بحوث و دراسات

توضيح حول نشر موقع (نصوص معاصرة) راي المرجع مكارم الشيرازي في فرحة الزهراء عليها السلام

24 يناير 2013
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تعرّض موقع (نصوص معاصرة) للانتقادات، لا سيما في الفترة الأخيرة، وأرسلت إلى بريد الموقع الكثير من الرسائل النابية القاسية الاتهامية والجارحة ـ سامح الله اصحابها ـ، والتي نشرنا بعضها القليل ونعجز عن نشر بعضها الآخر، بتهمة تحريف موقف المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، حول قضية فرحة الزهراء سلام الله عليها. وأنّ البعض قد اتصل بمكتب سماحته، فنفى ذلك واعتبره كذباً، فحمل جمعٌ من الإخوة والأخوات على موقع نصوص معاصرة مستعجلاً الاتهام قبل السؤال والتفحّص والحمل على الأحسن، كما هو المفترض بالإنسان المتديّن الذي يهدف أن يكون زيناً لصادق آل محمد ـ صلوات الله عليه ـ لا شيناً عليهم.

ويهم إدارة الموقع أن تعلن أنّها أخذت الخبر في حينه من موقع رسا نيوز الفارسي، ومواقع إيرانية أخرى، وأنّها لم تقم بأيّ تغيير في هذا الصدد، بل حافظت على أقصى درجات الدقّة والأمانة في الموضوع، بل لا حاجة لموقع نصوص معاصرة لكي يمارس هذه التفاهات والتزويرات، أو يتقوّل كذباً ـ والعياذ بالله ـ على عالم جليل كالمفسّر الكبير الشيخ مكارم الشيرازي دام حفظه. ومن المواقع التي نشرت بعض الخبر، المواقع التالية حيث نحيل القارئ الكريم إلى روابطها:

 

ونأمل من جميع الأخوة الأكارم ممّن يتهم إدارة الموقع أن يحصل لنا على تكذيب رسمي من قبل المرجع الديني آية الله مكارم الشيرازي ممهوراً بخاتمه الشريف، ولن يجدنا إلا منحنين للحقيقة وراضين بها. وإذا كان سماحة الشيخ حفظه الله قد غيّر رأيه أو حرّف الكلام عن لسانه من قبل المواقع الخبرية المعروفة في الحوزة العلميّة في مدينة قم المقدسة فهذا ليس ذنب موقع (نصوص معاصرة) الذي يعمل دائماً على نشر كلّ الآراء والاتجاهات ولو التي يختلف معها.

بل إنّ الموقع الرسمي للمرجع ناصر مكارم الشيرازي دام ظلّه، قد نشر بنفسه استفتاءً له يتصل بالموضوع، وهذا نصّه الفارسي مع رابطه:

 نظر حضرت عالی درباره ی روز نهم ماه ربیع الاول (عیدالزهرا) چیست؟ آیا در این روز سفارش به شادی شده است یا نه؟ در ضمن مراسماتی

امروزه گرفته می شود و در آن از کلمات رکیک و دور از ادب استفاده می شود و در بعضی جاها مردها لباس زنانه می پوشند، حکم آن چیست؟

http://makarem.ir/websites/farsi/images/answer.gif ما روز نهم ربیع را به مناسب شروع ولایت و امامت حضرت مهدی (عج) جشن می گیریم و این روزی است که به نام «فرحة الزهرا» معروف است. جشن گرفتن این روز یک امر عرفی است و وجه شرعی ندارد. بعضی افراد کارهای دیگری به این مناسبت اضافه کرده اند که ما در این مورد صحبتی نمی کنیم..

 

 

 

وترجمة النصّ أعلاه كالتالي:

ما هو رأي سماحتكم في يوم التاسع من ربيع الأوّل (عيد الزهراء)؟ هل هناك توصية بالفرح في هذا اليوم أم لا؟ وما هو حكم بعض المراسم التي تقام في هذا اليوم، ومن ضمنها استخدام بعض الألفاظ الركيكة الهابطة وغير المناسبة والمسيئة للأدب، وفي بعض الأماكن يرتدي الرجال لباس النساء؟

 

الجواب: (إنّنا نحتفل في التاسع من ربيع بمناسبة ابتداء ولاية وإمامة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. وهذا اليوم الذي يعرف بفرحة الزهراء، والاحتفال به أمر عرفي ولا وجه شرعي له، وأمّا ما يفعله بعض الناس من بعض الأعمال الأخرى التي يضيفونها فإنّنا نعرض عن الكلام فيها).

 

ومن الواضح إذن أنّ سماحته لو كان يرى هذا اليوم هو فرحة بمقتل عمر بن الخطاب، لما اضطرّ لأن يقول بأنّ هذا العيد هو عيد الولاية. وكلامه ظاهر في عدم اعتقاده بأصل كونه عيداً منتسباً لتلك الحادثة.

إنّ إدارة موقع (نصوص معاصرة) تأمل من الجميع التعامل بالتقوى وحسن الظنّ مع بعضنا بعضاً، وتفتح صدرها وتمدّ يدها للجميع بمحبة ومودّة وإخلاص، لكلّ ملاحظة نقديّة تسهم في رفدنا بمعرفة جديدة لا اتهام فيها ولا تجنّي ولا ادعاء فيها لاحتكار الحقيقة أو امتلاك حقيقة التشيّع لأهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين، فأهل البيت هم آباؤنا جميعاً نتربى على كلماتهم وليس أحدنا بأكثر حبّاً لهم من الآخر، بل جميعنا إن شاء الله نتنافس على حبهم ورضاهم. والله من وراء القصد.

 

(إدارة موقع نصوص معاصرة)


هل الاحتفالُ بالمولد النّبويّ بدعة؟! – ثلاثيّةُ الغزو الثّقافي، والوهّابيّتَيْن المكشوفة والمقنّعة!!

22 يناير 2013
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تلتقي الوهّابيّةُ المقنّعةُ -ولو عن حُسْنِ نيّة- مع الوهّابيّة «السّعوديّة»، ومع خلفيّات أجهزةِ المخابرات العالميّة المحرّضةِ للمرتدّ »رشدي» وأضرابِه، وحمَلاتِ الرّسوم المُسيئة، في إضعافِ العلاقةِ الرّوحيّةِ للأُمّة والبشريّة بسيّد النّبيّين الإنسانِ الأوّل، والشّاهدِ على الأنبياء، وسرِّ الخَلْقِ بإذنِ الله تعالى.

ما يلي، مقاربة لهذه الإشكاليّة الثّلاثيّة الأطراف، تُقدّمها «شعائر» في أجواء احتفال الأمّة بذكرى مولد الرّسول الأعظم صلّى الله عليه وآله.

 

تتوقّفُ سلامةُ توحيدِ أيّ موحِّدٍ لله تعالى على حُسْنِ اتّباعِ «رسول» الله صلّى الله عليه وآله.

إنّها بديهةٌ تندرجُ في السّياقَين العقليّ والعرفيّ، فكلُّ رسولٍ يبلِّغ عن المرسِل، ويوصلُ إليه. وأيُّ تنكُّبٍ للرّسول أو نقصٍ في اتّباعه سيظهرُ خَلَلاً في تلقّي البلاغ، وحُسنِ الوصول.

وقد ثبّت القرآنُ الكريم هذه القاعدة العقليّة بالوجدان، التي قام عليها عرفُ البشريّة وما يزال.

قال اللهُ تعالى: ﴿..وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا..﴾ الحشر:7. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ..﴾ آل عمران:31. ﴿..أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ آل عمران:32.

ويتلازم الرّفضُ لمضمون أيّ «رسالةٍ» مع أمور:

الطَّعن بالمرسِل، والطَّعن بالرّسول، والطَّعن بمضمونِ الرّسالة. قد تجتمعُ هذه الثّلاثة، وقد تترادف فيُنتقل من أحدِها إلى الآخر-أو الآخرَيْن- عند العجز عن تحقيقِ الهدف من خلالِ التّركيز عليه.

والأخطرُ من هذه الأساليب كلِّها هو «النّفاق» الذي يعني اللّجوءَ عند العَجز في جميع المجالات المتقدّمة إلى التّظاهر بالإيمان بالمرسِل والرّسول والرّسالة، لحاجةٍ في نفس «قريش» وأشباهها.

والأشدُّ إيلاماً أن تنطلي بعضُ تَمظهرات هذا «النّفاق» والتّظاهر التّسلُّقيّ والإنتهازيّ، على بعض المؤمنين الصّادقين المخلصين، فإذا هم يسوّقون -عن جهلٍ مركّب- لما يصبُّ بالحالِ أو المآل أو كلَيهما في تحقيق أهدافِ المنافقين والكافرين.

هذا المرضُ الفتّاك بأهلِه -وهم بعضُ أهلنا- هو ما ينبغي أن يعمَل على تظهيره بقوّة الدّليل والبرهان باسم «الوهّابيّة المقنَّعة» تقدمةً للحجّة وبراءةً للذّمّة استعداداً ليوم العرض الأكبر، وحرصاً واجباً على إنقاذ مَن يمكن إنقاذُه من «الضّلال البعيد».

***

واجهت الجاهليّةُ الأولى و«قريش» بالتّحديد وبنو أميّة بالخصوص، دعوةَ توحيد الله تعالى التي بلّغها خاتمُ النبيّين وسيّدُهم صلّى الله عليه وعليهم، بالأساليب الثّلاثة وشنّت الغاراتِ والحروبَ المتتاليةَ للقضاء على الرّسول والرّسالة، ثمّ لجأتْ، بعد الفشلِ في كلِّ جولاتِها، إلى «النّفاق» فتظاهرت «قريش» عبر الأمويّين، وغيرِهم بالإسلام.

ولقد سجّلَ القرآن الكريم هذه المواجهات -في التّشكيك بالمرسِل والرّسول والرّسالة- بآياتٍ كثيرة منها قولُه تعالى: ﴿..وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا * وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ الإسراء:46-49.

وعندما فشلت كلُّ أساليبِ الطّعن والتّشكيك هذه في محاصرةِ الدّعوة الإسلاميّة، أعلنت الجاهليّةُ الأولى الحربَ العسكريّة للقضاء على هذا التّحدّي الخطير الذي مثَّلته رسالةُ التّوحيد التي حملَها رسولُ الله صلّى الله عليه وآله للعالَمين.

كانت الجولات العسكريّة عاتيةً لم يخطر ببالِ أحدٍ آنذاك أن تدورَ فيها الدّائرةُ على قريش وأصنامِها والجاهليّة الأولى، وينتصر التّوحيدُ وتدخل كلُّ القبائل في دين الله أفواجاً.

هالَ قريشاً أن ترى هيبتَها قد تلاشت، فقد تحطّمت شوكتُها العسكريّةُ في الصحاري المحيطة بالمدينة المنوّرة وعلى أعتابِها، وكم من فارسٍ يعَدُّ بألف وكم من فرعونٍ «أعتَى من فرعون موسى» -كما وصفَ الصّادقُ الأمينُ بذلك أبا جهل- حصدَتهم سيوفُ عليٍّ عليه السلام والملائكة المسوِّمين وسائرِ المسلمين.

قرّرتْ قريش أنْ تنحني للعاصفةِ إرصاداً وترقُّباً للّحظةِ المناسبةِ لإطلاقِ الثّورة المضادّة بالأسلوبِ الذي تبلورُ أفضليّتَه المستجدّات.

 
خطّة قريش كما حدّدها الإمام عليّ عليه السلام

أوردَ «ابنُ أبي الحديد» في (شرح نهج البلاغة) نصّاً عن أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام، هو بمنزلة الوثيقة النّبويّة الأبرز عن خطّةِ قريشٍ في مواجهة الإسلام بعد عجزِها في ميادين التّشكيك والحروب.

 
جاءَ في هذا النَّصّ البالغ الأهميّة قولُ أمير المؤمنين عليه السلام:

«..إِنّ العَرَب كَرِهَتْ أَمْرَ محمّدٍ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، وحَسدَتهُ عَلى ما آتاه اللهُ من فَضْلهِ، واستطَالَت أيّامَهُ حتّى قَذَفَتْ زَوجَته، ونَفَّرَتْ به ناقَتَه، مع عظيمِ إحسانِه إليها، وجَسيمِ مِنَنهِ عندها، وأجمَعَت مُذْ كانَ حَيّاً على صَرْفِ الأَمْرِ عن أهل بَيْتهِ بَعدَ مَوتهِ، ولَولا أنّ قريشاً جَعَلَتْ اسمَه ذَريعةً إلى الرّياسَة، وسُلّماً إلى العِزّ والإمْرَةِ، لَما عَبَدَتِ اللهَ بعد مَوتِهِ يَوماً واحداً، ولَارْتَدّتْ في حافرتِها، وعاد قارحُها جَذَعَاً، وبازلُها بَكراً، ثمّ فَتحَ اللهُ عَلَيها الفتُوح، فأثْرَتْ بعدَ الفاقَة، وتموّلَتْ بعد الجُهدِ والمخمَصةِ، فحَسُنَ في عُيونها من الإسلام ما كان سَمجاً، وثبتَ في قلُوبِ كثيرٍ منها من الدِّين ما كانَ مضطرباً، وقالت: لَولا أنّه حَقٌّ لَما كان كذا، ثمّ نسبَتْ تلكَ الفتُوحَ إلى آراء وُلاتِها، وحُسْنِ تدبيرِ الأمَراءِ القائمينَ بها، فتَأكّدَ عند النّاسِ نَباهَةُ قَومٍ وخمولُ آخرين، فكُنّا نَحنُ مِمّن خَمَلَ ذِكرُهُ، وخَبَت نارُهُ، وانقطَعَ صَوتُهُ وَصِيتُه، حتّى أكلَ الدَّهرُ عَلَينا وشربَ، ومَضَتْ السّنون والأحْقابُ بما فيها، ومات كثيرٌ مِمّن يعرف، وَنَشأ كثيرٌ ممّن لا يَعرف..».

يكشفُ الإمام عليّ عليه السلام عن مدى ضَراوة أحقادِ العرب وقريش -التي يخصُّها عليه السلام بالذّكر عادةً- على رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأنّ هذه الأحقاد الدّفينة اعتملتْ في نفوسِ أصحابِها حتّى وصلتْ بعد استطالةِ أيّامِه إلى محاولاتِ قتلِه صلّى الله عليه وآله.

 
الحقدُ الدّفينُ على رسول الله ﴿أَفَإنْ مَاتَ أَوْ قُتِل﴾؟!

لم يذكر أميرُ المؤمنين عليه السلام -هنا- من هذه المحاولات إلّا مؤامرةَ العقَبة التي جرى فيها تنفيرُ النّاقةِ في سياقِ ما هو معروفٌ في مصادر السّيرَة.

ويجدرُ التّأمّلُ جيّداً في إشارةِ القرآنِ الكريم إلى هذه المحاولات، بقولِه تعالى: ﴿..أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ..﴾ آل عمران:144. لدلالةِ ذلك البيّنةِ على تربُّص الكثيرين وانتظارِهم المريبِ لمرحلةِ ما بعد الرّسول، وهو بعضُ ما عناه أميرُ المؤمنين عليه السلام باستطالةِ العرب أيّامَه صلّى الله عليه وآله.

وعلاقةُ هذا بما نحن فيه هنا أنّ الحقدَ الدّفين على رسولِ الله الذي ظهرَ بعد وفاتِه صلّى الله عليه وآله، ضدَّه وضدَّ أهلِ البيت عليهم السلام، والذي يتوالى فصولاً و«آياتٍ» شيطانيّة إلى الحاضر، كان خزينُه المكتوم امتداداً لأحقادِ أبي لهب وأبي جهل و«دار النّدوة» وأبي سفيان وهند، وقد ورثَه آلُ أبي سفيان وارتكبوا به الفظائعَ ضدَّ أهل البيت، ولم يكن ذلك إلّا استهدافاً لرسول الله صلّى الله عليه وآله.

إنّ من أولى واجباتِ المسلم الإعتقاديّة التّنبُّهَ إلى حقيقة أنّ أهل البيت عليهم السلام لم يستهدَفوا إلّا من منطلَق الحقدِ على رسول الله صلّى الله عليه وآله، فلو أحبَّ بنو أميّة الرّسولَ لمَا تعقّبوا عترتَه بالقتل. وكذلك غيرُ بني أمية وإلى يومنا هذا، تلك قاعدةٌ مطّردةٌ تتوقّفُ على إدراكِها سلامةُ المعتقَد وحسنُ العاقبة والمصير.

 

«دَفناً.. دَفناً»

من أبرز ما عبّرَ به بنو أميّة عن إلحادِهم وشديدِ حقدِهم على رسولِ الله صلّى الله عليه وآله ما قاله معاويةُ في حوارٍ بينَه وبين المغيرة بن شعبة.

أوردَ كلامَ معاوية هذا إبنُ أبي الحديد المعتزليّ تحت عنوان «أخبارٌ متفرّقة عن أحوال معاوية»، فقال: «وقد طعنَ كثيرٌ من أصحابنا في دينِ معاوية، ولم يقتصروا على تفسيقِه، وقالوا عنه إنّه كان ملحداً لا يعتقدُ النّبوّة، ونقلوا عنه في فلَتات كلامِه، وسقطَات ألفاظِه ما يدلُّ على ذلك. وروى الزّبيرُ بن بكّار في (الموَفّقيّات) -وهو غيرُ متَّهَمٍ على معاوية، ولا منسوب إلى اعتقادِ الشّيعة، لما هو معلومٌ من حالِه من مجانبةِ عليٍّ عليه السلام، والانحرافِ عنه- : قال المطرفُ بنُ المغيرة بنِ شعبة: دخلتُ مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه، فيتحدّث معه، ثمّ ينصرف إليَّ فيذكر معاويةَ وعقلَه، ويُعجب بما يرى منه، إذ جاء ذاتَ ليلةٍ فأمسكَ عن العشاء، ورأيتُه مغتمّاً فانتظرتُه ساعة، وظننتُ أنّه لأمرٍ حدثَ فينا، فقلت: ما لي أراك مغتمّاً منذ اللّيلة؟

فقال: يا بنيّ، جئتُ من عند أكفرِ النّاس وأخبثِهم. قلت: وما ذاك؟

قال: قلتُ له [لمعاوية] وقد خلوتُ به. إنّك قد بلغتَ سنّاً يا أميرَ المؤمنين، فلو أظهرتَ عدلاً، وبسطتَ خيراً فإنّك قد كبرت، ولو نظرتَ إلى إخوتِك من بني هاشم، فوصلتَ أرحامَهم فَوَالله ما عندَهم اليومَ شيءٌ تخافُه، وإنّ ذلك ممّا يبقى لك ذكرُه وثوابُه.

فقال: هيهاتَ هيهاتَ! أيّ ذكرٍ أرجو بقاءَه! مَلَكَ أخو تَيْمٍ فعدَلَ وفعلَ ما فعل، فما عدا أنْ هلكَ حتّى هلكَ ذكرُه، إلّا أن يقولَ قائلٌ: أبو بكر، ثمّ مَلَكَ أخو عَديٍّ، فاجتهدَ وشمّرَ عشرَ سنين، فما عدا أن هلكَ حتّى هلكَ ذكرُه، إلّا أن يقولَ قائلٌ: عمر، وإنّ ابنَ أبي كبشة (!!يقصد الرّسول الأكرم صلّى الله عليه وآله) لَيُصاحَ به كلَّ يومٍ خمسَ مرّات: (أشهدُ أنّ محمّداً رسول الله)، فَأيُّ عملي يبقى، وأيّ ذِكرٍ يدومُ بعدَ هذا لا أباً لك! لا وَاللهِ إلّا دَفْناً دفناً». (ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج 5، ص 129)

 
استئصالُ أهل البَيت لفصلِ الأمّة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله

لا يعني «الدّفن الدّفن» إلّا قراراً أُمويّاً باستئصالِ أهلِ البيت عليهم السلام -معنويّاً باختلاقِ البديلِ الموهومِ عنهم كما يأتي، وماديّاً بالمطاردةِ والتّشريد والقَتل- لأنّ بقاءَهم المعنويَّ في مرتبتِهم السّامية في أذهان المسلمين، وعدم استهدافِهم بالقتل، يخلِّدُ ذكرَ رسول الله صلّى الله عليه وآله، ويُبقي تعاليمَه في متناولِ الأجيالِ دونَ تحريف، وذلك هو الخطرُ الأكبرُ الذي كانت قريشٌ تريدُ مواجهتَه والتّخلُّصَ منه.

ما تقدّم هو محورٌ منهجيٌّ مركزيٌّ بالغُ الدّلالات والنّتائج يُضيء على السّببِ المركزيّ في قتلِ الإمام الحسن عليه السلام بالسّم، ثمّ في منعِ دفنِه عليه السلام عندَ جدِّه صلّى الله عليه وآله، وقد قال مروانُ بن الحكم يومَها لأمّ المؤمنين عائشة: «إنْ دُفِنَ الحسنُ عندَ جدِّه ذهبَ فخرُ أبيك وصاحبِه إلى يوم القيامة» كما يُضيءُ هذا المحورُ على السّببِ في منعِ الماء عن معسكرِ الإمام الحسين عليه السلام ليهلكَ حتّى الصّغارُ عطشاً، وعلى ذبْحِ الطّفلِ الرّضيع بين يدَي أبيه سيّدِ الشهداء بسهمٍ من الوريد إلى الوريد، كما يُضيءُ على سبب كلِّ ذلك الإصرارُ على قتلِ الإمام السجّاد عليّ بن الحسين عليهما السلام وتعدُّد المحاولات لإنجاز ذلك وعظَمة الإعجازِ الإلهيّ في نجاتِه عليه السلام من القتلِ خصوصاً في الشّام. [أنظر: ملف العدد السابق]

 
اختلاقُ البديلِ عنهم

ترافقَ القرارُ الأمويُّ باستئصالِ أهل البيت عليهم السلام جسديّاً، مع العملِ على اختلاقِ البديلِ عنهم لسبَبين:

الأوّل: قد لا ينجح قرارُ الاستئصال في بُعدِه الجسديّ الماديّ.

والثاني: كوْن التّظاهر بالإسلام بهدفِ السّلطة والحكم باسمِه، يستدعي واسطةً بديلةً عن أهل البيت يتظاهرُ الأمويّون بتقديسِها بنفسِ مستوى القداسةِ التي ركّزَها النبيُّ صلّى الله عليه وآله في الأمّة لأهلِ البيت عليهم السلام.

وكان هذا البديل المختلَق هو عنوان «الصّحابة».

ولا بدّ من التّأكيد بوضوح على أنّ الأمويّين لم يكونوا يحترمون الصُّحبة ولا الصّحابة فهُم ملحدون يحقدون على رسول الله صلّى الله عليه وآله، فكيفَ يحترمون مَن صَحِبَه وأحسنَ الصُّحبة، وخاضَ الغمراتِ ضدَّ قريش خصوصاً في حروبِها بقيادةِ أبي سفيان؟

كلُّ ما في المخطّط الأمويّ هو المتاجرةُ بعنوان «الصُّحبة» بناءً على ما لهذا العنوان من قدسيّةٍ لدى الأمّة، يمكن تضخيمُها بالوَضع والتّحريف -حتّى بما لا يقبلُه الصّحابةُ الأبرارُ أنفسُهم ولم يقولوه أبداً- ليُصنَع من هذه القداسة المصطنَعة الوسيلة التي تفصلُ الأمّةَ عن أهلِ البيت ليكونَ هذا الفصلُ وسيلةً لتقديمِ الصّورة الأمويّة عن شخصيّةِ رسول الله، فيتحقّقَ بذلك -بزعم قريش وبني أميّة- دفنُ صورتِه الحقيقيّة صلّى الله عليه وآله، وينجح مشروعُ نفاقِهم والمتاجرة بالإسلام واتّخاذ اسمِ رسول الله «سُلّماً لِلعِزِّ والإمْرَة» كما عبّرَ أميرُ المؤمنين عليه السلام.

وقد زادَ الأمويّين قناعةً بالتّستُّر بعنوان «الصّحابة» -لفصلِ الأمّة عن أهل البيت وقطعِ الطّريق على كلِّ مَن يبحثُ عن معرفةِ رسول الله وحُسْنِ الاقتداء به صلّى الله عليه وآله- أنّ من الأمويّين مَن يُمكنهم أن يتاجروا بادّعاءِ الصُّحبة كأبي سفيان، ومعاوية، ومروان بن الحكم، وأبيه طريدِ رسولِ الله من المدينة، والوليد بن عقبة -اليهوديّ نَسَبَاً- وأضرابِهم.

 
الثّقافة الأمويّة، ثقافة الثّورة المضادّة والمنافقة

ولَئِن كان الأمويّون قد فشلوا في تحقيقِ هدفِهم كليّاً، فإنّهم أحرزوا تقدّماً خطيراً ما تزالُ الأمّةُ تعاني من آثارِه ونتائجِه حتّى اليوم.

فشلت الإمبراطوريّةُ الأمويّةُ في القضاء على جميعِ أهل البيت عليهم السلام جسديّاً، إلّا أنّها قتلت السّبطَين وعدداً من الأئمّة الإثني عشر النّقباءِ الخلفاء، والأسباط.

وفشلت هذه الإمبراطوريّةُ الجاهليّةُ في فصلِ الأمّة كليّاً عن أهل البيت عليهم السلام فما تزالُ الأمّةُ إلى يومِنا هذا لا تقدّمُ الصّحابةَ على أهل البيت، إلّا أنّ بني أميّة نجَحوا في تشويشِ الأذهان ونشْرِ سُحُبِ التّضليل على نطاقٍ واسع، الأمرِ الذي جعلَ الوصولَ إلى معرفةٍ حقيقيّةٍ برسول الله صلّى الله عليه وآله، وحصْر الطّريق الموصلِ إليه بأهلِ البيت عليهم السلام صعبَ المنال. ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ فصّلت:35

 
أُسُس المخطّط الأمويّ
اعتمدَ بنو أميّة لتثبيتِ انقلابِهم على الأعقاب، الأُسسَ التّالية:

1- الإلحاد المكتوم، لعدمِ الجرأةِ على الجَهر به، فالحربُ على الرّسول، فرعُ إنكارِ المرسِل، وهو ما يجعلُ المخطَّطَ الأمويّ ماديّاً لا يؤمنُ بالغَيب.

2- استبدال حجّيةِ العقل أي «ما تسالمَ عليه العقلاء»، بحجّيةِ الرّأي والمزاج، والاستحسانِ والاستغراب.

3- نزع القداسة عن رسولِ الله صلّى الله عليه وآله: ﴿..بَشَرٌ مِثْلُكُم..﴾ الكهف:110، ولا تُكمِل الآية! ولقد تمادت حركةُ الوَضع في اختلاقِ «رواياتٍ» تصبُّ في هذا الهدف.

4- نزع القداسةِ عن أهلِ البيت عليهم السلام واستبدالهم بآل أبي سفيان، وسائرِ الصّحابةِ الذين استُشهدوا، أو لم يواجهوا الأمويّين.

5- تحريف الحديثِ الشّريف، والسّيرة النّبويّة، وتزوير التّاريخ حيثُ أمكَن.

6- اعتماد طبقةٍ من «الفقهاء» لا خَلاقَ لهم في الفقه ولا في الدّين. «وعّاظ السّلاطين».

7- تثبيت مفهومِ الجَبر كضمانةٍ لتجنُّب الخروجِ على الحاكمِ الظّالم.

 
 
ثقافة العبّاسيّين والعثمانيّين، أمويّة.

يوصِلنا البحثُ العلميُّ الموضوعيُّ إلى أنّ التّخطيطَ الشّيطانيَّ للجاهليّةِ الأولى الذي أسهمَ فيه وتمحّض لتنفيذِه الأمويّون، قد تمكّن خلالَ عمْر «الشَّجرة الملعونة في القرآن» -الإمبراطوريّة الأمويّة- أن يفرضَ استمرارَه -بِنسَبٍ مختلفة- إلى يومنا هذا!

وجدَ العبّاسيّون أنفسَهم مضطرّين لاعتمادِ الخطّةِ الأمويّة في أكثر خطوطِها العامّة، لأنّهم وجدوا أنّ أهل البيت عليهم السلام ما يزالون يشكّلون في وَعي الأمّةِ ذلك الرّمزَ النّبويَّ المقدّس الموصِلَ إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله، وسيؤدّي التّساهلُ معهم إلى أن يفقدَ العبّاسيّون «المُلْكَ» الذي تسلّقوا إليه باسم «الرِّضا من آل محمّد» كما وجدَ العبّاسيّون أنّ إفساحَ المجال للأمّة لتتواصلَ مع الحديث الشّريف غيرِ المحرَّف، والسّيرة النّبويّة الصّحيحة سَيؤدّي إلى كشفِ زَيفِهم بالمقياسِ النّبويّ، فقرّر-العبّاسيّون- بناءً لهذا وذاك أنْ يواصلوا الحربَ ضدَّ أهل البيت عليهم السلام ويواصلوا -بشكلٍ عامّ- اعتمادَ نفسِ البنية الثقافيّة التي أرسى الأمويّون دعائمَها.

وهذا ما فعلَه مَن جاءَ بعدَ العبّاسيّين، خصوصاً العثمانيّين، مع فوارق لا تمسُّ جوهرَ المشروع الشّيطانيّ القرشيّ – الأمويّ.

 
وثقافةُ المستشرقين، والوهّابيَّتَين، أمويّة

عندما برزت حركةُ الاستشراق، وتبلورت، اتّضحَ جليّاً أنّ المستشرقين قد وجدوا صيدَهم الثّمينَ -الذي بثّوا سمومَهم من خلالِه- في هذه الثّقافةِ الأمويّةِ التي تقدّمت الإشارةُ إلى أُسُسِها، وقد تصدّى الكثيرُ من الباحثين لتوضيحِ معالمِ هذا التّلاقي الاستشراقيّ – الأمويّ في الإساءةِ إلى النّبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله ورسالةِ التّوحيد، فَأكتفي بهذه الإشارة.

وفي سياقِ الاستشراق وهو بريطانيُّ الغلَبة والهوى، نشأت الوهابيّةُ المعروفة، فإذا هي نسخةٌ طِبقَ الأصلِ عن المشروعِ الأمويّ لمواجهةِ رسول الله بعدَ وفاتِه صلّى الله عليه وآله بحيث إنّه لا داعيَ للحديثِ عن أُسُسِها الفكريّة، فهي نفسُ الأُسسِ الأمويّة التي تقدّم بيانُها.

إلّا أنّ من المفيدِ هنا الإشارة إلى بعضِ ما تفرّع على هذه الأُسُس لدى الوهّابيّين وهو التالي:

1- تحريمُ الوهّابيّين الاحتفالَ بمولدِ الرّسول صلّى الله عليه وآله.

