة على الحكم؛ الأصول القرآنيّة المتعلِّقة ببحث الارتداد؛ عقوبة المرتدّ، حكم حكوميّ؛ الروايات ورأي الفقهاء؛ مرونة عقوبة المرتدّ في القرآن الكريم؛ مرونة عقوبة المرتدّ في الروايات؛ خلاصة البحث.
13ـ وفي الدراسة الثالثة عشرة، وهي بعنوان «سجن المدين، دراسة فقهية مقارنة»، للدكتور محمّد رضا آيتي (أستاذ مساعد في جامعة آزاد الإسلاميّة، فرع العلوم والتحقيقات، في طهران) والأستاذ عبدالجبار الزرگوشي (طالب دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة، فرع العلوم والتحقيقات، في طهران)، يتناول الكاتبان بالبحث العناوين التالية: مقدّمة؛ حبس المدين الموسِر الممتنع عن أداء دينه؛ أوّلاً: المذهب الحنبليّ؛ ثانياً: المذهب الحنفيّ؛ ثالثاً: المذهب المالكيّ؛ رابعاً: المذهب الشافعيّ؛ خامساً: الظاهريّة؛ سادساً: الزيديّة؛ سابعاً: مذهب الشيعة الإماميّة؛ حبس المدين المعسِر؛ 1ـ حبس المعسِر لو أنفق ماله في الحرام؛ 2ـ حبس المدين المدَّعي الإعسار إذا كان الدَّيْن بدل مالٍ؛ 3ـ اذا أقام المدين بيِّنة على إعساره فهل تقبل قبل السجن أم لا تقبل؟ ؛ الرأي الأوّل: بيِّنة الإعسار تُسمَع بعد الحبس؛ الرأي الثاني: بيِّنة الإعسار تُسمَع قبل الحبس؛ الرأي الثالث؛ مدّة حبس المدين؛ نتائج البحث.
14ـ وفي الدراسة الرابعة عشرة، وهي بعنوان «ولاية الفقيه في الفقه الشيعيّ»، للبروفسور عبد العزيز ساشدينا (مفكّر عالمي متخصّص في الفكر الإسلامي، وأستاذ الأديان في جامعة فيرجينيا، وقد كتب هذه الصفحات تقديماً لأحد أعمال الأستاذ هيثم مزاحم في تطوير المرجعيّة الشيعية) (ترجمه عن الإنجليزيّة: هيثم مزاحم)، نقرأ العناوين التالية: تجديد أم تتمّة؟؛ الجذور التاريخيّة لـ «ولاية الفقيه»؛ شرعيّة سلطة الفقيه في الفقه الشيعيّ؛ ولاية الفقيه منذ الثورة الإسلاميّة في إيران.
قراءات
وأخيراً كانت قراءة في كتاب «شرعيّة الاختلاف بين المسلمين»، وهي بعنوان «ولاية الفقيه بين التجديد الكلامي والفقهيّ، مداخلة نقديّة مع الكاتب عمران سميح نزّال»، للشيخ صفاء الدين الخزرجي (باحثٌ وأستاذ في الحوزة العلميّة، وعضو هيئة تحرير مجلّة فقه أهل البيت عليهم السلام).
هذه هي
يُشار إلى أنّ «مجلّة الاجتهاد والتجديد» يرأس تحريرها الشيخ حيدر حبّ الله، ومدير تحريرها الشيخ محمّد عبّاس دهيني، ومديرها العامّ عليّ باقر الموسى، والمدير المسؤول: ربيع سويدان. وتتكوَّن الهيئة الاستشاريّة فيها من السادة: د. أحمد الريسوني (من المغرب)، د. عبد الهادي الفضليّ (من السعوديّة)، د. محمد خيري قيرباش أوغلو (من تركيا)، د. محمد سليم العوّا (من مصر)، الشيخ محمّد عليّ التسخيريّ (من إيران). وهي من تنضيد وإخراج مركز الثقلين.
وتوزَّع «مجلّة الاجتهاد والتجديد» في عدّة بلدان، على الشكل التالي:
1ـ لبنان ـ شركة الناشرون لتوزيع الصحف والمطبوعات: بيروت، المشرَّفية، مقابل وزارة العمل، سنتر فضل الله، ط4، هاتف: 277007 / 277088(9611+)، ص. ب: 25/184.
