borneowebhosting video bokep indonesia bokepindonesia informasiku videopornoindonesia

الشيرازي .. مفكر السلم ورائد الإصلاح

13 سبتمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

التاريخ الإسلامي حافل بعلماء وفقهاء تباينوا في قدراتهم العلمية، ورؤيتهم الاجتماعية، وتفاعلهم مع الأحداث ومواكبتها بأسلوب يتواءم مع حركة التغيرات والأزمات، أثروا عالمنا الإسلامي برؤاهم ونظرياتهم التي شملت أغلب معالم الحياة، فأعطوها طابعا وبعدا عملي ترجم على أرض الواقع، ليتواصل الإسلام مع حركة الحياة  الإنسانية بروح عصرية متجددة.
ولو أننا أردنا أن نختار واحدا من أبرز أولئك المجددين في الفكر الإسلامي الحديث، والذين كان لهم حضور فاعل في كل زوايا الحياة، فسيقع اختيارنا على الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (ره)، الذي عمل على ترجمة أفكاره ونظرياته إلى مشروع  نهضوي شامل،من أجل النهوض بالأمة، وتحريرها من الانحطاط والتخلف، يستمد قوته من جذوره النابعة من عمق الثقافة والأصالة الإسلامية، ومن قدرته على مواكبة كافة التحديات والمتغييرات.
لعل من أبرز المسائل الهامة التي أولى الإمام الشيرازي الراحل اهتمامه بها: مسألة  التأليف والكتابة، للتعبير عن أفكاره ورؤاه في إنهاض الأمة وتصحيح مسارها، حتى أنه كتب ما يزيد عن الألف ومائتي كتاب في شتى المواضيع. وتقع موسوعته الفقهية الكبرى التي حوت أكثر من 150 مجلدا، وتجاوزت صفحاتها السبعين ألف صفحة من القطع الكبير في قمة مؤلفاته،بحث فيها كل أبواب الفقه، والمسائل المستجدة والحديثة.
 يذكر ابنه الفقيه الراحل السيد محمد رضا (ره) في كتابه خواطر عن السيد الوالد: " كان الفقيد يعتقد بأهمية التأليف ويرى أنه قاعدة مهمة من قواعد النهضة الحضارية. وكان ينتهز كل فرصة للتأليف. كما كان يحرض الآخرين على ذلك".
ويقول محمد حسين الصغير في كتاب انفجار الحقيقة: "السيد الشيرازي منذ شبابه الأول حتى شيخوخته الفتية، وفي ستين عاماً من عمره المبارك، كان حريصاً على التأليف، مؤثراً له على سواه من الأعمال".
وعند مطالعتنا لبعض كتب ومؤلفات الإمام الشيرازي الراحل، نجدها تتصف بالكثير من السمات التي قلّما تجدها عن الكثير من الكتاب المعاصرين، فكتاباته تتسم بالحضور الجماهيري، وبالروح الثورية والانفتاح والتطلع إلى المستقبل المشرق، وبالاستدلال بالآيات والسنة النبوية، بالبساطة والعمق الفكري، وبالتمسك بالأصالة وبالروح العصرية المتجددة،وبالدعوة إلى الوحدة والسلام، وإلى حكم إسلامي عالمي.
وقد طرح الإمام الشيرازي الراحل العديد من النظريات التجديدية والرؤى العصرية، في الفقه والاجتماع والسياسة والقانون والحقوق والاقتصاد والبيئة والتاريخ ومواضيع أخرى، كما تناولت أفكاره الإبداعية في لغة طرحها وانسجامها بين الدين والعصر مفردات هامة التي تستشرق آفاق الحاضر بالمستقبل، كما عمل على تأسيس المؤسسات الخيرية، والمشاريع الثقافية والاجتماعية، حتى تخرج على يديه العديد من المربين والعلماء والكتاب والمفكرين والخطباء، أصبح كل واحد منهم مشروعا قائما بذاته.
نظرية اللاعنف أو السلام.
 وتمثل نظرية اللاعنف أو السلام ، ركيزة أساسية في النظرية السياسية للإمام الشيرازي ، فكان يؤكد على : أن منطق الرسل والأنبياء، هو منطق السلم واللاعنف والاحتجاج العقلاني من أجل إنقاذ البشرية. ويرى أن: من أهم ما يجب على الدولة الإسلامية المرتقبة، والتيار الإسلامي التزام حالة اللاعنف .ويقول الإمام الشيرازي : فالحركة الإسلامية التي تريد النهوض عليها أن تتخذ السلام شعاراً عملياً حتى تتمكن من استقطاب الناس، وفي هذا الإطار كان يقرر الشعارات التالية : السلام أحمد عاقبة، السلام ضمانة بقاء المبدأ، السلام دائما، السلام فعلا وقولا وكتابة وفي كل موقع ومع كل الناس.
البناء والتقدم الاجتماعي.
للإمام الشيرازي رؤيته في البناء الاجتماعي، ترتكز على بناء  الفرد ضمن المؤسسة ( الأسرة- المجتمع)، والعمل على تطوير دور المرأة، ومشاكل العائلة الحديثة، وأسباب الطلاق، مع اقتراحات في كيفية المحافظة على نقاء المحيط العائلي، وإمكانية تأهيل الطفل للمستقبل، مشيراً إلى أهمية التقدم العلمي في خدمة العائلة. كما ناقش فكرة التجديد في المؤسسات الاجتماعية بأنواعها، وكذلك تجديد البنية الاجتماعية للاجتماع ويعيب على المجتمع الراكد بقوله: إنه في المجتمع الراكد يركد كل شيء، ويسير الزمان بتؤدة وبطئ وتخلو الحياة عن التجدد، ويكون كل فكر جديد وحركة جديدة موضع الأعراض والازدراء والاستهزاء، وإن لم ينفع الأعراض في ردع من أتى بتلك الفكرة، وتلك الصنعة، حكم المجتمع عليه بالسجن والقتل ونحوها، وبينما المجتمع المتحرك المتصاعد يجعل للتقدم جوائز، سواء من اكتشف فكراً جديداً أو صنعة جديدة، يقف المجتمع الساكن ضد أولئك بالتكفير والتشهير والعقوبات الجسدية وما إلى ذلك. و يرى أن المجتمع يجعل تدريجياً لنفسه قوانين يراها ملائمة لحياته النفسية والجسمية.
شورى المراجع وقيادة الأمة.
وتعتبر نظريته ( شورى المراجع ) هي إحدى النظريات العملية والسياسية للإمام الشيرازي، وتعني أن يقود الأمة الإسلامية عدة مراجع يتشاورون فيما بينهم ويديرون الدولة الإسلامية وشؤون المسلمين أجمع، ولقد تناول السيد هذه الفكرة في كتاب (الشورى في الإسلام) وكتب أخرى، راعى فيها حق العلم من جهة، وحق الأمة من جهة ثانية، كما راعى فيها أصالة الحرية إلى أبعد الحدود، ربط بينها وبين العدالة ربطا جدليا محمكا. فكان يرى أنها الصورة الإسلامية المثلى للحكم الإسلامي، لكن ليس عن طريق الفرض والقهر.  وقد أيده العديد من المرجعيات لمعرفة ذلك مراجعة كتاب (مطارحات مع قادة الفكر الإسلامي ).
الحرية بلغة العاشق لها.
والمتتبع لمؤلفات الإمام الشيرازي يجد اهتمامه بـ(مفهوم الحرية )،مقدما رؤيته الواضحة والمتأصلة لهذا المفهوم، وكان ينطلق في تصورها لمفهوم الحرية من أن الإنسان مفطور بطبعه وتكوينه وتأسيسه على الحرية، وليست هبة أو منحة من أحد. مؤكدا على إن الإسلام منح الإنسان الحرية ( الفكرية – الاجتماعية- السياسية- الاقتصادية). والحرية في فكر الإمام الشيرازي الراحل، تتمثل في  الأمور التالية:الحرية أصيلة في روح الإنسان، الإسلام يجمع بين أصالة التحرية وضرورة التحرر،الحرية هي التي تؤطر القوانين الاجتماعية، التحرر هو الطابع العملي للحرية في الحياة.
مفردة العدل في فكر الشيرازي.
وللإمام الشيرازي حديث عن موضوع ( العدالة) بمعناها السلوكي والاجتماعي، تتسم تارة بالطابع الوعظي العاطفي عبر شحن النفس  بجملة  من القصص  الواقعية،  على انتصار العدل على الظلم، وأخرى بطابع الفكر والتنظير؛ حيث يرى أن العدل من الأسس التي تقوم عليها الدولة الإسلامية، وأن العدل الاقتصادي يعني التقريب بين الطبقات وليس تسويتها،وفي هذا يرفض المجال يرفض الملكية في صورتيها المتناقضتين ( الإفراط والتفريط( من منظورها الماركسي والرأسمالي ، ويتجه الاقتصاد الإنساني إلى الاعتراف بالملكية المعتدلة.
التنظيم الحزبي وحرية التجمع.
يتحدث الإمام الشيرازي الراحل عن ( التنظيم الحزبي) ضمن فلسفة رؤيته السياسية الشاملة، وهذه الرؤية تقوم على الحرية والتقدم الاجتماعي، شورى المراجع، المشاركة السياسية،وهي عوامل تساعد على بناء العمل الحزبي. فالإمام الشيرازي يؤمن بحرية العمل الحزبي لأنه من أدوات التطور، لذلك يرى أن التنظيم يشكل أرضية صلبة لكل عمل هادف وضرورة حيوية، وهو بذلك يدعو إلى التوسل بالتنظيم لأداء الأدوار السياسية والاقتصادية والرسالية.وعن حرية التجمع يقول: " لا حق للدولة في منع التجمع، سواء كان تجمعا وقتيا في مجلس احتفال أو عزاء أو تبادل رأي، أو تجمعا استمراريا، مثل عقد الجمعيات والنقابات وما أشبه ذلك، لما تقدم من أصالة حرية الإنسان".  ويربط الإمام الحزب بالجماهيرية بمعنى ،وكما يقول: " أن تكون مؤسسات التنظيم وعناصره ملتحمة بالجماهير… ينظم طاقاتها ويقودها في معارك التحرر ضد الاستعمار والاستبداد". واضعا مقومين رئيسيين للحزب كي تكتسب الصفة الجماهيرية: القيادة واحترام الجماهير. كما يعتقد أن من الضرورة أن يكون التنظيم " استشاريا ولا استبداديا، فالاستشارية ما وضعت على شيء إلا سببت تقدمه وازدهاره".
 ختاما أقول للحقيقة: لا شك أن الإمام الشيرازي علم من أعلام هذه الأمة، ومفكر من مفكريها، ومرجع من مراجعها الكبار، ورائد من رواد الحركة الإصلاحية، فهو يمثل أنموذجا مشرقا فريدا في عصره والعصور التي سبقته،كان يتطلع لتوحيد الأمة الإسلامية تحت راية واحدة في ظل التعددية، واحترام القانون، والشورى، والحرية، وقد أصل لها في كتابه ( السبيل إلى إنهاض المسلمين) . وكانت دعوته إلى العدل، والالتزام بالشريعة، والعودة إلى الأصالة، واستيعاب متطلبات العصر، والتعاون في ظل التنافس، سمات جوهرية  متجذرة في عمق  مشروعه الحضاري.
رحل الإمام الشيرازي عن هذه الحياة، تاركا خلفه إرثا ضخما إنسانيا حضاريا نهضويا، حوى كل جانب من جوانب الحياة، ولم يترك إرثا لشخصه أو لفرد من أفراد عائلته. رحل هو مطمئن أن هذا المشروع الحيوي سيجد من  يتحمل مسؤوليته، وسيبقى له الاستمرار في العطاء والعمل.

مبدأ الحوار أساس النباهة الحضارية؟

13 سبتمبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة


كلما تفكر الإنسان في الحياة، يزداد يقينا أن الحوار و محاولة فهم الآخر و تقريب التصورات و المقاصد هو البلسم لكل أوجاعه الاجتماعية و السياسية و الثقافية الحضارية عامة،لكن يبقى هذا اليقين مغامرة مليئة بالمطبات و الحفر و المنعرجات و التضحيات و التهم، أما النجاح  للوصول إلى واقع إنساني سماته التعاون والتسامح و التعايش فإنه تعب مستتعب، أي صعب المنال دون دفع مستحقات الفواتير النفسية و الفكرية و الاجتماعية و حتى الجسدية أحيانا…
بصراحة: مبدأ الحوار هو ذلك السهل الممتنع في حياتنا، لأن معيار الاجتماع لدينا، ليس القيم الثقافية الجامعة، و لكنه المصلحة الذاتية أو بتعبير آخر الجهة و القبيلة و الحزب والخصوصيات على حساب الحق و العدل في الأعم الغالب، و ذلك نابع من عدم تفكيرنا في  مواصفات الفكر الثقافي الذي صنع تاريخ المجتمع العربي الحديث، أقصد ما نلاحظه من مفاهيم و مواقف و صراعات و تكتلات و تكتيكات و تعبئة للجماهير، أي ثقافة أنتجت هذا كله ومن منحها الشرعية التي سمحت لها بالتغلغل و التجذر في عمق الحياة الاجتماعية، حتى أصبح الحوار مضيعة للوقت بينما تسخين الأجواء الخلافية  و الصدامية بين أبناء الأمة الواحدة و الوطن الواحد و الدين الواحد و المذهب الواحد و المصير الواحد هو الفريضة الواجبة…؟؟
إن هذا التساؤل المركب يمنح وعيا حقيقيا بسر تخلف الواقع الإسلامي و انحطاط معالم النباهة الحضارية…  التناقض الحاصل في مجتمعاتنا المجهرية و الكبرى ما هو سوى محصل حاصل عدم التفكير في صناعة التاريخ و تفضيل العيش وفق الفلسفة القدرية المطعمة بالنرجسية  الثقافية لدى الفرد و القبيلة و الحزب و المذهب و كل الانتماءات و الهويات المتشعبة…
بكلمة: المشكلة الحقيقية لدى الإنسان العربي أنه قهر نفسه بنفسه يوم حرم إنسانيته من الإنفتاح على مبادئ الحياة الثابتة و أولها الحوار، فمن أصغر خلية في الواقع العربي إلى قمة الهرم، معادلة الحوار غائبة تماما، مما جعل أجيالنا لا تؤمن بالرأي و الرأي الآخر بل هناك الرأي الأوحد و الوحيد…هكذا  تم نسف الحوار من حياتنا يوم حلت الفلسفة الفرعونية "لا أريكم إلا ما أرى". أما اليوم في عالم متزايد الاتساع و التشعب أصبح الحوار مبدأ استراتيجي في إدارة الحياة لا غنى و لا بديل عنه، مهما اشتدت الأزمات، الحوار هو الملجأ و المنهج الرائد في إدارتها و التخطيط و التنظيم لحلها ثم استثمار النتائج  في بناء الاستقرار السياسي و الاجتماعي، بل أكثر من ذلك أصبحت إنسانية الإنسان و المجتمعات تقاس بمدى اتقان مبدأ الحوار في تفاصيل الحياة  سواءا على مستوى الأسرة أو العمل أو بالمرافق العامة أو فيما بين الطوائف و التعدديات و كذا الدول…
ببساطة: الحوار كمبدأ لا يمكنه التغلغل في عمق الإجتماع العربي و الإسلامي المعاصر، إلا إذا أصبح واقعا حيا يجسده ساسة أمور الرعية من آباء و سياسيين و مثقفين و اعلاميين و علماء دين و حكومات و نواب و ما هنالك ممن لهم الأثر و التأثير في حاضر و مستقبل الإنسان العربي و المسلم…وبالتالي يبقى إلتزام مبدأ الحوار هو عنوان النباهة الحضارية…و الله من وراء القصد.

_________________________________________
(*)كاتب و باحث إسلامي      


أعمال شريعـتي من الثورة إلى الإصلاح

9 سبتمبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
667 زيارة

أعمال شريعـتي من الثورة إلى الإصلاح


1 ـ ليس سهلاً ـ في مقالة توصيفية تحليلية ـ تناول نتاج مفكّر كبير مثل الدكتور علي شريعتي؛ لأنّ ما قدّمه شريعتي من أعمال علمية وثقافية لم يكن سهلاً ولا ذا تأثير بسيط، فهذا المصلح الديني البارز في إيران هيمنت أفكاره على الساحة الإيرانية بشكل قلّ نظيره، ويؤكّد لنا هيمنة أفكار شريعتي على المثقف والكاتب الإيراني وعلى الحياة الثقافية الإيرانية:

أ ـ الإحصاءات التي تصرّ على أنّ ما كُتب حول شريعتي في إيران يساوي مجموع ما كتب حول الأفغاني ومحمد إقبال ومهدي بازركان وطالقاني ومطهري، وأنّ هناك مائة وخمسين دراسة عنه حتى عام 1997م حسب إحصاء الباحث المتتبّع محمد اسفندياري، وهذا معناه أن المثقف الإيراني كان مشغولاً في جزء كبير من اهتماماته الثقافية والكتابية في التأمل بعلي شريعتي وأفكاره ونظرياته، ليس المثقف المعاصر له فحسب، بل الجيل الذي أتى بعده، لأنّ ما كتب حول شريعتي في المكتبة والصحافة الإيرانية بعد انتصار الثورة عام 1979م كان هو الأساس في هذه الإحصاءات.

ب ـ الإحصاءات والمعلومات الكاشفة عن حجم تداول كتابات الرجل في الساحة الإيرانية، فمن المعروف إيرانياً أن العقد الستيني من القرن العشرين كان عقد المهندس مهدي بازركان، فيما العقد السبعيني كان عقد الدكتور علي شريعتي، أما عقد الثمانينات فكان عقد الأستاذ مرتضى مطهري، فيما عقد التسعينات كان للدكتور عبدالكريم سروش.

لقد هيمنت كتب وكراسات شريعتي على الحياة الإيرانية في السبعينات سيما ما بين عام 1978 ـ 1980م، وقد طبعت أكثر من مائة كراسة وكتاب في هذه الفترة ودفعةً واحدة من ناشرين مختلفين في وقت واحد، حتى صار معدّل نُسخ كل كتاب من كتبه يتراوح بين العشرة آلاف والمائة ألف نسخة، فيما كان معدّل عدد نسخ الكتب العادية آنذاك لا يتجاوز الألفين إلى ثلاثة آلاف نسخة، حتى بلغت بعض الإحصاءات أن أكّدت أن مجموع ما طبع لشريعتي في السبعينات لمجموع كتبه وطبعاتها وصل إلى خمس عشرة مليون نسخة وهذا ما يؤكّده شريعتي نفسه ـ من حيث المبدأ ـ إذ يقول: إن كتابه حول الولاية وصل إلى مليون نسخة، ويؤكّد هو نفسه أن عدد الطلاب الجامعيين الذين سجلوا اسمهم في درسه بلغ خمسين ألف طالب، بل تفيد بعض التقارير التي نشرت عن وثائق السافاك الإيراني أن حسينية الإرشاد في السبعينات كانت تطبع كل ثلاثة أيام كتاباً لشريعتي كان طُبِعَ من قَبْل.

وإذا حسبنا ـ كما يقول الأستاذ بهاء الدين خرّمشاهي، الذي كان رئيساً آنذاك للمكتبة الوطنية ـ حسبنا كتب شريعتي مع الكتب الأُخرى سنجد أن معدّل طباعة كتب شريعتي أكثر بمائتي ضعف من غيرها، ولا ننسى ما قاله المهندس مير حسين الموسوي إحدى الشخصيات البارزة في الحزب الجمهوري الإسلامي الذي كان يقوده الدكتور بهشتي، إذ يقول: إنهم وعبر ملئ استمارات لأكثر من ثلاثة مليون شخص من الحزب تبيّن أن 90% من أعضائه كانت الكتب التي يطالعونها ترجع إلى شريعتي. وصغر حجم كتب شريعتي ـ التي أخذت تجمع فيما بعد على شكل كتب جامعة ـ ساعد أكثر فأكثر على نشر كتبه وانتشارها.

ولا يفوتنا أيضاً أن عدد سكان إيران آنذاك كان حوالي الخمسة وثلاثين مليوناً فقط، فيما لم يكن عدد طلاب الجامعات ليتجاوز المائة وخمسين ألفاً حسب الإحصاءات. وقصّة الصورة التي نشرت في إيران عام 1979م لا تدع مجالاً للشك في خيالية المشهد، فهذه الصورة تبيّن وجود صفّ طويل من الناس يقفون أمام محل لبيع الكتب بشكل مزدحم؛ ليشتروا من مكتبة (كتابفروشي آذر) المقابلة لجامعة طهران.. ليشتروا كتب شريعتي، إنها تشبه صفوف الفقراء على المخابز وأمثالها، وهو أمر لم تشهد إيران له مثيلاً.

وإذا أضفنا الكتب التي حملت اسم مؤلف مستعار وعرفت أنها لشريعتي، سوف تتضح الصورة أكثر، فقد كان لشريعتي الكثير من الأسماء المستعارة قبل انتصار الثورة تبلغ حوالي 24 اسماً، ومنها: علي علوي، علي خراساني، علي شريفي، علي سبزواري، ع، شمع، مصباح..

نعم، بعد انتصار الثورة وإلى مجيء الرئيس الإيراني السابق السيد محمد خاتمي حصل إعراض واسع ـ لأسباب متشابكة ـ عن كتب شريعتي، فالمسألة السياسية وتوظيف بعض المعارضين السياسيين لأفكار شريعتي في معارضة النظام الجديد للحدّ من سلطة المؤسسة الدينية كانت من جملة العناصر التي أحدثت ردّ فعل من طرف السلطة وحدّت من الاهتمام بكتب شريعتي؛ فصارت طبعاتها نادرة، حتى أنّك تجد في الأسواق الطبعات القديمة غير المصحّحة وفق قواعد التصحيح الحديثة، لكنّ مجيء خاتمي أعاد إحياء شريعتي وطباعة كتبه، وكتابة دراسات عنه، وعقد ندوات عديدة، وقد قام منظرو الحركة الإصلاحية بإعادة استحضار أفكاره وتحليلها، لاسيما من جهة مسألة الإصلاح الديني والسياسي، ومسألة العلاقة مع المؤسّسة الدينية. كما ظهرت في العالم العربي حركة ترجمة لنتاج شريعتي، طبع قسم مهم منها في بيروت.

2 ـ وإذا أردنا تحليل أعمال شريعتي، فلابدّ أن نعرف أنّ أحد الأسباب الرئيسية لهيمنتها على العقل الإيراني يعود إلى نزعة ثقافة الأيديولوجيا التي كان يحملها؛ لهذا تحوّل إلى قائد أيديولوجي يملك كاريزما نادرة، إضافةً إلى حركة النقد الداخلي التي مارسها شريعتي ضدّ الحياة الدينية الإيرانية، من كتابه التشيع العلوي والتشيع الصفوي، إلى كتابه مذهب ضدّ المذهب، إلى كتابه معرفة الإسلام، إلى كتابه «أبي وأمي نحن متهمون» و… إن وجود ثورة عارمة ضدّ الواقع والمفاهيم في بلد صاخب كإيران يجعل حركة النقد قائمةً على قدم وساق، وسيكون هذا النقد مقبولاً طالما لا يصبّ في صالح السلطة (الشاه) والدفاع عنها وسط حياة غاضبة منها ومن أعمالها، وهذا بالضبط ما كان لشريعتي؛ حيث جمعت كتاباته بين اتجاهين نقديين في حياة القرن العشرين هما:

أ ـ الاتجاه النقدي الثائر ضدّ الطبقية والاستبداد، وهو اتجاه غذّته في العالم الإسلامي آنذاك الحركة الشيوعية واليسارية عموماً، لهذا وجدنا عند شريعتي مقولات تشبه اشتراكية أبي ذر الغفاري، وحضوراً لافتاً للاقتصاد في نتاجاته تمثل في رفض المنطق البورجوازي بتمظهراته في المجتمع.. فتحدّث عن زهد علي.. وفي سياق رفضه الشامل للطبقية، بلغ الحال بشريعتي أن طرح مقولة «إسلام بلا رجال دين أو بلا مؤسسة دينية» وهي المقولة التي أثارت غضباً عاماً ضدَّه في الأوساط الدينية في إيران، أي في مجتمع كانت تركيبته الاجتماعية قائمة على هرمية يقف المرجع الديني على رأسها.

وأظن بأن أطروحة شريعتي الداعية إلى «بروتستانتية إسلامية» والتي أفرزت الدعوة إلى إلغاء طبقة علماء الدين، كانت وراء الانتقادات الأخرى التي سجلت ضدّه، مثل قضية الصلاة خلف أبي بكر قبيل وفاة رسول الله؛ لأنّ هذا التحليل لهذه القضية بالذات، والذي مارسه شريعتي من منطلق علم اجتماعي، وهو اهتمامه المعرفي الرئيس في كتاباته، لم يكن ليشكل بالضبط خوفاً على الحياة الشيعية المذهبية، فحركة نقد المقولات المذهبية في إيران آنذاك لم تكن لتشكل خطراً جدياً، وإن كانت موجودة مع أبي الفضل البرقعي وعبدالوهاب فريد وغيرهما، سيما عندما نأخذ بعين الاعتبار اهتمام الشيخ مطهري بهذه القضية بالخصوص في سياق نقده لشريعتي، وهو الذي كانت لديه انتقاداته المذهبية أيضاً.

