بحوث و دراسات

المشاركة السِّياسية في الدّولـة الإسـلامية قراءة في التعددية الاعتقادية والسياسية والحزبية

18 يوليو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

المقدمة

إنّ المشاركة السياسية، وإن كانت في شكلها الحالي مرتبطة بالعصر الحديث، يمكن رؤية انعكاسات مختلفة لها في الحضارات الماضية كذلك، بل إنّ بعض الكتّاب الغربيين المعاصـرين يعتقدون ـ وبناءً على معطيات ودلائل موجودة لديهم ـ بأنّ المشاركة السياسية في اليونان القديمة كانت أهمَّ بدرجات مما هي عليه اليوم في الغرب المعاصر. وبلحاظ ما كانت تملكه من عناصر خاصّة، فإنّها كانت على تضادٍّ ذاتيّ مع الديكتاتورية والإستبداد.

هذه الطائفة من الكتّاب التي ترى في اليونان القديم مثلاً أعلى للحياة السياسية ـ وفي سياق انتقاد التوجّه الحالي لتجربة الغرب على الصعيد الثقافي والسياسي ـ تتحدّث بأسلوب محبطٍ جدّا عن مسألة "الإنحطاط" في العقل الغربي(1).

في المجال الحضاري للإسلام، يسعى بعض النقّاد أيضاً، من أمثال "برهان غليون"، وفي سياق الحديث عن "مجتمع المشاركة" في صدر الإسلام، والروح التعدّدية" للتعاليم الإسلامية، من أجل أن يوضحوا استحالة وجود هذا الفكر الأصيل (المشاركة والتعدّدية)، في ظل السياسات السلطوية والدول الإستبدادية(2).

في نظر هذه الفئة من الكتّاب، ولأسباب متعدّدة تبيَّن لنا، وفي بحث آخر، أنَّه تمّت الاستعاضة تدريجياً عن "الحرية الإسلامية" بـ"مركزية القرار الحكومي"؛ ومن الممكن من خلال تحليل مسار هذا “الانحطاط” والانحرافات في القراءات الدينية المنبعثة منه، تسهيل العودة إلى الأصالة الإسلامية.

المشاركة السياسية، لا سيما في أبعادها التنافسية، تظهر دائماً ـ ولسبب فنّي وعملي ـ في قالب التعدّدية السياسية. فتبعاً لما أثبته "روبرت دول"، تعدّ المشاركة السياسية من قبل الأغلبية الساحقة لأفراد الشعب أمراً غير ممكن؛ فأفراد المجتمع لا يتصرّفون على نحوٍ واحد في ما يتعلّق بالأمور السياسية: بعض منهم يتّخذ موقفاً حيادياً، وعدد آخر يشارك بنحوٍ انفعاليّ، وغالباً ـ من دون أي نوعٍ من المنافسة الفعّالة ـ ما يكون أفراده تابعين في حركتهم. فقط عدد قليل وجماعة صغيرة هم الذين ينخرطون بنحو كامل في الأمور السياسية. ويرى "دول" أنّ هذه الفئة الثالثة ـ والتي يسمّيها بفئة "النَّاشطين السَّياسيين" ـ هي الفئة الوحيدة التي تستحق البحث بشأنها(3).

هذه الفئة، وبسبلٍ متنـوعة منها الإنتاج الإيديولوجي، والقيادة السياسية، وحتى بناء التشكيلات والمؤسّسات المناسبة، تدفع الفئات الشعبية والجماعات الكثيرة نحو تبنّي مواقفها ودعم رؤاها وتوجّهاتها(4).

وبالإضافة إلى التحليل المعرفي الإنساني المذكور، فمن ناحية الحياة التنظيمية والعوامل الإجتماعية، فإنّ فئة محدودة من الشعب يمكنهم أن يؤدوا دوراً في الحياة السياسية.

بناءً عليه، فالحديث عن المشاركة السياسية، وإن كان ممكناً على مستوى النظرية، ليس أمراً قابلاً للتحقّق بشكل واسع من الناحية العملية(5). ولهذا السبب نفسه، يتحول كلّ حديث عن المشاركة السياسية إلى نوعٍ من الحديث عن البلورالية والتعددية السياسية. في الأسطر التالية يتم التعرض لبحث التعددية السياسية في إطار الحكومة الإسلامية.

الإسلام والتعدّدية السياسية

بحث الكتّاب المعاصرون ـ من الذين تحدّثوا عن التعدّدية السياسية ـ هذه المسألة ضمن دائرتين مهمّتين: الأولى، في دائرة الثقافات والاعتقادات. والأخرى، في دائرة المجتمع والسياسة(6).

وكما يوضّح "دول" فإنّ التعدّدية الإجتماعية ـ السياسية تقوم دائماً على أساس التعدّدية الثقافية ـ الاعتقادية، والتي يمثّل الدين جزءاً أساسياً منها.

بناءً عليه، السؤال الأساسي لهذه المقالة هو البحث في العلاقة أو النسبة التي من المحتمل أن تكون موجودة أو ملحوظة في ما بين التعاليم الإسلامية والدائرتين المشار إليهما أعلاه.

من المسلّم به أنّ ارتباط الدين والسياسـة قد عُدَّ ـ كما يشيرُ التاريخ الماضي وواقع المجتمعات الإسلامية ـ أمراً واجباً ولازماً بالنسبة لجميع المسلمين. لكن هل توجد وراء هـذا الارتباط نظرية مشخّصة في السياسة الدينية، أعمَّ من القرآن الكريم أو السنّة أو الفقه الإسلامي، أو أنّه لا توجد أي نظرية متكاملة وشاملة في شأن الإمامة والسياسة الإسلامية، وكل النظريات الفقهية كانت بصدد المطابقة بين السياسة ـ بعنوانها أمراً عرفياً ـ وتقييدها بقيم الدين الإسلامي، أو أنّ بعض النظريات "الفقهية" يعدّ السياسة أمراً شرعياً، بعضها الآخر يراها أمراً عرفياً؟

بناءً على الفرض الأول المحتمل، أي التصوّر القائل بوجود تعريف موحّد “للدولة الإسلامية”، سوف يكون غرضُ الباحث في مسألة المشاركة السياسية مناقشة العلاقة بين هذا التعريف المشار إليه وبين الواجبات المترتبة على التعدّدية.

لكن بناءً على الإحتمالين: الثاني والثالث، ما يهمُّ الباحث والمحقق هو العلاقة بين التعددية وبين المباني الفقهية والكلاميةالمتعدّدة، والتي تشكّلت في نظريات مختلفة، وعلى أساس قراءات وتفسيرات خاصّة عن الإسلام.

وعلى كلّ حال، تؤكد جميع المذاهب والفرق الإسلامية ـ أو أغلبيتها الساحقة ـ على وجوب القيادة والنظام السياسي، غير أنّ الاتفاق على هذا الأمر لا يعني أبداً الإجماع على نظرية واحدة بشأن السياسة وبشأن “الدولة الإسلامية”. ومن أبرز الشواهد على عدم وجود مثل هكذا نظرية، هو الاختلاف الحاصل بين المذاهب الإسلامية بشأن تعريف الإمامة أو الخلافة الإسلامية؛ الشيعة يعدّون مسألة القيادة الإسلامية أمراً منصوصاً ومنصباً من قبل النبي’ ، حيث قد تحقّقت في أناس صالحين أو أئمة معصومين من سلالة النبي’.

في المقابل يرى الخوارج، لا سيما "الأباضية" منهم، وخلافاً لمعتقدات الشيعة، أنّ الإمامة والقيادة قابلة للانطباق على كلّ فردٍ مسلم ومؤمن وعاقل، بقطع النظر عن نسبه وقبيلته(7). وقد نُقــل عن ابن حزم أنّ عموم الخوارج وجمهور المعتزلة، وبعض المرجئة، هم على هذا الرأي القائل: إنّ الإمام يجوز أن يكون كلَّ شخصٍ عارف بالكتاب والسنّة، أقام الأحكام والسنن الدينية، قرشياً كان أم عربياً، بل حتى ولو كان ابناً لعبدٍ مملوك.

"وقال ضرار عن عمرو القطفاني: إذا اجتمع حبشي وقرشيّ كلاهما قائم بالكتاب والسنّة، فالواجب أن يُقدّم الحبشيّ لأنّه أسهل لخلعه إذا حاد عن الطريقة"(8).

في قبال هاتين الرؤيتين ـ الشيعية والخارجية ـ يطرحُ المسلمون المعروفون باسم “أهل السنة” ـ مع قبولهم لشرط كون الإمام "قرشياً" ـ سلسلةٍ من الشروط الشرعية الأخرى للحاكم الإسلامي، والتي قد أشير إلى أغلبها في الرسائل المسمّاة بـ"الأحكام السلطانية".

كلُّ واحد من هذه المذاهب الثلاثة يتضمّن تفسيرات وقراءات متعدّدة لكلٍّ منها وجوه مشتركة ومختلفة تتقاطع مع مقولة التعدّدية. وبإيلاء النظريات الكثيرة والمتنوعة في الفقه الإسلامي الأهمية، سوف يكون من الممكن تقييم منـزلة التعدّدية وأهميتها في الفكر الإسلامي، إن تمَّ بحث علاقة هذه المقولة وارتباطها بالمسائل الثلاث أدناه:

1 ـ النظريات الإسلامية ـ السياسية.

2 ـ المصادر والمتون الإسلامية.

3 ـ التاريخ السياسي ـ الإسلامي.

بلحاظ البنية، والماهية المتفاوتة لمفهوم "السلطة" تشعّبت النظريات السياسية للمسلمين بكثرة وتعدّدت، إلاّ أنّه يمكن إجمالاً أن تقسم الى مجموعتين رئيسيتين:

النظريات القديمة، والجديدة، حيث كانت طبيعة التعامل مع مفهوم "السلطة" في النظريات القديمـة ذات طابع أقسى، في حين تعكس النظريات الجديدة في الغالب، ميولاً ذات طابعٍ تعدّدي بشكل أو بآخر.

إن أيّاً من النظريات المذكورة لا يغطِّي جميع المصادر والمتون الإسلامية بالكامل، بل إنّ كلاًّ منها ـ وبلحاظ خصائص خطابها ـ قد استندت فقط إلى بعض من المصادر، وهي إمّا أنّها تفسّر الجوانب الأخرى، أو تتغافلُ عنها إجمالاً. هذه النظريات أيضاً، لا تستطيع مطلقاً أن تستوعب في خطابها ومقولتها النظرية كل تاريخ الدولة الإسلامية، وكل واحدةٍ منها تستند مضطرة إلى جوانب خاصة من التاريخ الإسلامي والتجربة الإسلامية. وعلى ما يبدو، فإنّ النظريات السياسية للمسلمين وإن كانت قد وُلدت في ظروف تاريخية ـ سياسية خاصة(9)، إلاّ أنّه وبمجرّد ولادتها وظهورها، قد أحرزت تقدماً ملحوظاً نتيجة للمعرفة الدقيقة للمصادر والمتون الإسلامية من جانب واطّلاعها بشكل كليّ على التجارب التاريخية من جانب آخر(10).

وعلى هذا ـ وخلافاً للسنّة المشهورة، التي ترى في النظريات أموراً منبعثة من المعاني الذاتية وغير التاريخية للمتون والمصادر الدينية ـ يتّضح أنَّ هذه النظريات هي التي قد فرضت معنىً وتفسيراً خاصَّين على المصادر الإسلامية(11).

وبالالتفات إلى النكتة المشار إليها، يظهر أنّه لا يمكن أبداً ـ ومن خلال الاستناد والاعتماد المحض على النظريات ـ أن يُفهم معنى المصادر والتاريخ السياسي للإسلام، بل إنَّه من الضروري ومن خلال إظهار هذه النظريات الإسلامية ومعارضتها بعضها ببعضها الآخر، وعلى ضوء اكتساب وعي أعمق بشأن المصادر والمتون الإسلامية والتاريخ السياسي للإسلام، أن يقلّل مقدار أخطائها الاحتمالية، ويُقيَّم حجم الانتقائية والانحراف في النصوص والسنن.

ومما يجدر ذكره والإشارة إليه أنه فقط في ظروف مقابلة النظريات بعضها ببعضها الآخر يظهر ويتّضح أكثر المعنى الواقعي للمصادر والمتون، وبشكل عام، السنن الإسلامية(12).

في الأسطر التالية، وبعد بحث قصير بشأن أنواع التعدّدية، سوف نطرح الرؤى المتنوعة التي يمكن استنباطها من النظريات السياسية للمسلمين بشأن المشاركة السياسية.

وكما أشير سابقاً، تعدّ التعدّدية السياسية ـ الاجتماعية الموضوع الأساسي للمنـاقشة الحالية، إلاّ أنّه وبلحاظ الارتباط المهم والبنيوي لهذا الموضوع مع التعدّدية الاعتقادية ـ الثقافية، سوف تتمّ الإشارة أيضاً ـ وبشكل إجمالي ـ إلى الدائرة الثانية للبحث، بعنوانها مقدّمة للدخول إلى مسألة التعدّدية السياسية.

1 ـ التعدّدية الاعتقادية

تقوم التعدّدية الإعتقادية أساساً، والتي يُعدُّ الدين أحد عناصرها الرئيسية، على مبنى تنوّع الفهم الفردي والجماعي للدين والمصادر الدينية(13). وبملاحظة عامل “الدين” يمكن تفكيك نوعين من التعدّدية عن بعضها بعضاً: التعدّدية الدينية (بين الأديان) والتعدّدية المذهبية (داخل الأديان)(14)؛ وهنا يمكن أن يطرح هذا السؤال: ما هو موقف المصادر والمباني الإسلامية من هذين النوعين للتعدّدية؟

في الجواب عن هذا السؤال، توجد ثلاث رؤى متفاوتة في ما بينها:

أ ـ بناء على الاعتقاد بحقانية الدين والمذهب، وبالتفسير الديني الواحد، كان المفكرون القدامى يعدّون الملل والنحل الأخرى خارج دائرة الهداية.

طبق هذه الرؤية، الحقيقة ليست متعدّدة الوجوه أو ذات بطونٍ؛ ولأنّه (تعالى) واحد، لا يُحتمل أن تكون الحقيقة بشأنه سوى حقيقة واحدة. ولذا، فإنّ الأديان والعقائد غير الإسلامية الأخرى، تفصلها ـ بطريق أولى ـ مسافة أبعد عن الحقيقة. وقد انجرّ هذا النوع من التفسير الديني إلى دائرة عدم التساهل في ما يتعلق بالجزئيات وفروع المسائل أيضاً(15).

ب ـ في مقابل هذه النزعة الإطلاقية الإفراطية، تقف رؤية مفرطة أخرى تؤكد على البلورالية (التعددية) المطلقة في العقائد الدينية، حيث ترى في الحرب بين موسى× وفرعون نوعاً من اللعب لإشغال "أهل الظاهر"، وفي النهاية، لإلقاء الحيرة وفتح المجال أمام "أهل السرّ والباطن".

في مقالته "الصراط المستقيم" يرى الدكتور "عبدالكريم سروش"، في مثل هذا الاستنتاج، تعدّدية أصيلة في دائرة الأديان. وعلى أساس هذا المبنى تُعدّ عناوين من قبيل "الكافر" و"المؤمن" عناوين فقهية ـ دنيوية بالكامل، تجعلنا غافلين وعاجزين عن رؤية باطن الأمور(16).

طبق هذا التفسير للحقائق الدينية، فإنّ الشوائب الناشئة من امتزاج الحق والباطل قد جعلت أُفق الرؤية مظلماً، وأدت إلى سدِّ باب معرفة الحق من الباطل.

هذه الرؤية، ومن زاويتها المعرفية، رأت أنّ الطبيعة البشرية والبناء الإدراكي للبشر، عاجزان عن إدراك الحق والباطل وتمييز أحدهما من الآخر، واتّخذت بالتالي “النسبية" و"التفسير المطلق" مبنىً لها(17). وعلى صعيد العمل، يظهر أنّ مسلك "النسبية" الإفراطي يتنصّل بأسلوب لبق من مسؤولية تنظيم الحياة الإجتماعية وإدارتها، لأنّ مقولة: "أنّ جميع الأفكار والرؤى صحيحة" التي يتبناها، معناها في مقام العمل أنّه ليس هناك أي فكر صحيح، وفي ظروف تكثّر المعتقدات أكثر من اللازم، لا يمكن ترجيح فكرٍ أو معتقد وتنظيم برنامج للحياة الإجتماعية على أساس منه(18). إلاّ أن نقول: إنّه في ظروف عدم إمكان تبنّي فكر واحد، يكون الطريق الوحيد المفسوح للعيش هو قيام النظام السياسي ـ الإجتماعي على أساس “الإجتماع” الناشئ والحاصل من الحوارات والجدالات الممتدّة إلى دائرة الأمور العامّة(19). ولكن هل مع افتراض عدم وجود أيّ مبانٍ وأصول مشتركة بين الأفكار والمعتقدات، سوف يكون تصوّر مثل هكذا حوار وإجماع أمراً ممكناً؟

ج ـ على صعيد التعدّدية الإعتقادية، توجد رؤية ثالثة تبدو أنها أكثر عقلانية وأكثر قبولاً على الصعيد العملي من الرؤيتين السابقتين.

هذه الرؤية التي تدعو إلى نوعٍ من الحدّ الوسط بين الرؤى، تعتقد بأنّ "البلورالية" الدينية يمكن أن تحظى بفرصة تكون معها مقبولة وموجودة، عندما يقرّ الفرد أو الجماعات البشرية بأصول وحقائق بوصفها أصولاً موضوعة وحقائق مشتركة، أو على الأقلّ، عندما يقبلون مثل هذه الأصول بعنوانها فرضياتٍ قبلية وأصولاً مسلّماً بها.

في الواقع، تعدّ البلورالية أو التعدّدية الدينية ممكنة في الحالة التي يمتلك فيها الناس والجماعات داخل مجتمع ما "ما يشتركون به" و"ما يمتازون به"، فيتعاملون مع "ما يشتركون به" من أمور بوصفه أصولاً "مفروضة"، ويتنافسون في ما بينهم بشأن "ما يمتازون به".

بناءً على هذه الرؤية، لا تعدُّ البلورالية خارج دائرة الدين الواحد ـ منطقاً وعملاً ـ أمراً قابلاً للتصوّر والتحقّق. فالتعدّدية تكتسب معناها في دائرة التعدّدية المذهبية (داخل الدين الواحد). ولا يمكن أبداً، نزولاً عند طلب بعض أهل العرفان النظري والعملي، حرمان الذات والمجتمع من معرفة الحقيقة القريبة، بإظهار عرض بعيد عن الحقيقة وإبرازه(20).

كلّ رؤيةٍ من هذه الرؤى الثلاث بشأن التعدّدية استندت إلى مصادر من النصوص والسنن الإسلامية، والتي سوف نُشير في ما يأتي إلى بعضٍ من أهمها:

إشارة إجمالية إلى أدلّة الرؤى الثلاث في شأن التعدّدية الإعتقادية

أ ـ عدم التعدّدية

كما مرّ سابقاً، فإنّ الرؤية الأولى ليس فيها أي نوعٍ من أنواع المهادنة مع التعدّدية . هذه الرؤية تبنّت، سواء على صعيد الفكر الشيعي أم على صعيد المصادر السنّية، أُطراً غير مرنةٍ من الاستدلال والمستندات الروائية، وقامت بالنقض على كلّ المصادر التي يستفيد منها الطرف المنافس في استدلاله، ورفضتها بشدّة.

وللمثال، ففي مسانيد الشيعة ـ وفي سياق الاستدلال بحديث الغدير على نصب الامام علي× ـ تمّ التأكيـد على وجوب نصب الإمـام والحجّة بناءً على لزوم اللطف الإلهي، في كل مراحل التاريخ. ينقل "الكليني"(21) عن الإمام
الصادق×:

1 ـ "ما زالت الأرض إلاّ ولله فيها الحجّة، يعرفُ الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله".

2 ـ "إنّ الله أجلُّ وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل".

3 ـ "إنّ الله لم يدع الأرض بغير عالم ولولا ذلك لم يُعرف الحق من الباطل".

في المقابل، تنقل مصادر أهل السنة أحاديثاً بأسانيد ودلالات معتبرة (بناءً على أصول الجرح والتعديل عندهم) تتعارض بشكل تام مع جميع استدلالات الشيعة، وتسعى إلى حلّ التناقضات السياسية ـ الدينية بعد رحيل رسول الله’؛ حتى أن "أحمد شلبي" ينكر أصل واقعة "الغدير"(22).

ب ـ التعدّدية المطلقة

الرؤية الثانية، وفي تعارض مع إطلاقية الرؤية الأولى، تقدّم تفسيراً للإسلام يجعل من فكرة التعدّدية الدينية (بين الأديان) والتعددية المذهبية (داخل الدين الواحد) أمراً قابلاً للتشكّل والتحقّق؛ بناءً على مباني هذا التفسير.

وكما ذكر سابقاً، فإنّ “عبدالكريم سروش” يقدّم مثل هذا التفسير للدين الإسلامي، مستنداً ومستعيناً بالإرث التساهلي للعرفان والتصوف. وهو في هذا السياق يفسّر آية ]…إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم[ [الحجرات/13] بوصفها أحد مباني التعدّد والتعارف القرآنية(23). وبشكل عام، باتت تُقبل مؤخّراً الاستنتاجات الشهودية والكشفية المستفادة من التعاليم الإسلامية الموجودة في المجتمع الحالي المعاصر، والتي تمتاز بشكل أكبر بطابع الاستدلالات العقلية ـ الكلامية، والروائية ـ الفقهية. وعلى صعيد العمل أيضاً، ولأسباب متعددة، يجعل العجز عن إبراز البديل بشكل منظم في الحياة الإجتماعية ـ كما عكس تاريخ الفكر العرفاني ـ المرء يغرق في الحيرة(24).

خلافاً لهذه الطريقة، يبيّن "أبو فارس" أحد الكتّاب الجدد عند أهل السنّة ـ البحث بشأن التعدّدية الإعتقادية، بالاعتماد على التوجّه التقليدي للفقه السنّي، وعلى آيات متعددة من القرآن الكريم.

طبقاً لتفسير "أبو فارس"(25)، تصرّحُ النصوص الدينية، ويكشف إجماع الأمة الإسلامية بوضوح، أن الإنسان ليس مجبراً على قبول أيّ دين أو مذهب، بما في ذلك دين الإسلام، قال تعالى: ]لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ[[البقرة/256].

بناءً لرأي"أبو فارس" فإنّ مقتضى الحكمة الإلهية ـ ومن خلال عدم إجبار أحدٍ على قبول دين خاص ـ هو تحمّل كلِّ إنسان مسؤولية مصيره. وذلك لأنّ الحال لو لم تكن على هذه الصورة، وشاء الله، لآمن كلُّ أهل الأرض بالطبع.

قال تعالى: ]وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ[[يونس/199].

]وَلَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكُواْ[[الأنعام/107].

]وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً[[هود/118].

في هذه الرؤية الفكرية، تقتضي الحكمة الإلهية، وفي ظلّ حفظ حرية الإنسان وعدم وجود أي إجبار، بأن يبيّن الإيمان والكفر، الهداية والضلالة، الخير والشر، للناس وبأن يُتركوا أحراراً في اختيار واحدٍ من هذين الطريقين، ليكون حساب الناس على أعمالهم أمراً ممكناً ومتصوراً، قال تعالى: ]فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ[، [الكهف/29 ـ 31] وقال تعالى: ]إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا * إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالاً وَسَعِيرًا * إِنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا[ [الإنسان/3 ـ 5].

وبملاحظة النكات المذكورة، كان أن جعل الله تعالى تبليغ الدين وإقامة الحجّة على الخلق أهم رسالة للأنبياء على الإطلاق، وفي هذا الأمر المهم لم يُلحظ أي نوعٍ من الإكراه والإجبار في مقابل إرادة الإنسان واختياره الحر، قال تعالى: ]رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ[ [النِّساء/165].

]فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَالله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ[ [آل عمران/20].

]فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ[[الشورى/48].

ويضيف “أبو فارس” أنّ “أصل الحرية الإعتقادية لجميع الناس” قد اعتُبر في القرآن الكريم ـ سواء الآيات المكية أم المدنية ـ أصلاً مفروضاً مفروغاً عنه، ولهذا السبب عينه كان أن أمر النبي’ في نهاية سورة "الكافرون" أن يقول لهم: ]لكم دينكم ولي دين[. وفي آية أخرى يقول: ]وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ[[التَّوبة/6].

بناء على هذه الرؤية، لم يُشرّع الجهاد بهدف التوسّع في الحدود أو فرض العقيدة الإسلامية، بل من أجل حفظ الحرية الإعتقادية لعامّة الناس، والوقوف في وجه غلبة السيـاسة على الفكر، وإجبار أقطاب القدرة على قبول دين معين(26)، قال تعالى: ]وَلَوْلا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[[الحج/40].

في هذه الآية ـ كما يذكر "أبو فارس" ـ تبيّن الإشارة إلى مراكز اليهود والنصارى العبادية إلى جانب ذكر مسجد المسلمين ـ بعنوانها مؤسّسات لنشر العقائد الدينية ـ والتأكيد على أهمية الحفاظ عليها جميعاً، اهتمام الإسلام بالحرية الإعتقادية.

في مكان آخر، يؤكد القرآن الكريم علىمجادلة أهل الكتاب والتعايش معهم بشكل سِلمي، قال تعالى: ]وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[[العنكبوت/46]. وقد ذكرت هذه التوصية في الوقت الذي يُعلن فيه القرآن صراحة أنَّ العقائد الدينية لأتباع هاتين الديانتين ـ الواردة في الإنجيل والتوارة ـ قد تعرّضت إجمالاً لتحريف جدّيّ وحقيقيّ. والآيات الآتية هي أنموذج لهذا التصريح:

1 ـ ]وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ الله[[التوبة/39].

2 ـ ]لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ[[المائة/17].

3 ـ ]وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الله[[التوبة/30].

يشخّص القرآن الكريم بوضوح، إلى جانب تأكيده على حفظ الحرية الدينية، حدود العلاقة والارتباط في ما بين المسلمين وبين أتباع سائر الأديان: حربُ من هبَّ منهم للقتال، والتعايش السلمي مع طالبي السلم من بينهم؛ وفي كلتا الحالتين سوف لن يكون هناك أيّ نوع من الإجبار على ترك الدين والمعتقد، قال تعالى: ]لا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[[الممتحنة/8 و9].

ويُسري “أبو فارس” الحرية الإعتقادية إلى أبعد من دائرة أهل الكتاب، وذلك لتشمل الأديان غير الكتابية، ويستندُ في ذلك على حديث لنبي الإسلام’ يقول فيه إن خذوا الجزية من المجوس ـ عبدَة النار ـ ودعوهم يبقون على دينهم(27). ويشير أيضاً إلى تجربة الحكومات الإسلامية في الهند، والتي على الرغم من سيطرتها لمئات السنين على تلك المنطقة، لم تسلُب من الهنود حريتهم الدينية. وبنظر "أبو فارس" أنّ أخذ الجزية والخراج هو من أجل توفير الأمن، واستفادة أهل الكتاب وغيرهم من الخدمات والنفقات المصروفة من قِبل مؤسّسات الدولة الإسلامية، ولا علاقة له أبداً بالعقائد الدينية(28).

ج ـ التعدّدية المذهبية (داخل الدين الواحد)

الرؤية الثالثة لا ترى حدود دائرة التعدّدية واسعة وممتدّة كثيراً. فبناءً على المنطق الاستدلالي لهذه الجماعة، لا تُعدّ التعدّدية الدينية (بين الأديان) ـ طبعاً ليس بين أهل الكتاب أنفسهم، بل تعايش الإسلام مع الأديان غير الكتابية والمشركة ـ أمراً متصوراً، لأنّها تغاير العناصر والأركان الأساسية للدين الإسلامي؛ فالإسلام والأديان والمذاهب غير الكتابية لا تمتلك في ما بينها أي نقطة مشتركة حتى يمكن التوصّل إلى توافق بشأن الأصول الموضوعة، وتتوفر أرضية وأسس للتنافس بشأن "ما به الإمتياز". فعـلى سبيل المثال، أيّ تنافسٍ يمكن أن يُتصور بين الإلحاد (Atheism) والإعتقاد بوجود الله (Theisim)، وبين الفكرالعلماني والفكر القائم على ارتباط الدين بالسياسة، في الوقت الذي يسعىكلّ طرفٍ من بين هؤلاء للقضاء الكامل ـ فكرياً ـ على خصمه؟!(29).

وبشأن مدى دلالة آيات من قبيل ]لكم دينكم ولي دين[ على قبول التعدّدية الإعتقادية، يقول العلاّمة محمد تقي الجعفري (رحمه الله):

"إن كان المقصود بقولـه تعالى ]قل يا أيها الكافرون[ هم المشركون، فمن المؤكّد أنّه لا يريد من ]لكم دينكم[ أن يعدّ هذا الدين ديناً إلهياً مقبولاً ومشروعاً، لأنّ إنكـار الشرك ومجابهته هو أحد أكثر المباني الإعتقادية أصالة للإسلام. فمعنى ]لكم دينكم[ ليس تصديقاً للشرك، بل وكما ورد في بعض الآيات، المقصود هو التوبيخ الشديد للمشركين على عنادهم وإصرارهم الذي يصرّح به تعالى على لسان نبيه’... وهذا لا يتنافى مع إنكار الشرك ومحاربة المشركين في الوقت المناسب"(30).

وفي معرض كلامه هذا، يوضّح العلاّمة محمد تقي الجعفري أنّ آيات من قبيل ]سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون[[البقرة/6] لا يراد منها مطلقا أنّ عدم إيمانهم مقبول من وجهة نظر الإسلام، أو أنّ المقصود هو أن التخاصم معهم قد تُرك أو أنّ النبي’ قد قَبِلَ التعايش معهم. وعلى العكس، فإنّ آية ]إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإِسْلاَمُ[ [آل عمران/19] تُصرّح بأنّ الإسلام بمعناه الخاص المتجلّي في دين محمد’ هو وحده الدين المختار(31).

على أساس هذه النتيجة الحاصلة، يمكن للتعدّدية أن تتحقّق فقط في ظلِّ قبول أصولٍ موضوعة، الأمرالذي من الممكن تحقّقه أيضاً في إطار دينٍ واحد أو بين مؤيدي مذهب خاص في دين من الأديان وأتباعه.

بناءً عليه، بمقدار ما نتحرك بعيداً عن مذهب ما باتجاه الدين الأوسع، ومن ثمَّ باتجاه الأديان المتعدّدة، بمقدار ما سوف تقل ـ ولأسباب عديدة من جملتها نقصان الأصول الموضوعة والمتسالم عليها ـ إمكانية مواجهة مسألة التعدّد؛ يقول تعالى في القرآن الكريم بشأن أهل الكتاب: ]قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالله وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ[. [التوبة/29].

وعلى كلّ حال، فالرؤية الثالثة تقوم على أساسٍ بيّن، وهو أنّه مع فرض قبول الأصول الموضوعة لدينٍ أو مذهب ما، تكون التعدّدية في المباني الفقهية والآراء والنتائج العملية المنبعثة من ذلك أمرا مقبولاً، قال تعالى: ]فَبَشِّرْ عِبَاد * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُِ[[الزمر/17 و18].

وبالاستناد إلى قبول التعدّدية في المباني الفقهية ـ الإجتهادية في إطار مذهب أو دين، فإنّ حصيلة الرؤية الثالثة أيضاً ـ على الأقلّ في الدائرة الداخلية الدينية والمذهبية ـ تكون قد اقتربت من الرؤية الثانية، وتقبلُ النتائج السياسية المترتبة على التعدّدية الإعتقادية.

في السطور الآتية أدناه، سوف نتعرّض لمواقف هاتين الفئتين في شأن أطر التعدّدية السياسية ـ الإجتماعية وحدودها؛ وبالطبع سوف يكون تركيزنا على الجانب السياسي.

2 ـ التعددية السياسية

تعدّ التعدّدية السياسية قسماً مهمّا من المشاركة السياسية، التي يُشار إليها تحت عنوان المشاركة غير المباشرة والتأسيسية للناس في السياسة". والمقصود من التعدّدية السياسية هو وجود الأحزاب والمجموعات والأجنحة السياسية، حيث يؤطّر “الناشطون السياسيون” رؤاهم ومواقفهم السياسية في قالب هذه المؤسّسات(32).

الهدف الرئيسي لهذا النوع من المؤسّسات الحزبية والجناحية، هو الوصول إلى سدّة الحكم، وتولّي المراكز الرسمية للسلطة السياسية، بقصد إدارة الأمور العامّة على أساس رؤاها وبرامجها.

في مجتمع ذي طابع تعدّديّ تمّ فيه تأمين الوحدة السياسية ـ القومية وضمانها وحماية قيم المجتمع على أساس سلسلة من الأصول الموضوعة والعقائد التي لاقت قبول جميع الفئات والمجموعات، يقف الحزب أو الجناح الحاكم دائماً في حالة تعارض ومنافسة مع الأحزاب الأخرى المنافسة، في إطار السعي لبيان السياسات المتّبعة والبرامج التي يمكنها أن تؤمّن أكبر قدرٍ ممكن من المصالح العامّة، وبناء عليه، أن تحافظ على أكبر حجم من تأيّيد الناس(33).

إنّ وجود مثل هذه البنية القائمة على مداراة الناس والحرص عليهم والاعتزاز بهم في مجتمع ذي طابع تعدّدي، يحقّق أمرين مهمّين: أولاً، نشر الوعي وتشكّل المؤسّسات السياسية ـ الشعبية. ثانياً، إيجاد التقارب بين مصالح النظام السياسي والمصلحة العامّة؛ فالحزب أو الجناح الحاكم، وفي ظلّ المنافسة مع الأحزاب المعارضة، سوف يُدرج في الأصل مصلحة الحكومة التي تستطيع أن تحدّد المصالح العامّة وتوفيرها؛ وفي غير هذه الحالة سوف يغادر سدّة الحكومة والسلطة بشكل سلمي.

من الممكن أن تُقسَّم الأحزاب والمجموعات السياسية ويتمّ البحث من شأنها وفق اعتبارين:

قُطريّ واعتقادي. على أساس الاعتبار القطريّ، تنقسم الأحزاب والأجنحة السياسية إلى فئتين: الأحزاب الإقليمية والأحزاب القومية.

المجموعات أو الأحزاب الإقليمية هي عبارة عن مؤسّسات وجماعات تنشط في دائرة الأمور السياسية الإقليمية والمحلّية. هذه الفرق والمجموعات تعتمد في الغالب على المصادر المحليّة، وتُعنى بالطبع بسياسات ذات طابع إقليمي في الأصل. وقد تخوض المجموعات السياسية المحليّة منافسات سياسية في إطار انتخابات أعضاء مجلس الشورى المحلية، وعضوية مجلس الشورى الإسلامي، وفي بعض الأوقات توفّق أيضاً في الوصول إلى المؤسّسات التنفيذية المحليّة، من قبيل رئاسة المحافظات وإدارة الجامعات، والإدارات المحلية. كما تملك عدداً من المطبوعات، والمحافل الإقليمية التي تتشكّل من أعضاء محليين في الغالب، حيث تقوم بشكل متناوب ـ تبعاً للظروف والأوقات ـ بدعم سياسات الأحزاب والتيارات القوميّة ونشاطاتها، ومواكبة ذلك(34).

خـلافاً للمجموعات الإقليمية، تطرح الأحزاب والأجنحة القومية ـ عموماً ـ برامج وأنشطة قومية شاملة. هذا النوع من الأحزاب أو الأجنحة يُظهر الاهتمام عادة بوضع الخطوط العريضة وبوضع السياسات الكبرى على مستوى الحكومة، ويقوم بتنظيم نشاطاته السياسية من خلال تأسيس مكاتبه ودوائره الحزبية ـ الجناحية في المدن ومراكز المحافظات.

وهذه الأحزاب تنتشر مطبوعاتها على مستوى قومي، وتنشغل باستقطاب القوى الفاعلة وتربيتها من مختلف مناطق البلد ومستوياته الاجتماعية. الهدف الأساس لهذا


نهج البلاغة/جَمْعه، مصادره، مناقشة التشكيك في نسبته إلى الإمام علي (ع)

15 يوليو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

جامع النهج الشريف

هذا النتاج الجليل تصدّى لجمعه وتبويبه السيد الشريف، النقيب أبو الحسن محمّد بن الحسين الرضي الموسوي (359 ـ 406هـ)، وأطلق عليه اسم "نهج البلاغة"؛ ليشير بذلك إلى أنّ هذا النتاج هو المثال لبلاغة التعبير بعد كتاب الله العزيز، وقد ظهر في عصر ازدهرت فيه الحضارة الإسلاميّة والعربية، وظهر فيه أشهر النوابغ في مختلف العلوم الانسانية والآداب. والسيد الشريف الرضي هو مفخرة العترة، وقد جمع إلى شرف النسب النبوي شرف العلم والحلم والأدب، وهو ما تتباهى به العصور. يقول عنه الثعالبي (429هـ): "وهو اليوم أبدع أبناء الزمان، وأنجب سادة العراق، يتحلّى ـ مع محتده الشريف، ومفخره المنيف ـ بأدب ظاهر، وفضل باهر، وحظ من جميع المحاسن وافر"(1).

والسيد الرضي كان محدّثاً ومحقّقاً وأديباً، وشاعراً، وهو صاحب المؤلَّفات التي بلغت ثمانية عشر مؤلَّفاً، وقد بلغ بعضها العشرة أجزاء، ومن أهمّها: "مجاز القرآن" و"مجاز الحديث" و"نهج البلاغة"، هذا الثلاثي الرائع الذي ألّفه من كلام الله تعالى، وكلام النبي,، وكلام الإمام×، كان مثار إعجاب العلماء والأُدباء، ولكن نهج البلاغة كان الأشهر والأفضل والأكثر تداولاً، ولذلك نال من الشروح والتعليق، قديماً، وحديثاً، ما لم ينله غيره من بقية الكتب البشرية، حتى قاربت المئتي شرحاً إلى يوم الناس هذا، ولعل شهرة الرضي جاءت بسبب جمعه لهذا الكتاب، الذي كان موضع اهتمام المسلمين وغيرهم من العلماء والأُدباء والمحدثين.