2- تحريمُهم السّفرَ إلى المسجدِ النّبويّ بنيّةِ زيارةِ قبر الرّسول صلّى الله عليه وآله، فإذا سافرَ المسلمُ بنيّةِ الصّلاة في المسجد جازَ له ذلك، لكنْ هل يجوزُ له الالتفاتُ إلى القبر الشّريف قائلاً: السّلامُ عليك يا رسولَ الله؟ يحرِّمُ ابنُ تيميّة ذلك في غير المرّةِ الأولى!! أمّا في المرّة الأولى فهو «مكروه»!

3- مَنْعُ الوهّابيّين المسلمين من زيارةِ الأماكنِ التّاريخيّة المرتبطةِ برسول الله صلّى الله عليه آله، كَمكان مولدِه الشّريف المعرَّضِ للهدمِ الآن، بعد هدْمِ منزله صلّى الله عليه وآله الذي كانت معه فيه أمُّ المؤمنين السيّدة خديجة رضي اللهُ تعالى عنها.

4- التّحفّزُ الوهّابيّ منذ عقود لهدْمِ قبّةِ المسجد النّبويّ التي يتردّدُ الآن أنّها في معرَض الخطر.

5- هدْمُ قِباب مقاماتِ الأئمّة الأربعة من أهلِ البيت عليهم السلام، في البقيع بالمدينة المنوّرة.

6- استبدالُ أهلِ البيت بآل أبي سفيان، ففي حين يتحدّثون بحماسٍ وحبٍّ وذَوبان عن أبي سفيان وهند ومعاوية ويزيد يتميّزون من الغَيظِ والحنَقِ والحقدِ على مَن يحبُّ أهلَ البيت، أو يذكرُهم بأدنى الخير.

 
الوهّابيّة المقَنَّعة

برزت في العقودِ الأخيرة ظاهرةُ «الوهّابيّة المُقَنّعة»، وهي ظاهرةٌ خطيرةٌ شديدةُ التّدليسِ والإلتباس، ترجعُ بالمآل -وبعدَ طَيِّ مراحلِ تأثُّرِها بنتائج حركة الاستشراق، والوهّابيّة المكشوفة- إلى الثّقافة الأمويّة وإنْ بنسبةٍ أقلَّ بكثير من الوهّابيّة المكشوفة، والدّليلُ على هذه المرجعيّة هو التّشابهُ بين الوهّابيّتَين المكشوفة والمقنَّعة في عدّة طروحاتٍ عقائديّةٍ رئيسةٍ، كما سترى.

وليس المقصودُ هنا خصوص الرّمزِ الذي يتبارى بعضُ وَرَثَتِه في إكمالِ المُرتَقى الصَّعبِ الضّالِّ الذي أسّسَ له، فالظّاهرةُ أعمُّ من لبنان والبلاد العربيّة. إنّها توجَدُ حيث توجُد عدوى الوهّابيّةِ المعروفةِ المكشوفةِ التي أدّى تلاقحُها مع الغزو الثقافيّ -الاستشراقيّ وما بعدَه- إلى توهُّم المقنَّعين بأنّهم يرتقون في مَدارج «الحداثة» فيُقدّمون الإسلامَ بما «ينسجمُ مع روحِ العَصر».

للتّدليلِ على هذا التّشابهِ العجيب، أقفُ عند أبرز ما تُركِّزُ عليه الوهّابيّة المقنَّعة:

1- تَغْييب «الغَيب» عن حركة التّثقيف بالإسلام، بحجّةِ المغالطةِ المَقيتة التي تؤكِّدُ التّقابلَ بين الغَيب والواقعِ الموضوعيّ! في حين يتلخَّصُ الاعتقادُ الدّينيُّ الحقُّ في أنّ الواقعَ الموضوعيّ «غيبٌ، وما عالَمُ الشّهادةِ إلّا ظلالُه».

سوءُ الفهم هذا يجعلُ الطّرحَ الإسلاميّ ماديّاً، يلتقي مع المنطلَقاتِ الماديّةِ للثّقافةِ الأمويّة والجاهليّتَين الأولى والثّانية.

2- ادّعاء التزامِ العقلِ إلى أبعدِ الحدودِ دونَ التّمييزِ بين العقلِ الحجّةِ وَوَهْمِ العقل. الأمر الذي يفسحُ المجالَ في أن يصبحَ المزاجُ هو الحَكَم، ومن أسوأ ما ينتجُ عنه وأخطره المبادرةُ إلى نَفْي المغيّباتِ والرّواياتِ التي لا تنسجمُ مع ذَوق النّافي ومزاجِه و«روح العصر» التي يعتبرُها المقياسَ والدّليل.

3- التّقليل من تقديس رسولِ الله صلّى الله عليه وآله، وأهلِ البيت عليهم السلام، والمبادرة إلى التّشكيكِ بكثيرٍ من المغيَّبات، بحُجّةِ «محاربة الغُلوّ» من دون التّمييز العلميّ بين ما هو غُلوٌّ وما هو إنزالٌ لهم «عن مراتبِهم التي رتّبَهم اللهُ فيها».

4- التّأكيد على حَصر العلاقة برسول الله بالبُعد البَشريّ، بحُجّةِ قوله تعالى: ﴿..إِِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُم..﴾ الكهف:110، بتوهُّم أنّ دلالةَ ذلك بمعنَى «لستُ إلّا بشراً» ويحملُ هذا التّوهُّم -أو الضّلال- على عدم التّفكير بدلالة ﴿..يُوْحَى إِلَيَّ..﴾ الكهف:110، ودلالة ﴿رَسُولاً﴾ في قوله تعالى ﴿..بَشَراً رَسُولاً﴾ الإسراء:93، ونسيان -أو تَناسي- قاعدة «لا ينعقدُ الظّهورُ إلّا بعدَ اكتمالِ البيان».

ولكي يتّضحَ التّشابهُ بين الوهّابيّتَين، ينبغي استحضارُ موقفِ الوهّابيّة المقَنّعة – بالإضافة إلى الخلَل في تفسيرِهم الماديّ لبشريّة الرّسول صلّى الله عليه وآله- في الموضوعاتِ التّالية:

الأوّل: اعتبار الاستحسانِ دليلَ القبول، والاستغراب دليلَ الردّ.

الثاني: محاربة التّوسُّل المباشر بالمعصومين، تَذَرُّعاً وتَقَنُّعاً بمغالطةِ الفرقِ بينَ «يا وجيهاً عند الله»، «الحرام» «الشِّرك» عندَهم وبزعمِهم، وبين «يا أللهُ اغفرْ لي بحقِّ الوجيهِ عندَك». واللّافت أنّ هذه المغالطة من أبرز وجوهِ التّشابهِ بين الوهّابيّتَين وإصرارهما على محاربة التوسُّل، خلافاً لما أجمعَ عليه الشيعةُ والسنّة.

الثالث: التّقليل من قَداسة المعصوم. آدم عليه السلام عندَ رمزِهم الأبرز، لم يكن ساذجاً، بل لم تكن عنده تجربة! والزّهراء عليها السلام «الكاتبة الإسلاميّة الأولى»!

وعلى هذَين فَقِسْ ما سواهما وهو بالصّوت كثير، ولعلّه بالصّورةِ كذلك.
 
وثقافةُ أدعياء الحداثة، والتكفيريّين، أمويّة

من المفارقات أن مدّعي الحداثة الموهومة طيفٌ يشملُ مَن يسمّون أنفسَهم بـ «العلمانيّين» كما يشملُ بعضَ «الإسلامويّين»، ويشتركان مع «التكفيريّين» في إلغاء الآخر، فالحداثويّون «تكفيريّون» من الدَّرْك الأسفلِ لأنّهم «تجهيليّون» لكلِّ مَن عداهم.

وكما وجدَ المستشرقون بُغيتَهم في الثّقافةِ الأمويّةِ القائمةِ على التّقليل من قداسةِ الرّسول، كذلك وجدَ الحداثويّون في نكراءِ معاوية ومصلحيّتِه وشيطنتِه وفسادِه ما يسوِّغُ لهم الخروجَ على الثّوابت باسمِ التّحرُّر.

وأمّا التّكفيريّون فهم نسخةٌ عن الوهّابيّة ممعنةٌ في الضّلال البعيد، تشكِّلُ امتداداً للخوارج الذين «مرقوا من الدِّين كما يمرقُ السّهمُ من الرَّمْية» كما في الحديثِ الشّريف، وتلتقي هذه النّسخةُ مع ما تختزنُه الماديّةُ من تحكيمِ المزاج و«الرّأي المخترَع» باسم العقلِ والعقلانيّة والتّحرُّر المُدَّعى و«الإنسان سيّد الطّبيعة والكون».

 
الإساءة إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله

كان هذا العرض ضروريّاً لتظهيرِ سعة المَروحة التي تشتركُ في عنوان «الإساءة إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله»، ولا يُلغي صدق هذه الإساءةِ أن يكونَ أكثرُ مَن تصدرُ عنهم ممّن ينتسبون إلى الإسلام بشكلٍ وآخر فقد كان الحكّامُ الأمويّون أئمّةَ جمعةٍ وجماعة. كما لا يُلغي صدق هذه الإساءة أن يكونَ البعضُ قد انخرطَ في تيار الثّقافة الشّيطانيّ الأمويّ عن سوء فَهمٍ، وحُسْنِ نيّة.

يستطيعُ حتّى الغبيُّ أن يدركَ أنّ اجتماعَ كلمة الكفر -منذ بدايةِ الإمبراطوريّة الأمويّة وإلى الصّوَر والأفلامِ المسيئةِ للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله التي انتشرتْ في الغربِ وما تزال- على عنوان الإساءةِ والتّقليلِ من القداسة أو ضرْبِها، يفرضُ التّدقيقَ في أيّ رأيٍ يطرَحُ حولَ رسول الله صلّى الله عليه وآله ، والحذر من أن يكونَ في هذا الطّرحِ ما يخدمُ مشروعَ الكفرِ الذي ينطلقُ من قاعدةِ أنّ السّبيلَ الحصريَّ للقضاءِ على الإسلام هو فصلُ المسلمين عن النبيّ صلّى الله عليه وآله.

 
الموقفُ من الاحتفال بالمولدِ النّبويّ

من أبرز مفردات الإساءةِ إلى سيّد النّبيّين والشّاهد عليهم، الموقفُ السَّلبيُّ من الاحتفال بذكرى المولد النّبويّ!

ولم يشذَّ عن إجماعِ الأمّة ويخرج عليه في كوْن هذا الاحتفال سُنّة مؤكّدة إلّا الوهّابيّون القدامى والجُدد. الوهّابيّتان المكشوفة والمقنَّعة. أما الوهّابيّة المكشوفة فليست من الأمّة من قريبٍ أو بعيد، فما بالُ الوهّابيّةِ المقنّعةِ وهل تريدُ أن تثبّتَ خروجَها من دائرة الأمّة؟

ليس في هذا الكلامِ مبالغةٌ ولا أدنى شبهة تَجَنٍّ. هذا كلامُ «السيّد» يقدّم لكم الدّليل: «إنّ الاحتفالَ بالمولدِ النّبويّ كتقليد جاءَنا من الغرب كمرورِ مائة سَنة على ولادة فلان، أمّا في الإسلام فليسَ لدينا مثلُ هذا التّقليد».

ذلكم أقلُّ ما يحتِّمُ البحثَ والتّحليلَ في القواسم المشتركة بين ثلاثيّة الغزو الثّقافي والوهّابيّتَين. وللبحثِ صِلات، إلّا أن تَضربوا على أفواهِ مَن يتطاولون على «التّوسُّل»، و«الزّيارة الجامعة»، و«زيارة عاشوراء»، و«دعاء العهد»، وحُرمةِ كلِّ تربةِ كربلاء كما حدَّدها الفقهاءُ المعترَف بفقاهتِهم لا غير. واللهُ المستعانُ على ما تَصفون.

***
 
معلِّم الأولين والآخِرين، والملائكة

رسول الله صلّى الله عليه وآله كان معلِّمُ الأوَّلين والآخرين، وكانت الملائكةُ تستقي علمَها من علمِه، وكان قلبُه أسمى موْضعٍ للوحي الإلهي، فيجب الحفاظ على القِيَم الموجودة في الوجود المقدَّس للنبيّ صلّى الله عليه وآله وفي مَن هو امتدادٌ لوجوده.

الإمام السيّد عليّ الخامنئي دام ظلّه
 

 

قراءةٌ في العدد (24) من مجلّة الاجتهاد والتجديد

19 يناير 2013
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تمهيد

وتعود ذكرى عاشوراء، ذكرى أبي عبد الله الحسين عليه السلام، ـ كما في كلّ عام ـ حيّةً غضّة طريّة، فتتلقّاها قلوب المؤمنين بحرارةٍ لن تبرد أبداً.

تعود الذكرى حزينةً، ذكرى الحزن والأسى لمقتل الأخيار الأبرار من آل محمّدٍ الأطهار.

تعود ذكرى الإصلاح، الهدف الرئيس للحسين عليه السلام من ثورته المباركة، الإصلاح في أمّة جدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

تعود الذكرى؛ ذكرى الأكباد الحرّى، والأطفال العطشى؛ ذكرى الشفاه الذابلات، والعيون الغائرات، والجسوم المقطَّعات، والنساء المسبيّات، وأيُّ نساء؟ زينب الحوراء، وبضعة الزهراء، تُسبى من بلدٍ إلى بلدٍ، فهل رأَتْ عيناك أو سمعَتْ أذناك أنّ امرأةً مسلمةً سُبِيَت قبل يوم عاشوراء؟

تعود الذكرى والقلوب ولهى، والعيون عبرى، وتعود مجالس العَبْرة والعِبْرة.

العَبْرة لما جرى على سبطِ النبيّ، وابنِ فاطمة والوليّ، العَبْرة على مَنْ بَكَتْه السماء والأرض، فكان حقّاً واجباً علينا أن نبكيه.

والعِبْرة من تلك النهضة المباركة لسيّد الشهداء. ومن سيرته وسيرة آبائه عليهم السلام تكون العِبْرة حقّاً.

وتعود للظهور من جديدٍ اختلافاتُ الرأي بين الفقهاء في بعض المسائل ذات الصلة، لتتبلور ـ مع الأسف ـ في أذهان بعض السذَّج خلافاتٍ عميقةً ومستحكِمة لا تُحلّ سوى بانتصار أحد الفريقَيْن على الآخر.

غير أنّ ذلك ليس هو الحقيقة على الإطلاق. فإنّما هي اختلافاتٌ لا خلافات، وتحقيقاتٌ لا تحدّيات.

هكذا يعيش الفقهاءُ الكبار في أمنٍ واطمئنان، وراحةٍ وسلام، فعلامَ الخلاف والتناحر بين العوام؟!

حين أفتى هذا الفقيه بكون (التطبير) أو (ضرب الزنجير) مثلاً من الشعائر الحسينيّة، التي ينبغي المحافظة عليها وتعظيمها؛ امتثالاً لقوله تعالى: (ومن يعظِّم شعائر الله فإنّها من تقوى القلوب)، فإنّما أفتى بعد استقراءٍ وافٍ للأدلّة التي يمكن استنباط الحكم منها. وقد تبيَّن له إباحته، بل استحبابه، وبالتالي كونه من الشعائر الحسينيّة، التي يُتقرَّب إلى الله عزّ وجلّ بها، ويُثاب المرء على فعلها.

وحين تصدّى فقيهٌ آخر للتحريم فقد فعل ذلك اعتماداً على ما وجده دليلاً على حرمة هذا العمل، من الناحية الأوّليّة، كما لو كان يرى حرمة الضرر مطلقاً، أو من الناحية الثانويّة، كما لو كان يرى أنّ هذا العمل يؤدّي إلى هتكٍ وتشويه للمذهب الحقّ، مذهب أهل البيت عليهم السلام، فيحرم، لا بنفسه، وإنّما بسبب ما ينتج عنه.

المهمّ أنّ كلاًّ من هؤلاء الفقهاء، الماضين أو الحاضرين، قد بذل جهداً كبيراً ومشكوراً ومقبولاً في اكتشاف حكم الله في هذا الأمر.

فلْنحترِمْ هذا الجهد لهؤلاء العلماء الأبرار، بعيداً عن لغة الاتّهام بالتقصير، وضعف الولاء، ومعاداة الشعائر الحسينيّة، فإنّ أصل الكلام نقاشٌ في كون هذه الأفعال من الشعائر أو لا.

فإذا لم يُحرِز الفقيه دليلاً على كونها مستحبّةً، بل قد يُحرِز الدليل على كونها محرَّمةً؛ لذاتها أو لغيرها، فكيف يمكن اتّهامه بمعاداة الشعائر الحسينيّة، وتقصيره في حقّ أهل البيت عليهم السلام، وهو أصلاً لم يُحرِز كونها من الشعائر لتنسب بعد ذلك إلى الحسين عليه السلام.

وكعادتها تعرض مجلّة «الاجتهاد والتجديد»، في عددها الرابع والعشرين (24)، جملةً من الدراسات (اثنتا عشرة دراسة متنوِّعة)، ليكون الختام بقراءتَيْن: الأولى: قراءةٌ في كتاب «الإصلاح الجذريّ: الأخلاقيّات الإسلاميّة والتحرُّر»، للدكتور هيثم مزاحم؛ والثانية: قراءةٌ في كتاب الدكتور الفضلي «تاريخ التشريع الإسلاميّ»، للأستاذ حسين منصور الشيخ.

كلمة التحرير
وهي بعنوان «الجهاد في الدراسات الجديدة: رصدٌ موجز، وتقييمٌ إجماليّ/الحلقة الأولى». وبعد التمهيد يستعرض رئيس التحرير الشيخ حيدر حبّ الله عوامل إحياء الدرس الجهاديّ في العصر الحديث، ومن أهمّها: 1ـ حاجة المجتمع الإسلاميّ لإبداء الممانعة؛ حمايةً لوجوده وكيانه في مواجهة الاستعمار في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديّين؛ 2ـ بعض أساليب الجهاد المثيرة للرأي العام، والتي وظِّفت إعلاميّاً على نطاق واسع؛ 3ـ واقع العلاقة التي حكمت الحركات الإسلاميّة مع الأنظمة في العالمَيْن: العربيّ؛ والإسلاميّ؛ 4ـ دخول بقايا التيّارات الماركسيّة والقوميّة و… على الخطّ الإسلاميّ؛ 5ـ أحداث حرب الخليج الثانية.
ثمّ يتعرَّض لبيان ملفّات البحث الحديث والمعاصر في قضيّة الجهاد الإسلاميّ:
1ـ الملف الإحيائيّ: أي إحياء الفريضة الغائبة. ومن ميِّزات الملفّ الدعويّ الإحيائيّ: أـ التخلّي عن المنهج التجريديّ النظريّ في تحليل الجهاد؛ ب ـ مطالعة نصوص الجهاد من زاوية الحاجة الميدانيّة.
2ـ الملفّ الدفاعيّ: الخارجيّ؛ والداخليّ. أمّا الخارجيّ فتجلّى في حركة النقد الاستشراقيّ؛ وأمّا الداخليّ فتمثََّل في حركات التغريب والتشريق التي سادت العالم. ومن فرق الاتّجاه الدفاعيّ وتيّاراته: 1ـ الفريق الذي غلب عليه في العمليّة الدفاعيّة طابع المساجلة والنقد العنيف، واستخدام منطق المؤامرة، وتغليب الأسلوب الخطابيّ التحريضيّ؛ إمّا لإثارة الرأي العامّ؛ أو لغير ذلك. 2ـ الفريق الدفاعيّ العلميّ…
3ـ الملفّ النقديّ: ومن اتّجاهات الملفّ النقديّ ومناشطه: 1ـ الحركة الإسلاميّة السياسيّة، مزيج النقد والإحياء والدفاع؛ 2ـ حركة الإصلاح الاجتماعيّ الحقوقيّ، امتدادٌ للمشروع السياسيّ.
دراسات

1ـ في الدراسة الأولى، وهي بعنوان «نظريّة التكليف في التصوُّر القرآنيّ، قراءةٌ في قصديّة النصّ»، للأستاذ الدكتور عبد الأمير كاظم زاهد (أستاذٌ جامعيّ، وباحثٌ في الفقه الإسلاميّ، وعميد كلّية العلوم الإسلاميّة في كربلاء، له مؤلّفاتٌ فكريّة وفقهيّة متنوِّعة، من العراق)، يتناول الكاتب بالبحث العناوين التالية: مقدّمة؛ التجسيد النبويّ للتصوُّر القرآنيّ.

2ـ وفي الدراسة الثانية، وهي بعنوان «منهجيّة الاستنباط في المدرسة الفقهيّة الإماميّة»، للسيّد منذر الحكيم (أستاذ الدراسات العليا في جامعة المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلَّم العالميّة) والسيّد محمد حسن الحكيم (باحثٌ في الحوزة العلميّة، من العراق)، يستعرض الكاتبان النقاط التالية: المطلوب في منهجيّة الاستنباط؛ بذور منهجيّة الاستنباط عند القدماء؛ منهجيّة الاستنباط عند المحقِّق الكركي؛ منهجيّة الاستنباط عند المحقِّق القزويني: الاجتهاد؛ الاستعداد؛ مراتب الاستعداد؛ وجود الأسباب؛ شروطه؛ في شرائط المستعدّ؛ في المستعدّ له؛ الخاتمة؛ منهجيّة الاستنباط والنهضة الأصوليّة للشيخ الأعظم الأنصاري؛ منهجيّة الاستنباط عند العلاّمة السيّد محمد تقي الحكيم: الاجتهاد؛ تجزّؤ الاجتهاد وعدمه؛ مراتب المجتهدين؛ الاجتهاد بين الانسداد والانفتاح؛ منهجيّة الاستنباط عند العلاّمة عبد الهادي الفضلي؛ منهجيّة الاستنباط عند العلامة السيّد عبد الكريم فضل الله.

3ـ وفي الدراسة الثالثة، وهي بعنوان «المخدِّرات: استعمالها، والاتّجار بها، والجرائم المترتِّبة عليها، دراسةٌ فقهيّة استدلاليّة»، للدكتور محمد جواد سلمان ﭘور (أستاذٌ جامعيّ متخصِّص في القانون والعلوم الشرعيّة، من إيران) (ترجمة: الشيخ كاظم خلف العزاوي)، تطالعنا العناوين التالية: تمهيد؛ 1ـ مقدّمة: 1ـ 1ـ ما هو المقصود بالمخدِّرات؟؛ 1ـ 2ـ تاريخ بحث المخدِّرات في الفقه الإسلامي؛ 2ـ الحكم التكليفيّ: 2ـ 1ـ حرمة تعاطي المخدِّرات: أـ الروايات؛ ب ـ الحكم العقليّ؛ ج ـ الحرمة من باب أكل السمّ والأضرار الشخصيّة والاجتماعيّة؛ د ـ الحرمة من باب قاعدة حرمة الإسراف؛ هـ ـ الحرمة من باب قاعدة حرمة مقدّمة الحرام؛ 2ـ 2ـ حرمة تصنيع المخدِّرات وعقد الصفقات عليها وتهريبها: أـ قاعدة لا ضرر؛ ب ـ قاعدة حرمة الإعانة على الإثم والعدوان؛ ج ـ قاعدة حرمة مقدّمة الحرام؛ د ـ قاعدة نفي السبيل؛ 3ـ الأحكام الوضعيّة للمخدِّرات: 3ـ 1ـ السفاهة والحجر على المدمن؛ 3ـ 2ـ بطلان جميع صفقات المخدِّرات التجاريّة؛ 3ـ 3ـ عدم تملُّك الأموال التي حصل عليها عن طريق التهريب؛ 4ـ أحكام القصاص والعقاب: 4ـ 1ـ المستهلِك والمدمِن: أـ التعزير؛ ب ـ الحجر والحجز على الأموال؛ 4ـ 2ـ مهرِّب المخدِّرات والمصنِّع لها: أـ توقيف ومصادرة الأموال المكتسبة عن طريق المخدِّرات؛ ب ـ حدّ (الفساد في الأرض) الإعدام، وجميع العقوبات الشديدة (التعزير)؛ عقوبة الحدّ المستقلّ للفساد في الأرض طبق نصوص العقوبات الإسلاميّة؛ عقوبة حدّ الفساد في الأرض تستلزم حفظ المصالح الخمسة؛ عنصرا جريمة الفساد في الأرض؛ يستنتج ممّا سبق.

4ـ وفي الدراسة الرابعة، وهي بعنوان «قانون العقوبات الجزائيّة، الأقلّيّات الدينيّة أنموذجاً»، للسيّد فاضل الموسويّ الجابريّ (أستاذٌ في الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، وباحثٌ في مجال الفلسفة والكلام، من العراق)، نشهد العناوين التالية: تمهيد؛ 1ـ حكم الذمّي إذا زنى بالمسلمة: مستند الحكم في المسألة؛ حكم ما لو أسلم قبل إقامة الحدّ عليه؛ دليل المشهور على وجوب إقامة الحدّ عليه؛ مناقشة أدلّة المشهور؛ الرأي المختار في المسألة؛ 2ـ حكم الذمّي اذا تزوَّج من المسلمة؛ 3ـ حكم الذمّي إذا زنى بذمّية: أوّلاً: الكتاب المجيد؛ مقتضى التحقيق في المسألة؛ ثانياً: السنّة؛ مناقشة الروايات؛ مناقشة الرواية الأولى؛ احتمالات أربعة في الرواية؛ المختار من هذه الاحتمالات؛ مناقشة الرواية الثانية؛ مناقشة الرواية الثالثة؛ مناقشة الرواية الرابعة؛ المختار النهائيّ في حكم المسألة؛ 4ـ حكم المسلم والذمّية إذا زنيا؛ 5ـ حكم الذمّي اذا لاط بمسلم؛ التفصيل بين الإيقاب وعدمه؛ إشكالاتٌ وردود؛ 6ـ حكم الذمّي اذا لاط بالذمّي؛ 7ـ حكم الذمّي اذا قذف مسلماً؛ مناقشة أقوال الفقهاء؛ مناقشة الروايات؛ نتيجة التحقيق؛ 8ـ حكم قذف الذمّي للذمّي؛ 9ـ حكم سرقة الذمّي من الذمّي أو المسلم، وسرقة المسلم من الذمّي؛ 10ـ حكم الذمّي الذي يشرب الخمر جهاراً.

5ـ وفي الدراسة الخامسة، وهي بعنوان «الصحوة الإسلاميّة المعاصرة، وإشكاليّة الخروج على الحاكم الجائر»، للشيخ صفاء الدين الخزرجي (پيراسته) (باحثٌ وأستاذ في الحوزة العلميّة، وعضو هيئة تحرير مجلّة فقه أهل البيت عليهم السلام)، يستعرض الكاتب النقاط التالية: مقدّمة؛ أوّلاً: تحديد المصطلحات: 1ـ الإمامة الكبرى، أو ولاية الأمر؛ 2ـ الخروج على الحاكم؛ 3ـ الحاكم؛ 4ـ الحاكم الجائر؛ ثانياً: الجذور الروائيّة للنظريّة: القسم الأوّل: الروايات المانعة: 1ـ الروايات المطلقة: أـ صحيح البخاري؛ ب ـ صحيح مسلم؛ 2ـ الروايات المقيّدة بالجائر: أـ صحيح مسلم؛ القسم الثاني: الأحاديث الآمرة بالخروج على الجائر: أـ صحيح البخاري؛ ب ـ سنن أبي داوود؛ ج ـ مجمع الزوائد؛ الأقوال في ولاية الحاكم الجائر: القول الأوّل: وجوب طاعته وحرمة الخروج عليه؛ القول الثاني: عدم وجوب طاعته، ووجوب خلعه: 1ـ الكتاب العزيز؛ 2ـ السُنّة الشريفة؛ شروط الخروج على الجائر؛ الشكّ في القدرة؛ أساس حقّ الأمّة في مساءلة الحاكم؛ هل الحكّام والرؤساء والملوك الفعليّين هم ولاة الأمر؟: المناقشة الأولى: عدم انطباق تعريف ولاية الأمر عليهم؛ المناقشة الثانية: عدم انطباق طرق انعقاد ولاية الأمر على الحكّام الفعليّين: الطريق الأوّل: البيعة؛ الطريق الثاني: ولاية العهد؛ المناقشة الثالثة: عدم انطباق شروط ولاية الأمر عليهم؛ المناقشة الرابعة: عدم عملهم بوظائف ولاة الأمر المقرّرة شرعاً؛ المناقشة الخامسة: قياس الأولويّة؛ المناقشة السادسة: عدم انطباق الخلافة وولاية الأمر موضوعاً؛ الخاتمة.

6ـ وفي الدراسة السادسة، وهي بعنوان «حكم سابّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، دراسةٌ نقديّة في المواقف الفقهيّة»، للشيخ أحمد عابديني (باحثٌ وأستاذ الدراسات العليا في الحوزة العلميّة في إصفهان، وعضو الهيئة العلميّة لجامة آزاد ـ نجف آباد)، يتناول الكاتب بالبحث ما يلي: تمهيد؛ المراد من السبّ؛ تذكرةٌ؛ نقطةٌ؛ الروايات الواردة في حدّ سابّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ النقد؛ تذكرةٌ؛ أقوال الفقهاء.

7ـ وفي الدراسة السابعة، وهي بعنوان «العقاب البدنيّ للأطفال، دراسةٌ مقارنة في ضوء الفقه والقانون»، للدكتور محمد رسول آهنكران (عضو الهيئة العلميّة في جامعة طهران ـ پرديس قم)، يتطرَّق الكاتب إلى النقاط التالية: مقدّمة؛ مقتضى الأصل الأوّليّ؛ التمسُّك بأدلّة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ مناقشة دلالة أدلّة مرغوبيّة التربية على جواز العقاب البدنيّ؛ مقتضى إطلاق دليل العقاب البدنيّ للتأديب؛ حدود العقاب البدنيّ؛ جواز العقاب البدنيّ مقيَّد بقصد التربية والتأديب؛ العقاب البدنيّ للصبيان من قبل المعلِّمين؛ النتيجة.