2ـ المغرب ـ الشركة العربيّة الإفريقيّة للتوزيع والنشر والصحافة (سپريس): الدار البيضاء، 70 زنقة سجلماسة.
3ـ جمهوريّة مصر العربيّة ـ مؤسَّسة الأهرام: القاهرة، شارع الجلاء، هاتف: 5786100؛ ص. ب: 683/13.
4ـ إيران: أـ مكتبة الهاشمي، قم، كُذَرْخان، هاتف: 7743543(98251+)؛ ب ـ دفتر تبليغات «بوستان كتاب»، قم، چهار راه شهدا، هاتف: 7742155(98251+).
5ـ البحرين ـ شركة دار الوسط للنشر والتوزيع، هاتف: 17488992(973+).
6ـ تونس ـ دار الزهراء للتوزيع والنشر: تونس العاصمة، هاتف: 0021698343821.   
وتتلقّى المجلّة مراسلات القرّاء الأعزّاء على عنوان البريد: لبنان ــ بيروت ــ ص. ب: 327 / 25.
وعلى عنوان البريد الإلكترونيّ: info@nosos. net.
وأخيراً تدعوكم المجلّة لزيارة موقعها الخاصّ: www. nosos. net؛ للاطّلاع على جملة من المقالات الفكريّة والثقافيّة المهمّة.
 

قراءة في العدد (27) من مجلة نصوص معاصرة

22 سبتمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تمهيد
وفعلها يهوديٌّ هذه المرّة فانكشفت الحقيقة، حقيقة أنّ الإساءة إلى مقدّسات الإسلام تدبيرٌ يهوديّ خطير([1]).
مرّةً جديدة يعمد البعض للإساءة إلى رموز الإسلام ومقدَّساته، ومنها: المصطفى رسول الله محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم). فبعد (آيات شيطانية) و(الرسوم الكاريكاتورية) و(حرق المصحف الشريف) و(التبوُّل عليه) يطالعنا سفيهٌ من سفهاء الغرب الحاقد بفيلمٍ سينمائيّ يطعن في طهارة مولده(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ودينه، وسيرته، وأخلاقه، وأزواجه.
لفتتني في هذا الفيلم ـ وأنا القارئ الناقد للروايات والأحاديث المبثوثة في تراثنا الحديثيّ الضخم ـ محاولة  (الطعن في طهارة مولده)، ودعوى (استجابة الحمار له وإيمانه به)، وإظهاره بمظهر (العاشق المتيَّم بالنساء)؛ وذلك أنّ كمّاً غير قليل من الروايات المذكورة في كتبنا الحديثية قد يوحي لذوي النفوس المريضة، المتربّصين بالإسلام وأهله شرّاً، بمثل هذه الأفكار غير الصحيحة([2]).  
أيّها الأحبّة، إنّنا بحاجة إلى تنقية تراثنا الحديثيّ، وبأقصى سرعةٍ ممكنة، من هذا الكمّ غير القليل من الروايات المزوَّرة والموضوعة، والتي تتضمَّن إساءةً وتشويهاً لصورة الأنبياء والأوصياء والأولياء، وبعدها نتقدَّم بالدعوة إلى صدور قرارٍ أو قانونٍ محليٍّ أو أمميّ يمنع الإساءة للأديان وازدراء رموزها، وإلاّ فقد تكون كتبُنا الحديثية أوّل مدانٍ بهذا القرار ـ على فرض صدوره ـ، أو سيتحوَّل هذا القانون إلى مجرّد حبر على ورق؛ حيث سيكون بإمكان أيِّ مسيءٍ أن يقول: هذا ما وجدتُه في الكتاب الفلاني والكتاب الفلاني، وهي من أمّهات الكتب الدينيّة المعتمدة في المعاهد والمراكز والحوزات العلميّة، فأيّ إساءةٍ وازدراء قد ارتكبتُ يا ترى؟!
هكذا نخطو الخطوة الأولى في طريق النصرة للإسلام وأهله وقادته، هكذا يتحوّل شعار (لبيك يا رسول الله) من نداء إلى فعل وفاء وولاء لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأهل بيته الطيبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين، وعباد الله الصالحين.