وقد صرّح السيد الرضي عن سبب تسمية ما جمعه بـ "نهج البلاغة" فقال: "ورأيت من بعدُ تسمية هذا الكتاب بـ(نهج البلاغة)، إذ كان يفتح للناظر فيه أبواباً، ويقرّب عليه طِلابَها. فيه حاجة العالم والمتعلّم، وبغية البليغ والزاهد، ويمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التوحيد والعدل، وتنزيه الله سبحانه وتعالى عن شَبَه الخلْق، ما هو بِلال كلّ غُلّة، وشفاء كلّ عِلّة، وجِلاء كلّ شبهة…"(2).

طريقته في الجمع

كان للسيد الرضي (رحمه الله) أسلوبه الخاص في جمع "نهج البلاغة" وتدوينه، وقد تحدّث عن هذا الأسلوب في مقدمة الكتاب، ونعرض لذلك باختصار، وفي نقاط هي:

1 ـ قام (رحمه الله) بجمع ما تفرّق من كلام الإمام× من مصادره الموثوقة، ودوّنه في أوراق متفرّقة ليستدرك ما يشذّ عنه مستقبلاً، ثم عمد الى اختيار محاسن كلامه، فحذف ما شاء مما اجتمع عنده، وانتقى ما شاء وفق ذوقه وسليقته، ومبناه البلاغي، ومنهجه في النظم. فابتدأ باختيار محاسن الخطب، ثمّ محاسن الكتب، ثم محاسن الحكم، وكان يعترف بعجزه وقصوره عن الإحاطة بأقطار كلامه× مع بذل الجهد وبلاغة الوسع؛ لغزارته وسعة موارده، يقول الرضي: "… فأجمعت بتوفيق الله تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب، ثمّ محاسن الكتب، ثمّ محاسن الحِكَم والأدب، مفرداً لكلّ صنف من ذلك باباً، ومفضّلاً فيه أوراقاً، لتكون مقدمة لاستدراك ما عساه يشذّ عنّي عاجلاً، ويقع إليّ آجلاً…"(3).

2 ـ إنّ جميع ما ضمّه النهج، أخذه الرضي من المصادر التي سبقته زماناً، أو التي عاصرته؛ ولمّا لم تكن غايته في ما يختاره من كلام الإمام× تحقيق سنده، ولا تصحيح روايته، بقدر اهتمامه بما ينسجم مع الجانب البلاغي والبياني الذي امتاز به، أدرج في النهج ما وجده أمامه من كلمات الإمام وخطبه، وكتبه، في مؤلفات المؤرخين والمحدّثين، مما نقلوه ورووه عن الإمام×، وعزوه إليه من دون أن يسنده إليهم، وعذره في ذلك أنه لم يكن بعمله هذا راوياً، بمعنى الرواة، ولا محدّثاً على طريقة المحدثين، الذين يدوِّنون الروايات والأحاديث بأسانيد متصلة إلى من صدرت عنه، وإنّما كان أديباً له حسٌّ أدبي فريد، تغريه روائع البلاغة والبيان، ولا يلوي على شيء آخر سواها(4). ولذا فإنّ الباحث لا يجد كثير صعوبة في العثور على جلّ ما في النهج في غير مصدر مما قد صنّف قبل عصر الرضي&.

3 ـ لمّا كانت مهمّة الرضي محصورة بالجمع مع التمحيص والتحقيق والانتقاء لضبط مادة النهج؛ لإبراز بلاغة الإمام× 0وفصاحته، فإنه لم يراعِ في ما اختاره التنسيق والتتالي، ولذا جرّت هذه الطريقة مشاكل على حساب التنسيق الفني، ودقة التصنيف والنظم، يقول الرضي: "وربما جاء في ما أختاره" من ذلك فصول غير متّسقة، ومحاسن كلمٍ غير منتظمة؛ لأني أورد النكت واللّمع، ولا أقصد التتالي والنسق"(5).

4 ـ صنّف السيد الرضي "النهج" بحسب الفنون النثرية، لا بحسب الموضوعات، فابتدأ بالخطب، ثم الرسائل، ثم الحكم، وكان من الممكن أن تضاف إليه أشكالٌ أُخر من فنون النثر، مثل الدعاء، الخاطرة، الزيارة والمحاورة، والمقالة… الخ، إلاّ أنه أدرجها ضمن الأبواب اللائقة بها بحسب مقياسه الجمالي والبلاغي، وأشدّها ملاءمة لغرضه: "ورأيت كلامه× يدور على أقطاب ثلاثة، أولها: الخطب والأوامر؛ وثانيها: الكتب والرسائل؛ وثالثها: الحكم والمواعظ"(6).

5 ـ بناء على خطته في الجمع، نراه قد يختار من الخطبة الطويلة مقطعاً منها فيقتطعه، وربما يجمع خطبة واحدة من خطب شتى، ويوزّع الخطبة الواحدة إلى عدة فصول، ويدرج كلّ فصل منها في موضع مستقل، كما أنه قد يكرر، في كتابه، الكلام الواحد أو الخطبة الواحدة لوجود رواية أُخرى تختلف عن الأُولى، يقول (رحمه الله): "وربما جاء، في أثناء هذا الاختيار، اللفظ المردد، والمعنى المكرر، والعذر في ذلك أنّ روايات كلامه× تختلف اختلافاً شديداً. فربما اتفق الكلام المختار في رواية فنُقلَ على وجهه، ثم وُجد بعد ذلك في رواية أُخرى، موضوعاً في غير موضعه الأوّل، إمّا بزيادة مختارة، أو لفظ أحسن عبارة، فتقتضي الحال أن يعاد، استظهاراً للاختيار، وغَيرةً على عقائل الكلام…"(7).

وربما يختار من خطب متعددة فصولاً ويوردها بنسق خطبة واحدة(8). وقد أشار إلى ذلك ابن أبي الحديد في شرح الخطبة (121)، فقال: "هذا الكلام يتلو بعضه بعضاً؛ ولكنه ثلاثة فصول لا يلتصق أحدها بالآخر؛ وهذه عادة الرضيّ، تراه ينتخب من جملة الخطبة الطويلة كلمات فصيحة، يوردها على سبيل التتالي، وليست متتالية حين تكلّم بها صاحبها"(9).

وفي موضع آخر من شرحه قال: هذا كلام منقطع عمّا قبله؛ لأنّ الشريف الرضي (رحمه الله) كان يلتقط الفصول التي في الطبقة العليا من الفصاحة من كلام أمير المؤمنين× فيذكرها، ويتخطّى ما قبلها وما بعدها"(10).

فـ"نهج البلاغة" إذن، وإن خلا من وحدة النظم والتنسيق والانسجام بين فصوله، بهذا المعنى الذي ذكرناه، إلاّ أنه تنتظمته وحدة الروح والمثل والأُسلوب على اختلاف موضوعاته ومقاصده وفنونه، فحينما نطل على "النهج" تغمرنا أنواره المشرقة، وعبقاته العطرة، ويستولي على مشاعرنا جوّ روحاني إيماني أخّاذ، وكأن المكانة السامية والمقام الروحي لأمير المؤمنين وسيد الأوصياء× لا تبعد آناً ما، عمّا هو مسطور فيه فتحسُّ بأدب الوحي والنبوة، وروحانية الإيمان الصادق، وأخلاق الإمام المعصوم، ذلك كله في صور فنية رائعة في أعلى طبقات البلاغة والفصاحة. وكأننا نقرأ شخصية الإمام وسيرته بين سطور النهج كما وصفها رسول الله’: “لا يعرفك إلاّ الله وأنا”.

وقد قدّم السيد الشريف (رحمه الله) بعمله هذا خدمة كبيرة على مرّ العصور للأدب واللغة والأخلاق، وللإنسانية عموماً، وسوف يوفّى أجر المصلحين والمحسنين ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾، ﴿وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.

فالنهج نسخة فريدة بين آثار بني الإنسان تشتمل على معارف إلهية عالية، ومنهاج للأخلاق، وقوانين في الاجتماع، والسياسة، والحرب، والاقتصاد.. ودروس في الحكمة، والأدب، والعرفان… الخ. ينهل منه العارف، والفيلسوف، والمتكلم، وعالم الاجتماع والسياسة والحرب، والفقيه، والحكيم، والأديب..

مصادر الرضي في جمع نهج البلاغة

إنّ الإمام الرضي محمد بن الحسين الموسوي (قدس سره)، العالم البصير، والثبْت الخبير والمأمون، قد تصدّى لجمع كلام أمير المؤمنين عليّ×، وروايته وتنظيمه في كتاب أسماه "نهج البلاغة"، ومنذ أوّل يوم ظهر فيه هذا الكتاب للوجود، وعرفه الناس، تناقله العلماء، والأُدباء، وتلقوه بالقبول والاستحسان، وتصدوا لشرحه وترجمته، والتعليق عليه وعبر القرون، دونما نكير أو تشكيك إلاّ من بعض الشذّاذ دونما سبب مهم يوجب التشكيك من مناقضة للكتاب الكريم أو السنة الثابتة أو العقل، ولا لضرورة من ضروريات الدين.

وكتاب النهج هذا جدير بأن يكون من أجلّ المصادر وأعلاها وأوثقها، ولا يحتاج بعد إلى مصدر أو مرجع يوثّقه، شأنه في ذلك شأن سائر ما يرويه المحدثون الثقات، فيؤخذ بمروياتهم من دون تشكيك، ولا مطالبة بمصدر، على أنه جاء جلّه مروياً بالأسانيد في مصادر أُخر سابقة أو معاصرة لجامع النهج. وقد صرّح جامعه الشريف الرضي (رحمه الله)ـ خلاله ـ في أبواب متفرّقة، بأنّه نقل بعض نصوص نهج البلاغة من مصادر مدوّنة، ذكر أسماءها وأسماء مؤلفيها، ومن مصادر مروية بالأسانيد المتصلة إلى الإمام عليّ×، "والظاهر أنّ تخصيص ذلك البعض بذكر المصدر دون غيره من مندرجات الكتاب، هو أنّ ذلك البعض ممّا لم تتحقق عند المؤلِّف نسبته إلى أمير المؤمنين×، بخلاف غيره فإنّه على ثقة منه ويقين، فلا يحتاج إلى ذكر مصدر له تكون العهدة عليه في النقل والنسبة، وهذه عادة القدماء من أهل التأليف"(11)، ونحن نذكر مصادره المدوّنة، ثم مصادره المروية بالسند(12) كما ذكرها في ثنايا النهج الشريف.

أوّلاً ـ المصادر المدوّنة

1 ـ حلف ربيعة واليمن، لأبي منذر هشام بن محمد الكلبي (204هـ)، وهو الحلف الذي عقده الإمام عليّ× بين ربيعة واليمن(13).

2 ـ الجمل، لأبي عبد الله محمد بن عُمر الواقدي (207هـ)(14).

3ـ إصلاح المنطق، لابن السِّكِّيت أبي يوسف يعقوب بن إسحاق (224هـ)، أصله من الأهواز، وهو مؤدب ولدي المتوكل العباسي (237هـ) ونديمه(15).

4 ـ غريب الحديث، لأبي عُبيد الهروي القاسم بن سلاّم (224هـ)(16).

5 ـ كتاب المقامات، لأبي جعفر محمد بن عبد الله الإسكافي (240هـ)، وهو في مناقب الإمام عليّ×(17).

6 ـ المغازي، لأبي عثمان سعيد بن يحيي بن أبان بن سعيد بن العاص بن أُميَّة (249هـ)(18).

7 ـ كتاب البيان والتبيين، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (255هـ)(19).

8 ـ المقتضب، لأبي عباس محمد بن يزيد المُبَرّد (285هـ)(20).

9 ـ تاريخ الرسل والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (310هـ)(21).

ثانياً ـ المصادر المروية بالسند

1 ـ رواية ضرار بن ضَمْرة (ق1هـ)، وذكر ابن أبي الحديد في موضع آخر أنه ضرار بن حمزة الضِّبائي، كان من خواص الإمام عليّ×، ورواية ضمرة عن الإمام× قوله: "يا دنيا غرّي غيري"(22).

2 ـ رواية ذِعْلب اليماني (ق1هـ)، من أصحاب الإمام أمير المؤمنين×، وقد سأل ذعلب الإمام×: هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين؟ فقال×: أفأعبُد ما لا أرى(23)

3 ـ رواية ابن صدقة العَبدي مَسْعدة بن صدقة (ق2هـ)، كان معاصراً للإمامين الصادقينP، وهو من أعلام الجمهور. له كتاب "خطب أمير المؤمنين×"(24).

4 ـ رواية ذِعْلب اليمامي أبي محمد ذعلب اليمامي (ق4هـ)، من رجال الشيعة ومحدّثيهم ـ يستعمل ابن أبي الحديد لفظ "المحدِّث" بمعنى "المؤرّخ"(25).

5 ـ رواية أبي جحيفة السوَائي وهب بن عبد الله (75هـ)، رئيس شرطة أمير المؤمنين×، وصاحب بيت ماله(26).

6 ـ رواية كميل بن زياد النخعي (82هـ.)، كان من خواص أمير المؤمنين×(27).

7 ـ رواية نَوْف بن فُضَالة البِكالي الحميري (90 ـ 100هـ)، كان صاحب الإمام×، روى عنه خطبة وحديثاً(28).

8 ـ حكاية الإمام أبي جعفر محمد الباقر بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب× (ت/114هـ)، خامس أئمة أهل البيت المعصومين (عليهم السلام)(29).

9 ـ رواية ثعلب الشيباني أبي العباس أحمد بن يحيى (ت / 291هـ)، عن المأمون العباسي، عن الإمام عليّ×(30).

انتهت مصادر الشريف الرضي التي أوردها في نهج البلاغة.

إشكاليّات حول الكتاب

ما إن ظهر كتاب "نهج البلاغة" الذي جمعه الشريف الرضي (رحمه الله) حتى انفتح الباب أمام الأقلام التي حرّكتها وخزات الحقد والشنآن، فأثارت الشبهات حول مصداقية النهج الشريف، وصحة نسبته إلى الإمام أمير المؤمنين×، فزعمت أنّ جميع ما في النهج أو بعضه هو من تأليف السيد الرضي، أو هو من تأليف أخيه السيد المرتضى (436هـ)، أو من تأليفهما معاً، أو من تأليف قوم من فصحاء الشيعة، وضعوه ليزيدوا الناس يقيناً بما عرفوه من بلاغة الإمام×، وقوة بيانه، واقتداره وفصاحته، وساقوا في معرض الشك مزاعم لا تصمد أمام سلطان العلم والمنطق، وشواهد الأحوال.

ولعل أول من شكك في صحة ما أُثر في النهج هو ابن خلكان (681 هـ)، فقد تردد في مؤلف النهج، أهو الشريف الرضي أم المرتضى (رحمهما الله)؟ فقال: “قد اختلف الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام الإمام عليّ بن أبي طالب×، هل هو جمعه، أم جمعه أخيه الرضي؟ وقد قيل: إنّه ليس من كلام عليّ×، وإنّما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه"(31).

ثم تبعه جملة من الباحثين من قدماء ومحدَثين، أمثال ابن تيميّة (728هـ) في منهاج السنة، والذهبي (748 هـ) في ميزان الاعتدال، الذي زعم أنّ واضع النهج هو السيد المرتضى أخو الرضي. ثم جاء الصفدي (764 هـ) في الوافي بالوفيات، واليافعي (768 هـ) في مرآة الجنان، ثم تبع هؤلاء من المحدثين أحمد أمين، وأحمد حسن الزيات، وأحمد زكي، ومحمد كرد علي، وجرجي زيدان، ومحمد سيد كيلاني، وغيرهم، وبعض المستشرقين، أمثال المسيو ديمومبين، الذي حاول أن يغضّ من قيمة ما نسب إلى الإمام× استناداً إلى ما شاع قديماً من أنّ الشريف الرضي هو واضع كتاب "نهج البلاغة"(32).

ومجمل حجج هؤلاء المنكرين أو المشككين تعود إلى أسباب كثيرة؛ بعضها يتعلّق بجهة السند؛ وبعضها الآخر بمضمونه ومحتواه؛ وبعضها بأُسلوبه، ولعل أكثر الشبهات شهرة وتداولاً هي:

1 ـ خلو الكتب التأريخية والأدبية من أكثر ما في النهج، أو أنّ أكثره عرض منسوباً في غير النهج لغير الإمام×.

2 ـ طول بعض الخطب، وتعسّر حفظها على الرواة.

وهاتان الشبهتان تتعلقان بالسند.

3 ـ التعريض بالخلفاء السابقين، وبعض الصحابة، كالخطبة الشقشقية وغيرها، وهذا أمر لا يتناسب وواقع الإمام×، أو أنّه يتنافى وعقيدة المشكك، أو المنكر.

4 ـ كثرة الخطب بما لا يتناسب وحاجة الإمام× لمثلها عادة.

5 ـ إطالة بعض الكتب المملوءة بالآراء السياسية، والإدارية، والقضائية بما لم يعهد من غيره من الخلفاء، كعهده لمالك الأشتر (رضي الله عنه).

6 ـ ما يظهر في النهج من الإخبار بالمغيبات.

7 ـ اصطباغ بعض محتويات النهج بما لا يتلاءم مع عصر الإمام×، كذكره بعض الألفاظ المحدَثة، كلفظة "الأزل" و "الأزلية"، و"الكيف"، و"العدم"، و"الوجود" واستعمال بعض الألفاظ بمصطلحاتها المنطقية أو الفلسفية كـ "الحدّ" و"العلة" و "المعلول" وغيرها، والتعرّض لدقائق علم التوحيد، وأبحاث الرؤية والعدل، وكلام الخالق وصفاته ووجوده، التي نشأت بعد عصر الإمام×.

8 ـ عدم ملاءمة أُسلوبه لزمن الإمام×، بما استعمل فيه من الفنون البديعية، كالسجع والإزدواج، والطباق، إلى أمثال ذلك ممّا انتشر في العصر العباسي، وكدقة الوصف، كوصفه للطاووس، والخفاش والجراد، والسحاب، والجنة والنار، وغيرها.

هذه جملة الشبهات التي أوردوها، ولأجل الردّ عليها نقول:

أولاً ـ إنّ خلو الكتب التاريخية والأدبية من أكثر ما في النهج لا ينهض دليلاً على أنّ تلك الخطب غير صادرة عنه×، بعد تواتر نقله عن الرضي (رحمه الله) ونسبته له، وتصريح الرضي في جملة من مؤلفاته بنسبته له، كما جاء في كتاب "حقائق التأويل" قوله: "… ومن أراد أن يعلم برهان ما أشرنا إليه من ذلك، فلينعم النظر في كتابنا الذي ألفناه ووسمناه بـ "نهج البلاغة"، وجعلناه يشتمل على مختار جميع الواقع إلينا من كلام أمير المؤمنين×"(33).

وكتابه "المجازات النبوية" حيث قال فيه: "… وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم بـ "نهج البلاغة" الذي أوردنا فيه مختار جميع كلامه صلّى الله عليه وسلّم وعلى الطاهرين من أولاده"(34).

وبعد هذا، فإنّ تشكيك ابن خلكان وأضرابه لا اعتبار له، بخاصة بعد قول المسعودي (346هـ): "… والذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمئة خطبة، ونيّف وثمانون خطبة، يوردها على البديهة، تداول الناس ذلك عنه قولاً وعملاً…"(35).

وقول اليعقوبي أحمد بن إسحاق العباسي (بعد 292هـ) في كتابه: "مشاكلة الناس لزمانهم": “وحفظ الناس عنه الخطب، فإنّه خطب بأربعمئة خطبة، حفظت عنه، وهي التي تدور بين الناس، ويستعملونها في خطبهم…"(36)، ونحو ذلك قول عبدالحميد الكاتب (132هـ)، وقول ابن نباته (374هـ)، وغيرهما.

وواضح أنّ "نهج البلاغة" لا يشتمل على هذا العدد، بل الذي ضمه بين دفتيه حوالى 240 خطبة و79 كتاباً، وهو دون ما ذكروه بكثير.

وربما كان منشأ الشك في نسبته الى أخيه المرتضى، هو تلقيب بعض المؤرخين له بالمرتضى، تعريفاً له بلقب جدّه إبراهيم، ثم تفرّد الرضي بلقبه هذا واشتهر به بعد أن اختير نقيباً للهاشميين.

كما أنّ تشكيك يعقوب صروف صاحب "المقتطف"(37) في مقالة له تحت عنوان: "عهد الإمام وكتاب السلطان با يزيد الثاني"، بأنّ نهج البلاغة كلّه مظنون، وقد أُقحم فيه بعض الخطب في عصور متأخرة، وضرب على ذلك المثل بالتفاوت بين ما بأيدينا من عهد الإمام× لمالك الأشتر، وبين ما وُجد منه في نسخة كتبت للسلطان بايزيد منذ خمسمئة عام، فوُجد أنّ نسخة النهج أبسط وأطول من نسخة السلطان با يزيد المخطوطة سنة 858 هـ، فاستنتج من ذلك أنّ هذه الزيادة إنما حدثت منذ سنة 858 هـ إلى زمن طبع نسخة النهج في مصر أو بيروت سنة 1307هـ، وبنى على هذا الأمر تشكيكه.

هذا التشكيك لا اعتبار له بعد وجود نسخ مقروءة على جامعها الشريف الرضي نفسه كتبت سنة 400هـ ، وموقع عليها بقلمه، ومتلقاة منه يداً بيد، وعصراً بعد عصر، وهي مطابقة لما بأيدينا من النسخ، ولو كان فيها إقحام أو زيادة لنبّه على ذلك الشرّاح على كثرتهم، كشرح ابن أبي الحديد (656هـ) الذي فيه النص كاملاً على الصورة الموجودة في النسخة المطبوعة، وكذا شرح الفيلسوف العارف ابن ميثم البحراني (679هـ). ومن هذا كله يتضح أنّ نسخة السلطان بايزيد إمّا مختصرة من نسخة النهج، أو أنها نُسخت على رواية أُخرى، وما أكثر المصادر التي تروي كلام الإمام×.

أما دعوى اختلاق السيد الشريف الرضي للنهج ووضعه له فكلام لا يمكن أن يصدر من عارف بتاريخ الشريف وخلقه، وورعه وكماله ووثاقته. وبعده عن التعصّب المذهبي، ورتبته من العلم والأدب، ومكانته الاجتماعية وما كتبه عنه المؤرخون والمترجمون أكثر مما ذكرنا من حميد الخصال وجليل الفعال، هذه الصفات تأبى عليه أن يتجاوزها فيختلق وينسب إلى الإمام× ما ليس له، فهذا الرجل فوق التهم والظنون.

ثم، لماذا كل هذا الإيثار من السيد الرضي؟ فهلاّ نسب النهج لذاته ليسجّل نفسه في لوحة عظماء التاريخ وأُدبائهم؟! إذن فالنهج نهج الإمام×، لكنّ الأقلام المنكوسة الحاقدة هي التي ألصقت بالشريف تهمة الوضع والخيانة والدس، وبالإمام× تهمة العجز والقصور، وحاشاه صلوات الله عليه.

إضافةً إلى ما ذكرنا، فإنّ الكثير من الكتب التأريخية، والحديثية المعروفة قبل زمان الرضي، قد تناولت كثيراً من نصوص النهج كاليعقوبي، والطبري، والكليني، والنجاشي، والجاحظ، وغيرهم عشرات من أمثالهم.

وهناك من المحدِّثين والمؤرخين من جمع كلام الإمام أو خطبه أو قسماً منها، وقد ذهب بعض هذه المجموعات مع الزمن، وتلف ضمن ما تلف من تراثنا العربي والإسلامي، بسبب الحروب والفتن، وبقيت الأسماء فقط، يعرفها كلّ من عني بالتراث الإسلامي، ومن هذه المجموعات:

1 ـ كتاب "خطب أمير المؤمنين× على الناس في الجمع والأعياد"، لزيد بن وهب الجهني الكوفي (96هـ).

2 ـ كتاب "خطب أميــر المؤمنين×"، المروية عن إمامنا الصادق× (148هـ).

3 ـ كتاب "خطب الإمام عليّ"، لهشام بن السائب الكلبي (206هـ).

4 ـ كتاب "خطب عليّ× وكتبه إلى عماله"، لأبي الحسن علي بن محمد المدائني (225هـ).

5 ـ كتاب "رسائل أمير المؤمنين×"، لإبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي (283هـ)، وعشرات من نظائرها.

وبعد هذا…، فهل يمكن أن يُنسب جميع النهج أو بعضه إلى الشريف الرضي، أو إلى غيره؟

والواقع أنّ اتهام السيد الرضي بوضع "نهج البلاغة" قديم كما قلنا، كما أنّ الدفاع عنه قديم أيضاً. ونكتفي في هذا المجال بذكر دفاع شارح النهج عز الدين أبي حامد بن أبي الحديد المعتزلي الشافعي، عن نسبة نهج البلاغة إلى الإمام أمير المؤمنين×، حيث يقول: إنّ كثيراً من أرباب الهوى يقولون: إنّ كثيراً من (نهج البلاغة) كلام مُحدَث، صنعه قوم من فصحاء الشيعة، وربما عَزَوْا بعضه إلى الرضي أبي الحسن وغيره، وهؤلاء قوم أعمت العصبيّة أعينهم، فضلّوا عن النهج الواضح، وركبوا بُنيّات الطريق، ضلالاً وقلة معرفة بأساليب الكلام، وأنا أوضّح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط، فأقول: لا يخلو إمّا أن يكون كلّ (نهج البلاغة) مصنوعاً منحولاً، أو بعضه.

والأوّل باطل بالضرورة؛ لأنّا نعلم بالتواتر صحّة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين×، وقد نقل المحدّثون كلُّهم أو جلّهم، والمؤرّخون كثيراً منه، وليسوا من الشيعة لينسَبُوا إلى غرض في ذلك.

والثاني يدلّ على ما قلناه؛ لأنّ مَنْ قد أنِسَ بالكلام والخَطَابة، وشَدَا طرَفاً من علم البيان، وصار له ذوقٌ في هذا الباب، لابدّ أن يفرّق بين الكلام الركيك والفصيح، وبين الفصيح والأفصح، وبين الأصيل والمولّد، وإذا وقَف على كرّاسٍ واحد يتضمّن كلاماً لجماعة من الخطباء، أو لاثنين منهم فقط، فلابدّ أن يفرّق بين الكلامين، ويميّز بين الطريقتين….

وأنت إذا تأملت "نهج البلاغة" وجدته كلّه ماءً واحداً، ونَفَساً واحداً، وأُسلوباً واحداً، كالجسم بَسيط، الذي ليس بعضٌ من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهيّة، وكالقرآن العزيز، أوّله كأوسطه، وأوسطه كآخره، وكلّ سورة منه، وكل آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفنّ والطريق والنظم لباقي الآيات والسور؛ ولو كان بعض "نهج البلاغة" منحولاً وبعضه صحيحاً، لم يكن ذلك كذلك؛ فقط ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلالُ مَنْ زعم أنّ هذا الكتاب أو بعضَه منحولٌ إلى أمير المؤمنين×.

واعلم أنّ قائل هذا القول يطرُق على نفسه ما لا قِبَل له به؛ لأنّا متى فَتَحْنا هذا الباب، وسلّطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو، لم نثِقْ بصحّة كلام منقول عن رسول الله’ أبداً، وساغ لطاعنٍ أن يطعن ويقول: هذا الخبر منحول؛ وهذا الكلام مصنوع، وكذلك ما نُقِل عن أبي بكر وعمر من الكلام والخُطب والمواعظ والأدب وغير ذلك، وكلّ أمر جعله هذا الطاعن مستنداً له في ما يرويه عن النبي’، والأئمة الراشدين، والصحابة والتابعين، والشعراء والمترسّلين، والخطباء؛ فلناصِرِي أمير المؤمنين× أن يستندوا إلى مثله في ما يروونه عنه من "نهج البلاغة" وغيره، وهذا واضح(38).

وأمّا نسبة بعض خطب النهج لغير الإمام×، فقد كان من اختلاق المؤرخين وفعلهم عن خطأ أو عمدٍ، كالخطبة التي نُسبت إلى معاوية، الذي ألقاها في جماعة من قريش قبيل وفاته: "أيها الناس، إنّا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن كنود، يُعدّ فيه المحسن مسيئاً، ويزداد الظالم فيه عتواً… الخ"(39).

وقد شكّك الجاحظ في هذه النسبة ـ بعد أن ذكر هذه الخطبة، وذكر من نَسَبَها إلى معاوية ـ لأسباب أهمها: "أن هذا الكلام بكلام عليّ×أشبه… ثم قال: ومتى وجدنا معاوية في حال من الأحوال يسلك في كلامه مسلك الزّهّاد، ومذاهب العُبّاد؟!"(40).

أقول: هذا مع العلم أنّ الجاحظ كان معتزلياً عثماني المذهب، لا يميل لعليّ× ولا يفضله على عثمان أو غيره من الخلفاء(41).

وأنّى للرضي أو غيره من فصحاء الشيعة وغيرهم محاكاة الإمام×، أو مجاراته في أُسلوبه وطريقته، أو في معانيه وألفاظه.

ثانياً ـ أمّا التشكيك بنسبة بعض الخطب له×؛ لطولها، ولتعذّر حفظها على الرواة، فهو كسابقه تشكيك لا قيمة له، إذا عرفنا أنّ العرب كانوا في تلك العصور يعتمدون على قوة الحافظة، وسرعتها، فقد كانوا يحفظون القصائد الطوال لمجرد سماعها. حكى صاحب الأغاني، أنّ ابن عباس (رحمه الله) حفظ قصيدة عمر بن أبي ربيعة: "أمن آل نعم أنت غاد فمبكر" لمجرد سماعها بقراءة واحدة.

وخطب النهج ليست بدعاً من خطب النبي’ أو الخلفاء، ولو كان الحفظ يتعذر، لكان الشك يسري إلى كلّ ما حفظ من خطب النبي’ والخلفاء، والولاة وغيرهم من أهل الجاهلية والإسلام.

ومن المحتمل أنّ خطب الإمام× كانت تكتب بعد سماعها من قبل أصحابه ومريديه.

ثالثاً ـ أمّا وجود خطب تعرّض فيها الإمام× لبعض الصحابة والخلفاء السابقين، وطعنت عليهم ونالت منهم، وأكثر هذه التعريضات جاءت في الخطبة الشقشقية، وقد ذكر ذلك غير واحد ممن شكك في النهج كابن تيمية والذهبي، وقد صرّح الأخير في ميزان الاعتدال، بقوله: ومن طالع كتابه نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين عليّ×، ففيه السبّ الصراح والحطّ من السيدين أبي بكر وعمر…"(42).

والجواب: إنّ التعرض لنقد الصحابة ـ في الواقع ـ لا ينسجم مع عقيدة المشكك ومذهبه، باعتباره قائماً على بدعة عدالة الصحابة وتنـزيههم. والواقع التاريخي والموضوعي يرفضه بشكل قاطع، حيث أنّ كثيراً من الأخبار في غير النهج تؤكد وقوع التساب والتشاجر، والتخاصم، والاغتياب وشهر السلاح والاغتيال بين الصحابة. وقد ذكر ابن أبي الحديد ذلك في شرحه(43).

وأمّا الواقع السياسي، فإنّ الإمام× بحكم إقصائه وابتزاز حقه ودفعه فقد نقم على بعض الصحابة، وهذا أمر يقتضيه على أي حال، سواء لحظنا الإمام× كبشر… يغضب ويتألم ويرضى، إذا تعرّض إلى مفارقات كالتي تعرّض لها يوم السقيفة، أو يوم الشورى، أو غيرها وهو صاحب الحق، أو جرأتهم على بيته، وزوجته. أم لحظناه كحجة لله وإمام هدىً يتوقف أداء رسالته على تأكيد مظلوميته، وأنّه صاحب الحقّ المنصوص عليه من النبي’، والمقصيّ عن مقام الإمامة والخلافة، فيبيّن ذلك على الملأ حتى تتم له الحجة على الناس، ويتم إيصال تعاليم الإسلام والنبي’ ووصاياه إليهم.

ثم إنّ هذه الخطبة ـ الشقشقية ـ رويت في مصادر كثيرة قبل الشريف الرضي، وكلّها تستمد من مصدر واحد وهو ابن عباس، متفقة في المعنى وإن اختلفت ألفاظها، فلو كان واضعها الرضي لنقلت عن النهج بوجه واحد في جميع المصادر.

وفي معرض دفاع ابن أبي الحديد عن نسبة هذه الخطبة إلى الإمام× ينقل هذه القصة الظريفة، ثم يذكر بعض المصادر قبل عصر السيد الرضي، فيقول:

قال مصدّق(44): وكان ابن الخشاب صاحب دعابة وهزل، قال: فقلت له: أتقول إنها منحولة؟!

فقال: لا والله، وإني لأعلم أنّها كلامه، كما أعلم أنك مصدّق.

قال: فقلت له: إنّ كثيراً من الناس يقولون إنها من كلام الرضيّ&.

 فقال: أنَّى للرضيّ ولغير الرضي هذا النَّفَس وهذا الأُسلوب! قد وقفنا على رسائل الرضي، وعرفنا طريقته وفنّه في الكلام المنثور، وما يقع من هذا الكلام في خَلٍّ ولا خَمْر. ثم قال: والله لقد وقفتُ على هذه الخطبة في كتب صُنِّفت قبل أن يخلق الرضي بمئتي سنة، ولقد وجدتُها مسطورة بخطوط أعرفها، وأعرف خطوط مَنْ هو من العلماء وأهل الأدب قبل أن يخلق النقيبُ أبو أحمد والد الرضيّ.

قلت: وقد وجدت أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي(45) إمام البغداديين من المعتزلة، وكان في دولة المقتدر قبل أن يُخلق الرضي بمدة طويلة. ووجدت أيضاً كثيراً منها في كتاب أبي جعفر ابن قِبَة(46) أحد متكلّمي الإمامية، وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب "الإنصاف"، وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي&، ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضيّ (رحمه الله) موجوداً"(47).

رابعاً ـ أمّا قضية كثرة الخطب، فإنها كانت قياساً إلى كثرة الدواعي والأغراض، وتراكم الأحداث والظروف السياسية، والعسكرية، والاجتماعية، والأخلاقية، قليلة؛ لأنّ جميع هذه الأُمور تحتاج إلى كلام كثير هو أضعاف ما ورد في النهج من الخطب. وقد ذكرنا روايتي المسعودي واليعقوبي وغيرهما، بأنّ المروي أكثر من ذلك المدوّن في النهج بكثير(48).

خامساً ـ وأما الإطالة في الكتب، وبخاصة عهد مالك، فهي ضرورة اقتضتها ظروف الحركة التغييرية التي تبناها الإمام×، بعد بروز ظاهرة الفساد الإداري واستهتار الولاة، فأراد الإمام× أن يعهد عهداً، يكون منهاجاً يسير عليه الولاة عموماً، ويُقرأ على الأُمة ليكون شاهداً ورقيباً على تصرفاتهم، وحتى مالك في حنكته وحزمه وتقواه، يحتاج إلى نصح الإمام× وتوجيهه. ثم إنّ هذا العهد الذي يرسم علاقة الحاكم مع القضاة، والقواد، والتجار، والعمال، والجند، والرعية.. لا يسعه إلاّ الإطالة والإسهاب النافع، والبيان الشافي، كما هي الحال في زماننا حينما يُكتب دستور للأُمّة أو تُعيّن وظائف الحاكم.

سادساً ـ وأما إخباره بالمغيبات، كإخباره عن قيام دولة بني أُميّة وسقوطها، ومصير الخوارج، ومصرع ذي الثدية، وحركة الزنج، وحروب التتار وفظائعهم، وغير ذلك مما أجمع المؤرخون على تحققها وتواتر نقلها. فلا يكفي مجرد التشكيك فيها أو تهويلها لرفع اليد عنها، اللهم إلاّ أن يقال باستحالة الإخبار بالمغيبات في حق الإمام×. على أنّه× لا يدّعي ذلك لنفسه، كما صرّح بذلك للرجل الكلبي الذي بادره قائلاً: لقد أُعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب، فأجابه الإمام×: "ليس هو بعلم غيب وإنما هو تعلّم من ذي علم".

ولا يُستغرب ذلك من الإمام× أو يُستكثر عليه إلاّ من لا يعرف منـزلة الإمام ومقامه، وأنّ النبي’ قد اختصّه بعلمه وسرّه وعنايته، كما أخبره’ بالمغيّبات على نحو الإجمال، ثم هداه إلى أفضل الطرق التي يعي بسببها تفصيل ما أجمله’له، كإخباره بما سيقع من حوادث ووقائع تجري من بعده، كقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.

ثم، من قال إنّه لا يجوز له× أن يخبر عن حوادث تقع في مستقبل الزمان، أخذ علمها عن النبي’ عن الله تعالى؟!

وما هو المانع من أن يُطلع الله تعالى على غيبه من ارتضى من الرسل، كما جاء في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ [الجن/26 و27]، وأن يأمر بإعلانه للناس لمصلحة ما؟!

علاوة على أنّ في القرآن الكريم إخباراً لكثير من المغيبات والحوادث المستقبلي


التجربة العرفانية والبنية المعرفية/عرفان الإمام علي (ع) أنموذجاً

13 يوليو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

العلاقة بين الحياة والفكر والدافع

الحياة نمط خاص من الوجود، وهي مبدأ ظهور العلم والقدرة، والعنصر المنسّق بين "الفكر العلمي" و"الدافع العملي"، إذ يتولى الأوّل عملية الإشراف على الثاني، ليتجلّى الدافع العملي بوصفه جهداً عينيّاً لتوجيه الفكر العلمي.

