borneowebhosting video bokep indonesia bokepindonesia informasiku videopornoindonesia

الفقه الإسلامي المعاصر وإشكاليات التجديد(*)

1 أكتوبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
823 زيارة

الفقه الإسلامي المعاصر وإشكاليات التجديد(*)



ثمّة مدرستان كبيرتان تتجاذبان الفقه الإسلامي اليوم، بفريقيه: الشيعيّ والسنّي:

المدرسة الأولى: وهي المدرسة التراثية التي تميل أكثر إلى الأصول الاجتهادية التي قرّرها متقدمو العلماء، وتقوم بتطويرها تطويراً تدريجياً هادئاً، أي أنها تأخذ تلك الأصول ثوابت في الأعم الأغلب، وتنطلق عبرها، وترى أن مجال الاجتهاد وحرية البحث العلمي مفتوحةٌ على مستوى تفاصيل الأصول المذكورة، وأحياناً على مستوى بعض هذه الأصول وبشكل محدود نسبياً.

وتبدو للقارئ معالم شبه واضحة إلى واضحة تماماً ـ إذا لم نُرد أن نكون متفائلين ـ لأبرز العناصر والبُنيات التي تُقام عليها فقهيّات هذه المدرسة واجتهاداتها، فعنصر التراكم المعرفي لدى هذه المدرسة أكبر من المدرسة الأخرى، يساعد في ذلك مرور أجيال كثيرة ساهمت في تنقيح وتشييد وتهذيب وتشذيب أركان ومعطيات هذا اللون الاجتهادي في علم الفقه.

ورغم ذلك، نجد أن بعض الأصول والمنطلقات والقواعد التي ينطلق منها هذا الفريق من الفقهاء ما يزال غير مدروس على مستوى التدوين، أي أنه لا توجد بحوث مستقلّة فيه، يجري البحث حولها والتعليق عليها، ولهذا يمكننا القول: إن أصول الفقه الإسلامي في صورته المدرسيّة له وجهان: أحدهما ظاهر مدوّن بارز، نجده في المصنّفات الأصولية الإسلامية منذ القرن الثاني الهجري وإلى يومنا، وثانيهما مضمر مختبئ كامن في وعي الفقهاء، قائم في بعض الأحيان على تراكم الخبرات وتجارب التعامل مع النصوص والمعطيات الاجتهادية، ولا يصحّ اعتباره باطلاً لأنه لم يخرج إلى عالم التدوين والبحث الواعي بل ظلّ في اللاوعي.

نعم، هناك حاجة ماسّة لإخراج هذا المخزون المتراكم على صورة المفاهيم الملفوظة، لكي تدرس بشكل مركّز، وهنا يحصل أنّ بعض هذا المخزون عندما يصل إلى هذه المرحلة تشتدّ قوته، وتتراكم البراهين عليه، ويُصبح أشدّ وضوحاً ومنهجةً ودقة، كما يحصل أنّ بعض هذه المفاهيم ينكشف ضعفه وعدم وجود مستند علمي له، وأنّ الحالة النفسية هي التي لعبت دوراً في ترسيخه، فلمّا أخضعت لمجهر النقد العلمي بان أنّها ليست بشيء يستحقّ الوقوف عنده.

من هنا، نطالب بتفكيك هذه الأُسس اللاملموسة للفكر الاجتهادي، بغية انجلاء المعرفة أكثر فأكثر، واستحكامها من جهة، كما وتنقيتها من جهةٍ أخرى.

المدرسة الثانية: وهي ما نسمّيه ـ فعلاً ـ المدرسة المعاصرة التي تمثل بعض شرائح المجتمع العلمي، وتمتاز هذه المدرسة بميّزات، بعضها يعبّر عن نقاط ضعفٍ، وبعضها الآخر عن نقاط قوّة:

أ ـ من نقاط الضعف في هذه المدرسة، كثرةُ الأسس غير المدروسة صراحةً، وإنما هي مختزنة في اللاوعي نتيجة تراكم المعطيات الفكرية، تماماً كما حصل ـ وفق ما بيّناه ـ مع المدرسة التراثية، لكن مع فارقٍ في أن درجة التنظير المفاهيمي في المدرسة التراثية أكبر من المدرسة المعاصرة، وذلك ـ كما قلت ـ نتيجة الجهد المركّز على الأجيال، فإن هذا العمق التاريخي سمح لهذه المدرسة بالكشف عن بناءات كثيرة تقوم عليها، فيما المدرسة المعاصرة ما زالت تعاني ـ في بعض أوجهها ـ من درجةٍ كبيرة من اللاتنظير في هذه الأسس، وهو ما زاد من الغموض حولها أمام الطرف الآخر الذي لم يَعِش هذه الأسس في لاوعيه.

ولكي أعطي مثالاً، أذكر مسألة تاريخية النصّ الديني، فقد ذهب فريقٌ معاصر إلى القول بأن الأصل في الأحكام الفقهية أن تكون تاريخيةً، وأن الحكم الثابت الإلهي يحتاج إلى شاهد يدلّ عليه، فلو أصدر النبي (ص) حكماً فإن القاعدة تستدعي اعتباره حكماً تاريخياً مرحلياً لا نشاط له في الحقبة المعاصرة، إلا إذا ساعدتنا الشواهد الخاصّة على إثبات استمراريّته في الزمان والمكان، كما أن بعض أنصار التاريخية، ولو لم يصرّحوا بهذا المبدأ، إلاّ أنّهم كثيراً ما يتعاطون مع النصّ الديني بعقلية تاريخية.

وعلى العكس من ذلك المدرسة التراثية؛ حيث اعتبرت ـ بالأعم الأغلب منها على الأقلّ ـ أنّ الأصل في النصوص الدينية أن تكون إلهيةً ثابتة عبر الزمن، وأنّ الحديث عن تاريخيّتها يظلّ هو الاستثناء الذي يحتاج إلى شاهد أو قرينة؛ ولهذا قلّ توظيف المنطق التاريخاني في التعامل مع النصوص الدينية في الوسط التراثي، مع نسب مختلفة بين مثل مدرسة الرأي ومدرسة الحديث.

وهنا نلاحظ أنه من النادر أن يتصدّى الفريق المعاصر في الاجتهاد الفقهي لدراسة تاريخية النصّ الديني على صعيد أصول الفقه، وحتى لو تصدّى لذلك، فهو لا يقدّم التاريخية سوى مسلّمٍ أنتجته التراكمات المعرفية الفلسفية والألسنية، دون أن يكيّف هذا المفهوم في بناء الاجتهاد في أصول الفقه الإسلامي، أي أنه لا يقوم بعملية تبيئةٍ له في نطاق الاجتهاد الإسلامي؛ حتى يحظى بالاعتراف، وهذا ما يستدعي تسجيل ملاحظة، وهي أنّ ذلك أدّى إلى حالة من الفوضى أحياناً في التعامل مع بعض النصوص دون ضوابط تحدّد إطار الاستخدام التاريخاني للنصّ، مما أوجب قلق الفريق المدرسي في المؤسّسة الدينية.

من هنا، كانت هناك حاجة ماسّة لطرح البناءات التحتية على بساط البحث، تلك البناءات التي لم تتحوّل إلى مقولات مفاهيمية مدوّنة، فحركة التدوين من شأنها إلغاء حالة الاستنساب أحياناً، أو فوضى التطبيق أحياناً أخرى، أو عدم تحديد الدائرة والنطاق اللذين يتحرّك داخلهما هذا المفهوم أو ذاك.

ب ـ في هذا السياق، ثمّة نقطة ضعف أخرى تعاني منها هذه المدرسة على مستوى آليات عملها، فهذه المدرسة تمثل أنموذج الانفتاح على الآخر من الاتجاهات الفقهية المتنوّعة في الساحة الإسلامية، ولا تبدي كثير ممانعة من استقاء مقولات من مذاهب أخرى عندما تقتنع بها، أي أن الحاجز المذهبي ليس عقبةً أمامها في إنتاجها الفقهي، وهذه نقطة إيجابية في حدّ نفسها ومن حيث المبدأ.

لكن المسألة أنّ عملية التوظيف هذه يتمّ اقتطاعها ـ أحياناً ـ اقتطاعاً من داخل النسق المذهبي الآخر دون ملاحظة المناخ الذي تعيش فيه أو تنمو هذه المقولة أو تلك في إطاره، وحيث نعرف أن علم أصول الفقه قد وُلد تاريخياً ـ على الصعيد الشيعي ـ من رحم علم الكلام، لا فقط من رحم علم الفقه أو الحديث، خلافاً ـ تقريباً ـ لما يرى السيد محمد باقر الصدر (1400هـ)، كما تحدّثنا عن ذلك واستعرضنا الشواهد في دراسة أخرى، فإن معنى ذلك وجود ترابط وثيق بين علمي الكلام والأصول، وهذا الترابط وإن كان تاريخياً إلاّ أنه ما زال يلقي بظلاله على إنتاج أصول الفقه الإسلامي، ومن ثم يجب الأخذ بعين الاعتبار العناصر الكلامية المتواشجة مع المقولات الأصولية في المذاهب الأخرى؛ لأنّ التغافل عن هذا الموضوع سوف يؤدي إلى اصطدام مشروع النهضة الأصولية والفقهية بملفّ الخلاف المذهبي، والجميع يَعرف أن النصر سيكون لصالح الملفّ الكلامي والمذهبي من الزاوية النهضوية والاجتماعية والسياسية.

إذن، فمن الضروري أن تحدّد المناخات الكلامية و.. التي تحيط بالنتاج الأصولي والفقهي للمدارس المختلفة، لتحديد مدى إمكانية التوظيف بما لا يتصادم مع المناخات التي تحملها المدرسة الأخرى، وعدم الاستعجال في هذا الموضوع.

ج ـ وفي إطار الملاحظات، ثمّة فارق واضح بين هاتين المدرستين اللتين صدّرنا بهما الحديث هنا، وهو أن المدرسة التراثية تنطلق ـ عادةً ـ من النصّ إلى الواقع، فالواقع فيها منفعل، فيما النصّ هو الفاعل، حسب البناء الأيديولوجي الذي تؤمن به، وإذا ما احتاجت أحياناً إلى مراجعة الواقع قبل مطالعة النص فهي تراجعه من منطلق الحاجة إلى تحديد موضوع الحكم، حتى تضع الحكم الصحيح في مكانه الصحيح، وهذه خطوة جديرة وصحيحة ومنطقية أيضاً.

في مقابل ذلك، كثيراً ما نجد أنصار المدرسة الثانية ينطلقون من الواقع إلى النصّ، أي أن درجة ملامستهم للواقع وانفعالهم به تبقى أكبر، لهذا فهم يسعون لجعل الواقع مؤثراً ـ معرفياً وإيبستمياً ـ بالنص، فتتقيّد بذلك حركة النصّ طبقاً لمتطلّبات الواقع.

ولعلّ مثالاً مبسّطاً غير مفرط لهذا النوع من التفكير، هو ما جاء في كلام السيد محمد باقر الصدر في كتاب «اقتصادنا»؛ فقد لاحظ الصدر أنّ الاجتهاد السائد في المدارس الفقهية هو اجتهادٌ يتعامل مع النصوص ونظام الحجيّة وبراءة الذمّة، لهذا فعندما يواجه أي إنسان حالةً ما في الحياة فإنه يرجع إلى ما تتطلبه منه النصوص الدينية؛ لكي تبرأ ذمّته أمام ربه سبحانه وتعالى، ومهما كانت نتائج البحث الفقهي فإنها لن تبدو ذات ثغرات عندما نطبّقها على حياة فردية شخصية، اللهم إلاّ نادراً، أما عندما نريد تطبيقها على حياة مجتمعيّة وعلى مستوى الأمّة والدولة، فإن شيئاً من عدم الانسجام سوف يحصل داخل نتائج البحث الاجتهادي، وعندما واجه الصدر هذه المشكلة في إطار رسم معالم مشروع اقتصادي متكامل، اندفع ـ بقطع النظر عن التبرير الفقهي ـ إلى طرح فكرة الأخذ بالاجتهادات المختلفة للفقهاء عبر الزمن، وتركيب مكوّن جديد متوالف ومنسجم فيها، وهذا التوالف هو توالفٌ يفرضه الواقع، لكنه على الصعيد النصّي لمجتهدٍ ما ليس انسجاماً في نتائجه من حيث تبعيّتها للأسس الاجتهادية والأدلّة، كما هو واضح.

هذا اللون من التفكير يضغط الواقع لتبنّيه، تماماً كما نجد اليوم نزوعاً نحو المقاصدية في التشريع وعودةً إلى طروحات الشاطبي (790هـ)، حتى في بعض الأوساط الشيعية، اعتقاداً بأن المقاصديّة يمكنها التجاوب مع الواقع بشكلٍ أفضل، كما وهناك حديث جادّ عن فقه المصلحة، وهو حديث كان شبه محرّم في الوسط الشيعي قبل نصف قرن من الزمن، لكنّ تجارب الحياة وخوض الفقيه غمار تأسيس الدولة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فرض عليه تناول هذا الموضوع بشكل أكثر جدّيةً واهتماماً.

إذن، فما هو المنهج الصحيح؟ هل الواقع هو الأصل؟ أم النصّ هو الأساس؟ أم هي توليفةٌ ما بين النصّ والواقع؟ وما هي هذه التوليفة؟

من الطبيعي أن تعكس رؤيتنا للواقع موقفاً هنا، فمن يرى واقع الحياة اليوم في انحدار واندحار من الطبيعي أن يميل أكثر لمرجعية النصّ، أما من يراه عكس ذلك فلا أظن أن نزعةً تشاؤميةً بهذا القدر سوف تحكمه.

لست هنا بصدد اتخاذ موقف نهائي؛ فالآراء متعدّدة، إنما نريد أن نؤكّد أن الإفراط في تبنّي أحد الاتجاهين، لم يجلب الكثير من النجاحات، فنحن لا نريد الله وأحكامه ألعوبةً بيدنا نُنطقه بما نشاء والعياذ بالله، كما لا نريد أن نصدّر إسلاماً للبشر لا يمكن أن يتكيّف مع البشرية، ولو في أحد الأزمنة، ويحلّ مشاكلها التي يُعنى بها حقّاً، ما دمنا نعتقد بخلود هذا الدين واستمراريّته.

د ـ وفي السياق عينه، هناك نقطة أساسية أيضاً، وهي أنّ الفريق المعاصر لم يختبر بشكل جادّ أفكاره على أرض الواقع؛ إذ كان المهيمن غالباً هو التيار المدرسي، وكانت معطياته الفقهية والقانونية هي الأكثر حضوراً وتطبيقاً وإنجازاً؛ لهذا بدت عناصر النجاح والإخفاق فيها بشكلٍ أكبر، أما الأطروحات الجديدة فلم نجدها تهيمن على نمط الحياة الدينية، حتى ننظر في آثارها الإيجابية والسلبية على مدى مدّة زمنية يمكن من خلالها الخروج بنتائج، ولهذا ظلّت بعض عناصر الضعف في هذا اللون من التفكير خافيةً ومستورة؛ لأن الواقع العملي هو الذي يكشف ـ غالباً ـ ضعف أطروحات قانونية وتشريعية.

إذن، فمن الضروري عدم المبالغة في النزعة المثالية التي تقدّمها لنا معطيات المدرسة الجديدة، بقدر ما المطلوب رصد تطوّرات الساحة الميدانية لمعرفة مدى النجاح الذي تحقق؛ إذ من الممكن لرؤيةٍ ما أن ترفع عن كاهلنا رؤيةً سابقة ذات آثار سلبية، لكن المهم أن لا توقعنا في آثار سلبية أكبر من ناحية ثانية.

>وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لاسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا<

] سورة الجن: 16 [.
 



 
 
 

المشروع الإسلامي وتحدّيات المرحلة(*)

1 أكتوبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
765 زيارة

المشروع الإسلامي وتحدّيات المرحلة(*)


1 ـ ثمّة إشكالية أساسية طرحها غير واحد من المفكّرين الإسلاميين، وأعتقد أنّ الدكتور أبو القاسم حاج حمد كانت له مساهمة جيدة في ذلك من خلال بعض الدراسات التي نشرت له في نهاية السبعينيات من القرن الماضي..، وتناول فيها إشكالية العلاقة بين الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي.

فالدولة الإسلامية مفهوم، ظاهرة، كلمة…، ما شئت فعبّر…، تقرأ مرةً لوحدها، وأخرى يتمّ النظر إليها ضمن الحقل الذي نضعها فيه…، وأريد هنا أن أستعير البناءات الأساسية التي طرحها المفكر الياباني (توشيهيكو إيزوتسو) في كتابه «الله والإنسان في القرآن الكريم»..، فهو يقول بأنّ كل كلمة في القرآن الكريم لها معنى أوّلي، يسمّيه المعنى الأساسي، وأننا إذا ألقينا هذه الكلمة في حقل معرفي آخر سيصبح لها معنى جديد، يسمّيه هو بالمعنى العلائقيّ، ويقدّم إيزوتسو لذلك أمثلة كثيرة في دراسة مستفيضة ومهمة، فكلمة «ساعة» في اللغة العربية لها معنى أوّلي معروف لا يزال موجوداً حتى الآن، وهي تعني المدّة القليلة من الوقت، لكنّك حينما ألقيتها في القرآن الكريم ضمن إطار معرفي جديد اتّخذت معنى آخر، فهي تأتي مرةً بمعنى نهاية العالم، وأخرى بمعنى موعد لقاء الله، وثالثة تنصرف إلى العقاب، وهكذا، وهذا يعني أنّها اكتست ثوباً جديداً نتيجة وضعها ضمن نظام علاقات مع مفاهيم جديدة.

مفهوم الدولة الإسلاميّة يمكن النظر إليه بهذه الطريقة، فمرّةً ننظر إلى الدولة الإسلاميّة بوصفها نظاماً ومؤسسات، ثم نفصلها عن المناخ المعرفي وعن الحقل الذي تعيش فيه..، فهنا يمكن أن تتحول إلى معنى يفصح عن مؤسسات معيّنة أو عن دساتير أو نظم أو ما شابه ذلك، لكن المفترض لدراستها وضعها ضمن سياقها الطبيعيّ، وهو المجتمع؛ لأنّ العلاقة بين الدولة والمجتمع علاقة تواشج وطيدة لا يمكن بترها بحال من الأحوال.

ثمّة أطروحتان تساهمان في تكوين وعينا لمفهوم الدولة الإسلاميّة، هما:

أ ـ الأطروحة التي تذهب إلى أنّ قيام الدولة الإسلامية يسبق أسلمة المجتمع، أو لا أقلّ لا يستدعي أن يسبقه إسلام المجتمع، فنحن نقوم ـ بدايةً ـ بأسلمة الدولة، ثم بعد ذلك أسلمة المجتمع…، ولعلّ من هذا الباب ما ينقل عن بعض العلماء الكبار من أنّه كان يؤجِّل المشاريع الدينيّة الصغيرة إلى ما بعد تأسيس الدولة، وهذا ما يعطي إضاءة بأنّ الدولة هي مفتاح أسلمة كلّ المرافق الأخرى في الحياة الاجتماعيّة.

ب ـ الأطروحة التي ترى أنّ الدولة إفراز تلقائيّ وتعبير طبيعيّ عن حال المجتمع ووضعه، أشبه بالحديث الذي يقول: «كما تكونوا يُولّى عليكم» (كنز العمال 6: 89)، وهذا يعني أنّه يجب علينا خلق مناخ اجتماعيّ طبيعيّ لكي تولد الدولة الإسلاميّة السليمة فيه، وكلّما كان المجتمع إسلاميّاً كانت الدولة إسلاميّة، أمّا إذا افتقد المجتمع إسلاميّته فسوف تفقد الدولة قدرة الوصول إلى المبتغى الذي يرجى من وراء إقامتها.

لقد كان لهذه الفكرة وجود في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، لكنها الآن بدأت تنمو أكثر فأكثر وتعود إلى الواجهة من جديد، وهذا ما دفع د. حاج حمد إلى أن يقول: نحن مع علمانيّة الدولة وضدّ علمانية المجتمع؛ لأننا بهذه الطريقة نستطيع أن نحمي المجتمع من الاستبداد الدينيّ، وفي الوقت نفسه ننأى به عن الإلحاد، أو الخروج عن جادّة الدين، وعن القيم الدينية الرفيعة. إن عدم علمانية المجتمع ستؤمِّن تلقائياً دولةً إسلاميّة في وضع طبيعيّ غير استثنائيّ.

لا نتحدّث هنا عن شرعيّة الدولة وعدم شرعيتها فهذا موضوع آخر، وإنّما عن رؤية وقائعيّة ميدانية تنطلق من زاوية اجتماعيّة ومقصديّة تنظر في آليّات إحلال القيم الدينيّة في الحياة في عصرنا الراهن، هل الدولة مدخل لذلك أم أنّها نتيجة؟ هل هي مدخل ونتيجة معاً؟ وكيف؟

2 ـ ولو تجاوزنا قليلاً هذا الموضوع الإشكاليّ سنجد أنفسنا أمام موضوع وثيق الصلة به وأشدّ إشكالاً منه، فعندما يقوم مشروع الدولة الإسلاميّة في ظلّ مناخ إسلاميّ عامّ يسمح بقيامه، ثمّ تتتالى تطوّرات الحياة وتحصل التحوّلات في المجتمع نفسه على الصعد الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، حتى ليغدو مجتمع مرحلة الانطلاق مغايراً لمجتمع مرحلة البقاء..، وعندما يجرّب المجتمع الحياة الإسلاميّة، ويرى نقاط قوّتها وضعفها، وتتلاشى الصور المثاليّة المجافية للواقع لصالح الصور الواقعيّة الملموسة..، وعندما يتمّ اختبار المقدّس..، عند ذلك كلّه يولد المجتمع الجديد، فإذا كانت الدولة سابقةً على المجتمع فهذا معناه حصول القطيعة بينها وبينه، أو ظهور حالة الفرض والضغط والقمع وممارسة القوّة، أمّا إذا كانت نتيجةً له فهذا معناه أنّه يفترض أن تواكب ما يحدث بطريقة أو بأخرى، لكي تكون مستجيباً طبيعيّاً لحال المجتمع، تأميناً للديمومة والاستمرار؛ إذ لو لم تحصل هذه المواكبة فسيقع التصادم، وسينتقض الغرض من وجودها.

3 ـ القضيّة الأخرى التي قد نلحظها مرتقبة في سياق الخلاف بين الأطروحتين المتقدّمتين هي أنّ الدولة نفسها قد تغدو مقدّساً في الأطروحة الأولى، وهذا ما قد يعطيها أصالةً تلغي أو تفوق أصالة المجتمع بوصفه مجتمعاً مسلماً..، وعندما تأخذ الدولة بُعداً دينياً مقدّساً بهذه الطريقة تتضخَّم على حساب المجتمع، فيظلّ المجتمع في وضع أضعف من وضعها، ومن الطبيعي أن تتولّد عن ذلك إفرازات تلقائيّة، تماماً كما في أيّ مكان تصبح الدولة فيه أقوى من مجتمعها، فكيف إذا كانت فكرة البعض أن لا قيمة للمجتمع على مستوى تقرير المصير؟!

