مقالات

أمــــثولات حيــــّة للتقــــريب

9 مايو 2013
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
627 زيارة

أمــــثولات حيــــّة للتقــــريب

Iهاني فحص استطاع السيد محسن الأمين بعد سنوات قليلة من إقامته في دمشق أوائل القرن الماضي أن يتحول الى مرجع ديني وفكري وأدبي للناس وللنخبة من أهل الأديان والمذاهب، وأستاذاً لعدد من العلماء المميزين في توازنهم ووحدويتهم من السنة، فقد رفض التمييز بين الشيعة والسنة في دستور الدولة الذي وضع تحت سلطة الانتداب الفرنسي وبإملاء […]

الفيسبوك صانع ثورات..أم مدمر حضارات؟؟؟

9 مايو 2013
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
395 زيارة

الفيسبوك صانع ثورات..أم مدمر حضارات؟؟؟

 الإنسان كرمه الله وجعله في مرتبة متقدمة على سائر المخلوقات وليس له أفضلية عليها إلا بالعقل والقدرة على الاختيار فقدرته على التميز والتفكير لتغير واقعه والرقي به هي ما جعلت منه كائن راقي يخطئ ويصيب فهو ليس ملاك منزه أو شيطان منبوذ ولكنه خليط من هذا وذاك ففي داخل كل منا الجانب المظلم يصارع الجزء […]

من أجل فقه متغير في عالم متغير

9 مايو 2013
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
432 زيارة

من أجل فقه متغير في عالم متغير

تجتاح العالم العربي موجة مستمرة من الاحتجاحات بدأت تأخذ طريق الفوضى العشوائية، بعضها تلبس القناع الديني وتؤججها الفتاوي المختلفة والمتناقضة والتي تدعو بعضها إلى ممارسة القتل والفتن والاضطرابات والأحقاد في النفوس وممارسة الرذيلة. والتأييد والاستجابة التي تجدها تلك الفتاوي من مجموعات متباينة من الناس، على اختلاف مذاهبها، هو نتاج سياسات اتبعت في أجزاء عديدة من […]

ثقافتنا بين اتجاهي القطيعة.. للذات والآخر

9 مايو 2013
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
365 زيارة

ثقافتنا بين اتجاهي القطيعة.. للذات والآخر

تشيع في بعض الأمم والمجتمعات في بعض المراحل والمنعطفات التاريخية التي تمر بها هواجس ومحاذير مشروعة على هويتها الثقافية وشخص الحضارية، لا سيّما عندما تستشعر هذه المجتمعات بالتحديات أو التهديدات التي تحيط بها. ومن جراء ذلك تنتابها المخاوف على خصوصياتها الثقافية ونظمها الاجتماعية. وقد تبالغ بعض المجتمعات في سعيها لحماية شخصيتها و موروثها الحضاري فتتحسس […]

ﻓﻲ ﻣﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﻟﺴﻠﻔﻴﺔ ﺑﺸﻘّﻴﻬﺎ ﺍﻟﺸﻴﻌﻲ ﻭﺍﻟﺴﻨّﻲ – ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻟﺨﻂ ﺍﻟﻮﻋﻲ

9 مايو 2013
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
515 زيارة

ﻓﻲ ﻣﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﻟﺴﻠﻔﻴﺔ ﺑﺸﻘّﻴﻬﺎ ﺍﻟﺸﻴﻌﻲ ﻭﺍﻟﺴﻨّﻲ – ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻟﺨﻂ ﺍﻟﻮﻋﻲ

ﻣﻦ ﻭﻗﺖٍ ﺇﻟﻰ ﺁﺧﺮ، ﻳﻄﻞّ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺷﺨﺺ ﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﺃﻭ ﻫﻨﺎﻙ، ﻳﺤﺎﻭﻝ ﺇﺭﺑﺎﻙ ﺍﻟﺴﺎﺣﺔ ﻭﺇﺛﺎﺭﺓ ﺯﻭﺑﻌﺔ ﻓﺎﺭﻏﺔ، ﻋﻨﻮﺍﻧﻬﺎ “ﺣﺮﺍﺳﺔ ﺍﻟﻤﻘﺪَّﺳﺎﺕ ﻭﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺪﻳﻦ”، ﺗﺤﻤﻞ ﺑﻴﻦ ﻃﻴﺎﺗﻬﺎ ﻫﺠﻮﻣﺎً ﻻ‌ ﺃﺧﻼ‌ﻗﻴﺎً ﻣﻠﻴﺌﺎً ﺑﺎﻟﺘَّﺤﺮﻳﻒ ﻭﺍﻟﻜﺬﺏ ﻋﻠﻰ ﺭﻣﻮﺯ ﻭﺷﺨﺼﻴﺎﺕ ﻟﻄﺎﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻟﻬﺎ ﺍﻟﺪﻭﺭ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮ ﻓﻲ ﻧﺸﺮ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻹ‌ﺳﻼ‌ﻣﻴَّﺔ ﺑﻴﻦ ﻋﺎﻣّﺔ ﺍﻟﻨﺎﺱ. ﻣﺤﺎﺭﺑﺔ ﺍﻟﺨﻂ ﺍﻟﺘﻨﻮﻳﺮﻱ: ﻭﻋﻠﻰ ﺭﺃﺱ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﻣﻮﺯ، […]

جدل إسقاط مفهوم الغزو على الثقافة

2 مارس 2013
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
661 زيارة

جدل إسقاط مفهوم الغزو على الثقافة

يقرر ابن خلدون أنّ شيوع ظاهرة محاكاة الرموز الثقافية وتقمص العادات الاجتماعية للقوى المحتلة والمهيمنة هو شكل من أشكال الاستيلاء والاستحواذ ليس على البلد فحسب بل على الوعي الجمعي للمغلوبين. وذلك حين تخبو فيهم جذوة المقاومة وتسيطر عليهم حالة الانسحاق أو يتحكم فيهم شعور الانبهار بالغالب. وقد يكون مبعث بعض تلكم التصرفات في بعض الأحيان مجرد المسايرة والمجاراة.

ويقدم ابن خلدون مثلا حيا وقع في زمانه فيقول " كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم و الكثير من عوائدهم و أحوالهم حتى رسم التماثيل في الجدران و المصانع والبيوت، حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء"
ومن الواضح أنّ النص الخلدوني السالف لا يشير إلى مظاهر الاستيلاء العسكري، فهي واضحة جلية للعيان، بل إلى بعض الإفرازات النفسية والانعكاسات الثقافية التي تطرأ على الطرف المغلوب والمهزوم، ولهذا خصص استشعار الحالة المستبطنة للناظر بعين الحكمة و ليس لجميع الناس.
 وأحسب أنّ هذا المفهوم يلتق في عمق مضمونه و بعض دلالاته وتجلياته مع عدد من المفاهيم المعاصرة التي يستخدمها بعض الكتاب والباحثين في العادة في سياقات مشابهة من قبيل "الغزو الثقافي "و" الاختراق الثقافي " ومآلاتها مع بعض الفوارق.
وثمّة جدل مستمر يدور بين الباحثين حول استعمال مثل هذه التعبيرات التي تحمل مدلولات أمنية وعسكرية على المجال الفكري والثقافي وهناك من يتضجر من هذه الاستعمالات. ولكنها لا تعدوا أن تكون استعارات لغوية وقد غدت سائدة في الخطابات المعاصرة في مختلف المجالات الفكرية والعلمية. فحين نتأمل في بعض التعبيرات التي يكثر استعمالها في بعض البحوث من قبيل الإنفجار السكاني والإنفجار المعرفي والبنية التحتية والفوقية والحرب الباردة والقوة الناعمة والعصف الذهني وغيرها من التعبيرات نجد أنّه بات أمرًا سائغًا ومقبولا استعمالها في الكتابات العلمية فضلا عن الأدبية. وطالما كانت هذه الاستعمالات متقبلة في الأنظمة اللغوية و دارجة في المحاورات العرفية وسائدة في الخطابات العلمية. وطالما كانت أبواب البلاغة العربية شارعة وقواعد المجاز المرسل تستوعب كل هذه الاستعمالات، فلا معنى لإثارة الجدل حيالها.
  إنّ من نافل القول الإشارة إلى أن إسقاط مفاهيم الغزو والاختراق على الحقل الفكري والثقافي ليس مختصًا ببعض اتجاهات الفكر العربي الإسلامي أو التراثي التقليدي الماضوي، كما يحلو لبعض أن ينعتها. بل إنّ بعض الأدبيات الغربية التي قد ينظر إليها البعض كنماذج متقدمة تزخر بمثل هذه التعبيرات. و قد يقال إنه من قبيل المفارقة أن يتم استدعاء نماذج غربية لتبرير مثل هذه الاستعمالات في الخطاب الثقافي العربي في مقال يعنى بالاختراق الثقافي! ولكن يمكن حسبانه من زاوية أخرى على أنه من مقتضيات التفاهم طبق مرجعيات متعددة قد تكون أكثر مقنعة لبعض النخب الثقافية العربية.
 فالفرنسيون دأبوا على استعمالها منذ عقود، ففي نهاية السبعينيات صدر كتاب لهنري غوبار بعنوان "الحرب الثقافية "واستخدم فيه تعبير "المطرقة الثقافية الأمريكية " وفي سنة 1988 أصدر كالو ريبا مينا وزير الثقافة في السوق الأوروبية بيانا نبه فيه بشدة إلى خطر التهميش الذي تتعرض له الثقافات الأوروبية في عالم تسوده الصور و الرسائل الأمريكية. وفي عام 1990 صدر للكاتب التقدمي الفرنسي جان مارس دوميناش كتاب " أوروبا والتحدي الثقافي" ذكر فيه أنّ جعل اللغة الإنجليزية كلغة أوروبا الموحدة سيؤدي إلى عملية أمركة أوروبا.
كما استخدمت الباحثة الإنجليزية فرانسيس ستونو سوندرز في كتابها الذي صدر عام 1999 عنوان " الحرب الثقافية الباردة " واستعملت فيه تعبير أسلحة ثقافية.
 إنّ بعض المنظمات الدولية هي الأخرى شغلها هاجس القضاء على التنوع الثقافي في العالم، ومنها منظمة اليونسكو التي اسشعرت مبكرًا مخاطر العولمة على الهوية الثقافية للشعوب. فقد ندد المؤتمر الدولي للسياسات الثقافية المنعقد في المكسيك سنة 1982 بمواقف الولايات المتحدة التي تبذل جهودا كبيرة لنشر الثقافة الأمريكية واستعمال جميع الوسائل المتاحة لتحقيق هذا الهدف.
بل إنّ بعض الدول الغربية مثل فرنسا وألمانيا وكندا اشتكت من جراء الاتجاهات الساعية نحو فرض أنماط ثقافية معينة عليها واعتبرتها بمثابة غزو لثقافاتها وهويّاتها. كما أن عددًا من الساسة الفرنسيين كالرئيس ديستان وميتران اشتكوا من طغيان الإنتاج الأمريكي في التلفزيون الفرنسي وأبدوا خشيتهم على الهوية الفرنسية والأوروبية.
حتى أنّ وزير الخارجية الكندي الأسبق فولكنر تحدث عن تدفق البرامج الثقافية الأمريكية على كندا حتى جعل الأطفال فيها لا يدركون أنهم كنديون وقال: إن كان الاحتكار أمرا سيئا في صناعة استهلاكية فإنه أسوأ أقصى درجة في صناعة الثقافة حيث لا يقتصر الأمر على تثبيت الأسعار وإنما يتعداه إلى تثبيت الأفكار.
 و في فرنسا رفع المنتجون في الميدان السمعي و البصري و مديرو الصحف شعار " الاستثناء الثقافي " وفرض على القنوات الفرنسية أن تكون 60% من برامجها أوروبية و تغريم من لا يلتزم بذلك. وثمة اتجاه هناك يدعو إلى إيقاف أمركة أوروبا.
 كما حددت كل من الصين واليابان موقفيهما من موقع القوة والاقتدار تجاه الغربنة والأمركة و ميزتا بينهما وبين العولمة. و مؤخرًا قررت الصين تقليص البرامج الترفيهية في قنوات البث الفضائي إلى الثلثين من جراء الغزو الثقافي الغربي وللحد من الأنماط الاستهلاكية الغربية بين سكانها.
 

وكيف ما كان، فإنّ بعض الدول والشعوب تنظر إلى كثافة الحملات والبرامج الإعلامية والثقافية التي توجه إليها وبشكل غير متكافئ وغير طبيعي على أنّها أشبه بغزو من الخارج يستهدف التأثير على ثقافاتها ولغاتها وأنماط العيش المستقرة فيها. و تنظر إلى ما بات يعرف ببرامج نشر الديمقراطية والحريات الفردية وثقافة العولمة ودعم مؤسسات المجتمع المدني وما شابه على أنّها بعض أشكال الاختراق الثقافي.
وإذا كانت دول غربية مثل فرنسا وكندا التي تربطهما مع شعوب الولايات المتحدة الأمريكية أواصر و وشائج وأصول عرقية وثقافية وفكرية ودينية تخشى من هيمنتها على ثقافاتها وهوياتها و لغاتها، فإنه يغدو مفهوما ومبررا لأن يخشى العرب والمسلمون وبعض الشعوب الشرقية من عموم الهيمنة الغربية وسطوتها على قيمها وأصولها الثقافية والحضارية.
إنّ وقائع التاريخ تشير إلى أن مختلف الشعوب وبصرف النظر عن انتماءاتها الدينية والثقافية وفي ظل العلاقات غير المتكافئة بينها وبين غيرها من القوى المهيمنة، أو العلاقة الملتبسة بين المراكز والأطراف، تنتابها مثل هذه الهواجس والمحاذير على أصولها وخصوصياتها حين تمر بأوضاع مشابهة.
 لكن السؤال الحيوي الذي يهمنا حين تناول هذا القضية هو: هل ثمة مشروع ثقافي توعوي ووقائي عربي يقوم على تعميق الفهم للعصر واستيعاب تحدياته والتعامل معها في ضوء قيمنا وأصولنا الفكرية؟

 

 

تأملات في مقترحات “حب الله” لتكريس علاقات التقارب

28 فبراير 2013
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
34 زيارة

 رغم إننا في السلطنة، قد تجاوزنا بنجاح يحتذى به، النعرات الطائفية بأنواعها، ذلك التجاوز الذي أنجانا من سمومها المميتة، بفضل منهج "المواطنة" التي تحكم صلات الناس ببعضها في هذا البلد الأمين، إلا أن حُمى شحن الأجواء بدخان الطائفية في مساحة كبيرة من الخارطة العالمية لا يُبشر بالخير، ويدعو إلى مزيد من توخي الحذر. وفي الواقع، فإنّ خطوة الإعلان عن "أسبوع التقارب والوئام الإسلامي" العماني والتي غرب شمسها منذ أيام، قد جاوزت الحدود الوطنية والإقليمية، وبلغت تخوم العالمية لإيصال الرسالة التي سجلتها الآية رقم 10 من سورة الحجرات : "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم". ما أكثرها تلك المشتركات وأشدها تأصلا بين المسلمين، ومع هذا فإنّ قوى بث التفرقة استطاعت في مساحات من أراضي المسلمين تحديدًا أن تبتلع في تياراتها العديد ممن تمكن الإعلام المضلل من طبع صور قاتمة للغاية في أذهانهم عن بقية إخوانهم من المسلمين، حتى غدوا في نظرهم أسوأ من الشياطين، رغم أنّ الجميع يصلي لرب واحد، وباتجاه قبلة واحدة، ويتلو آياتٍ من كتاب واحد، ويسلم ختامًا على نبي واحد!

وما لفت نظري إليه، مجموعة من المقترحات في هذا المجال تحديدًا، مجال تأصيل الروابط بين أبناء المذاهب المختلفة، ورأب الصدوع في مواجهة تسلل الفكر الداعي إلى الطائفية المدمر، أثارها الباحث "حيدر حب الله" أثناء استضافة مركز السلطان قابوس العالمي للثقافة والعلوم له ضمن فعاليات أسبوع التقارب والوئام الإسلامي. الأولى منها، تعلقت بفتح أبواب الاجتهاد على مصراعيه في مجالات فكرية أخرى، كعلم الكلام والتاريخ وعلم الرجال، وبغيّة الباحث من ذلك إيصال الفكر الإسلامي إلى شواطئ المعذرية فيما تجتهد فيه العقول على غرار الفقه. فالفقهاء في الوقت الذي يختلفون فيما بينهم وفقًا لاجتهادهم، نراهم يعذرون بعضهم بعضا على أساس أن المجتهد إن أخطأ فله أجر وهو معذور، فلو تمرد هذا المبدأ من البقاء حبيس جدران الفقه فحسب، وأطلق لنفسه العنان إلى مساحات أخرى من الفكر الديني، لتوطدت عرى القرب بشكل أعمق في إطار الاختلاف الاجتهادي على مختلف الأصعدة الفكرية.
والثانية منها، المتعلقة بمبدأ فصل النقد عن الجرح، بحيث تزول العلاقة بينهما تمامًا في تداولاتنا الفكرية. ويريد الباحث بهذه النقطة أن يسكب الاحترام على كافة الآراء الدينية، وبغض النظر عن انتماءاتها المذهبية، في الوقت الذي يطلق للنقد حقه في ممارسة دوره البناء، بعيدًا كل البعد عن التجريح المسبب للتشنجات المؤدية إلى اضطراب العلاقات في إطار الدين الواحد. والإثارة الثالثة، حول تأسيس حاكمية العقل وما يدعو إليه من قبول الآخر والتجاوب معه، والإثارة الرابعة حول عدم اعتبار العقيدة والتاريخ الوجهين الوحيدين المعبرين عن الدين، بل جعل القيم والأخلاق والعلاقات الإنسانية فيما بينها، ضمن ما يمثل واجهة الدين، ووجهها الذي ينبغي نفض الغبار عنه. وآخر تلك المقترحات المثيرة التي أطلقها الباحث، نقطته حول الطفولة، وحمايتها من دخان الطائفية الصاعد إلى عنان السماء، وذلك عبر تأليف قصص للأطفال تكرس التقريب بينهم، وتبث في عقلهم اللاواعي مفاهيم تصبح لاحقًا سدًا منيعًا أمام محاولات بث سموم الفرقة والتنافر بين المسلمين. بحسب "حب الله" إننا لم نتحرك بعد نحو هذا الاتجاه إلى الآن. لقد دعا إلى تأسيس ثقافة التآلف والتقارب والتلاقي بين الأطفال، تتألف مضامينها من مفاهيم إيجابية تتعلق بالمذاهب المختلفة للمسلمين، ونادى بدور لوزارات التربية والتعليم في هذا الاتجاه، يتمثل في جعل الكتاب المدرسي معرفا للطالب بمكنونات تاريخه، وداعيًا له لتفهم الآخر، عبر عدم حذف جوانب من التاريخ، وحتى لا يُفاجأ الطالب بعد سنين من عمره أن ثمة مذاهب تُعد من نسيج وتراث وطنه، إلا أنّه لا يعرف عنها شيئا!
لا يسعني في هذه المساحة إلا أن أعلق على كل تلك المقترحات، ولذلك فسوف أكتفي حاليا بالتأمل في هذه الأخيرة تحديدًا. ذلك لأنّها قد تواجه قلة اكتراث، بل واستهجان من وجهة نظر ما، نظرًا لأنّ الأجواء المدرسية تقوم بشحذ العلاقات بكل حميمية بين جميع الأطفال، ودون أدنى تمييز على الإطلاق، والأجواء ذاتها وبالإيقاع ذاته تحكم مسيرة التعليم في السلطنة إلى آخر مداها، فلا مستدعى –حسب وجهة النظر هذه- إلى هذا القلق، الداعي إلى هذا المقترح تحديدًا. إلا أنّ قلق الباحث من تفاقم أجواء الشحذ الطائفي في أكثر من موقع إسلامي هذه الأيام، دعاه إلى طرح مبادرة مثيرة للغاية على الإعلام، على أن يتدارسه هذا الأخير بعمق. فعلى غرار تجربة "ستار أكاديمي"، دعا إلى تجربة مماثلة على مستوى طفولة منتقاة من عدة من الطوائف الإسلامية، تعيش جنبًا إلى جنب على مدى عشرين يوما ترصد كاميرا التليفزيون هذا التعايش، وتعرض هذا التفاهم والتقارب والوئام بين تلك الطوائف من الصغار، ولعلّ الباحث يريد بذلك أن يقول أنّ هذا التعايش سيكشف للعالم الإسلامي أجمع بأنّ هيئة صلاة طفل عن هيئة أخرى لطفل آخر – من قبيل مد اليدين أو تكتيفهما أو رفع اليدين بالدعاء في الركعة الثانية – وما شاكلها من اختلافات طفيفة، لم يكن لها أدنى حساب في التعامل الواقعي والأخوي لتلك الزمرة من الصغار. تُرى، هل الفكرة تستحق الاهتمام والدراسة والتأمل؟
وسواء وجدناها مبتكرة ومفيدة أو رأيناها مستهجنة وفاقدة للجدوى، إلا أنّي أرى أنّ بذل بعض الجهد لأجل إنشاء تركيبة ثقافية على مستوى الطفولة يؤسس لتقوية الوشائج، عبر تركيبة فريدة للغاية تتألف من رؤى تعرف بالمذاهب الإسلامية في إطار الاحترام، وتستعرض شتى الشخصيّات الدينية وإنجازاتها، سواء التاريخية أو العصرية؛ لمشروع يستحق العناء حقًا.
نريد لأطفالنا أن يقرأوا إنجازات ابن الهيثم في الكيمياء بجوار إنجازات ابن سينا في الطب والفلسفة، ويقرأوا لمحمد حمدي زقزوق بجوار محمد باقر الصدر، حتى لا يجدوا صدًا يمنعهم، بعد سنوات من العمر، من تناول تاريخ ابن زريق واجتماعيات ابن خلدون، وشرح الإشارات لنصير الدين الطوسي وتعليقات مرتضى المطهري على أصول الفلسفة، على غرار الأوروبيين الذين، ورغم أنّهم خاضوا حربين عالميين أهلكتا الحرث والنسل، إلا أنّهم عادوا ليلملموا شتاتهم بعدما أدركوا أنّ سبيل النجاح والتفوق لن يتأتى إلا بلم الشتات عبر وحدة اقتصادية وثقافية تستند على قبول الآخر باعتبار أن ثقافة الأخير هي جزء من ثقافته.. وإذا بنا نقتني كتبًا لأطفالهم – ترجمت إلى العربية لأطفالنا- تضم حلقة عن كولومبس وحلقة عن غاليليو وأخرى عن توما الأكويني وأخرى عن القديس أنسلم، ولكن دون أن نعي الدرس ونعتبر!
عادة ما تستهوي تجارب الأوروبيين منظرينا، فما بالهم لا يجدون في وحدتهم الثقافية تلك مدعاة للاحتذاء وعبرة؟
ولعلي أعود إلى بقيّة مقترحات "حب الله" التي أشرت إليها لاحقًا على صفحات هذه الجريدة الغراء.