وكلما كانت الحياة أقوى سما الفكر العلمي، واشتدت قدرة الدافع العملي، كذلك إذا تعزَّز الفكر والدافع كانا كاشفين لكمال الحياة وقوتها. ورغم أنّنا نستطيع قياس قدرة كل منهما على أساس قوة الآخر، بيد أنّ المنهج المتين والعميق في الاستدلال هو اكتشاف السبب (الحياة) من خلال المسبّب (الفكر والدافع)، والمنهج اليسير هو اكتشاف المسبب، أي الفكر والدافع من خلال السبب وهو الحياة؛ لأنّه من الصعب التوصّل إلى حقيقة الحياة، ولكن يمكن التعرّف إلى حياة شخص معيّن والخوض في تفاصيلها إلى حدٍّ ما عبر دراسة علمه وعمله؛ ذلك أنّ الدافع العملي ينتظم تحت توجيه الفكر العلمي، وإن ارتقاءه أو تدهوره إلى الحضيض رهن بتسامي الفكر العلمي أو تقهقره. فـ"العزم العملي" يتحقق دائماً بهداية “الجزم العلمي”، وبالعلم يقاس العمل في ميزان الحق والباطل والصدق والكذب والحسن والقبح. لهذا فإنّ الأقرب إلى النظم الصناعي والمنطقي أن يخصّص البحث لدراسة الفكر العلمي، والتخلّي عن الحديث في نطاق الدافع العملي.

العلم الحصولي والعلم الحضوري

يمكن تقسيم الفكر العلمي إلى صِيَغٍ متعدّدة، إحداها تقسيمه بلحاظ المعلوم، لأن المعلوم إمّا وجود، أو مفهوم بمعناه الأعم الذي يشمل الماهيّة أيضاً؛ فإذا كان وجوداً وتعلّق العلم بهذا الوجود أصبح علماً شهودياً وحضورياً؛ ذلك أنّ العينية على أساس أصالة الوجود هي الهوية عينها، ولن يحصل لها وجود في الذهن، وإلاّ وجب حصول انقلاب الذات بمعنى الهوية، ويستلزم هذا الانقلاب ـ سواء بمعنى "الماهية" أم "الهوية" ـ جمع النقيضين، وهذا ممتنع.

وعليه، فإنّ العلم بالوجود ليس أمامه من سبيل إلاّ حضور العالم في محضر المعلوم والشهود العيني والحضوري، ولن يأتي المعلوم عند العالم مطلقاً، وإلاّ انقلب المعلوم العيني إلى مفهوم ذهني، وهو انقلاب يستحيل حدوثه.

أمّا إذا كان المعلوم مفهوماً بالمعنى الأعم، فإنّ العلم يكون "حصولياً" و"صورياً"، أي تحصل صورة من المعلوم عند العالِم، ليدرك هذا الأخير محيطه من خلال الصورة الذهنية. ومن هنا يصبح العلم ذا شقيّن: علم بالواسطة، وعلم من دونها؛ إذ ليست ثمة وساطة بين العالم والمعلوم في العلم الحضوري، بينما تصبح الصورة الذهنية هي الواسطة بين العالم والمعلوم في العلم الحصولي، ويدرك العالِم من خلالها الموجود العيني. يقال لما يحضر من العالم من دون وساطة في العلم الحصولي: إنه "معلوم بالذات"، فيما يقال لما يحصل بالوساطة: إنّه "معلوم بالعرض". وبالطبع فإنّ علم النفس بعين المفهوم الذهني هو علم حضوري ومن دون وساطة رغم أنّ علمها بما هو خارج الذهن هو علم حصولي.

من هنا يتّضح معنى كون العلم الحضوري هو مرجع كل العلوم؛ لأنّ المفهوم الذهني رغم كونه علماً حصولياً بلحاظ تناوله لموجود عيني وخارجي، هو علم حضوري وشهودي بلحاظ حضور ذاته في محضر النفس ومشهد الذهن، غير أنّ مثل هذا العلم الشهودي ليس هو المقصود في بحثنا، بل إنّ المراد من الفكر الحضوري في هذا البحث هو العلم الشهودي المطروق في العرفان، وهو شهود العين الواقع والحضور من دون وساطة أيّ هو مفهوم وماهية؛ نحو شهود الروح وحضور الشؤون العلمية والعملية للنفس حيث لا وجود لأيّ حائل بين العالم والمعلوم العيني، رغم أنّ النفس تستطيع انتزاع مفاهيم متعددة بعد مشاهدة شؤونها العلمية والعملية وتحصل على العلم بها مجدداً عن طريق المفهوم. فهذا العلم هو حصولي، وذلك الحاصل من دون حجاب المفهوم هو علم حضوري. وعليه فإنّ شطريْ العلم: الحضوري والحصولي يمكن تصويرهما بلحاظ النفس وشؤونها العلمية والعملية، وبلحاظ الخروج من الذهن والأشياء والأشخاص العينية.

بالطبع إنّ الطريق الأصيل لشهود الخارج وحضور العين هو تقوية شهود النفس وحضور الروح؛ فكلما كانت معرفة النفس بذاتها ومبدئها ومنتهاها، ووعيها بالرابط الوجودي بين أول العالَم وآخره أقوى، كان شهودها بإزاء الأعيان الخارجية أقوى، ومن هنا تُكتشف قدرة الحياة وشدّتها.

العلم الحصولي معرّض للخطأ والبطلان

لوجود الوساطة بين العالم والمعلوم في العلم الحصولي ـ وهي وساطة مفهومية تكشف عن الواقع ـ يواجه هذا العلم الصواب والخطأ، والحق والباطل، والصدق والكذب. ولعدم وجود مثل هذه الوساطة في العلم الشهودي بين الشاهد والمشهود فإنّ معنى الصواب والحق والصدق يتخذ شكل الثبات والاستمرار والاتقان العيني، وليس الانطباق، بحيث لا يترك مجالاً للخطأ والباطل والكذب، ذلك لأنّ الشيء المعيّن لا يقارن بنفسه أولاً، ثم لا يُسلب من نفسه ثانياً. ولهذا لا يجد الخطأ وأمثاله طريقاً الى العلم الحضوري.

أجل، ينطبق هذا الموضوع على حالة النفس الانسانية التي تنظر شهودياً إلى مثال منفصل أو عقل منفصل أو برؤية خاصة إلى محتوى الوجود المادي الخارجي، وليس إلى مثال متصل؛ حيث من المحتمل أن يصبح شهوده خطأ، وكشفه كذباً، وحضوره غَيبة.

الإدراك الحضوري والحصولي للروح

ثمّة نوعان من البشر من حيث "السير البدني" وحركته الطبيعية: فهناك القويّ المقتدر الذي يستطيع أن يتحرك ويسير بنفسه ويقود الآخرين في الوقت نفسه، ويحثُّهم على السير والحركة خلفه. وهناك الضعيف العاجز الذي لا يملك القدرة على تحريك نفسه، فضلاً عن قيادة الآخرين وتحفيزهم على الحركة، وهذا النمط الثاني من الناس لا يتحرك إلاّ تحت قيادة الآخرين.

من ناحية "السير الروحي" و"الحركة ما فوق الطبيعية" هناك أيضاً صنفان من الناس: فمنهم من يتّسم بالقدرة والقوة في معرفة النفس، وهؤلاء بالإضافة إلى معرفتهم لأنفسهم على النحو الأفضل، فهم يسعون الى تعريف الآخرين بذواتهم وهوياتهم عبر سَوْق البراهين المتعدّدة على أصل وجود الروح وتجردها واشتمالها على الشؤون العلمية والعملية، وتوضيح ما يرونه بقوة في نطاق وجودهم ـ كعلم حضوري ـ إلى الفئة الثانية من الناس الذين يتصفون بالضعف في معرفة النفس والعجز عن سبر أغوار الروح، حتى تدرك هذه الفئة ـ الثانية ـ بالعلم الحصولي تفاصيل ما غفلت عنه من أصل وجود الروح وتجردها واشتمالها على الشؤون النظرية والعملية وما الى ذلك.

تكتسب هذه الفئة ـ الثانية ـ أسرار عالم الوجود ـ إن تعرّفت عليها ـ عبر المفهوم الحصولي، بعكس الطائفة الأولى التي تتميز بالقدرة على معرفة النفس، فهي تعي الأسرار الكامنة في الوجود عبر المصداق الحضوري؛ لأنّها تعرفت إلى هويتها بالعلم الشهودي. ولمّا كان العلم والوعي يشكّلان محور الحياة فليعلم من يتعرف إلى هويته، من خلال تعليم الآخر له، أنّ أصل الحياة العلمية رهنٌ بإحياء الآخر وأنّ يقظته رهنٌ بإيقاظ الآخرين.

مراتب المعرفة

إنّ ما يكتسب بطريق الإحساس السمعي والبصري وأمثالهما هو مجرد ترتّب المحمول على الموضوع، ولا يمكن إثبات ضرورة الترتّب به، كما لا يمكن إثبات الحصر أيضاً، أي أنّه لا يمكن إثبات أنّ الموضوع الذي يترتب عليه هذا المحمول الخاص هو الموضوع الوحيد، بحيث لا يسعنا أن نجد هذا المحمول في غير الموضوع المفترض.

إذاً، فإنّ المعرفة الحسّية تستخدم بخصوص المحسوسات المادية، من دون الموجودات المجرّدة، ولا يصح حكمها إزاء الموجود المجرد نفياً أو إثباتاً، بل إنّها تعجز أحياناً عن إثبات بعض الأمور الحسية؛ نحو إثبات "الضرورة" و"إنحصار المحمول في الموضوع المفترض بحيث لا يظهر المحمول المذكور أبداً في غير الموضوع المفترض.

بناءً على هذا فإنّ مرتبة “المعرفة الحسية” من منظور علم المعرفة هي أضعف مراحل المعرفة. وبالطبع هناك تفاوت بين الأفراد في المعرفة الحسية ولهذا قيل: "ليس الخبر كالمعاينة"(1).

"المعرفة العقلية" التي تستخدم في الحكمة والكلام وسائر العلوم الاستدلالية تفوق بمراتب المعرفة الحسية، ثم تأتي في الدرجة الأعلى "المعرفة القلبية" التي يستفاد منها في العرفان، ثم تقف على قمة الهرم المعرفي المعرفة الوحيانية، وهي رغم كونها من سنخ العلم الشهودي والمعرفة الحضورية، إلاّ أنّها ـ وتحت تاثير العصمة ـ مصانة من أضرار الخلط بين المتصل والمنفصل، وعواقب الالتقاط بين العقل الجزئي والكلي، وغبار نفوذ ابليس، والسهو والنسيان، وغير ذلك من الآفات.

وهذه الحصانة تجعلها معياراً لتقييم سائر أنواع المعرفة، وهي القمة التي يتربع عليها الإمام علي بن أبي طالب ×، ويتحدّث منها ويعرّف بها ويتكئ عليها.

تفاوت العرفان مع الكلام والحكمة

أهل العلم وآل المعلوم

للعرفان، كالعلوم الأخرى، موضوع ومسائل ومبادئ ومنهج، ويختلف في أبعاده العديدة مع العلوم العقلية الأخرى كالحكمة والكلام.

وما نريد أن نطرحه هنا هو امتياز العرفان عن بقية العلوم من حيث المنهج، ذلك أنّ العلوم الاستدلالية الأخرى، مثل الحكمة والكلام، تتوفر جميعها على بعد مشترك رغم التمايز الموجود في ما بينها، وهو أنها تستمد من العلم الحصولي، وتستعين بالمفهوم، وتعتمد على الوجود الذهني، وتستند على البرهان العقلي أو النقلي. بيد أنّ ما يميّز العرفان هو اعتماده العلم الحضوري؛ ولهذا فهو يستعين بالعلم الشهودي ويستند عليه، وفي حال وجود برهان عقلي أو دليل نقلي معتبر بعد الإثبات الشهودي والإحراز الحضوري، فهو لا يساق من أجل الإثبات، وإنما لا يعدو كونه مؤيداً ومعزّزاً لأصل الموضوع. لذا لا يمكن الوصول إلى الواقع الخارجي بالاستدلال العقلي أو النقلي؛ فرغم الفارق الهائل بين الوجود الذهني والعلم، والفاصل الكبير بينهما، إلاّ أنّ ما هو موجود في نطاق النفس لا يعبّر عن متن الواقع رغم ما يُطرح على أنه واقع وعين. بل إنّ ما يفكر به الحكيم أو المتكلم على أنّه واقع وخارج إنّما يتّضح بالتحليل الدقيق أنَّه كذلك على الحمل الأولّي والحمل الشائع للموجود الذهني، وإلاّ فهو ليس واقعياً ولا خارجياً. وعليه فإنّ الحكيم والمتكلم يرتبطان مع المصداق من وراء حجاب المفهوم، ومع العين من وراء حجاب الذهن، وليس لديهما أدنى ارتباط مع المصداق والموجود العيني من دون هذا الحجاب.

تمايز العلم عن المعلوم

التباين والاختلاف بين العلم والمعلوم يتّسع أحياناً ويضيق أحياناً أخرى. فحينما تكون للمعلوم العيني ماهية معينة فإنها تتّخذ مكانها في إطار النفس رغم أنّ الوجود العيني الأصيل لها لا يرقى إلى الذهن، ومن هنا يمكن الاطّلاع على الماهية الخارجية التي يمكن تصورها في الذهن، رغم أنّه لا يترتب عليها أي أثر، لأنّه لا يخطر على الذهن أي أثر لذلك الوجود العيني، وأنّ ما يطرأ على الذهن هو الماهية التي لا أثر لها لأنّها اعتبارية. ولكن حينما يتجرد المعلوم العيني من الماهية ومن الجنس والفصل فليس هويته فقط لا تطرأ على الذهن، بل حتى ماهيته التي تحكي عنها لا تطرأ على الذهن أيضاً على أساس قاعدة سالبة بانتفاء الموضوع، وإنّ ما يطرأ على الذهن مفهوم يختلف عن المصداق العيني والموجود الخارجي للأسباب الآتية:

أولاً: المفهوم عامّ كلي، وذلك الموجود العيني شخص كالواجب تعالى، والكلّي غير الشخص.

ثانياً: المفهوم غائب، والموجود العيني كالواجب تعالى حاضر على الدوام، والغائب غير الحاضر.

ثالثاً: المفهوم الذهني مسبوق بالجهل وملحوق بالسهو والنسيان، أي أنّه محكوم بالتغيّر، أمّا الموجود العيني كالله سبحانه وتعالى فإنَّه منزَّه عن أي تغيّر، ولا ريب في أنّ المتغير يختلف عن الذي لا يكون عرضة للتغيّر.

وبناءً عليه، فإنّ ما يكتسبه أهل الاستدلال الفلسفي والكلامي في الحالات الحسّاسة والمهمة من المعارف التوحيدية يختلف عمّا يتوصل إليه أهل العرفان بالشهود الوجداني. فإن أي شاهد محدود لا يستطيع اكتناه مشهود غير محدود؛ ولهذا فانّ معرفة العرفاء تقترن دائماً بإقرارهم، وشهودهم مقرون بالغَيْبة، بل إنّ الإقرار والغيبة يصلان إلى حدود لا متناهية، في حين أنّ هناك حدود معينة لمشهودهم، لأن الشاهد المحدود ينظر إلى المشهود اللامحدود بقدر حدوده لا بقدر المشهود اللامتناهي.

الجهاد الأكبر وهجرة العارف الكبرى

بعد أن اتّضح قياس العقل الاستدلالي إزاء قلب الشاهد، فإنّ هوية الإنسان المتشوّق للشهود تحتاج إلى الجهاد الأكبر لكي تجتاز مفهوم الصادق إلى المصداق عينه، وتتجاوز الذهن إلى الخارج، وتهاجر من الحصول إلى الحضور؛ لأن ما قامت به حتى الآن هو الجهاد الأصغر أو الأوسط، فمحاربة العدو الخارجي الذي يطمح إلى الاستيلاء على الوطن هو جهاد أصغر، ومحاربة العقل والنفس الأمارة التي تتسم بالشهوة والغضب هو جهاد أوسط، ومعركة القلب والعقل، وصراع الحضور والحصول، ودفاع شهود العين أمام فهم الذهن هو جهاد أكبر يؤدي إلى هجرة كبرى.

إنّ "فن الأخلاق" هو جهاد أوسط لتربية المجاهد الذي ينتشل نفسه من براثن الهوى وينقذها من مرديات الأهواء حتى يصل إلى حيّز القسط والعدل الآمن؛ أمّا فن العرفان فهو الذي يربّي ـ في مقام الجهاد الأكبر ـ المجاهد الذي يخلّص نفسه من العلم الحصولي، وينتشلها من البرهان العقلي، وينقذها من الحدود المظلمة للمفهوم والضيقة للذهن، ويأخذها الى منطقة شاسعة المساحة مترامية الأطراف، فيتذوق ـ المجاهد ـ طعم الشهود وينتشي بعطر المصداق العيني.

إنّ رسالة المجاهد المنتصر في ميدان الجهاد الأكبر إلى المقهور الذي غلبته الآفاق الضيقة للمفهوم الذهني والاستدلال العقلي هي أنّ العقل يستعمل لفهم الأوليات فقط ليس أكثر، أمّا المواضيع النظرية والمعقدة فلابدّ من مشاهدتها ببصيرة القلب لا فهمها بدليل العقل، ويمكن أن يتطلّع إلى الحقائق مَن فُتحت عيون قلبه، والأعمى من يستعين بعصا الاستدلال وبمساعدة البرهان كما يستعين المكفوف بيديه ورجليه ليفهم بعض خصائص ما يلمسه من دون أن يعلم لونه(2).

وإذا سعى هذا المكفوف إلى النظر، فان النجاح سيكون حليفه لرؤية من أمامه، وسوف لن يحتاج بعد ذلك إلى العصا ولا إلى استخدام لمساته للتعرف على الأشياء. وبطبيعة الحال فإنّ المسافة طويلة حتى بلوغ الانتصار في الجهاد الأكبر، وأمام المجاهد سنوات عديدة من الصبر حتى يشمّ رائحة يوسف، ومن لوازم ذلك ذهاب البصر وحلول العمى الظاهري، لكي تتفتح باصرة القلب، وتتحسّس شامة الباطن ويتفجر ينبوع النفس ليجري كوثر الشهود.

روى السيد حيدر الآملي عن رسول الله ’ أنّه قال: "خلق الله العقل لأداء حق العبودية، لا لإدراك الربوبية"(3).

فلا يمكن التوصل لمعرفة الله بالدليل العقلي، ومن يحاول ذلك بطريق الحكمة والكلام تشمله الآية الكريمة حسب ما يرى السيد حيدر الآملي: ]ألم ترَ أنّهم في كل وادٍ يهيمون[ [الشعراء/225].

ولا يقتصر الكثير من نقده على تشبيه الحكيم بالمتكلم، بل يجعل الاشراقي كالمشائي مشمولاً بالغضب العرفاني، ويرى أنّ كلاً منهما كالمكفوف المتحير الذي يعضّ على إصبع الندم، مصداقاً لخطبة أمير المؤمنين × التي أوردها في نقد المتشبهين بالعلماء(4).

دور البرهان في العرفان

رغم أن العلم الحضوري أقوى من العلم الحصولي، وأنّ الإدراك الشهودي أرقى من الإدراك المفهومي، فإنَّ الوصول إليه ليس يسيراً؛ مع أنّ بعض السالكين الواصلين عدّوا ذلك سهلاً، ورأوا أنّه أيسر من طرق الحكمة والكلام المعقدة.

حينما يصل العارف إلى شهود الحقائق في ظل العناية الإلهية، فإنّ الشك والتردد لا يجدان طريقهما إلى ثباتها واستقرارها وعينيتها ما دام العارف في حال الحضور، كما أنّه في هذه الحال لا يتوفر على فرصة تعليم الآخرين ونقل شهوده إليهم؛ ولكن حينما يتراجع من الحضور إلى الحصول ويعود من الشهود إلى الغيبة فلربما داخله الشك، سواء كان مشهوده في نطاق المثال المتصل أم في منطقة المثال المنفصل، ولإزالة هذا الاحتمال لابدّ من اللجوء إلى البرهان القطعي المعقول، كما إذا أراد نقل ما تلقّاه إلى الآخرين وتعليمهم إياه، فإنّه يحتاج إلى ثقافة الحوار التي تقترن بالاستدلال العقلي.

إذاً، فإنّ البراهين العقلية للعرفان هي بمنزلة آلة المنطق إزاء الحكمة والكلام؛ إذ يمكن بها تمييز الصحيح من السقيم، كما يمكن بها نقل المعارف إلى الآخرين الذين لا يتلقونها إلاّ حينما يصبح المشهود العرفاني معقولاً فلسفياً، أو أن يمتلك العارف البصير من القوة ما يستطيع أن يتوغل بها في قلوب أصحابه ويوصل قلوبهم لشهود ما يشهده، وعندها سوف يرون ما يرى.

المعلوم بالذات وبالعرض

إن تسمية الموجود الأصيل والحقيقي بالمعلوم بالعرض، وتسمية الموجود الظلّي والاعتباري بالموجود بالذات في العلم الحصولي هو كارتداء المعطف بالمقلوب ولبس النعل بطريقة معكوسة، فهو لا يضر الكائن العيني الأصيل، ولا يرفع من شأن الكائن الظلّي؛ لأنّ مثل هذه التسمية الناشئة عن نقص علم العالم وضعف معلوماته لن تؤدّي إلى وهن الموجود العيني إطلاقاً؛ لأنّ التوزيع على الذات والعرض في هذا التقسيم يعود إلى أنّ وعي العالم للمفهوم الظلّي والاعتباري أكثر من فهمه للموجود الأصيل الحقيقي. فذلك المعلوم بالعرض هو في الحقيقة موجود بالذات، وهذا المعلوم بالذات موجود بالعرض، وهذا التصور أدّى في النهاية إلى أن يسلّط الضوء على ما هو ظلّي أكثر مما هو أصيل.

أمّا في العلم الحضوري فإنّ الأصيل هو المعلوم بالذات، والظلّي هو ترجمة حصول ذلك الموجود الأصيل أو الشهود الحضوري، وهو بالنتيجة معلوم بالذات أيضاً، لأنّ المفهوم الذي يُنتزع من الشهود حاضر ذاتاً في نطاق الذهن؛ مثلما تحضر روح العالِم في العلم الشهودي في إطار العين، وتشهد الموجود الأصيل عينه.

فلا يوجد في العلم الحضوري ـ إذاً ـ معلوم بالعرض، فما لم ينتزع مفهوم من المشهود لن يكون هناك أكثر من علم عيني واحد مقرون بالمعلوم، وحينما ينتزع مفهوم ظلّي من ذلك المشهود العيني، فسيصبح المفهوم المنتزع معلوماً بالذات أيضاً.

مكاسب العلم الحضوري

لا يتوقف الفرق بين العلم الحضوري والعلم الحصولي عند حدود الوعي وكيفيته، فللعلم الحضوري مكاسب كثيرة، والإشارة الى بعضها تحفّز على الانصراف لكسب العلم الحضوري وتفضيله على الحصولي، وتقديم العرفان على الحكمة والكلام، منها أنّ أي تقرير علمي أو اتجاه عملي يناله أصحاب العلم الحصولي كالحكيم والمتكلم يتناول بالذات الموجود الذهني والمفهوم الظلّي، وبالعرض الموجود العيني والمصداق الأصيل، ذلك أنّ جميع جهود الروح وتفاعلاتها تقوم على أساس وعيها وإدراكها، وأن النفس الإنسانية تؤمن بالشيء وتتعلّق به وتكافح من أجله حينما يكون معلوماً حقيقياً وبالذات، أمّا إذا كان معلوماً بالعرض فليس له نصيب مما ذكرنا.

وعليه، فإنّ إيمان الحكيم والمتكلّم ينصرف إلى المعلوم بالذات ـ أي المفهوم الذهني بالذات ـ والموجود الأصيل الخارجي بالعرض، وبالنتيجة فهما يؤمنان بالغيب لا أكثر؛ غير أنّ إيمان العارف ينصرف إلى الموجود الأصيل الخارجي بالذات، وهو من سنخ الإيمان بالشهادة، إذ يعدّ أكمل من الإيمان بالغيب وليس من صنفه، وما جاء في وصف المؤمنين والمفلحين من أنهم ]يؤمنون بالغيب[ هو في الحقيقة بيان المرتبة الأدنى للايمان، وإلاّ فإنّ المرتبة الأعلى والأجلّ هي درجة الإيمان بالشهادة.

مجمل القول هو أنَّ حياة الحكيم والمتكلم تتحرك في مدار الصورة الذهنية وحول محور المفهوم بمعناه الأعم، وكلما استأنس الحكيم أو المتكلم مع الصورة الذهنية والمفهوم الحاصل منها، ابتعد عن الموجود الأصيل العيني والمصداق الخارجي، مثله مثل الطفل الذي ينظر في المرآة إلى صورة الشجرة المثمرة ويتعلّق بها ويشتدّ حبّه لها، فكلما ازداد ارتباطه بها ابتعد عن الشجرة الحقيقية وثمرتها الواقعية.

من هنا يتّضح أحد معاني كون العلم (الحصولي) يمثّل حجاباً كبيراً أو حجاباً أكبر، رغم ما قيل من معاني اأخرى لهذه المقولة الرائعة.

تنبيه: يقول بعض العارفين: "أي علم يكسب في الدنيا هو علم الأبدان، وأي علم يكسب ما بعد الموت هو علم الأديان... وإن رؤية نور المصباح هي علم الأبدان أما الاحتراق فيه فهو علم الأديان"(5). فمن يشهد بموته الاختياري حقائق البرزخ وآثاره كما يشهدها الأموات بالموت الطبيعي هو على معرفة بعلم الأديان.

منزلة الحكمة

نلفت الإنتباه هنا إلى أنّنا لو تعرّضنا بالنقد للعقل البرهاني ـ فيما مضى من البحث، أو في ما سنتحدّث عنه لاحقاً ـ أو تحدّثنا عن وهنه وفتوره وضعفه وإخفاقه، فهو في سياق تقييم البرهان العقلي بالنسبة إلى الشهود العرفاني، ومن باب المقارنة بين عصا الاستدلال وعطاء الشهود، وإلاّ فإن البرهان العقلي يأتي في القمة إذا ما قورن مع الإدراكات الحسية والخيالية والوهمية، وبيده زمام القيادة.

فالحياة الحكيمة، القائمة على أساس الفكر البرهاني والمستندة إلى الدليل العقلي المتقن، تفوق سائر أقسام الحياة التي لا نصيب لها إلاّ الحس والخيال والوهم.

ولدى دراستنا للعلوم الاستدلالية، نجد أن بعضهم رأى أن العلوم الرياضيَّة تأتي في القمة، إلاّ أن الدراسة العلمية ـ المعرفية تؤكد أنّ اليقين البرهاني ليس وفيراً في العلوم التجريبية بل نادر، وأنّ الدور الفعّال للعلوم الحسية والتجريبية يتجلى في أنها تقود إلى الطمأنينة والظن لا إلى الجزم العلمي.

أمّا العلوم الرياضية، فرغم وفرة مسائلها الجزمية واليقينية، فإنَّها تحتاج إلى الحكمة الإلهية في مبادئها الأساسية كعلمي الوجود والمعرفة وأمثالهما، كما أنّها محدودة في إطار نفوذها، فهي لا تنفع مثلاً مع الموجود العيني والخارجي المنزَّه عن كل كمية ومقدار. وإذا تمّت الاستعانة أحياناً بالمعادلات الرياضية لحل بعض علوم ما وراء الطبيعة والاستفادة منها لتحرير المسائل التجريدية البحتة وتحليلها، فإنّما يجري ذلك بعد ترقيق الموضوع المنـزه عن الكمية والمقدار، وبعد تشبيه المعقول بالمحسوس، وإلاّ فإنّ الموجود المجرد الذي لا يحدّه زمان ومكان وطول وعرض وعمق، لا يمكن أن يُقاس بالحساب والهندسة، إنّما يعالج فقط بالبرهان العقلي الخالص.

وهنا تتّضح سلطة الفلسفة الإلهية وموقعها المتميز إزاء سائر العلوم الاستدلالية، نحو العلوم الطبيعية والرياضية والمنطقية والأخلاقية. وبطبيعة الحال فإنها تعاني من النقص والضعف حيال العلم الشهودي على قاعدة: "حسنات الأبرار سيئات المقربين"(6).

الفرق بين العرفان والتجربة الدينية

اتّضح، في مطاوي البحث المقصود من العرفان، مقابل الحكمة والكلام، ولكن لكي لا نقع في الخلط بينه وبين بعض الحالات الوجدانية التي يُعبّر عنها أحياناً بأنّها تجربة دينية، يلزم الانتباه إلى أنّ المقصود من العرفان هو شهود الواقع ومعاينة الحقيقة العينية، لا بالوسائل الحسّية وآلات المثال المتّصل؛ لأنّ ما يشاهد بالمثال المتّصل بالنفس هو من مختلقات النفس ومخلوقات الروح، ولا دليل على سلامته من دسّ الروح وجعلها وتحريفها؛ كأضغاث الأحلام التي تنسجها النفس أثناء نوم البدن، ثم يستعيد ذكرها البدن بعد صحوته. فمثل هذه المشاهدات النفسيَّة في حالة المنام قد تحدث لبعض البسطاء والسذّج من المرتاضين أو السالكين، وليس بمقدور كائن من كان أن يميّز هذه المشهودات عن مشهودات المثال المنفصل.

إنّ دور البرهان العقلي العميق لتحديد صحّة مكتشفات أهل المعرفة من سقمها هو دور كبير؛ لأنهم، وبعد الخروج من الخلسة وزوال حالة النَّوم وأمثالها، يتأملون في مستوى اعتبار مشهوداتهم؛ فيقطعون الشكّ أحياناً بميزان الوحي والنقل المعتبر، ويعالجونه أحياناً أخرى من خلال مقياس البرهان العقلي. ولهذا قيل: إنّ وِزان الفلسفة للعرفان كوِزان المنطق للفلسفة؛ بمعنى أنّ البراهين المتقنة للحكمة لتقييم صواب وخطئها مشهودات أهل المعرفة، هي بمنزلة القواعد المنطقية لتقييم صحة أفكار أهل الحكمة من سقمها.

إذاً فالمراد من العرفان، في هذا البحث ونعني العرفان الذي يفوق حُرمة الكلام ويتفوق على قيمة الحكمة، هو شهود الواقع ومعاينة الحقيقة الخارجية المنزّهة عن نسج الحسّ والخيال ودسائس النفس في منطقة المثال المتصل.

النظرة الكونية العرفانية للإمام علي 

العلم الشهودي بالكتاب التدويني والتكويني الإلهي

بعد أن اتّضحت النظرة العقلية للوجود من قبيل الإدراك الحصولي عند الحكيم والمتكلم، والنظرة الشهودية للكون التي تحصل من خلال الإدراك الحضوري للعارف، وظهر رجحان الادراك الشهودي على العلم الحصولي، يجدر بنا أن نستعين بالقرآن الكريم وسنّة المعصومين (عليهم السلام) لمعرفة النظرة الكونية للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ×، لكي نقف من ثمّ على كيفية حياته وحقيقتها وسنخ سيرته وسنته ×.

إنّ القرآن الكريم الذي يعدّ أهم كتاب سماوي له الهيمنة والسيطرة والسلطة على جميع الصحف الإلهية السابقة: ]مصدقاً لما بين يديه[ [البقرة/97]، و ]مهيمناً عليه[ [المائدة/47]، وهو الحبل الإلهي الممدود، أحد طرفيه، وهو العربي المبين، بيد الناس، وطرفه الآخر عند الله تعالى، وهو المنزّه عن الوضع واللّغة والاعتبار والمفهوم والمعنى الذهني: ]إنّا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون * وانّه في أم الكتاب لدينا لعليّ حكيم[ الزخرف/3و4].

هذه الصحيفة المهيمنة، مع ما فيها من بطون وتأويلات وظهور وتنزيلات، هي مشهودة لدى إنسان كامل كعلي بن أبي طالب ×، فقد ورد عن رسول الله (صلى لله عليه وآله وسلم) بعد أن سُئل عن قول الله عز وجل: ]قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب[ [الرعد/43]، قال: "ذاك أخي علي بن أبي طالب"(7).

ولما كانت معارف القرآن معلومة بتمامها لدى علي بن أبي طالب ×، فإنّ علمه بالمعارف القرآنية ليس من قبيل العلم الحصولي، وإنّما من صنف العلم الحضوري والشهودي.

ولما كان القرآن الكريم هو كتاب الله التدويني، والعالم الخارجي هو كتابه التكويني، وأنّ هاتين الصحيفتين متناسقتان ومنسجمتان تماماً ـ بحيث لو تمثّل القرآن بصورة، تكوينية، لأصبح هذا العالم المشهود، ولو تجلّى العالم المشهود على هيئة كتاب مدوّن، لأصبح هذا القرآن الكريم ـ فإنّ من يتوفر على العلم الشهودي بجميع أبعاد القرآن يتوفر أيضاً على علم حضوري بأسرار عالم التكوين ورموزه.

مشاهدة كتاب الأبرار

صنّف القرآن الكريم المتّقين والحائزين على درجة القرب الإلهي في منزلة أصحاب الميمنة والأبرار والمقربين، وعدّ منزلة المقربين الدرجة الأعلى، ومن علاماتها إشراف المقربين واطّلاعهم على خفايا الأبرار وعلى ما هو مسطور في صحائف أعمالهم من عقائد وأفعال وأخلاق: ]إنّ كتاب الأبرار لفي عليين * وما أدراك ما عليون * كتاب مرقوم * يشهده المقربون[ [المطففين/18 ـ 21]. وظاهر الشهود في هذه الآيات هو العلم الحضوري وليس الحصولي.

رغم أنّ الآيات المذكورة لا تثبت صراحة العلم الحضوري للمقربين حيال جميع جوانب العالم التكويني، إلاّ أنها تثبت علمهم الشهودي لمساحة واسعة من صحف عقائد الإنسان وأخلاقه وأعماله، ويشمل شهود المقربين كل ما هو أدنى مرتبة من درجتهم الوجودية، بحيث إنّ شخصية كعلي بن أبي طالب × ـ الذي يعدّ من أكمل مصاديق المقربين ـ يضحي مطلعاً شهودياً على باطن أعمال المجتمع الانساني وظاهره، وعلى كل من هو أدنى مرتبة منه من الناحية الوجودية.

شهود القيامة

بشّر القرآن الكريم أصحاب العلم اليقيني بأنّهم سيصبحون من ذوي الأبصار، وقال: ]كلاّ لو تعلمون علمَ اليقين * لترونَ الجحيم * ثم لترونّها عين اليقين[ [التكاثر/5 ـ 7]. والمراد من رؤية الجحيم ليس إدراك دراية عبر البرهان العقلي، ولا إدراك رواية عبر الدليل النقلي المعتبر؛ لأن من شروط هذه الرؤية التوفر على علم اليقين؛ أي أنّ من له علم اليقين بجهنم يتوفر على شرط الانتقال من الفهم إلى النظر ومن العلم إلى الوجود، وبالتالي الهجرة من العلم الحصولي إلى العلم الحضوري سواءٌ توصّل إلى هذا اليقين بالبرهان العقلي أم بالدليل النقلي القطعي عن المعصوم ×. ولا يقصد بالرؤية الأولى أنَّها تأتي ما بعد الموت، لأنّ الملحد يرى أيضاً جهنم في تلك المرحلة، ويكون حينئذٍ على علم حضوري بوجودها.

إذاً، يعدّ القرآن الكريم الرؤية الشهودية ممكنة لبعضهم، وهي أعلى مرتبة من الدراية العقلية والرواية النقلية، ولا ريب في أن علي بن أبي طالب × هو أبرز مصداق تتوافر فيه الشروط لرؤية الجحيم؛ ولمّا كان الكثير من الآيات الكريمة يتطرَّق إلى ساحة جهنم وإلى الإنذار منها بشكل منفرد، وكان هذا ينطوي على بعد تربوي وارشادي؛ فان لبعض المؤمنين ومَثَلهم الأعلى علي بن أبي طالب × القدرة على شهود القيامة بما فيها النعيم والجحيم، وكل ما هو أدنى مرتبة من القيامة.

ونكتفي بهذا القدر من ذكر الشواهد القرآنية، رغم وجود أدلّة أخرى يمكن استنباطها من القرآن المجيد عن العلوم الشهودية للأولياء، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب ×، كقوله تعالى: ]وقل اعملوا فسَيرى اللهُ عملَكم ورسولُه والمؤمنون[ [التوبة/105]، حيث يعدّ الإمام علي× المصداق البارز للمؤمنين في هذه الأمة ويمكنه مشاهدة أعمال الجميع(8).

النبي (ص)وعلي (ع)سواء في الشهود العرفاني

قال النبي’ عن العلم الشهودي لعلي بن أبي طالب×: "خلقت أنا وعلي من نور واحد"(9). وكون النبي’ وأمير المؤمنين× مخلوقين من نور واحد أمر ضبطته الجوامع الروائية، وأنّ حياتهما واحدة ومماتهما واحد، وأنّ النظرة الكونية النبوية هي نظرة شهودية وليست حصولية، كما أنّ حياته’ كانت من نمط حياة العارف وليس الحكيم أو المتكلم، فإنّ علي بن أبي طالب×، المخلوق من نور واحد مع النبي’ كان ينطلق من نظرة شهودية للكون وليست حصولية، وحياته على غرار حياة النبي’ هي حياة العارف وليس الحكيم أو المتكلم، رغم أنّه لم يحظ بنصيب من النبوة والرسالة التشريعية؛ ويمكن استنتاج تساوي هاتين الذاتين النوريتين في الشهود العرفاني من قوله تعالى ]وأنفسنا وأنفسكم[ [آل عمران/61].

ويلاحظ هذا التقارن في الشهود والحياة في أحاديث أخرى كقوله’: "يا علي، ما عرف الله إلاّ أنا وأنت وما عرفني إلاّ الله وأنت وما عرفك إلاّ الله وأنا"(10)، فمن لا يعرفه إلاّ الله، ولا يعرف الله إلاّ هو حقيق على روحه أن تحلّق في الذرى وتتبوأ القمة، وحقيق على مثل هذه الروح الكاملة أن تشاهد أسرار العالم بتجرد عقلي تام، ليصبح علي بن أبي طالب× نظيراً للنبي’، ويفيد ذلك قوله’: "علي مني بمنزلة رأسي من بدني"(11). هذا كلُّه مع احتفاظ النبي’ بمنزلته بوصفه رسولاً.