لو عرفوك لأحبّوك
إنّه شعارٌ قرأناه على أكثر من جدارٍ ولافتة؛ تنديداً بالإساءة للنبيّ الأكرم محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم). ويبقى السؤال: لماذا لم يعرفوه؟ ولماذا قرأوا عنه فما أحبّوه؟
أليس ذلك من تقصير العلماء والمبلِّغين في نقل سيرته وأخلاقه ومفاهيمه ومبادئه ودينه إلى الناس، فما عرفوه؟!
أليس ذلك من النقل المشوَّه لسيرته وأخلاقه ومفاهيمه ومبادئه ودينه إلى الناس، فعرفوا عنه ما ليس فيه، وما هو براء منه.
أيّها الأحبّة إنّ تقصيرنا وسوء تصرّفنا أوصل الأمور إلى ما هي عليه اليوم. ولا نبرّئ هنا الغرب الحاقد من فعله الشنيعة، ولكن ليس هو وحده مَنْ يتحمَّل المسؤوليّة، وإنّما هي شِرْكةٌ بيننا، فلنتَّقِ الله في ديننا، وفي نبيّنا، وفي قادتنا وولاة أمرنا أهل بيت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الهداة المهديين وسادة الخلق أجمعين.
وفي دروب الوعي والإصلاح كان الشهيد السيد محمد باقر الصدر منارة علمٍ ومنهل عطاء، فكان فكره جديراً بالاهتمام والدراسة فخصَّصت له مجلة نصوص معاصرة سلسلة من أعدادها، ومن ضمنها هذا العدد (العدد السابع والعشرون (27))، بعنوان: «الإمام الصدر ومشاريع النهضة في الفكرالإسلاميّ /2/»، وذلك في سبع مقالاتٍ علميّةٍ قيِّمةٍ. وتتلوها أربع دراساتٍ قرآنيّة وفكريّة. بالإضافة إلى قراءةٍ في مدخل (شرف الدين) في دائرة المعارف الإسلاميّة، وذلك في مقالة بعنوان «العلاّمة شرف الدين في كتابات المستشرقين، مقالة (وارنر أندي) أنموذجاً»، للدكتور مهرداد عباسي.
وهي بعنوان «التغيير المجتمعيّ: مراحله ومعالمه وأدبيّاته، مطالعةٌ في ضوء القرآن الكريم / الحلقة الثانية»، وفيها يتابع رئيس التحرير الشيخ حيدر حبّ الله حديثه عن الصبر في مواجهة قوى الإرهاب الفكريّ، مبيِّناً كيف يمكن أنْ نمتلك مَلَكة الصبر في مواقعه، مفنِّداً مقولة كون الصبر ذُلاًّ وجبناً وتخاذُلاً هاهنا. ويتابع الكاتب بيان التوجيهات القرآنيّة في المشروع التغييريّ المجتمعيّ: 4ـ الإعراض، وهو أن لا تعيش الحركةُ الواعية في مدار ردّة الفعل على ما يأتي به الآخر، بل تسعى لكي تصنع الواقع بأسباب الصنع التي خلقها الله تعالى في الحياة، وأن تصبر وتصبر. ليستخلص من ذلك كلّه شخصيّة الداعية المسلم في هذه المرحلة بأنّها:
أـ شخصيّة قويّة لا تخاف الآخر، ولا يهمّها ما يملكه من مال وعدّة وعتاد، ولا يغيِّر من قناعاتها قوّته وتهديده وتوعُّده ووعيده. وهذا هو عنصر الشخصيّة القويّة الشجاعة.
ب ـ الاستعداد للدخول في مرحلة الاختبارات والامتحانات، عبر التهيُّؤ النفسيّ لذلك، ليكون هذا تربيةً روحيّةً للفرد والجماعة. وهذا هو عنصر البناء الروحيّ.
ج ـ ثنائيّ الصبر والتقوى، وحمل النَفَس الطويل إزاء مواجهة المصاعب والأحداث. وهذا هو عنصر القدرة على الاستمرار بشكلٍ سليم.
دـ الإعراض، بأنْ لا يستهلك نفسه في المساجلة والخوض في ما يخوضون فيه، بل يصنع الواقع بنفسه عبر أسبابه المتعدِّدة. وهذا هو عنصر البناء الذاتيّ، والانتقال من ردّة الفعل إلى الفعل.
ملف العدد: الإمام الصدر ومشاريع النهضة في الفكر الإسلاميّ /2/
1ـ في المقالة الأولى، وهي بعنوان «العقل الدامي، جولة في المدرسة الفكرية للشهيد الصدر / القسم الأوّل»، للأستاذ محمد رضا الحكيمي (صاحب كتاب (الحياة)، أهم شخصية تفكيكية معاصرة، له كتب عدّة، منها: علم المسلمين، المدرسة التفكيكية، الاجتهاد والتقليد في الفلسفة، و…) (ترجمة: حسن علي الهاشمي)، يتناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: 1ـ أين هي القدوة الحسنة؟؛ 2ـ الهدف الأسمى والأشمل؛ 3ـ حمَلَة المشاعل (1)؛ 4ـ حمَلَة المشاعل (2)؛ 5ـ المعرفة الشفّافة؛ 6ـ المنطق الصوري ومنطق الصورة؛ 7ـ الموقف النابذ للتقليد (1)؛ 8ـ الموقف النابذ للتقليد (2)؛ 9ـ معرفة وتحديد «المغالطات»؛ 10ـ الفهم الاقتصاديّ (1)؛ 11ـ الفهم الاقتصاديّ (2)؛ 12ـ الفهم الاقتصاديّ (3).
2ـ وفي المقالة الثانية، وهي بعنوان «الشهيد الصدر والتحليل العقليّ للإمامة»، للدكتور قاسم جوادي (عضو الهيئة العلمية في جامعة المصطفى(صلّى الله عليه وآله وسلّم) العالميّة) (ترجمة: حسن علي مطر)، نقرأ العناوين التالية: مقدمة؛ الأمّة بعد رحيل النبيّ من وجهة نظر السيد الشهيد الصدر؛ دراسة تحليليّة لانتخاب الإمام عليّ(عليه السلام)؛ الانتخاب، الحقّ الطبيعيّ للإمام عليّ(عليه السلام)؛ سبب عدم استدلال الإمام عليّ(عليه السلام) بأحاديث النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لإثبات إمامته؛ شمول الاعتقاد بالعصمة لجميع الحقول الاعتقاديّة؛ الدور الإثباتيّ لأئمّة الشيعة؛ تحليل مسائل المهدويّة،؛ التشيُّع مولود الإسلام الطبيعيّ؛ نقد الدكتور علي شريعتي على السيد الشهيد، وإجابات حجتي كرماني؛ إجابات السيد الشهيد الصدر عن إشكالات الدكتور شريعتي؛ أقسام الإمامة.
3ـ وفي المقالة الثالثة، وهي بعنوان «التفسير الموضوعيّ عند السيد الصدر، قراءة تحليلية مقارنة»، للسيد محمد علي أيازي (أستاذ في الحوزة والجامعة، وأحد أبرز الباحثين القرآنيّين، لديه أكثر من ثلاثين كتاباً في الدراسات القرآنيّة وغيرها، كانت له مساهماتٌ جادّة في موضوعات قرآنيّة وإشكاليّة، من رموز الفكر التجديدي في إيران) (ترجمة: الشيخ كاظم خلف العزاوي)، يستعرض الكاتب النقاط التالية: مقدّمة؛ 1ـ مطهَّري والتفسير الموضوعيّ؛ القرآن ومسألة الحياة؛ 2ـ عبّاس محمود العقّاد والتجربة القرآنية؛ 3ـ محمد تقي مصباح اليزديّ والأسلوب الموضوعي الجمعي؛ 4ـ عبد العلي بازركان؛ التفسير الموضوعيّ من وجهة نظر الشهيد الصدر؛ تفصيل وجهة نظر السيد الصدر؛ الأسلوب العملي للشهيد الصدر في التفسير الموضوعيّ.
4ـ وفي المقالة الرابعة، وهي بعنوان «الصدر ونظريّة الاستقراء، قراءة تحليلية نقدية في الأصول والمكوّنات»، للشيخ مهدي هادوي الطهراني (أستاذ البحث الخارج في الحوزة العلمية، وإحدى الشخصيات البارزة في البحث العلمي) (ترجمة: علي آل دهر الجزائري)، يتناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: مقدمة؛ معضل الاستقراء؛ الاستقراء في رأي المنطق الأرسطيّ؛ الاستقراء من وجهة نظر ستيورات ميل؛ ديفيد هيوم ومسائل الاستقراء؛ الشهيد الصدر ومعضل الاستقراء؛ 1ـ مرحلة التوالد الموضوعيّ؛ حساب الاحتمالات؛ مذهب (لابلاس) التقليديّ؛ مذهب التكرار في الاحتمال؛ تعريف الشهيد الصدر للاحتمال، التعريف الإجمالي؛ صعوبات أمام التعريف الإجمالي؛ الطريق الأول لحلّ المشاكل؛ طريق الحل الثاني؛ شروط المرحلة الاستنباطيّة؛ 2ـ مرحلة التوالد الذاتيّ؛ قالب الأصل؛ شرط استخدام الشكل الأوّل؛ نظريّة الشهيد الصدر، قراءة نقديّة؛ 1ـ نقد مرحلة التوالد الموضوعيّ؛ 2ـ نقد مرحلة التوالد الذاتيّ؛ أـ عدم التمييز بين المنطق وعلم النفس؛ الحدّ الفاصل بين المنطق وعلم النفس؛ الإجابة عن السؤال السايكولوجي في نظريّة الصدر؛ ب ـ الاستقراء الدوريّ؛ عدم تعيُّن نقطة الانتقال من الظنّ المتراكم إلى اليقين؛ ظنّية جامعيّة المجموعة؛ الضعف قبال المغالطة؛ الخلاصة.
5ـ وفي المقالة الخامسة، وهي بعنوان «الشهيد الصدر وإصلاح الحوزة العلميّة، مطالعة في الرؤى والأعمال»، للشيخ إسماعيل إسماعيلي (باحثٌ وأستاذ في الحوزة العلمية، متخصِّص بالدراسات الفقهيّة المعاصرة) (ترجمة: صالح البدراوي)، تطالعنا العناوين التالية: مقدّمة؛ أوضاع حوزة النجف الأشرف في عصر الصدر؛ آراء الشهيد الصدر في إصلاح الحوزة العلميّة؛ 1ـ إصلاح النظام الإداريّ للحوزة العلميّة؛ أـ نظريّة المرجعيّة؛ ب ـ الحوزات المنسجمة؛ 2ـ إصلاح النظام التعليميّ؛ أـ أصول الفقه وضرورات الإصلاح؛ ب ـ تدريس الفقه، المشاكل والمعوقات؛ ج ـ اللغة والمنطق وغيرهما؛ أسلوب الدراسات الجماعيّة؛ 3ـ التغيير في الثقافة العامّة للحوزة العلميّة؛ أـ مبدأ عدم انفصال الدين عن السياسة؛ ب ـ مشروع الحكومة الإسلاميّة؛ التوعية والتثقيف.
6ـ وفي المقالة السادسة، وهي بعنوان «الآراء الفقهيّة للشهيد الصدر، رصد استكشافي للمدرسة الاجتهادية الجديدة»، للشيخ علي أكبر ذاكري (باحث وأستاذ في الحوزة العلمية، متخصِّص في مجال التاريخ والسيرة، له مجموعة من الكتب والمقالات) (ترجمة: صالح البدراوي)، يتعرض الكاتب بالبحث للنقاط التالية: مقدّمة؛ أولاً: التقسيم الجديد للفقه؛ الخلفيّة التاريخيّة لتقسيم الفقه؛ تقسيم الفقه عند فقهاء الإماميّة؛ تبويب أهل السنّة للفقه الإسلامي؛ الصدر وتبويب الفقه: 1ـ العبادات؛ 2ـ الأموال؛ 3ـ السلوك والآداب الشخصيّة التي لا ترتبط بالعبادات والأموال؛ 4ـ الآداب العامّة والأمور الحكوميّة؛ ثانياً: الصدر والفقه السياسي؛ دائرة نفاذ أمر الحاكم؛ 1ـ جمع الزكاة؛ 2ـ الانتفاع بالمعادن؛ 3ـ الحمل على الطلاق أو الصلح؛ 4ـ صلاحيّات الحاكم؛ 5ـ تحديد الحدود؛ 6ـ الصلاحيّات التشريعية للحاكم؛ ثالثاً: الفقه الاجتماعي عند السيد الصدر؛ 1ـ صلاة الجمعة؛ 2ـ الشأن الاجتماعيّ؛ 3ـ طهارة أهل الكتاب؛ 4ـ حدود موارد السباق؛ رابعاً: الفقه الاقتصادي عند الصدر؛ 1ـ المضاربة؛ 2ـ ملكيّة المعادن.
7ـ وفي المقالة السابعة، وهي بعنوان «الفكر السياسيّ للشهيد الصدر، قراءة في مكوّناته وآفاقه»، للدكتور مسعود پور فرد (أستاذٌ جامعي، وباحث متخصِّص في العلوم السياسية والاجتماعية، وعضو الهيئة العلمية للقسم السياسي في مركز أبحاث الفكر والثقافة في إيران) (ترجمة: صالح البدراوي)، يتناول الكاتب بالبحث العناوين التالية: مقدّمة؛ نظريّة الوجود لدى السيد محمد باقر الصدر؛ أنثروبولوجيا السيد محمد باقر الصدر؛ نظريّة المعرفة عند الصدر؛ نظريّة السيد الصدر في «فلسفة التاريخ» أو «سنن التاريخ»؛ تقسيم السنن التاريخيّة عند السيد الصدر؛ مسألة حرّيّة الإنسان واختياره؛ ميدان السنن التاريخيّة؛ صيغ السنن التاريخيّة (فلسفة التاريخ)؛ 1ـ الصيغة الشرطية؛ 2ـ الصيغة القطعية؛ 3ـ الصيغة غير القطعية (المرنة)؛ دور الإنسان في حركة التاريخ؛ المجتمع وعلاقة الفرد به لدى السيد الصدر؛ خصائص المجتمع وعناصره عند السيد الصدر؛ نظريّة الخلافة العامّة للإنسان؛ الخلافة العامّة؛ مناقشة المصطلحات الثلاثة: «الاستخلاف، والاستئمام، والاستئمان» عند الصدر؛ النظريّة العامّة للخلافة؛ قواعد نظريّة الخلافة العامّة للإنسان؛ نتيجة البحث.
دراسات
1ـ في الدراسة الأولى، وهي بعنوان «تاريخيّة القرآن عند نصر حامد أبو زيد، قراءة نقدية فاحصة»، للشيخ أحمد الواعظي (باحثٌ وأستاذ في الحوزة والجامعة، متخصص في مجال الدراسات الهرمنوطيقية، رئيس كلية الفقه في دفتر تبليغات إسلامي، له مؤلّفات عدّة) (ترجمة: حسن علي مطر)، يتطرّق الكاتب بالبحث للعناوين التالية: مقدّمة؛ 1ـ الفصل بين تاريخيّة الفهم وتاريخيّة النصّ؛ 2ـ نظرية نصر حامد أبو زيد حول (تاريخيّة القرآن)؛ 3ـ نتائج القول بتاريخيّة القرآن، وفقاً لنصر حامد أبو زيد؛ أـ ضرورة التفكيك بين (المعنى) و(المغزى)؛ ب ـ تغيُّر دلالة النصّ والقول بعدم ثبات معنى النصوص؛ ج ـ استحالة التفسير الحياديّ للنصّ؛ د ـ تحدّيات الاجتهاد القائم على تفوّق النصّ؛ هـ ـ التنزُّل بالنصوص السماويّة إلى مجرَّد شواهد تاريخيّة غير قابلة للتوظيف؛ 4ـ نظريّة أبو زيد، نقد ودراسة؛ الاستنتاج
2ـ وفي الدراسة الثانية، وهي بعنوان «الإسترآبادي والنزاع الأصولي والأخباري وتداعياته في كتب التراجم المتأخرة»، للدكتور حميد رضا شريعتمداري (أستاذٌ وعضو الهيئة العلميّة في جامعة الأديان والمذاهب) والسيّد مهدي الطباطبائي (باحثٌ في تاريخ التشيُّع في جامعة الأديان والمذاهب) (ترجمة: عماد الهلالي)، يتناول الكاتبان بالبحث النقاط التالية: تمهيد؛ محمّد أمين الإسترآبادي وتأسيس المذهب الأخباريّ؛ التحقيق في كتب السيرة والتراجم؛ الإسترآبادي والمذهب الأخباريّ في سيرة حياته وأعماله؛ النتيجة.
3ـ وفي الدراسة الثالثة، وهي بعنوان «أصول الحضارة الغربيّة، مطالعة تحليلية نقديّة»، للدكتورة هُدى العلوي (باحثةٌ في الفكر الإسلامي) (ترجمة: محمّد عبد الرزّاق)، نجد العناوين التالية: مقدّمة؛ عصر النهضة… فكرة إجماليّة؛ الحداثة والتجديد… نبذة مختصرة؛ أولاً: المذهب الإنسانيّ (Humanism)؛ 1ـ تعريفه؛ 2ـ مراحل التبلور؛ 3ـ الأفكار والنشاطات؛ ثانياً: العلمانيّة؛ 1ـ تعريفها؛ 2ـ العوامل المؤثِّرة في نشوء العلمانيّة؛ أ ـ قصور التعاليم والأحكام المسيحيّة؛ ب ـ الإصلاح الدينيّ؛ 3ـ القواعد الأساسيّة للفكر العلمانيّ؛ أ ـ الاتّجاه الإنسانيّ؛ ب ـ الاتّجاه العقليّ (العقلانيّة)؛ ثالثاً: الليبراليّة؛ 1ـ تعريفها؛ 2ـ الأسس المقوِّمة لليبراليّة؛ 3ـ أصول الليبراليّة؛ أ ـ الفرديّة Individualism؛ ب ـ أصالة القبول و«العقد الاجتماعيّ»؛ ج ـ حرّيّة الاختيار Freedomas choice.
4ـ وفي الدراسة الرابعة، وهي بعنوان «التفسير الروائيّ، والبناء الرمزيّ والإشاريّ للقرآن الكريم»، للدكتور محمد كاظم شاكر (أستاذٌ جامعيّ متخصِّص في علوم القرآن والدراسات الغربيّة، له مجموعة مؤلَّفات) (ترجمة: نظيرة غلاب)، يستعر الكاتب النقاط التالية: 1ـ مقدّمة؛ 2ـ المراد الدلاليّ للظاهر والباطن الواردَيْن في بعض الروايات؛ 3ـ المعنى الدلاليّ للتنزيل والتأويل؛ 4ـ أنواع الروايات التفسيريّة؛ النوع الأوّل: الروايات التي بيَّنت المعاني باستعمال الظاهر؛ أـ آية الوضوء؛ ب ـ آية السرقة ومجازاتها؛ النوع الثاني: الروايات التي بيَّنت المصاديق بالاعتماد على المعنى الظاهريّ للآيات؛ النوع الثالث: الروايات التي بيَّنت المعاني باستعمال التفسير الباطنيّ؛ النوع الرابع: الروايات التي تبيِّن مصاديق باطنة؛ تقسيمٌ آخر للروايات التفسيريّة؛ 1ـ الروايات التفسيريّة المحضة؛ 2ـ روايات الجري والانطباق؛ 3ـ روايات الباطن؛ علاقة الجري بالباطن؛ نسبة روايات الجري والتطبيق في التفسير الروائيّ؛ نتيجة البحث.
توجَّه القائمون على الإصدار الثاني من دائرة المعارف الإسلاميّة ـ والتي تُعَدّ من أكثر الكتب اعتباراً في معرفة الإسلام بين المحقِّقين الإسلاميّين والغربيّين ـ إلى الشخصيّة العلميّة الإماميّة (السيد عبد الحسين شرف الدين)، وخصَّصوا مدخلاً للتعريف به وبآثاره؛ فجاء مدخل (شرف الدين) في دائرة المعارف هذه، بقلم وارنر أندي (Werner Ende)، في الجزء التاسع (1997)، في الصفحات (314 ـ 315).