4 ـ الملف الآخر الذي خلق تحدّيات أمام تجربة المشروع الإسلاميّ هو العلاقة بين النظر والعمل، الفكر والواقع، النظرية والتطبيق، فقد ولدت التجربة ودخلنا في مرحلة العمل، ثم بعد أن دخلنا في مرحلة العمل بدأت تتكوّن النظرية..، وهذا شيء له سلبيّاته وله إيجابيّاته؛ فنحن ـ مثلاً ـ وإلى أوائل الثمانينيات لا نجد دراسات دينيّة ـ ولا فقهيّة ـ جادّة تنظّر لمفهوم الدولة، وتقدّم فقهاً سياسياً وحكومياً، باستثناء دراسات محدودة جداً وكراريس صغيرة للسيد الشهيد الصدر والشهيد المطهري، وبعض الأطر العامة التي طُرِحت من قبل الإمام الخمينيّ أو العلاّمة فضل الله أو العلاّمة الطباطبائيّ وأمثالهم.

لقد كان الحال على الوضع التاريخيّ للشيعة؛ لأنّ إرثهم التاريخي ـ أقصد الإمامية دون الزيديّة والإسماعيليّة ـ كان يفرض العزلة في عصر غيبة الإمام الثاني عشر؛ لاعتقادهم بأنه لا داعي للدخول في شأن السلطة أثناء غيبته، فاختاروا العزلة وليس المعارضة؛ لأنّ المعارضة تعدّ شكلاً من أشكال المشاركة في الحياة السياسية، ويمكن أن نجدها ـ أي المعارضة ـ مع الزيديّة والإسماعيليّة، وقليلاً ما نجدها مع الإماميّة؛ لأنّهم اختاروا العزلة، إلى أن جاءت الحركة الدستوريّة (المشروطة والمستبدّة) مطلع القرن العشرين، وهو التاريخ الذي يمكن أن نقول معه: إنّ الإمامية بدأوا رحلة العلاقة مع السلطة، سلباً في المعارضة أو إيجاباً في الحكم.

هذا الوضع كان مهيمناً على أغلب عناصر منظومة المذهب الإماميّ الفكريّة والثقافيّة في المجال السياسيّ، عكس المنظومة السياسية السنيّة، وأؤكد بشاهد على ذلك ومثال، ألا وهو تجربة الماوردي في القرن الخامس الهجريّ، وهي تجربة فقيه سنّي وضع صيغاً هائلة لأنظمة السلطة وللعلاقة بين الولاة والسلطان والدواوين والقضاة والمحاسبات والضرائب وغيرها…، بينما قد لا نكاد نجد إلى القرن الرابع عشر الهجريّ كتاباً شيعيّاً إماميّاً يشبه كتاب الماوردي..، لقد بدأنا نجد بعض الإسهامات على هذا المستوى بعد خوض التجربة، وبمعنى آخر نحن لا نملك فقه معارضة، ولا فقه سلطة، ولا نملك تنظيراً لشكل النظام السياسيّ، ولا حتى نقلاً للفقه من مرحلة الرسالة العمليّة إلى مرحلة جعله قوانين كما فعلت الدولة العثمانية في المجلة العدليّة؛ لأنّ الفقه الحنفيّ كان مهيّئاً أكثر من الفقه الإماميّ في هذا المضمار.

لقد دخلنا التجربة، وتحت ضغط الواقع بدأنا بإنتاج النظريّة، وهذا ما منحنا مُنْجَزات ضخمة، فالجميع يعلم بأن الفكر السياسيّ الإماميّ تطوّر منذ المشروطة والمستبدّة إلى اليوم بأضعاف مضاعفة على ما قدّمه في مجموع القرون السابقة، كانت التجربة فريدة من نوعها، وقدّمت أفكاراً كثيرة بفترة قياسية نسبةً للواقع الإسلاميّ العامّ، لكنّ سَبْقَ الواقع للنظريّة، وولادة النظرية تحت ضغطه بهذه الطريقة، سبّب لنا مشاكل كثيرة من ناحية أخرى؛ فصحيح أنّنا ربما نكون واقعيّين عندما أنتجنا النظريّة، ولكنّنا أنتجنا النظريّة تحت ضغط الواقع، وليس في حالة من الارتياح الطبيعيّ الذي نُنتج من خلاله النظريّات المصيريّة على هذا المستوى، يجب أن تولد النظريّات ضمن مناخ الواقع، لكنّ المطلوب منها أن تخلق واقعاً جديداً، فالعلاقة هنا جدليّة بامتياز.

هذا بالضبط ما حصل…، خضنا التجربة، وبدأ ضغط الواقع، ونتيجة ضغط معيّن للواقع هنا وهناك اتخذنا موقفاً يتناسب مع شدّة هذا الضغط أو ضعفه، ولست أتحدّث هنا عن مواقف سياسيّة، إنّما أتكلّم عن نظريّات في السياسة والاجتماع والقانون؛ ففي بعض البلدان الإسلاميّة التي تسير على الفقه الإسلاميّ يؤخذ القانون البلجيكيّ والقانون الفرنسيّ، وهذه القوانين يُعمل بها بطريقة استنسابيّة، حيث يتمّ شطب بعضها وأسلمة بعضها الآخر.

لا يعني ذلك أنه لا ينبغي الاستفادة من قوانين الغرب، لكنّ هذا يدلّ على أنه لم تتولّد رؤية قانونيّة خاصّة نابعة من خصوصيّتنا الدينيّة والحضاريّة.

بكل قاطعيّة يمكن القول بأنّ الكثير من الأحكام الفقهيّة النابعة من النصوص مجمّدة، وذلك لصالح مرجعيّة المصلحة، وهذا ما يفتح بالتأكيد على سجال طويل، يمتدّ في العمق المذهبيّ والتاريخيّ للمذهب الإماميّ في الخلاف بين مدرستي: النص؛ والمصلحة، في القرن الهجري الأوّل، وهذا يؤكّد أن قانون ضغط الواقع هو القانون الذي تؤسَّس في ضوئه التشريعات، ويصوَّت لها أو عليها في البرلمان أو في أيّ مجلس قانونيّ ومؤسّسة دستوريّة ذات طابع مرجعيّ، إنّ هذه القضية تعطينا مؤشِّراً على أن ضغوط الواقع هي التي كانت تولّد القوانين والتشريعات والنظم والنظريّات أيضاً.

5 ـ النقطة الأخيرة التي أودّ الإشارة إليها هي إشكاليّة نقض الغرض على المستوى الدينيّ والإيمانيّ، يجب علينا أن ندرس بجدّيّة وبمسؤوليّة ـ ولا نزجّ رؤوسنا في التراب ـ مدى صحّة ما يقال من أن ممارسة السلطة الدينية قد يفضي إلى إضعاف جذوة الإيمان في العصر الحاضر، نحن هنا لا نتكلّم عن أصل النظريّة، وإنّما عن ممارستها الزمنيّة اليوم، إنّ بعض الإخفاقات ربما تسبّبت ـ على حدّ ما تشير إليه بعض الإحصاءات في بعض التجارب الإسلاميّة ـ في تراجع نسبة التديّن، ووقوع الانفصال ما بين الشارع والقيم الدينيّة التي يراد تعميمها على جميع مرافق المجتمع.

ثَمّة قلق علينا أن لا نستهين به، وأن نفكّر جميعاً في معالجته بما يحفظ القيم الدينية على مستوى الدولة والمجتمع معاً…، ثمّة قلق من أن تتمتّع بعض الدول العلمانية المسلمة بنسبة تديّن (فرديّ في الحدّ الأدنى) يفوق مثيلتها في دولة يحكمها مفهوم تطبيق الشريعة..، إذا كانت الدولة طريقاً ومعبراً لإحلال القيم الدينيّة فنحن أمام سؤال حقيقي سيوجّه إلينا يوم القيامة: ماذا فعلنا عندما منحنا الله نعمه؟ وعلى كلّ الحريصين على الدين والقيم الأخلاقيّة أن يفكّروا في حلول لذلك، يسبقها دراسة دقيقة وحقيقيّة للواقع، لا تحترق بحرق المراحل والعيش في أبراج المثاليّة المتعالية، ولا تتعامى ـ في الوقت عينه ـ بتضخيم المنجزات، رهينةً للمفهوم التعطيليّ القائل: «ليس بالإمكإن أحسن ممّا كان».

إن النقد البناء وسيلة للبناء، أما محض التبجيل فلا عواقب له سوى الاصطدام المفاجئ بالواقع، فالنقد دليل الحرص، وليس فقط التبجيل.

 
__________________________________________

([1] ) المحاضرة التي ألقيت بتاريخ 10/09/2009م بدعوة من المركز الإسلامي الثقافيّ، في بيروت، مع بعض التعديل والتصرُّف، ونشرت في العدد 15 ـ 16 من مجلة نصوص معاصرة، صيف وخريف، 2008م.

 

الاستخارة: مفهومها ومشروعيتها ومواردها

15 سبتمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

ثمة ظاهرة منتشرة في أوساط المؤمنين من أتباع أهل البيت(ع)، هي ظاهرة الاعتماد على الاستخارة في الكثير من الأمور والقضايا سواء التجارية منها أو الاجتماعية أو الشخصية، من قبيل ما يتّصل بأمر الزواج أو السفر أو غير ذلك من الحاجات، وهذه الظاهرة تستوقف الكثيرين ويتساءلون عن مغزاها وجدواها ومشروعيتها؟

   وقد يعتبرها البعض من جملة الأسباب المعيقة لتطوّر الإنسان، لمخالفتها لقانون العليّة والسّنن الطبيعية القائمة على أنّ الأمور إنّما تُعرف بأسبابها، ويستدلّ عليها بالتبصّر في عواقبها ونتائجها، لا بعدد حبات السبحة ولا بالقرعة ولا بالرقاع. إنّ الأخذ بالاستخارة –بنظر هؤلاء- يعني تجميد العقل وتعطيله عن التفكير، ولذا ارتأينا أن من المناسب بل الضروري التطرّق إلى هذا الموضوع، لأهميته، وينبغي هنا أن نتحدّث:

 أولاً: عن مفهوم الاستخارة.

 ثانياً: عن مشروعيتها.

 ثالثاً: عن ضوابط العمل بها وموارد استخدامها.

   وسنحرص في هذا البحث أن نبتعد قدر المستطاع عن استخدام اللغة الفقهية واستدلالاتها التفصيلية في تناول هذه المسألة، فإنّ ذلك متروك إلى مباحث علم الفقه.

مفهوم الاستخارة:

   الاستخارة في اللغة تأتي بمعنى طلب الخير، كما أن الاستنصار يأتي بمعنى طلب النصر، وهكذا.. وأما في المفهوم الشرعي، فإنّ الاستخارة تأتي بمعنيين:

 المعنى الأول: أن يراد بها طلب الخير من الله، انسجاماً مع معناها اللغوي بحيث يتوجّه العبد إلى الله سبحانه بالدعاء، طالباً منه أن يختار له الأصلح فيما يريد أن يقدم عليه من زواج أو سفر.. من دون أن يلجأ إلى وسيلة معينة للتعرف على وجه الخير، بل يعتمد على ما يلهمه الله ويلقيه في قلبه، وقد يراد بها طلب الخير من الله، ثم يمضي العبد إلى عمله.

   المعنى الثاني: أن يستخير العبد ربه ويستشيره، طالباً منه أن يريه وجه الخير فيما يقدم عليه من خلال وسيلة معينة، كالرقاع، أو حبات السبحة، أو من خلال مضمون آيات القرآن، أو غير ذلك .

 دليل المشروعية :

 والسؤال: ما هو الموقف الشرعي من الاستخارة بمعنينها المتقدمين؟

   والجواب: أما بالنسبة للمعنى الأول، فلا شبهة في مشروعيته، لأنه مظهر من مظاهر التوكل على الله والاعتماد عليه، وهو يعبر عن إيمان العبد واعتقاد بأنّ أموره هي بيد الله، وهذا ينسجم كامل الإنسجام مع عقيدة التوحيد، فعندما يرغب العبد في أن يُقدم على الزواج والارتباط بشريك، أو على عمل تجاري معيّن، ويتوجّه إلى الله، مبتهلاً إليه أن يجعل الخير رائده والتوفيق قائده، ويوفّقه في ما يقدم عليه، فإنّ ذلك يختزن إيماناً واعتقاداً لديه بأنّ الله سبحانه وتعالى هو الرازق والمالك والمقدّر وبيده خزائن السماوات والأرض، ولهذا فإنّ الاستخارة بهذا المعنى تعبّر عن أدب إسلامي رفيع في التوكّل على الله واستحضاره عند كلّ الحاجات والملمّات والطلبات حتى لا يغيب الله عن أذهاننا طرفة عين أبداً، أو نتوهّم أن لنا قدرة بصرف النظر عن قدرته، أو طولاً بعيداً عن طوله.

وفي ضوء ذلك، يتضح أن مشروعية هذا النحو من الاستخارة جارٍ على طبق القاعدة، ولا يحتاج إلى دليل خاص، لأن الاستخارة بهذا المعنى تمثّل مصداقاً من مصاديق الدعاء والابتهال إلى الله، ومع ذلك فإنّ بالإمكان الاستدلال على مشروعيتها واستحبابها، استناداً إلى النصوص الواردة في ذلك من طرق السنة والشيعة معاً، ولذا لم يشكك أحد من المسلمين في مشروعيتها، بل أجمعوا على استحباب ذلك ومطلوبيته، ففي الحديث عن رسول الله (ص): "إذا همَمْتَ بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك فإنّ الخير فيه"[1][1].

   وفي حديث آخر عنه(ص): "من سعادة ابن آدم استخارته لله، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله"[2][2]..

 وفي الحديث عن أبي عبد الله الصادق(ع): "إذا عَرَضَتْ لأحدكم حاجة فليستشر الله ربه، فإن أشار عليه اتبع، وإن لم يشر عليه توقف، قلت: يا سيدي، كيف أعلم ذلك؟ قال: يسجد عقيب المكتوبة ويقول اللهم خر لي، ثم يتوسل بنا ويصلي علينا ويستشفع بنا، ثم تنظر ما يلهمك تفعله، فهو الذي أشار عليك به"[3][3].

 وتُحَدِّثنا بعض الروايات الواردة من طرق السنة والشيعة أيضاً أنّ ثمة صلاة خاصة للاستخارة بهذا المعنى، ففي الحديث عن جابر بن عبدالله قال: "كان رسول الله (ص) يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنتَ تعلمُ أنّ هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، (أو قال: في عاجل أمري وآجله) فاقدره لي ويسّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري (أو قال: في عاجل أمري وآجله) فاصرفه عني واصرفني عنه وأقدر لي الخير حيث كان، ثم رضّني به، ويسمي حاجته"[4][4].

   وعن الإمام الصادق(ع): "إذا أراد أحدكم شيئاً فليصل ركعتين، ثم ليحمد الله ويثني عليه ويصلي على محمد وأهل بيته، ويقول: اللهم إن كان هذا الأمر خيراً لي في ديني ودنياي فيسره لي، وأقدره، وإن كان غير ذلك فاصرفه عني"[5][5].

  الاستخارة المتداولة

   هذا كلّه فيما يرتبط بالمعنى الأول للاستخارة، أما المعنى الثاني وهو الذي يُراد به اكتشاف وجه الخير واستعلام ذلك من خلال بعض الأدوات كالسبحة أو نحوها، وهو الشائع في أوساط المؤمنين الشيعة  ـ دون بقية المسلمين ـ منذ قرون عديدة، وإن كنا لا نعلم على وجه التحديد متى انتشر ذلك وشاع الأخذ به[6][6]،  وأول ما يواجهنا في هذا النحو من الاستخارة هو سؤال الشرعية؟

   ففي حين يظهر من مشهور الفقهاء مشروعية الاستخارة بهذا المعنى، وعلى ذلك جرت سيرتهم العمليّة، فإنّ بعضهم يشكّك في شرعيتها، ويأتي على رأس هؤلاء ابن ادريس الحلي، فقد أنكر الاستخارة بالرقاع واصفاً رواياتها بأنّها من أضعف أخبار الآحاد وشواذ الأخبار، ووافقه المحقق الحلي فقال: "وأما الرقاع وما يتضمن إفعل ولا تفعل، ففي حيّز الشذوذ فلا عبرة بها"[7][7].

وهكذا فإنّ المحقق الأردبيلي[8][8] قد استشكل في شرعية الاستخارة لاندراجها – على بعض التفاسير- في مفهوم الاستقسام بالأزلام، ، الذي حرمه الله في القرآن الكريم في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ}[المائدة:3] حيث فُسِّر الاستقسام بالأزلام بأنه عبارة عن الضرب بالسهام لاستعلام الخير والشر في الأفعال، وتمييز النافع من الضار، فقد كان شائعاً عند العرب أنَّ مَنْ يريد سفراً أو زواجاً، أو ما شاكل ذلك يضرب بالسهام لتشخيص ما فيه الخير فيعمل به، وقيل: "إن الرقاع التي كانوا يضربونها لهذا الغرض مكتوب على بعضها: "أمرني ربي" وعلى بعضها الآخر: "نهاني ربي"، وبعضها غفل لم يكتب عليه شيء، فإذا أرادوا سفراً، أو أمراً يهتمون به، ضربوا على تلك الأقداح، فإن خرج السهم الذي عليه "أمرني ربي" مضى الرجل في حاجته، وإن خرج الذي عليه "نهاني ربي" لم يمضِ، وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها"، ، ومن المعلوم أن الاستخارة المتداولة اليوم، ولا سيما خيرة ذات الرقاع هي من قبيل الاستقسام بالأزلام.

   وقد يعترض على المحقق الأردبيلي بأن الاستقسام بالأزلام له معنى آخر، وهو عبارة عن شراء جزور وتقسيمه إلى عشرة أقسام: سبعة ذات نصيب، وثلاثة بلا نصيب، ويكتب ذلك على سهام عشرة، ثم يجال عليها، فمن خرج باسمه أحد السهام السبعة دفعت له حصة من الجزور بلا ثمن، ومن خرج له أحد السهام الثلاثة تكفل بدفع ثلث قيمة الجزور من دون ان يحصل على أي شيء من اللحم، وهذا المعنى لا يلتقي بالاستخارة في شيء، كما هو واضح، بل هو نوع قمار، ويشهد له سياق الآية، الذي يتحدث عن حرمة اللحم على اختلاف أنواعه من الميتة إلى لحم الخنزير والمنخنقة… كما أن هذا المعنى ينطبق عليه عليه الاستقسام، بخلاف المعنى الأول، فليس فيه استقسام ولا طلب للقسمة.

   ويؤيد تفسير الآية بالمعنى الثاني أيضاً الحديث المروي عن الإمام الباقر(ع)، حيث فسَّر(ع) الاستقسام بالأزلام بأنهم "كانوا يعمدون إلى الجزور فيجزونه عشرة أجزاء ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام ويدفعونها إلى رجل، والسهام عشرة: سبعة لها أنصباء، وثلاثة لا أنصباء لها…"[9][9].

أدلة شرعية الاستخارة:

   ولكن ما هو دليل القائلين بشرعية الاستخارة فإنّ تفنيد دليل الرافضين لها لا يكفي لإثبات شرعيتها؟

   والجواب: إنّ ما يمكن أن يستدل به لإثبات شرعية الاستخارة بالمعنى الثاني هو عدة أمور:

1-  التمسك ببعض الروايات المروية عن أئمة أهل البيت(ع)[10][10] .

   ولكن الظاهر أن الروايات المشار إليها تفتقر إلى السند الصحيح، سواء فيما ورد في شأن خيرة ذات الرقاع أو الاستخارة بالسبحة[11][11]،  الأمر الذي يمنع من الاعتماد عليها في إثبات الشرعية .

2-  التمسّك بروايات القرعة[12][12] من قبيل صحيحة محمد بن محمد حكيم: "كل مجهول ففيه القرعة"[13][13]،  وفي صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله(ع): "ليس من قوم تقارعوا ثم فوضوا أمرهم إلى الله إلا خرج سهم المحق .."[14][14].

   لكن هذا الدليل غير تام، لأنّ عمومات القرعة يُشك في شمولها لما نحن فيه، أو يقال: إنّها منصرفة عرفاً عما نحن فيه، فالقرعة منتشرة في حياة العقلاء، وموردها هو الحالات التي نفتقر فيها إلى أي دليل لحسم الموقف مع أنّ من الضروري حسمه، ولا يستخدم العقلاء القرعة لاستعلام المغيبات ومعرفة ما إذا كان هناك مصلحة في الإقدام على هذا العمل أو ذاك، وأمّا عموم صحيحة محمد بن حكيم فهو غير مراد حتماً ولم يلتزم به أحد، وصحيحة أبي بصير موردها حالات التنازع ولا يمكن إلغاء الخصوصية عنها.

3-  الاستدلال على شرعية الاستخارة بأدلّة الدعاء، "فإنّ المستخير إنما يدعو الله ويلح عليه، طالباً منه أن يظهر له وجه الخير فيما يريد فعله أو تركه من خلال السبحة مثلاً، وأي محذور في تشخيص الواقع المجهول له من خلال السبحة وغيرها؟"[15][15]  

ويؤيد ذلك أنّ الاستخارة من المجرّبات التي ثبتت فاعليتها.

   ولكن لنا أن نتأمّل في هذا الاستدلال، لجهة أنّه وإن لم يكن هناك محذور في أن يرشد الله عبده إذا ما توجّه إليه وأقبل عليه إلى ما هو الأصلح له، إلاّ أنّ الكلام ليس في الإمكان أو في وجود مذور يمنع من أن يكشف الله الواقع لعبده من خلال السبحة وإنّما الكلام في دليل الشرعية، والإمكان لا يثبت الشرعية، أضف إلى ذلك أنّ للمرء أن يتساءل: إذا كان للاستخارة هذه الأهمية كوسيلة لاستكشاف الواقع المجهول، لِمَ لَم يتم العمل بها من قبل النبي(ص) والأئمة (ع)، ولا عمل بها أصحابهم، وإلاّ لبلغنا ذلك من خلال الأخبار المستفيضة، ولَنُقِلَ ذلك إلينا، مع أنّنا لم نجد في الروايات شيء من ذلك، بل إنّ بعض أخبار الاستخارة كأخبار الخيرة بالسبحة- لم تُذكر في المصادر الحديثية الأساسية، وإنّما أورده السيد ابن طاووس في كتابه في الاستخارات مرسلة عن صاحب الزمان!

فلا يبقى إلاّ أن يُقال: إنّه قد حصل لنا الاطمئنان بشرعية الاستخارة، استناداً إلى الروايات المذكورة مؤيّدة بالتجربة وعمل الأصحاب.