نكتفي بهذا القدر من نقل الأحاديث النبوية، مع أنّ المتتبع الماهر يستطيع استظهار النظرة الكونية الشهودية العَلَوية من خلال الأحاديث الواردة في حقّه×.

علمه الشهودي عن لسانه

نذكر، في ما يأتي نماذج من كلام أمير المؤمنين× عن نفسه، أو عن المسائل العلمية ليتّضح شهوده العلمي؛ وقبل ذلك نشير إلى أن أي كلام له× ينطوي على مديح أو ثناء لذاته، فإنّه يأتي في سياق الكشف عن شخصيته الحقوقية، أي ولايته وخلافته الإلهية التي تُعدّ أمانة دينية لا بد من صيانتها وحمايتها والحفاظ عليها، هذه الحماية التي تتّخذ أشكالاً شتى من قبيل التبيين والتعليل والتسديد والدفاع وما إلى ذلك، ولا يأتي من باب "تزكية المرء نفسه"(12)، لكي يصبح مذموماً. ومهما يكن فانّ ما جاء


المدرسة الـتأويلية الإيرانية المعاصرة / رصد تقويمي للمشروع الهرمنيوطيقي لمحمد مجتهد شبستري

11 يوليو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تمهيد

تتطرَّق هذه المقالة، أولاً، إلى بحث اختلافات علماء التأويل، وتوضِّح بعد عرضها لعدة نظريات تأويلية مهمة، صعوبة الكلام على مستلزماتها وآثارها، إذا أخذت في الاعتبار العقائد والآراء المختلفة والمتفرِّقة. ثم تتطرق إلى تحقيق رسالة تبحث في المقالات التأويلية وإلى نقدها، وتتكلم على لوازمها وآثارها من قبيل:

1 ـ النسبيّة لا الإطلاق.

2 ـ التطبيق والتأويل لا التفسير.

3 ـ تحميل النص توقعات المفسّر ورغباته.

سيتوضح، من خلال هذه المقالة، أن ليس كلُّ نصٍّ بحاجة إلى التفسير، وما إذا كان هنالك من حاجة إلى تفسير النصوص والظواهر أم لا.

بمساعدة النصوص والظواهر يتوضّح المعنى المركزي، وبعد ذلك تفسّر العبارات التي ليست نصّاً ولا ظاهراً بمساعدة الشواهد والقرائن الخارجية. وبما أن التفسير عمل اجتهادي، هنالك احتمال أيضاً أن تظهر الاختلافات، هذه الاختلافات حتى وإن لم تكن كبيرة يمكن تجنّبها، بتوخِّي الدّقة الكاملة في استخدام ضوابط التفسير(1).

وعلم التفسير هو فنّ الفهم، ولكن هل التفسير معناه التوصّل إلى فهم النصوص أو أنه يشمل دائرة أوسع؟ وهل هو متعلّق بفهم النصوص فقط أو أنه يحتاج مع الفهم إلى الفن؟ وهل المتون جميعها بحاجة إلى التفسير؟ وحيث يتوجب التفسير ما مفتاحه؟

يقول بعض الباحثين: "إن علم التفسير هو ذلك العلم التقليدي الذي له علاقة بفنّ الفهم"(2)، ولذلك ترجموا الهرمنيوطيقا بعلم التفسير أو الإطلاع المعمق(3).

ويرى بعض آخر أن لفظة التأويل تتضمن الإشارة إلى ثلاث مراحل: "العلامة" "الرسالة أو النص المحتاج إلى التفسير" و"المفسِّر" والأقسام الثلاثة المذكورة، تتضمن المسائل العقلية الآتية(4):

1 ـ ما هي ماهية نص ما؟

2 ـ ماذا يعني فهم النص؟

3 ـ كيف يمكن للفهم وللتفسير، من طريق الفرضيات المسبقة ومعتقدات المخاطبين، أن يقدّم فهماً معيّناً للنَّص؟ إن التأمل الجدّي للمسائل الثلاث المذكورة أعلاه، يبيّن أن "التفسير" يحتاج إلى تفسير.

يرى "غادامر"، في كتابه "الحقيقة والأسلوب"، أن "الإدراك التفسيري يشمل مجالاً واسعاً، أرفع من الإدراك الجمالي… ويجب أن يُعرّف علم التفسير بحيث يتضمن أيضاً الإدراك الفنّي.

يجب أن يُتصوّر الفهم بوصفه عنواناً جزئياً في مسار تحقّق المعنى، الذي تتشكّل فيه معاني القضايا المرتبطة بالفن وبسائر العلوم النقلية وتتصل إلى الكمال… إنّ هذا العلم يتخطّى غايته العملية الأصلية التي هي تهيئة إمكانيَّة فهم المتون الأدبيّة وتبسيطها… وينطبق هذا الأمر على جميع العلوم النقلية والفنون وكل الإبداعات المعنويّة الماضية، وعلم الحقوق والدين والفلسفة وأمثالها، وفي الخلاصة كل ما هو غريبٌ عن معناه الأصلي، ويحتاج إلى مرشدٍ يكشف أسراره، وإلى وسيط ـ أي ما نسميه تأسّيا باليونانيين: هرمس (Hermes)، أي ربّ النوع، رسول الآلهة، أو جبرائيل"(5).

علم التأويل هو المبيّن لقواعد التفسير، والتفسير هو وسيلة الفهم، ولكن هل يتوافق الجميع على هذه القواعد؟

يعتقد "غادامر" أن كلاًّ من "شلايرماخر"(6) (1768 ـ 1834) ـ الذي يعدُّ مؤسس التأويل الجديد ـ وهيغل قد تورط في موضوع علم التفسير بنوع من النظرة الإفراطية، على أنهما اهتما بمنهج إعادة الصياغة والإدغام، وعدَّا منشأ علم التفسير غريباً مقابل النقل(7).

لقد أراد "شلايرماخر" تجديد الخصوصيات الأصيلة للأثر في الذّهن. أي إعادة صياغة الحياة الأولية وإحياء الأبنية السابقة بشكلها الأوّلي، وإعادة التصاوير والمجسّمات إلى مكانها الأصلي؛ وهذا كله يعبر عن معنى واحد هو: "إنّ الهدف من التفسير هو أن نحصل من جديد على نقطة الاتصال مع ذهن الفنّان، ومن خلال نقطة الاتصال هذه، يمكن لأي أثر فنيّ أن يصبح قابلاً للفهم بصورة كاملة"(8).

يقول "دلامر" في نقده لنظرية "شلايرماخر التأويليّة:

"لا شكَّ في أنّ إعادة صياغة الشروط التي تدل على خصوصيات الأثر المنقول الأصلية، تقدم المساعدة المناسبة لفهم ذلك الأثر، لكن، هل ما نحصّله على هذا النحو هو في الواقع الشيء نفسه الذي كنا نبحث عنه تحت عنوان معنى الأثر؟"(9).

رأي هيغل: يرى هيغل "أن إعادة صياغة الماضي غير ممكنة، ولا يمكن الحياة في الفضاء الأصلي لتلك الآثار الفنّية. إنَّ الشجرة التي تقدم لنا جناها من الثمار، هي شيء أرفع من ماهية الثمار، يسري في ظروف خاصة وفي عناصر الثمار والشجرة. وهكذا فإن الروح التقديرية التي تضعها هذه الآثار الفنّية تحت تصرفنا هي أيضاً أرفع من الحياة المعنوية والواقعية لأي أمة"(10).

يقول "غادامر" في كتاب "الحقيقة والمنهج":

"يرى هيغل أن هذه الفلسفة ـ التي تمتد جذورها على مدى التاريخ ـ يمكنها أن تطلُع من عهدة التفسير. إن موقف هيغل هذا هو بالضبط الموقف المقابل لذلك الإدراك التاريخي الذي يريد أن ينسى نفسه في الكل.

إن طريقة تصور الماضي في هذا السؤال، وهي نفسها مقيّدة بقيود التاريخ، تتبدل إلى طريقة تفكّر وتأمّل في التاريخ. وعلى هذا النحو يعبّر هيغل عن هذه الحقيقة المهمّة، لأنّ حركة التاريخ ليست في تصحيح الماضي؛ وإنما في الوساطة الفكريّة القائمة بين الماضي والحاضر"(11).

رأي غادامر: برى غادامر أنَّ رأي هيغل في فهم الحوادث التاريخية مهم، وأفكار الرجال الكبار وأعمالهم موافقة لمسيرة التاريخ ولتجلي حقيقة ذلك العصر وظهورها. فالعمل الذي ينجزه الفرد والقرارات التي يتخذها موافقة لميول الزمان الكليّة، ومن الممكن، من خلال تفسير آراء الأشخاص وأفكارهم وأفعالهم، إدراك أحوال التاريخ والعصر.

لقد قام غادامر، من أجل توضيح ماهية التأويل، بالتحقيق في شروط إدراك الفنّ، وفهم التجارب التاريخيّة؛ وبحسب رؤية الرومنطيقيين يجب علينا، لتفهم الأثر الفنّي، أن نشارك النوابغ في فهمهم متعة إبداعهم، لكن ليس بإمكان أيٍّ كان أن يفعل ذلك، ويكون ادعاءً مبالغاً فيه، إذا فكرنا أن بإمكاننا أن نشارك مفكرين كأفلاطون وأرسطو في أفكارهم؛ حتى وإن كان هذا ممكناً أيضاً، ماذا ترانا نقول في شأن الخرافات التي ليس لها مؤلّف خاصّ؟ إن الكتب السماوية، ليست نابعةً من تفكير البشر ـ حتى كُتّاب الأناجيل، لم يكتبوا رؤيتهم الشخصيّة ـ وإن كان الأمر على هذا النحو جزئياً فإن مشاركتهم في أفكارهم غير ممكنة كذلك.

وعلى الرُّغم من أن " غادامر" ليس من أتباع هيغل، فإنّ رأيه المتعلق بفهم الحوادث التاريخية يعدّ مهماً. والمهم في نظره بالنسبة إلى المفسّر هو المشاركة اللغوية، لأن الفهم هو فهمٌ لغويٌ، واللغة في التأويل هي محورُ الفهم، ولكن التأويل ليس الألسنيّة؛ إنَّ التفهم ولغة التفهّم متزامنان، إذاً التأويل ليس مختصّاً بالفلسفة، وليس تفكيراً متعلقاً بعصر معيّن(12).

إضافة إلى أنّ غادامر لم يضع حاجزاً بين العلوم الطّبيعية والعلوم الإنسانيّة، فقد سمى في حوزة علم الاجتماع الكانطي "الفيزياء الاجتماعية"، وقد أكد دوركايم، في أحد فصول كتابه "قواعد علم الاجتماع ومناهجه"، أن من الواجب استخدام المنهج نفسه المستخدم في العلوم الطبيعيّة"(13).

 1 ـ شلايرماخر: (1768 ـ 1834)

لقد سمّى ديلتاي شلايرماخر "كانط التأويل"، فهو يريد من التأويل أن يحلّ المشاكل والتناقضات المتعلقة بالتفسير. لقد أُجريت قبل "شلايرماخر" أبحاث في الفرق بين "التفسير القدسي"، و"التفسير الدنيوي"، وصنع كلُّ واحد من حملة لواء تفسير العهدين لحناً وعَزَفه.

لقد أراد شلايرماخر، من وضِعه لأسس التأويل، أن يتبع المفسّرون المعايير والملاكات والضوابط، ويبتعدوا عن الاختلافات، ويفسّروا كلّهم النصّ على نحوٍ واحد.

واللاَّفت أنه لم يقترح في الوقت نفسه منهجاً خاصاً، على الرّغم من أن بعض الباحثين قللوا من أهميّة منهج القواعد الخاص و"قوانين الدلالة" فقد أولى شلايرماخر هذه الناحية أهمّية خاصّة، وكما رأينا فقد عدّ "دلامر" أيضاً "الاشتراك اللغوي" مهماً. لا يعني "الاشتراك اللغوي" أو "المشاركة اللغوية" أنَّ المخَاطب والمخاطِب يفهم أحدهما لغة الآخر، ومن هذا المعبَر يصلان إلى الفهم المشترك؟

لقد أثبت أنّ الكتابَ المقدس لا يحتاج إلى أي منهج خاص، وإنما يجب فقط إيجاد الأبنية النحويّة والشروط السيكولوجيّة اللازمة لفهم أي نص، لقد أعطى للغة الأهميّة القصوى، لأن فهم المعاني التي تتضمنها آراء الأشخاص، يتيسّر بوساطة اللغة.

لقد أخذ شلايرماخر، في اعتباره من أجل النظرية التأويليّة، المحورين الآتيين:

1 ـ الفهم النحوي لأنواع العبارات والصّور اللغوية الثقافيّة التي يعيش فيها المؤلف، وتفكيره مشروطٌ بها ومتعيّنٌ بوساطتها.

2 ـ الفهم الفنّي أو النفسي لذهنية المؤلف الخاصّة أو لنبوغه الخلاّق، وهو في هذين المحورين يتبع المفكّرين الرومانسيين، الذين يَرَوْن أن أسلوب تعبير الفرد، على الرغم من أهميته وقراءته، يعكس روحيةً أو إحساساً ثقافياً أوسع.

هذا العمل يحتاج نوعاً ما إلى عملٍ مسبق وحركةٍ شهوديّة، تمكّن المفسّر من تحرير معرفة المؤلف، للتوصل إلى فهم أفضل من فهم المؤلّف.

حتى العام 1920، كانت مذاهب النقد الأدبي الإنجليزية والأميركية الواقعة تحت تأثير "شلايرماخر" بصورة عامة، تعتقد بأنَّ هدف التفسير كشفُ نيَّةِ المؤلّف. أما أتباع فرويد وماركس، فقد بيَّنوا أن للنصّ الأدبي حياةً مستقلة عن المؤلّف، وليس لفهمه علاقة بنيّة المؤلّف إلى هذا الحدّ. في كل الأحوال، لنظريته تأثير أقلّ في كشف نيّة المؤلّف، وتأثير أكبر في موضوع الدّين.

2 ـ ويلهالم ديلتاي (1833 ـ 1911)

كان ديلتاي يريد أن يبني أساساً علمياً، يمنح نتائج العلوم الإنسانيّة قدراً من الاعتبار مساوياً لقدر العلوم الطبيعيّة، علماً أن التوفيق لم يحالفه بسبب ظهور بعض الفروع المتخصّصة ونموها الزّائد، وسيطرة المذاهب الأسلوبية، واحتلالها مكان التأويل(14).

كان تأويل ديلتاي يريد أن يوجد نظاماً أساسياً للعلوم الإنسانيّة مقابل العلوم الطبيعيّة، ومع أنّه متأثر بشلايرماخر، فإنَّه رفض عقيدة شلايرماخر القائلة: "إن كلَّ أثر هو حصيلة نيّة موجودةٍ في الذّهن بصورة ضمنيّة".

لقد انتقد كانط العقل المحض وديلتاي العقل التاريخي، مستنداً على التمايز بين "التفهيم" و"التبيين".

ولقد استند، في تبيين الحوادث الطبيعية، على استخدام القوانين الكليّة، ولكن المؤرخ يسعى وراء فهم أفعال صانعي الأحداث، فيتوصّل من طريق الكشف عن نواياهم وآمالهم وطبائعهم وشخصياتهم إلى فهم أفعالهم. هذه الأفعال قابلة للفهم لأنها بشرية ولها باطنٌ على عكس الحوادث الطبيعية، وبإمكاننا أن ندركها نحن بسبب بشريتها. إذاً التفهم يعني "اكتشاف الأنا في الأنت"، وهذا يمكن قبوله بدليل الماهية البشرية العامة. لقد تابع من ثمّ "ماكس ڤيبر" الألماني (1920 ـ 1964) طريق ديلتاي.

أولاً، ديلتاي و"ڤيبر" قلّلا من تأثير العلاقة في اكتشاف نيّة المؤلف، وثانياً، سعيا من أجل إيجاد "منطق الفهم" بوصفه فاعليَّة آحاديّة بالنسبة إلى العلوم الإنسانية. حتماً لقد اتكأ ديلتاي على إثبات "إمكانيّة الفهم" في بعض النظريات المتعلقة بالبنية البشرية وتجلياتها، كما اتكأ ڤيبر على أنواع الأعمال الاجتماعية.

لقد أثّر شلايرماخر وديلتاي كلاهما في "يوافيم ڤاخ" الألماني الذي هاجر في العام 1953 إلى أمريكا، والذي أراد أن يؤسّس للتفسير الديني بوصفه فرعاً عينيَّاً وتوصيفيّاً ومحرّراً من ادعاءات علم الكلام. لقد كان يسعى كديلتاي إلى وصف الشروط الضرورية للفهم، ورأى كشلايرماخر أن الفهم يستلزم نوعاً من التعاطف، بحيث أنّّ شعور التعلّق بالدين ضروريٌ لفهم الدين، وقد عدّ الميول الدينية خصلةً نابعة من ذات البشر.

3 ـ سيغموند فرويد (1856 ـ 1939)

في نظريات "فرويد" و"يونغ" السيكولوجيّة التي تشرح سلوك البشر وأنماطهم، على أساس القوى الروحيّة اللاواعية، تضخّم ضمير اللاوعي إلى حدّ اشتماله على الرؤى والأحلام وزلاّت اللسان، التي تتدخل في تكوين النص، ولقد وصل بهما الأمر إلى عدّ الفن والدين متضمنين لمعانٍ لاواعية، لقد رفض فرويد الكلام على نيّة المؤلف وعدّها مقولة سطحية، وأكثر من ذلك، قدّم معنى مختلفاً في حكم التأويل التقليدي، حيث يقول: "إن المفسّر يفهم المؤلّف أفضل مما يفهم نفسه"، وعدّ ذلك ضرورياً.

المفسِّر، في نظر فرويد، يحمل مفتاحاً خاصاً معه، يمكن أن يفتح بوساطته، قفل المعاني اللاواعية والغريزية والقناعات المسجونة فيها التي تعوِّق صفة معيّنة من المظاهر الحياتية، على نحوٍ أكثر علمية. إن التفسير العلميَّ هو الذي يفتح أقفال المتون المغلقة(15).

 

4 ـ مارتين هايدغر (1889 ـ 1976)

مع أن مارتين هايدغر، في كتابه "الوجود والزمان"، متأثر بديلتاي، إلاّ أنَّه يرى أن ديلتاي لم يتغلّب على الميول الذهنية. في نظره، أن فهم الجماعة البشرية للعالم، يبدأ من الطريق الذي يسبق صياغة الفهم ـ أي الفرضيات والتوقعات والمفاهيم المشكّلة "للفهم" ـ. وهو يسمي هذه الحال: الوضعية التأويلية. لوجود البشر أيضاً وضعية هي المجال الذي تُصاغُ فيه تفسيراتنا المحليّة.

يرى المتكلم الألماني بولتمان (1884 ـ 1976) أن تحليل هايدغر للوجود البشري هو البناء العقلي لتفسير العهد الجديد، ومن هذا الطريق يمكن فصل المفاهيم الدينية الأساسيّة عن قوالب القرن الأول الميلادي الأسطورية. وإن غادامر سعى لفهم تأويل هايدغر من جديد فانتقد شلايرماخر وديلتاي.

شلايرماخر وديلتاي عدّا المسافة الفاصلة بين المفسّر والمؤلف مجالاً لسعة الفهم، غادامر كهايدغر يعتقد بأنَّ الفرضيّات هي مجالٌ للفهم، ولسوء الفهم، ففي نظره "يفسّر الشيء أو النصّ في نظرة خاصةٍ متعلّقةٍ هي نفسها بسنَّة خاصّة، تصوغ أفقاً خاصاً تصبح كلُّ الأشياء في إطاره صالحةً للفهم، هذا الأفق يطرأ عليه التعديل على أثر مواجهته للأشياء، لكن لا وجود مطلقاً لأيّ تفسير نهائي وعيني"(16).

اميليو پتي، انتقد غادامر لأنه لم يفرّق بين تفسير ذهنيّ وتفسيرٍ معتبر شامل. وألغى مجال حدوث مثل هذا الفرق كلّياً.

 

5 ـ التأويل من دون "قواعد"

هنالك أشخاص ليس لديهم أي رغبة في تدوين القواعد لتفسير النصوص. "فماري هشر" متعلقة بفلسفة العلم، ولا تعتقد بأي تمايز دقيق بين التبيين والتفسير. قال بعضهم: لا وجود لأيّ أسلوب صحيح أو غير صحيح لتفسير الوجود؛ هذا النوع من التفكير مصدره مقالات فيتغنشتاين (1889 ـ 1976) الذي يبحث في آثاره عن معنى الفهم، وعن كيفية فهمنا لإدراك آخر، ولكنه لا يقدّم قاعدة.

هو يعتقد بأنَّ تدوين نظريَّة عامة لـ"الفهم" أمرٌ محال، يجب أن نفهم فقط استخدام الألفاظ، كما يعتقد كهايدغر أن الوضعية البشرية نفسها تأويلية(17).

 جمع الآراء ونقدها

تبيّن أن هنالك نظريّتين في وجود قواعد للتأويل أو عدم وجود ذلك، وأن فيتگنشتاين أحد أولئك الذين رفضوا قوننة التأويل، ويرى أن الفهم الجيّد لاستخدام الألفاظ كافٍ للتوصّل إلى التفسير الصحيح. نحن حتماً نعتقد بأنَّ فهم استخدام الألفاظ غير كافٍ، ومن الضروري استخدام التشخيص العام والخاص والمطلق والمقيّد والحقيقة والمجاز والاستعارة والكناية، والناسخ والمنسوخ (في حال كان النّص يتضمّن ناسخاً ومنسوخاً).

لكن الذين يَرَون أنّ للتأويل قواعد لا يتفقون على رأي موحّد، فديلتاي، على عكس شلايرماخر، لا يوافق على الفهم النفساني للمؤلف وعلى فهم نبوغه. مع أن رأي فيتگنشتاين يستند على فهم الاستخدام الصحيح للألفاظ، فهو قريب من أحد محوري نظرية "شلايرماخر" التي هي عبارة عن فهم قواعد أنواع العبارات والصور اللغوية الثقافية للمؤلّف.

شلايرماخر يسير على خطى المفكِّرين الرومنطيقيين، بينما ديلتاي وفرويد ويونغ وماركس ليسوا كذلك، وهايدغر متأثر بدليتاي، ولكنه يعدّه متورطاً بالخضوع للميول الذّهنيّة.

النتيجة هي أن ليس بالإمكان، من خلال مجموعة من الأبحاث، التّوصل إلى خلاصة جامعة عن التأويل يمكن الكلام على آثارها ومستلزماتها العامة.

 

محمد مجتهد شبستري وتكوين الاتجاه التأويلي المعاصر في إيران

ظهرت، في إيران، في السّنوات الأخيرة، ترجماتٌ ومؤلفاتٌ عديدة تحت تأثير النحل التأويلية الغربيّة أحد نماذجها كتاب: "تأويل الكتاب والسنّة"(18).

تتمثَّل حسنة هذا الكتاب في نوعية تنظيم القوانين والقواعد التأويلية، ويتمثَّل عيبه الكبير في عدم ذكره للمصادر والمراجع.

بغض النظر عن الإفراط والتفريط والميول والاتجاهات الإيجابيّة والسلبية للآراء المختلفة، يمكننا أن ندّعي أن جميع المفكرين التأويليين في الغرب يتفقون على مسألتين:

إحداهما ضرورة التفسير؛ أعمّ من حصر التفسير في حدود النصوص القديمة، أو تعميمها على جميع الآثار الفنّية، والأخرى أنّ التفسير لا يمكن أن يكون بلا ضوابط. حتى أولئك الذين لم يضعوا قاعدة، اكتفوا في الحقيقة بوجود قاعدة واحدة، وهي أنّ من الواجب فهم كيفية استخدام الألفاظ. وبحسب هذه النظرية، إذا كان لدى الشخص إطلاعات كليّة على صرف اللغة ونحوها وعلى آراء اللغويين، كان مطلعاً على النصوص الشعريّة في لغة من اللغات، بإمكانه أن يفسّر نصّاً قديماً مأثوراً. حتماً، من الواجب إضافة شرط آخر في صدد النصوص الفنّية هو معرفة الفنّ.

من يريد أن يفسّر نصّاً كلامياً أو فلسفياً، يجب أن يكون من أهل الكلام والفلسفة، ومن يريد أن يفسّر نصّاً رياضياً أو طبيعياً أو حقوقياً أو فلكيّاً، يجب أن يكون مطّلعاً إطلاعاً كافياً على هذه العلوم، وإلاّ، مهما كان متمكناً من آداب لغة تلك العلوم، فإنه لن ينجح في مهمة التفسير.

مشروع شبستري، المقدّمات والمقوّمات

نبدأ بتحقيق المقدمات والمقوّمات التي وردت في كتاب: "تأويل الكتاب والسنّة" لنتعرّف إلى النتائج الناجمة عنها:

بحسب تعبير مؤلف الكتاب، يتوقف تفسير نصوص الكتاب وفهمها على خمس مقدمات:

1 ـ مفاهيم المفسّر السّابقة (البعيدة عن التأويل).

2 ـ العلاقات والتّوقعات التي توجّه المفسّر.

3 ـ أسئلته حول التاريخ.

4 ـ تشخيص النقطة المركزية في معنى النص وتفسيره، من ثم، بوصفه وحدةً تتمحور حول ذلك المركز.

5 ـ ترجمة النصّ من خلال الأفق التاريخي للمفسّر.

بحسب هذه المقومات، لا يمكن للمفسر أن يفسّر النص، ما لم يكن يملك معارف أو فرضيّات مسبقة، فهو يجب أن يمتلك معرفة مجملة أو كثيرة الإجمال، ولا يمكنه إن انطلق من المجهول المطلق أن يفهم شيئاً من أيّ نصّ.

إن الفهم والتبيين ممكنان حين يعلم الإنسان شيئاً عن الموضوع، ولا يعلم عنه كلّ شيء في الوقت عينه. في كل مرّة يحدث تقدّم وتراجع يتكامل الفهم، وهذا ما سُمي "الدور التأويلي".

 ما هو الدور التأويلي وما هي أهميته؟

نقرأ، في إحدى المقالات، ما يأتي:

"ما الذي يعرفه من يجهل التأويل عن الفلسفة المعاصرة؟ ومن يجهل الفلسفة المعاصرة لا يدرك معنى التأويل. هذه القضية هي أيضاً أحد مظاهر (الدور التأويلي)، وصورتها الأصلية هي: "حين نريد أن نفسّر كلاماً يجب أن نعرف هذا الكلام، لأننا إن كنّا لا نعرف عنه شيئاً، فإننا نصغي إليه. في الوقت نفسه يجب أن يطرح هذا الكلام علينا سؤالاً، لا نعرف جوابه، أي أننا لم نفهم معنى الكلام"(19).

كل فهم يبدأ "بالسؤال"، والسؤال مبنيٌّ على عدّة معلومات مسبقة: الشخص أو النص الذي يُسأل عنه، لغة السؤال معرفة مسبقة إلى أي علم من العلوم ينتمي السؤال، ليُعرف ما الذي يقع في إطار ذلك العلم وما الذي يقع خارجه وغير قابل للسؤال، ويظهر في النتيجة توقع الجواب المتعلق بالعلم المقصود. لا يجب أن يضع المفسر فهمه المسبق في المعنى المركزي للنص، وإلا فإنّ الطريق لن توصله إلى أيّ مكان.

بتوضيح الفرضية المسبقة، يصل الدور إلى العلاقات والتوقعات التي يستمدها الإنسان من السؤال عن النص، إن لدى الإنسان توقعات تتعلّق بمعيشته وحريته ومصيره، وعلى أساس هذه التوقعات نفسها يطرح أسئلة اقتصادية أو حقوقيّة أو دينية أو فلسفية. بناء على ذلك، يجب أن ينتبه المفسّر إلى أنه يجب ألاَّ يتلقى من النص الاقتصادي جواباً حقوقياً أو فلسفياً، وكذلك النص الديني أو الفلسفي يجب ألاّ يتلقى جواباً فنّياً أو اقتصادياً.

يأتي، بعد هذه المرحلة، دور توجيه السؤال إلى التاريخ، يجب أن يعلم المفسّر كيف فهم المفسّرون السابقون ذلك النّصّ، وما هي الظروف الاجتماعية التي قيل أو كتب فيها النص، وماذا كان المؤلف أو القائل يريد أن يقول لمخاطبيه.

يجب أن تُوضَّح في هذه المرحلة المعاني الكافية وراء الكلمات والعبارات، ودور النصّ في الحثّ على المعرفة والعمل، وقصد المتكلّم الجدّي، والتأثير الذي يتركه النصّ، يأتي بعد ذلك دور الكشف عن "المعنى المركزي للنص"، ويجب أن يكون كشف النقطة المركزية في معنى النص من وجهة كونه المحك والمعيار. فالنص وحدة لها معنى واحد، ووحدة المعنى مرتبطة، بـ" المعنى المركزي"، لماذا يختلف المفسرون، وما العمل لاستنطاق النص، وليستمع المفسّر خالي الذّهن من التأثيرات إلى كلام "النّص"، فيترجم ما يفهمه أو يعكسه على أفقه التاريخي؟

الآن كيف يفهم الناس المرتبطون بآفاق تاريخية مختلفة ومتوازية، والناس المنتمون إلى ثقافات مختلفة ومتعارضة كلام بعضهم بعضاً؟ إن الأشخاص المنتمين إلى آفاق تاريخية مختلفة وثقافات مختلفة، يفهمون كلام بعضهم بعضاً بسبب مشتركاتهم الإنسانية(20).

طرح بضعة أسئلة

لنر، الآن، إن كان قد أجيب عن أسئلتنا إجابات واضحة أم لا:

1 ـ كيف تصبح ترجمة النص "فهماً" له؟

قيل: إن المفسّر باستخدامه المقدمات يصل إلى مرحلة يتوجب عليه، فيها، أن يترجم النص من أفق تاريخيّ سابق إلى أفق تاريخيٍّ معاصر. والسؤال هو الآتي: هل يجب أن تكون هذه الترجمة "فهماً" أو لا؟ الجواب إيجابيٌّ حتماً، من حيث أنّ كلّ فهمٍ يحتاج إلى تفسير، ودلالة النص على المعنى تحصّل في ضوء "التفسير"، وفي الواقع ينطق النص بوساطة التفسير ويُخرج ما في داخله"(21)، قطعاً، إن فهم هذه الترجمة يحتاج إلى التفسير و"صحيح أن دلالة النص على المعنى ترتبط بأواليّة قواعد علم الدلالة (سيمنتك) ولكن المحور الذي يجعل عمل نظام "علم الدلالة" مثمراً هو التفسير النابع من المفسّر"(22).

بناء على ذلك، ما من نص هو بغنىً عن التفسير، والتفسير يحتاج إلى تفسير أيضاً، وإذا كان تفسير النص الثاني بوساطة النص الأول دوراً، فهو ليس دوراً تأويلياً، وإنما هو دورٌ واقعي، وإذا كان فهمه متسلسلاً من تفسير آخر، وذلك أيضاً من آخر، فذلك التسلسل ليس تسلسلاً تأويلياً وإنما هو تسلسلٌ واقعي.

النتيجة: انطلاقاً من التفسير أعلاه، فإن أحد آثار التأويل ومستلزماته هو التورط بالدور وبالتسلسل المحال. حتماً هذه نتيجة مستمدَّة من كتاب "تأويل الكتاب والسنة"، ومثل هذه النتيجة لا تُستفاد من المنظرين الغربيين.

الحقيقة هي أننا يجب أن نستند، في فهم المتون، على بديهيات غير محتاجة إلى التفسير. وإذا كان فهم جميع المتون غير بديهي ومتوقفٌ على التفسير، لن نتوصّل قطعاً، إلى أيّ فهم. لا بد من أن نقرّ بأن بعض الأفهام ليست بحاجة إلى التفسير، وكذلك هنالك أفهام هي مفاتيح لأفهام تحتاج إلى التفسير، إلا إذا وُجد من يدّعي أن الإدراك غير المتوقّف على التفسير ليس فهماً. فيكون لدينا بناء على ذلك نوعان من الإدراك، ومع ذلك يبقى أصل الإشكال وارداً.

بهذه المحاسبة، يُعلم أن الدور الأصلي في دلالة النص على المعنى هو في عهدة أولية قواعد علم الدلالة، فحين يعمل الإنسان جيداً قواعدَ دلالات الألفاظ على المعاني، والصرف والنحو، ويعرف فنون المجاز والكناية والاستعارة، ويعرف تاريخ الأدب والأساليب الأدبية، وله معرفة بما فهمه القدماء من نص قديم، يمكنه أن يتأكد أن ما قصده المؤلف هو ما فُهم الآن، وأن القدماء فهموه أيضاً قليلاً أو كثيراً على هذا النحو. من الممكن أن يختلف المفسرون أيضاً، ولكن هذه الاختلافات لا تصل إلى الحد الذي تحمل الإنسان على أن ييأس من فهم النصوص المعنية. إن مفسّري النص متوافقون ولغتهم واحدة إلى حدّ تبدو فيه مواطن الاختلاف بينهم بالمقابل باهتة ولا قيمة لها. نعم، إن المشتركات الإنسانية لا تساعدنا فقط في فهم مقاصد بعضنا بعضاً، وإنما هي توصلنا إلى فهمٍ مشترك للمتون، وحتماً إن المباني الفكرية والعقدية يمكن أن تؤثر في التفسير، وإذا أراد مفسّر أن يصون نفسه من تأثيرها، لا يجد أمامه من مفرّ سوى أن لا يحمّل تفسيره للنص آراءه ونظراته وعقائده. أي أن لا يتكلم بدلاًَ عن النص، بل يترك النصّ نفسه يعبر عن محتواه، وأن يفهم لغته طبقاً لمبنى أولية علم الدلالة وقاعدة التفسير المتفق عليها.

قيل أيضاً: "حين لا تبرز اختلافات في فهم معنى نصّ من النصوص، فليس لأن النص يدل بنفسه على المعنى، وأنه ليس بحاجة إلى التفسير، وإنما لأن الجميع فهموه على نحوٍ واحد(23).

حين تكون الأفهام والفرضيّات المسبقة المختلفة والعلاقات والتوقعات وأسئلة التاريخ غير متجانسة، ويكون كشف المعنى المركزي للنص متنوعاً حتماً تبعاً للسلائق والميول المتنوعة والترجمات التي تشكّل في الأفق التاريخيّ للمفسّرين، كيف يمكن إذاً، أن يفسّر الجميع النص على نحوٍ واحد؟

وإذا كانت قواعد الدلالة، في مورد النصوص، غير كافية وغير قطعية الدلالة، وليست بغنى عن التفسير، كيف يمكن أن يتفق جميع الذين فهموا النص على مقدمات التفسير ومقوّماته، ويفسّروا النص تفسيراً واحداً؟

من الممكن أن تكون الاختلافات، في صدد النصوص أو في صدد الظواهر ـ غير مرتبطة بمعاني الكلمات، وإنما بالمصاديق، ومن الممكن أيضاً، أن لا يكون هنالك حوار حول أصل وجود الجِنّ والملائكة، وإنما تكون هنالك أسئلة وخلافات حول كيفيتهم، أو أن يكون هنالك اتفاقٌ في الآراء حول الله وحول صفاته (العلم والقدرة والحياة والإرادة والكلام والمشيئة والخلق)، بين مفسّري القرآن أياً كان مذهبهم، ولكن الاختلاف بينهم، حول قدم خلق الصفات وعينيتها وزيادتها على الذات، وتظهر آراء مختلفة فلسفية وكلامية، مع أن الجواب عن هذه الأسئلة يتّضح بدقّة في النصوص وظواهر الآيات والروايات على نحوٍ عامّ أو خاص.

كذلك ما يتعلق بالجنّة والنار؛ فما من مفسّر مسلم يمكنه أن يتجاهل صراحةً الآيات المتعلقة بالجنة والنار، ويقول: "لا دليل في القرآن على وجود الجنة وجهنّم، ولكنّ الخلاف يظهر حتماً حول الخصوصيّات التي لا يُستفاد من الآيات أيُّ شيءٍ حولها صراحة أو في الظاهر.

كذلك بالنسبة إلى قضيّة خلق آدم، في القرآن مسائل حول الإنسان الأول لا جدال حولها، ولكن الجدال في هذا: هل ظهر هذا الآدم على أثر تطور الكائنات الأخرى أو أنه خُلق مستقلاً؟ يمكن لبعض الباحثين، بعد طرح نظرية داروين، أن يقبلوا هذا الرأي أو يرفضوه بأدلة غير قرآنية، ويدور البحث حول: هل هذه النظرية منافية للقرآن أو لا؟ بعض الباحثين لم يروا في الآيات المتعلقة بخلق آدم منافاة للتحوّليّة، علماً أنّ الأكثرية العظمى تؤيد الرأي القديم نفسه وتقول: إن نظرية التكامل ليست شيئاً يمكن إثباته، ولا لزوم لأن نجعل تفسير الآيات مطابقاً لها، حتى مع عدم وجود أي آية تُبطل هذه النظرية.

في بعض الأحيان يوجد الاختلاف هنا، في أن المفسّر فسَّر الآيات من بعدٍ واحدٍ، وتعامل مع الآيات انتقائياً، مثلاً: استنتج بعض المفسّرين الجبرية من آيات مثل: )يُضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء(، [فاطر/35] وبعضهم الآخر استنتج الواردة بمعنى التفويض من آيات مثل: )كلُّ امرئ بما كسب رهين( [الطور/20]، وبهذه النظرة آحاديَّة البعد إلى القرآن أغفلوا بُعده الآخر، ولم يبحثوا داخل القرآن عن أسراره، وإنَّما أغفل كلُّ واحدٍ فهم بعض آيات القرآن وتجاهلها، في حين أنهم، في طريق الكشف عن المقصود، لو نظروا إلى القرآن من جميع جوانبه لوجدوا أن الإنسان في نظر القرآن لم يُسلب المسؤولية، وأن الله ليس بغافل عن أمور البشر والخليقة، وهنا يولد "الأمر بين الأمرين".