 

 

الدولة الرعوية في عصر العولمة

10 فبراير 2013
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
11 زيارة

 

لا يمكن لعاقل أن ينكر أثر العولمة التكنولوجية على التحولات الثقافية والفكرية والمعرفية في العقل العربي، خصوصا ذهنية الشعوب

وعادة أي تحولات جديدة لا بد لها من المرور في مراحل عديدة، كي يتم هضمها عقليا وعمليا، ولا بد لها أن تمر بمخاضات لتتبلور كما يجب نتيجة التجربة والخطأ والتصويب.

وفي ظل الثورات العربية التي هبت على المنطقة وحركت مياه الشعوب الراكدة، بل لا نبالغ لو قلنا الآسنة، من تراكم عقود الاستبداد، بدأت حركات الوعي تتسرب إلى العقل الشعبي، وإن كانت هذه الحركات مازالت تمر بمخاضات نتيجة غياب عوامل مهمة في الحركات التصحيحية والثورية، أهمها قيادة حكيمة وإيديولوجيا فكرية منهجية تتناسب والزمان والمكان، وتحاكي الواقع لا من حيث يريد الناس، بل من حيث يحقق مصلحة الناس في العدالة الاجتماعية.

ومن ضمن حركات الوعي هذه بعض الحراكات الشبابية الكويتية التي يعلو صوتها للمطالبة بالاصلاح ومحاربة الفساد، وتحقيق إصلاحات سياسية جذرية تعمق من التجربة الديموقراطية الكويتية، وتوسع من دائرة مكونات العمل السياسي، وهذا الحراك ينمو وإن كان بطيئا، إلا أن الإشكالية تكمن في كيفية تعاطي المسؤولين في الدولة مع هذه الحراكات المطلبية من قبل جيل الشباب الذي يعتبر وقود الدولة في الحاضر والمستقبل.

إن الالتفاف على هذه المطالب، «سواء بالمواجهة الأمنية أو بالتشويه والحجب الاعلامي، لتوجيه وعي المجتمع باتجاه معاكس، أو من خلال ممارسة الرعوية المالية بمنح مالية للشعب لإبعاده عن هذه الحراكاتلاسكات صوته»، لا يأخذ إلا من رصيد الأجيال ومن رصيد طاقة العطاء لدى أبناء هذا الشعب، ويحول هؤلاء من قدرة عطاء وإبداع إلى طاقة معطلة اعتادت المنح المالي من دون مقابل أو من دون إنتاجية تصب في مصلحة الفرد والمجتمع والدولة، فتصيب «كل فرد» التخمة والترهل العقلي والعملي.

فثقافة الدولة الرعوية الواهبة للمنح المالية كي تسترضي الشعب وتسكت الأصوات الاصلاحية، هي ثقافة لم تعد ذات تأثير واقعي وحقيقي في عصر العولمة التي فقأت كل أعين الرقابة والمنع والحجب، واخترقت كل العقول سواء بطريقة سلبية أو إيجابية،

بل الأجدى من المنح المالية، سواء على مستوى الشعب أو الدولة، هو الاستثمار في الإنسان من خلال تنمية قدراته وتفجير طاقاته للابداع والعطاء للوطن، للوصول به للاكتفاء الذاتي، وتحقيق المطالب الاصلاحية الحقيقية العقلانية وفق الأطر الدستورية والقانونية البعيدة عن الفوضى والغوغاء.

فكما أن لكل مواطن حقا، فكذلك على كل مواطن واجب، أما ممارسة المنح المالي لمجرد ثراء الدولة من دون وجود إنتاجية تنموية من قبل المواطن فهو يعكس حقيقة واحدة، وهي ان هذه الاستراتيجية لا تخدم الوطن، فبذهاب الثروة المالية وفق النظام الرعوي سيذهب الوطن، لان امتدادات الوطن والدولة وفق المفاهيم الحديثة تَعْبُر خلال جسر التنمية في الإنسان، ووضع استراتيجيات لذلك، ومنهجيات تضمن سريانها وفاعليتها مهما تغير الشخوص والهدف هو استمرار وجود الوطن وهذا هو مفهوم السيادة الحقيقية.

 

 

 

نقاش هادئ لطروحات الشيخ علي جمعةحول التشيّع – نقد التشيّع: مناقشة في المنهج

2 فبراير 2013
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
879 زيارة

نقاش هادئ لطروحات الشيخ علي جمعةحول التشيّع – نقد التشيّع: مناقشة في المنهج



وضع التشيّع في السّنوات الأخيرة تحت المجهر، وقد نتج من ذلك حركة نقدٍ مطردة كمّاً ونوعاً لأفكاره في أدقّ تفاصيلها.

في كلّ الأحوال، فالنقد في حدّ ذاته أمر في غاية الأهميّة، وهو يعكس تطوّراً في البنية الثقافيّة للمجتمع الإسلاميّ، وخصوصاً عندما يتحوّل إلى أرضيّة علميّة لطرح الأفكار ومناقشتها بروحٍ موضوعيّة، أساسها الدليل لا العصبيّة. ولعلّ المرء يتفاءل خيراً عندما تزال الستائر الموهومة عن أفكار كلّ الجماعات المذهبيّة، لتصبح ملك الأمّة كلّها، ويكون النقد جزءاً من حقّها الطبيعي في التعبير عن حرّيتها الفكريّة.

لكنّ المشكلة عندما يختلط البعد الثقافيّ للنقد بأبعاد أخرى، أوّلها وأهمّها البعد السياسي؛ لأنّ النتيجة عندئذٍ ستكون تحويل أيّ جدلٍ فكريّ ثقافيّ إلى نوعٍ من الصّراع لتسجيل النّقاط من هذا الفريق على ذاك، وبالعكس. وأوّل انعكاسٍ لذلك سيكون على عامّة الناس، الّذين قد تنزع الأفكار والانتقادات لديهم من سياقها الفكري، لتصبح جزءاً من عمليّة تكفيرٍ مستجدّة للطّرف الآخر.

والأنكى من ذلك، أنّ طريقة الإثارة، عن قصدٍ أو غير قصدٍ، على عكس أيّ فكرةٍ تطرح كنقدٍ من هنا وهناك، قد تحوّل التشيّع ذاته إلى تهمةٍ، عن طريق استدعاء كلّ صراعات التاريخ بين الفرق الكلاميّة لدى المسلمين، فيتمّ بذلك قطع المسلمين عن واقع إخوةٍ لهم في الدين، بكلّ ما استجدّ فيه من تغيّرات وتطوّرات.

نحن لا نريد هنا أن ننكر أنّ ثمّة مشكلة تاريخيّة في الاعتراف المتبادل، نظراً إلى تراكمات الجدل الكلامي الذي ربّما يخرج من الدين على زيادة حرفٍ أو نقصان حرفٍ من تعبير هذه الجماعة أو تلك عن أفكارها العقدية، ولا سيّما مع استغلال ذلك من السلطة السياسيّة ـ تاريخيّاً ـ والتي كانت، ولا تزال، تهتمّ باستثمار أيّ اختلافٍ في تفتيت المجتمع ليسهل لها قياده… لكنّنا نريد أن نطلق هنا الصوت أمام المنهج والطريقة التي تتمّ بها مقاربة مواضيع باتت بالغة الدقة والحساسيّة في الواقع المأزوم مذهبيّاً إلى أبعد حدود، والمستهدف خارجيّاً إلى أقصى مدى.

ونحن إذ نطرح الموضوع من زاوية ما صدر تجاه التشيّع، فإنّنا نرمي ـ من خلال نقد المنهج ـ إلى تعميم الفكرة حتّى لِما قد يصدر تجاه التسنّن، بحسب التصنيف المذهبي للمسلمين، مما نرجو من الله أن يخلّصنا منه، عاجلاً أو آجلاً.

وأيّاً يكن الأمر، فإنَّ الإعلام يطالعنا بين وقتٍ وآخر، بمساهماتٍ من علماء ومفكّرين وكتّاب، تتعرّض بالنقد لبعض أفكار المسلمين الشيعة، وإن كانت بعض التعبيرات التي ينقلها الإعلام، تشطح إلى أبعد من نقد الفكرة، ممّا سنتناوله فيما يأتي من نقاط.

وما يستوقف القارئ المنصف، هو الطابع المنظّم للنقد، وهو ما بدأه مجمع البحوث الإسلاميّة في مصر، من تنظيمٍ لسلسلة من المحاضرات بعنوان: "مواجهة التيّارات الفكريّة الوافدة إلى المجتمع"، في قاعة الإمام محمّد عبده، في جامعة الأزهر الشّريف، نتوقّف فيها عند مساهمةٍ ممّن يملك الأريحيّة الإسلاميّة المنفتحة والجامعة، وهو العلاّمة الفذّ الشيخ علي جمعة، مفتي الديار المصريّة، للتأمّل والمناقشة في المنهج، لا من زاوية مناقشة الأفكار؛ لأنّني أعتقد أنّ المنهج هو الأساس؛ بل هو المسؤول عن تأزيم 1400 سنة من الجدل المذهبي الذي يستدعى بكلّه وكلاكله اليوم، مؤكّداً أنّ اختلاف الأفكار وحتّى التقويمات مهما بلغت حدّةً لا ضير منها بعد تأكيد قضيّة المنهج.

أوّلاً: بالنّسبة إلى القول بتحريف القرآن

أتى العلامة الشيخ علي جمعة على ذكر المحدّث النوري، في تأليفه لكتاب "فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب"، الذي يثبت فيه بالروايات تحريف القرآن الكريم، وسأثير هنا عدّة أسئلة:

1) المحدّث النوري ينتمي إلى المدرسة الأخباريّة، وهو يصحّح كلّ روايةٍ ترد في الكتب الأربعة: "الكافي" للكليني، و"من لا يحضره الفقيه" للشيخ الصدوق، و"الاستبصار" و"التهذيب" للشيخ الطوسي، ومع ذلك شذّ هو في رأيه ذاك؛ فهل يعقل تحميل الشيعة قول شواذّ من الإجماع الشيعي القائل بسلامة النصّ القرآني حتّى الحرف؟! وأنقل هنا نصّاً للشريف المرتضى (توفّي سنة 436 هـ)، يقول: "إنّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالأبدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة، فإنّ العناية اشتدّت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حدّ لم يبلغه فيما ذكرناه؛ لأنّ القرآن معجزة النبوّة، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتّى عرفوا كلّ شيء اختلف من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً ومنقوصاً، مع العناية الصادقة والضبط الشديد!"، ويختم كلامه عن المسائل الطرابلسيّات، أنّ "من خالف من الإماميّةوالحشويّة لا يعتدّ بخلافهم، فإنّ الخلاف في ذلك مضاف إلى قومٍ من أصحاب الحديث، نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا صحّتها، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته". والشيخ الطوسي يقول: "وأمّا الكلام في زيادته ونقصانه، فمما لا يليق بهذا الكتاب، المقصود منه العلم بمعاني القرآن؛ لأنّ الزيادة منه مجمع على بطلانها والنقصان منه، فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا"[1].

2) إنّ الأحاديث الَّتي تَنسب التحريف إلى القرآن، موجود مثلها في المجاميع الحديثيّة السنّية، فهل يلزم المسلمون السنّة بالقول بالتحريف لأنّها وردت في صحاحهم أو كتبهم الحديثيّة؟ ألم يكن وجه من وجوه النسخ، وهو نسخ التلاوة، لحلّ هذه الإشكاليّة التي يقول عنها المرجع الشيعي السيد الخوئي إنّها تفضي ـ برأيه ـ إلى القول بالتحريف، وعليه أنكر نسخ التلاوة؟

3) المسلمون الشيعة لا صحاح عندهم؛ فالكتب الأربعة الآنفة الذكر، تخضع كلّ رواية منها للنقاش السندي لتصحّح سندياً، فضلاً عن النقاش المضموني وموارد التعارض بين الدلالات وكيفية علاجها، ويمكن مراجعة كتب الفقه من أوّل مصنّفٍ شيعيّ إلى الآن، لترى تعبيراتهم عن الروايات بالضعف والإرسال والحسن والصحّة وما إلى ذلك؛ وجلّها من الكتب الأربعة.

4) وما دام الكلام ساقنا إلى كتب الحديث، ففي المنهج، لا تمثّل الروايات بالنسبة إلى العقائد والفقه، سوى معطيات ذات احتمال علمي، وعليه، فلا يمكن تحميل أيّ شخص مسؤوليّة وجود معطيات في كتبه، وإنّما يسأل عن النظريّات التي يراها من خلال تجميع المعطيات بعضها إلى البعض الآخر، فضلاً عن أنّ الفقيه أو عالم العقيدة، قد يلجأ أحياناً إلى رفض روايات بتمامها؛ لأنّه صحّ عنده ما يخالفها مما هو أقوى سنداً أو دلالةً. أليس في كتب السنّة روايات لم يلتزم فقهاء السنّة بالعمل بها؟!

5) نعم، على أساس ذلك، ندعو إلى اعتماد مبدأ أن لا صحاح عندنا جميعاً، حتّى ننتهي من مثل هذه المشاكل، سنّة وشيعة، ويتمّ ـ على الأقلّ ـ تأليف كتبٍ تصنّف الأحاديث بشكل واضح، ولو ضمن المباني الاجتهاديّة في علم الدراية والحديث.

6) يبقى أنّ العلامة جمعة يقول إنّ الشيعة المعاصرين هاجموا المحدّث النوري وحاولوا إخفاء الكتاب. ونقول: من الطبيعي ـ أوّلاً ـ أن يهاجمه المعاصرون، لأنّه ينتمي إلى حقبة زمنيّة متأخّرة، والواقع أنّ الكتاب غير متداول، لا أنّهم حاولوا إخفاءه.

ثانياً: بالنّسبة إلى صحّة العقيدة التوحيدية

أثار الشيخ علي جمعة المسألة الكلاميّة المعنونة بـ (البداء)، حيث قال: "يعتقد الشيعة بعقيدة "البداء"، والتي تعني أنَّ الله سبحانه وتعالى قد قضى شيئاً ثم غير رأيه وتراجع عن قضائه، وهو ما نرفضه نحن أهل السنة؛ لأن أهل السنة تعتقد أنَّ الله كشف الغيب انكشافاً تامّاً وعلمه علم تامّ، وأنّه سبحانه وتعالى عظمته لا تدركها العقول".

لن أطيل النقاش هنا لأثبت أنّ المراد بالبداء هو الإبداء في عقيدة الشيعة التي تتوافق مع عقيدة أهل السنّة، كما ذكر، ولكنّ العنوان موهم؛ فهل يصحّ الاكتفاء بالعنوان الذي يشار فيه أحياناً إلى عنوان الإشكاليّة، أو بملاحظة أثر المسألة من جهة الإنسان لا من جهة الله… سأكتفي هنا بإيراد ما روي في كتاب "الكافي" حول المسألة: في جوابٍ للإمام محمّد الباقر(ع): "العلم علمان: فعلم عند الله مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه، وعلم وملائكته ورسله، فما علّمه ملائكته ورسله فإنَّه سيكون، لا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله، وعلم عنده مخزون يقدم منه ما يشاء، ويؤخّر منه ما يشاء، ويثبت ما يشاء"[2]. وفي رواية أخرى، يسأل فيها الإمام جعفر الصادق(ع): هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالأمس؟ قال الإمام الصادق(ع): "لا، من قال هذا فأخزاه الله"، فيقول السائل: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، أليس في علم الله؟ فيجيب الإمام جعفر(ع): "بلى، قبل أن يخلق الخلق"[3]. فهل يصحّ التعمية على عامّة الناس فينسب إلى الشيعة القول بما يوجب الخزي بنصّ إمامهم الذي أخذوا عنه علم رسول الله(ص)؟! هذا كلّه فضلاً عن كلمات علمائهم التي تتّفق على أنّ المراد بالبداء الإبداء من جهة الله تعالى، والبداء من جهة الناس؛ فلتراجع كلماتهم في تصانيفهم في علم الكلام من أقدمهم إلى أحدثهم.

ثالثاً: قضيّة عدالة الصَّحابة وسبّهم أو تكفيرهم

ليس الجدل حول عدالة صحابة رسول الله(ص) بالشيء الجديد، ومن المهمّ اعتماد اللغة العلمية الصحيحة في مقاربة الأمور، لا أن تكون العصبيّة المذهبيّة التي لا تدقق في النقل والنسبة والتهمة لأيّ مسلمٍ، فضلاً عن صحابة رسول الله، الذين كان لهم قصب السبق إلى الإيمان، وتحمّل الأذى والجهاد في سبيل الله. وأمّا الشطح في ذلك، فهو ما لا نقبله، ولكنّه جزء من الواقع الذي علينا أن نفهمه، وخصوصاً أنّ تاريخنا مأزوم مذهبيّاً، وهو أنتج فكراً تأثّر به العامّة من الناس، وربّما ضغط العامّة على بعض الخاصّة الذين باتوا يخشون من سخط العامّة في تبيان الحقّ.

ومن ذلك التراث ما أشار إليه فضيلة الشيخ علي جمعة، من كتاب "بحار الأنوار" للعلامة المجلسي، وأنّ خمسة أجزاء منه تذمّ الصحابة.

وأقول ـ منهجيّاً ـ إذا كان الشّيعة يناقشون في أسانيد ما ورد في الكتب الأربعة، وهي المؤلّفة في عصرٍ قريبٍ من عصر أئمّة أهل البيت(ع)، فما بالك بكتاب "بحار الأنوار"، الَّذي توفّي صاحبه في سنة 1111 هجريّة؟! وخصوصاً أنّ كتابه عبارة عن كتاب جامع لما في الكتب، الَّتي منها مشهور ومنها كتب مهجورة، وبعضها كتب غلاةٍ كالبرسي مثلاً، وهو كما في البحار المائيّة، فيه الغثّ والسمين، والصدف والحجارة والفضلات؛ فهل يعقل نسبة ما فيه إلى الشيعة؟!

ثمّ إذا كان المؤلّف نفسه قد ألّف كتاب "مرآة العقول" لتفنيد أسانيد "الكافي" وشرح رواياته، فضعّف الكثير من رواياته، فهل تراه يلتزم بما جمعه هو في كتابه "بحار الأنوار" تصحيحاً لكل ما ورد فيه؟! ولو التزم به، فهل يصحّ نسبته إلى التشيّع وعلمائه السابقين واللاحقين؟!

نعم، نحن لا ننكر أنّ ذهنيّة العصبيّة التي "ينعم" بها العالم الإسلامي، وأتباع المذاهب كافّة، إنّما تستدعي من الكتب ما يغذّي حرارة العصبيّة دون ما يبرّدها، وهكذا يصنع اليوم كثير من أئمّة المساجد والحسينيات والنوادي والفضائيّات… من السنّة والشيعة معاً!

وفي المنهج نقول: إنّ التاريخ محمّل بالكثير من السلبيّات إلى حدّ القرف! وإذا كان الأمر أنّنا سنظلّ نستدعي التاريخ، فأعتقد بأنّنا نظلم الحاضر بكلّ تطوّره وأريحيّته، فأيّ المنهجين تختارون؟

رابعاً: مسألة التقيّة

أعتقد أنّ هذه المسألة غير ذات موضوع اليوم؛ لأنّها مرتبطة بحكم الاستثناء والضرورة نتيجة ضغط الواقع التاريخي، وأعتقد أنّها بذلك تمثّل مبدأ قرآنيّاً وإسلاميّاً عامّاً… أمّا اليوم، فـ "خرابيط" كلّ المذاهب هي online على كلّ مواقع الإنترنت، ويمكن لأيّ متصفّحٍ أن يتعرّف إلى أدنى تفاصيل عقائد المسلمين الشيعة ـ حتّى بما فيه مساس بالآخر ـ فهي بمتناول الجميع، وهذا أهمّ دليلٍ على نفي التقيّة بهذا المعنى، وما يناقش فيه الشيخ العزيز أفضل برهانٍ على ذلك.

أمّا أن تبقى تلك شمّاعة يعلّق عليها حالة إفقاد الناس الثقة بكل ما يسمعونه من الشيعة، فأعتقد أنّ هذا يمثّل مجانبةً للحقيقة؛ لأنّ هناك فرقاً بين أن تتحدّث عن تقيّة تأخذ بفقه الحالات الاستثنائيّة، وأشدّد أنّ فقه الحالات الاستثنائيّة أو الضرورة موجود في فقه الفريقين من المسلمين، وبين أن تتحدّث عن باطنيّة… لا، ليس الشيعة باطنيّين؛ وأعتقد أنّ التداول بهذه المفردة ينبغي أن ينتهي مع ما وصل إليه العصر من الوضوح، والمطلوب أن نكثّف جهودنا للبحث عن الفرق الباطنيّة التي لا تعرف لها قواعد ولا منهجاً، ولا عقيدة ولا شرعة.

خامساً: عصمة أهل البيت(ع)

لا مشكلة في اختلاف السنّة عن الشيعة في ذلك؛ ولكنّ المسألة تابعة للأدلة التي يسوقها المسلمون الشيعة من القرآن، كآية التطهير، ومن السنّة كروايات الثقلين وغيرها، وبذلك تكون المسألة موضوعيّة، ويتمّ مناقشتها من خلال الدليل والحجج؛ فلماذا تصوّر المسألة على أنّ بطلان عقيدة العصمة من المسائل البديهيّة التي تبعث على رمي مجرّد الاعتقاد بها بالغلوّ؟!

مع أنّنا نطرح ـ في المنهج ـ أنّ التبعيّة لأئمّة أهل البيت(ع) في ما بثّوه من علم الإسلام، لم يتوقّف لدى بعض الشيعة على عصمتهم؛ بل كان بين رواة الأحاديث أناس ينتمون إلى غير الشيعة، كما يلوح من كلامٍ للشهيد الثاني، الذي تدرّس كتبه في الحوزات العلميّة، يقول فيه بعد أن يسرد جملة من الاعتقادات في أئمّة أهل البيت(ع) من جملتها العصمة، وبعد أن يتساءل بأنّه هل يعتبر الإيمان بكلّ ذلك، "أم يكفي اعتقاد إمامتهم ووجوب طاعتهم في الجملة؟"، ثمّ يقول: "ويمكن ترجيح الأوّل"، أي الإيمان بالعصمة وغيرها، "بأن الذي دلّ على ثبوت إمامتهم، دلّ على جميع ما ذكرناه خصوصا العصمة؛ لثبوتها بالعقل والنقل". ويعقّب فيقول: "وليس بعيداً الاكتفاء بالأخير، على ما يظهر من حال رواتهم ومعاصريهم من شيعتهم في أحاديثهم عليهم السلام، فإنّ كثيراً منهم ما كانوا يعتقدون عصمتهم؛ لخفائها عليهم"[4]… وإذا كان هذا حال النقاش العقدي في المسألة، حتّى لدى الشيعة أنفسهم، فلا بدّ من الحذر في طريقة المقاربة النقديّة، حتّى لا نقع في منزلق الدلالات غير المباشرة للنقد، والتي تحرّك النقد على أساس التهمة، لا على أساس الحوار الموضوعي الهادف.

وفي ظنّي أنّ كلام الشهيد الثاني، يؤسّس لاعتبار حديث أهل البيت(ع) قاعدة تقارب علميّ فقهي كلاميّ بين السّنة والشيعة؛ لأنّ أغلب الأحاديث مرويّة عن الإمام جعفر الصادق(ع)، وهو أستاذ أئمّة المذاهب الإسلاميّة السّنّية، وهو ناشر علم أهل البيت(ع) في حقبة خفّت فيها الضغوط السياسيّة، نتيجة ضعف الدولة الأمويّة النازلة، وضعف الدولة العبّاسية الصاعدة.

أخيراً:

نعود ونؤكّد ما أشرنا إليه في البداية، أنّ كلاً من التسنّن والتشيّع، في اعتقاد المنتمين إليهما، أساس لعبادة الله الواحد، وهو ما يؤسّس لانفتاح العلم على أساس ما يثبت أنّه الحقّ؛ فلا نعتقد بعقيدة لمجرّد أنّها عقيدة جماعتنا، هنا وهناك؛ لأنّ هذه عصبيّة، وأنّها عبادة لغير الله تعالى؛ لأنّ العنوان ـ التسنّن أو التشيّع ـ يتحوّل من كونه طريقاً لمعرفة الله وعبادته، إلى كونه غايةً، وهنا يبدأ الشرك.

إنّ علينا جميعاً أن نعمل لتأسيس بيئة علميّة، لا سنّية ولا شيعيّة، ولعلّ المنطق العلمي يرفض مذهبة العلم؛ فلا يستطيع عالم شيعي أن يشكّل قناعته في أيّ فكرةٍ اقتصاراً على دائرة مجاله الشيعي، ولا العالم السنّي كذلك؛ لأنّ فكر الآخر يفرض نفسه، ولو كاحتمالاتٍ، على فكري، شئت أم أبيت. وحالات الاستبعاد المصطنع للاحتمالات فقط لأنّها تنتمي إلى مجال مذهبٍ آخر، هو تحكّم في الأدلّة والمعطيات، وهذا منطق غير علميّ. كيف؟ والقرآن كتابنا جميعاً، وجلّ الأحاديث التي يريها المسلمون مشتركات.

وفي الختام نقول: بات من المعيب أن نتحرّك ـ سنّة وشيعة ـ بالتكفير، في شكلٍ مباشر أو غير مباشر، وخصوصاً عندما يستند التكفير إلى الاجتزاء، أو إلزام الناس بما لا يلتزمون به، لمجرّد أن بعض المنتمين إليه يلتزمون فكراً ما أو عقيدةً ما… كيف؟ والتزام الأفكار يتمّ من خلال أدلّة يطرحها هؤلاء وأولئك، فلتناقش؛ فإذا عرف الإنسان الحقّ وجحده، فعندئذٍ يكفر هو، ويعرف هو أنّه كافر يستر الحقّ…

لا نريد أن نفتح باب الحديث حول معايير التكفير؛ ولكنّ الدماء تسيل أنهاراً، والأجيال الصاعدة تحمل كثيراً من أعباء التاريخ الذي نتحمّل مسؤوليّة تأكيد المنهج الأصوب في التعامل معه، لتبدأ عجلة جديدة من صناعة الفكر… والله من وراء القصد.


[1] للوقوف على كلمات علماء الطائفة الشيعية في مسألة التحريف، يراجع كتاب (صيانة القرآن من التحريف) للعلامة الأستاذ محمد هادي معرفة، طبع قم، إيران، إصدار مؤسسة النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين، وقد نقلنا الكلام من هناك.

[2]الكليني، الكافي، ج1، ص 147، باب البداء، حديث 6.
[3]الكليني، المرجع نفسه، حديث 11.
[4] راجع: الشهيد الثاني، حقائق الإيمان، ص 151.
 
 
 

تهافت أطروحة «الإسلام المبكّر» للمستشرقين باتريسيا كرون ومايكل كوك

2 فبراير 2013
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
4 زيارة

كتاب «الإسلام المبكّر الاستشراق الأنغلوسكسوني الجديد: باتريسيا كرون ومايكل كوك أنموذجاً»، هو في الأصل أطروحة جامعية للباحثة التونسية آمنة الجبلاوي. والمستشرقان الدنماركية باتريسيا كرون والبريطاني الأميركي مايكل كوك ينتميان إلى مدرسة الاستشراق الجديد أو ما يعرف بالمدرسة الجذرية أو التصحيحية (Reviosinism) التي برزت في سبعينات القرن العشرين مع المستشرق الأميركي جون وانسبرو في محاولة لإعادة فهم جذور الإسلام ونشأته عبر التشكيك بوثائقية النصوص الإسلامية واللجوء إلى مصادر غير إسلامية معاصرة لنشأة الإسلام، من يونانية وآرامية وبيزنطية وأرمينية وعبرية.

يرى أستاذنا الدكتور رضوان السيّد في دراسته «المستشرقون الألمان: النشوء والتأثير والمصائر»، أن طرائق هؤلاء النقديين والمراجعين الجذريين للاستشراق تفكيكية وأنثروبولوجية تسعى لتحطيم الصورة السائدة في الدراسات العلمية الاستشراقية عن ماضي المسلمين وحاضرهم.

باتريشيا كرون ومايكل كوك، وهما تلميذان لوانسبرو، نشرا كتاباً مشتركاً أطلقا عليه اسم «الهاجرية» (Hagarism) أثار ردوداً في الدراسات الاستشراقية، إذ وجّه المستشرق الألماني الشهير جوزيف فان أس نقداً موجعاً لهما في مراجعة لعملهما «الهاجرية» بسبب سوء فهمهما للإسلام وتقاليده وآثاره. ولاحظت آمنة الجبلاوي أن كوك وكراون قد تشبثا بمنهج واحد، غلب على المدرسة الأنغلوساكسونية في أعمالهما، وهو المنهج المادي الأركيولوجي(المتعلق بعلم الآثار) فيما اتبعت المدرسة الألمانية خطاً فيلولوجياً تاريخياً واتبعت المدرسة الفرنكوفونية خطاً تفكيكياً في مقاربتها للدراسات الإسلامية. وأوضحت أن كوك قد ركز على الجانب العرقي في كتابه «محمد»، واعتبر أن السامية العربية غير أصيلة بما أن هاجر أم إسماعيل هي أمّة مصرية سوداء فيما خصّص أكثر من صفحة للتشكيك في توحيدية إسماعيل وجعل وراثة الجذور الإبراهيمية من حق إسحاق وذريته فحسب. ولا شك أن يهودية كوك قد لعبت دوراً في هذا الموقف العنصري والذي يفسّر محاولته وكرون في «الهاجرية» أن يصوّرا الإسلام وكأنه استنساخ مشوّه للمذهب السامري اليهودي.

وتنقل الجبلاوي عن كرون وكوك قولهما إن كل ما قيل عن الإسلام «المبكّر» ينطلق من مسلمة فحواها أنه يمكن استخراج الخطوط الكبرى لعملية نشأة الإسلام من خلال المصادر الإسلامية. ولكننا نعلم جيداً أن هذه المصادر متأخرة، فأول أثر عن وجود القرآن يعود إلى آخر عقد من القرن السابع الميلادي، أي القرن الأول الهجري. أما الحديث وغيره من الروايات التي تتعلق بعملية كتابة الوحي فلا أثر يقرّها قبل بداية النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي أي الثاني للهجرة. ويدعو الباحثان إلى النظر إلى السنّة الإسلامية (Tradition) على أنها خالية من مضمون تاريخي محدد، ويزعمان أن ما يعتبر روايات لأحداث دينية تعود إلى القرن الأول للهجرة لا تصلح إلا كي تعتمد في دراسة الأفكار الدينية في القرن الثاني للهجرة.

ويزعم المستشرقان أن جوهر الرسالة المحمدية يهودي النزعة بسبب قول الرسول إنه الرسول المنتظر واعتقاد بعض اليهود أن محمداً هو مسيحهم المنتظر ويدعمه سفر الرؤيا المعنون «أسرار الحاخام شمعون بن يوحاي». وينقل كرون وكوك أن في تاريخ الإمبراطور هرقليوس الذي وضعه الأب سيبيوس بالأرمينية شخصاً يدعى المسيح المنتظر «عمر» ويعتقدان أن هناك خلطاً قد وقع بين شخصية عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص في بعض المصادر المسيحية، ويشيران إلى رواية تاريخ الطبري عن زيارة عمر الرابعة إلى سورية راكباً حماراً.