8ـ وفي الدراسة الثامنة، وهي بعنوان «شبستري… من الهرمنوطيقا إلى الأنسنة/القسم الأوّل»، للأستاذ عماد الهلالي (باحثٌ في مجال الأديان والمذاهب، من العراق)، نشهد العناوين التالية: مقدّمة؛ 1ـ الإسلام والسياسة؛ 2ـ أسلمة العلوم والجامعات؛ 3ـ الحركة التنويرية الإيرانيّة؛ مدخل للسياق التاريخيّ لولادة شبستري المفكِّر: 1ـ ولادته ونشأته؛ 2ـ من مناصر للثورة الإسلاميّة إلى منتقد للنظام؛ 3ـ الدخول إلى الفكر الغربيّ؛ 4ـ العودة إلى إيران؛ 5ـ من أجل فهم نقديّ للإسلام؛ 6ـ مصلحٌ وناقد؛ قراءةٌ تاريخيّة ومعاصرة للإسلام: 1ـ مقدّمة؛ 2ـ التأويلات الحديثة للنصّ؛ 3ـ معرفة ظروف النصّ؛ 4ـ الأفق التاريخيّ للنصّ؛ 5ـ عدم قدسيّة النصّ؛ 6ـ العدالة كمبدأ أبديّ؛ تأويل القرآن والكتب المقدّسة عند شبستري: 1ـ الظاهرة التاريخيّة للأديان؛ 2ـ كيف نتعامل مع النصوص المقدّسة؟؛ مراحل فهم النصّ: 1ـ قبليات المفسِّر والدور الهرمنوطيقي؛ 2ـ ميول وتطلُّعات المفسِّر؛ 3ـ استنطاق التاريخ؛ 4ـ تشخيص بؤرة المعنى؛ 5ـ ترجمة النصّ إلى الإطار التاريخيّ الذي يعيشه المفسِّر؛ 6ـ هل احتوى القرآن على كلّ شيء؟.

9ـ وفي الدراسة التاسعة، وهي بعنوان «خطاب الدكتور القرضاوي حول التقريب والتبديع، مطالعةٌ وتحليل ونقد/القسم الأوّل»، للأستاذ مشتاق اللواتي (كاتبٌ عربيّ)، يتناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: مقدّمة؛ حداثة اهتمامه بقضيّة التقارب المذهبيّ؛ الحوار والتقريب مع الديانات؛ مواجهة التطرُّف الدينيّ؛ قراءةٌ سلفية للتاريخ العربيّ الإسلاميّ؛ مبادئ وأسس عامّة للحوار والتقريب؛ الاتّحاد العالميّ لعلماء المسلمين؛ لا يجوز تكفير المسلم؛ مفارقات اتّحاد علماء المسلمين؛ شهاداتٌ وتقييمات من الداخل؛ الخطاب الإقصائيّ والتبديعيّ؛ حول بدعيّة صلاة الرغائب وتأجيل الفطور؛ التحذير من نشر التشيع، ووصف قائد المقاومة بالمتعصِّب؛ مؤتمر الدوحة للتقريب؛ لقاؤه التلفزيونيّ مع الشيخ رفسنجاني؛ ذروة الخطاب التبديعيّ ضدّ المسلم الآخر.

10ـ وفي الدراسة العاشرة، وهي بعنوان «موقع العرف في تحديد الموضوعات الفقهيّة»، للدكتور الشيخ علي مظهر قراملكي (أستاذٌ مساعد، وعضو الهيئة العلميّة في قسم الفقه ومباني الحقوق الإسلاميّة في كلية الإلهيّات في جامعة طهران) والأستاذة فاطمة قدرتي (طالبةٌ في مرحة الدكتوراه في قسم الفقه ومباني الحقوق الإسلاميّة في كلية الإلهيّات في جامعة طهران) (ترجمة: حسن علي مطر)، يتناول الكاتبان بالبحث العناوين التالية: مقدّمة؛ مفهوم العرف في الفقه الإسلاميّ؛ أقسام الموضوعات الفقهيّة؛ الآراء في باب دائرة إمعان نظر الفقيه والمقلِّد والعرف في الموضوعات العرفيّة؛ العرف المتَّبع في تحديد مفهوم ومصداق الموضوعات العرفيّة؛ كيفيّة اختلاف الموضوعات العرفيّة باختلاف الظروف الزمانيّة والمكانيّة: 1ـ الرجوع إلى العرف في مفاهيم الموضوع ومتعلَّقات الحكم؛ دائرة تطبيق المصطلح الشرعيّ؛ مناقشة السؤال الأوّل؛ مناقشة السؤال الثاني؛ 2ـ تطبيق مفاهيم الموضوعات العرفيّة على المصاديق؛ النتائج.

11ـ وفي الدراسة الحادية عشرة، وهي بعنوان «فقه الغناء والموسيقى، دراسةٌ تأصيليّة تجديديّة في ضوء القرآن والسنّة والمقاصد/القسم الثالث»، للدكتور يحيى رضا جاد (أستاذٌ وباحثٌ في علوم الشريعة الإسلاميّة، ومتخصِّصٌ في الدراسات الفقهيّة، له عدّة مؤلَّفات، من مصر)، يستكمل الكاتب بحثه من خلال عناوين التالية: تاسعاً: أدلّة الإباحة والحلّ من القرآن الكريم؛ عاشراً: أدلّة الإباحة والحلّ من صحيح سنّة سيّد الخلق صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ حادي عشر: أدلّة الإباحة والحلّ من خلال مقاصد الشريعة؛ ثاني عشر: انتقال حكم الغناء والموسيقى عن الإباحة؛ ثالث عشر: ضوابط مشروعيّة الغناء والموسيقى: أوّلاً: سلامة مضمون الغناء وكلماته من المخالفات الشرعيّة؛ ثانياً: سلامة طريقة الأداء الصوتي من التكسُّر والإغراء والإثارة؛ ثالثاً: عدم اقتران الغناء والموسيقى بأمر محرَّم؛ رابعاً: تجنُّب الإسراف في سماع الغناء والموسيقى؛ خامساً: أمور خاصّة تتعلَّق بالمستمع ذاته، هو فيها مفتي نفسه؛ رابع عشر: مسائل متعلِّقة بالغناء والموسيقى: المسألة الأولى: حكم الغناء الدينيّ؛ المسألة الثانية: حكم سماع غناء الأجنبيّ أو الأجنبيّة؛ المسألة الثالثة: القول في عدالة المغنّي والمستمع إلى الغناء؛ المسألة الرابعة: حكم احتراف الغناء والموسيقى والتكسُّب من ذلك؛ خلاصة البحث.

12ـ وفي الدراسة الثانية عشرة، وهي بعنوان «الموسيقى والغناء بين الرغبة والالتزام الدينيّ»، للسيّد محمد شفيعي مازندراني (باحثٌ في الفقه الإسلاميّ، وأستاذٌ في الحوزة العلميّة) (ترجمة: نظيرة غلاّب)، تطالعنا العناوين التالية: تمهيد؛ معنى الغناء لغةً واصطلاحاً؛ الغناء في القرآن والأحاديث؛ جوانب من ذمّ الإسلام للغناء، وامتعاضه منه: 1ـ لا تهبط الرحمة مكاناً فيه أدوات الغناء؛ 2ـ المغنّون والموسيقيّون سفلةٌ؛ 3ـ من علامات الأيّام الرزيئة؛ 4ـ لا تقبل له صلاة؛ 5ـ سبب الحرمان والفقر؛ 6ـ إعلان يوم فتح مكّة؛ من أسرار تحريم الغناء؛ الجائز من الغناء؛ وجهة نظر ابن سينا في الغناء؛ النتيجة.

قراءات
وأخيراً كانت قراءتان:

1ـ في القراءة الأولى، وهي بعنوان «قراءةٌ في كتاب «الإصلاح الجذريّ: الأخلاقيّات الإسلاميّة والتحرُّر»»، للدكتور هيثم مزاحم (باحثٌ لبنانيّ في الفكر الإسلاميّ والشؤون الشرق أوسطيّة، له الكثير من الدراسات والمقالات ومراجعات الكتب والترجمات)، يتناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: تمهيد؛ خطاب الإصلاح والاجتهاد؛ اقتراحات ثلاثة؛ فقه المقاصد؛ أقسام الكتاب؛ تعريف الإصلاح المنشود؛ ماهيّة الاجتهاد؛ المقاربة الكلاسيكيّة لأصول الفقه؛ الإمام الشافعيّ؛ المذهب الحنفيّ: المقاربة الاستقرائيّة؛ مدرسة المقاصد؛ نحو إصلاح حقيقيّ؛ تأويل «النصّ»: كيف؟ ومَنْ؟.

2ـ وفي القراءة الثانية، وهي بعنوان «تاريخ التشريع الإسلاميّ للدكتور الفضلي، رؤيةٌ مغايرة لنشأة المذاهب الفقهيّة، وبحثٌ في مراحل الفقه الإماميّ»، للأستاذ حسين منصور الشيخ (كاتبٌ وباحثٌ إسلاميّ، من السعوديّة)، نشهد العناوين التالية: تمهيد؛ بين الدينيّ والعلميّ في مناهج البحث؛ الدكتور الفضلي في رؤيته للواقع الإسلاميّ وتحدّياته المعاصرة؛ الدكتور الفضلي في رؤيته لنشأة التشريع الإسلاميّ؛ إضاءةٌ على الكتاب: أـ بيان الاتّجاهات الفكريّة في الفقه الإماميّ؛ ب ـ بيان أثر العامل السياسيّ في مسيرة التشريع الإسلاميّ؛ ج ـ إبراز الجانب التربويّ والعلميّ لأئمّة أهل البيت عليهم السلام.

هذه هي

يُشار إلى أنّ «مجلّة الاجتهاد والتجديد» يرأس تحريرها الشيخ حيدر حبّ الله، ومدير تحريرها الشيخ محمّد عبّاس دهيني، ومديرها العامّ عليّ باقر الموسى، والمدير المسؤول: ربيع سويدان. وتتكوَّن الهيئة الاستشاريّة فيها من السادة: د. أحمد الريسوني (من المغرب)، د. عبد الهادي الفضليّ (من السعوديّة)، د. محمد خيري قيرباش أوغلو (من تركيا)، د. محمد سليم العوّا (من مصر)، الشيخ محمّد عليّ التسخيريّ (من إيران). وهي من تنضيد وإخراج مركز الثقلين.

وتوزَّع «مجلّة الاجتهاد والتجديد» في عدّة بلدان، على الشكل التالي:

1ـ لبنان ـ شركة الناشرون لتوزيع الصحف والمطبوعات: بيروت، المشرَّفية، مقابل وزارة العمل، سنتر فضل الله، ط4، هاتف: 277007 / 277088(9611+)، ص. ب: 25/184.

2ـ المغرب ـ الشركة العربيّة الإفريقيّة للتوزيع والنشر والصحافة (سپريس): الدار البيضاء، 70 زنقة سجلماسة.

3ـ جمهوريّة مصر العربيّة ـ مؤسَّسة الأهرام: القاهرة، شارع الجلاء، هاتف: 5786100؛ ص. ب: 683/13.

4ـ إيران: أـ مكتبة الهاشمي، قم، كُذَرْخان، هاتف: 7743543(98251+)؛ ب ـ دفتر تبليغات «بوستان كتاب»، قم، چهار راه شهدا، هاتف: 7742155(98251+).

5ـ البحرين ـ شركة دار الوسط للنشر والتوزيع، هاتف: 17488992(973+).
6ـ تونس ـ دار الزهراء للتوزيع والنشر: تونس العاصمة، هاتف: 0021698343821.                             

وتتلقّى المجلّة مراسلات القرّاء الأعزّاء على عنوان البريد: لبنان ــ بيروت ــ ص. ب: 327 / 25.

وعلى عنوان البريد الإلكترونيّ: info@nosos.net.

وأخيراً تدعوكم المجلّة لزيارة موقعها الخاصّ: www.nosos.net؛ للاطّلاع على جملة من المقالات الفكريّة والثقافيّة المهمّة.

 

 

قراءةٌ في العدد (28) من مجلة نصوص معاصرة

18 يناير 2013
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تمهيدٌ

أن تكون محبّاً للعلم فتلك منقبةٌ، وأن تطلب العلم فتلك مكرمةٌ، ولكنَّ الأفضل من ذلك أن تغدو عالماً عاملاً بما علمتَ، فتلك مفخرةٌ.

إنّه لفخرٌ حقّاً أن تفيض ممّا وهبك الله من العلم ـ إذ العلم نورٌ يقذفه الله في قلب من أحبّ ـ على غيرك، دون منّةٍ أو أذى، لا تبتغي بذلك سوى رضا الله عزّ وجلّ، غير طامعٍ أن تأخذ برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ إذ ورد في الحديث الصحيح: إنّ العلماء ورثة الأنبياء (الصفّار، بصائر الدرجات: 23) ـ ما لا تعطي مثله؛ اقتداءً بسيّدنا ومولانا الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام، حيث يقول: أكره أن آخذ برسول الله ما لا أعطي مثله.

لا يغدو المرء عالماً بعمامةٍ يعتجرها، أو جبّةٍ يلبسها، أو نعلٍ صفراء ينتعلها، بل يغدو عالماً عاملاً بقدر ما يسعى للجِدّ في البحث والتحقيق طلباً لحكمٍ ربما خفي على آخرين ممَّنْ سبقوه، فتكون الحقيقة هدفه الذي يسعى إليه دوماً وأبداً، غير آيسٍ من الوصول إليها، ولا خائفاً من رفض الناس لها، ورفضهم إيّاه بسببها.

هكذا يتحقَّق النموّ والتكامل في الحياة، وهكذا يكون للعالم الربّانيّ أثرَه الذي يُفتقد حين غيابه، فيكون لغيابه وقعٌ عظيم في النفوس، ويثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء، وتظهر للأنام قيمة حضوره ـ إذ قيمة كلّ امرئ ما يحسنه، كما قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام (نهج البلاغة 4: 18، الحكمة 81) ـ، الذي استغلّه واستفاد منه قومٌ ففازوا، وحُرم منه آخرون؛ لشقائهم، فخابوا.

أمّا لو مات (العالم) فلم يفتقده أحدٌ فإنّ ذلك يكون مدعاةً لإعادة نظرٍ جادّة في علمه وفضله و…

هكذا رحل المرجع الدينيّ السيّد محمد باقر الصدر رحمه الله، تاركاً فراغاً كبيراً، وحاجةً عظيمة، تشهد بها كثرة الدراسات والمؤتمرات التي تناولته، وتناولت فكره وفقهه، وأثر ذلك كلّه في نهضة المجتمع الإسلاميّ.

ومن هنا تتابع مجلّة (نصوص معاصرة)، في عددها هذا (العدد الثامن والعشرون (28))، بعنوان: «الإمام الصدر ومشاريع النهضة في الفكر الإسلاميّ /3/»، عرض جملةٍ من الدراسات في سيرته وفكره (خمس مقالاتٍ علميّةٍ قيِّمةٍ). وتتلوها ثماني دراساتٍ قرآنيّة وفلسفيّة وفكريّة وتاريخيّة. بالإضافة إلى قراءةٍ في أعمال الدكتورة (سابينه شميتكه) حول التشيُّع والاعتزال، للدكتور حسين متّقي.

وهي بعنوان «التغيير المجتمعيّ: مراحله ومعالمه وأدبيّاته، مطالعةٌ في ضوء القرآن الكريم/الحلقة الثالثة»، وفيها يتعرَّض رئيس التحرير الشيخ حيدر حبّ الله ـ بعد حديثه عن بعض ميِّزات المرحلة المكّيّة ـ إلى ميِّزات وخصائص المرحلة المدنيّة باختصار، وأبرزها:

1ـ فرض منطق القوّة وإيجاد التوازن؛ إذ عندما يحارب الانحراف الفكريّ حركة الهداية والرشاد يصبح معادياً، ويخرج عن كونه مجرَّد وجهة نظر، فيحتاج إلى القوّة التي تردعه، وليس فقط إلى الحوار الفكريّ الذي يقنعه.

ويضيف الشيخ حبّ الله: إنّ منطق القوّة هو منطق أن يخشاك الآخر، فلا يعتدي عليك، ولا يفكّر في التطاول على دينك ومقدّساتك وذاتك وأمّتك. ومن هنا يلتقي (مبدأ الإعداد والاستعداد)، وهو أحد مبادئ المرحلة المدنيّة، بمبدأ (القوّة)، الذي هو مبدأ آخر؛ ليكون الأوّل محقِّقاً للثاني، وليكون هدفهما مبدأ ثالثاً، هو مبدأ (التوازن وحماية الجماعة المؤمنة من العدوان، وحفظ الدين، وتأمين مسيرته).

2ـ مبدأ (حبّ الجهاد والمواجهة) أو مبدأ (حبّ التضحية)؛ إذ تجد في حركة الإصلاح والتغيير بعض الأشخاص الوصوليّين الانتهازيّين الذين يريدون أن ينضمّوا إلى المسيرة بهدف تحقيق بعض المكاسب التي يجدونها عند هذا الفريق، ولا سيّما عندما يلاحظون تقدُّم هذا الفريق في مواقع القوّة وتحقيقه بعض المنجزات، بينما يؤكِّد القرآن الكريم أنّ المقام الأسمى يكون لأولئك الذين واجهوا وتحمّلوا في مواقع الشدّة.

وفي داخل الأوساط الدينيّة نرى الكثيرين يتفاعلون مع حركة الوعي والبصيرة والهداية مقابل حركة الغلوّ والخرافة والتهريج من جهةٍ، وحركة التمييع والتقزيم والمحاربة للدين من جهةٍ ثانية، لكنْ عندما تتطلَّب الأمور منهم موقفاً فإنّنا لا نجد أحداً.

ملف العدد: الإمام الصدر ومشاريع النهضة في الفكر الإسلاميّ /3/

1ـ في المقالة الأولى، وهي بعنوان «جولةٌ في رحاب السيّد الصدر ومدرسته العلميّة»، وهي حوارٌ مع الدكتور الشيخ علي رضا أعرافي (رئيس جامعة المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم العالميّة في إيران، ورئيس مركز دراسات الحوزة والجامعة، وأستاذ الدراسات العليا في الحوزة العلميّة. ساهم بشكل فعّال في تجويد النظام التعليميّ في حوزة قم، ولاسيّما قسم الدراسات والأبحاث)(ترجمة: حسن مطر)، تطالعنا العناوين التالية: الحياة الفكريّة والاجتماعيّة للسيّد الصدر؛ السمات الأخلاقيّة البارزة للشهيد الصدر؛ الخصائص العلميّة للسيّد الشهيد؛ الصدر بين الموسوعيّة والتخصُّص؛ أبرز نظريّات السيّد الصدر؛ منهج السيّد الصدر في الدفاع عن الفكر الدينيّ.

2ـ وفي المقالة الثانية، وهي بعنوان «نظريّة الصدر حول السنن التاريخيّة في القرآن، قراءةٌ نقديّة»، للسيّد ضياء الدين مير محمدي (باحثٌ في التاريخ الإسلاميّ)(ترجمة: محمد عبد الرزّاق)، نشهد العناوين التالية: تمهيدٌ؛ فلسفة التاريخ في القرآن الكريم؛ تفاصيل نظريّة الشهيد الصدر القرآنيّة: أـ فكرة القوانين والسنن التاريخيّة في القرآن الكريم: 1ـ الفكرة العامّة للقوانين والسنن في القرآن الكريم : المحور الأوّل: المجتمع والأجل الجماعيّ؛ وقفةٌ نقديّة؛ المحور الثاني: مبدأ العقاب الدنيويّ؛ وقفةٌ نقديّة؛ المحور الثالث: زوال المجتمع نتيجة إخراج الأنبياء؛ وقفةٌ نقديّة؛ 2ـ مصاديق السنن التاريخيّة في القرآن الكريم: المحور الأوّل: سنن الأقوام السابقة؛ وقفةٌ نقديّة؛ المحور الثاني: انعدام الاستثناء في سنن التاريخ؛ وقفةٌ نقديّة؛ المحور الثالث: موقف الأنبياء من المترفين؛ وقفةٌ نقديّة؛ 3ـ السنن التاريخيّة مفهوماً ومصداقاً؛ وقفةٌ نقديّة؛ ب ـ خصائص السنن التاريخيّة في القرآن الكريم: 1ـ المفهوم العامّ للسنن التاريخيّة في القرآن الكريم (الاطّراد)؛ وقفةٌ نقديّة؛ 2ـ السنن التاريخيّة في القرآن وسمتها الربّانية؛ 3ـ دور إرادة الإنسان في السنن التاريخيّة؛ وقفةٌ نقديّة؛ ج ـ صيغ السنن التاريخيّة في القرآن : 1ـ السنن التاريخيّة في شكل القضيّة الشرطيّة؛ وقفةٌ نقديّة؛ 2ـ السنن التاريخيّة في شكل القضيّة الناجزة؛ وقفةٌ نقديّة؛ 3ـ الاتّجاه الطبيعيّ في السنن التاريخيّة في القرآن؛ وقفةٌ نقديّة؛ نتائج البحث.

3ـ وفي المقالة الثالثة، وهي بعنوان «الشهيد محمد باقر الصدر رائد المشروع الوحدويّ»، للدكتور محمد صادق مزيناني (باحثٌ إسلاميّ)(ترجمة: محمد عبد الرزّاق)، يتناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: توطئةٌ؛ حقيقة مفهوم الوحدة؛ المنطلق الصحيح للوحدة؛ ميادين الوحدة؛ السبل الكفيلة بتحقيق الوحدة؛ تعزيز الأواصر بين علماء المسلمين؛ إحياء الشخصيّة الإسلاميّة؛ العدوّ المشترك؛ الاحترام المتبادل؛ تأسيس مؤتمر إسلاميّ عالميّ؛ تأثُّر الشهيد الصدر بالعلاّمة شرف الدين.

4ـ وفي المقالة الرابعة، وهي بعنوان «العقل الدامي، جولةٌ في المدرسة الفكريّة للشهيد الصدر/القسم الثاني»، للأستاذ محمد رضا الحكيمي (صاحب كتاب (الحياة)، أهمّ شخصيّة تفكيكيّة معاصرة، له كتب عدّة، منها: علم المسلمين، المدرسة التفكيكيّة، الاجتهاد والتقليد في الفلسفة، و…)(ترجمة: حسن علي الهاشمي)، يكمل الكاتب بحثه من خلال العناوين التالية: 13ـ الإسلام رائد الحياة؛ 14ـ الفهم التوحيدي للاقتصاد؛ 15ـ العرفان الإسلاميّ؛ 16ـ حجيّة الكشف؛ 17ـ العرفان في مؤلَّفات السيّد الشهيد الصدر؛ 18ـ نظريّة المعرفة؛ 19ـ الاتّجاهات التفكيكيّة؛ 20ـ العقل الدامي.

5ـ وفي المقالة الخامسة، وهي بعنوان «(اقتصادنا) والمنهج النقديّ للمذاهب الاقتصاديّة، قراءةٌ موجزة»، للدكتور محمد جداري عالي (باحثٌ في مجال الاقتصاد الإسلاميّ)(ترجمة: محمد عبد الرزّاق)، يستعرض الكاتب جملةً من العناوين، وهي: تمهيدٌ؛ 1ـ (اقتصادنا) الأطروحة؛ 2ـ الاقتصاد الإسلاميّ في (اقتصادنا)؛ 3ـ (اقتصادنا) والرأسماليّة؛ 4ـ التطبيقات والخطط العمليّة للاقتصاد الإسلاميّ؛ 5ـ (اقتصادنا) بعد نصف قرن.

دراسات

1ـ في الدراسة الأولى، وهي بعنوان «آليّات الوحدة الإسلاميّة في نهج أئمّة الشيعة»، للدكتور علي آقا نوري (أستاذٌ مساعد في جامعة الأديان والمذاهب)(ترجمة: نظيرة غلاّب)، تطالعنا العناوين التالية: مقدّمة؛ 1ـ الاعتراف الرسميّ بالاختلاف الفكريّ، وفي المعتقد: أـ تقسيم عموم الناس بلحاظ القابليّات وخصوصيّات أخرى مختلفة؛ ب ـ تقسيم الإيمان إلى درجات ومراتب؛ ج ـ تصنيف وترتيب المعارف والتعاليم الدينيّة؛ درجات إيمان الصحابة، واقترانها بمراتب فهمهم للخطاب الدينيّ؛ 2ـ مركزيّة القرآن: أـ شمولية القرآن في بيان التعاليم الكلّية للدين؛ ب ـ وضوح مفاهيم وتعاليم القرآن وشفافيّتها؛ 3ـ التمسُّك بالسنّة النبويّة والرجوع إليها؛ 4ـ الرجوع إلى الزعامة الدينيّة وإطاعة مرجعيّة أهل البيت.

2ـ والدراسة الثانية هي بعنوان «وقفاتٌ نقديّة مع قضايا فلسفيّة وعرفانيّة، مداخلةٌ مع العلاّمة السبحاني»، للسيّد محسن طيّب نيا (باحثٌ في علم الكلام الإسلاميّ)(ترجمة: الشيخ كاظم خلف العزاوي).

3ـ والدراسة الثالثة هي بعنوان «جابر بن حيّان، دراسةٌ مختلفة في شخصيّته وتراثه/القسم الأوّل»، للشيخ جويا جهانبخش (باحثٌ متخصِّص في مجال الكلام والحديث، وله عدّة دراسات تحقيقيّة وتراثيّة قيِّمة)(ترجمة: حسن علي مطر).

4ـ وفي الدراسة الرابعة، وهي بعنوان «الدراسات القرآنيّة في ظل اللسانيّات المعرفيّة، قراءةٌ جديدة»، للدكتور الشيخ علي رضا قائمي نيا (أستاذٌ في الفلسفة وعلم الكلام الجديد، ومدير مجلّة (الحكمة) الصادرة باللّغة الإنجليزية عن مؤسَّسة الفكر والثقافة)(ترجمة: عماد الهلالي)، نشهد العناوين التالية: تمهيدٌ؛ المعلومات الذهنيّة؛ 1ـ التعبير: أـ الرواية؛ ب ـ الافتراض؛ 2ـ القالب؛ واجبات القالب في رؤية (فيلمور)؛ الساري والمحدّّد؛ الجِيد والمسَد؛ الصورة والخلف؛ علم النفس الشكلاني (كشتالت) (Geschtalt Psychology)؛ ظاهرة الشكل والخلفية..، رؤية قرآنيّة؛ الترتيب بين (المغفرة) و(الرحمة)؛ طريقة صنع المفهوم بين الغفور والرحيم؛ اشتباه البعض من المفسِّرين والأدباء؛ معنى الحرف في اللسانيّات المعرفيّة وتطبيقاته؛ خاتمة؛ فكرة (كانْط) ونقدها؛ اللسانيّات المعرفيّة والمقاربات الكانطيّة.

5ـ وفي الدراسة الخامسة، وهي بعنوان «الاتّجاهات الفكريّة في إيران، تيّار أكاديميّة العلوم الإسلاميّة»، للدكتور الشيخ عبد الحسين خسروپناه (أستاذٌ جامعيّ، ورئيس مركز الدراسات والأبحاث في الحوزة العلميّة في مدينة قم، وعضو الهيئة العلميّة في مركز الدراسات الثقافيّة (قسم الفلسفة والكلام) في إيران، له مؤلَّفات عدّة في فلسفة الدين والكلام الجديد)(ترجمة: صالح البدراوي)، يتناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: مقدّمة؛ الشخصيّة الفكريّة للسيد منير الدين؛ العلم الدينيّ لدى أكاديميّة العلوم الإسلاميّة؛ برنامج التنمية الإسلاميّة؛ فلسفة الكيف والصيرورة؛ أصالة الفاعليّة؛ جهويّة العلوم: الدليل الأوّل على جهويّة العلوم؛ الدليل الثاني على جهويّة العلوم؛ الدليل الثالث على جهويّة العلوم؛ خلاصة القول؛ دراسة سلبيّات مقولة أكاديميّة العلوم الإسلاميّة : 1ـ النقص في «فلسفة الصيرورة»؛ 2ـ عدم وجود الدليل على حصر موضوعات «فلسفة الصيرورة»؛ 3ـ الإبهام في الألفاظ والمفاهيم، وعدم وضوح التعريف بها؛ 4ـ الإبهام في العبور من فلسفة الصيرورة إلى فلسفة المنهج؛ 5ـ نفي أصالة الوجود والماهيّة؛ 6ـ ضرر حدود الدين الإسلاميّ وما يتوقَّعه الإنسان من الدين؛ 7ـ الإشكاليّة على أدلّة جهويّة العلوم؛ 8 ـ وجود النقص في مواضيع فلسفة العلم؛ 9ـ سلبيّات الآراء العلميّة؛ 10ـ الخلط بين مقامي الثبوت والإثبات؛ بضع نقاط ختاميّة.

6ـ وفي الدراسة السادسة، وهي بعنوان «نظريّة التسامح، إشكاليّات في المبادئ الفكريّة والتأثيرات العمليّة»، للدكتور الشيخ علي أكبر نوائي (أستاذٌ جامعيّ، وباحثٌ في الفلسفة والعلوم السياسيّة)(ترجمة: محمد عبد الرزّاق)، يستعرض الكاتب بالبحث العناوين التالية: تمهيدٌ؛ مفهوم التسامح عند فلاسفة الغرب؛ الفرق بين التسامح والتساهل؛ النشأة التاريخيّة لنظريّة التسامح؛ مراحل تبلور (نظريّة التسامح) في الفكر الغربيّ؛ رأي (جون لوك) في التسامح؛ مضمون التسامح الغربيّ؛ أقسام التسامح؛ الأسس الفكريّة للتسامح الشائع في الغرب؛ 1ـ الليبراليّة؛ 2ـ الفرديّة؛ 3ـ التعدُّديّة؛ مجالات التسامح: 1ـ التسامح العقائديّ؛ 2ـ التسامح السياسيّ؛ 3ـ التسامح الأخلاقيّ؛ 4ـ التسامح الثقافيّ؛ هل التسامح مطلقٌ؟؛ الآثار السلبيّة للتسامح الليبراليّ: 1 ـ تحكّم العُرْف بالشرائع السماويّة؛ 2ـ الإباحيّة المطلقة؛ 3ـ شيوع الرذيلة.

7ـ والدراسة السابعة هي بعنوان «صلح الإمام الحسين عليه السلام، بين المنطق الحسنيّ والعمل الحسينيّ»، للأستاذ عماد الدين باقي (باحثٌ متخصِّصٌ في علم الاجتماع، وناشطٌ في مجال حقوق الإنسان، له مؤلَّفات عدّة)(ترجمة: صالح البدراوي). وتتضمَّن إشاراتٍ نقديّة لمقال عماد الدين باقي.

8ـ وفي الدراسة الثامنة، وهي بعنوان «ظاهرة تكاثر مقامات أولاد الأئمّة، دراسةٌ في أبناء الأئمّة الحقيقيّين في إيران»، للسيّد حسن شريفي (باحثٌ متخصِّص في الشريعة الإسلاميّة)(ترجمة: الشيخ محمد عبّاس دهيني)، تطالعنا العناوين التالية: الهدف من البحث؛ نظرةٌ عابرة في إحصائيّات مراقد (ابن الإمام) في إيران؛ الأولاد الذكور للإمام عليّ عليه السلام؛ الأولاد الذكور للإمام الحسن عليه السلام؛ الأولاد الذكور للإمام الحسين عليه السلام؛ الأولاد الذكور للإمام عليّ بن الحسين عليه السلام؛ الأولاد الذكور للإمام محمد الباقر عليه السلام؛ الأولاد الذكور للإمام جعفر الصادق عليه السلام؛ الأولاد الذكور للإمام موسى الكاظم عليه السلام؛ الولد الذكر الوحيد للإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام؛ الأولاد الذكور للإمام محمد بن عليّ الجواد عليه السلام؛ الأولاد الذكور للإمام عليّ بن محمد الهادي عليه السلام؛ الولد الوحيد المحبوب للإمام الحسن العسكريّ عليه السلام؛ أسماء الأبناء المباشرين للأئمّة المعصومين الذين استشهدوا مع الإمام الحسين عليه السلام؛ أسماء الأبناء المباشرين للأئمّة المعصومين عليهم السلام الذين توفّوا في طفولتهم، أو الذين توفّوا في سنوات لاحقة، وكان مصيرهم واضحاً في التاريخ؛ عدد من الأولاد المباشرين، أو الذين تفصلهم واسطة واحدة، للأئمّة المعصومين عليهم السلام، والذين كانوا طالحين؛ أبناء الأئمّة المباشرون والحقيقيّون وواجبو التعظيم المدفونون في إيران الإسلاميّة؛ نموّ نشاط مؤسَّسات الأوقاف والأمور الخيريّة في مناطق المقامات المباركة؛ شاهد مثال: مقام السيد حسين في بازكيا كوراب جيلان!؛ هدم عدد من المقامات الزائفة في جيلان؛ آخر الكلام.

وأخيراً كانت قراءةٌ في أعمال الدكتورة (سابينه شميتكه) حول التشيُّع والاعتزال، وذلك في مقالة بعنوان «(سابينه شميتكه)، مطالعةٌ في أعمالها حول التشيُّع والاعتزال»،، للدكتور حسين متّقي (باحثٌ في الدراسات الغربيّة المعاصرة)(ترجمة: حسن مطر). وتضمَّنت العناوين التالية: تنويهٌ؛ 1ـ السيرة الذاتيّة؛ 2ـ المؤلَّفات والتحقيقات والتصحيحات والمقالات: أـ الكتب؛ ب ـ المقالات؛ 3ـ إطلالة على بعض آراء الدكتورة سابينه شميتكه في محاضراتها؛ 4ـ إطلالة على المصادر المشتملة على آراء ونظريّات الدكتورة شميتكه؛ 5ـ النتيجة.

هذه هي

يُشار إلى أنّ «مجلّة نصوص معاصرة» يرأس تحريرها الشيخ حيدر حبّ الله، ومدير تحريرها الشيخ محمد عباس دهيني، ومديرها العامّ علي باقر الموسى. وتتكوَّن الهيئة الاستشاريّة فيها من السادة: زكي الميلاد (من السعوديّة)، عبد الجبار الرفاعيّ (من العراق)، كامل الهاشميّ (من البحرين)، محمد حسن الأمين (من لبنان)، محمد خيري قيرباش أوغلو (من تركيا)، محمّد سليم العوّا (من مصر)، محمد علي آذرشب (من إيران). وهي من تنضيد وإخراج مركز الثقلين.

وتوزَّع «مجلّة نصوص معاصرة» في عدّة بلدان، على الشكل التالي:

1ـ لبنان: شركة الناشرون لتوزيع الصحف والمطبوعات، بيروت، المشرّفية، مقابل وزارة العمل، سنتر فضل الله، ط4، هاتف: 277007 / 277088(9611+)، ص. ب: 25/184.

2ـ مملكة البحرين: شركة دار الوسط للنشر والتوزيع، هاتف: 17596969(973+).

3ـ جمهورية مصر العربية: مؤسَّسة الأهرام، القاهرة، شارع الجلاء، هاتف: 2665394.

4ـ الإمارات العربية المتحدة: دار الحكمة، دُبَي، هاتف: 2665394.

5ـ المغرب: الشركة العربيّة الإفريقيّة للتوزيع والنشر والصحافة (سپريس)، الدار البيضاء، 70 زنقة سجلماسة.

6ـ العراق: أـ مكتبة أهل البيت، بغداد (الكاظمية)؛ ب ـ مكتبة الزهراء، البصرة، سوق العشار؛ ج ـ مكتبة الغدير، النجف، سوق الحويش.

7ـ سوريا: مكتبة دار الحسنين، دمشق، السيدة زينب، الشارع العام، هاتف: 932870435(963+).

8ـ إيران: أـ مكتبة پارسا، قم، خيابان إرم، سوق القدس، الطابق الأرضي، ت: 7832186(98251+)؛ ب ـ مكتبة الهاشمي، قم، كُذَرْخان، هاتف: 7743543(98251+)؛ ج ـ دفتر تبليغات «بوستان كتاب»، قم چهار راه شهدا، هاتف: 7742155(98251+).

9ـ تونس: دار الزهراء للتوزيع والنشر: تونس العاصمة، هاتف: 0021698343821.

10ـ بريطانيا وأوروپا، دار الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع:

United Kingdom London NW1 1HJ. Chalton Street 88. Tel: (+4420) 73834037

كما أنّها متوفِّرةٌ على شبكة الإنترنت في الموقعين التاليين:

1ـ مكتبة النيل والفرات: http: //www. neelwafurat. com

2ـ المكتبة الإلكترونية العربية على الإنترنت: http: //www. arabicebook. com

وتتلقّى المجلّة مراسلات القرّاء الأعزّاء على عنوان البريد: لبنان ـ بيروت ـ ص. ب: 327 / 25

وعلى عنوان البريد الإلكترونيّ: info@nosos. net

وأخيراً تدعوكم المجلّة لزيارة موقعها الخاصّ: www. nosos. net؛ للاطّلاع على جملة من المقالات الفكريّة والثقافيّة المهمّة.

 

 

الإنسان والدين – سلبيات التوافق وموبقات التصادم

17 يناير 2013
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

 
حيدر حب الله*

ينزل الدين من السماء نقيّاً صافياً، فيصل الأرض ويبدأ بالاختلاط والامتزاج بما فيها، قال تعالى: }أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا..{ (الرعد: 17)، أي أنّ الدين يتفاعل مع الإنسان كما يتفاعل الإنسان معه، وبهذه الطريقة يغيّر الدينُ الإنسانَ كما يغيّر هذا الإنسان في الدين أيضاً، فيخرجه ـ إمّا عن زيغ وهوى أو عن جهالة وسفاهة أو .. ـ عن حالته النقية الأولى التي كان عليها.

1 ـ وعندما ندرس ردّة فعل الإنسان أمام الدين الوافد من السماء، نجدها على حالتين أساسيتين هما:

أ ـ حالة الجذب، بمعنى أن ينجذب بعض الناس إلى هذا الدين ويؤمنون به، إمّا لصدقٍ منهم وإخلاص وإيمان نابع من القلب، أو لموالمة هذا الدين لمصالحهم في ظروفهم الواقعية الزمكانية.

ب ـ حالة الدفع، بمعنى أن يتنافر بعض الناس والدين؛ فيقومون بمواجهته صريحاً وبشكل مباشر، أو بطريقة غير مباشرة، كما سوف نبيّن ذلك إن شاء الله تعالى.

ونريد هنا أن نرصد المفاعيل السلبية لكلتا حالتي: الجذب والدفع، مبيّنين بعض النماذج التي نراها ضروريةً بما يتناسب مع المقام.

2 ـ وعندما ندرس حالة الجذب، نجد ـ فيما نجد ـ مفعولين سلبيين يظهران لدى بعض من ينجذب إلى الدين ويصدّقه ويؤمن به، وهما:

أ ـ الإفراط في الجذب والتوالم، حيث يفرط بعض الناس في التفاعل مع الدين فيخرجون عن الجادّة الصحيّة السليمة في هذا المجال، وهذا ما يطلق عليه في الاصطلاح الديني والقرآني بـ (الغلو)، قال تعالى: }يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ{ (النساء: 171)، ولا نقصد بالغلو هنا المصطلح الوارد في علم الفرق والمذاهب، كما لا نقصد به المجال العقدي للغلوّ فحسب، بل نعمّم لكل حالة إفراط في التفاعل مع الدين، سواء كانت في المجال العقائدي أم العملي أم غير ذلك، فمن يفرط في الزهد فهو مغالٍ في دينه، ومن يفرط في الصدقة حتى يعجز عن الإنفاق على عياله فهو مغالٍ في دينه، إنّه يحمل مفهوماً دينياً ثم يمارسه أو يعتقده بطريقة مفرطة جداً تخرجه عن الحالة الوسطيّة التي أرادتها السماء منه.

وللغلوّ أسبابه الكثيرة بين الناس، والمؤسف أنّ بعضنا يظنّ أنّ للغلو سبباً دينياً فقط، أي هو اجتهاد داخل ـ ديني بحت، في حين قد تكون للغلو أسبابه النفسية الخارجة عن الدين وأسبابه الاجتماعية أيضاً؛ فالمفترض أن نفتش أيضاً عن المسبِّبات الخارج ـ دينية لظاهرة الغلو والإفراط في الوسط الديني.

وفي هذا السياق نقف ـ فيما نقف ـ على مسبّبين، هما:

1 ـ أ ـ المسبّب النفسي الشخصي؛ فبعض الناس يتعاطون مع ما حولهم بطريقة مفرطة، فمع زوجاتهم وأولادهم هم مفرطون في التعاطي؛ فعندما يحبّ يفرط في الحب حدّ الجنون، وعندما يكره يفرط في الكره حدّ الحقد والضغينة، وعندما يريد شيئاً يبالغ في رغبته به، مثل هؤلاء الأشخاص عندما يدخلون إلى الدين فإنّهم يحملون معهم خصالهم النفسية، فعندما يتفاعل مع قضية دينية فهو يفرط بها حدّ الخروج عن الجادّة القويمة السوية، فيجعل تهوّره جهاداً واستشهاداً، أو يجعل خوفه وقلقه تقيّةً ومراعاة للمصلحة الدينية العليا وهكذا؛ فليست القضية اجتهاداً في الدين فقط، وإنما هي ـ في بعض الأحيان ـ إسقاطاً لخصالنا الشخصية على الدين.

من هنا، كان من الضروري إصلاح ذواتنا وخُلُقنا وحالاتنا النفسية؛ كي نقدم على التعاطي مع الدين ـ قدر المكنة ـ من موقع الإنسان السويّ.

2 ـ أ ـ المسبّب الاجتماعي والحضاري، أي أنّ هناك بعض الأوضاع الاجتماعية العامّة هي التي تبعث على حصول حالة الغلو في الدين، من أبرزها ما نعيشه نحن المسلمين اليوم من أزمة هوية، ومركّبات نقص اجتماعية وحضارية، إنّ خوف المسلم على هويته الدينية، وخوف العربي على هويته العربية، وخوف المواطن في هذا البلد أو ذاك على هويته الوطنية، وخوف الشيعي على هويته الشيعية، وخوف السنّي على هويته السنّية وهكذا… هو حالتنا اليوم، سببها الواقع المأزوم الذي نعيشه، والذي أفقدنا إحساس الثقة بالذات الشخصية والجماعية معاً، حتى صرنا نرى كل أنواع الأخطار بمثابة أخطار تهدّد الوجود نفسه، هواجس كامنة لا يمكن قلعها إلا بترتيب جديد لوضعنا النفسي العام.

مجمل الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية و… كلّها منتِج طبيعي للغلوّ، ليس في الدين فحسب، بل في كل ما يرتبط بالهوية. إنّ هذا الوضع ينتج مزيداً من التمترس داخل الذات والتموضع في أعماق التاريخ، والتغنّي بماضي الأمجاد وإعادة إنتاج التاريخ بهدف استنساخه بحرفيته، شكلٌ من أشكال السلحفاتية في تمترسها ـ السلحفاة ـ داخل ذاتها عند الخوف، التقوقع هو الوسيلة الوحيدة لحماية النفس، وحتى لو لم يكن الخطر قوياً فإنّ التقوقع يصبح هو الأمر المفضّل للأمّة في تعاطيها مع الظواهر المحيطة، فعندما كان المسلمون أقوياء في القرن الثاني الهجري ترجموا ـ دون خوف أو وجل وبقرار سياسي رفيع المستوى ـ الثقافات اليونانية والإغريقية والفارسية والهندية، واستطاعوا هضمها وتبيئتها في المناخ الإسلامي الجديد، أمّا اليوم فنحن نخاف من كل وافد غربي ولا نرغب بترجمته أو نشره عبر مختلف وسائل الإعلام بيننا خوفاً على الهوية. هذا هو الواقع المنهزم الذي يبحث عن التقوقع راحةً للنفس فيظهر في ثناياه الغلو والتطرّف.

من هنا، كما يساعد الغلو على خلق ظواهر من هذا النوع كذلك تساعد هذه الظواهر على خلق الغلوّ، فليس الغلوّ مسؤولية رجال الدين فحسب، في التهم التي لا تتناهى ضدّهم من خصومهم، بل هو مسؤولية عامّة على المستوى السياسي لرفع حالة الاستبداد، وعلى المستوى الاقتصادي لرفع مظاهر الفقر المخيفة وأحزمة البؤس المرعبة، وعلى المستوى الثقافي في تنشيط الحريات الثقافية المتوازنة و.. إنّ رجال السياسة والاقتصاد والأمن والثقافة و.. كلّهم مسؤولون عن ظواهر الغلوّ الديني، وليس فقط رجل الدين، وإن كان هو مسؤولاً أيضاً، فكيف يدين مثقفنا العربي رجالَ الدين ثم نراه يمتدح هذه السلطة الزمنية هنا أو هناك، ويسير في ركبها، وكأنها غير مسؤولة عن هذا الواقع؟!! إنّها سطحية مبالغ فيها في التعامل مع ظواهر من هذا النوع.

لماذا عندما يحكم رجال الدين نحمّلهم ـ وهم يتحمّلون ـ مسؤولية الظواهر المتطرفة في مجتمعاتهم ولدى المعارضين لهم، نتيجة تقصيرٍ هنا أو هناك، أما عندما يحكم غيرهم فإنّنا نحمّل المعارضة أو رجال الدين، ولا نحمّل السلطة؟! يجب أن تكون لدينا نظرتنا المتوازنة لواقعنا، وأن لا يصبح مثقفنا العربي مثقفاً مقاولاً فقط ـ كما يقول عالم الاجتماع التونسي الطاهر لبيب ـ لا يعبّر سوى عن دعاية ثقافية للسلطة، فهي تصدر القرارات وهو ينظّر لها، وهي تفتي وهو يجتهد لها، وهي تخطأ وهو يبرّر لها و…

المشكلة الأخرى في قضية الغلو في الدين، وهي مشكلة داخل ـ دينية، أّننا ننظر للغلو بمنظار الصدق الذي يقع في الخطأ، أمّا لو أراد شخص تطهير الدين مما لحق به، فإنّه يتهم بخبث النيّة، مع أنّ خطر ابتداع شيء في الدين لا يقلّ عن خطر حذف شيءٍ منه، فلا ينبغي التمييز بين هذين النوعين، والكيل بمكيالين فيهما، فـ (البدعة) التي تحوّلت إلى مفهوم مرفوض في الثقافة الدينية، تقترب من الزيادة أكثر منها من النقيصة.

ب ـ الدمج بين النظرية والتطبيق، وهذا من أخطر ما يحصل في الوسط الديني، وذلك أنّه من الطبيعي ـ عندما ينزل الدين بمجموعة مفاهيم عملية ـ أن يقوم المؤمنون بتطبيق هذه المفاهيم في حياتهم، وهناك مجموعة من المفاهيم الدينية ليس لها شكل تطبيقي واحد ومحدّد وصارم في الدين نفسه، باعتراف الفقهاء المسلمين أنفسهم، مثلاً: يقولون: كثرة الضحك مكروهة، لكن من هو الذي يحدّد عامل الكثرة؟ لا يوجد في الدين رقم محدّد للكثرة، وإنّما هي قضية موكولة لعرف الناس. ويقولون أيضاً: احترامك الكبار أو الوالدين أمرٌ حسن في الدين، لكن لا يوجد تحديد نهائي لأشكال الاحترام، فالوقوف عند دخول الكبير إلى المجلس شكلٌ من أشكال الاحترام في بعض المجتمعات، لكنّه ليس كذلك في مجتمعات أخرى، وما أكثر المظاهر الاجتماعية التي يعدّها مجتمع ما سلبيةً فيما لا يراها مجتمع آخر كذلك.

في هذه الحالات، يحيل الفقهاء المسلمون إلى العرف، ولو سألنا ما هو العرف؟ سيكون الجواب: إنّه حصيلة العقل الجمعي الذي كوّنته السياسة والاقتصاد والاجتماع والنظم الطبقية وأنماط العيش وغير ذلك، إذاً مفهوم واحد تأتي به السماء لكنّ أشكال تبلوره الميداني تكون متعدّدة، وهذا شيء طبيعي على المستوى الزماني المترامي وعلى المستوى المكاني أيضاً.

ليس هذا بالأمر الجديد، لكن المهم هو أنّ الجيل المؤمن الأوّل يقوم بممارسة هذا المفهوم أو ذاك طبقاً لواقع أعرافه وتقاليده وحالته الزمكانية، وبمرور الزمن يصل المفهوم الديني إلى الأجيال اللاحقة مكسوّاً بشكله التطبيقي الزمني، فيحصل التحام في الوعي الجماعي بين المفهوم وبين الممارسة التي وصلت للجيل الثالث أو الرابع، فيصبح التطبيق جزءاً من المفهوم، مع أنّه لم يكن سوى شكل من الأشكال الاجتماعية الزمنية لممارسة هذا المفهوم، وعندما تظهر حركة تفكيكية تطالب بفك الارتباط بين المفهوم والمصداق، بين الفكرة والشكل التطبيقي؛ لأنّ الارتباط يعيق التقدّم واحترام الظروف الزمكانية الجديدة.. هناك يقع الانقسام والتشظي.

هنا تكمن واحدة من أهم وأخطر وظائف علماء الدين والمصلحين الاجتماعيين، أن يقوموا بفك الوصلة بين الصورة التاريخية للمفهوم الديني وبين نقاوة المفهوم الديني نفسه، ومن دون فك هذه الوصلة سيبقى الغلوّ في الدين ـ بمعنى الإفراط في الأخذ بحرفيّته ـ أمراً سائداً مهيمناً.

سأعطي مثالاً بسيطاً أترك تحليله الفقهي إلى مجال آخر، بعض أشكال الشعائر الحسينية مثل (التطبير) إدماء الرؤوس، لم ترد في نص ديني ثابت، وإنّما هي شكل من أشكال التعبير عن الحزن والتفجّع ظهر منذ ما لا يزيد عن القرنين من الزمن، من وسط اجتماعي لبعض البلدان الإسلامية ـ إمّا تركيا أو الهند أو .. ـ ثم راج بين الناس، والآن نحن نتناقش فيه منذ مدّة، وتتشظّى الأمة نتيجته، مع أنّ المفهوم السماوي هو إحياء هذه الشعيرة الحسينية وضخّها المستمرّ في النفوس والعقول والمشاعر والعمل، أمّا شكل ذلك وآليته فهو أمرٌ بشري نصنعه نحن طبقاً لمناخنا الثقافي والاجتماعي، فمن حقّ الناقد أن يطالب بالتغيير دون أن يتهم بمعاداة الإمام الحسين%، ومحاربة الشعائر الحسينية.

]أَنْزَلَمِنَالسَّماءِماءًفَسالَتْأَوْدِيَةٌبِقَدَرِهافَاحْتَمَلَالسَّيْلُزَبَداًرابِياًوَمِمَّايُوقِدُونَعَلَيْهِفِيالنَّارِابْتِغاءَحِلْيَةٍأَوْمَتاعٍزَبَدٌمِثْلُهُكَذلِكَيَضْرِبُاللَّهُالْحَقَّوَالْباطِلَفَأَمَّا الزَّبَدُفَيَذْهَبُجُفاءًوَأَمَّامايَنْفَعُالنَّاسَفَيَمْكُثُفِيالأَرْضِكَذلِكَيَضْرِبُاللَّهُالْأَمْثالَ[ (الرعد: 17).

تحدثنا إلى هنا عن حالة الجذب التي قد توجد عند بعض الناس إزاء الدين، وذكرنا بعض السلبيات التي قد تنجم عن الإفراط في هذه الحالة، ونريد الآن أن نكمل حديثنا بالإشارة إلى حالة التصادم والدفع التي قد يبتلي بها بعض الناس عندما ينزل هذا الدين السماوي إليهم صافياً من عند الله تعالى.

الذي يلاحظ هنا أنّ ردّة الفعل السلبية قد تظهر من خلال أشكال ثلاثة:

الشكل الأوّل: الإنكار والتشكيك، ويظهر هذا الشكل من بعض الذين لا تتناسب مصالحهم مع قيم الدين الجديد، سواء على المستوى السلطوي أم الاقتصادي، فعندما جاء الإسلام لم يُبدِ الوجوه والأعيان من قريش ارتياحاً لقيمه التي أتى بها، كأن يساويهم مع عبيدهم وإمائهم، ويفرض عليهم الزكاة، ويطالبهم بالتساوي بين قريش وسائر الحجيج في كيفية أداء مناسك الحج، ويرفع من مستوى الوضع الحقوقي للمرأة بينهم.. وهذا كلّه لا يناسب مصالح السلطويين والنفعيين من قريش ووجوه العرب آنذاك، لهذا ارتدّوا عليه ينكرون دعوته: >وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا...< (النمل: 14)، وإذا لم ينكروها أثاروا حولها رياح التشكيك، واختلقوا قصصاً عن النبي الجديد تشكّك في صدقه فيما يدّعيه من الوحي، قال تعالى: >وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ< (النحل: 103).

من الطبيعي أن الدين عندما يأتي يمثل حركة تغيير في الواقع؛ وحركات التغيير تصطدم ـ عادةً ـ بمفاصل الواقع؛ لأنها تريد فكفكتها؛ فيهبّ القيّمون على هذه المفاصل لمواجهة حركة التغيير الدينية، فتقع المواجهة. وعندما يسيطر الدين على الواقع ـ كما حصل مع أهل الكتاب ـ يتحوّل سادته إلى ممسكين جُدد بالواقع الجديد، فإذا حرّف الدين وأراد مشروع ديني جديد ـ مثل الدعوة المحمدية ـ أن يصحّح الخطأ، فسيتحوّل أولئك الذين كانوا بالأمس حركة تغيير، إلى سادة تكريس يحاربون دعوة النبي الجديد بإنكارها والتشكيك بها أيضاً، عبر تلك المحاولات عينها التي استخدمت ضدّهم من قبل، وهكذا تظل تجري سنّة الحياة، وفق قانون التداول الذي حدّث عنه القرآن الكريم قائلاً: >... وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ...< (آل عمران: 140).

وتستمر ظاهرة الإنكار والتشكيك، فنجد في عصرنا من يريد أن يكسب لنفسه موقعاً أو يحافظ على موقعه، فينكر بعض ما جاء به الدين أو يثير الشكوك حوله، ويبدو لنا أنّه ينطلق من معطيات معرفية فيما تكمن خلف هذه المعطيات ـ في بعض الأحيان ـ أغراضه الشخصية أو الفئوية.

الشكل الثاني: التقطيع والانتقاء، حيث يذهب بعض الناس عندما يواجهون في الدين مجموعة قيم ومقولات لا تنسجم معهم، إلى الأخذ ببعض الدين وتجاهل البعض الآخر، وهذا يتم تارةً عبر تجاهل معلن، وأخرى عبر تمييع الجانب الذي لا يناسبهم في الدين، فيعيدون رسم الأولويات داخل المنظومة الدينية بما يجعل القيم التي تناسبهم في الصدارة فيما القيم التي لا تناسبهم تعطى درجةً أدون، وهذه آفةٌ كثيراً ما تحصل، قال تعالى: >...أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ< (البقرة: 85)، وهذه هي سياسة التعضية التي حدثنا عنها القرآن الكريم ـ فيما تذكره بعض التفاسير ـ حين قال: >كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ< (الحجر: 90 ـ 93)، فقد فرّقوا القرآن وأخذوا بعضه وتركوا بعضاً.

من هنا، كان الإسلام إسلاماً وتسليماً، كان عبوديّةً ورقّاً للباري تعالى، لا تشرئب العنق فيه للتعالي على الإرادة الإلهية التكوينية والتشريعية، قال سبحانه: >فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا< (النساء: 65).

ونلاحظ في هذا السياق في الوسط الديني أنّ بعضهم يعوّم بعض الآيات والروايات فيما يخفي بعضها الآخر مما لا يتناسب وثقافته وقناعاته التي كوّنها دون مراجعة النصوص بأكملها، وهذه ملاحظة جديرة بالانتباه والتفادي.

الشكل الثالث: التأويل والتطويع، فنحن هنا لا ننكر النص الديني ولا نشكّك فيه، كما لا نقوم بتقطيعه، وإنّما نتأوّل فيه، فنقوم بتطويعه بحثاً عن تفسير له لا يتنافى وقناعاتنا المسبقة، حتى لو سمّينا هذه القناعات بالأدلّة العقلية والمنطقية، أو عبّرنا عن هذه العملية بالقراءة الواقعية، من هنا نجد في حركة التأويل اتجاهات ثلاثة، نلاحظ عليها، وإن لم نكن بصدد رفضها من حيث المبدأ:

الاتجاه الأوّل: اتجاه التأويل العقلي الاعتزالي، الذي استخدمته المعتزلة، ويقوم هذا التأويل على نظرية المجاز المكوِّنة لبنية النص القرآني، فالمتكلم يذهب إلى العقل أولاً، فإذا قام عنده الدليل على شيء عاد إلى النص، فهي رحلة من العقل إلى النص، فإذا وجد الدلالة القرآنية الظاهرة على وفق المعطيات العقلية التي سبق أن توصّل لها، أخذ بهما معاً، وأوقع كمال الانسجام بينهما، وإذا لم يجدها قام بصرف الدلالة عن ظاهرها؛ لأنّ الخطّ العريض يقول: لا يمكن أن يتعارض عقلٌ ونص، وحيث كان العقل يقينياً مؤكّداً لا لُبس فيه، فيما كانت اللغة مفتوحة على دلالات وإمكانات كبيرة وعلى استثناءات كثيرة لقواعدها، تتلخّص في نظرية المجاز بالمعنى العريض.. صار بإمكاننا تأويل النص وإرجاعه إلى ما عند العقل.

فهذه الحركة من العقل إلى النص، العقل فيها فاعل والنص فيها منفعل، العقل فيها متماسك الآليات والنتائج والنص فيها متنوّع مفتوح على خيارات عدّة.

وليس من شك أنّ بنية التأويل هذه لعبت دوراً كبيراً في تنشيط حركة العقل في التراث الإسلامي، كما لعبت ـ هي والاعتزال بعامّة ـ دوراً في تطوير إمكانات اللغة العربية أو الكشف على الأقلّ عن هذه الإمكانات، حتى امتاز الكثير من المعتزلة بالعمق اللغوي والسعة البلاغية، مثل الإمام جارالله الزمخشري (538هـ) و..

ولنا ملاحظة واحدة على هذا النهج، وهي أنّ تطويع النص أمام العقل على أساس ظنية الدلالة، لا يلقي عن كاهلنا مسؤولية الجواب عن السؤال التالي: كيف قامت بناءات النص نفسه عند المتكلم به؟ وأقصد بهذا الكلام أنّه إذا كانت دلالة العقل من الواضحات البديهيّات حتى زمن نزول الآيات أو صدور الأحاديث، أمكن أن يقال: إن المتكلم اعتمد عليها لتفهيم كلامه، وهذا أمر طبيعي، لكن إذا كانت دلالة نصِّ لا تنجلي وتظلّ غامضةً حتى يأتي ابن سينا (428هـ) أو صدر الدين الشيرازي (1050هـ) ليقيم دليلاً متراكب المقدّمات متراكم المعطيات يصل إليه بجهد جهيد، ثم يقول لنا: إنّ الشاهد على أنّ هذا هو معنى الكلام هو دليلي هذا!! فهل يكون المتكلّم بهذا النصّ متخذاً لمنهجٍ سليم في إفادة مقاصده؟!

لم يلتفت التأويل الاعتزالي ـ الكلامي إلى دراسة موقف المتكلّم ـ الناصّ نفسه، وكيف شاد كلامه على أسلوب غير متعارف بين العقلاء، ثم يقول هو نفسه لنا في كتابه واصفاً إيّاه بقوله: >... وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ< (النحل: 89)، وقوله: >يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ< (المائدة: 15 ـ 16)، فليست المشكلة فقط في منطقية أو عدم منطقية تقديم العقل على النص، وإنّما أيضاً في تفسير كيفية بناء المتكلّم الحكيم أسلوب كلامه وفقاً لهذا النهج التأويلي؛ من هنا نعتقد بأنّ حلّ هذه المعضلات التي ثارت بوجه المعتزلة يفترض ـ أيديولوجياً ـ أن يكون من داخل النص أيضاً، ويكون العقل هو الكاشف والمرشد إلى العناصر المساعدة على التفسير.

الاتجاه الثاني: اتجاه التأويل الواقعي، ونعني بهذا الاتجاه أولئك الذين باتوا يجدون شكلاً من أشكال التصادم بين الحياة العامّة المعاصرة بأساليبها ومناهجها وأنماط تفكيرها وتحدّياتها ومنجزاتها و.. وبين النص الديني الذي أخذ يفقد ثقته أمام منجزات الواقع الجديد، فقد شعر هذا الفريق بأنّ هناك واقعاً أقوى ممّا نتصوّر، وزحزحة هذا الواقع أو تفكيكه عمليّة معقّدة بالغة التعقيد، فمن نهج تبرير الواقع وتكريسه يصار إلى نقل الزحزحة هذه إلى النص، فهنا نبدأ من الواقع لننتهي بالنص، تماماً كما بدأ المعتزلة مسيرتهم بالعقل ليختموها بالنص، وكما قدّموا العقل على النص، يقدّم مؤوّلنا هنا الواقع ـ بكل ما يختزن ـ على النصّ أيضاً، وإذا كانت اللغة بثرائها ومجازياتها هي العكاز الذي اعتمد عليه التأويل المعتزلي، فإنّ النهج التاريخاني هو العصا الأساسية التي يتّكئ عليها التأويل المعاصر، وهو نهج لا يبتعد عن اللغة وفلسفتها أيضاً، بل يمثل شكلاً من أشكال الدرس الهرمنوطيقي.

والملاحظة التي تسجّل هنا أنّه لا يفترض أن يستسلم مثقفنا للواقع ليراه ظاهرة معصومة، بعد أن كان ينتقد المقدّس في كلّ شيء، كما لا يفترض به الاستسلام لكلّ نظرية في كل علم بعد أن كان يعرف أن كثيراً من معطيات العلوم الإنسانية لم تصل بعدُ إلى حدّ الحقائق العلمية، وإذا كان مثقفنا المعاصر يؤمن بالتعددية التي تروّض العقل الإنساني على تقبل وجود خطأ دوماً في منظوماته المعرفية هنا وهناك، فإنّه من غير المفترض حينئذٍ أن يهدم كل منظومته الفكرية الدينية لاكتشاف خطأ ما في نظرية هنا أو هناك كانت سائدة أو لها حضور، بل يفترض وفق المنهج السليم الذي يسير عليه هذا المثقف نفسه أن يملك القدرة على التمييز، وعدم إبطال مقولات لمجرّد حصول اهتزاز في مقولات أخرى، ومن ثمّ لا ضرورة لكسر هيبة النص نتيجة ذلك.

الاتجاه الثالث: اتجاه التأويل العرفاني ـ الصوفي، ويقوم هذا الاتجاه ـ باختصار شديد ـ على الاعتقاد بفكرة الظاهر والباطن، لكن لا على الطريقة السائدة، بل على أساس أن باطن كل شيء هو حقيقته، فالباطن ليس باطناً دلاليّاً حتى أعبر إليه عبر الألفاظ، وإنما هو باطن وجودي لا أبلغه إلا عبر الغوص في رتب الوجود للوصول إلى تلك الرتبة التي يستقرّ فيها الباطن القرآني؛ لأنّ القرآن حقيقة مجرّدة متعالية ترجع إلى الذات الإلهية، وتنزُّلها وتجلّيها في عوالم الوجود يأخذ أشكالاً تتناسب مع تلك الرتب الوجودية، إلى أن يبلغ هذا الكتاب عالمَنا المادي فيظهر على شكل ألفاظ ومصحف وكلمات، فالظاهر شكل من أشكال الباطن ومظهر من مظاهره، فلا معنى لترك الظاهر لصالح الباطن ولا لترك الباطن لصالح الظاهر، لأنّهما وجهان لعملة واحدة، لهذا لم يعتقد كثير من العرفاء بأن الوصول إلى الباطن يكون بالغوص في دلالات الألفاظ، لأنّهم شادوا معادلة بالغة التعقيد تقول: ليست الألفاظ سبيلاً لفهم مراد المتكلّم، بل العكس هو الصحيح؛ فإنّ فهم مراد المتكلّم هو السبيل لفهم كلامه، وهذا الفهم للمراد عندهم لا يكون سوى بالتعالي في مدارج السير والسلوك للبلوغ للمتكلم نفسه، من هنا طالب بعضهم بأن نسمع القرآن من الله وليس من النبي، أي نأخذ الحقيقة الوجودية التي أخذها النبي لا التي أعطانا إيّاها.

ولكي يحرّر الصوفي نفسه من المساءلة عن الدلالات العرفية العادية للنصوص، تحدّث عن لامعيارية الفهم العربي من حيث الحدّ الأعلى، أي إنّه قال: إنّ فهم العرب ـ بمن فيهم الصحابة وأصحاب الأئمة ـ لا يجوز التوصل إلى نقيضه، لكنّه ليس الفهم النهائي، فيمكن لنا تفسير النصوص حتى بطريقة لم تكن تخطر على ذهن عربيّ قط، كما هي طريقة ابن عربي وحيدر الآملي وغيرهما، هذا هو المنفذ لتكثير الدلالات وكسر قيود اللغة، وهذا هو بعينه التخطّي عن الألفاظ دون مخاصمتها.

فالتأويل الصوفي لا ينطلق من العقل؛ لأنّ ما يتحدث عنه الصوفي طور فوق طور العقل، ولا ينبعث من الواقع؛ لأنّ الصوفي لا يرى فيما نسميه نحن واقع الحياة سوى شكلاً بسيطاً سطحياً من حقيقة الوجود، أي تلك الرتبة الأقلّ نوريّةً وإضاءة، وإنّما يتفجّر التأويل الصوفي من العلم الحضوري اللدني الشهودي الذي يبلغ أعلى المراتب، لينزل بعدها إلى النص المدوّن بين أيدينا، لا ليفسّر الألفاظ عبر نظام اللغة، بل ليسقط عليها ما تختزنه من كثرات، رُمّزت فيها ترميزاً، وسبّبتها الرحلة الطويلة للنص من مصدره ـ أي الله ـ مروراً بسلسلة العوالم الطويلة، وصولاً إلى ما بين أيدينا اليوم، فلا يسمح لنا العارف بمحاكمته عبر نهج اللغة السائد، إنّه يفرّغ ذلك كلّه من مضمونه، ويطالبنا بالعروج معه لقراءة نسخة أكثر أصالة للنصّ القرآني في عالمٍ آخر.

لست أريد هنا الدخول في محاكمة هذا النهج من التفكير، وقد سبق أن تعرّضت للنهج العرفاني في المعرفة، وأثرت بعض الملاحظات عليه (انظر كتابنا: مسألة المنهج في الفكر الديني)، لكن أكتفي أمام هذه الصورة بعدم إنكارها، فهذا أمر مهم، كما يقول الإمام الخميني، وأعلّق عليها بما علّق به السيد محمد باقر الصدر على بعض المقولات الصوفية في مسألة الطلب والإرادة في الفلسفة بقوله: mما ذهب إليه عرفاء الفلاسفة ومتصوّفوهم... مبنيّ على تصوّر صوفي لا نفهمهn (بحوث في علم الأصول 2: 29).

بهذا كلّه، نعرف أنّ التعامل مع الدين بالغ الحساسية؛ فالإقبال عليه قد يورّط الإنسان ببعض السلبيات، كما أشرنا في الحلقة السابقة، وعليه تلافيها، والإعراض عنه موبقة تغرق الإنسان، وقد يكون هذا الإعراض ملبّساً بلبوس أو بآخر قد يدفع الإنسان لبعض المناهج والأساليب التي عليه الانتباه منها ودراستها بجدية، في مبدئها تارةً وفي مدياتها أخرى، والله العاصم.

وفي الختام، وبعد رحلة مؤنسة قضيتُها في مجلّة mالمنهاجn الموقرة، شعرت فيها بمعاني الخدمة لهذا الدين، ورأيت فيها ـ معتزّاً ـ الكثير من الرضا في عيون القرّاء والكتّاب والمتابعين والمشرفين، أستودع قرّاء mالمنهاجn وكتّابها، لألتقي بهم ـ بعون الله ـ في منابر أُخر، ومواقع أُخر، لأسلّم هذه المسؤولية لأخي وصديقي العزيز سماحة السيد علي عباس الموسوي حفظه الله تعالى ورعاه، كي يرأس تحرير هذه المجلّة الغراء، ويأخذ بدفّتها إلى ما هو الأفضل لها، وإني لأرجو له كلّ خير وأتمنى له كلّ نجاح، وأضع بين يديه ما عندي من إمكانات متواضعة خدمةً لهذا السبيل، إن شاء الله تعالى.

ولا يسعني ـ وأنا أودع عنده mالمنهاجn وقرّاءَها وكتّابها ـ إلا أن أتوجّه بجزيل شكري وامتناني لأستاذي القدير الذي شملني برعايته وأبوّته وثقته وما يزال، سماحة آية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي حفظه الله، إذ لم يتوانَ عن رعايتي والتفضّل عليّ بعلمه وإرشاداته وتوجيهاته، سائلاً المولى القدير أن يحفظه بحفظه، ويسدّد خطاه بتسديده، ويبلغه مُناه في دنياه وأخراه، إنّه قريب مجيب.

كما لا أملك إلا أن أشكر سماحة الشيخ الفاضل أسدالله حسني سعدي رعاه المولى، على لطفه واهتمامه وما أولاني به من أدبه ومتابعته، وأفادني به من ملاحظاته وتوجيهاته، وقد لمست فيه طيلة السنوات السبع التي قضيتها معه في مركز الغدير كلّ معاني الودّ والاحترام والجدّية والإرادة الصادقة، أسأل الله له ـ ولكلّ العاملين في مركز الغدير ـ كل الخير واليمن والبركة، وأن يغفر الجميع لنا ما رأوه من قصور أو تقصير.

قرائي الأعزاء، بعد ذلك كلّه، أشكركم أنتم، وأستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

>دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ< (يونس: 10).





(*) نشرت كلمة التحرير هذه ـ على حلقتين ـ في العددين: 51 ـ 52، من مجلّة المنهاج في بيروت، خريف وشتاء، 2008 ـ 2009م.


المثقف والمفكر وأزمة القيم

14 يناير 2013
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

كشفت لنا الثورات العربية المبتورة عن عورة كثير من المفكرين والمثقفين، بل عن أزمة قيم أظهرت حجم توغل هؤلاء في علاقاتهم مع الأنظمة، ومدى أزمة الضمير التي يعاني منها غالبهم إن لم نقل جلهم.

فبينما كانت الثورة الفرنسية يقودها مثقفوها ومفكروها، وكانت الثورة ضد الكنيسة يقودها أحد تلامذتها، وكان للمثقفين في إيران دور بارز في رسم معالم الثورة بغض النظر عن تقييمنا لها، نجد أن المثقف والمفكر في الوطن العربي وفي الخليج يعيش مأزقا قيميا خطيرا لا يقل عن المأزق الذي يعيشه كثير من المتدينين والمتلبسين بسربال الدين.

تطلعنا أن يكون هو رائد الثورة ومنظرها ولكنه بات أول من انكفأ عليها وتحول لأداة سهلة ومرنة في يد الاستبداد، بل انقلب على كل نظرياته التي كان يملأ بها المحطات التلفزيونية ودفات الكتب وأوراق المجلات الفكرية والثقافية والمؤتمرات، حتى بات صراخه وشعاراته تتحول إلى صواريخ قاذفة تقض مضجع الحكومات ليتحول إلى قديس في ليلة الميلاد أو مقدس في يوم العروج.

وفجأة ينكشف القناع لنجده ينحر الثورات بسكين قلمه ويبدل شعاراته ونظرياته إلى مكانس على بوابات قصور الاستبداد، ليسترق من أنظمتها السمع والطاعة ويحول بندقيته من كتف إلى كتف ليطلق رصاصة الرحمة على كل القيم والمبادئ والمثل والنظريات، وتصبح الديموقراطية التي كان يصرخ لأجل استجلابها لوطنه نظرية غربية مؤامراتية لا تصلح لوطنه بحجة عدم أهلية الشعوب أو ثوبا يفصله وفق مقاسات خاصة بمصالحه وأفقه الضيق لذاته، وتصبح الحرية في عرفه مجونا وكفرا علينا إعدامها على مقصلة التغريب لأنها خالفت ما يصبو إليه، وتصبح الفتوى التي كان ينقدها ليلا ونهارا سلاحه الفتاك في وجه الثوار وسيفه المصلت على رقابهم لأنها تحقق ما يريد.

هذا ناهيك عن ثقافة سرقة الأفكار والكتب في عالم غالبية المثقفين والمفكرين، حيث تحولت الغايات من غايات قيمية إلى أخرى ذاتية هدفها الشهرة والبروز على حساب عقول الآخرين، بل كثير منهم بات يستخدم ثقافته وفكره لاصطياد كثير من الناشطات في الثورة أو في الوسط الاجتماعي بحجة التعاون والتبادل لأجل الثورة أو النهوض بالمجتمع، ويخفي تحت هذا الشعار ذكورة تخالف كل ما ينادي به من إنسانية جامعة للمرأة وحقوق يجب أن تعاد.

إن المثقف يفترض أن يشكل صمام الأمان في وعي الشعوب والراصد لمؤشرات الانحراف والفساد والاستبداد والمحرك الرئيس لوعي الجماهير بالابقاء على حالة الوعي ثائرة وحية وساخنة في ذهنيتهم.

لقد وقع المثقف في فخ الذات وتراجع عن منظومة القيم التي يفترض أن يكرسها في أول اختبار تحرري يتعرض له، إضافة لإحداثه ثغرة خطرة في ذهنية الشعوب يتسلل من خلالها لصوص الفكر والمعرفة الساعون دوما لكي الوعي والاحلال الثقافي.

إن تنامي ذات المثقف لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج طبيعي لبيئة جماهيرية وعقلية عربية اعتادت الترميز والتسليم للشخص، ومن ثم تقديس أفكاره، وعدم نقد الفكرة علميا.

فهل ستكشف لنا الثورات والحراكات الجماهيرية عن صياغة ثقافة وفكر يقودهما شباب خرجوا من رحم الجماهير ليقدموا نموذجا جديدا أكثر إشراقا، أم سيعاد استنساخ النماذج السابقة نفسها ولكن بوجوه جديدة وآليات جديدة تتناسب والحدث؟

 

الفن من منظور إسلامي

13 يناير 2013
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تعاني المكتبة الإسلامية من النقص في البحوث التي تتناول الفن دراسة و تحليلاً و فلسفة من خلال رؤية إسلامية ، فإن الباحث في مجال الفن من منظور إسلامي يشعر بصعوبة التوفر على دراسات موسعة في هذا المجال ، كما أنه من الصعوبة بمكان حصول الإطمئنان النفسي و العقلي بالدراسات الموجودة عن الفن حيث أن أغلبها تعتمد أسساً و منطلقات غير إسلامية ، في الوقت الذي نحن بحاجة ضرورية فيه إلى الوقوف على الرؤية الإسلامية حول الفن بكل فروعه و أنواعه ، فلا يمكننا الجزم بإسلامية هذا الفن أو ذاك من عدمها إلا بعد أن تكون رؤيتنا حول الفن واضحة و بينة من وجهة نظر إسلامية ، و قد قلنا مراراً أن عدم تحديد المفاهيم يؤدي إلى التخبط و الشك في المصاديق ، فما لم يكن مفهوم الفن الإسلامي واضحاً فلن نصل إلى الإطمئنان بإسلامية الناتج الفني.

و مما يؤسف له أننا دخلنا في مجال الفن الإسلامي دون أن نتعرف على الفن من وجهة نظر إسلامية ، و هي حالة إن لم تشكل في البداية خطورة واضحة ، فإنها و بعد أن تستمر عملية الإنتاج الفني على أسس ثقافية غير دقيقة و واضحة ستشكل خطورة شديدة على الهوية الإسلامية للفن و الناتج الفني.

و ضياع الهوية الإسلامية للفن يشكل أحد خطرين:

-إما خنق الحالة الإبداعية في الناتج الفني ، و بذلك تضعف القدرة التأثيرية للفن الإسلامي.

-و إما إنفلات الحالة الإبداعية و توسعها ، و بذلك يؤدي الفن إلى نتائج لا تتوافق مع الرؤية الإسلامية.

من هنا يتضح لنا بما لا شك فيه أن دراسة الفن من منظور إسلامي ، تأريخياً ، و فلسفة ، و فقهاً ، هو من ضرورات الدخول في مجال الفن الإسلامي.

و من خلال هذا البحث سنحاول الوقوف على بعض العناوين التي تساعد في وضع خارطة طريق نحو دراسة إسلامية كافية حول الفن و ضوابطه و أصوله.

 
تعريف الفن

الفن لغة: واحد الفُنُون، وهي الأَنواع، والفَنُّ الحالُ.

ورجل مِفَنٌّ: يأْتي بالعجائب، وامرأَة مِفْنَّة.

و افْتَنَّ الرجل في كلامه وخصومته إذا توسع وتصرف.

والتَّفْنينُ: التخليط؛ يقال: ثوبٌ فيه تَفْنين إذا كان فيه طرائق ليست من جِنْسه.

و الملاحظ من الفن في اللغة أنه يتكون من عنصرين ، القدرة الروحية ، و الكفاءة التقنية و الإبداعية.

أما الفن كمصطلح عام فقد قالوا عنه:

( الفن هو محاولة التعبير عن الجمال و الحسن الذي يتراءى في أرجان الكون ، وينبعث من داخل كل صورة في الوجود ، فيبهر الإنسان ، ويغمر وجدانه بالإحساس بوجود وشائج نسب خفية، وأواصر تناسب عميقة بينه وبين هذا الجمال إلى حد الرغبة في الالتحام به أو الذوبان فيه .) نجيب بن خيرة.

و يعرفه بعضهم ، " بأن الفن هو ما يخرجه الإنسان ، من عالم الخيال إلي عالم الحس ، ليحدث في النفس أنساً أو إعجاباً ، أو تأثراً بالجمال "د.محمد ذكي العشماوي.

و يبدو الفن هنا أنه نوع من أنواع الإنبهار بالجمال الكوني ، و حالة من حالات الإستغراق في التأمل الجمالي ، كما أنه قد يبتعد عن الواقع فيكون تفريغاً للقوى المخيلة لدى الإنسان.

الفن من منظور إسلامي

تحتاج صياغة مفهوم شامل عن الفن من منظور إسلامي إلى توضيح الرؤية الإسلامية حول عدة عناصر أساسية مرتبطة بالفن ارتباطاً جوهرياً ، و من دون أن تتضح هذه العناصر فإنه لا يمكن الوصول إلى معرفة أصيلة و دقيقة لمعنى الفن إسلامياً.

هذه العناصر هي في الحقيقة مكونات المفهوم الإسلامي للفن ، و يمكننا حصرها في ثلاث عناصر أساسية:

1- الرؤية الكونية.
2- فلسفة الجمال.
3- مبدأ الغائية.

فمن خلال تحديد طبيعة الرؤية الكونية يمكن معرفة موقع الفن في حياة الإنسان ، و وفق أي منهج يمكن وضع ضوابط الفن ، و أي الفنون يمتلك قيمة حقيقية؟

و من خلال الوقوف على فلسفة الجمال يمكن معرفة أصناف الجمال و الجمال الأكثر قيمة ، كما يمكن أن نكتشف علاقة الفن بالجمال هل هي ضرورية أم أن الفن يمكن أن يبقى فناً بلا جمال؟

و من خلال مبدأ الغائية يمكننا معرفة أن الفن هل هو للفن نفسه أم للأهداف النبيلة أم هو للإنسان و أنسه.

 
 
الرؤية الكونية

تتحدد الرؤية الكونية من خلال الإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة:

من أين أتيت؟
و لماذا أتيت؟
و إلى أين أذهب؟

و حتى لا يطول بنا المقام فإن نتائج الإجابة الصحيحة على هذه الأسئلة حسب نتائج الدراسات و التحقيقات الإسلامية ستؤدي إلى رؤية كونية مفادها: (الإعتقاد بوجود الله سبحانه وحاكميّته المطلقة على عالم الإمكان كشرط أوّلي و أساسيّ في رسم هذه الرؤية, وتتفرّع عليه جملة من المطالب والمعارف العقدية المتعلّقة بالعدل والنبوة والمعاد).

و على هذا الأساس فإن الشرط الجوهري في البحث عن الفن الذي ينبغي أن نتعامل معه و ننفعل به و نفعله هو الفن الذي يكون داخل إطار الإعتقاد بأن (لله الأمر من قبل و من بعد) ، أي ذلك الفن الذي يبقى دائماً ضمن رضا الله و حاكميته المطلقة ، و يكون متناسباً مع المعارف العقدية المتعلقة بالعدل و النبوة و المعاد.

و من خلال هذه الرؤية الكونية يمكننا أيضاً إدراك موقع الفن في حياة الإنسان بأنه طريق من الطرق الموصلة إلى الله ، فإن ابتعد بالإنسان عن الله فهو فن خارج المنظور الإسلامي.

و ندرك أيضاً أن الفن القيم هو ذلك الذي يتصف بالعدل و الكمال و الرضا الإلهي ، و أن كل فن لا يتوفر على هذه الصفات فهو فاقد للقيمة الحقيقية.

 
فلسفة الجمال

قبل كل شيء لابد من الوقوف على حقيقة الجمال و بيان هذا المفهوم الذي ربما يكون مفهوماً بديهياً بالنسبة لنا جميعاً لكن تحليله و شرحه مليء بالفوائد المعرفية.

و بشكل مختصر فإن المعنى العام للجمال ، و الذي يعترف الجميع بمطابقته لأذهانهم هو: "كيفية العشق لظاهرة تؤدي إلى إيجاد لذة روحية خاصة".

و يدعي البعض أن مفهوم الجمال يحتوي على أربعة موضوعات:

1- القيمة ، و هي المطلوبية المنتزعة من كون حقيقةٍ ما مفيدة.

2- اللذة ، و هي الارتياح الداخلي الذي يحصل للإنسان نتيجة الوصول إلى شيء من الكمال أو الخير.

3- الحيرة و التعجب ، و هي عبارة عن حالة ذهنية تنشأ من توقف ذهن الإنسان أمام موضوع أو حادثة خارجة عن دائرة القوانين المعروفة، وبشكل عام خارجة عن إطار المعلومات والعوامل الذهنية الثابتة في الذهن.

4- التعالي ، و هو عبارة عن امتلاك موضوع أو حادثة ما عناصر كمالية رفيعة.

لكن هذه الموضوعات لا يمكن أخذها كشيء أساسي في تعريف الجمال ، لأنها قد تلتقي مع الجمال و قد تفترق عنه ، و إن من أسباب ضياع هوية الجمال الحقيقي الذي يتناغم مع رؤيتنا الكونية الإلهية هو الخلط بين هذه الموضوعات الأربعة و الجمال.

و لنقف عند كل موضوع منها على حدة و نقارنه بالجمال:

- القيمة و الجمال.

فإن القيمة أعم من الجمال ، فقد يمتلك الشيء قيمة لكنه فاقد للجمال.

- اللذة و الجمال.

(اللذة بالمعنى المتقدم، يترافق ويتلازم دائماً مع الجمال. ويمكننا القول إن إدراك وتلقي الجمال يوجب دائماً الإحساس باللذة، ولكن ليس كل إحساس باللذة هو نتيجة لإدراك وتلقي الجمال ، لأن أسباب اللذة كثيرة ومتنوعة ، و يشكل إدراك وتلقي الجمال أحد هذه الأسباب. مثال ذلك: يحمل الانتصار على العدو لذة، ولكنه ليس من سنخ الجماليات ، و بناءً على ذلك ، فإن الظاهرة النفسية والعوامل العينية للذة أعم من الظاهرة النفسية والعوامل التي تساهم في تلقي الجمال. حتى أن بعض الناس قد يشعرون باللذة عند رؤيتهم منظراً قبيحاً لإيجاده نوعاً من العلاقة الخاصة مع داخلهم. مثال ذلك البيت القروي المهجور الذي يترك خواطر جميلة عن أيام الطفولة.)

- الحيرة و التعجب و الجمال.
و هو أعم من الجمال من جهتين:

أ‌- إن الحيرة و التعجب لا تحصلان أمام الجمال العادي كمشاهدة الزهور أو سماع موسيقى تقليدية ، بل يحصلان للجمال العالي الذي يتوقف أمام الذهن لشعوره بأن هذا الشيء فوق المنطق العادي فيحتار و يتعجب.

ب‌- إن الحيرة و التعجب لا تحصلان فقط أمام الجمال بل قد تحصلان أمام العظمة و الجلال ، كأن نشاهد بطلاً يقتل بطلاً آخر ، فالتعجب هنا أعم من اللذة و السعادة التي تلازم الجمال الروحي.

- التعالي و الجمال.

التعالي والجمال يمتلكان مادة اجتماع ومادتي افتراق عن بعضهما الآخر، (عموم و خصوص من وجه) ، فبعض الحقائق، وبالإضافة إلى أنها عالية فهي جميلة، و هنا يجتمع التعالي و الجمال ، و بعضها الآخر عالية لكنها ليست جميلة ، و هنا يفترق الجمال عن التعالي ، و بعض الحقائق جميلة لكنها ليست عالية ، و هنا يفترق التعالي عن الجمال.

و النتيجة أن الجمال شيء ليس مبنياً في أساسه و جوهره على هذه الموضوعات الأربعة ، و هذه نتيجة مهمة يترتب عليها الكثير من الآثار و الثمار فينبغي تأملها و دراستها بشكل أوسع.

بعد هذا التحليل فإنه لا يمكننا إلا أن نقول بأن الجمال في مفهومه أوسع بكثير من مجرد المشاهدة و الإستماع لشيء جميل و التأثر به و التفاعل معه ، كما أن مفهوم الجمال ليس حكراً على الأمور الخارجية التي نراها فتعكس فينا حالة انبهار ، بل إن مفهوم الجمال ذو قطبين قطب داخلي و قطب خارجي ، فالجمال الخارجي (المحسوس) حقيقة بذاتها و لا تعتمد على وجودنا فهي قائمة بذاتها ، كما أن هناك جمالاً داخلياً (معقولاً) قائماً بذاته و لا يعتمد في وجوده على وجود جمال خارجي.

و اعتماداً على كون الجمال حقيقة ذات قطبين خارجي و داخلي محسوس و معقول فإن كمال الحالة الجمالية في الشيء هو أن تتمتع بالقطبين معاً بحيث تمتلك الجمال المعقول و المحسوس معاً .. الداخلي الروحي (المضمون) و الخارجي المادي (الشكل).

نعود بعد هذا التحليل لمفهوم الجمال إلى فلسفة الجمال و الحكمة من وجوده:

و سنبدأ بيان فلسفة الجمال بهذا السؤال:

هل الجمال حقيقة ترشدنا إلى واقعية أخرى أكثر جمالاً و أصالة ؟ وبعبارة أخرى هل يمكننا التوقف عند الحقيقة الجميلة واعتبارها هدفاً نهائياً لا شيء ورائه؟ و بعبارة ثالثة هل الجمال العيني رمز وظل لجمال آخر وراءه، أم أنه لا وجود لواقعية أخرى وراء هذه الظواهر؟

أجاب إفلاطون على هذا السؤال بقوله: "إن روح الإنسان في عالم المجردات، وقبل دخولها عالم الدنيا شاهدت الحقيقة الجميلة والإحساس المطلق بالخير من دون حجاب. وبما أنها في عالم الدنيا تشاهد الإحساس الظاهري والمجازي، فقد اتسمت بألم فراق ذاك الجمال المطلق الذي كانت أو ما زالت تشاهده، لا بل تحمل عشقاً لذاك الجمال. فهي كالطير في القفص الذي يسعى ويرغب في الخروج والتحليق، والعواطف وعوالم المحبة التي تحملها النفس كلها في شوق دائم للقاء الحق. العشق المجازي إحساس صوري ومجازي بينما العشق الحقيقي هو الهدف الذي يخطر في ذهن الحكيم.وكما يؤدي العشق المجازي إلى خروج الجسم عن العقم ويساعده في بقاء النسل البشري، فالعشق الحقيقي أيضاً يؤدي إلى خروج الروح والعقل من العقم، ويساهم في الحصول على إدراك التراقي والوصول إلى الحياة الأبدية، أي الوصول إلى معرفة الجمال الحقيقي والخير المطلق والحياة الروحانية. ويصل الإنسان إلى كمال ذاته عندما يتصل بالحق ويشاهد جماله ويتحد عنده العالم والمعلوم والعاقل والمعقول".

و هذا القول يتناسب تماماً مع الرؤية الإسلامية حول الجمال ، و قد تبنى فلاسفة الإسلام هذا الرأي و بنوا عليه نظرياتهم و آرائهم حول الجمال و فلسفته ، حيث يعتبرون الموجودات الجميلة جلوات ومظاهر للجمال الإلهي المطلق، لا بل الجمال عندهم مثال للكمال المطلق الذي يجمع كافة الصفات الإلهية.

يقول العلامة الفيلسوف المرحوم الشيخ محمد تقي جعفري في مقام بينان فلسفة الجمال:

(لقد جعل الله الجمال في العالم العيني ليكون عامل اطمئنان وهدوء للروح الإنسانية، حيث تبدل المادة وعدم ملائمة القوانين لروح الإنسان مما يجعلها – بوجود الجمال- تتصف باللطافة والملائمة. لو لم يكن للجمال وجود في عالم الوجود لما أمكن للروح اللطيفة تحمل خشونة المادة والقوانين الحاكمة على الطبيعة وسيطرة الكميات والتجاذبات التي تمنع الروح من العبور والوصول. حتى لو نظرنا إلى الوضع الروحي والنفسي لأولئك الذين يشعرون بثقل الحياة في العالم الطبيعي، لوجدنا السبب إما لأنهم فقدوا الإحساس بالجمال والميل إلى الجمال، وذلك إما لسيطرة الشروط الجبرية للمحيط أو الشروط الإجتماعية فأدى بهم الأمر إلى فقدان الحس المذكور.)

فالحكمة من وجود الجمال إذن هي الحفاظ على لطافة و ملائمة الروح مع القوانين الكونية لكي لا يعيقها شيء من ذلك عن العبور و الوصول إلى الله جل و علا.

و كل ما ذكرناه في الجمال و فلسفته هو ما يقال في الفن و فلسفته تماماً.

 
مبدأ الغائية

قلنا خلال مبدأ الغائية يمكننا معرفة أن الفن هل هو للفن نفسه أم للأهداف النبيلة أم هو للإنسان و أنسه.

إن مفاد مبدأ الغائية هو أن الأفعال بلا غايات تكون ضرباً من العبث ، لكن الغايات ليست على حد سواء من حيث الكمال و النقص ، فهناك غايات كمال و غايات نقص ، و غايات الكمال هي تلك التي تسمو بالذات في طريق الصعود إلى الله سبحانه ، و غايات النقص هي تلك التي تتسافل بالذات فتصدها و تبعدها عن السمو في الطريق إلى الله.

و الفن كفعل من الأفعال إنما يكون عبثاً حينما يخلو من هذين الأمرين:

- الغاية.
- كمال الغاية.

و غاية الفن من منظور إسلامي هي المساهمة عبر التأثير في تقويم علاقات الإنسان بأربعة أمور:

1- علاقة الإنسان مع ذاته.
2- علاقة الإنسان مع الله.
3- علاقة الإنسان مع عالم الوجود.
4- علاقة الإنسان مع الإنسان.

فللفن طاقة جبارة على التأثير الإيجابي و السلبي – حسب الغاية منه – في حياة الإنسان و توجيهها.

يقول الإمام الخامنئي دام ظله: ( الوسائل الفنية – و لا شك – أبلغ الوسائل التبليغية و أكثرها فاعلية).

و يقول أيضاً: ( الفن .. هو أبلغ و أدق و أكثر تاثيراً و بقاءاً من الأساليب التبليغية الأخرى ).

و قال أيضاً: ( لقد قلت مراراً أن لا حظ لأي رسالة و دعوة و ثورة و حضارة و ثقافة ، من التأثير و الإنتشار و البقاء إذا لم تُطرح في شكل فني ، و لا فرق في ذلك بين الدعوات المحقة و الباطلة ).

و بالرجوع إلى علاقات الإنسان الأربع تتبين لنا المساحة الواسعة التي يمكن أن يشتغل فيها الفن – من منظور إسلامي – من حيث الموضوعات و القضايا ، فللفن أن يتناول قضايا الإنسان مع ذاته ، و الإنسان مع ربه ، و الإنسان مع الوجود و الكون ، و الإنسان مع الإنسان ، فيؤثر عبر العاطفة و الجمال في روح الإنسان و عقله بما يتعلق بهذه العلاقات الأربع وفق رؤية الإسلام فيها و حولها ، لينظمها و يوجهها و يقودها إلى السمو و التكامل.

و من هنا يبدو واضحاً أن الفن لا يمكن أن يكون للفن نفسه ، فهي مقولة تعني أن يكون الفن حالة عبثية محضة ، و تفتح الباب على مصراعية لأنْ يعمل الإنسان ما يشاء باسم الفن ، لأنّ معنى كون الفن للفن هو حرية العمل الفني حرية مطلقة فالفن ليس لأحد حتى يعترض عليه أحد إنما هو للفن ذاتاً ، فيمكن للإنسان أن يجعل من الرقص فناً ، و من الأفلام الإباحية فناً ، و من التماثيل العارية فناً!!

لذلك قالوا أن الفن للإنسان ، أي في خدمة الإنسان ، فالفن يكون فناً قيماً عندما يقبل به الإنسان و يرتضيه و يقتنع به و يتذوقه.

إلا أن هذه النظرية لا تتمتع بالدقة الكافية ، فهل يمكن قبول أن يكون الفن للإنسان مع ما يسيطر على المجتمعات البشرية من إتجاه نحو المنافع والمصالح الفردية وسيطرة للأهواء والشهوات والجهل بالواقع ؟!

الصحيح أن الفن للإنسان في بناء عقله و روحه ، و هذا يعني أن الضوابط التي يجب أن تكحم الفن و تقيمه هي تلك التي تتناغم مع العقل الكامل و الروح الكاملة ، و النتجية أن الفن محكوم للدين.

و من هنا جاء مفهوم الفن الملتزم ، "فالفن الملتزم" يعني : (الفن الذي يوافق عليه الإسلام، ويؤديه الملتزمون بمنهج الإسلام أثناء العمل وبعده).

 
تعريف الفن من منظور إسلامي

بملاحظة ما تقدم من البحث في الرؤية الكونية ، و فلسفة الجمال ، و مبدأ الغائية ، يمكننا التوصل إلى معنى شامل لمفهوم الفن الإسلامي ، فالفن الإسلامي بناء على ما تقدم هو:

( التركيب و التأليف المتعالي بين الجماليات السامية من أجل رقي الإنسان عقلاً و روحاً بالشكل الذي يضطر الذهن للوقوف عنده و التأمل فيه لتتأثر به النفس البشرية تأثراً إيجابياً)

و نلاحظ في هذا التعريف وجود قيود احترازية ينبغي الإلتفات لها:

1- التركيب و التأليف المتعالي.

إحترازاً من التركيب و التأليف الفاقد للكمالات العالية و التي تشمل المضمون القيمي في الفن.

2- الجماليات السامية.

إحترازاً من الجمال الهابط ذوقاً و رؤية.

3- من أجل رقي الإنسان العقلي و الروحي.

إحترازاً من الفن العبثي الفاقد للأهداف المساهمة في بناء الإنسان.

4- بالشكل الملفت للعقل و المؤثر في النفس.

إحترازاً من الفن الفاقد لقدرة التأثير لفقدانه لفت الإنتباه و إثارة الإعجاب.

بهذه القيود يكون الفن إسلامياً متكاملاً.

و الحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمصادر البحث:

1- فلسفة الفن و الجمال / محمد تقي جعفري / ترجمة عن نسخة فارسية / الجمعية اللبنانية للفنون (رسالات) / غير مطبوع.

2- الفن الإسلامي عند الإمام القائد / محمد سالار / دار المحجة / 2009م

3- مقال فلسفة الإلتزام في الفن الإسلامي / نجيب بن خيرة / ملتقى ابن خلدون للعلوم و الفلسفة و الأدب.

4- اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية / السيوري الحلي / مؤسسة بوستان كتاب قم / 1429هـ

5- منتهى المدارك / سعيد الدين الفرغاني / مطبعة طه قم /

 

 

إلغاء فاعلية العقل

3 يناير 2013
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

يعتقد الشاعر والناقد العربي أدونيس " أن النقد كالفكر، أو هو فكر لا يتغذى ولا ينمو إلا بالتساؤل المستمر"، من هنا تعتبر ثقافة التساؤل وممارستها على أكثر من صعيد، عملية تفتح على الإنسان آفاقا معرفية ومفاهيم جديدة ،وأداة تجعله يفكر ويتحرك في إطار جديد من المباني والقيم والمفاهيم.
ولكي يتحقق ذلك يجب أن يعرف كيف يمتلك ثقافة التساؤل، فقد تتبادر إلى ذهنه- في الوهلة الأولى- العديد من التساؤلات والاستفسارات، تتنوع بتنوع موضوعاتها وعناوينها، وتتباين بحسب اتجاهاتها وأنواعها ومساراتها، قد يكون بعضها متعارضا مع ما يعتقده من المسلمات واليقينيات بمزيد من التساؤل والنقد والتقويم، في عصر يتموّج بالمتناقضات، والأخرى قد تكون حبيسة الذات خوفا من الاتهام والتصادم حين الإفصاح عنها أو مناقشتها، لكنها تبقى في صراع دائم بين ما يحمله من ثقافة موروثة تقيد العقل وتحجب الحقائق، وبين ثقافة تدعوه إلى إثارة العقل وتحريك كوامنه لينطلق نحو الآفاق.
يقول الأستاذ محمد المحفوظ في مقالته " سؤال الإبداع والنقد في الفكر الإسلامي" : " لاشك بأن السؤال، ومواجهة بديهيات الحياة الاجتماعية بالنقد والمساءلة، هما جزء من منظومة استخدام العقل. وبهذا المعنى يكون (السؤال بالمعنى العام والحضاري) هو عصب الحياة والأفكار. فلا حياة بلا تساؤل، كما أنه لا أفكار ناضجة وحيوية بدون نقد وتقويم وتطوير".
ويشير في ذات الصدد الشاعر أدونيس " إن القوة التي تميز الإنسان نوعيا هي طرح الأسئلة…فالثقافة الحقيقية تكمن في القدرة على التساؤل لا في الاستسلام للأجوبة الجاهزة ".
فالسؤال هو المحفز الأول في عملية توليد الأفكار و تطوير الرؤى الحقيقية، والسبيل لرفع الأوهام والشكوك والحُجُب عن عقل الإنسان. 
ومن الطبيعي القول: إن حياة الإنسان الحقيقية مرهونة بقدرته على استعمال عقله، وأي منع أو إلغاء لفاعلية عقل الإنسان ومنعه عن التساؤل، هو انتزاع لإنسانيته ووجوده.
لذا نحن بحاجة إلى تعزيز ثقافة التساؤل في مجتمعاتنا من أجل الرقي بالوعي الإنساني الحضاري، لنعيش العصر بكل تجلياتها.

واليوم كم نحن بحاجة في مجتمعاتنا إلى تلك الثقافة التي تدفع بالإنسان إلى البحث والتقصي والاطلاع لتصحيح حالة الانحراف الفكري والديني والعقدي في الأمة، و مهما بلغ بنا الطرح أو التساؤل من آراء وأفكار وافقناها أو خالفناها، ينبغي أن تكون الأمور في مواضعها الطبيعية الاعتيادية البحثية، بل لا ينبغي أن تكون تلك مدعاة إلى التراشق والاتهام والتسقيط والتعبئة، بل ينبغي أن تكون مدعاة إلى حالة التأمل والتفكر، وأن يكون مناقشتها مناقشة علمية موضوعية في إطار البحث، أي مناقشة الفكرة بالفكرة والرأي بالرأي، لا بلغة التشهير أو التسقيط أو التشكيك أو الطعن في عقيدة هذا أو ذاك، لأنه خلاف ماتعلمناه منذ صغرنا من أفواه أرباب الدين عن سيرة أهل البيت  في تعاملهم مع مخالفيهم، وكيف كان أهل البيت  يتركون الفرصة لهم في طرح إشكالياتهم ومفاهيمهم وأفكارهم؟! ومع كل ذلك لم يمارسوا عليهم الترهيب أو التهويل أو حق الوصاية.

علينا أن ندرك حقيقة أن ما قد نراه خطّأ قد يعتقده الآخر صحيحا، وما نعتقده صحيحا قد يعتقده الآخر خطّأ، فأين إذن المشكلة؟ أنا أرى أن الإشكاليه حين وضع البعض نفسه وصيّا على المجتمع، وحارسا على الدين، وهذه هي حقيقة المشكلة الذي تواجهها الأمة وابتليت به حوزاتنا الدينية.

أن يطرح الإنسان إشكالياته وتساؤلاته، هذا حق مشروع كفلته جميع الديانات السماوية، حتى لو كانت تلك الإشكالات في أمر العقيدة أو الثوابت المسلمة بها، ومن جهة أخرى والرد على تلك الإشكاليات حق مشروع، لكن بالأسلوب والمنهج الموضوعي والعلمي. بعيدا عن لغة التخوين والتحريف وتأليب مشاعر الناس وأحاسيسهم على بعضهم البعض. والشواهد القرآنية كثيرة في هذا الصدد، وفي سير الأنبياء.

من هنا نحن مطالبون في إعادة فهمنا وطريقة تعاملنا مع ما كل مايشكل من إشكاليات وقضايا في مجتمعنا، بالعودة لحالة التعقل والوعي في عملية معالجة إشكالياتنا وقضايانا، كلنا غيورين على الدين والمذهب، لكن لسنا بهذه الطريقة التي رأيناها في مجتمعنا، خاصة حين تصدر ممن يحسبون على الدين، فهي لا تليق بمكانتهم العلمية والأخلاقية، وهم بهذه الكيفية والطريقة أساؤوا إلى الدين وخسروا ثقة المجتمع بهم.

إن أي فعل أو حدث يتطلب منا حالة انفعال كطريق للحل، لن ينفع المجتمع أو يغير من واقع مجتمعنا، كما لاينبغي لنا أن نمارس حق الوصاية والحراسة على الناس بأي شكل من الإشكال، وأن حق المناصحة والتوجيه لا يكون بهذا المبدأ. علينا بالتعقل وعدم الانفعال، و أن نعطي الناس حريتهم بالتعبير عن إشكالاتهم وتساؤلاتهم بعيدة عن الاساءة والتجريح التسقيط.

 


الحوزة العلميّة بين الواقع والمرتجى

1 يناير 2013
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

 

لمؤسّسة الفكر الإسلامي المعاصر في بيروت

تاريخ النشر: 26 ـ 12 ـ 2012م

 

بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وبعد… يسرُّ مؤسّسة الفكر الإسلامي المعاصر، أن تُجري هذا اللقاء الحواريّ معكم، تحت عنوان: (الحوزة العلمية: بين الواقع والمرتجى). ونأمل من حضرتكم التفضّل مشكورين بالإجابة عن هذه الأسئلة:

س1: أيّ فراغ في العالم الإسلامي من الواجب على الحوزة التصدّي لملئه؟ وهل الحوزة بصيغتها الحالية تؤدّي الدور المطلوب منها؟ وإلى أيّ مدى تستجيب الحوزة لمتطلّبات العصر وتحوّلاته، ولمتطلّبات الناس الحياتية المختلفة؟

حب الله: الحوزة كيانٌ يفترض أن يكون معنيّاً بما يرجع للشأن الديني، وهذا يعني أنّ المساحة التي نعطيها للدين في الحياة ستؤثر ـ سعةً وضيقاً ـ على المسؤوليات التي تضطلع الحوزة العلميّة بها، فإذا كنّا نرى الدين نشاطاً روحيّاً فقط وعلاقة فردية خالصة مع الله سبحانه وتعالى، كما يرى ذلك بعض المفكّرين، فإنّ هذا معناه أنّ الحوزة العلميّة مطالبة بإحياء الحياة الروحية في المجتمع الإسلامي، وليست مطالبة ـ بما هي حوزة دينية ـ بغير ذلك. وأمّا إذا قلنا بأنّ الدين هو الحياة كلّها ويتدخّل في كلّ صغيرة وكبيرة من نشاط الإنسان وفعله؛ فإنّ الحوزة العلميّة المتصدّية لفهم الدين عليها أن تسدّ ـ ولو نظريّاً وفكريّاً ـ كلّ الفراغات المرتبطة بحياة الناس من هذه الزاوية، فالموضوع إذاً يتبع نظريتنا في مساحة الدين ونطاقه، وهل نأخذ بحدّها الأعلى أم بحدّها الأوسط أم الأدنى؟ هذا كلّه من الناحية النظرية.

أمّا من الناحية العمليّة، فإنّنا نلاحظ أنّ الحوزات الدينية تقوم بدور كبير وجبّار في المجتمع الإسلامي، ويكفينا أن نتخيّل عدم وجودها لنعرف حجم الدور العظيم الذي تقوم به حالياً، لكن هنا سؤال تفرضه عناية الحوزة بالجانب الروحي والفقهي من الدين: هل استطاعت الحوزة أن تواكب الأمور وتستجيب للواقع؟ طبعاً هناك صيغة أخرى للسؤال لا يطرحها أحدٌ منّا، وهي: هل تتخطّى الحوزة واقع المجتمع الإسلامي وتقوم هي بجرّه نحو الإمام ـ من منطلق كونها في مقدّمة المسيرة كما هو معلن في جدول برامجها ـ أم أنّها تواكبه أم أنّها متأخّرة عنه؟

لنبقى مع الصيغة الأولى للسؤال، وهنا توجد ملاحظات:

أولاً: إنّ الدين طمأنينة فردية واجتماعيّة، (ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب)، فلماذا تحوّل الدين من السكينة إلى التوتر؟ ولماذا ننتج متديّناً موتوراً؟! ولماذا بات التديّن مشروع مخاصمة وليس مشروع مصالحة؟ ولماذا بات التديّن معاداةً مع أنّه مؤاخاة كما يقول القرآن الكريم؟ ولماذا بات التديّن قلقاً من الآخر المشارك لي في الدين بعد أن كان يفترض أن يكون حُسنَ ظنٍّ به، يعكس هدوءاً في العلاقة معه؟ ولماذا صار التديّن ظلماً وهدراً للحقوق باسم الدين ومحاربة البدعة والضلالة بعد أن كان رمزاً للعدالة حتى في حقّ من تختصم معهم، كما يقول القرآن الكريم أيضاً؟ هل كلّ هذه المشكلات الراجعة لتحوّل الدين من سياق طمأنينة واستقرار إلى سياق توتر وانفجار سببها الواقع أم سببها أيضاً فهومنا المترهّلة للدين نفسه؟ في تقديري إنّ القضية متعدّدة الأسباب، وأحد أهم أسبابها هو المنتج المعرفي الديني الذي بات يولّد أحياناً أنموذجاً غير سويّ للتديّن، وهذا يعني أنّ المؤسّسة الدينية مطالبة بتحليل عدم التناسق بين الإطار الروحي العام الذي ينتجه الدين في علاقاته بين أبنائه وفي حضوره الروحي وبين الفهوم الدينية الفرعيّة التي باتت تخلق تديّناً عصبيّاً في الداخل الإيماني، بصرف النظر عن العلاقة مع العدوّ الكافر الذي لا نتكلّم عنه اليوم. لقد جاء الدين حلاً لمشكلات الإنسان وأكبر خطأ نرتكبه عندما نحوّله إلى أن يصبح هو المشكلة التي نعاني منها في حياتنا.

ثانياً: يقول الفقهاء المسلمون ـ كما هو المعروف بينهم ـ بأنّ في الشريعة أحكام كلّ الوقائع السابقة والحادثة، ويقولون بأنّ تطوّر الفقه نتج عن استجابته لتساؤلات الواقع التي أخذت طريقها شيئاً فشيئاً إلى البنية الداخليّة للاجتهاد الفقهي، والسؤال هنا هو أنّ قضايا الدولة الإسلاميّة الحديثة والقوانين المدنية والجزائية والجنائية والاقتصادية ومسألة البنك وغيرها.. كلّها اليوم وقائع حادثة، وترفدنا كلّ يوم بالجديد من التساؤلات والأمور، والسؤال: هل كانت الاستجابة لهذه التساؤلات مرضيةً وبالمستوى المطلوب أم لا؟ في تقديري إنّ الأمر لم يكن كذلك لو قمنا بأدنى مقاربة، وليس هذا هو كلامي فقط، بل هو كلام أشخاص عاشوا فترةً طويلة في التجربة القانونية في الدولة الإسلاميّة وخبروا مآزق القوانين ومشاكلها. إنّ عدد الفقهاء الذين يتصدّون لمعالجة مثل هذه القضايا الجديدة قليل نسبيّاً، لا يتناسب مع حجم حضور هذه التساؤلات والتحدّيات، فهناك مجالان مهمّان نحن مطالبون بالاشتغال عليهما اليوم: مجال إعادة النظر في الاجتهادات السابقة وفقاً لأصول الاجتهاد الجديد المتحرّر من ثقافة الإجماع والشهرة والسلف والاحتياط وغير ذلك، وهو مجال مهم جداً. ومجال الاشتغال على القضايا الجديدة، ولو أخذنا المجال الثاني ـ وتخطّينا المجال الأول الذي يعاني من مشاكله الخاصّة ـ لوجدنا حجم المنجز من قبل الفقهاء قليلاً بالقياس للواقع وإن كان كثيراً في حدّ نفسه. ولو قام باحث بتقرّي دروس البحث الخارج في الحوزات العلميّة اليوم لرأى ما يشهد على ذلك، حيث دروس مباحث العبادات تملؤ الأجواء، وكذا بعض دروس المعاملات، أمّا دروس المعاملات الجديدة وفقه المستجدّات والنوازل فهي أقلّ. طبعاً من غير الصحيح أن نقول بأنه لا يوجد عمل، فهذا ظلم كبير، إنّما نقول بأنّ المقارنة بين الواقع والاستجابة، والمقارنة بين المكرور وغيره، تعطينا مؤشراً على أنّ الأمور لا تسير بالاتجاه الصحيح ولا تتنامى بشكل مطّرد. إنّ طلاب علوم الشريعة في الحوزة العلميّة عندما يقدمون على أخذ عنوان لرسالة الماجستير مثلاً ويكون جديداً فإنّهم يلاحظون وفرةً في المصادر السنيّة على مستوى الكتابات المتفرّقة بدرجة أكبر ممّا يلاحظونه على المستوى الشيعي، وهذا كلام ناتج عن تجربة، بصرف النظر عن أنّ المنجز السنّي إلى أيّ حدّ يحظى بجديّة بحثية، حيث وجدنا أيضاً بعض أبرز الجامعات الدينية السنيّة يغلب على رسائلها البحثية والتخرّجية طابع نقل النصوص وجمع كلمات المتقدّمين أكثر من حلّ مشكلة أو معالجة موضوع بشكل حقيقي.

الذي ألاحظه أنّ هناك مجموعات شبابيّة حوزويّة تعمل تحت نطاق مؤسّسات بحثية، تحاول أن تستجيب للوضع، أمّا الجسم المركزي والذي يمثل الجهاز العصبي في الحوزة العلميّة فلا يملك هذه المواكبة بالدرجة المطلوبة، ومشكلة الحوزة اليوم أنّ المؤسّسات البحثية الكثيرة التي فيها تقع على هامش حركة الجسم التقليدي الذي يشكّل العصب الحيوي، وهو أمر توجد ملاحظات عليه لا داعي للدخول فيها الآن، فإنّه يؤخّر عملية تحوّل الوضع الحوزوي زمنيّاً.

 

س2 ـ لماذا نجد أنّ الغالبية من كبار المراجع والعلماء في عزلة عن واقعهم الاجتماعي والسياسي؟

حب الله: أعتقد بأنّه ينبغي التفتيش عن أسباب هذه الظاهرة في الإرث التاريخي الطويل، فمن وجهة نظري المتواضعة يمكن تقسيم المذاهب الإسلاميّة ـ بحسب الغالب طبعاً ـ إلى مذاهب سلطة ومذاهب معارضة ومذاهب حياد، فمذهب الجمهور هو مذهب السلطة عادةً، وإن كان هذا الكلام ليس على إطلاقه. والإسماعيلية والزيدية مذاهب معارضة كذلك، أمّا الإماميّة فطوال القرون التسعة الهجريّة الأولى كانت في الغالب مذاهب اعتزال وحياد، فلم تتدخّل في العمل السياسي ولا في العمل الإسلامي العام، على خلاف فقهاء السلطة وفقهاء المعارضة، وإنّني من الذين لا يتفقون مع الرأي الذي يضع كلّ مذاهب الشيعة في إطار ثقافة المعارضة؛ لأنّ المعارضة شكلٌ من أشكال العمل السياسي، ما لم نقصد بالكلمة عدم موافقة السلطة، ومجرّد أن يصدر فقيه هنا وآخر هناك كل قرنٍ موقفاً ما لا يعني أنّ هذا المذهب له تاريخه السياسي في عمل المعارضة أو نحوها. ولعلّ أوّل مشاركة عامّة للفقيه كانت في العصر الصفوي مع بعض العامليين الذين تصدّوا للوقوف إلى جانب السلطة الصفوية كالشيخ الكركي (940هـ)، لكنّ كل من يطلع على أحداث العصر الصفوي يعرف أنّ مشاركة بعض الفقهاء كانت محلّ خلاف كبير في المؤسّسة الدينية، وقد رفضها كثيرون، رغم إلحاح سلاطين الصفويّة عليهم وتقديم كل أشكال الدعم وتوفير الظروف لهم مثل ما حصل مع الشيخ الأردبيلي، ولم نجد العمل السياسي ظاهراً إلا في عصر الاستعمار، فمنذ بدايات القرن التاسع عشر بدأنا نجد ظهوراً لحركة ـ وليس لأفراد ـ تهتمّ بالشأن العام، وغالباً ـ في البدايات ـ كانت سياسة هؤلاء إمّا سياسة مطلبيّة أو سياسة جهاديّة ضدّ الاستعمار، ولم يكن المشروع رؤية سياسيّة وحضوراً متواصلاً في الحياة الاجتماعية والسياسية، إلا مع القرن العشرين في تجربة الآخوند الخراساني والميرزا النائيني والشيخ فضل الله النوري وأمثالهم، وقد رأينا كيف أنّ الميرزا النائيني نفسه أخفى كلّ أوراق هذه التجربة وكأنّه تراجع عنها، وسحب ـ مع بعض الفقهاء الآخرين ـ كلّ أشكال معارضته للنظام القاجاري، تاركاً الحركة الدستورية آنذاك تأخذ مساراتها الجديدة. وقد أدّى فشل علماء الدين في الإمساك بالأمور في الحركة الدستوريّة إلى خيبة أمل، غالباً ما تعزّز المطالبة بالعودة إلى ثقافة الانكفاء، ولهذا لم نجد حضوراً يُذكر منذ هذه الحركة إلى زمن ثورة مصدّق والشيخ الكاشاني في الخمسينيات، باستثناء تجربة الشهيد حسن المدرّس، وإذا كانت هناك أمور فهي المطالبة بالشؤون الدينية ورفع حظر الحجاب ومواجهة الانحراف الديني وما شابه ذلك. وبحركة الإمام الخميني ـ إلى جانب حركة الإمام موسى الصدر في لبنان، وحركة الإمام محمد باقر الصدر في العراق، مع الحركة الشيرازيّة في شقّها السياسي ـ يمكن القول بأنّ الفقيه الشيعي دخل مرحلةً جديدة وخرج من العزلة والانكفاء والاكتفاء بإصدار بيان كلّ سنة حسب المناسبات، إلى مرحلة المواكبة السياسية والاجتماعيّة المتواصلة على صعيد الشأن العام، وقد رأينا أنّه رغم كلّ هذا الذي حصل ما يزال الإرث التاريخي يشدّ كثيرين لرفض كلّ هذا الواقع الجديد الذي جاءنا منذ الستينيات من القرن الماضي، وقد تعزّز هذا الصوت بالحركات النقديّة الجديدة التي باتت ترى الدين شكلاً روحيّاً وفرديّاً وتراجعت عن اعتباره مشروعاً سياسياً واجتماعيّاً.

هذا المسلسل التاريخي سارت إلى جانبه تنظيرات ومقولات، من نوع فكرة أنّ الشيعة لا عودة لهم إلا بظهور الإمام المهدي، وأنّ الانتظار يتطلّب عدم التصدّي، وكذلك فكرة التقيّة بمدياتها الواسعة، إلى جانب بعض أشكال ما اُسمّيه ـ دون قصدٍ نقدي ـ الفقه التعطيلي، حيث لا مشروعيّة للجهاد الابتدائي أو لقيام دولة أو لرفع راية أو لصلاة الجمعة أو لإقامة الحدود والتعزيرات (النظام الجزائي) إلا في عصر ظهور الإمام المهدي، وكذلك سقوط وجوب صلاة العيدين في عصر الغيبة وغير ذلك، ولعلّ ما ساعد على الاعتقاد بهذا الوضع مآلات تجربة الثوريّين الشيعة عبر التاريخ من الإسماعيلية والزيدية، حيث لم تكن تعطي ما يبعث على تكرار تجربة الانتفاضات والثورات. هذا السياق التاريخي والثقافي ما يزال إلى يومنا هذا يحكم نمط عيش كثير من الفقهاء وشكل ممارساتهم العامّة واليوميّة، وكلّما تعثرت التجربة السياسية والاجتماعية للمتصدّين من العلماء للشأن العام، عزّز هذا التيار الواسع رؤيته وزادت عمليّة الانكفاء، فهذا الموروث صار جزءاً من التربية والبناء الاجتماعي والشخصي لحركة الفقيه.

يضاف إلى ذلك ما يراه بعضهم من أنّ تصدّي الفقيه للشأن العام وزيادة تواصله المباشر مع الجماهير، يمكنه أن يخفّف من وهج الصورة المقدّسة المحفورة في الوعي العام عن المرجعيّات الدينية، وهذه حقيقة قائمة في بعض الأوساط، فكلّما قلّ الظهور زاد نشاط الخيال الشعبي التقديسي؛ لأنّ الظهور يعطي للإنسان صورته الواقعيّة، ويعرّضه للنقد العام، وهذا ما كان يشير إليه الإمام الخميني عندما كان ينتقد التصوّرات المغلوطة التي تجعل المتصدّي للشأن العام ملوّثاً بالرذيلة والتهمة فيما المنعزل المنكفئ طاهراً مقدّساً نورانيّاً، فالذي لا يعمل لا يخطأ كثيراً؛ لأنّه لا يعمل، وليس عنده إلا خطأ واحد وهو عدم العمل، أمّا من يعمل فمن الطبيعي أن تظهر أخطاؤه وعيوبه ويأخذ حجمه الطبيعي. إنّ فكرة الغائب الحاضر قويّة في حياة أكثر من وسط ديني اليوم، فالحضور المتمثل بالغياب والمتجلّي في عدم مواجهة المرجع للمجتمع والتواصل معه مباشرةً، سيبقي صورة المرجعيّة مقدّسةً، فكلّما ابتعدت عن شخص ولم أعرف عنه شيئاً صار عندي مجال لتكوين صورة عنه بمساعدة المخيّلة والافتراضات. وإذا ذهبت أبعد من ذلك فإنّني أعتقد بأنّ بعض الفقهاء غير المتصدّين يخشى من التصدّي ويعترف في قرارة نفسه بأنّ التصدّي للشأن العام اليوم بات عمليّة معقّدة وتحتاج للكثير من الشروط واللوازم غير المتوفّرة فيه وفي محيطه الخاصّ، لهذا فهو يتهيّب ذلك ويخشى من تبعاته. كما أنّ هناك عنصراً آخر ينبغي أن لا ننساه وهو أنّ تصدّي بعض الفقهاء يصوّر لبعضهم الآخر بأنّ تصدّيه شخصيّاً نوعٌ من المنافسة؛ لأنّ واقعنا لا يسمح كثيراً بالتعدّدية السياسية والفكريّة والاجتماعيّة الاستقطابيّة، فيخشى الفقيه من أنّه لو كان له حضوره السياسي والاجتماعي ليُبدي رأيه الصريح في كلّ شيء، أن يؤدي ذلك إلى تصادمه مع تيارات أخرى أو جهات قائمة أو شخصيّات فاعلة يختلف هو معها في الفكر والممارسة كلّياً أو جزئيّاً، وهذا ما يساعد أيضاً على انكفاء عدد من الفقهاء والعلماء في هذه الفترة.

وكلّ هذا الذي قلته إنّما كان تفسيراً للحدث لا دفاعاً عنه ولا نقداً، وإلا فإنّني أجد أنّ أكثر المبرّرات هذه غير منطقيّة، وأنّ المرجعيّة الدينية مطالبة اليوم بأن يكون لها حضورها الدائم حتى لو لم تتبنّ نظريّة الدولة الإسلاميّة، حيث لا تلازم بين هذه المفاهيم، فالحضور لم يعد اليوم مختصّاً بالمجال السياسي السلطوي، بل صار يشمل مجالات وعناصر تواصل كثيرة جدّاً، كالحضور الثقافي والفكري والاجتماعي والإعلامي والخيري وغير ذلك.

 

س3 ـ كيف ترون انعكاس المشاريع الإصلاحية في الحوزة، ولاسيما ما يتعلّق بالمناهج التعليمية، وهل ما حدث من إصلاحات هو مرضٍ؟

حبّ الله: في الحقيقة هناك تقدّم ملحوظ جدّاً في مجال الاشتغال على إصلاح مناهج التعليم في الحوزات العلميّة في العالم الشيعي، فإلى جانب مساهمات جيدّة في هذا الإطار من بعض الشخصيات، منذ الشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد باقر الصدر وإلى الشيخ عبد الهادي الفضلي والشيخ باقر الإيرواني وغيرهم كثير على الساحتين العربية والإيرانية.. هناك تبنٍّ واضح من جانب إدارة الحوزة العلميّة في مدينة قم وغيرها للدخول في مرحلة جديدة من إصلاح مناهج التعليم، وهذه الإرادة الجادّة انطلقت بشكل حقيقي وفاعل منذ حوالي العقد والنصف لتستوعب الكثير من المجالات التعليمية والبحثية أيضاً، وبالفعل دخلت الحوزة العلمية في نظام تعليمي جديد في قم وبعض المناطق الأخرى، ولمسنا تحوّلاً ملحوظاً على هذا الصعيد يستحقّ الشكر والتقدير، رغم بعض المعارضة في بعض الحوزات الأخرى للدخول في سياق إصلاح المناهج.