ما أكثر الاختلافات التي سبَّبتها هذه النظريات آحادية البعد والانتقائية إلى القرآن، ولذلك أظهر أهل البيت (عليهم السلام) دائماً حساسية تجاه التعاطي الانتقائي والناقص مع القرآن وتجاه تفسيره بالرأي. نذكر أنموذجاً على ذلك ما روي عن الإمام الصادق ×: قيل إن شخصاً اكتسب شهرة عظيمة بسبب أفكاره ونظرياته، ذهب الإمام الصادق × إلى مجلسه متخفياً، كان حوله جماعة عظيمة من البشر، بعد أن فرغ من حديثه إلى الناس، وبعد أن تفرقت الجموع، تبعه الإمام× فشاهده يسرق في أثناء الطريق رمانتين ورغيفين ويتصدق بها. فسأله الإمام × عما فعل فاستشهد بالقرآن حيث يقول: )من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها( [الأنعام/29]، وطبقاً لهذه الآية: أنا استحق أربعين حسنة، في حين أنني لا أدين إلا برغيفين ورمانتين، فقال الإمام×: أنت نسيت قوله تعالى: )إنما يتقبل الله من المتقين( [المائدة/29]، وبحسب هذه الآية، فإنّ قبول الأعمال مرتبط بتقوى الإنسان(24).

بعبارة أخرى: إن النظرة ذات البعد الواحد إلى القرآن، تمنع الإنسان من فهم كثير من الحقائق، كما أنّ النظرة آحادية البعد إلى الآيات: )بل يداه مبسوطتان( [المائدة/64] و)الرحمن على العرش استوى( [طه/5]، تبعث على التوهم أن الله موجودٌ جسمانيّ، له يدان ويجلس على العرش، كما أن نظرة انتقائية إلى صفات "السميع والبصير" إلى الله تبعث على التوهم أن الله كالإنسان له أذنان وعينان، لأنهم لم يلاحظوا آية )ليس كمثله شيء( [الشورى/11]، ولم يروا آية)سبحان الله ربُ العرش عما يصفون( [الأنبياء/22]، أو آية )تعالى الله عمَّا يُشركون( [الأعراف/190]، ليفهموا أن استواء الله على العرش، أو كونه سميعاً بصيراً، بمعنى سامٍ لا يتلاءم مع التجسيم في المكان والجلوس على الشيء.

هؤلاء الأشخاص الذين يتعاملون مع التفاسير ببعد واحد، لا مفرّ أمامهم سوى أن يؤوِّلوا الآيات وبعض الروايات المخالفة لأذواقهم، ويفسروها بالرأي، وأن يتعصَّـبوا لموقفهم المخرف. في حين أنهم، إن وضعوا الأبعاد المختلفة نصب أعينهم، لكان وضعهم غير هذا، ولتوصلوا، من دون حاجة، إلى تأويل الآيات والأخبار المخالفة لآرائهم، إلى تفسير واقعيّ وإلى اكتشاف معنى واقعي.

2 ـ ما معنى "الفهم المسبق" أو "الفرضيّة المسبقة"؟

ما المقصود بالفهم المسبق أو الفرضية المسبقة التي ذكرت في بعض مقالات الكتاب؟ ما معنى القول: إن المفسّر ما لم يملك فهماً مسبقاً، لا يمكن أن يفسّر النصّ؟ وهل الإنسان من دون الفهم المسبق أو الفرضية المسبقة يطلب المجهول المطلق؟ من المسلم به أن الإنسان لا يستطيع أن يكون طالب "المجهول المطلق"، حتماً يجب أن يكون لديه من قبل شيئاً من العلم ليتحقق مما لا يعرفه، حين يكون لدينا عن الشيء معلومٌ ومجهول، فإن لدينا مجهولاً مطلقاً ومعلوماً مطلقاً، بناء على ذلك لن نتقدم، وسيبقى المجهول مجهولاً إلى النهاية!!

إن وجود معلوم ومجهولٍ لدينا عن أمرٍ ما لا يحلّ المشكلة، ولكن المشكلة تحلُّ حين يستطيع "المعلوم" أن يجعل المجهول" معلوماً لدينا. فتنتقل من التصورات البديهية إلى التصورات النّظريَّة، ومن التصديقات البديهية إلى التصورات النظرية، ومن التصديقات البديهية إلى التصديقات النظرية، ويصبح كلُّ معلوم بديهيٍّ، مقدمةً لفهم مجهولٍ ما، وكلما صار ذلك المجهول ـ مع الاهتمام بالمقدمات البديهية ـ معلوماً بالنسبة إلينا، فإنه سيصبح هو نفسه مقدمة لكشف مجهول


سلطة العلم وإرهاب المعرفة أم منية المريد في آداب المفيد والمستفيد

9 يوليو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

 

 تذهب وجهة نظر فاحصة سجّلها بعض الباحثين الغربيين، وهي تجيب عن السؤال: لماذا تقدّمت أوروبا في عصور الظلام فيما تراجع المسلمون الذين كانوا سابقين لأوروبا بقرون عديدة؟ ولماذا حمل الأوروبيون لواء العلم والمعرفة وهم في وضع ثقافي حرج فيما وضع المسلمون هذا اللواء وبين يديهم نتاج هائل راكموه خلال سبعة أو ثمانية قرون ذهبية؟

 تذهب وجهة النظر هذه إلى تحميل نظام التعليم في العصر العباسي مسؤولية ما حصل، ذلك النظام الذي ظلّ بعد انهيار الدولة العباسية مهيمناً على المدارس المسلمة في مختلف فروع العلم تقريباً.
 ليس من المستبعد أن يكون لنظام التعليم دور كبير في تراجع الحضارة الإسلامية، ولا نقصد بهذا النظام المواد أو الشكل الظاهري لنظم التربية والتعليم، بل تدخل القضية ما هو أعمق من ذلك، وأحبّ هنا أن أسلّط الضوء على علاقة المعلم بالمتعلّم، وهي إحدى أهم أضلاع نظام التعليم في العصر العباسي. وقد كتب العلماء المسلمون ـ لا سيما الأخلاقيون منهم ـ في الآداب التي تحكم علاقة المعلّم بالمتعلّم، واشتهر بين هذه الكتب والأعمال كتاب الشهيد الثاني (965هـ) «منية المريد في آداب المفيد والمستفيد» وقدّموا في هذه الأعمال الكثير من الأدب الرفيع الذي ما زلنا نحتاجه اليوم أعظم الحاجة، رغم أن روح العقلية التي تحكم بعض هذه الكتب لا تبعد كثيراً عن النقد والملاحظة.
 1 ـ المشكلة الأساسية هنا هي محورية الأستاذ والمعلّم، ففي نظام التعليم الذي ورثناه عن العصر العباسي، وتأثرت به الكتب الأخلاقية، كان المهيمن هو أسلوب الحلقات التي كانت تعقد في المساجد ونحوها، فيتحلّق الطلاب حول الأستاذ ويلقي عليهم العلم ويكتبون، كان يملي عليهم الأحاديث وغيرها وكانوا يكتبون من حوله، وبهذه الطريقة أنتج نظام التلقين أو محورية الأستاذ أو نظام الحلقات، ويعاني هذا النظام من عدّة مشاكل، ونحن هنا لا ندرسه بوصفه ظاهرة طبيعية مادية يجلس فيها رجلٌ في الوسط ويتحلّقون حوله ليقدّم المعلومات التي توصّل إليها لهم، وإنّما نرصد هنا الصورة الذهنية والنفسية التي يتركها هذا الشكل المادي الظاهري حتى لو تغيّر، فليس المهم أن أجلس اليوم على كراسي أو طبقات أو أستخدم الشاشات التعليمية، إنّما المهم أن لا تلاحقنا دوماً الصورة الذهنية ونظام التفكير والتعلّم الذي تركت الحلقات الدراسية أثرها فيه.
 من هنا يعاب على بعض محاولات تطوير المدارس الدينية أنها ركّزت بشكل أكبر على الجانب الصوري من تحديث نظام التعليم؛ فاهتمّت بالكراسي وطاولات الدرس واللوح والشاشات التعليمية، وتصوير الدروس، وتسهيل نقلها على شبكة المعلوماتية أو الأقراص المدمجة وغير ذلك من الأمور التي لا نرتاب في أنها تطوّر تلقائي طبيعي يفترض حصوله بعد دراسته ودراسة جدوائيته في هذه المؤسّسة التعليمية أو تلك .. فيما ظلّت العقلية هي العقلية السابقة على مستوى نظم التعليم مما سنشير إلى بعض سلبياته وتأثيراته هنا.
 

 

ومن أبرز مشاكل هذا النظام ما يلي:ـ

 

 

أـ اعتماد المعيار الكمي في العلم دون الكيفي، أي أن هذا النظام وبعد فترة من الزمن سوف يساعد على زيادة كمية المعلومات التي أملكها، لأن المعلّم يلقي عليّ يومياً حمولات من الأفكار والمعلومات فيضاعف من الكم المعلوماتي الذي أملكه، لكن هذا لوحده لن يمنحني القدرة على تمثل شخصية الأستاذ، أي أنه لن يعلمني كيف أنتج الأفكار كما ينتجها هذا الذي أتشرف بالحضور بين يديه، من هنا، أحتاج إلى نظام معين يقوم بتمريني على هذه العملية، مثل نظام المباحثة الذي يستخدم في المدارس الدينية، وهو نظام رائع ومتميّز في سدّ بعض النقص الذي سأواجهه بسبب المنهج التلقيني.

 

 

أما لو اعتمدت منهجاً آخر يجمع بين أن يلقنني الأستاذ وأمارس بنفسي أمامه عملية إنتاج المعرفة، فسوف أكسب خبرتين معاً: العنصر الكمي الذي يقدمه لي الأستاذ، والعنصر الكيفي الذي أقدمه أمام الأستاذ كي يصوّب منهجي في الطرح ويمنحني قدرة الممارسة على فعل المعرفة وليس فقط على أخذها من الغير، من هنا الحاجة ـ إلى جانب نظام التلقين ـ إلى جلسات إنتاج المعرفة أمام الأستاذ، بهذه الطريقة نجمع بين الفعل والإنفعال، بين الأخذ والعطاء، بين الإيجابية والسلبية بهذا المعنى، فلا أخسر العنصر الكمي ولا يفوتني العنصر الكيفي.

 

 

ب ـ كسر حواجز الرهبة والهيبة، فنحن نعرف أن سلوك الإنسان لا يقوم فقط على العلم وإنّما على الإرادة أيضاً، فقد يظهر الأستاذ أمامي لعشر سنوات متواصلة يقوم فيها بممارسة فعل إنتاج المعرفة، وأجيد ملاحظة المنهج والأسلوب، وأتعرف كيف ينتج الأفكار، لكن هذا لا يكفي؛ لأن ظهور الأستاذ أمام ناظريَّ لا يعطيني سوى العلم بمنهج الإنتاج، لكنه لا يخلق في داخلي الإرادة القوية لتمثل شخصيته، لأن الإرادة هذه ليست قراراً فحسب وإنّما هي كسر لحواجز الرهبة وجدران الخوف والهيبة؛ فإذا لم أمارس هذا الفعل أمام أستاذ وأنظر الرضا في عينيه قد يصعب عليَّ الوثوق بنفسي بالقدرة على فعل شيء، ما لم أكن قويّ الإرادة جداً عصامياً ذا ثقة بالغة بالنفس.

 

 

من هنا، الحاجة الماسّة لنظام الفعل الإنتاجي للمعرفة تحت نظر الأستاذ؛ لأن الاعتياد على هذا الفعل سيخلق الثقة بالنفس وليس المهم مجرّد المباحثة فقط بين الطلاب أنفسهم يتدارسون ما درسوه، وإنّما صناعة المعرفة أمام الأستاذ أيضاً، ليكتسبوا الإرادة والرغبة ويكسروا المعوقات الحائلة دون الثقة بالنفس.

 

 

2 ـ وإذا تخطينا نظام التلقين بهذه الصورة، نجد أنفسنا نواجه العلاقة التربوية بين الأستاذ والتلميذ، فالذي نلاحظه في كثير من مراكزنا التعليمية في الحوزات والجامعات، أن الأستاذ يضع لنفسه هالة وهيبة في نفوس طلابه فيتربى الطالب على الخوف والرهبة من الأستاذ كأنه فزاعة، هذه هي بعض أساليبنا في المدارس الابتدائية والثانوية، وفي الجامعات والحوزات، فالأستاذ له هالة مقدّسة حتى أن بعض نظمنا الأخلاقية حوّلته إلى شيء مقدّس يُخاف منه، وقد صدّق هو نفسه أنه فوق الآخرين فيتعامل مع تلامذته كزعيم سياسي أو قائد عسكري … هنا نجد كاريزما الأساتذة التي تفرض هيمنتها على الطلاب فتحطّم فيهم الإرادة والاندفاع والثقة، وتخلق الحواجز بين الطرفين.

 

 

والذي نلاحظه على هذا الصعيد الذي يقتل حسّ الفعل في التلميذ:

 

 

أـ يعتمد بعض الأساتذة وبعض أدبياتنا الأخلاقية على أسلوب تخويف العقل الباطن للتلميذ، فعندما يناقش يشعره الأستاذ بأنه ما زال أمامه طريق طويل للنقد، وأن المطلوب منه أن يفهم فقط، وإذا فهم ما يقول فقد حظي بخير الدنيا والآخرة، وقد رأينا وسمعنا عن بعض الأساتذة الجامعيين ينهر طلاب ما قبل الدكتوراه عن فعل ذلك، أي عن فعل التفكير والنقد، كأنه بذلك يخلق حاجزاً حامياً له عن ملاحظاتهم، لأن نفسه عصية عن القبول بنقد أصاغر التلامذة الذين تفصلهم عنه مسافات من الدراسة والتعلّم، ولقد تحوّل بعض أساتذة الجامعات في بلداننا الإسلامية إلى ما يشبه جنرالات الحرب الذين يخشى منهم الآخرون؛ فأي قيمة لنقل المعلومات دون حماية تربوية؟! وما معنى فصل التربية عن التعليم؟! وحتى لو دخلنا المدارس الدينية سنجد الأمر نفسه لكن ضمن صيغ وأساليب أخرى من التخويف والترهيب، فبعض الأساتذة ـ ومنهم كبار الأساتذة ـ لا ينفك يدمر شخصية طلابه، ويطيل أمامهم مسافات الوصول إلى إنتاج المعرفة، ظناً منه أنه يقدس العلم ويحول دون التطاول عليه، ناسياً أو متناسياً أن هذا النوع من النظم التربوية في التعليم يقتل حسّ الإبداع ويخلق مركّبات النقص في النفوس، فالقاعدة هنا تقول: دعه يخطأ حتى يصل إلى الصواب.

 

 

ب ـ وينتهج بعض الأساتذة أسلوب تعقيد الأفكار بدل تبسيطها، أو يقدّم لطلاب مرحلة معيّنة معلومات تفوق مرحلتهم، وهو بذلك أحياناً يعوّض لنفسه شيئاً ما عندما يرغب بالظهور أمامهم بمظهر القوي العزيز فيستعين بالتعقيد كسياج يحمي من مداخلات طلابه، أو يعزّز صورته أمامهم، فيغرقون في فهم كلامه، ويعقدون المباحثات والمدارسات بينهم كي يعيدوا مطالعة درسه والتفكير به حتى يفهموه.

 

 

هذا النوع من تقديم المعلومات يساعد أيضاً على إعاقة الفعل الإنتاجي في المعرفة؛ لأنّه سيشغل الأجيال الجديدة في فهم ما قاله غيرهم، بدل أن يفسح لهم في الوقت والمجال كي ينتجوا ما عندهم، ولو أننا في معاهدنا وجامعاتنا الدينية وغيرها نحمل روحاً أبوية وتربوية لاختصرنا الوقت على الجيل الجديد، ومكّناه من أن ينشغل بالإبداع وخلق الأفكار بدل أن نغرقه ونستنزف طاقاته في مجرّد فهم ما أبدعه أو ما قاله فقط السابقون عليه.

 

 

ج ـ قلما نجد في أوساطنا التعليميّة علاقات شخصية حميمة بين الأستاذ وتلميذه، فخارج قاعات الدرس وغرفه لا نجد علاقةً تربط الطرفين إلا قليلاً، أو اهتماماً من أحد الطرفين بالآخر، لا سيما الأستاذ بطلابه، مع أننا بحاجة ـ من وجهة نظر تربوية ودينية ـ إلى فتح علاقات صداقة، فلماذا يخشى بعض الأساتذة أن يصبح صديقاً لطلابه خارج قاعات الدراسة؟ هل يمكن تفسير ذلك في بعض الأحيان بأنه رغبة في خلق الهالة المقدّسة حوله كي يحافظ على الوضع الطبقي الذي يرضي الكبرياء عند العقل الباطن للإنسان؟

 

 

إنّنا بحاجة إلى أساتذة يصادقون تلاميذهم ولا يحسّسونهم بالفارق الطبقي، وطبعاً قدر المكنة؛ لأن هذا يساعد على ثقتهم بأنفسهم، فنحن نتفهم الظروف أحياناً لكثرة الطلاب أو الوضع الأمني أو الانشغالات أو ما شابه ذلك، ولا أقلّ من عدم الحيلولة دون خلق هذا النوع من العلاقة، وهذا هو معنى التواضع في الآداب الإسلامية، فليس التواضع إسدالاً للكتفين وطأطأة للرأس وانحناء للظهر وتسبيلاً للأهداب وتلفظاً بالكلمات المتواضعة التي تجامل هنا وهناك، بل التواضع مواقف جادة تكلّف الإنسان الكثير من موقعه ومكانته وهيبته ولو للوهلة الأولى، لكن الله يعوّض عمن يتواضع بالرفعة عنده، فهذا هو الأدب الإسلامي الرفيع الذي لا نريد له أن يتحوّل إلى بروتوكولات ومجاملات ظاهرية يظهر زيفها في اللحظات الحرجة، بل هو تربية نفسية صعبة، إنه مواجهة مع الذات في رغبتها بالتفوّق السلبي على الآخرين.

 

 

نحن لا ننكر أن بعض أشكال التواضع التي يذكرها بعض الأخلاقيين تهدر كرامة الإنسان وعزّته، وهو ما لا يرضاه الله تعالى للمؤمن، لكنّ هذا لا يعني التذرع لتكريس مقولات طبقية لا تمثل سوى أسماء سميناها نحن وآباؤنا من قبل، نعم، التواضع مواقف جادّة تكلّف الإنسان أحياناً، فقد يخسر بعض الهيبة على المستوى الاجتماعي، لأن الناس اعتادت ـ سيما في بلداننا ـ على احترام من يقمعها حتى بهذه الطريقة الطبقية، وعدم الازدراء بمن يحترمها ويتودّد إليها؛ نتيجة واقعنا المنهزم نفسياً على غير صعيد في أمتنا الإسلامية، فيقنع الإنسان نفسه بأن تواضعي أو ركوبي سيارة غير استثنائية أو عيشي في بيت عادي غير مرفّه أو ابتسامتي للآخرين أو زيارتهم في بيوتهم أو السماح لهم بنقدي أو العيش معهم كواحد منهم أو … هذا كلّه إهانة لكرامتي ومكانتي وموقعي، كيف كان النبي وأهل البيت مصداقاً لعنوان «كان والله فينا كأحدنا»؟ (أُنظر: أمالي الصدوق: 724؛ وخصائص الأئمة: 71؛ وشرح الأخبار 2: 391 ـ 392؛ وذخائر العقبى: 100؛ والاستيعاب 3: 1107 ـ 1108؛ وشرح ابن أبي الحديد 1: 25، و 18: 225؛ وتاريخ ابن عساكر 24: 402 و …)، هل كانوا يميزون أنفسهم بالعبوس أو بعض الحركات الهادئة المصطنعة أو قمع الآخرين عن السؤال أو النقد؟ ولا نعرف بحقّ كيف وصل أولئك الأخلاقيون والعرفاء إلى منزلة تساوي المدح والذم؟ وهل استخدموا هذه الطرق أم غيرها؟

 

 

إن تخفيف هذا التمايز الطبقي بين الأساتذة والتلامذة في مدارسنا وجامعاتنا وفي معاهدنا الدينية سيساعد على خلق الثقة بنفس التلميذ وعدم تهيّب المستقبل، وهو ما سيعزّز أيضاً فرص الإبداع والفعل عنده.

 

 

د ـ وفي سياق العلاقة التربوية يأتي دور المدح والذم الذي يقدّمه الأستاذ للطالب؛ حيث يتحرّج العديد من الأساتذة من مدح بعض تلامذتهم المميّزين، وهذا الحرج له تبريراته في الكثير من الأحيان، سيما إذا كان الوسط موبوءاً؛ حيث يذهب الطالب لاستغلال المدح الذي كتبه الأساتذة له أو قالوه في حقّه، وبطريقة تبتعد عن الأخلاقية والأدب؛ مما يدفع العديد من الأساتذة للإحجام عن مدح طلابهم حذراً من حالات من هذا النوع، وهذا هاجس مقبول يتفهمه الإنسان السويّ؛ لكن لا يفترض أن يهيمن على حياة الأستاذ فيذهب الصالح بجريرة السيء من التلامذة، ويخسر الجوّ العلمي المدح المشجّع الذي يخلق في نفسية الطالب طاقة كهربائية هائلة تدفعه نحو الأمام وتوفّر عليه مسافات طويلة في بعض الأحيان.

 

 

في المقابل، وعند الذم ـ وهو مطلوب لتأديب الطالب أو توجيهه أو إرشاده ـ لا يفترض القسوة في الذم حدّ تدمير روحية الطالب وثقته؛ حيث تجد بعض الأساتذة الذين يلقون محاضراتهم على المئات من الطلاب، يوحون لهم بأن أحداً منهم لا يفهم ما يقول الأستاذ، وأنّه إنّما يخاطب عدداً بسيطاً من الحاضرين!! أيّ أسلوبٍ مدمّر هذا بعيد عن القيم الأخلاقية والآداب الإسلامية حيث يهين الأستاذ مئات الطلاب بهذه الطريقة القاسية؟! ونحن لا نضرب الأمثلة الفرضية هنا بل نقدّم أمثلة واقعية لمسناها في حياتنا وحياة من نعرف.

 

 

لا قيمة للعلم بلا تربية، ولا أثر للمعرفة بلا تزكية.

 

 

هـ ـ وفي سياق منطق مدح الطالب وذمّه تأتي قضية منحه ما يدلّ على موقعه العلمي، فنحن نجد هنا مشكلةً على الصعيدين: الجامعي؛ والديني.

 

 

أما مشكلة الوضع الجامعي فهي السياسات التي تضعها الكثير من دولنا المسلمة للحدّ من منح الشهادات العليا؛ خوفاً من مسألة تأمين فرص العمل، بل إنّ الوصول إلى المراحل الدراسية العليا في العديد من بلداننا الإسلامية لا يُشرط ـ إما إطلاقاً أو فقط ـ بالمؤهل العلمي للطالب، بل لابد من (واسطة) سياسية أو ذات نفوذ اجتماعي أو مالي، لكي يتأمن دخولـه إلى الموقع الذي يفترض أن تُدْخله إليه مؤهلاته العلمية، وعبر هذا الطريق يدخل الغني ـ ولو لم يكن مؤهلاً ـ إلى الجامعة ومراحلها العليا دونالفقير ولو كان مؤهلاً، ويدخل صاحب النفوذ والعلاقات دون المؤهل الذي لا يملك نفوذاً من هذا النوع.

 

 

ويعمّ منطق: «الولاءات قبل الكفاءات»، ويصبح الولاء السياسي مقدّماً على المؤهلات العلمية في دخول الجامعات والتخرّج منها، وتأمين فرص العمل و..، وهذه المشكلة عندما تعمّ تفقد البلدان نخبها وتخسر طاقاتها، وتضيع جهود أبنائها، وهذا ما يحصل ـ ومع كامل الحزن والأسف ـ في أكثر من موقع في بلداننا الإسلامية.

 

 

وأما مشكلة الوضع الديني، وفي المعاهد والحوزات الدينية، فنجد في بعض مواقعها بعض مظاهر المنطق السالف الذكر، فإذا لم تنتمِ إلى تيار معيّن يضيّق عليك في هذه الحوزة أو ذاك المعهد الديني، حتى لو كنت مؤهلاً علمياً، ولا نقاش في ذلك عند أحد، وفي بعض الحوزات إذا تسرّب أنك لا تقلّد فلاناً أو تقلِّد فلاناً، خسرتَ بعض المواقع والمصالح، ولو كنت موالياً هنا أو هناك نلت درجةً أعلى وأرفع، ولم تقف عند حدٍّ لا تتجاوزه.

 

 

هذه المشكلة الموجودة تقف إلى جانبها مشكلة أخرى، وهي مشكلة الشهادات، فحديثاً ـ في الوسط الشيعي ـ بدأ مشروع تسليم شهادات تدلّل على موقع الطالب العلمي ـ ولو دلالة إشارية ـ ومقدار ما قضاه في دراساته الدينية، وهذا عمل مشكور بدأ من مشروع كلية الفقه في النجف، لكنه شهد نهضة اليوم في مركز الحوزة العلمية في مدينة قم في إيران، وبالتحديد (جامعة المصطفى|)، لكن الوضع ما زال يسوده في مناطق أخرى نهجٌ لا يعتمد على وثيقة، ولا يدلّل على معرفة؛ فإن عدمها ليس دليلاً حاسماً أيضاً، بل يفتح المجال للمزيد من الفوضى، علماً أن من الضروري تحديد وضع الطالب؛ لأن ذلك يعطيه الفرصة لتحمّل مسؤولياته.

 

 

وفي هذا الإطار قضية شهادات الاجتهاد؛ فهناك مزاجان عامان في الحوزات العلمية ومنذ قديم الأيام: مزاج بالغ التشدّد، حتى لا يعطي الأستاذ لآلاف من طلابه عبر الزمن أية شهادة اجتهاد رغم تدريسه عشرات السنين، إلا نادراً؛ ومزاج أقلّ تشدّداً يفسح المجال أكثر للثقة بالمستويات العلمية للطلاب.

 

 

نحن نعتقد أنه يجب وضع ضابط موضوعي يعطي شهادات الاجتهاد، لا بطريقة متساهلة مفرطة، ولا بطريقة متشدّدة محتاطة، كأنّ شهادة الاجتهاد اعترافٌ بالنبوّة، ومن وجهة نظر شخصية نجزم بأن هناك المئات ممن يستحقون شهادات الاجتهاد لا تمنح لهم؛ إما عدم ثقة؛ أو عدم علاقة؛ أو تحسباً لمحذور؛ أو…

 

 

فالاجتهاد المتجزئ ليس أعلميةً، ولا تصدّياً، بل هو شهادة بالعلم والمعرفة، ومشكلة مشاكلنا أننا ما زلنا نعتقد أن كل مجتهد هو نائب الإمام المعصوم، وحجة الله على الأرض، وأهلٌ للمرجعية الدينية، فيما من يملك منصباً من هذا النوع يشترط فيه سلسلة شروط تليق بهذا المنصب، أحدها فقط الاجتهاد في الفقه والأصول، فهذا الاختزال أضرّ بعدّة جهات، وإن أفاد من جهات أخرى أقلّ أهمية.

 

 

لا ينبغي الاستخفاف بجهود الطلاب المتميزين ـ وهم كُثُر ـ ، ولا يجدر تحطيم عنفوانهم وحدّة ذكائهم، فنحن نملك الكثير الكثير من هذه الطاقات في حوزاتنا العلمية والحمد لله، وتغييبها وانعدام الثقة بها في أوساطنا؛ سعياً وراء نهج الاحتياط، ومنهاج تقديم دفع المفسدة المحتملة على جلب المصلحة المحتملة.. خسّرنا الكثير من الإمكانات والفرص.

 

 

نحن ندعو إلى نهج متوازن في هذا الموضوع؛ ذلك أننا لا نقبل بتسهيل الأمور العلمية وتبسيطها كما يفعل بعض، أو جعلها في موقعٍ متأخّرٍ جداً لحساب مواقع أخرى، لكن هذا لا يعني الإسراف في التشدّد مما يفقدنا حضور طاقات هادرة وواعدة.

 

 

ومما يتصل بهذا الموضوع مسألة احترام جهود التلامذة، والآخرين عموماً، في ما يقدّمونه من مساعدات علمية للأستاذ أو لمؤسسة علمية، فقد وجدنا ظاهرة واسعة الانتشار في بعض الأوساط، وهي أن بعض الطلاب قد يساعدون أستاذهم في إعداد بحث ما، ويكون لهم دور فاعل في هذا الأمر، لكن عندما يراد طبع هذا العمل وإخراجه للناس نلاحظ غياب أسماء الذين شاركوا فيه وحضور اسم الأستاذ فقط، وهذا ظلم كبير رضي به التلميذ أو لم يرض؛ فالمطلوب تشجيعه وعدم مصادرة جهوده، والإعلان عن خدماته التي قدّمها؛ فإنّ هذا هو مقتضى الأمانة والصدق، لا أن يسهم العشرات في تأليف كتاب ثم يصادر الأستاذ هذا الجهد ويُصدر الكتاب باسمه، ليبقى الكتاب لـه عبر التاريخ؛ ويقنع التلميذ بالكلام المعسول أو بالبدل المادي، فهذا ظلم كبير، بل لقد وجدنا بعض من يكتب لغيره ويتقاضى أجراً، ثم تصدر الكتب بأسماء ليست لأصحابها، ولا أدري كيف ينسجم هذا الوضع مع القيم الرفيعة للدين، ومع قيم: عدم بخس الناس أشياءهم، ومع قيم احترام الغير في نفسه وماله وعرضه وما يصدر منه، ومع قيم الصدق والوفاء؟!

 

 

وـ ومن منطلق أن التعليم مسؤولية، وليس منصباً فحسب، أحببت في هذا الإطار أن أستشهد ببعض النصوص الدينية، ففي رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين جاء: «وأما حق رعيتك بالعلم فأن تعلم أن الله عز وجل إنما جعلك قيماً لهم في ما آتاك من العلم، وفتح لك من خزانة الحكمة، فإن أحسنت في تعليم الناس، ولم تخرق بهم، ولم تضجر عليهم، زادك الله من فضله، وإن أنت منعت الناس علمك، أو خرقت بهم عند طلبهم العلم منك، كان حقاً على الله عز وجل أن يسلبك العلم وبهاءه، ويسقط من القلوب محلّك» (انظر: الصدوق، الأمالي: 453؛ والخصال: 567؛ وكتاب من لا يحضره الفقيه 621:2 و…).

 

 

هذا النص الدالّ يقدّم لنا عدّه مفاهيم:

 

 

المفهوم الأوّل: مفهوم إعطاء العلم، وهو مفهوم زكاة العلم الذي ورد في الروايات الحث عليه، ففي خبرٍ عن الإمام علي×: «وما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلّموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا» (نهج البلاغة 4: 110؛ وخصائص الأئمة: 125 و…)؛ فالتعليم فريضة، وهذا ما يناقض احتكار العلم، أو الزعم بأنه لابد أن يُبخل به، فالبخل بالعلم غير صحيح، إلا مع وجود المانع عن إعطاء العلم، لا أنه المبدأ في ذلك.

 

 

وفي الخبر عن علي× قال: «..والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق» (الخصال: 186؛ وخصائص الأئمة: 105؛ والإرشاد 1: 227؛ وجامع بيان العلم وفضله 1: 57؛ وتاريخ بغداد 6: 376 و..).

 

 

فما نجده عند بعضٍ من الاستخفاف بالعقول، ولهذا يضنّ بالعلم، ولا يكشف عنه، بحجّة أن المطلوب هو الطاعة، وليست المعرفة إلا لأهلها؛ كلامٌ لا نجده ينطبق تماماً ـ إلا في حالات استثنائية ـ على الثقافة الدينية، وهي ثقافة بث المعرفة ونشر العلم، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} ]البقرة: 159[، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ]البقرة:174[، وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ...} ]المائدة: من الآية 15[.

 

 

فالبخل على الناس بالحق والعلم؛ بحجة احترام الحق وهيبة العلم، بدل مساعدة الناس في فهم الحق وإدراك العلم، مبدأٌ غير أصيل في الثقافة الإسلامية، وأعتقد أن ظروف القمع التي مرّت على الفلاسفة والمتصوّفة لعبت دوراً تاريخياً في نشر مثل هذه الثقافة على أنها مبدأ، وليست استثناءً.

 

 

المفهوم الثاني: الرفق والصبر على من نعلّمه، مقابل الخرق والضجر والحماقة وعدم الإحسان في ممارسة التعليم، وهذا ما يلاحظ كثيراً من قلّة صبر بعض المعلّمين، ومنهم شخصيات كبيرة في هذا المضمار، وفي هذا الإطار يقول سبحانه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}]آل عمران: 159[.

 

 

فالرحمة والرأفة في التربية والتعليم مبدأ أصيل، قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} ]التوبة:128[.

 

 

أما منطق القسوة وانعدام الصبر والحلم من النفوس، وعدم مراعاة أواسط الطلبة، فهو خلاف العدل والإنصاف.

 

 

3ـ تحدّثنا سابقاً عن ضرورة الربط والدمج بين التربية والتعليم، وأن أيّ فصل بينهما يؤدي إلى الإضرار حتى بإنتاجية التعليم نفسه، فالتعليم ليس علاقة معرفية فقط، في اتصال عقلين ببعضهما، بل هو علاقة تستمرّ لتربط القلوب أيضاً، من حيث نشعر أو لا نشعر.

 

 

ولهذا نختم بالحديث عن صفة الأستاذ في نفسه، وخارج إطار قاعات الدراسة وصفوف التعليم، وهي صفة لابد أن يتصف بها الداعية إلى الله أيضاً، أن يتناسب القول والفعل، وليس هذا وظيفة علماء الأخلاق فقط، بل وظيفة مدرسي العلوم كافة في دائرة ما يوجّهون به طلابهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} ]الصف:2ـ3[، وقال سبحانه: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} ]البقرة:44[.

 

 

وقد توصّلنا في أبحاثنا الفقهية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أنه لا يبعد ثبوت حكم إلزامي آخر بأن لا يتصف الإنسان بأنه ممن يقول ما لا يفعل أو يأمر بما لا يأتي وينهى عن ما لا يترك، فالتعنون بهذا العنوان محّرم، دون أن يعني ذلك اشتراط العدالة في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وتفصيله موكول إلى محلّه.

 

 

وفي مقابل صفة الأستاذ تقع صفة الطالب، وأهمها الصبر؛ فإن طريق العلم والمعرفة عسير وطويل وشاق، فعليه أن يقصد التقرّب إلى الله تعالى بذلك، لا أن يقصد أن يصبح كذا وكذا في العلم ليصفي حساباً مع فلان وفلان..، قال تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا}
]الكهف: 66 ـ 69[.

 

 

إن الحديث عن هموم التربية والتعليم لا يكاد ينتهي؛ فالمشكلات كثيرة والواقع مرير، لكننا نسأل الله تعالى أن يوفق الصالحين من عباده لتحقيق المزيد من معاني الخير والعطاء في حياة الإنسان والعالم.

 

 

{الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} ]الرحمن: 1 ـ 4[.

 

 

 

________________________________________

 

 

[1]- نشر هذا المقال على قسمين في الأعداد: 12 ـ 14، من مجلّة نصوص معاصرة، خريف ـ ربيع، 2007 ـ 2008م.

 

 

 


نظريّة المعرفة عند الإمام الشافعي قراءة في البناءات الأوّلية

5 يوليو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

حياة الشافعي

محمد بن إدريس الشافعي مؤسِّس المذهب الشافعي. ولد سنة 150 هـ في عسقلان في فلسطين، وقيل في اليمن في السنة التي توفي فيها في العراق أبو حنيفة مؤسس المذهب الحنفي. عربي الأصل، يعود نسبه إلى قريش. توفي والده وهو طفل صغير، فهاجر مع أمّه إلى مكة، وكان الحجاز آنذاك موطن الكثير من المحدّثين والفقهاء والمفسِّرين.

في مكة سادت طريقة ابن عباس في التفسير، فيما أرسى في المدينة مالك بن أنس مدرسته الفقهية، وكان للمحدثين آنذاك مكانة خاصة.

بعد اجتيازه لمراحل التعليم الأولى المعروفة، مثل حفظ القرآن وبعض الأحاديث النبوية وتعلّم الكتابة، يمّم الشافعي وجهه صوب البادية لتعلم العربية الفصيحة، لأن لغة المدينة فقدت أصالتها بسبب اتساع رقعة الإسلام واختلاط اللغات والثقافات، وظلّت البادية وثقافتها ولغتها بمنأى عن هذه الظاهرة، فاحتفظت اللغة بصحتها وفصاحتها وأصالتها؛ لهذا كان علماء اللغة يتركون المدن نحو البادية لتصحيح لغتهم وضبطها وتأسيس "علم لغة" صحيح يُصار فيه إلى ضبط اللغة وتدوينها واكتساب معالم الثقافة العربية.

اللغة العربيّة وحياة البادية:

ولا نبالغ إذا قلنا: إنَّ اللغة العربية هي وليدة الحياة البدوية الأعرابية قبل أن تكون ثمرة لثقافة المدينة العربية. ويكفي لإثبات ما ذهبنا إليه أن نمرّ مرور الكرام على الموسوعة اللغوية المعروفة "لسان العرب" التي كتبت في القرنين السابع والثامن الهجري يتبيَّن، حيث سنلاحظ أن معظم مصطلحاتها التي تربو على ثمانين ألف مصطلح لا تتجاوز حدود حياة البادية البسيطة الساكنة والخشنة، ولا تعكس حالة الترف والنعيم والبذخ لحياة عرب المدينة؛ فلن تجد فيها مثلاً المصطلحات التجارية والصناعية والطبية والهندسية التي كانت متداولة يومذاك، ولا المفاهيم النظرية، مثل المفاهيم الفلسفية والكلامية والرياضية التي سادت في تلك البرهة الزمنية. هذا الأسلوب في تدوين كتب اللغة يكشف بوضوح عن ذهن مكرّس لضبط اللغة وتدوينها وروايتها، وقد وضع المؤلف ثلاثة معايير رئيسية لتمييز الفصيح من غيره هي:

1 _ المرحلة الزمنية: أي يجب أن يعود الشعر أو النَّص الذي يستند عليه إلى العهد الجاهلي، وإلى النصف الأول من القرن الهجري الثاني كحدّ أقصى.