إن الذي يعرف الحياة الثقافية والاجتماعية في إيران ويحلّل الخطاب الديني الإيراني لا ينتابه شك في أن المؤسسة الدينية ذات حضور بارز تحكي عن نفسها دوماً وترى أنها في موقع المؤامرة عليها، وأن الإسلام مربوط بها، وذلك بشكل أكبر مما هو موجود في العالم العربي، ولهذا من الطبيعي هنا أن يكون لهذه المقولة تأثير الصدمة في المجتمع الإيراني.

وفي سياق كسر الهيمنة الطبقية لرجال الدين ـ كما يراه شريعتي ـ وجدنا ظهور شريحة من رجال الدين في إيران، غير معهودة كثيراً في العالم العربي الشيعي، حيث لا ترتدي هذه الشريحة لباس رجل الدين، بل هناك ـ تحت تأثيرات وتداعيات مسألة الطبقية هذه ـ من خلع عمامته وجبّته دون أن يبالي بتداعيات هذا الأمر حتى صار أمراً سائداً إلى حدّ ما، وليس آخر من فعل ذلك ـ وهي إشارة معبّرة ـ الشيخ محمد مجتهد شبستري أحد أبرز رجال الدين الإصلاحيين في إيران الذي خلع مؤخراً عمامته وزيّه الديني كلياً، بعد عقود طويلة.

وهذا هو ما يفسّر ـ امتداداً لمسيرة شريعتي ـ نقد الدكتور عبدالكريم سروش لمقولة «وحدة الحوزة والجامعة» على أساس أنه ما دام رجل الدين هو صاحب السلطة ويقف في طبقة عليا فلن يمكن تحقيق وحدة أو تناغم بين الحوزة والجامعة، وهذا كلّه يرجع إلى المقول الطبقي الذي كان من أولويات عمل شريعتي، إلى غيرها من امتدادات هذه الجهود التي بذلها شريعتي، ليس آخرها نقد هاشم آغاجري لمسألة التقليد.

ب ـ الاتجاه النقدي الثائر ضدّ المقولات الدينية التي يعتقد أنها لعبت دوراً في تخلّف المسلمين، وهذه المادة النقدية التي قدّمها شريعتي في التشيع العلوي والتشيع الصفوي وغيره، شكّلت أحد المنطلقات التي صدرت على أساسها الفتاوى ضدّ كتبه التي اعتبرت كتب ضلال، حتى من بعض المرجعيات الكبيرة آنذاك، فطبيعة التشيّع السائد في إيران كانت ـ من وجهة نظر شريعتي ـ تاريخية، أي إنها من إفرازات ما يسمّيه شريعتي في بعض كتبه (الاستحمار) الذي تمارسه السلطة، إنه استخدام منطق الدين للتجهيل والاستغباء وتفريغ الوعي وتسطيحه.

3 ـ ورغم الحركة النقدية التي عرفتها كتب شريعتي، إلا أن أيديولوجيته وحماسته وثوريته كانت تساعده على تقديم شخصية ذات مصداقية على مستوى الرأي العام؛ لهذا نجد كتب شريعتي جماعاً من التفكير النقدي القائم على أسس سيسيولوجية من جهة، والمشروع النهضوي القائم على ثقافة الأيديولوجيا من جهة ثانية، والحركة الإصلاحية التي تمثلت في دعوته لبروتستانتية إسلامية، أي إعادة تمثل التجربة المسيحية واللوثرية.. من جهة ثالثة.

4 ـ لكنّ خطّ شريعتي تحوّل في التسعينات تحوّلاً جذرياً، فالتفكير النقدي لتياره لم يعد قائماً على أسس علم الاجتماع، بل على أساسيات علم المعرفة والإيبستمولوجيا مع الدكتور سروش و.. كما أن المشروع النهضوي تخلّى عن الإيديولوجيا بل ونقدها كما فعل سروش نفسه، ليستبدلها بحيادية العلم ـ ولو على مستوى الادّعاء ـ وصارت الثقافة الصوفية الإيمانية مشروعاً بديلاً لأدلجة الحياة، كما رأينا مع شبستري وملكيان وغيرهما، وهكذا ظهرت موجات نقد لبروتستانتية شريعتي، وتحدّث بعض كبار الباحثين مثل «نيكفر» عن استحالة الإصلاح الديني في الوسط الإسلامي، وأن نقل التجربة اللوثرية إلى عالمنا ـ كما أراد شريعتي ـ ضربٌ من الخيال.

هذه تحوّلات جذرية جادة في مدرسة شريعتي، لا ندري هل ستنمو أم ستعرض عليها ما عرض من مشاكل على تجربة شريعتي نفسه؟

5 ـ وأخيراً، ومهما تحدّثنا عن شريعتي المفكر العملاق فلا ينبغي أن نكون مقلّدةً له، كما يفعل كثيرٌ من مثقفينا، بل إنّ من حقوقه علينا أن ننتقده ونتخطّاه ونستفيد من تجربته تراثاً لنتقدّم نحو الأمام إن شاء الله، سيما وأنّ أكثر كتبه إنّما هو نتاج محاضرات وخطب، الأمر الذي يفسح المجال للعثور على ثغرات.

من هنا، نتحفّظ على الأسلوب الدعائي التهويلي الذي يستخدمه بعض الباحثين بهدف إحياء شريعتي، مؤجلاً نقده، أو مفترضاً أننا بحاجة إليه اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، فهذه الطريقة تناقض منهج شريعتي نفسه ومنهج أمثاله من الذين يرفضون ـ حدّ الإمكان ـ تعميم مقولة المقدّس.

اليوم، نحن بحاجة إلى إعادة قراءة شريعتي؛ لكن ليس لتوظيفه سياسياً ضدّ أحد، بل لاستخلاص العبر من تجربته في نقاط قوّتها وضعفها، وهذا ما يستدعي توازناً في مطالعة الرجل، لا ينحو منحى التبجيل ولا يتّجه ناحية التفسيق والتضليل، علّنا بذلك ـ سما مع تطوّر الدرس الديني اليوم ـ نستفيد من التراث بدل أن نستنسخه بحرفيّته.



 




[1]نشر هذا البحث في العدد العاشر من مجلة نصوص معاصرة، ربيع عام 2007م.


صدر الدين الشيرازي – رائد المدارس الإمامية في الاجتهاد والإبداع الفلسفي

9 سبتمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

التمهيد

يعتبر الاجتهاد من أبرز مزايا المدارس الإمامية إلى جانب حضور العلوم الفلسفية، لأنه يعتني الاستقلال في بحث الموضوعات المتداولة، وهو ظاهرة مميزة لاقت الأهمية، وحظيت بالاعتبار والامتياز. إلاّ أن هذه الظّاهرة في فترات من التاريخ ضاقت لتنحصر في مجال الفقه، ودائرة الأحكام الفقهية، فالذي يبلغ مرحلة الاجتهاد لا يقلد أحداً، ما بلغت أراؤه الشخصية إلى نتيجة ما بعد الفحص والتأمل الدقيق في الأدلة والمصادر، وكان لا يقبل بأي نتيجة لا تقع على الآراء المقبولة لديه، ولو كانت صادرةً عن كبيرٍ أو تبناها عظيم ، وإلاّ لكان الاجتهاد وتحول إلى تقليد.

وهذا المنهج الاجتهادي يشكل أهمية بليغة، ويمكن القول: إنه ظاهرة على ما هي عليه في المدارس الشيعية الإمامية، تمثل مفخرة وامتيازاً لا نظير لها على مستوى المدارس الأخرى. وكان صدر المتألهين الشيرازي رائد من رواد الاجتهاد والإبلاغ لدى هذه المدارس في حقل علوم الحكمة والفلسفة في القرن الحادي والعشرين.

المدارس الفلسفية بين الاجتهاد والتقليد
قبل تناول هذا الموضوع لا بد من طرح بعض التساؤلات:

هل أن المنهج الاجتهادي المتداول في مجال الفلسفة عامة كما هو في مجال الفقه أم لا؟

وهل الفيلسوف يبدي نظره الاجتهادي كما يبدي المجتهد في المدارس الإمامية رؤيته الفقهية بوصفها نتاجاً حاسماً ونهائياً من وجهة نظره، لاعتماده على أسس علمية ونظريات تحتية، أم أنّ الحال في الفلسفة يختلف؟

والجواب عن هذه التساؤلات كما يتراء من خلال قراءة الفلسفة يبدو في الغالب أن ما قاله الماضون من عظماء الفلاسفة، يشكل الموقف النهائي، وآخرالكلام وفصل الخطاب، وهذا ما جعل الفلاسفة والمتفلسفين عبر مئات السّنين يصرّون على قضايا جمدوا عليها، من نوع: أصالة الماهية، وعدم اتحاد العاقل والمعقول، وعدم الحركة الجوهرية، والمعاد الروحاني وغيرها من المسائل، وبروز شخصيات ذات حضور فكري مثل ابن سينا ظلت بفكرها مهيمنةً حاضرة على الدوام لفترة طويلة من الزمن، ما جعل كل الاستدلالات من بعده الحاصلة بالفلسفة، والجهود البحثية الفاعلة، تتجه دائماً لمصلحة نظريته، وناحيتها([1]) كما فعل الخواجة الطوسي في شرحه لفلسفة ابن سينا داخلياً([2])، وشرح عشرات من الفلاسفه لكتاب تجريد العقائد للخواجة الطوسي([3])، مما أفقد الفلسفة القراءة الإبداعية من الخارج.

وبقي هذا الأمر مهيمناً على الفلسفة خاصة المشائية منها لفترة طويلة من التاريخ، هيمن على العقل منهج السّكون والتقليد، فيما الفلسفة بطبيعتها يفترض أن تكون خاصة في حركة لا السّكون، محكومة بالاجتهاد والإبداع لا التقليد والاتّباع، نازعة نحو النقد ـ لا النقل والانتقال([4]) ـ وإعطاء الجهد لكشف الحقيقة لأن الاجتهاد يعني بذل الطاقة والجهد للوصول إلى الأمر المراد.

والمصدر المجرد للكلمة إنما هو: جَهْدُ، وهو الذي يدل على السعي حتى التعب فيقال: جَدَّ وتعب، وابن منظور يقول: الاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع والمجهود([5])، وباب الافتعال تخضع لقانون زيادة المعنى الذي يؤدي إلى زيادة المعنى، فتضيف دلالة أكبر على المعنى.

ومعنى ذلك أن كلمة الاجتهاد تعني بذل الجهد الأكبر والسعي الحثيث، يزيد من ما نفهمه من المصدر المجرّد للكلمة (جهد) الذي يدل على السعي حتى التعب والاجتهاد.

وأمّا المعنى الاصطلاحي الفقهي للكلمة هو ان الاجتهاد: يعني السعي قدر الإمكان للوصول إلى رأي مستقل في موضوع ما، مقابل اتباع الآخرين وتقليدهم.

والاجتهاد له أهمية عظيمة وقيمة بليغة في المدارس الشيعية، حيث يتجلى فيها بروح الفهم والاجتهاد في البحث والتحقيق.

وهذه الظاهرة على ما هي عليه حتى اليوم في المدارس الإمامية، تمثل مفخرة وامتيازاً قل نظيرها في المدارس الدينية الأخرى قديماً وحديثاً.

وإن ما قدمناه من معنى يمكن أن يسمى بالاجتهاد، إذا مُرِسَ بالصورة الدقيقة للمعنى، لأن المجتهد هو الذي ينال في بحثه للقضايا رأياً استدلالياً مستقلاً، ولا يقلد غيره أو يتبعه، والتقليد غير لائق ولا محمود، لأن من يريد أن يتناول أي موضوع ، لا بد أن يتبع منهج الاجتهاد في استنباط ما يريد من حكم طبقاً للمصادر المعتبره كما في الفقه([6]).

ولكن الحديث عن الفلسفة وعلم المعقول المنتشر آنذاك لا يعرف عن هذا اللون من الاجتهاد والإبداع بكل أبعاده ومضامينه ومحتوياته ونزعاته، بوصفه بناءً تُبنى عليه الأبحاث.

البحث الفلسفي بين ظاهرة الاستدلال والاجتهاد

الاجتهاد غير الاستدلال، لأنه أعم، ولأن الإنسان قد يستدل على مسألة أو موضوع وبعدد من الأدلة والشواهد، إلاّ أنه لا يكون مجتهداً بها، بل يكون استدلاله تعبيراً عن فهمه لأدلة الآخرين التابعة لهذا الموضوع، وتقليدهم بها، وإعادة تصوير كلامهم.

لأن الإنسان يعرف الأدلة التي تشاد على نظرية ما، مثل أصالة الماهية، أو أصالة الوجود أو غيرهما، ولكنه في هذه الحالة يعرف الأدلة الداخلية بالأطر البنائية لصاحب النظرية نفسه، فيقوم بشرحها وتقريرها، وإن بدا فيها عارفاً، إلاّ أنه ليس سوى مقلداً لصاحب تلك النظرية، كما فعل الخواجة الطوسي في شرحه لإشارات ابن سينا، وإن كان فيها دقيقاً وفي الوقت عينه واضحاً.

ولكن الاجتهاد أعم من معرفة النظريات وأدلتها، إنما هو معرفة للوصول إلى تكوين نظرية خاصة، أو الوصول إلى ابداع دليل مستقل استقلالاً تاماً في الرأي والنظر بعد نقد أدلة الآخرين وبراهينهم، والوصول إلى دليل جامع مانع عن النقد يبدع نظرية جديدة.

 صدر المتألهين ومنهجه الاجتهادي في الفلسفة

كما تقدم بقيت الفلسفة لقرون من الزمن تقليدية منقادة إلى زعيم الفلسفة المشائية، أو الإشراقية وغيرهما، إلى أن جاء صدر المتألهين الشيرازي وثار على النهج التقليدي([7])، وحاربه ودعا إلى الاجتهاد في المسائل الفلسفية مستفيداً من منهج الفقهاء، وقد أثمرت جهوده أن أعاد الفلسفة إلى أوج مجدها، وحلّ كل الإشكالات التي كانت قائمة، فنرى مثلاً مسألة (الأصالة والاعتبار) القائمة على الحقيقة بين الوجود والماهية، والتي كان صدر المتألهين من أنصار الماهية، فتخلى عنها بعد سنوات من الاعتقاد والدفاع عنها.

ولكن عندما وجدها ناقصة طبقاً للأصول المنطقية والفلسفية التي تبناها ووصل إليها، أخذته الجرأة للتخلى عنها، وتبني نظرية أصالة الوجود([8])، كما طرحها في الأسفار، وكذلك مسألة المعاد الروحاني والحركة الجوهرية، والوجود الذهني وغيرها من المسائل، والمتصفح لكتاب الأسفار الأربعة يرى عمق البحث العلمي الجديد الذي انتهجه صدر المتألهين وجمع فيه ما بين المنهج القرآني والبرهاني والعرفاني، منهجاً لم يكن مألوفاً([9])، أقامه على أسس علمية سبق فيها أصول البحث العلمي الحديث. فبث فيه روح التجدد و الاجتهاد مستفيداً من المنهج الفقهي؛ لأنه نال درجة الاجتهاد من أساتذته البهائي والميرداماد والفندرسكي.

الاجتهاد بين التقليد والحقيقة

لكي نعي معالم مسألة الاجتهاد، وتبلور صورته لدى العقول، لا بد من توضيح جوانب موضوعه وبيان حقيقة الاجتهاد ونوعه.

يقع الاجتهاد على نوعين:
1 ـ الاجتهاد التقليدي     2ـ الاجتهاد التحقيقي.

أمّا الاجتهاد التقليدي : وهو أن يعي الباحث نظرية فيلسوفٍ ما ويبين أدلته حول مسائله، ثم يبحث داخل نظريته بما يحقق لها النفع والظهور، فينشغل بالاستدلال لها، زعْماً أن الفلسفة نشأتها الاستدلال، إلاّ أنه يستدل ولكنه لا يحاول أن ينظر بعين النقد ، ولا يلتفت إلى ما يطالها من التفنيد والإشكال، سواء على مبنى صاحبها أم على أصول ومباني غيره من الفلاسفة.

والباحث في هذا الاتجاه لا يضع في حسابه واهتمامه أولوية النقد لهذه النظرية أو غيرها، كما أنه لا يلتفت إلى الانتقادات التي يثيرها الآخرون حولها، بل يضع في حسبانه الاجتهاد في الاستدلال التابع لهذه النظرية أو تلك. هذا النوع من الاستدلال يطلق عليه الاستدلال التابع أو الاجتهاد التقليدي.

أمّا الاجتهاد التحقيقي: فهو البحث المستقل الذي يعتمد فيه الباحث على الاستدلال الحرّ، الذي يطل من خلاله على أي نظرية فلسفية كانت، من داخل مناخها أو خارجه، فيقرأها وفقاً لمنهج البحث العلمي المستقل، ويقرر سلفاً بأن أيّ نظرية غير عصيّة على النقد والمساءلة، ويقرّ أن الشهود الكشفية العرفانية التي لا تملك من نفسها حُجةً عامة، بل خاصة في صاحبها، لا بد من فصلها عن الأصول العقلية الصّرفة، كما ولا بد أن يقر بالتمييز بين البرهان النظري وبين تلك الأولية الأساسية الكشفية .

وأن هذا النمط من الاجتهاد لا يمكن تحقيقه إلاّ عبر التأمل العميق في صورة البرهان ومادته، فإذا رآه تاماً أخذ به وقبله، وإلاّ رفضه وطرحه، ويعمل على استدلال هذه النظرية بأُخرى عندما يتوصل بالدليل إليها، فيطرحها ويدافع عنها، وهذا هو الاجتهاد الحقيقي الذي نرى له نموذجاً عملياً في مجدد الفلسفة الملا صدرا.

صدر المتألهين ومنهج الاجتهاد الحقيقي

المتبحر في دراسة الأسفار الأربعة لدى صدر المتألهين يرى تجلي المنحى الاجتهادي في بحثه لمسائل الفلسفة، فترى عندما يريد أن يبحث مسألة من مسائل الفلسفة:

أولاً: يطرح المسألة.
ثانياً: يبين المبنى القائمة عليه.
ثالثاً: يستعرض الأقوال الواردة فيها وطريقة الاستدلال.

رابعاً: يناقش طريقة الاستدلال وبيان نقاط الخلل الواردة والإشكالات المترتبة والجواب عليها.

خامساً: يطرح نظريته حول المسألة.

وهذا ما فعله على امتداد صفحات أسفاره التي تتضمن لكل مسائل الفلسفة بالمعنى الأعم والأخص، ونقدم نموذجاً على ذلك ما ورد في معالجته لنظرية المعاد الروحاني لابن سينا، واجتهاده التحقيقي في نقدها وإثبات أصالة المعاد الروحاني والجسماني معاً، فنراه:

أ ـيطرح المسألة: أولاً، حيث قال: الباب العاشر في تحقيق المعاد الروحاني والإشارة إلى السعادة العقلية والشقاوة التي بإزائها، وإلى السعادة والشقاوة الغير الحقيقيين وما قيل في بيانهما ([10]) .

ثم ذكر الغاية من طرح هذه المسألة، فقال: والغرض من إيراد هذا الكلام هنا أن يعلم أن الوجود الجسماني يصحبه الموت، والغفلة والهجران والفوت، سواء كان هذا الوجود من طرف المدرك المشتاق أو في طرف المشتاق إليه لما فيه من قلة الحضور والوجدان([11]).

 ب ـ شرع في بيان مبنى ابن سينا في معالجته لمسألة المعاد الروحاني انطلاقاً من القول بالسعادة والشقاء، وأخذ يبين كيفية حصول السعادة بالآخرة، واحتجابها عن النفس في الدنيا ما دامت في هذا العالم([12]).

 كما وبين كيفية حصول الشقاوة بإزاء السعادة الحقيقية وتقسيمه الأشقياء إلى فريقين:

الفريق الأول: حقَّ عليهم الضلالة وحقَّ عليهم القول في الأزل لأنهم أهل الظلمة وأهل الدنيا والحجاب الكلي، المختوم على قلوبهم ،كما قال تعالى: } لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ{ (هود: 119، السجدة: 13).

والفريق الآخر: المنافقون الذين كانوا مستعدين في الأصل، قابلين لنور المعرفة بحسب الفطرة والنشأة الأولى، ولكن ضلوا عن الطّريق واحتُجبت قلوبهم بالرّين المستفاد من اكتساب الرذائل بارتكاب المعاصي ومباشرة الأعمال البهيمية والسّبعية، ومزاولة المكائد الشيطانية حتى رسخت الهيئات الفاسقة والملكات المظلمة، وارتكمت على أفئدتهم وانتقشت نفوسهم برسوم السفسطة وصورٍ جهليّة، وخيالات باطلة وأوهام كاذبة، فبقوا شاكّين حيارى تائهين منكوسين. انتكست وجوههم إلى أقْفِيَتِهِمْ، وحبطت أعمالهم وبقيت نفوسهم في غصّة وعذاب أليم([13]).

وقد وقع الخلاف في تحديد السعادة والشقاء، إنهما حسّيتان أم عقليتان. إلاّ أن صدر المتألهين بين أن ابن سينا قد اختار أنهما حسّيّتان، قال: «إنّ الشيخ الرئيس مال إلى هذا الرأي في بعض رسائله الموسومة بالمجالس السبعة، وقد أشرنا إلى أن النشأة الآخرة لو كانت منحصرة في النشأة العقلية لكان القول ببطلان هذه السّاذجة لازماً اضطرارياً؛ لأنّ وجود الشيء في كل نشأة إنما يكون بصورته لا بِهُيُولاته، لكن قد علمْتَ أنّ بعد هذه النشأة التَعلقُية المتجددة الكائنة الفاسدة عالمان صوريّان مستقلان باقيان غير دائرين أحدهما دار المعقولات والثاني دار المحسوسات الصرفة التي لا مادة لها ولا حافظ إياها إلاّ النفس، لأن وجودها وجود إدراكي وهو نفس محسوسيتها، والمحسوس بما هو محسوس، ووجوده بعينه وجوده للجوهر الحاس وهو النفس، فالنفس هي الحافظة والمبقية للصور الحسّية هناك من غير مادة كما أنّ العقل هو الحافظ المبقي بإذن الله للنفس من غير حامل أو بدن، فلا حاجة للأشياء الموجودة في هذا العالم إلاّ بأسبابها الفاعلة وجهاتها دون الأسباب القابلة والقوى والاستعدادات، فإذا هذه النفس باقية بعد البدن ولم يترسخ فيها هيئات بدنية ورذائل نفسانية حتى تكون متأذيه بها معذبة بسببها، لمنافاتها ومضادتها لجوهر النّفس من حيث فطرتها الأصليّة([14]).

ثم بين صدر المتألهين «هذا ما بلغ إليه نظر الشّيخ وأترابه في إثبات السّعادة والشّقاء الأخرويتين المحسوستين، وفي كيفية جنة السّعداء وجحيم الأشقياء في المعاد»([15]).

ج ـإستعرض الأقوال الواردة في المعاد، قال: «في تفاوت مراتب النّاس في درك أمر المعاد وتفاصيل مقاماتهم في ذلك»([16]).

د ـشرع في نقد رأي ابن سينا حول السّعادة والشّقاء فيما يتعلّق بأمر المعاد أنه روحانيّ، قال: والعجب من الشّيخ أبي علي أيضاً أنه ذكر في هذا الكلام المنقول أن السّعداء الحقيقيين يتلذذون باتصال ذواتهم بعضهم ببعض اتصالاً عقلياً كاتصال معقولٍ بمعقول مع أنه لم يحصّل معنى الاتصال العقلي والإتّحاد الذاتي بين العاقل والمعقول، ولم يقدر على إثباته، بل أنكره في أكثر كتبه، وشنّع على القائلين به، لأنه قال بالاتصال الحسّي وبيّن شاهد قولـه في إلهيّات الشّفاء (رسالة الأضحوة): إن الصور الخياليّة ليست تضعف عن الحسّيّة، ثم بيّن قصر هذا الرّأي، قال: «غاية ما وصلت إليه أفكار صاحب الشّفاء وهي قاصرة عن درجة التّحقيق غير بالغة حدّ الإجداء، بل باطلة في نفسها كما سبق، وستعلم مخّ القول ولب الكلام عند البحث عن إثبات المعاد»([17]).

هـ ـ وبعد ان أشكل على ابن سينا في نقده لقوله بالمعاد الروحاني لقصور عقله على الاستدلال عليه وتسليمه لمبدأ الشرع. شرع صدر المتألهين بطرح نظريته حول المعاد وقدرته على اثبات المعاد الروحاني والجسماني معاً وذلك من خلال:

أولاً: بيان شرف علم المعاد وعلو مكانته وسمو معرفته في بعث الأرواح ولأجساد وعظم شأنها: « اعلم أنّ هذه المسألة بما فيها من أحوال القبر والبعث والنشر والحساب والكتاب والميزان والجنة والنار، هي ركن عظيم في الإيمان وأصل كبير في الحكمة والعرفان، وهي من اغمض العلوم وألطفها وأشرفها مرتبة، وأرفعها منزلة، وأسناها قدراً، وأعلاها شأناً، وأدقّها سبيلاً، وأخفاها دليلا، إلاّ على ذي بصيرة ثاقبة وقلب منور بنور الله»([18]).