ولعل هذه المزاعم ينقض بعضها بعضاً فإذا كانت المصادر غير الإسلامية، وهي مسيحية أو يهودية معادية للإسلام وذات طبيعة سجالية لاهوتية، تخلط بين محمد وعمر، وبين عمر وعمرو بن العاص، فكيف نستند إليها في فهم نشأة الإسلام ونستغني عن المصادر الإسلامية؟!

يتهم المستشرقان النصوص العربية بعدم الموثوقية وبكثرة النحل انطلاقاً من دافع بناء الدولة الإسلامية ومن انتماء واضعي النصوص إلى نخبة متواطئة مع سلطة سنّية حاكمة ومن حاجة العلماء إلى تقديم صورة مثالية ومتماسكة عن الدين الذي رفع من شأنهم. ولكن ألا يصح الأمر نفسه على النصوص غير العربية، المسيحية واليهودية المعاصرة لنشأة الإسلام، ألا ينتمي واضعوها إلى نخب دينية قد تكون متواطئة مع السلطة الحاكمة المسيحية أو اليهودية المعادية للدين الجديد؟ وألا يمكن اتهامهم بعدم الموثوقية والنحل والتحريف لتشويه الإسلام؟

ويواصل كوك وكراون بناءهما التخيّلي لنشأة الإسلام، اعتماداً على مخطوطات سريانية ويونانية، فيزعمان أن المسلمين الأوائل لم يحملوا اسم «المسلمين» في بداية الدعوة، بل حملوا اسماً مبكراً هو «مهجراي» أو «هاجري» Mahgraye، بحسب بردي يوناني يعود الى عام 642م ومصدر سرياني يعود الى عام 640م. بينما أول أثر ترد فيه عبارة «إسلام» يمكن أن يؤرخ بشكل دقيق عام 691م في قبة الصخرة في القدس. ويذهبان في تخيلاتهما إلى أن هجرة المسلمين لم تكن من مكة إلى يثرب بل من الجزيرة العربية إلى الأرض الموعودة، فلسطين. ولعل الكاتبين يخلطان بين تسمية المهاجرين» أي المسلمين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وبين لفظ المهجراي أو الهاجريين» الذي يبدو أن اليهود والمسيحيين في سورية وفلسطين قد أطلقوه على المسلمين لتعريفهم نسبة إلى نسبهم الممتد إلى هاجر، زوجة النبي إبراهيم، أم اسماعيل.

ويشير كرون وكوك إلى أن المسلمين الهاجريين قد تأثروا باليهود السامريين ونقلوا عنهم، بحيث يمثّل الحرم المكي أول أثر للتأثر الإسلامي بالسامرية. فقد ارتكزت السامرية على رفض قداسة «أورشليم» وتعويضها بحرم إسرائيلي أشد قدماً.

ويشكّك المستشرقان في صحة نسبة الكعبة، الحرم الإبراهيمي الإسماعيلي بحسب المدوّنة الإسلامية، إلى اسماعيل، بل يشكّكان في وجود مكة نفسها في فترة نشأة الإسلام، وذلك لأن أول مصدر غير إسلامي يتحدث عنها ، وهو مصدر سرياني يعود إلى أواخر القرن السابع. هذا المصدر المسيحي الذي يعود إلى بداية حكم هشام، يحدد موقع بيت إبراهيم بين مدينة «أور» (جنوب العراق) وحرّان (في سورية). ويتابعان نقد الجغرافيا المقدسة الإسلامية فيشكّكان في موقع الحجاز ويثرب ويعتقدان أن الطائف تتلاقى في أكثر من صفة مع مدينة «سخيم» الواقعة في سفح جبل «الجارزيم»، وهو جبل يقع في سلسلة جبال مدينة نابلس الفلسطينية. ونابلس هي السامرة قديماً.

ويحاول الباحثان في عملهما الكبير «الهاجرية» وفي أعمال أخرى التشكيك بالمسلمات الإسلامية بدءاً من «تسمية الإسلام» وصولاً إلى وجود مكة ومكان الكعبة وجغرافية يثرب والطائف وغيرهما، والاستدلال بالمصادر غير الإسلامية، للقول إن الإسلام نشأ في فلسطين وأن الرسول محمد قد نقله عن السامرية، محاولين المقارنة بين تلقي محمد الوحي في غار حراء وتلقيه موسى الوحي في سيناء، أو بين الحج في عرفات وحج السامريين إلى جبل الجاريزيم في نابلس. وهي مقارنة لا تخلو من تبسيط وقلة فهم للإسلام وطبيعية تشابهه وتقاطعه مع الديانتين السماويتين المسيحية واليهودية في الكثير من العقائد والطقوس، لكون مصدرهما واحد.

كما يعتبر كوك وكرون أن النقل الثاني الذي نقله المسلمون عن السامرية هو البحث عن مشروعية للنفوذ السياسي الهاجري، فكانت الإمامة الإسلامية تقليد للسامرية السياسية التي أضفت مشروعية مستمرة على الكهانة الهارونية، وجعلت تمازجاً بين النفوذ الديني والسياسي.

وتأخذ الباحثة الجبلاوي على المستشرقين كرون وكوك عيوباً عدة في أعمالهما، أبرزها المنهج التجريبي الذي يبني النظرية التاريخية حول ثلاثة معطيات: أولها المصادر غير الإسلامية، وثانيها المخطوطات العربية، وثالثها الشهادات التي نستقيها من الآثار(قطعة نقود، شاهد قبر، الخ..). وتحصر الجبلاوي العيوب الأخرى التي يمكن نسبتها إلى الموروث النظري الاستشراقي في نقاط خمسة هي: الإسقاطات والخلط التاريخي والذرائعية والإلغائية الآلية وأخيراً الانتقائية.

أما الإسقاط الكتابي فيتمثل بتطبيق المستشرقين للمناهج الفيلولوجية في نقد النصوص المقدسة اليهودية والمسيحية على النصوص الإسلامية، وهذا تصوّر قاصر لأن تأخر هذه النصوص عن تاريخ الوحي الحيّ هو تصوّر يقترن بتاريخ هذه النصوص الكتابية ولا ينطبق على الوحي القرآني. يعلّق المستشرق البريطاني كرون سرجنت على مقالة كرون في تاريخ الإسلام الأول قائلاً إن «جلّ حجج كرون قائمة على نفي البديهيات وتقديم حجج قائمة على السلب وإن مفاهيمها خاطئة وكثيرة للجدل». أما بشأن الاعتماد على المصادر غير الإسلامية فإن الجبلاوي تؤكّد استحالة اعتبار هذه المصادر بريئة تماما أو على الأقلّ أكثر تجرّداً من المصادر الإسلامية، فهي نابعة من شهادات من هم في موقع المنخرط في الصراعات الدينية والعسكرية والسياسية مع الحضارة الإسلامية.

وقد وجّهت الجبلاوي نقداً شديداً لمنهج كوك وكرون وأظهرت التنافر الكبير بين ادّعاؤهما العلمية وبين حقيقة الاختيارات المتبعة من قبلهما، من خلال محاولة تطويع المادة التاريخية بحيث تتناسب والنتائج التي يريدانها. فهل قلة الثقة في سلامة المادة المصدرية العربية هي ما يدفع المستشرقين حقا لعدم إيلائها العناية اللازمة؟ ذلك ما يصرح به كلاهما على الأقل لكنهما لا يحترمان مبدأ القرب الزمني دائماً، فيستعملان مثلا مادة مسيحية تعود إلى القرن العاشر الميلادي، بل يعودان أحياناً إلى المصادر العربية التي قال بإقصائها بصفة مطلقة إذا ما صادف أن وافقت افتراضاتهما!