مع هذا كلّه يواجه مشروع إصلاح المناهج مشاكل ميدانية وتحدّيات ليست بالبسيطة، فأولى هذه المشاكل هي عدم موافقة بعض المرجعيّات الدينية وكبار الأساتذة والفقهاء على هذه المناهج الجديدة، وتحفّظهم على العديد من الكتب المعدّة مؤخراً، وفي بعض الأحيان عدم دعمهم لحركة تجديد المناهج إن لم يكن لهم موقف سلبي. وأذكر أنّ أحد المسؤولين الأساسيّين جدّاً في جامعة المصطفى العالمية (الحوزة العلميّة غير الإيرانية)، قال لي بأنّه عندما انطلق مشروع تطوير المناهج قبل عقد ونصف في حوزة قم، حاول أن يأخذ مباركة مراجع التقليد هناك، لكنّه لم يحظ بدعم إلا من قبل السيد علي الخامنئي حفظه الله تعالى، وأنّ الباقين إمّا كانوا رافضين أو ساكتين أو محجمين ـ لأسباب متعدّدة ـ عن دعم مشروع من هذا النوع. إنّ حياديّة المرجعيّات وكبار الفقهاء أيضاً، فضلاً عن معارضة بعضهم أحياناً، يمكن أن يؤثر في حركة التجديد المناهجي سرعةً وبطأ.

وهناك مشكلة أخرى في التجديد المناهجي واجهت القيّمين على هذه المشاريع في أكثر من مكان، وهي الفقر العلمي الذي تحتويه بعض المناهج والكتب المعدّة حديثاً، ففي علم أصول الفقه مثلاً نحن نجد رغبةً في تخطّي مثل كتاب الرسائل والكفاية، لكنّ بعض الحوزات ذهبت إلى تبنّي كراريس صغيرة في أصول الفقه بدل إعداد مناهج أكثر عمقاً وأكثر تحرّراً من إشكاليات أصول الفقه السابقة، كما أنّ مجموعة من الموادّ الدرسية الجديدة لا تملك كتاباً درسيّاً يمكن الركون إليه من حيث الجودة والعمق والشمولية والاستيعاب والموضوعيّة والدقّة.

وإلى جانب ذلك، ظهر نظام الامتحانات بقوّة في أكثر الحوزات العلميّة اليوم، وبدل أن يصوّب اتجاه الدراسة الحوزويّة، إذ به ـ في ظلّ الوضع القائم ـ يدفع الطالب إلى استهداف النجاح في الامتحان وتجاوز المرحلة، لكي يرجع إلى بلده دون أن يعيش عشق العلم وحبّ المعرفة وهمّ الفكر وأفق الثقافة ووعيها، فصار كثيرٌ من طلاب العلم يرجعون للكتب قبل أيام فقط من مواعيد الامتحانات، ثم يعرضون عنها بعد الامتحان أيضاً. هذه المشاكل باتت تفضي إلى قناعة بأنّ تطوير المناهج ليس أمراً بسيطاً، بل يعاني من مشاكل يجب التفكير مجدّداً فيها. ومن الجميل أنّنا لمسنا هذا الهمّ في الفترة المتأخّرة عند جمع من القيّمين الذين باتوا ينتبهون بدقّة لمشكلة تسطيح مستوى العلم والمعرفة عند الطالب، لكن نظراً لعدم وجود موادّ وكتب درسيّة بديلة تحوي قدراً أكبر من العمق والاستيعاب، مع وجود تهافت في حركة بحوث الخارج مع حركة المناهج الجديدة، فإنّ بعض الحوزات أخذت ـ مع الأسف الشديد ـ بالرجوع إلى الكتب القديمة مرّةً أخرى تجاوزاً لمشاكل المناهج الجديدة، وهذه انتكاسة في تقديري تحتاج للتفكير مجدّداً.

إنّ التطوّر الذي حصل مقبول عندما نقارنه بما مضى، فقد تقدّمنا كثيراً، لكنّه مايزال يواجه مسيرةً طويلة لم تنته بعد، في ظلّ تسارع وتائر تطوّر العلوم في حقول التربية والتعليم ونحوهما، ونحن نأمل أن نصير على رأس القائمة في هذا المجال، لا أن نصبح في آخرها.

 

س4 ـ كيف تتعاطى الحوزة مع التفاوت الثقافي والاجتماعي لمنتسبيها؟

حب الله: كما تتعاطى الجامعات مع هذه الظاهرة، فالمهم عندها أن يتقن الطالب دروسه ويرتقي بالمعرفة الدينية، ويسعى لتحسين أدائه الديني. نعم، توجد في الحوزات العلميّة ظواهر تتصل بالاختلاف الطبقي، وهي جديرة بالدراسة الهادئة، أعني مثل ظاهرة الأسر والعوائل العلميّة، فإنّ الأعراف هنا تستدعي حصصاً وفرصاً أعلى للأسر العلميّة، انطلاقاً من عناصر النفوذ والعلاقات الوطيدة والإرث التاريخي، بحيث يبدو ذلك بشكل طبيعي ومتوقّع، ولهذا ربما يكون من الصعب على من هو خارج الأسر العلميّة أن يكون له موقع، لكنّ ذلك ليس على إطلاقه، فنحن نرى كثيراً مظاهر تكسر هذه القاعدة بقوّة، عندما يتمكّن الفرد من إثبات ذاته على المستوى العلمي. بل نحن ما نزال نشهد هنا وهناك إلى اليوم نظرةً دونية لطلاب بعض المناطق مقارنةً بمناطق أخرى حتى في البلد الواحد، فضلاً عن البلدان والقوميات.

ويوجد شيء آخر في الدراسات الدينية وهو أنّ شخصيات الأفراد تترك أثرها على الحال الفكرية والاجتماعية للنشاط الديني، فتنوّعهم إلى أهل مدن وأرياف، وكذلك نقلهم لموروثاتهم القبلية والعشائرية والمناطقية والبلدانية أحياناً لداخل الحوزة يظهر بطرق مختلفة، فإذا كان هناك بلد مثلاً يعاني من قمع طائفي من قبل أهل السنّة، فإنّ طلاب العلوم الدينية فيه عندما يأتون إلى الحواضر العلميّة الكبرى فمن الطبيعي أن يتركوا أثراً في هذا الإطار بحيث يختلط السياسي بالديني. وهذا ما يفرض علينا ـ وأستغلّها هنا مناسبةً ـ أن يصار إلى دراسة المجتمع الحوزوي من زاوية علم الاجتماع، ويعمل على الاشتغال على مشاريع إحصائية للوصول إلى معلومات أكثر دقّة، ففي كثير من الأحيان نحن نبني نتائجنا عن الوضع الحوزوي على انطباعات أو على تجارب شخصيّة، فيما يفترض الدخول في مرحلة أكثر علميّة وأكاديمية مستعينين بعلوم إنسانية مفيدة في هذا الإطار، كعلم النفس بفروعه وعلم الاجتماع كذلك.

 

س5 ـ لماذا يُلاحظ أن بعض من يدخل الحوزة يخرج منها بصبغة من التعقيد والتزمّت الديني؟ ماذا تُخرّج الحوزة في عصرنا الراهن؟

حب الله: مفهوم التزمّت الديني مفهوم نسبي هلامي غير محدّد، فبعض الناس تعتبر أنّ الإصرار على المعتقد أو الانضباط الشديد في الحياة نوعٌ من التزمّت، وأنّ الإنسان لا يصبح متكيّفاً مع المحيط إلا إذا أبدى استجابة وتنازلاً هنا وهناك على الدوام، وسكوتاً عن الخطأ والفساد، ومبادلة الرذيلة بالابتسامة. وبعض الناس يفهم التزمّت الديني بطريقة أخرى. بالنسبة لي لا أفضّل استخدام هذا التعبير، ولا أفضّل حصره بطلاب العلوم الدينية حيث يشمل بعض المتديّنين أيضاً، وأرى أنّ الأفضل هو أن نضع كلّ شيء في سياقه، مثلاً في علاقة الرجل بالمرأة نجد بعضهم لا يسمح لزوجته حتى بالتكلّم مع الآخرين ولو في التلفون الذي يكون في المنزل عندما يتصل شخصٌ ما، وقد نجد إلى اليوم من لا يرضى بأن تكون الحوزات النسائية بحيث يقوم الأستاذ بإعطاء الدرس بشكل طبيعي، حيث يضعون بينه وبين الطالبات ستاراً، ويلقي عليهم الدرس من وراء الستار. وعلى صعيد العلاقة مع الآخر المختلف فكرياً نجد بعض طلاب العلوم الدينية عندما يحضر في المجلس شخصٌ يختلف معه فكريّاً ـ وليس شخصيّاً ـ كأنّما ينقبض على نفسه ويتوتّر، بحيث ليست لديه قدرة التعاطي الإيجابي مع الآخرين عندما يختلف معهم فكريّاً وعقائديّاً، وهكذا.

وهنا يجب التمييز بين أن يكون منطلق هذا الشخص هو حكمٌ شرعي يتبع اجتهاده أو تقليده، فلا يصحّ هنا أن أتعامل معه من منطلق التزمّت الديني، بل غاية ما في الأمر أنّني أختلف معه أو مع مرجعيّته الدينية في فهمها للقضية الدينية في هذا الموضوع أو ذاك.. وبين أن لا يكون منطلقه حكماً شرعيّاً أو قناعة فكريّة، بل شيء راجع إلى بناء الشخصيّة والعنصر التربوي الذي بنيت شخصيّة هذا الشخص عليه، وهنا لا يقوم الاختلاف على الأفكار، بل يرتبط بالمزاج الديني العام في وسط بعض رجال الدين والمتديّنين. والمزاج والشخصية لا تعني بالضرورة وجهة نظر فكريّة بقدر ما تعني عنصراً تربويّاً واجتماعيّاً، إذاً فعلينا التمييز بين ما يرجع للعناصر الفكريّة فيكون الخلاف في وجهات النظر، وهذا من حقّ الجميع، وبين ما يرجع للسلوكيات وبناءات الشخصيّة ممّا يمكن ربطه بالتزمّت والسلبيّة.

وثمّة أسباب لحالة الانقباض والانكماش والعصبية والتوتر التي يعيشها بعض طلاب العلوم الشرعيّة (وفي تقديري، ولكي نكون منصفين، فإنّ كثيراً منهم وربما أكثرهم، لا يعيشون هذه الحال)، أذكر منها:

أولاً: المحيط المغلق الذي يعيش فيه الكثير من طلاب العلوم الدينية، لفترات زمنيّة طويلة، فقد اعتاد طلاب العلوم الدينية على الهجرة إلى مراكز العلم الكبرى كالنجف وقم. والحياة في هذين الفضائين هي حياة يتعرّف فيها الطالب غالباً على شبكة من الأصدقاء كلّها أو تسعين بالمائة منها ترجع إلى صنف واحد من الناس، وهو صنف رجال الدين، ومن ثم وعندما تمرّ السنوات الطويلة في هذه الهجرة، وتتبلور ثقافة الإنسان ونمط عيشه، فإنّه سيكون قد بلور نظام حياته على أساس عرف خاص جدّاً، وهو العرف الحوزوي، وهذا العرف يختلف بشكل طبيعي أحياناً ـ نتيجة تراكمات السنين ـ عن بعض عادات الناس خارجه. كما أنّ التحوّل في العادات والأعراف في عرف ديني منغلق مثل هذا يصبح بطيئاً، على خلاف تحوّلات الناس الخارجيّة، لاسيما في عصور المعلوماتية والتقنيات والحداثة وما بعد الحداثة، وينجم عن ذلك في تقديري ظهور اختلاف في المزاج العام بين هذا الشخص وبين المحيط الاجتماعي العام عندما يرجع إلى بلده، وفي هذه الحال يظهر ضرب من التصادم في العادات وطرائق العيش، وفي بعض الأحيان يؤدّي التصادم إلى ارتكاس منظومة قيم العرف الخاصّ التي اعتاد عليها هذا الشخص، فيغيّر حياته بطريقة تبدو للناس أيضاً غريبة ونافرة. طبعاً كأنّما يبدو لي هذا الوضع قد خفّ في الفترة الأخيرة مقارنةً مع السابق.

ثانياً: إنّ مزدوج العرف العام للناس مع العرف الخاص الحوزي نتيجة المراكمة التاريخية تضع في وعي الناس صورةً خاصّة لرجل الدين، وهذه الصورة تقيّد رجل الدين وتمنعه من أن يفكّها، فرجل الدين لو كان شخصاً كثير المزاح والضحك أينما كان فسوف يلام، ولو أراد أن يجلس في الصفّ الأخير من المسجد أو الحسينية لألحّت عليه الناس، ولو أراد أن يذهب إلى مقهى محترم لكي يجلس مع الناس فيه فإنّه يتعرّض للكلام من قبل الناس ومن قبل أقرانه أيضاً… هذا النسيج المحيط يقيّد من رغبة بعض طلاب العلوم الشرعية بالانفكاك عن هذا الوضع، وهنا أركّز على المتزيين بلباس رجال الدين. بل قد تفرض بعض الثقافات عليهم والأعراف في قراهم ومدنهم أن لا يخرجوا إلى السوق ليشتروا الأغراض ويعودوا حاملينها مشياً على الأقدام مثلاً.. إنّ كثيراً من هذه الأمور تحصل لبعض علماء الدين بحسب اختلاف البلدان والدول، ولا يشعر الكثيرون بها، وهي تفرض عليه أن يظلّ ظاهراً بنوع من (البرستيج الخاص)، كي يحافظ على سمعته، وهنا يحصل أحياناً أن تقع الازدواجية في شخصيّة بعضهم، فيختلف باطنه وطبعه الأصلي عن ظاهره تماماً، وهذا شيء لا يراه إلا المقرّبون منه. لهذا من الضروري الاشتغال على هذا الجانب الذي يضعه في مدار يحدّ من حركته وتنفيس رغباته بشكل تلقائي وعادي.

ثالثاً: تتحرّك الثقافة الدينية منذ قرون على مبدأ المواجهة المباشرة مع الانحراف، وهذا شيء نلمسه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكثير من العلماء يتعاطون في أساليب التغيير والتأثير الاجتماعي بالمنهج المباشر، فلو صعد في سيارة أجرة وكان سائق السيارة يضع أغنيةً، فإنّ رجل الدين ـ بحسب ما اعتاد وقدّمته له الثقافة الدعوية في قضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ يحاول أن يواجه السائق مباشرةً، ونحن نجد أنّ بعض الفقهاء كان يرى أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب في الأصل أن يكونا بصيغة الأمر والنهي، أي يجب أن أقول للسائق: اخفض صوت المذياع، أو لا تضع أغنيةً. وهذه الثقافة المباشرة في التغيير والإصلاح والدعوة أظهرت بعض طلاب العلوم الدينية والمتديّنين أشخاصاً فجّين غلاظاً في تعاطيهم مع الأمور؛ لأنّ الثقافة التجربية الموروثة اعتادت على نمط المواجهة المباشرة، وعلى نمط أنّني أريد منه أن يأخذ درجة المائة في المائة في الامتحان، وإلا فلا قيمة له حتى لو أخذ عشرين في المائة. ويعزّز بناء هذه الثقافة المباشرة في المواجهة والفظّة ما يقرؤه ويدرسه طالب العلم في التراث الإسلامي، فقد كان يستخدم المصلحون سابقاً مثل هذه الأساليب، فيظنّ أنّ تطبيق الأمر بالمعروف يجب أن يماهي ويحاكي نمط حياة العلماء الآخرين، ونحن نعرف أنّ أحد أبرز الأشكال المعتمدة في التربية الأخلاقية والسلوكية في الحوزات الدينية هو منهج قصص العلماء وتجاربهم، وهذه القصص يتمّ تلقّيها وكأنها نماذج تحتذى، دون نظر إلى اختلاف الظروف والملابسات وأنماط العيش، فيسعى اللاشعور في طالب العلم لكي يعيد تطبيق هذه القصص في حياته أحياناً. مثلاً نحن نأخذ أبا ذر الغفاري، وكأنّنا نريد الآن أن نخرج في الأسواق وبيدنا العصا ثم نضرب هذا أو ذاك. إنّ ثقافة استنساخ التجارب استنساخاً حرفيّاً تشلّ قدرة الإبداع عندنا في ابتكار الأساليب الجديدة غير المباشرة والتي تحوي نمطاً من التكتيك والاستيعاب والجذب، ولعلّ هذا ما يجعل القوّة الدافعة عند بعضهم أقوى من الجاذبة. لعلّ بإمكاني أن أعطي مثالاً آخر، فلغة التراث العربية تحوي كمّاً من التعابير التي باتت اليوم حادّة وقاسية، وعندما يشبع الذهن بها فهو يحاول أن يطبّقها. ففي اللغة القديمة نجد كلمات قاسية جدّاً ربما تكون في حينه شبه قاسية وضخّها الدلالي السلبي أخفّ درجة منه في مثل عصرنا، فعندما لا ألاحظ اختلاف دلالات التعبير اللغويّة والإشاريّة من زمن إلى زمن فقد أقع في مشاكل، والكلام يجرّ الكلام فهناك من يرى أنّ كلمة (لعنه الله أو لعنة الله عليه)، كانت دعاءً في ذلك الزمان، أمّا اليوم فهي شكلٌ من أشكال السباب، فلو قلتُ لشخص: لعنك الله أو لعن الله فلاناً، فهي سُبَّة فيلحقها حكم السبّ لا حكم اللعن، وهذا مثال ـ لو صحّ ـ يكشف عن أنّ اختلاف الدلالات عبر الزمن مهمّ جدّاً في فهم الأمور.

رابعاً: النزعة الدوغمائيّة التي يتربّى الكثيرون عليها وتؤدّي إلى قطع احتمال الخطأ في أفكاري وتصوير الآخر بأنّه ظلام، إنّ البعد عن ممارسة التعدّدية يجعل الإنسان لا يتحمّل النقد ولا يتقبّله، ممّا يضعه في دائرة التوتر والرفض الدائم، ويشعره بأنّ نقد أفكاره هو تسقيط له واستهداف لشخصه، وهناك من طلاب العلوم الشرعية من يرى أنّه لو انتقدت مسألة دينية فهذا معناه أنّه بنفسه وبفئته مشمول للنقد، فنقد الأفكار الدينية قد يراه البعض مؤدياً إلى زعزعة في مواقع السلطة الدينية، فيعني بالتالي نقدها واستهدافها، والنقد ظاهرة غير متداولة، لاسيما إذا صدرت من غير رجال الدين ضدّ رجال الدين، ولشدّة التصاق رجال الدين بالدين في الوعي العام يصبح نقد رجال الدين نقداً للدين وبالعكس، ويغدو نقد المنبر الحسيني نقداً للحسين عليه السلام مثلاً، فيوجب هذا النقد التوتر وعدم القدرة على التحمّل وفقدان الإيجابية في التعاطي مع الآخر. مما يظهر طالب العلم الديني وكأنّه غير إيجابي ولا متعاون، لاسيما في هذا العصر الذي كثر فيه المنافسون الفكريّون.

خامساً: ثمّة عنصر له علاقة بالتربية الدينية والفكريّة، وهو مسألة التحرّق على الدين، فكثير من الدعاة ينظرون إلى التفاعل مع الانحراف الديني من موقع الجرح، فعندما يجدون انحرافاً فهم يجرحون في أعماقهم ويتألّمون، وهذا شيء في حدّ نفسه جميل ويعبّر عن صفاء روحي وصدق أيضاً، لكنّ ردّة الفعل الناجمة عن هذا الجرح العاطفي لا تكون وفقاً لقواعد العمل الصحيح دينياً، بل يجري الاستسلام للجرح، ومن ثم حدوث ردّة فعل غاضبة نتيجته، فالله تعالى كان يؤدّب نبيّه دوماً بأن لا تذهب نفسه حسرات على الكافرين، وأن لا يحزن عليهم، وأنّ عليه أن يقوم بمهمّته وأن لا يعيش الهمّ والغمّ والكآبة والتوتر والقلق والحزن لحال الناس، بل يركّز نظره على علاقته بوظيفته الدعويّة، فمن آمن نجا ومن لم يؤمن فأمره إلى الله. ولو أنّ الدعاة اليوم طبّقوا مثل هذا المبدأ القرآني الوسطي لصار الخطاب الديني أكثر هدوءاً، وأبعد عن التشنّج والعصبية والانفعال والتوتر.

 

س6 ـ من المعلوم ألا رسوب في مراحل الدراسة الحوزوية، والجميع يعتمر العمامة في نهاية المطاف، ألا يمثل ذلك خطورة كبيرة على موقعيّة الحوزة ككل؟ وما الإجراءات التي تعتبرونها ضرورية في هذا الإطار؟

حب الله: من الطبيعي أن لا تكون هذه الحالة صحيّةً، ويبدو لي أنّه قد تمّ الانتباه لهذا الموضوع من قبل العلماء والقيّمين على الحوزات العلميّة، لكنّ المشكلة تكمن في عدم وجود آليّة واضحة تحول دون اعتمار شخص للعمامة والتصدّي للشؤون الدينية، وأحد أسباب هذا الوضع هو فوضى الانقسامات الفكريّة والسياسية في الساحة الشيعية، فنحن لو منعنا شخصاً من شيء من هذا القبيل وجرّدناه من لباسه الديني ـ إذا صحّ التعبير ـ فمن الممكن أن يذهب ناحية مرجعيّة دينية أخرى قد ترى أو تستنسب بقاءه على وضعه الطبيعي، أو قد يذهب إلى موقع قوّة سياسي موجود وفاعل في الساحة، بحيث يصبح من العسير جدّاً ضبط الأمور؛ لأنّ ضبطها سوف يؤدّي إلى مواجهات بين التيارات والقوى الفاعلة في الساحة الشيعيّة. يضاف إلى ذلك مشكلة أخرى وهي عدم وجود معايير موحّدة متفق عليها عند الجميع لتقويم شخص ما من الناحية العلميّة أو من ناحية ما يلزم توفّره فيه كي يتصدّى للشأن الديني؛ فمن الممكن أن يرى بعضنا أنّ هذا الشخص ـ بما يملكه من معلومات بسيطة ـ يصلح لأن يكون متصدّياً للشأن الديني، فيما يرى الآخرون أنّ ذلك لا يبرّر السماح له بالتصدّي للأمور الدينية العامّة، ومرجع ذلك إلى الاختلاف الجذري ـ وليس السطحي ـ في قراءتنا للعناصر العلمية التي ينبغي أن يتوفّر عليها المتصدّي للشؤون الدينية. وهذا الأمر نجده حتى على مستوى المرجعيّات الدينية، فهناك خلاف جذري في معايير المرجعيّة، فبين من يرى ـ على سبيل المثال ـ أنّ التخصّص والتعمّق في علم أصول الفقه بوضعه الحالي شرطٌ أساس لتوصيف شخص بالاجتهاد أو الأعلميّة، يرى فريق آخر بأنّ هذا المعيار ليس صحيحاً، بل قد وجدنا من يذهب إلى أنّ المبالغة في مباحث أصول الفقه تعيق سلامة الاجتهاد وتبعد الإنسان عن العناصر الأساسيّة للاجتهاد السليم مثل اللغة وعرفيّتها ومثل التاريخ وسياقاته ومثل البعد المضموني للقرآني الكريم. مشكلتنا الرئيسة أنّنا أمّةٌ تتنازع منذ أكثر من قرن على قضايا لم تحسم خياراتها فيها بعد، الأمر الذي يبدينا تكراريين، فقضايا المرأة مثلاً وقضايا الفقه السياسي ما تزال النقاشات فيها على أشدّها منذ قاسم أمين والميرزا النائيني وعبد الرحمن الكواكبي إلى يومنا هذا، بينما الذي حصل في الغرب ـ سواء أصابوا أم أخطؤوا ـ أنّهم حسموا خياراتهم في القضايا الكبرى بما وفّر لهم الانتقال إلى مرحلة جديدة. إنّ معايير العلميّة والاجتهاد والتبليغ الديني والأعلمية وولاية الأمر وغيرها ما تزال محلّ نقاش في أولى أوّليّاتها، إذا صحّ التعبير، وفي ظلّ وضع من هذا النوع من الصعب الانتقال إلى مرحلة الضبط القانوني الحاسم.

نعم، توجد مسألة نظام الامتحانات وقوانين الانتساب للحوزة العلميّة، وهي مسألة بتنا نجدها حاضرة بقوّة في الحوزات العلمية المختلفة، لكن يبقى أنّ هذا النظام ـ رغم قدرته على الحيلولة دون منح شخص ما شهادةً معيّنة بمستوى علمي معيّن ـ إلا أنّه ما يزال غير قادر على ضبط مسألة اعتمار العمامة والتصدّي للشأن الديني العام؛ والسبب أنّ هذا النظام هو نظام تعليمي داخلي، فيما مسألة العمامة هي شأن اجتماعي عام تحتاج إلى تضافر القوى للوصول إلى حلّ فيها، ففي اختصاص الطبّ مثلاً نحن نجد أنّ ما تقوله الجامعة يشكّل معياراً في قبول شخص أو عدم قبوله من قبل الدولة والنقابات المختصّة، ومن ثم يؤثر ذلك في السماح له بفتح عيادة طبيّة أو عدمه، بينما هذا الوضع ليس موجوداً في الحوزات العلميّة؛ فإنّ الحوزة قد لا تعطي شهادةً بإكمال شخص لدراساته، لكنّ هذا ـ رغم حُسنه في حدّ نفسه ـ لا يشكّل شيئاً رادعاً لو أراد شخصٌ التصدّي؛ إذ لا يوجد تنسيق بين قوى الأرض الفاعلة القادرة على منع شخصٍ، وبين الجهة العلمية المتمثلة في القسم التعليمي في الحوزة العلمية. هذه مشكلة رئيسة.

ومن الضروري أن أشير هنا، إلى أنّني أرفض بشدّة تفرّد تيار خاصّ مهما كان قويّاً ويشكّل الأغلبية، في التصدّي لضبط هذه المسألة؛ وهذا موضوع إشكالي آخر؛ لأنّ ثقافتنا العامّة مركّبة بطريقة قد يؤدّي الضبط المشار إليه فيها إلى قرارات استبدادية، يتمّ فيها تجريم الناس وفقاً للرأي والفكر، فلو أعطينا بعضهم اليوم هذا الحقّ في ظلّ ثقافة إقصائيّة، فسوف يقومون بمنع بعض الناس من التصدّي بحجّة أنّه لا يتوفّر على المستوى العلمي أو لأيّ سبب آخر؛ فيما يكون واقع المنع هو التحيّزات السياسية أو الفكرية أو الثقافيّة؛ ويكون واقع الحال أنّ فلاناً لا ينبغي أن نسمح له بالتصدّي من موقع أنّه معارض سياسي، أو من موقع أنّه مبتدع، أو من موقع أنّه ينتمي للجماعة الفلانية المعروفة بإفراطها المذهبي، وهكذا. وفي ظلّ عدم وجود وعي متعالٍ عن الاصطفافات والتحيّزات اللاموضوعيّة يصعب علينا أن نرضخ للقبول بضبط هذه الحالة، نظراً لمخاطر كثيرة على هذا الصعيد، وهذا ما يفرض الكثير من التفكير في آليات مشاركة جميع الأطراف، وفي قوانين ومعايير المنع أو القبول قبل البدء بهذه المرحلة. وطبعاً هذا كلّه لا يمنع وجود قاسم مشترك بين الجميع يتفقون عليه، يمكن تنفيذه بوصفه مرحلةً أولى، بل قد حصل ذلك هنا وهناك في بعض المرّات القليلة.

 

س7 ـ كيف تتعاطى الحوزة اليوم مع الفكر الغربي؟

حب الله: تشهد الحوزة العلميّة اليوم عدّة اتجاهات على مستوى الموقف من الفكر الغربي وكيفية التعاطي معه ونمط العلاقة الفكريّة مع الغرب:

1 ـ فهناك الجسم المدرسي (التقليدي) المتمثل ببعض المرجعيات الكبرى وفقهاء الدرجة الأولى، وهو يميل إلى اعتماد سياسة تجاهل الغرب، وكأنّه حدث عابر، ولا يشكّل أيّ قلق معرفي أو استدعاء فكري للمشاركة في شيء أو العمل على شيء ما، ولهذا لا نجد في أدبيّات هذا الفريق تداولاً لهموم العلاقة مع الغرب الثقافي، ولا يشكّل الغرب ـ بوصفه حضارة اللحظة ـ سوى مادّة قد ترد في بعض الأسئلة أو موضوعاً قد يطرح في سياق التوجيهات العامّة المحذّرة من الانحراف نحوه. وعندما أتكلّم عن الغرب فلا أتكلّم عن التيارات الفكرية المتماهية أو المتأثرة بالغرب في العالم الإسلامي، وإنّما عن الغرب نفسه بوصفه منظومة فكريّة ثقافية حضاريّة. وما يبدو لي هو أنّ هذا الاتجاه التقليدي رغم اعتقاده بخطورة الغرب وضرورة التحذير منه، لكنّه لا يجد تحدّياً للاشتغال على قضاياه الفكريّة والثقافية، بل نحن نجد أحياناً كثيرة تركيزاً على الاهتمام بالآخر المذهبي أكثر من الآخر الحضاري أو الديني، وهذا ما يفسّر أيضاً ضعف حضور دراسات علم الأديان المقارن، وقلّة معرفة طلاب العلوم الدينية ـ بمن فيهم المختصّون بعلم الكلام واللاهوت ـ بالفكر المسيحي أو اليهودي أو غيرهما، بل عندما أقدمت بعض الشخصيات على تأسيس جامعة دينية في مدينة قم تعنى بقضايا الأديان تعرّضت للنقد الشديد بحجّة ترويج الضلال، ولولا دعم بعض المرجعيّات المستنيرة، مثل مرشد الثورة السيد علي الخامنئي، لما كتب لهذه المشاريع الاستمرار. ولو تأمّلنا في رؤية هذا الفريق أساساً للغرب وتقييمه لمنجزه الفكري، فسوف نرى أنّه لا يعدّه شيئاً ذا بال، أو يليق بأن نهتمّ به، وأنّه تكفي فيه بعض المداخلات الخفيفة، ونجد بعضهم يعيب على مثل السيد محمد باقر الصدر كيف انجرّ ـ متأثراً بالغرب ـ للاهتمام بقضايا مثل المنطق الاستقرائي الذي لا يحمل بنظرهم أيّ قيمة معرفيّة تذكر.

2 ـ وهناك فريق آخر داخل الحوزة العلميّة، ينظر إلى الغرب بشكل جادّ بوصفه خطراً معرفيّاً وثقافيّاً، ويتعامل معه من منطلق فكرة (الغزو الثقافي)، ولهذا تحكم آليات تعامله معه كلّ عناصر الحرب والمواجهة والدفاع والهجوم وغير ذلك ممّا تحمله فكرة الغزو وارتداداتها، وهذا ما فرض على هذا الفريق استخدام المنطق الجدلي مع الفكر الغربي بشكل كبير جدّاً وإن لم يكن دائماً، والتعامل مع الغرب من منطلق عقليّة النقد، لاسيما وأنّ هذا الفريق يرى أنّ الغرب يشكّل المرجعيّة المعرفيّة والعمق الاستراتيجي لتيارات سياسية تقع على خلاف حادّ مع الفكر الديني السائد في الحوزات العلميّة، الأمر الذي يشجّع أكثر على القيام بعملية تعرية للفكر الغربي بوصفه فكراً مرجعيّاً.