ثانياً: ذكر الأصول التي يحتاج إليها الباحث لأثبات هذا المقصد([19])، وبعد ذلك قدّم ثمرة قوله الذي توصل اليه، فقال: إنّ من تأمّل وتدبر في هذه الأصول والقوانين العشرة التي أحكمنا بنيانها، وشيدنا أركانها ببراهين ساطعة، وحجج قاطعة لامعة مذكورة في كتبنا وصحفنا سيما هذا الكتاب (الأسفار) تأملاً كافياً وتدبراً وافياً بشرط سلامة فطرته عن آفة الغواية والاعوجاج ومرض الحسد والعناد، وعادة العصبية والافتخار والاستكبار لم يبق لـه شك وريب في مسألة المعاد وحشر النفوس والأجساد، ويعلم يقيناً ويحكم بأنّ هذا البدن بعينه سيحشر يوم القيامة بصورة الأجساد، وينكشف لـه أنّ المُعاد في المَعاد مجموع النفس والبدن بعينهما وشخصهما، وأنّ المبعوث في القيامة هذا البدن بعينه لا بدن آخر مباين له عنصرياً كان، كما ذهب إليه جمع من الإسلاميين، أو مثالياً كما ذهب اليه الإشراقيون ؛ فهذا هو الاعتقاد الصحيح المطابق للشريعة والملّة، الموافق للبرهان والحكمة، فمن صدّق وآمن بهذا فقد آمن بيوم الجزاء، وأصبح مؤمناً حقاً([20]).

*    *     *

 
الهوامش

_______________________________

(*) كاتب وباحثفي الحوزة العلمية، من لبنان.



([1]) راجع: مركز البحوث المعاصرة، المدرسة التفكيكية وجدل المعرفة الدينية، مجموعة مقالات لمجموعة من الأساتذة والعلماء، إعداد وتقديم حيدر حب الله، ط1، بيروت، دار الهادي للطباعة والنشر،2007م: 78.

 

([2]) راجع: ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، شرح الخواجة الطوسي، تحقيق د.سليمان دنيا، بيروت، مؤسسة النعمان للطباعة والنشر والتوزيع.

([3]) راجع: اللاهيجي، عبد الرزاق، شوارق الإلهام في شرح تجريد الاعتقاد، تحقيق الشيخ اكبر أسد علي زاده، تقديم وإشراف العلامة المحقق جعفر سبحاني، ط1، ايران، مؤسسة الإمام الصادق(ع)، 1425هـ1: 11ـ20.

([4]) المدرسة التفكيكية وجدل المعرفة الدينية: 78.

([5]) ابن منظور، لسان العرب، مادة (جهد).

([6]) راجع: الغروي، محمد عبد الحسن، مصادر الاستنباط بين الأصوليين والأخباريين، بيروت، دار الهادي، 1992م: 27.

([7]) اليوزبكي، جمال محمد صالح، غضبة الفلاسفة الغضبة المتعالية، ايران، مؤسسة حكمة صدرا الإسلامية، 1999م: 319.

([8]) الشيرازي، محمد إبراهيم، الأسفار الأربعة، بيروت، دار التراث العربي، 1: 39.

([9]) الحيدري، كمال، مدخل إلى مناهج المعرفة عند الإسلاميين، ط1، ايران، دار فراقد، 1426م هـ : 276.

([10]) الأسفار الأربعة، مصدر سابق، 9: 120.

([11]) المصدر السابق 9: 124.

([12]) المصدر السابق: 125.

([13]) المصدر السابق: 132.

([14]) المصدر السابق: 147.

([15]) المصدر السابق نفسه.

([16]) المصدر السابق: 171ـ 178.

([17]) المصدر السابق: 150.

([18]) المصدر السابق: 151.

([19]) المصدر السابق: 179.

([20]) المصدر السابق: 185ـ 192.

(21) المصدر نفسه: 197 ـ 198.


تاريخانيّة السنّة بين الفهم التاريخيّ وتعطيل السنّة

3 سبتمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

لعلّ البدء بالحديث عن المفاهيم والعناوين قدر لامفرّ منه، فلا يمكن الوصول إلى الياء دون المرور بالألف وما بعدها. وربمالا ينبغي أن يعاب علينا التراجع قليلاً إلى الوراء كي نجدّد الانطلاق إلىالأمام، وما يعزّينا هو أمل الوصول إلى المقصد، ولو متأخّرين، ومكمن الخطرالذي ينبغي أن يخشى هو المراوحة والانشغال الدائم باختراع العجلة وعدمالقدرة بعد طول المحاولات على استخدامها والاستفادة منها. ثم إنّ البدءبالمفاهيم يعزّيني على المستوى الشخصي، فحسبي أن أوضح مفهوماً إن لم أستطعالوصول إلى أحكام مقنعة أطلقها عليه أو له.

محاولات للتفاهم حول المصطلحات

التاريخيّة أم التاريخانيّة:

ولدمصطلح (Historicism) التاريخانيّة، في الغرب وترجم إلى اللغة العربية معشيء من الإرباك وعدم الوضوح في دلالاته النهائية، فهل التاريخانيّة التي هيكلمة منحوتة حديثاً تعني فلسفة التاريخ كما يرى بعضهم؟[1]أم أنّ التاريخانيّة ما هي إلا أحد الاتجاهات في دراسة فلسفة التاريخوغيره من الميادين العلمية عندما يكون للتاريخ دور مؤثر بحسب اعتقادالدارس؟ ويبدو لي أنّ الأرجح هو الثاني، وذلك أنّ العودة إلى بعض المعاجمالفلسفية المتخصّصة، نجد أنّهم يعرفون المفهوم بصيغته الأجنبية (Historicism) في سياق الحديث عن المدارس التي أخذت من التاريخ وصفاً لهاوعنواناً، ومن ذلك ما يأتي:

1- historical explanation

2- historical knowledge

3- historical materialism

4- historical relativism

5- historicism

وضمنهذا السياق، وفي هذه البيئة الاصطلاحية يعرّفون المصطلح بما يأتي: «التاريخانيّة وجهة نظر حاصلها أنّ فهم الأشياء لا يمكن أن يتمّ، إلا منخلال وضعها ضمن ظروفها وسياقاتها التاريخيّة. والمصطلح في الفلسفة القاريّة (continental philosophy)[2] له دلالاته الميتافيزيقيّة كما له دلالاته المنهجية. وتنطلق الرؤيةالتاريخانيّة من الاعتقاد بأنّ حركة التاريخ وتطوره محكومة لقوانين موضوعيةثابتة»[3]. كما يُلاحَظ عند عدد من ممثّلي هذا الاتجاه الفكري، من أمثال هيغل، وماركسالذي يرى أنّ التاريخ له قوانينه المستقلّة بالكامل عن الإنسان،[4]

ويعرفأ. آر. لايسي التاريخانيّة (historicism) بأنّها «كلمة تدلّ على كلّ الرؤىالتي تولي اهتماماً خاصًّا وعناية بالتاريخ. وخاصّة تلك الرؤية التي تؤمنبأنّ الأشياء يجب أن يُنظَر إليها على ضوء تطوّرها التاريخي»[5].

والمعنىعينه مع شيء من التفصيل نجده في معجم كامبريدج للعلوم الاجتماعية حيثيميّز محرّرو المعجم بين مفهومين أحدهما ما ذكرَتْه المعاجم المشار إليهاأعلاه، وهو توقّف فهم البنى الاجتماعيّة والأحداث بل والنصوص على ضوءتطوّرها التاريخي والظروف التاريخيّة التي احتضنتها[6].

وهذههي النزعة التي حكم عليها كارل بوبر بالبؤس في كتابه الشهير «بؤسالتاريخانيّة»، وقبل إدانة كارل بوبر وبعدها يتشعّب أنصار هذه الرؤيةالمشتركة إلى شعب ومدارس تعمل في ميادين عدة، تبدأ من فلسفة التاريخوالمتافيزيقا، ولا تنتهي عند الأدب والنقد الأدبي وغيره من أشكال التعبيرالفني.

وبعد الاكتفاء بهذا القدر من الحديث عن هذا المصطلح الملتبسأنطلق من افتراض الاتّفاق -ولو الأولي والموقّت- على أنّ مرادنا من مصطلحتاريخيّة عندما نقول: «تاريخيّة السنة»، نقصد به معنى آخر ولو كان قريباًمن هذا المعنى كما سوف نلاحظ فيما يأتي. ثم إنّي أودّ أن أختم في هذا الصددبالإشارة إلى عدم وجود فرق كبير يدعو إلى اشتقاق مصطلح خاص هوالتاريخانيّة بدل التاريخيّة، كما يحاول عدد من الكتاب العرب فعله وتأكيده،وإن كان الداعي إلى ذلك هو إغناء الترمينولوجيا العربيّة في هذا المجال،فلا بأس منه، وعلى أيّ حال لا مشاحَّة في الاصطلاح كما تعلّمنا في حلقاتالدرس التي نعتزّ بالانتماء إليها.

التاريخيّة:

عندما يُطلَق هذا المصطلح قد يُقصَد به أحد معنيين، هما:

1- التحقّق في التاريخ: بمعنى الحدوث أو الحصول فيه، وعندما يوصَف شيء مابالتاريخي بهذا المعنى يكون المراد هو القول: إنّه تحقّق وحصل في التاريخ. وبهذا المعنى ينطبق على كل كائن يستوعبه ظرف تاريخي محدد، سواء كان هذاالحادث أمراً ماديًّا، أم كان كائناً معنويًّا. ويعدّ هذا المصطلح بهذاالمعنى من مصطلحات اللاهوت المسيحي الذي يتبنّى حضور الله في التاريخبواسطة عيسى (عليه السلام). وما كان محلّ جدل بهذا المعنى، أو قريب منه، فيالتراث الإسلامي هو القرآن الكريم عندما طُرِح التساؤل المعروف الذي يقالإنّه سبب تسمية البحث حول العقائد الإسلامية بـ«علم الكلام»[7]. وهو أنّ القرآن هل مخلوق وحادث أم لا، ومن المعروف أنّ المسلمين انقسموافريقين تبنّى فريق منهم القول بتاريخيّة القرآن أو فقل حدوثه في التاريخ،وتبنّى فريق آخر القول بقدم القرآن وبالتالي القول بعدم تاريخيّته،وتداولوا المحن بحسب تداول الدول فيما بينها. هذا وأمّا السنّة النبويّةالشريفة، فلم يقل أحد إنّها غير تاريخيّة بهذا المعنى. فمن المتّفق عليهبين المسلمين أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعيش بين الناسوصدرت عنه مجموعة من الأقوال والأفعال والإمضاءات شكّلت بمجموعها ما عُرِفبعد ذلك بالسنّة، ولم يدَّعِ أحد منهم قِدَم السنّة وخروجها من دائرةالتاريخ الإنساني كما فعلوا مع القرآن.

2- التاريخيّ بمعنى الموقّت: والمقيّد بالظرف التاريخي الذي تحقّق فيه. وهذا المعنى الثاني هو محلالكلام. فالتاريخيّ بهذا المعنى؛ أي المرتهن أو التابع للظروف التاريخيّةالتي تحقّق فيها وصدر خلالها. فعندما يقال سنّة النبي (صلى الله عليه وآلهوسلم) تاريخيّة يراد عادة أنّها مرتهنة بالظروف التي ظهرت فيها صدوراًوبقاءً، وبالتالي إذا صدر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أو نهيأو تعليق على حادث أو تصرّف، فتنحصر صلاحية هذا القول والتصرّف بالظروفالتي صدر فيها، ولا يمكن لمن يعيش في بيئة أخرى غير بيئته (صلى الله عليهوآله وسلم) أن يبني على ذلك الموقف أو يرى نفسه محكوماً له. وبعبارة أخرىتكون سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مقيّدة بالظروف والأحوالالمحيطة بها، ولا ينعقد لها إطلاق أحوالي وأزماني لتشمل ما بعد عصره وخاصةالعصور اللاحقة والبيئات التي تختلف عن تلك البيئة اجتماعيًّا وثقافيًّاواقتصاديًّا. ولتوضيح ذلك نعطي بعض الأمثلة لما قيل فيه إنّه تاريخي:

دية قتل الخطأ: ورد في الفقه الإسلامي أنّ دية قتل الخطأ تحملها العاقلةوهم الأقارب الذكور، ففي رواية عن الإمام علي (عليه السلام)، في رجل قتلمسلماً وادّعى عدم وجود قرابة له في البلد الذي قُتِل فيه، وادّعى أنّه منأهل الموصل، فكتب الإمام (عليه السلام) إلى عامله على الموصل قائلاً: «أمابعد فإنّ فلان بن فلان وحِلْيَتُه كذا وكذا قتل رجلاً من المسلمين خطأ وقدذكر أنّه من أهل الموصل وأنّ له بها قرابة…. فافحص عن أمره وسل عنقرابته… فاجمعهم إليك ثم انظر، فإن كان هناك رجل يرثه له سهم فيالكتاب… فألزمه الدية وخذه بها ثلاث سنين…»[8]. فقد قيل في هذا الحكم؛ أي تحمّل العاقلة دية قتل الخطأ الذي يستند إلى هذهالرواية وغيرها من الروايات الدالة على هذا الحكم، إنّ طابعه ينسجم معالمجتمع القبلي القائم على التضامن بين أبناء القبيلة الواحدة. وأمّا فيالمجتمعات غير القبلية وفي عصر التأمين والمسؤولية الفردية، فلا معنى لمثلهذا التشريع، وبالتالي لا يمكن العمل بهذا التدبير التشريعي حتى لو كانصادراً عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أو عن غيره ممّن يعدّ قولهحجّة على اختلاف المذاهب الإسلاميّة في توسيعها لدائرة السنة وتضييقها لها[9].

قضية الرق: يرى بعض الكتّاب ومنهم سيد قطب في تفسيره «في ظلال القرآن»،أنّ الإسلام لم يشرّع الرق، وإنّما جاء وتعامل معه كأمر واقع ومن بابالمجاراة للناس، ومن عباراته في هذا المجال: «وذلك حين كان الرق نظاماًعالميًّا تجري المعاملة فيه على المثل في استرقاق الأسرى بين المسلمينوأعدائهم، ولم يكن للإسلام بد من المعاملة بالمثل، حتى يتعارف العالم علىنظام آخر غير الاسترقاق»[10]. وممن تبنّى الموقف نفسه تقريباً الشيخ محمد الغزالي الذي يقول في سياقنقاشٍ مع من يدعو إلى إلغاء حدّ السرقة؛ بحجّة أنّه فلينسخ كما نُسِخ غيرهمن التشريعات الإسلامية: «…قصّة الرقيق التي نتحدّى الإنس والجنّ أنيأتوا بنص في القرآن يأمر بالاسترقاق… ولكنّ الجهل المركب جعل المدافع عنالضلال يقول: إنّ فيه أمراً قرآنيًّا نسخه المسلمون… ولكنّ الأمربالاسترقاق موجود في العهد القديم… لأنّ الإسلام جاء والرقيق موجود فيالقانون الروماني والدنيا مليئة بالإماء والجواري والعبيد… والإسلام جاءومنع الاختطاف وهو أساس الاستعباد… صحيح أنّ الإسلام استبقى نظامالعبودية كما يسمّى؛ من قبيل المعاملة بالمثل؛ لأنّه يستحيل تحريمه إلابمعاهدة دولية، ومن الجنون أن أحرّم الرق وأترك أولادي يُسترَقّونويُخطَفون…»[11].

ونكتفيبهذين المثالين اللذين نحسب أنّهما يضيئان على الفكرة إلى حد كبير، ونختمبنص ذي دلالة واضحة على المراد من نظريّة تاريخيّة السنة لننتقل بعد ذلكإلى البحث حول مفهوم السنة: «وتعني فهم الأحاديث في سياقها التاريخي، بمايوجب حصر مفهومها الظاهري في إطار زمكاني، مما يعني حصوله إلغاءً أوتعديلاً في الصورة المستنتجة، ومن ثمّ حصول تغيّر ما في الحكم الشرعي علىتقدير كون الحديث ممّا يتصل بالجانب العملي. هذا هو بالضبط ما نعنيهبتاريخيّة السنة…»[12].

مفهوم السنة:

السنّةفي اللغة من مادة (س ن ن)، وسنُّ الحديد إسالته وتحديده، «وباعتبارالإسالة، قيل سننت الماء؛ أي أسلته. وسنّة الوجه: طريقته، وسنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) طريقته التي كان يتحرّاها، وسنّة الله تعالى: قدتقال لطريقة حكمته وطريقة طاعته…»[13]. ومن الملفت استخدام كلمتي: «سنة» و«شريعة» للدلالة على المعنيين اللذينتدلان عليهما في البيئة الاصطلاحية الإسلامية، فهل لهذا الأمر دلالاتهالتاريخيّة أيضاً؟

وأمّا في الاصطلاح، فالسنّة بعد أن استقرّت علىمعنى اصطلاحي هي كما عند التهانوي، مثلاً: «… على معانٍ منها الشريعة،وبهذا المعنى وقع في قولهم الأولى بالإمامة الأعلم بالسنّة…، ومنها ما هوأحد الأدلّة الأربعة الشرعيّة، وهو ما صدر عن النبيّ (صلى الله عليه وآلهوسلم) من قولٍ ويُسمَّى الحديث، أو فعلٍ أو تقريرٍ… ومنها ما يعمّ النفلوهو ما فعلُه خيرٌ من تركه من غير افتراض ولا وجوب… ومنها الطريقةالمسلوكة في الدين ونعني بالطريقة المسلوكة ما واظب عليه النبي (صلى اللهعليه وآله وسلم) ولم يتركه إلا نادراً…»[14] وبالتأمل في تعريف التهانوي للسنّة نجد أنّه استقصى أكثر المعاني التياستُخدِمت فيها كلمة سنّة، في ألسنة الفقهاء وفي الروايات. ولعلّ فيالإشارة إلى بعض هذا التنوّع الاصطلاحي فائدة.

فقد استُخدِمت كلمة «سنَّة» بمعنى النفل وفي مقابل الواجب في العبارات الآتية:

النفل: من النماذج التي يستشف منها النفل في مقابل الوجوب في الفقه الإمامي،تعبير ابن بابويه القمي: «السنَّة في أهل المصيبة أن يُتَّخذ لهم ثلاثةأيام طعاماً لتشغلهم في المصيبة»[15]، ويحتمل أن يكون هذا بمعنى الطريقة المسلوكة. ومنه أيضاً: و«السنّة أنّ القبر يُرفَع أربعة أصابع مفرّجة من الأرض..»[16]،وقد ورد تعبير يلمح إلى استخدام السنة بمعنى المستحب في نصّ للشيخ الصدوقيقول فيه: «ولو أنّ رجلاً نذر أن يشرب خمراً، أو يفسق، أو يقطع رحماً، أويترك فرضاً أو سنّة؛ لكان يجب عليه ألَّا يشرب الخمر ولا يفسق ولا يتركالفرض والسنة…»[17]،وفي نصّ آخر للشيخ المفيد يظهر منه هذا المعنى بشكل أوضح يقول: «باب صفةالوضوء والفرض منه والسنّة، والفضيلةُ فيه: وإذا أراد المحدث الوضوء من بعضالأشياء التي توجبه من الأحداث المقدّم ذكرها فمن السنّة أن يجعل الإناءالذي فيه الماء عن يمينه…»[18]، وفي نصّ آخر له يقول: «ووضوء المرأة كوضوء الرجل سواء، إلا أنّ السنّة أن تبتدئ المرأة في غسل يديها بعد وجهها بباطن ذراعيها…»[19]. وقد بقي المصطلح يُستخدَم في هذا المعنى حتّى عصور متأخِّرة من تاريخالفقه الإمامي، ومن ذلك تعبيرهم بـ«قاعدة التسامح في أدلّة السنن»، وماشابه من العبارات التي تدلّ على إرادة النفل أو الاستحباب من كلمة سنّة،كما في عبارات عدد من الفقهاء المعاصرين، ومن ذلك العبارة التي تتكرّر فيكثير من الرسائل العملية للمراجع المعاصرين: «إنّ كثيراً من المستحباتالمذكورة في أبواب هذه الرسالة يبتني استحبابها على قاعدة التسامح في أدلّةالسنن، ولما لم تثبت عندنا فيتعين الإتيان بها برجاء المطلوبية…»[20].

السنّةبمعنى الطريقة المسلوكة (المشروع): إذا افترضنا أنّ المراد من مفهومالطريقة المسلوكة في النصّ المنقول عن التهانوي هو الطريقة المشروعة، فإنّأوضح استخدامات كلمة سنة في هذا المعنى عندما يستخدم الفقهاء تركيب «طلاقالسنّة» في مقابل «طلاق البدعة»، وهذا المعنى متدوال بكثرة في عباراتالفقهاء المتأخرين خاصّة. ومن المعاني التي يمكن أن تندرج في هذا السياقتعبير في سياق الطلاق أيضاً؛ ولكنّه يدلّ على طريقة خاصة في الطلاقوالرجعة، وهو تعبير مروي في الفقه الإمامي عن الأئمة (عليهم السلام): «طلاقالسنّة، هو إنّه إذا أراد الرجل أن يطلِّق امرأته، تربّص بها حتّى تحيضوتطهر ثمّ يطلّقها من قبل عدّتها بشاهدين عدلين فإذا مضت بها ثلاثة قروء أوثلاثة أشهر فقد بانت منه وهو خاطب من الخُطَّاب، والأمر إليها إن شاءتتزوّجته وإن شاءت فلا»[21].

السنّةبمعنى الدليل: وقد تطوّر مصطلح السنّة في العرف الاصطلاحيّ الفقهيوالأصولي إلى أن استقرّ على العبارة المعيارية الآتية: «السنّة هي قولالمعصوم وفعله وتقريره»، وهذا المعنى يتكرّر عند كلّ محاولة فقهيّة أوأصوليّة لتعريف السنّة، سواء في ذلك الفقه الإمامي الذي يستعمل فيه أحياناًمصطلح حديث وسنّة بمعنى واحد[22]، أم في الفقه السنيّ على اختلاف مذاهبه ومشاربه[23]. وعلى أيّ حال هل يختلف حال السنّة بين أن تكون تقريراً أو فعلاً وبين أنتكون قولاً؟ يبدو لي وبشكل أوّلي على الأقلّ وجود فرق بين أشكال السنّةالثلاثة، وذلك لاتفاق الفقهاء على أنّ الفعل لا إطلاق له، وإنّما يدلّ علىالجواز وربما يستفاد منه غير الجواز مع توفر بعض القرائن الدالة، ولكن بشرطتشابه الظروف التي صدر فيها مع الظروف التي يراد إثبات حكمها، استناداًإلى هذا الفعل، وسيأتي مزيد معالجة لهذه النقطة بالتحديد.

تجلّيات تاريخيّة السنة في التراث الفقهي الأصولي

لابدّ من الاعتراف بادئ ذي بدء بأنّ فكرة التاريخيّة ولو بحدودٍ سوف نحاولاكتشافها فيما يأتي، ليست جديدة بالكامل على ساحة الفكر الإسلامي عموماًوالأصولي والفقهي منه على وجه التحديد، وسوف نحاول استعراض تجلّيات هذاالأمر في التراث الفقهي الإسلامي فيما يأتي من هذه المقالة:

منطلقات عامة:

1- النسخ: النسخ من الظواهر المعروفة بين الشرائع كما في داخل الشريعةالواحدة، وقد تجادل المسلمون واليهود في إمكانه، ووقع جدال آخر بينالمسلمين أنفسهم في وقوعه بعد الاتفاق على إمكانه، وبالغ بعضهم بالإشارةإلى عشرات الأحكام المنسوخة في الشريعة الإسلاميّة. وناقش آخرون في أكثرالموارد التي صُنِّفت في باب الناسخ والمنسوخ. يقول السيد الخوئي، في بحثهحول النسخ في كتاب البيان: «في كتب التفسير وغيرها آيات كثيرة ادُّعينسخها. وقد جمعها أبو بكر النحاس في كتابه «الناسخ والمنسوخ» فبلغت 138آية. وقد عقدنا هذا البحث لنستعرض جملة من تلك الآيات المدّعى نسخهاولنتبيّن فيها أنّه ليست -في واقع الامر- واحدة منها منسوخة، فضلاً عنجميعها. وقد اقتصرنا على 36 آية منها، وهي التي استدعت المناقشة والتوضيحلجلاء الحق فيها، وأما سائر الآيات فالمسألة فيها أوضح من أن يُستدلّ علىعدم وجود نسخ فيها»[24]. وينتهي بعد البحث في المسألة وتمحيص ما يراه الحقّ فيها، إلى أنّ النسخممكن ولكنه لم يقع في القرآن، أو على الأقل لا يوجد له مثال يمكن الجزم به[25]. وانطلاقاً من إمكان النسخ، وبناء على فرضية وقوعه، يمكن عدّه شكلاً منأشكال تاريخيّة التشريع؛ وذلك لأنّ مبرّر النسخ المعقول والوحيد بحسبالظاهر، هو تبدّل الظروف التاريخيّة المحيطة بالتشريع الأول ما يدعو إلىاستبداله بتشريع جديد، ولولا تبدّل الظروف والأوضاع لما أمكن النسخ للزومنسبة الجهل إلى الله -تعالى عن ذلك علوًّا كبيراً- أو إلى النبيّ (صلى اللهعليه وآله وسلم) وهو لا ينسجم مع مبدأ العصمة التي يؤمن بها الإمامية علىالأقل. ولكن لا بدّ من الاعتراف بأنّ النسخ حتى في ميدان السنة ليس بتلكالدرجة من الوضوح لغموضٍ يعتري الأمثلة التي تذكر عادة في لهذه الحالة[26].

2- التدرّج: التدرّج في تبليغ الأحكام أيضاً هو تجلٍّ وشكل من أشكال تاريخيّةالسنة، وذلك أنّ السنّة النبويّة الشريفة سواء كانت فعلاً أم قولاً أمتقريراً، إنّما هي فعل تحقق في التاريخ وهي إما تعليق على فعل من شخصوإقرار له على فعله، وإما جواب عن سؤال طرحه أحد أصحاب النبي (صلى اللهعليه وآله وسلم) عليه فأجاب عنه، أو مبادرة من النبيّ (صلى الله عليه وآلهوسلم) للدعوة إلى شيء وتغيير واقع سيِّئ يريد تغييره. وحبّذا لو أمكن فتحباب البحث في أسباب صدور السنّة كما فُتِح باب البحث في أسباب النزول،ومهما يكن من أمر فالأحكام الصادرة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيره من المعصومين لم تصدر دفعة واحدة. إلا أنّ هذا الشكل من أشكالالتاريخيّة قد يبدو بعيداً عمّا نحن بصدده، فالكلام هو في بقاء ما ثبت منالسنّة وخلوده، لا في أصل ارتباط بيان السنّة بالظروف التاريخيّة؛ ولكنّهعلى أي حال شكل من أشكال التاريخيّة وإن لم يكن محلّ نقاش. والسيد الخوئيواحد من الفقهاء الذين يتبنَّون نظريّة التدرّج في بيان الأحكام وخاصة عندالأئمة (عليهم السلام): «…إنّ ديدن الأئمة (عليهم السلام) جرى علىالتدرّج في بيان الأحكام وما اعتُبِر فيها من القيود والشروط ولم يبيّنوهابقيودها وخصوصيّاتها في مجلس واحد مراعاة للتقية ومحافظة على أنفسهموتابعيهم من القتل أو غيره من الأذى أو لغير ذلك من المصالح…»[27].

منطلقات أصولية فقهية:

أشرتفيما سبق إلى المنطلقات العامة لتاريخيّة السنة، وتحدّثت عن منطلقين هماالنسخ والتدرّج في بيان الأحكام، وتحت هذا العنوان سوف أحاول الحديث عنالتجلّيات الأصوليّة والفقهيّة لنظريّة تاريخيّة السنّة.

1- تقييد السنّة بإطار صدورها:

إنّكثيراً من الروايات التي تحكي عن بعض مصاديق سنّة النبيّ (صلى الله عليهوآله وسلم) أو الأئمة (عليهم السلام) تقيّد بظروف صدورها خلال معالجتهاالفقهيّة ومحاولة الفقهاء اكتشاف الحكم الشرعي من خلالها. والتعبير الذييُستخْدَم عادة في هذا السياق هو «قضية في واقعة». ولجلاء حقيقة الحال سوفأستعرض بعض النماذج التي يحكم فيها بعض الفقهاء على رواية بأنّها خاصةبالواقعة التي صدرت فيها.

ينقل المحقق الحلي رواية عن محمد بن قيسعن الإمام الباقر (عليه السلام): «في وليدة نصرانية، أسلمت عند رجل وولدتمنه غلاماً ومات، فأُعتِقت وتزوَّجت نصرانيًّا وتنصّرت وولدت. فقال (عليهالسلام): ولدها لابنها من سيدها، وتحبس حتى تضع. فإذا وضعت فاقتلها[28]، وفي النهاية يفعل بها ما يفعل بالمرتدة» ويعلق المحقق على هذه الرواية بأنّها «شاذة»[29]. وأما صاحب الجواهر فيعلّق عليها بأنّها قضية في واقعة رأى أمير المؤمنين (عليه السلام) المصلحة في قتلها ولو من حيث زناها بنصراني وغيره»[30].

وفي المختصر النافع يقول: «إذا تداعيا خُصًّا قُضِي لمن إليه القمط (الحبلالذي يشد به الخص)… وعن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّ عليًّا (عليه السلام) قضى بذلك وهي قضية في واقعة»[31].

يطرح الفقهاء في كتاب الجهاد، مسألة جواز عقد الذمة والتأمين بين آحادالمسلمين وبين المحاربين، فيميّز عدد منهم بين إعطاء الذمة لآحاد المحاربينوبين إعطائها لأهل إقليم أو جماعة منهم. ويستند المجوزون إلى فعل أميرالمؤمنين (عليه السلام) حيث أجاز ذمام الواحد لحصن من الحصون. وأمّاالمانعون من ذلك فيعلِّق كثير منهم بأنّ فعل الإمام وإجازته ذلك هو «قضيةفي واقعة» فلا يجوز التعدي عنها إلى غيرها من الحالات[32].

ومن هذه الموارد أيضاً ما ينقل عن الإمام علي (عليه السلام) في قضيّة ستةغلمان في الفرات فغرق واحد فشهد اثنان على ثلاثة وبالعكس، أنّ الدية أخماسبنسبة الشهادة[33].

وينقل ابن فهد الحلي رواية عن مبارزة جرت بين النبي (صلى الله عليه وآلهوسلم) وبين أحد المشركين، حيث عرض المشرك على النبيّ (صلى الله عليه وآلهوسلم) المصارعة فسأله ماذا يجعل له إن صرعه، فصرعه رسول الله (صلى اللهعليه وآله وسلم)، ثم طلب منه العود وهكذا إلى المرة الثالثة، وأخيراً سألهالمشرك أن يعرض عليه الإسلام ففعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)،فأسلم الرجل فأعاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه غنمه. ويردّ ابنفهد الاستدلال بالرواية على جواز الرهان على المصارعة، لأنّ الرواية قضيةفي واقعة[34].

هذاولكنّ بعض الفقهاء وخاصة ذوي الاتجاه الأخباري يرفضون ربط بعض هذهالروايات بظروفها ويعمّمون حكمها إلى غيرها من الحالات، ففي رواية عنالصادق (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «دخل رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) على رجل من ولد عبد المطلب وهو في السَّوْق (نزعالروح) وقد وجِّه إلى غير القبلة، فقال وجّهوه إلى القبلة، فإنّكم إذافعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة…»، وهذه الرواية ردّها العلامة في المعتبربأنّها قضيّة في واقعة فلا تدلّ على العموم[35]. ويعلِّق صاحب الحدائق على هذا الموقف من العلامة بقوله: «وأنت خبير بمافيه من الوهن والقصور؛ إذ لو قام مثل هذا الكلام لانسدّ به باب الاستدلالفي جميع الأحكام، إذ لا حكم وارد في خبر من الأخبار إلا ومورده قضيةمخصوصة، فلو قصر الحكم على مورده لانسدّ باب الاستدلال فإنّه إذا سأل سائلالإمام إنّي صلّيت وفي ثوبي نجاسة نسيتها، فقال: أعد صلاتك، فلقائل أن يقولفي هذا الخبر كما ذكره هنا (أي إنّه قضية في واقعة)، مع أنّه لا خلاف بينالأصحاب في الاستدلال على جزئيّات الأحكام والنجاسات مما هو نظير هذهالواقعة»[36]. هذا ولكنّه في مورد آخر له صلة بحالة قضاء يعالج بعض الأخبار المتعارضةويقترح لحل التعارض الحكمَ على أحد الخبرين بأنّه «قضية في واقعة»[37]،ويكشف هذا الموقف عن قبوله لفكرة تقييد بعض السنة بظروف صدورها، فهل هوتهافت من الشيخ البحراني وقبول تارة لعين ما أنكره أخرى؟ يبدو لي أنّالدفاع عن الشيخ البحراني ممكن ومتاح، بوجود فرق بين الحالتين فهذه الحالةالأخيرة هي حالة قضاء، وفي القضاء يمكن تقييد الحكم القضائي بالواقعة التيصدر فيها، وأما حالة التوجيه إلى القبلة فليست قضاء بل هي أمر نبوي وإن كانصادراً في حالة خاصة. وسوف أحاول لاحقاً تقويم هذه الحالة من تاريخيّةالسنة بين الفقهاء بعد الحديث عن تاريخيّة السنة الفعليّة.

2- تاريخيّة السنة الفعلية:

يبدومن النقاشات التي تدور بين الفقهاء حول حجيّة فعل المعصوم وحدود دلالتهأنّ كثيراً من الأفعال التي يستدلّ بها، تُقيَّد بالظروف التي صدرت فيها،أي تحصر دلالة الفعل في حدود البيئة التي صدر فيها، فإذا خفي شيء من الظروفلم يعد بالإمكان توسيع دلالة هذا الفعل والاستناد إلى عمومه أو إطلاقهللحالات المشابهة. وتوضيح ذلك أنّه إذا شاهدنا الإمام (عليه السلام) يصلّيصلاة الظهر ركعتين بدل الأربع أو وردت بذلك رواية ولم نعرف هل كان مسافراًأم حاضراً، أو هل كان مريضاً أم معافى، أو هل كان في حالة حرب أم في حالةسلم، إلى غير ذلك من الخصوصيّات التي يمكن أن تكون مؤثِّرة في صلاته بهذهالطريقة، لا نستطيع الاستفادة من هذا الفعل والحكم بجواز قصر صلاة الظهردائماً، كما في المثال. وهذا الأمر أي حصر دلالة الفعل بحدود الظروفالمشابهة، هو من الأمور المتّفق عليها في علم الأصول، وإليك بعض النصوص فيهذا المجال. يقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر: «أما الفعل فتارة يقترنبمقال أو بظهور حال يقتضي كونه تعليميًّا فيكتسب مدلوله من ذلك، وأخرىيتجرّد عن قرينة من هذا القبيل، وحينئذ فإن لم يكن من المحتمل اختصاصالمعصوم بحكم في ذلك المورد دلّ صدور الفعل منه على عدم حرمته بحكم عصمته،كما يدلّ الترك على عدم الوجوب لذلك، ولا يدلّ بمجرده على استحباب الفعلورجحانهإلا إذا كان عبادة -فإنّ عدم حرمتها مساوق لمشروعيّتها ورجحانهاأو أحرزنا في مورد عدم وجود أيّ حافز غير شرعي، فيتعيّن كون الحافز شرعيًّافيثبت الرجحان، ويساعد على هذا الإحراز تكرارُ صدور العمل من المعصوم، أومواظبته عليه مع كونه من الأعمال التي لا يقتضي الطبع تكرارها والمواظبةعليها»[38].

ويتابعالصدر بحثه من خلال طرح أسئلة عدّة حول دلالة الفعل، من قبيل: هل يدلّالفعل على عدم كونه مرجوحاً، وخاصة مع التكرار؟ ويعلّق الإجابة على الموقفالكلامي من فعل المعصوم. وينتهي أخيراً إلى السؤال الأساس وهو: هل يمكناستفادة الحكم الشرعي للمكلَّف في كلّ عصر من فعل المعصوم؟ ويجيب عن السؤالبقوله: «إنّ هذه الدلالات إنّما تتحقّق في إثبات حكم للمكلَّف عند افتراضوحدة الظروف المحتمل دخلها في الحكم الشرعي، فإنَّ الفعل لمّا كان دالًّاصامتاً وليس له إطلاق، فلا يعيّن ما هي الظروف التي لها دخل في إثبات ذلكالحكم للمعصوم، فما لم نحرز وحدة الظروف المحتمل دخلها لا يمكن أن نثبتالحكم»[39].

وتولّدهذه الإجابة سؤالاً آخر، وهو أنّ صدور الفعل عن المعصوم وعصمته التي هي منأهمّ خصائصه، ينبغي أن تمنع من الاستفادة من فعل المعصوم بالكامل،وبالتالي يؤدّي ذلك إلى سدّ باب استنباط الأحكام الشرعيّة من السنّةالفعليّة! وهذه إشكاليّة لا بدّ من حلّها، والحلّ من وجهة نظر الصدر يستفادمن الوصف القرآنيّ للمعصوم بأنّه «أسوة حسنة». ومن هنا، فإنّ الأصل فيأفعاله أن تصدر عنه من هذه الجهة، إلا ما ثبت بدليلٍ خاصّ أنّه من الأحكامالخاصة به[40]. وعلى أيّ حال يبدو أنّ هذا الموقف من دلالة فعل المعصوم، هو موقف يتبنّاه أكثر الأصوليين، وإن كان هو أكثرهم دقّة في التعبير عنه[41].

المنطلق الروائي لتاريخيّة بعض السنّة:

ولاتقتصر منطلقات قصر السنّة على ظروف خاصة، على ما تقدّم وحده بل تتّسع هذهالمنطلقات لتنضمّ السنّة نفسها إليها، ففي الروايات الواردة عن المعصومين (عليه السلام)، ما يشير إلى تقييد بعض السنّة بظروف صدورها وهي روايات عدّةأكتفي بالإشارة إلى بعض النماذج منها:

النهي عن مغادرة بلدالوباء: ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: سألت عنالوباء يكون في ناحية المصر فيتحوّل الرجل إلى ناحية أُخرى، أو يكون فيمصر فيخرج منه إلى غيره. فقال: «لا بأس إنّما نهى رسول اللّه (صلى اللهعليه وآله وسلم) عن ذلك لمكان ربيئة كانت بحيال العدوّ، فوقع فيهم الوباءفهربوا منه، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): الفارّ منه كالفارّمن الزحف كراهية أن يُخلُوا مراكزهم»[42]. ومن الواضح أنّ هذه الرواية تشير إلى فلسفة النهي عن مغادرة البلدالموبوء، وبالتالي تقيّد النهي النبويّ بالظروف التاريخيّة التي صدر فيها.

حبس لحوم الأضاحي: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى أن تُحبَس لحوم الأضاحي في منىفوق ثلاثة أيام من أجل الحاجة، فأمّا اليوم فلا بأس»[43]. وهذه الرواية أيضاً تبيّن فلسفة النهي النبوي عن حبس لحوم الأضاحي وتبرّرذلك بحاجة الناس إليها، وأمّا مع ارتفاع الحاجة، فقد تبدّل الحكم وأُلغيالنهي السابق.

النهي عن أكل لحوم الحمير: عن محمد بن مسلم وزرارة،أنّهما سألا الإمام الباقر (عليه السلام) عن أكل لحوم الحمر الأهليّة؟فقال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أكلها يوم خيبر؛ وإنّمانهى عن أكلها في ذلك الوقت؛ لأنّها كانت حمولة الناس، وإنّما الحرام ماحرّم الله في القرآن»[44]. وهذه أيضاً كسابقتيها، وتوجد غير هذه الروايات ممّا يدلّ على المعنى نفسه،وهو أنّ بعض الأوامر أو النواهي المنقولة عن النبيّ (صلى الله عليه وآلهوسلم)، صدرت في ظروفٍ خاصّة ولا بدّ من فهمها في إطار الظرف التاريخيّ الذيصدرت فيه، ولا تُعمَّم دلالتها إلى غيره من الظروف التي قد تختلف فيمقتضياتها.

دواعي لا تاريخيّة السنّة ومبرِّراتها

في مقابل ماتقدّم من المبرِّرات لإثبات تاريخيّة السنّة، يبرّر الفقهاء اعتمادهم علىالسنّة وتعميم دلالةِ ما تدلّ عليه إلى غير العصر والظرف التاريخي الذيصدرت فيه، بمبرّرات عدّة، منها:

1- خلود الشريعة وختم النبوّة: منالبديهيّات الأوّلية التي ينطلق منها الفقه الإسلامي عبر تاريخه والمعاصرمنه كذلك، فكرة خلود الشريعة الإسلاميّة وأنّ النبوّة خُتِمت برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وترتكز هذه الفكرة على أدلّة كلاميّة لا أجدضرورة للخوض فيها بالتفصيل، وتعبِّر عنها القاعدة المشهورة: «حلال محمدحلال أبداً إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة…»[45]. وممّا يؤدّي المعنى نفسه، الرواية النبويّة المشهورة: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة»[46]. ويترتّب على فكرة خلود الشريعة أنّ باب النسخ قد أُقفِل بانقطاع حبل الوحيمن الأرض، والحكم بتاريخيّة السنّة ما هي إلا نسخٌ سُمّي باسم معاصر. وكماأنّ نسخ القرآن ممنوعٌ بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كذلك نسخالسنّة فكلّ منهما وحي {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّاوَحْيٌ يُوحَى?[47].

2- انسداد باب الاستفادة من السنّة: يرى بعض الفقهاء أنّ فتح باب احتمالتقييد القضيّة بواقعها يسدّ باب استنباط الأحكام من السنّة، وقد نقلنا قبلقليل نصًّا عن الشيخ يوسف البحراني يشير إلى هذا المعنى بشكل دقيق، وبعبارةأخرى إذا كنّا نؤمن بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بيّنخلال حياته مجموعة من الأحكام وكان لكلّ منها مناسبة بشكل أو بآخر، فإنّكلّ كلام يصدر عن إنسان يعيش في بيئة اجتماعيّة يرى نفسه مسؤولاً عنهاومدبِّراً ومديراً لشؤونها، لا بدّ أن يكون ما يصدر عنه من مواقف وأوامرونواهٍ وتوجيهات مرتبطاً بتلك البيئة إمّا لإصلاح فاسد من أمورها، وإمالتأسيس واقع غير موجود وهكذا. فإذا أردنا ربط كلّ قضيّة من القضايا بالبيئةوالظروف التي صدرت فيها، لم يعد من مجال للاستفادة من السنّة، ولا يبقىإلا القرآن، والقرآن أوّلاً ليس فيه تفصيل كلّ الأحكام ولا يغطِّي جميعالوقائع، مع العلم أنّه هو نفسه، يدعو إلى العمل بالسنّة والتأسّي بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن المعلوم أنّ الفقهاء عندما يستدلّون علىحجيّة السنّة، إنّما يستدلّون بالقرآن، ولا تكفي السنّة لإثبات حجيّة نفسهاللزوم الدور.

3- الإطلاق والعموم الأزماني والأحوالي: من المباحثالتي يتعرّض لها الأصوليّون مبحث المطلق والمقيّد، وهو بحث طويل الذيل كثيرالتفاصيل كما يعلم المطّلعون على هذا العلم والذين خبروا تدقيق الفقهاءوالأصوليين في مثل هذه المباحث. والمقصود بالإطلاق هو إرسال الكلام دونتقييده بفردٍ أو حالةٍ أو صفةٍ، فيقول الفقهاء إنّ المتكلّم الحكيم لو كانيريد فرداً خاصًّا لكان عليه بيان ذلك بذكر القيد الذي يدلّ عليه، مثلاً لوكان المطلوب من المكلف قراءة سورة خاصة من القرآن في الصلاة أو في غيرهامن الحالات، لما صحّ من الله الحكيم ولا من النبيّ أن يأمرا بقراءة القرآندون ذكر تلك السورة المرادة. ويعبّرون عن هذه القاعدة بقولهم: «المتكلمالحكيم يقول ما يريد، ويسكت عمّا لا يريد». ومبدأ الإطلاق كما ينطبق علىأفراد المكلّفين أو متعلّقات التكليف في عصر، كذلك ينطبق على العصوراللاحقة، فيقال: لو كان الحكم الذي أعلنه رسول الله خاصًّا بزمانٍ دون آخر،وببيئة تاريخيّة دون أخرى؛ لكان عليه أن يبيّن ذلك في كلامه ولا يوهمالناس خلود الحكم وهو ليس خالداً؛ ويضاف هذا إلى وجود عدد من النصوصالنبوية تشير إلى التفات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بل والمسلمينأيضاً، إلى العصور اللاحقة[48]،ولا يُستفاد من النصوص أنّه كان يعتني بأهل عصره ويغفل ما بعده من العصوروأهلها. وما قيل عن الإطلاق يقال عن العموم حرفاً بحرف. ويرى الفقهاء فيبعض حالات التعارض الأوّلي، أنّ ظهور اللفظ في العموم الأزماني قوّي إلىدرجة يُرجَّح على النسخ، ومثال ذلك إذا ورد خاص مثل: «لا تكرم العلماءالفاسقين»، ثم ورد بعده عام متأخّر معارض له، كقوله: «أكرم العلماء». ففيمثل هذه الحالة يدور الأمر بين اعتبار الخاص منسوخاً لاغياً وبين تخصيصالعام به، فيقول عدد من العلماء: إنّ تخصيص العام أولى من عدّ الخاصمنسوخاً لقوة دلالته على الاستمرار والدوام[49].

4- المورد لا يخصّص الوارد: من القواعد المقرَّرة في الفقه الإسلامي إلى جانبقاعدة تقييد بعض السنن بالواقعة التي صدرت فيها، ويستند كثير من الفقهاءإلى هذه القاعدة ف


مجلة نصوص معاصرة ٢١ للتحميل

1 سبتمبر 2011
التصنيف: نصوص معاصرة
عدد التعليقات: ٠
2٬299 زيارة

مجلة نصوص معاصرة ٢١ للتحميل

 كلمة التحرير رحلة مشروع ثقافي، «نصوص معاصرة» تنهي أعوامها الخمسة … حيدر حب الله ملف العدد: الإمامة والمهدوية بين الخاتمية والديمقراطية/1/ التشيّع وتحدّيات الديمقراطية الدينية … د. عبد الكريم سروش  /   ترجمة: السيد حسن مطر التشيع والمعضل الثلاثي: الإمامة، الخاتمية، والديمقراطية … حوار بين د. سروش والشيخ محمد سعيد بهمن پور  /   ترجمة: […]

«مجلّة الاجتهاد والتجديد» في عددها التاسع عشر (19)

30 أغسطس 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تمهيد

إنّه رجل العلم والفكر والوعي والتجديد المرجع الدينيّ اللبنانيّ السيّد محمّد حسين فضل الله(رحمه الله).

كالطود الشامخ عزّاً وإباءً، كالبحر الهادر قوّةً وعطاءً، كالنور الزاخر دفئاً وسناءً، كالقلب الدافق حبّاً وحناناً، رحل السيّد العلاّمة، فمَنْ للمنبر بعده والمحراب، ومَنْ للقلم بعده والكتاب، لقد رحل وانقطع الخطاب، ولكنّهم سيعرفونه يوماً، سيعرفونه ويقدِّرونه إذا ما التبست عليهم الفتن، وهاجمتهم اللوابس والمحن، وألمّ خطبٌ فادِحٌ جللٌ، فصاروا حيارى، وشتَّتهم ذات اليمين وذات الشمال، كالمعز شدّ فيها الذئب، فلم يجدوا ركناً وثيقاً يلجأون إليه، ولا كهفاً حصيناً يأوون إليه، هناك سيعرفون قدره، ويندمون على كلّ إساءةٍ صدرت منهم تجاهه، ولات ساعة مندمِ.

هكذا هو، أراد إخراجهم من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجهل والخرافة والأساطير المتنوِّعة إلى نور العلم والثقافة والحقيقة والواقع.

وعرفناه قائداً لطلائع المحبّة والرعاية والانفتاح؛ وفقيهاً، نافذ البصيرة، صلب الإيمان، تزول الجبال ولا يزول؛ ومفكِّراً سياسيّاً ألمعيّاً، لا تطيش سهام تحليلاته ولا تخيب، فانحنت له السياسة وأهلها مراراً وتكراراً.

هكذا عرفناه فعشقناه أستاذاً ومربيّاً، بل أباً حنوناً، وها نحن اليوم نفتقده فقد الأرض وابلها، فقد خسرته الحوزات العلميّة الدينيّة فقيهاً مجدِّداً متنوِّراً، مواكباً لكلّ جديد في عصره، ومفكِّراً واعياً وحكيماً، غير أنّنا نسلِّم لأمر الله ومشيئته، فنقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.

والعهد لله وللسيّد الحبيب أنّنا على دربه سائرون، ولنهجه مكملون، ولو كره الحاقدون.

يا سيّداً به حارت ألسُنٌ وعقولُ

 

المجد مجدك والماجدون قليلُ

وفاءً وتقديراً منها للفقيه المصلح والمجدِّد محمد حسين فضل الله خصَّصت مجلّة الاجتهاد والتجديد عددها التاسع عشر (19) (صيف 2011م ـ 1432هـ) للحديث عن سماحته، من خلال (7) مقالاتٍ في محور: التجديد في الفقه الإسلامي، العلامة فضل الله أنموذجاً (1). كما تضمَّنت المجلّة (8) دراساتٍ في مجالات متنوّعة. بالإضافة إلى إكمال القراءة في منهجيّة كتاب «الأخبار الدخيلة»، للمحقِّق التستريّ.

كلمة التحرير

يتناول رئيس التحرير الشيخ حيدر حب الله في كلمة التحرير، وهي بعنوان «العلامة محمد حسين فضل الله، معالم نهضة وسياقات مشروع إصلاحي / الحلقة الأولى»، جملةً من العناوين ذات الدلالة، وهي: 1ـ مدخل إلى رصد سياقات مصائر الإصلاح؛ مآلات تجربة العلاّمة فضل الله، دلالات حدث ما بعد الوفاة؛ مسيرة الإصلاح والتجديد، البحث عن المرجعيّة الخلف؛ 2ـ المعالم الفكرية العامّة لمدرسة العلامة فضل الله: 1ـ 2ـ الإشراف والجامعيّة.

محور العدد: التجديد في الفقه الإسلامي، العلامة فضل الله أنموذجاً (1)

1ـ في المقالة الأولى، وهي بعنوان «مرجعية القرآن في الاستنباط الفقهي عند العلاّمة فضل الله»، للشيخ علي حسن غلوم علي (باحث وكاتب وناشط في المجال الديني، من الكويت)، يتناول الكاتب بالبحث العناوين التالية: مقدمة؛ المنهج الفقهي التجديدي عند المرجع فضل الله؛ ملامح المنهج الاستنباطيّ عند السيد فضل الله: 1ـ الطابع العرفي؛ 2ـ الطابع الواقعي؛ 3ـ النزعة التاريخية؛ 4ـ المعطى العلمي؛ 5ـ البعد المجتمعي؛ 6ـ اعتماد مرجعية القرآن الكريم؛ مرجعية القرآن الكريم الفكرية؛ مرجعية القرآن الكريم الفقهية؛ مرجعية القرآن الفقهية عند الأخباريين؛ التعارض بين النص القرآني والحديث؛ مرجعية القرآن في الاستنباط عند الفقهاء؛ أطروحة الشهيد الصدر الأول؛ أطروحة الشيخ شمس الدين؛ أطروحة الشيخ الفضلي؛ أطروحة الشيخ محمد الصادقي الطهراني؛ أطروحة السيد فضل الله؛ نماذج فقهية: 1ـ حق الزوجة الجنسي؛ 2ـ طلاق المرأة التي يغيب عنها زوجها؛ 3ـ إرث الزوجة من الأرض؛ 4ـ بلوغ الأنثى؛ 5ـ وجوب الخُلع على الرجل إذا بذلت الزوجة؛ 6ـ وجوب صلاة الجمعة وجوباً عينياً في زمن الغيبة؛ 7ـ ابتداء الكفار بالحرب؛ 8ـ حكم ثمار البحر وما لا فلس له من السمك؛ 9ـ حرمة التدخين؛ 10ـ تحديد ماهية القمار؛ 11ـ التفصيل في حكم الغناء.

2ـ وفي المقالة الثانية، وهي بعنوان «العلاّمة فضل الله، إطلالة على أزمته المدوّية وعلاقاته بإيران والمرجعيات الدينية»، للدكتور حسام الدين آشنا (باحث متخصِّص في العلاقات الدوليّة والثقافة الإسلاميّة) والدكتور الشيخ محمد رضا زائري (باحث متخصِّص في الحركات الإسلاميّة والعلاقات الدوليّة) والأستاذ محمد مهدي شريعتمدار (باحث في الفكر السياسيّ والحركات الإسلاميّة، ناشط في مجال الإعلام الإسلاميّ) (ترجمة: محمد عبد الرزّاق)، تناول المتحاورون بالكلام العناوين التالية: من هو العلاّمة فضل الله؟ ولماذا لا يعرفه المجتمع الإيراني جيداً؟؛ فضل الله وإعلان المرجعية؛ العلامة فضل الله ومرجعيّة التواصل مع الناس؛ تنوّع أدوار السيد فضل الله؛ خصائص في منهجه الفقهيّ؛ بين شمس الدين وفضل الله؛ فضل الله ومنهج الحوار الإسلامي والعلماني والقومي.

3ـ وفي المقالة الثالثة، وهي بعنوان «العلاّمة فضل الله رجل التقريب، إطلالة على رؤاه في مشروع الوحدة الإسلامية»، للأستاذ قدرة الله علي زادة (باحث في الفكر الإسلاميّ) (ترجمة: محمد عبد الرزاق)، يتناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: استذكار؛ العلاّمة فضل الله داعية إلى التقريب؛ وضع النقاط على الحروف؛ لابدّيات التقريب العامة؛ لابدّيات التقريب على صعيد السياسة؛ كلمة أخيرة.

4ـ وفي المقالة الرابعة، وهي بعنوان «الفكر السياسي الإسلامي، قراءة في نظريات العلاّمة فضل الله»، للأستاذ مجيد مرادي (باحث متخصّص في الفكر السياسي والكلام الجديد، ومترجم ناشط من العربية إلى الفارسية، له كتابات متعدّدة، من إيران) (ترجمة: حسن مطر)، يتناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: تمهيد؛ جولة سريعة في المنهج الفكري العام؛ السياسة في فكر السيد فضل الله؛ العلاقة بين الدين والدولة؛ الحكومة الإسلامية عند فضل الله، الهوية والشكل والإطار؛ الدولة الدينية وسؤال الشرعيّة؛ أنموذج الدولة المنشودة: 1ـ ولاية الفقيه؛ 2ـ الشورى؛ 3ـ الديمقراطية؛ الحريات الفكرية والسياسية؛ الخاتمة.

5ـ وفي المقالة الخامسة، وهي بعنوان «(من وحي القرآن تفسير اجتماعي ذو نزعة واقعية»، للأستاذ حامد شيفاپور (باحث متخصِّص في الدراسات القرآنيّة) (ترجمة: حسن علي حسن)، يسلِّط الكاتب الضوء على العناوين التالية: مدخل؛ 1ـ في ما يتعلق بالمفسّر؛ 2ـ أهمية تفسير «من وحي القرآن»؛ 3ـ خصائص تفسير «من وحي القرآن»؛ 4ـ البنية التفسيرية لكتاب «من وحي القرآن»؛ 5ـ النزعة الاجتماعية في التفسير؛ 6ـ الأسس التفسيرية والنزعة الاجتماعية: أـ القرآن كتاب في الواقعية والحياة؛ ب ـ دور التقدّم الإنساني في فهم القرآن الكريم؛ ج ـ الاتجاه الوسطي في التعاطي مع الروايات التفسيرية؛ دـ عدم الاهتمام بتوضيح المجملات؛ هـ ـ عدم الاهتمام بالمباحث الأدبية في التفسير؛ نماذج من النهج الاجتماعي في التفسير: 1ـ الاهتمام بتساؤلات العصر وتحدّياته؛ 2ـ إطلالة على مسألة الغلو؛ 3ـ موارد استعمال كلمة «الحركة» في هذا التفسير؛ تفسير «من وحي القرآن» في مضمار النقد: أـ عدم الانسجام البنيوي؛ ب ـ قلة الاهتمام بالروايات التفسيرية؛ ج ـ عدم الاهتمام بتوضيح الآيات المجملة في موارد الضرورة؛ دـ قلة الاهتمام بالبحوث الأدبية عند اللزوم؛ الاستنتاجات

6ـ وفي المقالة السادسة، وهي بعنوان «الاجتهادية والحركية عند العلاّمة فضل الله، مطالعة في القضايا الفكرية المعاصرة / القسم الأول»، للأستاذ نبيل علي صالح (باحث وكاتب في الفكر الإسلامي، من سوريا)، يتناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: تمهيد؛ 1ـ موقفه من العقل والعلم؛ منهجية السيد فضل الله في تحليل ودراسة العقل والتفكير العقلي؛ العلاقة بين العلم والأخلاق في ضوء موقف السيد فضل الله منهما.

7ـ وفي المقالة السابعة، وهي بعنوان «حركة النبوة في مواجهة الانحراف، قراءة في المنهج التفسيري للسيد فضل الله»، للأستاذ برير السادة (كاتب في الثقافة الإسلامية، من البحرين)، يتناول الكاتب عدّة نقاط، وهي: مقدمة؛ مميزات المنهج التفسيري: 1ـ حيوية النص في الحركة الرسالية؛ 2ـ مقاربة النص والواقع؛ 3ـ البحث عن الحقيقة من خلال مرجعية القرآن؛ 4ـ سلاسة الأسلوب في تبيين آرائه.

1ـ في الدراسة الأولى، وهي بعنوان «الملكيّات الفكرية، دراسة استدلالية تحليلية من زاوية فقهية»، للدكتور الشيخ عبد الله أميدي فرد (أستاذ مساعد في الفقه والحقوق في جامعة قم، من إيران) (ترجمة: أسعد الكعبي)، يتعرَّض الكاتب للنقاط التالية: تمهيد؛ حراجة الموضوع وأهميّته؛ تشريح المصطلحات؛ أقسام الملكية المعنوية؛ الحق بمعناه الاصطلاحي: أـ في القرآن؛ ب ـ في علم الحقوق؛ ج ـ من وجهة نظر الفقهاء؛ دـ ماهية الحق؛ مفهوم الملك؛ نظرية الملكية الفكرية، الأدلّة الفقهية: أـ الدليل القرآني؛ ب ـ السنّة الشريفة؛ ج ـ الدليل العقلي؛ جولة مع آراء عدد من الفقهاء المعاصرين؛ الملكية المعنوية من وجهة نظر علم القانون والحقوق؛ النتيجة النهائية.

2ـ وفي الدراسة الثانية، وهي بعنوان «علم الرجال الشيعي، مدخل إلى مراحل تكوينه وانطلاقته»، للدكتور مجيد معارف (عضو الهيئة العلمية في جامعة طهران، ومسؤول الدراسات والتحقيق في كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية، باحث متخصِّص في تاريخ الحديث الإسلامي، من إيران) (ترجمة: جواد سيحي)، يتناول الكاتب النقاط التالية: مقدمة؛ 1ـ تكوُّن علم الرجال عند الشيعة الإمامية؛ 2ـ دراسة «اختيار الرجال» للطوسي والكشي؛ تقييم طريقة الكشي في «اختيار الرجال»؛ الجوانب الإيجابية في الكتاب؛ 3ـ دراسة «رجال النجاشي»: أـ ولادة النجاشي، وفاته، ونشأته؛ ب ـ التعريف برجال النجاشي، والغرض من تأليفه؛ ج ـ تقييم طريقة النجاشي في «الرجال»؛ دـ منهج النجاشي؛ هـ ـ نماذج من رجال النجاشي؛ وـ التعرف على أساليب وطرائق المحدِّثين من خلال رواية النجاشي؛ 4ـ دراسة «الفهرست» للشيخ الطوسي؛ مقدمة «الفهرست»، تقييم وتحليل؛ 5ـ دراسة «رجال» الشيخ الطوسي؛ توضيح حول الباب الرابع عشر «في مَنْ لم يروِ عن الأئمة»؛ «رجال النجاشي» و«فهرست الطوسي»، مقارنة ومقاربة.

3ـ وفي الدراسة الثالثة، وهي بعنوان «الوقف النقدي في الفقه الإسلامي، قراءة استدلالية»، للشيخ حيدر حب الله، يتعرّض الكاتب للعناوين التالية: تمهيد: في تحديد دائرة البحث وموضوعه؛ أنواع وقف النقود؛ ميزات الوقف النقدي؛ تأسيس الأصل وتقعيد المبدأ؛ النظريات الفقهيّة في الموقف من الوقف النقدي: 1ـ نظرية المنع من وقف النقود؛ مستندات الموقف المتحفّظ من الوقف النقدي، مطالعة نقديّة؛ 2ـ نظرية تجويز الوقف النقدي؛ مبرّرات الترخيص في الأوقاف النقديّة؛ نتيجة البحث.

4ـ وأمّا الدراسة الرابعة فهي بعنوان «الدين وموقع القيم في دراسة العلاقات الدولية»، للدكتور عصام محمد عبد الشافي (باحث في العلوم السياسيّة، من مصر).

5ـ وفي الدراسة الخامسة، وهي بعنوان «حدود الجزع في رثاء أهل البيت(عليهم السلام)، ردّ على النقد الوارد في مقال (نزاهة الشعائر الحسينية)»، للشيخ محمد تقي أكبر نجاد (باحث وأستاذ في الحوزة العلمية) (ترجمة: محمد عبد الرزاق)، يتناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: نظرة إجمالية على مقال النقد؛ روايات استحباب الجزع على أهل البيت(عليهم السلام)، الملاك في حدود الجزع؛ نقد القول بالإطلاق في روايات الجزع؛ وقفة مع صاحب الجواهر(رحمه الله)؛ سيرة أهل البيت العملية؛ الإجابة عن الاستدلال بسيرة أهل البيت(عليهم السلام)؛ الروايات الناهية عن اللطم وكل الأعمال المستهجنة في العزاء الحسيني؛ المحصِّلة؛ الروايات الدالة على استحباب اللطم على الوجه والصدور، وكذلك الضرب بالسلاسل، وشق الثياب، و…

6ـ وفي الدراسة السادسة، وهي بعنوان «نظرية فضل الرحمن في الاجتهاد الديني، مطالعة ونقد / القسم الثالث»، للدكتور الشيخ محمد جعفر علمي(دكتوراه في فلسفة الدين من جامعة برمنغهام، وعضو الهيئة العلمية لجامعة باقر العلوم(عليه السلام)، مستشار رئيس جامعة المصطفى(صلة الله عليه وآله) العالمية لشؤون البحث العلمي، من إيران) (ترجمة: صالح البدراوي)، يكمل الكاتب حديثه عن نظريّة فضل الرحمن في الاجتهاد الديني، وذلك من خلال النقاط التالية: دراسة نظرية فضل الرحمن؛ حدوث القرآن وقدمه والثبات والتغيير في الأحكام؛ الوحي والبساطة وتفصيل آيات القرآن؛ خلود الأحكام؛ جعل الدين أمراً عرفياً؛ تحديث الاجتهاد بتحديث القياس؛ الاختلاف بين التمسك بالأصول العامة والقياس؛ السنّة عامل التغيير في السنّة؛ تأثير فضل الرحمن على المجدِّدين من بعده.

7ـ وفي الدراسة السابعة، وهي بعنوان «اتحاد الدين والسياسة في الحكومة الصالحة، نظرة عامّة على الدور السياسي والديني للإمام الخمينيّ(رحمه الله)»، للدكتور السيد محمّد مُقيمي (أستاذ مساعد في جامعة طهران، متخصِّص في علم الإدارة)، يتناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: مقدّمة؛ لمحة خاطفة على الأدب النظريّ؛ اتّحاد الدين والسياسة من وجهة نظر الإمام الخمينيّ؛ الأدوار السياسيّة للإمام الخمينيّ: ١ـ دور السياسيّ؛ ٢ـ دور الديمقراطيّ؛ ٣ـ دور المُقاوِم أو المُجاهِد؛ ٤ـ دور المطالب بالاستقلال؛ ٥ ـ دور التحرّري؛ ٦ـ دور المحلّل السياسيّ؛ ٧ـ دور الفاضح؛ أدوار الإمام الخميني في المرجعيّة الدينية: ١ـ دور الفقيه؛ ٢ـ دور الإجازة في الأمور الشرعيّة؛ ٣ـ دور إصدار الفتوى؛ ٤ـ دور المُبلِّغ؛ ٥ـ دور العالم والعارف بالإسلام؛ ٦ـ دور المنادي للإسلام؛ ٧ـ دور المحافظ على القيم؛ ٨ـ دور العدالة؛ خلاصة واستنتاج.

8ـ وفي الدراسة الثامنة، وهي بعنوان «اقتراح حساب إيداع جديد في النظام المصرفي اللاربوي»، للسيّد عباس موسويان(أستاذ في الحوزة والجامعة، وباحث في مجال الاقتصاد الإسلامي، رئيس تحرير مجلّة «اقتصاد إسلامي» الصادرة عن المجمع العلمي للفكر والثقافة الإسلاميّة) (ترجمة: الشيخ محمد حسن زراقط)، يتعرّض الكاتب للنقاط التالية: تمهيد؛ أهداف الإيداع ودوافعه؛ روحيّات المودعين وأصنافهم؛ العلاقة بين تحمُّل المخاطرة ومستوى الدخل؛ أنواع حسابات الإيداع في المصارف التقليدية: 1ـ الحساب الجاري؛ 2ـ حسابات التوفير؛ 3ـ حسابات الإيداع المؤجَّل؛ الماهية القانونية للحسابات المصرفية؛ دراسة حسابات النظام المصرفي التقليدية، ونقدها؛ أنواع حسابات الإيداع في المصارف اللاربوية في إيران: 1ـ الحساب الجاري (القرض الحسن)؛ 2ـ حساب التوفير (القرض الحسن)؛ 3ـ حساب الاستثمار المؤجَّل؛ دراسة ونقد تأمين المصادر الماليّة في النظام المصرفي اللاربوي في إيران: 1ـ الحساب الجاري (القرض الحسن)؛ 2ـ حساب التوفير (القرض الحسن)؛ 3ـ حساب الاستثمار المؤجَّل؛ نتيجة المقارنة بين النظام الربوي واللاربوي لجهة تأمين المصادر المالية؛ اقتراح نموذج لحساب جديد؛ أساليب تخصيص الاعتمادات:….

قراءات

وأخيراً كان إكمالٌ للقراءة في منهجية كتاب «الأخبار الدخيلة»، للشيخ التستريّ، من خلال دراسة الفصلين الأخيرين من الباب الثاني، والباب الثالث، وذلك في مقالة بعنوان «قراءة في منهجية كتاب «الأخبار الدخيلة»، مقدمات في التحقيق حول أسباب ضعف الرواية ومعايير تنقيحها وتصحيحها / القسم الثالث»، للأستاذ عبد المهدي جلالي (باحث في الحوزة العلمية) (ترجمة: نظيرة غلاب)، تحت العناوين التالية: الفصل الثالث: الأحاديث التي لنية مبيَّتة قد تمّ الزيادة فيها، أو النقيصة منها، أو تم تغيير بعض مفرداتها؛ الفصل الرابع: أحاديث متفرقة في موضوعات مختلفة؛ ابن حريش في عيون الرجاليين؛ الأدعية والزيارات بين الوضع والتحريف؛ الباب الثالث: الأدعية والزيارات التي تعرضت للتحريف والوضع: الفصل الأول: الأدعية المحرفة؛ الفصل الثاني: الأدعية الموضوعة والمكذوبة؛ أنموذج لدعاء موضوع؛ نقد لمتن الدعاء؛ نقد لسند الدعاء.

هذه هي

يُشار إلى أنّ «مجلّة الاجتهاد والتجديد» يرأس تحريرها الشيخ حيدر حبّ الله، ومدير تحريرها الشيخ محمد عباس دهيني، ومديرها العامّ علي باقر الموسى، والمدير المسؤول: ربيع سويدان. وتتكوَّن الهيئة الاستشاريّة فيها من السادة: د. أحمد الريسوني (من المغرب)، د. عبد الهادي الفضلي (من السعوديّة)، د. محمد خيري قيرباش أوغلو (من تركيا)، د. محمد سليم العوّا (من مصر)، الشيخ محمد علي التسخيري (من إيران). وهي من تنضيد وإخراج مركز الثقلين.

وتوزَّع «مجلّة الاجتهاد والتجديد» في عدّة بلدان، على الشكل التالي:

1ـ لبنان ـ بيروت: شركة الناشرون، هاتف: 277007(9611+).

2ـ المغرب ـ الدار البيضاء: الشركة الشريفيّة للتوزيع والصحف، سوشْپْرس، هاتف: 22400223؛ فاكس: 2/404031؛ ص. ب: 683 / 13.

3ـ جمهورية مصر العربيّة ـ القاهرة: مؤسَّسة الأهرام، شارع الجلاء، هاتف: 5786100؛ ص. ب: 683 / 13.

4ـ إيران ـ قم: أـ مكتبة الهاشمي، كُذَرْخان، هاتف: 7743543(98251+)؛ ب ـ دفتر تبليغات «بوستان كتاب»، چهار راه شهدا، هاتف: 7742155(98251+).

5ـ البحرين: شركة دار الوسط للنشر والتوزيع، هاتف: 17488992(973+).                                           

وتتلقّى المجلّة مراسلات القرّاء الأعزّاء على عنوان البريد: لبنان ــ بيروت ــ ص. ب: 327 / 25.

وعلى عنوان البريد الإلكترونيّ: [email protected].

وأخيراً تدعوكم المجلّة لزيارة موقعها الخاصّ: www.nosos.net؛ للاطّلاع على جملة من المقالات الفكريّة والثقافيّة المهمّة.

 


«مجلّة نصوص معاصرة» في عددها الثالث والعشرين (23)

25 أغسطس 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تمهيد

لشدّ ما استلبت الخرافة والأسطورة عقول الرجال والنساء معاً والأقوام الغابرة والحاضرة على السواء، فها هو القرآن الكريم يشير إلى ذلك ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (الأنعام: 24 ـ 25)، ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (31)﴾ (الأنفال: 31)، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (النحل: 24)، ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 83)، ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (الفرقان: 5)، ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (النمل: 68)، ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (الأحقاف: 17)، ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (القلم: 15)، ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (المطففين: 11 ـ 13).

ولكلّ قومٍ أساطيرهم وخرافاتهم الاجتماعيّة والدينية منها على حدٍّ سواء، غير أنّ كلّ قوم يرفضون أساطير وخرافات الأقوام الأخرى وينسبونهم إلى الجهل والتخلُّف لاعتقادهم بمثل تلك القصص والحكايات وإيمانهم بتلك المعتقدات.

ولم تكن الأمّة الإسلاميّة رغم ما كرّمها الله به، من أن جعل فيها نبيّ الرحمة والهدى محمّد وأهل بيته(، بمنأى عن الإيمان بالخرافات والأساطير.

فترى الناس مولَعين بمجالس القصّاصين يحدِّثونهم بما فتح الشيطان عليهم من الإسرائيليّات والموضوعات المكذوبة، التي ترقى ببعض الشخصيّات إلى مستوى الآلهة، وتنزل ببعض آخر إلى مستوى الشياطين.

وهكذا راجت حركة القصّاصين في المجتمع الإسلاميّ ـ ولأسباب سياسيّة في بعض الأحيان ـ حتّى صارت تعقد لهم المجالس في مسجد النبيّ، فيطلقون الكلام على عواهنه، ويضخّون في عقول الناس قصصاً وحكايات، ملؤها الخرافة، ومخالفةً المسلَّمات العقائديّة والشرعيّة.

ومن الولع بالخرافة وما خالف الواقع نشأت حركة الغلوّ في النبيّ الأكرم وآله الأطهار(، فما داموا عباداً لله مكرَمين، وقد أفاض عليهم من نعمه كلّها، فما المانع أن يكونوا في كلّ أحوالهم وشؤونهم على خلاف حالات البشر؟! فكانت الدعوى بأن الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء& تلد من فخذها أو أنّ الإمام لا يولد إلاّ من فخذ أمّه[1]، وأنّه يسقط ساجداً لله طاهراً نظيفاً رافعاً صوته بالشهادتين قائلاً: لبيّك وقد نبتت أسنانُه[2]، وأن بول وغائط المعصوم تأكله الأرض مباشرة[3]، وأن دم المعصوم وبوله وغائطه ومنيّه طاهر[4]، وأن الزهراء& لا يأتيها الحيض كما يأتي سائر النساء، ولا ترى دم نفاس عند ولادتها[5]. ولا يمكن القبول بذلك؛ إذ هو يخالف صريح القرآن في أنّ النبيّ بشرٌ كبقيّة البشر، يأكل ممّا يأكل الناس، ويمشي في الأسواق: ﴿وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ (الفرقان: 7). وقد كانت سيرته على ذلك، يأكل ويشرب ويأتي النساء و… كما يفعل سائر الخلق.

وانطلاقاً من أهمّيّة هذا موضوع الخرافة والأساطير في حياة الشعوب والأمم، وما يجب على كلّ مؤمن بالله واليوم الآخر من الابتعاد عن تلكم الخرافات مهما كان نوعها، ومهما كان انتشارها وتعلُّقه النفسيّ بها، ارتأت مجلّة «نصوص معاصرة»، في عددها (23) (السنة السادسة، صيف 2011م ـ 1432هـ)، أن تخصِّص قسماً من مقالاتها لطرح هذا الموضوع على بساط البحث العلميّ الجادّ والبنّاء، وذلك في سبع مقالات علميّة قيِّمة. وتتلوها ستّ دراسات متنوّعة. وأمّا المقالة الأخيرة فهي قراءةٌ في كتاب «الإلهيات الإلهية والإلهيات الإنسانية»، للأستاذ محمد رضا حكيمي.

كلمة التحرير

استعرض رئيس التحرير الشيخ حيدر حب الله في كلمته، وهي تحت عنوان mالمثقَّف المسلم وأزمة الوعي السياسيّ والاجتماعيّ، ضرورات لتطوير المفاهيمnنظريتين في الوعي السياسيّ والاجتماعيّ لدى المثقَّف الإسلاميّ، وهما: 1ـ نظرية التنزيه واللاانتماء، المبرّرات والهواجس؛ 2ـ نظرية الواقعية والالتزام، المنطلقات والمسوِّغات. وخلص إلى التعليق على كلتا النظريتين بعنوان mتعديل المقولات وتصويب الانتماءاتn.

ملفّ العدد: الدين بين الخرافة والمعتقدات الشعبية (1)

في المقالة الأولى، وهي بعنوان mالإسلام والحرب على الخرافاتn، للشيخ جعفر سبحاني(أحد مراجع التقليد، وأستاذ بارز في الحوزة العلمية في مدينة قم الإيرانية، ومن أشهر الباحثين المعاصرين في علم الكلام، ومن كتّاب الفقه المقارن)(ترجمة: نظيرة غلاب)، يتناول الكاتب موضوع الخرافة من خلال النقاط التالية: غرّة القول؛ قيام معتقدات الجاهلية على الخرافات؛ بعض مظاهر الخرافة في المعتقدات الجاهليّة: 1ـ إيقاد النار لجلب المطر؛ 2ـ ضرب البقر لطرد الجنّ والعفاريت؛ 3ـ كيّ الجمل السليم بالنار لشفاء الآخرين؛ 4ـ ربطهم لجمل بالقرب من قبر ميتهم حتى لا يحشر راجلاً؛ 5ـ عقر الناقة على قبر المتوفّى؛ 6ـ مداواة المرضى؛ كيف حارب الإسلام هذه الخرافات والاعتقادات الواهمة؟؛ 7ـ نوع آخر من الخرافات.

2ـ وفي المقالة الثانية، وهي بعنوان mالخلفيات الفكرية لصناعة الخرافة، مطالعة ونقد / القسم الأولn، للشيخ محمد أكبر نجاد(باحث وأستاذ في الحوزة العلمية)(ترجمة: نظيرة غلاب)، يتناول الكاتب موضوعة الخرافة عبر العناوين التالية: تمهيد؛ الخرافة ليست مسألة نسبية؛ العناصر الرئيسة للخرافة؛ حدود الخرافة والأخطاء العلمية؛ حدود الخرافة والبدعة؛ العلاقة بين الخرافة والعقل؛ جذور الخرافة في المنظور القرآني؛ حرب الأنبياء على الخرافة ؛ الخرافات وأساليب المواجهة؛ ترشيد العقلانية في الثقافة الشعبية، السبل والوسائل: 1ـ تشجيع التفكر واستعمال التحليل العقلي؛ 2ـ التفكير النقدي؛ 3ـ دقة التعاليم الدينية ووضوحها؛ التحليل العلمي لظواهر الخرافة؛ الانحرافات الفكرية في محاربة الخرافة؛ الخرافة والتكنولوجيا (ويبقى للبحث تتمّة في الأعداد القادمة إن شاء الله تعالى).

3ـ وفي المقالة الثالثة، وهي بعنوان mالخرافة: أصولها، عناصرها، ومواجهتهاn، للدكتور محمد جواد درودگر(أستاذ جامعي وباحث في الفكر الإسلامي)(ترجمة: نظيرة غلاب)، يتحدث الكاتب حول الخرافة في النقاط التالية: مقدمة؛ التعريف بمفهوم الخرافة؛ مورفولوجيا الخرافة: 1ـ الأسس المعرفية للخرافة؛ 2ـ الأصول البسيكولوجية للخرافة؛ 3ـ الأصول السوسيولوجية للخرافة؛ 4ـ الأصول السياسية للخرافة؛ من أين نبدأ؟ وماذا علينا أن نفعل؟؛ تحديد موضوع الخرافات؛ نتيجة البحث.

4ـ وفي المقالة الرابعة، وهي بعنوان mالدين والخرافة، علاقة انسجام أم تضادّ؟ / القسم الأولn، للسيد محمد حسين رباني(باحث وأستاذ في الحوزة العلمية)(ترجمة: نظيرة غلاب)، يتطرّق الكاتب للحديث عن الخرافة ضمن النقاط التالية: مدخل؛ تضاد الإسلام والخرافة، نماذج وظواهر: 1ـ محاربة الطيرة والتطير؛ 2ـ العين والإصابة بها؛ 3ـ الحلم، الرؤيا، والتعبير (ويبقى للبحث تتمّة في الأعداد القادمة إن شاء الله تعالى).

5ـ وفي المقالة الخامسة، وهي بعنوان mالموقف الإسلامي من ظواهر الخرافات، رصد الجذور والممارساتn، للسيد حيدر علوي نجاد(أستاذ في الحوزة العلمية، وباحث في الفكر الإسلامي، له كتابات متعدّدة، ومهتمّ بالدراسات العربية)(ترجمة: محمد عبد الرزاق)، يتناول الكاتب موضوع الخرافة عبر العناوين التالية: ما هي الخرافة؟؛ أفضل الممكن؛ الخرافة ومديات انتشارها؛ منشأ الخرافة وجذورها؛ الخرافة وظاهرة التنجيم؛ القرآن والتعاويذ والشفاء من الأمراض؛ قراءة الفأل ومعالجة المرضى؛ «الطيرة» ودلالاتها؛ الطيرة في القرآن الكريم؛ الطيرة في السنّة الشريفة؛ الطيرة mشركn؛ التوكل هو الحلّ؛ mالحظn، حقيقة أم وهم؟.

6ـ وفي المقالة السادسة، وهي بعنوان mمخاطر الخرافة في العقيدة المهدوية، قراءة للمناشئ والتبعات الاجتماعيةn، للشيخ مرتضى داوود ﭘور(باحث وأستاذ في الحوزة العلمية)(ترجمة: محمد عبد الرزاق)، يتحدث الكاتب عن الخرافة ضمن النقاط التالية: تمهيد؛ الخرافة في الدلالة اللغوية والاصطلاحية؛ أنواع الخرافة؛ الخرافة ومناشئها: 1ـ المناشئ الداخلية؛ 2ـ المناشئ الخارجية: أـ العوامل الفردية؛ ب ـ العوامل الاجتماعية: 1ـ البيئة؛ 2ـ العوز الثقافي؛ 3ـ هزالة «الضبط الاجتماعي»؛4ـ التقاطع بين تركيبة المجتمع وثقافة المهدوية؛ تبعات الخرافة وتأثيراتها: 1ـ تشويش المبادئ (المنتظرون وأزمة الانتماء)؛ 2ـ انعدام الثقة بطروحات المنتظرين؛ 3ـ انهيار النظام الاجتماعي؛ 4ـ المساس بالتربية الدينية.

7ـ وفي المقالة السابعة، وهي بعنوان mزواج يوسف النبيّ(ع) وزليخا، حقيقة أم خرافة؟n، للدكتور محمد بهرامي(باحث في علم الاجتماع والفكر الإسلامي)(ترجمة: نظيرة غلاب)، يتناول الكاتب بالبحث النقاط التالية: تعريف الخرافة؛ التأريخ للخرافة؛ منشأ الخرافة؛ تسلل الخرافة إلى قصص الأنبياء؛ محاربة الخرافة؛ رواية زواج يوسف(ع) من زليخا: 1ـ زواج يوسف(ع) في كتب أهل السنة: أـ رواية وهب بن منبه؛ دراسة نقدية لرواية وهب بن منبه: 1ـ ضعف الراوي؛ 2ـ معارضتها سائر الروايات؛ 3ـ الضعف السندي والتاريخي؛ 4ـ اختلافها عن رواية التوراة؛ ما اتفقا فيه؛ ما اختلفا فيه؛ 5ـ المرجعية اليتيمة؛ ب ـ رواية ابن إسحاق؛ دراسة نقدية لرواية ابن إسحاق؛ 2ـ زواج يوسف(ع) من زليخا في كتب الشيعة: أ ـ رواية تفسير القمي؛ ب ـ رواية أمالي الشيخ الصدوق؛ ج ـ رواية علل الشرائع؛ د ـ رواية أمالي الشيخ الطوسي؛ الرواية الشيعية للزواج، دراسة وتقويم: نقد رواية الشيخ القمي؛ نقد رواية الشيخ الصدوق في الأمالي؛ نقد رواية الصدوق في علل الشرائع؛ نقد رواية الشيخ الطوسي؛ نتيجة البحث.

دراسات

1ـ في الدراسة الأولى، وهي بعنوان mالدين والبحث الديني في العالم المعاصرn، وهي عبارة عن حوار مع الدكتور داريوش شايغان(أحد الفلاسفة الإيرانيين المعاصرين، متخصّص في الفلسفة المقارنة، وباحث له مساهمات كبيرة في دراسة العقل الشرقي والديانات القديمة، له أعمال فكرية وأدبية متعدّدة)(ترجمة: علي آل دهر الجزائري)، تطالعك أيّها القارئ العزيز العناوين التالية: بين يدي الحوار؛ البداية من الهند، مقارنة الأديان؛ مناشئ الاختلاف بين الأديان الشرقية والغربية؛ الأديان بين الوحدة في الجوهر والاختلاف في التمظهرات؛ من مظاهر الاختلاف؛ جوهر الدين؛ الدين والمعنوية، معالم رؤية جديدة؛ الدين والعالم الحاضر؛ ما هو الحل، الدين الرسمي أم العرفان الروحي؟؛ إيران وطاقة الانتقال إلى العصر الحديث؛ سؤال التوفيق بين التقليد والحداثة؛ جدل الأنا والآخر؛ المنهج الأفضل في مقارنة الأديان؛ بين العرفان الحقيقي والعرفان الكاذب؛ حكاية عرفانية مع العلامة الطباطبائي؛ هل فهم الدين متوقف على هجران التعقّل؟؛ حوار الأديان والحضارات، الدور والأمل؛ هل يمكن أن تتعايش الثقافات؟؛ تجربة في الجمع بين الحداثة والتقليد.

2ـ وفي الدراسة الثانية، وهي بعنوان mالتشيّع والعلمانية، قراءة في المنطلقات والمساراتn، للدكتور السيد صادق حقيقت(باحث في الحوزة والجامعة، حائز على دكتوراه في العلوم السياسية، عضو الهيئة العلمية في كلية الفكر السياسي الإسلامي، وأستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية في جامعة المفيد في قم)(ترجمة: محمد عبد الرزاق)، يستعرض الكاتب النقاط التالية: تمهيد؛ مفهوم العلمانية؛ أنماط العلمانية في الإسلام: 1ـ علاقة الدين والسياسة؛ 2ـ علاقة المؤسسة الدينية بالدولة؛ «الحركة الدستورية» والعلمانية الشيعية؛ العلمانية الدينية بعد الحركة الدستورية؛ نظرية الوكالة عند مهدي الحائري؛ سروش وإشكالية العلاقة بين الدين والسلطة؛ شبستري وهرمنوطيقا الحقوق؛ مناقشة وردود؛ لابدّية التنسيق بين الأدلة النصية والأدلة غير النصية في الفكر السياسي.

3ـ وفي الدراسة الثالثة، وهي بعنوان mجذور العنف في الإنسان، نظرة سايكولوجيّة لتداعيات الحبّ والكراهيةn، للدكتور مصطفى ملكيان(أستاذ جامعي بارز، وأحد أكبر منظري الإصلاح الديني في إيران، يحمل نزعة إيمانية لا تركز على مفردات العقيدة بقدر مبدأ العلاقة الروحية مع الله، له نقد على نظرية القبض والبسط للدكتور سروش، وهو مترجم عن اللغات الأجنبية)(ترجمة: محمد عبد الرزاق)، يتناول الكاتب النقاط التالية: الفرق بين قساوة الحب وقساوة الكراهية؛التناقض واللاتناقض؛ مفهوم التضحية في أوروبا؛ قساوة الحب وأنماطها؛ قساوة الكراهية وأنماطها؛ تنافر قساوة الكراهية مع الحرية والعدالة؛ مثال آخر أكثر دقة؛ «ثنائية» باهظة الثمن.

4ـ وفي الدراسة الخامسة، وهي بعنوان mالمنهج التفسيري وضرب القرآن بالقرآن، تحليل المفهوم ونقد النظرياتn، للسيد محمد علي أيازي(أستاذ في الحوزة والجامعة، وأحد أبرز الباحثين القرآنيين، لديه أكثر من ثلاثين كتاباً في الدراسات القرآنية وغيرها، كانت له مساهمات جادة في موضوعات قرآنية وإشكالية. من رموز الفكر التجديدي في إيران)(ترجمة: نظيرة غلاب)، يركِّز الكاتب بحثه في النقاط التالية: مقدمة؛ أـ روايات ضرب القرآن؛ ب ـ وجهات نظر مختلفة حول الرواية: 1ـ النظرية القديمة (من القرن الرابع، والتي لا زال هناك مَنْ يتبناها ويقول بها)؛ 2ـ النظرية الثانية؛ 3ـ النظرية الثالثة؛ النظرية المختارة.

5ـ وفي الدراسة الخامسة، وهي بعنوان mالإبداع في الأديان والمدارس الدينيّة، نظام القيَم في الإسلامn، للدكتور حسين خنيفر(أستاذ مساعد في جامعة طهران)، يتناول الكاتب النقاط التالية: تمهيد؛ الحاجة إلى العمل والإبداع؛ الإبداع، تشريح المفهوم وتوضيح الموضوع؛ الطرق الثلاثة الرئيسيّة للتغيّر في الحياة الإنسانيّة؛ سقراط الحكيم؛ ضرورة دراسة موضوعة العمل والإبداع في الإسلام؛ أهميّة الإبداع في نظام القيَم؛ أهداف العمل والإبداع في نظام القيَم؛ خلفيّة الإبداع في تأريخ الأديان؛ تشبيه التوراة؛ الإبداع في أدب الإدارة والنظام القيميّ؛ مكانة العمل والإبداع في النظام القيميّ؛ الإسلام والإنسان والعمل؛ الإبداع الجريء من منظار القيَم؛ الإسلام والإبداع؛ هويّة الإنسان المُبدع في النظام القيميّ؛ القرآن والمُبدعون؛ الاكتساب والعمل في ضوء التزكية؛ الثروة في القرآن الكريم؛ استنتاج.

6ـ وفي الدراسة السادسة، وهي بعنوان mالوحدة الإسلاميّة، مطالعة في التوجيهات القرآنيّةn، للشيخأحمد عابديني(باحث وأستاذ الدراسات العليا في الحوزة العلمية في إصفهان، وعضو الهيئة العلمية لجامعة آزاد ـ نجف آباد)(ترجمة: علي فخر الإسلام)، يتناول الكاتب النقاط التالية: تمهيد؛ النصوص القرآنية ومبدأ الوحدة، مقاربة تحليليّة؛ محور الوحدة؛ إشكاليّة عدم ضمان الوحدة بالاحتكام إلى الكتاب والسنّة؛ الوحدة مع سائر الأديان.

قراءات

وفي باب قراءات تضمَّن العدد (23) من «مجلّة نصوص معاصرة» قراءةً واحدةً، وهي تحت عنوان ««الإلهيات الإلهية والإلهيات الإنسانية»، إخفاقات في العقل والمنهج»، للدكتور السيد حسن إسلامي(أستاذ مساعد في جامعة الأديان والمذاهب، وباحث متخصّص في الفكر الإسلامي المعاصر)(ترجمة: محمد عبد الرزاق). وقد تعرَّض الكاتب للعناوين التالية: الفرضيات؛ كتاب «الإلهيات الإلهية والإلهيات الإنسانية»: 1ـ حكم الفلاسفة ببطلان الفلسفة: أ ـ النقل الناقص؛ حكم نصير الدين الطوسي بوهمية الفلسفة؛ الآشتياني وتخطئة الملا صدرا؛ رأي الطباطبائي في دوافع ترجمة الفلسفة اليونانية؛ مفارقة من العيار الثقيل؛ ب ـ الخروج عن صلب الموضوع؛ المثال الأول: الميرفندرسكي والفلسفة الخطّاءة؛ المثال الثاني: دكاكين الفلاسفة؛ ج ـ إهمال التصريحات الأخرى للقائل؛ د ـ نسبة الكلام بلا مصدر؛ هـ ـ النقل الكاذب؛ الأنموذج الأوّل: الإمام الخميني يعارض المعاد الصدرائي؛ الأنموذج الثاني: الطباطبائي والتنافر بين الدين والفلسفة؛ المحصَّلة؛ 2ـ حجية الفلاسفة في إبطال الفلسفة: أـ الفلاسفة المقلِّدون؛ ب ـ لا تقليد في العقليات؛ ج ـ وقوع الفلاسفة في الخطأ؛ د ـ الحكم ببطلان الفلسفة إلغاءٌ للذات؛ مفارقة أخرى؛ 3ـ منهجية صب الزيت على النار.

هذه هي

يُشار إلى أنّ «مجلّة نصوص معاصرة» يرأس تحريرها الشيخ حيدر حبّ الله، ومدير تحريرها الشيخ محمد عباس دهيني، ومديرها العامّ علي باقر الموسى. وتتكوَّن الهيئة الاستشاريّة فيها من السادة: زكي الميلاد (من السعوديّة)، عبد الجبار الرفاعي (من العراق)، كامل الهاشمي (من البحرين)، محمد حسن الأمين (من لبنان)، محمد خيري قيرباش أوغلو (من تركيا)، محمّد سليم العوّا (من مصر)، محمد علي آذرشب (من إيران). وهي من تنضيد وإخراج مركز الثقلين.

وتوزَّع «مجلّة نصوص معاصرة» في عدّة بلدان، على الشكل التالي:

1ـ لبنان ـ بيروت: الضاحية، شارع الرويس، دار المحجّة البيضاء، هاتف: 287179(9613+).

2ـ مملكة البحرين: شركة دار الوسط للنشر والتوزيع، هاتف: 17596969(973+).

3ـ جمهورية مصر العربية: مؤسَّسة الأهرام، القاهرة، شارع الجلاء، هاتف: 2665394.

4ـ الإمارات العربية المتحدة: دار الحكمة، دُبَي، هاتف: 2665394.

5ـ المغرب: الشركة الشريفيّة للتوزيع والصحف (سوشْپْرِس)، الدار البيضاء، هاتف: 22400223.

6ـ العراق: أـ بغداد (الكاظمية)، مكـتبـة أهـل البيـت؛ ب ـ البصرة، سوق العشار، مكتبة الزهراء؛ ج ـ النجف، سوق الحويش، مكتبة الغدير.

7ـ سوريا: مكتبة دار الحسنين، دمشق، السيدة زينب، الشارع العام، هاتف: 932870435(963+).

8ـ إيران ـ قم: أـ مكتبة پارسا، خيابان إرم، سوق القدس، الطابق الأرضي، ت: 7832186(98251+)؛ ب ـ مكتبة الهاشمي، كُذَرْخان، هاتف: 7743543(98251+)؛ ج ـ دفتر تبليغات «بوستان كتاب»، هاتف: 7742155(98251+).

9ـ بريطانيا وأوروپا، دار الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع:  

United Kingdom London NW1 1HJ. Chalton Street 88. Tel: (+4420) 73834037

كما أنّها متوفِّرةٌ على شبكة الإنترنت في الموقعين التاليين:

1ـ مكتبة النيل والفرات: http: //www. neelwafurat. com

2ـ المكتبة الإلكترونية العربية على الإنترنت: http: //www. arabicebook. com

وتتلقّى المجلّة مراسلات القرّاء الأعزّاء على عنوان البريد: لبنان ــ بيروت ــ ص. ب: 327 / 25

وعلى عنوان البريد الإلكترونيّ: [email protected] net

وأخيراً تدعوكم المجلّة لزيارة موقعها الخاصّ: www. nosos. net؛ للاطّلاع على جملة من المقالات الفكريّة والثقافيّة المهمّة.




[1] ـ يقول الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي في كتابه أصول الحديث: 161 ـ 162، في مبحث أمارات الوضع (ما يرتبط بالمتن): «…هـ ـ أن يخالف مضمون الحديث حقائق العلم وسنن الحياة ونتائج التجارب الناجحة والمشاهدات الصادقة. نحو ما جاء في كتاب (الهفت والأظلة)، من أن الإمام المعصوم يولد من فخذ أمه، في حديث طويل يرويه المفضَّل بن عمر الجعفي عن الإمام الصادق%، نقتطف منه ما يلي: «فقال المفضَّل: أخبرني يا مولاي عن ميلاد الأوصياء. فقال الصادق: أول العجب أن أمهات الأوصياء ذكور، لا إناث. قلت: يا مولاي، سبحان الله، كيف ذلك؟! قال الصادق%: إن الملائكة هم في صورة النساء…، فقال الصادق: إن الله أنشأ أبدان الأوصياء أفخاذاً إلى الملائكة حتى يبلغوا المدى، هذا مع طهارة الملائكة، كما أخبرتك، فإذا أراد الله إظهار الإمام في الظاهر؛ تأديباً لهذا الخلق، أرسل روحاً من عنده، فيدخل في المولود الذي قد يتطهر من كل دنس، ولم يزاحمه رحم، ولكن تدخل الروح فيه؛ تأديباً للناس، وظهوراً للحق».

وفي الخصائص الفاطمية 2: 620، للشيخ محمد باقر الكجوري:…وفي خبر البحار: يولد من فخذ أمه الأيمن. ولكنْ لم نعثر عليه في البحار.

ويتناسى المدِّعون في هذا المقام ما ورد في زيارة الحسين%، المعروفة بـ (زيارة وارث): «وأشهد أنّك كنتَ نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهَّرة».

[2] ـ جاء في الخصائص الفاطمية 2: 620 ـ 621، للشيخ محمد باقر الكجوري: وفي كشف الغمة عن الرضا%، في حديث طويل في علامات الإمام ـ ننقل منه موضع الحاجة ـ، قال%: «للإمام علامات: يولد مختوناً، يكون مطهَّراً، وإذا وقع على الأرض من بطن أمه وقع على راحتيه، رافعاً صوته بالشهادتين». وفي خبر آخر: وقع على رجليه رافعاً صوته بالشهادتين. وفي خبر البحار: يولد من فخذ أمه الأيمن. وفي خبر آخر: يضع يده اليسرى على الأرض ويشير بسبابة اليمنى إلى السماء، ويقول: لبيك، فسئل الإمام عن ذلك، فقال: إذا ولد الإمام ينادي منادٍ من السماء باسم الإمام واسم أبيه وأمه، فيقول الإمام: لبيك. وفي الخبر: مكتوب على عضد الإمام الأيمن: (جاء الحق وزهق الباطل )، وعلى عضده الأيسر (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته). وفي رواية: إذا ولد سجد وسطع منه نور، ويولد وله أسنانٌ نابتة، وهو تامّ الخلقة.

[3] ـ وورد في الأخبار الكثيرة كون بولهم ونجوهم في رائحة المسك الأذفر، وأمر الأرض بابتلاعهما مطلقاً، وأن ذلك إحدى خواص المعصوم (اللمعة البيضاء: 92، للتبريزي الأنصاري).

[4] ـ راجع: اللمعة البيضاء: 85 ـ 94، للتبريزي الأنصاري.

[5] ـ ففي الكافي 1: 458: محمد بن يحيى، عن العمركي بن علي، عن علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن% قال: إن فاطمة& صديقة شهيدة، وإن بنات الأنبياء لا يطمثن.

وفي علل الشرائع 1: 290: أبوه)، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم بن أبي جميلة [والصحيح: علي بن الحكم، عن أبي جميلة]، عن أبي جعفر% قال: إن بنات الأنبياء صلوات الله عليهم لا يطمثن، إنما الطمث عقوبة، وأوّل من طمثت سارة.

وفي مناقب آل أبي طالب 3: 110: ابن شيرويه في (الفردوس): الصادق%: أتدري أيّ شيء تفسير فاطمة؟ قلتُ: أخبرني يا سيدي، قال: فطمت من الشر. ويقال: إنها سميت فاطمة لأنّها فطمت عن الطمث.

أبو صالح المؤذن في (الأربعين): سئل رسول الله ما البتول؟ قال النبي: لم تَرَ حمرةً قط، ولم تحِضْ، فان الحيض مكروه على بنات الأنبياء. وقال لعائشة: يا حميراء، إنّ فاطمة ليست كنساء الآدميين، لا تعتلّ كما يعتلن. أبو عبد الله% قال: حرَّم الله النساء على عليّ ما دامت فاطمة حيّة؛ لأنّها طاهرة لا تحيض.

ويشار هنا إلى أنّ هناك معارض لهذه الأحاديث، وهو: ما جاء في الكافي 3: 104 ـ 105: علي [بن إبراهيم]، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر% عن قضاء الحائض الصلاة، ثم تقضي الصوم؟ قال: ليس عليها أن تقضي الصلاة، وعليها أن تقضي صوم شهر رمضان، ثم أقبل عليّ، وقال: إن رسول الله [كان] يأمر بذلك فاطمة&، وكانت تأمر بذلك المؤمنات.

وفي الكافي 4: 136: أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن علي بن مهزيار قال: كتبت إليه%: امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان، ثم استحاضت، فصلت، وصامت شهر رمضان كلّه، من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكلّ صلاتين، فهل يجوز صومها وصلاتها أم لا؟ فكتب%: تقضي صومها، ولا تقضي صلاتها، إن رسول الله كان يأمر فاطمة صلوات الله عليها والمؤمنات من نسائه بذلك.


الشعوب بين حُكَّامها وحُكمائها

25 أغسطس 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

ثمة ضوابط وسنن لإستقرار المجتمع ورفاهه , منها ما يتعلق بالحاكم ومنها ما يتعلق بالمحكومين ومنها ما يتعلق بعلاقتهما ببعض , وأي خلل فيها تكون نتيجته إهتزاز المجتمع على حساب الإستقرار أو الرفاه  أو كليهما إلى أن تستقر الأمور في أحد الإتجاهات فتكون النتيجة متناسبة مع الإتجاه الذي تكون لصالحه , وأما مع استقامتها جميعا وفق المنهج الرباني فيستحق هذا المجتمع التوفيق إلى النعم الإلهية فتعمر الأرض ويأمن الناس إلى مستقبلهم ويمكَّنُ السلطان للحاكم.
منذ أشهر تشهد منطقتنا العربية تحركات شعبية في إتجاه تقويم الأوضاع فيها وقد وُفِّقت بعضها إلى بعض ما تريد وتستمر الأخرى معها في استكمال نتائج هذه الحركة , ومع التباين في تحقيق وجود مؤامرة استهدفت التغيير الحاصل أو الحراك الذي لم يستكمل إنجازه في عدد من الدول العربية , إلا أن هذا الحراك الشعبي لا يمكن وصفه بأنه إستجابة مطلقة لمحرك خارجي – وإن شهدنا هذا التدخل سافرا فيه – لأنَّ حجم الإستبداد والظلم والإستئثار بالثروة أفحش من أن يتعامى عنه , بل يصح القول إنَّ هذه التحركات قد تأخرت وهي لمَّا تبدأ بعد في دول أخرى تحتاجها.
وأخطر ما يحيق بهذه التحركات هو الفوضى وغياب المرجعية الحكيمة , إذ النتيجة تكون الدخول في حال الفتنة الدائمة فلا السلطة متمكنة ولا الشعب آمن . وحال الفتنة هو المناخ المناسب للتدخل الخارجي الذي من شأنه تعزيز الفتن ليصفى له الجو ويحكم قبضته على المفاصل المؤثرة لمصلحته في ما يبدو كأنه هو المحرك وليس مجرد مستفيد.
المرجعية الحكيمة هي التي تستطيع تشخيص مآلات الأحداث بحيث لا تدع مجريات الأمور تذهب في خط الفتنة , وهي التي تستطيع الموازنة بين أن يخدم الحدث مصلحة الناس أو أن يخدم مصلحة العدو , ولا نتحدث عن إستثماره منه فهذا غير ممكن عقلا ويقع عادة .
المرجعية الحكيمة هي التي تحفظ " الخروج على الحاكم الظالم" , الجائز شرعاً بل الواجب أحياناً من أن يتحول "بغيا" أو "حرابة" أو "إفسادا في الأرض".
المرجعية الحكيمة هي التي تقود "الخروج"  مع ملاحظة محيطها في الدول الأخرى فتؤثِرُ نجاحه في إحداها لأنه يخدم مصلحة الأمة على الوقوع في فتنة داخلية فلاهي تنجح ولا هي تستطيع الإستفادة من نجاح أختها .
المرجعية الحكيمة هي التي تنطلق من داخل أرضها وبقوتها الذاتية وليست تلك التي تنطلق من أرض دولة أخرى وتعتمد على سلطان حاكم آخر لأنه إنما يعمل وفق مصلحة بقائه وتعزيز نفوذه هو.
 وقبل كل ذلك , المرجعية الحكيمة هي التي تستبق الأمور وتقوم بواجبها أمام الحاكم وأمام المحكوم فلا يتجاوز الحاكم حدوده ولا يضطر المحكوم إلى خروج عليه.


العصبيَّة والمهديَّة عند ابن خلدون قراءة تحليلية نقديّة الشيخ

22 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

مقدمة

تاريخية الاعتقاد بالمهدي

ساد الاعتقاد بفكرة المصلح المنتظر أكثر المجتمعات البشرية، وكان ينبع في كثير من الأحيان من منابع عقديّة دينيّة بوجهٍ خاص، وإن تعدّت في أحيان اُخرى هذا الجانب لتخلع عليها طابعاً فلسفياً يتماشى مع القانون الطبيعي للحياة. إلا أن هذه الفكرة تبلورت بشكل مهم في صياغتها الإسلامية عموماً، والشيعية على وجه خاص، كما تمَّ التأكيد عليها كثيراً في الموروث الإسلامي، حتى اعتبرها الكثير من المسلمين جزءاً من عقائدهم، وعُرفت عندهم باسم المهدي المنتظر.

فالمهدي يشكّل جزءاً من تاريخ المسلمين ومن ثقافتهم، وقد وصلت هذه الفكرة إلى الحدّ الذي جعلهم يتسالمون عليها بجميع طوائفهم ومذاهبهم. وهم، وإن اختلفوا في بعض خصوصياتها ومجال تطبيقها، بيد أن هذا الاختلاف لم يؤثِّر على قوّتها ورسوخها في أذهان جميع المسلمين. كما أنه لم ينل من اهتمام أكثرهم بتدوينها في كتبهم، سوى ما قد يظهر من صحيحي البخاري ومسلم، حيث لم ينقلا في كتابيهما أحاديث صريحة في المهدي، وإن كان هناك العديد من الروايات التي تعتبر صحيحة على مبناهما في الصحة([1])، لكن مع ذلك كله، فقد ورد في هذين الكتابين ما يمكن أن يؤيد وجود فكرة المهدي عند المسلمين، عبر ما روي من روايات تتعلق بعصر الظهور.

وقد بقي هذا التسالم والإجماع حاجزاً منيعاً أمام من أراد الدغدغة في روايات المهدي ـ على ما وجدناه في تاريخ دراسة هذا الموضوع ـ إلى أن غاص المؤرخ ابن خلدون في غمار المناقشة فيها وإثارة الشكوك حولها، بيد أنّ ابن تيمية نقل عن أبي محمد بن الوليد البغدادي إنكاره لروايات المهدي، وناقشه في كتابه الخاص حول المهدي، كما ناقشه في كتاب منهاج السنة([2]).

وإذا صحّ هذا النقل من ابن تيمية، فسوف يكون البغدادي أول من أثار التساؤل حول المهدي ممن وصلنا، إلا أن عدم وصول أي كتاب أو رسالة إلينا تحكي ذلك عنه غير ما نسبه إليه ابن تيمية، يمكنه أن يصحِّح القضية القائلة: بأن أوّل ما وصلنا من كتاب اقتحم صاحبه فيه الكلام حول المهدي والمهدية، هو كتاب المقدمة لابن خلدون، فاتحاً بذلك الباب أمام الكثير من المشكِّكين، الذين اعتمدوا عليه فيما بعد، وإن حاول ابن خلدون نفسه إيهام القارئ وجود الكثير من المنكرين لأحاديث المهدي أو الخادشين برواياتها ممن تقدم عليه، كما سوف يأتي، إلا أن عدم إيراده اسماً لأحد منهم، يجعل كلامه مجرد دعوى لا دليل عليها، ولا يمكن اعتمادها كأساسٍ ومرجع في ذلك.

ابن خلدون وأحاديث المهدي

عقد ابن خلدون فصلاً خاصّاً بأمر الفاطمي المنتظر([3])، حيث قال «اعلم أنّ المشهور بين الكافّة من أهل الإسلام على ممرّ الأعصار أنّه لا بدّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيّد الدين ويظهر العدل…، ويحتجّون في الشأن بأحاديث خرّجها الأئمة وتكلّم فيها المنكرون لذلك، وربما عارضوها ببعض الأخبار، وللمتصوّفة المتأخرين في أمر هذا الفاطمي طريقة اُخرى ونوع من الاستدلال، وربما يعتمدون في ذلك على الكشف الذي هو أصل طرائقهم»، ثم شرع بذكر حال بعض رواة أحاديث المهدي، ونقل طائفة من هذه الأحاديث وناقشها سنداً باتباع قاعدة «أن الجرح مقدَّم على التعديل، فإذا وجدنا طعناً في بعض رجال الأسانيد بغفلة أو بسوء حفظ أو ضعف أو سوء رأي، تطرّق ذلك إلى صحة الحديث وأوهن منها».

لكن اتّباع هذه القاعدة قد يوقعه في متاعب كثيرة، إذ قلّما تجد من الرواة من تسالم عليه جميع علماء الرجال، ومن ثَمَّ، فيطال النقد والتفنيد صحيحي البخاري ومسلم ذاتهما، ويؤدّي ذلك إلى رفض الكثير من رواياتهما، وهذا ما لا يرضى به ابن خلدون نفسه، إذ أن روايات هذين الصحيحين غير قابلة للطرح، وإن كان في طرقها من جُرِّح من الرواة، إلا أن ابن خلدون تنبّه لهذه المفارقة فقال: «لا تقولّن مثل ذلك يتطرّق إلى رجال الصحيحين، فإن الإجماع قد اتصل في الأمّة على تلقّيهما بالقبول والعمل بما فيهما، وفي الإجماع أعظم حماية وأحسن دفعاً، وليس غير الصحيحين بمثابتهما في ذلك».

ثمّ بعد ذلك، استعرض ثلاثة وعشرين حديثاً، وانتهى إلى تضعيف تسعة عشر منها عبر إعمال قاعدة: «أن الجرح مقدّم على التعديل»، مقرّاً في الوقت ذاته بصحة أربعة أخبار، فقد قال عقب ذلك: «وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد، إلا القليل والأقل منه».

ثمّ استعرض بعضاً من كلام المتصوّفة في حديثهم عن المهدي، وحلّل بعض رموزهم المدونة في تعيين زمن خروجه، وناقش كلام كبار علمائهم كأمثال ابن عربي وابن القيسي وابن أبي واصل وغيرهم، ثم عقّب على ذلك بقوله: «هذا آخر ما اطلعنا عليه أو بلغنا من كلام هؤلاء المتصوفة، وما أورده أهل الحديث من أخبار المهدي، قد استوفينا جميعه بمبلغ طاقتنا».

ثم يشير بعد الانتهاء من استعراض ذلك إلى تنافي فكرة المهدية مع النظرية التي كان قد أسّسها سابقاً ـ عند حديثه عن العمران البدوي، وعن الدول العامة والملك والخلافة ـ واعتبر أن قيام الدول إنما يكون على أساسها، وهي نظرية العصبية بقوله: «والحقّ الذي ينبغي أن يتقرّر لديك أنه لا تتمّ دعوة في الدين والملك إلا بوجود شوكة عصبية تظهره وتدافع عنه من يدفعه، حتى يتمَّ أمر الله فيه، وقد قرّرنا ذلك من قبل بالبراهين القطعية التي أريناك هناك».

وبعد ذلك يشرع بتطبيق هذه النظرية على واقع المهدي المنتظر، في مقام استبعاد هذه الفكرة بقوله: «وعصبية الفاطميين ـ بل وقريش أجمع ـ قد تلاشت من جميع الآفاق، ووجد أمم آخرون قد استعلت عصبيتهم على عصبية قريش، إلا ما بقي بالحجاز في مكة وينبع بالمدينة من الطالبيين… فإن صحَّ ظهور هذا المهدي فلا وجه لظهور دعوته إلا بأن يكون منهم، ويؤلف الله بين قلوبهم في اتباعه حتى تتم له شوكة وعصبية وافية… وأما على غير هذا الوجه… فلا يتم ذلك ولا يمكن، لما أسلفناه من البراهين الصحيحة».

ثم يستعرض أخبار وحالات بعض من ادعى المهديّة في غير عصبية وشوكة في أهله، وكيف أنّ مصيره قد انتهى إلى الهلاك والإهلاك، وآل إلى موت هذه الحركات في مهدها، مستفيداً من ذلك في تدعيم أصل نظريته، وأنّ ما جرى من أحداث تاريخية يتوافق مع فكرة العصبية.

خلاصة رأي ابن خلدون في المهدي

ما تقدم هو خلاصة ما ذكره ابن خلدون في شأن الفاطمي المنتظر، وما أثاره من تساؤل ومناقشة للروايات، انتهت إلى التشكيك في أصل الفكرة، وهذا التساؤل والتشكيك ينطلق في الواقع من ثلاثة أركان أساسية:

1 ـ ضعف روايات المهدي، وعدم صلاحها لتكوين فكرة عقدية.

2 ـ بيان كذب دعاوى المتصوفة التي كانت تعيِّن زمان ومكان خروج المهدي المنتظر، والتي استفاد منها في تأييد بطلان أصل الفكرة.

3 ـ معارضة فكرة المهدي المنتظر للنظرية التي تبنَّاها ابن خلدون في كيفية بناء الدول والحكومات، القائمة على أساس العصبية.

وما يهمّنا في هذه الوريقات، هو تسليط الضوء على الركنين الأول والثالث، تاركين الخوض في بيان الركن الثاني ومناقشة دعاوى المتصوفة، وهل أن مخالفة إخبارهم لواقعة تحكي فكرة معينة، تلازم القول بإنكار هذه الفكرة من أساسها، أو لا؟ وهل أن تفسير كلامهم بذكر زمن معين لخروج المهدي، كما حصل معهم، هو فعلاً ما يضربونه من وقت في ذلك؟

إن الخوض في استعراض هذه المطالب، قد يلجئنا إلى دراسة مفصَّلة لكيفية حلّ ألغاز المتصوفة، وطرق تحليل رموزهم. وإلا فمن الصعوبة بمكان أن يحصل الباحثون على نتيجة موحَّدة في حلِّهم لتلك الرموز، لإمكانية دعوى أن ما توصَّل إليه هذا الباحث في تحليله للرمز هو غير ما قصده كاتب الرمز نفسه، ومن ثَمّ فيصعب التوصل إلى نتيجة مقنعة ومبرهن عليها في هذا الصعيد، ما لم يتوصل إلى توحيد طرق تحليل هذا الرمز.

هذا، مضافاً إلى أن التعرض للإجابة على مثل هذه الإشكاليات، والدخول في أبحاث جانبية، قد يُلجئنا للخروج عن أساس بحثنا والموضوعية العلمية التي يجب المحافظة عليها.

وحتى يتضح المراد من استخدام نظرية العصبية في رد فكرة المهدي، لا بدّ من بيان أصل هذه النظريّة عند ابن خلدون التي يعتبرها الأساس في قيام أيِّ دولة.

نظريَّة العصبيَّة عند ابن خلدون([4])

من الصعب تعريف العصبية عند ابن خلدون، لما تحمله هذه الكلمة من معانٍ عنده قد تصل إلى حد التباين أحياناً، كما سوف يظهر، إلا أن ذلك لا يقف حائلاً أمام بيان ما تحتويه من معنى بشكل إجمالي؛ فقد عرَّفها الجابري «بأنّها رابطة اجتماعيّة سيكولوجيّة ـ شعوريّة ولا شعوريّة ـ تربط أفراد جماعة معيَّنة قائمة على القرابة المادّية أو المعنوية، ربطاً مستمراً يبرز ويشتدّ عندما يكون هناك خطر يهدّد أولئك الأفراد كأفراد، أو كجماعة»([5]).

ويعتبر ابن خلدون أن منشأ العصبية ينطلق من مبدأ «الوازع» الذي يردع الإنسان عن الاعتداء على بني جنسه، والمراد بالوازع يتّضح ببيان التناقض الموجود في الإنسان والمجبول عليه بنو آدم، فهو من جهة يُعتبر مخلوقاً اجتماعياً، لا يمكنه الاستغناء عن أخيه الإنسان، ومن جهة اُخرى مجبول على صفة عدوانيّة بطبيعته؛ «فمن امتدّت عينه إلى متاع أخيه امتدّت يده إلى أخذه، إلا أن يصدّه وازع». وهذا ما تشير إليه الآيات القرآنية >وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ<([6]) >فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا<([7]). كما أنّ هذا الخلق موجود في ثقافة العرب الجاهليين:

«والظلم من شِيَم النفوس فإن تجد *** ذا عفّةٍ فلعلّةٍ لا يظلمُ»

وهذا الوازع الذي يمنع من التعدي، ينقسم إلى نوعين: أحدهما وازع داخلي ينبع من ذات الإنسان، فهو لا يظلم ولا يعتدي لأنه يرى ذلك مخالفاً لقناعاته ومرتكزاته الفطرية، والوازع الآخر خارجي وهو الذي توجبه السلطة وتفرض احترامه على جميع أفراد المجتمع.

يحاول ابن خلدون ـ في كلامه عن الوازع ـ أن يسلّط الضوء على الوازع الخارجي تاركاً الخوض في معالجة الوازع الداخلي، باعتبار أنه لا يتعدّى كونه خُلقاً كريماً من خصوصيات الإنسان الفردية، لا يمكن قولبته في قالب نظري، كما أنه لا يساعد في الكشف عن صياغة قانونيّة في واقع اجتماعي.

أ ـ الحاجة إلى العصبيّة

إن انتظام حياة الإنسان إنما يكون على أساس الوازع الخارجي، وبه تستمر الحياة الاجتماعية، ومنه تنشأ الحاجة إلى وجود سلطة تحفظ تماسك المجتمع، وتمنع العدوان الخارجي عليهم، أو عدوان بعضهم على بعض.

لكنّ طبيعة المجتمعات تفرض تغايراً في إعمال السلطة والوازع:

فالمجتمعات المدنيّة ـ ولوجود الحكومات الحافظة لمصالح الرعيَّة ـ تعتمد على حكوماتها في الحماية من الأخطار الداخلية فيما بين سكان المدينة أنفسهم، كما أنها تعتمد على الأسوار المحيطة بالمدينة، وعلى مرتزقة السلطان والحاكم في دفع العدوان الذي يهدّدهم من الخارج.

والأمر يختلف تماماً في المجتمعات البدويّة، حيث تعتمد هذه المجتمعات على هيبة شيوخها وكبرائها في دفع عدوان الناس بعضهم على بعضهم الآخر، كما أنها تعتمد في دفع العدوان الخارجي ـ الذي كثيراً ما كان يقع لأجل السيطرة على موارد الرزق واستلاب بعضهم البعض الآخر، لشحِّ الموارد الخصبة في أماكن سكنى هذه القبائل في الصحاري ـ على حامية الحيِّ من فتيانهم ونجبائهم الشجعان، لكنّ هذا الدفاع عن حيِّهم والتضحية لذلك، لا يمكن أن يتمّ إلا إذا كانوا عصبيّة واحدة وأهل نسب واحد.

من هنا يتّضح أن العصبيّة عند ابن خلدون، إنما تتكوَّن في خصوص المجتمعات البدويّة ويُحتاج إليها في الحياة بالبادية، كما وأن الضرورة التي ألجأت إليها هي ردع العدوان المحتمل على القبيلة.

تنشأ العصبيّة أوّل الأمر بين أفراد القبيلة الواحدة الذين يجمعهم نسب واحد، لكن قد تتعدّى هذه الدائرة الضيّقة، لتشمل نسبة الولاء والتحالف مع القبائل الأُخرى الذين لا يشتركون معهم بعلاقة نسبيّة، وهذا التحالف والولاء كانا ينشأان غالباً من الشعور بالضعف أمام تهديدات الأعداء، فكانت القبائل تلجأ ـ غالباً ـ إلى التحالف لدفع هذه الأخطار، ويشير صاحب النظرية إلى هذه المسألة بعد عرضه للحمة النسب بقوله: «ومن هذا الباب الولاء والحلف، إذ نعرة كلّ أحد على أهل ولائه وحلفه للألفة التي تلحق النفس من اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها بوجه من وجوه النسب، وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو قريباً منها»، من هنا اضطرَّ الجابري إلى توسيع دائرة النسب عند ابن خلدون، مدخلاً إياها في عداد الاجتماع لأجل مصلحة مشتركة، حيث قال: «فإنّ النسب عند ابن خلدون ليس الانتماء إلى جدّ مشترك، سواء كان الانتماء حقيقياً أو وهمياً، بل إن المقصود بالنسب عنده هو الانتماء الفعلي إلى جماعة معينّة، أي إلى عصبة ما»([8]). بل سوف يظهر بعد قليل أن عامل وحدة الدين والنعرة الدينية قد تفوق عصبية النسب بالدم والانتماء القبلي.

لكن يبقى للحمة النسب أهمية بالغة في السيطرة على الرئاسة، فإنّ اللحمة كلّما كانت قريبة كانت العصبية أشد. لذا كانت عصبية الأخوة أكبر من عصبية أبناء العمومة، وهكذا في غيرهم، من هنا كانت الرئاسة في القبيلة الواحدة من نصيب من له الغلب، ويتوقف ذلك على وجود عصبية اُخرى تكون هي الأقوى في هذه القبيلة تعمل على تدعيم زعامة هذا الرئيس.

ج ـ فائدة العصبية

يجعل ابن خلدون الحصول على الملك والسيطرة على السلطة من أهم غايات العصبية، لأن طلب الملك من الأمور التي جبل عليها الإنسان، ولا يقنع باليسير منها، فإنه إذا حصل له ملك، امتدت عينه إلى ملك أوسع منه. وعندئذٍ، فهو بحاجة إلى قومه وعصبيته للوصول إلى ما يطمح إليه؛ يستعين بهم ويتقوى بقوتهم، وهم بالمقابل يعينوه على الوصول إلى غايته للعصبية الموجودة عندهم والتي تدفعهم إلى ذلك، فضلاً عمَّا سوف يعود عليهم من الترف والنعيم فيما إذا توسع ملك صاحبهم، ومن ثمّ… ملكهم.

وبعد أن يحصل الزعيم على الملك الجديد وتتوسع دائرة نفوذه، يتحسّن وضع القبيل ـ وهم أصحاب العصبية الواحدة ـ الذين أعانوه للوصول إلى ذلك، ويستولون على النعمة بمقدار سلطانهم، فيبدأ الترف يدخل إلى حياتهم عبر تدفّق الأموال والثروات عليهم، مما يؤثّر ذلك على خشونة البداوة وقوّة العصبية التي كانت لديهم، فتضعف عندهم العصبيّة، وينشأ بنوهم بعيداً عن الحاجة إليها، إلى أن تتناقص وتصل إلى حدّ الانقراض، وعند انقراض العصبية، يقصر القبيل عن الدفاع والحماية عن السلطة، مما يؤدّي ذلك إلى أن تطمع بهم الأمم الأُخرى فتلتهمهم وينتهي ملكهم إلى غيرهم.

د- أثر الدعوة الدينيّة في العصبيّة

يشير ابن خلدون إلى مدى تأثير الدعوة الدينية في بناء الدول وقوّة شوكتها، فيعقد فصلاً خاصّاً في أنّ الدعوة الدينيّة تزيد الدولة قوّة مضافاً إلى قوّتها العصبيّة، ويستشهد لذلك بما حصل في الفتوحات الإسلامية؛ حيث كان عدد جيش المسلمين في معركة اليرموك بضعاً وثلاثين ألف رجل، بينما كان جيش الروم فيها في حدود الأربعمائة ألف رجل، وكذلك في حرب القادسيّة حيث كان جيش الفرس فيها في حدود المائة وخمسين ألفاً والمسلمون ثلاثين ألفاً، ومع ذلك استطاع المسلمون التغلب على جيوش كسرى وقيصر بواسطة العصبية الدينية التي كانت تشدُّ هممهم.

ويعطي على ذلك نموذجاً آخر: وهو ما حصل للموحّدين في المغرب العربي، الذين غلبوا قبائل زناتة وملكوهم مع قوّة عصبيتهم، وذلك لاقتران قيامهم بالدعوة الدينية. لكنّهم بعد أن تخلّوا عن صبغتهم وعصبيتهم الدينية، تغلبت عليهم زناتة نفسها وبدَّدت شملهم.

ثم يحاول ابن خلدون أن يوسع من دائرة هذه النظرية على الأمم السابقة أيضاً، حيث يطبّقها على دعوة الأنبياء عليهم السلام، بدعوى أن الأنبياء أنفسهم لم يخرجوا في دعوتهم إلى الله تعالى عن هذه السنَّة القاهرة. مستدلاًّ لذلك بما ورد في (الصحيح) ـ والعجب منه كيف وصف هذا الحديث بالصحيح والحال أنه بناء على ما تقدم من مبانيه في التوثيق والتضعيف يكون ضعيفاً، كما سنذكر ـ «ما بعث الله نبياً إلا في منعة من قومه»، مضافاً إلى أن الأنبياء قد دعوا إلى الله بعشائرهم وعصائبهم، ثم يستشهد على ذلك بما جرى في زمن بني العباس من قيام لأشخاص دعوا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من دون عصبية، حيث لم يكن أصحاب هذه الدعاوى يعرفون عاقبة دعواتهم، وأنهم ممن غلبهم الوسواس وسيطر عليهم الوهم؛ «والذي كان يحتاج إليه في أمر هؤلاء إما المداواة إن كانوا من أهل الجنون، وإما التنكيل بالقتل والضرب إن أحدثوا هرجاً، وإما إذاعة السخرية منهم وعدّهم من جملة الصفّاعين».

ثمّ بعد أن ينتهي من استعراض الأثر الذي تتركه العصبية على قيام الدول، يشير إلى أنّ هذه العصبيّة ذاتها تؤثّر أيضاً في موت الدول والحكومات، حيث إنّ ضعف العصبية عند أهل النسب الواحد أو أهل عصبية واحدة، سيؤدي إلى تراجع الدفاع عن الملك والحكم. وبذلك يكون الملك لديهم قد فقد أهم عامل في حفظه، ممّا ينذر بنهايته، وانتقاله عنهم.

إلى هنا، تنتهي أبرز فصول نظرية العصبية عند ابن خلدون، وأهم مراحل تطوّرها وتأثيرها على بناء الدول وموتها، وقد عرضناها باختصار.

ربط نظرية العصبية بإنكار المهدي

استعان ابن خلدون ـ كما أسلفنا ـ بالنظريّة التي أسّسها في بناء الدول، على إنكار المهدي، واعتبر أن هذه الفكرة تتناقض مع نظريّته المسلّمة والثابتة بالأدلّة والبراهين، وذلك لأن هذه النظرية تُثبت عدم إمكان نجاح أيّ قيام أو ثورة من دون أن تشتمل على عصبيّة تُؤمِّن لها تغطية العامل البشري في هذه الثورة، وحيث إن أهم عامل في تقوية العصبيّة ينبع من النسب، ويعتمد اللحمة النسبية أساساً له ـ كما ذكرنا في بيان هذه النظرية ـ فهي بحاجة إلى وجود كمٍّ كبير من المنتمين إلى نسب واحد مستعدّين للتضحية في سبيل الدعوة التي يقوم بها صاحبهم وزعيمهم، وإذا طبّقنا ذلك على المهدي الفاطمي، وجدنا أن الهاشميين أو العلويين ـ وهم عصبة الفاطميين الذين يمكن للمهدي أن يعتمد عليهم في دعوته ـ قد انقرضت شوكتهم وانتهت عصبيتهم، ولم يعد منهم مجتمعين في مكان واحد وعلى رأي كذلك، إلا بقية لا تنفع في تلبية حاجات القيام والثورة، كما لا يمكنها أن تشكّل عصبية قويّة يمكن للمهدي أن يتّكئ عليها في حركته، فضلاً عن تأسيس دولة عالمية خالية من آفات الظلم والفساد، كما هو المفترض.

وقفة مع ابن خلدون في أخبار المهدي

سوف نتوقّف قليلاً مع ابن خلدون في معالجته لأخبار المهدي، وهو الركن الأوّل الذي بنى عليه ردّه لهذه الفكرة. وتوقُّفُنا في المقام سيقتصر على إثارة بعض الملاحظات الهامة:

1 ـ يظهر من ابن خلدون عدم امتلاكه الخبرة الكافية في تحقيق الأخبار، ومعرفة الصحيح من الضعيف من الروايات، كما أنّه ليس لديه إلماماً بالقواعد الرجالية المعمول بها عند الفقهاء والمحدّثين، يمكّنه من الخوض في غمار دراسة أسانيد الروايات. من هنا نرى أنه حاكم هذه الروايات بطريقة لم يسبقه إليها أحد من الباحثين في الحديث. فضلاً عن أنه لم يراع الطرق المعروفة والضوابط المتبعة عند المؤرخين ـ الذين ينتمي إليهم ابن خلدون ـ أضف إلى أنّه لا يلتزم بإطلاق الصيغة التي قدّمها في انتقاء الأخبار وتنقيتها في غير هذا المورد، وأبرز دليل على ذلك: ما تقدم منه قبل قليل في إطلاقه وصف (الصحيح) على رواية: «ما بعث الله نبيّاً إلا في منعة من قومه»، والحال أنّها ضعيفة بناء على القاعدة التي تبنّاها من أن الجرح مقدّم على التعديل، كما سوف نبين بعد قليل، مما يؤكّد أن هذه الطريقة في علاج الأخبار ليست ناجعة بالمستوى المطلوب، كما أنها ليست مقبولة حتى عند ابن خلدون نفسه.

2 ـ أوهم ابن خلدون القارئ ـ بعد استعراضه للأخبار ـ أنّ ما أورده منها هو تمام أو جلّ ما ذكره أهل الحديث، حيث قال: «وقد استوفينا جميعه بمبلغ طاقتنا»، مع أنّه لم يذكر سوى ثمانية وعشرين طريقاً لثلاثة وعشرين حديثاً. وسوف نذكر أنّ الروايات المرويّة في الكتب التي يعتمد عليها ابن خلدون، والتي تمَّ فيها ذكر المهدي أو تتحدث عنه وعن عصر الظهور، تفوق الخمسمائة رواية، بطرق مختلفة.

3 ـ لقد اعترف ابن خلدون في نهاية عرضه للأخبار، بأن بعضها صحيح بناء على مبانيه في الصحة، حيث قال: «وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل». وقوله هذا يؤكِّد إقراره بصحة قسم من الروايات التي عرضها، وهي أربعة أخبار من ثلاثة وعشرين خبراً، وهي تعادل ما نسبته السبعة عشر بالمائة: 17%. وإذا افترض أنه لم يكن قد استثنى أيّاً من الروايات التي أعرض عن ذكرها، بل قام باستعراضها بأجمعها كما كان المتوقّع من باحث مثله، وهي خمسمائة وثمانين طريقاً لأحاديث تتحدث حول المهدي وقيامه، من كتب العامّة فقط، لكان من المفترض ـ بناء على حساب الاحتمال ـ أن يكون لديه من الأسانيد الصحيحة لهذه الأحاديث ما يفوق التسعين سنداً، كل ذلك مع مراعاة القاعدة المتقدّمة في الصحة التي اعتمدها هو. ومثل هذا العدد من الأسانيد الصحيحة كافٍ في إخراج هذه الأخبار عن كونها أخبار آحاد، لوصولها إلى حدّ التواتر([9]).

كما أنه يمكن أن يُكتفى بها في تكوين فكرة عقديّة، كما هو الحال في الكثير من الأفكار العقدية الأُخرى، حيث بُنيت على روايات أضعف دلالة وأقل صحّة من حيث السند، فيكون البناء على هذه الروايات بطريق أولى.

4 ـ إن القاعدة التي بنى عليها دراسته للحديث، والقائلة بأن الجرح مقدم على التعديل، سوف تفضي إلى إنكار الكثير من أحاديث صحيحي البخاري ومسلم، وهذا ما لا يعمل به ابن خلدون ـ كما ذكرنا ذلك في بداية البحث ـ لذا حاول دفع هذه الإشكالية بالقول بأن روايات الصحيحين قد أخذت بالإجماع، وكفى به حامياً عن ضعف أسناد بعض أخبارهما.

لكن، إن كان المراد بقوله هذا، أنّ ما تمّ الإجماع عليه بين المسلمين قد اكتسب حصانة ومناعة لا يمكن معها أن يدغدغ فيه من جهة ضعف السند أو جهل الرواة، فهذا الأمر تشترك به فكرة المهدي عموماً، وبعض رواياتها على وجه الخصوص، إذ قد ادّعى الكثير من المخبرين والفقهاء وأهل الحديث الإجماع على فكرة المهدي، وتواتر أخبارها، وبل وادعى بعضهم قيام الإجماع على الاعتقاد بهذه الفكرة عند المسلمين جميعاً، ولعلّ ما أشار إليه ابن خلدون في مطلع بحثه عن الفاطمي، من قـوله «أن المشهور بين الكافّة من أهل الإسلام على ممرّ الأعصار…»، يكاد يكون صريحاً في صحّة هذه الدعوى. وعندئذٍ، لا يكون هناك أيّ فارق بين الصحيحين ـ بناء على دعواه ـ وبين أخبار المهدي من هذه الجهة، لأن المفترض أن الداعي للحصانة هو قيام الإجماع، وقد انعقد الإجماع على فكرة المهدي، وتسالم القوم على تواتر أخبارها.

وأما إذا كان مراده منها إثبات أنّ فكرة المهدي والأحاديث المحيطة بها لم ينعقد عليها الإجماع، بمعنى إنكار الإجماع صغروياً وعلى مستوى الإثبات، فهذا خلاف ما هو الموجود في كلمات العلماء الذين تعرّضوا لهذه المسألة، وقد أحصى بعضهم من ادعى الإجماع على فكرة المهدية، أو ادعى تواتر الأحاديث حول المهدي، ما يقرب من ثلاثين عالماً من أهل الاختصاص في هذا المجال([10])، ولعلّ ذكر أسمائهم وبيان أحوالهم، يُخرجنا في هذا البحث عن حدّ الاختصار.

نظرة في تطبيق العصبيّة على فكرة المهدي

الحقّ أن يقال إن نظريّة العصبيّة قد أعطت تبريراً معقولاً لقيام الدول والحكومات وموتها في العهود السابقة، والتي كانت تعتمد على أفراد القبيلة وأصحاب النسب الواحد، كما اتضح من خلال ذلك مدى قدرتها على تبيين سبب طول عمر الدول أو قصرها، ويعتبر هذا سبقاً من ابن خلدون لزمانه، في دراسة شاملة لبناء أساس الاجتماع البشري.

بل إنه يمكن القول إن الحكومات الحديثة والدول المعاصرة، ليست خارجة عن الأسس العامة لهذه النظرية، فإن أي انقلاب أو ثورة على نظام قائم وحاكم لا يكتب لها النجاح، ما لم تكن منبعثة من روح عصبية يمكنها أن تجمع أشخاص مختلفين لأجل هدف واحد، والعمل على إنجاح قضية محورية. سواء كانت هذه العصبية ناشئة من الحسب والقرابة، أو كانت ناشئة من الانتماء الديني والمذهبي، أو حتى من الاجتماع على مشروع سياسي واحد. وهذا ما تقوم به الأحزاب والنظم الحزبية المعاصرة، فإنها تبتني على أسس عصبية تحاول أن تعطّل تفكير الفرد بمصالحه الخاصة ـ التي لا تنسجم مع المصلحة العامة ـ لحساب مصلحة الجماعة والحزب.

لكن هذا لا يجعلها في منأى عن تسجيل بعض الملاحظات حولها. وقبل ذكر هذه الملاحظات، يحسن بنا أن نشير إلى أن الذين ناقشوا ابن خلدون في تشكيكه بفكرة المهدي، تناولوا مناقشته للأخبار فقط، ولم يتعرض أحد منهم ـ على حدّ مراجعاتنا المتواضعة ـ إلى ما ذكره من تنافيها مع نظرية العصبية التي أسسها في العمران.

لم يفلح ابن خلدون في مناقشته لفكرة المهدي، أن يشير أو يدلِّل على القاسم المشترك بين نظرية العصبية وبين تنافيها مع فكرة قيام المهدي بصياغتها المطروحة إسلامياً، لا الصياغة البدوية التي اعتبرها منشأ هذه النظرية. بمعنى أنه لم يقدِّم أيَّ طرح يمكنه أن يعمّم فيه النتيجة على كافة أنواع المجتمعات البشرية، واقتصر فقط على بيان تنافي هذه النظرية ـ التي افترض ضرورة وجودها في خصوص المجتمعات البدوية، والتي تعتبر مجتمعات ضعيفة ثقافياً أو متخلِّفة في كثير من الأحيان ـ مع فكرة المهدي، علماً بأن مثل هذه المجتمعات في الوقت الحاضر قد تلاشت، أو قلَّ وجودها بنسبة كبيرة لحساب المجتمعات المتمدنة. بل حتى في عصر ابن خلدون، كانت المجتمعات المتمدنة ـ بصيغتها الخلدونية ـ والمتأثرة بالحضارة والثقافة الإسلامية، طاغية في وجودها على المجتمعات البدوية.

مضافاً إلى أنه كان قد فرَّق بين المجتمعات البدوية والمجتمعات المدنية المتحضرة في تأثُّرها بالعصبية، أو تأثير العصبية عليها، فقال هناك، أنه لا حاجة للعصبية في تلك المجتمعات لكفاية الدولة مؤونة الحماية ـ التي هي السبب الرئيس في نشوء العصبية وقوة شوكتها ـ وأن العصبية في هذه المجتمعات أقل منها عند المجتمعات البدوية. ومع وجود هذا الفارق الأساسي بين كلا المجتمعين، لا يعود لدينا أي مبرِّر لحصر الكلام في مستلزمات الحياة البدوية، وإغفال الحديث عن مستلزمات الحياة الحضرية، فإن الواضح عندنا أن النظام الاجتماعي في الإسلام قد عقد آمالاً واسعة على بذور التغيير والإصلاح التي وضعها في المجتمعات البدوية، للسير قُدُماً نحو مجتمع أكثر تحضّراً في نمط تفكيره وحياته.

ولعلنا بغنىً عن تقديم أدلة على عدم إمكانية توسيع دائرة هذه النظرية إلى غير المجتمعات المتحضرة، لكن يحسن بنا الإشارة إلى أن هذا الفهم لم يأت من العدم، فقد فهم الجابري من ابن خلدون ـ حين استعراضه لهذه النظرية ـ أن العصبية ضرورة تفرضها طبيعة حياة المجتمعات البدوية لا غير، حيث قال: «فالعصبية إذن خاصة بالمجتمع البدوي، وهي ظاهرة تستلزمها المعطيات الاجتماعية والاقتصادية السائدة في هذا النوع من العمران»([11]). كما ويصرِّح في مكان آخر بأن «العصبية ظاهرة خاصة بالبدو، لأن أحياءهم مفتوحة وتحتاج في الدفاع عنها إلى تكتّل وتعاضد فتيانها الشجعان»([12]).

وهذا كله يعني فقدان المبرِّر لمسألةِ تعارض نظرية سياسية واجتماعية مع فكرة عقدية وتاريخية مسلَّمة، كما شاء ابن خلدون أن يصوِّرها.

إن هذه النظرية ـ في صياغتها للعصبية ضمن إطارها النَسَبِي ـ ليست كافية لتبرير قيام الدول في الوقت الحاضر، بناء على تغيُّر نظام الحكم في هذا الوقت عنه عند القبائل العربية، حيث الرئاسة الآن، في أغلب الأنظمة السياسية، إنما تكون لمن يتراضى عليه الناس، ولو كانوا متباعدين نسباً، وحتى لو لم يكن صاحب قوّة ـ بالشكل الذي طُرح في النظرية ـ فإن تحديد ميزان القوة قد اختلف في هذا الوقت عنه في المجتمعات البدوية، فنرى أن القوة تتمثّل الآن بالقدرة على تشكيل ائتلاف سياسي، أو تخضع لإمكانية تشكيل شبكة علاقات واسعة، يستطيع الفرد من خلالها إرضاء خصومه بشكل أو بآخر. وبناء عليه، يمكن أن يصل أي إنسان إلى الرئاسة ـ إذا حاز على شروط تولي السلطة ـ حتى لو لم يكن صاحب عشيرة تتعصَّب له، مما يفتح المجال أمام احتمال نجاح أي قيام يمكن أن يحدث دون أن يكون معتمداً على العصبية النَسَبِيّة.

ومن الواضح أن هذا لا ينسف أساس النظرية التي قدَّمها ابن خلدون، حيث إنها تحكي نظام الحكومات في المجتمعات المتأثرة بالحياة البدوية ضمن الأنظمة السياسية التي كانت سائدة عندهم، بيد أن هذه النظرية ليست مطّردةً بالشكل الذي ذكره صاحبها، ولا يمكن تطبيقها على واقع مختلف عن ذاك الواقع، بل إن ما مارسه العرب من نظام سياسي بعد الإسلام، والذي عُرف باسم الخلافة ـ إلى ما قبل استيلاء معاوية على الحكم، إذ انقلب بعد تولي معاوية إلى ملك بني أمية ـ لا ينسجم مع هذه النظرية بتاتاً، لذلك ينقل الجابري في هذا السياق: «لقد بنى ابن خلدون نظريته في الحكم على العصبية، وبما أن الخلافة نوع خاص من الحكم، بل هو النوع الخاص بالإسلام، فإن إثبات صواب وعمومية نظريته في العصبية كان يتطلَّب منه إقامة الدليل على أن الخلافة نفسها قد نشأت وتطورت، ثم انقلبت إلى الملك بمقتضى العصبية ذاتها»([13]). وإلا، كان عليه أن يحدِّد فاعلية هذه النظرية ضمن دائرة الأنظمة السياسية البدائية، دون غيرها.

3- تعارض مصالح العصبة مع المصلحة الدينية

بيَّن ابن خلدون مدى تأثير الدعوة الدينية على العصبية النسبية، وأن الأخيرة تتأثر بالعصبية الدينية إيجاباً، لو فرض توافق كلتا المصلحتين على هدف واحد، لكنّه لم يقدِّم رؤية واضحة في مسألة تعارض مصالح العصبية النَسَبية، مع العصبية المتولدة من الدعوة الدينية، مكتفياً بالإشارة فقط إلى أن العصبية الدينية تزيد الدولة قوة إلى قوتها، وأعطى على ذلك مثال الجيوش الإسلامية في الحروب التي خاضوها لفتح بلاد الفرس والروم. بيد أن زيادة القوة المفترضة هذه، إنما تكون في حالة التقاء مصالح العصبية القَبَلِية مع المصالح الدينية، أو لا أقل عدم تعارضهما. وعندئذٍ يصحُّ القول بأن العصبية الدينية تزيد الدولة قوة إلى قوتها العصبية، كما افترضه هو في الأمثلة التي قدمها سابقاً.

أما إذا افترضنا وجود اختلاف في المصالح أو التوجُّهات القَبَلية والدينية، فالنظرية ساكتة عن هذه الحالة، ولا توجد أية إشارة إلى ذلك في كلام ابن خلدون، والحال أن التعرض إلى هذا الأمر ضروري، لما له من الأثر الكبير في تغيير المسار السياسي للدول والحكومات القائمة على أسس عصبية.

ويشهد بأهمِّية تعارض الدعوة الدينية مع المصالح القبلية، ما حصل للمهاجرين الأوائل في صدر الإسلام، الذين ترفَّعوا على عصبياتهم القبلية، وحاربوا عشيرتهم وآباءهم في المعارك التي خاضوها مع المشركين في بدر وأحد.

وهذا ما يساعدنا في الكشف عن وسائل اُخرى لم يتعرض لها ابن خلدون، يمكنها أن تزيد من قوة اجتماع جماعة وتعاضدهم في سبيل هدف أسمى وأفضل من الأهداف العصبية الأُخرى، وهو بدوره قد يكون متوافقاً مع العصبية النسبية، وقد يكون مغايراً لها.

حاول ابن خلدون ـ في مقام الاستدلال على صحة كلامه ـ تطبيق نظرية العصبية على دعوات الأنبياء الدينية، فاعتبر أنّ كل دعوة دينية لا بدَّ أن تعتمد في نجاحها على عصبية نَسَبية، مستدلاً على هذا الأمر بخبر «ما بعث الله نبياً إلا في مِنعة من قومه»، وبما حصل للأنبياء من اعتمادهم على عشيرتهم وعصبيَّتهم في دعواتهم الدينية.

إلا أن محاولته هذه لم تكن موفقة كثيراً، إذ يمكن أن يقال:

أولاً: إن تطبيق هذه النظرية على الدعوة الدينية يحتاج إلى أدلة أقوى وأوضح مما قُدِّم، بل يحتاج إلى تأويل العديد من الأحداث التاريخية الواضحة. فإن الشواهد التاريخية والقرآنية تؤكِّد حقيقة مهمَّة في هذا السياق، وهي أن أكثر الأنبياء قد أُرسلوا إلى أقوامهم وعشائرهم بالدرجة الأولى، لا أنهم أُرسلوا إلى أقوام آخرين يستنصرون عليهم بأقوامهم وعصبيتهم، وهذا ما يؤكده القرآن في حكايته عن النبي محمَّد 2 حينما قال: >وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ<([14]). بل إن أهم ما كان يعترض مسيرة الأنبياء، كان ينبع غالباً من المقرَّبين لهم، وفي هذا السياق نرى أن أول من خذل الرسول الأكرم2 هم قومه وبنو عمومته، وقد استنصر عليهم بالأنصار الذين لم يكن يربطه بهم أي علاقة رحمية، أو حتى علاقة سببية في بداية الأمر. وكذلك يُحدِّثنا القرآن عن سائر الأنبياء الذين كانوا يتلقُّون أشدّ أنواع الأذى والعذاب من خاصَّتهم المقربين، من قبيل ما جرى للنبي هود مع قومه عاد حيث يُخبرنا القرآن عنهم: >وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ<([15]).

كما ويوجد العديد من النصوص الروائية التي تؤكِّد هذه الحقيقة أيضاً، حيث ورد أن عمه أبا لهب هو أول من كان يقدم على أذيته، نذكر على سبيل المثال ما رُوي في سنن البيهقي: «عن طارق بن عبد الله المحاربي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسوق ذي المجاز، وأنا في بياعة لي، فمرَّ وعليه حلة حمراء، فسمعته يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ورجل يتبعه يرميه بالحجارة قد أدمى كعبيه، وهو يقول يا أيها الناس لا تطيعوا هذا فإنه كذاب، فقلت من هذا؟ فقيل هذا غلام من بني عبد المطلب، فقلت فمن هذا يرميه بالحجارة؟ قيل عمه عبد العزى أبو لهب بن عبد المطلب…»([16]).

ومثلها يوجد الكثير من الروايات.

وثانياً: إنه يمكن التشكيك في دلالة الرواية على ما ذهب إليه ابن خلدون، فالرواية مروية في مسند أحمد من المصادر الروائية فقط ـ وإن كان مضمونها مروي فيه وفي غيره، إلا أن الذي يهمنا هنا النقض على ابن خلدون في استدلاله بهذه الرواية مع ضعفها دلالة وسنداً ـ والأفضل أن ننقل نص الرواية مع سندها كما وردت هناك: «حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا أمية بن خالد، حدثنا حمّاد بن سلمة، وأبو عمر الضرير المعني، قال حدثنا حماد عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلّم: قال لوط: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، قال: قد كان يأوي إلى ركن شديد، ولكنه عنى عشيرته، فما بعث الله عزّ وجل بعده بنياً إلا بعثه في ذروة قومه. قال أبو عمر فما بعث الله عزّ وجل نبياً بعده إلا في منعة من قومه»([17]).

فالمراد بالمنعة الموجودة هنا، هو الحماية والنصرة من الاعتداء عليه بشخصه، لا أن الدعوى الدينية التي يقوم بتبليغها تحتاج إلى هذه المنعة أو النصرة كي تتم، وبدونها لا يمكن لها النجاح، فموضوع الدعوة الدينية وتبليغ الرسالة، لا يرتبط أبداً بوجود الناصر والمعين. ولعل التأمّل في نص الحديث يغنينا عن الخوض في الاستدلال على صحة هذه الدعوى.

نعم، يمكن أن يكون مراد ابن خلدون: أن تربُّع الأنبياء على سدَّة الحكم والسلطة، ونجاح دعوتهم وحركتهم السياسية، لا يتحقق إلا بعصبية نسبية تحت قيادتهم، وهذا ما كان يفتقده الأنبياء. إذ إنهم، وإن كانوا يتوجَّهون بدعوتهم إلى أقوامهم وعشائرهم، إلا أنهم لم يكونوا يتجاوزون الدعوة الدينية كي تصل النوبة بهم إلى الحكم والسلطنة على قومهم، إلا بعد أن يجتمعوا حولهم ويساعدونهم ويعضدوا حكمهم بما أوتوا من قوَّة. لكن هذه الفرضية، وإن كانت قريبة من عبارات ابن خلدون، إلا أن إثبات هذا الأمر يحتاج أيضاً إلى تأويل العديد من الآيات القرآنية، وتبرير بعض الشواهد التاريخية والنصوص الروائية، التي قد لا تتوافق معه، ممّا يؤدي إلى إخراجها عن ظاهر دلالتها.

إنه لا بد من اتباع طريق موحّد لمعرفة صحّة الرواية من ضعفها، فإما أن نتبع القاعدة التي ذكرها الكاتب، أو أن نعتمد وسيلة اُخرى في ذلك، ونعتمدها في جميع الأخبار التي نريد معرفتها. ومن هنا يمكن لنا أن نسجل ملاحظة على منهج ابن خلدون في اعتماده طريقاً لمعالجة أخبار المهدي، وغضه النظر عن هذا الطريق بعينه، عند ذكره لرواية يمكنها أن تؤيد نظريته في العمران.

فنقول: إن سند هذه الرواية مخدوش به، بناء على طريقة ابن خلدون في تصحيح الروايات وطرحها ـ القائمة على أساس أن الجرح مقدّم على التعديل ـ فكان عليه أن يطرح هذه الرواية أيضاً، لضعف سندها بوجود بعض الرواة الذين ضُعّفوا من قبل بعض علماء الرجال؛ من قبيل أمية بن خالد، الذي نقل العقيلي تضعيفه في كتابه([18]).

كما نقل ابن حبان أيضاً في كتابه عن أمية أنه كان يروي المراسيل([19]).

وقد ذكره ابن حجر في كتاب تهذيب التهذيب، فبعد أن نقل عن بعض الرجاليين توثيقه، نقل عن العقيلي أنه ذكره في الضعفاء([20]).

كما وأن حمّاد بن سلمة، الموجود في السند أيضاً، نقل عنه ابن حبان أنه كان يخطئ في نقله للحديث([21]).

وكذلك محمد بن عمرو الذي ذكره العقيلي في الضعفاء ([22]).

وهؤلاء الرواة الذين تعرضنا إليهم، وإن لم يكونوا ضعافاً بالمعنى المشهور عند الرجاليين، لكن، إذا اعتمدنا طريقة ابن خلدون في الجرح والتعديل، فلا بدّ من القول بضعفهم، ومن ثمّ القول بعدم صحة هذا الخبر، الذي وصفه الكاتب بالصحيح. وهذا ما يؤيد الدعوى التي أُطلقت على ابن خلدو