2 _ أن تكون المفردة المستعملة بدوية بعيدة عن لغة الحضر وثقافته، لأنهم اعتقدوا بفساد لغة المدينة بسبب اختلاطها مع اللغات والثقافات
الأجنبية. وتدلّ بعض المصطلحات التي تداولها أهل اللغة، مثل "غير النجدي" و"المولَّد" و"الجرمقاني"، على هذا التمايز الذي وضع بين اللغة البدوية واللغة الحضرية.

3_ يجب أن يكون الشعر أو النَّص وليد الفطرة والبداهة حتى إن كان مضمونه تافهاً، إذ يرقى على غيره ويضفى عليه الاعتبار وإن كان محتواه خيالياً.

يظهر من التأكيد على هذه المعايير الثلاثة أنَّ علماء اللغة القدامى، شأنهم شأن المحدثين، كانوا يتحرّون فقط وثاقة الرواية المنقولة وأصالتها (سواء كانت الرواية نبوية أم لغوية)؛ لهذا أصبح كلام البادية بمثابة النصّ المقدس، وكأنّ هذه البداوة هي الضامنة لمنع أي انحراف أو خطأ(1)؛ فلم تنحصر لغة البادية في كونها مصدراً مهماً في ضبط اللغة وتدوينها، بل أصبحت هي البنية التحتية للغة وبالنتيجة إطاراً للعقل الإسلامي _ العربي.

 

المرجع في العربية الفصحى

 بلحاظ ما ذكرناه نواجه السؤال الآتي: لماذا لم يستند الرواة وعلماء اللغة على القرآن بدلاً من اعتمادهم على البادية في إرساء العربية الفصيحة؟، ويلاحظ أن عامة الأبحاث النحوية، أو اللغوية، في القرون الأولى، تخلو عن عمد من أي استدلال بالنص القرآني أو استناد إليه(2)3، ويدلّ مصطلح "شاهد" المتداول بين أهل النحو واللغة على الشعر والنثر العربيّين من أن يشمل الآي القرآني؛ ولم تُذكر شواهد من القرآن في كتب النحو واللغة إلاّ بعد استقرار أصول النحو واللغة في القرن الثامن وما تلاه(3).

هذه الظاهرة أثارت استغراب معظم المؤمنين وأهل الشريعة وخصوصاً في العهود المتأخرة، فنرى الفقيه الظاهري ابن حزم _ على سبيل المثال _ يتعجب من اعتماد عامة أهل اللغة والنحو على أشعار الجاهليين كامرئ القيس، وعدم استنادهم على كلام اﷲ أو النبي (4). في الردّ على هذا السؤال نقول: إن بعض الباحثين يرى أن السبب هو القراءات المختلفة والمتواترة، في الوقت نفسه، الموجودة للنَّص القرآني، بحيث أصبح من المشكل توفيق هذه القراءات القرآنية مع القواعد النحوية واللغوية التي تتغذى من نصوص أقدم كانت قد بلغت مرحلة الكمال؛ فإمّا أن يصار إلى تجاوز القواعد العلمية لصالح القرآن، أو أن يُعرّض القرآن لتأويلات مختلفة؛ الأمر الذي يبدو أنه بعيد عن الاحتياط. ولكن هذا الردّ ينطوي على صيغة كلامية وبعد دفاعي، إذ يُعتقد بأنَّ السبب وراء اجتناب أهل النحو واللغة للاستناد على القرآن أكثر تعقيداً وعمقاً، لاسيما إذا أخذنا بالاعتبار بعض المعطيات العلمية والتاريخية؛ ويمكن أن نعدَّ الثقافة العربية نفسها سبباً من هذه الأسباب، إذ أنها قامت على أساس نسيج وتركيب شفويَّين، أمّا المكتوب فإنه لا يرقى إلى مستوى الاعتبار إلاّ حينما يؤسّس على الرواية الشفوية أو "الحفظ", بمعنى أن عنصر الرواية الشفوية يؤدي دوراً مصيرياً في تكوين النصّ؛ لهذا يعدّ "السماع"، أو الرواية الشفوية، هو الطريق الأفضل والأكثر وثوقاً في نقل الحديث أو الشعر واللغة، وبلغ الأمر حد أن يكتم رواة اللغة والشعر، أو ينكروا أحياناً، معرفتهم بالكتابة من أجل أن تكون رواياتهم أكثر وثوقاً واطمئناناً.

هذا الأمر كان أكثر وضوحاً بخصوص أعراب البادية، حيث كان العلماء يتشددون، ويتوسّل بعضهم بمختلف الأساليب قبل أن يروى شعراً عن أعرابي للتأكد من كونه أمياً، لأنه إن لم يكن كذلك لما كان لكلامه وقع على حدّ تعبير الجاحظ(5)، وكان بعض الأعراب، غير الأميين، الذين يدخلون المدن يحاولون كتمان معرفتهم بالكتابة، ويطلبون في حال افتضاح أمرهم للرواة أن يتستروا على هذا السرّ(6). وقد استخدم بعض المحدثين والرواة مصطلحات مثل "سمعت" أو "حدّثنا" لإخفاء معرفتهم بالكتابة خلف هذه الألفاظ، وبالتالي إضفاء صفة الاعتبار على ما يروون.

بلحاظ ما أشرنا إليه يمكن القول إن القرآن ورغم منزلته الرفيعة نصّ مكتوب، ولابدّ لتثبيته من تبديله إلى نص مقروء, أي أن تُسند صورته المكتوبة بالضبط الشفوي.

 من الواضح جداً أن اللغة القياسية الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها هي لغة العرب قبل الإسلام (خصوصاً الشعر) التي تم بناؤها على يد علماء اللغة والنحو حتى أخذت شكلها النهائي. بكلام آخر، فإن علوم اللغة من صرف ونحو أدَّت دوراً أساسياً في تثبيت القرآن وقراءته عن حفظ؛ لهذا حصل خلط في البصرة منذ البداية بين القارئ وبين النحوي واللغوي، فقد عُرف كل من "نصر بن عاصم" و"يحيى بن معمر" بوصفه قارئاً ونحوياً ولغوياً على الترتيب(7).

 

مشكلة المصطلحات المعرَّبة في القرآن

أوجد تثبيت القرآن باللغة العربية القياسية مشاكل، منها مشكلة المصطلحات المعرّبة في القرآن التي يعود سببها إلى تأثير لغة أهل مكة والمدينة وثقافتهم على النصّ القرآني، ذلك أن هاتين المدينتين (وخصوصاً مكة) كانت على الدوام محلّ التقاء اللغات واللهجات المحلية للقبائل المختلفة بسبب وضعها الديني والاقتصادي، وكان من الطبيعي أن تنعكس هذه الثقافة على القرآن لكونه نصّاً حيوياً خاطب في بدايته أهل مكة والمدينة، وبالنتيجة فإن مصطلحاته تجاوزت الحدود اللغوية المختلفة لشبه الجزيرة العربية، واحتوت السريانية والعبرية والفارسية. هذا الأمر وضع علماء اللغة والنحو القدامى، وتبعاً لذلك المفسِّرين أمام مشكلة جدية، وتحوّل البحث في المعاني الدقيقة للمصطلحات القرآنية وما إذا كانت عربية أم معربة إلى سجال متواصل؛ لأن القرآن عرّف نفسه بأنه كتاب عربي (السورة 12، الآية 2)، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الأبحاث والقواميس اللغوية (النحوية والصرفية) القائمة على أساس لغة البادية لا تعطي المعنى الدقيق لهذه المصطلحات. ومن الضروري أن نضيف هنا أنَّ اللغة العربية الفصيحة المعترف بها رسمياً من قبل علماء اللغة والأوساط الرسمية هي لغة منتقاة ونتاج مشترك، لأنها لا تعكس اللهجات المختلفة والحوار التقليدي اليومي للقبائل العربية البدوية، وتتوفر مثل هذه اللغة على خاصيتين عامتين: الأولى، أنها أرقى من مستوى عامة الناس، بمعنى أن العامة لا تستخدمها في كلامها؛ والثانية، أن خصائصها وعناصرها التي تتشكل منها لا ترتبط بمجتمع محلي محدَّد، بعبارة ثانية فإن اللغة المشتركة ليس فيها خصائص أي من اللهجات المحلية، بل إنها لغة مستقلة بذاتها لا يمكن نسبتها إلى أي مجتمع في الجزيرة العربية(8).

حاول بعض الباحثين اللجوء إلى حلول كلامية لفكّ هذا اللغز والبحث عن تفسير لمشكلة المصطلحات الأجنبية في القرآن، ومنهم الإمام الشافعي وأبو عبيدة وابن فارس؛ فذهبوا إلى أن وجود هذه المصطلحات الغريبة يستلزم الحكم بنقصان اللغة العربية التي جاء بها آخر وحي إلهي وأكمله، وهذا محال، لأن الله يختار أكمل لغة من أجل أن يخاطب الناس بآخر وحيه(9).

ولحلّ هذا التعارض قالوا بغنى اللغة العربية وسعتها، بحيث لا يستطيع الفرد العادي أن يحيط بمفرداتها ومصطلحاتها، وفي هذا الصدد يقول الشافعي: لا يستطيع أحد الإحاطة باللغة سوى النبي ’.

إذن فاللغة العربية الفصيحة (لغة القياس) تعدّ "لاشيء" مقارنةً بسعة لغة القرآن وكذلك اللغات العربية المحلية(10).

مهما يكن، فإن الشافعي ذهب إلى قبيلة هذيل لتعلّم اللغة والآداب والتقاليد العربية الأصيلة، وبقي هناك عدة سنوات اكتسب خلالها فنون الشعر والأدب، وبلغ به الأمر مرتبة جعلت الراوي واللغوي الألمعي العربي الأصمعي يستند عليه في الرِّواية.

عاد الشافعي إلى مكة بعد إقامة طويلة في البادية، ودرس فيها الحديث والفقه، ثم انتقل إلى المدينة مستفيداً من علوم مؤسس المذهب المالكي مالك بن أنس، وبقي فيها حتى وفاة أستاذه سنة 179. ولا شك في أن الإمام مالك ترك تأثيراً عميقاً في بلورة شخصية الشافعي العلمية ومنهجه الفقهي. ثم عاد ثانية إلى مكة، ومنها انتقل إلى نجران في اليمن بحثاً عن لقمة العيش وليتسلّم المنصب الإداري الذي أوكل إليه، ولكن لم تمض مدَّة طويلة حتى دبّ الخلاف بينه وبين الوالي، فدبّر له هذا الأخير مكيدة اتهمه فيها لدى الخليفة العباسي هارون الرشيد بأنه يخطّط مع بعض العلويين للثورة عليه، فاستُدعي الشافعي إلى بغداد، لكنه لم يعاقب لمعرفة هارون بفضله وعلمه ولوساطة الفقيه البغدادي المعروف آنذاك محمد بن الحسن الشيباني.

 

تأثير المدرسة البغدادية على الشافعي

اغتنم الشافعي هذه الفرصة وتعلّم أساليب الاستدلال والاستنباط الفقهي في العراق على يد الشيباني، إذ كانت المدرسة البغدادية متأثرة بتعليمات أبي حنيفة الفقهية وتختلف تماماً عن المدرسة الفقهية، في المدينة. كان الشافعي يعرّف نفسه في بغداد بأنَّه من أنصار المذهب الفقهي المالكي، لكن حقيقة الأمر أنه تأثر بالمنهج العقلي ـ القياسي لمدرسة العراق الفقهية التي تركت بصماتها واضحة في تكوين أفكاره الفقهية وصياغتها، ويمكن للباحث أن يلاحظ الارتباط بين هذين المذهبين الفقهيين المختلفين في كتاب "الرسالة" وكتاب "الأم". ومن بغداد عاد الشافعي إلى مكة، وأقام مجلس درس مستقل في المسجد الحرام، وخلال تسع سنوات من إقامته في مكة استطاع إرساء مبانيه الفكرية، والالتقاء بعدد كبير من العلماء والفقهاء الذين يؤمّون مكة لأداء فريضة الحج من كل صوب.

رجع الشافعي سنة 195 إلى بغداد ثانية ولكن ليس تلميذاً، وإنما أستاذ وصاحب رأي وفتوى. يقول المؤرخون: إن الشافعي كتب "الرسالة" في هذه البرهة الزمنية بطلب من المحدث العراقي الكبير عبد الرحمن بن مهدي، كما ألّف في هذه المرحلة كتابه المعروف في الفقه الذي اشتهر باسم "البغدادي"، وهو عبارة عن مجموعة من الآراء والفتاوى الفقهية الشافعية، وكتبه قبل كتاب "الأم". ويطلق مصطلح "المذهب الفقهي القديم" للشافعي على هذه المرحلة من حياته، حيث بقي خلالها في بغداد حتى سنة 198، حين وصلت الخلافة إلى المأمون الذي أطلق يد أهل الكلام لاسيما المعتزلة، عندها رأى الشافعي أن الأرض قد ضاقت به فرحل إلى مصر لكون واليها من قريش التي ينتمي إليها هو.

أجمع المؤرخون على أهمية هذه المرحلة من عمر الشافعي، لأنه أقدم خلالها على تأسيس مذهب جديد، جدّد فيه النظر في الكثير من آرائه الفقهية، وقام أيضاً بتحرير جديد لـ"الرسالة" عدل فيه عن معظم فتاواه السابقة، وقدّم نظريات وآراء جديدة ألّف على أساسها كتاب "الأم"؛ كما قام في هذه المرحلة بتصنيف أو إملاء كتب جديدة، وأصبح يطلق على هذه البرهة من عمره مصطلح "المدرسة الفقهية الجديدة".

تتلمذ على يد الشافعي في مكة وبغداد ومصر فقهاء كبار، أمثال أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني (ت 264هـ) وأبي يعقوب يوسف البويطي (ت231هـ) وربيع بن سليمان المرادي (ت 270هـ) في مصر، وتنسب إلى هذا الأخير رواية جميع كتب الشافعي التي ألّفت في مصر.

بعد مرض طويل، توفي الشافعي سنة 204 هـ، وهو في الرابعة والخمسين من العمر(11).

يعدّ الشافعي بحقّ مؤسس علم أصول الفقه؛ فقد أعطى بتأليفه "الرسالة" التي مثّلها الفخر الرازي بأرغنون أرسطو تفسيراً علمياً لمباني الاستنباط، وأضفى نظاماً منطقياً ومستقلاً، في الوقت نفسه، على آراء أسلافه من الفقهاء وأبحاثهم المتفرقة المشتتة، ولهذا خضعت كتب الشافعي ولاسيما كتابه المهم "الرسالة"، ومنذ القدم، للبحث والدراسة الجادة؛ ولا يمكننا هنا أن نغضّ الطَّرف عن الدور الذي أدَّاه بعض المستشرقين المعروفين في هذا المجال، أمثال غولدزيهر وشاخت وغيرهما، حيث احتفظت أبحاثهم بأصالتها رغم نواقصها المنهجية واستنساخ بعض نتائجها، مما سنذكره في مبحث تدوين السنة النبوية، حيث سنشير إلى بعض آراء هذين المستشرقين.

 

"الأيديولوجية الوسطية" في فكر الشافعي

من الأبحاث المهمة التي نشرت خلال الأعوام الأخيرة والتي حاول كتّابها تقديم قراءة جديدة للشافعي، يمكن أن نشير إلى كتاب "الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية"، للمفكِّر المصري المعروف نصر حامد أبو زيد، وقد طُبع هذا الكتاب، للمرة الأولى، في مكتبة مدبولي في القاهرة سنة 1992، ثم طبع ثانية سنة 1996 مع إضافات في المقدمة للمؤلف، ويعدّ هذا الكتاب توسيعاً لمقالة تحت عنوان: "الأيديولوجية الوسطية التلفيقية في فكر الشافعي" التي نشرت في مجلة الاجتهاد في عددها الثامن سنة 1990.

رغم أن الكتاب يبدو للوهلة الأولى غير دقيق وألّف بشكل عاجل، إلاّ أنه يتضمّن إشارات وملاحظات تستحق الاهتمام، ولو جرى التوسّع فيها وتبيينها بنحو مستدلّ لشكلت خطوة مهمة في طريق فهم التراث الإسلامي؛ لاسيما أن المؤلف سعى إلى إماطة اللثام عن العلاقة الخفية بين السلطة والحقيقة، ليثبت أنَّ هذه الأخيرة ليست منزَّهة ولا بريئة كما يقال، بل إنها على علاقة دقيقة ومعقدة بالسلطة، فالعناصر الأيديولوجية للسلطة تقوم بدور مصيري في بلورة المعرفة والحقيقة، لتكونها بالشكل الذي تريده والأنموذج الذي تطمح إليه.

ويتطرق أبو زيد، من خلال تقييمه لفكر الإمام الشافعي، إلى نقد الحوار الديني المعاصر، ويضع الأسئلة التالية أمام معارضيه: ألم يكن الأئمة الأربعة وخصوصاً الإمام الشافعي من جنس البشر؟ ثم ألا يخضع اجتهادهم للأحكام والاجتهادات البشرية المحكومة بقوانين الصواب والخطأ؟ فلماذا إذن يُتّهم من ينتقد أفكارهم أو يقيّمها بالخروج من الدين والشريعة؟ ألا يعدّ دفاع الحوار الديني عن التراث الإسلامي دفاعاً عن منهج تقليدي في الفكر ونأياً عن أي إبداع؟؛ ثم يضيف: ليس من باب العفوية أن يُحاط فكر الشافعي، في مثل هذه الأجواء، بهالة من القداسة، ويُسلب من الناقدين والمفكرين حق تقييمه أو الحكم عليه.

إن وجه التمايز بين الفكر الديني المعاصر والفكر الديني المنفتح هو كالفرق بين التقليد والإبداع، والتعصب والتسامح. فالحوار الديني يخشى دائماً من نقد التراث الإسلامي وتقييمه، بينما تقوم حياة هذا التراث على أساس هذا النقد والتقييم المستمرين.

إننا نقف على أكتاف كبار كالشافعي وأمثاله، ونتطلع إلى أفق بعيد لم يتسنّ للسلف أن يتطلع إليه. ولا يعني الرجوع إلى السنّة والاعتماد عليها إلاّ استثمار ما توصّل إليه فطاحل أمثال الشافعي، لنخطو إلى الأمام بإحكام ونطرد عنّا الكسل والعجز، ولا نتوقف عند السبل المعهودة والتقليدية.

 

"نظرية المعرفة" عند الشافعي

مهما يكن، فإن هذا المقال ليس في صدد شرح الآراء الفقهية للشافعي، بل هو بحث في "نظرية المعرفة" عند الإمام الشافعي. بعبارة ثانية، فإننا سنبحث في الأصول والمبادئ النظرية التي أقام عليها الشافعي أدوات استدلاله واستنباطه الفقهيَّين، ومن الأفضل أن نقول: إنه بحث في "المنهج" بمعناه الفلسفي، هذا المنهج الذي لم يذكره الشافعي بصريح العبارة، إنما نستشفّه من مطاوي أفكاره بشكل ضمني، حيث سنحاول الكشف عن أدوات هذه المعرفة، لهذا فإننا مضطرون إلى اتخاذ أصول موضوعة وافتراضات مسبقة خاصة نبيّنها كما يأتي:

1_ إن جميع العلوم والمعارف منسوجة بعضها مع بعض في سياق ثقافي محدّد، فالعلوم ليست مستقلة ومنفصلة بعضها عن بعض، بل ترتبط بوشائج وثيقة لتكوّن نظاماً معرفياً خاصاً؛ مثال ذلك وجود تناسب تام بين علم النحو وعلم اللغة مع بعض العلوم العربية _ الإسلامية الأخرى؛ ويسري هذا الحكم على المعارف الأخرى مثل العلوم القرآنية والحديثية. على هذا الأساس يمكن القول: إن الشافعي والأشعري والغزالي يدخلون في إطار منظومة معرفية واحدة رغم أن كلاًّ منهم ينتمي إلى دائرة معرفية خاصة.

2_ يمثّل أي فكر مرآة تعكس المسائل والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية لعصر ذلك الفكر، فالمفكّر لا يفكّر في فراغ، إنما يجسّد فكره مقتضيات عصره ومجتمعه ويعدّ ثمرة لحياة ذلك المجتمع. عليه لا يمكن أن نعدّ فكر الشافعي مجرّداً وخالصاً، إنما هو من جنس المعرفة التي تنمو وتتكامل في ظروف معينة، إذ أن قوانين الطبيعة لا يمكن أن تتخلف أو تتغير. لهذا فإنَّه من المهم جداً الالتفات إلى تأثير الرغبات الاجتماعية في فكره، ومعرفة العامل الذي أدى _ على سبيل المثال_ إلى أن يدافع الشافعي عن "عروبة" القرآن، وسبب تأكيده على "السنة النبوية"، والإجابة عن أسئلة من هذا القبيل توضّح ما يريده الشافعي حقاً وتكشف عن جوهر خطابه.

3_ رغم الاشتراك في النظرة الاجتماعية والمعرفية العامة للكون بين جميع المدارس والاتجاهات الفكرية العاملة في إطار الفكر العربي _ الإسلامي، فأن لكل من هذه المذاهب والفرق أسس ومبادئ معرفية خاصة بها تميزها عن غيرها؛ مثال ذلك ما يشترك فيه الأشاعرة والمعتزلة في نظرتهم الكونية، إلاّ أن المعتزلة أوجدت دائرة معرفية خاصة في البلاغة والنحو والفقه تميزها من الأشاعرة، وأخذت تفسّر الحقائق والمعارف بنحو خاص ينسجم مع عناصرها المعرفية. من هنا يمكن أن نستنتج أن "الصدق" و"الكذب" من الأمور النسبيَّة أو التأريخيَّة على حدّ تعبير علم الاجتماع. ويمكن على أساس هذا الفهم الكلام على أيديولوجيات مختلفة في إطار الفكر الإسلامي، وإطلاق صفة الاعتدال على الإمام الشافعي.

نفذ مصطلح "الأيديولوجيا" إلى الثقافة العربية من العالم الغربي في القرن العشرين، ليتحول سريعاً إلى مفهوم كثير التداول في ميادين العلوم السياسية والاقتصادية والفلسفية والأدبية المختلفة؛ ويراد منه مجموعة القواعد المرتبطة بالصواب والخطأ والثواب والعقاب (بمعناه الاجتماعي)، والسواء والشذوذ التي تكوّن نظرة خاصة إزاء الأفراد، أو حيال فئة معنية؛ وهذه القواعد لا تتسم بالضرورة والحتمية، وليس بالضرورة أن تكون مطابقة للحقائق العينية الخارجية لأنها تُنتج وفقاً لأنموذج معرفي خاص في وعي الفرد أو الجماعة, ولهذا يمكن أن نطلق عليها تسمية معرفة كاذبة.

4_ تستخدم جميع الفرق الفكرية المختلفة لغة الدين في مقام الدفاع عن آرائها الفكرية، أو المناظرة مع الخصم، بمعنى أن جميع النِّزاعات بين المذاهب والفرق الكلامية _ الدينية ترجع بشكل أو بآخر إلى مسألة "التأويل" المهمة. بتوضيح أدق، فإن هذا النِّزاع هو في الأساس حول شرعية التأويل، ومن له الحقّ في استثمار "النصوص". ويمكن اعتبار تاريخ الفكر الإسلامي بأنه يمثل ثمرة للنِّزاع حول شرعية تأويل النصوص الدينية؛ فقد حاول المعتزلة الإمساك بالحقيقة المطلقة، ولم يدّخروا جهداً إلا واستخدموه للقضاء على منافسيهم؛ كما تشبّث الحنابلة، الذين اشتهروا، في ما بعد، بلقب أهل السنة والجماعة، بالقوة لإزاحة المنافس المعتزلي؛ وذلك حينما تسلّم المتوكل العباسي الخلافة، ولم يألوا جهدا أيضاً في التعريض بالمعتزلة واتهامهم بأنَّهم ليسوا على سنّة السلف الصالح وخارجون عن الشرعية.

5 _ يمكن الاستنتاج، على أساس ما مضى، أنَّ تغلّب فكر معين في برهة زمنية محدّدة لا يعني أن بقية الفرق محكومة بالكفر الضلال، لأن مفاهيم الضلالة والكفر أصبحت أدوات سياسية في خدمة الطبقة الحاكمة أو المنافس القوي قبل أن تكون مفاهيم دينية.

6 _ المفاهيم الراسخة، في الفكر الديني المعاصر، تمتد جذورها في أغلب الأحيان إلى التراث الإسلامي العريق؛ هذا الارتباط بين الماضي والحاضر يكون واضحاً أحياناً، ويحتاج أحياناً أخرى إلى عملية جراحية عميقة لفهم هذه الصلة؛ أي أن هناك حاجة لرموز علم الحفريات في المعرفة ليتاح لنا إرجاعها إلى عناصرها الأصلية.

حينما نتوصل إلى اكتشاف الأسس الأيديولوجية لبعض هذه الحقائق الثابتة والأصول الاعتقادية المسلّم بها، سوف ندرك أنَّ هذه الحقائق والأصول ليست مسلّمة وخالدة كما افترضت، بل إنها تاريخية اكتسبت طابع القداسة في مرحة معينة وفي ظل أهداف وظروف واضحة، وأصبحت في آخر المطاف نصوصاً مقدسة؛ فيما يستطيع المنهج التحليلي _ النقدي الجديد أن يزيح النقاب عن وجه الاعتقادات والمسلّمات، ويكشف أنَّ هذه المقدسات تخفي وراءها عقائد فئة من الناس تعتاش عليها. ويكمن السرّ في مخالفة الفكر الديني العلنية مع هذه الأساليب في أنه لا يريد أن يخضع لمثل هذه العملية الجراحية العميقة.

 

"النصّ" واستخداماته

يوضّح المؤلّف، في مقدمة الكتاب، بعض المصطلحات والمفاهيم الرئيسية التي يعتقد بأنها غامضة على أذهان الكثير من المتخصصين ناهيك عن عامة الناس، والمصطلح الأول الذي يناقشه أبو زيد هو "النص Text", ويُستخدم في إطار علم التحليل الكلامي من جهة، وفي علم الإشارات من جهة أخرى، رغم أن استعماله في الحالة الثانية أوسع من الحالة الأولى، ويشمل الأنظمة اللغوية وغير اللغوية، وعلى هذا الأساس يمكن إطلاقه أيضاً على المراسم والاحتفالات وموضات الملابس والفنون السمعية _ البصرية والرسوم والكاريكاتور. أما في الحالة الأولى فلا يمكن إطلاقة إلاّ في حدود معينة، أو على علامات لغوية ذات معنى، وهذا ما نريده من مصطلح النصّ.

طبقاً لهذا الرأي، هناك حدّ فاصل يوضع بين "النصوص الأولية" و"النصوص الثانوية"، وإذا أردنا تطبيق هذا الأمر على التراث الإسلامي فإن القرآن يعدّ من النصوص الأولية, والحديث النبوي من النصوص الثانوية لاعتماده على النصّ الأول، ثمّ تلي ذلك اجتهادات الفقهاء والمحدثين التي تستند بدورها على النصّ النبوي، ولا نقصد من هذا الترتيب أن الحديث النبوي أقل أهمية من غيره، إنما هو مجرد تصنيف وصفي وليس تقييمياً، لتوضيح الأنواع المختلفة من النصوص وكيفية بنائها وقيامها على أساس النصّ الأول، والفرق بين النصوص الأصلية والنصوص التفسيرية.

أدرجت النُّصوص الثانوية، في تاريخ الثقافة العربية _ الإسلامية، في دائرة النصّ الأول لأسباب اجتماعية وتاريخية مختلفة، لتصبح بعد مدة قاعدة لكل تفسير أو تأويل. بعبارة ثانية: أقحمت اجتهادات أئمة الفقه وتفاسيرهم في دائرة النصّ الأول رغم كونها أفكاراً بشرية, وأصبحت جزءاً من المنظومة الأساسية التي لا يمكن للعقل مناقشتها، ولهذا يوصف العقل العربي _ الإسلامي بأنه يدور في حلقة مرجعية النصوص.

المسألة الأساسية الأخرى التي تناولها المؤلف هي كيفية التدوين من خلال الذاكرة أو العقل الشفوي، في إشارة واضحة إلى تدوين سنة النبي والصحابة في القرن الهجري الثاني. ومعروف أن هذه النصوص تمّ جمعها وتدوينها اعتماداً على النقل الشفوي (الذاكرة) فقط، لكن الأهم من ذلك هو كيفية تدوينها؛ فقد واجه علماء هذه المرحلة سؤالاً رئيسياً عن الأسس التي تقوم عليها عملية النقل والتدوين، هل يتم ذلك على أساس العقل (الرأي) أو النقل والشرع؟، وكانت هذه نقطة البداية لنزاع طويل ومشهور بين أهل الرأي وأهل الحديث، وما إذا كان المرجع النهائي هو العقل (التأويل) أم الشرع؟ ولمن تكون الأولوية عند التعارض؟

من هذه النقطة بالذات ينهض الشافعي بدور مهم وتاريخي في محاولة اختيار الطريق الوسط, ويسعى إلى تأسيس أيديولوجية الاعتدال، رغم أنه انحاز أخيراً إلى جانب أهل الحديث كما سنرى.

نستنتج مما مرّ بنا أَّن النصوص، بحدّ ذاتها، لا تتوفر على أية قوة أو مرجعية، رغم أن أي نصّ يفعل فعله في إعمال سلطته ضمن حدود معرفية معينة، ويحاول أن يتقدم على النصوص السابقة بما يحمله من ثراء ومتانة، ذلك أن العلة الوجودية لأي نصّ جديد هي تناول ما لم تتناوله سائر النصوص؛ ومع ذلك فإن هذه القدرة لا يمكن بأي وجه من الوجوه، أن تصل به إلى مستوى من الاعتبار بحيث يصبح مرجعاً نهائياً، وأنموذجاً ثقافياً واجتماعياً كاملاً، إلاّ أن يتمّ تحميله على التكوين الاجتماعي والعقلي للمجتمع من قبل عناصر خارجية؛ وهذا ما حصل بالضبط في القرون الأولى لتكامل الفكر الإسلامي، حتى أصبح للقرآن والسنة النبوية مرجعية مطلقة شاملة بهمّة الفقهاء والمحدّثين المتشددين.

إن الهدف من الدعوة للتخلص من قيود النصّ المقدس هو تخليص عقولنا المخدوعة من المرجعية الشاملة والمطلقة لهذه النصوص؛ وهذه هي النقطة التي يولد منها التعارض بين العقل والنقل، وهذا التعارض يقع في الحقيقة، بين العقل مع المرجعية الشاملة والمطلقة للنصوص وليس مع النصّ نفسه، لأن العقل هو الوسيلة الوحيدة للمعرفة والتي يتمّ بها تفسير النصوص وشرحها، وأي جهد لإلغائه ينتهي مباشرة إلى إلغاء النصوص.

يعتقد المؤلف بأن مفاهيم، مثل مرجعية النصوص وسلطتها متآصرة بعضها مع بعض، بل هي وجهان لعملة واحدة، وفيها دلالة على معنىً واحد، وهي مفاهيم وليدة المراحل المتأخرة، وقد تأثرت بالتاريخ الاجتماعي للمسلمين قبل أن تكون مفاهيم دينية أو اعتقادية، ويمكن التحرّي عن بداياتها في أفكار أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، لينتشر هذا المفهوم بشكل واسع في العهود التي تلت ذلك.

يوضح أبو زيد، في فقرة أخرى من كتابه، أنَّ التحقيق العلمي لا يكتفي بالتحليل العلمي وحسب، بل يخوض في تفسير المفاهيم وتحليلها، ثم يطرح هذا السؤال المهم: لماذا يؤكد الشافعي على السنّة وشموليتها رغم اتخاذه لجانب الاعتدال؟, ويلتحق بهذا السؤال استفسار آخر وهو: لماذا هبّ الشافعي للدفاع عن عروبة القرآن، وتحديداً عن اللهجة والقراءة القرشيَّتين؟ وعمَّ يبحث الشافعي في لهجة قريش ليدافع عنها بهذه الصورة؟

ينقل الشافعي في كتاب "الأم"، بعض الروايات النبوية في فضل قريش، ولا يهمّه في هذا السياق أن ينقل روايات المراسيل والبلاغات (الروايات التي تبدأ بعبارة "بلغني") ويستند عليها، رغم أنه يسقط الاعتبار عن مثل هذه الروايات إلاّ إن أيَّدتها روايات مسندة. توضح هذه الأسئلة الهدف الذي يتوخّاه الشافعي، وترشدنا في الوقت نفسه إلى المنطلقات الأيديولوجية لفكره التي سنبادر، في ما يأتي إلى توضيحها وتحليل عناصرها.

 

المنطلقات الإيديولوجية في فكر الشافعي

يبتدئ منهج هذا البحث من تحليل فكر الشافعي وتوضيحه ليبين من ثم منطلقاته السياسية والمعرفية، بعبارة ثانية: إننا اخترنا المنهج التحليلي الذي ينتقل من الفكر إلى الواقع، تلافياً للمنهج الميكانيكي الذي ينتقل من الواقع إلى الفكر. ومن الواضح أن فكر الشافعي لا يمكن فهمه إلاّ في السياق الفكري الذي كان سائداً عصره ومرحلته التي يمكن أن نطلق عليها اسم مرحلة المنازعات والإشكاليات الكبرى بين أهل الرأي وأهل الحديث والمعتزلة والأشاعرة، وكذلك النِّزاعات الطائفية بين العرب والإيرانيين التي تجلّت في بعض الحركات مثل الشعوبية وغيرها.

يمثِّل الكتاب والسنة والإجماع والقياس، في رأي الشافعي، الأركان الأربعة للأدلة الشرعية (أصول الفقه)، حيث تتوالى بنحو خاص، وتعتمد حجية كل منها على الآخر حتى تنتهي إلى الكتاب. كان هاجس الشافعي الأول أن يضفي الشرعية على "السنة" بوصفها مصدراً معتبراً، لذلك لم يكتف بتبيينها، وإنما وضعها في مصاف "الكتاب" وعدّها جزءاً أساسياً في بنائه الدلالي (ما سنوضحه لاحقاً). على هذا المنوال أسند حجية الإجماع إلى الكتاب (المتألف من الكتاب والسنة)، ثم أجرى الحكم نفسه على القياس والاجتهاد، وفي هذا سعى الشافعي إلى إدراج كل الأدلة الشرعية في دائرة النص لإبداع نظام من نوع خاص، ليصبح النص ليس دالاً على القرآن وحسب، وإنما يشمل السنة والإجماع والقياس (الاجتهاد). ولم يأت هذا النظام الذي أسسه الشافعي من فراغ ، إنما كان له منطلقه الأيديولوجي الذي سعى أبو زيد إلى توضيحه وإماطة اللثام عنه.

قسّم أبو زيد كتابه على أساس أدلّة التشريع الأربعة، وتطرق في القسم الأول منه إلى النصّ القرآني، وطرح في بداية الأمر سؤالاً عن السبب الذي حمل الشافعي للدفاع عن عروبة القرآن.

لم يطق الشافعي الرأي الذي يعتقد بوجود مصطلحات أعجمية دخيلة في القرآن، ويرى أن مفرداته عربية كلها، ويحكم تبعاً لذلك بسعة اللغة العربية وشموليتها، بحيث لا يمكن أن يحيط بها إلاّ الأنبياء(12). فإذا كانت العربية بهذه السِّعة اللامتناهية، فإنَّه من المشكل والمتعذر إذن فهم القرآن وتفسيره، سواء في مفرداته أم في تركيبه، لأنه يمثل نسخة مصغرة وشاملة عن اللغة العربية، ولا يمكن تبديل هذا المشكل إلى الممكن إلاّ عبر الاستعانة بالسنّة، فهي اللغة التفسيرية القادرة على تيسير عملية الفهم القرآني؛ وعليه لا تختزل مشروعية السنّة في كشف المعنى القرآني، وإنما تؤدي دوراً أساسياً في بناء دلالة النص.

يقرّ الشافعي، شأنه شأن أبي عبيدة قاسم بن سلام (224 هـ)، بأنَّ جذور بعض المصطلحات القرآنية أعجمية، بيد أنه يدعي أنها أصبحت جزءاً من منظومة المصطلحات العربية بعد أن دخلت في نطاقها، لكنه ينكر، في الوقت نفسه، وجود مصطلحات معربة في القرآن، ويدافع عن عربية القرآن ونقاء اللغة العربية. وأراد من وراء ذلك تحقيق هدف محدد، وهو انتقاء لهجة قريش من بين اللهجات العربية المختلفة. فمن المعروف أن القرنين الأولين شهدا نزاعاً مشهوراً بين الفقهاء وعلماء القرآن حول القراءات المختلفة وحجّيّتها، مصدره الرواية المعروفة الواردة عن النبي في أن القرآن نزل بسبعة أحرف، ما أدى إلى ظهور نحو أربعين تفسيراً مختلفاً لهذه العبارة(13)؛ فهل يقصد من هذه الأحرف القراءات أو اللهجات العربية المختلفة (مثل لهجة بني هوازن وثقيف وقريش وخزاعة )، أو أن هناك معاني أخرى لها؟، من الواضح أن تحديد العبارة بلهجة أو لهجات معينة كان يمكن أن يترك تأثيراً عميقاً على بلورة الثقافة الإسلامية، لأن ذلك من شأنه أن يفضي إلى إسقاط الاعتبار عن بقية القراءات. ورغم أن هذا النِّزاع بلغ نهايته المحتومة في عهد الشافعي، وتم اختيار قراءة عثمان القرشية (وعثمان قرشي) بوصفها اللهجة الرسمية المعتبرة، إلاّ أن الشافعي كان عارفاً بالتأثير الذي يمكن أن تؤدِّيه لغة الدين على المجتمع الإسلامي الذي كان في طور التكوين حينذاك، ولهذا دافع بضراوة عن عروبة القرآن، للدفاع في حقيقة الأمر عن لهجة قريش، لأنه كان يريد إثبات سيادة قريش وتفوّقها من جميع الجوانب حتى لو تمّ ذلك عبر تأويل لغة الدين.