3 ـ وهناك فريق ثالث يرى في الغرب تحدّياً وحاجة في الوقت نفسه، فالغرب تحدٍّ؛ لأنّه يضع أمام الفكر الديني تساؤلات مقلقة وليست بسيطة أو عابرة، وهو حاجة؛ لأنّه يملك تجربة وثقافة يمكن الاستفادة منها في المراكمة المعرفيّة للفكر الإسلامي نفسه، وهذا الاتجاه في الحوزة يختلف تماماً عن الاتجاهين السابقين، وتمثله الكثير من التيارات التجديدية والنقديّة الدينية المعاصرة، فلا يريد هؤلاء أن يبسّطوا المشكلة التي خلقها الغرب أمام الدين، أو يسطّحوا الوعي الإسلامي بهذه المشكلة، أو يتجاهلوا الأزمة القائمة كما كان يريد الفريق


التحريف ودوره في تخلف الأمة

28 ديسمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

التحريف عمل غير أخلاقي يمجه العقل والشرع والعرف وهو خيانة عظمى لكل القوانين والأعراف الدولية كما أنه خيانة علمية فلا يمكن الاعتماد على من يمارسه أو من يستحله.

والتحريف ينقسم إلى: 1- التحريف اللفظي 2- التحريف المعنوي.
وحديثنا الآن حول التحريف اللفظي ويقع الكلام في ثلاثة محاور:
1- أشكال التحريف في التراث الإسلامي.
2- البحث العلمي مقابل الخرافة وخطر التحريف في التراث.

3- المنهجية العلمية وتحقيق التراث أو كيف نحصن التراث عن التحريف؟.

المحور الأول: أشكال التحريف في التراث الإسلامي.

يمكن أن نتحدث عنه في قسمين:

أ‌- بناء على مدرسة الخلفاء ب- بناء على مدرسة أتباع أهل البيت.

أما القسم الأول: من المعروف تاريخياً ما وقع من تحريف للتراث في هذه المدرسة من أعداد ضخمة من الأحاديث بلغت مئات الآلاف وقد أحصى العلامة الأميني (408.684) حديثاً موضوعاً ويكفي أن:

1- البخاري انتخب صحيحه الذي لا يتجاوز 2761 حديثاً بدون المكررات من 600.000 حديث.

2- أبو داوود انتخب سننه البالغ 4800 حديثاً من 500.000 حديث .

3- مسلم انتخب صحيحه البالغ 4000 حديث بدون المكررات انتخبه من 300000 حديث.

4- وأحمد بن حنبل انتخب مسنده البالغ 30000 حديث من أكثر من 750000 حديث.

ولأذكر بعض الأمثلة في التحريف أعم من الوضع في الأحاديث وغيرها.

1- ما وقع من تحريف وجناية على الإسلام في حديث مبيت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ونزول قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (207) سورة البقرة، في كتاب أسد الغابة لابن الأثير الجزري الشافعي ج 4 ص 25 ط المطبعة الوهبية بمصر ذكر الحديث صحيحا ؛ ثم قامت المكتبة الاسلامية لصاحبها الحاج رياض الشيخ بتصوير (أسد الغابة) بالاوفست على الطبعة الوهبية بمصر وحرفت هذا الحديث فأبدلت كلمة (بات على فراشه) إلى كلمة (بال على فراشه) إهانة للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وسيد الوصيين.

2- حديث كذا وكذا:

ذكر حديث العشيرة ونزول قوله تعالى ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (214) سورة الشعراء الطبري في تاريخه ج 2 ص 319 طبع دار المعارف بمصر وذكر فيه قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام «ان هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم» ولكن في تفسير الطبري ج 19 ص 121 ط 2 مصطفى الحلبي، حرَّف المؤلف أو الطابع أو شخص آخر وذكر بدله «ان هذا أخي وكذا وكذا!!»

3- حديث صوم عاشوراء:

قال ابن الجوزي المتوفى 597ه: وتمذهب قوم من الجهال بمذهب أهل السنة فقصدوا غيظ الرافضة فوضعوا أحاديث في فضل يوم عاشوراء ….

حتى أطالوا وأعرضوا وتنوقوا في الكذب …

وبعد أن نقل حديثاً في فضل يوم عاشوراء قال: هذا حديث لا يشك عاقل في وضعه، ولقد أبدع من وضعه وكشف القناع، ولم يستحي وأتى فيه بالمستحيل. [1]

وقال الحاكم: أنا أبرأ إلى الله من عهدة جويبر فإن الاكتحال يوم عاشوراء لم يرد عن رسول الله فيه أثر وهو بدعة ابتدعها قتلة الحسين عليه السلام [2]

فهذا غيض من فيض من الأحاديث التي حرفت أو ابتدعت وأريد منها الاحتقان المذهبي.

القسم الثاني: بناء على مدرسة أتباع أهل البيت:

ويمكن هنا أن نشير ولو بصورة خاطفة إلى بعض الأحاديث التي ألصقت بهذه المدرسة العظيمة:

1- ما ينقل من أن المولى سبحانه خاطب حبيبه المصطفى صلى الله عليه وآله بقوله: (لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا علي لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما).

وقد جاء بالتدرج فأولاً جاءت الفقرة الأولى كما رواها بعض علماء السنة ثم جاءت الفقرة الثانية ثم الثالثة.

ونحن لمّا بحثنا عن مصدر هذا الحديث لم نجد له عيناً ولا أثراً في الكتب الحديثية ولا في غيرها من التي تروي مثل هذه الأحاديث.

2- القصة التي تقرأ في المجالس بعنوان حديث الكساء والذي ينسب إلى فاطمة الزهراء عليها السلام.

حديث الكساء ونزول آية التطهير في الخمسة من أهل البيت عليهم السلام من الأحاديث المتواترة عند السنة والشيعة ولكن جاء من يشوه سمعة أهل البيت فوضع قصة بعنوان حديث الكساء نسبها إلى فاطمة الزهراء عليها السلام وهي مما لا مصدر له [3].

3- المقطع القائل: (اللهم خص أنت أول ظالم باللعن مني وابدأ به أولاً ثم الثاني ثم الثالث … ) في المضاف إلى زيارة عاشوراء [4].

4- الأحاديث الموضوعة حول الثورة الحسينية من الزيادة والتغيير والتبديل والمبالغات وبالأخص الشعائر الحسينية.[5]

5- الأحاديث الموضوعة في الأخلاق وفي فضائل الصلوات المستحبة والأدعية وفي مختلف أبواب المعرفة [6].

أكذوبة التحريف في القرآن الكريم:

هذه من المواضيع التي أريد لها أن تكون مائدة دسمة للشحن الطائفي وتسجيل كل فريق على الفريق الآخر من ناحية مذهبية وهي من أولها إلى آخرها أكذوبة لا أصل لها.

المحور الثاني: البحث العلمي مقابل الخرافة وخطر التحريف في التراث

وما يؤدي إلى تدمير الأمة وإعاقتها عن القيام بواجباتها والدفاع عن مقدساتها والمطالبة بحقوقها.

لقد انتشرت الخرافات من قديم الزمان إلى يومنا هذا في مختلف المجتمعات ومنها المجتمعات الإسلامية المتخلفة فكرياً وثقافيا [7] ونلخص الأضرار الناجمة من التحريف بما يلي:

1- التحريف وتخلف المسلمين:

الإسلام دين العلم والمعرفة والتقدم والازدهار والدفاع عن المظلومين والمحرومين ومحاربة الظالمين والطغاة ونشر العدالة الاجتماعية والمساواة ففيما إذا وقع التحريف في التراث فإنه يلعب دوراً مهماً ورئيساً في تأخر الأمة ويجعلها خاوية بعيدة عن عوامل القوة والصمود والجد والاجتهاد.

قال الشيخ محمد آصف المحسني حول هذا الموضوع:

مرّة أخرى نؤكد للطلاب والفضلاء – والعلماء في غنى بعلمهم عن هذا التأكيد – بأن الوصول إلى الحقيقة, والتحفظ على الحدود الدينية والوظائف الشرعية من الزيادة والنقيصة, الذي هو من أهمّ تكاليف المسلمين يوجبان الاقتصار على الأحاديث المعتبرة سنداً ورفض المتون الواردة بأسانيد ضعيفة ومشكوكة وشرف العلم وفطرة العالم يميلان إلى مراعاة الكيفية حتى بغض النظر عن الكمية ورفضها…

فالأخلاق الإسلامية لابد وأن تؤخذ من الكتاب والأحاديث المعتبرة من دون تسامح وتساهل [في كذا] [و] رفض غير المعتبرة وردها إلى من صدرت عنه.

وكذا الاقتصاد الإسلامي والسياسة الإسلامية والتأريخ الإسلامي وفضائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأوصيائه وطرح تخيلات الغلاة والعوام والمبالغين في كل أمر, فضلاً عن الاقتصار عليهما في الحلال والحرام وأصول الشريعة وفروع العقائد والمعارف الإسلامية.

والعالم المتعهد لا يخاف في هذه السبيل من مخالفة العوام والجاهلين والمبالغين والمقلدة والكُّتاب الذين لا يحيطون بالدين علماً وفهماً حتى وإن كانوا من المشهورين. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (69) سورة العنكبوت. [8]

ويقول الشيخ البهبودي حول تحريف الدين وتخلف المسلمين:
فكما نرى في تاريخ علم الحديث, وندرسها في رجال السنة والشيعة.

إن الزنادقة والغلاة لم يألوا جهداً في إطفاء نور الإسلام وإفساد الشريعة والأحكام وإيقاع الشك قي القلوب والتلاعب بالحقائق الدينية ومعارفها, وترويج الخرافات والترهات والبدع وإيجاد الفرقة والاختلاف. وفي كل ذلك ساروا على خطط خطتها يد الصهيونية العالمية وعملاء الكاثوليكية المسيحية: …

وهكذا نراهم قد اختلقوا معجزات خرافية تافهة مستبشعة فنشروها على لسان القصاصين ومشايخ الحديث المغفلين ليبتهج المسلمون بتردادها ونقلها وسماعها, كل ذلك تنفيراً لطباع المتفكرين ودحضاً لبينات القرآن ومعجزته الخالدة التي طالما أخذت بأسماع السامعين.

وأخرى لفقوا أساطير مزعومة وأحاديث مزورة ترغّب الناس في الزهد والانعزال, وأدرجوا فيها سفاسف التصوف والعرفان ليشتغل الناس بالتفكير في ذواتهم عن التشاغل بأعدائهم.

ولذلك نرى أقطاب التصوف والعرفان قد نجمت في تلك الآونة من كل صوب لا يدري مولدهم ولا منشأهم: يضلون الشاب والشيب. وقد افتتنت بهذه المكيده الكاثوليكية المسيحية جماعة رفضوا نور العقل والمنطق وراء ظهورهم وجعلوا التخيلات الواهمة نصب أعينهم. وتعاليم الأديان ومعارف المذاهب تحت أقدامهم.

وهكذا ابتدعوا عبادات وصلوات مخترعة واصطنعوا أدعية جميلة عرفانية وغير عرفانية بشروا عبادها وقراءها بالثوابات الجزافية والفوز بنعيم الآخرة, فرغب فيها كثير من العباد المغفلّين لا يفترون عن العبادة وقراءة الأدعية ليلاً ونهاراً وعدلوا عن السنة النبوية العادلة فتشاغلوا بها عن مغزى العبادة والدعاء يَحسبون أنهم يُحسِنون صنعا.

واختلقوا أحاديث أخر في خلق السموات والأرضين وتربية الشمس والقمر والكواكب, وهكذا في سائر المواليد الطبعية كالسحاب والطوفان والنار والخسوف والكسوف والزلازل. كلها خرافات وترهات وخزعبلات. يريدون بنشرها أن يشوهوا وجه الصحائف الدينية والمعارف القرآنية الأصلية.

وهكذا وضعوا في خواص العقاقير والأدوية المفردة والمركبة. وبالغوا في تأثيرها بصورة جزافية. وفي جنب ذلك زوروا أحرازاً وتعاويذ وطلسمات ونيرنجات لدفع الأمراض والآفات السماوية والأرضية, وبذلك ارتطمت الأمة الإسلامية في الجاهلية الجهلاء. [9]

2- نشر الثقافة المنحرفة:

الثقافة للأمة تدور مدار مصادرها فإن كان المصدر هو القرآن الكريم أو السنة النبوية المتواترة أو المعتبرة على الأقل فتصبح الأمة قد تشبعت أذهانها وسلوكياتها بتلك الثقافة المستلهمة من مصادرها وإن كانت مصادرها من الروايات الضعيفة أو الموضوعة أو روايات الغلاة والفئات المنحرفة فإن هذه الثقافة سوف تنتشر بين القاعدة الشعبية للأمة ولا يكون من السهل إصلاحها أو تقويمها وجعلها في الخط المستقيم.

قال الشيخ محمد آصف المحسني: … وآل الأمر من جراء هذه المأساة إلى تشكيل ثقافة محرفة في المعارف والأخلاق بل في الفروع الإعتقادية فرسخت في أذهان العوام ومتوسطي أهل العلم بحيث سلبت جرئت الإصلاح عن جمع من الخواص خوفاً من ثورة العوام، الذين انحرفوا بدورهم من سيطرة الخواص المتوسطين عليهم، وعدم اهتمام الحوزات العلمية والمسئولين الدينين بتهذيب الروايات وتحرير المعارف الإسلامية الشاملة. وهذا خطر عظيم للدين وأهله ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .[10]

3- الأضرار العقائدية:

لا يخفى أن العقائد لا بد أن تعتمد على المصادر اليقينية من الكتاب الكريم أو السنة المتواترة لا على الأخبار الضعيفة أو الموضوعة أو المحرفة أو الرؤى والمنامات، أما إذا كانت الأمة ابتنت عقائدها على مثل هذه المصادر فعليها السلام.

يتحدث السيد المرتضى حول ضرر الزنادقة والغلاة والكذابين على عقائد الأمة وحكى ما وضعه عبد الكريم بن أبي العوجا قال لما قبض عليه محمد بن سليمان وهو والي الكوفة من قبل المنصور وأحضره للقتل وأيقن بمفارقة الحياة: لئن قتلتموني لقد وضعت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة مصنوعة [11]

ومن ذلك حديث (لولاك لما خلقت الأفلاك….) فإن هذا إساءة للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله بل وللإمام علي عليه السلام ولسيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام.

4- التحريف في فروع الدين:

وقال السيد المرتضى حول تغلغل أفكار الغلاة إلى رواياتنا فيتحدث عن الروايات التي وردت عن أن شهر رمضان 30 يوماً لا ينقص فقال:

إن الصحيح من المذهب اعتبار الرؤية في الشهور كلها دون العدد، وأن شهر رمضان كغيره من الشهور في أنه يجوز أن يكون تاما وناقصا [12]

5- تغلغل الغلاة إلى داخل التراث وتحريف الإسلام:

قال عبد الكريم ابن أبي العوجاء حينما أيقن أنه مقتول: (أما والله – لئن قتلتموني. لقد وضعتُ أربعة آلاف حديث أُحَرِّم فيها الحلال وأُحَلِّل فيها الحرام. والله لقد فَطَّرتُكم في يوم صومكم وصَوَّمتكُم في يوم فطركم). فضربت عنقُه .[13]

قال الشيخ البهبودي معلقاً على كلام ابن أبي العوجاء: ومن الأسف. أننا نجد النموذج من هذه الأحاديث التي يفطّرنا يوم صومنا ويصوّمنا يوم فطرنا, في روايات الشيعة أكثر منها في روايات أهل السنة [14] .

6- التحريف يؤدي لمخالفة العقل:

وقال الشيخ المحسني معلقا على بعض الروايات غير المعتبرة وأنها باطلة تخالف العقل فقال:

ففي هذا الجزء روايات غير معتبرة سندا أصبح بطلان متونها وكذب محتواياتها من الواضحات عند المراهقين في المدارس، فهل يصح أن ننسبها إلى أئمة الدين فتبطل نبوة النبي وإمامة أوصيائه عند الناس ويتهم الإسلام بالكذب والجهل، والعياذ بالله. [15]

وعلق الشيخ المحسني على سعادة أيام الشهور العربية ونحوستها بقوله:

فهي أخبار عن أمور غيبية على طريقة غير عقلائية، وسوق المسلمين إلى التأخر عن مطالبهم الدنيوية بمرسلات منسوبة إلى الإمام الصادق عليه السلام فإنا لله وإنا إليه راجعون. [16]

7- إلغاء الروايات الصحيحة والمفاهيم القرآنية:

من المعلوم أن بعض المفاهيم أو الأحكام إذا اعتمدت على مصادر معينة ومنها روايات الوضع والتزوير بل والروايات الضعيفة وشغلت هذه الحيز الخارجي من الحكم الشرعي أو المفهوم الأخلاقي والاجتماعي فسوف تلغي ما يقابلها وما ينتفي معها سواء أكانت مفاهيم قرآنية أو روايات صحيحة وهذا ما حدا بالبعض إلى إلغاء الروايات الصحيحة التي لا يعمل بها والأخذ بالروايات الضعيفة لأنه معمول بها، بل قد تصل الحالة إلى تأويل المفاهيم القرآنية لأجل صالح الروايات الضعيفة كما في وجوب صلاة الجمعة.

8- تشويه سمعة الدين والاستهزاء به:
قال الميرزا النوري:

(إن وجود هكذا أخبار ضعيفة لا أصل لها ولا مأخذ مقرونة بكل هذه الأسباب المضعفة في أحد الكتب مما يراد منه تحقيق بعض الأغراض الفاسدة كإظهار كثرة التتبع والإطلاع وإيراد المطالب الجديدة والإستعلاء على المقاتل السابقة يعد إيجادا (لمسنا) خاصا بهذا المذهب.

والنتيجة الظاهرة لذلك وثمرته الواضحة إدخال الوهن العظيم على الدين ومذهب الجعفرية وتقديم أسباب السخرية والإستهزاء والضحك للمخالفين حيث يقيسون سائر أحاديث ومنقولات الإمامية على هذه الأخبار الموهونة والقصص الكاذبة حتى أنهم كتبوا في كتبهم أن الشيعة بيت الكذب. وإن كان هناك من ينكر هذا القول فإنه يكفيه أن يراجع المقتل المعروف فضلا عن نظائره ليرتفع إنكاره ويثبت عنده ذلك) [17]

ومن ذلك القصة المنسوبة إلى فاطمة الزهراء عليه السلام:

والتركيبات الموضوعة في حديث الكساء؛ فإن حديث الكساء من الأحاديث المتواترة عند جميع المسلمين أما أن يأتي شخص ويركب تركيبة ويؤلف ما يريده ثم ينسبه إلى فاطمة الزهراء عليها السلام ويستغل شهرة حديث الكساء وتواتره ثم يحور فيه بما يشاء إن مثل هذا العمل مما يقلل من شأن هذا الحديث العظيم ويسخر من سيدة نساء العالمين عليها السلام وكأنها امرأة عادية وهذه القصة على غرار (لولاك لما خلقت الأفلاك ….) وأساس هذه الفبركة مما لا مصدر له.

9- المبالغات الكاذبة وتشويه الشعائر الحسينية:

قال الميرزا النوري حول المبالغات الكاذبة في عدد القتلى الذين قتلوا يوم عاشوراء كما ينقله بعض المؤلفين حول يوم عاشوراء:

(مثلا لو سئل عظماء ديننا فقيل لهم: إن الشيخ الجليل علي بن الحسين المسعودي الذي هو منكم والذي عاصر الكليني ذهب إلى غاية المبالغة في تعداد من قتلهم سيد الشهداء عليه السلام في كتابه (إثبات الوصية) فقال: وروي أنه قتل بيده ذلك اليوم ألفا وثمانمائة 1800).

بينما يوصلهم ابن شهر آشوب على كثرت تبحره واطلاعه، ومحمد بن أبي طالب على ما نقله صاحب البحار على ألف وتسعمائة وخمسين قتيلا (1950).

ثم أوصلهم ذلك الكتاب الذي أُلِّفَ بعد أَلِفِ سنة من المسعودي إلى ثلاثمائة ألف (300.000) بينما جعل عدد قتلى أبي الفضل خمسة وعشرين ألف (25000) وقتلى الآخرين كلهم خمسة وعشرين ألف (25000).

فما حكم هذا الإختلاف والتعارض غير الإعتراف بكذب هذا الأخير الصريح. سبحان الله!! ما الغرض من هذه المبالغات وما الهدف من هذه الأكاذيب؟.

إذا كان المراد بيان شجاعته عليه السلام فإن إثبات هذا الأمر الحق لا يحتاج إلى التمسك بمثل هذه الأباطيل فلو قتل في ذلك اليوم مئة نفر (100) لكان أشجع الناس…..) [18].

10- الشحن المذهبي وما يؤدي إلى الضرر على المؤمنين:

إن الضرر على الآخرين من جراء الروايات غير المعتبرة والموضوعة أو روايات الفئات المنحرفة من الغلاة والمفوضة والوضاعين والكذابين قد سودت التاريخ وأوقعت الفتن بين المسلمين وجرت أنهر من الدماء وراح ضحيتها الملايين من المسلمين على طول التاريخ بلا جدوى وبلا فائدة.

قال المحسني تعليقا على بعض الروايات التي يكون نقلها غير مناسب وأنها توقعهم في الضرر:

ولا يبقى مثل كتاب بحار الأنوار في أصفهان وسائر بلاد المؤمنين وقراهم والله يعلم [كم من] الأضرار [تصيب] للمؤمنين في الهند وأفغانستان وباكستان وبعض البلاد العربية من جراء هذه الأحاديث، في ونفوسهم وأموالهم وأعراضهم. [19]

وكثيرة هي الأمثلة التي تقدمت والتي لم نشر إليها وهي في مجملها تشير:

1- إلى الشحن المذهبي بكل أبعاده، ففي مدرسة أتباع الخلفاء ولو على نحو وجوده في تراثه من أنه يشوه سمعة علي بن أبي طالب عليه السلام ويسقط منزلته في عيون من يحبه ويواليه ويحول تلك الفضيلة من مبيته على فراش النبي صلى الله عليه وآله إلى رذيلة وأنه بال في فراشه وبذلك يؤذي طائفة كبيرة يتبعونه ويحبونه ويشايعونه ويوالونه بل يؤذي جميع المسلمين بهذا العمل الشنيع ويشغلهم عن مهامهم وتقدمهم في أمور طائفية ومذهبية وجانبية.

2- وكذلك التحريف الذي وقع في تفسير الطبري حيث حذف قوله http://www.alradhy.com/images/prefix/a1.gif«ان هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم» وذكر بدله «ان هذا أخي وكذا وكذا!!» مع أن الطبري نفسه ذكر الحديث بتمامه في تاريخه بعين السند والمتن ولعل المحرف لم يطلع على تاريخ الطبري وإلا لحرفهما معاً.

3- أما فيما يرجع إلى ما وضع من فضائل يوم عاشوراء والتوسعة على العيال والاكتحال فيه فإن الشحن المذهبي واضح وبشهادة ابن الجوزي الحنبلي من أن هذه الأحاديث وضعها الجهال المتمذهبين بمذهب أهل السنة لإغاظة الشيعة وأنهم تفننوا في الكذب فيه.

بعض التحريفات عند الشيعة وفي تراثهم:

ما قام الجهلة من الشيعة أو المغرضون والمندسون فيهم تحت عناوين متعدد بالدس والتحريف والوضع في تراثهم فهو كثير وكثير.

فمن ذلك المقطع الذي دس في زيارة عاشوراء فقد أثار الفتن والإحن والشحن والعداوة والبغضاء وسالت أنهر من الدم ونشبت حروب طويلة لأجل هذا المقطع وما شابهه من فتن مذهبية، ويدفع المسلمون هذا الثمن الباهظ ثم يتبين بعد ذلك أنه مدسوس من الأعداء ولا أصل له في التراث.

الأضرار الناجمة من الوضع والتزوير وروايات الغلاة لا تنحصر فيما ذكر بل لها من السلبيات الشيء الكثير.

المحور الثالث: المنهجية العلمية وتحقيق التراث أو تحصين التراث عن التحريف اللفظي والمعنوي

ويتلخص ذلك بأمرين مهمين:

الأمر الأول: العمل التخصصي وهو عمل العلماء الجريئين في تصحيح تلك المسيرة وإصلاح ما وقع من تحريف في أي مجال من المجالات.

وقد تصدى العلماء الأعلام من صدر الإسلام وإلى يومنا هذا وبين كر وفر وصعوبات يمرون بها دفع بعضهم حياته في سبيل ذلك.

ومن أبرز الرواة في عهد الأئمة (عليهم السلام) الذين شمروا عن سواعدهم في الذب عن هذه المدرسة والدفاع عنها، أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري (من أصحاب الأئمة الرضا والجواد والهادي عليهم السلام) ويونس بن عبد الرحمن اليقطيني (من أصحاب الإمامين الكاظم والرضا عليهما السلام) والفضل بن شاذان النيسابوري (من أصحاب الإمامين الجواد والهادي عليهما السلام) وغيرهم كثير.

حتى وصلت النوبة في الغيبة الكبرى إلى العلماء الأعلام مثل الشيخ الصدوق (المتوفى 381 هـ) والشيخ المفيد (المتوفى 413 هـ) والسيد المرتضى (المتوفى 436 هـ) والحسين بن عبيد الله الغضائري (المتوفى 411 هـ) وابنه أحمد بن الحسين الغضائري (المتوفى حدود 450 هـ) والشيخ الطوسي (المتوفى 460 هـ) .

هؤلاء جميعاً وضعونا أمام الأمر الواقع وشرحوا لنا أخطار الأحاديث المندسة من الغلاة والكذابين والوضاعين حتى إن بعضهم وهو الشيخ الطوسي ألَّف كتابه الكبير تهذيب الأحكام لأجل علاج هذا الخطر المحدق بهذه المدرسة حيث الأخبار المختلفة والمتناقضة وأشار إلى أن العمل في كشف هذه الأحابيل وعلاج ما يمكن علاجه من أعظم القربات إلى الله.

الإرهاب الفكري:

ولنذكر على سبيل المثال ما صدر في السنوات الأخيرة، كتاب بعنوان (تصحيح تراثنا الرجالي) للشيخ محمد علي النجار درس فيه سلسلة أسانيد الروايات وبيَّنَ الأخطاء في الأسماء والرواة الواقعة في تلك الأسانيد مما يؤثر على صحة الرواية وعدمه بذل فيه المؤلف جهوداً جبارة يستحق أن يشكر عليها فقد بذل شخصياً ما تقوم به مؤسسة تتألف من عدة أشخاص وبين فيه خطأ واشتباه وتوهمات بعض الرواة والمؤلفين والمحققين والمؤسسات العلمية قديماً وحديثاً.

ومع هذه الجهود العظيمة إلا أنه ومع الأسف الشديد جُوبه بحملة قوية مستنكرة ومتنكرة لعمله بدل تأييده وتشجيعه أو نقده حتى كتب بعضهم فيه أنه (لو أراد أحد هؤلاء [يعني ابن تيمية وابن كثير وأحمد أمين والقصيمي ومحب الدين الخطيب] كتب في الرد علينا وتفضيحنا في هذا المجال أكان يسعه يهاجمنا أكثر من هذا؟ …) وعلى أثر هذا كما قيل قد منع كتابه من التداول وكان ينوي أن يصدر كتابه في عدة مجلدات ولكن قد طبع منه الجزء الأول.

والكتاب لا يتعرض لقضايا مذهبية ولا حتى للخرافات ولكنه حملت عليه الحملات غير المنصفة.

وبالرغم من أني أختلف مع النجار في المنهج والأسلوب في تحقيقات بعض الأخطاء وما يتوصل إليها ولحن القول الذي يستعمله مع من ينتقدهم إلا أنه يستحق الشكر والتقدير والتبجيل والإشادة بما قدَّمه من عمل علمي وقد استفادت من جهوده العلمية بعض مؤسسات التحقيق التي تحقق التراث وإن لم تشر إلى مصدر تلك النتائج التحقيقية.

الأمر الثاني: إشاعة روح النقد وحرية الرأي والتعبير فبه يصان التراث عن التحريف

فعن الإمام‏ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصادق عليه السلام، قَالَ: «أَحَبُّ إِخْوَانِي إِلَيَّ مَنْ أَهْدى‏[20] إِلَيَ‏ عُيُوبِي‏».[21]

هذا منطق الإسلام الذي يريد أن يعالج الإنسان جميع أمراضه الروحية والخُلقية كما يعالج أمراضه البدنية فالعيوب التي يتصف بها غير المعصوم تحتاج إلى من يشخصها لكي يعالجها فأحب الأشخاص إلى المرء من يساعده على التعرف على تلك العيوب ويوضحها لدى صاحبها فيقول الإمام عليه السلام إن هذا الشخص أحب إخوانه إليه.

فالعاقل اللبيب والحكيم الحصيف هو الذي لا يغلق الأبواب في نقده وكشف عيوبه بل عليه أن يشكر كل من يقدم إليه عيبه حتى ولو كان في لباس العدو لهذا كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ:‏ رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَهْدَى‏ إِلَيَ‏ عُيُوبِي‏ [22] كائنا من كان سواء أكان عدواً في لباس صديق أو كان صديقاً في لباس عدو. ويحذر من المادحين الذين يزينون له أعماله ويطرونه بما لا يستحق فإن هؤلاء أعداء في لباس أصدقاء.

وكَانَ بَعْضُهُمْ اعْتَزَلَ عَنِ النَّاسِ فَقِيلَ لَهُ لِمَ لَا تُخَالِطُ النَّاسَ فَقَالَ مَا أَصْنَعُ بِقَوْمٍ يُخْفُونِّي عُيُوبِي‏ [23]

فهؤلاء لا فائدة في مجالستهم بل مضرتهم أكثر من نفعهم.
حفظ الدين مبني على حرية الرأي وحرية النقد:
نقل شيخ الشريعة الأصفهاني المتوفى 1339 هـ عن بعض الأعلام:

(إنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأُمّة الّتي أعظم اللّه بها عليهم النعمة، حيث حفظهم عن وَصْمة محاباة أهل الكتابين، المؤدِّية إلى تحريف ما فيهما، واندراس تينك الملّتين، فلم يتركوا لقائل قولًا فيه أدنى دخل إلّا بيّنوه، ولفاعل فعلًا فيه تحريف إلّا قوّموه، حتّى اتّضحت الآراء، وانعدمت الأهواء، ودامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق بأضوائها، وشفاء القلوب بها من أدوائها، مأمونة من التحريف، مصونة عن التصحيف). [24]