 الخيرة في ميزان العقل:

  وبعد الفراغ من سؤال الشرعية فإنّ ثمة سؤالاً آخر يطرح نفسه في المقام حول موقف العقل من الاستخارة.

ويمكننا القول: إنّه في حال لم تتمّ عندنا أدلّة القرعة ولم تثبت شرعيتها فلا داعي عندها لمحاولة تبريرها وتوجيهها من الناحية المنطقية، وأما لو أننا ارتضينا بعض الأدلة المتقدمة لإثبات شرعية الاستخارة فهنا يكون التوجيه ضرورياً، ويمكن لنا عندئذ توجيه الاستخارة بأحد توجيهين:

التوجيه الأول: أن نؤمن بها إيماناً تعبّدياً منطلقاً من إيماننا الديني العام، وهذا الإيمان كما يثبت شرعية الاستخارة، فإنّه سيجعل منها عملاً مفهوماً وكاشفاً عن الواقع، وذلك على قاعدة اللطف الإلهي واستجابة الله  دعاء عبده، وهو القادر على كلّ شيء، وهذا التوجيه من الطبيعي أن يكون مقبولاً عند المؤمنين بشرعية الاستخارة وكذا عند مَنْ يؤمِن بمرجعية النص الديني بناءً على ثبوت روايات الاستخارة.

التوجيه الثاني: أن نتعامل مع الاستخارة وننظر إليها باعتبارها طريقة لحسم الموقف عند التحيّر وضبابية الصورة، الأمر الذي يُسبِّب ارباكاً وربما عجزاً عن إتخاد القرار المناسب بسبب تعارض الوجوه المرجحة للفعل مع الوجوه المرجحة للترك، وكثيراً ما يصل المرء إلى مثل هذه الحالة من التردد لا بسبب ضعفه عن اتخاد القرار الحاسم أو تهربه من تحمل المسؤولية، وإنّما لأن الموقف قد تشابكت فيه الوجوه وتساوت مرجحات الفعل والترك، فيحار الشخص، ويحتاج إلى أدنى دافع، أو مرجح ولو كان غير منطقي ليختار أحد الوجوه، فعلاً أو تركاً، وإذا سألته لما اخترت هذا الطريق دون سواه فلن يجد جواباً مقنعاً أفضل من القول: هذا ما جرى، ولم أجد مرجحاً لسبيل على آخر.

   وهذا التفسير أو التوجيه قد يكون هو الجواب الأقرب على سؤال من يسأل عن موقف العقل من الاستخارة ـ  بمعناها الثاني ـ ومبررها المنطقي؟ فإنه إذا وضعنا الاستخارة في النطاق المشار إليه وهو اعتبارها مرجح الإختيار في حالات تكافؤ المصالح والمفاسد، فسوف تكون مفهومة عقلائية، أو على الأقل ليست مستنكرة لدى العقل والعقلاء، تماماً كما لا تكون القرعة مستنكرة عندهم، بل هي مقبولة لديهم ويعملون بها في بعض الحالات.

   إن قيل: إن الاستخارة بنظر من يعمل بها من المؤمنين هي طريق إلى الواقع، فهي تكشف وجه المصلحة أو المفسدة المجهولة لهم، ولا ينظرون إليها باعتبارها مجرد وسيلة للخروج من حالة التردد، وإلا فما الفرق بينها وبين أي وسيلة أخرى لا تعتمد الدعاء والتوجه إلى الله؟ ولم لا يعتمد اسلوب القرعة مثلاً، فإنها ـ أعني القرعة ـ على ما هو المعروف وسيلة لحسم الموقف ورفع التردد؟

   كان الجواب: إن هذا صحيح عند من تتم عنده أدلة الاستخارة، وأما من لا يؤمن بها ولا يقتنع بكاشفيتها عن الواقع – مع أن الكاشفية  ممكنة بعد لجوء الإنسان إلى الله وطلبه إليه أن يظهر له وجه الخير فيما يريد أن يقدم عليه من فعل أو ترك – فليس له أن يُسفِّه الآخذين بها، أو ينعتهم بالتخلف أو غيره من النعوت، وذلك لثبوت مشروعيتها عندهم، ولأن بالامكان تفهمها ـ عقلاً ـ باعتبارها وسيلة لحسم الموقف في حالات التردّد  وعدم وجود المرجح لخيار على آخر، لكن دون أن يتم إسنادها إلى الدين حينئذٍ، حذرا من الوقوع في شرك التشريع والابتداع.

شروط وضوابط:

   ثم إنّ الالتزام بالاستخارة بعد الإقرار بشرعيتها، لا ينبغي أن يفهم خطأً، فنتوسع في استخدامها في غير موردها، ونبادر اليها في الصغير والكبير، وبسبب أوبدون سبب، ونربط كلّ أعمالنا وحركتنا اليومية ونعلقها على الاستخارة؛ إن هذا مرفوض بالتأكيد، فالاستخارة – بناءً على مشروعيتها- لها مواردها وظروفها وشروطها، وإليك التوضيح والتفصيل:

الخيرة عند الحيرة:

   الشرط الأول: أن لا يتم اللجوء إلى الاستخارة إلاّ بعد أن تتشابك الأمور عند الإنسان وتتشابه عليه الخيارات، ولا يتضح له وجه المصلحة من المفسدة، فيظل محتاراً متردداً لا  يهتدي سبيلاً ولا يعرف ماذا يفعل، في هذه الحالة يكون للاستخارة مجال واسع، أما مع اتضاح الصورة لديه وتشخيصه  ـ ولو بمشورة الآخرين ـ أنّ في الإقدام على هذا العمل أو ذاك مصلحة بيّنة، أو مفسدة بيّنة، فلا مجال للاستخارة حينئذ.

   وعلى سبيل المثال: لو أنّ بعض المؤمنين ابتلى هو أو أحد أطفاله بمرض، فلجأ إلى الاستخارة، ليحدد على ضوئها إذا كان ثمة مصلحة في أن يذهب إلى الطبيب أم لا،  فإنه بذلك يرتكب خطأً، لأنّ هذا ليس مورداً للاستخارة، إذ الموقف في هذه الحالة واضح وبيّن، وهو أن عليه أن يذهب إلى الطبيب بهدف العلاج، لأنّ الذي خلق الداء خلق الدواء، والرجوع إلى أهل الخبرة يمثّل قاعدة عقلائية وشرعية، قال تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[الأنبياء: 7]، نعم لو أنّه عزم على مراجعة الطبيب، لكنه تردّد بين طبيبين ماهرين من أهل الاختصاص عينه، فهنا لا مانع من الرجوع إلى الاستخارة لحسم الموقف وترجيح أحد الطبيبن.

الاستخارة ليست بديلاً عن التفكير:

   الشرط الثاني: أن يستنفذ المرء التفكير في المسألة ودراستها من جميع جوانبها بهدف التعرف على ما فيه مصلحته أو مفسدته ليقدم على الفعل أو الترك وهو على بصيرة من أمره. إنّ هذه الدراسة لا بدّ منها، لأنّ الاستخارة ليست بديلاً عن التفكير، ولا ترمي إلى تجميد العقل، أو إقالته من مهامه، والله سبحانه وتعالى أراد لنا ان نتحرك وفق منطق السنن، وأن ندرس الأمور بروية وتدبر، وعليه فما يفعله بعض المؤمنين من المبادرة إلى استخدام الاستخارة قبل أن يُكَلِّف نفسه عناء البحث ودراسة الأمور في سبيل التعرف على ما هو الأصلح له، إنّ ذلك ـ بالتأكيد ـ عمل غير مرضي من الناحية الدينية، وربما مثّل نوع انحراف عن المسار العقلائي العام الذي أرادنا الله أن نتحرك في ضوئه في حياتنا، كما أن ذلك يعكس أيضا شخصية اتكالية متردّدة لا تملك الثقة  بالنفس، وليس لديها جرأة اتخاذ القرار، ولذا تلجأ إلى الاستخارة، تهربا من تحمل المسئولية.

 الاستشارة قبل الاستخارة :

   الشرط الثالث: كما أنّ التفكير العقلائي الجاد لا بدّ أن يسبق الاستخارة، فإنّه لا بدّ أن تسبقها المشورة أيضاً، فبعد أن تتم دراسة المسألة من جميع وجوهها ولا يصل المرء إلى نتيجة مرضية، أو يبقى حائرًا، فيجدر به  ـ وقبل اللجوء إلى الاستخارة ـ أن يلجأ إلى أهل الرأي والعقل، ليستشيرهم ويستنير بآراهم، قال أمير المؤمنين(ع): "من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها"[16][16] ، وإذا بقي المرء محتارًا ومتردداً حتى بعد مشاورة الآخرين من ذوي الرأي والتجربة، فبإمكانه – آنذاك- أن يلجأ إلى الله من خلال الاستخارة.

لا خيرة في أحكام الله:

   الشرط الرابع: أن نبتعد عن العمل بالاستخارة في ما يكون حكمه الشرعي واضحاً، فالاستخارة ليس لها مجال في أحكام الله ولا في موضوعات الأحكام الشرعية، فحينما يستخير شخص على ترك الصلاة، أو على شرب الخمر، أو على ارتياد نادي للقمار، أو على قطيعة الأرحام، أو على الفرار من الزحف والجهاد، فهو بذلك يرتكب خطأ كبيراً، وينحرف عن الصراط السوي، لأنّ الله سبحانه وتعالى لم يُعلِّق امتثال أحكامه الشرعية على أذن أحد، ولا ربطها بتحقّق شرط أو قيد، باستثناء شروط التكليف العامة من البلوغ والعقل والقدرة، أوالخاصة والتي تختلف من مورد لآخر، أما ما سوى ذلك، كمشورة الأخرين أو الاستخارة ـ مثلاً ـ فلا تناط بها أحكام الشرع لا ثبوتاً ولا امتثالاً وسقوطاً، تماماً كما لم تعلق أحكام الله على القرعة.

 وما قلناه في الأحكام الشرعية نقوله أيضاً في موضوعات الأحكام، فلا تشرع الاستخارة لتحديد وتعيين الطاهر من النجس من الثياب أو الأواني.. ولا لتحديد أن هذا اليوم من رمضان، أو شوال، مثلاً، إلى غير ذلك..

 الخيرة والتنبؤ بالمستقبل:

   وربما يلجأ بعض الناس إلى الاستخارة للتعرف على المغيبات والتعرف على ما سيحدث في مستقبل الأيام، وما تخبأه له الأيام، وهل أن المولود الذي سيرزق به ذكر أو أنثى، أو أنه سينجح في الامتحان أو لا، وهذا أيضاً يمثّل استخداماً خاطئاً للاستخارة، ولا تساعد عليه أدلتها، ولم يلتزم به أحد من الفقهاء، وباختصار إنّ هذا ليس مورداً سليماً للاستخارة.

 تكرار الاستخارة:

   ومن موارد استخدام الاستخارة بطريقة خاطئة، تكرار الاستخارة على الأمر الواحد لمرات عديدة، كما يحصل مع بعض الأشخاص، فإنّ هذا لا مبرّر ولا وجه له، فإن الاستخارة في كلّ أمر تكون مرة واحدة[17][17]، اللهم إلاّ إذا تغيّرت الظروف وتبدّل الموضوع، وقد يكون دفع الصدقة عاملاً في تبدل الموضوع، لأنّ الصدقة تدفع البلاء، وعلى سبيل المثال: لو أنّ شخصاً استخار على السفر فخرجت نهياً، فعاود الاستخارة في الوقت عينه على السفر نفسه، فإنّ عمله هذا يُعتبر لعباً وعبثاً غير مقبول.

 الابتعاد عن مخالفة الخيرة:

   إننا وإن كنا لا نستطيع تبني حرمة مخالفة الخيرة شرعاً، لعدم الدليل على الحرمة، ولكن من الأفضل عدم مخالفتها، لأنّ من استخار أحداً أو استشاره فأشار عليه بأمرٍ، لكنه خالفه، فإنّ فعله مستقبح عقلاً، فكيف إذا استخار العبد ربّه، ثم لم يرضَ بما اختار الله له؟! وإذا كنا نفترض ونؤمن أن الشخص في حال توجّه إلى الله طالباً منه إظهار الخير، فالاستخارة والحال هذه تعيّن له المصلحة وتكشف الواقع، ما يعني أنَّ المصلحة في اتباعها، أمّا مخالفتها فقد تجرّ عليه المتاعب، أو تبعث على الندم، فمخالفة الاستخارة هي من قبيل مخالفة الأمر الارشادي  لا المولوي




[1][1]  كنز العمال ج7 ص813

[2][2]  مستدرك الحاكم ج1 ص518

 

[3][3]  وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب الاستخارة الحديث 3

[4][4] صحيح البخاري ج6 ص162

[5][5]  الكافي ج3 ص472

 

[6][6]  الذي يظهر من بعض الفقهاء أن الاستخارة بالسبحة لم تكن معروفة قبل زمان السيد الآوي الحسني، قال في الذكرى حول الاستخارة بالعدد: "ولم تكن هذه مشهورة في العصور الماضية قبل زمان السيد الكبير العابد رضى الدين محمد بن محمد الآوي الحسني المجاور بالمشهد المقدس الغروي(رضي الله عنه)(ذكرى الشيعة ج4 ص269)، وأمّا استخارة ذات الرقاع فيبدو أنّها كانت معروفة قبل ذلك، فإنّ نصوصها موجودة في الكافي، وقد أنكرها ابن ادريس الحلي، والذي يظهر من موقف المحقق الأردبيلي الرافض لهذا النوع من الاستخارة أنها كانت منتشرة في زمانه، ويشير الشيخ محمد حسن النجفي الشهير بصاحب الجواهر إلى اشتهار الاستخارة في زمانه وما تقدمه، أنظر: جواهر الكلام ج12 ص175

[7][7]  أنظر: الحدائق الناظرة ج10 ص528

 

[8][8]  راجع زبدة البيان ص 626.

[9][9]  الخصال للصدوق ص452

 

[10][10]  أورد أخبارها الحر العاملي في وسائل الشيعة ج8 ص68 وما بعدها، أبواب الاستخارة وما يناسبها، والمجلسي في بحار الأنوار ج88 ص247، والبروجردي في جامع أحاديث الشيعة ج8 ص234

[11][11]  وقد أشار بعض الأعلام إلى ضعف هذه الأخبار، أنظر: الأحاديث المعتبرة في جامع أحاديث الشيعة ص164-165، فقد أكد على أنّ أخبار الاستخارة على أنواعها ضعيفة، ولذا فقد ترك هو –كما يقول- منذ زمن الاستخارة بالسبحة..

 

[12][12]  أنظر: القواعد الفقهية للأيرواني ج2 ص31

[13][13]  وسائل الشيعة ج ص الباب 13 من أبواب كيفية الحكم الحديث11

 


الانسجام الإسلامي وأزمة النعرات القومية

15 سبتمبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
800 زيارة

الانسجام الإسلامي وأزمة النعرات القومية

مبدأ الوحدة مبدأ أصيل في الشريعة الإسلامية؛ فمن كلمة التوحيد تشرع الوحدة، وتصهر معها الحياة كلّها عندما ترتبط بالواحد الأحد، فيرى العارف صاحب البصيرة الأشياء كلّها منصهرة في هذه الوحدة تكاد أو فعلاً لا تتمايز عنها. فكل شيء من الله وإليه وحده، وكل سلوك له وحده، وكل قصد له وحده، فهذه هي رسالة التوحيد، ليس فقط التوحيد العقائدي الذهني وإنّما إيضاً التوحيد العبادي والعملي والسلوكي والروحي و.. .

1 ـ وعندما ندخل ـ مع ثقافة الوحدة ـ الى كيان الأمّة الإسلامية، الذي يفترض فيه أن يعبر عن هذه الوحدة ذات الأشكال والألوان، أو كما يقول الفلاسفة: وحدة في عين الكثرة .. نجد أن واقع الأمّة يختلف كثيراً عن هذه الصورة، فهي أمّة انتقلت من الخلاف الحق المشروع إلى الاختلاف الباطل المنبوذ؛ فليس هناك من أمّة ساء حال وحدتها كحال أمتنا اليوم، برنامج إعلاني تلفزيوني واحد قادر على إراقة دماء المسلمين بعضهم بعضاً في شوارع المدن والقرى.

2 ـ وتتعدّد أسباب هذه الحالة، ونرصد هنا فقط سبباً واحداً هو المسألة القومية واللغوية والعرقية … فهذه المسألة أخذت مأخذها من الثقافة الإسلامية عبر التاريخ، ونحن نعرف أن من جذور ثقافة التمييز القومي، مواقف بعض الخلفاء الأوائل الذين كانوا يميّزون في العطاء بين الناس، وكانوا يقدّمون العرب على الموالي، وهو ما أدّى إلى شيوع ثقافة راسخة في هذا المضمار، الأمر الذي رفضه جمعٌ آخر من الصحابة، كان على رأسهم الإمام علي بن أبي طالب×.

وربما كانت هذه المواقف اجتهادات أو رؤى تطبيقية لعناوين المصالح الإسلامية العليا آنذاك، وفق ما يراه هذا الخليفة أو ذاك؛ إلا أن التاريخ كشف لنا عن وجود خطأ في هذا الاجتهاد، فنزول القرآن باللغة العربية أو كون المجتمع النبوي الأوّل مجتمعاً عربياً لا يعني مفاضلة قومية أو عرقية، سيما بعد النصوص الدينية العديدة التي كسرت هذا المفهوم ـ القالب الذي كان مهيمناً على العقل هنا وهناك، قال تعالى:  {… إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ …} (الحجرات: 13)، وقال:  {… قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَْلْبابِ} (الزمر: 9)، فالمعيار في التفضيل عند الله تعالى هو التقوى والعلم، لا الجاه ولا المال ولا العرق ولا القومية ولا اللغة ولا اللون، وهذا ما تؤكّده سورة عبس، التي تركّز على هذا المفهوم.

وكما عرفت أوروبا ويلات النزعات القومية المتطرفة في القرن التاسع عشر والعشرين، ولاقت نتائجها في الحربين الكونيتين: الأولى والثانية، وتعلّمت من هذا الدرس أن تتّجه نحو الوحدة الأوروبية، وتخفف من النزعات القومية المتطرّفة، كان يفترض بالمسلمين فعل ذلك قبلها؛ لأن تجربتهم سبقت هذه التجربة، وكم جرّت النزعات القومية ـ المعلنة وغير المعلنة ـ على المسلمين من انقسامات وشعوبية و …

لا ترفض في الإسلام محبة الأهل والعشيرة والأوطان، إنما المرفوض هو المقولة التي تعيد رسم الأولويات في العقل الإنساني، فتصبح مصلحة العشيرة أهم من مصلحة الوطن، ومصلحة القومية أهم من مصلحة الدين وهكذا … بدل أن تشكّل هذه المصالح والعلاقات دوائر داخل بعضها، وتكون أوسعها: «أو نظير لك في الخلق» بحسب تعبير الإمام علي× في عهده لمالك الأشتر، أي الدائرة الإنسانية الكبرى.

3 ـ وعلى أية حال، فقد تجلّت الاضطرابات القومية في تاريخ الإسلام بأكثر من شكل، كان أساسها محاولة الهيمنة على العقل الديني، فنجد العرب يحاولون احتكار الإسلام لأنّه نشأ في مناخ الإطار العربي، وكان النبي وأهل البيت عرباً كما أكثر الصحابة أكثريةً ساحقة، ويتشبّث هذا الفريق بإطار معرفي لنظريته، حينما يرى أن نزول القرآن باللغة العربية وصدور السنّة بهذه اللغة معناه دخول المقولات الدينية إطار العقل العربي؛ لأن اللغة هي العقل نفسه في إحدى تمظهراته وأشكاله، فلا يمكن أن نفكّك بين العروبة كعقل وحياة وبين الإسلام الأوّل الذي هو منبع الثقافة الدينية عبر التاريخ الإسلامي.

ومن خلال هذه النقطة بالذات، يتمّ الدخول إلى نقطة أخرى، وهي أنّ اللغة لا  تمثّل القواعد النحوية والصرفية والبيانية حتى إذا أتقنّاها استطعنا النفوذ لفهم خطابات الكتاب والسنّة، بل هي روح وكيان ومشاعر وتراث وثقافة ينبغي أن تذوب في عقل القارئ ويذوب هو في امتداداتها وثناياها، لهذا تشوّه تفسير الإسلام عندما دخل أقواماً آخرين غير العرب، ففهموا النصوص فهماً خاطئاً لأنهم تعاملوا مع اللغة من خلال المعاجم والقواميس والقواعد والهياكل المرسومة، مما دمّر أهم جانب في اللغة في نفوسهم، ألا وهو الجانب الروحي لها، أي روح اللغة وضخّها الدلالي.

ونحن نوافق ـ من حيث المبدأ ـ على هذه الملاحظات كلّها، ومن خلالها نسجّل ملاحظة إضافية على مناهج التعليم اللغوي في الحوزات الدينية الشيعية؛ ذلك أننا نراها مناهج نظرية بحتة، يحفظ الطالب فيها قواعد الصرف كما يحفظ جداول الضرب تماماً، وهذا أمرٌ عايشناه في علاقاتنا مع غير العرب من طلاب الشريعة الإسلامية، وهي نقطة ضعف تلغي روح اللغة من نفس قارئها، وهو ما يؤدي إلى تشوّهات حادّة في تفسير النصوص أحياناً، ولعلّنا نتحدّث عن هذا الموضوع في مناسبة أخرى، من هنا نجد أن بعض العلماء لا يعرف التحدّث باللغة العربية ولا عيشها، حتى أنه في قراءة القرآن لا يستطيع النطق الصحيح، وأظنّ أن هذا سببه مناهج التعليم الأولى لهذه اللغة، وإلاّ ففي أوساط علمية أخرى يتقن الطالب اللغة العربية ببراعة مع بُعد لغته الأم عنها، مثل بعض اللغات الأفريقية و ..

إنّنا نؤمن بوجود هذه المشكلة؛ ونراها أيضاً مسؤولة عن بعض أشكال الخطأ في فهم الدين، لكن لا يعني ذلك سدّ باب المعرفة أمام غير العرب بتراث العرب وثقافتهم؛ وإلا أوقعنا القطيعة بين شعوب العالم، والغريب أن بعض الذين ينزعون هذه النزعة تجدهم مذهولين بفهم المستشرقين للتراث الإسلامي وتفسير نصوصه وكلماته رغم كونهم أبعد من الأتراك أو الفرس أو الهنود عن الثقافة العربية، إذاً فالمطلوب تعديل في مناهج التعليم يطال الأساسيات نفسها، دون ادّعاء استحالة المعرفة بالمطلق.

4 ـ في المقابل، يذهب الفريق الآخر إلى الحديث عن عدم وجود عقل عربي علمي أو فلسفي وأن العقل الذي نظم الإسلام ـ أي جعله نظاماً معرفياً وفلسفياً وقانونياً وعرفانياً ـ هو العقل الفارسي أو التركي، وهي مقولة طرحها بعض المستشرقين وتابعهم فيها كثير من الباحثين المسلمين، وبدايات هذه الخطوة في التاريخ الإسلامي بدأت مع التابعين الذين كان كثيرٌ منهم من الموالي الذين يعيشون في بيوت الصحابة وبين أيديهم.

وتؤكّد هذه المقولة الكثير من الشواهد التاريخية؛ حتى أن ابن خلدون نفسه يصرّح بذلك، لكن هل يمكن تعميم هذا الكلام؟ لست أريد الدخول في إحصاءات في هذا المجال فقد كتب حول ذلك الكثير، واستطاع العلماء المختصّون إثبات بطلان هذه المقولة، الأمر الذي لا يعطينا سوى نتيجة واحدة، وهي أن الجميع ساهم في بناء الحضارة الإسلامية كما ساهم في تراجعها، فكل فريق من العرب والأتراك والفرس والبربر و … كانت له مساهماته التنويرية والنهضوية، كما كان سبباً في تدهور الحضارة الإسلامية، والشواهد على هذا الأمر أكبر بكثير من الشواهد على عكسه، ومجاله لا يتسع له هذا المختصر.

5 ـ وتتعقّد المشكلة القومية ببُعدها المفرط عندما يختلط الخلاف القومي بالخلاف الطائفي، ويتم التسلّح بهذه الطائفة أو تلك حمايةً للمصالح القومية والامتياز القومي، وهو أمر يحصل على خطي: السلب والإيجاب في واقعنا المعاصر؛ فهناك حديث عن أن التشيّع صنيعة فارسية لتبرير الانشقاق عن السلطة المركزية في بغداد أو الأستانة ـ مركز الخلافة العباسية والعثمانية ـ وهذا يعني أن كل مقولات التمييز الطائفي إنّما أولدت من رحم الرغبة في التمايز القومي، مقدّمة للرغبة في الإمساك بزعامة الإسلام، فالخلاف تركي ـ فارسي أو عثماني ـ صفوي، وليس شيعياً ـ سنياً.

وهذه المقولة من أشدّ المقولات حاجة للدرس والنظر، ونحن لا نرتاب في أن بعض السلاطين المسلمين قد انطلق من هذه المنطلقات، وأن دوافع كامنة كانت وراء ذلك، فإذا كان همّ العثمانيين هو الإسلام السني، فلماذا لم يكن للعرب دورٌ في تسلّم الخلافة طيلة قرون الدولة العلية العثمانية، مع أن العرب كانوا ـ في غالبهم ـ من السنّة أيضاً، ولم يكن تسنّن الأتراك بأشدّ من تسنّن العرب السنّة آنذاك؟! وإذا كان التشيّع هو همّ السلاطين الصفويين أو القاجاريين فلماذا لم يشارك الشيعة العرب والأكراد والأتراك و … في إدارة هذه الدولة، بل لم تخرج الزعامة عن الأسرة الصفوية الحاكمة نفسها؟!

لكن هذا لا يعني أن بالإمكان الخروج بتعميم، بمعنى أن الحكم الكلي في غاية الصعوبة هنا، ومن ثم فافتراض أن كل علماء الشيعة أو السنّة إنما انطلقوا من منطلقات قومية ليس صحيحاً، والشواهد لا تساعد على هذا التعميم، وإن كان في الجملة صحيحاً، وهذه هي مشكلة الكثير من الدارسين المعاصرين أنه يحصل على شاهد أو شاهدين جزئيين ويريد أن يعمّم من خلالهما على مساحة أكبر بكثير منهما، وهو خطأ علمي ومعرفي واضح.

6 ـ والذي نجده عنصراً مساعداً على طفو الملفّ القومي على السطح واندفاعه إلى الواجهة، الكلمات الاستفزازية التي قد يطلقها فريقٌ أو شخص هنا وفريقٌ أو شخص هناك، فهذه التصريحات تخلق حاجة للدفاع عن إحدى هويات الإنسان، وهي الهوية القومية، وقد تكون الهوية الطائفية أو .. بل تخلق في نفسه إحساس هذه الهوية بشكل مضاعف، بعد أن كان هذا الإحساس مطموراً أو متراجعاً إلى الخلف أو غارقاً في الأعماق … فيندفع لامتلاك هويته والإحساس بها والتمترس داخلها، كي يجد نفسه ويشعر بها، فتحدث الأفعال المتبادلة سلباً ويظهر في هذا المناخ شعور عنيف بالنزعة القومية.

من هنا، تبدو الحاجة ماسّةً إلى ضبط إيقاع التصريحات والمواقف التي يصدرها أيّ شخص من هذا الطرف أو ذاك، حتى لا تشكّل حلقةً أولى في سلسلة أو لا تصبح كرةَ  ثلج؛ ويفترض بالسياسيين ورجال الدين والإعلاميين بالدرجة الأولى أن يتحمّلوا مسؤولياتهم إزاء أيّ قول أو فعل قد يشعل النيران القومية، خصوصاً إذا التحمت مع نيران الطائفية والمذهبية والانحياز.

7 ـ ويجدر أخيراً الإشارة إلى نقطة مهمة على هذا الصعيد تخصّ الداخل الشيعي، حيث يشهد الوسط الشيعي ـ كما كان من قبل ـ بعض الجدل في مسألة المرجعية الدينية؛ فنجد بعض العرب يتحدّث عن سعي الإيرانيين ـ كقومية على الأقلّ ـ لاحتكار مؤسّسة المرجعية، فيما نجد بعض الإيرانيين يتحدّث بشكل آخر أيضاً، فنسمع في الداخل الإيراني من ينحاز إلى أهل منطقته، فلا يقلِّد غير واحدٍ منهم وهكذا … ويهمنا هنا التعليق على:

أـ إن المرجعية الدينية شأن يتصل بالمذهب الشيعي كلّه من جهة وبالمؤهلات العلمية والدينية من جهة أُخرى، فلا معنى لهذا التجاذب القومي فيه، فإذا صحّ أن هناك من يفكّر بهذه الطريقة ـ كائناً من كان ـ فعليه أن يقدّر سوء صنيعه وتأثيره على الدين مباشرةً تبعاً لطبيعة موقع هذه المؤسسة؛ فالمرجعية مؤهلات لا جغرافيا فيها ولا غيرها، فأينما وجد المؤهلون كانت وإينما لم يوجدوا لم تكن، بل لا علاقة لهذا الموضوع بالمراكز الدينية الكبرى كالنجف وقم اليوم، كما الحلّة وحلب وجبل عامل والبحرين بالأمس، فهذا التلاعب بالمؤسسة الدينية لأغراض فئوية أو قومية لو نجح يوماً أو يومين فإن خسائره على المدى البعيد ستكون أكبر من ذلك.

ب ـ لا يصحّ من عامة الناس أيضاً أن يفكّروا بهذه الطريقة، ما لم يتوصّل المختصّون إلى صيغ أُخرى، كتلك التي قامت بها بعض الدول الإسلامية؛ فيقلّدون شخصاً فقط لأنه عربي أو فارسي أو تركي … وإذا صحّت نظرية تقليد الأعلم فيجب تقليده ولو كانت قوميته غير مسلمة أصلاً، ويفترض بالمعنيين ترشيد الناس في هذا السبيل كترشيد من يحاول أن يستفيد من هذه الورقة لمصالح ضيّقة، فلا يصبح حالنا كبعض الاتجاهات اليهودية في هذا المجال.

ويبقى العلم والدين مقولتان تتخطيان الحدود والأعراق والقوميات.

{يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13)



 






[1] ـ نشر هذا المقال في العدد الحادي عشر من مجلة نصوص معاصرة، صيف عام 2007م.


التأويل عند المتكلمين بين سلطة المذهب وشرعية الإمكان/ القاضي عبد الجبار أُنموذجاً

13 سبتمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

إنّ الحضارة الإسلامية هي حضارة تأسست على قراءات متتالية ومتلاحقة حتى الازدحام للنص القرآني المعجز. وهو ما جعلها تبدو حضارة نصٍٍّ بامتياز. تمحورت حوله، وعملت لأجله ومن خلاله.

لذلك سيحضر التأويل عموماً في الثقافة الإسلامية حضوراً متميزاً بوصفه إشكالاً مركزياً فيها. سيحضر أولاً باعتباره قراءة للنصّ في عمقه الدلالي وهتكاً لحجبه اللغوية. وسيحضر ثانياً باعتباره إعمالاً لعقل استوعب ثقافته من النصّ، أو كما يقول علي حرب: >أداة استنباط المعقول من المنقول<([1]).

وهو ما سيجعل التأويل يجد في علم الكلام كلّ مبررات مركزيته.إذ هو >علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية<([2]). إذ كانت كلّ مذاهب علم الكلام صادرة عن قراءة أيّ تأويل للنصّ القرآني.

ولقد أردنا البحث في تجربة تأويلية حضر فيها العقلي كما حضر اللغوي والنقلي وتاقت للكشف عن الأبعاد الثرية للقرآن ونفي السكونية والثبات عنه. فانصبّ اختيارنا على التجربة الاعتـزالية بالذات، وذلك باعتبارها تجربة وسعت دائرة التأويل العقلاني، ليدخل فيه ما لم يكن دخوله مسلماً به، أي لوضعه في دائرة الممكن معرفته، والاستدلال عليه، والنظر فيه.

وكان علينا لمشارفة تلك الآفاق أن نبحث في التجربة الاعتـزالية عن أكثر نماذجها نضجاً واكتمالاً وتماسكاً نظرياً. فلم نجد تجربة تأويلية يمكن أن تتوفر على هذه الشروط وتستجيب لها مثل تجربة قاضي القضاة: أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد ابن خليل بن عبد الله الهمذاني الأسد آبادي. عاصر القاضي دولة بني بويه في العراق وفارس وخراسان منذ تأسيسها حتى انهيارها وولي القضاء في عهد أعظم وزراء بني بويه: الصاحب بن عباد. توفي القاضي عبد الجبار سنة 415 عن سن جاوز التسعين. ألّف القاضي كثيراً في المذهب الاعتـزالي مثل: شرح الأُصول الخمسة، والمغني في أبواب التوحيد والعدل.

لقد اخترنا أن نضع التجربة التأويلية للقاضي عبد الجبار وضعاً إشكالياً يسائلها عن كل ما بدا بديهياً ومسلماً به. ونقصد بهذه المساءلة الكشف عن مستويات التفاعل والانقطاع في روافد فعلت فعلها في كل التجارب التأويلية في الثقافة الإسلامية: العقل والنصّ واللغة، بهدف مقاربة تخوم انغلاق وانفتاح الأُسس النظرية لتجربة التأويل عند القاضي عبد الجبار. فنطرح على هذه الأُسس السؤال عن مدى إمكان المطابقة بين الخطاب والمراد من الخطاب. بمعنى بين ما أراده المتكلم وما قاله.

لقد تطلّب طرح الإشكالية على هذا النحو الوقوف على كيفية تشريع التجربة التأويلية الاعتـزالية لمسائلها وأُسسها شكلاً ومضموناً، بهدف الكشف عن مدى تماسك النصّ في بنيته الداخلية. مما اقتضى استعمال المنهج البنيوي في هذه المقاربة، فهو منهج يدعو إلى القطع مع التفسير الآحادي للنصوص، وإلى القول بالتخصيب المستمر للمدلول.

 لكنّ النقد الداخلي لبناء النص التأويلي عند القاضي عبد الجبار قد تطلّب أيضاّ التفكيك. إذ هو منهج يبحث عن الاختلاف ويشرع له، ويكشف عن كلّ أشكال التسلط في القراءة للوقوف على ثغراتها وزيف ادعاءاتها. إنّ خيارنا المنهجي هذا سيكون المسائل الأساسية التي أقمنا عليها مقالنا هذا. فقد اخترنا الانطلاق من أهم ملامح إشكالية التأويل في الفكر الإسلامي، حتى ننـزل القاضي منـزلته اللائقة به. وبذلك نمهد لمقاربة أهم الأُسس النظرية في هذه التجربة والتأويلية. وهي أًسس انبت على عقلانية أطروحاتها التأويلية، ووضع شروط لإمكان تلك الأُطروحات.كما انبنت على دعم ذلك الإمكان بإثبات البعد الدلالي للغة النصّ القرآني المعجز وإشكالية المجاز تباعاً.   

   لقد كان التأويل إشكالاً مركزيّاً في الثقافة الإسلامية، حضر فيها حضوراً متميّزاً نتيجة لذلك السّعي للتوفيق بين العقل والنقل. فالتّأويل، خيار استلزمته طبيعة النصّ المعجز في بيانه، بوصفه إمكاناً لا ينضب للتأويل وبوصف الحضارة الإسلامية حضارة نصّ بامتياز([3]). فلغته باعثة على تعدّد القراءات، وهي المحدّد الأساسي للتجارب التّأويلية في الثّقافة الإسلامية. لكنّ هذا التحديد لا يجعلنا أبداً نسلّم بأنّ هذه التجارب كانت تجارب لغويّة، فهي في رأينا أثرى من أن تختصرها اللغة. إذ كان النصّ القرآني دعوة صريحة لإعمال العقل، حيث يتدخّل المؤوّل باعتباره كائناً ذا عقل ليسجّل حضوره، ويعطي لهذه التجارب والتّأويلية بعدها الذّاتيّ الذي لا يمكن أن تنفكّ عنه بحال.

كانت هذه الرّكائز الأساسيّة لكلّ عمليّة تأويل مورست على النصّ القرآني تميّزت بها وميّزت الثّقافة الحاملة لها. وهي النصّ/ الوحي واللغة والمؤوّل/ العقل. وقد كان القاضي عبد الجبّار بوصفه اعتـزالياً يتوق لإقامة المعقول على المنقول، يعبّر بعمق عن إشكالية عصره. فكان حاضراً حضوراً مؤسّساً في تلك الإشكالية بكلّ مقوّماتها، بل وفي إشكالية أُخرى ارتبطت بها كلّ الارتباط: إشكالية اللفظ والمعنى. فلا ينخرط فيها مثل كثير من المتكلمين، مع الذين تراوحوا بين بلاغة العبارة وبلاغة التأليف. لكنّه يتّخذ موقفاً يجعله ممهّداً لنظرية النظم (الجرجانية).

هذا الحضور في المسألة التأويلية من جهة، والوعي بمدى أهميّة المسألة البلاغية فيها من جهة أُخرى، كان شاهداً على مدى استيعاب القاضي لثقافة عصره، ما سيكون له تأثير عميق في تلك الأُسس التي قامت عليها نظرية التأويل عنده. حيث يتجسّد الاستيعاب والتجاوز أوّلاً وبالذات، في لـمّ شتات ما بدا مبعثراً في الفكر الإسلامي عموماً، والاعتـزالي على الخصوص؛ لترتيبه ونظمه.

لقد سبق وأشرنا إلى أنّ مركزيةالتأويل في الفكر الإسلامي قد تأتّت من هاجس خلق الانسجام بين المنقول والمعقول في الثقافة الإسلامية. لذلك لم يكن بإمكان الثقافة الإسلامية أن تؤسس لتجربة تأويلية خارج التأسيس لمعقوليتها. والقاضي عبد الجبار باعتباره اعتـزالياً كان حاضراً بعمق ضمن إشكاليات عصره. وهو عصر عرف بتعاظم سمة العقل فيه.

فإذا كان هدف العمل التأويلي، إقامة المنقول على المعقول، فإنّ عقلانية القاضي عبد الجبّار باعتباره اعتـزالياً بالدرجة الأُولى، ستكون الأساس الأوّل الذي انبنت عليه نظريته في التأويل.

هذه العقلانية هي التي جعلت العقل يتبوّأ المرتبة الأُولى من المصادر الشرعية الأُخرى، باعتباره أوّل الأدلّة وأداة المعرفة ومناط التكليف ومقيّم الأفعال([4]). فتعود إليه أوّلاً وأخيراً مهمّة تأويل النصّ. لكنّ الحضور والنفاذ القويّ للعقل في النقل، لم يمنع أن تكون عقلانية القاضي عبد الجبّار عقلانية إيمانية([5]). ظهرت إيمانيتها في ذلك السعي لترتيب المنقول على المعقول، والمطابقة بين نظام الخطاب ونظام العقل. حيث كان النقل رافداً من روافد هذا العقل الاعتـزالي لا وجود له خارج فعل عقلنته وإثبات عدم التناقض بينه وبين العقل. وهو ما عبّر عنه ذلك الانطلاق دائماً من مصادرات للبرهنة عليها. وإنّ العقل بما هو عدل وتوحيد، سيجعل تلك الإيمانية تصطبغ بالصبغة المذهبية. وإنّ البعد الإيمانـي والمذهبي لعقلانية القاضـي عبد الجبّار، سيتعمّق مع ذلك الاختـزال لآلة العقل وهي النظر في جانبها الوظيفي. فيعتدّ بالنظر من جهة توليده للمعرفة باعتباره أوّل الواجبات([6]).

هذا الجــانب الوظيفي سيرتبط غائيّـاً بالمعرفة الدينية الميتافيزيقية (معرفة الله)([7]). كما سيرتبط بهاجس الردّ على الخصوم تشريعاً لإمكان الوصول إلى الحقيقة ضدّ أصحاب التقليد والإلهام والضرورة. وإنّ ربط أهميّة النظر باعتباره نظراً في النصّ بمعنى التّأويل، كان وراء اختيار القاضي عبد الجبّار كغيره من المتكلّمين الاستدلال بالشاهد على الغائب منهجاً معرفياً. لكنّ المنهج الكلامي: الاستدلال بالشاهد على الغائب. وإن سعى القاضي إلى إثبات شرعيته ويقينيته، بمحاولة إيجاد أساس عقلي يقوم عليه ورابط منطقي بين عالمي الشاهد والغائب، فإنّ ذلك لم يمنع تهافته، لما يفضي إليه من تداخل بين عالمين دافع القاضي من أجل إثبات استقلال أحدهما عن الآخر.

 لقد كانت العقلانية منطلقاً ومنهجاً وغاية، حرص القاضي عبد الجبّار أن يجعلها تنفذ للنصّ وتكتنه حقيقته لتتّخذ النظر في النصّ شكلاً والاستدلال بالشاهد على الغائب منهجاً. كما كانت تسعى لضبط عمليّة الوصول إلى المعنى وإقامتها على أساس عقلي مكين. فتكون على درجة من الصرامة، بحيث تكون قادرة على أن تصل إلى مراد الله من النصّ، أي إلى الحقيقة. هدفها من ذلك أن تؤسّس لتجربة تأويلية أقلّ ما يقال فيها أنّها ممكنة.

هذا الإمكان للتأويل كان على القاضي أن يستدلّ عليه للتشريع له. ممّا تطلّب إبطال الاختصاص بمعرفة مراد الله([8]). إذ الكلام الإلهي يدلّ بنفسه، ولا يحتاج لوسيط لمعرفة معناه. وقد كان إبطال الاختصاص محكوماً بالردّ على الظاهرية السلفية من جهة، والشيعة الباطنية من جهة أُخرى. ولا مزية للرّسول أو السّلف أو الإمام على غيرهم في معرفة مراد الله من النصّ([9]). فتلك المعرفة تتعلّق بالعقل وحده، وليس التفسير اصطفاء من الله لفئة دون أُخرى تدّعي الوصاية على بقية الفئات. وإقرار الاختصاص بمعرفة معنى النصّ القرآني أو حقيقته ينفي الاستدلال بالقرآن أصلاً ويجعله عبثاً، والعبث يتنافى وصفة العدل الإلهي([10])، أي أنّه ينفي التأويل العقلي.

لكنّ منع الاختصاص لم يجعل القاضي عبد الجبّار، يوسّع دائرة التأويل لأيّ كان، بل وضع للمفسّر شروطاً([11]). أهمّ تلك الشّروط: المعرفة بأصلي العدل والتوحيد. ممّا ينقل الاختصاص بمعرفة مراد الله من أهل السلف والباطنية ليعلّقه بالاعتـزال، بل ويقصره عليه، فيجعله وحده القادر على تحديد ما هو محكم وما هو متشابه. وإذا كنّا مع القاضي عبد الجبّار لا نعثر على قانون واضح معلن عنه للتأويل، فإنّه مثل غيره من المعتـزلة يجعل (المحكم والمتشابه) هو هذا القانون. فيمثل المحكم والمتشابه علاقة يلعب فيها الأول دور الأصل، والثاني دور الفرع.

وكان على القاضي سعياً للاستدلال على إمكان التأويل، أن يشرّع لوجود المتشابه في القرآن. فيربط الحكمـة منه بحـثّ المتكلّم والمخـاطب في نفس الوقت على النظر، الذي سبق أن أثبت وجوبه([12]). ويتخذ المتشابه مظهر المجال الخصب الذي يتحرّك فيه الفكر بأكثر حرّية وعقلانية. ويثبت القاضي بذلك عن طريق المتشابه شرعية مقولاته ويؤسّس لها تأسيساً راسخاً، يصعب معه التفريق بينه وبين المذهب الاعتـزالي نفسه.

وإذا كانت الخلفية الدينية قد تدخلت لتجعل القاضي يعتبر بالمحكم أصلاً للمتشابه، فإنّ تعليق تحديدهما بالاعتـزال، سيرجّ ثوابت هذه العـلاقة إلى أبعد الحدود. إذ إنّ ترتيب كلٍّ من المحكم والمتشابه على أدلة العقول التي تتماهى مع معرفة الله بعدله وتوحيده، هو في النهاية قول بضرورة التطابق بين المحكم والمتشابه من جهة، وبين مراد الله من النصّ والمذهب الاعتـزالي من جهة أُخرى.  

فهما ذلك القسم من الخطاب الشرعي الذي لا يستقلّ بنفسه في الإنباء عن المراد. فتثبت العلاقة الوثيقة بين النصّ والعقل أي العقل والتأويل، وبين المحكم والمتشابه.

إنّ العقل الاعتـزالي هو الضامن للانتقال من المحكم إلى المتشابه بل، هو محدّدهما. إنّه المشرّع لوجود المتشابه، ولإمكان معرفة معناه، والاستدلال به. فيتميّز عن المحكم بتطلّبه النظر والاستدلال، أي بجانبه العقلي. ذلك بما يقتضيه من الرسوخ في العلم، كما جاء في آية آل عمران([13]). وإنّ التميّز للمتشابه عن المحكم يجعلنا نراجع مع القاضي اعتباره المحكم أصلاً للمتشابه، أمام وجوب ترتيبهما جميعاً على أدلّة العقول.

بهذا استطاع القاضي أن يطوّر علاقة المحكم والمتشابه، لفائدة المتشابه في سبيل التخلّص من كلّ سوء للفهم حفّ به، ويجعله يتوجّه بالكامل توجيهاً تأويلياً، فيصبح الدفاع عن المتشابه دفاعاً عن المجاز في اللغة، ومكمناً من مكامن إعجاز القرآن.

إنّ النظر لإعجاز القرآن بوصفه تشريعاً لإمكان التأويل، كان من أسباب ربطه بفصاحته وهو ما دافع عنه القاضي طويلاً([14]). لكنّ هذا الربط كان مجالاً لطرح إشكالات عدّة:

أوّلها مدى التوفيق بين القول بتطوّر اللغة واتّساعها من جهة، وانكسار ذلك المسار التطوّري للغة بالقرآن معجزة بيانية ومرجعاً دلالياً، ممّا ينبئ بالتردّد بين مرجعية اللغة العربية وسلطة النصّ المعجزة.

وثانيها مدى التوفيق أيضاً بين القول بتوقّف المسار التطوّري للغة بمعجزة القرآن من جهة، وعدم نفي إمكانية تجاوز مرتبة القرآن في الفصاحة نفياً تاماً من جهة أُخرى([15]). هذان الإشكالان سيجدان في تعريف الفصاحة للقاضي عبد الجبّار، تلمّساً لطريق الحلّ.

 يورد القاضي عبد الجبارتعريفاً للفصاحة  يظهر به تردداً بين الجمع بين اللفظ والمعنى على رأي شيخه أبي هاشم، والاعتبار بالضمّ على طريقة مخصوصة(16)، وهو تردد كان ـ خلافاً لبعض نقّاد البلاغة العربية ـ يتمّ لفائدة المعنى الثاني. فالضمّ على طريقة مخصوصة الذي أثبته القاضي في القول بالفصاحة هو تمهيد لقول عبد القاهر الجرجاني بعده بمراعاة السياق في القول بالفصاحة([16]). إذ استطاع أن يخلّص مفهوم النظم ـ كما جاء به عبد القاهر الجرجاني ـ من الملابسات المعنوية التي حفّت به. فيصالح بينه وبين الفصاحة. حيث يتجلّى إبداع الفكر في اللغة، ويجد المجاز شرعية حضوره من خلال التأويل.

 فإذا كان القاضي عبد الجبّار، على الأقلّ في المستوى المعلن عنه، قد أظهر ولاءه وتأثّره بـأبي هاشم الجبائي والرمّاني أكثر من اعتماده على أبي بكر الباقلاني ـ لاعتبارات مذهبية صرفة ـ فإنّ ذلك لا يمكن تفسيره باعتباره باللفظ وحده، وبكونه يمثّل حلقة نكوص توسّطت الباقلاّني والجرجاني.  فقد كان حلقة وصل بينهما لا قطع([17]). خلق بتمهيده لنظرية النظـم مجالاً للتواصل بين اتّجـاهين فكريين، بدا من المسلّـم به تعارضهما: الاتّجاه الاعتـزالي والاتّجاه الأشعري.

لقد اقتضى تعليق إعجاز القرآن بالنظم ـ تجسيداً لعلاقة اللغة بالفكر ـ أن تكون اللغة دلالة أُسّاً من أُسس نظرية التـأويل عند القـاضي عبد الجبّـار. فنظر إلى اللغة في علاقتها بغيرها من الدلالات: النقلية والعقلية، وفي شروط دلالتها. ولأنّ العقل هو أقوى الأدلّة وأوّلها عند المعتـزلة، فقد حرص القاضي عبد الجبّار على جعـل الدلالة العقلية تتقدّم الدلالـة اللغوية. فميّز بينهما كلّ التمييز، حتّى يعطي للأُولى مشروعيــة السيطرة على الثانية. في الوقت، الذي يماهي فيه بين الدلالة اللغويّة والدلالة النقلية، اعتباراً لوظيفتها الإفهامية([18]). وإنّ التمييز بين الدلالة العقلية والدلالة النقلية أو اللغوية قام على التمييز على علاقة الدال بالمدلول في كليهما، حيث كانت سببية في الدلالة العقلية واصطلاحية في الدلالة اللغوية.

ولكنّ أسبقية النقل على العقل عند الأشاعرة سيجعل الباقلاّني يفصل بين الدلالة اللغوية والدلالة النقلية، التي تسبق كلّ الدلالات وتتصدّرها. وإذا كان قول القاضي بأسبقية الدلالة النقلية يفضي إلى القول بأسبقية الحقيقة على النصّ، فإنّ تلك الحقيقة العقلية ما هي إلاّ مراد الله من النصّ. وهو نفسه الباعث على النظر، أي على الاستدلال بالعقل. وهذا يحدث تداخلاً إلى أبعد الحدود بين الدلالتين العقلية والنقلية، رغم حرص القاضي على الفصل بينهما. ويؤدّي التداخل بدوره إلى التشكيك في شرعية القول بأسبقية الحقيقة أو العقل على اللغة.

 تؤدّي أسبقية العقل على اللغة إلى  التشكيك، في نجاعة العمل التأويلي. لكن اللغة تصبح في ظلّ علاقة بين الإنسان وربّه ـ تقوم على معجزة بيانية: النصّ القرآني ـ هي السلطة الفعلية التي تقوم عليها تلك العلاقة. لا يمكن أن يسبقها شيء أصلاً.

 لكنّ ذلك التمركز حول العقل في خطاب القاضي عبد الجبّار، هو الذي لن يجعله فقط يحصر الثّراء الدلالي للغة، رغم توسيع مجال فعاليتها، وإنّما لا يرى في القراءة، سوى بُعد واحد وإمكان وحيد يسبق النصّ. هذا الإمكان هو الحقيقة، وهو الدليل العقلي أي العقل الاعتـزالي. لكنّ هذا التمركز لم يمنع اعتـزالياً، كان النقل واللغة رافدين من روافد عقله، أن يحدّد سعياً لموافقة المنقول للمعقول شروط الدلالة اللغوية.

إنّ جعل المواضعة شرطاً من شروط الدلالة اللغوية([19])، كان عن وعي من القاضي عبد الجبّار بأهميتها، في نشأة اللغة وتطوّرها ودورها في جعل هذه اللغة قابلة للاتّساع.

 لقد عبّر الشرط الأوّل عن موقف مخالف لرأي القائلين بتوقيفية اللغة، من أصحاب الإلهام أو القائلين بالمصدر الإلهي للمواضعة، وهم الأشاعرة. وتكمن أهمية هذه المسألة أساساً، في امتدادها بجذورها إلى جميع القضايا الخلافية، خاصة بين المعتـزلة والأشاعرة.

 أوّلاً في تعريف الكلام بين قول القاضي بالحـروف المنظـومة والأصـوات المقطعـة([20])، وفي قـول الباقـلاّني بالمعـنى النفسي للكـلام.

ثم ثانياً ـ استتباعاً ــ في مسألة خلق القرآن.

 وإذا كانت المواضعة تشرّع للمعرفة الاستدلالية، شرطاً لمعرفة مـراد الله، فإنّ الإقرار بهـا بمـا يفـضي إليه القول بتطوّر اللغـة واتّساعها يؤدّي في النّهاية إلى القول بالمجاز أي إلى التأويل.خلافاً للذين قالوا بالإلهام، فمنعوا المجاز في اللغة.

 لكنّ هذا التحرير للمعنى من حرفية النصّ لن يفضي للقول بتعدّده، وإنّما لتقييده بالعقل الذي سبقه، أي إلى وحدوية البعد الدلالي للخطـاب. وهو مـا يمكـن فهـمـه بذلك الشـرط الثاني للدلالات اللغـويـة: معرفة حال المتكلّـم، أي قصده.

إنّ القصد بوصفه الشرط الذي ينقلنا من المواضعة العامة إلى المواضعة الخاصة([21])، سيكون هوالمشرّع للاستدلال في النصّ، بحثاً عن المعنى والاستدلال عليه للوصول إلى قصد الله. وإنّ الاعتبار بهذا الشرط أدّى بـالقاضي عبد الجبّار، إلى التفرقة بين كلام الله وكلام البشر، حيث يفترق الدال عن المدلول في كلام الله، باعتبار القصد الجانب العقلي للكلام الذي لا بدّ أن يسبقه، بخلاف كلام البشر. وهو ما لم تقل به الأشاعرة. فقد أدّاها قولها بالمعنى النفسي للكلام إلى عدم التعرض للقصد شرطاً من شروط الدلالة اللغوية، فضلاً عن ترك التفرقة التي قال بها المعتـزلة.

 وإذا كان القصد يشهد بضرورة حضور العقل في اللغة لضمان فهم الخطاب وتوظيفه، فإنّه يشهد أيضاً بالتداخل بين أنواع الدلالات، بوصفه شرطاً يتعلّق باللغة ويجد شرعيته في الدلالة العقلية في نفس الوقت. لقد اهتمّ القاضي عبد الجبّار بالنسبة إلى جلّ دارسيه بالمتكلّم/ الله على حساب المؤوّل. لكننا نعتقد أنّ اعتـزاليته أبت عليه إلاّ الاهتمام بهذا المؤوّل. خاصة في ذلك التحوّل الدلالي عن طريق التأويل الذي يفترض وجود شرط: هو القرينة.

إنّ مرور الفكر من الشاهد إلى الغائب وحلّ كلّ وجوه الاشتباه في النصّ، افترض وجود قرينة تبرّر اختياراتها حتّى ينسجم مع نفسه (أي المحكم) ومع الدليل العقلي. فتكون سلاحاً للدفاع عن الفكر الاعتـزالي وإثبات شرعية اختياراته التأويلية.

 وإذا كان القاضي قد قسّم القرائن إلى نقلية وعقلية، فإنّ ذلك التقسيم لم يكن واضحاً تمام الوضوح. إذ كان للقرينة العقلية([22])، الدور الأوّل المهيمن على باقي القرائن في تأويل الخطاب. فكانت مبرّرات اختيار قرينة دون أُخرى، تثبت أوّلاً وبالذات للعقل الاعتـزالي أي للخلفية المذهبية. وعندما يكون هدف القرينة حلّ الاشتباه في النصّ، فإنّ ذلك يثبت أنّ الاشتباه لغوي. هذا الاشتباه لا يمكن له إلاّ أن يتّخذ المجاز مظهراً.

إنّ أهميّة المجاز تكمن بالنسبة إلى فكر صاحب المغني، في كونها تجسّد المحرّك الأهمّ والحصالة النهائية لأُسس نظرية التأويل بخلفياتهاوأبعادها.

لقد انخرط القاضي عبد الجبّار كسائر مفكّري ثقافته، في تلك المقابلة بين الحقيقة والمجاز، باعتبار الحقيقة معياراً للتجوّز والعدول. ولقد كانت المقابلة ضرورة كلامية لمفكّر، رفض القول بتوقيفية اللغة. فالمجاز مواضعة تختصّ([23])، أي أنه المظهرالأرقىلتطور اللغة واتّساعها. فحـرص القـاضي من وراء هذه المقابلة على البعد الدلالي للمجاز، أي على ذلك البعد الوظيفي للاستدلال، لم يؤدّ به إلى القول بانفصال المجاز عن قوانين اللغة العامة. رفض لذلك القائلون بالتوقيف المجاز.

 وأمام ذلك الرفض، كان على القاضي أن يدافع عنه ويثبت شرعيته. هذه الشرعية اتّخذت عنده شكل التمييز بين مستويـات الكلام والمتكلّمين، وكانـت الدلالة العقلية هي المقياس الأوّل والأخير باعتبار أسبقيتها.

لكنّ أسبقية الحقيقة عن المجازلم تخدم تطوّر المجاز. فلم يتعدّ التطوّر مستوى الصور. إذ عملت أسبقيّة الحقيقة للمجاز على تعميق الهوّة بين الصورة والمعنى، بشكل يظلّ معه المعنى ثابتاً لا تتدخّل الصورة المجازية في تطوّره.

إنّ مقولة تطوّر الصور المجازية، هو نفسه قد تعثّر، بذلك الإقرار من القاضي باتفاق العرب منذ البداية على هذه الصور، لغاية رسم الحدود بين الحقيقة والمجاز. الشيء الذي يقرّ به كثير من أُولئك القائلين بالتوقيف.

 ربما كان تبرير هذا التعثّر إلاّ بأنّ المجاز المقصود في هذا الموقع بالذات، كان مجازاً في المفردات. يفترق عن نوع آخر من المجاز، سبق وأشار إليه القاضي هو المجاز في التركيب([24]). بمعنى أنّه مجاز من مقتضيات النظم.

 وإذا كان العقل يجد حضوره في اللغة عن طريق النظم، فإنّ التجربة التأويلية وهي تعتمد بالأساس على اللغة المجازية ستكون تجربة عقلية. بهذا تصبح أسبقية الحقيقة للمجاز وجهاً آخر، لأسبقية الدلالة العقلية على الدلالة النقلية. فما المجاز في النهاية، إلاّ وسيلة لتبرير حصول تناقض في ظاهر النصّ، بين كلام الله ومعرفتنا العقلية من عدل وتوحيد.

 فإذا كانت الدلالةاللغوية أمراً مركزياً في تأويل القاضي، فإنّ ذلك كان يتأكّد دائماً لصالح القرينة العقلية. لهذا كان المجاز يقوم على علاقات عقلية، في نظرية أسّست للمصالحة بين النظم والمجاز، أي بين العقل واللغة. وقد كان القاضي واعياً بالبعد السياقي للمجاز، وإن لم يفلح في صياغته. فكان للجرجاني الفضل في ذلك، عن طريق قوله بـ (معنى المعنى)، حيث يتجسّد الإبداع وينتفي النقل والاحتذاء الذي سبق وتكلّم عنه القاضي.

لكن، البعد المذهبي الذي جعل القاضي عبد الجبّار يقول بأسبقية الدلالة العقلية، أي العدل والتوحيد على النصّ، وجعل الجرجاني يقول بالمعنى النفسي للكلام فيعلّق الحقيقة بتلك المعاني، قد منعهما من القول بإمكان تعدّد المعنى في النصّ، وبالتّالي من التّشريع للاختلاف في التأويل. فاتّخذ البعد المذهبي شكـل الحقيقـة الوحيدة والأولى بالاعتبـار. مع أنّ النصّ يجـوّز الاختـلاف بوصفه فيضاً من المعاني وتجوّزاً للقول بلا حدود. عندها يمكن أن نقف على ذلك الفرق الحقيقي بين تجربة كتجربة القـاضي عبد الجبّـار وأُخرى كتجـربة عبد القاهر الجرجاني؛ لنكشف زور ذلك الاختلاف وافتعـاليته، متخفّيـاً وراء ادعـاء الأحقّيّة بالتـأويل بدلاً عن الآخـر. وإذا كان المجال لا يتسع لمعالجة المسألة التأويلية من حيث هي ممارسة، فذلك لأننا التـزمنا منذ البداية بالاقتصار على رصد الأُسس النظرية للتأويل. لكن هذا لا يمنع من الدعوة إلى ضرورة الدفع بالمسألة إلى الأمام وإبراز أهميتها.

إنّ محاولة استنطاق النص التأويلي للقاضي عبد الجبار يفتح أمام البحث نوافذ متعددة، قد يقف من خلالها على مدى تماسك الأُسس النظرية التي قامت عليها التجربة التأويلية للرجل. فنتسائل مثلاً عن مدى صمود القول بمنع الاختصاص في معرفة مراد الله، أمام الاعتبار بأولوية المعتـزلة بالتأويل العقلي وجعله حكراً عليهم دون غيرهم. تماماً مثلمانضع القول بالاتّساع الدلالي للغة، وتوطين الفكر فيها عن طريق (النظم) أمام  اختـزال اللغة في قوالب شعرية جاهزة يقع الاستشهاد بها لتبرير الخيارات التأويلية.

 إنّنا أمام تجربة تأويلية هاجسها أن تحقّق الانسجام الكلّي بين العقليّ والنقليّ، وتشرّع لحضور العقل في النصّ واحتوائه، وذلك عن طريق التّأويل. وهذا ما يعطينا حقّ الحكم على تجربة القاضي عبدالجبّار لأنّها تجربة عقليّة بالأساس، لكن بالمعنى الاعتـزالي للكلمة لا غير، أي بمعنى الوقوف عند مقتضيات مقولتي التوحيد والعدل.

لكنّ ذلك (العقلي) الذي كان القاضي عبد الجبّار وفيّاً له شديد الوفاء، قد حضر فيه المذهبي حضوراً مؤسّساً، ومشروطا على الدوام بمحاجّة الخصم. فتداخل معه النقلي بالعقلي؛ ليصبح القرآن نفسه سلطة مرجعية بوصفه معجزة بيانية وأصبحت معه اللغة عائقاً تخفي اتّفاقاً وتواصلاً مع الآخر.

 هذا الاتفاق يمكن أن ينجلي، إذا أُقرّ له بحقّ الاختلاف والتميّز، وإذا أُقرّ أنّ ما ادّعته اللغة حقيقة قد لا يكون كذلك. فالنّصّ فضاء متحرّك باستمرار، وإعجازه في تلك الحركية. لكن هيهات لفكر يتمسّك  بالوثوقية والسلطة المعرفية، أن يقرّ بالاختلاف ويشرّعه. فذلك يعني غياب سلطته من أجل سلطة أُخرى.

 وهيهات لفكر يرى الحقيقة في الوضوح، أن ينظر للغة بوصفها نسيجاً من المعاني، تستدعي القارئ باستمرار حتّى يلهث وراءها ويكتنهها ويقبض عليها لكن دون جدوى. ضمن هذا التصوّر وهذه الرؤية، يجب أن يُنظر لفعل القراءة وللتجارب التأويلية في الفكر الإسلامي؛ لأنّ الاختلاف بين الفرق، كما يقول علي حرب:> ليس فرقاً بين عقل ونقل بقدر ما هو اختلاف في أنماط المعقولية<([25])([26]).

 هذا الدرس الذي استوعبناه من القاضي وهو يُنظّر للتأويل، وإن لم يرده، بل سكت عنه، فمهمّتنا أن نقوله ولو على سبيل الافتراض. عندها فقط يمكن أن تكون قراءتنا شرعية؛ لأنّها لا تدّعي أبداً حقيقة تصل إليها غير حقيقة الاختلاف والتّعدّد. حقيقة النشاز الذي يجعل اللغة كائناً مبدعاً، والمؤوّل ينتج بتأويله عدداً لا يحصى من النصوص. إذ هو الذي يصنع المعنى، ويرى في النصّ ما يريد هو أن يراه.

 

*    *     *

 
الهوامش



 




(*) باحثة، من تونس.




([1]) علي حرب، التأويل والحقيقة.

([2]) أُنظر: تاريخ ابن خلدون (مقدمة ابن خلدون): 358 القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل 11: 375 التكليف،

تحقيق محمد علي النجار وعبد الحليم النجار، القاهرة1965.

([3]) أُنظر: زينة(حسني)، العقل عند المعتزلة، تصور العقل عند القاضي عبد الجبار:138،منشورات دار الآفاق الجديدة ـبيروت بدون تاريخ.

([4]) أُنظر: القاضي عبد الجبار، شرح الأُصول الخمسة: 39، تحقيق عبد الكريم عثمان، ط.الأُولى ـ القاهرة 1384ﻫ/1965م.

([5]) المصدر السابق: 45.

([6]) أُنظر: القاضي عبد الجبار، المغني 361:16.

([7]) المصدر السابق: 345.

([8]) أُنظر: القاضي عبد الجبار، شرح الأُصول الخمسة: 606.

([9]) المصدر السابق: 600.

([10]) الآية المقصودة، قوله تعالى: {هوالذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات فأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلاّ الله والرّاسخون في العلم يقولون آمنّا به كلّ من عند ربّنا وما يذّكّر إلاّ أولوالألباب}(آل عمران: 7).

([11]) أُنظر: القاضي عبد الجبار، شرح الأُصول الخمسة: 600.

([12]) أُنظر: النصّ الذي أثار خلافاً عند نقّاد البلاغة العربية. أُنظر: القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل "16 199-200.

([13]) المصدر السابق نفسه.

([14]) المقصود د.حمادي صمود في كتابه: التفكير البلاغي عند العرب ـ أُسسه وتطوّره إلى القرن السادس، منشورات الجامعة التونسية، طبع بالمطبعة الرسمية للجمهورية التونسية 1981م.

([15]) أُنظر: القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل 16 :349.

([16]) المصدر السابق: 347.

([17]) لتبيان نظرية النظم والقول بمعاني النحويمكن الرجوع إلى : الجرجاني (عبد القاهر)، دلائل الإعجاز:64، صحح أصله محمد عبده، وعلق عليه محمد رشيد رضا ط. 5، نشر دار المنار، ـ القاهرة 1372 هـ..

([18]) يرى الدكتور حمادي صمود ـ خلافاً لشوقي ضيف، ومحمد عابد الجابري ـ أنّ القاضي عبد الجبار قد مثل بالنسبة إلى نظرية النظم حلقة نكوص توسطت أبي بكر الباقلاني وعبد القاهر الجرجاني.

أُنظر:كتاب التفكيرالبلاغي عند العرب ـ أُسسه وتطوره إلىالقرن السادس: 31، مصدر سابق.

([19]) أُنظر: القاضي عبد الجبار، شرح الأُصول الخمسة : 529.

([20]) أُنظر: في شرح العلاقة بين شرطي المواضعة والقصد: المغني 350:16 -351.

([21]) أُنظر: القاضي عبد الجبار، متشابه القرآن، القسم الأول: 34، تحقيق عدنان محمد زرزور،دار التراث ـ القاهرة، بدون تاريخ.

([22]) أُنظر: القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل 16 : 200.

([23]) أُنظر: تفرقة جلال الدين السيوطي بين المجازفي المفرد والمجاز في التركيب في كتاب: الإتقان في علوم القرآن47:2، دار المعرفة ـ بيروت، بدون تاريخ.

([24]) علي حرب، التأويل والحقيقة، ص13

([25]) القاضي عبد الجبار، المغني 231:8 المخلوق،تحقيق: توفيق الطويل وسعيد زايد، وزارة الثقافة والإرشاد القومي ـ القاهرة، بدون تاريخ.

([26]) علي حرب، التأويل والحقيقة 139.


الفتن الطائفية منافذ المحاولات الخارجية

13 سبتمبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

حين يكون الحديث عن الصراعات الداخلية، والفتن الطائفية، غالباً ما يشار بالبنان إلى دور العدو الخارجي في صنع الفتن وإثارة الخلافات.

ومن الطبيعي أن يسعى العدو لإضعاف الأُمّة، وإشغالها عن البناء والتقدم، وعن مواجهته بالصراعات الداخلية، ليسهل له إخضاعها ونيل مطامعه منها.

وهو أمر وارد في صراعات الأُمم والمجتمعات.

لكنه لا يصح أبداً تعليق مسؤولية خلافاتنا على مشجب العدو الخارجي، وتجاهل الأسباب والعوامل الداخلية. ذلك أنّ محاولات العدو إنما تحصل وتنجح من خلال المنافذ الموجودة في واقعنا وأوضاعنا، وهي بمثابة الأرضية الخصبة الحاضنة لبذور الفتنة التي يسقيها وينميها العدو.

إنّه لا يمكن إنكار دور الأعداء في تمزيق الأُمّة، كما لا يجدي شجب ذلك الدور وإدانته، وإنما المطلوب تعطيل دور القابلية للاستجابة لتلك المحاولات الخارجية داخل ساحة الأُمّة، بمعالجة الأسباب وسد المنافذ والثغرات؛ لأنّ بقاءها مشـرعة ستغري كل عدو بالتسلل من خلالها أي وقت شاء.

بالطبع فإنّ تشخيص مواقع تلك المنافذ وأحجامها وسبل وصدها فيه مجال للبحث والنقاش، وهو ما يجب أن يتجه إليه المهتمون بأمر وحدة الأُمّة وتقارب فئاتها.

ويبدو لي أنّ من أهم تلك المنافذ والثغرات ما يلي:
الانسداد السياسي

يتحكم القرار السياسي في تفاصيل أوضاع مجتمعاتنا، لكن الدخول إلى دائرة صنع القرار، أو الاقتراب من مستوى التأثير فيه، يعتبر منطقة محرمة محظورة إلاّ على فئة قليلة محدودة تحتكر السلطة في معظم العالم العربي.

ومع ارتباط مختلف أوضاع الناس بالقرار السياسي، ووجود المشكلات الكثيرة في مختلف المجالات، فمن الطبيعي أن يكون هناك طموح وتطلع عند نخبة من شرائح المجتمع للمشاركة والنفوذ السياسي، وحين توصد أبواب المشاركة، وتنعدم أدوات العمل والحراك السياسي المشروع يلجأ البعض لاستخدام مختلف الأساليب والأدوات، وتصبح الانتماءات العرقية والمذهبية والقبلية أوراقاً وعملة رائجة. وهنا، تأتي فرصة الأعداء للنفخ فيها وتشجيع استثمارها وتداولها.

إنّ فتح آفاق المشاركة السياسية واعتماد نهج التداول السلمي للسلطة، هو الذي ينضّج وعي المجتمعات، ويرشّد تنافسها، ويدفعها نحو الحراك الإيجابي، ويمنع استغلال عناوين الهويّات الفرعية على حساب المصلحة الوطنية العامة، كما نرى ذلك في المجتمعات المتقدمة.

سياسات التمييز

إذا كانت سياسات الحكم منبثقة من تعاليم الإسلام، فذلك يعني اعتمادها لمبدأ المساواة والعدل بين الناس، فلا يكون هناك تمييز ولا حيف من فئة على أُخرى؛ لأنّ العدل مقصد أساس لجميع الأنبياء والشرائع الإلهية، يقول تعالى: >لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنـزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ< (سورة الحديد:25) والقسط هو العدل. ويقول تعالى: >إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ< (سورة النساء:58).

وفي ظل الإسلام لا يجوز أن يُبخس أحد شيئا من حقوقه المادية أو المعنوية مهما كان دينه أو مذهبه، يقول تعالى: >وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ< (سورة الأعراف:85) وقد ورد عن رسول الله’ قوله: >الناس سواء كأسنان المشط<([1]).

لقد جلس خليفة المسلمين إلى جانب خصمه النصراني أمام القاضي وصدر الحكم لصالح النصراني ضد أمير المؤمنين، كما جاء في تاريخ ابن الأثير أنّه: >وجد عليّ درعاً له عند نصراني، فأقبل به إلى شريح وجلس إلى جانبه وقال: لو كان خصمي مسلماً لساويته، وقال: هذه درعي! فقال النصراني: ما هي إلاّ درعي، ولم يكذب أمير المؤمنين. فقال شريح لعليّ: ألك بينة؟ قال: لا، وهو يضحك، فأخذ النصراني الدرع ومشى يسيراً ثم عاد وقال: أشهد أنّ هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين قدّمني إلى قاضيه وقاضيه يقضي عليه. ثم أسلم واعترف أنّ الدرع سقطت من عليّ عند مسيره إلى صفّين، ففرح عليّ بإسلامه ووهب له الدرع وفرساً، وشهد معه قتال الخوارج<([2]).

وإذا كانت الدولة دولة قومية تعتمد المواطنة أساساً في نظام الحكم وسياساته، فإنّها أيضاً لن تفرّق بين مواطن وآخر.

لكن مشكلة بعض الأنظمة في عالمنا الإسلامي خرقها لهذا المبدأ العظيم، وممارستها للتمييز بين مواطنيها على أساس قومي أو مذهبي، فتكون هناك فئة مميزة وأُخرى مهمّشة، مما يكرّس الشعور بالتفوق والتعالي عند فئة، والإحساس بالغبن والحرمان عند الفئة الأُخرى.

والشعور بالتمييز والتعالي يدفع إلى الاستئثار، والتجاوز على الحقوق، والنظر إلى الآخر بدونية واحتقار، كما أنّ الإحساس بالحرمان والغبن يدفع إلى الحقد والتفكير في الانتقام.

وهنا تجد الجهات الخارجية فرصتها للتدخل، فتثير قلق الفئة الأُولى من إمكانية انتفاضة الفئة الأُخرى، كما تغذي مشاعر الانتقام عند هذه الفئة المضطهدة، وتستثيرها للمطالبة بحقوقها، وتغريها بالدعم والحماية، تحت شعار: حماية الأقليات، والدفاع عن حقوق الإنسان، وهكذا يستعر أوار الفتنة.

إنّ هذا ليس مجرد تحليل أو تخمين، بل تؤكده حالة حاضرة نعيش ألمها ونصطلي بنار مضاعفاتها، وهي حالة الساحة العراقية أُنموذجاً، حيث استثمر الأمريكيون معاناة الأكراد والشيعة من سياسات نظام صدام، وممارسته التمييز القومي والطائفي الشنيع ضدهم، وليسوّقوا تدخلهم العسكري واحتلالهم للعراق، تحت شعار: الحرية والتحرير.

وهم الآن يُغذّون العنف المتبادل بين فئات الشعب العراقي، ويلعبون على الوتر المذهبي بين السنة والشيعة، ليبرروا استمرار بقائهم، وتواجد قواتهم في العراق، باعتبارهم يوفرون الحماية لكل طرف من الآخر.

إنّ سياسات التمييز الطائفي هي من أهم منافذ المحاولات الخارجية لإثارة الفتن المذهبية في أوطان المسلمين، فلا بدّ من إغلاق هذا المنفذ الخطير، بتحقيق مفهوم المواطنة، وتساوي المواطنين في الحقوق والواجبات.

ويجب أن يبادر الإسلاميون من السنة والشيعة لإعلان رفضهم وكفاحهم ضد سياسات التمييز الطائفي، والتبشير بمبدأ المساواة بين المواطنين، ومواجهة أي تمييز طائفي تتعرض له فئة من السنة في وسط شيعي، أو فئة من الشيعة في وسط سني.

وقد نصت توصيات الندوة العالمية الأُولى التي عقدتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ في الرباط في الفترة من (7 ـ 9 ربيع الأول 1412هـ) المصادف (16 ـ 18سبتمبر 1991م)، على: >تأكيد وجوب مراعاة حقوق الأقليات المذهبية حيثما كانت، وينطبق ذلك على الشيعة الذين يوجدون في مناطق السنة، وعلى السنيين الذين يوجدون في مناطق الشيعة<([3]).

 
ثقافة التعبئة المذهبية

الخلل في العلاقة بين أتباع المذاهب الإسلامية أنتج ثقافة من التعبئة المتبادلة، حيث انشغلت الأُمّة كثيراً بخلافاتها المذهبية، وأصبح لها تراث ضخم من الجدل المذهبي، يفوق تراثها في الجدل مع الأديان الأُخرى، فإنّ الكتب التي ألفها علماء السنة في الردّ على الشيعة، والكتب التي ألفها علماء الشيعة في الردّ على السنة، تفوق أضعافاً مضاعفة ما كتبه علماء الطرفين في الردّ على الأديان الأُخرى.

إنّ كل طائفة لا تـزال تشعر بالحاجة إلى الحديث عن إثبات أحقية مذهبها، في مواجهة إشكالات وطعون أتباع المذهب الآخر، وإنّها معنية بتحصين أبنائها حتى لا يتأثروا بالاتهامات التي تستهدف مذهبهم.

وتتسم هذه الثقافة التعبوية ـ في الغالب ـ بالسمات التالية:

أولاً: التركيز على مواقع الخلاف المذهبي مع محدوديتها، وتجاهل مناطق الاشتراك الواسعة، ويتم في أحيان كثيرة إفتعال قضايا الخلاف في مسائل جزئية جانبية، وإذا كان في المذهب رأيان أحدهما يخالف المذهب الآخر، والآخر يوافقه فإنّ الترجيح يكون للرأي المخالف.

ثانياً: تلمّس نقاط الضعف في تراث المذهب الآخر والتشهير بها، حتى لو كانت رأياً شاذاً أو موقفاً لفرد أو فئة من المذهب، فإنه يجري تعميمها ومحاكمة المذهب وكل أتباعه على أساسها.

ثالثاً: نبش حوادث التاريخ للتذكير بمعارك النـزاع والصراع السابقة، مما يغذي الأحقاد والضغائن ويورثها للأجيال.

رابعاً: تجريم النقد الذاتي وحرية التعبير عن الرأي داخل كل مذهب فيما يمسّ قضايا الخلاف المذهبي، واعتباره نوعاً من التنازل للطرف الآخر، والمساومة على العقيدة والمبدأ.

خامساً: تعميق النظرة الدونية على المستوى الديني لأتباع المذاهب الأُخرى، باعتبار أنّ أتباع المذهب هم وحدهم الفرقة الناجية، أمّا الفرق الأُخرى فكلها هالكة وفي النار.

وعلى خلفية هذا الطرح تصدر أحكام التكفير والتفسيق والتبديع والاتهام بالشرك والضلال لمذاهب وجماعات كبيرة من المسلمين.

إنّ هذه الثقافة التعبوية تمثل تحريضاً على الكراهية، وتأجيجاً لمشاعر العداء والبغض والجفاء، وتهيئ الأجواء القابلة للاشتعال بنار الفتنة.

ويجب على الواعين المخلصين داخل كل مذهب وضع حدًٍّ لهذه التعبئة المذهبية، وتوجيه أنظار أبناء الأُمّة لهموم الحاضر وتحدياته، وليتحرك الناس للبناء والتنمية الشاملة في أوطانهم، ولمواجهة الأخطار المحدقة بهم.

إنّ الحاجة ماسة لنشر ثقافة التسامح، وقبول التعددية، واحترام الرأي الآخر، وحسن الظن في الآخرين، فلا أحد يختار مذهباً أو معتقداً يعلم بخطئه وبطلانه،
لكنها البيئة العائلية والاجتماعية التي ينشأ كل واحد منا ضمن المذهب السائد في أجوائها.

القطيعة الاجتماعية

إنّ التباعد والقطيعة بين أتباع المذاهب، تقلل فرص التعارف المباشر، وتمنح الفرصة لانتشار الانطباعات الخاطئة والصور السلبية في أوساط كل طرف تجاه الآخر، اعتماداً على النقولات المتوارثة، والشائعات المتداولة، ويُدهشك حين تسمع كلام فئة عن أُخرى تعيش معها في منطقة واحدة من وطن واحد، وكأنّه حديث عن قوم يعيشون في كوكب آخر.

كما أنتجت القطيعة جفاف مشاعر الودّ المتبادل، فأصبحت كل طائفة كياناً اجتماعياً مستقلاً لا ارتباط له بكيان الطائفة الأُخرى.

فلكل طائفة مساجدها ومرجعياتها ومؤسساتها الاجتماعية والثقافية الخاصة بها دون وجود جسور من التعارف والتعاون والتنسيق.

أما التـزاوج بين أبناء الطوائف وخاصة بين السنة والشيعة فتحول دونه موانع دينية عند البعض، وعوائق اجتماعية عند البعض الآخر، إلا في حالات نادرة تتم بعد كفاح مرير.

وامتدت حالة القطيعة والانفصال الاجتماعي إلى ميدان الحركة السياسية، فلكل طائفة رموزها وتنظيماتها وبرامجها ومرشحوها في الانتخابات.

هذه القطيعة تشكل مخالفة صريحة لمبدأ قرآني عظيم هو مبدأ الأُخّوة الإيمانية، حيث يقول تعالى: >إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ< (سورة الحجرات:10)، وتشكل انحرافاً صارخاً عن نهج نبوي قويم أكد فيه رسول الله’ على روح المودة والتعاطف بين أبناء هذه الأمة، حيث يقول’:>مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد. إذا اشتكي منه عضو، تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى<([4]).

وتكرس هذه العقيدة حالة من الانفصال النفسي والعاطفي، وتخلق قابلية لنمو مشاعر العداء والكراهية، التي يمكن أن يفجرها أبسط حوادث الاختلاف بين فرد من هنا وآخر من هناك.

وحين يشاء العدو إثارة النـزاع بين هذه الكيانات الاجتماعية المنفصلة فليس بحاجة إلى جهد كبير.

إنّه لا بدّ من مبادرات جريئة، وثقافة واعية لتجاوز هذه الحواجز المصطنعة، ولتطبيع العلاقة بين أبناء مجتمعاتنا على اختلاف مذاهبهم، ضمن التواصل الاجتماعي، والتداخل الأُسري، والاندماج المؤسساتي، والتعاون في المجال الديني، والانفتاح على المستوى الثقافي وصولاً إلى المشاركة السياسية.

تلك هي أهم منافذ المحاولات الخارجية لإثارة الفتن الطائفية، فإذا كنا حريصين على وحدة الأُمّة، وجادّين في مواجهة مؤامرات الأعداء، فعلينا التوجه لسدّ هذه الثغرات، وإغلاق هذه المنافذ، عسى الله أن يوحد كلمة المسلمين، ويجمع شملهم على الهدى والصلاح إنّه على كلّ شيء قدير.

 

*    *     *

الهوامش



________________________________________

(*)كاتب وباحث، من أبرز الشخصيات الإسلامية في المملكة العربية السعودية، ومن الشخصيات الناشطة على صعيد التقريب بين المذاهب الإسلامية.

 



([1]) المتقي الهندي، كنز العمال:حديث رقم 24822، الطبعة الخامسة مؤسسة الرسالة ـ بيروت.

 

([2]) ابن الأثير، الكامل في التاريخ 2: 443, الطبعة الأُولى, مؤسسة التاريخ العربي ـ بيروت1985.

([3]) التقريب بين المذاهب الإسلامية: (بحوث الندوة التي عقدتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ ايسيسكو ـ بالرباط)2: 297، الطبعة الأُولى 2003م.

([4]) مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم 4 : 1999,حديث رقم 2586 ,طبعة دار الفكرـ بيروت.


الشيرازي .. مفكر السلم ورائد الإصلاح

13 سبتمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

التاريخ الإسلامي حافل بعلماء وفقهاء تباينوا في قدراتهم العلمية، ورؤيتهم الاجتماعية، وتفاعلهم مع الأحداث ومواكبتها بأسلوب يتواءم مع حركة التغيرات والأزمات، أثروا عالمنا الإسلامي برؤاهم ونظرياتهم التي شملت أغلب معالم الحياة، فأعطوها طابعا وبعدا عملي ترجم على أرض الواقع، ليتواصل الإسلام مع حركة الحياة  الإنسانية بروح عصرية متجددة.
ولو أننا أردنا أن نختار واحدا من أبرز أولئك المجددين في الفكر الإسلامي الحديث، والذين كان لهم حضور فاعل في كل زوايا الحياة، فسيقع اختيارنا على الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (ره)، الذي عمل على ترجمة أفكاره ونظرياته إلى مشروع  نهضوي شامل،من أجل النهوض بالأمة، وتحريرها من الانحطاط والتخلف، يستمد قوته من جذوره النابعة من عمق الثقافة والأصالة الإسلامية، ومن قدرته على مواكبة كافة التحديات والمتغييرات.
لعل من أبرز المسائل الهامة التي أولى الإمام الشيرازي الراحل اهتمامه بها: مسألة  التأليف والكتابة، للتعبير عن أفكاره ورؤاه في إنهاض الأمة وتصحيح مسارها، حتى أنه كتب ما يزيد عن الألف ومائتي كتاب في شتى المواضيع. وتقع موسوعته الفقهية الكبرى التي حوت أكثر من 150 مجلدا، وتجاوزت صفحاتها السبعين ألف صفحة من القطع الكبير في قمة مؤلفاته،بحث فيها كل أبواب الفقه، والمسائل المستجدة والحديثة.
 يذكر ابنه الفقيه الراحل السيد محمد رضا (ره) في كتابه خواطر عن السيد الوالد: " كان الفقيد يعتقد بأهمية التأليف ويرى أنه قاعدة مهمة من قواعد النهضة الحضارية. وكان ينتهز كل فرصة للتأليف. كما كان يحرض الآخرين على ذلك".
ويقول محمد حسين الصغير في كتاب انفجار الحقيقة: "السيد الشيرازي منذ شبابه الأول حتى شيخوخته الفتية، وفي ستين عاماً من عمره المبارك، كان حريصاً على التأليف، مؤثراً له على سواه من الأعمال".
وعند مطالعتنا لبعض كتب ومؤلفات الإمام الشيرازي الراحل، نجدها تتصف بالكثير من السمات التي قلّما تجدها عن الكثير من الكتاب المعاصرين، فكتاباته تتسم بالحضور الجماهيري، وبالروح الثورية والانفتاح والتطلع إلى المستقبل المشرق، وبالاستدلال بالآيات والسنة النبوية، بالبساطة والعمق الفكري، وبالتمسك بالأصالة وبالروح العصرية المتجددة،وبالدعوة إلى الوحدة والسلام، وإلى حكم إسلامي عالمي.
وقد طرح الإمام الشيرازي الراحل العديد من النظريات التجديدية والرؤى العصرية، في الفقه والاجتماع والسياسة والقانون والحقوق والاقتصاد والبيئة والتاريخ ومواضيع أخرى، كما تناولت أفكاره الإبداعية في لغة طرحها وانسجامها بين الدين والعصر مفردات هامة التي تستشرق آفاق الحاضر بالمستقبل، كما عمل على تأسيس المؤسسات الخيرية، والمشاريع الثقافية والاجتماعية، حتى تخرج على يديه العديد من المربين والعلماء والكتاب والمفكرين والخطباء، أصبح كل واحد منهم مشروعا قائما بذاته.
نظرية اللاعنف أو السلام.
 وتمثل نظرية اللاعنف أو السلام ، ركيزة أساسية في النظرية السياسية للإمام الشيرازي ، فكان يؤكد على : أن منطق الرسل والأنبياء، هو منطق السلم واللاعنف والاحتجاج العقلاني من أجل إنقاذ البشرية. ويرى أن: من أهم ما يجب على الدولة الإسلامية المرتقبة، والتيار الإسلامي التزام حالة اللاعنف .ويقول الإمام الشيرازي : فالحركة الإسلامية التي تريد النهوض عليها أن تتخذ السلام شعاراً عملياً حتى تتمكن من استقطاب الناس، وفي هذا الإطار كان يقرر الشعارات التالية : السلام أحمد عاقبة، السلام ضمانة بقاء المبدأ، السلام دائما، السلام فعلا وقولا وكتابة وفي كل موقع ومع كل الناس.
البناء والتقدم الاجتماعي.
للإمام الشيرازي رؤيته في البناء الاجتماعي، ترتكز على بناء  الفرد ضمن المؤسسة ( الأسرة- المجتمع)، والعمل على تطوير دور المرأة، ومشاكل العائلة الحديثة، وأسباب الطلاق، مع اقتراحات في كيفية المحافظة على نقاء المحيط العائلي، وإمكانية تأهيل الطفل للمستقبل، مشيراً إلى أهمية التقدم العلمي في خدمة العائلة. كما ناقش فكرة التجديد في المؤسسات الاجتماعية بأنواعها، وكذلك تجديد البنية الاجتماعية للاجتماع ويعيب على المجتمع الراكد بقوله: إنه في المجتمع الراكد يركد كل شيء، ويسير الزمان بتؤدة وبطئ وتخلو الحياة عن التجدد، ويكون كل فكر جديد وحركة جديدة موضع الأعراض والازدراء والاستهزاء، وإن لم ينفع الأعراض في ردع من أتى بتلك الفكرة، وتلك الصنعة، حكم المجتمع عليه بالسجن والقتل ونحوها، وبينما المجتمع المتحرك المتصاعد يجعل للتقدم جوائز، سواء من اكتشف فكراً جديداً أو صنعة جديدة، يقف المجتمع الساكن ضد أولئك بالتكفير والتشهير والعقوبات الجسدية وما إلى ذلك. و يرى أن المجتمع يجعل تدريجياً لنفسه قوانين يراها ملائمة لحياته النفسية والجسمية.
شورى المراجع وقيادة الأمة.
وتعتبر نظريته ( شورى المراجع ) هي إحدى النظريات العملية والسياسية للإمام الشيرازي، وتعني أن يقود الأمة الإسلامية عدة مراجع يتشاورون فيما بينهم ويديرون الدولة الإسلامية وشؤون المسلمين أجمع، ولقد تناول السيد هذه الفكرة في كتاب (الشورى في الإسلام) وكتب أخرى، راعى فيها حق العلم من جهة، وحق الأمة من جهة ثانية، كما راعى فيها أصالة الحرية إلى أبعد الحدود، ربط بينها وبين العدالة ربطا جدليا محمكا. فكان يرى أنها الصورة الإسلامية المثلى للحكم الإسلامي، لكن ليس عن طريق الفرض والقهر.  وقد أيده العديد من المرجعيات لمعرفة ذلك مراجعة كتاب (مطارحات مع قادة الفكر الإسلامي ).
الحرية بلغة العاشق لها.
والمتتبع لمؤلفات الإمام الشيرازي يجد اهتمامه بـ(مفهوم الحرية )،مقدما رؤيته الواضحة والمتأصلة لهذا المفهوم، وكان ينطلق في تصورها لمفهوم الحرية من أن الإنسان مفطور بطبعه وتكوينه وتأسيسه على الحرية، وليست هبة أو منحة من أحد. مؤكدا على إن الإسلام منح الإنسان الحرية ( الفكرية – الاجتماعية- السياسية- الاقتصادية). والحرية في فكر الإمام الشيرازي الراحل، تتمثل في  الأمور التالية:الحرية أصيلة في روح الإنسان، الإسلام يجمع بين أصالة التحرية وضرورة التحرر،الحرية هي التي تؤطر القوانين الاجتماعية، التحرر هو الطابع العملي للحرية في الحياة.
مفردة العدل في فكر الشيرازي.
وللإمام الشيرازي حديث عن موضوع ( العدالة) بمعناها السلوكي والاجتماعي، تتسم تارة بالطابع الوعظي العاطفي عبر شحن النفس  بجملة  من القصص  الواقعية،  على انتصار العدل على الظلم، وأخرى بطابع الفكر والتنظير؛ حيث يرى أن العدل من الأسس التي تقوم عليها الدولة الإسلامية، وأن العدل الاقتصادي يعني التقريب بين الطبقات وليس تسويتها،وفي هذا يرفض المجال يرفض الملكية في صورتيها المتناقضتين ( الإفراط والتفريط( من منظورها الماركسي والرأسمالي ، ويتجه الاقتصاد الإنساني إلى الاعتراف بالملكية المعتدلة.
التنظيم الحزبي وحرية التجمع.
يتحدث الإمام الشيرازي الراحل عن ( التنظيم الحزبي) ضمن فلسفة رؤيته السياسية الشاملة، وهذه الرؤية تقوم على الحرية والتقدم الاجتماعي، شورى المراجع، المشاركة السياسية،وهي عوامل تساعد على بناء العمل الحزبي. فالإمام الشيرازي يؤمن بحرية العمل الحزبي لأنه من أدوات التطور، لذلك يرى أن التنظيم يشكل أرضية صلبة لكل عمل هادف وضرورة حيوية، وهو بذلك يدعو إلى التوسل بالتنظيم لأداء الأدوار السياسية والاقتصادية والرسالية.وعن حرية التجمع يقول: " لا حق للدولة في منع التجمع، سواء كان تجمعا وقتيا في مجلس احتفال أو عزاء أو تبادل رأي، أو تجمعا استمراريا، مثل عقد الجمعيات والنقابات وما أشبه ذلك، لما تقدم من أصالة حرية الإنسان".  ويربط الإمام الحزب بالجماهيرية بمعنى ،وكما يقول: " أن تكون مؤسسات التنظيم وعناصره ملتحمة بالجماهير… ينظم طاقاتها ويقودها في معارك التحرر ضد الاستعمار والاستبداد". واضعا مقومين رئيسيين للحزب كي تكتسب الصفة الجماهيرية: القيادة واحترام الجماهير. كما يعتقد أن من الضرورة أن يكون التنظيم " استشاريا ولا استبداديا، فالاستشارية ما وضعت على شيء إلا سببت تقدمه وازدهاره".
 ختاما أقول للحقيقة: لا شك أن الإمام الشيرازي علم من أعلام هذه الأمة، ومفكر من مفكريها، ومرجع من مراجعها الكبار، ورائد من رواد الحركة الإصلاحية، فهو يمثل أنموذجا مشرقا فريدا في عصره والعصور التي سبقته،كان يتطلع لتوحيد الأمة الإسلامية تحت راية واحدة في ظل التعددية، واحترام القانون، والشورى، والحرية، وقد أصل لها في كتابه ( السبيل إلى إنهاض المسلمين) . وكانت دعوته إلى العدل، والالتزام بالشريعة، والعودة إلى الأصالة، واستيعاب متطلبات العصر، والتعاون في ظل التنافس، سمات جوهرية  متجذرة في عمق  مشروعه الحضاري.
رحل الإمام الشيرازي عن هذه الحياة، تاركا خلفه إرثا ضخما إنسانيا حضاريا نهضويا، حوى كل جانب من جوانب الحياة، ولم يترك إرثا لشخصه أو لفرد من أفراد عائلته. رحل هو مطمئن أن هذا المشروع الحيوي سيجد من  يتحمل مسؤوليته، وسيبقى له الاستمرار في العطاء والعمل.

مبدأ الحوار أساس النباهة الحضارية؟

13 سبتمبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة


كلما تفكر الإنسان في الحياة، يزداد يقينا أن الحوار و محاولة فهم الآخر و تقريب التصورات و المقاصد هو البلسم لكل أوجاعه الاجتماعية و السياسية و الثقافية الحضارية عامة،لكن يبقى هذا اليقين مغامرة مليئة بالمطبات و الحفر و المنعرجات و التضحيات و التهم، أما النجاح  للوصول إلى واقع إنساني سماته التعاون والتسامح و التعايش فإنه تعب مستتعب، أي صعب المنال دون دفع مستحقات الفواتير النفسية و الفكرية و الاجتماعية و حتى الجسدية أحيانا…
بصراحة: مبدأ الحوار هو ذلك السهل الممتنع في حياتنا، لأن معيار الاجتماع لدينا، ليس القيم الثقافية الجامعة، و لكنه المصلحة الذاتية أو بتعبير آخر الجهة و القبيلة و الحزب والخصوصيات على حساب الحق و العدل في الأعم الغالب، و ذلك نابع من عدم تفكيرنا في  مواصفات الفكر الثقافي الذي صنع تاريخ المجتمع العربي الحديث، أقصد ما نلاحظه من مفاهيم و مواقف و صراعات و تكتلات و تكتيكات و تعبئة للجماهير، أي ثقافة أنتجت هذا كله ومن منحها الشرعية التي سمحت لها بالتغلغل و التجذر في عمق الحياة الاجتماعية، حتى أصبح الحوار مضيعة للوقت بينما تسخين الأجواء الخلافية  و الصدامية بين أبناء الأمة الواحدة و الوطن الواحد و الدين الواحد و المذهب الواحد و المصير الواحد هو الفريضة الواجبة…؟؟
إن هذا التساؤل المركب يمنح وعيا حقيقيا بسر تخلف الواقع الإسلامي و انحطاط معالم النباهة الحضارية…  التناقض الحاصل في مجتمعاتنا المجهرية و الكبرى ما هو سوى محصل حاصل عدم التفكير في صناعة التاريخ و تفضيل العيش وفق الفلسفة القدرية المطعمة بالنرجسية  الثقافية لدى الفرد و القبيلة و الحزب و المذهب و كل الانتماءات و الهويات المتشعبة…
بكلمة: المشكلة الحقيقية لدى الإنسان العربي أنه قهر نفسه بنفسه يوم حرم إنسانيته من الإنفتاح على مبادئ الحياة الثابتة و أولها الحوار، فمن أصغر خلية في الواقع العربي إلى قمة الهرم، معادلة الحوار غائبة تماما، مما جعل أجيالنا لا تؤمن بالرأي و الرأي الآخر بل هناك الرأي الأوحد و الوحيد…هكذا  تم نسف الحوار من حياتنا يوم حلت الفلسفة الفرعونية "لا أريكم إلا ما أرى". أما اليوم في عالم متزايد الاتساع و التشعب أصبح الحوار مبدأ استراتيجي في إدارة الحياة لا غنى و لا بديل عنه، مهما اشتدت الأزمات، الحوار هو الملجأ و المنهج الرائد في إدارتها و التخطيط و التنظيم لحلها ثم استثمار النتائج  في بناء الاستقرار السياسي و الاجتماعي، بل أكثر من ذلك أصبحت إنسانية الإنسان و المجتمعات تقاس بمدى اتقان مبدأ الحوار في تفاصيل الحياة  سواءا على مستوى الأسرة أو العمل أو بالمرافق العامة أو فيما بين الطوائف و التعدديات و كذا الدول…
ببساطة: الحوار كمبدأ لا يمكنه التغلغل في عمق الإجتماع العربي و الإسلامي المعاصر، إلا إذا أصبح واقعا حيا يجسده ساسة أمور الرعية من آباء و سياسيين و مثقفين و اعلاميين و علماء دين و حكومات و نواب و ما هنالك ممن لهم الأثر و التأثير في حاضر و مستقبل الإنسان العربي و المسلم…وبالتالي يبقى إلتزام مبدأ الحوار هو عنوان النباهة الحضارية…و الله من وراء القصد.

_________________________________________
(*)كاتب و باحث إسلامي      


أعمال شريعـتي من الثورة إلى الإصلاح

9 سبتمبر 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
759 زيارة

أعمال شريعـتي من الثورة إلى الإصلاح


1 ـ ليس سهلاً ـ في مقالة توصيفية تحليلية ـ تناول نتاج مفكّر كبير مثل الدكتور علي شريعتي؛ لأنّ ما قدّمه شريعتي من أعمال علمية وثقافية لم يكن سهلاً ولا ذا تأثير بسيط، فهذا المصلح الديني البارز في إيران هيمنت أفكاره على الساحة الإيرانية بشكل قلّ نظيره، ويؤكّد لنا هيمنة أفكار شريعتي على المثقف والكاتب الإيراني وعلى الحياة الثقافية الإيرانية:

أ ـ الإحصاءات التي تصرّ على أنّ ما كُتب حول شريعتي في إيران يساوي مجموع ما كتب حول الأفغاني ومحمد إقبال ومهدي بازركان وطالقاني ومطهري، وأنّ هناك مائة وخمسين دراسة عنه حتى عام 1997م حسب إحصاء الباحث المتتبّع محمد اسفندياري، وهذا معناه أن المثقف الإيراني كان مشغولاً في جزء كبير من اهتماماته الثقافية والكتابية في التأمل بعلي شريعتي وأفكاره ونظرياته، ليس المثقف المعاصر له فحسب، بل الجيل الذي أتى بعده، لأنّ ما كتب حول شريعتي في المكتبة والصحافة الإيرانية بعد انتصار الثورة عام 1979م كان هو الأساس في هذه الإحصاءات.

ب ـ الإحصاءات والمعلومات الكاشفة عن حجم تداول كتابات الرجل في الساحة الإيرانية، فمن المعروف إيرانياً أن العقد الستيني من القرن العشرين كان عقد المهندس مهدي بازركان، فيما العقد السبعيني كان عقد الدكتور علي شريعتي، أما عقد الثمانينات فكان عقد الأستاذ مرتضى مطهري، فيما عقد التسعينات كان للدكتور عبدالكريم سروش.

لقد هيمنت كتب وكراسات شريعتي على الحياة الإيرانية في السبعينات سيما ما بين عام 1978 ـ 1980م، وقد طبعت أكثر من مائة كراسة وكتاب في هذه الفترة ودفعةً واحدة من ناشرين مختلفين في وقت واحد، حتى صار معدّل نُسخ كل كتاب من كتبه يتراوح بين العشرة آلاف والمائة ألف نسخة، فيما كان معدّل عدد نسخ الكتب العادية آنذاك لا يتجاوز الألفين إلى ثلاثة آلاف نسخة، حتى بلغت بعض الإحصاءات أن أكّدت أن مجموع ما طبع لشريعتي في السبعينات لمجموع كتبه وطبعاتها وصل إلى خمس عشرة مليون نسخة وهذا ما يؤكّده شريعتي نفسه ـ من حيث المبدأ ـ إذ يقول: إن كتابه حول الولاية وصل إلى مليون نسخة، ويؤكّد هو نفسه أن عدد الطلاب الجامعيين الذين سجلوا اسمهم في درسه بلغ خمسين ألف طالب، بل تفيد بعض التقارير التي نشرت عن وثائق السافاك الإيراني أن حسينية الإرشاد في السبعينات كانت تطبع كل ثلاثة أيام كتاباً لشريعتي كان طُبِعَ من قَبْل.

وإذا حسبنا ـ كما يقول الأستاذ بهاء الدين خرّمشاهي، الذي كان رئيساً آنذاك للمكتبة الوطنية ـ حسبنا كتب شريعتي مع الكتب الأُخرى سنجد أن معدّل طباعة كتب شريعتي أكثر بمائتي ضعف من غيرها، ولا ننسى ما قاله المهندس مير حسين الموسوي إحدى الشخصيات البارزة في الحزب الجمهوري الإسلامي الذي كان يقوده الدكتور بهشتي، إذ يقول: إنهم وعبر ملئ استمارات لأكثر من ثلاثة مليون شخص من الحزب تبيّن أن 90% من أعضائه كانت الكتب التي يطالعونها ترجع إلى شريعتي. وصغر حجم كتب شريعتي ـ التي أخذت تجمع فيما بعد على شكل كتب جامعة ـ ساعد أكثر فأكثر على نشر كتبه وانتشارها.

ولا يفوتنا أيضاً أن عدد سكان إيران آنذاك كان حوالي الخمسة وثلاثين مليوناً فقط، فيما لم يكن عدد طلاب الجامعات ليتجاوز المائة وخمسين ألفاً حسب الإحصاءات. وقصّة الصورة التي نشرت في إيران عام 1979م لا تدع مجالاً للشك في خيالية المشهد، فهذه الصورة تبيّن وجود صفّ طويل من الناس يقفون أمام محل لبيع الكتب بشكل مزدحم؛ ليشتروا من مكتبة (كتابفروشي آذر) المقابلة لجامعة طهران.. ليشتروا كتب شريعتي، إنها تشبه صفوف الفقراء على المخابز وأمثالها، وهو أمر لم تشهد إيران له مثيلاً.

وإذا أضفنا الكتب التي حملت اسم مؤلف مستعار وعرفت أنها لشريعتي، سوف تتضح الصورة أكثر، فقد كان لشريعتي الكثير من الأسماء المستعارة قبل انتصار الثورة تبلغ حوالي 24 اسماً، ومنها: علي علوي، علي خراساني، علي شريفي، علي سبزواري، ع، شمع، مصباح..

نعم، بعد انتصار الثورة وإلى مجيء الرئيس الإيراني السابق السيد محمد خاتمي حصل إعراض واسع ـ لأسباب متشابكة ـ عن كتب شريعتي، فالمسألة السياسية وتوظيف بعض المعارضين السياسيين لأفكار شريعتي في معارضة النظام الجديد للحدّ من سلطة المؤسسة الدينية كانت من جملة العناصر التي أحدثت ردّ فعل من طرف السلطة وحدّت من الاهتمام بكتب شريعتي؛ فصارت طبعاتها نادرة، حتى أنّك تجد في الأسواق الطبعات القديمة غير المصحّحة وفق قواعد التصحيح الحديثة، لكنّ مجيء خاتمي أعاد إحياء شريعتي وطباعة كتبه، وكتابة دراسات عنه، وعقد ندوات عديدة، وقد قام منظرو الحركة الإصلاحية بإعادة استحضار أفكاره وتحليلها، لاسيما من جهة مسألة الإصلاح الديني والسياسي، ومسألة العلاقة مع المؤسّسة الدينية. كما ظهرت في العالم العربي حركة ترجمة لنتاج شريعتي، طبع قسم مهم منها في بيروت.

2 ـ وإذا أردنا تحليل أعمال شريعتي، فلابدّ أن نعرف أنّ أحد الأسباب الرئيسية لهيمنتها على العقل الإيراني يعود إلى نزعة ثقافة الأيديولوجيا التي كان يحملها؛ لهذا تحوّل إلى قائد أيديولوجي يملك كاريزما نادرة، إضافةً إلى حركة النقد الداخلي التي مارسها شريعتي ضدّ الحياة الدينية الإيرانية، من كتابه التشيع العلوي والتشيع الصفوي، إلى كتابه مذهب ضدّ المذهب، إلى كتابه معرفة الإسلام، إلى كتابه «أبي وأمي نحن متهمون» و… إن وجود ثورة عارمة ضدّ الواقع والمفاهيم في بلد صاخب كإيران يجعل حركة النقد قائمةً على قدم وساق، وسيكون هذا النقد مقبولاً طالما لا يصبّ في صالح السلطة (الشاه) والدفاع عنها وسط حياة غاضبة منها ومن أعمالها، وهذا بالضبط ما كان لشريعتي؛ حيث جمعت كتاباته بين اتجاهين نقديين في حياة القرن العشرين هما:

أ ـ الاتجاه النقدي الثائر ضدّ الطبقية والاستبداد، وهو اتجاه غذّته في العالم الإسلامي آنذاك الحركة الشيوعية واليسارية عموماً، لهذا وجدنا عند شريعتي مقولات تشبه اشتراكية أبي ذر الغفاري، وحضوراً لافتاً للاقتصاد في نتاجاته تمثل في رفض المنطق البورجوازي بتمظهراته في المجتمع.. فتحدّث عن زهد علي.. وفي سياق رفضه الشامل للطبقية، بلغ الحال بشريعتي أن طرح مقولة «إسلام بلا رجال دين أو بلا مؤسسة دينية» وهي المقولة التي أثارت غضباً عاماً ضدَّه في الأوساط الدينية في إيران، أي في مجتمع كانت تركيبته الاجتماعية قائمة على هرمية يقف المرجع الديني على رأسها.

وأظن بأن أطروحة شريعتي الداعية إلى «بروتستانتية إسلامية» والتي أفرزت الدعوة إلى إلغاء طبقة علماء الدين، كانت وراء الانتقادات الأخرى التي سجلت ضدّه، مثل قضية الصلاة خلف أبي بكر قبيل وفاة رسول الله؛ لأنّ هذا التحليل لهذه القضية بالذات، والذي مارسه شريعتي من منطلق علم اجتماعي، وهو اهتمامه المعرفي الرئيس في كتاباته، لم يكن ليشكل بالضبط خوفاً على الحياة الشيعية المذهبية، فحركة نقد المقولات المذهبية في إيران آنذاك لم تكن لتشكل خطراً جدياً، وإن كانت موجودة مع أبي الفضل البرقعي وعبدالوهاب فريد وغيرهما، سيما عندما نأخذ بعين الاعتبار اهتمام الشيخ مطهري بهذه القضية بالخصوص في سياق نقده لشريعتي، وهو الذي كانت لديه انتقاداته المذهبية أيضاً.

إن الذي يعرف الحياة الثقافية والاجتماعية في إيران ويحلّل الخطاب الديني الإيراني لا ينتابه شك في أن المؤسسة الدينية ذات حضور بارز تحكي عن نفسها دوماً وترى أنها في موقع المؤامرة عليها، وأن الإسلام مربوط بها، وذلك بشكل أكبر مما هو موجود في العالم العربي، ولهذا من الطبيعي هنا أن يكون لهذه المقولة تأثير الصدمة في المجتمع الإيراني.

وفي سياق كسر الهيمنة الطبقية لرجال الدين ـ كما يراه شريعتي ـ وجدنا ظهور شريحة من رجال الدين في إيران، غير معهودة كثيراً في العالم العربي الشيعي، حيث لا ترتدي هذه الشريحة لباس رجل الدين، بل هناك ـ تحت تأثيرات وتداعيات مسألة الطبقية هذه ـ من خلع عمامته وجبّته دون أن يبالي بتداعيات هذا الأمر حتى صار أمراً سائداً إلى حدّ ما، وليس آخر من فعل ذلك ـ وهي إشارة معبّرة ـ الشيخ محمد مجتهد شبستري أحد أبرز رجال الدين الإصلاحيين في إيران الذي خلع مؤخراً عمامته وزيّه الديني كلياً، بعد عقود طويلة.

وهذا هو ما يفسّر ـ امتداداً لمسيرة شريعتي ـ نقد الدكتور عبدالكريم سروش لمقولة «وحدة الحوزة والجامعة» على أساس أنه ما دام رجل الدين هو صاحب السلطة ويقف في طبقة عليا فلن يمكن تحقيق وحدة أو تناغم بين الحوزة والجامعة، وهذا كلّه يرجع إلى المقول الطبقي الذي كان من أولويات عمل شريعتي، إلى غيرها من امتدادات هذه الجهود التي بذلها شريعتي، ليس آخرها نقد هاشم آغاجري لمسألة التقليد.

ب ـ الاتجاه النقدي الثائر ضدّ المقولات الدينية التي يعتقد أنها لعبت دوراً في تخلّف المسلمين، وهذه المادة النقدية التي قدّمها شريعتي في التشيع العلوي والتشيع الصفوي وغيره، شكّلت أحد المنطلقات التي صدرت على أساسها الفتاوى ضدّ كتبه التي اعتبرت كتب ضلال، حتى من بعض المرجعيات الكبيرة آنذاك، فطبيعة التشيّع السائد في إيران كانت ـ من وجهة نظر شريعتي ـ تاريخية، أي إنها من إفرازات ما يسمّيه شريعتي في بعض كتبه (الاستحمار) الذي تمارسه السلطة، إنه استخدام منطق الدين للتجهيل والاستغباء وتفريغ الوعي وتسطيحه.

3 ـ ورغم الحركة النقدية التي عرفتها كتب شريعتي، إلا أن أيديولوجيته وحماسته وثوريته كانت تساعده على تقديم شخصية ذات مصداقية على مستوى الرأي العام؛ لهذا نجد كتب شريعتي جماعاً من التفكير النقدي القائم على أسس سيسيولوجية من جهة، والمشروع النهضوي القائم على ثقافة الأيديولوجيا من جهة ثانية، والحركة الإصلاحية التي تمثلت في دعوته لبروتستانتية إسلامية، أي إعادة تمثل التجربة المسيحية واللوثرية.. من جهة ثالثة.

4 ـ لكنّ خطّ شريعتي تحوّل في التسعينات تحوّلاً جذرياً، فالتفكير النقدي لتياره لم يعد قائماً على أسس علم الاجتماع، بل على أساسيات علم المعرفة والإيبستمولوجيا مع الدكتور سروش و.. كما أن المشروع النهضوي تخلّى عن الإيديولوجيا بل ونقدها كما فعل سروش نفسه، ليستبدلها بحيادية العلم ـ ولو على مستوى الادّعاء ـ وصارت الثقافة الصوفية الإيمانية مشروعاً بديلاً لأدلجة الحياة، كما رأينا مع شبستري وملكيان وغيرهما، وهكذا ظهرت موجات نقد لبروتستانتية شريعتي، وتحدّث بعض كبار الباحثين مثل «نيكفر» عن استحالة الإصلاح الديني في الوسط الإسلامي، وأن نقل التجربة اللوثرية إلى عالمنا ـ كما أراد شريعتي ـ ضربٌ من الخيال.

هذه تحوّلات جذرية جادة في مدرسة شريعتي، لا ندري هل ستنمو أم ستعرض عليها ما عرض من مشاكل على تجربة شريعتي نفسه؟

5 ـ وأخيراً، ومهما تحدّثنا عن شريعتي المفكر العملاق فلا ينبغي أن نكون مقلّدةً له، كما يفعل كثيرٌ من مثقفينا، بل إنّ من حقوقه علينا أن ننتقده ونتخطّاه ونستفيد من تجربته تراثاً لنتقدّم نحو الأمام إن شاء الله، سيما وأنّ أكثر كتبه إنّما هو نتاج محاضرات وخطب، الأمر الذي يفسح المجال للعثور على ثغرات.

من هنا، نتحفّظ على الأسلوب الدعائي التهويلي الذي يستخدمه بعض الباحثين بهدف إحياء شريعتي، مؤجلاً نقده، أو مفترضاً أننا بحاجة إليه اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، فهذه الطريقة تناقض منهج شريعتي نفسه ومنهج أمثاله من الذين يرفضون ـ حدّ الإمكان ـ تعميم مقولة المقدّس.

اليوم، نحن بحاجة إلى إعادة قراءة شريعتي؛ لكن ليس لتوظيفه سياسياً ضدّ أحد، بل لاستخلاص العبر من تجربته في نقاط قوّتها وضعفها، وهذا ما يستدعي توازناً في مطالعة الرجل، لا ينحو منحى التبجيل ولا يتّجه ناحية التفسيق والتضليل، علّنا بذلك ـ سما مع تطوّر الدرس الديني اليوم ـ نستفيد من التراث بدل أن نستنسخه بحرفيّته.



 




[1]نشر هذا البحث في العدد العاشر من مجلة نصوص معاصرة، ربيع عام 2007م.