 

الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة

اتسم رأي الشافعي في الخلافة وإحرازها بالتعصب، ولم يكتف بمواكبة جمهور أهل السنة بالقول: إن الخلافة تنحصر بقريش، بل رأى أنها تستحقها حتى لو حصلت عليها بالقوة والغلبة، ولا تتوقف صحتها على بيعة الأمة وإجماعها. كما أن الفتاوى الفقهية للشافعي لم تنأَ عن التعصب، فقد أفتى في كتاب الأم(14) بأن صحة الصلاة تتوقف على القراءة العربية الفصيحة، الأمر الذي أحرج المسلمين من غير العرب الذين ليست لهم القدرة على العربية الفصحى. ويمكن أن ندرك جوهر هذه الفتوى متى ما تم بحثها في سياقها التاريخي، لاسيما حينما تقاس بفتوى أبي حنيفة الفقيه الذي ينحدر من أصول إيرانية، فهو لم يشترط فيها فصاحة العربية لصحة الصلاة، بل أباح القراءة حتى باللغة الأعجمية لمن لا يتمكن من العربية مع كراهة. ورغم أن الاختلاف في الآراء بين الشافعي وأبي حنيفة يبدو للوهلة الأولى أنَّه سطحي ويتلخص في الفروع من دون الأصول إلاّ أن جذوره تمتد بعمق حتى يصل إلى المنطلقات الإيديولوجية لكل منهما، الأمر الذي أدى بهما إلى تفسير النص وتأويله كل حسب منطلقه المعرفي _ الإيديولوجي. بعبارة ثانية فإن الاختلاف بين الشافعي وأبي حنيفة يتركز على ماهية النصّ القرآني، وما إذا كان المراد منه معانيه، أم أنه يشمل على اللفظ أيضاً، وبخاصة اللهجة القرشية، ويشكّل جزءءاً منفصلاً عن تأثير ماهيته. وقد أثر هذا الاختلاف بشكل كبير على كيفية تفسير المفاهيم القرآنية (منهج الاستنباط).

 

مبدأ خطير في فكر الشافعي

أرسى الشافعي المبدأ الخطير والأساسي، وهو: "جامعية القرآن وشموليته" اعتماداً على تفسيره الخاص للغة، ما جعله نصاً قادراً على حلّ جميع المشكلات السابقة واللاحقة، وألقى هذا التصور بظلاله على كل التاريخ العقلي والفكر الديني، وجعل من العقل العربي عقلاً مطيعاً تابعاً تقتصر وظيفته على شرح النصّ وتفسيره، وكانت أولى نتائج هذا الفهم إلغاء العقل، ورغم أن الشافعي ليس هو من أبدع هذا المبدأ، فإنَّه أدّى دوراً رئيسياً في تثبيته وتركيزه، ما يمكن ملاحظته بوضوح في آرائه، وبخاصَّة في بحث الاستحسان والمصالح المرسلة.

يعتقد الشافعي بأنَّ شمولية النصّ القرآني منبثقة من عربيّته، هذه اللغة التي لا يمكن أن تحاط، من حيث سعتها، إلا من جانب الأنبياء. وجعل هذا التلازم بين شمولية "النص القرآني" وسعة "اللغة العربية" من تفسير هذا النصّ وفهمه أمراً متعذراً يتطلب الكثير من الجهد، ولا يتيّسر إلا للمفسّر المنحدر من أصول عربية، لأن الأعجمي لن يتوصّل إلى عمق الدلالة القرآنية مهما بذل من جهد ومشقة لفهم القرآن. على هذا الأساس شيّد الشافعي كل الأساليب البيانية القرآنية من النص والظاهر إلى الخاص والعام على فهم العرب له، ولم يرجع غموض دلالته ووضوحها إلى عناصر داخلية في النصّ، إنما ربط ذلك بعامل خارجي عن النص وهو أصل المتلقي، أو بكلمة أدق جنسيته وعنصره.

العربي القُح (أو العربي القرشي حسب الشافعي) لا يخلط أبداً بين العام الظاهر والعام في معناه الخاص، ويعلم حقّ المعرفة أنَّ المراد مثلاً من الناس في الآية 173 من سورة آل عمران: )الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ(، وكذلك في الآية 199 من سورة البقرة: )ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ(، ليس عامة الناس، بل يفهم من مدلولها أنَّها فئة خاصة من الناس(15)، لأن العرب أجازت مثل هذا الاستخدا


تحــوّلاتُ الأدبِ الفارســــي في العصـر الإســـلامي

5 يوليو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تمهيد

الموقع الجغرافي للأدب الفارسي هو العامل الأوَّل من عوامل توثيق الصلة مع الأدب العربي، فالأدب الفارسي هو أدب أقرب جيران العرب جغرافياً وأقدمهم، وهذهِ المجاورة تجلب معها الكثير من التشابهات والتماثل في العديد من النواحي، كالمناخ والبيئة وتلاحم الأفكار وتوارد الخواطر والمشاعر، ناهيك عن الجوار الحضاري قبل الإسلام وامتداد النفوذ الفارسي القديم حتى البحر المتوسط ومصر([1]).

لكن يبقى الفتح الإسلامي لإيران، على أيدي العرب، هو أهم عوامل التواصل بين اللغتين وأبرزها، وذلك لما تركه من تأثير واضح خصوصاً في المجال الأدبي. فقد شهدت اللغة الفارسية تأثراً كبيراً في هذه المرحلة. ومن الواضح لكل من له علم باللغتين أنهما تتفقان في كثير من المفردات والاصطلاحات اللغوية، بل وفي كثير من الأفكار والأخيلة والأجناس الأدبية كذلك، بحيث يبدو للباحث أنّ روحاً واحدةً تربط بينهما، وأنّ صبغة للتفكير توحِّد بين معالمهما، على الرغم من أنّهما تنتميان من حيث الأصول اللغوية إلى فصيلتين مختلفتين.

وقد مرّ تأثّر الأدب الفارسي بالأدب العربي بمراحل كثيرة نتعرض منها خلال البحث إلى ما يأتي:

 دخول الإسلام إلى بلاد فارس

حدثت مواجهات كثيرة، تراوحت بين كرٍّ وفرٍّ بين الجيوش الإسلامية والفارسية، أعقبتها انتصارات المسلمين على الساسانيين، في معارك "بويب"، و"القادسية"، ثم جاءت معركة الحسم "نهاوند" لتقضي على آخر جيوش الساسان سنة (21 للهجرة)، وقد أطلق عليها المسلمون اسم "فتح الفتوح"، وأفضت هذه المعركة إلى أن يسيطر الحكم الإسلامي على ربوع إيران الجديدة([2]).

وقد هيمن الفكر الإسلامي على جميع مجالات الحياة في إيران، ونالَ قبولاً واسعاً من قبل الإيرانيين، الذين كانوا يعيشون صراعات الزردشتية والمسيحية. فأخذت اللغة العربية مكانتها بينهم كونها لغة الفاتحين ولغة كتابهم السماوي، فأصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية لشؤون الدولة والصلة بين الفاتحين والشعب الإيراني([3]).

وعليه، فقد هَجَرَ أكثر الفرس الزرادشتية إلى الإسلام. وتركوا لغة "الأُوستا" إلى لغة القرآن، وكان اعتناق الإيرانيين للإسلام أقوى العوامل التي أدّت إلى نفوذ اللغة العربية وثقافتها إلى صميم إيران، ونتج عنه ما أحكم صلات الإيرانيين في أدبهم ولغتهم بعد الفتح بلغة القرآن وأدبه.

 استبدال الخط البهلوي

ممّا لا شك فيه أنّ الإيرانيين سرعان ما تركوا الخط القديم الذي كانوا يستعملونه في كتابة لغتهم إلى الخط العربي. إذ وجدوه أيسر كتابةً وأكثر وضوحاً؛ وذلك لأنّ الخط البهلوي كان ذا عيوبٍ كثيرة، فمنها أنه كان يُعبّر عن أصوات كثيرة بحرف واحد، فمثلاً كان لا يوجد فيه إلاّ حرف واحد للجيم الجامدة والسائلة والدال. وكذلك حرف واحد للنون والواو والراء…، ما كان يوقع أحياناً العلماء أنفهسم في اللَبْسِ حين يتصدّون لقراءته. على أنهم كانوا يكتبون كلمة لحم وهي كلمة آرامية وينطقونها "نان"، أي الخبز، وهو اللفظ الفارسي المرادف للكلمة الآرامية([4]).

وكتابة الإيرانيين بالخط العربي ذات أثر كبير في تيسير الثقافة العربية على متعلميهم، وفي تسهيل تداول الكلمات العربية على لسانهم ودخولها نتاجهم الأدبي، وفي التشجيع على قراءة الكتب العربية والتأثّر بها. على أنّ اللغة الأدبية الإيرانية كانت قد انهارت تماماً بعد الفتح، وتلاشت في لهجات التكلّم الكثيرة في إيران، وأخلتْ مكانتها الأدبية للغة القرآن.

ولم يتح لإيران أن تكون لها لغة أدبية إلاّ بعد الاستقرار السياسي للدويلات التي قامت فيها، حيث ارتفعت إلى المرتبة الأدبية لهجة من لهجات التكلّم فيها، وهي اللهجة "اللرية"، واتجه الشعراء والكتاب إلى الكتابة بها. ويرى بعض الباحثين أنّ تلك اللهجة ليست هي البهلوية التي كانت لغة الأدب والعلم قبل الفتح الإسلامي، ولكنها كانت لغة الكلام في بيت الملك في أواخر القرن الخامس الميلادي، وكان مهد تلك اللهجة "خراسان" وشرقي إيران، ثمّ انتقلت إلى بيت الملك، وقد قضت على البهلوية واحتلت مكانها، فارتقت إلى منـزلة أدبية بعد الفتح([5]).

إذاً، فقد كانت اللغة الأدبية لفارس بعد الفتح لغة جديدة، نشأت تحت رعاية اللغة العربية ووصايتها، وارتقت إلى المكانة الأدبية في كنفِ تلك اللغة، وعلى يد من كانوا يجيدونها من أبناء الفرس، إذ من المعلوم أنّ أوائل كتّاب الفارسية الحديثة كانوا من ذوي اللسانين، وهذا ما يفسِّر تأثّر اللغة الفارسية بعد الفتح باللغة العربية إلى أبعد حدود التأثّر في مفرداتها واصطلاحاتها وبلاغتها، بل وفي قواعد النحو أحياناً، ما يكاد يعدُّ شذوذاً في تأثّر لغة بأُخرى على نحو ما يقرّره علم اللغة في قوانينهِ من أنّ اللغة لا تتأثر في قواعدها بلغة أُخرى.

 المثاقفة الأدبية

لم يقتصر تأثّر الفارسية بالعربية على النواحي اللغوية والمفردات وصور التعبير، بل كان من نتائجه أن سهّل التبادل بين اللغتين في الأفكار والموضوعات التي عولجت من خلالهما، وانتهى إلى توحيد الكثير من مظاهر الثقافتين العلمية والأدبية، على أنّه من الحق أن نبادر فنقرِّر أنّ الفتح الإسلامي وما استتبعه من دخول الإيرانيين في الإسلام، لم يكن ليقضي على الروح الإيرانية ومقومات الجنسية فيها، إذ سرعان ما جنحَ الإيرانيون إلى الرغبة في استعادة سلطانهم المسلوب، وأخذوا يعتزون بجنسهم مفتخرين بهِ على العرب، ومعتزّين بماضيهم التليد في الحضارة([6])، حيث دفعت _ تلك الرغبة _ كثيراً من الإيرانيين إلى ترجمة روائع الأدب الإيراني إلى العربية، وكأنهم يريدون بذلك أن يضعوا بين أيدي العرب من روائع أدبهم ما لا نظير له في الأدب العربي، وأروع مثل لذلك ما قام به "عبدالله بن المقفّع" من ترجمة "كليلة ودمنة" عن الإيرانية، ومثل آخر هو ترجمة "تنسرنامه".

كما عني كثيرٌ منهم بالتأليف أو الترجمة في تاريخ إيران مسوقين بالرغبة نفسها، وألّفَ منهم كذلك مَنْ ألّفَ في عدِّ مثالب قبائل العرب، أو بيان أنّ فضائلهم ليست إلاّ نقائص([7]). وكان من نتائج ذلك كلهِ أنْ غنيَ الأدب العربي وأتسع مجالهُ، واكتسبت اللغة ثروة واسعة، وارتقى النشر فيها إلى درجة كبيرة، وازدادت معارف أهلها في ميادين المعارف المختلفة. وريثما استقرّت الحياة السياسية في إيران، أُتيحَ للغة الإيرانيّة الجديدة، أن تحتل مكانة أدبية عظيمة، كثر وقتها مؤلفو الكتب، كالشاهنامة تسجيلاً لمآثرهم، ومفاخرة بمجد آبائهم.

 التصوّف بوصفه عاملاً مؤثراً

لسنا في صدد الخوض في تفاصيل مفهوم التصوّف، وما مرَّ به من مراحل متنوعة شرقاً وغرباً، إلاّ أنّ المهم منه هنا هو دوره في توثيق الصلات بين الأدبين: العربي والفارسي في مبادئه ونظرياته، سواء منها التي أخذت عن الإسلام وأُصوله، أم التي راجت باسم الإسلام بين المتصوِّفة من معتنقيهِ، وللتصوف بهذهِ الخصائص صلة وثيقة بما نحن في سبيلهِ من دراسة.

يعرّف "الغزالي" التصوف بأنه: "عملٌ مبنيٌ على العلم، وأنه قطعُ عقبات النفس والتنـزّه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب من غير الله وتحليته بذكر الله"([8]).

فالتصوف إذاً تأمّلٌ دائم في النفس، ورعاية كاملة لتطبيق مبادئ العقيدة حتى يتوصل المعتقد عن طريق التأمل والعمل إلى تنقية سريرتهِ، فيقترب من الله ويبتعد عن سواه، وقد كان التصوف في نشأته عربياً إسلامياً، تركزت مبادئه على آيات القرآن الكريم وفهم المسلمين الأُول لعقائد الدين ونصوصه. وقد انتقلت الحركة الصوفية إلى خراسان في القرن الثاني من الهجرة، على يدِ من درسوا التصوف عند متصوفة "البصرة"، وفي طليعة هؤلاء تلامذة إبراهيم بن الأدهم، ومنهم أبو علي شقيق بن إبراهيم البلخي المتوفى عام (194هـ)، أصله من ((بلخ))، ولكنه درس في البصرة، وأقام طويلاً في مكة ومات في الشام([9]).

وتاريخ الأدب الفارسي، بعد الإسلام، يزخر بأدب التصوف شعراً ونثراً، سواء ما كُتب منه بالعربية أم بالفارسيَّة، بل يكاد لا يخلو ديوان شاعر من شعراء إيران، في أحد جوانبه، من تأثّر بالصبغة الصوفية.

 

قصة (مجنون ليلى) أنموذجاً

كان قيس بن الملوَّح أو مجنون ليلى _ على فرض وجوده تأريخياً _ أحد المحبين العذريين، الذين توافرت في غزلهم معاني الحب العذري وعناصره، وأشعارهِ المروية له في جملتها مرآةٌ لعاطفة صادقة، عرفها قلب عربيّ مسلمٍ من أهل ذلك العصر. وقد حفلَت كتب الأدب العربي، منذ القديم([10]) بكثير من أخبار العذريين وأشعارهم، وهنالك قصص لبعضهم لا تقلّ إن لم تزد على قصة مجنون بني عامر روعةً، ثم إنّ هؤلاء العذريين يتشابهون في المعاني التي يرددونها في أشعارهم، كما يتشابهون في بعض أخبارهم، ومع هذا انفردت قصة المجنون وأخباره بالانتقال للأدب الفارسي من دون قصص بقية العذريين، وقد لقيت الرواج الواسع لدى الكثير من شعراء الفرس أكثر ممّا كان لها في الأدب العربي نفسه، ويرجع السبب في ذلك إلى أنّ كبار الشعراء الذين عالجوا تلك القصة في الأدب الفارسي كانوا من المتصوفة.

وبالرغم من أنّ طابعها الصوفي في الأدب الفارسي بقيَ غالباً عليها ومميزاً لها، فقد ظلَّ _ مع ذلك _ تأثير الأدب العربي واضحاً في نواحٍ أخرى كثيرة منها، كهيكل القصة، وكالطابع العربي الذي صيغت به حوادثها، والذي يشمل وصف البيئة، والعادات العربية، والمعاني الأدبية التي اقتبسها شعراء الفرس من الأدب العربي في ثنايا حديثهم عن ليلى والمجنون، سواء كانت هذه المعاني مأخوذة من الأخبار المروية للمجنون، أم كانت مأخوذة من قصص العذريين، أم من الأدب العربي في عمومه.

وقد تصرّف شعراء الفرس، في هذهِ الحوادث، وسلك كل منهم مسلكاً خاصاً، فاختار من الروايات العربية ما شاء؛ ليؤلّف بذلك حوادث قصته. فـ "نظامي" قد جعل قيساً يحب ليلى منذ كانا صغيرين. وقد تبع "خسرو الدهلوي" في قصتهِ الشاعر نظامي، ولم يأتِ بجديد يُذكر سوى أنه جعل والد قيس هو الذي يرجو من الأمير نوفل التوسط لدى والد ليلى كي يزوجه ابنته، ثم جعل قيساً هو الذي يتزوّج لا ليلى. وكانت الصبغة الأدبية في قصته غالبةً على الصبغة الصوفية. أما "الجامي" فقد خالفهما كثيراً في ترتيب الحوادث وسردها. ويتأثّر "هاتفي" بـ "مكتبي الشيرازي" الذي قام بتجديد محدود في القصة، مضيفاً إليها استئثار الملك بليلى من دون قيس بعد انتصاره في حربه ضد قبيلة والدها([11]).

وفي الموضوع تفاصيل كثيرة لا يسعنا التطرق إليها في هذا المقام. لكن يبقى النص الفارسي للقصة ذا طابع صوفي لدى أغلب أولئك الشعراء الذين تناولوا قصة المجنون وليلاه، وهو طابع اتَّصف به كلام أبرز الشعراء الإيرانيين حتى في عصرنا هذا.

 

التدوين التاريخي

لعل أهم نتيجة حقّقها قيام الدولة العربية الإسلامية، هو انتهاء تلك الحروب الطويلة الأمد والمدمرة بين الإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطية، ما أدى إلى حالة من الاستقرار والازدهار لم تشهدها المنطقة منذ قرون.

فقد عاش سكان الإمبراطوريتين، وخصوصاً الأقاليم الحدودية كالعراق والشام، حالة حرب شبه مستمرة خلال القرن وربع القرن الأخير قبل ظهور الإسلام. وكان تأثير هذه الحروب واضحاً في النـزيف الدموي، والاستنـزاف الاقتصادي، وتخريب الأراضي والمدن، وإرهاق الشعوب بالضرائب والتكاليف، وسلب الحريات العقديَّة.

وقد نجمَ عن حالة الأمن والاستقرار ازدهار حضاريّ في مجالات كثيرة، وشاركت فيه عدة شعوب مع العرب المسلمين صانعي الدولة الجديدة، والذي يهمنا هنا هو النهضة الثقافية، وعلى وجه الخصوص الكتابات التاريخية الفارسية.

من الحقائق المعروفة، لدى المختصين بتاريخ بلاد فارس، عدم وجود كتاب تاريخي باللغة الفارسية يتعلق بتاريخ فارس حتى بدايات العصر المغولي (القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي)، ما يعني أنّ الذي يبحث عن تاريخ بلاد فارس في العصر الإسلامي (1 _ 654هـ/642 _ 1255م.) لا بد له من أن يعتمد على كتب التاريخ العربي الإسلامي العام، المكتوبة باللغة العربية في غالبيتها العظمى، ويبدو أنّ عملية التدوين التاريخي لم تلقَ اهتماماً كبيراً لدى الفرس قبل الإسلام، ودليلنا على ذلك عدم وجود كتاب تاريخي بالمعنى الحقيقي لدى الفرس قبل الإسلام. وقد دفع هذا النقص العديد من المؤرخين _ ذوي الأصل الفارسي _ كالطبري والدينوري والبيروني وابن قتيبة إلى اتخاذ الأنموذج العربي في الكتابة التاريخية. هذا إضافة إلى كونهم كتبوا باللغة العربية: لغة الدين والدولة([12])، واللغة التي شاعت وانتشرت في أرجاء الحواضر الإسلامية بوصفها لغة الثقافة؛ لذلك لم يكن من الحكمة كتابة التاريخ بغير العربية.

لقد كانت اللغة العربية _ لغة القرآن والدواوين والثقافة _ بالنسبة للعالم الإسلامي كاللغة اللاتينية بالنسبة للعالم الأوربي الغربي في العصور الوسطى([13]). فهي الوساطة المهمة للعلاقات والارتباطات بين شعوب الدولة الإسلامية.

واللغتان العربية والفارسية قد أثّرت إحداهما في الأخرى، فدخلت العديد من الكلمات العربية في اللغة الفارسية، كما ظهرت أشعار وحكم ورسائل ديوانيّة، وقصص وتوقيعات عربية في لفظها وأسلوبها؛ لكنها فارسية في معانيها وموضوعاتها.

ونُقلَ من الفارسية ما كان من حكم وتوقيعات ورسائل، دلَّ أسلوبها في التفخيم والتبجيل على أنها فارسية. وكان من نماذج الجيل الجديد من المثقفين الذين مزجوا اللغتين، موسى بن يسار الأسواري والعتابي. أمّا الجهشياري فقد شرع في تأليف كتاب يضم ألف سمر من أسمار العرب والعجم والروم، فاجتمع له من ذلك أربعمئة وثمانون ليلة، كلّ سمر تام يحتوي خمسين ورقة أو أقل أو أكثر، ثم عاجلته المنية قبل استيفاء ما في نفسه من إكمال الألف سمر([14]). وأكثر من ذلك، فإنّ خلفاء الدولة العباسية، ووزراءها، لم يجدوا حرجاً في الاقتباس من الحكم والتعليقات الفارسية في توقيعاتهم على شكاوى الناس وعرائض المتظلمين([15]).

 

الفارسية ثاني لغات العالم الإسلامي

لم ينل هذا الموضوع دراسة وافية بما حوت أبعاده، سواءً على البعد الديني أم الاجتماعي حتى السياسي، فإن تحرز اللغة الفارسية مرتبةً أولى بعد لغة القرآن، فهذا يتضمن مداليل واسعة على الأصعدة المذكورة آنفاً، فباعتبارها لغة قومٍ خاضوا العديد من الحروب مع العرب على مراحل متناوبة، قبل الإسلام، إضافةً إلى ما خلقته تلك الأجواء من تباعد بين الفئتين العربية والفارسية، ناهيك عن نزالات المسلمين قُبيل الفتح مع الساسان وشعبهم الذي لا يتعدى إحدى هويّتين، إمّا زردشتي أو مسيحي ما كانت لتتخذ هذا الموقع. لكنّ ثمة مسوِّغات كثيرة لإلغاء تلك الفوارق التاريخية، أهمها:

سماحة الدين الإسلامي ومرونته تجاه سائر القومياتِ والمِللِ الداخلة في الإسلام، بما تضمَّنه من مفاهيم سلام، وعدالة شاملة لجميع الشعوب، أيضاً ظهور قواسم مشتركة بين ذوي اللغتين من علماء ومؤرخين، ناهيك عن أئمة بعض المذاهب الإسلامية من ذوي الأُصول الإيرانية، ولا يفوتنا في المضمار نفسه ما أولاه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لسلمان الفارسي وقومه من عناية، بوصفه أحد أبرز الصحابة الأوائل، والجيل الطليعي للإسلام.

فكان أن أُقحم الكثير من المفردات الفارسية على أنها معرّبة في القاموس العربي، ومع استخدام غير معنى للفظ في لغته الأُم أحياناً، فتجد أنّ "لويس معلوف" يثبت أربعة معانٍ لكلمة "كنار" في منجده، وجميعها فارسية الاستعمال([16]). هذا ولم نتطرق للعكس، أي إقحام المفردات العربية في اللغة الفارسية، لوفرتها وبساطة التعرّف على ذلك بمجرّد الاطلاع علىأيَّ نصٍّ من نصوصها.

وبما أنّ أكثر الأعلام من بلاد فارس كتبوا بالعربية، فلم تكن هناك حاجة لموضوع الترجمة إلاّ في ما ندر.

 

وقفة وختام

لقد شهد الأدب الفارسي أبرز مراحل تطوره في العصر الإسلامي، خصوصاً عندما تحولت بلاد فارس إلى أقاليم وولايات؛ لتشهد كل ولاية أو إقليم نشاطاً خاصاً وروّاداً كثيرين ينسب كل منهم لولايته، وقد يتفق أكثر الباحثين على أنّ عصر الدولة الغزنوية شهد رقياً بالغاً وملحوظاً متميزاً من سواه بوفرةِ روّاده([17]). ففيه نظم "الفردوسي" الشاهنامة بما حوته من شهرة وعنفوان تاريخي قلّ نظيره، وفيه نقل الوزير العالم البلعمي كتاب تاريخ الطبري إلى اللغة الفارسية، ولمع "رودكي" أول شاعر غنائي فارسي، فعلى الرغم من أنّ شعره لم يخل من الكلمات العربية، ومن أنّ الأوزان التي ابتكرها كانت مشابهة لشعراء الفرس، إلاّ أنّه دعا في منظومته إلى فلسفة في الحياة، بعيدة عن التشاؤم، فأسس بذلك ملحمة تعليمية هي من أخصب فروع الأدب الفارسي، وعلى صعيدٍ أوسع علمياً وثقافياً في السياق نفسه، يقول "بروكلمان": "… وبلغت الجغرافية العربية ذروتها حيث ألّفَ الوزير الجيهاني كتاباً في وصف البلدان المجاورة، ووضع زيد البلخي مصوراً جغرافياً، وجعله ذيلاً لأطلس إسلامي"([18]).

كلّ ما ورد في المقال هو جزءٌ من أدلَّةٍ عديدة تشير إلى تأييد خصوصية الأدب الفارسي ومكانته من الحضارة الإسلامية، وما تمتع به من مميزات تاريخية أفادت منها أواصر التوثيق مع الأدب العربي على مرِّ العصور حتى يومنا هذا، فمستوى التأثير بين الأدبين يفوق ما أفرزته قرون المثاقفة بين العرب وبلاد الأندلس، مع كون الأدب الأندلسي وليداً للفتح الإسلامي وحضارته، إلاّ أنّ معالم التأثّر والتأثير مع الأدب الفارسي كانت أكثر شخوصاً عمّا سواها، ذلك يرجع كما قلنا في بداية البحث للجوار الجغرافي أولاً وبالذات، ما يُسهّل هجرة العلماء والأُدباء بين الطرفين، فلا غرابة في أن نسمع بأنّ المتنبي كان قد سكن في شيراز، أو أنّ سعدي تنقل في بلاد الشام وزارَ بغداد، وأن يجيد أكثر الحكماء من فارس اللغة العربية، فيكتب الشيخ الرئيس "ابن سينا" كتابه بالعربية كذلك الحال بالنسبة للفارابي، وصولاً لصدر المتألهين وحكمته المتعالية.

لا ننسى ونحن نختم البحث الإشارة إلى ما شكّله الأدب الفارسي من جسور المواصلة مع الآداب الأُخرى كالأدبين: الهندي واليوناني، بما تُرجم من ملاحم عن الأدب الهندي إلى الفارسيَّة، ومنها إلى العربيَّة، كذلك الحال بالنسبة لليوناني. بقيت هنالك جوانب تأريخية بحتة خرجت عن الاختصاص، وللمتتبع مراجعة كتب التأريخ الخاصة بتلك المرحلة، وما تضمنته من شواهد عديدة، للاطلاع عن كثب على أهمية تحولات الأدب الفارسي في العصر الإسلامي، بما أفرزته من نتاجات مهمة على غير من صعيد، خصوصاً السياسي منهُ.

 

 

*    *     *



الهوامش




(*) باحث في الأدب العربي، من العراق.

 

([1]) تاريخ إيران از آغاز تا صفوية (فارسي)، ص. 41.

([2]) تاريخ إسلام ودولتهاي مسلمان (فارسي)، ص. 58.

([3]) لقد ظلت الإيرانية مستعملة في دواوين الخراج حتى عام 70، فحولت إلى العربية، فتوح البلدان.

([4]) الفهرست، ص. 14.

([5]) هذا هو رأي ابن المقفّع وحمزة الأصفهاني.

([6]) يذكر الدكتور ذبيح الله صفا في كتابه، تاريخ أدبيات در ايران (فارسي)، ص. 20: أنّ إسماعيل بن يسار كان أول المنتفضين بوجه حاكم عربي، مفتخراً بأصوله الإيرانية، إذ كان من الموالي، فأنشد بحضور هشام بن عبدالملك قائلاً:

أصلي كريمٌ ومجدي لا يقاس به
أحمي بهِ مجد أقوامٍ ذوي حسبٍ
جحاجح سادةٍ بلجٍ مرازبةٍ
من مثلَ كسرى وسابورِ الجنود معاً
اُسدُ الكتائب يوم الروع إن زحفوا
هـنـاك إن تـسـألـي تـبـنـي بأنّ لـنـا

 

ولي لسانٌ كحدِ السيف مسمومِ
مِنْ كلِ قرمٍ بتاج الملك معموم
جردٍ عتاقٍ مساميح مطاعيم
والهرمزان لفخرٍ أو لتعظيم
وهم أذلّوا ملوك الترك والروم
جرثومةً قهرت عزّ الجراثيم

 

([7]) الفهرست، ص. 174.

([8]) المنقذ من الضلال، ص. 88.

([9]) الرسالة القشيرية، ص. 9.

([10]) ومن أقدمها "الزهرة" لابن داود.

([11]) الجامي، ليلى والمجنون، ترجمة محمد غنيمي هلال.

([12]) يشبه "كارل بروكلمان" اللغة العربية وأهميتها بالنسبة للعالم الإسلامي باللاتينية وأهميتها في القرون الوسطى، تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة نبيه فارس ومنير البعلبكي.

([13]) د. فاروق عمر، تاريخ إيران.

([14]) حسن محمود، الإسلام في آسيا الوسطى، طبعة القاهرة.

([15]) المصدر نفسه، ص114.

([16]) لويس معلوف، المنجد في اللغة، مادة "كنـز".

([17]) تاريخ الدولة الغزنوية هو (351 _ 582هـ/862 _ 1186م).

([18]) كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الاسلامية، ص265.


التَّقليــد والنَّظـــر / وظيفة المثقَّف المسلم اتجاه التَّكليف الشرعي

5 يوليو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2 زيارة

 تمهيد
 من النتائج المهمَّة لتقدُّم المجتمع وانفتاحه على مجتمعات أخرى وعوالم مختلفة أن تكثر الأسئلة لديه عن كل ما كان يعيشه، لأن هذا المجتمع سوف يقوم بالمقارنة بين ما يعيشه هو وما يعيشه الآخرون، ومن هنا تبدأ عمليِّة التأثر والتأثير بين الشعوب والثقافات والحضارات.
 
 إن الطبقة الاجتماعية التي تتولَّى هذه المهمة، بحسب العادة، هي الطبقة المثقفة، والمثقَّف شخص يملك سلطة، ولكنها سلطة خفية تسري بنحو بطيء إلى سائر الناس فتسيطر عليهم، فالأسئلة التي يطرحها المجتمع تبدأ أولا لدى المثقف وهي عندما تصدر منه تتسم بالغرابة والاستنكار، ولكنها شيئاً فشيئاً ما إن تسير على الألسن ويكثر الحديث عنها، حتى تقل غرابتها والاستنكار عليها لتصبح أسئلة مشروعة تحتاج إلى معالجة، أو أنها إن كانت صحيحة فسوف تؤثر في تغيير الواقع القائم الذي ترتبط به. لذا نؤكد أن جدة الطرح أو السؤال لا ينبغي إلاَّ النظر إليها بوصفها عاملاً سلبياً بل بوصفها عاملاً إيجابياً يفتح باباً من التنمية للفكرة السائدة السابقة أكثر مما يمكن أن يكون لصالح الجديد، لقد جرت عادة مجتمعاتنا العلمية على بذل جهد زائد في ترتيب القضايا الأكثر جدلا عن تلك المغفول عنها.
 
 من الأسئلة المثارة، لدى المجتمع الملتزم، السؤال عن التقليد، والسؤال هذا يرتبط بحياة هذا الإنسان بشكل جذري، لأن الإنسان الملتزم المقلّد لفقيه ما لا بدّ من أن يضبط إيقاع كل عمل يقوم به وفاقاً لفتوى الفقيه الذي يقلِّده، إذا الفقيه هو سلطة دينية على الإنسان الملتزم تجعله مقيدا بالفتوى ليأمن من العقاب الإلهي، وهذه السلطة لدى الإنسان الملتزم هي وسط بين الاختيار والإجبار، فالمسلم الملتزم أقدم على الالتزام الديني باختياره، ولكن عليه نتيجة هذا الاختيار أن يكون مقيَّداً في أفعاله بفتوى الفقيه الذي يقلده لأن هذا ما يفرضه عليه التزامه الديني. إن نتيجة هذه الحالة كانت أن بدأت الأسئلة تتحرك داخل هذا المسلم الملتزم الذي يملك ثقافة ووعياً، وهذه الأسئلة متنِّوعة ومختلفة، فمن الأسئلة ما أثير عن شروط التقليد، فهل هو ملزم بتقليد الأعلم ؟ ألا يحق له أن يقلد غير الأعلم؟ هل هو ملزم بتقليد الحي؟ ألا يحق له تقليد الميت؟ هل هو ملزم بتقليد شخص واحد في جميع ما يبتلي به؟ ألا يحق له التبعيض في التقليد؟
 

 أمَّا السؤال الأهم فهو عن أساس الإلزام بالتقليد، هل أمر المكلف منحصر في أن يكون، نتيجة التزامه الديني، ضمن الأطر الثلاث التي ذكرها الفقهاء: إما مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً؟ هذا التخيير، وإن كان ثلاثياً في الظاهر، فإنه بالنسبة لهذا الشخص ليس ثلاثياً وليس تخييرياً بل ما يتجه إلى الإنسان المثقف والعامي على السواء هو أنه لا بد من أن يكون مقلداً لأنه حيث لا يكون مجتهداً وكان الاحتياط متعسراً فأمره منحصر بالتقليد.
 

 إذا أصبح المكلف المثقف _ ونخصّ الكلام به لأن هذا السؤال إنما يثار عنده لا عند غيره _ ملزماً بالتقليد؟ ولكن ما الضير في ذلك؟ إن المشكلة تكمن في مفهوم الكلمة وواقعها لدى المثقف، فالتقليد عند المثقف يعني شلّ حركة فكره وتعطليها، لأن التقليد يعني الالتزام من دون السؤال عن ذلك بـ"لمَ؟" و"كيف؟" وو…. والتقليد يعني أن حياته بشكل عام، إن لم نقل بشكل كامل، لا بد من أن تسير طبق ما يفتي به الفقيه، وهذا هو ما يثيره جدا ويثير هذه الأسئلة في أفق ذهنه.
 

 ليس بحثنا هنا عن مشروعية هذا السؤال أو صحته أو عن الجواب الصحيح عنه، لأن أحداً ما قد يقول: وما الضير في ذلك، إن الإنسان جرت عادته على أن يرجع إلى أهل الخبرة في كل ما لا يحيط به ولا يعرفه، ويقلدهم في ما يقولونه كالأطباء والمهندسين وغيرهم، والفقهاء هم من أهل الخبرة في التكليف الموجه للإنسان، ولهذا يرجع إليهم.
 
 ولكن الجواب بهذه البساطة لا يكفي لحل المشكلة، لأن ارتباط المكلف بالفقيه من جهة يختلف عن ارتباطه بأي خبير آخر يرجع إليه، ومن جهة أخرى فإن مجال الفقيه يشمل ما لا يشمله أي شخص آخر، لأنه يرتبط بجميع مفرادت حياته حتى أخص خصوصياته.
 
 من هنا انطلقت فكرة أخرى تحاول أن تخرج صاحب هذه الأزمة منها، تفتح الباب أمامه للجمع بين التزامه الديني وبين رغبته وميله إلى الفرار من المشكلة التي يعيشها والمرتبطة بالمفهوم السلبي لفكرة التقليد في ذهنه. والفكرة هي عبارة عن عملية الجمع بين ضرورة الرجوع إلى أهل الخبرة في مجال خبرتهم وبين حرية الانتخاب من بينهم في ما يراه، وهذه الفكرة تسمى "النظر"، وهي ما سنعالجه في مقالتنا هذه معتمدين في تصوير الفكرة أولا على مصدرها الأساسي ألا وهو كتاب "الاجتهاد والتقليد والاتباع والنظر" لمؤلفه يحيى محمد، ثم مستعرضين ما يمكن أن يرد من نقد عليها.
 
 طريقة النظر
 النَّظر هو من المصطلحات الكلامية، وعن القاضي عبد الجبار الهمداني أن النَّظر هو عبارة عن التفكير في الأدلَّة على اختلافها. وفي بعض التعاريف الأخرى: إنه "الفكر" أو "الفكر الذي يطلب من قام به الفكر علما أو غلبة الظن" أو "الفكر والبحث عن الدلائل العقلية"(1).
 
 هذا المصطلح المستخدم كلامياً تمت الاستفادة منه في هذا البحث، فكانت طريقة النظر في الأحكام والفروع عبارة عن نظر المكلف في أدلة المجتهدين، ومن ثم ترجيح بعضها على بعضها الآخر، أو الاقتناع به أو عدمه حسبما يمليه عليه الوجدان والاطمئنان(2).
 
 فطريقة النَّظر، إذاً، ليست عملية استنباط بل هي عملية ترجيح بين الأدلة، ومن هنا يفرّق بين النظر وبين التقليد بأن التقليد هو اتباع ما يفضي إليه قول المجتهد، من دون فحص دليله، وأما النظر فلا بد فيه من فحص الدليل.
 إننا قبل استعراض الأدلة على هذه الفكرة، لا بد من الانتصار لها عبر تسجيل عدم غرابتها ولو بنحو جزئي؛ وذلك أولاً بأن الملاحظ هو أن المجتهدين أنفسهم يمارسون أحياناً طريقة الترجيح بين الآراء الفقهية، ما يعني أنهم يزاولون عملية النظر من دون تمييز لها عن طريقة الاجتهاد. فالفقيه يعرض الآراء المتعلقة في المسالة فإما أن يبدي قناعته الكلية ببعض هذه الآراء، أو أنه يرجح بعضها على بعضها الآخر أو يكون له رأي جديد فيها، وهو حينما يرجح بعض الآراء على بعضها الآخر بلحاظ الأدلة المقدمة، إنما يزاول طريقة النظر متضمنة مفهوم الاجتهاد(3).
 