فكانت قراءةٌ لهذا المدخل، وذلك في مقالة بعنوان «العلاّمة شرف الدين في كتابات المستشرقين، مقالة (وارنر أندي) أنموذجاً»، للدكتور مهرداد عباسي (باحثٌ في الدراسات الغربية)(ترجمة: أحمد عبد الجبّار)، ضمن العناوين التالية: مقدّمة؛ التعريف بـ (وارنر أندي)؛ عرض لمقالة (شرف الدين).
هذه هي
يُشار إلى أنّ «مجلّة نصوص معاصرة» يرأس تحريرها الشيخ حيدر حبّ الله، ومدير تحريرها الشيخ محمد عباس دهيني، ومديرها العامّ علي باقر الموسى. وتتكوَّن الهيئة الاستشاريّة فيها من السادة: زكي الميلاد (من السعوديّة)، عبد الجبار الرفاعيّ (من العراق)، كامل الهاشميّ (من البحرين)، محمد حسن الأمين (من لبنان)، محمد خيري قيرباش أوغلو (من تركيا)، محمّد سليم العوّا (من مصر)، محمد علي آذرشب (من إيران). وهي من تنضيد وإخراج مركز الثقلين.
وتوزَّع «مجلّة نصوص معاصرة» في عدّة بلدان، على الشكل التالي:
1ـ لبنان: شركة الناشرون لتوزيع الصحف والمطبوعات، بيروت، المشرّفية، مقابل وزارة العمل، سنتر فضل الله، ط4، هاتف: 277007 / 277088(9611+)، ص. ب: 25/184.
2ـ مملكة البحرين: شركة دار الوسط للنشر والتوزيع، هاتف: 17596969(973+).
3ـ جمهورية مصر العربية: مؤسَّسة الأهرام، القاهرة، شارع الجلاء، هاتف: 2665394.
4ـ الإمارات العربية المتحدة: دار الحكمة، دُبَي، هاتف: 2665394.
5ـ المغرب: الشركة العربيّة الإفريقيّة للتوزيع والنشر والصحافة (سپريس)، الدار البيضاء، 70 زنقة سجلماسة.
6ـ العراق: أـ مكتبة أهل البيت، بغداد (الكاظمية)؛ ب ـ مكتبة الزهراء، البصرة، سوق العشار؛ ج ـ مكتبة الغدير، النجف، سوق الحويش.
7ـ سوريا: مكتبة دار الحسنين، دمشق، السيدة زينب، الشارع العام، هاتف: 932870435(963+).
8ـ إيران: أـ مكتبة پارسا، قم، خيابان إرم، سوق القدس، الطابق الأرضي، ت: 7832186(98251+)؛ ب ـ مكتبة الهاشمي، قم، كُذَرْخان، هاتف: 7743543(98251+)؛ ج ـ دفتر تبليغات «بوستان كتاب»، قم چهار راه شهدا، هاتف: 7742155(98251+).
9ـ تونس: دار الزهراء للتوزيع والنشر: تونس العاصمة، هاتف: 0021698343821.
10ـ بريطانيا وأوروپا، دار الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع:                   
United Kingdom London NW1 1HJ. Chalton Street 88. Tel: (+4420) 73834037
كما أنّها متوفِّرةٌ على شبكة الإنترنت في الموقعين التاليين:
1ـ مكتبة النيل والفرات: http: //www. neelwafurat. com
2ـ المكتبة الإلكترونية العربية على الإنترنت: http: //www. arabicebook. com
وتتلقّى المجلّة مراسلات القرّاء الأعزّاء على عنوان البريد: لبنان ــ بيروت ــ ص. ب: 327 / 25
وعلى عنوان البريد الإلكترونيّ: info@nosos. net
وأخيراً تدعوكم المجلّة لزيارة موقعها الخاصّ: www. nosos. net؛ للاطّلاع على جملة من المقالات الفكريّة والثقافيّة المهمّة.
الهوامش
 
 


([1]) راجع مقالتنا بعنوان: «الإساءة إلى مقدسات الإسلام تدبير يهوديّ خطير» على العنوان التالي:
dohani.com/?p=156
([2]) راجع مقالتنا الجديدة بعنوان: ««لبيك يا رسول الله» من نداء إلى فعل وفاء وولاء» على الرابط التالي:
http://dohaini.com/?p=277