صدر الدين الشيرازي – رائد المدارس الإمامية في الاجتهاد والإبداع الفلسفي

9 سبتمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

التمهيد

يعتبر الاجتهاد من أبرز مزايا المدارس الإمامية إلى جانب حضور العلوم الفلسفية، لأنه يعتني الاستقلال في بحث الموضوعات المتداولة، وهو ظاهرة مميزة لاقت الأهمية، وحظيت بالاعتبار والامتياز. إلاّ أن هذه الظّاهرة في فترات من التاريخ ضاقت لتنحصر في مجال الفقه، ودائرة الأحكام الفقهية، فالذي يبلغ مرحلة الاجتهاد لا يقلد أحداً، ما بلغت أراؤه الشخصية إلى نتيجة ما بعد الفحص والتأمل الدقيق في الأدلة والمصادر، وكان لا يقبل بأي نتيجة لا تقع على الآراء المقبولة لديه، ولو كانت صادرةً عن كبيرٍ أو تبناها عظيم ، وإلاّ لكان الاجتهاد وتحول إلى تقليد.

وهذا المنهج الاجتهادي يشكل أهمية بليغة، ويمكن القول: إنه ظاهرة على ما هي عليه في المدارس الشيعية الإمامية، تمثل مفخرة وامتيازاً لا نظير لها على مستوى المدارس الأخرى. وكان صدر المتألهين الشيرازي رائد من رواد الاجتهاد والإبلاغ لدى هذه المدارس في حقل علوم الحكمة والفلسفة في القرن الحادي والعشرين.

المدارس الفلسفية بين الاجتهاد والتقليد
قبل تناول هذا الموضوع لا بد من طرح بعض التساؤلات:

هل أن المنهج الاجتهادي المتداول في مجال الفلسفة عامة كما هو في مجال الفقه أم لا؟

وهل الفيلسوف يبدي نظره الاجتهادي كما يبدي المجتهد في المدارس الإمامية رؤيته الفقهية بوصفها نتاجاً حاسماً ونهائياً من وجهة نظره، لاعتماده على أسس علمية ونظريات تحتية، أم أنّ الحال في الفلسفة يختلف؟

والجواب عن هذه التساؤلات كما يتراء من خلال قراءة الفلسفة يبدو في الغالب أن ما قاله الماضون من عظماء الفلاسفة، يشكل الموقف النهائي، وآخرالكلام وفصل الخطاب، وهذا ما جعل الفلاسفة والمتفلسفين عبر مئات السّنين يصرّون على قضايا جمدوا عليها، من نوع: أصالة الماهية، وعدم اتحاد العاقل والمعقول، وعدم الحركة الجوهرية، والمعاد الروحاني وغيرها من المسائل، وبروز شخصيات ذات حضور فكري مثل ابن سينا ظلت بفكرها مهيمنةً حاضرة على الدوام لفترة طويلة من الزمن، ما جعل كل الاستدلالات من بعده الحاصلة بالفلسفة، والجهود البحثية الفاعلة، تتجه دائماً لمصلحة نظريته، وناحيتها([1]) كما فعل الخواجة الطوسي في شرحه لفلسفة ابن سينا داخلياً([2])، وشرح عشرات من الفلاسفه لكتاب تجريد العقائد للخواجة الطوسي([3])، مما أفقد الفلسفة القراءة الإبداعية من الخارج.

وبقي هذا الأمر مهيمناً على الفلسفة خاصة المشائية منها لفترة طويلة من التاريخ، هيمن على العقل منهج السّكون والتقليد، فيما الفلسفة بطبيعتها يفترض أن تكون خاصة في حركة لا السّكون، محكومة بالاجتهاد والإبداع لا التقليد والاتّباع، نازعة نحو النقد ـ لا النقل والانتقال([4]) ـ وإعطاء الجهد لكشف الحقيقة لأن الاجتهاد يعني بذل الطاقة والجهد للوصول إلى الأمر المراد.

والمصدر المجرد للكلمة إنما هو: جَهْدُ، وهو الذي يدل على السعي حتى التعب فيقال: جَدَّ وتعب، وابن منظور يقول: الاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع والمجهود([5])، وباب الافتعال تخضع لقانون زيادة المعنى الذي يؤدي إلى زيادة المعنى، فتضيف دلالة أكبر على المعنى.

ومعنى ذلك أن كلمة الاجتهاد تعني بذل الجهد الأكبر والسعي الحثيث، يزيد من ما نفهمه من المصدر المجرّد للكلمة (جهد) الذي يدل على السعي حتى التعب والاجتهاد.

وأمّا المعنى الاصطلاحي الفقهي للكلمة هو ان الاجتهاد: يعني السعي قدر الإمكان للوصول إلى رأي مستقل في موضوع ما، مقابل اتباع الآخرين وتقليدهم.

والاجتهاد له أهمية عظيمة وقيمة بليغة في المدارس الشيعية، حيث يتجلى فيها بروح الفهم والاجتهاد في البحث والتحقيق.

وهذه الظاهرة على ما هي عليه حتى اليوم في المدارس الإمامية، تمثل مفخرة وامتيازاً قل نظيرها في المدارس الدينية الأخرى قديماً وحديثاً.

وإن ما قدمناه من معنى يمكن أن يسمى بالاجتهاد، إذا مُرِسَ بالصورة الدقيقة للمعنى، لأن المجتهد هو الذي ينال في بحثه للقضايا رأياً استدلالياً مستقلاً، ولا يقلد غيره أو يتبعه، والتقليد غير لائق ولا محمود، لأن من يريد أن يتناول أي موضوع ، لا بد أن يتبع منهج الاجتهاد في استنباط ما يريد من حكم طبقاً للمصادر المعتبره كما في الفقه([6]).

ولكن الحديث عن الفلسفة وعلم المعقول المنتشر آنذاك لا يعرف عن هذا اللون من الاجتهاد والإبداع بكل أبعاده ومضامينه ومحتوياته ونزعاته، بوصفه بناءً تُبنى عليه الأبحاث.

البحث الفلسفي بين ظاهرة الاستدلال والاجتهاد

الاجتهاد غير الاستدلال، لأنه أعم، ولأن الإنسان قد يستدل على مسألة أو موضوع وبعدد من الأدلة والشواهد، إلاّ أنه لا يكون مجتهداً بها، بل يكون استدلاله تعبيراً عن فهمه لأدلة الآخرين التابعة لهذا الموضوع، وتقليدهم بها، وإعادة تصوير كلامهم.

لأن الإنسان يعرف الأدلة التي تشاد على نظرية ما، مثل أصالة الماهية، أو أصالة الوجود أو غيرهما، ولكنه في هذه الحالة يعرف الأدلة الداخلية بالأطر البنائية لصاحب النظرية نفسه، فيقوم بشرحها وتقريرها، وإن بدا فيها عارفاً، إلاّ أنه ليس سوى مقلداً لصاحب تلك النظرية، كما فعل الخواجة الطوسي في شرحه لإشارات ابن سينا، وإن كان فيها دقيقاً وفي الوقت عينه واضحاً.

ولكن الاجتهاد أعم من معرفة النظريات وأدلتها، إنما هو معرفة للوصول إلى تكوين نظرية خاصة، أو الوصول إلى ابداع دليل مستقل استقلالاً تاماً في الرأي والنظر بعد نقد أدلة الآخرين وبراهينهم، والوصول إلى دليل جامع مانع عن النقد يبدع نظرية جديدة.

 صدر المتألهين ومنهجه الاجتهادي في الفلسفة

كما تقدم بقيت الفلسفة لقرون من الزمن تقليدية منقادة إلى زعيم الفلسفة المشائية، أو الإشراقية وغيرهما، إلى أن جاء صدر المتألهين الشيرازي وثار على النهج التقليدي([7])، وحاربه ودعا إلى الاجتهاد في المسائل الفلسفية مستفيداً من منهج الفقهاء، وقد أثمرت جهوده أن أعاد الفلسفة إلى أوج مجدها، وحلّ كل الإشكالات التي كانت قائمة، فنرى مثلاً مسألة (الأصالة والاعتبار) القائمة على الحقيقة بين الوجود والماهية، والتي كان صدر المتألهين من أنصار الماهية، فتخلى عنها بعد سنوات من الاعتقاد والدفاع عنها.

ولكن عندما وجدها ناقصة طبقاً للأصول المنطقية والفلسفية التي تبناها ووصل إليها، أخذته الجرأة للتخلى عنها، وتبني نظرية أصالة الوجود([8])، كما طرحها في الأسفار، وكذلك مسألة المعاد الروحاني والحركة الجوهرية، والوجود الذهني وغيرها من المسائل، والمتصفح لكتاب الأسفار الأربعة يرى عمق البحث العلمي الجديد الذي انتهجه صدر المتألهين وجمع فيه ما بين المنهج القرآني والبرهاني والعرفاني، منهجاً لم يكن مألوفاً([9])، أقامه على أسس علمية سبق فيها أصول البحث العلمي الحديث. فبث فيه روح التجدد و الاجتهاد مستفيداً من المنهج الفقهي؛ لأنه نال درجة الاجتهاد من أساتذته البهائي والميرداماد والفندرسكي.

الاجتهاد بين التقليد والحقيقة

لكي نعي معالم مسألة الاجتهاد، وتبلور صورته لدى العقول، لا بد من توضيح جوانب موضوعه وبيان حقيقة الاجتهاد ونوعه.

يقع الاجتهاد على نوعين:
1 ـ الاجتهاد التقليدي     2ـ الاجتهاد التحقيقي.

أمّا الاجتهاد التقليدي : وهو أن يعي الباحث نظرية فيلسوفٍ ما ويبين أدلته حول مسائله، ثم يبحث داخل نظريته بما يحقق لها النفع والظهور، فينشغل بالاستدلال لها، زعْماً أن الفلسفة نشأتها الاستدلال، إلاّ أنه يستدل ولكنه لا يحاول أن ينظر بعين النقد ، ولا يلتفت إلى ما يطالها من التفنيد والإشكال، سواء على مبنى صاحبها أم على أصول ومباني غيره من الفلاسفة.

والباحث في هذا الاتجاه لا يضع في حسابه واهتمامه أولوية النقد لهذه النظرية أو غيرها، كما أنه لا يلتفت إلى الانتقادات التي يثيرها الآخرون حولها، بل يضع في حسبانه الاجتهاد في الاستدلال التابع لهذه النظرية أو تلك. هذا النوع من الاستدلال يطلق عليه الاستدلال التابع أو الاجتهاد التقليدي.

أمّا الاجتهاد التحقيقي: فهو البحث المستقل الذي يعتمد فيه الباحث على الاستدلال الحرّ، الذي يطل من خلاله على أي نظرية فلسفية كانت، من داخل مناخها أو خارجه، فيقرأها وفقاً لمنهج البحث العلمي المستقل، ويقرر سلفاً بأن أيّ نظرية غير عصيّة على النقد والمساءلة، ويقرّ أن الشهود الكشفية العرفانية التي لا تملك من نفسها حُجةً عامة، بل خاصة في صاحبها، لا بد من فصلها عن الأصول العقلية الصّرفة، كما ولا بد أن يقر بالتمييز بين البرهان النظري وبين تلك الأولية الأساسية الكشفية .

وأن هذا النمط من الاجتهاد لا يمكن تحقيقه إلاّ عبر التأمل العميق في صورة البرهان ومادته، فإذا رآه تاماً أخذ به وقبله، وإلاّ رفضه وطرحه، ويعمل على استدلال هذه النظرية بأُخرى عندما يتوصل بالدليل إليها، فيطرحها ويدافع عنها، وهذا هو الاجتهاد الحقيقي الذي نرى له نموذجاً عملياً في مجدد الفلسفة الملا صدرا.

صدر المتألهين ومنهج الاجتهاد الحقيقي

المتبحر في دراسة الأسفار الأربعة لدى صدر المتألهين يرى تجلي المنحى الاجتهادي في بحثه لمسائل الفلسفة، فترى عندما يريد أن يبحث مسألة من مسائل الفلسفة:

أولاً: يطرح المسألة.
ثانياً: يبين المبنى القائمة عليه.
ثالثاً: يستعرض الأقوال الواردة فيها وطريقة الاستدلال.

رابعاً: يناقش طريقة الاستدلال وبيان نقاط الخلل الواردة والإشكالات المترتبة والجواب عليها.

خامساً: يطرح نظريته حول المسألة.

وهذا ما فعله على امتداد صفحات أسفاره التي تتضمن لكل مسائل الفلسفة بالمعنى الأعم والأخص، ونقدم نموذجاً على ذلك ما ورد في معالجته لنظرية المعاد الروحاني لابن سينا، واجتهاده التحقيقي في نقدها وإثبات أصالة المعاد الروحاني والجسماني معاً، فنراه:

أ ـيطرح المسألة: أولاً، حيث قال: الباب العاشر في تحقيق المعاد الروحاني والإشارة إلى السعادة العقلية والشقاوة التي بإزائها، وإلى السعادة والشقاوة الغير الحقيقيين وما قيل في بيانهما ([10]) .

ثم ذكر الغاية من طرح هذه المسألة، فقال: والغرض من إيراد هذا الكلام هنا أن يعلم أن الوجود الجسماني يصحبه الموت، والغفلة والهجران والفوت، سواء كان هذا الوجود من طرف المدرك المشتاق أو في طرف المشتاق إليه لما فيه من قلة الحضور والوجدان([11]).

 ب ـ شرع في بيان مبنى ابن سينا في معالجته لمسألة المعاد الروحاني انطلاقاً من القول بالسعادة والشقاء، وأخذ يبين كيفية حصول السعادة بالآخرة، واحتجابها عن النفس في الدنيا ما دامت في هذا العالم([12]).

 كما وبين كيفية حصول الشقاوة بإزاء السعادة الحقيقية وتقسيمه الأشقياء إلى فريقين:

الفريق الأول: حقَّ عليهم الضلالة وحقَّ عليهم القول في الأزل لأنهم أهل الظلمة وأهل الدنيا والحجاب الكلي، المختوم على قلوبهم ،كما قال تعالى: } لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ{ (هود: 119، السجدة: 13).

والفريق الآخر: المنافقون الذين كانوا مستعدين في الأصل، قابلين لنور المعرفة بحسب الفطرة والنشأة الأولى، ولكن ضلوا عن الطّريق واحتُجبت قلوبهم بالرّين المستفاد من اكتساب الرذائل بارتكاب المعاصي ومباشرة الأعمال البهيمية والسّبعية، ومزاولة المكائد الشيطانية حتى رسخت الهيئات الفاسقة والملكات المظلمة، وارتكمت على أفئدتهم وانتقشت نفوسهم برسوم السفسطة وصورٍ جهليّة، وخيالات باطلة وأوهام كاذبة، فبقوا شاكّين حيارى تائهين منكوسين. انتكست وجوههم إلى أقْفِيَتِهِمْ، وحبطت أعمالهم وبقيت نفوسهم في غصّة وعذاب أليم([13]).

وقد وقع الخلاف في تحديد السعادة والشقاء، إنهما حسّيتان أم عقليتان. إلاّ أن صدر المتألهين بين أن ابن سينا قد اختار أنهما حسّيّتان، قال: «إنّ الشيخ الرئيس مال إلى هذا الرأي في بعض رسائله الموسومة بالمجالس السبعة، وقد أشرنا إلى أن النشأة الآخرة لو كانت منحصرة في النشأة العقلية لكان القول ببطلان هذه السّاذجة لازماً اضطرارياً؛ لأنّ وجود الشيء في كل نشأة إنما يكون بصورته لا بِهُيُولاته، لكن قد علمْتَ أنّ بعد هذه النشأة التَعلقُية المتجددة الكائنة الفاسدة عالمان صوريّان مستقلان باقيان غير دائرين أحدهما دار المعقولات والثاني دار المحسوسات الصرفة التي لا مادة لها ولا حافظ إياها إلاّ النفس، لأن وجودها وجود إدراكي وهو نفس محسوسيتها، والمحسوس بما هو محسوس، ووجوده بعينه وجوده للجوهر الحاس وهو النفس، فالنفس هي الحافظة والمبقية للصور الحسّية هناك من غير مادة كما أنّ العقل هو الحافظ المبقي بإذن الله للنفس من غير حامل أو بدن، فلا حاجة للأشياء الموجودة في هذا العالم إلاّ بأسبابها الفاعلة وجهاتها دون الأسباب القابلة والقوى والاستعدادات، فإذا هذه النفس باقية بعد البدن ولم يترسخ فيها هيئات بدنية ورذائل نفسانية حتى تكون متأذيه بها معذبة بسببها، لمنافاتها ومضادتها لجوهر النّفس من حيث فطرتها الأصليّة([14]).

ثم بين صدر المتألهين «هذا ما بلغ إليه نظر الشّيخ وأترابه في إثبات السّعادة والشّقاء الأخرويتين المحسوستين، وفي كيفية جنة السّعداء وجحيم الأشقياء في المعاد»([15]).

ج ـإستعرض الأقوال الواردة في المعاد، قال: «في تفاوت مراتب النّاس في درك أمر المعاد وتفاصيل مقاماتهم في ذلك»([16]).

د ـشرع في نقد رأي ابن سينا حول السّعادة والشّقاء فيما يتعلّق بأمر المعاد أنه روحانيّ، قال: والعجب من الشّيخ أبي علي أيضاً أنه ذكر في هذا الكلام المنقول أن السّعداء الحقيقيين يتلذذون باتصال ذواتهم بعضهم ببعض اتصالاً عقلياً كاتصال معقولٍ بمعقول مع أنه لم يحصّل معنى الاتصال العقلي والإتّحاد الذاتي بين العاقل والمعقول، ولم يقدر على إثباته، بل أنكره في أكثر كتبه، وشنّع على القائلين به، لأنه قال بالاتصال الحسّي وبيّن شاهد قولـه في إلهيّات الشّفاء (رسالة الأضحوة): إن الصور الخياليّة ليست تضعف عن الحسّيّة، ثم بيّن قصر هذا الرّأي، قال: «غاية ما وصلت إليه أفكار صاحب الشّفاء وهي قاصرة عن درجة التّحقيق غير بالغة حدّ الإجداء، بل باطلة في نفسها كما سبق، وستعلم مخّ القول ولب الكلام عند البحث عن إثبات المعاد»([17]).

هـ ـ وبعد ان أشكل على ابن سينا في نقده لقوله بالمعاد الروحاني لقصور عقله على الاستدلال عليه وتسليمه لمبدأ الشرع. شرع صدر المتألهين بطرح نظريته حول المعاد وقدرته على اثبات المعاد الروحاني والجسماني معاً وذلك من خلال:

أولاً: بيان شرف علم المعاد وعلو مكانته وسمو معرفته في بعث الأرواح ولأجساد وعظم شأنها: « اعلم أنّ هذه المسألة بما فيها من أحوال القبر والبعث والنشر والحساب والكتاب والميزان والجنة والنار، هي ركن عظيم في الإيمان وأصل كبير في الحكمة والعرفان، وهي من اغمض العلوم وألطفها وأشرفها مرتبة، وأرفعها منزلة، وأسناها قدراً، وأعلاها شأناً، وأدقّها سبيلاً، وأخفاها دليلا، إلاّ على ذي بصيرة ثاقبة وقلب منور بنور الله»([18]).

ثانياً: ذكر الأصول التي يحتاج إليها الباحث لأثبات هذا المقصد([19])، وبعد ذلك قدّم ثمرة قوله الذي توصل اليه، فقال: إنّ من تأمّل وتدبر في هذه الأصول والقوانين العشرة التي أحكمنا بنيانها، وشيدنا أركانها ببراهين ساطعة، وحجج قاطعة لامعة مذكورة في كتبنا وصحفنا سيما هذا الكتاب (الأسفار) تأملاً كافياً وتدبراً وافياً بشرط سلامة فطرته عن آفة الغواية والاعوجاج ومرض الحسد والعناد، وعادة العصبية والافتخار والاستكبار لم يبق لـه شك وريب في مسألة المعاد وحشر النفوس والأجساد، ويعلم يقيناً ويحكم بأنّ هذا البدن بعينه سيحشر يوم القيامة بصورة الأجساد، وينكشف لـه أنّ المُعاد في المَعاد مجموع النفس والبدن بعينهما وشخصهما، وأنّ المبعوث في القيامة هذا البدن بعينه لا بدن آخر مباين له عنصرياً كان، كما ذهب إليه جمع من الإسلاميين، أو مثالياً كما ذهب اليه الإشراقيون ؛ فهذا هو الاعتقاد الصحيح المطابق للشريعة والملّة، الموافق للبرهان والحكمة، فمن صدّق وآمن بهذا فقد آمن بيوم الجزاء، وأصبح مؤمناً حقاً([20]).

*    *     *

 
الهوامش

_______________________________

(*) كاتب وباحثفي الحوزة العلمية، من لبنان.



([1]) راجع: مركز البحوث المعاصرة، المدرسة التفكيكية وجدل المعرفة الدينية، مجموعة مقالات لمجموعة من الأساتذة والعلماء، إعداد وتقديم حيدر حب الله، ط1، بيروت، دار الهادي للطباعة والنشر،2007م: 78.

 

([2]) راجع: ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، شرح الخواجة الطوسي، تحقيق د.سليمان دنيا، بيروت، مؤسسة النعمان للطباعة والنشر والتوزيع.

([3]) راجع: اللاهيجي، عبد الرزاق، شوارق الإلهام في شرح تجريد الاعتقاد، تحقيق الشيخ اكبر أسد علي زاده، تقديم وإشراف العلامة المحقق جعفر سبحاني، ط1، ايران، مؤسسة الإمام الصادق(ع)، 1425هـ1: 11ـ20.

([4]) المدرسة التفكيكية وجدل المعرفة الدينية: 78.

([5]) ابن منظور، لسان العرب، مادة (جهد).

([6]) راجع: الغروي، محمد عبد الحسن، مصادر الاستنباط بين الأصوليين والأخباريين، بيروت، دار الهادي، 1992م: 27.

([7]) اليوزبكي، جمال محمد صالح، غضبة الفلاسفة الغضبة المتعالية، ايران، مؤسسة حكمة صدرا الإسلامية، 1999م: 319.

([8]) الشيرازي، محمد إبراهيم، الأسفار الأربعة، بيروت، دار التراث العربي، 1: 39.

([9]) الحيدري، كمال، مدخل إلى مناهج المعرفة عند الإسلاميين، ط1، ايران، دار فراقد، 1426م هـ : 276.

([10]) الأسفار الأربعة، مصدر سابق، 9: 120.

([11]) المصدر السابق 9: 124.

([12]) المصدر السابق: 125.

([13]) المصدر السابق: 132.

([14]) المصدر السابق: 147.

([15]) المصدر السابق نفسه.

([16]) المصدر السابق: 171ـ 178.

([17]) المصدر السابق: 150.

([18]) المصدر السابق: 151.

([19]) المصدر السابق: 179.

([20]) المصدر السابق: 185ـ 192.

(21) المصدر نفسه: 197 ـ 198.