 وثانياً بأن طريقة التقليد تواجه بعض الملاحظات، وهي الآتية:
 
 1-إن التقسيم، وإن كان ثلاثياً _ اجتهاد أو تقليد أو احتياط _ فهو يرتبط بالناحية الوظيفية، ولكن الأمر من حيث المرتبة ليس كذلك لأن مشروعية التقليد لا تكون إلا بالاجتهاد، ولأن المقلد لا يصح له التقليد ما لم يجتهد بذلك وإلا تسلسل الأمر ودار. وكذلك الاحتياط فإنه غير مسوّغ إلا عبر الاجتهاد.
  2-إن الأقسام الثلاثة ترتفع في الموارد التي يحصل فيها لدى المكلف العلم الوجداني، كما في الضرورات والقطعيات والمسائل الواضحة وإن كانت قليلة جداً.
  3-كما أن من الموارد التي لا مجال للتقليد فيها ما يرتبط بتشخيص الموضوعات وفهم المعاني العرفية؛ حيث لا يكون التقليد فيها إلا في ما يحكيه عن الشارع الإسلامي.
 4- الموارد التي يتمكن المكلف من الاستنباط فيها كمسألة تقليد الأعلم.
 5-الرأي الفقهي القديم المنكر للتقليد، والذي يعمد إلى إلزام المكلفين جميعا بتحصيل العلم بالأحكام الشرعية. وهذا الرأي وإن تمت مناقشته بعدم إمكان ذلك لعامة المكلفين، فإن هذه المناقشة لا ترد على طريقة النظر، حيث يكتفي بها بتعلم معالم الدين بصورة مجملة، وتكون له القدرة على تفهم بعض الآراء الفقهية ليتمكن من الترجيح بينها.
  لمن طريقة النظر؟
   لا يمكن فتح باب طريقة النظر أمام جميع المكلفين، لأنها تتطلب نوعاً من الثقافة لا تتطلبه عملية التقليد، فالفئة المخوّلة أو التي تملك أهليّة أن تسير على طريقة النظر، هي الطبقة الوسطى بين المجتهدين وبين العوام المحرومين من الوعي الثقافي الإسلامي، أي أنها طبقة المثقفين التي أخذت تضع ثقلها الكبير في التأثير على الحياة العامة، وهذه الطبقة، وإن كانت ليست بمستوى التخصص والاجتهاد، فإنَّها ليست بمستوى العامية الصرفة والتقليد، وذلك لما تمتاز به من استعداد وقابلية عقلية للتَّمييز بين ما يقبل وما لا يقبل من الآراء والفتاوى.
 نعم، لا يمكن وضع تعريف منطقي أو دقيق لهذه الطبقة، ولكنها موجودة في جميع المجتمعات وإن برتب متفاوتة.
 أدلة طريقة النظر
 إن إطلاق عنان المكلف في التقليد وعدم إلزامه بالرجوع إلى شخص واحد، قد يتم فقهياً عبر رفع اليد عن شرطية الأعلمية في التقليد. كذلك يرفع اليد عن شرطية الحياة في المكلف، وكذلك برفع اليد عن عدم جواز التبعيض في التقليد، ولكن في البحث عن طريقة النظر هذه لا بد من أن نحافظ على اعتبار هذه الشروط لأننا نعدّ طريق النظر عدلاً للطرق الثلاث: الاجتهاد والتقليد والاحتياط.
 1_ الدليل الشرعي
  قوله تعالى: ]الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأولَئِكَ هُمْ أولُو الأَلْبَابِ[ (الزمر:18)، فعموم الآية، أو إطلاقها، يثبت أن على الناظر أن يتعامل مع الآراء الفقهية بوصفها أقوالاً مختلفة، وعليه أن يعوّل على ما يراه أحسنها. فيكون النظر من تطبيقات الآية الشريفة.
 وقد تحدث المفسرون عن الآية، ومما ذكره العلامة الطباطبائي عنها قوله: "فتوصيفهم باتباع أحسن القول معناه أنهم مطبوعون على طلب الحق وإرادة الرشد وإصابة الواقع، فكلما دار الأمر بين الحق والباطل والرشد والغي اتبعوا الحق والرشد وتركوا الباطل والغي، وكلما دار الأمر بين الحق والأحق والرشد وما هو أكثر رشداً أخذوا بالأحق الأرشد. فالحق والرشد هو مطلوبهم ولذلك يستمعون القول ولا يردون قولا بمجرد ما قرع سمعهم اتباعا لهوى أنفسهم من غير أن يتدبروا فيه ويفقهوه"(4).
 والنتيجة هي أن الآية إما أنها تحبِّب اتباع أحسن الأقوال أو أنها توجب ذلك، وظاهر الآية ليس بعيدا عن الاحتمال الأخير(5).
 2 _ دليل العقل أو الأقربية
 إن الدليل الذي يرجحّه الناظر يُعدّ أقرب إلى الحكم الإلهي في وجدانه، وهذا من تطبيقات الظن الذي يقوم مقام العلم عند تعذُّر الوصول إلى العلم، وقد ذكر المحقق القمي أنه طبقاً لدليل الانسداد، فإن العبرة بقوة الظن. كما أن ترجيح الأعلم على غيره إنما هو باعتبار أن ملاك الحكم هو الرجحان والأقربية لا الأعلمية من حيث ذاتها، وعليه فالناظر إنما يرجع في العمل إلى ما يراه أرجح لأنه يراه أقرب إلى الواقع لا سيما مع كون ظنون الناظر منضبطة ضمن ضوابط الفحص والتمييز العقلائي. نعم هذه الأقربية لا تثبت وجوب اتباع الناظر لما يراه الأقرب، وإن كانت الأقربية مطلوبة في حد ذاتها من باب الأولوية.
 3_ الدليل المنطقي
 يعتمد هذا الدليل على قاعدة منطقية هي عدم صحة العدول عن اتباع الدليل الراجح باتباع الدليل المرجوح، مستشهداً لذلك باستدلال بالفقهاء من ضمن ما استدلوا به على وجوب تقليد الأعلم، من جهة أنه حيث يجب العمل بالدليل الراجح يجب تقليد الأفضل، فحجية الدليل تقوم أساسا على الترجيح، وهذه القاعدة تنسحب إلى الحكم بعدم جواز رجوع المكلف إلى من ينظر إليه بأنه مخطئ مشتبه في حكمه، أو أن حكمه لا يفيد الاطمئنان بشيء وأن هذا الأمر يشهد له العديد من الموارد التطبيقية عند الفقهاء، وهذه الموارد هي:
 أ _ عدم جواز رجوع المجتهد إلى المجتهد الآخر إذا كان الأول يرى انسداد باب العلم والظن المعتبر في حقه إلى المجتهد القائل بانفتاح باب العلم، لأنه يرى خطأه في ذلك، فإن الانسدادي مثلاً لا يرى حجية خبر الواحد، فكيف يرجع إلى القائل بحجيته وهو يرى خطأه؟
 ب _ عدم جواز تقليد المجتهد المتجزئ للمجتهد المطلق، لأنه يرى خطأه واشتباهه والحجة قامت عنده والتقليد مختص بمن لم تقم الحجة عنده، وهذا ينطبق على صاحب النظر.
 ج _ ما ذكره الأخند من أنَّ العامي إذا استقل رأيه في بعض الموارد فكان خبيراً بالأدلة، فليس له التقليد بل له مخالفة الأعلم.
 د ـ ما ذكره الأصفهاني، صاحب الفصول، من أن العامي لو علم بطلان ما أفتى به المفتي، فإن له أن لا يقلده في ذلك ومراجعة غيره. أو فتوى بعض المعاصرين بأن العامي لا يجوز له التقليد بكل ما لا يرى، اطمئناناً في حكم المجتهد .
 4 ـ البناء العقلائي
 ما نشاهده، في جميع الحرف والمهن، حيث إن من يرجع إلى أصحاب الاختصاص إذا كانت لديهم الخبرة والتمييز، فإنهم لا يرجعون إلى قول الأكثر علما إذا ظنوا أنه على خطأ وغير صواب ويشهد لذلك ما ذكروه في حكم رجوع صاحب الملكة إلى من يحتمل انكشاف الخطأ عنده إذا راجع الأدلة.
 ولذا نقول في حق صاحب النظر: إنه كيف يسوغ دعوى أن العقلاء يلزمون صاحب النظر بالرجوع إلى من يراه مخطئا بعد الفحص، بل الأمر به أشد صعوبة لأنه ليس كصاحب الملكة ليس عنده سوى احتمال ذلك.
 مراتب النظر
  إن صعوبة وضع تعريف وتحديد منطقييِّن للمثقف تفرض صعوبة على عملية وضع حد تفصيلي لمراتب النظر، أو حتى بين بعض هذه المراتب وبين الاجتهاد والتقليد لتداخل الحدود الوسطى، ولكن تقسيماً عاماً فرض، وهو تقسيم الناظر منهجياً إلى مرتبتين:

 1_ المرتبة التفصيلية

 ويمتاز فيها صاحب النظر بالدقة والوضوح في استبعاده لبعض الأفكار والقبول بأخرى، والمثال الذي يقدمه لهؤلاء هم طلاب مرحلة الخارج الذين يتمكنون من التمييز في التفاصيل التي تردهم، مع أن الفقهاء يحكمون عليهم بلزوم التقليد
 2_ المرتبة الإجمالية
 أن يطمئن صاحب النظر إلى ما يرده من إجمال الأدلة لبعضها دون بعض، مستعيناً لذلك بما له من قدرة فطرية يميز فيها ما يراه عقله أقرب للصواب، كيف وقد اكتفى العلماء في علم الكلام بالعلم الإجمالي بالأدلة العقديَّة، نعم على الناظر، في هذه المرتبة الإجمالية، أن يكون على بيِّنة واطلاع على ما يخص معالم الدين الأساسية وأصول الفقه، من دون الحاجة للدخول في التفاصيل التي يمارسها الفقهاء، لأن الكثير من المبادئ المقررة يمكن ممارستها بشكل تلقائي حتى مع عدم الدقة في معرفتها على التفصيل، وما لم يكن واضحا لديه فإن من الواجب عليه ممارسة النظر وترجيح ما يراه أقرب إلى الشريعة ومقاصدها.
 فائدة طريقة النظر
 لقد تم الحديث عن فائدة مهمة تترتب على طريقة النظر، على مستوى الأمة، ويرتبط ذلك بالموارد التي تدعو الضرورة إلى تشكيل لجان خاصة لصياغة القرارات الدستورية والقانونية؛ وذلك طبقا للنظر في أدلة اجتهاد الفقهاء والعمل على ترجيح بعضها على بعضها الآخر.
 هذا عرض موجز لهذا الطرح الذي يعمل للتأسيس، لفتح الباب أمام حرية من نوع ما في انتخاب الحكم الشرعي الذي يميل إليه المكلف بنحو يكون على درجة من الاطمئنان للحكم، ما لا يوفره التقليد الذي يعني الالتزام بالعمل من دون إطلاع على تفصيل القول في الحكم أو المدرك فيه، أو في الخروج من الشعور بنحو من السلطة للفقيه على حياة الشخص الناظر.
 على أن طريقة نقاشنا هذه قد تكون ذات لغة علمية خاصة هي لغة الفقه، وهذا ما يفرضه البحث، لا سيما وأن الكاتب إنما سار في عرضه لأدلته، على طريقة النظر هذه، على الطريقة الفقهية، فاستخدم أسلوب الاستدلال الفقهي بالاعتماد على القرآن أو العقل أو سيرة العقلاء مقربا الدليل في الجميع بما لم يخرج فيه عن السائد الفقهي.
 نقد النظرية
 إن هذه النظرية، مع تقديرنا لجدتها والجهد المبذول في التأسيس لها، هي، كأي طرح جديد، لا بد من أن تقع في دائرة النقد والتمحيص، ولا يعني أي نقد الحكم على النظرية بالإخفاق أو السقوط، بل لعله يصقلها لتصبح أكثر متانة وتتسع دائرة القبول لها أو أن تكون حجة الرافض لها واضحة للآخر.
 إننا سوف نسجل ملاحظاتنا على هذه النظرية ضمن إطارين: الأول يتعلق بالملاحظات العامة الواردة على هذه النظرية، والثاني يتعلق ببعض الملاحظات الخاصة على الأدلَّة الواردة في هذه النظرية، أو على بعض مواطن الاستشهاد المذكورة فيها.
 الإطار الأول: الملاحظات العامة
 الملاحظة الأولى: ونسجلها من خلال ملاحظة الأساس الذي ذكره الفقهاء لتقسيمهم الثلاثي المشهور، وهو: المكلَّف إما أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً. إن الأساس في ذلك هو أن كل مكلف يعلم علما إجماليا بثبوت أحكام إلزامية في الشريعة المقدسة من وجوب وحرمة، وبهذا العلم الإجمالي تتنجز التكاليف بحقه، والعقل يلزم المكلف بأداء هذه التكاليف، والطريق لأداء هذه التكاليف هو الخروج عن عهدتها بإحدى الطرق الثلاث: إما الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط، والاجتهاد متعذِّر على العامي والاحتياط متعسر، فيبقى التقليد هو الطريق الذي لا بد للعامي من أن يسلكه.
 وقد أشار الفقهاء إلى أن اعتماد المكلف لطريق التقليد ينبغي ألاَّ يكون عبر التقليد بل لا بدّ من أن يكون ذلك عبر الاجتهاد، ودفعا لتوهم أن مثل هذا الأمر متعسر على العامي، يتحدث الفقهاء عن السيرة العقلائية وبناء العقلاء بوصفهما أمرين واضحين يعتمد عليهما العامي في التقليد، لأن الثابت من بناء العقلاء رجوعهم في كل حرفة وصنعة، بل في كل أمر راجع إلى المعاش والمعاد إلى أهل الخبرة، وإنه من باب رجوع الجاهل إلى العالم، لأنه من أهل الخبرة والاطلاع ولا ردع عن هذه السيرة، وهي وإن لم يلتفت إليها المكلف مفصلا ولكنها موجودة عنده ارتكازا بحيث يلتفت إليها بأدنى إشارة.
 هذا ما ذكره الفقهاء في بيان تقسيمهم الثلاثي، ونحن أمام طريقة النظر هذه نجد محاولة جديدة تعتمد على إبداع طريق رابع لا يشمل جميع المكلفين، ويرى في هذا الطريق سيراً نحو الخروج عن مسؤولية المكلف أمام التكاليف الإلهية، ونحن هنا نسأل عن هذا الطريق الجديد المسمى طريق النظر: هل يسلكه المكلف عبر الاجتهاد الشخصي من قبله، أي أن عليه أن يلاحظ أدلة طريقة النظر ويقتنع بها، بوصفها حجة يقطع من خلال سلوكها بخروجه عن عهدة التكاليف ومسؤولية الطاعة أو إن طريق ذلك التقليد، والتقليد لا بدّ من أن يكون للمجتهد الحي الأعلم، والاحتفاظ بشرطي الحياة والأعلمية في البحث فرض مسلم، لأننا إنما بحثنا طريقة النظر مع حفظهما شرطين في المجتهد الذي لا بدّ من تقليده. وحيث أننا لا نملك فتوى من مجتهد حي أعلم لا في زماننا، ولم يسبق أن حصل وأن أفتى فقيه بطريقة النظر هذه، فإذا ينحصر طريق ذلك بأن يقوم كل مثقف مسلم بالبحث والتمحيص حول طريقة النظر هذه إلى أن يصل إلى حد الاجتهاد فيها وتكون هي المدرك له لاعتماده على طريقة النظر وتركه لطريقة التقليد. كما أن على هذا الناظر أن يلحظ الأدلة التي ذكروها لإثبات وجوب تقليد الأعلم، ويطمئن لبطلانها، وإلا فإذا كان يحتمل وجود دليل على لزوم تقليد الأعلم فليس له اتباع طريقة النظر وترك طريق التقليد.
 وينبغي ألاَّ يتصور أن بالإمكان سوق ما ذكروه في مسألة التقليد من وجود ارتكاز عند كل مكلف على التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم، لان الأمر في طريقة النظر ليس كذلك، فليست مسألة النظر هي من البناءات العقلائية الارتكازية التي تملك وضوحاً داخلياً لمن لم يلتفت إليها ووضوحاً عاماً لمن التفت إليها. بل لا بد من التفات من نحو خاص لا يتأتى إلا بتتبُّع المسألة للوصول إلى درجة من العلم بها أو الاطمئنان إليها. وهذه الملاحظة قد تعود في الحقيقة إلى ملاحظة ما تملكه هذه النظرية من قيمة واقعية لا علمية، ولكنها ملاحظة تضعف الاعتماد على مثل هذا الطرح.
 الملاحظة الثانية: تعتمد طريقة النظر على وظيفة ملقاة على عاتق الناظر، وهي أن يلاحظ الآراء وينتخب منها ما يراه هو الأقرب بنظره والأرجح، ولكن ثمة سؤال مهم هنا وهو: ما هي الأقربية؟ وما هو المعيار الذي يستند إليه الناظر في الترجيح بين الآراء؟ أي ما هي المرجعية المعرفية التي لا بد للناظر من أن يكون لديه على أساسها موقف من الفتاوى على الصعيد المعرفي؟ إننا أمام احتمالات، وقد تم استخدام العديد من العبارات العابرة التي تصب في هذه النقطة، أي في ما يرجع إليه الناظر من آراء فقهية، فقيل: إنه أحسن الأقوال، إنه الأقرب إلى الحق، وما يقبل وما لا يقبل من الآراء والفتاوى، الأقرب إلى واقع الحكم الإلهي، الأقرب إلى الصواب، ما يراه راجحاً، الاطمئنان لصحة القول، الترجيح بين الأدلة، ما يراه أقرب إلى الشريعة ومقاصدها(6). إن هذا الاختلاف في التعبير، وإن أمكن إرجاع بعضه إلى بعضه الآخر واعتبار العبارات شتى والمقصود واحد والمعاني متداخلة، ولكن لا يمكن القول بأنها جميعها كذلك، ونحن حينئذ لا بد من أن نقول: إنَّ الاحتمالات في ذلك متعددة والمرجعيات التي يعتمد عليها الناظر مختلفة ولا داعي لحصرها في واحد، بل أحد هذه الأمور هو ما يكون موجباً لالتزام الناظر بالرأي الفقهي الكذائي. ولكن العديد من هذه الآراء لا تزال تتصف بالغموض، فما هو المراد من أحسن الأقوال؟ وما المراد من الأقرب إلى الصواب؟ وما هو معيار الخطأ والصواب؟ وما المراد ممَّا يراه راجحا؟ وما هو معيار الرجحان؟
  و نعود إلى ملاحظة الاحتمالات التي يمكن أن تشكل معياراً لرفض هذه الآراء أو القبول بها:
 الأول: إنه عبارة عن الأقرب إلى واقع الحكم الشرعي، ولعله هو المراد من قوله الأقرب إلى الحكم أو الأحسن. إننا إن أردنا التجاوز قليلا عن غموض المراد من واقع الحكم الشرعي، فما هو معنى هذه المفردة. ونفترض أن المراد منه ما يصطلح عليه الفقهاء بأنه الحكم الواقعي. ولكن هذا المعيار لا يمكن أن يكون هو المرجع المعتمد لدى الناظر، لأنه كيف يعرف أن هذا الرأي هو الأقرب إلى واقع الحكم الشرعي، ألا تتوقف معرفة الأقرب إلى شيء ما على معرفة ذلك الشيء ؟ هل يفترض الكاتب الحكم الشرعي معلوما حتى يعرف الناظر الأقرب إليه؟ وإذا كان معلوما تفصيلا فلا حاجة إلى اتباع الأقرب لأنه معلوم ، وان كان معلوما إجمالاً فهل تكفي الأقربية هذه للخروج عن العلم الإجمالي بالتكليف الثابت على العهدة؟
  الثاني: إن المعيار هو قبول الرأي المتبع والاطمئنان إلى صحَّته قياساً بالرَّأي الآخر الذي لا يتصف بالقبول، وهذا المعيار لا يمكن أن يكون هو الملاك لطريقة النظر، لأن العلم بخطأ رأي المجتهد وكون رأيه غير قابل للقبول لأجل خطئه متفق عليه، وقد ذكر الفقهاء أن المقلد إذا علم خطأ المجتهد لا يجوز له تقليده، لأن التقليد لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي، وإذا علم المكلف خطأ المجتهد فكيف له أن يقلِّده في هذا الرأي ؟
 الثالث: إن المعيار هو ملاحظة الأقرب إلى مقاصد الشريعة. وفكرة المقاصد هي من المسائل الشائكة عند الفقهاء، وهي لا تزال غريبة على الفقه سواء السني أم الشيعي، وإن صدرت الدعوة من قبل جماعة من الفقهاء للاعتماد عليها في الفتوى وعند استنباط الحكم الشرعي، ونحن، وإن كنا نرى لفكرة المقاصد أهميتها القصوى في عملية الاستنباط وأنها سوف تشكل بملاحظتها فقهاً أشد ارتباطاً بتعاليم الإسلام ورسالته، فإنَّنا نرى أنَّ هذه المهمة تقع على عاتق الفقهاء والمجتهدين؛ وذلك عند قراءتهم للنص الديني ومراجعتهم للإجماعات والأدلة، وأين منها صاحب النظر؟ إضافةً إلى أنها لا تزال غير منقحة حتى عند الفقهاء والمجتهدين فكيف بغير المجتهد وإن كان صاحب نظر، بل يكفي لهذا الناظر أن يلحظ أمراً واحداً، وهو أن الشريعة بنيت على جمع المفترقات وتفريق المجتمعات كما اشتهر، فأي أقربية هذه التي تحصل من ملاحظة مقاصد الشريعة.
 الرابع: إن المعيار ملاحظة قربها للعقل وتقبل العقل لها، أي أن الناظر يستعين بما له من قدرة فطرية يميز فيها ما يراه عقله أنه أقرب للصواب من بين ما يرد إليه من إجمال في الأدلة(7).
 لعل أكثر ما أخذ حيزاً عند الفقهاء في البحث هو كون العقل دليلاً، ما يطرح سؤالاً واحداً هو: إلى أي مدى يمكن للعقل أن يكون دليلاً، فالخلاف الأصولي الأخباري يمتد في إحدى تشعباته إلى دائرة العقل، هذا لا سيما مع استشهاد الأخباريين بعدد من الروايات التي تنهى عن استخدام العقل، ولعل أشهرها أن دين الله لا يصاب بالعقول، على أن العقل الذي يريد أن يشكل مرجعية هنا لتفضيل بعض الآراء الفقهية على بعضها الآخر عند صاحب النظر لا نعرف ما المراد منه تحديداً، ولنا هنا احتمالات في ذلك:
  أحدها: أن يكون العقل المحض الفطري، أي المدركات الأولية العقلية الموجودة لدى كل إنسان، كامتناع اجتماع النقيضين ونحوها، وهذا الأمر نستبعد أن يكون هو المراد، لأننا نسأل: هل لدينا فعلا مثل هذه الآراء الفقهية التي تتناقض مع مدركات العقل الأولية ؟
 الثاني: أن يكون العقل بمعنى الوعي، وبمعنى ملاحظة أن أقرب الفتاوى إلى الواقع الذي يعيشه الشخص الناظر هي الأقرب إلى أن تتصف بالوعي، وأن الأدلة أو الفتوى التي يرى أنها ترتبط بواقعه أكثر هي المقدمة على غيرها، ولكن هذا غريب جداً؛ إذ متى كان الواقع هو الحاكم على الفتوى ؟ ومتى كانت الفتوى تسير طبق الواقع، نعم إذا كانت الفتوى لا ترتبط بالواقع، بمعنى أنها ليست واردة لهذا الواقع الذي يعيشه ويحيا فيه، فهو عندئذ غير ملزم باتباعها لعدم ارتباطها به، وأما إذا كانت الفتوى ترتبط بواقعه، ولكنها غريبة بعض الشيء عن المألوف الذي يعيشه، فهذا لا يعني أن ليس لها الترجيح.
 الثالث: أن يكون المراد من العقل مجموع ثقافة الشخص الناظر، وما يختزنه ذهنه من فكر، وما يحويه من معطيات جمعها من خلال تكوينه الفكري ومرجعياته المعرفية، وهذا ما نتصور أنه الأقرب إلى مراد الكاتب، وهنا نتساءل: أي تكوين فكري هذا الذي يملك من الوعي وسعة الاطلاع ما يجعله حاكماً على فتوى الفقيه الأعلم فيعتقد بأنها لا تتوافق معه؟ مع أن الفقيه الأعلم لم تصدر منه الفتوى إلا بعد البحث المضني من ملاحظة الأدلة وتتبعها. أو هل يكفي أن أملك رؤية ثقافية عامة وذهناً تحليلياً يعتمد على اللاتخصصية بإقرار من الكاتب(8) بل والسطحية في الفتوى أمام المجتهد الأعلم لأرجح رأي غيره من المجتهدين عليه؟
 ثم إن طبقة المثقفين هذه التي تملك مثل هذا العقل هل تتمكن من علاج جميع جهات المسألة التي هي محل ابتلائها؟ أو هل تكفي ملاحظة جهة من الجهات والنظر من خلالها لكون الفتوى أقرب إلى الواقع مع الإغفال عن الجهات الأخرى؟ ومثالاً على ذلك نذكر شرطية طهارة المولد في المقلد، فإن المثقف إذا لاحظ الأدلة التي ساقها الفقهاء لأجل إثبات شرطية هذا الشرط قد لا يقتنع بها وعند ملاحظته لأدلة بعض آخر قد يرى أنها أقرب للواقع، ولكن هل يتمكن هذا المثقف من حلّ ما يتمسك به الفقهاء المثبتون لمثل هذا الشرط من الأمر الثابت عن الفقهاء عامة من شرطية طهارة المولد في إمامة الجماعة أو في الشهادة. ولا أريد هنا أن أطالبه بحل لذلك، ولكن ألا ينبغي عليه ملاحظة ذلك عندما يريد ترجيح قول النافي على قول المثبت.
 الملاحظة الثالثة: لقد قسَّم الفقهاء الأحكام إلى دائرتين: دائرة العبادات ودائرة المعاملات، ولعل المائز الأساسي بين الدائرتين هو خضوع المعاملات لدائرة الإمضاء، أي أن الشارع أمضى فيها ما لدى العقلاء، واقتصر عمله التقنيني على التدخل في بعض التفاصيل لإظهار الموقف الشرعي منها، وأما دائرة العبادات فهي خاضعة لدائرة التأسيس، أي أن الشارع قام بتشريع مجموعة من الوظائف العبادية للمكلف، وهذه العباديات تمتاز بأنها تحمل عنصر التعبد أي التسليم أمام ما ورد، من دون أن يكون للتساؤل عنها أيّ مجال مفتوح.
 ونحن لا نريد أن نسحب التعبد هذا إلى دائرة الاستنباط لدى الفقيه، لأن الناظر إذا كان في العبادات يريد ملاحظة أقرب الأدلة التي يسوقها الفقيه لإثبات فعل عبادي أو جزئه أو شرطه، فالمجال مفتوح ولكن السؤال عن أي أقربية نستطيع أن نتحدث في دائرة العبادات؟ فإذا كانت العبادات لا تخضع للعقل مهما كان المراد منه من الاحتمالات المتقدمة، فأي مائز وأي معيار يكون هو الضابط الذي يرجع إليه الناظر ليلحظ القرب والبعد في الفتوى والدليل ليأخذ بالقريب أو الأقرب ويدع البعيد أو الأبعد؟
 الملاحظة الرابعة: يخضع الاستنباط الفقهي لمجموعة من المباني التي يؤسسها الفقيه مسبقاً، وهذه المباني منها ما يرجع إلى علم الأصول، ومنها ما يرجع إلى علم الرجال، ومنها ما يرجع إلى ملاحظات خاصة في النصوص التشريعية لدى الفقيه . نعم دائرة تأثير هذه المباني قد لا تكون عامة شاملة لمختلف جزئيات المسائل الفقهية، ولكنها تؤثر في دائرة مهمة لا يمكن إغفالها أو التغاضي عنها، ومن هنا ينشأ السؤال: أنَّى لهذا الناظر والحال أنه يمتاز باللاتخصصية، تشخيص الأقرب في دائرة الفتاوى التي يرجع الاختلاف فيها إلى اختلاف المباني؟ فلنفترض أن فقيها كالسيد الخوئي مثلاً الذي اشتهر مبناه الرجالي بتوثيق رجالات تفسير القمي بنى على هذا الرأي، وأصدر فتواه في مسألة ما. ولنفترض أن هذا الحكم كان فيه نوع من البعد عن عقل هذا الناظر وثقافته لورود نص ما ورد في سلسلة رواته أحد رجالات القمي، ولكن فقيها آخر لا يبني على مثل هذا المبنى، فلم تتم لديه الرواية سنداً، ولم يفت طبقاتها وعلى هذا الأساس كانت فتواه أقرب إلى عقل هذا الناظر وثقافته، فهل لهذا الناظر أن يعدّ فتوى الفقيه الآخر أقرب، وهو لا يدرك المبنى الذي اعتمد عليه مثل السيد الخوئي، أو أن على الناظر أن ينقّح المباني العامة قبل دخوله في النظر والترجيح.
 الملاحظة الخامسة: إن من أهم ما يردّ به على الاعتماد على طريقة النظر هذه هو ملاحظة الروايات الواردة في باب التعارض من علم الأصول،
 وتعميقاً منا لهذه الملاحظة سوف نوردها بشيء من التفصيل عبر مقدمات هي:
 الأولى: لقد أفرد الأصوليون باباً مستقلاً للبحث في حل مشكلة تعارض الروايات، وخصوصية هذه الروايات أنها تحكي عن التعارض الذي كان يحدث لدى أصحاب الأئمة، والأئمة أحياء موجودون والأصحاب متمكِّنون من الوصول إليهم، وإذا راجعنا هذه الروايات نجد أن المعيار الذي يذكره الإمام لحل مشكلة التعارض يرجع إلى ضوابط عامة ذكرها الإمام ×، ووردت في العديد من الروايات وأشهرها روايتان هما:
 1 _ رواية عمر بن حنظلة: وهذه الرواية وردت بداية في شأن اختلاف الحكمين، ثم وردت في حكم تعارض الدليلين لدى الحاكمين، ونص الرواية هو الآتي: "عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله × عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً، وإن كان حقاً ثابتاً له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: ]يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به[. قلت:فكيف يصنعان؟ قال: ينظران [إلى] من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله. قلت: فإن كان كل رجل اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما، واختلفا في ما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر، قال: قلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر ؟ قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه، وإنما الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله : حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم. قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة، قلت: جعلت فداك، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفا لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد. فقلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاًَ. قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر. قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً؟ قال: إذا كان ذلك فارجه حتى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات"(9).
 وإنما ذكرت الرواية كاملة لأجل أن يكون واضحاً لدى القارئ مدى ما وصل إليه السائل من فرض مسألة التعارض ووقوع المكلف بين أمرين، وأن الإمام حتى آخر الافتراضات لم يرجعه إلى الأخذ بما يراه هو أقرب وأصوب.
 2 _ مرفوعة زرارة بن أعين. "قال: سألت الباقر × فقلت: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ ؟ فقال: "يا زرارة، خذ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشاذ النادر، فقلت: يا سيدي انهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم ؟ فقال ×: خذ بقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك، فقلت: إنهما معا عدلان مرضيان موثقان ؟ فقال: أنظر إلى ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه وخذ بما خالفهم، فإن الحق في ما خالفهم، فقلت: ربما كانا معاً موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع؟ فقال: إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك ما خالف الاحتياط، فقلت: إنهما معاً موافقين للاحتياط أو مخالفين له فكيف أصنع؟

فقال ×: إذن فتخير أحدهما فتأخذ به وتدع الآخر"(10).

 الثانية: إن الضوابط المذكورة في الروايتين هي عبارة عن مرجحات ذكرها الإمام، كالترجيح بالشهرة أولا مقابل غير المشهور أو الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة، وهذه المرجحات، وإن كانت توجب أقربية المشهور من غيره أو الموافق للكتاب من غيره أو الموافق للعامة من غيره، فإنَّ هذه الأمور جميعها لا ترجع إلى رأي من حصل عنده هذا التعارض من الأصحاب أو الفقهاء بل ترجع إلى أمور واقعة في الخارج ومتحققة، أي أنها لا ترجع إلى مجرد استصواب الناظر أو ما يصل إليه هو بنفسه. وبهذا يظهر لنا الإشكال على طريقة النظر هذه، فإن الإمام لم يرجع هذا الشخص إطلاقاً إلى ملاحظة ما يراه هو أقرب إلى الواقع بل جعل له قواعد يرجع إليها للترجيح.
 كما أن الملاحظ في الروايتين ترجيحهما الواضح للاحتياط، ففي الأولى ورد الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات، وفي الثانية ورد خذ بما فيه الحائطة لدينك.
 الثالثة: ونحن نعلم أن الفتوى اليوم هي بمكانة الرواية عن أصحاب الأئمة، فقد كان الأصحاب يتلقون أحكامهم عن طريق نقل الرواية وبقي الأمر كذلك إلى كتب فقهائنا الأوائل، ثم بدأت الرواية تتحول إلى الفتوى، وبهذا نعرف أن المعيار الذي ينبغي أن يرجع إليه المكلف، وإن كان من ذوي النظر، لا يمكن أن يكون هو ما يراه هو أقرب للصواب بل يرجع إلى ترجيح ما يذكر في الفقه كترجيح أحوط الأقوال أو قول الأعلم.
 والنتيجة هي أن الأقربية للواقع لم يتحدث عنها الإمام إطلاقاً بعضها ملاكاً للترجيح للمكلف إعماله، بل إن الأمر عندما وصل إلى مكان مسدود في الترجيح أمر الإمام السائل بالاعتماد على الاحتياط. وطريق الأقربية هذا لو كان محلاً للاعتبار لأمر به الإمام أصحابه. وقد استدل بعض فقهائنا على اعتبار الأعلمية باعتبار أن فتوى الأعلم هي الأقرب إلى الواقع وأجاب عن ذلك بعض فقهائنا بأنه لا دليل لدينا إطلاقاً على كون الأقربية من المرجحات؛ إذ لم يقم دليل على أن الملاك في التقليد ووجوبه هو الأقربية للواقع بل إن الأقربية ليست مرجحة في الروايتين المتعارضتين، ومن هنا قد تعارض الصحيحة الموثقة ولا في البينتين لوضوح أن إحداهما لا تتقدم على الأخرى بمجرد كونها أقرب الى الواقع كما إذا كانت أوثق من الأخرى مع أن حجية الطرق والأمارات من باب الطريقية إلى الواقع فكذلك الحال في الفتويين المتعارضتين(11).
 الملاحظة السادسة: لقد تقدم أن الانتصار لهذه النظرية تم عبر تسجيل أن الملاحظ أن المجتهدين أنفسهم يمارسون أحياناً طريقة الترجيح بين الآراء الفقهية، ما يعني أنهم يزاولون عملية النظر من دون تمييز لها عن طريقة الاجتهاد، فالفقيه يعرض الآراء المتعلقة في المسألة، فإما أن يبدي قناعته الكلية ببعض هذه الآراء أو أنه يرجح بعضها على بعضها الآخر، أو يكون له رأي جديد فيها، وهو حينما يرجح بعض هذه الآراء على بعضها الآخر، بلحاظ الأدلة المقدمة، إنما يزاول طريقة النظر متضمنة مفهوم الاجتهاد(12).
 إذا، لطريقة النظر نوع من المشروعية أو عدم الغرابة، باعتبار أن من الفقهاء من يمارس عملية النظر هذه وإن لم يميزها من طريقة الاجتهاد، ولنا على هذا الكلام ملاحظة، وهي أننا لا نسلم بأن الفقيه يقوم بعملية النظر في ما ظن أنه كذلك، لأن الفقيه عندما يلاحظ الأدلة التي قدّمها من سبقه من الفقهاء ويلاحظ النقد الوارد عليها فيتبنى رأياً منها أو دليلاً، لا يقوم بمجرد ممارسة النظر والترجيح، لأن الفقيه في ملاحظاته هذه يقوم باستخدام ما يملكه من أدوات اجتهادية، ويعمل على استخدامها في تمحيص الآراء هذه وتقييمها وانتخاب الصحيح فيها وليس ما يمارسه الفقيه حينئذ هو كالذي يمارسه الناظر، وعليه فقياس الأمرين وجعلهما سواء فيه نوع من الاتهام لعمل الفقيه هذا، وكأن الفقيه عند عمله هذا يترك أدوات الاجتهاد وآليات الاستنباط جانباً ليقوم بعملية ترجيح مجردة كالتي يقوم بها الناظر. ولو فرضنا أن فقيها قام فعلاً بهذا الأمر فإنه لن يكون صاحب رأي في تلك المسألة ولن يكون ممن اجتهد فيها.
 الملاحظة السابعة: مما استشهد به لإثبات طريقة النظر هو أن الكثير من علماء الاتجاهين السني والشيعي قد عدّوا صورة الإجمال في معرفة الدليل مقبولة بخصوص العقائد وعلم الكلام حتى بالنسبة للعامي فضلا عن المجتهد. فقد رأوا أن من الواجب على كل عامي أن يعلم أدلة العقائد ولو إجمالا لعدم اختصاصه وتبحُّره…. فإذا كان هذا الرأي سليماً، رغم أهمية العقائد وكونها تحتاج إلى الأدلة القاطعة، فكيف لا يصح الأمر مع الأحكام وهي من الفروع التي لا ترقى إلى مستوى تلك العقائد (13). فإذا نتمسك بنوع من الأولوية وأن


الصراع الإسلامي ـ اليهودي في المدينة المنوّرة /قرءاة تحليلة نقدية في التفسير الاستشراقي

2 يوليو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة