borneowebhosting video bokep indonesia bokepindonesia informasiku videopornoindonesia

النص والمعرفة قراءة تطبيقية في دور القرآن الكريم في تطوّر علم الفلك

9 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تمهيد:

أدّى القرآنُ الكريمُ دوراً أساسياً ومهماً في تغيير الحياة العربية، وما جاورها من بلدان، وما استطاع أن يصل إليه من بقاع. فهو الذي أخرج البلاد والعباد من ظلمات الجهل والعادات والتقاليد السيئة، وهو الذي أشاع القيم النبيلة والمعرفة الصادقة، والمنهج العلمي الصحيح في فهم الكون ومحتوياته المتنوعة.

وبذلك بنى حضارة إنسانية عالمية لم تنافسها أية حضارة في العالم قديماً وحديثاً، حضارة جمعت بين الدين والأخلاق العالية والقيم الكريمة والمعرفة النافعة، ولا سيما المعرفة العلمية، من رياضيات وحيوان ونبات وفيزياء وكيمياء وفلك… مما ميَّزها عن الحَضارات الأُخر بميّزة العلم، والمنهج العلمي الممزوج بالقيم والإنسانية، وهو أحد أهم العوامل في ازدهار هذه الحضارة وتفوقها على الحضارات الأُخر منذ انبثاق الرسالة وحتى اليوم.

وكان علم الفلك في هذه الحضارة، هو النقطة الأسطع بين العلوم الكثيرة المتنوعة التي اهتمت بها الحضارة الإسلامية، فكان وسيلة أساسية مُهمة في تأكيد الإيمان الحي بالخالق المبدع لهذا الكون، وكان المشتغلون بهذا العلم يدركون هذا المعنى تماماً، وقد تضمَّنت كتاباتهم الفلكية الكثير من الآيات الفلكية تأكيداً لدور العلم في الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وفي مقدمة من ذكر الآيات الفلكية في مؤلفاتهم العالم الفلكي الشهير أبو عبدالله البتّاني المتوفى سنة (317هـ)، (كما سيأتي، وابن يونس الصدفي المتوفى سنة (399هـ) في زيجه الكبير.

وبذلك جمع علم الفلك بين المادة العلمية الدنيوية، والوصول إلى فهم صحيح للكون وما وراء الكون من قوة مبدعة (خالق الكون)، وهذا ما دعا إلى بذل الجهد والتعب لدراسة هذا العلم دراسة مثبتة محكمة، والدخول في تفاصيل علمية لم يدخلها السابقون.

إنّ القرآن الكريم، والدين الإسلامي الذي استند إليه (إلى القرآن)، دفعا إلى لمّ شتات ما توافر من معارف ومعلومات فلكية بسيطة كانت عند العرب، وما توافر عند الجوار الجغرافي ليبني المسلمون علمهم الفلكي الإسلامي، الذي أخذ مكانةً لم يأخذها أيّ علم في العصور الوسطى.

الفلك قبل القرآن

لم يكن قبل الإسلام مادة علمية فلكية منظمة، وإنما هناك معلومات وملاحظات وتجارب أملتها الحاجة والضرورة الحياتية، معارف ومعلومات وتجارب ارتبطت ارتباطاً مباشراً ووثيقاً بالاحتياجات اليومية والشهرية والسنوية، وليس علماً منظماً يستند إلى أدلة وبراهين كما عند اليونانيين، والمسلمين بعد سيادة الحضارة الإسلامية. وقد أكد هذا صاعد الأندلسي بقولـه: bوكان للعرب مع هذا معرفة بأوقات مطالع النجوم ومغاربها وعلم بأنواع الكواكب وأمطارها، على حسب ما أدركوه بفرط العناية وطول التجربة لاحتياجهم إلى معرفة ذلك في أسباب المعيشة، لا على طريق تعلم الحقائق، ولا على سبيل التدرب في العلومv([1]).

وكانت تلك المعلومات والتجارب غزيرة ومتعددة الجوانب، فبعضها كان ذاتياً نابعاً من الاحتياجات المعاشية والبعض الآخر وفد إليهم عن طريق التجارة أو عن طريق الأجانب المقيمين مع العرب في الجزيرة العربية أو بطرق أُخر([2]).

وكانت معرفة العرب في العصر الجاهلي للأجرام السماوية، والظواهر الكونية المختلفة من نجوم وكواكب وأجرام أُخر شائعة معروفة على نطاق الجزيرة العربية، فقد عرفوا اسماءها ومواقعها وحركاتها معرفة عَمَلية، عاشوها وعاينوها، لا معرفة الدارس المتعمق في تفاصيلها العلمية، حتى لقد وجدنا رجلاً حضرياً يستغرب من غزارة ما يمتلكه أحد الأعراب من معرفة عن النجوم، قال الجاحظ: bوصف أعرابي لبعض أهل الحاضرة نجوم الأنواء، ونجوم الاهتداء، ونجوم ساعات الليل والسعود والنحوس، فقال قائل لشيخٍ عباديٍّ كان حاضراً: أما ترى هذا الأعرابي يعرف من النجوم ما لا نعرف! قال: ويل أُمّك! من لا يعرف أجذاع بيته؟v([3]).

إنّ هذا النص يدلّ على أنَّ معرفة أهل البادية للنجوم أشبه بالمعرفة الفطرية، يعرفونها كما يعرفون أركان بيوتهم؛ لكنها كما قال صاعد الأندلسي معرفة فطرية لا على سبيل التدرب في العلوم.

إنّ معرفة عرب البادية للنجوم والكواكب والظواهر الكونية جاءت بسبب احتياجاتهم إلى علامات يسترشدون بها في طُرقهم الطويلة ـ الصحراوية الخالية ـ من العلامات والمعالم، لذلك اتخذوا النجوم وحركاتها ومواقعها أدلةً ممتازة يسترشدون بها على مناطق البادية الشاسعة. فالسماء مليئة بالنجوم تختلف في أماكنها وصورها وألوانها ولمعانها وأشكالها وأحجابها، وبالتالي فأيّة علامات أفضل من هذه العلامات الثابتة الواضحة؟ وقد ورد في القرآن الكريم تأكيد لهذا المعنى وهو قولـه تعالى: > وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ<([4])، وقوله أيضاً: >وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ<([5]).

وذكر الجاحظ هذا المعنى بقولـه: bعرفوا الآثار في الأرض والرَّمل، وعرفوا الأنواء ونجوم الاهتداء؛ لأن كل من كان بالصحاصح الأماليس ـ حيث لا أمارة ولا هادي، مع حاجته إلى بعد الشقة ـ مضطر إلى التماس ما ينجيه ويؤديه. ولحاجته إلى الغيث، وفراره من الجدب، وضنِّه بالحياة، اضطرته الحاجة إلى تعرف شأن الغيث، ولأنه في كل حال يرى السماء وما يجري فيها من كوكب، ويرى التعاقب بينها، والنجوم والثوابت فيها، وما يسير منها مجتمعاً وما يسير منها فارداً، وما يكون منها راجعاً ومستقيماًv([6]).

وفي الشعر الجاهلي جاء ذكر بعض أسماء النجوم، مثل الفرقدين والدَبَران والعيّوق والثريا والسماكين والشعريين وغيرها.

وإضافة إلى هذه النجوم الواضحة عرفوا نجوماً خافتةً صعبة الرؤية ففي أمثالهم جاء: bأُريها السُها وتريني القمرv. والسُّها (نجم) يلتصق بنجم (العناق) وهو الكوكب الأوسط في مجموعة بنات نعش، والناس يمتحنون به أبصارهم فمن ضعف بصره لم يره([7]).

ولم تقتصر معرفة عرب العصر الجاهلي على النجوم ومواقعها، وإنما عرفوا إلى جانبها الكواكب السيّارة الخمسة المعروفة قديماً وهي: عُطارد، والزُهرة، والمرّيخ، والمشتري، وزحل، وميّزوها عن النجوم الثابتة وأدركوا أنها متحيرة لم تثبت في مسيرتها على صورة واحدة، كما في حالة النجوم.

وقد وردت الإشارة إلى هذه الخمسة في القرآن الكريم، قال عزّ وجلّ: >فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ<([8]) فالخنس على ما يقول الرازي السيارات الخمسة، والآية تشير إلى رجوع الكواكب السيّارة الخمسة واستقامتها ورجوعها هو الخنوس، وكنوسها اختفاؤها تحت الضوء([9]).

إنَّ ذكر هذه السيارات الخمسة في القرآن يعني أنها كانت معروفة في العصر الجاهلي. ويعتقد المستشرق نالينو أنهم (الجاهليون) سموها بأسماء مخصوصة قديمة الأصل، مجهولة الاشتقاق لم يزل استعمالها إلى الآن([10]). وقد وردت في أشعار الجاهليين ولا سيّما عُطارد والزهرة، أمّا زحل والمشتري والمريخ، فلا يشك نالينو في قدمها؛ لأنها مذكورة عند المؤلفين المسلمين قبل أن تنتقل إليهم العلوم الدخيلة([11]).

وأولى العرب في العصر الجاهلي القمر اهتماماً خاصاً وأدركوا بعض تفاصيله، كخسوفه ومنازله وأوجهه وأطواره، وكان من آلهة العرب الجنوبيّين، وكان يُعرف عندهم باسم (هلل)، والقمر من التسميات العربية الشمالية، وتابعوا منازله وعرفوا أنه يسير ضمن نطاق خاص قسّموه إلى 28 قسماً يحلّ كل ليلة في قسم واحد وأسموه (منـزلاً)، وقد ذكر القرآن منازل القمر بقولـه: >وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ<([12]).

وعرفوا الشمس، وأدركوا أهميتها وبعض خصائصها، وأدركوا أنها كتلة نارية، يقول ابن قتيبة: bالشمس يقال لها: ذُكاء، سمّيت بذلك لأنها تذكوا كما تذكو النارv([13]).

وعرفوا مواد فلكية أُخرى لكنها ـ كما قلنا ـ معرفة فطرية لم تصل إلى مرحلة العلم.

الدعوة القرآنية للعلم

ونزل القرآن، ونزلت معه الرحمة والعلم والحضارة، وإذا الدنيا جديدة، والعالم جديد أيضاً، لقد ولّى الظلام، وسطع نور الإسلام، ومعه نور الحياة الكريمة، ونور العلم والحضارة في كل مكان وصل إليه، فلم يمضِ زمن طويل على نجاح الدعوة الإسلامية في جزيرة العرب في عهد النبي الكريم 2 وتوطيد دعائمها، حتى انتشر الإسلام خارج الجزيرة في فترة زمنية قياسية مدهشة، وامتدت الفتوح العربية بسرعة كبيرة إلى جميع أقطار الشرق الأدنى والأقاليم الشرقية، وازدادت اتساعاً في عهد الدولة الأُموية (41 ـ 132هجرية) وشملت رقاعاً شاسعة دخلت ضمنها شمالي إفريقية والأندلس (إسبانية) وبلاد فارس وأقاليم ما وراء النهر.

ومع انتشار الإسلام انتشر العلم والثقافة والكرامة، فرضع من معين الكتاب الإلهي عددٌ كبير من الرجال من مختلف الدول والأقاليم ليبنوا أعظم حضارة في التاريخ.

وكان العلم من أهم سمات الحضارة الإسلامية، حيث اهتم القرآن الكريم اهتماماً كبيراً بالعلم والعلماء، ولم ينافسه أيّ دين آخر في هذا المجال، فإذا ما قارنّاه بالديانة المسيحية فسنجد الفرق بعيداً، يقول ج. برنال الباحث في تاريخ العلوم: bلم يضع الدين الإسلامي قيوداً على الفكر البشري مثلما وضعت المسيحية، فعندما ظهر الإسلام… سعى قادة المسلمين عقب القرن الأول لفتوحاتهم سعياً جاداً في الحصول على المعارف اليونانية القديمة وعلى غيرها من الثقافات بقدر ما كان القرآن يسمح بهv([14]).

فالقرآن يؤكد العقل والتفكير الصحيح، ويحارب تقليد الآباء وأساطير الأولين، يقول عزّ وجلّ: >وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ<([15]).

ويؤكد الحواس والعقل معاً في آية كريمة أُخرى فيقول تعالى: >وَالله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ<([16]). وعدم استخدام هذه الأدوات يعني تحمل الإنسان مسؤولية كبيرة يقول عزّ وجلّ: >وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً<([17]).

ثم يأتي الحثُّ على النظر في الكون ومكوناته، سمائه ونجومه وشمسه وقمره وأرضه ونباته وزرعه وأشيائه الأُخر، وهذا هو عين المنهج الذي ظهر في العصر الحديث، وأدى إلى ظهور الحضارة العلمية الراهنة.

وفي القرآن الكريم آيات قرآنية كثيرة تؤكد العلم والعلماء وتصفهم بأفضل الأوصاف وأقدسها، وإلى جانب ذلك هناك الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة تؤكد هذا المعنى.

فلأهمية العلم أقسم الباري عزّ وجلّ بالقلم، فهو أداة مهمة من أدوات العلم، قال عزّ وجلّ: >ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ<([18]).

ولأهمية العلم أيضاً أكد القرآن الكريم في أول سورة على القراءة والتعلم قال عزّ وجلّ: >اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ<([19]).

ولقيمة العلم الكبرى قرن الباري عزّ وجلّ أهل العلم به، وبملائكته، بقوله تعالى: >شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ<([20]).

وهناك آيات أُخر كثيرة تؤكد العلم والعلماء كقولـه تعالى: >إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء<([21]).

وآية أُخرى: >وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا<([22]).

وآية أُخرى: >هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ<([23]).

وفي أُخرى: >يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ<([24]).

وآيات أُخر غير المذكورة لا مجال لذكرها.

وإضافة إلى هذه الآيات وأمثالها التي تحث على العلم، هناك أحاديث نبوية كثيرة في هذا المجال، نذكر منها:

ـ من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سَهّل الله له طريقاً إلى الجنة.

ـ اطلبوا العلم ولو في الصين، فان طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.

ـ العلماء ورثة الأنبياء.

ـ إنّ الحكمة تزيد الشريف شرفاً وترفع المملوك حتى يدرك مدارك الملوك.

وأحاديث غيرها يمكن مراجعتها في أبواب العلم في كتب الحديث.

وفي نهج البلاغة أكَّد الإمام علي B العلم من خلال مخاطبته كميل بين زياد النخعي بقوله:

bالناس ثلاثة: فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم وَلم يلجأوا إلى ركن وثيق. يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، وصنيع المال يزول بزواله.

يا كميل بن زياد! معرفة العلم دين يدان به، به يكسب الإنسان الطاعة في حياته، وجميل الأُحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه. يا كميل! هلك خُزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر: أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودةv([25]).

وعلى هذا فالإسلام بكل إمكاناته وطاقاته دفع الإنسان إلى العلم دفعاً، بقرآنه الكريم ورسوله العظيم وأوليائه الكرام، من أجل بناء حضارة متينة تعتمد أساساً متيناً هو العلم والمعرفة العلمية إلى جانب المقومات الأُخر.

القرآن الكريم يؤكد الفلك

أكّد القرآن الكريم العلم بكل أنواعه وأشكاله (باستثناء العلم الضار) الذي كان الرسول الأكرم 2 يتعوذ منه بقوله: bأعوذ بالله من علم لا ينفعv.

والذي يذكره القرآن الكريم من العلوم المختلفة لم يذكره لذاته ونفسه، وإنما ليصب ضمن الهدف الإلهي الكبير الذي نزل القرآن من أجله، وهو هداية الناس وإنقاذهم من ظلمات الجهل والتردي إلى نور العلم ومناهجه، والحياة الكريمة، وهو هدف ذكره القرآن صراحة بقوله تعالى:

>كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ<([26]).

وقد وردت آيات علمية كثيرة تناولت مختلف ميادين المعرفة، من أُمور طبيّة ونباتية وحياتية وجيولوجية وفلكية وغيرها، على شكل حقائق أو إشارات أو شواهد… وليست على سبيل التفصيل الذي يخرج القرآن من هدفه الأساسي المذكور آنفاً وهو (الهداية)، والآية الكريمة التالية جمعت عدداً من المواد العلمية، قال تعالى: >أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالانْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء<([27]).

ففي هذه الآية وردت إشارات طبيعية وطبيّة وجيولوجية ونباتية وحيوانية وغيرها؛ ليعرف الناس من خلالها عظمة الله تعالى وإبداعه الهائل، وبالطبع فالعلماء أكثر الناس تأثراً وإدراكاً لمخلوقات الله، وبالتالي أكثر خشية من كل عباده، وللآيات الكونية الفلكية حصة كبيرة من آيات القرآن العلمية، ولا شك أنّ الكون وأجرامه وظواهره من أقوى الأدلة على الإيمان بالله وطاقاته غير المحدودة، فحضورها الدائم وانبهار العيون والعقول بتصميمها واكتشاف المزيد من أسرارها، جعلها في قمة الآثار على المبدع العظيم.

وفي القرآن الكريم جاء التأكيد على السماء والكون أشدّ وأقوى من التأكيد على الإنسان، وورد في أكثر من آية شريفة، ففي المقارنة بين خلق الإنسان وخلق السماء قال عزّ وجلّ: >أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا<([28]).

وهناك تأكيد آخر في آية أُخرى، قال عزّ من قائل: >لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ<([29]).

وفي القرآن عدد كبير من الآيات الكونية الفلكية تتوزع كالآتي:

وردت كلمة الأرض 461 مرة، ووردت كلمة السماء والسماوات 310 مرات، وكلمة الشمس 33 مرة، وكلمة القمر 27 مرة، وكلمتا النجم والنجوم 13 مرة.

وهناك إضافة إلى هذه الإحصائية البسيطة للكلمات الفلكية الواردة في القرآن الكريم، فقد وردت أسماء فلكية أو ظواهر سماوية وكونية لبعض سور القرآن الكريم نذكر منها: سورة المعارج، وسورة الشمس، والقمر، والنجم، والتكوير، والانشقاق، والانفطار، والبروج وغيرها.

ولنذكر الآن الآيات الأكثر أهمية في مجال السماء والفلك، والآيات التي تؤكد النظر إلى السماء والتفكر فيها وفي محتوياتها من شمس وقمر وكواكب ونجوم وظواهر فلكية مختلفة، من هذه الآيات يمكن أن نذكر:

ـ >إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ<([30]).

ـ >هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ الله ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ<([31]).

ـ >وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ<([32]).

ـ >أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ  وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ  وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ<([33]).

ـ >أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ<([34]).

ـ >أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ<([35]).

ـ >أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا<([36]).

هذه آيات قليلة من كثيرة تحدثت عن السماء وأجرامها وظواهرها، وقد تأثر العلماء والفلكيون ـ كما تأثر الناس الآخرون ـ بالآيات الفلكية والكونية الأُخر، فراحوا يتتبعونها ويفسرونها ويفصّلون في الحديث عنها. وكانت أحد العوامل التي دفعت بهم نحو المزيد من البحث في الفلك والسماء، وقد اعتبر بعضهم أنّ الفلك كله هو تفسير للآيات الكونية القرآنية. ففي تفسير الفخر الرازي ورد bأنّ عمر بن الحسام كان يقرأ كتاب المجسطي على عمر الأبهري (والمجسطي في ذلك الوقت هو الفلك كله)، فقال بعض الفقهاء يوماً: ما الذي تقرؤونه؟ فقال: أُفسّر آية من القرآن، وهي قوله تعالى: >أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا…< فأنا أُفسّر كيفية بنيانها. ولقد صدق الأبهري فيما قال، فإنّ كل من كان أكثر توغّلاً في بحار مخلوقات الله تعالى كان أكثر علماً بجلال الله تعالى وعظمتهv([37]).

إنّ ما أورده الفخر الرازي يعني أنّ علم الفلك هو ثمرة من ثمرات تفسير بعض الآيات الكونية القرآنية.

إنّ التأكيد القرآني على السماء والأرض والفلك عموماً كان من أكبر العوامل على تشجيع المشتغلين بالفلك لمتابعة دروسهم وبحوثهم وأعمالهم الفلكية والرصدية.

وفي هذا النصّ الذي ورد في مقدمة الزيج الصابي لأبي عبدالله البتّاني المتوفى سنة (317هـ) نرى المؤلف قد تأثر بالآيات الكونية القرآنية، مما جعله يقول: إنّ علم الفلك من أشرف العلوم.

يقول أبو عبدالله البتّاني: bإنّ من أشرف العلوم منـزلة، وأسناها مرتبة، وأحسنها حلية، وأعلقها بالقلوب، وألمعها بالنفوس، وأشدّها تحريراً للفكر والنظر، وتذكية للفهم، ورياضة للعقل بعد العلم بما لا يسمع الإنسان جملة من شرائع الدين وسنته، علم صناعة النجوم لما في ذلك من جسيم الحظ، وعظيم الانتفاع بمعرفة مدة السنين، والشهور، والمواقيت، وفصول الأزمان، وزيادة النهار والليل ونقائصها، ومواضع النيّرين وكسوفهما، ومسير الكواكب في استقامتها ورجوعها وتبدل أشكالها، مراتب أفلاكها وسائر مناسباتها إلى ما يدرك بذلك من أنعم النظر وأدام الفكر فيه من إثبات التوحيد، ومعرفة كنه عظمة الخالق وسعة حكمته، وجليل قدرته، ولطيف صنعه، قال عزّ من قائل: >إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأوْلِي الألْبَابِ<، وقال تبارك وتعالى: >تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا<، وقال عزّ وجل: >وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً<، وقال سبحانه: >هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ<، وقال جلّ ذكره: >الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ< مع اقتصاص كثير من كتاب الله عزّ وجلّ يطول وصفه ويتسع القول بذكره واستشهادهv([38]).

من هذا النصّ نجد أنّ تأكيد القرآن الفلك والسماء خير دافع لهذا العالم الكبير للمزيد من البحث في هذا الحقل الكوني، وقد عدّ الباحثون في تاريخ العلوم أنّ الآيات الكونية القرآنية من أكبر العوامل في تطور العلم في العالم الإسلامي.

وإضافة إلى التأكيد القرآني على السماء وأجرامها وظواهرها، وردت في القرآن مفردات دينية ارتبطت بشكل مباشر بالشمس أو القمر أو ظواهر كونية أُخر. وبدون التحرّي والتدقيق اللازمين في سلوك هذين الجرمين النيرين، وبعض الظواهر السماوية، لا يمكن أداء الأحكام الشرعية المتعلقة بها أداءً شرعياً صحيحاً، وبالتالي يتعرض المسلم إلى الوقوع في الحرام، لذلك كان الالتزام الديني الإسلامي يحتّم على المسلم متابعة السماء ومعرفة دقائق عدد من الأمور الفلكية.

إنّ ارتباط تلك الأحكام الشرعية بمجموعة معقدة من المسائل الفلكية، وخاصة تلك التي تتعلق بعلم الفلك الرياضي، مثل تحديد الوقت أو مشاكل التقويم، جعل المسلمين يبحثون عن حلول أكثر تطوراً، فاضطروا إلى تجاوز الطرق والأساليب التي كانت عند اليونانيين، فاستخدموا (علم المثلثات)، العلم الذي فصلوه لأول مرّة عن علم الفلك، ونظّموه، وأضافوا إليه إضافات طبعته بطابع عربي إسلامي خالص.

 
الإنكار القرآني للخرافة وشعوذات النجوم

القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كتاب صادق يؤكد العلم ويدعو إليه، وفي الوقت نفسه يحارب الخرافة والشعوذاب ويعاقب عليهما، بسبب أضرارها الكبيرة على العلم والمجتمع.

وإذا عرفنا أنّ علم الفلك هو مادة علمية تدرس الظواهر الكونية دراسة علمية منظمة، ويقوم على أُسس وقوانين دقيقة، ولـه إنجازات كبيرة معروفة لم تخف على أحد، فإنّ التنجيم غير ذلك أبداً، فهو المقابل لعلم الفلك، وهو مادة غير علمية، مادة خرافية تقوم على أسس واهية، ولا تقوم على علاقات صحيحة كما في العلوم الأُخر.

والتنجيم على إجماله هو التطلع إلى معرفة الغيب من خلال النظر في النجوم، ويفترض أنّ جميع ما يطرأ على العالم من التغيّر والتبدل يتصل اتصالاً مباشراً بطبائع النجوم وحركاتها.

عرّفه حاج خليفة في كشف الظنون بقوله: bهو الاستدلال بالتشكلات الفلكية من أوضاعها وأوضاع الكواكب من المقابلة والمقارنة والتثليث والتسديس والتربيع على الحوادث الواقعة في عالم الكون، والفساد في أحوال الجو والمعادن والنبات والحيوان، وموضوعه الكواكب بقسميها، ومباديه اختلاف الحركات والأنظار والقران، وغايته العلم بما سيكون بما أجرى الحق من العادة بذلك، مع إمكان تخلّفه عندنا كمنافع المفرداتv([39]).

وعلماء الفلك ينكرون التنجيم، ويعدّونه نوعاً من الخرافات والأوهام؛ لعدم استناده إلى أُسس علمية صحيحة. ومن دراسة التنجيم وتتبع نتائجه أكد الباحثون أنَّ: bالتنجيم هو لون من التفكير الخرافي يربط بين النجوم ومواقعها في السماء وطالع الناسv([40]).

لم يتحدث القرآن عن التنجيم صراحة، وإنما ورد في سياق إنكار الخرافات والأساطير والأوهام، وكل العلاقات والأفكار غير العلمية البعيدة عن الواقع الموضوعي.

فمن خلال تأكيد القرآن العبودية الصحيحة العقلانية، تأكيده عبودية الله تعالى وحده لا شريك له، وإنكاره أشدّ الإنكار أيَّ شكل من اشكال العبودية لغيره تعالى، مَهّد السبيل إلى تفتح العقول وتهيئة الأذهان إلى انتهاج الطرق السلمية لمعرفة أشياء هذا الكون.

ولا شك أنّ عبودية غير الله عزّ وجلّ تعني ضمن ما تعني الإيمان بالخرافات والأوهام والخزعبلات التي ما أنزل الله بها من سلطان. وهكذا عبدالناس قبل الإسلام الأصنام والأوثان والنجوم والشمس والقمر، وقد وردت آيات صريحة في إنكار عبادة هذه المخلوقات والتفكير بكونها حاكمة أو مؤثرة في الطبيعة وحياة الإنسان، وإنما الله وحده هو المؤثّر والمدبّر لهذا الكون، قال تعالى: >لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ<([41])، وقال تعالى أيضاً: >وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى<([42]).

لقد نبّه القرآن الكريم الإنسان إلى ما عقله من أوهام وخيالات منحرفة (أحياناً) تقف عائقاً في سبيل تقدمه وتطوّره مُبيِّناً أنَّ هذه الأُمور أكبر عقبة في سبيل انطلاقه إلى آفاق العلم والمعرفة والتقدم نحو الأحسن.

فكان القرآن حرباً شعواء على التقليد الأعمى، وثورة على كل من يقف ضد الدليل والحجة، وحرباً أيضاً على الذين يتمسكون بالرأي لا لأنهم عقلوه، ولكن لأنّ آباءهم قبلوه وآمنوا به، قال عزّ وجلّ: >وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ<([43])، وقال أيضاً: >وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ<([44]).

لقد طلب القرآن من أُولئك نبذ التعصب وموكداً في الوقت نفسه العقل والتعقل. وقد وردت كلمة العقل ومشتقاتها وما في معناها في عدد كبير من الآيات، منها قولـه تعالى: >كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ<([45])، وقال تعالى أيضاً: >إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأوْلِي الألْبَابِ<([46]) وقال أيضاً: >كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لأوْلِي النُّهَى<([47])، وما في معنى هذه الآيات كثير كثير.

وفي الوقت نفسه دعا القرآن الناس إلى النظر في كل شيء عن طريق النظر الحسي، ابتداءً من مواقع اقدامنا إلى آفاق السماء والأنفس، وأعطى للحواشي مسؤوليتها الخطيرة من كل خطوة يخطوها الإنسان المؤمن.

فالقرآن الكريم في مجال البحث والنظر والتأمّل والمعرفة والتجربة يقول: >وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً<([48])، أي الإنسان.

كما حارب أُولئك الدجالين والمشعوذين والسحرة الذين يقدمون للناس معلومات غيبية لم ينـزل الله بها من سلطان، وحيث إنّ عمل المنجم الإخبار بأشياء مستقبلية من خلال تشكل ظاهرة فلكية معينة، كاقتراب بعض الكواكب من بعض، أو حدوث خسوف وكسوف، والادّعاء بمعرفة أُمور لم يعرفها أحد، كوقوع أمر عظيم أو حادث جلل أو موت سلطان أو رجل شهير وما شاكل ذلك، ولمّا كان كذلك استحق أن يدخل ضمن دائرة الدجالين والمشعوذين وأصحاب الخرافات.

إنّ الأُمور المستقبلية الغيبية لا يعرفها سوى الباري عزّ وجلّ أو ذلك الذي اختصه الله بعلم منه. والمشتغل بالتنجيم إنسان عاديّ لا يمكن أن يعرف شيئاً غير الأُصول العلمية التي تعلّمها واكتسبها من غيره عن طريق المراس والتجربة، ولا يمكن ـ بأيّ حال من الأحوال ـ أن يعرف ما يخبّؤه المستقبل لأحد، أو لشيء، فالنجوم والكواكب والشمس والقمر والأجرام الأُخر مخلوقات من مخلوقات الله الكثيرة مهما كانت أشكالها، وتنوعت أحوالها ومواقعها، وتشكلت خرائطها في السماء، ولا يمكن أن يكون تشكلها العفوي العادي دالاً على أمر ما عظيم أو غير عظيم سيحدث في المستقبل.

الحقيقة أنّ العلم بالأُمور الغيبية المستقبلية لله وحده، فهو وحده علاّم الغيوب، وقد زخر القرآن الكريم باختصاص الغيب بالله، يقول تعالى: >وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ<([49])، ويقول أيضاً: >قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا الله وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ<([50])، ويقول عزّ وجلّ: >وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ<([51]).

حتى الرسول الأكرم 2 أقرّ بعدم علمه في هذا الباب إلاّ في حدود ما أطلعه الله عليه، قال تعالى: >قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء الله وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ<([52]). فإن كان هذا حال الرسول الأكرم 2 وهو حبيب رب العالمين، فكيف بمنجم لا يعرف من دنياه غير بضعة أُصول، وبضع حيل فكرية! كيف يقدم لنا ما أراد الله أن يخفيه على أبناء آدم لمصلحة يعرفها الله تعالى ولا يعرفها غيره؟

لقد رفض القرآن الكريم كل ما رفضه العقل، ومجه السمع والبصر، كان حرباً لا هوادة فيها على كل شيء غير معقول وغير علمي وضار، كالخرافات والأوهام والتنجيم وما شاكل ذلك. وإذا كان حال القرآن هو التأكيد والحث على العلم وعلم الفلك خاصة، ورفض ونبذ كل ما يمتّ إلى الخرافات والأوهام بصلة، ومنها التنجيم، فذلك هو الجوّ المناسب لنمو علم فلك علمي متطور، وهكذا كان الفلك الإسلامي.

علم الفلك الإسلامي والتأثير القرآني

وهذا الصرح الشامخ من الإنجازات الفلكية الإسلامية الإبداعية، هو في الحقيقة واحد من عدد من الإنجازات العلمية المتنوعة، وقف وراءها القرآن الكريم وتعاليمه ومنهجه وروحه العلمية، وتنبيهه على التعامل الصحيح مع الطبيعة وأشيائها المتنوعة، التعامل العلمي لا الخرافي الوهمي.

فمن خلال تأكيد القرآن الكريم الأرض والسماء والأجرام السماوية الأُخر، وورود عدد من الآيات تتحدث عن النجوم والشمس والقمر، وعدد من الظواهر الكونية، وَتَمكُّن القرآن من نفوس المسلمين وعقولهم، امتلك الناس وعياً علمياً فلكياً، فراح كثير منهم يتابعون ما يجري في السماء ويدرسونه، وبرز عدد من الفلكيين وعلماء الفلك الكبار.

ومن خلال بعض المفردات الدينية القرآنية التي ارتبطت بمواد فلكية بحاجة إلى ضبطها وقراءتها علمياً؛ لأداء تلك المفردات أداءً صحيحاً شرعياً، اندفع المسلمون لدراسة هذا العلم المؤيّد من القرآن الكريم.

إنّ الفلك ـ لا التنجيم ـ هو الذي أفرزه القرآن الكريم؛ لأنّه ناتج من نواتج منهجه العلمي الصحيح، خلافاً للتنجيم الذي رفضهُ القرآن وحاربه ضمن حربه الشعواء على الخرافات والأوهام.

ومن خلال هذا المنهج القرآني نما علم الفلك وتطوّر، وعلى كل المستويات.

أولاً: على مستوى المراصد الإسلامية.

ثانياً: على مستوى الآلات الفلكية.

ثالثاً: على مستوى الإنجازات الفلكية الكبرى.

ولنتحدث باختصار عن هذه النقاط الثلاث..

أولاً: المراصد الفلكية الإسلامية

انتشرت المراصد الإسلامية في طول العالم العربي الإسلامي وعرضه ووصلت إلى مرحلة مزدهرة شهد بها الباحثون المتخصصون، وقد بدأ إنشاؤها في أواخر عصر الخليفة المأمون العباسي المتوفى سنة (218هجرية).

ولعلَّ أشهر المراصد في الحضارة الإسلامية:

ـ مرصد الشماسية، أسسه المأمون في بغداد.

ـ مرصد جبل قاسيون، أسسه المأمون أيضاً على جبل قاسيون في الشام (دمشق).

ـ مرصد أبناء موسى، القائم على قنطرة بغداد المؤدية إلى باب الطاق.

ـ مرصد بني الأعلم، أُنشئ ببغداد


السيد محمد حسين فضل الله – فقيه المفكرين ومفكر الفقهاء

9 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

مفتتح :

لم يستطع أحد أن يحول موضوعات العالم الخارجي – الطبيعي والإنساني – إلى موضوع للتأمل ولإنتاج المعارف والأفكار والتصورات والأنساق النظرية كما استطاع العالم ذلك ، محولا عملية التفكير (وهي نشاط ذاتي ) إلى ممارسة اجتماعية تنشأ عنها بنيات ذهنية تصير ( بفعل التمثل الجماعي لها ) إلى حقائق مادية موضوعية .. نظرتنا المنظمة إلى الكون وإلى المجتمع والمؤسسات وظواهر الوجود المختلفة تدين إلى الفعالية العلمية التي مارسها هذا الكائن المتميز عبر التاريخ .. إنها مساهمته الكبرى في المجتمع والحضارة والتاريخ ، في تحقيق الإدراك الإنساني للعالم ..

فالعالم شاهد عصره ، ورسول ربه من دون وحي أو نبوة ، ونذير الناس في كل ما يواجههم من قضايا ومشاكل في الحاضر والمستقبل إنهم ورثة الأنبياء في العلم والدعوة ، فلا بد أن تقوم بهم الحجة على الناس من خلال ما يريد الله لهم أن يكونوا في مستوى إقامة الحجة عليهم من قبله ، تماما كما هو النبي الذي تقوم به الحجة على الناس من قبل الله .. وهم أمناء الرسل ، فلا بد لهم من الارتفاع إلى المستوى الرفيع من وعي الحياة بالإضافة إلى وعي الإسلام ، لأنه لا معنى لقيادة لا تعرف كيف تخطط لحركتها ، أو تواجه جمهورها بالتوعية الشاملة ..  

وسماحة السيد المرجع الديني محمد حسين فضل الله ( رضوان الله عليه ) ، هو أحد أعلام الأمة وعلمائها ، الذي جسد مفهوم العالم في حركته المعرفية والفكرية والسياسية والاجتماعية ، وكان لعطاءاته الفكرية وجهوده الإصلاحية الدور الأساسي في مسيرة العديد من الوجودات والمجتمعات العربية والإسلامية ..

وشكل العلامة فضل الله خلال الخمسة عقود الماضية ، نموذجا ومدرسة متكاملة في الفكر والعطاء والممارسة السياسية ، وهي تجربة ثرية تستحق البحث والتفاكر المشترك حولها والدراسة المتأنية حول حركة تطورها التاريخي ومآلاتها المستقبلية ، وأهم الدروس والعبر التي يمكن أن نخرج بها من خلال دراسة تجربة هذه الشخصية الرسالية الفذة ..

وهذه الدراسة هي محاولة في هذا السبيل .. وهي تتكون من ثلاث محاور :

المحور الأول : الإطار النظري الذي يوضح بعض المقدمات النظرية والفكرية التي تساهم في فهم واستيعاب حركة السيد فضل الله .. وتجربته متعددة الجوانب ..

المحور الثاني : بيان أهم خصائص هذه التجربة ، التي تركت تأثيرات عميقة في مسار العمل الإسلامي في العصر الحديث ..

والمحور الثالث : دروس مستفادة من هذه التجربة ، نعمل على تظهيرها ، حتى تكون جزء من وعينا وحركتنا الراهنة ..

المحور الأول مقدمات نظرية :

    1-في معنى التجربة الإنسانية

ثمة ضرورات اجتماعية ومعرفية، لدراسة التجارب الدينية والفكرية والسياسية.. لأن هذه التجارب، تمثل إضافة نوعية في مسيرة الأمة.. والعمل على دراستها التأمل في أحوالها وإدراك طبيعة التطور الذي حدث فيها، كلها تساعد في استيعاب هذه التجارب وأخذ العبر والدروس منها ..

فالمجتمع حين دراسته لتجارب علماءه ومصلحيه ورواده ، لا يبدأ من الصفر ، وإنما يبدأ من حيث وصلت إليه هذه التجارب .. بمعنى إنه سيتجاوز العديد من القضايا والأمور ، التي تم بحثها في العطاء الفكري لهذه الشخصية ، أو الجهد الإصلاحي الذي بذله هذا العالم أو ذاك الفقيه ..

ولعل من أهم مؤشرات الحيوية والفعالية في أي مجتمع ، حينما يسارع إلى إخضاع تجاربه المختلفة إلى الفحص والدراسة والمراجعة .. لأن هذا أحد المعطيات الأساسية التي تجعلنا ندرك أن هذا المجتمع بنخبته الدينية والثقافية والاجتماعية ، ينشد التطور والتقدم ، ويعمل على مراكمة عناصر القوة في مسيرته وتجربته .. ودراسة تجارب العلماء والمفكرين والإصلاحيين ، هي أحد روافده لتحقيق ذلك ..

، ولاريب أن تسجيل التجارب وفحصها يساهم في أن تتعرف الأجيال الطالعة باستمرار على تجارب الأمة في مسيرة الإصلاح الديني أو التغيير الثقافي والاجتماعي ..

.. ونحن هنا لا نود الترويج لهذه الأطروحة أو تلك ، وإنما ما نود بيانه أن التجارب الإنسانية وبالذات في الحقول الدينية والفكرية والسياسية ، بحاجة دائما إلى التفاكر المشترك حولها والدراسة المتأنية حول حركة تطورها التاريخي ومآلاتها المستقبلية ..

وفي سياق التأكيد على ضرورة الاهتمام ، بتوثيق التجارب وقراءتها قراءة فاحصة وموضوعية للاستفادة القصوى منها على صعيد الراهن والمستقبل أود التأكيد على النقاط التالية :

1-إن القراءة العلمية والموضوعية تقتضي قراءة هذه التجارب بمختلف مراحلها وأطوارها في إطار سياقها التاريخي وشروط الزمان والمكان الذي تبلورت فيه هذه التجربة أو تلك الممارسة .

لأنه لا يمكن أن نفهم التجارب على حقيقتها ، إذا ألغينا سياقها التاريخي أو شروطها الاجتماعية والثقافية والسياسية التي نتجت في ظلها أو تحت تأثيرها .. فمفارقة السياق التاريخي للتجارب الإنسانية ، يساهم في تشويه قراءة التجربة ، أو تحميلها شروط زمان غير زمانها ، أو مكان مختلف في خصوصياته وشروطه عن مكانها .. لهذا من الضروري أن تقرأ هذه التجارب في ظل سياقها التاريخي وشروطها الاجتماعية وظروفها السياسية والثقافية ، حتى يتسنى للقارئ أو الباحث قراءة التجربة قراءة صحيحة ودقيقة وبعيدا عن عملية المسبقات الأيدلوجية أو الإسقاطات التاريخية والاجتماعية .. فالمطلوب دائما قراءة تجاربنا وتجارب غيرنا من خلال معرفة سياقها التاريخي وظروف نشأتها المختلفة .. لأن هذه القراءة السياقية هي التي تفتح عقولنا ونفوسنا ، لاكتشاف عناصر القوة في التجربة ، وكيف تمكن أصحابها من اجتراح فرادتهم في ظل ظروف وسياقات مجتمعية ليست مواتية .. فالمطلوب ليس الانبهار بالنتائج ، وإنما معرفة كل الأسباب والعوامل التي أسهمت في صناعة التجربة وتذليل كل الموانع والعقبات ..

2-لأن التجارب الإنسانية متعددة الوجوه والصور . فهي ( أي التجارب ) توفر إمكانية حقيقية للنظر إليها من أكثر من بعد وزاوية .. لهذا فإن من الخطأ الذي يصل إلى حد الخطيئة ، حينما يتم النظر إلى التجارب الإنسانية من زاوية واحدة فقط .. وإنما من الضروري أن تتعدد زوايا النظر والقراءة للتجارب الإنسانية ، وذلك حتى تتمكن جميع القراءات أن تنجز رؤية متكاملة أو قريبة من التكامل لهذه التجربة أو تلك .. فالقراءة المتكاملة والشاملة للتجارب ، هي التي تخرجنا من محنة الانبهار الأعمى بالمنجز دون الاستفادة الحقيقية منها .

وأود هنا أن أؤكد وبالذات على المنبهرين بالتجربة ، والذين هم وبدوافع نفسية معروفة ، يصرون على أن تكون قراءتهم للتجربة هي القراءة الصحيحة وهي التي تحضا بالقبول والرضا ..

فالتجارب مهما كان قرب الإنسان من صانعها ، ليست ملك أحد ، بل هي ملك الإنسان والمجتمع ، وبإمكان كل باحث إذا تسلح بسلاح العلم والمعرفة والموضوعية أن يقرأ هذه التجربة ، من الزاوية التي يراها مناسبة ، وبالطريقة التي تمكنه من فحص كل جوانب وزوايا التجربة ..

وفرص الاستفادة من التجارب ، تتضاءل حينما تقرأ هذه التجارب بنمط واحد وبزاوية واحدة فقط .. فالتجارب الإنسانية لن نتمكن من اكتشاف ثراءها وحيويتها ، إلا بقراءات متعددة لها في كل مراحلها وأطوارها ..

3– إن المجتمعات المتقدمة والتي تسعى دوما للقبض على أسباب التقدم والتطور ، تعمل عبر وسائل عديدة لقراءة تجاربها والإفادة منها .. لأنها جزء من ثروتها الإنسانية والمعرفية ، والتي تحتاج بشكل دائم إلى الفحص والاكتشاف واستيعاب دروسها وميكانزمات حركتها وتطورها الأفقي والعمودي .. لذلك فهي تعمل على تشجيع المؤسسات والمعاهد البحثية إلى العناية بالتجارب وضرورة قراءتها قراءة واعية ونقدية وبعيدا عن نزعات الإطراء والتهريج الإعلامي ..

لهذا فإن هذه المجتمعات وعبر ما توفره من دراسات وأبحاث معمقة وجادة لتجاربها ، تمتلك القدرة على تجاوز أخطائها وعثراتها .. لأنها درست أخطاءها بعمق وبعيدا عن نزعات التبرير والتسويغ .. لهذا فإن علاقة المجتمعات المتقدمة بماضيها وتجاربها السابقة ، ليست علاقة مرضية ، لا تستطيع الانعتاق منها .. وإنما هي كأي تجربة إنسانية ، ينبغي أن تخضع للدراسة والفحص الموضوعي ، ويتم من خلال هذه الدراسات الوصول إلى نتائج جديدة ، يتم الاستفادة منها في الأيام القادمة ، دون الانحباس المرضي في شرنقة التجربة أو التعامل معها بوصفها تجربة إنسانية نهائية لا يمكن تجاوزها معرفيا واجتماعيا ..

فالتجارب الإنسانية تقرأ بوعي وموضوعية دون التوقف عن العمل والبحث عن الفرادة .. وهذه العناصر هي المطلوبة لإنجاز مفهوم التجاوز المعرفي والفلسفي للتجارب التي يمر بها الإنسان سواء كان فردا أو جماعة .. فالتجارب الإنسانية لن تبلغ رشدها ، إلا بفحصها وقراءتها بعمق وتمعن وفي سياقها التاريخي وضمن شروطها الاجتماعية وظروفها السياسية وآفاقها الثقافية .. 

   لهذا فإننا نشعر بأهمية تدوين تجاربنا الوطنية والفكرية والسياسية والاجتماعية ، والعمل على فحصها ودراستها من قبل مختصين ومهتمين ، وذلك من أجل تحديد عناصر القوة لتعزيزها في فضائنا الاجتماعي والوطني .. ومعرفة عناصر الضعف التي ينبغي أن تتراكم كل الجهود من أجل إنهاء وجودها وتفكيك حواملها الأساسية التي تضر بواقعنا الوطني ومستقبله ..

فلننفتح جميعا على تجارب بعضنا البعض ، ليس من أجل توفير مادة للسجال وإنما من أجل اكتشاف الطريق المناسب والحيوي لنهضتنا الوطنية في مختلف المجالات ..

 

2- جذور التحول الثقافي 00مقاربة نظرية

يتضمن النص القرآني العديد من الآيات والشواهد التاريخية ، التي تؤكد على ضرورة أن يراجع الإنسان أفعاله ، وينقد ممارساته من أجل تقويمها بما ينسجم والقيم الإسلامية العليا . فالباري عز وجل يقسم بالنفس اللوامة ويعلي من مقامها ، لأنها تمارس عملية اللوم والمراجعة والمحاسبة والنقد كي تصل إلى المستوى المثالي في التعامل مع الأمور والأشياء . فقد قال تعالى [ ولا أقسم بالنفس اللوّامة ].

والقسم الرباني بالنفس اللوامة يوضح قيمتها في حركة الوجود الإنسانية في ارتفاعه إلى الأعلى ، بوصفها بأنها تعمل على تخفيف الأثقال الروحية والأخلاقية والاجتماعية التي تشد الإنسان إلى الأسفل ، لينطلق من موقع إنسانيته في حالات الصفاء الروحي الذي ينفتح به على الله عز وجل .

وبذلك كانت تمثل قمة النموذج الإنساني في أصالة التجربة الحية الواعية في حركة الحياة في داخله . فمقتضى عمق اللوم على الغفلة ، وعلى التقصير ، لا يترك النفس سادرة في هواها وفي غفلتها ولا يقف بها في أجواء اللامبالاة فيما يثار حولها من قضايا ، لا سيما إذا كانت القضية تتصل بالمصير الأبدي ، مما يجعلها في مستوى الأهمية الكبرى في مواقع الفكر والإيمان . 

والقرآن الحكيم يثير فينا حس النقد الذاتي ، عن طريق تذكيرنا بحقيقة وجدانية ، ألا وهي بصيرة الإنسان على نفسه ، فإنه قبل الآخرين شاهد عليها وعالم بواقعها ، مهما توسل بالأعذار والتبريرات الواهية .   يقول تبارك وتعالى [ بل الإنسان على نفسه بصيرة ، ولو ألقى معاذيره ] .

ويؤكد القرآن الحكيم في الكثير من الآيات أيضا على مراجعة تجربة دعوات الأنبياء وتشخيص سلوك المجتمعات الغابرة ومواقفها ، حتى نتمكن من الاستفادة منها وأخذ العبر والدروس من محطاتها وانعطافاتها . كما ينتقد القرآن الكريم تقليد الآباء والأجداد . قال تعالى [ بل قالوا إنا وجدانا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ، وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجـــدنا آبائنا على أمة وإنا عـــلى آثارهم مقتدون ] .

وبهذا أسس الإسلام عقلا برهانيا ونقديا لدى الإنسان المسلم ، وهذه هي البذور الأولى لمشروع النقد والمساءلة لظواهر الحياة الطبيعية والإنسانية . ولا ريب أن هناك جملة من العلوم قد تطورت وتأسست في الفضاء الحضاري الإسلامي من جراء هذه العقلية البرهانية ـ النقدية . فعلم الجرح والتعديل وعلم الحديث ونقد الرواية كلها علوم تبلورت ونضجت من جراء العقلية النقدية الإسلامية .

والنقد كعملية ثقافية ـ معرفية ، هو عبارة عن فحص لكل ما هو سائد في سبيل واقع آخر مضاد له وفقا لنموذج أو تصور مستقبلي .   " فالنقد يعني : الفحص والاختبار ووضع كل شيء في ميزان العقل والاحتكام إلى معاييره " .

ولكن ومع هذا التأكيد القرآني والإسلامي ، على ضرورة المراجعة والنقد ، إلا أن واقع المسلمين يخلو من هذه القيمة ، بل هناك بعض المساحات الاجتماعية التي ترذلها . ولا ريب أن لهذا الغياب أسبابه وعوامله الثقافية والاجتماعية والنفسية . فالقناعات النفسية والثقافية التي لا تراجع ، ويتم التعامل معها كحقائق ثابتة ، تدفع باتجاه التمتع بحق الطاعة والانقياد والإتباع ، دون أن يكلف نفسه ( صاحب القناعة الثابتة ) عناء مراجعة أفكاره وقناعاته ومساءلتها .

وبهذا تتراكم عوامل الغفلة والاستعلاء ، بحيث يتجاوز هذا الإنسان كل ممارسة نقدية ، ويحجم عن ممارسة كل محاسبة إلى سلوكه وأفعاله .   وهنا لا بد من بيان أن مجال النقد هو وسائل التطبيق الاجتماعي والسياسي والثقافي والتعليمي ، وذلك لأن الجمود عليها يعطل التقدم . وليس ثوابت الشرع وقيمه العليا . فالثوابت العقدية والتشريعية ليست موضوعا للنقد ، إنها موضوع للبحث والفهم .   وبطبيعة الحال فإن المحيط الثقافي التي تنمو فيه حالات ضمور الحس النقدي ، هو ذلك المحيط الذي يردع عن السؤال المساءلة ، ويقف موقفا سلبيا من الاختلاف الثقافي والفكري ، ويحارب الإبداع خوف الابتداع . وهذا يعمق نفسية عامة تحول بين الإنسان الفرد والجماعة وممارسة النقد والمراجعة والمحاسبة لكل ما هو سائد .   فالاختلاف المرذول والمذموم ، هو الناتج عن الهوى ، أما الاختلاف الناتج عن البحث الحر والموضوعي طلبا للحقيقة لا إتباعا للهوى فهو اختلاف مشروع ، وذلك لأنه طريق الوصول إلى الحقائق وهو الذي يثري الواقع والفكر والثقافة .   والنقد وفق هذا المنظور ، هو الذي يثري الساحة الثقافية بالمضامين الجادة ، كما أنه يفعل الساحة الاجتماعية باتجاه الأمور والقضايا الأكثر أهمية وجدية . فالنقد هو الممارسة الضرورية في الاختلافات الثقافية والمعرفية ، كما أن الحوار هو الوسيلة الفعالة الذي يمنع إصدار أحكام قيمة على الظواهر الثقافية ذات الشروط العامة والتاريخية .   ولا ريب أن غياب تقاليد النقد والمساءلة ، هو الذي يدفع الشعوب والأمم حين الهزائم إلى التشكيك الصارخ في كل ما هو سائد .

وهذا يقودنا إلى القول إننا بحاجة دائما أن نتعامل مع هزائمنا وانتصاراتنا بموضوعية بحيث إننا لو انتصرنا لا نصاب بداء الغرور والتعالي ، فنلغي الآخرين من خريطة الوجود التاريخي .. ولو انهزمنا ندرس أسباب هزيمتنا بشكل موضوعي وهادئ ، ودون أن يؤثر هذا على جوهر وجودنا وثوابت كياننا .   ولا شك أن للإنجازات أسبابها وعناصرها كما أن للإخفاقات عواملها . والرؤية الموضوعية تحتم علينا دراسة المسألة من جميع أبعادها ،  لإزالة عوامل الإخفاق وتأكيد عناصر النجاح والإنجاز .

ولا يوجد على المستوى التاريخي أن مجتمع مكتوب عليه أو قدره الهزيمة دائما أو الانتصار دائما .. وإنما هم ( الهزيمة والانتصار ) ظاهرتان إنسانيتان تتحكم فيهما جملة من العوامل الذاتية والموضوعية . فالمجتمع الذي تتوفر فيه عوامل المنعة والتفوق يحقق ذلك على الصعيد العملي ، والمجتمع الذي يتخلى عن تلك العوامل يصاب بالإحباط والتراجع والتقهقر . فالرؤية الموضوعية تعني ، الابتعاد عن التهويل والتهوين ، والبعد عن الشطط والمغالاة وعن اليأس والتيئيس الدافع إلى الاستقالة المعنوية الفردية والجماعية .

وإن فقدان الثقة بالذات من جراء نكسة أو هزيمة ، يؤدي حتما إلى الاستسلام إلى المنظومات الفكرية والثقافية للغالب .. وقد أشار إلى هذه المسألة ابن خلدون بقوله : أن المغلوب مولع دائما بمحاكاة الغالب والإقتداء به لأنه يعتقد أن انتصاره راجع إلى صحة مذهبه وعوائده .

كما أن تجريح الذات وجلدها على مختلف الصعد والمستويات ، ما هو في حقيقة الأمر إلا إخفاء لابتعاد المثقف أو المفكر أو الأديب والنخبة بشكل عام عن مواطن الإبداع الفكري والثقافي والأدبي وتحولهم في الكثير من الأحيان إلى إحالة للماضي وحجابا لعدم رؤية الحاضر .. فالقراءة الموضوعية إلى الظواهر الاجتماعية والإنسانية المفرحة منها والمحزنة تحتم علينا النظر إلى الأمور انطلاقا من أسبابها الحقيقية وعواملها المباشرة .

من هنا وتأسيسا على حقيقة التطورات السريعة التي تجري في العالم في كل تجاه ، تتأكد ضرورة التقيد بقوانين الموضوعية في دراسة التطورات والظواهر الاجتماعية والإنسانية الأخرى .. لأن توفر هذه القوانين هو الذي يمكننا من قراءة هذه التطورات والتحولات بشكل سليم ودقيق .

والفكر النقدي يقتضي :

 1- توفير أسس الفحص والمقدمات العقلية والنظرية لعملية المراجعة، إذ لا يعقل أن تتم المراجعة انطلاقا من ردود أفعال أو مماحكات سياسية أو سجالات اجتماعية . بل من الضروري أن تتوفر كل الأدوات النظرية والمفهومية والعدة التقنية التاريخية والمعاصرة لفحص الظاهرة فحصا موضوعيا متزنا .

 2-  التقيد بالمنهج الموضوعي دون جلد الذات أو تحميل الأخر المجهول أسباب الإخفاق وعوامل الهزيمة

وبهذا نتشبث بما يسمى بـ ( القوانين الموضوعية ) للظواهر الاجتماعية والإنسانية .. ومن هنا فإن الفكر النقدي يقتضي أيضا دراسة الظاهرة والكشف عن قوانين عملها وحركتها وعن طبيعة العلاقة التي تربط بين عناصرها المختلفة ..وعن طريق هذه الدراسة نصل إلى النتائج الأخيرة بعيدا عن المسبقات الفكرية أو الاجتماعية ، ونتعرف على الأسباب الموضوعية لنمو الظاهرة أو ضمورها .. إننا مع ضرورة المراجعة لمناهجنا العلمية والعملية ، لكنها تلك المراجعة التي تنطلق من حس المسؤولية الذاتية وتحمل الذات مسؤولية الإصلاح .

فالمراجعة والنقد جزء من مشروع الإسلام التربوي ، فلا فلاح بدون محاسبة الذات ومراجعة أفعالها وتقويم سلوكها والعدول عن الأخطاء والزلات . وبالتالي فإن النقد وفق هذا التصور مطلوبا ، لأنه سبيلنا إلى التطور والتجدد والتزكية .

3– النقد والوعي الاجتماعي

يعتقد الكثير من الناس أن الوعي الاجتماعي ، هو مجرد نصوص لفظية أو شعارات يلوكها لسان الإنسان ، وامتلاك القدرة على توصيف الواقع الاجتماعي بجملة من الكلمات والألفاظ البراقة ، يعتبر واعياً اجتماعيا ويضرب به المثال في هذا المجال ،ولقد أضاع هذه الفهم ومتوالياته النفسية والاجتماعية والثقافية ، الكثير من الفرص السانحة ، التي كان بإمكان المجتمع العربي ، لو كان يسوده وعي اجتماعي حقيقي ، أن يغتنمها ويترجمها ، إلى حــقائق اجتماعية وثقافيـــة تطور من واقعه ، وتنهي الكثير من مشاكلــه و أزماته .

ومن جراء هذا الفهم المغلــوط للــــوعي الاجتماعي ، تحولت فرص النمو والانطلاق ، في المجتمع العربي ، إلى مهاوي تزيد من تعقيد المشكلة وتضيف لها أبعاداً أخرى .

وتظهر أعراض هذا الفهم المغلوط لمقولة الوعي الاجتماعي ، في الكثير من الأعراض والمؤشرات والمسارات التي تسير على هداها المجتمع العربي . فهي أساليب التربية والتنشئة الاجتماعية ، تسود قيم التلقين والتلقي والفردية القائمة على نفي حاجة الإنسان إلى التعاون والتآلف مع الآخرين ، لذلك ينشأ الواحد منا وهو لا يفكر إلا في ذاته وفي حدودها الضيقة والآنية أيضاً .

وفي التنشئة الثقافية ، تسود قيم الفرادة الموهومة ووهم امتلاك ناصية الحقيقة المطلقة وضرورة الاكتفاء بما عندنا من علم وثقافة ، وكأن العلم والثقافة وصلا إلى حدودهما القصوى ، وهي مخزنة في صندوق ، وما علينا إذا أردنا العلم والثقافة إلا فتح الصندوق ، ودورنا ينحصر في استهلاك ذلك العلم المكتشف من ذلك الصندوق .

لذلك ومن جراء هذا التركيب المجتمعي القائم ، على فهم مغلوط أو ناقص لمفهوم الوعي الاجتماعي ، نخسر فرص النمو والتطور وتنقلب علينا بشكل سلبي وتتراكم في محيطنا عناوين ويافطات تبرر لنا هذا الواقع المعاش ، وبدون الاستطراد في بيان الأعراض والآثار السيئة للفهم المغلوط لمقولة الوعي الاجتماعي ، نحاول أن نوضح مقصودنا من هذه المقولة .

الوعي الاجتماعي هو عبارة عن جملة المفاهيم والأفكار والثقافات التي توجه حركة أفراد هذه المسألة و متوالياتها المتعددة . لــهذا يختلف الوعي الاجتماعي من مجتمع إلى آخر ، باختلاف المفاهيم المهيمنة على المسار الاجتماعي ، وطبيعة الفهم الإنساني إلى تلك المفاهيم والحوافز القصوى التي تخلقها المفاهيم في حياة الناس ، لذلك فإن الوعي الاجتماعي ، هو وليد فهم الناس إلى تاريخهم وحاضرهم وقيمهم العليا ، ونتاج التفاعل البشري مع الأطر النظرية المتاحة أو المتداولة .

وبهذا نستطيع أن نحدد مفهوم الوعي الاجتماعي بالعناصر التالية :

1)   مجموع المفاهيم والقيم المتداولة في حياة الناس ونظام التفاضل الموجود بينها.

2)   تفسير الناس وفق ظروفهم ومستوياتهم المختلفة ، إلى تلك المفاهيم والقيم.

 3) تجربة الناس اليومية في الالتزام بهذه المفاهيم ، ونظام علائقهــم الســـائد في أوساطهم ، وبينهم وبين الآخرين .

ووفق هذا المنظور ، فإن الوعي الاجتماعي ليس مفهوما ناجزاً ومكتملاً ، وإنما هو دائم التحول والتطور من جراء تحولات المجتمع المختلفة ، لذلك فإن بقاء الوعي الاجتماعي ثابتاً والواقع الاجتماعي متحركاً ومتغيراً هو الذي يؤسس لفهم مغلوط ومشوه لمعنى الوعي الاجتماعي ، من هنا فإن شرط الوعي الاجتماعي الفعال هو وجود فكر نقدي ، يدعم هذا الوعي ،ويرفده بالآفاق الجديدة ، ويؤسس لحالات تحول اجتماعي متواصل بهدف الرقي والتقدم الاجتماعي ، لهذا ينبغي أن لا نتشاءم أو ننظر بريبة وشك إلى كل الأفكار النقدية للعوائد والمسارات الاجتماعية وإنما من الأهمية بمكان أن نستوعب هذه الأفكار النقدية ونوفر لها الأطر الاجتماعية الطبيعية ، لكي تأخذ هذه الأفكار مسارها الطبيعي في التفاعل مع الواقع الاجتماعي وبهذا التفاعل تنضج الأفكار وتتبلور المسارات وتعم الحيوية الجسم الاجتماعي كله .

وتجارب المجتمعات ذات الوعي المتميز ، تؤكد لنا أهمية حركة النقد وضرورتها القصوى في خلق الوعي الاجتماعي الجديد فلولا الأفكار النقدية ، التي بثها فلاسفة التنوير في أوروبا وما أحدثته من وعي اجتماعي جديد لبقي الظلام والجمود سائدا في أوروبا فشيوع مفاهيم النقد البناء في المحيط الاجتماعي يبدد الجمود وينهي الرتابة ويبث الحيوية والحياة في أرجاء المجتمع ويزيد من مستوى المسؤولية العامة ويساهم في بلورة وإنضاج قوى اجتماعية جديدة ، تأخذ على عاتقها دور التجديد والتطوير في المحيط الاجتماعي .

وإن شيوع حالات الاضطراب والفوضى في بعض المجتمعات ، ليس من جراء حركة النقد السائد وإنما هو في حقيقة الأمر من جراء غياب أطر الاستيعاب لأفكار النقد الجديدة أو من ردود الفعل السلبية وذات الطابع الارتجالي تجاه الأفكار الجديدة . أما المجتمع الذي يوجد لنفسه القنوات الطبيعية لاستيعاب أفكار أبنائه الجدية ، فإنه سيتمكن من إضافة قوة جديدة إلى قوته وسيدخل دماء جديدة تنهي السكون وتحول دون تبلد وتكلس الحياة الاجتماعية .

لهذا فإننا نؤكد على ضرورة ، توفر الأطر المناسبة لاستيعاب وامتصاص الأفكار الجديدة ، والرؤى النقدية الهادفة إلى التطوير وإعادة صياغة وتشكيل الوعي الاجتماعي بما ينسجم ومتطلبات العصر وضرورات التقدم الاجتماعي .

ولا بد أن لا نستعجل في إطلاق الأحكام واتخاذ المواقف ، تجاه من أجتهد في سبيل تطوير وتجديد الوعي الاجتماعي . وأن التحليل العلمي النقدي للسائد اجتماعيا وثقافياً هو الذي يوفر الأرضية العقلية والنفسية لتجاوز البائد من ذلك السائد ،وإنهاء ما فيه من أنماط بالية ولقد حاول الدكتور ( هشام شرابي ) في كتابه " البنية البطركية .. بحث في المجتمع العربي المعاصر " . أن يوضح الصلة الضرورية بين الوعي الاجتماعي والفكر النقدي .

لهذا من الضروري أن نتعامل مع التحليلات النقدية لمسار المجتمعات العربية برؤية منفتحة – مستوعبة بعيدة كل البعد عن لغة النفي والتخوين – وإن النقد الهــادف في أحــد وجوهـــــــه الرئيسة ، يشكل شرطاً ضرورياً لتحقيق التطور الاجتماعي المأمول .

فلا وعي اجتماعي متجدد ، إلا بفكر نقدي ، ولا فكر نقدي بنــــاء ، إلا بــوجود أطر مجتمعية ، تستوعب تلك الأفكار وتموجاتها . وهكذا يصبح الفكر النقدي شرطا من شروط الوعي الاجتماعي الجديد ، بمعنى أن وعي المجتمع بذاته وبالآخرين وبدوره التاريخي ، لا ينجز إلا على قاعدة نقدية مستديمة ، تسائل السائد ، وتجعله على طاولة التشريح والتقويم . وضرورة الحفاظ على الوئام الاجتماعي ، لا تعني بأي شكل من الأشكال قسر الجميع وإرغامهم على نمط اجتماعي محدد . وإنما تعني حيوية التنوعات وفاعليتها في أثراء مفهوم الوئام الاجتماعي ، بأفكار ورؤى وآفاق جديدة .

وبالتالي فإن الإصرار على إيجاد مسافة تفصل الوعي الاجتماعي السائد ، عن الفكـــــر الـــنقدي ، يؤدي فيـــــما يؤدي إليه ، إلى شيوع حالة العجز التي تنتاب المجتمع تجاه مشاكله وتحدياته المصيرية .

وعليه فإنه لا مبرر للخوف من النقد وفحص المسلمات الاجتماعية ، لأن هذا النقد والفحص ، هو الذي يطرد العناصر السلبية والميتة من الفضاء الاجتماعي . والخوف الحقيقي ينبغي أن يكون ، حينما تغيب عمليات النقد ، وحينما تتضاءل فرص الفحص على وقائع المسيرة الاجتماعية . فالنقد ضرورة قصوى لسلامة المجتمع ، لأنه يتجه صوب نقاط الضعف ويعمل على تعريتها وفضحها ، ويشحذ الهمم لتوفير الإرادة المجتمعية القادرة على سد تلك النقاط . فلا قوة حقيقية لأي مجتمع تغيب فيه عمليات النقد والتقويم . فالقوة مرهونة بقدرة أبناء المجتمع على مساءلة سائدهم ، وفحص قناعاتهم العامة ، وذلك ليس من أجل إشاعة الفوضى والهدم ، وإنما من أجل طرد كل الأمراض التي قد تبرز في الفضاء الاجتماعي .

لهذا كله فإننا ندعو إلى عدم الخوف من النقد الاجتماعي والعلمي ، بل من الضروري أن نوفر الأطر البحثية التي تقدم لنا دراسات وأبحاث جادة عن واقعنا الاجتماعي . لمعرفة عناصر قوتنا وضعفنا ، ومن ثم العمل على تأكيد عناصر القوة وطرد عناصر الضعف . فلا حيوية في المجتمع بلا نقد ، ولا قدرة للمجتمع للتخلص من عيوبه بدون تشجيع الباحثين والمختصين على قراءة الواقع الاجتماعي ونقده .

والنقد الاجتماعي لا يؤسس للفوضى والانفلات أو تضخيم السلبيات ، وإنما هو ضرورة من ضرورات تحقيق الأمن الاجتماعي .

وجماع القول : إننا بحاجة دائمة إلى ممارسة النقد والفحص ، حتى يزداد وعينا الاجتماعي وتنضج قدراتنا المجتمعية ، وتتمكن من طرد كل عناصر الضعف والاهتراء من فضائنا الاجتماعي . وعليه فإن الخوف من النقد يضر بالواقع الاجتماعي حقيقة . ولا سبيل أمامنا إذا أردنا الحيوية والفعالية الدائمة ، إلا مواصلة الفحص الدائم والنقد المستمر لكل وقائعنا وحقائقنا الاجتماعية . النقد الذي لا يستهدف التقويض ، بل التقويم وتصحيح الاعوجاج .

4– تحرير الوعي الإسلامي :

ثمة ضرورة تبلورت في مجالنا العربي والإسلامي من جراء أحداث وتداعيات الحادي عشر من سبتمبر وحرب أفغانستان . ألا وهي ضرورة الانطلاق الجاد في بناء ثقافتنا من جديد على ضوء معطيات الراهن وثوابت الثقافة التي صاغت مسارات واقعنا المجيد .

ولكن هذه الانطلاقة لا تستهدف تبرير ما جرى ، أو تأكيد حقيقة أن هناك ظروف موضوعية وسياسية قادت الأمور إلى ما جرى   من أحداث وفظائع . وإنما هي انطلاقة   تجتهد في تجسير الفجوة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون ، بين حركة الواقع بتعقيداته وتشابكاته وحقائق ثقافتنا التي لا تقبل التأويل والتحوير .

 وتنبع أهمية العمل على إعادة بناء ثقافتنا من النقاط التالية :

 إننا كأمة ومجتمعات وأوطان ، نتعرض لزخم متدفق من الإنتاج الثقافي والإعلامي الغريب الذي يتجه إلى تشويه صورتنا وتحميلنا كأمة وعقيدة مسؤولية ما جرى من أحداث .

 فالكثير من عناصر الثقافة ومواد الإعلام التي أنتجت بعد الحادي عشر من سبتمبر ، تدفع الأمور باتجاه تحميلنا مسؤولية تلك الأحداث . وإن الخيار المطروح إمامنا لقبولنا في حركة العصر والنادي الحضاري العالمي ، هو التخلي عن الكثير من القيم التي فهمها بعضنا بشكل خاطئ ومغلوط أو تم قراءتها من قبل دوائر الغرب الثقافية والإعلامية بشكل ملتبس وغامض . مما أدخل واقعنا في دوامة العمل على تبرئة عقيدتنا مما جرى .    وإن ما جرى هو وليد تطورات سياسية إقليمية ودولية ، هيأت الأرضية السياسية للانطلاق في مشروعات عنيفة ضد الولايات المتحدة الأمريكية .

وعلى كل حال فإننا نود القول في هذا الصدد : أن ما جرى أدخلنا في واقع جديد وتحديات حضارية بعناوين ويافطات حديثة ، وإن كل هذا يدفعنا إلى أن نستخرج من معادن ثقافتنا الغنية عناصر حيويتها ونطورها حسب حاجات واقعنا وشعوبنا ، ثم نعيد صياغتها وننتجها بشتى ألوان الإنتاج مقروءا ومسموعا ومرئيا .

كل يوم نعيش تحديا حضاريا جديدا, ونواجه أحداثا ووقائع لا نعرف أحكامها ومنهج مواجهتها, حتى جعل الكثيرين منا يعيشون التردد والغبش في الرؤية تجاه كل ما جرى من أحداث وتطورات.

ومن هنا ومن أجل مواجهة الثقافة الغريبة التي تريد وتسعى أن تحملنا كأمة ومستقبل مسؤولية ما جرى, ومن أجل مواجهة المشاكل اليومية العالقة التي زادتنا ترددا وضياعا والتباسا, فإن علينا إعادة بناء ثقافتنا وتحرير وعينا من القوالب الفكرية والثقافة التي تريد مؤسسات الإعلام والثقافة الغربية إدخالنا فيها, وجعل أولوياتها هي أولوياتنا, وأجندتها هي أجندتنا. ومن المشاكل اليومية التي إذا فقدنا البوصلة تزيدنا ضياعا وغبشا وبعدا عن أولوياتنا الصحيحة.

ومن الطبيعي القول : أنه من دون الثقافة الواحدة ذات القيم الإنسانية والحضارية السامية والثابتة التي يؤمن بها الجميع إيمانا راسخا يبعثهم على العطاء من أجلها والتضحية لها بكل شيء يسقط الجدار المعنوي لبناء الأمة.

ومن دون الهدف, ذو التجربة التاريخية, الذي يكون نقطة ارتكاز لنشاطات وحركة الأمة, ينهار الجدار المادي لبناء الأمة,

وإن بوابة كل ذلك أو بالأحرى إن شرط القبض على كل ذلك }الثقافة الواحدة والهدف الواضح{  , هو تحرير وعينا الإسلامي المعاصر من كل الأوهام والأغلال التي تكبل تفكيرنا وتحرف أولوياتنا وتجعلنا نعيش الغبش في كل شيء.

إننا كأمة نتعرض اليوم لتهديد حقيقي بضياع شخصيتنا ولا سبيل أمامنا إلا تحرير وعينا من كل الرواسب التي تحول دون انطلاقتنا الحضارية والإنسانية.

إن ما جرى من أحداث ومآسي ليس نهاية التاريخ, وإنما هو لحظة تاريخية تحملنا مسؤولية العمل على بناء ثقافتنا حتى يتسنى لنا جميعا المشاركة الفعالة في حضارة العصر. وحتى نتمكن من خلال وعينا وتقدمنا الحضاري, أن نجابه كل التصورات التي تحاول أن تلصق صفة التخلف والتأخر بالإسلام.

إن مسؤوليتنا تتجسد في الهروب إلى الأمام, عبر تحرير وعينا وبناء واقعنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي على أسس أكثر إنسانية وحضارية . وينبغي أن ندرك جميعا أن الزيادة في الدين حرام, لأنها نوع من الغلو الممنوع. وإن هذا الأخير كان هو المسئول المباشر عن تمرد طائفة كبيرة من الناس على الدين.ولا يخفى علينا جميعا أنه في العالم المسيحي كان الغلو في الدين هو السبب المباشر لانتهاء سيطرة الكنيسة وتحول الناس إلى اللائكية والإلحاد.

وحين تراجعت الكنيسة تحت ضغط الظروف عن إضافاتها اللامعقولة إلى الدين عاد العالم الغربي إلى الكنيسة. من هنا غضب الباري عز وجل على طائفة من الناس لأنهم حرموا ما أحل الله لهم وقال } قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون* قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون{ . (الأعراف الآية 32-33 )..

من هنا فإننا نقول : إن فتح أبواب التطور أمام الأمة, يتطلب تحرير وعينا وبناء ثقافتنا على ضوء معطيات الإنسان والحضارة. وهذا يقودنا إلى التأكيد على النقاط التالية:

1- أصالة القيم: غني عن القول, أنه كلما ابتعدنا عن القيم والمبادئ والمثل الإنسانية والحضارية, اضطرب واقعنا وبدأنا نعيش في دائرة الفوضى والعدوان واللاأبالية. لهذا فإننا لا يمكن أن نبني ثقافتنا ونحرر وعينا من الأوهام والأغلال الداخلية والخارجية. بدون الاستناد إلى أصالة قيمنا ومبادئنا. وما أحوجنا اليوم كأفراد وأمة إلى تلك القيم التي تعلي من شأن الإنسان وكرامته وتحفزنا على التعاون والتسامح والتآخي على قاعدة المشترك الديني والإنساني. فالناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق. وإن جهدنا اليومي المطلوب, ينبغي أن يتجه صوب تعميق هذه القيم ومتطلباتها في فضائنا الاجتماعي. فكلما نقترب من الالتزام بمقتضيات هذه القيم, تتوطد أسس الأمن والاستقرار في محيطنا ومجالنا الاجتماعي. ولا تحرير لوعينا إلا برافعة هذه القيم, التي تطرد من عقولنا وواقعنا كل حالات الأثرة والأنانية والتصنيف والتهميش والانخراط الأبله في مشروعات التفتيت والحروب المجانية.

والفقهاء والعلماء والمثقفين في مجالنا العربي والإسلامي, يتحملون مسؤولية كبرى في هذا الإطار, إذ أن عطاءهم الفكري وجهدهم الإصلاحي من الأهمية بمكان أن يتوجه صوب تعميق حقائق حقوق الإنسان وخيار الحرية والديمقراطية في الأمة.

2- ضرورة الاستناد على حقائق القوة والتقدم, وترك ونبذ الشعارات التي نتعامل معها وكأنها البديل الجوهري عن العمل والبناء. فالتقدم ليس وليد الشعار المجرد, بل هو نتيجة العمل المستمر الذي يتجه نحو صناعة الحقائق الثقافية والاقتصادية والسياسية, التي تساهم في حل العديد من المشكلات,وتستوعب جملة من الطاقات والكفاءات, وتؤكد لنا جميعا أن لا خيار أمامنا إلا خيار البناء والعمل من أجل ترجمة طموحاتنا وتطلعاتنا إلى حقائق ووقائع على الأرض.

3- التفاعل مع التجارب الإنسانية الحديثة, ورفض حالات الانكفاء والانعزال والتهميش. فالعلم الحديث, خلاصة تجارب, وعلينا أن ننفتح عليها, ولكن قبل ذلك علينا أن نميز بين قشور التجارب ولبابها, بين المغزى الحقيقي للتجربة, وبين الإطار الذي وضع فيه هذا المغزى.

 والأمة التي تنعزل عن تجارب غيرها, تتأخر, ولا تمتلك القدرة على استيعاب تطورات ومكاسب الآخرين.

وجماع القول: إن التطورات السياسية التي تجري اليوم في المنطقة, تتطلب منا العمل على تحرير وعينا من أوهام الاستنساخ الحرفي وأسباب العطالة والاستقالة عن الفعل التاريخي, ونعمل جميعا على تأسيس وعي معاصر, يأخذ في اعتباره أن القبض على المستقبل, لا يأتي إلا ببناء القوة الحضارية, وصنع حقائق التقدم والتطور في فضائنا العربي والإسلامي. و البداية السليمة لأي مشروع سياسي أو اقتصادي أو تجاري أو حضاري, هو التعرف التام على الراهن واللحظة التاريخية و جوانبها المختلفة, لأنه باختلاف الواقع, يختلف الأسلوب, و تتغير الوسيلة, فواقع الثمانينات الاقتصادي مثلا, يتطلب مشاريع وأفكار اقتصادية, تختلف بشكل أو آخر عن مشاريع ومتطلبات عقد التسعينات, كما أن العقد الأول من الألفية الجديدة تتطلب مشروعات وأفكار اقتصادية متميزة. والمشروع الاقتصادي أو التجاري أو الحضاري, الذي يجهل الواقع ومتطلباته, لن يتمكن من تحديد سلم الأولويات في مشروعه. وكثيرة هي الأعمال والأنشطة في المشهد العربي, التي ضيعت سلم الأولويات لا لسبب ذاتي, وإنما لجهلها التام أو النسبي للواقع الذي تعيشه و متطلباته المختلفة.                                                                             ولكن ثمة خلل عميق قد يصيب المجتمع في هذه المسألة, إذ كثير من المجتمعات, تختلط لديها الأماني و التطلعات بالإمكانات والقدرات المتوفرة, لأن العمل والسعي الحثيث, هو القنطرة الوحيدة لنقل التطلع من عالم التجريد إلى عالم التشخيص, من المثال إلى الممكن. ويجانب الصواب من يرى أن أحقية تطلعه, وأهمية أمنيته وعدالة قضيته, كل هذه الأمور كافية لاجتياز طريق تحقيقها وإنجازها في الواقع ا


المنحى الجديد في الفقه الشيعي في مجال المرأة

8 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

-1-

حركة جديدة في الفقه الشيعي

في العقدين الأخيرين من القرن العشرين بدأت ملامح حركة جديدة تظهر في مجال الفقه الإسلامي الشيعي حول قضايا المرأة، لكن من دون أن تلفت النظر في وقتها على نطاق واسع في المجال الفكري والفقهي الإسلامي العام، حيث كان الانشغال بالشأن السياسي آنذاك في أوج شدته، ويكاد يغطي على كافة الميادين الأخرى، وذلك نتيجة التحوُّل الإسلامي الذي حصل في إيران، الحدث الذي نقل النخب والجماعات الإسلامية من هامش الفعل السياسي إلى قلب الفعل السياسي، وتقدم معه الاهتمام السياسي على باقي الاهتمامات الأخرى الفكرية والفقهية وغيرهما، حين كان للسياسة سطوتها التي لا تقاوم.

والذين حاولوا الكشف عن بداية ما أسموه التطورات الحديثة التي دخلت على الفقه الشيعي في الأزمنة المعاصرة، توقفوا عند هذه الفترة وهم يؤرخون لبداية هذه التطورات الحديثة، وهذا ما أشار إليه الباحث الإيراني الشيخ مهدي مهريزي وهو يتحدث عن التطور الفقهي الجديد في مسألة بلوغ الفتيات، إذ يقول: «كان السائد في الفقه الشيعي أن الفتاة تبلغ في سن التاسعة، ولم يحصل أي إعادة نظر في هذا الرأي، بل إن هذا التصور لم يكن يخطر على بال أحد، ولكن أعيد النظر في هذا الموضوع في السنوات الأخيرة، ولعله من الممكن حصر زمن هذا التغيير بعام 1980م، حيث قدحت هذه الفكرة في أذهان قسم من علماء الدين ودعتهم إلى بحث هذه المسألة والتأمل فيها، وقال بعضهم بعدم موضوعية تعيين سن بلوغ محدد للفتيات، وإنما الملاك في بلوغ الفتيات هو الحيض» [1].

وتنامت هذه الحركة الجديدة في الفقه الشيعي ونضجت وتراكمت مع العقد الأخير من القرن الماضي حيث فقدت السياسة بعض سطوتها الشديدة التي كانت عليها في حقبة الثمانينات، واستعاد الفكر الإسلامي بعض توازنه، ورجع إلى ساحته وساحة الفقه الإسلامي بعض رجاله الذين انصرفوا من قبل وانقسموا في ساحة السياسة.

وخلال هذه الفترة وتحديداً عام 1994م صدر كتاب (مسائل حرجة في فقه المرأة) للشيخ محمد مهدي شمس الدين، ويصلح هذا الكتاب أن يؤرخ للتطور الفقهي الذي حصل خلال هذه الفترة، وعن اقتراب الفقه الإسلامي الشيعي من المسائل التي وصفها الشيخ شمس الدين بالحرجة في فقه المرأة، وهي المسائل المتعلقة بأحكام علاقة المرأة بالسياسة والمجتمع والدولة.

وفي هذا الكتاب قدّم الشيخ شمس الدين تأملات في نقد وتجديد منهج النظر والاستنباط الفقهي في مجال أحكام المرأة والأسرة، وناقش بعض الآراء ووجهات النظر المطروحة والمتداولة في هذا الشأن، ناقداً لها ولمنهجية استنباطها، ومتبنياً لآراء ووجهات نظر استدلالية وبرهانية مغايرة في المعنى والمبنى.

وقد حافظت هذه الحركة الجديدة في الفقه الشيعي على نموها وتطورها مع دخول العالم القرن الحادي والعشرين، ويمكن القول: إن الاجتهادات الفقهية الجديدة التي ظهرت خلال هذه الفترة في مجال المرأة لعلها الأكثر أهمية وتميُّزاً، وتتفوق من هذه الناحية وتتقدم على الاجتهادات والتجديدات السابقة عليها.

ويُعَدُّ الشيخ يوسف الصانعي المرجع الديني الموجود في مدينة قم الإيرانية، الأكثر بروزاً خلال هذه الفترة حيث طرح العديد من الآراء ووجهات النظر الجديدة واللافتة في مجال المرأة وعلى أساس قواعد أصول منهج الاستنباط في الفقه الاستدلالي.

وقد وجد بعض الباحثين أن الاجتهادات والتجديدات الفقهية التي طُرحت خلال هذه الفترة في مجال المرأة؛ تؤرخ لمرحلة جديدة، وهذا ما ذهب إليه الشيخ مهدي مهريزي وهو يتتبع تاريخ تطور الاتجاهات الدينية المعاصرة في إيران حول مسألة المرأة، والتي قسَّمها إلى ثلاثة اتجاهات، تنتمي إلى ثلاثة أطوار زمنية، وهي حسب رأيه: الاتجاه التراث التقليدي الذي يبدأ مع عصر الحركة الدستورية في إيران مطلع القرن العشرين، والاتجاه الكلامي – الاجتماعي ويبدأ من ستينات القرن العشرين، والاتجاه الفقهي والحقوقي الذي يبدأ عنده مع بداية الألفية الثالثة، ويؤرخ الشيخ المهريزي لهذا الاتجاه بدءاً من الشيخ يوسف الصانعي الذي عَدَّه رائد طرح الآراء الفقهية الجديدة في العصر الحاضر على شكل فتاوى في الرسالة العملية [2].

وتدعمت هذه الحركة الجديدة خلال هذه المرحلة بإسهامات فكرية وفقهية من آخرين يجمعهم المنحى التجديدي، ومن هؤلاء الشيخ إبراهيم الجناتي الذي يَعُدُّه الشيخ المهريزي بأنه من رواد الاتجاه التجديدي الذين حققوا تحوُّلاً في مناهج الاجتهاد، وأساليب الدفاع عن الفقه الإسلامي، ومن هؤلاء أيضاً السيد محمد البجنوردي عضو مجلس القضاء الأعلى سابقاً في إيران، إلى جانب آخرين.

وهذه الحركة الجديدة التي تنامت وتراكمت، ووصلت إلى هذا المستوى من التطور والتجديد في فقه المرأة، يبدو أنها سوف تحافظ على بقائها وحضورها، خصوصاً وأنها تستند إلى قواعد وأصول استدلالية وبرهانية، وتتصل بحقل علمي يُعَدُّ من أبرز حقول الدراسات الإسلامية وأكثرها عراقة وثراء، وهو حقل الفقه الإسلامي الذي عُرفت به الحضارة الإسلامية أكثر من أي حقل آخر، وتميَّزت به حتى وُصفت بحضارة الفقه.

ولكون التجديد يتصل بقضايا المرأة الأمر الذي يؤكد الحاجة لهذه الحركة، ويلفت النظر إليها، ويساعد على بقائها وحضورها وذلك لتأخر التجديد والنظر الاجتهادي الجديد في هذه القضايا المتصلة بالمرأة، والتي كانت بأمس الحاجة والضرورة إلى المراجعة وإعادة النظر بعد التغير الواسع والكبير الذي حصل في واقع المرأة اليوم.

وما هو جدير بالإشارة أن مستوى التطور الراهن الذي وصل إليه التجديد الفقهي في مجال المرأة، لم يصل إليه بهذا المستوى من قبل، ومازال يحافظ على وتيرته المتصاعدة كمًّا وكيفاً في سبيل حماية وضمان كرامة وحقوق المرأة، وإظهار الفقه الإسلامي بموازين العدل، ولرفع الظلم والتمييز الواقع ضد المرأة، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، يمكن القول: إن الفقه الشيعي بات يتقدم اليوم على باقي المذاهب الفقهية الإسلامية الأخرى في مجال التجديد الفقهي حول المرأة، ولعل هذا التقدم يرجع إلى أمرين متلازمين، الأمر الأول له طبيعة موضوعية ويرجع إلى ارتباط الفقه الشيعي بتجربة الدولة في إيران، التجربة التي فتحت عليه آفاق الاجتهاد والتجديد الواسع والملحّ استجابة وتفاعلاً مع متطلبات ومقتضيات الأسلمة الشاملة على مستوى المجتمع والدولة. الأمر الثاني له طبيعة ذاتية ويرجع إلى باب الاجتهاد المفتوح في الفقه الشيعي الذي جعله يحافظ على عنصر الحركة الحيوية في بنيته الداخلية، ويكون أكثر استعداداً وقابلية في التواصل والاستجابة لتطورات العصر وتحولات العالم، وفي القدرة على مواكبة ما يطرح ويثار من إشكاليات وشبهات لها علاقة بالعلوم والمعارف الإسلامية، وهكذا في القدرة على مواكبة ما يستجد من تطورات وإنجازات في ميادين الفكر والمعرفة.

والاجتهاد المفتوح هو الذي يُشكِّل أرضيات انبعاث نزعات الإصلاح والتجديد في الفقه الإسلامي، وفي المعرفة الإسلامية بصورة عامة، وهو الذي يحرِّض على انبعاث مثل هذه النزعات ويدعمها، ويضمن لها بقاءها واستمراريتها، ويزودها بالحيوية والفاعلية.

والملاحظة الجديرة بالتنويه أن هذه التطورات الفقهية الجديدة التي حصلت ومازالت تحصل اليوم، تصلح أن يؤرخ لها في حركة تطور علاقة الفقه الإسلامي الشيعي بموضوع المرأة، وذلك لأنها وصلت إلى مستويات من التجديد لم تصل إليه بهذا المستوى من قبل، ولأنها أيضاً باتت تعبّر عن نمو حركة جديدة لها روادها ونسقها الفكري والاجتهادي في داخل الفقه الإسلامي الشيعي المعاصر.

ومن المرشح لهذه الحركة الجديدة المحافَظة على نموها ووجودها، ومتى ما ظهرت مثل هذه الحركة فإنها لن تتراجع بسهولة، أو تتلاشى بسرعة حتى لو تباطأت مسيرتها في النمو، أو تأخرت في التمدد والاتساع، وتعرضت للنقد والمواجهة، وذلك لكون أن هذه الحركة قد تأخرت كثيراً قبل ظهورها، وتراكمت الحاجة إليها بصورة كبيرة، وهي الحاجة التي أعطت، وسوف تُعطي هذه الحركة زخماً وقدراً من البقاء والاستمرار.

ثم لكون أن المرأة المسلمة المعاصرة التي تعلمت وتثقفت، وانخرطت في كافة ميادين العلم والحياة؛ لم تعد تحتمل تلك الصورة التي تنتقص من كرامتها وإنسانيتها، وتشكك في عقلها ودينها، ولم تعد تقبل بذلك التمييز الذي يمارس بحقها بعيداً عن موازين العدل ونظام الحقوق.

كما أن تطورات العصر أخذت تُجابه وتُحاصر الفقه الإسلامي بالعديد من التساؤلات والإشكاليات الحرجة والملتبسة والتي لابد من مواجهتها والتفاعل معها.

وهذا يعني أن واقعاً جديداً بات ينتظر المرأة، وهذا الواقع آخذ في التشكل بالقوة أو بالفعل، على المدى القريب أو المدى البعيد، وعلى مستوى الواقع الفعلي، أو على مستوى منظورات الرؤية.

-2-
المرأة وتشوُّه الصورة

هناك صورة قديمة تشكَّلت حول المرأة في داخل الفقه الإسلامي، وظهرت وتجلَّت في بعض الفتاوى والأحكام الفقهية، هذه الصورة حين التعرف عليها فإنها تصدم بشدة المرأة المسلمة المعاصرة، وسوف ترى فيها تشويهاً وانتقاصاً لمكانة المرأة وكرامتها ونوعاً من أنواع التغييب والاستعلاء عليها، وشكلاً من أشكال التمييز الذي يُمارس ضدها، وتعسُّفاً وانتهاكاً لحقوقها.

وقد تتبع الشيخ المهريزي مثل هذه الفتاوى والأحكام التي وردت في كتب الفقهاء ومصنفاتهم الفقهية، وأشار إلى بعضها في كتابه (نحو فقه للمرأة يواكب الحياة)، ومن هذه الأحكام:

1- في مسألة الحضانة: تساءل الفقهاء: هل يجب أن تكون الحاضنة عادلة أم يكفي فيها الأمانة؟ قال بعضهم بعدم اشتراط العدالة لأن أكثر النساء فاسقات.

2- في مسألة صلاة الميت: وعند السؤال عن: هل يجوز للمرأة الصلاة على جنازة الرجل؟ أمام هذا السؤال أجاب الشافعي برأيين، قال في أحدهما: يجب أن يصلي عليها الرجل، لأن الرجال أقرب إلى الله، ودعاؤهم يستجاب أسرع من النساء، وإذا صلَّت عليها امرأة فذلك بمثابة إهانة للميت.

3- في مسألة إرث الخنثى: تساءل الفقهاء: هل يجب أن يكون نصيب الخنثى من الإرث كسهم الذكر أم كسهم الأنثى؟ قال بعضهم نقلاً عن القرطبي في كتابه (جامع أحكام القرآن): يجب أن يجري عليها الفحوص الجنسية أولاً، وإذا لم تُفلح هذه الفحوص في تحديد جنسيتها يجب عدُّ أضلاعها فإذا كانت أضلاعها قليلة فهي رجل، لأن أحد أضلاعه خلقت منه المرأة، وإذا كانت أضلاعها أكثر فهي امرأة.

4- في مسألة أوصاف مستحقي الزكاة: قال الفقهاء: إن الإيمان والفقر شرطان في استحقاق الزكاة، والعدالة ليست شرطاً في ذلك، لأن مستحقي الزكاة من النساء، والنساء أكثرهن فاسقات.

5- في مسألة زواج العبد بالمرأة الحرة دون إذن مولاه: أفتى الفقهاء بأن مثل هذا الزواج هو زنا، لكن لا يقام فيه حد الزنا، لأن الرجل عبد والمرأة ضعيفة العقل.

6- في مسألة الحرب بين المسلمين والكفار: إذا تحارب المسلمون والكفار ثم تصالحا واتفقا على إعادة من يلجأ أي منهما إلى الطرف الآخر. أمام هذه المسألة أفتى بعض الفقهاء بأن مثل هذا الحكم يسري على الرجل دون المرأة؛ لأن النساء ضعيفات العقول، وبالتالي إذا لجأت مسلمة من الكفار إلى المسلمين لا يجوز إعادتها إليهم لأنها قد ترتد عن الإسلام [3].

هذه بعض النماذج القليلة التي تكشف عن ملامح صورة متوارثة عن المرأة في الفقه الإسلامي، وعند الفقهاء، أو عند بعضهم، ولاشك أن المرأة المسلمة المعاصرة لا تقبل بهذه الصورة وبقائها، وهي تكافح اليوم وبكل جهد لتغيير تلك الصورة ونقدها والإطاحة بها، فلم يعد الجهل والأمية يغلبان على شخصية المرأة اليوم، كما كانا يغلبان عليها في السابق، وهذا القدر من التغيير في انتقال المرأة من الأمية إلى التعلم، يكفي لتغيير كامل الصورة عن المرأة؛ لأن بهذا التغير تتغير رؤية العالم عند المرأة، الرؤية التي تؤثر في منظومة تفكير المرأة، وفي طبيعة مواقفها وسلوكاتها في المجتمع والحياة.

وقد وجد أصحاب المنحى الجديد أن هذه الصورة حول المرأة في الفقه الإسلامي بحاجة إلى مراجعة ونقد لأنها لا تنسجم وتتعارض مع رؤية الإسلام للمرأة التي كرَّمها، وأعاد لها شخصيتها، وضمن لها حقوقها، وعَدَّ النساء شقائق الرجال.

وفي هذا النطاق يرى الشيخ يوسف الصانعي «أن شكل القوانين الموجودة حاليًّا فيما يرتبط بالمرأة، لم يبلغ حتى الآن مستوى الانسجام الكامل مع الإسلام، كما أنه لم يحقق المواكبة الضرورية لما يطرأ من تحولات في المجتمعات الحديثة» [4]. وحين يناقش بعض النصوص الدينية التي أعطت الرخصة للأب والجدّ في تزويج البنت غير البالغة، والتي جاءت على صورة أسئلة موجهة للإمام المعصوم، كسؤال عبدالله بن الصلت حين سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الجارية الصغيرة يزوجها أبوها وهل لها أمر إذا بلغت؟ أجاب الإمام: لا ليس لها مع أبيها أمر. وفي هذا الشأن يعقب الشيخ الصانعي بالقول: «إن هذه الأسئلة إنما انبثقت من العرف والثقافة اللتين كانتا رائجتين في ذلك الزمان، حيث لم يكن يتعارف تزويج الأمّهات لبناتهنّ، وبعبارة أخرى: إن سلطة الرجل آنذاك لم تكن لتسمح بتدخّل الأمهات في هذا الموضوع، بل كان الرجل هو من يدير تمام أمور الحياة لوحده، بحيث لم يكن للنساء من دور في هذا المضمار، ولم يكن كعصرنا الحاضر تبدي المرأةُ رأيها فيه، بل ويمكنها أن تغدو مع ذلك محامياً أو وزيراً أو طبيباً» [5]. ومن جهته يرى السيد محمد البجنوردي وبطريقة ناقدة أن بعض الفتاوى أكثر تعسفية فيما خصّ فقه المرأة لدى بعض الفقهاء في بعض الأوساط، وأكثر الفقهاء -حسب نظره- لديهم حرج في هذا المجال [6]. ولهذا يعتقد أن الفقهاء والحقوقيين لو أعادوا النظر في الموارد المتصلة بمسائل المرأة مثل مسألة الشهادة، وإرث الزوجة من زوجها المتوفى، وكيفية القصاص وألوانه، ومسألة الديات، وتولي القضاء، ومسائل أخرى مرتبطة بحقوق المرأة في الفقه المدني والجزائي، ووردوها برؤية منفتحة فإن كثيراً من هذه الأحكام سوف يتغير، وإن بالإمكان إجراء تغييرات في المواقف الفقهية تجاه الكثير من الأحكام التي ينظر إليها اليوم بوصفها تمييزاً ضد المرأة [7].

وبسبب تلك الصورة أثار البعض من داخل الوسط الديني شبهة حول الفقه، وكيف أن الفقهاء تجاهلوا حقوق المرأة الاجتماعية، وأوجدوا بوناً شاسعاً بينها وبين الرجل، وقد طرحت هذه الشبهة على الشيخ المهريزي في حوار معه حول مكانة المرأة في الفقه الإسلامي، ومع أنه رأى أن السؤال لا يخلو من مغالطة، إلا أنه ختم جوابه بالقول: إن بعض آراء الفقهاء قلَّما تأخذ بالحسبان الحقوق الاجتماعية للمرأة، إلى جانب وجود فقهاء وخاصة من المعاصرين أعادوا النظر في تلك المسائل المرتبطة بالحقوق الاجتماعية للمرأة [8].

وعندما سئل عن الأحكام التي لا تنسجم مع واقع المرأة وينبغي أن يعيد الفقهاء النظر فيها؛ قال الشيخ المهريزي في خاتمة الجواب: «إن جميع مسائل المرأة بحاجة إلى إعادة نظر، إذ إن المسائل التي قد ندافع عنها اليوم مثل قاعدة الإرث يجب أن نعيد النظر فيها، ونرى كيف يمكن اليوم تبيينها، أو كيف يمكن درء الشبهات المثارة حولها» [9].

ومن الواضح أن منشأ تلك الصورة المتشكلة حول المرأة في تصورات بعض الفقهاء ترجع بشكل أساس إلى نصوص وروايات وردت في كتب السنة الشريفة، وكانت بحاجة إلى مزيد من الفحص والتشخيص في سندها ومتنها قبل العمل بها والبناء عليها، والكشف عن كيفية التعامل معها لكونها تحتمل تفسيرات وتأويلات متعددة ومتباينة، ولا تخلو من غموض والتباس، إلى جانب الحاجة في الكشف عن طبيعتها وقيمتها التاريخية والأخلاقية، والنظر إليها في إطار الرؤية الكلية للإسلام، وبصورة خاصة في إطار رؤية الإسلام الكلية للمرأة.

وقد تعرضت كل النصوص والروايات إلى مراجعات ومحاكمات من فقهاء معاصرين، وبالذات من أصحاب المنحى التجديدي في الفقه، فحين يتحدث الشيخ محمد مهدي شمس الدين عن طبيعة النصوص المروية في السنة حول المرأة فإنه يقسمها إلى قسمين: إلى نصوص ضعيفة السند أو مرسلة أو مرفوعة، لا تصلح أن تكون أدلة على الحكم الشرعي، وإلى نصوص معتبرة شرعاً بين صحاح وموثقات وحسان، فهي من ناحية السند صالحة للدلالة على الحكم الشرعي إذا ثبت أنها واردة لبيان الحكم الشرعي الإلهي، ولم تكن تدبيراً لمواجهة حالة طارئة، أو توجيهاً خاصًّا بشخص معين في حالة معينة.

وفي نقده لطريقة تعامل الفقهاء مع هذه النصوص يقول الشيخ شمس الدين: «جرى كثير من الفقهاء في فقه المرأة على العمل بما روي من النصوص من دون احتراز عن الأحاديث الضعيفة، ومن دون محاكمة لمتون الأحاديث المعتبرة» [10].

وعندما تعرض الشيخ الصانعي لمثل هذه الروايات في سياق بحثه عن نقد مستندات النظرية المشهورة عند الفقهاء في إثبات ولاية الجد ونفي ولاية الأم على الأولاد الصغار المتوفى أبوهم، يشير إلى طائفة من الروايات واردة في كتاب الوصية، حيث استغرب وجود روايات تضع المرأة وشارب الخمر في مصاديق السفهاء، وحسب قوله: «والذي يبعث على الأسف والاستغراب ولا يمكن قبوله بأي وجه من الوجوه، أن هناك ثلاث روايات واردة في باب الوصية، يمكن أن يثار فيها احتمال الدَّسّ والوضع والنوايا السيئة. ومفاد هذه الروايات عَدّ كلٍّ من المرأة وشارب الخمر من مصاديق السفهاء في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾ [11] وأنهما لا يصلحان وصيًّا».

وبعد أن أشار إلى هذه الروايات الثلاث، ومنها موثقة السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: «المرأة لا يُوصى إليها؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾». ويُعقِّب الشيخ الصانعي بقوله: «إن مفاد هذه الروايات مخالف للأصول القرآنية والسنتية والعقلية المسلمة؛ ولهذا لا يمكن الأخذ بها حتى لو كان بعضها صحيحاً من ناحية السند، فهل يمكن القول بأن تمام النساء من السفهاء؟ هل يمكن نسبة ذلك إلى النسوة العظيمات جميعهن في تاريخ الأديان وتاريخ الإسلام» [12].

ومن هذه الروايات اقترب الشيخ الصانعي وشكَّك في صحة ما ورد في نهج البلاغة حول نقصان عقل النساء وإيمانهن، وعَدَّ هذا الأمر من الواضحات، وحسب كلامه «من الواضح أن ما جاء في نهج البلاغة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، حول نقصان عقل النساء وإيمانهن ليس صحيحاً، بل لابد من طرحه عرض الجدار، أو ردّ علمه إلى أهله، وهم المعصومون صلوات الله عليهم أجمعين، ذلك أنه من المسلَّم أن مفاد هذه النصوص مخالف للقرآن والقواعد؛ إذ كيف يمكن أن يأمر الله النساء بترك الصلاة في بعض الأوقات، فيتركنها، امتثالاً لأمره وإطاعة لمطالبه، ثم يكون ذلك موجباً لنقص إيمانهن؟ فهل طاعة الأوامر الإلهية توجب نقصان الدين والإيمان؟» [13].

لهذا كان من الضروري تغيير تلك الصورة المتوارثة عن المرأة في الدراسات الفقهية، الصورة التي تنتمي إلى الماضي، ولم تعد صالحة للبقاء في الحاضر، وهي لا تسيء فقط للمرأة، وإنما للفقه الإسلامي وللفقهاء كذلك، وذلك لأن واقع المرأة المسلمة اليوم يقدم صورة مغايرة تماماً لتلك الصورة القديمة، وهذه الصورة المغايرة ينبغي أن تلغي تلك الصورة القديمة وتحلَّ مكانها.

وما يميِّز المنحى الجديد في الفقه الإسلامي أن الصورة التي يعبر عنها حول المرأة تنتمي إلى واقع المرأة اليوم، بخلاف ما هو سائد في الفقه الإسلامي الذي تنتمي صورته عن المرأة إلى الواقع المتوارث من القديم، وهذه من المفارقات التي تفاصل بين المنحى الجديد والمنحى القديم في الفقه الإسلامي.

-3-

التحرر من آراء السابقين

التحرر من آراء السابقين هي السمة البارزة التي ظهرت وتجلت عند أصحاب المنحى الفقهي الجديد في الموقف تجاه المرأة، ولا ينبعث التجديد عادة في أي زمان ومكان، وفي أي بُعد ومجال إلا بعد التحرر من آراء السابقين، والتخلص من ذهنية الخضوع والتبعية، وامتلاك الشجاعة الفكرية، وحين ينظر الناس لأنفسهم على أساس أنهم رجال وأولئك رجال، أولئك اجتهدوا في زمانهم وهم يجتهدون في زمنهم.

وانفتاح باب الاجتهاد في الفقه هو الذي يولد الاستعداد للتحرر من آراء السابقين، وينمي هذه الروح، ويخلق مثل هذه الشجاعة.

ونلمس مثل هذا الموقف عند السيد البجنوردي الذي يرى أن من الشروط الذاتية والموضوعية التي يجب توافرها عند الفقيه ليكون مجدِّداً، هو عدم الالتزام بآراء من سبقه من الفقهاء، وأن يتحرر من سلطة القدماء المعرفية والفقهية، ويضيف فإذا اعتقد الفقيه أن المتقدمين أفقه منه وأعلم سيشكل هذا الاعتقاد قيداً ومعوقاً اجتهاديًّا، يجعله يصبُّ جهده للبحث عن أدلة تدعم آراءهم وتصوِّبها نتيجة لوقوعه تحت تأثير سلطة أولئك [14].

وحينما يصل البجنوردي إلى موضوع المرأة، يرى أن الموقف الفقهي من مسائل المرأة كان متأثراً برأي الأوائل، وأن الفتاوى السائدة في هذا الشأن متأثرة بآراء القدامى وحسن الظن بهم، وبالبيئة والتقاليد والأعراف، وعدم الجرأة على مخالفة مشهور الفقهاء. ويرى في المقابل أن باب الاجتهاد مفتوح، وفي الأصل يحرم على المجتهد أن يقلد رأي غيره، بل عليه أن يفتي بما يراه بقطع النظر عمَّا قاله الآخرون، ويستقل برأيه واجتهاده واستنباطه [15].

وعندما بحث الشيخ محمد مهدي شمس الدين مسألة أهلية المرأة لتولي السلطة العليا في الدولة الحديثة، تبيَّن عنده بعد النظر في الأدلة أن ما تسالم عليه الفقهاء من عدم مشروعية تصديها وتوليتها للسلطة، هي دعوى ليس عليها دليل معتبر، وأمل أن يكون هذا البحث حافزاً للفقهاء على إعادة النظر والبحث في بعض المسلمات الفقهية بإعادة النظر والبحث في أدلتها، وفي طرق الاستدلال عليها، وعدم الاسترسال في الاتكال على فهم فقهائنا القدماء [16].

وفي هذا السياق أيضاً يرى السيد محمد حسين فضل الله «أن اجتهاد القدماء كان مرتكزاً على ثقافتهم، ونحن نعرف أن القدماء اختلفوا فيما بينهم حسب اختلاف ثقافتهم، ولذلك يمكن لنا أن نختلف مثلهم بأن ندرس النصوص دراسة جديدة كما لم يدرسها أحد قبلنا، مع ملاحظة الفهم السابق عندما نريد أن نؤكد فهمنا» [17].

وفي مجال التطبيقات الفقهية أظهر الشيخ يوسف الصانعي استقلالية في الرأي وتحرراً من آراء الفقهاء السابقين، وتجلى ذلك في دراساته الفقهية الجديدة والمعاصرة حول مسائل المرأة التي توصل فيها إلى آراء واجتهادات خالف فيها رأي المشهور عند الفقهاء، وظل ينتقد مستندات نظرياتهم، ودخل في محاكمات استدلالية مع هذه النظريات، تثبيتاً لرأيه، وتأكيداً عليه بالقواعد والأصول الاستدلالية والبرهانية، ونفياً لرأي المشهور، وتضعيفاً له، وكشفاً عن ثغراته وما يعتريه من ضعف وخلل وعدم تماسك.

وسوف نتحدث لاحقاً عن بعض هذه الآراء والاجتهادات، والجديد الذي تميزت به عن رأي المشهور. ولولا هذا التحرر من سلطة القدماء وهيبتهم ما انبعث اليوم في داخل الفقه الإسلامي هذا المنحى الفقهي الجديد.

-4-

مرجعية الرؤية القرآنية

من السمات الأساسية التي ميَّزت أصحاب المنحى الفقهي الجديد في تكوين رؤيتهم للمرأة استنادهم الواضح إلى القرآن الكريم في الاستنباط الفقهي، وفي محاكمة الروايات الواردة في كتب الحديث، وفي اكتشاف رؤية الإسلام الكلية للإنسان والمجتمع والكون، وملامح ومكونات هذه الرؤية في مجال المرأة.

فقد وجد هؤلاء أن هناك مفارقة بيِّنة بين الصورة التي يعرضها القرآن الكريم للمرأة، والصورة التي تعرض لها الكثير من الروايات في السنة الشريفة، فالقرآن الكريم تحدث عن نماذج للمرأة متعالية عن تلك النواقص التي أشارت إليها بعض الروايات وربطتها بالمرأة، ومن هذه النماذج امرأة فرعون التي ضرب القرآن الكريم بها مثلاً للذين آمنوا، في إشارة لعظمة هذا الموقف، والحاجة الملحة لتذكره المستمر، والاعتبار به في كل زمان ومكان، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [18]، فقد صوَّر القرآن بهذا النموذج كيف يمكن أن يتغلب الإيمان عند المرأة وهي في قمَّة مركز السلطة والجاه والرفاه والنعيم الذي لا يُضاهى ولا يُوصف، ومن الصعب التخلي عنه، في ظل هذه الأجواء التي تظهر عادة ضعف المرأة لكونها ميَّاله بطبعها إلى الرخاء والنعيم، وإلى الجمال والزينة، في ظل كل ذلك أظهرت امرأة فرعون إيمانها، وكشفت عن قوة حقيقية في شخصية المرأة جعلتها تتغلب على الضعف الذي هو من أكثر ما يميز المرأة.

ولعل القرآن الكريم تقصَّد أن يسمي هذه المرأة باسم امرأة فرعون حتى يضرب بها مثلاً، وعندما قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ كأنها أرادت أن تُصوِّر مستوى النعيم والرفاه الذي كان يحيط بها من كل جانب، وأرادت من الله أن يُعوِّضها عن ذلك ببيت في الجنة، فالمرأة التي تظهر هذا المستوى من الإيمان، ويتغلب عندها الإيمان في مثل هذا الموقف الذي يختاره الله ليضرب به مثلاً حتى يتذكره الناس وينتبهوا إليه، فهل يصح بعد ذلك القول والادِّعاء أن المرأة والنساء ناقصات الإيمان!

والنموذج الآخر الذي تحدث عنه القرآن الكريم، هو نموذج بلقيس ملكة سبأ، في إشارة منه لتصوير رجحان العقل عند المرأة، وهي القصة التي لا يكاد الحديث يتوقف عنها في كل حديث يتناول موضوع المرأة ويقترب منه، وذلك لشدَّة أهمية هذا الموقف الذي يظهر حكمة وتعقل المرأة في أشد الظروف خطورة، ولكون الموقف يتحدث عن علاقة المرأة بالحكم والدولة، وهو من المواقف البليغة للغاية التي تحدَّث عنها القرآن، وهو من أكثر المواقف أهمية في دحض تلك التصورات التي تنتقص من مكانة ودور المرأة.

كما تُعَدُّ هذه القصة أهم قصة تحدَّث عنها القرآن حول علاقة المرأة بالحكم والدولة، حيث يقول تعالى: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ المُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [19].

وأول ما يلتفت إليه الشيخ محمد مهدي شمس الدين وهو يتحدث عن هذه القصة، أنه لم يرد في هذه الآيات تنديد أو نقد لكون بلقيس ملكة بوصفها امرأة، كما لم يرد تنديد أو نقد لشعب سبأ على أنه خضع لحكم امرأة وهي بلقيس، ويُعلِّق الشيخ شمس الدين على هذه الملاحظة في الهامش بقوله: «وهنا نلاحظ أنا لا نجد في القرآن كله منعاً أو ذمًّا لكون المرأة ذات سلطة في المجتمع، أو لكون المجتمع محكوماً ومقوداً من قبل امرأة» [20].

ويختتم الشيخ شمس الدين ملاحظاته حول هذه القصة بقوله: «إن هذا المثال يكشف عن أن شخصية المرأة مؤهَّلة للحكم والقيادة كالرجل، وأنها كالرجل أيضاً يمكن أن تقود إلى خير ويمكن أن تقود إلى شر، وأن الضعف والخوف والقصور الفكري ليست طبائع في المرأة، بل هي نتيجة تربية خاصة وثقافة معينة درجت بعض المجتمعات عليها» [21].

وقد أظهر لنا القرآن الكريم في هذه القصة كيف أن المرأة يمكن لها التفوق على الرجل في أهم أمرين طالما حاول الرجل أن يتملكهما لذاته، ويعدّهما من أوثق الأمور ارتباطاً بهوية الذكورة وطبيعتها، هما العقل والسلطة، وأراد أن يوجه المعرفة والتاريخ بما يخدم هذا الأمر والبرهنة عليه، وهذا ما دحضته هذه الآيات التي صوَّرت انحياز المرأة إلى العقل حين شاورت بلقيس أهل الحل والعقد عندها ولم تستبد برأيها ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ في مقابل انحياز الرجل إلى القوة والتظاهر بها ﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾.

فالمرأة التي يصوِّرها القرآن الحكيم برجحان العقل فهل يصح لنا اتهام النساء بنقصان العقل!

وبعد أن تطرق الشيخ شمس الدين لهذه الأمثلة والقصص أراد منها التأكيد على ما أسماه مرجعية الرؤية القرآنية في عملية الاستنباط الفقهي، حيث رأى أن تلك الأمثلة تكشف عن الرؤية الإسلامية لموقع المرأة في نظام القيم ونظام الحقوق والواجبات في الشريعة الإسلامية، وأن هذه الرؤية القرآنية -حسب رأيه- هي المناخ التشريعي للأحكام، فهذه الأحكام ليست بلا جذور، وليست بلا إطار وفلسفة، بل هي تركز على قاعدة عامة تعبّر عنها هذه الرؤية القرآنية، وبذلك تكون هذه الرؤية مرجعاً في فهم النصوص التشريعية وتفسيرها [22].

وحين أشار الشيخ شمس الدين إلى منهج التعامل مع النصوص الواردة في السنة حول المرأة والأسرة أكد ضرورة ملاحظة هذه النصوص على ضوء التوجيه القرآني، وأما ملاحظتها بمعزل عن التوجيه القرآني فسوف يؤدي حسب تقديره إلى خلل في عملية الاستنباط.

وعند الشيخ يوسف الصانعي نلمس وبوضوح كبير استناده إلى القرآن الكريم وإلى الأصول القرآنية في دراساته الفقهية حول المرأة، وعلى أساس هذه الأصول القرآنية ظل يُحاكم ويرجِّح الروايات


محنة الاستبداد السياسي والاجتماعي في العالم العربي

7 أغسطس 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

يمر عالمنا العربي والإسلامي في الوقت الحاضر بأزمات داهمة ومقيمة([1]) حالت دون وصوله إلى تحقيق الحد الأدنى من تطلعاته وأهدافه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وذلك في أن يرتقي بواقعه إلى مستوى الحياة اللائقة أسوة بباقي شعوب وحضارات العالم.. وأن يعيش معها بسلام وعدل وتكافؤ إنساني.

 وقد تعرض الشعب العربي على مدار تاريخه السياسي الحديث لأهم تلك الأزمات وهي أزمة وجود الأنظمة الشمولية التي وصلت إلى السلطة بقوة السلاح والمال، وتسلطت على رقاب العباد والبلاد باللاشرعية، وحافظت على طغيانها ووجودها بالسيف والعسف والقمع والاستبداد.. الأمر الذي جعل هذا الشعب العربي يفضل الركون والسلامة، ويلتزم أقصى حدود الانضباط في مواجهة جحافل الأمن والجيوش والاستخبارات.

 من هنا ـ وفي مواجهة ما يحدث- يمكن أن نعتبر أن صمت الشعب العربي من المحيط إلى الخليج (على كل تلك الهزائم والمآسي السياسية والاجتماعية) ما هو إلا نتيجة طبيعية ومنطقية لكل تلك الممارسات الظالمة التي ارتكبت بحقه، ولذلك ينبغي علينا ألا نتوقع من مواطن جائع خائف محبط مستضعف، عاطل عن العمل، وفاقد للأمل، أن يخرج معارضاً أو مناصراً لقضية معينة، إذ أن لديه ما يكفيه من الهموم والمخاوف والأزمات والابتلاءات والضغوطات اليومية على الصعيد المعيشي والشخصي والاجتماعي، وحين يفرغ منها قد يفكر بالشأن العام.

   وقد يبدو صحيحاً أن طبيعة "التواجد الجغرافي المميز" للعرب والمسلمين في موقعهم الراهن -المليء بالثروات والموارد والطاقات المادية والبشرية الكبيرة التي لن تنضب خلال مئات (وربما آلاف) السنين- هو أحد أهم الأسباب التي جعلت (وتجعل) هذه المنطقة عرضةً ـ على الدوام ـ لمختلف ألوان المؤامرات والفتن والاضطرابات والمخططات الإقليمية والدولية الرامية إلى تعميق سيطرتها وهيمنتها المباشرة على مقدرات المنطقة، ونيل ما يمكن نيله من مكاسب خاصة بالدول الكبرى، وتحقيق منافعها ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية على حساب المصالح الأساسية الخاصة بالسكان الأصليين والمالكين الحقيقيين لهذه المنطقة.

 ولكننا نعتقد بأنه من الأهمية بمكان أن نلاحظ أنه وبالإضافة إلى الدور المركزي الذي يلعبه "العامل الجغرافي" -في مجمل الأزمات التي عانت منها منطقتنا الإسلامية (وهي لا تزال تتلاحق فصولاً، وتتوالد ذاتياً وموضوعياً على مختلف الأصعدة والمستويات)- فإننا يجب علينا ألا نغفل عن أهمية العامل الداخلي في وصولنا إلى هذا المستوى المنحدر والخطير في أفكارنا وسياساتنا العملية التي نعاني فيها جميعاً من تعمق وتجذّر وامتداد ظاهرة وفكرة "الاستبداد([2]) المركّب والشامل" على كافة مواقع حياتنا فردياً ومجتمعياً.. ولذلك نحن نعتبر أن هذا المرض هو أهم مشكلة تعيشها الأمة في وقتنا المعاصر، وهي تريد أن تنفض عن نفسها ركام التخلف والاهتراء الحضاري، وتتحرك في الحياة والتاريخ لتنهض وتتطور وتزدهر وتنافس.. ولكنها حالياً لا تملك الطاقة الحركية التي تدفعها لبناء واقعها.. وهي طاقة الحرية المسؤولة والقدرة الواعية على الاختيار الصحيح والتفكير العلمي الممنهج، والتعبير السليم، والإبداع المتنامي المتراكم.. لأنها لا تزال في وضعية المتلقي والمتأثر والمنفعل بسبب بقائها مسجونة في قفص الاستبداد الذي صنع حواجز نفسية وفكرية وتاريخية عميقة يمنعها عن الحركة الإيجابية نحو بناء المستقبل المشرق.  

 فالاستبداد والتسلط بمختلف ألوانه وأشكاله هو شيء أعمى يسير عكس حركة التاريخ والحضارة والحياة الإنسانية الطبيعية.. لأنه يقف على طرفي نقيض من حرية الإنسان، ومن قدرته على تحقيق الاختيار السليم، بل إنه يشل طاقة التفكير واستخدام العقل والفطرة الصافية عند الإنسان، ويرهن مصائره للمجهول، ويجعله أسيراً بيد الجهل التخلف.. وهنا تقع الكارثة الكبرى عندما يفقد هذا الإنسان حريته.. لأنه يفقد معها كل شيء جميل في الحياة.. إنه يفقد العزة والكرامة والأخلاق والعلم، وبالتالي يكون مصيره الموت المحتم أو العيش على هامش الحياة والوجود.

 هذا وقد أدى تفاقم وضعية الاستبداد في بلادنا ـ مع تقادم العهود والأزمان- إلى قيام أنظمتنا وحكوماتنا المستبدة والمتسلطة بالضغط المستمر على العباد والبلاد، وعدم اهتمامها بأبسط حق من حقوق الإنسان وهو حق التعبير عن الرأي والاعتراض السلمي الهادئ على الممارسات الخاطئة والسياسات الظالمة الفاسدة والمفسدة([3]) التي أصبحت تتحرك علانية هنا وهناك، وبدأت تفعل فعلها السلبي في جسد هذه الأمة، خصوصاً بعد أن قام أصحابها بتقنينها ووضعها قسراً ضمن أنظمة السلوك اليومي الذي يجب أن يسير عليه الفرد والمجتمع، الأمر الذي أدى إلى أن ننتقل من هزيمة إلى أخرى ومن خسارة إلى أخرى، حتى وصلنا ـ في عالمنا العربي والإسلامي ـ إلى مرحلة الضياع والتشتت واللاتوازن، وبالتالي فقداننا القدرة على العمل والحركة، وامتناع واقعنا المتردي على الإصلاح (أو التغيير!)، وانتظاره التوجيهات والأوامر من البيوت السوداء والبيضاء.

 وبالنتيجة كان من الطبيعي جداً أن نصل إلى ما وصلنا إليه الآن ـ في داخل اجتماعنا الديني العربي والإسلامي ـ من انهيار وتفكك وتفرق، حتى تكالبت باقي الأمم علينا، بعد أن سيطرت الدولة المركزية والشمولية (الحديثة!) على كل مواقع الحياة العربية والإسلامية، وعلى حساب كل التنظيمات والمؤسسات الأصلية التي تتكون منها مجتمعاتنا الإسلامية.. حيث رأينا كيف فرضت تلك الدولة (بقوة الحديد والنار) وصايتها على المجتمع كله، وضربت قواه الأهلية والمدنية الحية، وسيطرت عليها بالكامل (إلغاءً أو إلحاقاً وتبعية).

 من هنا كان التحدي الأبرز والأهم الذي بات يواجه مجتمعاتنا الإسلامية ـ بمختلف نخبها وتياراتها وقواها الحية الفاعلة ـ هو ظاهرة "الطغيان والاستبداد السياسي" التي أضحت مسؤولية زعزعة أركانها وبالتالي إسقاطها ضرورة حيوية، ومدخلاً جوهرياً لإحداث أي تغيير أو إصلاح في عالمنا العربي الذي لا نزال نعايش فيه سلطات وأنظمة تسلطية قائمة على كمّ ٍهائل من مفاهيم القوة والضبط والردع والكبت والقمع، بما يسمح لها الحفاظ الأعمى على وجودها وديمومتها السلطوية حتى لو وصل الأمر أن تتآمر على جماهيرها مع المعتدين والمستكبرين الذين تدعي علناً مواجهتهم، وهي ـ في الحقيقة ـ تستغل كل الفرص لنيل ودّهم ورضاهم.

 فها هي السلطات العربية ـ القوية والشديدة جداً على شعوبهم، والضعيفة جداً أمام أعدائها ـ تعجز ـ وهي التي لا تزال تصم آذاننا بضرورة أن نسلم لها، وندفع تكاليف حروب لم تقع، وأسلحة مكدسة لم تستخدم، وأن نقدم أثماناً باهظة لأسلحة مخزونة في صحارى البؤس والعجز والموت ـ إنها تعجز (وهي القادرة أصلاً من خلال ثرواتها وإمكاناتها الضخمة) عن وضع خطط عملية لمواجهة المشروع التفتيتي الأمريكي ـ الصهيوني الذي يفتك بجسد الأمة، لا بل إنها لا تستثمر وجود هذا المشروع للبدء بإصلاحات جدية، وتحقيق انفراجات سياسية واجتماعية حقيقية، والانفتاح على شعوبها، ورفع مستواهم المعيشي والحياتي، وفسح المجال أمامهم للتعبير عن آرائهم وممارسة حرياتهم.. لكنها بالمقابل تستغل الخطر الصهيوني المحدق بالأمة فقط لكي تزيد من سطوتها وجبروتها وتحكمها بناسها ومجتمعاتها.

 وفي ظل وجود هكذا مناخ عام من القهر والقسر والضياع الكلي الشامل ـ الذي يتسبب به الاستبداد السياسي ـ فإنه لا يمكننا أن نتصور أبداً أن تقوم الدول والمجتمعات المصابة بتلك الآفة الخطيرة (ومنها مجتمعاتنا العربية والإسلامية) بأي منجز حضاري مشهود له، أو حتى تحقيق أي استثمار فعال لطاقتنا الحية في الخلق والابتكار في هذا الموقع أو ذاك إلا فيما ندر.. لأن طاقة معظم أبناء تلك المجتمعات (مجتمعات الاستبداد) ليست موجهة نحو العمل المنظم الفاعل المنطلق من خلال ضرورة ممارسة واجب النقد وتعميق الحس النقدي في الأمة، أي نقد الذات([4]).. وإنما الملاحظ أن طاقة أبناء الأمة موجهة أساساً باتجاه تحقيق غرض واحد هو تحصيل الحد الأدنى من لقمة العيش اليومية، ولذلك فإن هؤلاء لا يجدون ـ كما قلنا سابقاً ـ الوقت الكافي للتفكير أبعد من مرحلة "اللهم أعطنا خبزنا كفاف يومنا" أو بالتعبير العامي: "نمشي الحيط الحيط ونقول: يا رب السترة".. على اعتبار أن النظم الحاكمة عندنا (التي عسكرت مجتمعاتنا أو دجنتها من أجل أن تحسن الامتثال والتصفيق وتقديم فروض الطاعة وطقوس الولاء الأعمى للزعماء والرؤساء.. حتى تحولت مع الزمن إلى مجتمعات ميتة سياسياً، وفقيرة اجتماعياً، ومفقرة اقتصادياً، وبائسة ومحبطة ثقافياً.. ولذلك فهي قليلة الفاعلية والأثر، ليس فقط في أحداث العالم، بل في قضايا العرب المصيرية، إلا على نحو سلبي أو عقيم أو مدمر) قد سحقت ـ على امتداد كل هذه السنوات الطويلة، منذ عهود الاستقلال وحتى الآن ـ كل قيمة إيجابية، وإرادة خيرة عنده الفرد العربي والمسلم، وضربت كل مواقع العزة والكرامة لديه.. أي أنها أنهت مجمل الصفات والخصال النفسية الراقية التي من المفترض أن يتمتع بها أي إنسان صاحب هدف ومبدأ حقيقي في الحياة، والتي تدفعه لإحداث عملية التغيير والبناء والتضحية في طريق ذات الشوكة، ودفع الأثمان المترتبة على ذلك.

 لذلك إننا نعتقد أن الكتلة الشعبية العربية والإسلامية الراهنة ـ التي تشكل القاعدة الأساس في إحداث أي عملية تغيير أو إصلاح ـ قد أضحت معطوبة ومصابة([5]) بداء انعدام القدرة على العمل والتغيير، أي أنها أصبحت كتلة غير صالحة نفسياً وتاريخياً لعمل أي شيء سوى الكلام في الهواء والصراخ في البيوت، وأحياناً في صالات ودهاليز المؤتمرات.. الأمر الذي بات يتطلب ضرورة وجود كتلة تاريخية وشعبية جديدة تمتلك مقومات وخصائص نفسية فعالة مختلفة كلياً عما هو سائد عندنا الآن من أنماط فكرية وسلوكية([6]).. بحيث تكون قادرة معنوياً ومادياً على خلق الوقائع وإنتاج الحقائق اللازمة لممارسة الحرية الصحيحة والمسؤولة.. لأن الحرية هي الثمرة الطبيعية للنهوض والقدرة والفاعلية. والقدرة والفاعلية هي فعل خلق وبناء مستمرين، بقدر ما هي صناعة تحويل وتوليد.. وفعل الخلق والتوليد يحتاج إلى قيم معنوية ونفسية يجب أن تتوافر عليها الكتلة التاريخية المغيرة.

 طبعاً نحن لا نريد أبداً أن نعطي صورة مأساوية سوداوية عن الواقع العربي والإسلامي الراهن، وكأننا العجز المطلق هو المشهد النهائي الطاغي حالياً، كما وإننا لا نريد أن نصور أميركا وإسرائيل (أعداء الأمة) وكأنهم القضاء والقدر الحتمي المفروض على شعوب وحضارات العالم أجمع، ولكننا نريد أن نعطي للواقع العالمي الراهن صورته الواقعية الصحيحة لكي نتمكن من إنجاز شروط مواجهته بحسب المنطق العلمي والعقلي القائل بأن النتائج تأتي تبعاً لمقدماتها.. حيث أن مواجهة الحقائق الواقعية، وتقدير حجم وقوة العدو الحقيقية هي من أهم أسباب تحقيق النصر الحاسم في ساحة المعركة.. ونحن عندما نتحدث عن ضرورة تقدير واقعية الأشياء، فإننا نرفض بشدة منطق التخويف والهزيمة النفسية الذي يستخدمه أصحاب النفوذ والقوة في أي مجتمع في محاولتهم فرض أمرهم الواقع على الناس.. وهذا أمر أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ]فاستخف قومه فأطاعوه [.. حيث أن فرعون كان يستخدم أسلوب الهزيمة لدى الناس، ليفرض إرادته واستكباره عليهم.

 بناءً على ذلك يجب أن لا نفزع من كل تلك الأساليب..بل يجب أن نكون أقوياء، وأعزاء بالله تعالى، وأن نردد مع القرآن قوله تعالى: ]الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل[.. فالله تعالى يريدنا هنا أن نعيش معه، مع كلماته وقرآنه([7])، ليوجه حياتنا، وينظم مساراتنا، ويدعم كياناتنا النفسية.. لأننا إذا انفصلنا عن الله القرآن ـ الذي هو محور حركة المسلمين ـ انفصلنا عن ذواتنا وقدراتنا وطاقاتنا، وعشنا حالة الرعب والهزيمة النفسية والروحية التي يحاول الآخرون فرضها علينا في مواقع مختلفة، وهي هزيمة أن يهرب الإنسان من ذاته وثقافته الأصيلة، ومحددات سلوكه العملي القيمية الإسلامية الأصيلة.. أي أن يفر الإنسان من قوميته، وعروبته، وإسلامه وربما من إنسانيته.. ليتحول إلى مجرد مطية يركبها الآخرون، ويتلاعب بها ذوي المصالح والنفوذ والأهواء النفعية.. أجل هذه الهزيمة الداخلية، وهي أشد الهزائم تأثيراً وخطورةً على حياة الأمم والشعوب والحضارات من الهزائم العسكرية والأمنية التي قد تلحق بها.

 من هنا نحن نعتقد أن القضية الملحة الآن هي قضية تحرير الذات والبنية العربية الإسلامية (انطلاقاً من الفرد ووصولاً إلى الدولة) من علاقات النفي والنفي المتبادل إلى علاقات التكامل، من عدم الاعتراف بحق الأفراد في الاختلاف إلى قيام أوسع دائرة من الاعتراف بحق الاختلاف في الاجتماع العربي والإسلامي.

لكن هذا التحرير المطلوب للذات الإسلامية لن يحصل أبداً من فوق، بل لابد من إعادة تربية أجيال هذا الأمة على الهدوء النفسي والأمن من الخوف، باعتبار أن هذه القيم هي الشرط الأول لسعادة الإنسان، ولنجاحه الدنيوي..

 لأن المجتمع الذي لا يأمن أفراده على آرائهم واعتقاداتهم وتعابيرهم المختلفة والمتعددة، وتكون حياتهم مقترنة بالاضطراب والقلق والإحباط واليأس، فإنه لا مجال أبداً عند ذلك لتحقيق ونيل السعادة الحقيقية والكمال الواقعي الفردي والمجتمعي لهم.. فالعدالة الاجتماعية هي القوة الوحيدة التي تستطيع أن تبعث الاطمئنان والهدوء إلى النفوس، وتهب الأشخاص الأمن والسكينة والاستقرار.. وهذا الأمر لا يتوفر إلا في ظل الدولة التي يسوسها القانون والعدالة، الدولة التي رسمت حدود اختصاصات المسؤولين والشعب فيها بموجب القوانين العادلة، والتي يكون المسؤولون فيها مطيعين للقانون، ومنفذين له قبل غيرهم، ويسلكون سبيل العدالة في أحكامهم، ولا يسمحون لأنفسهم بأقل انحراف أو تجاوز على حقوق الآخرين.. وهذا ما يؤكده أحد كبار المشتغلين بهمهم وشؤون التربية، العلامة محمد تقي فلسفي في كتابه حول "الطفل بين التربية والوراثة" من خلال أن هناك ما قد يشعر به جميع الأفراد في داخل أنفسهم من هدوء وأمان، فلا وحشة ولا قلق، ولا ظلم يصيب المواطنين من المسؤولين والمسيطرين على زمام الحكم.. حيث أنه في دولة كهذه يكون طريق التكامل والتعالي مفتوحاً أمام جميع الناس، وباستطاعة كل فرد أن يعمل لسعادته بارتياح واطمئنان، ويستفيد من نتائجها المهمة.. أما الدولة التي يسيطر عليها الاستبداد والتعنت والقهر، ولا يحترم فيها القانون والعدالة أصلاً، ويفقد الحق والإنصاف معناهما فيها..فلا حرية هناك، بل يسود سماء الأمة قلق واضطراب ويفقد الأفراد هدوءهم، يقضون ليلهم ونهارهم في الخوف أو يكونون عبيداً لا إرادة لهم قبال أسيادهم، وفي كل لحظة يمكن أن يسيئ الحاكم إلى شخص أو أشخاص من أفراده ويحمل كالحيوان المفترس عليهم، ويهجم على كرامتهم ووجودهم بلا قيد أو شرط.. فينهي بذلك حياتهم.. وهكذا فإن الحياة في دولة كهذه لا تعني إلا الشقاء والحرمان، وهناك يستحيل على الأفراد الوصول إلى الكمال اللائق بهم كبشر، وينغلق الطريق أمامهم نحو السعادة.. في مثل هذه الدولة يحترم الأفراد حاكميهم بدافع من الخوف والأمن من الضرر، ويطيعون أوامرهم صوناً لدمائهم.. ولكنهم في الواقع يصبون سيل اللعنات عليهم.

 والجدير ذكره هنا هو أن التزام وإطاعة الناس للقوانين والأنظمة في ظل الحرية والعدالة، تكون ناشئة من الشعور بالواجب وتحمل المسؤولية الكاملة، والميل للحصول على السعادة، أما في ظل الحكومة الاستبدادية التي يساس فيه الناس بالقوة والعنف والقسوة والقهر، فإن منشأ التزام الناس الظاهري بالأنظمة هو غريزة البقاء و حفظ الذات، لأنهم يعلمون أنهم عند ارتكابهم أبسط مخالفة فسيكون عقابهم عليها شديداً جداً.. يقول مونتسكيو في كتابه (روح القوانين ص32): " تتطلب طبيعة الحكومة في النظام الاستبدادي نوعاً من الإطاعة اللامحدودة. ولا يوجد في هذه الحكومات ما يتعرض للأوامر الصادرة من تغيير، أو إمهال، أو موعد، أو مفاوضات، أو انتقادات، أو وساطة".

 هذا وقد رفض الدين الإسلامي الاستبداد بالمطلق، باعتبار أنه جاء أساساً لإخراج الناس جميعاً من ظلمات الجور والاستبداد إلى نور الحرية والعدل في ظل الحكم الصالح، والمجتمع الصالح العادل.. كما ونظر الإسلام نظرة سلبية للظلم والظالمين.. وعرفهم للناس جميعاً على أساس أنهم أحقر الناس وشرهم في مقام الحكم الإلهي.. جاء عن رسول الله3 أنه قال: "ويل لمن تزكيه الناس مخافة شره، ويل لمن أطيع مخافة جوره، ويل لمن أكرم مخافة شره"([8]).. وفي حديث آخر يقول3: "ألا أن شرار أمتي: الذين يكرمون مخافة شرهم، ألا ومن أكرمه الناس اتقاء شره فليس مني"([9]).

 أمام كل ذلك نتساءل كيف يواجه المثقف العربي حالة العجز المطبق التي تعاني منها هذه الأمة المشتتة والمتفرقة الأهواء؟! ما هو موقفه من كل هذه الانتكاسات والهزائم المتلاحقة التي مرت (وتمر) الأمة بها.. وكيف يقرأ الأحداث التي تتسارع في محيط أوسع من العجز الأشمل والأقدم.. وأعني به العجز السياسي، والعجز الاقتصادي، والعجز في القدرة على إدارة الثروات، وإدارة المشروعات، وصنع وإدارة الحضارات([10])؟!..

 في الواقع تتجلى أهمية المثقف ودوره في كونه ضمير الأمة وعقلها الواعي وصاحب البصيرة النافذة والفعالة التي يفكر بها مع الأمة، ويشير من خلالها إلى مواطن الخلل والضعف القائمة في جسم الأمة.

 ولذلك فإن الدور المنوط بالمثقف حالياً هو الاستمرار في التركيز على "الجانب النقدي العملي"([11])، ومن ثم المساهمة الفاعلة في تكوين وصياغة أسس ومقومات بناء الكتلة النوعية العربية المؤثرة التي أشرنا إليها سابقاً، إذ أن إصلاح الأمة بالوسائل والأدوات الموجودة معنا، والرهان على الأفراد القائمين عليها حالياً لم يعد يجدي نفعاً على الإطلاق..

 فهذه النظم وتلك الحكومات أصبحت شبه معدومة التأثير، وقد كان من الممكن لنا أن نعذرها، أو أن يكون المرء متسامحاً معها ـ بالرغم من عجزها السياسي والعسكري عن مجابهة القوى الكبرى التي تمتلك آلة عسكرية نوعية قوية ومدمرة ـ لو كانت تلك الحكومات قد نجحت في تحديث الأمة وتطويرها، وإنهاضها من غفوتها، تماماً كما فعلت حكومات مجتمعات كثيرة أخرى كانت أكثر تخلفاً من مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ولا تمتلك ما نملكه نحن من الطاقات والموارد والثروات الطبيعية الهائلة.. ولكنها استطاعت ـ بالرغم من كل ذلك ـ قطع أشواط طويلة وبعيدة على طريق الاقتدار والتمكن الاقتصادي والاستقلال السياسي، أو على الأقل المنافسة أو الشراكة السياسية على قدم من المساواة في الكرامة والاحترام المتبادل، والندية السياسية والاقتصادية، وان لم يكن في الحجم أو الثقل أو الغنى أو القوة.

 وأما في حالتنا العربية الإسلامية فإننا نرى العجب العجاب إذ أننا من أغنى دول وحضارات العالم في الثروات الطبيعية والإمكانات البشرية التي سببت لنا كثرتها في سبعينيات القرن الماضي أزمة حقيقية حيث أننا كنا نبحث عن أفضل الطرق وأحسن وأيسر السبل لتوظيف واستثمار تلك الطاقات بشكل يلاحق سرعة تكدسها وتراكمها، وإذا هي تتلاشى وتتبخر في أقل من عشرين عاماً كما تتبخر ماء البحيرات، وتترك مكانها عجزاً كبيراً في ميزانيات دول النفط نفسها التي أصبحت عاجزة مالياً، وموازينها التجارية خاسرة إجمالاً!!.ولعل هذا ـ كما قال أحد الكتّاب ـ هو أكبر عملية إهدار للثروة القومية الشاملة لمجتمع على وجه الأرض وعبر التاريخ كله.. ولا حياة لمن ينادي، ولا أحد يراقب، أو يحاسب.

 ولذلك لو كان عندنا "حياة سياسية صحيحة" ، ما كنا وصلنا إلى هذا الوضع الكارثي الذي نعاني فيه ـ كما أسلفنا ـ غياباً للقدرة على منع الاستبداد، ودوراناً مفرغاً للتاريخ السياسي العربي حول أزماته وتعقيداته.. والحياة السياسية الصحيحة والحقيقية التي أعنيها هي ـ بالعنوان الأولي ـ إعادة السياسة إلى حضن المجتمع (أي أن تصل الحكومات إلى السلطة والحكم بقوة الانتخاب الحر والنزيه والقانون العادل ومعايير الكفاءة وخدمة الناس والمجتمع، وليس بقوة القهر والقمع والمعتقلات) وإدخال الشعوب العربية والإسلامية في صلب العملية التنموية الشاملة، ونزع القيود عن مشاركتها الفاعلة في الحركة الوطنية العامة، والتعامل معها كأفراد يحتاجون إلى الاحترام والتقدير والكرامة والعزة، والشعور بالحرية والثقة بالنفس.. وفي تصوري طالما أن الآخر الغربي ـ وغير الغربي ـ يرى (ويتأكد عملياً في كل يوم) أن الحكومات العربية لا تحترم شعوبها ـ وتعاملهم بقسوة وشدة وكأنهم أعداء لها من خلال تدعيم العقلية الأحادية الاختزالية، وتوثيق النظرة الأمنية دائماً ـ فإنها لن تتردد لحظة واحدة في زيادة الضغط على هذه الدول والحكومات، ورفع سقف التنازلات أمامها بهدف حصد المزيد من المكاسب والمصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.

 من هنا ـ وطالما أن المحن والمصائب لا تزال تتدافع وتتوارد علينا من هنا وهناك (توارد وتدافع الأكلة على القصعة)، وقد عجز الجميع عن مواجهتها بأضعف الإيمان ـ فإن الواجب يقتضي منا أن نجعل منها وسيلة فعالة لتعرية الإستراتيجيات الحقيقية والمصالح المتبادلة لكل من الاستبداد الداخلي([12])والاستعمار الخارجي.. حيث أن كل دعوة وطنية مفصولة عن الحرية خداع, وكل دعوة للتعددية السياسية الحقيقية مفصولة عن التضامن الإنساني بين الجماعات والبشر كذب قراح.. فلا وطنية ـ كما يؤكد برهان غليون ـ من دون مواطنين أحرار، ولا ديمقراطية (وتعددية حقيقية مضمونة) من دون علاقات دولية متكافئة.

 وبالنظر إلى ذلك يمكننا أن نقرر هنا بأن المستقبل الثقافي والسياسي للعرب والمسلمين في هذا العصر (بما فيه مستقبل الصراع الوجودي مع العدو) سيتحدد من خلال طبيعة الشروط النفسية والعملية التي ستتمتع بها الكتلة الشعبية الحيوية المغيّرة في داخل عالمنا العربي والإسلامي لاحقاً، وبخاصة ما يتعلق منها بالإرادة المستقبلية الحركية لشعوب هذه المنطقة القادرة على مواجهة عوامل تخلفها الداخلية أولاً التي أنتجت مناخات الاستبداد المقيت حيث أنه من المعروف للجميع أن الاستبداد لا يسود في أي مجتمع إلا في حالة تخلف البنى السياسية والاجتماعية والثقافية والحقوقية لهذا المجتمع (التي تعتبر أساس استعداد الناس لتقبل واقع الاستبداد، واتخاذ موقف سلبي من مقاومته) والتي تتمظهر من خلال سيادة العلاقات والأنماط السلوكية البدائية بين الناس ـ كالعلاقات القبلية والعشائرية والطائفية التي حاربتها بقوة الأديان السماوية ومنها ديننا الإسلامي الحنيف ـ وقابلية الناس للخضوع لإرادة النخب والقادة والزعماء، وغياب مفهوم الحق المرتبط بالواجب، والحرية المرتبطة بالاختيار والمسؤولية الواعية، وسيادة مفاهيم خطأ عن مفاهيم التوكل والانتظار والقناعة والرضى، وو.. الخ، يلجأ إليها الناس لرفع المظالم عنهم عندما تشتد مظالم المستبدين والطغاة، بدلاً من الفهم الصحيح للقول المأثور "اعقلها وتوكل" أو الفهم الصحيح لمدلول الآية الكريمة ]إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم[ أي الاعتماد العملي الفاعل على الله تعالى، المتجسد من خلال قيام الإنسان بالحركة والعمل الأساسي الأولي، وهو فعل وحركة مقاومة الاستبداد نفسه.

 من هنا نقول بأنه إذا ما استطاعت تلك الكتلة أن تخوض معركة التحرير في الداخل على مستوى إنتاج سلطة شرعية قادرة على امتلاك زمام ذاتها، والتصرف بحرية واختيار دون وجود موانع قمع واستبداد، بالاستناد على آلية العمل التعددي السياسي، والاعتراف بالآخر، ومن ثم العمل على بناء علاقات عربية وإسلامية تكاملية في كل المجالات، فإن الأمة عند ذلك ستكون قد وضعت نفسها على بداية الطريق الصحيح المؤدي إلى أن تتحرك بإرادتها هي على طريق النهوض والشهود الحضاري من خلال ما تمتلكه من قوى وإمكانات منظورة وغير منظورة..

 ونعود هنا مجدداً للتأكيد على أن امتلاك الأمة لقوى وقدرات كامنة في داخلها تؤهلها للعب أدوار حضارية وإنسانية قوية متعددة في عالم اليوم والغد (دور الأمة الوسط الشاهدة على نفسها وعلى غيرها من الأمم والحضارات) هو أمر غير كاف على الإطلاق، حيث أن كل الأمم تمتلك قوى كامنة غير منظورة في داخلها جسمها الحضاري، بل إنه يحتاج إلى إعادة بناء الكتلة البشرية النوعية والحيوية الجديدة التي ذكرناها آنفاً.. كتلة تستطيع تحويل القوى الكامنة الهائلة التي تمتلكها الأمة ـ والتي بدأت تخبو قليلاً قليلاً نتيجة لسوء استخدامها وإدارتها من قبل النخب السياسية الحاكمة ـ إلى قوة حقيقية على أرض الواقع.. وهذا هو برأيي سر وجود وقوة وامتداد أية حضارة على وجه الأرض منذ فجر الخليقة وحتى نهاية الوجود.. وأنا أريد أن أضرب لكم مثلاً بسيطاً هنا على المستوى السياسي النظري([13])، وهو أن الأمة التي تريد أن تكون فاعلة ومؤثرة في العالم المعاصر لا بد أن تكون بحوزتها أوراق رابحة تلعب بها عند الأزمات والتحولات الخطيرة التي قد تمر بها (وهي كثيرة ولاشك على صعيدنا العربي والإسلامي).. هذه الأوراق هي التمثلات الواقعية والأدوات العملية لتلك القوى الكامنة التي يجب تحريكها هنا وهناك لدرء المخاطر، ومواجهة التحديات بعقل هادئ، ورؤية واضحة، وشفافية كاملة (بين قوى الكتلة ذاتها).

 وإن الإقامة على أي صورةٍ من صور الانحراف عن هذا السبيل لاستنهاض الأمة (بحيث تخرج بهذا الانحراف عن العرضية العابرة إلى الوصف اللازم المستقر) فإن احتمال تعرضنا جميعاً إلى خطر الاستبدال سيصبح كبيراً، كما هو واضح في نصوص القرآن الكريم: ]يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتِ الله بقومٍ يحبهم ويحبونه[ وقوله تعالى"..] وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم[.. وهي نصوص صريحة، تتحدث بلغة التهديد والوعيد (وإنزال غضب الله) عن سنة "الاستبدال التاريخي" التي يمكن أن تطال كل متكاسل أو متقاعس عن نصرة الحق والخير.

 والوقت ـ كما نعلم جميعاً ـ يمضي مسرعاًَ، وهو ليس في مصلحة المتخاذلين والقاعدين والمتقاعسين.. وحتى الآن ليس معلوماً متى سينطلق العرب والمسلمون بجدية شاملة نحو الإصلاح الكلي الشامل المرتكز على مشروع نهضوي حقيقي ـ ينطوي بدوره على مكونات أربعة هي الهوية الذاتية الحضارية للأمة وهو الإسلام، والوعي التاريخي، والعمق التاريخي، والذاكرة التاريخية ـ وذلك قبل فوات الأوان، وقبل أن يواجهوا أوضاعاً أكثر سوءاً من الأوضاع السيئة والمزرية التي يعيشونها حالياً قد يتعرضوا من خلالها لخطر تصفية ما تبقي مما يمكن أن نسميه تجاوزاً "أمة عربية" أو "نظاماً عربياًً".

 ونختم قائلين ومؤكدين على أن الإنسان هو القاعدة الأساس في عملية الإصلاح والتغيير والتحوّل نحو مواقع أرقى في الفكر والعمل، ومنطلق ذلك هو بناء النفس الإنسانية التي ستتغير ـ في ضوء طبيعة هذا التغيير الداخلي ـ كل الأدوار والأوضاع والعلائق والروابط الاجتماعية التي هي بمثابة البناء والتأسيس الخارجي للذات الداخلية الكامنة.. "فالإنسان ـالخليفة" هو أساس الوجود، وهو صانع التاريخ، ولذلك فإن تمتعه بقوى العقل والإرادة والاختيار يترتب عليه بناء الخارج.. وهذا ما يمكن أن نراه من تجارب إنسانية متعددة في مختلف المواقع والتي تمثل الروح الجماعية (حيث أن الأفراد يتفاعلون فيما بينهم ـ عند انخراطهم واندماجهم في الهيئة الاجتماعية العامة التي يمثلها المجتمع في مؤسساته وهيئاته ومختلف مواقعه ـ كوجودات حقيقية من جهة الأفكار والمشاعر والأحاسيس والحاجات والمصالح المتبادلة) التي تُنتج إرادة عامة مشتركة تقع عليها ـ تبعاً لذلك ـ مسؤولية النهوض المجتمعي الحضاري.

 

*     *     *

 
الهوامش



 

 




(*) باحث من سوريا.

 



([1]) لا بد لنا من التأكيد هنا على أن حالة الانحطاط الشامل التي يعيشها العالم العربي والإسلامي لا تعني ـ بأي حال من الأحوال ـ أنها حالة انحطاط مطلق وقطعي، أو غير قابلة للاختراق أو المواجهة وبالتالي الإسقاط.. باعتبار أن الأزمات التي وصفناها ـ في المتن العام بالداهمة والمقيمة ـ هي التي ساهمت في وصول عالمنا العربي إلى هذه حالة الانحطاط المعقدة والتي هي نوع من أنواع الانحطاط بطبائع الأمور.

([2]) جاء في المعجم الوسيط أن الاستبداد لغة، هو اسم لفعل (استبدّ) يقوم به فاعل (مستبد)، ليتحكم في موضوعه (المستبد)، فلا بد أن يتجسد الاستبداد في شخص أو فئة، يقال: استبد به: انفرد به، واستبدّ: ذهب. واستبد الأمر بفلان:غلبه فلم يقدر على ضبطه، واستبد بأميره: غلب على رأيه، فهو لا يسمع إلا منه. (راجع المعجم الوسيط ج1، ص42).

 أما في لسان العرب: استبد فلان بكذا، أي انفرد به، فيقال استبد بالأمر، يستبد به استبداداً إذا انفرد به دون غيره. (لسان العرب، ج3، ص81).

وفي شرح نهج البلاغة: الاستبداد بالشيء، التفرّد به.(راجع: شرح النهج لابن أبي الحديد، ج9، ص243).

الصحاح: وإلى ذلك ذهب الجوهري في الصحاح، حيث قال: استأثر فلان بالشيء استبد به.(راجع الصحاح، ج2،ص444، مادة بدد).

القاموس المحيط: كما أشار الفيروز آبادي إلى المعنى ذاته عندما قال: استأثر بالشيء استبد به، وخص به نفسه.(ص341، مادة بدد).

  إذاً الاستبداد هو الاستئثار المطلق بالسلطة والتشبث العنيف بالحكم.. أي سلب الحكم الصالح من أهله وأصحابه الحقيقيين.. وهو يكون عادة مترافقاً مع تجاوز شبه كلي للقانون والنظام الذي يرعى الصالح العام في الدولة، وحرمان الناس من ممارسة حقوقهم الطبيعية في القول والتعبير والانتخاب والمشاركة السياسية الفعالة، بعد أن تتم عملية السيطرة الكاملة على مقدرات الآخرين المادية، وتدمير قيمهم المعنوية والإنسانية، وإلغاء شخصياتهم المستقلة والمتميزة، وتقزيمهم ومسخهم، ليتم تحويلهم إلى عبيد لدى الفرد (أو المجتمع أو الأمة)المستبد، وذلك بفعل القوة المادية القاهرة، والمعنوية المضللة، التي تلغي القوانين وتجعل من إرادة المتسلطين قانوناً يُعمل به، إذ ليس هناك من حد قانوني للطاغية فهو يسخّر كل شئ لإرادته ورغباته ونزعاته.

  ومن المعروف أن الاستبداد يستند أساساً على الموروثات التقليدية المتعددة والمختلفة.. وقد أثبتت التجربة السياسية العربية والإسلامية عموماً منذ عهود الاستقلال أن الدول العربية والإسلامية (التي حققت استقلالها من ربقة ونير الاستعمار الأجنبي، وأنهت التبعية الخارجية المباشرة، ولكنها لم تحقق استقلالها الداخلي بعد) لا تزال مرتهنة قسرياً لتنظيمات أخرى داخل المجتمع كالجيش، أو العائلة/ العشيرة، أو الحزب، أو الطائفة، أو مركب من بعض هذه التنظيمات أو كلها. ويمكننا أن نلاحظ في المثال والحالة السياسية العراقية الراهنة اجتماع كل تلك العناصر تحت قيادة ديكتاتورية ومستبدة واحدة، تقوم على عبادة الفرد القائد الملهم.

([3]) ولعل من أهم أنواع الفساد هو هذا العبث اللامحدود المستشري في بلداننا ومجتمعاتنا بالمال العام وبقوت المواطن ورزقه ومعيشته اليومية.. ويبدو أن الاستمرار في ذلك سيقود الأمة ـ كل الأمة ـ إلى ما ذكره الله تعالى من عواقب وخيمة.. يقول تعالى: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً.

([4]) بما يسمح لها أن تبتعد عن مسألة تحميل الآخرين مسؤولية الإخفاق في إنجاز شعاراتها وأهدافها، وأن تتخلى عن طريقتها التقليدية السائدة حالياً في التفكير وعن استراتيجيتها في إدارة الوقائع ومواجهة التحولات المتسارعة، وأن تعيد النظر أيضاً في طبيعة المرجعيات والخيارات والأدوات والوسائل التي تستخدمها في التقييم والتشخيص كما في العمل والتدبير، وبما يتيح لها بناء القدرة العملية، وممارسة الفاعلية المنتجة لذاتها لكي تكون مؤهلة وقادرة على المشاركة الندية في صناعة العالم، وادارته من خلال إنتاج المعرفة والقوة، وحسن الاستفادة من القيمة وتوجيه الثروة.

([5]) لقد أضحى إنساننا العربي المعاصر ـ نتيجة مرور عهود طويلة صعبة ومريرة من سيطرة وهيمنة أجواء القهر والضغط والظلم والقسر ـ إنساناً مشلول التفكير والإرادة، وعاجزاً عن الحركة الذاتية بأي اتجاه.. إذ أنه يعاني من الأمراض والتشوهات الاجتماعية والنفسية بشكل يجعله غير قادر على التفكير المنطقي السليم، والحركة العقلانية النوعية الهادفة والخالية من الشطط.. وبالنتيجة نصبح أمام إنسان مجرد مهمش، وغير متفاهم مع ذاته ومحيطه، الأمر الذي ينعكس سلباً في وعيه لمصالحه.. وقد رأينا كيف أن المواطن العربي كثيراً ما يتصرف بشكل مضاد لمصالحه ومصالح وطنه وأمته، وهو يفعل هذا بدافع شحنة التشوهات والمتناقضات والعاهات النفسية والاجتماعية التي يعاني منها، والقصور الذاتي الذي هو واقع فيه.. من هنا يأتي تأكيدنا على ضرورة تغير الطبائع والنفوس، كأساس لتغيير الواقع الخارجي.. لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وفاقد الإرادة والحيوية والتضحية ـ وكل قيم الفاعلية والحركية والنشاط والاندفاع العقلاني للعمل المنتج والمبدع ـ لا يمكن أن ينتج في أي مجال من المجالات، بل يبقى في موقع المتلقي والمتأثر والاستهلاك لمنجزات وإبداعات الآخرين.. ومجتمعاتنا العربية كاملة هي خير دليل على ذلك، حيث أنها لا تنتج شيئاً علي الإطلاق، وتستهلك كل شيء مما ينتجه ويصنعه الآخرون.. حتى سياساتها الداخلية المحلية، لا يرسمها أو يخططها قادة وزعماء تلك الدول إلا بما يتناسب مع مصالح الدول الكبرى.. إنها مجرد مجتمعات خاملة مستهلكة تعبة لا تقدم شيئا للحضارة ولا لنفسها، يتحكم فيها مجموعة حكام يفكرون بعقليات بدائية، ويحكمون بلدانهم من زمن بعيد على أسس عشائرية عائلية عاطفية هوجاء، بعيدة كل البعد عن أي منطق أو مبرر عقلي صحيح.

([6]) لاشك بأن للتربية العائلية والاجتماعية دوراً أساسياً في بناء الإنسان الحر السليم في بنيته التفكيرية والسلوكية.. ولكن مرور الإنسان بمراحل حياتية لاحقة يمكن أن يتعرض فيها لصور (وأنماط) شتى من التربية الاستبدادية سيجعل منه إنساناً عديم القدرة على تطوير وجوده الفردي والاجتماعي..لأن الاستبداد هوـ في الأصل ـ سلوك يتعلمه الإنسان من خلال ما يكتسبه من قيم وتقاليد خلال فترات حياته المختلفة، فعندما يكون الجو العائلي الخاص والاجتماعي العام مشحوناً بالتسلط والقهر والأحادية والاختزالية، فإنه لابد أن تظهر منعكسات نفسية وعملية سلبية على الأبناء بشكل سلوك عام تظهر كوامنه وآثاره على مستوى القابلية من حيث وجود استعدادات وقابليات نفسية عند الفرد لتقبل الاستبداد، والتمفصل معه، والدفاع عنه حتى لو تأذى منه مادياً ومعنوياً.. وعلى مستوى الفاعلية من حيث أن الاستبداد هو السلوك الأولي الذي ينتهجه الفرد في تعامله مع الآخرين أفقياً وعمودياً.. ولعل في القول التالي لأحد فلاسفة الإغريق (ونحن نتحفظ على بعض أفكاره التي طرحها في هذا القول) ما يلقي بعض الضوء على تلك الفكرة: "إن الرجل الحر لا يستطيع أن يتحمل حكم الطاغية، ولهذا فإن الرجل اليوناني لا يطيق الطغيان بل ينفر منه، أما الرجل الشرقي فإنه يجده أمراً طبيعياً فهو نفسه طاغية في بيته يعامل زوجته معاملة العبيد، ولهذا لا يدهشه أن يعامله الحاكم هو نفسه معاملة العبيد".

( [7]) وهذا يقتضي منا أن نعمل ما يلي:

1ـ تحريك العقل في طريق الخير والعطاء والبناء النفسي السليم، وتعويده على التفكير بحرية واستقلال.

2ـ تغير منهجية التربية في الأسرة والمجتمع وعلى مستوى الأمة ككل.

3ـ مواجهة رموز ومواقع الجهل باعتباره أحد أهم المعضلات الصعبة التي يفقد الإنسان بها حريته.

4ـ الإيمان بحق الاختلاف في الرأي مع الآخرين.. فالحرية لا يتحقق كمالها الاجتماعي إلا بتحققها العام والشامل في دائرتها الأشمل والأوسع.

( [8]) الكافي للكليني 2: 327.

([9]) سفينة البحار للمجلسي: 695.

([10]) وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة وتحديداً في توصيف المأزق الفعلي الراهن الذي نعانيه، فإنه يمكننا محورته في الأمور التالية:

1.غياب أو تغييب الثقافة النقدية الحقيقية (المضادة للاستبداد بكل أشكاله وصوره) التي يمكن بمقدورها خلق مجال سياسي وفضاء اجتماعي عام مضاد للاستبداد.

2.ضمور الوعي الاجتماعي العام في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بصور ومفاهيم وحقائق الاستبداد.

ولاية المرأة في الإسلام قراءة في ضوء الفقه الإسلامي

7 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

من خلال قراءاتي ـ وهي غير كثيرة ـ لما كُتب في الفقه عن وحول إشغال المرأة لبعض المناصب أو الوظائف في الدولة الإسلامية، رأيتها تركز على أساس واحد، وتنطلق منه في الانتهاء إلى النتيجة وإصدار الفتوى، ذلك الأساس هو أن هذا المنصب المعين الذي يُراد إسناده للمرأة يعطيها الولاية، وليس لها هنا حق الولاية.

وتتحرك الكتابات ـ وفيها البحوث ـ حول الموضوع المشار إليه، وكأن الولاية مصطلع فقهي ذو معنى واحد محدد ومعين، في الوقت أن الأمر ليس كذلك، وذلك أننا عندما نرجع إلى المعجم اللغوي العربي والمعجم الفقهي الإسلامي، بغية الوقوف على ما يسعفنا في هذا المجال، لا نجد ما يمكننا الاستفادة منه كمحور للبحث، ومنطلق لإبداء الرأي.

ويعود هذا إلى أن الولاية ليست مصطلحاً فقهياً، وغير ذات معنى واحد في عالم الاستعمالات الفقهية.

ومن هنا ليس أمام الباحث إلاّ محاولة تتبع واستقراء الاستعمالات الفقهية لكلمة الولاية من تلكم الاستعمالات المشار إليها.

والذي انتهيت إليه ـ في هذه العجالة ـ هو التالي:

1 ـ يمكننا أن نسمي الولاية في الفقه الإسلامي (الولاية الشرعية) في مقابلة (الولاية القانونية) المصطلح المعروف في أدبيات القوانين الوضعية.

2 ـ يمكننا أن نلخص المفاهيم الفقهية لمصطلح الولاية الشرعية بالمعاني التالية:

ـ حق التسلط.
ـ حق التصرف.
ـ حق القيام بتدبير شؤون الآخر.
ـ واجب المسؤولية.

3 ـ يمكننا أن نقسم الولاية الشرعية ـ ومن واقع استخداماتها الفقهية ـ إلى القسمين التاليين:

أ ـ الولاية المنصوصة:

وأعني بها الولاية التي تستفاد نص شرعي ـ آية أو رواية ـ مثل:

ـ مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المستفادة من الآية الكريمة:

>وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ <([1]).

ـ مسؤولية الرعاية المستفادة من الحديث الشريف: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته).

ـ حق تسلط الإنسان على ماله المستفاد من الرواية: (الناس مسلطون على أموالهم).

ب ـ الولاية غير المنصوصة:

ويراد بها تلكم الولايات التي لم تستفد من نص شرعي، وإنما استفيدت من الاجماعات أو من المبادئ العقلية، كسيرة الناس أو ما يعبر عنه بـ (سيرة العقلاء) أو (بناء العقلاء)، مثل: ولاية الأب والجد على عقد نكاح الصغير والصغيرة، فإنها مما درجت عليه سيرة الناس، وليس للشريعة الإسلامية فيها إلاّ دور إقرارها.

ومنه نفهم أن الولاية الشرعية إذا حاول الباحث دراستها داخل إطار التشريع الإسلامي، بعيداً عن معطيات العرفان والتصوف وحتى الفلسفة، وإنما يدرسها في هدي معطيات المبادئ الإسلامية الأساسية، وتحت ظلال مقاصد الشريعة.

وأعني بذلك أن المشرع الإسلامي يراعي في وضعه للأحكام جلب المصلحة للإنسان المسلم ودرء المفسدة عنه.

ومن خلال الاستقراء للأحكام الشرعية في شتى مجالاتها، وعلى مختلف أنماطها، وجدنا أن المشرع الإسلامي لكي يحقق هدفه المشار إليه، يراعي في تشريعه لأحكامه أن تُوجِد التوازن بين كل القوى لدى الإنسان في الجانب البايولوجي والفسيولوجي والعقلي والروحي والنفسي والبدني.

والفروق في التشريع بين الرجل والمرأة والكبير والصغير تنشأ عن مراعاة هذا التوازن، وهو أمر طبيعي، كما أن أحكام التشريع الإسلامي في تنظيم العلاقات بين الفرد والفرد، والفرد والأُسرة، والفرد والمجتمع، وبين المجتمعات بعضها مع البعض، يُراعى أن تأتي متوازنة بما يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، ويوصل إلى تحقيق مقاصد الشريعة.

وفي إسناد الوظيفة وإناطة المسؤولية يشترط التشريع الإسلامي التوفر على عنصرين، هما:

ـ الكفاءة.
ـ الأمانة.

وفي ضوء ما تقدم لا توجد ولاية بمعنى التسلط؛ لأن الموظف أو المسؤول في أعلى مسؤولية وأقل وظيفة دوره هو أن يقوم بتنفيذ وتطبيق التشريع، ولا يسمح له بتجاوز حدود المسؤولية المناطة به.

وقياس المنصب في الدولة الإسلامية على مجتمعات الأسياد والعبيد قياس مع الفارق؛ لأن السيادة في الإسلام للتشريع والطاعة من المسلم لله تعالى بامتثاله للتشريع.

وبعد هذا، أعود فأقول: متى درس الباحث الولاية الشرعية داخل هذا الإطار، فإنه سوف يرى أنها تتنوّع للتالي:

ـ إعطاء حق.
ـ فرض واجب.
ـ إناطة مسؤولية.

ومتى نظرنا إلى الولاية ـ كما ينظرها الآخرون ـ نوعاً من التسلط، فإنه من الطبيعي أن يكون لصاحب الحق المجال في ممارسة حقه، وهو شيء من السلطة، وأن يكون لمن يقوم بواجبٍ ما المجال لأداء الواجب، وهو ـ أيضاً ـ شيء من السلطة، وأن يكون لصاحب المسؤولية المجال للقيام بمسؤوليته، وهو شيء من التسلط أيضاً.

وبهذا ندرك أن الولاية بمعنى السلطة أو السلطنة أو التسلط، ملازمة لكل من هذه المذكورات. ومتى فُهمت الولاية بالشكل المذكور ـ في أعلاه ـ تكون للمرأة كما تكون للرجل عند ممارسة حق أو أداء واجب أو قيام بمسؤولية، من غير فرق بينهما.

والتشريع ـ دينياً كان أو مدنياً ـ هو الذي يمنح الحق، ويفرض الواجب، وينيط المسؤولية. فالدين عندنا، والقانون عند غيرنا، هو الذي له حق هذا التشريع. وهنا لا بد من وقفة مع (الأصل) الذي وضعه الفقهاء، واعتمدوه أساساً يرجعون إليه في مقام الشك، ويفتون حسب ما ينهي إليه.

وأُريد به ما يسمونه بـ (أصالة العدم)، وهو ـ كما ذكر السيد هاشم معروف الحسني في كتابه (الولاية والشفعة) ([2]) ـ نظرياً وتطبيقياً: bالأصل عدم الولاية بجميع معانيها لأحد عن أحد؛ لأنها سلطة حادثة، والأصل عدمها، ولأنها تقتضي أحكاماً توقيفية، والأصل عدمها أيضاً.

والقدر المتيقن منها هو ولاية النبي 2 والأئمة E لما دلّ من العقل والنقل على أن لهما الولاية في التصرف في نفوس الناس وأموالهم من غير توقف على إذن أحد من الناس، على حد تعبير السيد بحر العلوم في بلغتهv.

إن مثل هذا التأصيل هو مما أملاه المنهج الفلسفي الذي اتبعه أكثر الفقهاء المسلمين في أكثر من مرحلة من مراحل تاريخ الدرس الفقهي.

وهذا الأصل ـ كما أشرت ـ وُضع ليرجع إليه في مقام الشك في الأُمور الحادثة، والولاية وصف حادث، والأُمور الحادثة ـ كما تقول الفلسفة ـ إذا شك في وجودها ينفى بأصالة العدم، أي أننا أخذاً بهذا الأصل عندما نشك في ثبوت الولاية لأحد نحكم بعدم ثبوتها.

قد كان هذا الأصل أقوى مساعد للفقهاء في نفي ولاية المرأة عن كثير من الأُمور، ومن ثَمَّ منعها من ممارسة كثير من الأعمال والوظائف.

وأول ما يلاحظ على هذا الأصل، هو أن هذا الأصل معدود من مبادئ المنهج الفلسفي العقلي الذي يقوم على أساس من الاستنتاج العقلي.

والفقه لأنه تشريع تُستقى مادته من المصادر النقلية (الكتاب والسنة)، تكون الطريقة السليمة لدراسة قضاياه، هي الاستقراء لا الاستنتاج، نتتبع فيه بغية الوصول إلى الحكم الخطوات التالية:

1 ـ مراجعة النصوص الخاصة:

وأعني بها تلكم النصوص التي ترتبط بموضوع البحث مباشرة.

2 ـ وفي حالة عدم العثور على نص خاص يستفاد منه حكم المسألة، يرجع إلى النصوص العامة، وهي ما يصطلح عليه فقهياً العمومات والإطلاقات التي تشمل بعمومها أو إطلاقها موضوع البحث.

والنصوص الشرعية بفئتيها الخاصة والعامة هي من الكثرة بحيث تغطي كل ما يحتاجه الفقيه في مجال استنباط الأحكام الشرعية. وعلى هذا لا نكون بحاجة لمثل هذا الأصل، ولا تصل النوبة إليه.

ويلاحظ عليه ثانياً: أن الفلسفة تُجري مثل هذا الأصل في مجالات بحثها، وهي الأُمور التكوينية، ويعنى بالأُمور التكوينية هنا الأشياء الممكنة التي لها قابلية الاتصاف بالوجود والاتصاف بالعدم، وقد عبروا عنها في هذا السياق بالحوادث.

والولاية ـ بجميع جزئياتها والتي ذكرتُ شيئاً منها ـ هي من التشريعات التي لا مجال لإجراء المبادئ الفلسفية عليها.

3 ـ والإجماعات إذا كان بمستوى الحجية فإنها تثبت الولاية وتنفيها، وعلى هذا: يؤخذ بها في حالة الإثبات وفي حالة النفي. وإذا لم تكن بمستوى الحجية لا يؤخذ بها.

4 ـ لا فرق بين الرجل والمرأة في توليهما الأعمال التي فيها ولاية، إلاّ ما استُثني بنص معتبر الإسناد، واضح الدلالة.

هذه هي أهم الخطوات التي على الباحث الفقهي اتّباعها.

والآن لنتناول ـ وباختصار غير مخل ـ أهم الولايات التي أُثير البحث فيها وحولها لنرى مكان المرأة فيها، نتناولها كأمثلة ونماذج فقط.

ولبندأ بـ(ولاية النبي 2) من باب التبرك والتيمن، ولأُركّز على تبيين المراد من الولاية ـ هنا ـ وذكر دليلها، ونوعيتها تشريعية أم عقائدية (كلامية).

إن ولاية النبي 2 ـ المشار إليها ـ مستفادة من قوله تعالى: >النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ<([3])، والآية تنص على ولاية النبي 2 على النفوس، وبقياس الأولوية (مفهوم الأولوية) أفاد الفقهاء الولاية على الأموال، فقالوا:
للنبي
2 الولاية على النفوس والأموال.

والولاية ـ هنا ـ تعني التسلط على نفوس المؤمنين وأموالهم، والتصرف بها، من باب تقديم ولاية النبي 2 على ولاية المؤمنين.

وبيان ذلك: أن للإنسان السلطة على نفسه وماله سلطة تشريعية، أي إن له التصرف بنفسه وماله في حدود المسموح به شرعاً. ولكن لو اقتضى الأمر أن تُقَدّمَ المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، تُقدم بأولوية ولاية النبي 2.

وفي تبيان شمولية ولاية النبي 2 على النفوس والأموال يقول أُستاذنا السيد الحكيم في كتابه (نهج الفقاهة): bمقتضى قوله تعالى: >النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ<، ونحوه مثل قوله 2 في رواية أيوب بن عطية: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه)، وقوله 2 في حديث الغدير: (ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)، ثبوت الولاية
للنبي
2 والإمام B على النفوس. ومقتضى عدم الفصل، والأولوية، ثبوت الولاية على الأموال أيضاًv([4]).

والمراد بالنبي في الآية الكريمة نبينا محمد 2 بقرينة السياق، وحيث جاء بعد الفقرة المذكورة في الآية نفسها قوله تعالى: >وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ<؛ ولاتفاق علمائنا من مفسرين وفقهاء على ذلك.

ولكي نتفهم نوع الولاية ـ هنا ـ علينا أن نمهد لذلك ببيان الفرق بين وظائف أو مسؤوليات النبي، والتي تتمثل بالتالي: النبوة. الرسالة، الإمامة.

أ ـ (النبوة):

أصل كلمة (نبوّة): (نبوءة) بالهمزة، وخففت لتسهيل الاستعمال، فهي من (أنبأ) بمعنى (أخبر)؛ لأنها ـ في هذا السياق ـ إخبار عن الله تعالى، فالنبي سمّي نبياً؛ لأنه يخبر عن الله تعالى.

ب ـ (الرسالة):

هي الشريعة الإلهية التي يُرسل بها النبي متحملاً مسؤولية تبليغها للناس، ولذا سمّي رسولاً، من الفعل الممات (رَسَلَ) بمعنى أرسل.

ج ـ (الإمامة)

هي رئاسة الدولة وزعامة الأُمة وحماية الدين.

وللإمامة مفهوم آخر، وهو خلافة النبي في كل ما للنبي من صفات ومسؤوليات عدا النبوة. وهو المفهوم الذي لا ينطبق عندنا ـ معاشر الإمامية ـ إلاّ على الأئمة الاثني عشر.

وبعد هذا التقسيم لا بد من الإشارة إلى أن علماء الكلام يقسمون الولاية إلى قسمين: الولاية التكوينية والولاية التشريعية.. ويقولون: إن الولاية التكوينية هي التي تكون للنبي بصفته نبياً، وللإمام بصفته إماماً بالمعنى الثاني للإمامة.. وبعكسها الولاية التشريعية فإنها هي التي تكون للنبي بصفته إماماً بالمعنى الأول للإمامة، الذي هو رئاسة الدولة وزعامة الأُمة وحماية الدين.

فالولاية قد تكون مسألة كلامية وهي الولاية التكوينية، وقد تكون مسألة فقهية وهي الولاية التشريعية.

ثم الولاية التشريعية لأنها ترتبط بتطبيق النظام الإسلامي في مادة مهمة من مواده التشريعية، وهي التي تنص على وجوب تقديم المصلحة العامة (المصلحة العلياء للدين كمبدأ، والمصلحة العليا للمسلمين كأُمة) على المصلحة الخاصة، من باب تقديم الأهم على المهم إذا كان موضوع التـزاحم النفوس أو الأموال، وأن يتم التقديم بأمر الحاكم الإسلامي العام؛ لأن ذلك من صلاحياته الخاصة.

أقول: لأنها كذلك لا تكون إلاّ بجعل شرعي لمن يشغل منصب الإمامة (بمعنى رئاسة الدولة وزعامة الأُمة وحماية الملة) نبياً كان أو إماماً معصوماً أو فقيهاً عادلاً.

وما جاء في حديث الغدير من قول النبي 2: (ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: مَن كنتُ مولاه فهذا عليّ مولاه) يدل دلالة واضحة على نصب الإمام عليّ C إماماً (رئيساً للدولة وزعيماً للأُمة وحامياً للدين)، وجعل الولاية له على النفوس والأموال تلك الولاية التي جعلت للنبي 2.

والتوقيع الصادر عن الإمام المهدي B: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله تعالى)، واضح في دلالته على نصب الفقيه العادل إماماً للشيعة؛ بمعنى زعامة الطائفة وحفظ المذهب.

ومثله ما جاء في مقبولة ابن حنظلة: (قد جعلته عليكم حاكماً)، يقول الشيخ صاحب الجواهر في تبيان ذلك: bولظهور قوله B: (فإني قد جعلته عليكم حاكماً) في إرادة الولاية العامة نحو المنصوب الخاص، كذلك إلى أهل الأطراف، والذي لا إشكال في ظهور إرادة الولاية العامة في جميع أُمور المنصوب عليهم فيه، في قوله B: (فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله)، أشد ظهوراً في إرادة كونه حجة فيما أنا فيه حجة الله عليكمv([5]).

ومما تقدم تبيّنا الرأي الفقهي الإمامي في الحاكمية الإسلامية والحاكم الإسلامي العام، وهو ـ أعني الرأي ـ يقوم على المبدأ الإسلامي العام المتفق عليه بين الفقهاء المسلمين، وهو أن الحاكمية لله تعالى.

وعلى أساس من ذلك: لا يخلفه فيها أحد في قيادة وإدارة المجتمع البشري إلاّ بجعل منه، وقد تم هذا بالنسبة لنبينا محمد 2، وكذلك لا يخلف النبي محمداً 2 من يقوم بالمهمة المذكورة، إلاّ بجعل أو نصب منه 2، عن أمر من الله تعالى.

وقد تم هذا لعليّ وبقية الأئمة المعصومين E عندنا ـ معاشر الإمامية ـ وذلك بنصوص عامة وخاصة صدرت منه 2، توفرت على ذكرها الكتب المعنية بذلك، ذكرتُ منها حديث الغدير فقط لأجل الاختصار، ولشهرته وتواتره.

وأيضاً لا يخلف الأئمة أحد للقيام بهذه المسؤولية إلاّ بجعل منهم E، وقد تم هذا في حق الفقيه العادل من قبل الإمام المهدي C بنص التوقيع الشريف الصادر منه.

وهنا حيث انتهينا إلى هذا، أُحاول أن أُشير إلى الرأي الفقهي في تولي المرأة المسلمة لمنصب رئاسة الدولة، ذلك أن تولي الرجل للمنصب المذكور متفق عليه، فهو شيء مفروغ منه، لا يثار البحث فيه.

إن مسألة تولي المرأة رئاسة الدولة الإسلامية لم يثر البحث فيها من قِبل فقهائنا المتقدمين والمتأخرين عدا المعاصرين. وقد يرجع هذا لعدم ابتلاء الشيعة في الدولة الإسلامية السنية، وكذلك في الدولة الإسلامية الشيعية لعدم الحاجة لطرح المسألة للدراسة؛ لقيام الرجل بذلك.

ولكن الأمر اختلف عنه في عصرنا هذا المسمى بالعصر الحديث.. عصر حقوق الإنسان، والمناداة بمساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات.

ومن الرادة الأوائل في إثارة البحث في هذه المسألة الشيخ حسين علي المنتظري، فقد تناولها بالدراسة في كتابه (دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية)([6]). والنتيجة التي انتهى إليها مَن بحثوا المسألة، هي ترجيح كفة اعتبار الذكورة في رئيس الدولة.

وسأحاول ـ هنا ـ أن أُلخّص أدلتهم، ثم أُسلط الضوء عليها توضيحاً ونقداً، ما تأتّى لي ذلك في هدي ما يسلمني إليه مسار البحث.

وأهم ما استدلوا به:

أولاً ـ القرآن الكريم:

واستدلوا منه بأكثر من آية، وأهمها الآية 34 من سورة النساء >الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ<. ويأتي الاستدلال بهذه الآية لإثبات ولاية الحكم للرجل ونفيها عن المرأة، وفق الخطوات التالية:

1 ـ إن المرد من القوّامية في قوله تعالى (قوّامون) السلطة، والسلطة معنى من معاني الولاية، ففي (مجمع البيان): bأي قيّمون على النساء، مسلطون عليهنّ في التدبير والتأديب والرياضة والتعليمv ([7]).

2 ـ إن سبب قوّامية الرجال على النساء، هو تفضيله تعالى للرجال على النساء، ففي (مجمع البيان) ـ أيضاً ـ : b>بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ< هذا بيان سبب تولية الرجال عليهن، أي إنما ولاّهم الله أمرهنّ لما لهم من زيادة الفضل عليهنّ بالعلم والعقل وحسن الرأي والعزم، >وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ<، عليهنّ من المهر والنفقة، كل ذلك بيان علة تقويمهم عليهنّ وتوليتهم أمرهنّv ([8]).

3 ـ ويقرّب العلامة السيد الطباطبائي في (الميزان) الاستدلال بالآية على إثبات ولاية الحكم للرجال ونفيها عن النساء بقوله: bوعموم هذه العلة (أي الفضل والإنفاق) يعطي أن الحكم المبني عليها أعني قوله: >الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء< غير مقصور على الأزواج بأن تختص القوّامية بالرجل على زوجته، بل الحكم مجعول لقبيل الرجال على قبيل النساء في الجهات العامة التي ترتبط بها حياة القبيلين جميعاً، فالجهات العامة الاجتماعية التي ترتبط بفضل الرجال كتجربتي الحكومة والقضاء ـ مثلاً ـ اللذين تتوقف عليها حياة المجتمع، وإنما يقومان بالتعقل الذي هو في الرجال بالطبع أزيد منه في النساء، وكذا الدفاع الحربي الذي يرتبط بالشدة وقوة التعقل، كل ذلك مما يقوّم به الرجال على النساء.

وعلى هذا، فقوله: >الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء< ذو إطلاق تامv ([9]).

وناقش الشيخ المنتظري الاستدلال المذكور بقوله: bولكن عندي في التمسك بالآية للمقام إشكال، إذ شأن النـزول وكذا السياق شاهدان على كون المراد قيمومة الرجال بالنسبة إلى أزواجهم، إذ لا يمكن الالتـزام بأن كل رجل بمقتضى عقله الذاتي وبمقتضى إنفاقه على خصوص زوجه له قيمومة على جميع النساء حتى الاجنبيات، ولو سلم الشك، فَصِرْفُ الاحتمال يكفي في عدم صحة الاستدلال.

فإن قلتَ: عموم العلة ـ كما مرَّ عن تفسير الميزان ـ يقتضي ذلك، فيؤخذ به إلاّ فيما ثبت خلافه.

قلتُ: أولاً: إن العلّة الثانية لا عموم لها، إذ إنفاق الرجل يختص بزوجة ولا يرتبط بسائر النساء.

وثانياً: إن الأخذ بالعموم وتخصيص ما ثبت خلافه يوجب تخصيص الأكثر، إذ لا قيمومة لرجل على سائر النساء إلاّ في مورد الولاية أو القضاءv.

ويمكن المناقشة ـ أيضاً ـ بالتالي:

1 ـ كلمة (قوّامون) ليست حقيقة شرعية ولا مصطلحاً فقهياً. ومن هنا، لا بد من تحديد المراد منها من خلال الاستعمالات اللغوية ـ الاجتماعية.

جاء في (معجم ألفاظ القرآن الكريم) ـ مادة قَوَمَ ـ : bوتدور المعاني التي تفيدها هذه المادة حول النهوض أو انتصاب القامة، أو الاعتدال، بمعانيها المادية أو المعنوية.

=قام على أهله أو نحوهم: رعاهم وتولى الإنفاق عليهم.

=قوّام: صيغة مبالغة في (قائم)، يقال: هو قوّام على أهله: دائم القيام بشؤونهم والسهر على مصالحهم. الجمع قوّامون.

=قوّامون >الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء<: أي يرعونهن ويقومون بمصالحهنv.

ونستفيد من هذا أن القوّامية لا تعني القيمومة التي فهم منها المستدلون التسلط والتصرف، وإنما تعني إناطة مسؤولية رعاية مصالح النساء وتدبير شؤونهنّ بالرجال، ومن أظهر مصاديق تلك الرعاية وذلك التدبير، هو وجوب إنفاق الرجل (الزوج) على زوجته، وهذا يعني أن الإنفاق من القوّامية، وليس من القيمومة، وقد يرجع هذا إلى أن أكثر المجتمعات ـ ومنها المجتمعات العربية التي نحاول معرفة معنى القوّامية لديهم ـ مجتمعات ذكورية، تحمّل الرجل مسؤولية رعاية مصالح المرأة وتدبير شؤونها.

وهم لا يرمون من هذا إلى أن تلك الرعاية وذلك التدبير هما من نوع الولاية السلطوية، وإنما هما شأن من شؤون تركيبة المجتمع.

والإطلاق أو العموم في الآية الكريمة المتمثل في كلمتي (الرجال) و(النساء) لا يمكن الأخذ به والركون إليه مع وجود قرينة السياق التي اعتبرت الإنفاق على الزوجة من أظهر مصاديق القوّامية.

فالمراد من الرجال ـ هنا ـ الأزواج، ومن النساء الزوجات، فلا نظر للآية ولا شمولية فيها لكل الرجال مطلقاً وكل النساء مطلقاً حتى ندخل رئيس الدولة في عمومها ونحكم له بالقيمومة أو الولاية على المرأة.

2 ـ إن التفضيل المشار إليه في الآية الكريمة لا يعني تفضيل الرجال خاصة، كما أنه لا يعني تفضيل النساء خاصة، وإنما يراد به أن إناطة المسؤوليات وفرض الواجبات يعتمد قاعدة التفضيل الذي يقوم على أساس من القدرة على النهوض بالمهمة والقيام بها.

ونخلص من كل ذلك إلى أن القوّامية غير القيمومة، وأن الآية الكريمة لا إطلاق فيها ولا عموم، وعلى هذا لا يتم الاستدلال بها ولا يصح.

ثانياً ـ الحديث الشريف:

ومن أهم ما استدلوا به لنفي ولاية الحكم عن المرأة الحديث المروي في (الوسائل)، عن محمد بن علي بن الحسين الصدوق في (الخصال)، عن أحمد بن الحسن القطان، عن الحسن بن علي العسكري، عن محمد بن زكريا البصري، عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، (عن عمرو بن شمر)، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر B يقول: bليس على النساء أذان ولا إقامة ولا جمعة ولا جماعة… ولا تولّى المرأة القضاء ولا تلي الإمارة…v ([10]).

ويناقش بأن سند الرواية المذكور ضعيف بعمرو بن شمر الذي سقط من إسناد الوسائل، ذلك أن محمد بن عمارة يروي عن جابر الجعفي، بواسطة عمرو بن شمر، وورد تضعيف عمرو بن شمر في رجال النجاشي ورجال ابن الغضائري، وقال أُستاذنا الخوئي في (معجم رجال الحديث): bأقول: الرجل لم تثبت وثاقته، فإن توثيق ابن قولويه إياه معارض بتضعيف النجاشي، فالرجل مجهول الحالv([11]).

ومثله أحمد بن الحسن القطان، ومحمد بن زكريا الغلابي البصري لم ينص عليهما بتوثيق ولا بعدمه.

وعليه، لا يتم الاستدلال بهذا الحديث لضعفه سنداً.

ثالثاً ـ أصالة العدم:

ومما استدلوا به لنفي ولاية الحكم عن المرأة أصالة العدم، وقد أوضحت ـ فيما سبق ـ فحوى هذا الأصل، وكيفية استدلالهم به، ثم ناقشت في جريان الأصل هنا، وأوضحت المنهج السليم الذي ينبغي أن يتّبع هنا.

والنتيجة التي يسلمنا إليها البحث هي:

1 ـ عدم وجود نص معتبر يعتمد عليه في نفي تولّي المرأة الحكم.

2 ـ إن نفي تولي المراة للإفتاء أو القضاء يقتضي ـ كما يقولون ـ نفي تولّيها للحكم بطريق أولى.

إن هذا يتطلب ـ إذا صح القياس المشار إليه ـ تحقق نفي تولّي المرأة للإفتاء والقضاء، ثم القياس، وهو ما لم يتحقق ـ كما سيأتي.

3 ـ لا إجماع معتبر يركن إليه في نفي تولّي المرأة للحكم؛ لأن الكاشف منه غير متحقق، والمدركي ليس بحجة.

4 ـ والميل إلى اشتراط الذكورة في الحاكم آتٍ من أنه الأمر الغالب؛ لأن المجتمعات في أغلبها مجتمعات ذكورية، درجت على إسناد منصب رئاسة الدولة للرجل من المنطلق المشار إليه.

ولنعقب مسألة تولّي المراة منصب الحكم بمسالة الإفتاء:

تبحث هذه المسألة ـ عادة ـ ضمن شروط المفتي، وتحت عنوان (اشتراط الذكورية) أو (اشتراط الرجولية) من موضوع الاجتهاد والتقليد، الذي كان يبوّب قديماً في موضوعات علم أُصول الفقه، ثم نقل إلى موضوعات علم الفقه، وأخال أن هذه النقلة تمت من قِبل السيد اليزدي في كتابه (العروة الوثقى).

ويقول الشيخ الجيلاني في بحثه القيّم (شرطية الذكورة في المفتي) المنشور في مجلة (فقه أهل البيت): bلم نجد من عظمائنا الماضين حديث التضييق إلاّ من الشهيد الثاني Q، فإنه قال في كتاب القضاء من (الروضة) ـ في شرح عبارة الماتن: (وفي الغيبة ينفذ قضاء الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء) ـ : (وهي البلوغ والعقل والذكورة) … نعم، اشتهر هذا الشرط بعدما انتهت نوبة المرجعية والزعامة الدينية إلى الفقيه الأكبر آية الله العظمى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي ـ رضوان الله تعالى عليه ـ فألّف رسالته العملية المباركة المسماة بـ (العروة الوثقى)، وصرّح فيها باشتراط الذكورة في المفتي، وسهّل الطريق لمن بعده من أعلام الشيعة في انتشار آرائهم في الفتوى بالتعليق والتحشية والشرح عليها، فتلقى أكثرهم هذا الاشتراط بالقبول من دون أي غمز فيه، فمنهم السيد السند آية الله العظمى أبو الحسن الإصفهاني، والآيات العظام: الحائري اليزدي، وضياء الدين العراقي، والسيد أحمد الخوانساري، والإمام الخميني، والشيخ الأراكي، والسيد الخوئي، والسيد الكلبايكاني، أعلى الله درجاتهم في بحبوحات الجنات) ..v ([12]).

إن كل من بحث موضوع الاجتهاد والتقليد من الأُصوليين أو الفقهاء ممن تناول مسألة اشتراط الذكورة أو الرجولية في المفتي، كانت نتيجة بحوثهم اختلافهم في جواز تولّي المرأة لوظيفة الإفتاء.

وفي جواز تقليدها: ذهب بعضهم إلى القول بالجواز، وقال آخرون بعدم الجواز.

الأول ـ وممن قال بعدم الجواز السيد الخوئي والسيد السبزواري، فقد جاء في (التنقيح) ـ تعليقاً على قول السيد اليزدي في (العروة الوثقى): مسألة 22: bيشترط في المجتهد أُمور: البلوغ والعقل والإيمان والعدالة والرجوليةv ـ تحت عنوان (الرجولية) ما نصه: bاستدلوا على عدم جواز الرجوع إلى المرأة في التقليد، بحسنة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال: قال: قال أبو عبدالله جعفر بن محمد الصادق B: bإياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم…v لدلالتها على اعتبار الرجولية في باب القضاء، ومن المعلوم أن منصب الإفتاء لو لم يكن بأرقى من القضاء فلا أقل من أنهما متساويان، إذ القضاء أيضاً حكم وإن كان شخصياً وبين اثنين أو جماعة رفعاً للتخاصم، والفتوى حكم كلي يبتلي به عامة المسلمين، فإذا كانت الرجولية معتبرة في باب القضاء كانت معتبرة في باب الإفتاء بالأولوية.

ويرد على هذا الوجه، أن أخذ عنوان الرجل في موضوع الحكم بالرجوع إنما هو من جهة التقابل بأهل الجور وحكامهم، حيث منع B عن التحاكم إليهم، والغالب المتعارف في القضاء هو الرجولية، ولا نستعهد قضاوة النساء ولو في مورد واحد، فأخذ عنوان الرجولية من باب الغلبة لا من جهة التعبد وحصر القضاوة بالرجال، فلا دلالة للحسنة على أن الرجولية معتبرة في باب القضاء فضلاً عن الدلالة عليها في الإفتاء لو سلّمنا أن القضاء والفتوى من باب واحد، على أنه لم يقم أي دليل على التلازم بينهما ليعتبر في كل منهما ما اعتبر في الآخر بوجه.

وأيضاً استدلوا عليه بمقبولة عمر بن حنظلة، حيث ورد فيها: (ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا).

وقد ظهر الجواب عنها بما بيّناه في الحسنة المتقدمة، مضافاً إلى أنها ضعيفة السند، على أن قوله B: (من كان) مطلق، ولا اختصاص له بالرجال، إذاً لم يقم دليل على أن الرجولية معتبرة في المقلَّد، بل مقتضى الإطلاقات والسيرة العقلائية عدم الفرق بين الإناث والرجال.

هذا، والصحيح أن المقلَّد يعتبر فيه الرجولية، ولا يسوغ تقليد المرأة بوجه، وذلك لإنّا قد استفدنا من مذاق الشارع أن الوظيفة المرغوبة من النساء إنما هي التحجّب والتستّر، وتصدى الأُمور البيتية، دون التدخل فيما ينافي تلك الأُمور، ومن الظاهر أن التصدي للإفتاء ـ بحسب العادة ـ جعلٌ للنفس في معرض الرجوع والسؤال؛ لأنهما مقتضى الرئاسة للمسلمين، ولا يرضى الشارع بجعل المرأة نفسها معرضاً لذلك أبداً، كيف ولم يرض بإمامتها للرجال في صلاة الجماعة، فما ظنك بكونها قائمة بأُمورهم ومديرة لشؤون المجتمع، ومتصدية للزعامة الكبرى للمسلمين.

وبهذا الأمر المرتكز القطعي في أذهان التشرعة، يقيد الإطلاق، ويردع عن السيرة العقلائية الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم مطلقاً رجلاً كان أو امرأةv([13]).

وقال السيد السبزواري في (مهذب الأحكام) تعليقاً على قول صاحب العروة المتقدم: bلسيرة المتشرعة، وانصراف الأدلة عن المرأة، مع ذكر الرجل في بعضها.

ودعوى أن قيام السيرة على الرجوع إلى الرجال، إنما هو لعدم وجود امرأة مجتهدة جامعة للشرائط من كل جهة، لا أنه مع وجودها لا يرجع إليها، وأن الانصراف بدوي لا اعتبار به كما ثبت في محله، وأن ذكر الرجل إنما هو من باب المثال لا التخصيص كما هو الأغلب.

مردوده بأن المستفاد من السيرة قيامها على اعتبار الرجولية حتى مع وجود امرأة مجتهدة، كما هو المشاهد بين المتشرعة في عدم رجوعهم، إلى النساء مع وجود الرجال في أحكام الدين، والانصراف محاوري معتبر، ونعلم أن ذكر الرجل من باب التخصيص لا المثال، مع أنه وردت إطلاقات من الروايات على عدم الاعتماد عليهنّ، ويشهد له ما ورد من أنه: (ليس على النساء جمعة ولا جماعة ـ إلى أن قال B ـ ولا تولّى القضاء ولا تستشار) v ([14]).

وممن لم يذهب إلى القول باشتراط الرجولة في المفتي: السيد الحكيم والسيد رضا الصدر والسيد تقي الطباطبائي القمي.

ففي (المستمسك): bوأما اعتبار الرجولة: فهو أيضاً كسابقه عند العقلاء [يعني أن اشتراطها غير ظاهر عند العقلاء كالعدالة والإيمان]، وليس عليه دليل ظاهر غير دعوى انصراف إطلاقات الأدلة إلى الرجل، واختصاص بعضها به، لكن لو سلم فليس بحيث يصلح رادعاً عن بناء العقلاء، وكأنه لذلك أفتى بعض المحققين بجواز تقليد الأُنثى والخنثىv ([15]).

ويقول السيد رضا الصدر في كتابه (الاجتهاد والتقليد)، وهو في معرض تعداد شروط المفتي تحت عنوان (الرجولة): bقيل: باشتراط الرجولة في المفتي، لكن الإطلاقات وسيرة العقلاء حاكمتان بعدم اشتراطها فيه، وليس هناك ما يصلح لتقييد الإطلاقات، وللردع عن السيرة، (و) أما قوله B: (فانظروا إلى رجل منكم) فلا يصلح للتقييد، ولا الردع، لما عرفت في البحث عن اشتراط البلوغ (ويعني به قوله: لاحتمال كون التعبير بالرجل من باب المثال أو لكونه وارداً مورد الغالب)، ولعله لذلك قال بعض المحققين بجواز تقليد الأُنثى والخنثى.

ويشهد لعدم اشتراط الرجولة في المفتي صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبدالله B في حديث، قال: قلتُ له: إن معنا صبياً مولوداً فكيف نصنع به؟ فقال: مر أُمّه تلقى حميدة فتسألها كيف تصنع بصبيانها، فأتتها فسألتها كيف تصنع؟ فقالت: إذا كان يوم التروية فأحرموا عنه، وجرّدوه وغسّلوه كما يجرد المحرم، وقفوا به المواقف، فإذا كان يوم النحر فارموا عنه وأحلقوا رأسه، ثم زوروا به البيت، ومري الجارية أن تطوف به بالبيت، وبين الصفا والمروة.

فإن الظاهر منها الإرجاع إلى حميدة لأخذ الحكم لا لأخذ الحديث، كما أنها لم ترو حديثاً لزوجة ابن الحجاج، بل أخبرتها بالحكم، وبما يجب أن تصنعه في حج ولدها، والإخبار بالحكم عن مثلها ليس إلاّ الإفتاء.

ويشهد لعدم اعتبار الرجولة في المفتي اتفاق أهل السنة على جواز تقليد المرأة، فإنهم يعدّون عائشة أُم المؤمنين من المفتين.

وهذا الاتفاق كان بمرأى من الأئمة الطاهرين جميعاً، ولم يصدر عنهم تخطئة له، ولو صدر لوصل، وذلك يكشف عن إمضائهم لهv ([16]).

وقال السيد تقي الطباطبائي القمي في كتابه (مباني منهاج الصالحين) تعليقاً على قول أُستاذه السيد الخوئي في تعداده لشروط المفتي: (… والذكورة): bما يمكن أن يذكر في هذا المقام أُمور:

الأول: الإجماع، وإشكاله ظاهر.

الثاني: ما رواه أبو خديجة، بتقريب أن عنوان (الرجل) لا يصدق على غير المذكّر.

وفيه: أن الرواية واردة في القضاء، ومقامنا البحث عن الفتوى.

الثالث: ما رواه ابن حنظلة، وفيه: أن الرواية ضعيفة سنداً بـ(عمر)، مضافاً إلى أنها واردة في حكم القضاء فلا يرتبط بالمقام.

وفي المقام: روي مرسلاً، (عن عامر بن عبدالله بن جذاعة، قال: قلت لأبي عبدالله B: إمرأتي تقول بقول زرارة ومحمد بن مسلم في الاستطاعة، وترى رأيهما، فقال: ما للنساء وللرأي)، وهذه الرواية ساقطة سنداً، فإن عامراً لم يوثّق.

الوجه الثالث: ما أفاده سيدنا الأُستاذ، وملخصه: أنه فُهم من مذاق الشرع أن اللازم على المرأة الاستتار، ولم يرض الشارع بتصدي المرأة للأُمور العامة وإدراتها، وهذا رادع عن السيرة الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم.

وهذا الوجه لا يرجع إلى محصل، وأنه أخص من المدَّعى، فإن جواز تقليد المرأة لا يستلزم تصديها للأُمور العامة، وبين المقام وبينه بون بعيد، إذ يمكن أن تكون امرأة مجتهدة متسترة في كمال التستر، والجاهل يعمل بآرائها لا سيما إذا كان المراجع امرأة مثلها، كما يجوز إمامتها للنساءv ([17]).

والآن ـ وبعد نَقْلِنا لهذه النصوص الفقهية بكاملها ـ لنحاول أن نستخلص ونلخص، ثم نحاول إلقاء الضوء عليها نقداً واختياراً.

إن خلاصة ما استدلَّ به المانعون من تولّي المرأة منصب المرجعية وتصدّيها للإفتاء، هو:

ـ الإجماع.

ورُدَّ بأن الكاشف منه غير موجود، والمدركي ليس بحجة.

ـ مشهورة أبي خديجة.

وموضع الاستدلال فيها، هو قول الإمام B: (ولكن انظروا إلى رجل منكم..) بدعوى أن كلمة (رجل) في المشهورة لم ترد بعنوان المثال، وإنما بعنوان التخصيص، فتقيد الإطلاقات الواردة في المقام.

ورُدَّ هذا الاستدلال بأن كلمة (رجل) ـ هنا ـ استعملت مثالاً؛ لأن الغالب في المفتين أن يكونوا من الرجال، وبأن المشهورة جاءت في موضوع القضاء، فلا نظر فيها إلى مقام الإفتاء، ولا تشمله إلاّ بقياس الأولوية، وهو غير تام هنا.

ـ مقبولة عمر بن حن


الخصوصيّة والعالميَّة في الفكر الإسلامي المعاصر لطه العلواني لا حوار يقوم على الغَََلبة!

5 أغسطس 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

بين الإسلام والزَّمن المتحوِّل

شهدت العقود القليلة المنصرمة وثبة معرفية لافتة في ميادين الفكر الإسلامي المعاصر. ولم تقتصر العلاقات المميزة لهذه "الوثبة" على ما عُرِفَ تقليدياً بالتجديد الذي أطلقه روَّاد النهضة في بدايات القرن العشرين. بل، أضافت إلى محاولات التجديد حقولاً أخرى فرضتها طبيعة التعاطي، ومنجزات المراحل المتأخرة من الحداثة.

يدخل، في هذا النطاق المعرفي، ما وضعه المفكر الإسلامي د. طه جابر العلواني عبر كتابه الجديد: "الخصوصية والعالمية في الفكر الإسلامي المعاصر"(1)، فلقد ذهب فيه إلى المنطقة الأكثر اشتعالاً في السجال الدائر بين النخب العربية والإسلامية؛ أي تحديداً إلى إشكال التواؤم بين الإسلام والزمن المتحوِّل، ولا سيما لجهة جدل التنافر والاتحاد بين ما هو خاص محلي وبين ما هو عام وعالمي.

عند المفكر العلواني، سيظهر لنا أن الفكر الإسلامي استطاع في وقت مبكر تجاوز هذه الثنائية، فاستوعب الأكثر من العناصر المعرفية الموروثة من الحضارات اليونانية، والفارسية، والهندية، وعمل على توطينها ودمجها في بيئته الخاصة، كما استوعب مختلف الأديان والثقافات والتقاليد في الجغرافيا البشرية والثقافية الواسعة في زمنٍ امتدّ فيه الإسلام من الأندلس إلى الصين.

ثم إن التاريخ لم يحدثنا عن أن المسلمين حرصوا على إبادة ثقافات الشعوب المنخرطة في الإسلام. بل كانت تلك الشعوب تتمثل الإسلام في سياق ميراثها الثقافي. وسرعان ما يغدو الإسلام واحداً من المكوِّنات الأهم لشخصيتها الحضارية، كما تدلِّ على ذلك الإنثروبولوجيا الثقافية التاريخية لهذه الشعوب.

وبوسعنا الاطلاع على مرتكزات منهاجية، ومفاهيم مفتاحية خاصَّة بقضايا الخصوصية والعالمية في أبحاث هذا الكتاب، الذي يتألف من عدة أبحاث أنجزها الدكتور العلواني خلال السنوات الماضية.

وعلى ما يبيّن الدكتور عبدالجبار الرفاعي، رئيس تحرير فصلية: "قضايا إسلامية" معاصرةً"، فإنَّ الشيخ طه العلواني عالج قضايا التعددية والتنوعية، والخصوصية والعالمية، وثنائية الأنا والآخر، الآخر الداخلي والآخر المختلف، من منظور فقهي. تلتمع في ثناياه رؤيا منهاجية معرفية

معالجات منهجية معرفيَّة فقهيّة

ولذلك يمكن أن توصف هذه الأبحاث – على رأي الرفاعي – بأنها معالجات منهاجية منهجيّة فقهية للخصوصية والعالمية.

وربما نجد مثل هذه المحاولة في تراثنا الفقهي، غير أنها تفتقر إلى المقاربة المنهاجية المعرفية، ولا تحرص على الإفصاح عن ثغرات المواقف الفقهية، وتعبيرها عن النمط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي السائد في العصر الذي جرت صياغتها فيه. وهذا ما يجعل كتاب "الخصوصية والعالمية في الفكر الإسلامي المعاصر" متميزاً في رؤيته النقدية لفقه السلف، وتحليله لأثر العوامل التاريخية المختلفة في تكوينه، وبالتالي قصوره عن الوفاء بالدور المرتقب منه في الزمن الراهن.

المقدمة المنطقية لكتاب العلواني، والتي يبني أطروحته عليها، يمكن اختصارها، كما جاء على لسان المؤلف كما يأتي:

"مما لا شك فيه أن الإسلام اليوم يُقدَّم إلى أهله ولغير أهله، بشكل لا يتناسب وعظمته وقدرته، وذلك من خلال فقهاء التراث والفقه الموروث، الذي مثّل محاولات فقهائنا في التاريخ معالجة مشكلات مجتعاتهم الزراعية البسيطة، أو الرعوية، أو ذات التجارة الفردية المعتمدة على التبادل البسيط للمنافع في تلك المجتمعات. لكن حين يراد لهذا التراث وهذا الفقه أن يستجيب لحاجات معقدة لمثل هذا النوع من المجتمعات المعاصرة أو اقتصادياتها، فإننا نكلفه ما لا يطيق. وفي الوقت نفسه نكلف أولئك الفقهاء ونضع في عقولهم وعلى ألسنتهم معالجات مفتعلة لقضايا ما عرفوها، ولم يفكروا أو يجتهدوا فيها، فهي مسائل وعلاقات لم تكن في زمانهم. وكيف يقدّمون حلولاً لمشاكل لم تخطر ببالهم؟ والقول سوف ينعكس على الإسلام وعالميته انعكاساً سلبياً، فلا ينفي عنه عالميته فحسب، بل يظهره بأنه دين لا يصلح إلاّ لمجتمعات قروية ورعوية بسيطة، أو لمجتمعات بادية".

جدل الإسلام والآخر

على امتداد ستة فصول، سعى المؤلف إلى ما يشبه استكمال أطروحاته في جدل الإسلام والآخر، وفي مقدمة هذه الأطروحات تلك التي أطلق عليها "أسلمة المعرفة"، وهي أطروحة تدخل عميقاً في اهتمامات العلواني الفكرية والمعرفية، حيث سبق له أن ألَّف كتاباً تحت هذا العنوان إلى جانب عدد من الكتب الأخرى، مثل "مقدمة في إسلام المعرفة"، و"مقاصد الشريعة"، وقد صدرت ضمن السلسلة التي تصدرها مجلة قضايا إسلامية معاصرة منذ بضعة أعوام.

تحمل الفصول الستة لكتاب "الخصوصية والعالمية في الفكر الإسلامي المعاصر" العناوين الإشكالية الآتية:

1 – التعددية.. أصول ومراجعات بين الاستتباع والإبداع.

2 – الإسلام والتعايش السلمي مع الآخر.

3 – الإسلام والغرب.. حوار أم صراع؟

4 – فكرة المواطنة في المجتمع الإسلامي.

5 – مشكلتان وقراءة فيهما.

6 – حاكمية الكتاب، وفيه: الحاكمية الإلهية في التصور الإسرائيلي – تطلع بني إسرائيل إلى التخفيف – الحاكمية الإلهية في النصرانية – الحاكمية الإلهية والرسالة الخاتمة – الفرق بين الحاكمية الإلهية وحاكمية الكتاب – الحاكمية كمفهوم تحريضي.

ينطلق المؤلف، في سياق الكلام على جدل الإسلام والآخر، من ثنائية الحوار والصراع. ثم يرجِّح مبدأ الحوار بوصفه أساساً في الجدل الإسلامي.

فالحوار مفهوم بناه القرآن المجيد أولاً في الحضارة الإسلامية، وغرسه في تصور المسلمين وفي رؤيتهم الكلية، وجعله جزءاً من بنائهم العقلي والنفسي، بحيث لم يعد ممكناً تصور الاستغناء عنه في أي جانب من جوانب الفكر والتصور والسلوك.

"والمحاورة" هي المراد في الكلام، فكأن موضوع التحاور يظل متردداً بين المتحاورين حتى ينتهيا فيه إلى اتفاق. ولأن "العقل" إذا رُجع إليه يحسم تلك الحيرة، فلذلك التردد قيل للعقل: "أحور" أي محاور. وعلى هذا يؤسس المؤلف مفهومه للحوار.

فالحوار المقترح اليوم هو حوار بين "الحضارة الإسلامية العربية" وبين "الحضارة الغربية" المهيمنة على عالم اليوم.

وحين نقول: الحضارة الإسلامية العربية؛ لأن هذه الحضارة قد امتلكت المقومات الحضارية قبل نشأتها الأُولى، وأثناء بنائها وصيرورتها، واحتوت على خصائص العمرانية بذلك التداخل المتميِّز بين العروبة والإسلام الذي جعل منها حضارة تأليف لا تدابر وانفكاك. وهي حضارة احتواء واستقطاب من دون تسلُّط، وحضارة جمع من دون دمج أو هيمنة، وحضارة سلام وأمن لا استعلاء فيها ولا استقواء، وهي تؤمّن للمنتمين إليها كرامتهم من دون النظر إلى أي فوارق؛ لأنها منذ البداية وضعت سائر الفوارق في إطار التنوع الداعي إلى التعارف والتآلف، حتى صارت حضارة عمرانية عديمة النظير. فهي حضارة بُنيت على التوحيد، فكان التوحيد جوهرها. وأساسها، ومن منطلق التوحيد توجهت نحو "الحقيقة الذاتية للإنسان".

يناقش المؤلف مشكلة الغرب والحوار، فيرى أن العناوين التي يتداولها المتكلملون والكتَّاب تحت "حوار الحضارات" تفترض أن الحوار أو الصراع أو التعامل بكل أنواعه مع الغرب – باعتباره غرباً واحداً، وكياناً واحداً، وتاريخاً واحداً، وجغرافية واحدة – يوجب على العقل أن يستدعي على الفور الصراعات الطويلة بين الدولة الإسلامية والدولة البيزنطية، ثم الحروب الصليبية، ثم المسألة الشرقية، ثم الاستعمار الأوروبي الحديث، ثم سائر الصدامات التي قامت في أي جزء من بلاد المسلمين، وأي جزء آخر من بلاد الغربيين، فذلك كله يمكن أن يسجل بعنوان: "الشرق والغرب" أو "الإسلام والغرب"، وهذا أمر فيه من عدم الدقة والتجاوز أو التجوز والتساهل الشيء الكثير.

لكن مفهوم الحوار في تاريخ الإسلام له قواعده ومبادؤه. فالمسلمون يفهمون الحوار في الإطار المعرفي باعتباره بحثاً عن الحقيقة أو الصواب، وذلك بأن يكون المتحاوران قد التقيا على ذلك الهدف، ألا وهو الوصول إلى الحقيقة أو الصواب، كما التقيا على التمسك بقواعد الحوار وآدابه، والتزم كل منهما بالنتيجة في صالحه أو صالح محاوره الآخر، وكذلك كون الطرفان اتفقا على مرجعية معترف بها من الطرفين للرجوع إليها في حسم الاختلاف بينهما. وإلاّ فإن الحوار يتحول إلى لُجج لا ينتهي، وخصومة لا تقف عند حدّ.

ذلك لأن المسلمين يعدّون الحقيقة أمراً ثابتاً، والمتحاورين والمجتهدين يبحثون عن ذلك الأمر الواحد الثابت، وقد يوفقون للوصول إليه وقد يخطئون الطريق، وهم معذورون إذا اخطأوا بعد بذل الجهد المناسب.

أما "الغرب"، فأهل العلم والفكر فيه لم يكونوا بعيدين عن هذا التصور كثيراً، فقد عرّفه تيتلر (Teitler) بأنه: "طريقة إقناع تشوبها الكرامة في تعامل كافة الأطراف الذين وإن اختلفت آراؤهم، فإن مصلحة مشتركة تجمعهم، وهي البحث عن أكبر قدرٍ ممكن من الحقيقة التي يمكن لعقل أن يتوصل إليها عبر جوٍّ من الثقة والاحترام المتبادل".

أما السياسيون الغربيون فلا يرون الحوار بالرؤية التي تتسم بها رؤية العلماء والمفكرين، فالحوار لدى السياسيين يغلب عليه مفهوم لَيْ ذراع الخصم، واستخدام كل ما تسمح به لغة الحوار السياسية من التواء في الخطاب ولحنه وفحواه وما إليها، ولا يقتضي أن ينظر المحاور إلى من يحاوره بثقة أو باحترام، أو رغبة صادقة في الوصول إلى حل. بل يغلب عليه أن يحاول القوي الاستبداد – بقدر ما يستطيع – بالضعيف، وأخذ كل ما يمكن أن يؤخذ منه مع محاولة إيجاد شعور لديه بأنه أعطى ما أعطى مختاراً، ولم يكن في الحقيقة إلاّ مكرهاً أوهم بأنه مختار.

هذه طبيعة الحوار بين الأقوياء والضعفاء، فهي أقرب إلى القصة القائلة: "إن صيّادَين قرّرا عقد شركة بينهما في كلّ ما يصطادانه، فاصطاد الضعيف منهما غزالاً، واصطاد القوي أرنباً. وقرر الضعيف الالتزام بالاتفاق وأعلن الرضى بنصف الغزال الذي اصطاده، ونصف الأرنب الذي اصطاده شريكه، لكن الشريك القوي قرر الاستحواذ على الغزال كله، فقال لصاحبه وهو يحاوره: إن كنت تريد الأرنب فخذه، وإن كنت تريد الغزال أو نصفه فخذ الأرنب كله! أما الغزال فلا سبيل لك إليه كله أو نصفه.

وأمام هذا التجني لم يجد الضعيف بداً من النـزول عند رغبة الشريك القوي؛ ذلك أن القوي يعرف ما يريد سواء شاركه الضعيف في تلك المعرفة أم لم يشاركه فيها، وإحساسه بالقوة والاستغناء يدفعه إلى الاستبداد والطغيان، فتلك طبيعة إنسانية، وسنَّة من سنن الاجتماع.

شروط الحوار

يبيِّن علماء الاجتماع، والاجتماع السياسي بخاصَّةً، أنه لا ينبغي للضعيف أن يتوهّم أن يكون طرفاً في حوار وهو في حالة ضعفه، فلا بد له قبل الحوار من أن يتجاوز حالة الضعف، وأن يحقق توازناً – ولو في حدود معيَّنة – مع الطرف الذي يرشح نفسه للحوار معه. فذلك "التوازن" ضروري للضعيف لبلوغ مستوى الشريك في الحوار، فإذا توازنت القوى كان هناك مجال للحوار. أما إذا لم يتحقق ولو قدر ضئيل من التوازن فويل للضعيف من القوي، وويل للفقير من الغني.. الخ.

إن الغرب _ حسب علماء الاجتماع السياسي – يعرف قيمة التوازن، ويعرف أنه الضمانة الوحيدة للسلام، حتى لو كان توازن الرعب. فإن تملك – باعتبارك طرفاً – ترسانة من الأسلحة ووسائل الدمار الشامل، مثل الأسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية، وتعرف أنه إذا ضغط عليك فقد تلجأ إليها، إذ لديك القدرة على تصنيعها وحمايتها والمحافظة عليها واستعمالها عند الحاجة.

لكن ماذا عن النشأة المعاصرة لفكرة حوار الحضارات؟

حوار الحضارات

من الصعب، كما يبين العلاّمة والمفكر الإسلامي طه جابر العلواني، تحديد تاريخ دقيق لهذا الذي صار يُعرف في أيامنا هذه بـ"حوار الحضارات"؛ لكننا في شيء من التجوُّز والتساهل يمكننا أن نربط بين قيام "عصبة الأُمم" وانتهائها، وعجزها عن الحيلولة دون وقوع الحرب العالمية الثانية. ثم قيام "الأُمم المتحدة" ونشأتها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فلقد أحس العالم كله، المنتصر والمغلوب على السواء، بالحاجة الماسة إلى تحقيق سلام وبناء أمن عالمي.

لقد ظن هيغل وغيره أن "فتح نابليون" لأُوروبا كان "نهاية التاريخ"، وبلوغ البشرية القمة بقيادة أوروبا أو الغرب الذي كانت تمثله آنذاك، وأنه لم يصنع بعد ذلك التاريخ تأريخاً. لكن فأل هيغل وغيره خاب، فالحروب الصغيرة، لم تنقطع، وفي النصف الأول من القرن العشرين وحده قامت حربان كونيتان، شكلت كل منهما تهديداً للعالم كله، ولم تلبث أن نشبت بعدهما "الحرب الباردة"، التي لم تنته إلاّ بتفكيك الاتحاد السوفياتي.

واستمرت الحروب الصغيرة ولم تتوقف، ولم تستطيع الأُمم المتحدة ولا غيرها إحلال الحوار محل الصراع في سائر القضايا الساخنة التي شهدها العالم، وإذا حدث شيء فإنما هو مفاوضات لا حوار.

ويلاحظ مؤلف "الخصوصية والعالمية في الفكر الإسلامي المعاصر" أنه حين نبحث عن فكرة "الحوار" وكيف راجت في العالم الإسلامي حتى بادر إلى تبنيِّها كثير من القادة، وروّجت لها منظمة المؤتمر الإسلامي، ودعا إليها كثير من الأكاديميين والمفكرين، نجد أنها راجت؛ لأن كثيراً من المسلمين يظنون أنَّ خصومة الغرب لهم، خصومة مبنيَّة على جهل الغرب بهم، وأن الحوار سيبني جسوراً، وسوف يعرّف الغرب بالإسلام والمسلمين ومن التعارف سيكون التآلف والتعاون وينتهي الصراع.

هنا لا بد من أن نذكِّر بأن الشرط الأساسي لبدء أي حوار، هو الاستعداد الدائم لدى الأطراف المتحاورة لقبول نتائج الحوار. أما حين لا يكون هذا الاستعداد متوافراً، فإن الحوار – آنذاك – يكون مجرد محاولة من الطرف الأقوى لإقناع مواطنيه – وغيرهم إن أمكن – بشرعية فعله وعدالته بعد ذلك، وأنه قد أعطى لخصمه الفرص المناسبة لتلافي الصراع. ولكن الخصم عنيد – مهما كان ضعيفاً – وكان مُصرّاً على موقفه، وكأن الحرب التي سيشنها – بعد ذلك – فرضها عليه ذلك الضعيف فرضاً، في حين أن الضعيف كان يتمنى فرصة الإفلات من تلك القبضة، والتخلُّص من مصير قاتم لا يخفى عليه.

من وجه آخر، يعطي المؤلف مثالاً على الحوار، بلقاءات الحوار الإسلامي – المسيحي أو الإسلامي – الكاثوليكي، لم يُحطها زخم إعلامي أو اهتمام عربي، ولم تلق اهتماماً يتوازى مع أهميتها، ولعل ذلك يعود بالأساس إلى عاملين أساسيين:

أولهما: إن الغرب الآن يطلق مقولة "حوار الحضارات"، وهي تتضمن في جوهرها صدام الحضارات وصراعها، ويمهّد لذلك. وقد كشفت أحداث 11 أيلول (سبتمبر) عن ذلك.

وثانيهما: إن حوار الحضارات في طرحه الأخير ينسّق مع المعطيات التاريخية والسياسية والاستراتيجية للعالم الغربي بعد انتهاء الشيوعية، وبعد تطهير البيت الأُوروبي من الانقسام الإيديولوجي ما بين شيوعية ورأسمالية، والتحول إلى محاولة صنع أعداء من خارج النسق الحضاري الغربي، خصوصاً في حوض حضارة الإسلام. وهذا يؤكد مرة أخرى أن القضية التي قد تم طرحها ليست فقط في غير أوانها بالنسبة لنا، وإنما على غير وجهها وبغير مضمونها أيضاً.

ثم يسعى المؤلف إلى التمييز بين الحوار الفكري والتفاوض السياسي، فيوضح أن مفهوم الحوار ينصرف إلى أحد معنيين: أولهما: يعني منهاجية فلسفية أساسها قرع الحجة بالحجة، واتخاذ موقف المعارضة المنطقية بغية الكشف عن الحقيقة، وقد كان هذا طابع الدراسات التي أشرنا إليها.

وعلى العكس يثير المعنى الثاني مفاهيم التفاوض السياسي الدولي التي تحكمها عناصر القوة وليس الحق، وتهدف إلى تحقيق الغلبة التي هي طريق تحقيق المصلحة – في العقل الغربي – وليس الوصول إلى الحقيقة وتجلياتها.

من خلال هذين المفهومين، يتساءل العلاّمة العلواني عن ماهية الحوار الحضاري الذي يطلبه العرب والمسلمون من الغرب. هل هو حوار يقصد الوصول إلى الحقيقة والانصياع لها بعد إقرارها، أو هو عمل يحقق مصالح معيَّنة لطرف، ويفرضها بمنطق القوة وحقِّها وليس بقوة الحق؟ وما هو الموقف الغربي الذي شَجَبهُ المفكر الفرنسي روجيه غارودي؟

الحوار الإسلامي – الإسلامي

بعد هذا يدعو العلواني العرب والمسلمين إلى التخفيف من غلواء الدعوة إلى الحوار الإسلامي – الغربي، باتجاه الدعوة إلى الحوار الإسلامي – الإسلامي.

أما تحديد المقصود من هذا الحوار البديل فهو ناجم من حقيقة أن التوازن والتكافؤ بين أطراف الحوار. وحسب رأيه، أنه لا يمكن أن يتم التحاور إلاّ بين أطراف على حدٍّ أدنى من النديّة والتساوي في القوة والوزن، والاستعداد لقبول نتائج الحوار والالتزام بها.

وما لم يُزل المسلمون ما بينهم من "كدورة"، ويوجدوا صيغاً للتفاهم تجعلهم قادرين على توحيد مواقفهم، فإنهم لن يكونوا قادرين على الحوار المجدي مع الغرب الأُوروبي، ولا مع الغرب الأميركي. كذلك ينبغي تحديد أي النمطين من الحوار نريد؟

الناظر في مفهوم حوار الحضارات – كما يعبر عنه معظم مفكِّري الغرب – يجد تداخلاً بين الفكري والثقافي الديني من ناحية وبين السياسي الاقتصادي الاستراتيجي من ناحية أخرى. وذلك بصورة تجعل من الأبعاد الأولى محدِّدات للتمايز بين الحضارات، ولكنها ليست غايات أو مقاصد في ذاتها، بل هي معطيات، وتُحدِّد الفواصل والغايات فقط التي ينبغي أن تتم بين المختلفين حضارياً بالمعنى الثقافي الاعتقادي، بقصد تحقيق أهداف سياسية واقتصادية. وبهذا يتداخل الحوار مع التفاوض، ويتم اختزال مفهوم الحضارة في أبعاد السياسة الذرائعية.

وطبقاً لهذا المفهوم، ظهرت معظم الكتابات التي تعلّقت بهذا الموضوع إن لم يكن كلها. ومن هنا لا بد من التأكيد على ما ينبغي أن نركّز عليه من مفاهيم الحوار والحضارة أو أنساقنا المعرفية. أما التفاوض السياسي فله مجاله البحثي، وخطابه الفكري الخاص به، وكذلك له رجاله والمتخصصون فيه.

مادَّة غنيَّة

على هذه الإيقاعية البحثية يمضي العلاّمة العلواني في معالجة إشكالياته النظرية والعملية التي يعيشها الاجتماع الإسلامي – العربي المعاصر.

فسيجد القارئ، في هذا الكتاب، مادة غنية خاصَّة بثنائيَّة الخصوصية والعالمية، وهي ثنائية عالجها المفكر بطريقة تصلح في نتائجها لتأسيس مرحلة جديدة في فضاء التفكّر العربي الإسلامي الحديث.

   

*    *     *

الهوامش



  _______________________________________________

(*)باحث ورئيس تحرير مجلة مدارات غربية، من لبنان.



(1) طه جابر العلواني، الخصوصّية والعالمية في الفكر الإسلامي المعاصر، منشورات مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" بالاتفاق مع دار الهادي – بيروت.


بغية الرَّاغبين في سلسلة آل شرف الدِّين كتابة تاريخ الأجيال / تعدُّد النَّوع ووحدة الوظيفةالإصلاحيَّة

5 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

هدف الدراسة

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم معرفة بكتاب "بغية الرَّاغبين في سلسلة آل شرف الدِّين"([1]) بوصفه كتاباً يتضمن كتابةً مختلفةً متميِّزةً، تتنوع بين الترجمة والسيرة والتاريخ السياسي والأدبي والعمراني، وتهدف، بمختلف هذه الأنواع، إلى أداء وظيفة اجتماعيَّة واحدة إصلاحيَّة، سوف نحاول تبيّنها بعد قليل.

في الكتابة والرؤية الناظمة

تؤدَّى هذه الكتابة بلغة أدبيَّة متميِّزة تتيح لها أن تنهض بأداء تلك الوظيفة من طريق إبلاغ المتلقي الرسالة التي تحملها في مناخٍ من المتعة الأدبيَّة.

ويبدو أن المؤلف كان يدرك تنوّع كتابته، فوضع لكتابه عنواناً ثانوياً هو: «تاريخ أجيال في تاريخ رجال، كتاب نسب وتاريخ وتراجم»، كما أنه يحدد هدفه من وضع هذا الكتاب، فيقول: "وضعته أداءً لحقوق الآباء والأرحام، وشكراً لجهودهم في دين الإسلام، ودلالة للخلف على جادة السلف، ليعرفوها، وإرشاداً للأبناء إلى سبيل الآباء ليقتفوها، فإن فعلوا ذلك فقد حفظوا جدودهم (حظوظهم) وإلاَّ فليضرعوا خدودهم. وأعيذهم بالله أن ينقضوا محكم بنائهم، أو يسلكوا غير سبيل آبائهم: >ومن يشاقق الرَّسول من بعدما تبيَّن له الهدى، ويتَّبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولَّى<" (1/9).

 

فالهدف المحدَّد هو أن يتبع الخلف «سبيل المؤمنين» المتمثِّل في جادَّة السلف، فيكون هؤلاء، في تراجمهم وسيرهم وتاريخهم، قدوة تقتدى وتخلَّد طوال الزمن، ولعلَّ هذا ما يشير إليه الاستخدام اللغوي، اختيار «سلسلة»، و«تاريخ أجيال»، فكل جيل حلقة في سلسلة تمتد إلى ما شاء الله…

 

وإن كنا لاحظنا جماليَّة الاستخدام اللغوي في عبارة العنوان الثاني، فإننا نلاحظ جماليَّة هذا الاستخدام في الفقرة التي اقتبسناها، وتتمثل هذه الجمالية في خصائص، منها: المعجم اللغوي السهل، بنية العبارة البسيطة المتينة في آن، توازن العبارات وتقابلها، في نسق يقترب بها من الشعر، الإيقاع الناظم للتوازن المتمثل بتكرار الأصوات، وتنوّع الخطاب بين خبر وشرط، وخبر يخرج إلى معنى استحالة ألاَّ يسلكوا الجادَّة المعنية، ويستشهد على ذلك بآية كريمة تؤكد ما يذهب إليه، وتضع المتلقي أمام مسؤوليته بعدما تبيَّن له الهدى، ما يعني أن هذا الكتاب هو سعي في تبيين الهدى، ونهوض بالواجب، فما ينظم هذه الكتابة هو هذه الرؤية المتمثلة ببيان الهدى، وتحديد سبيل المؤمنين، إنها – أي هذه الرؤية – المبدأ/القانون الذي يحكم تشكل بنية هذا الكتاب ونظام علاقات مكوِّناته.

 

وهكذا نرى أن اللغة توظف، أيضاً، في سبيل أداء هذه المهمة بنجاح، فتكون هذه الكتابة أدبيَّة أيضاً في الوقت نفسه الذي تكون فيه أداة إيصال ترجمة أو سيرة أو تاريخ…

في الهدف/الوظيفة

ويصرِّح المؤلِّف، في غير موضع من كتابه، بالهدف من كتابته، فعلاوة على ما سبق ، نذكر بعض النماذج الأخرى على سبيل المثال فحسب:

 

– من المعروف أن العلماء الكبار المتفرّغين للفقه والفتوى… كانوا يربأون بأنفسهم وأوقاتهم عن الشعر ونظمه، وقد سمَّى الشيخ عبد الحسين صادق ديوانه الكبير المتضمِّن شعراً جيداً «سقط المتاع». يقول المؤلِّف عن مراسلات الأخوين السيدين صالح ومحمد: «وشعرهما يدل على أنهما كسائر من قصر أوقاته على العلم ممن يربأ بنفسه وأوقاته عن القريض ونظمه…».

 

ويقول عن شعر السيِّد صدر الدين: "وكان يرتجل الشعر ارتجالاً ويقتضبه اقتضاباً، ولا يسهر عليه جفناً، ولا يكدّ فيه طبعاً، ولا يثبته في ديوان»، ويعلِّق في الهامش: "وقد ضاع شعره في إيران ضيعة البدر في ليالي الشتاء".

 

ثم يورد أبياتاً للسيد صالح، ويقول بعد ذلك: "وما كنت لأورد هذه الأبيات لولا أنها تمثِّل حناناً يوجب على أولاد هذين السيدين وأحفادهما أن يتبادلوه بينهم في كل خلف" (1/144 و145 و160).

 

وعندما يتحدَّث عن السيد إسماعيل يروي بعض نوادر كان السيد يحدِّث بها أولاده، ويقول: «وكان سيدنا الفقيد يحدِّث أولاده بأمثال هذه النوادر عنه وعن غيره تهذيباً لهم وإرشاداً إلى مكارم الأخلاق، وأن العلم والفضل والانتساب إلى الأكابر وشرف العائلة لا ينبغي أن يكون سبب غرور الرجل وتكبّره وترفّعه، بل الواجب أنه كلما ارتفع رتبةً عند الناس وخصَّه الله بفضيلةٍ ازداد تواضعاً، وأن خير معرّف للرجل بين الناس فضله وعلمه وتقواه، وأن الرجل يلزم أن يكون صادقاً في توكله، ثابتاً في عزمه غير متلوِّن" (1/211).

 

وهذه، كما يبدو، كتابة في الأخلاق، تضاف إلى ما سبق ذكره من أنواع الكتابة، ما يعني أن هذا الكتاب، كما سبق أن قلنا، يتضمن أنواعاً كثيرة من الكتابة الهادفة إلى أداء وظيفة واحدة سبق أن ذكرناها.

في مادَّة الكتابة ومصادرها

وإن تكن هذه الكتابة تصدر عن رؤية معيَّنة، فإن مادَّتها الأوليَّة مأخوذة من مصادر موثوقة، ما يعني أن هذه المادة نفسها، في الأساس، أو في طبيعتها، تمثِّل تلك الجادَّة/سبيل الله، ومن هذه المصادر نذكر:

 

1 – أحاديث وأخبار شفويَّة عن والده وجدّه وخاله وابن عمِّه.

 

2 – مجاميع تضمَّنت تراجم لرجالات آل شرف الدين ومنَجَزات عائلية.

3 – مخطوطات لمؤرِّخين عامليين.

4 – قصائد تضمَّنت معلومات أو مقولات أو دلالات يمكن الإفادة منها (1/ج).

 

ويبدو أن المؤلف كان يجيد استقراء النصوص الشعرية، والإفادة منها، ومن نماذج ذلك نقدِّم، على سبيل المثال، ما يقوله عن نكبة عاملة أيَّام الجزار، ومحنة الشيخ إبراهيم يحيى آنذاك، يقول: «يفهم ذلك من لاميته العصماء، وهي تربو على مئة بيت شكا فيها ضرَّه ومحنته في تشريده، متذمِّراً من سوء حاله في بعلبك ومتشوِّقاً إلى أهليه، ومما جاء فيها مخاطباً لهم:

 

سقـى الله مغناكم وجاد بلادكـم

 

من الغيث محلول النطاق هطول…».

 

وإذ يستقرئ الشعر، يشرح ويعلِّق، ويؤرِّخ للشاعر، ويختار نماذج من شعره تنتظم في المحور المركزي/الهدف أو الوظيفة، ما سبق أن ذكرنا، ومنها خطاب الشيخ في قصيدته هذه لولي الأمر وصاحب العصر (عجَّل الله فرجه):

 

فيا ابن الإمام العسكـري إلـى متـى
… تلاف الهـدى والدِّين قبل تلافـه
… أقـل،
يا وقـاك الله، عثرة عامل
… لعمـري لقد شـدَّ البلاء عقالـه
ولولا رجـاء الرَّيِّ مـنك لعـمَّهـم

 

يـرجِّيك جيل فـي الزمان فجيل
فأنـت طبيب الدين، وهـو عليل
وسكَّانـها، إن الكريـم مـقـيل
عليهـم، فنـدَّت عند ذاك عقـول
وهم روضـة الدِّين الحنيف ذبول.

 

وإن يكن هذا الصَّنيع تأريخاً للشعر، فإن في الاختيار نفسه ما يدل على تذوّق مرهف للجمالية الشعريّة، متمثلة، في هذه الأبيات، على سبيل المثال، في ثنائيات التناظر والتضاد: تلاف = تلافه، عقاله # عقول، الرَّي = روضة # ذبول، والتكرار الصوتي القاف الدال، وتكرار الألفاظ، والمجاز وتنوّع الخطاب الخ… وهذا يعني أنَّ المؤلِّف يمتلك كفاءة المؤرِّخ والناقد المتذوِّق، القادر على اختيار ما تتوافر فيه الصفتان: الجمالية الشعرية، والدلالة المنتظمة في المحور المركزي.

في الكاتب وتميّزه

تحتاج إجادة هذه الكتابة إلى كاتب مختلف غير عادي، إمام في مختلف هذه المجالات، والسيِّد عبد الحسين شرف الدِّين، بشهادة عارفيه، وقارئي مؤلفاته، هو هذا الكاتب الإمام، فقد كان كما هو معروف «إماماً في اللغة وعلوم العربيَّة وآدابها والمنطق والتاريخ والحديث والتفسير والرجال والرواية…»، علاوة على «أن أسلوبه يكاد يكون نسيج وحده» (1/و)، ويتساءل المحقق آقابزرك الطهراني، في سياق ترجمته له فيقول: «أهو مجتهد فاضل، أم متكلِّم بارع، أم فيلسوف محقق، أم أصولي ضليع، أم مفسِّر كبير، أم محدث صدوق، أم مؤرخ ثبت، أم خطيب مصقع، أم باحث ناقد، أم أديب كبير؟» (2/602).

 

وقد وظَّف هذه القدرات جميعها في مسار تحقيق الهدف الذي حدَّده، فاتخذ موقعاً في النهضة الإصلاحية الإسلامية يتحدَّث عنه الأستاذ محمد علي قاسم فيقول: إنه ثالث ثلاثة، «فهو يلي في نهجه الإصلاحي ودعوته البنَّاءة، جمال الدِّين الأفغاني وتلميذه مفتي الديار المصرية محمد عبده…» (1/ب).

في المنهجية

تقتضي هذه الكتابة استخدام منهجية قوامها: أولاً طيّ التفاصيل وإيثار الإيجاز، ومما يقوله في هذا الصدد: «نطوي التفاصيل كما طويناها في ما سبق من كلامنا إيثاراً للإيجاز الذي إن تعدَّيناه تجاوزنا إلى تاريخ العراق في هذه الفترة، وهذا ليس موضوع الكتاب» (1/376)، وثانياً، التركيز على موضوع القول، كما يفيد ما اقتبسناه، وإن كان من استطراد إلى قضية ما ينتهي إليها الكلام فيلمّ بها إلماماً، ومما يقوله في هذا الصَّدد: «لما انتهى بنا الكلام إلى الحياة العلميَّة رأينا أن من المناسب أن نلمّ بها في سبيل الاختصار، كما هو الشأن في كل ما يذكر مستطرداً» (2/78). وثالثاً، الإعراض عن التفاصيل الشخصيَّة والتركيز على موضوع الحديث، فلدى زيارته إلى دمشق للقاء الملك فيصل لقي من الاهتمام ما يكتب "في تاريخ مذهَّب مجنَّح"، لكنه لم يكتب هذا، وقال: "لنا في دمشق ذكريات زهر، لو كان غيري رجلها لنشرت صحفها، وفصَّلت مواقفها في تاريخ مذهَّب مجنَّح، ولكني أعرض عن التفاصيل وأطويها في جمل تنسجم وهذا النسق المتواضع» (2/157)، ورابعاً، تسجيل الحقائق، وإن بدا منها ما هو خارق للعادة يفسِّره، ومن نماذج ذلك نذكر أنه لدى ترجمته للسيد صدر الدين ابن السيد صالح سجَّل أنَّ هذا السيِّد كان إذا زاره زائر من البلاد العامليَّة يكلمه بمصطلح أهل تلك البلاد لا يخرم ألفاظهم ولا لهجتهم، ولا تفوته أمثالهم السائرة في محاوراتهم، شأن الألمعي من أهل عرفهم الخاص الواقف على جلائل أمورهم ودقائقها، كأنه لم يفارق جبل عامل وأهله منذ استهلَّ حتى اكتهل، علماً أنه غادر تلك البلاد وهو في السادسة من عمره، ثمَّ لم يرجع إليها حتى لحق بربه، وهذه خصيصة تكاد تلحق بخوارق العادات». وإذ يسجل هذه الخصيصة ويتبيَّن طبيعتها: «تكاد تلحق بخوارق العادات»، يستدرك فيذكر مصدر معلوماته المتمثِّل بالسيد هادي وهو ابن أخي السيد صدر الدين، وبالسيد محمد هاشم الموسوي الأصفهاني وهو صهر للسيِّد، ثم يفسِّر هذه الخصيصة بأن السيد أخذ عن والديه كثيراً، ثم إنه كان يأنس بالعامليين فيسعى إلى لقائهم والأخذ عنهم، علاوة على أخذه من السيد قاسم عباس الموسوي نزيله وتلميذه…، وإذ يذكر السبب يقول: "وبهذه التقريبات تخرج هذه الخصيصة عن خوارق العادات» (1/148). وخامساً، الموضوعية، وإعطاء ذوي الحقوق حقوقهم، فلدى حديثه عن السيد محسن الأمين، يقول: «علاّمتنا الحجة الكبير السيد محسن الأمين قدس سره" (1/15)، ما يدلّ على أنَّ الكلام الذي يُقال عن خلاف بين العالمين الكبيرين، إن صحّ، ليس له أي تأثير لا على موضوعيَّة البحث ولا على الموقف، وهذه هي أخلاق العلماء والباحثين. وسادساً، الانطلاق من مبادئ في التاريخ للرجال والأحداث، فلدى ترجمته للسيد حسن بن السيد الهادي، يتحدَّث عن أستاذه الميرزا محمد حسن الشيرازي، فيبدأ القول بـ«هو الإمام المجدِّد…»، ويعلِّق في الهامش بأن المعروف بين المسلمين أن الله عزَّ وجلَّ يقيِّض لهذا الدِّين على رأس كل مئة سنة من يجدِّده ويحفظه، ويستشهد بالحديث الشريف الذي ينصُّ على ذلك، ويحقِّقه، ثم يذكر ما يثبت رأيه فيذكر المجدِّدين، على رأس كل مئة سنة، في التاريخ الإسلامي (1/302 و303).

 

إن علماء المنهج والمنهجيَّة يعودون في ما يعودون إليه، ليضعوا مبادئهم وإجراءاتهم، إلى إنجازات العلماء الكبار، وها نحن نتبيَّن، هنا، منهجيَّة لهذا النوع من الكتابة الذي صنَّفناه تحت عنوان: «الكتابة – تاريخ الأجيال: تعدد النوع ووحدة الوظيفة».

القائد الأنموذج

وإن تكن أولى مهمَّات هذه الكتابة أن تتبيَّن الجادَّة/ سبيل المؤمنين، فإن أهم ما ينبغي إنجازه في هذا المجال هو تبيّن صورة من يخطّ هذه الجادّة ويمضي في سبيلها، ويكون قائداً يتَّبع. يتبيَّن السيد عبد الحسين شرف الدين صورة هذا القائد مجسَّدة عملياً في نماذج كثيرة من الذين يترجم لهم، ومن هؤلاء، على سبيل المثال، السيد محمد بن الحسن بن الهادي الصَّدر، إذ رأى أن للقيادة صورة مؤتلفة في روحه وبدنه وشخصيته، وتتمثَّل هذه الصورة ليس في البطولة والبسالة فحسب، وإنما في صفات أخرى أيضاً، ومنها، أولاً، أن القائد ينبغي أن يكون مؤمناً، وأن يجاهد عن عقيدة وإخلاص، وثانياً، أن يكون مفكِّراً حكيماً، واسع العقل بعيد الغور يقلِّب الأمور بطناً لظهر، وثالثاً، أن يدلي بالرأي ويشاور ثم يتخذ القرار، ورابعاً، أن يمضي بعزم إلى تنفيذ القرار بعد أن يُتَّخذ من دون وهن ولا عناء، وخامساً، أن يندفع بنفسه في الميدان، ينهد في الرعيل الأول، وسادساً، أن تكون مواقفه وحدةً وأن يكون موقفه عنواناً لهذه الوحدة…، وبعد أن يتبيَّن السيِّد هذه الصفات يقول: «… ولعلَّ لهذه الخصائص ترجع زعامته، وبهذا تفسَّر شعبيته» (1/364 و365).

 

وفي أنموذج آخر هو أنموذج العالِم المتفرِّغ للعلم، هو أخوه السيد شريف، يتبع الطريقة المتبعة في تراجم الرجال، فيذكر نسبه ومكانته العلميَّة وأخلاقه، ومولده وتحصيله وأساتيذه ومشايخه وشهادات العلماء فيه ومؤلفاته وشعره ووفاته، ومرضه ووصيته وفرحته عند لقاء الله تعالى ومآتمه ومراثيه، وهذه ترجمة وافية، جاءت كما يقتضي علم التراجم أن تجيء، ولكن ما تتميز به ترجمة السيد شرف الدين، علاوة على ما سبق ذكره، أولاً، التقاط تفاصيل تمثل "صورة بارزةً عن قداسة أولئك الصفوة الهداة، وعن شعورهم بالواجب تجاه خالقهم وإخوانهم"، فالسيد شريف، كان يأتي زميله وصديقه السيد حسن محمود الأمين، بعد أن أصيب بالحمى، وفقد الشعور والإدراك ونسي كل شيء حتى الصلاة وأفعالها وأقوالها، في أوقات الصلاة، ويجلس إلى جانبه، ويقول له: قل وافعل كما أقول وأفعل (2/12)، وثانياً، التركيز على ما يتميَّز به المُترجم له، فإن كان السيد محمد الحسن الصدر قد تميَّز بالقيادة/الزعامة وتوافرت له شروطها، فإن السيد شريف تميَّز بالانصراف إلى العلم، والعمل، ينفق أوقاته عليهما «ويخلي ذرعه على التبحُّر في الفقه والأصول، وكان يكره الشهرة والظهور، كما أشار إليه بعض الأفاضل في رثائه؛ حيث يقول:

 

ولديك أسـرار كتـمـت بيانـهـا
وعُلاك، لو رمت الظهور بها اختفت

 

وهـي الحقـيـقـة لـو أذاع الكاتـمُ
تحت الشعاع من الرِّجال عمائم (2/15)

 
السيرة الذَّاتيَّة

ولعلَّ الأنموذج الأبرز هو «السيرة الذاتية»، في هذا الكتاب، والسِّيرة كما نعلم أنواع، وقد اقتضت طبيعة الكتابة التي تحدَّثنا عنها أن تكون سيرة السيد الذاتية في هذا الكتاب مزيجاً من الترجمة الذاتية، والسيرة المقالة؛ إذ لم يعن السيِّد بسرد تفاصيل وقائع حياته اليوميَّة، كما لم يهتم بوصف الأمكنة والأشياء والناس، وصفاً مفصَّلاً، وإنما اختار مراحل بارزة من حياته، وتحدَّث عنها كأنه يتحدَّث في قضيَّة من القضايا التي يعالجها عادةً، ومن أبرز هذه المراحل: مولده، نشأته، طفولته، دراسته، مشايخه والآخذون عنه، وإجازاته ومؤلفاته وعودته إلى عاملة، ومقاومته للاستعمار: مؤتمر الحجير، التشرّد والنفي، العودة والمشاريع الإصلاحية والتربوية التي نفَّذها، حجّه، زيارته ومشاهده… وتتخلل ذلك استطرادات عن الحياة العلميَّة، وتاريخ جبل عامل إبَّان مواجهة الاستعمار الفرنسي.

 

والتقنيَّة الأكثر استخداماً في السَّرد هي تقنية التلخيص التي تلائم هذا النوع من الكتابة، ومن نماذج استخدامها على سبيل المثال نذكر: "أقمنا بين ظهرانيهم سنة واحدة، فكانت أجزل أيامنا فائدة، وأتمها عائدة، وأرجاها منفعة، قرأت فيها "شرح اللمعة" في الفقه، و"مباحث الألفاظ" من "فصول الأصول" (2/67).

 

وتبدو، في هذه المراحل، إشارات دالَّة على طبيعة الجادَّة – النهج التي تحدَّثنا عنها آنفاً، ومن نماذج ذلك نذكر على سبيل المثال فحسب:

 

لدى الحديث عن تربيته في المرحلة الأولى من عمره يقول متمثِّلاً:

 
لا عـذَّب الله أمِّـي أنـها  شربـت
 

حبَّ الوصـيِّ وغـذَّتنيه في اللَّبن (2/63)

 

ولدى الحديث عن لقائه بخاله العلاَّمة السيد محمد حسين، يذكر أن هذا العالم كان يبكي فرحاً بلقاء الأحبَّة، متمثلاً:

 
هجم السرور عليَّ حتـى أنَّه
 
من فرط ما قد سرَّني أبكاني (2/66)
 

وهذا يدل على طبيعة العلاقات العائلية، ورقَّة عاطفة هذا العالم الجليل، الحازم.

 

ولدى حديثه عن الأب الرحيم، المدرِّس الناجح، يقدِّم صورة فريدة عن العلاقة بين الأب وابنه من نحو أول، وبين المدرِّس وتلميذه من نحوٍ ثان (تراجع: 2/64 و65). ثم لدى حديثه عن العلاقة بالأب في ما بعد، يقول: إن والده أجمع على رجوعه من العراق، «ولم يكن لنا بد من النجوع لأمره» (2/104)، وعندما عاد إلى شحور كان في خدمته، عملاً بما أدَّب الله به عباده.

 

كما يقدِّم الصورة نفسها للأم الحنون العاقلة المدبِّرة المترفِّعة…، وعن الزوجة يقول: «كانت من خيرة الفاطميات في كل أمر يعلو به شأن الخفرات من حيث الدِّين ومن حيث الدنيا ومن كل جهة» (2/65).

 

أما العلماء الذين تلقَّى العلم على أيديهم فهم:

 

علمـاء أئـمـة حكمـاء

 
يهتدي النجم باتباع هداها (2/73).
 

ويقرّ بفضل جدِّه السيد الهادي وخاله الحسن والسيد إسماعيل الصدر، ليس على المستوى العلمي فحسب، وإنما على المستوى التربوي أيضاً فيقول: «ولهم في تربيتي والهيمنة عليَّ – في ما آتاهم الله من علم وحلم وحكمة – أساليب حملوني بها على طريقتهم المثلى، وضربت على قالبهم، واستفدت من جلواتهم، وخلواتهم، ومن مظان الفراغ من أوقاتهم أضعاف ما استفدته من سائر دروسي…» (2/77).

 

ولعلَّ هذا ما قصدناه عندما تحدَّثنا عن الجادَّة – سبيل المؤمنين، وهي هنا الطريقة المثلى التي يضرب المرء على قالبها وأساليبها، ومن مظاهر هذه الطريقة المثلى أنه قال لمدير مكتب الملك فيصل، عندما أراد أن يعطيه مالاً: "إننا لم نثر من أجله، في سبيل المال، وإنما هي عقيدة درج عليها كل شيعي منذ عهد الإمام عليB".

في التاريخ الثقافي

وفي ثنايا هذه السيرة الذاتيَّة، كما في ثنايا التراجم، نجد تاريخاً ثقافياً إن صحَّت التسمية، ونعني به التاريخ الذي يشمل ليس تاريخ الأحداث السياسية فحسب، وإنما الأحداث الأخرى أيضاً، ومنها: العلمية، والتربوية، والأدبيَّة والعمرانيَّة وهو في ذلك يسعى إلى تحقيق الهدف نفسه الذي ذكر أنه وضع كتابه من أجله، وفي ما يأتي نقدِّم نماذج دالَّة.

الحياة العلميَّة

يبدأ الكلام على الحياة العلميَّة بالقول: إنَّ سلطان العلوم الإسلاميَّة كان مشيَّد الأركان رفيع البنيان، وكانت دولتها مزدهرة وعواصمها مثابة للناس وأمناً… ينفر إليها من كلِّ فرقةٍ طائفة ترى في العلوم الدينية وما إليها غاية من أسمى الغايات، ولهذا احتشدت الجامعات بأمم من الطلاَّب تختلف أشكالهم ولغاتهم وأعراقهم، وتتّحد مبادئهم وأغراضهم. وهذا هو المبدأ الأساس الذي تبينَّاه في كتابه، وهو التنوّع والوحدة في آن. ثم يقول: إن هؤلاء الطلاب كانوا مؤمنين مخلصين…، وكان الانتخاب من بينهم طبيعياً، فيتم اختيار من كان أقوى على المصلحة وأرضى بالعبء وأدنى إلى الكفاية الجامعة لشروط الفضل والبر والتقوى وصدق النظر، وإذا اختار هذا الانتخاب العادل فرداً من ذلك المجموع الصالح كله للقيادة أذعن الجميع راضين محبورين، وآثر المختار سواه، وأشفق ألاَّ يكون قادراً على النهوض بالمهمة كما يجب، فالجميع «يستشرفون في الزعامة مركز المصلحة لا مصلحة المركز، ويستقبلون قيادة الكرسي لا كرسي القيادة»، وهذا، كما يضيف، هو سرّ النهضة العلميَّة، وما يؤسف له هو أن شبحاً كريهاً يحاول أن يقبض على تلك الأحلام المحقّقة ليخنقها، وما يضاعف الأسف أنه شاهد تلك الدولة إبان عظمتها… (راجع: 2/78)، فما يريده السيِّد هو أن تعود دولة العلوم الإسلاميَّة، لتتحقق النهضة بتحقّق سرّها.

 

وفي موضع آخر يتحدَّث عن أهمية العلم ورؤية الإسلام إليه، فيستشهد بالآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبويَّة الشريفة التي تدلّ على أنه ليس من دين يفهم من أسرار العلم ما يفهمه الإسلام الحنيف (راجع: 2/120 و121). ويرى أن الغرب دهمنا بخيله ورجاله، فاستحوذ علينا دخولاً في مدارسه وإصغاءً في وساوسه، فاندفعنا نزج بأفلاذ أكبادنا إلى أحضانه حتى إذا خرج الفوج الأول من شبَّان الجيل المأمول علمنا أن الخسارة أكبر من الرِّبح والإثم أكبر من المنفعة،… وفي سبيل تحصيل علم يرجع لنا اليقظة التي بُني عليها تاريخنا المجيد، وفي مصارعة هذا التيَّار أوحى إليه الواجب الديني أن يقوم بتأسيس المدرسة الجعفريَّة على الشرط الذي كان يفكِّر فيه من بعيد…،

طرائق تدريس: التعلُّم الذاتي

ويمكن أن نجد، في كلامه على طرائق التدريس، قراءةً على والده (2/64) ومباحثةً في الحوزة العلميَّة (2/71) ما يقدِّم وثيقة تاريخيَّة تربويَّة، من نحوٍ أول، وطرائق يمكن أن تتم الاستفادة منها من نحوٍ ثانٍ، ذلك أننا نجد في هذه الطرائق عناصر ممَّا يسمَّى اليوم «التعلُّم الذاتي»، فقد كان الطالب، على سبيل المثال، يعود إلى كتب النحو ليعرف إعراب العبارة وتفسيرها قبل الدرس كل يوم، وكان يعود إلى القاموس ليشرح غريب أبيات الشعر التي يحفظها، هذا على مستوى المرحلة الأساسيَّة في التعليم، أما في المراحل الأخرى، فقد كان الأستاذ الشيخ يستفزّ الطالب إلى إعمال النَّظر في معضلات المسائل؛ حيث تختلف أنظار العلماء، ويدفعه إلى مناقشة حجته ومعارضتها…، وهذه الطرائق سوى التلقين، ويمكن لنا أن نفيد منها، ما يعني ضرورة العودة إلى تاريخنا التربوي لنفيد منه لا أن نكتفي بما يقدَّم لنا جاهزاً، فنقبل عليه مستهلكين.

 

ما علينا فعله هو أن نعود إلى تراثنا ونعرفه، ثم نعرف ما يفِد إلينا، ونرى إلى حاجاتنا، ونصوغ، من ثمّ، ما ينهض بأداء هذه الحاجات وفاقاً لمنظور تكوّنه منظومتنا التربوية التي أسهم السيد شرف الدين وأمثاله في وضع أسسها، انطلاقاً من الرؤية الإسلامية الشاملة.

في الشِّعر

في الكتاب مختارات شعريَّة كثيرة، وقد مرَّ بنا أن السيِّد كان يجيد الاختيار، ويمكن أن نتبيَّن طريقته في الاختيار من تعليق له على الشعر الذي كان يتبادله الأخوان السيد صالح والسيد محمد شرف الدين في رسائلهما، يقول في هذا الصدد: «غير أن نظمهما لم يكن مما يجب أن يؤثر في شرع الأدب، ولذا ضربنا عنه صفحاً، على أنه لم يكن منحطاً عن أكثر ما أنشىء من الشعر في ذلك العصر» (1/446). ففي هذا القول: أولاً حكم على مستوى المراسلات الشعريَّة المتبادلة بين الأخوين بأنها نظم لا يؤثر في شرع الأدب، وثانياً حكم على ما كان يتم تداوله في ذلك العصر من نظم تحت اسم الشعر، فهو أكثر رداءة من النظم الذي ضرب عنه صفحاً، والسيّد هنا يبدو مؤرخ شعرٍ يستند في تأريخه إلى النقد الأدبي، وعلى أساس هذا النقد يختار ما يتضمّنه كتابه، واللافت في اختياره، وكنا قد تحدَّثنا عن أنموذج في ما سبق، تنوّع المختارات، بين شعر سهلٍ تفرضه أهمية الموضوع والشهرة كقول السيد صدر الدين ابن السيد إسماعيل ابن السيد صدر الدين بمناسبة هدم مقام أئمة البقيع F من قِبَل الوهَّابيين:

 

لعمـري إنَّ فاجعـة البقيـع
وسوف تكون فاتحة الرزايـا
فهل مـن سلمٍ لله يـرعـى

 

يشيـب لهولها فـود الرضيع
إذا لم نصحُ مـن هذا الهجوع
حـقـوق نبيِّـه الهادي الشفيع

 

وشعرٍ تُميِّزه الصناعة الفنيَّة، كهذا الأنموذج من الشعر المشجَّر الذي يُقرأ على تسعة عشر شكلاً تبدأ كلها بالكلمة نفسها وتشترك مع سواها في عدد من كلمات البيت، (1/246)

 

وشعر يمكن أن يُعدّ وثيقة تاريخية، فهو يقول مسوِّغاً إثبات رسالة الشيخ محمد علي مروة التي يعزِّيه فيها بوفاة والدته، والمتضمِّنة قصيدة طويلة: "نكتفي بإثباتهما لأنهما تصوّران تلك المرحلة من تاريخ البلاد"؛ إذ إن القصيدة تذكر ما حدث للسيِّد عندما فاجأه رجال الأمن العام في دارته يريدون تفتيشها بزعم أن فيها ما يعارض سياسة المستعمرين، وقد صوَّب أحدهم، وهو ابن الحلاَّج، مسدَّسه نحوه، فركله برجله ثم ضربه بحذائه، ففرَّ هو وأصحابه، وكان أن ارتاعت والدته بوقوع هذه الحادثة وقضت نحبها بعدها بيومين، ومما جاء في هذه القصيدة:

 

مـصـعِّـد حقد الغـيِّ للرُّشـد صـوَّبـا
…فأوهمها أن ابـنـها فـخـر هـاشـم
…متـى كان نبـح الكلب للبدر …لدينك أرخصـت الغوالـي
فأرخصـت ضـائـراً
ومـن يـك داعـي الحق داعيه لم يـكـن

 

رمى الدِّين سهماً قوَّض الصَّون والخب([2])
يُـقـاد حـاشـا أن يـقـادَ مـلـبَّـبـا
إذا مـا بدا يجلو عن الأفـق غـيـهـبا
سفـيـه بنـي الحلاّج
([3])مـع من تحزَّبا
فـرنـسا لك الغالـي، ويأبـى لك الإبـا
لـخـالـقـه إلاَّ العـزيـز المـقـرَّبـا

 

وشعر تقتضي ذكره أصول الترجمة، ومنه مختارات للمترجَم له، ومختارات ممَّا قيل في مدحه وتأبينه ورثائه.

 

وهكذا، كما يبدو، يتضمن هذا الكتاب من الشعر ما يجعله مصدراً من مصادره على مستويي التأريخ له وتدوين نماذج مختارة من نصوصه.

في التاريخ السياسي

يؤرِّخ السيِّد للكثير من الأحداث السياسيَّة في سياق ترجمته لهذا العلم أو ذاك، فالحدث التاريخي يقتضيه السياق المعني، وليس أي أمر آخر، ولمَّا كان أصحاب التراجم ينتمون إلى عدَّة بلدان كانت الأحداث التي تضمّنها هذا الكتاب تنتمي إلى تاريخ هذه البلدان، ومنها: لبنان والعراق وإيران.

في لبنان

نجد، في هذا الكتاب، تأريخاً لثلاثة أحداث بالغة الأهمية في تاريخ جبل عامل (لبنان الجنوبي في التَّسمية الحديثة) أولها نكبة الجزَّار، وثانيها النهوض بمدينة صور، وثالثها مقاومة الاحتلال الفرنسي.

 

ففي ما يتعلَّق بنكبة الجزَّار يجمل السيِّد الحديث عنها تحت عنوان: "مجمل الفتن" (1/131 – 135). ويلاحظ في إجماله أولاً اعتماده العرض المركَّز، وثانياً ذكر التواريخ بدقَّة، وتحقيق المختلف فيه منها، مثل تاريخ وقعة شحور، فيذكر أنها كانت يوم الثلاثاء الثالث عشر من رجب سنة 1198هـ، ويضيف ما قيل من أنها كانت سنة 1197هـ، ويعلِّق في الهامش مؤكداً صحة القول الأول، مؤيداً ما يذهب إليه بأقوال عدد من المؤرخين، ويحيل إلى مؤلفاتهم، وثالثاً بيان الأسباب التي جعلت كلاً من ناصيف النصَّار وحمزة بن محمد النصَّار يُقدِم على قتال الجزّار، وهو يعرف نتائج المعركة، ففي ما يتعلق بناصيف يقول: «وكان جيش الجزّار أكثر عدداً ومدداً وأوفر عتاداً، لكن ناصيفاً لم يكن لينكل عن خطته ولا لتثبط عقله، وقد عصفت في رأسه النخوة فأخذته حمية الإسلام وحفيظة العرب»، وفي ما يتعلق بحمزة يقول: إن الظالم أمعن في بغيه وطغيانه في استئصال شأفة الشيعة، فآثر الثائر الموت في مناجزته، فثار عليه برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهكذا كما يبدو، فإن الدافع لدى الرجلين هو حمية الإسلام وحفيظة العرب ومقاومة الظالم الذي يريد استئصال شأفة الشيعة، وهذا هو شأن الرجال الذين يريد السيد أن يُقتدى بهم، ورابعاً، ملاحظة أن الجزار ركَّز على استئصال الزعماء ونهب المكتبات وإحراقها، وهذا هو الهدف الحقيقي لهجمة الجزار، إنه يريد الناس قطعاناً جاهلة، وما كان هذا ليتم في عاملة، فقد لجَّ الظالم في غوايته، فقتل وشرَّد وهجَّر ودمَّر…، فقاوم الناس، ثم عادوا وأعادوا بناء قراهم وحراثة حقولهم وإعمار مدارسهم ومكتباتهم، وهذه الدورة تكاد تكون سنَّة في عاملة تتكرر على مدار تاريخها، وخامساً، إثبات بعض الوقائع التاريخية، وإن كان بعض المؤرخين ينكرها، والمعني، هنا، ممالأة العامليين لنابليون الذي حاصر عكا سنة 1212هـ، ظناً منهم أنه سينتصر، فيتم الخلاص من عسف الجزار (1/135)، وسادساً، الاستطراد إلى التأريخ الشِّعري، فيذكر ممن امتحن الله قلوبهم في تلك المحن الشيخ إبراهيم يحيى، ويستشهد بنماذج من شعره أملتها تلك الأحداث، ثم يذكر نماذج من شعره، وينتهي إلى القول: «وهذا القدر من أقواله كافٍ لتصوير صبره على تلك المحن، وتوكله فيها على الله تعالى"، فكأن ما ذكر من أقوال الشيخ كان من أجل بيان صبره على المكاره وتوكله على الله، وهو ليس فرداً في هذا، فرجالات عاملة قاتلوا وضحّوا وصبروا، ومنهم السيد صالح الذي جاء هذا البحث كله في سياق ترجمته، إذ هُجِّر ونُهب بيته وأُحرق، وفيه مكتبته، ثم قُتِل ابنه هبة الله أمامه، وسُجن في عكا مع من اعتُقل من العلماء والرؤساء، نحواً من تسعة أشهر، ثم تسنَّى له الفرار هو والشيخ سليمان بن معتوق العاملي من السجن والهرب إلى العراق سنة 1199هـ، ويفسِّر السيِّد توفقهما إلى ذلك بقوله: إنَّ الله عزَّ وجلَّ فرَّج عنهما بتضرعهما وابتهالهما إليه بدعاء الطائر الروحي الذي يرويه السيد ابن طاوس في كتابه «مهج الدعوات» (1/134).

 

وفي ما يتعلَّق بالنهوض بمدينة صور يتحدث عن تجربته الشخصيَّة، فيعرض ما كان عليه واقع هذه المدينة، فيقول: «… لا جامع لنا، ولا مجمع، ولا جماعة، ولا جمعية، ولا جمعة، ولا عيد، ولا أذان، ولا عنوان، ولا مدرسة، ولا، ولا، يدخل الأجنبي صور، وهي عنوان الإمامية في البلاد العامليَّة، فلا يحسّ منهم بأحد، ولا يسمع لهم ركزاً، يراهم – وهم الأكثرية – في معزل عن المسجد الحافل بغيرهم من المسلمين…»، ويذكر أنه تحدَّث إلى وجوه القوم في هذا الأمر واستصرخهم برفق، ثم يتحدث عن الصعوبات التي واجهها، وأبرزها من المتنفّذين والمتزعّمين، وقد مُني منهم «بخبط وشماس وتلوّن واعتراض»، ثم يعرض مسار سعيه في تحقيق النهوض بالمدينة…، وفي هذا تأريخ يصوِّر، أولاً ما كان عليه واقع مدينة صور، وهو يمثِّل أنموذجاً لما كان عليه واقع عاملة من تردٍّ ومن إرادة متزعِّميه على إبقائه في هذا التردِّي…، وثانياً السعي إلى تغيير هذا الواقع على الرغم من العراقيل التي يضعها هؤلاء المتزعِّمون. وفي هذا حثٌّ على المضي في سبيل النهوض بالبلاد مهما كانت الصِّعاب.

 

وفي ما يتعلق بمقاومة الاحتلال الفرنسي، يعرض السيِّد تجربته الشخصيَّة في مواجهة أحداث المرحلة التاريخيَّة الحاسمة التي ابتدأت بالحرب العالمية الأولى وانتهت بإعلان استقلال لبنان، مروراً بعهد الحكومة العربيَّة فزمن الاحتلال الفرنسي ومقاومته.

 

إبَّان نشوب الحرب العالميَّة الأولى عرف جبل عامل محناً كثيرة، منها: التجنيد، السُّخرة، الاضطهاد، الفقر، الجوع، المرض، الوباء…، ويعبِّر السيِّد عن موقفه في هذه الآونة، فيقول: «ولكن ما كان لنا ولسائر المخلصين للدِّين والقوميَّة والوطنيَّة أن نستكين…» (2/147). من سنن «تاريخ الأجيال» الذي تخطّه هذه الكتابة «لا استكانة في مواجهة القوَّة» أيّاً تكن. وعندما هزمت الدولة العثمانيَّة، وتبيَّنت أهداف الحلفاء، بدأت مقاومة مشروع الاستعمار، وفُوِّض السيّد والشيخ حسين مغنيَّة بتمثيل عاملة أمام لجنة الاستفتاء الأميركيَّة، وكان القرار الذي تبلور هو «الوحدة السوريَّة المستقلَّة، بحكومتها الدستورية اللامركزية، وأن يكون على رأسها الأمير فيصل ملكاً»، ورفض «أن يكون لأية دولة أجنبيَّة يدٌ في حكم، أو دخل في انتداب، ولا سيما الحكم الافرنسي»، وطلب «مساعدة أميركا لكونها دولة غنية قوية، بعيدة [آنذئذٍ] عن مطامع الاستعمار» (2/148 و149).

 

على أثر هذا الموقف ازداد الطين بلَّة مع الفرنسيِّين، وبدأت المواجهة، بالبرقيات والعرائض وإذاعة التصريحات، ثم وقعت حادثة ابن الحلاج المعروفة، وقد مرَّ ذكرها،…، ولم تلبث الثورة أن قامت نتيجة هذه الأجواء، وسعى الفرنسيون إلى إثارة فتنة طائفية، فسلَّحوا المسيحيين والمسلمين، وكان لا بد من اتخاذ موقف حاسم ولا سيما من الزعماء السياسيين، فأرسل زعماء الثورة العربية من عشائر الفضل إلى كامل الأسعد يخيّرونه بين أمرين: إما أن ينضم إليهم أو أن يكون هدفاً لحربهم، فأجاب الأسعد بأنه لا يستطيع التفرّد بالرأي ولا بد من المشورة، وتمَّ بعد التداول مع العلماء والأعيان أن يعقد مؤتمر في وادي الحجير وعقد المؤتمر يوم السبت 5 شعبان سنة 1338هـ، الموافق 24 نيسان سنة 1920م، (راجع: 2/153 و2/439 و440). أسهب المؤرخون في الكلام على مؤتمر الحجير، ونكتفي هنا بذكر مقرَّراته، وهي:

 

1 – تأييد مقرَّرات المؤتمر السوري في رفض تقسيم سوريا والانتداب الفرنسي، وإعلان الدولة العربيَّة في سوريا، وتتويج فيصل ملكاً عليها.

 

2 – انضمام جبل عامل للدولة العربيَّة (الوحدة السورية) ومبايعة الملك فيصل على تطهير البلاد من الاحتلال الفرنسي.

 

3 – المحافظة على النصارى وحقوقهم وحلف اليمين على ذلك.

 

4 – تفويض العلماء السيد عبد الحسين شرف الدين والسيد محسن الأمين والسيد عبد الحسين نور الدين بالبحث في مصير الجبل مع جلالة الملك فيصل في الشام.

 

ويلاحظ أن الوثيقة التي يثبتها محقِّق الكتاب عن مقررات المؤتمر تختلف عما ذكره السيد في أمرين: أولهما تقول الوثيقة: إنَّ المؤتمر فوَّض السيدين شرف الدين ونور الدين و«زعيم جبل عامل كامل الأسعد» (2/441)، في حين يقول السيد شرف الدين أن الاجتماع تمخَّض «عن تفويض الأخوين العلامتين السيد محسن الأمين والسيد عبد الحسين نور الدين (1/153)، وثانيهما أن الوثيقة تذكر أن مهمة الوفد تتمثَّل في «تمثيل البلاد لدى الملك فيصل ومفاوضته في موضوع تنفيذ هذا المقرر…»، في حين يذكر السيد أن المهمة كانت البحث في مصير الجبل، وفرقٌ بين المهمتين كبير، فالسيِّد يرى أن المهمة تتمثَّل في البحث في مصير الجبل الذي لم يحدَّد بعد، وليس في موضوع تنفيذ المقرَّرات.

 

يجمل السيِّد ما حدث بعد ذلك، من لقاء الملك فيصل، واشتعال الثورة في جبل عامل، وإخفاقها، ونفيه وعودته، واحتفالات بهذه العودة خلَّدها الشعر، ويسوِّغ تدوينه للشعر بحجَّة تصدر عن الرؤية التي تتبين موقع أي نشاط إنساني، ومنه الشعر، ودوره في البنية الاجتماعية، يتحدث السيد عن هذا الأمر فيقول: «وكنت أؤثر أن أتجاوز هذا كله لولا أن يفرض ذكره الوفاء لتلك العواطف والمكافأة عليها بتخليده إرثاً أتركه، لا أترك سواه لعقبي وبلدي، فإن فيه من تاريخ هذه المرحلة من مراحل الجبل صفحة جهاد غرّاء تنضم إلى صفحات هذا الجبل الجياد، وتثبت استمراره حرَّاً تتحرك في صدور أبنائه عوامل الخير طامحة إلى وجود أفضل" (2/171).

 

ومن نماذج الشعر الذي قيل فيه، ويبيِّن أن النهضة التي قادها هي نهضة الدين نقرأ للشيخ محمد حسين شمس الدين:

 

…عـلـم الإله بأن نهضتـه
لـو لـم يكن هو روح عاملة

التوجُّهات التقريبيَّة لدى السيِّد شرف الدين

2 أغسطس 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة


المقدمة

عملية التقريب والتوحيد من الطموحات الكبرى لكثير من علماء المسلمين، إلاَّ أنَّ الطموح شيءٌ والخوض عملياً في التقريب شيءٌ آخر، إنَّ الخوض في هذه العملية وممارستها عملياً لم يُوفَّق إليه إلاَّ القليل منهم، وكان السيد شرف الدين من هؤلاء الذين وفِّقوا في هذه العملية.

في حياة السيد شرف الدين منعطفات اجتماعية وسياسية ودينية كثيرة أهل للدراسة والتحقيق، إلاَّ أنَّا اخترنا منعطفاً واحداً انعكس في آثاره العملية وتغلّب على باقي المنعطفات، وهو منعطف الحوار بين المذاهب لأجل التقريب بينها.

إنَّ الطابع الغالب في أعماله هو طابع الحوار المكتوب، وهو في هذا المجال عبارة أخرى عن الدراسات التقريبية المقارنة وغير المقارنة، فإنَّه قلَّما تخلو أعماله من هذا النوع من الدراسات، وقلَّما تخلو أعماله من الإشارة إلى مرويَّات المذاهب الأخرى أو آرائها. وباعتبار أعمالي السابقة التي اختصَّت بالحوار([1]) والدراسات المقارنة([2])، وجدت في المؤتمر فرصة مناسبة لدراسة شخصية العلاَّمة السيد شرف الدين وتحليلها من وجهة نظر تقريبية تنسجم مع خلفياتي الذهنية.

في بداية هذا المقال، قسَّمت توجّهات التقريب والتوحيد إلى أربعة، وسعيت إلى أن أتتبْع آثار كلٍّ من التوجُّهات في أعمال السيد وسيرته، وفقاً للمناهج العلميّة المتَّبعة، فوجدته حاملاً لتوجّهين فقط، ولم أعثر على ما يدلّ على حمله للتوجّهين الآخرين.

من خلال دراستنا التحليلة التالية، أردنا بلورة معالم مدرسة السيد شرف الدين في التقريب بين المذاهب، وقد اتّضح لنا أنَّها مدرسة متميّزة، ولم نقل منفردة؛ لأنَّ هناك جوانب دينية وسياسية ذات طابع تقريبي سبقه آخرون بها. ففي الجانب الديني صدرت من السيد البروجردي وأمثاله بوادر التقريب، والسيد شرف الدين لم يكن الأوّل والوحيد الذي خاض العمل التقريبي في هذا الجانب، وفي الجانب السياسي، فإنّ السيد جمال الدين سبقه في الدعوة إلى الوحدة السياسية بين المسلمين. ورغم ذلك كانت لمدرسة السيد شرف الدين التقريبية معالم متميّزة تجعلها تختلف عن مدارس الآخرين ممَّن سبقه أو لحقه.

القسم الأول: توجّهات التَّقريب

يمكن تقسيم التوجّهات التقريبية بين المسلمين إلى سياسية ودينية، ويمكن أن تتبلور من كلٍّ منها مدارس ومناهج شتّى. فعلى الصعيد الديني، مثلاً، حمل السيد جمال الدين منهجاً في التقريب يختلف عن منهج السيد البروجردي، والأخير يختلف منهجاً مع السيد شرف الدين، وهكذا الآخرون.

بالنسبة إلى التوجّه التقريبي في الشؤون السياسية([3])، فقد تمثّل في الدعوة إلى الوحدة الإسلامية على الصعيدين: الحكومي الدولي والشعبي أو الشعوبي، أمَّا على الصعيد الديني، فيمكن تقسيمه إلى قسمين: وحدوي وتقريبي، والتوجّهات عبارة عما يأتي:

التوجّه الأول: عبارة عن الدعوة إلى الوحدة بين الحكومات الإسلامية التي خاضها في الغالب قادة سياسيون من حكام بعض الدول الاسلامية، وقد لا يكونون ذوي توجّهات دينية بالضرورة، وتدخل منظمة المؤتمر الاسلامي ضمن هذه الجهود، وهي أهم ثمرة أنتجتها المساعي المبذولة هنا، إذ أنَّها تعدُّ بادرة إيجابية أسهمت – بعض الشيء – في فرض المسلمين إرادتهم أحياناً على بعض الأصعدة العالمية.

بالطبع، لم تقتصر نشاطات هذا المؤتمر على الجوانب السياسية فحسب، بل شكّل لجاناً تعنى بقضايا المسلمين غير السياسية كذلك، إلاَّ أنَّ الطابع العام والأساسي لنشاطات هذا المؤتمر هو السياسة والأوضاع السياسية الدولية والإقليمية.

وباعتبار الأهداف الأساسية التي انبثق لأجلها هذا المؤتمر، انحسرت تأثيراته المباشرة على حكومات الدول الاسلامية ولم تصل إلى الشعوب، وكانت جلّ انعكاساته على الصعيد الحكومي الإقليمي والدولي من دون تأثير مباشر وملحوظ على الشعوب.

غالباً ما توجّه البيانات الختامية لهذا المؤتمر خطابها للحكومات والمنظمات الدولية، من دون السعي للتأثير المباشر على الشعوب المسلمة، وهذا التوجّه عكس ما يلاحظ في التوجّه الثاني الذي استهدف الشعوب وعلماء المسلمين في خطابه ودعواته.

التوجّه الثاني: وهو عبارة عن دعوة الشعوب الاسلامية إلى الوحدة من خلال نبذ الخلافات أو الإغضاء، مهما كانت، والتسامح في ما بينها. وقد كان أمثال السيد جمال الدين ومحمد عبده من روّاد هذه الحركة.

كان الهدف من الوحدة السياسية، بكلا توجّهيها، هو توحيد الطاقات والجهود لأجل تخليص العالم الاسلامي من أعدائه الأجانب أو غير الأجانب من الحكام المستبدِّين والمسلَّطين على رقاب المسلمين، إلاَّ أنَّ هذه الحركات والدعوات – كأيّ ظاهرة اجتماعية – كسبت نجاحات كما واجهت إخفاقات في طريقها، لكن الذكر الحسن والمجد يعدّان أوسمة منحها التاريخ لمن سلك هذا الطريق وعانى من أجله.

المبدأ الأساسي الذي اعتمده روّاد هذين التوجّهين هو المصلحة السياسية، سواء كانت على مستوى الشعوب أم الحكومات، فإنّ الهموم المشتركة، وبخاصة في زمن انبثاق حركات التوحيد السياسية، وهي عبارة عن استعمار الدول الاسلامية وامتصاص دماء شعوبها، وكذلك استبداد قادة هذه الدول، جعل من الوحدة ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.

والملاحظ، في هذين التوجّهين، استخدام مفردة الوحدة بدلاً من التقريب، وهو استخدام مناسب ولا إشكال فيه، من حيث إمكانية الوحدة الحقيقية بين المسلمين في الجانب السياسي، فإنّ السياسة بإمكانها أن تجمع أصحاب الأفكار والرؤى حتى المتضادّة منها، فهي تعدُّ القاسم المشترك بينها، ولهذا نرى تحالفات سياسية إقليمية ودولية بين دول مختلفة عقديََّاً ودينياً، عكس ما عليه التوجّهين الآخرين، فإنّ الوحدة الحقيقية فيهما شبه مستحيلة في الظروف الحالية.

التوجه الثالث: وهو عبارة عن التقريب المذهبي بمستوياته العالية على نحو التذويب والمزج في المجال الثيولوجي (Theology) والإيديولوجي (Ideological) أو العقدي والفقهي، ويقضي بأن تذوَّب المذاهب الاسلامية المختلفة في مذهب واحد يحمل عنوان الإسلام، وتوحَّد المذاهب توحيداً حقيقياً ومن جميع الجوانب، وأهمها العقائد أو أصول الدين.

وهذا النوع من التقريب لم يقل به أحد من علماء الإسلام، ولهذا لا يمكن العثور على دراسات في هذا المجال، إضافةً إلى ذلك فإنّه يواجه إشكاليات مبدئيّة و"مبنائيّة" جمَّة، فإنَّه ينبغي أن يعتمد مبادئ مدروسة متَّفقاً عليها، وذات نتائج قطعية لا يمكن العدول عنها ولا تترك مجالاً للتشكيك والتردُّد، كما يفترض في هذا المجال إعداد الشعوب الاسلامية وأتباع المذاهب لاستقبال نتائج هذا التوحيد وتقبّلها مهما كانت، وهذا أمر صعب المنال في الأُفق القريب على أقلّ تقدير([4]).

حركة التقريب بين المذاهب الاسلامية على العكس من حركة التقريب بين الأديان، لم تتبلور فيها نظريات توحيد تامّة، بينما تبلورت هكذا نظريات في حركات التقريب بين الأديان([5])، وهذا يكشف عن حدّة التعصّبات التي عانت منها المذاهب، والتي زاد الاستعمار من حدّتها على نهج "فرّق تسد"، ومراجعة تاريخ الدول الاسلامية وشعوبها ومعاناتها الفرقة يسوِّغ عدم تبلور نظريات توحيدية.

لقد فرّت مجامع التقريب، منذ بداية تبلورها، من هذا النوع من التقريب ونفته بشدّة بنحو أو بآخر، ففي العدد الأوّل من مجلة "رسالة الإسلام" الناطقة عن دار التقريب بين المذاهب الاسلامية بالقاهرة، ثبَّتت المجلّة طلباً لبعض الحجازيين بالإيضاح عن مهمة دار التقريب، وما إذا كانت هذه الدار تسعى لدمج المذاهب بعضها بالآخر أم لا؟ فكتبت ما يأتي:

"خير ما نجيب به عن هذا السؤال هو أن ننشر ما كتبناه بهذا الشأن إلى حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالعزيز آل سعود، وهذا نصّه بعد الديباجة:

إنَّ قانون جماعة التقريب بين المذاهب الاسلامية وبيانها يوضحان البواعث التي دعت إلى تكوين هذه الجماعة، والآمال التي يرجى أن تتحقّق على يديها للمسلمين جميعاً إن شاء الله، ومع هذا نحب أن نبيِّن في كتابنا هذا إلى جلالتكم بعض الحقائق التي يفيد بيانها في تحديد غايتنا وأهدافنا:

1 – إنَّ جماعة التقريب لا تريد المساس بالفقه الاسلامي، ولا إدماج مذاهبه بعضها في بعض، بل هي – على النقيض من ذلك – ترى في هذا الاختلاف الفقهي مفخرة للمسلمين؛ لأنّه دليل على خصوبة في التفكير، وسعة في الأُفق، واستيفاء وحسن تقدير للمصالح التي ما أنـزل الله شريعته إلاَّ لكفالتها وصونها، وكل ما تبذله الجماعة من جهود في سبيل الفقه الاسلامي، إنَّما هو في دارة خدمته وتنميته، وتسليط نوره الوهّاج على شؤون الحياة الاسلامية كلّها، وبحث المشكلات التي جدّت وتجدّ ولم يتّضح للناس حكم الله فيها…"([6]).

التوجّه الرابع: وهو التقريب من الناحية العقديَّة والفقهية بمستوياته الدنيا، وهو ما مارسته وتمارسه مجامع التقريب في بعض الدول الاسلامية مثل إيران ومصر، وتعدُّ هذه المجامع من أهم ما قام به علماء الإسلام في سبيل التقريب بين المذاهب الاسلامية.

المشتركات المذهبية تعدّ أهم مبدأ اعتمده روّاد هذه النهضة، وهي أعظم وأكثر من الأُمور المختلف فيها، وتشكِّل أمور، من قبيل: التوحيد والنبوّة والمعاد والقرآن والسنة، أساسيات هذه المشتركات ومصاديقها، ويمكن عدُّها منطلقاً للحوار من أجل رفع سوء التفاهم، والتقريب في النهاية.

إضافةً إلى المشتركات الكلية الكبرى التي أشرنا إليها، هناك مشتركات جزئية مبثوثة في التعاليم الدينية جميعها، سواء الفقهية منها أم غير الفقهية، فإنَّ كثيراً من قواعد الأُصول والقواعد الفقهية مشتركة في العنوان والمحتوى، وبعضها في المحتوى والعنوان، وهي من دون شك، تؤثر إيجاباً في التقريب بين المذاهب، واستنباط علمائها أحكاماً وتعاليم مشتركة.

التقريب والحوار

رغم اختلاف هذه التوجّهات بعض الشيء إلاَّ أنَّها جميعها تعتمد أساساً واحداً، وهو مبدأ الحوار، فهو يشكّل الركن الأساس في أي عملية تقريبية أو توحيدية.

إنَّ الحوار هو المبدأ المشترك، والمنطلق الأوّل لعملية التوحيد أو التقريب مهما كان دافعها وتوجُّهها، ولا تقريب من دون حوار، بل لا يمكن تصوُّر معنى التقريب من دون تصوّر الحوار، فإذا كان التقريب يستهدف التوحيد أو التفاهم وتبادل الرؤى والأفكار لرفع الإبهامات والمفاهيم المغلوطة التي يحملها كلٌّ منّا عن الآخر، فلا بدَّ من أن يكون الحوار وسيلة كلّ هذه الغايات وطريق الوصول إليها.

ممّا يمكن أن يختلف في عملية الحوار هو آلياته المستخدمة، فإنّ له آليات متعددة تتغيَّر حسب الزمان والمكان والظروف، ويمكن ذكر الموارد الآتية بوصفها أبرز آليات له.

1 – التواصل المباشر المتمثِّل في المناظرات والنقاشات المباشرة.

2 – الدراسات المقارنة.
3 – إقامة المؤتمرات التقريبية.
4 – المهرجانات والنشاطات الفنية([7]).
 
العلاقة بين التوجّهات

تقسيم التوجّهات إلى أربعة لا يعني بالضرورة تنافيها، ولا يعني أيضاً أنَّ الذي يمارس واحداً منها لا بدَّ من أن لا يمارس الباقي، بل قد تتداخل وقد تنفرد، فالتوجّه السياسي الأوّل الذي يعنى بتوجيه الخطاب إلى الحكومات ورؤساء الدول غالباً ما يتخصّص ممارسوه من الحكام والقادة السياسيين في هذا ولا يعتنون بالجوانب الأُخرى، وعلى العكس من ذلك التوجّهات الأُخرى، فإنّ الذين يمارسون عملية التقريب على المستوى الشعبي والفردي والجماعي في المجال السياسي، فإنَّهم يمارسونه على الصعيد الديني كذلك.

إنَّ نشاطات السيد شرف الدين التقريبية – كما سنعرف ذلك – توزّعت على غير صعيد، بعضها ذو بُعدٍ وتوجّه واحد، وبعضها الآخر ذو بُعدين، وجُلّ نشاطات السيد تحمل أكثر من بُعد، لكنَّا سعينا في هذا المجال إلى التَّفكيك بين أبعادها؛ لتحديد التوجّهات التي كان يحملها تحديداً مضبوطاً والتأكيد عليها، وفقاً لما يقتضيه البحث العلمي.

لا يمكن القول، في كتابيه: "الفصول المهمة في تأليف الأُمّة" و"المراجعات": إنَّهما كتبا مع لحاظ الجانب الديني للتقريب فقط، أو مع لحاظ الجانب السياسي للتقريب فقط، بل قد لوحظ فيهما كلا الجانبين على نحو المزج، بحيث استهدف الجانب السياسي والديني في آن واحد، رغم أنَّه بالإمكان استفادة الجانب الديني فحسب من بعض فقراتهما، أو الجانب السياسي من بعضها الآخر.

القسم الثاني: توجّهات شرف الدين التَّقريبية

لا شك في أنَّ السيد شرف الدين يحمل توجّهات تقريبية، وأعماله الخالدة وسيرته ومشاريعه التي نفّذها تكشف عن هذه التوجّهات، لكنّ الذي نريد التعرّف إليه هنا هو نوعية تلك التوجّهات التي كان يحملها في إطار تقسيم التوجّهات إلى أربعة أقسام، والتي سبق الحديث عنها. فنبتُّ بتتبُّع أعمال السيد؛ لنعثر على ميوله في كلٍّ منها إن كانت موجودة.

شهادات له بالتَّقريب

يقول العلاَّمة السيد محمد صادق الصدر في ترجمته للسيد: "لقد ناضل وجاهد سيدنا ما وسعته الظروف طوال حياته، يدعو المسلمين إلى وحدة الصف، وجمع الكلمة، والبعد عن العصبية الذميمة في خطبه البليغة، ومجالسه الحاشدة ومؤلفاته القيّمة"([8]).

شهد للسيد بروحيَّة الدعوة إلى الوحدة الاسلامية كلّ من ترجم له من علماء الشيعة، وأكبر له روحيته هذه، كما شهد بها من علماء السنة رشيد رضا، إذ أكبر في السيد روحية التفاهم والدعوة إلى الوحدة بين المذاهب في مجلة "المنار"([9]).

وبمناسبة وفاة السيد كتبت "رسالة الإسلام" تقريظاً له تنعاه فيه، باعتباره أحد كُتَّابها وأحد الداعين إلى التقريب، ورد في مقطع منه: "وقد اختمرت في رأسه فكرة التقريب بين المسلمين منذ شبابه، حتَّى إذا سمع بدعوتها أوّل نشأتها، خفّ إليها يؤيّدها وينصرها ويدعو لها ويزكّيها ويفخر بالانتساب إليها، وظلَّ على عهده ذاك إلى أن رفعه الله إليه"([10]).

وهذه شهادة أخرى تُضمُّ إلى باقي الشهادات عن توجّهات السيد التوحيدية، التي استهدف منها توحيد المسلمين سياسياً واجتماعياً.

التوجّه الأوّل

التوجُّه الأول، كما مرَّ بنا، وحدوي سياسي، وقد تزعّم الحركة نحوه بعض حكّام الدول الاسلامية في ظل ظروف الاستعمار والاستغلال التي عاشها المجتمع الاسلامي، وفي ظل التكتلات الدولية التي كانت تمضي قدماً للسيطرة على أكبر قدر ممكن من ممتلكات الدول وأراضيها، نهض بعض الحكّام لإيجاد وحدة بين الدول الاسلامية للوقوف أمام الأهداف التوسعية للدول غير الاسلامية، ولفرض الإرادة والرؤى على الصعيد الدولي من خلال تجنيب العالم الاسلامي الاختلافات الداخلية، فكانت أفضل ثمرة له تشكيل منظمة المؤتمر الاسلامي الذي نال نجاحاً نسبياً في تحقيق أهدافه.

طبيعة الظروف السياسية والاجتماعية التي عاصرها السيد شرف الدين، وشأن السيّد نفسه، لم يتيحا له الفرصة لأن يمارس عملية التوحيد بين حكومات الدول الاسلامية وحكام المسلمين، كما أنَّ موقفه، بوصفه شيعياً، غالباً ما يكون موقف ناقد ورافض للحكام الذين تسلّطوا على رقاب المسلمين واستبدوا، وما استهدفوا من الحكومة والقيادة إلاَّ مصالحهم الشخصية، إضافةً إلى أنَّ القيام بعملية توحيد بين قادة الممالك الاسلامية شأن يستصعب صدوره من عالم دين في ظل الظروف التي عاشها السيد شرف الدين.

ورغم أنَّه كانت للسيد علاقات بسيطة بين الحكام مثل الملك فيصل الأول، وكان قد زاره – كما ينقل بعض المترجمين له([11]) – إلاَّ أنَّه لم تؤثر عنه حركته بين زعماء البلاد العربية – فضلاً عن الاسلامية – لأجل توحيدهم ورصّ صفوفهم. ومن خلال متابعة شاملة في التراجم المأثورة، يمكن القول: إنّه لم يكن حاملاً لهكذا توجُّه في تلك الظروف، وإذا كان حاملاً فإنّه لم يبرّزه لسبب وآخر.

التوجّه الثاني

هذا التوجُّه يتبنَّى الحركة التقريبية على صعيد الشعوب من دون الدول وحكامها، ويسعى إلى إقرار مباني الوحدة السياسية والاجتماعية بين الشعوب الإسلامية وحركاتها الشعبية مع غضّ النظر عن الحكومات.

إنَّ المبدأ الأساسي الذي يعتمده هذا التوجُّه، هو إيجاد روحية الأُلفة الاجتماعية والسياسية بين المسلمين، وإقرار حالة الحوار بين علمائها وأصحاب الحلّ والعقد؛ لأجل حلِّ ما علق من سوء تفاهم ومشاكل بين المسلمين قاطبة.

منهج السيد شرف الدين في التوجّه الثاني

كانت للسيد شرف الدين ميول ومساعٍ في هذا المجال، وقد انعكست ميوله ورغبته في وحدة الشعوب الاسلامية في كتبه غير مرّة، ومع لحاظ المبدأ الأساسي الذي اعتمده هذا التوجّه، فقد كرّس جزءاً من جهوده في سبيل إيجاد هذه الوحدة.

1 – آثار التقريب في كتبه

في مقدمة كتابه "الفصول المهمة"، بعد ما يحمد الله ويصلّي ويسلّم على الرسول وآله، يقول:

"لا تتسق أمور العمران، ولا تستتب أسباب الارتقاء، ولا تنبت روح المدنية، ولا تبزغ شموس الدعة من أبراج السعادة، ولا نرفع عن أعناقنا نير العبودية بيد الحرية إلاَّ باتفاق الكلمة، واجتماع الأفئدة، وترادف القلوب، واتحاد العزائم، والاجتماع على النهضة بنواميس الأُمّة، ورفع كيان الملّة، وبذلك تهتز الأرض طرباً، وتمطر السماء ذهباً، وتتفجّر ينابيع الرحمة من قلب المواساة، فتجري في سهوب الترقي، وتتفرّق في بيد العمران وأخاديد الحنان والاتحاد، فتنشر روح الإنسانية من أجداثها، وتحشر الملّة الفطرية من رفاتها، ويتبلّج القسط…".

ومن الواضح أنَّ عبارات من قبيل "أمور العمران" و"الحرية" و"اتفاق الكلمة" و"نير العبودية" و"الاجتماع على النهضة بنواميس الأُمّة" وما شابهها من العبارات الواردة، ذات أبعاد سياسية – اجتماعية يريد بها الدعوة إلى الوحدة في سبيل عمران البلاد الاسلامية، وتحرّرها من عبودية الأجانب وسلاطين الجور، وقد أشار في المقطع المتقدّم إلى أهمية الاتحاد وفوائده.

ثم يشير إلى مضار الفرقة ونتائجها السلبية قائلاً: "أمَّا إذا كانت الأُمّة أوزاعاً متباينة، وشيعاً متباغضة لاهية بعبثها، غافلة عن رقيها، لتكونن حيث منابت الشيح ومهافي الريح أذل الأُمم داراً وأجدبها قراراً، مذقة الشارب ونهمة الطامع، وهدف السهام وقبسة العجلان في باحة ذلّ وحلقة ضيّقة وعرصة موت وحومة بلاء، لا تأوي إلى جناح دعوة، ولا تعتصم بظل متعة، فحذار حذار من بقاء الفرقة، وتشتُّت الأُلفة، واختلاف الكلمة، وتنافر الأفئدة".

ومن الواضح هنا أنَّ عبارات من قبيل "غافلة عن رقيها" و"أذلّ الأُمم" و"هدف السهام" وما شابه ذلك، تشير إلى معنى سياسي بالعبارات الدارجة في عالم السياسة والإعلام آنذاك، وقد استهدف بها خطاب الوجدان السياسي للوحدة والتقريب بين المسلمين.

ثمّ يلمّح إلى ضرورة أخذ المسلمين – ومن خلال وحدتهم وتكاتفهم – دورهم في عجلة التطوّر التي أخذت تعم الكرة الأرضية، إذ يقول: "ألا وإنَّا في عصر العلم، ودور الذكاء والفطنة، قد تفجّر لذوي العصر ينبوع الحكمة، وتقشعت عن أبصارهم غياهب العشوة، فزهر كهرباء النور من أفكارهم، وأشرقت شموس الفضل من وجوههم. فهلاّ شرعوا خطي أقلامهم وجردوا صوارمها، ووتروا قسيّ أفكارهم وناضلوا بوظائف الإنسانية، ورفعوا منارها، وهتفوا بدعوة التمدن واعتنوا باتحاد التشيع والتسنن…"([12]).

سمّى أول فصل من الكتاب نفسه "في الاجتماع والأُلفة"([13])، أورد فيه الآيات والروايات الداعية إلى الاتحاد والإخاء بين المؤمنين، فأورد فيه آيات من قبيل: >إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ<([14]) و>وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ<([15]) و>وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ<([16]).

كما أورد بعض الروايات ذات الصلة من قبيل الروايات الآتية:

قال رسول الل 2: "لا تدخلون الجنة حتّى تؤمنوا، ولا تؤمنون حتى تحابوا، أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم"([17]).

وقال2: "ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، وهم يد على من سواهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل"([18]).

هذه الآيات والروايات تشير إلى الجانب السياسي والاجتماعي للوحدة بين المسلمين، ولا تعرُّض لها إلى جوانب أخرى كالعقائد والفقه وما شابه.

وفي الكتاب نفسه الكثير من الآيات والروايات وكلمات العلماء وردّ بعض الشبهات الواردة في هذا المجال، والتي تفيد المعنى وتؤكده بأساليب وعبارات متفاوتة، وقد وردت هذه بخاصّة في الفصول الآتية:

· السنة كالشيعة يجمعهم الإسلام.
· نجاة جميع الموحّدين.
· أسباب الفرقة والتباعد.

وعناوينها واضحة في مضامينها، بل يمكن القول: إنَّ الهدف الأوّل والأساس من تدوين هذا الكتاب ونشره هو الوحدة السياسية والاجتماعية، والأهداف الأُخرى تعدُّ ثانوية.

وفي كتابه "المراجعات" أشار إلى الجانب السياسي من الوحدة ضمن بيان فكرة تدوين الكتاب، وذكر أنَّها تعود إلى أيّام شبابه، إذ قال: "أمَّا فكرة الكتاب فقد سبقت مراجعات سبقاً بعيداً، إذ كانت تلتمع في صدري منذ شرخ الشباب، التماع البرق في طيات السحاب، تغلي في دمي غليان الغيرة، تتطلّع إلى سبيل سوي يوقف المسلمين على حد يقطع دابر الشغب بينهم، ويكشف هذه الغشاوة عن أبصارهم؛ لينظروا إلى الحياة من ناحيتها الجدية، راجعين إلى الأصل الديني المفروض عليهم، ثم يسيروا معتصمين بحبل الله جميعاً، تحت لواء الحق إلى العلم والعمل، إخوة بررة يشدّ بعضهم أزر بعض"([19]).

وفي هذه الكلمات، إشارات واضحة إلى الوحدة التي يدعو إليها، فإنّ الدعوة إلى قطع دابر الشغب بين المسلمين، والسير معتصمين بحبل الله، وشدّ بعضهم أزر بعض، عبارات ذات طابع سياسي واجتماعي أكثر من الطَّابع الديني.

وفي كتابه: "إلى المجمع العلمي العربي بدمشق" يدعو رجال المجمع والمسلمين كافة إلى الوحدة ويقول: "وأرجو من رجال المجمع ومن المسلمين أجمع أن يؤثروا وحدتهم الاسلامية على خصائصهم المذهبية، فلا يتعصَّب أهل مذهب منهم على مذهب آخر، ليكون الجميع أحراراً في ما قادهم الدليل الشرعي إليه، كما كان عليه سلفهم في صدر الإسلام، فإن فعلوا ذلك كانوا في ظل منعة لا تضام، وإلاَّ فهم هدف السهام وموطئ الأقدام أعاذهم الله"([20]).

وبعباراته الأخيرة، يذكّر رجال المجمع والمسلمين بمخاطر التفرّق، يبيِّن أن نتيجته هجوم الأعداء والانسحاق تحت أقدامهم، أعاذهم الله من ذلك.

2 – جهاده الاستعمار

إنَّ الاستعمار، في عهد السيد شرف الدين، كان همّاً مشتركاً لدى الشعوب الاسلامية، سنَّة وشيعة، وبإفتائه جهاد المستعمرين وخوضه الجهاد ضدهم، أسهم عملياً في حلِّ إحدى مشاكل المسلمين المشتركة وأخذ دوره فيها.

إنَّ أزمة الاحتلال والاستعمار، التي كانت تعاني منها الشعوب الاسلامية، حقيقية وغير مطلوبة، لكنَّ السيد شرف الدين وظّفها لأجل إقرار الوحدة وتنبيه الشعوب الاسلامية، شيعة وسنَّة، بضرورة الوحدة لأجل التغلُّب على هذه الأزمة.

إنَّ توظيفه هذه الأزمة لغرض التوحيد لا يمكن اعتباره انتهازاً سياسياً وبراغماتية سياسية، بل التوظيف كان لأجل مصالح دينية وسياسية عامة، لا لأجل مصالح سياسية فردية أو فئوية وطائفية، فهو لم يكن من طلاَّب الزعامة والحكومة، كما أنَّا لم نجد لديه نـزعة طائفية تجعلنا نحكم عليه بالبراغماتية، وأصحّ ما يمكن أن نحكم به على السيد هنا، هو ذكاؤه السياسي الخارق، وقيامه بالوظيفة الدينية في تلك الظروف.

يقول العلاَّمة السيد محمد صادق الصدر: "كان جهاد السيد، في العهد العثماني، مقتصراً على الجهاد الديني؛ لأنَّ الدولة الحاكمة في لبنان هي دولة مسلمة تقيم الشعائر الدينية كما يفرضها الإسلام، ولكنَّ الفرنسيين جاءوا إلى الحكم واستولوا على البلاد، فأظهروا فيها الفساد وعطَّلوا الأحكام وتحكّموا في رقاب الناس، الأمر الذي لا يمكن الصبر عليه.

وقد أخذ السيد P ينبّه الأفكار إلى هذا التَّعسُّف والظلم، وشرع يعقد الاجتماعات مع من كان يثق بهم، ويتوسَّم فيهم النجدة والشهامة والوطنية، محفّزاً هممهم إلى ما يرجوه الوطن منهم من مواقف وطنية مشرّفة"([21]).

ثمَّ يشير السيد الصدر إلى البادرة الجبَّارة التي بلورها السيد شرف الدين، وهي دعوة علماء البلاد، أي جبل عامل، إلى مؤتمر أفتى فيه بجهاد المستعمرين، إذ يقول: "وقد رأى السيد P أن يبدأ بالعلماء يتشاور معهم على خطة موحَّدة يسير عليها الجميع، فدعاهم إلى مؤتمر عام عقد في "وادي الحجير" حضره علماء البلاد وزعماؤها، وقد أفتى السيد بالجهاد، وأيَّد الجميع فتواه، ثمَّ عاد الجميع إلى ديارهم يحكمون الخطط ضد الفرنسيين على قدر ما تسمح لهم الظروف"([22]).

رغم أنَّ المدعوين إلى المؤتمر من أصحاب الحل والعقد من الشيعة، إلاَّ أنَّ ذلك لا يعني إقصاء السنَّة من عملية تحقيق الاستقلال أو عدم رؤية الأهلية فيهم أو ما شابه، بل إنّ الظروف الجيوسياسية التي كانت تحكم جبل عامل آنذاك ومطالبة بعضهم بإلحاق هذا الجزء من لبنان بسورية، ومسائل من هذا القبيل حالت دون إشراك السنّة في هذا المؤتمر، وإلاَّ فالمشكلة مشتركة بين السنة الشيعة، ولا تخصُّ الشيعة وحدهم.

إنَّ هذه الخطوة الذكية التي صدرت من السيد شرف الدين تعبِّر عن ذروة نشاطه التقريبي، وحدّة ذكائه في الإفادة من المشاكل المشتركة لأغراض إيجابية كالوحدة السياسية، والتقريب بين أتباع المذاهب الاسلامية المختلفة. إنّ تأييد علماء البلاد لفتواه بالجهاد، وعدم مخالفتهم إيَّاه، يكشف عن الوئام السياسي الذي كان يحكم لبنان وجبل عامل آنذاك، الأمر الذي أسهم السيد في إيجاده وبلورته طوال تواجده هناك.

إنَّ فتواه بالجهاد، والتأييد الذي لاقاه من جراء فتواه، جعلا السيِّد رمزاً من الرموز الوطنية، لا ينحصر بالطائفة الشيعية، بل يشمل الطوائف الاسلامية جميعها.

وفي هذا المجال، ينقل السيد محمد صادق الصدر أنَّ الناس بعد فتواه قدموا لإعلان البيعة وإبرام العهد معه في الجهاد، حيث قال: "وأخذ الناس يفدون على دار السيد، ويوقعون المضابط التي تصرّح برفضهم لحكم الفرنسيين والمطالبة بالاستقلال الناجز"([23]).

وفي المجال نفسه، لم نجد – حسب مطالعتنا لتراجمه – ما يدلّ على مخالفة أيٍّ من زعماء الطوائف الاسلامية الأُخرى توجّهات السيد ونشاطاته في هذا المضمار، أو اتهامه بترجيح مصالح طائفة على مصالح الطوائف الأُخرى، وهذا هو سر تأييد زعماء الطوائف له، والعمل بما ينسجم مع فتواه بالجهاد ومناهضة الاستعمار ومقاومته؛ لأجل كسب استقلال لبنان.

هذا، إضافةً إلى مواقف وكلمات سجِّلت له في جهاد العرب والجيوش العربية للمحتلِّين من قبيل القصة التالية التي ينقلها أحد المترجمين له:

"إنَّ السيد قصد الملك فيصل الأول في دمشق، يوم كان ملكاً عليها، على رأس وفد من العلماء. فلمّا انتهت الزيارة وأراد العودة إلى جبل عامل، أرسل الملك للسيد مع فخامة السيد الجابري مبلغ خمسة آلاف ليرة عثمانية هدية للسيد فتقبّلها السيد شاكراً، ثمَّ أرجعها للجابري لتقدّم باسم السيد هدية إلى الجيش العربي في سورية، ثمَّ قال: تمنيت أن أكون درهماً لأضع نفسي في صندوق الجيش العربي لأُدافع عن الإسلام والعرب"([24]).

3 – أسفاره

كانت للسيد شرف الدين أسفار وزيارات لكلٍّ من دمشق ومصر وفلسطين وغيرها([25])، والذين ترجموا له لم ينقلوا الشيء الكثير عن نشاطاته في هذه الأسفار، لكن مع الأخذ بنظر الاعتبار إحساسه بالمسؤولية الدينية والسياسية، وكذلك التركيبة المذهبية لهذه الدول، من المسلَّم به أنَّ السعي إلى إيجاد الوحدة السياسية ومقاومة الاستعمار والمستبدين من الحكام المتسلّطين على رقاب الناس آنذاك، من ضمن الأهداف والنشاطات التي مارسها في أسفاره تلك.

وعن نشاطاته في دمشق ينقل الشيخ مرتضى آل ياسين: "وظلّ في دمشق تجيش نفسه بالعظائم، وتحيط به المكرمات، في أبهة من نفسه، ومن جهاده، ومن إيمانه، وكان في دمشق يومئذٍ مداولات ملكية واجتماعات سياسية وحفلات وطنية، تتبعها اتصالات بطبقات مختلفة من الحكومة والشعب، كان السيد فيها جميعها زعيماً من زعماء الفكر، وقائداً من قادة الرأي، ومعقداً من معاقد الأمل في النجاح"([26]).

وإن لم ينقل الشيخ آل ياسين وغيره من المترجمين للسيد شرف الدين مضمون أفكاره ورؤاه التي كان يطرحها في تلك التجمعات، إلاَّ أنَّه من المسلَّم به كونها ذات توجُّه توحيدي لا العكس، وذلك للدليلين الآتيين:

أ – لم ينقل لنا التاريخ المعاصر تظلّماً من عالم غير شيعي أو حاكم ممَّا يطرحه السيد شرف الدين من أفكار ورؤى تثير التفرقة لدى المسلمين.

ب – كتاباته التي مرّت الإشارة إلى جزءٍ منها دليل على توجهاته، ولا يوجد ما يدل على مخالفته لهذه التوجهات في المواطن الأُخرى.

وبالنسبة إلى سفره إلى مصر يُنقل أنّه كانت له عدة لقاءات مع شخصيات مثل رشيد رضا([27]).

وبالنسبة إلى سفره الثاني إلى مصر، ينقل الشيخ آل ياسين: "وحين وصل مصر، احتفلت به وعرفته بالرغم من تنكره وراء كوفية وعقال في طراز من الهندام على نسق المألوف من الملابس الصحراوية اليوم، وكانت له مواقف في مصر وجهت إليه نظر الخاصة من شيوخ العلم وأقطاب الأدب ورجال السياسة على نحو ما تقتضيه شخصيته الكريمة"([28]).

احتفال مصر به واستقبالها له يكشف عملياً عن انشراح صدره وتوجّهاته التوحيدية، وسواسية نظراته إلى الشيعة والسنة، ولو كان من ضيّقي الصدر، وممَّن لا يرون مجالاً للوحدة، لما ترك أثراً في قلوب المصريين دعتهم لاستقباله والاحتفال به رغم تنكّره بملابس غريبة.

يبدو أنَّ توحيد الصفّ الاسلامي كان من أهداف سفره الثاني إلى مصر، منضماً إلى الأهداف الأُخرى، فإنّه لا شيء يسوِّغ اختياره مصر من دون غيرها، من قبيل الترفيه أو الزيارة، فليس في مصر مراقد ومزارات تستدعيه لتحمُّل مشاق السفر في ذلك العصر، كما أنَّ شخصية السيد أجلّ من القول بأنَّه استهدف أموراً شخصية من سفره إلى هناك، وقد شهد بذلك السيد محمد صادق الصدر في ترجمته للسيد شرف الدين، إذ قال:

"وبعد سنتين من نشر كتابه الجليل([29]) سافر إلى مصر يبشّر بالدعوة إلى الوحدة الاسلامية العامة بخطاباته البليغة وكلماته المأثورة…"([30]).

وفي مقدمته لـ"المراجعات"، ضمن بيان ملابسات كتابته، يشير إلى سفره إلى مصر، ويرى أنَّ السفر يدخل ضمن الجهود التي مارسها لكتابة هذا الكتاب، إذ يقول: "ضقت ذرعاً بهذا، وامتلأت بحمله همّاً، فهبطت مصر أواخر سنة 1329 مؤملاً في نَيْلَةِ الأُمنية التي أنشدها…"([31]).

4 – علاقته بدار التقريب

لم تتضح نوعية العلاقة المباشرة بين السيد وبين دار التقريب الذي تأسّس في مصر، لكن كانت له مراسلات معهم، وقد أهدى بعض مقالاته للمجلة التي كانت تصدر باسم دار التقريب "رسالة الإسلام".

إنَّ رجالاً مثل السيد شرف الدين كانوا بمثابة الموطئين لبلورة ظاهرة التقريب، ولتأسيس دار التقريب في نهاية الأمر، ولولا جهوده المضنية في مصر والعراق ولبنان، وتوفير الأرضية اللازمة لما أمكن تشييد دار أسدت خدمات كبيرة للأُمة الاسلامية، وهي دار التقريب.

عبد الحسين مغنية يعدُّ السيد شرف الدين من علماء دار التقريب، ويقول: "أسس دار التقريب بين المذاهب الإسلامية فضيلة الشيخ محمد تقي القمي وساعده فضيلة الشيخ محمد المدني.

من علمائها الكبار: الشيخ محمود شلتوت، الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، الشيخ عبدالمجيد سليم، السيد عبدالحسين شرف الدين والشيخ محمد جواد مغنية…"([32]).

هذا، إضافةً إلى كتابته غير مقال في مجلة "رسالة الإسلام" كـ "البسملة في فاتحة الكتاب وغيرها"([33]) و"الجمع بين الصلاتين"([34])، وأتصور أن دلالات كتابته في هذه المجلة يتجاوز مستوى تأييده لها، لترقى إلى مستوى تأصيل عملها واعتبارها تجسُّداً لبعض طموحاته الدينية.

5 – اختياره 12 من ربيع الأول مولداً للرسول2

ومن ضمن إجراءاته الهادفة إلى توحيد الصف الإسلامي، بشقّيه السني والشيعي، اختياره اليوم الثاني عشر من ربيع الأول يوم ولادة الرسول2، فإنّ هذا الاختيار يعبّر عن مدى اهتمام السيد بقضية وحدة المسلمين وتوحيد صفوفهم وشعائرهم.

لم يقتصر الأمر على اختيار هذا اليوم يومَ ولادة، بل كان يشترك في الأفراح والاحتفالات الدينية، بل حتى غير الدينية لأهل السنة، لطبيعة شأنه الاجتماعي ومكانته لدى أتباع الطائفتين، وسلوكه في صيدا مثال بارز لشخصيته في هذا المجال.

يقول العلامة السيد محمد صادق الصدر: "واختياره ليوم 12من الشهر أقوى دليل على روحه الإسلامية التي كان يدعو إليها.

وكان من عادة السيد، إذا انتهى من دعوته، أن يذهب متَّجهاً إلى مسجد إخوانه السنة يهنئهم ويشاطرهم أفراحهم في عيد المسلمين العام، وكانوا بدورهم يشكرون لسيادته هذا الخلق النبوي، والعطف الأبوي الذي كان يغمر أهل صور في كلِّ حين بدون فرقة بين طائفة وأخرى"([35]).

6 – استخدامه اسماً مستعاراً

إنَّ التنازل عن الأموال والشؤون المادية أمر يهون، لكنَّ التنازل عن الاسم الحقيقي صعب جداً، فالاسم يمثِّل رمزاً لشخصية الإنسان وقيمه، رغم ذلك فإنّ هذا السيد الجليل تنازل عن اسمه واستعمل اسماً مستعاراً في مقالاته في "رسالة الإسلام"، فقد استخدم لقبه شرف الدين عوضاً عن عبد الحسين، وأضاف لقب "الموسوي" إلى اسمه لكي يبدو شرف الدين اسماً لا لقباً([36]).

حساسية موضوع التوحيد، واتهام الشيعة بالشرك، وأهمية الوحدة بين المسلمين ونبذ الفرقة بينهم، أمور تسوِّغ استخدامه اسماً مستعاراً، وعدم تداول الاسم الحقيقي في موارد احتكاكه مع أتباع المذاهب الأُخرى.

إنَّ مبادرة السيد هذه تعكس إيثاره ومدى اهتمامه بشأن التقريب، إنَّه تنازل عن قيم مهمة لقيم أهم، فهو تنازل عن شؤون شخصية لأغراض عامة سياسية واجتماعية بالغة الأهمية، ما يعكس علوّ شأنه ورفعة نفسه الزكية.

إجراءات لم يتَّخذها

هذه الجهود وغيرها من الجهود التي لم تسجّل في التاريخ، تدخل ضمن مساعيه الحثيثة لإيجاد الوحدة السياسية والاجتماعية بين المسلمين، المشكلة التي يبدو أنَّ السيد عانى منها الكثير، وكانت مواجهتها من طموحاته منذ شبابه، لذلك كرّس جُلَّ جهوده العلمية والسياسية لأجلها. وكما اتضح لنا فإنّ مساعيه في هذا المجال لم تقتصر على كتابة مقالات أو كتب، بل أرفق مساعيه في هذا المجال بمساعٍ عملية كالأسفار والاحتكاك المباشر بأتباع المذاهب الأخرى.

ولا أتصوّر أنَّ جهوده اقتصرت على ما مرَّ ذكره، بل لا بدَّ من وجود نشاطات أخرى قد لا تقلّ أهمية عمَّا نقلناه، لكن قلَّة الاهتمام بشخصيات مثل السيد شرف الدين حالت دون تدوين هذه النشاطات المحتملة.

رغم كلّ هذه الجهود السياسية التي مارسها في سبي


قيم العقل المعرفي الإسلامي وخيار العنف السياسي

2 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

التصور المركزي للبحث:

لكل أُمة تطلع إلى مشروع حضاري، يخرج مجتمعاتها من وضع اختلال التوازن القيمي إلى وضع التوازن بين عوامل الارتقاء الذاتي وعوامل الدفاع عن الوجود؛ بحيث ينشط هذا التوازن في عالم التطبيق([1])، ولكل مشروع حضاري أيّا كانت طبيعته وسماته جذر معرفي متراكم، وإن تفاوت عمقه التاريخي، ومتى كان الجذر أقدم كان أكثر تركزاً. فللصيرورة التاريخية للمعرفة التي تتحول إلى عقل قابل للنقد والمساءلة آثارها التي تنتجها أحداث تاريخية متلاحقة ومستمرة، تعمل في خياراتنا المعاصرة، وترسم مواقفنا إزاء الأحداث والأفكار والمفاهيم، وتوجه أعمالنا الفردية والمؤسساتية([2]).

ويتشكل العقل المعرفي من المعتقدات والتشريعات والأعراف والتقاليد والقيم المتوارثة؛ ليكون بمجموعه معياراً للتفهم المعاصر، وأساساً للخطاب السياسي والحضاري، وخلفية للاختيار بين بدائل الموقف إزاء موضوع واحد([3]).

ويُعدّ الدين من أبرز عوامل تشكيل العقل المعرفي، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط؛ لأنّ الإسلام هو المكون الأساس لثافة شعوبه حتى لغير المعتنقين لـه؛ لأنه صاغ المناخ الثقافي، وأوجد مساحة للتمازج والتعايش بين ثقافته وثقافة وعقائد المنتمين إلى غير دين الإسلام([4]).

لا يعزى التشكل السالب ـ فيما أعتقد ـ إلى أساسيات الإسلام أو نصوصه الرئيسة الأُولى، إنما إلى قراءات الفقهاء والمنظرين والمفكرين لتلك النصوص، ففي طول تاريخ تكوّن الثقافة المبتنية على أساس تلك النصوص الأُولى، تأسست مدارس واجتهادات ونـزعات فكرية وتوجهات وتيارات. ويُعدّ أمراً طبيعياً أن نصاً شمولياً مطلقاً من محددات الزمن والمكان والمستويات الحضارية والبيئية مثل النص القرآني أن يُقرأ قراءات متعددة، وتتناولـه اجتهادات متعددة، لا سيما وقد مرّ عليه زمن طويل تجاوز الخمسة عشر قرناً.

وعلى ما تقدم فلا يختلف إثنان في مكونات هذا الواقع المعرفي أو في مسبباته، ولا يختلف أحد في أن القضية في (قراءات الإسلام) التي أنتجتها ظروف التلقي لـه من جراء عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية، بيد أنّ إشكالية البحث تدور حول أن هذه القراءات هي التي أنتجت عقلاً معرفياً قد أصبح فيما بعد المنظور والزاوية التي تحدد اختيار الموقف، فبقدر ما تكون القراءة برهانية موضوعية إيجابية منفتحة يكون الموقف المختار مثلـها، وبقدر ما تكون انغلاقية منكفئة تتوهم احتكار الحقيقة والصحة يكون الموقف من جنسها، ولعل سؤالاً يرد هنا: لماذا الإسلام والشرق الأوسط؟

المبحث الأول: الإسلام والشرق الأوسط وخيار العنف السياسي

هل تعني هذه الثنائية أن الإسلام ثقافة تولد الإرهاب؟

أقول: كلا، لا جنسية للإرهاب والعنف السياسي والعقائدي ولا دين لـه. نعم، للإرهاب ثقافة ربما تتصل بالدين تأخذ منه مشروعيته([5])، إلاّ أن الواقع الحالي وطبيعة مسارات الصراع بين (مجتمعات الشرق الأوسط) وهيمنات الدول الغربية والنادي الديمقراطي المسيحي، يفرض تحديداً للبحث نضعه بالسياق الآتي:

إن الطبيعة الدينية للإسلام طبيعة ممتزجة، غير قابلة للفصل في مكوناتها العقائدية والتشريعية والأخلاقية، فهو المعادل لوجود الإنسان بكل مسارات حركته ووجوده، وهو الذي يمنح التصور الكوني، ويضع نظرية تفصيلية ومحددة في التكليف بشكل شامل لأنماط السلوك.

وفي الإسلام هرم معياري ضابط ومنضبط، بعكس المسيحية ذات الأُفق الاعتقادي ـ على الأقل في أزماننا المعاصرة ـ دون التشريعي. أما اليهودية فهي دين ذو نـزعة لا يلتفت فيه إلى صحة اعتقاد من كانت أُمّه يهودية، ثم هو دين يدعو إلى تحقيق سيادة اليهود على العالم كلـه بالوسائل كافة، أما الاتجاهات الفكرية العلمانية فهي تهمل الجوانب الاعتقادية الكونية، وتركز على (قوانين المجتمع المدني)، بلا تقييد لحرية المعتقد والدين.

فالإسلام إذن، يختلف تماماً في تأثيره على صنع الإنسان؛ لأنه يرتبط به ارتباطاً صارماً لا مجال عنده لاتخاذ موقف دون العودة إلى موازينه وأُصولـه، وحيث أن موازينه وأُصولـه لم تبق في حدود النصوص الأُولى المؤسِّسة، إنما تجاوزتها إلى نصوص اجتهد الإنسان فيها على أساس من تلك الأُصول الأُولى، فألحقها التاريخ بالنصوص المؤسِّسة، فصارت منظومة معرفية ثم تحولت إلى عقل معرفي ثم قيم معيارية تكمن وراء كل تصرف، ومنها ممارسة العنف السياسي والعقائدي.

وهنا نتساءل:

ما صلة القيم المنتزعة من التراث والدافعة للعنف؟

الجواب: هناك صراع تاريخي بين مصالح الغرب وحقوق مجتمعات الشرق الأوسط، متى تم التحسس بالخطورة عليها، استعان الشرقي بقيمه وقراءاته التراثية لكي يكوّن شرعية للمواجهة([6])، ولعل هذه مقدمة (هي المدخل الأول) للإجابة عن: (لماذا الإسلام والشرق الأوسط)؟

فالصراع التاريخي على الموارد والنفوذ وطرق التجارة شكل تحدّياً مزدوجاً، زاده تزاحم وتدافع بين نظرية التبشير المسيحي، ونظرية الدعوة إلى الإسلام، فأوجد تعارضاً فيما بينهما (الغرب والشرق). وعلى تخوم أُوربا الجنوبية وتخوم العالم الإسلامي الشمالية نشأ تلاقح واحتكاك، أثّر في قراءة كل دين لنوع العلاقة مع الدين الآخر من الناحيتين الفلسفية والاستراتيجية، أي النفوذ والـهيمنة السيادية. فتنامى شكل العلاقة على اتجاهين: الأول (المواجهة الفكرية)، والثاني (المواجهة لأجل مدّ النفوذ على حساب الآخر). ولم ينشأ تطلّع أو نـزوع نحو علاقة تكامل وتعاون وحوار وإنهاء الـهيمنات.

فقد ظهرت المنافسات السياسية الحادة من فتح القسطنطينية، وظهرت في شكل الدعوة للسيطرة على القدس التي تطلبت السيطرة على بلاد الشام تحت دعوى حماية المسيحيين من إكراهات المسلمين، وظهرت استثمارات القوة في منتصف القرن التاسع عشر، والقرن العشرين، مما سمّي بالاستعمار الغربي للعالم الإسلامي. الـهدف منه نهب ثرواته إلى جانب ظهور عدد من الدراسات الاستشراقية لمهاجمة ثقافة المسلمين وعقيدتهم([7]). ثم ظهرت في شكل إقامة حكومات قطرية رافقت تجزئة وتفتيت العالم الإسلامي، وتم تنصيب حكومات تتخادم مع التطلعات الغربية، وهذا كلّه ولّد أصلاً علاقة صراعية تتصاعد باتجاه المواجهة الحادة والساخنة، والتي وجدت نفسها مضطرة لقراءة التراث الإسلامي من جديد؛ لاستنهاض أية دافعية تخدم تلك النوعية من المواجهة، التي بدأت في نهايات القرن العشرين تتلمس وسيلة للتغلب على صعوبات عدم التكافؤ بين القدرات الغربية، وقدرات المواجهة لدى شعوب الشرق للـهيمنة الغربية، فاختارت الإدارات الغربية استخدام القوة المفرطة والحروب المدمرة، بينما اختارت بعض أشكال (المقاومة الإسلامية) طريق القتل الجماعي مضطرة، مما سمّي مؤخراً بالإرهاب، الذي حاولت الولايات المتحدة الأمريكية نقلـه من الساحة الأمريكية ـ الأُوربية إلى مكافحته على أرضه، فاختارت افغانستان والعراق، وربما ستختار بلداناً أُخر ساحة لتصفية (قدراته) وتجفيف منابعه، وكلا المطلبين، أي مطلب تبدل السياسة الأُوربية ـ الغربية من سياسة العنف والقوة والنهب والاستغلال واحتكار التقنية([8])، ومطلب السياسة الجهادية السلفية لدى معتنقي نظرية الإسلام الجهادي في الشرق الأوسط، صعب.

فهل ستسهم بحوث وتأملات وأفكار ونظريات الحكماء من المفكرين إلى إبدال هذه الأنماط من العلاقات بين الشمال والجنوب وحضارتيهما؟

وهل يمكن فتح نافذة من النور أمام ايديولوجية يشترك الغرب والشرق في تبنيها من خلال مبدأ حوار الحضارات، ونقد تراث كل منهما لفتح الطريق أمام استراتيجيات جديدة تتطلع إلى مجتمع عالمي إنساني تربطه علاقة المصالحة والتعاون والتكافل؛ لمواجهة كوارث البيئة في أُوربا، والمجاعة في إفريقيا، والتخلف في آسيا، وتنتهي باعتمادها سلوكيات الاستباحة الغربية لمقدرات شعوب الشرق، وتحرّم استخدام القوة وأسلحة الدمار، كما تحرم سلوكيات القتل الجماعي العشوائي لأسباب سياسية وعقائدية، مقابل واقع بقاء العلاقة صراعية تغذي دوامة العنف والعنف المضاد، وبينهما ستضيع تنمية الإنسان وتقدمه، ويشيع الخوف والرعب، وينعدم الأمن الدولي؟

وسوف لن يكتب النصر الحاسم لأحد الطرفين طالما استطاع الإنسان ـ في الغرب والشرق ـ أن يستخدم التقنية استخداماً للموت وليس استخداماً للحياة والسلام، فهل من اكتشاف لقيم جديدة في ثنايا تراث أُوربا، وتراث الشرق معاً مما يحفز على الخير والتعاون وفتح الآفاق الإنسانية، والتعامل مع المصالح على موازين الحق والعدل الدولي بأُفق أرحب من الانكفاء العرقي أو الديني أو الجغرافي، أو الاستراتيجي؟

وهل من تجليات إنسانية لثقافة الأديان ونظريات فكر الإنسان بحيث توظف في هذا المجال للوصول إلى مجتمع عالمي معافى من الدمار والحروب والقتل والتجويع، (الذي عانى الشعب العراقي من نموذج قاسٍ منه والذي سمّي بالحصار الاقتصادي على الضحية دون الجاني؟

هل من سبيل للتنازع عن ايديولوجيات الإحباط، والقراءات المأزومة للمركّب (المصالح ـ الثقافة) الذي يفرض ثقافة من خلال إكراه السلاح أو يدافع عن عقيدة أو مصالح من خلال وسيلة الموت الجماعي غير المميز بين المذنب والبريء؟

هل ازدهار أُمة على حساب إفقار أُمة استراتيجية يُكتب لـها الديمومة؟

هل (نظرية) إصلاح الشرق الأوسط من الخارج وسيلة للمصالحة أو وسيلة للإخضاع؟

وهل في الإسلام نص أساسي يوّلد الإرهاب؟ أم القراءات الانكفائية لـه تولده لا سيما حين يتساند معه ظلم الدول الكبرى لشعوب الشرق الإسلامي الفقيرة، ثم ظلم الحكومات في بلدان العالم الإسلامي لشعوبها المضطهدة، واعتماد سياسات التعسف إزاء توجهات تراثية يتمثل ذلك بإبعاد وإقصاء التيارات الإسلامية حتى لو كانت معتدلة ومستنيرة وعقلانية؟

هل التخلف الاقتصادي والبطالة، والإثراء الـهائل لفئة قليل أو الإثراء الـهائل لدول الغرب على حساب اقتصاديات الشعوب المظلومة دافع لممارسة العنف في العالم الإسلامي؟

هل يحتاج العالم الإسلامي إلى تطوير اقتصادياته بالتعاون مع دول العالم المتقدم؛ لخلق دخول كافية تمنح من تداعيات الشعور بالإحباط، حتى يتساوى الموت والحياة، مما يشجع عل العمليات الانتحارية؟

هل يحتاج العالم الغربي لأن يتفهم أن الأمن الدولي أصبح مسؤولية مشتركة بين دول العالم وشعوبه؟

من هذا العرض يتبين أن الأسباب الدافعة لممارسة العنف السياسي والعقائدي في بلدان منطقة الشرق الأوسط هي:

1 ـ القراءات المتعصبة والانكفائية للإسلام، التي لبعضها ظروف وصيرورة تاريخية، ولبعضها الآخر إكراهات معاصرة.

2 ـ سياسات الغرب تجاه منطقة الشرق الأوسط، وممارسة الحروب والتدمير ضد بلدانهم، ونهب ثرواتهم، واحتكار التقنية عنهم.

3 ـ تخلف اقتصاديات الشرق الأوسط إلى جانب سوء التوزيع في بلدانهم، وثراء العالم الغربي على حساب حقوق الحياة عندهم.

4 ـ المساندة الدائمة والمطلقة من أمريكا والغرب للكيان الصهيوني رغم ممارساته الوحشية وجرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، والإعراض والتمرّد المستمر على الشرعية الدولية، وقرارات الأُمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية.

5 ـ دعم الغرب للحكومات المحلية المتخادمة مع السياسات الغربية، ودعم توجهاتها القمعية والإلغائية، ودعم ديكتاتوريات السلطة في بلدان العالم الإسلامي.

6 ـ الحرب الثقافية الغربية ضد الثقافة الإسلامية، واشتراك وسائل تشكيل الرأي العام بتشويه صورة المسلم في العقل الغربي. وتأسيس وتطوير الاغتراب الحضاري لدى أبناء شعوب الشرق الأوسط.

7 ـ تشجيع الغرب (لمجموعات متطرفة) لتنفيذ مآربها الآنية، مما يجعل هذه المجموعات تتقوى فتنقلب على سياسات الغرب فيما بعد. وكمثال على ذلك (مجموعات طالبان، ونظام صدام حسين الذي قام بدعمٍ محايد للغرب).

8 ـ عدم المساهمة في التنوير الموضوعي للإنسان المسلم؛ لخلق توجّهات منفتحة ومستنيرة.

وبعد استعراض أبرز الأسباب ستتناول هذه الورقة جزءاً من السبب الأول وتحليلاً وتأثيراً وإشكالية لـهذه الورقة.

المبحث الثاني: أُصول العقل المعرفي الإسلامي، النص القرآني وقراءات المفسرين

يشاطر الكثيرون من يرى أن العقل المعرفي العربي قد مرّ بمرحلتين، مرحلة ثقافة ما قبل الإسلام، ثم مرحلة الثقافة المؤسَّسة على النص القرآني، والأُولى فيما يعتقد الكثيرون لم تترك أثراً واضحاً لسبب بسيط هو احتواء الثانية للأُولى تصحيحاً أو إقراراً أو إلغاءً بحيث لم تعد واضحة الأثر.

أما الثانية، فإنها شكلت العقل المعرفي للمسلمين عرباً كانوا أو غير عرب على تفاوت في التمثل ونمط القراءة([9])، وهذه الثقافة لـها أُصول أساسية أولية، الأصل الرئيس فيها هو (النص القرآني الموحى به)، وهو نص نـزل خاتماً للنصوص السماوية ومعجزاً في صياغته، وجوهر إعجازه تعدد دلالاته بما يتوافق مع استمرارية الزمان وتعددية المكان (البيئات الحضارية) ومستوى الوعي البشري لحقائق الوجود، ويعتقد الكثيرون أن قضية المحكم والمتشابه([10]) إنما جاءت في النص؛ لكي يستمطر كل جيل من علماء الأُمة من النص الثابت في لفظه والمتعدد في دلالته ومضامينه الموقف من كل إشكالية تستجد في واقع مجتمع أو بيئة، وإمكان النص الذي تتعدّد فيه القراءات يجعل منه نصاً مفتوحاً على التأويل، وتتعدّد فيه الرؤى، وكل رؤية وتمثل وتأمل واستنتاج لـه جذره الذي يستند إليه، أي أنه يشتمل على قدر من المشروعية والمستند، ويبقى الحوار في مدى مقبولية الاستفادة التأويلية من النص([11]).

وحضارة ـ مثل حضارة المسلمين ـ تنعقد في أصلـها على نص مفتوح على التأويل توهم بأنها غير منضبطة، إلاّ أن الحق أنها أكثر ضبطاً من حضارة تقوم على أساس فكر بشري رائد متقدم على عصره، يلحق به سريعاً الجيل التالي فيتناول النص الأصلي المؤسِّس بالتحليل والتفكيك، حتى يصل به الحال في بعض الأحيان إلى مناقضة ذلك النص بالضد. أما النص الرّباني فيبقى دستوراً ثوابته (الآيات المحكمة)، وكل التأويلات تجري على أساسه ومعاييره، لذلك فإن الحضارة الإسلامية في أصلـها المؤسِّس تستند إلى (النص المنـزل) أكثر ضبطاً، ويلحق به مشكلاً العقل المعرفي النص المفسَّر للنص المؤسِّس، سواء كان من السنة (وهو أعلى مرتبة) من النص البشري، أو من (آراء المفسرين) والفقهاء والشرّاح والمتكلمين، وعموماً فالكل يسهم بدرجات في تشكيل العقل المعرفي الإسلامي.

ولو راجعنا النص القرآني نجد فيه عشرات النصوص التي تدعو إلى التعاون والتكافل بين البشر، وتحترم تلك النصوص وتقدس حق الحياة؛ لأنها هبة اللـه للبشر، وإلى جنبها نصوص تدعو للدفاع عن الحياة والإنسان والوجود العقائدي، وحرية العقيدة ومصالح الجماعة المنضوية تحت منظومة الاعتقاد، ولو نظرنا بطريقة متوازنة لكلا المجموعتين من النصوص، فلا نجد حاكمية من النمط الأول، أي (آيات التعاون بين البشر) على (الآيات الجهادية)، ولا نجد العكس، فلكل من الوقائع أحكام خاصة بها، إلاّ أن قراءات المفسرين أوجدت حاكمية الآيات الجهادية على آيات التعاون بين البشر.

فالمفسرون المنتمون إلى تموضع السلطة، والخاضعون لمقتضياتها ربطوا بين مصالح الدولة ومصالح العقيدة، أي أن كل تمرّد على الدولة أو إساءة لـها إساءة للعقيدة؛ لأن منطلقهم كان حماية السلطة أكثر من حماية العقيدة، وجعلوا الجهاد لأجل عقيدة الدولة أكثر مما هو رد للعدوان على مجتمع العقيدة.

بينما المفسرون المنتمون إلى (تموضع المعارضة) انطلقوا من التأكيد على حقوق الإنسان داخل الدولة أولاً، وهذا ألزمهم بالاعتراف بحقوق الإنسان مطلقاً، سواء المسلم أو غير المسلم؛ لذلك عاملوا آيات الجهاد على أساس أنه (قرار يتخذه حكماء يقدرون فيه ضرورة وأهدافه ووسائلـه)، وعليه فالجهاد تكليف جماعي عند الشيعة، وهو تشريع للأُمة وليس للأفراد، ولا يتخذ قرار الجهاد إلاّ بمراعاة مقاصد الشريعة (الأدلة العليا)، وحكمة التشريع، وحسابات الجدوى، وليس تطبيقاً تجزيئياً للنص([12]) خارج هذه المكملات الضرورية لحيثيات القرار.

والعقل الشيعي وإن لم يلج علم المقاصد ولوجاً عميقاً، إلاّ أنه جعل قضية الجهاد خاصة مرهونة بـ (حسابات القدرة والجدوى والـهدف البعيد والتداعيات)، واعتبره قرار الأُمة وليس قرار الأفراد؛ لكي لا يتخذ الفرد أو المجموعة قراراً دون مشورة حكماء الأُمة، ولا بد أن يجري تحت راية إمام شرعي لـه مؤسساته الدستورية، أما الدفاع الشرعي عن النفس أي ما يطلق عليه (بيضة الإسلام) فهذا لـه أحكامه الخاصة عند بعض فقهاء الشيعة، ويلحق بأحكام الجهاد عند غيرهم([13]). ووسائل الجهاد والدفاع عند الشيعة متعددة لا تنحصر بالقتال، فمنها المقاطعة الاقتصادية، ومنها الحث على قطع الصلات الدبلوماسية([14]).

ويرى مفسرو الشيعة أن قضية النسخ في القرآن قليلة جداً لا تتعدى آية أو آيتين([15])، في حين يصرّ المفسرون من باقي المذاهب على مقولة النسخ ويتوسعون فيه، وثمرة هذا الخلاف أن الآيات التي تؤكد على السلام والتعاون ادُّعي عليها النسخ، لإحباط أثرها على العقل المعرفي الإسلامي، وكمثال على ذلك، قولـه تعالى: >يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً<([16])، والأمر الربّاني للنبي 2 بقولـه تعالى: >وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لـها<([17])، وقولـه تعالى: >ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلـهم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ<([18])، وقولـه تعالى: >أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ<([19]). كل هذه الآيات ادُّعي عليها النسخ بآيات الجهاد والقتال، وفسروا قولـه تعالى: >يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللـه أَتْقَاكُمْ<([20]) بأنه التعارف، أي (معرفة الآخر) وليس التعامل (بالمعروف) الدالة عليه آخر جملة تأكيدية في الآية([21]). بل، إنّ أداة النفي وإلغاءه بالاستثناء المفيد للحصر في قولـه تعالى: >وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ<([22])، يؤكد على أن إرسال النبي كان لإشاعة أُخوة البشر، وتعاونهم بلا حصر بعقيدة أو عرق، وإلاّ فكيف تتحقق الرحمة من دون ذلك؟ وكيف تفهم لفظة (العالمين) إذا كان المسلمون جزءاً من (المجموع البشري) الذي يشاركنا الأرض والبيئة؟

لذلك حرّم القرآن الكريم إفساد الأرض والإساءة إلى البيئة الطبيعية والبشرية فقال: >فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولئك الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللـه<([23]).

ثم جاء الأمر الربّاني بالتعاون مع المجتمعات التي لم تدخل معنا في صراع مسلح فقال: >لا يَنْهَاكُمُ اللـه عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللـه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ<([24]).

ولو طالعنا تفسير الطبري([25]) وابن كثير([26]) والنيسابوري([27]) من القدماء، ودروزه([28]) من المعاصرين وابن عاشور([29])، وآراء الشافعي وأحمد وابن حزم وغيرهم([30])؛ لوجدنا أن قراءات هؤلاء جميعاً كانت قراءات bتموضعت حسب مقتضيات سياسة الدولة ومقولات السلطةv.

أما الشيعة الإمامية، فإننا نرى أن الشهيد الثاني يؤكد على أن الجهاد لا يجب إلاّ مع عدوان الغير على المسلمين([31])، وكذلك السياغي وصاحب البحر الزخار من علماء الشيعة الزيدية، وإلى حد كبير تأثر بهم الحنفية فنرى بعض هذه الآراء تسرّبت إلى مدوّناتهم.

لكن القرآن (بوصفه نصاً حمّالاً للوجوه) مما يمكن الإفادة منه للوجوه كافة، فلو أخذنا حزمة (موضوعية) من آيات في موضوع الجهاد وجعلناها حاكمة على الآيات الأُخر؛ لتحملنا مسؤولية عدم استمرار القتال طيلة حياتنا، طالما بقي في الأرض (غير المسلم)، ولو أخذنا حزمة موضوعية لآيات (السلام والتعاون) وجعلناها حاكمة على آيات الجهاد، لأسقطنا واجب الدفاع الشرعي عن الوجود الإسلامي، ولو أخذناهما معاً بلازمة التعارض والترجيح لرجح الحاكم على المحكوم من الحزمتين، ولو عاملناهما كل في مجالـه مع إشراك الواقع مرجِّحاً لاتخاذ القرار، وإشراك الحكماء في عقلنة مقتضى النص، لوجدنا أن قرار (قتال الغير) لا يتخذ بصورة فردية؛ لأن قضية القتال وما ينتج عنه من تدمير الثروات والبنى الأساسية للمجتمعات، وإشاعة الخوف والرعب، وإزهاق الأرواح ليس قراراً سهلاً، بحيث يتخذه فرد أو مجموعة أفراد يتفهمون النص على وجه من وجوهه، ثم يلزمون الناس بفهمهم، فيتخذون قرارين أحدهما إعلان الحرب، والمواجهة المسلحة بدون مشاركة حكيمة وعقلانية (لأهل الحل والعقد)، والآخر تكفير من لم يوافقهم في القرار على ما في ذلك من نتائج خطيرة ومدمرة، واعتبار من لم يوافقهم الرأي كافراً أو مرتداً يستحق الموت، وتهدر حياته ودمه، وتسقط الحرمة والحصانة عن أموالـه، ولعل هذا منتزع عندهم من أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو في حقيقته التوعية الداخلية والتثقيف أو تهذيب السلوك لصالح الأهداف السامية للشريعة والأُمة معاًv، لكنها سيقت مبرراً لمعاقبة الغير مفسرين النهي (بالمعاقبة).

ويسندون قضية المعاقبة إلى حديث النبي 2: bمن رأى منكم منكراً فليغيره بيدهv([32])، واليد كما هو لفظ دال على القوة، فإنه يدل على العطاء، أما العنف فهذا ليس تشريعاً للأفراد إنما تشريع للأُمة، ولا يحق لمجموعة أن تتولى تكليف الأُمة كلـها منفردة دون إجماع أو أغلبية منهم، أو دون أن تعهد الأُمة لـهم بتنفيذ التكليف من خلال سلطة مستنيرة شرعية مؤسساتية مدركة ضابطة تدرس ردود الأفعال، وتدرك مدى ما يؤدي ذلك التصور لمعنى النهي عن المنكر إلى الإخلال بالنظام العام، الداخلي أو الدولي، والصحيح والعقلاني أن توازن (قيادة عقلانية حكيمة) بين مفسدتي المنكر، وتداعيات النهي عنه، فلعل عنفاً يؤدي إلى إصلاح المجتمع، ولعل عنفاً يؤدي إلى دوامة من الكراهية والرد بالمثل، ولعل نهياً عن منكر يتم من خلال وسائل غير مسلحة مثل الممارسات الاحتجاجية، كالمظاهرات والاضرابات والاعتصامات وغيرها، وهذه إذا حصلت إن لم تمارس بطريقة محسوبة جيداً، فأنها تتسبب في فوضى داخلة وتستعمل في أهداف بسيطة بحيث تفقد فوائدها، لذلك فكل من وسائل الجهاد الدفاعي ووسائل الأمر بالمعروف للإصلاح الداخلي لا يخضع مباشرة للمتلقي للنص فينفذ مقتضاه بفهمه لـه أو بفهم مجموعته لـه دون الرجوع إلى رأي أغلبية الأُمة من خلال قادتها وحكمائها ومجتهديها، ولا بد من حساب (المفسدتين) أيهما الأشد، فيحتمل الأخف لدفع الأشد، كما هو مقتضى القادة العقلية والشرعية، معاً، ولا تعمم الحالات والمواقف، فلابد من أن تدرس كل حالة بخصوصها، ففي حالات يجد العقلاء أن السكوت أجدى، وفي أُخرى يجدون أن الحوار أوفق؛ لأن لخسارة المجموعة الجهادية في الصراع المسلح لـه تداعيات تدمير البُنى الارتكازية، وفرص التقدم، وهدر الطاقات البشرية والمادية، وضياع هذه القوى حينما يراد استعمالـها ـ بوضع أفضل ـ كقوة ضاغطة، أو قوى رادعة، فبخسارتها ـ لقرارها غير المدروس ـ تضيع على الأُمّة مجموعة معطيات، وبذلك تتسبب المواقف غير المحسوبة على (الجدوى) بإتلاف مجموعة مصالح تملك الأُمة حق استيفائها بالوقت الذي يرى حكماؤها أنه الوقت المناسب للمواجهة ـ وبالطريقة التي يختارونها ـ فهذه الطاقات مدخرة لذلك الوقت، وبإهدارها يبقى القرار الصحيح والسليم والمجدي فاقداً للقوى المنفذة لـه.

السنة النبوية والعقل المعرفي

عرّف العلماء السنة النبوية أنها أقوال النبي 2 وأفعالـه وإقرارته([33])، وحاول بعضهم التعامل مع السنة بوصفها نصوصاً مطلقة لا تقل عن إطلاقية القرآن الكريم، واختلفوا في الصحيح منها من دون الصحيح وصولاً إلى الضعيف والموضوع من جهة الصدور، كما ظهرت بصورة غير جلية اتجاهات ترى أن ظروف عصر النبي 2، وأُسلوب قيادته للجماعة المؤمنة في مكة، والدولة في المدينة تضطرنا للتعامل مع النص النبوي اعتبار الظروف الموضوعية لصدور الحديث أو الفعل، إلى جانب اختلافهم في دلالة الحديث ـ وإن كان من حيث الكم ـ أقل من الاختلاف في دلالة النص القرآني؛ لان القرآن نص معجز، والحديث النبوي لا إعجاز فيه، ويرى آخرون أن سلوك النبي هو عبارة عن التفهم الأرقى للمقولات القرآنية، وإن كان تفهماً بشرياً لما ورد في القرآن >قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ<([34]).

ويرسم القرآن الكريم صورة نبي الإسلام رسماً مختلفاً عن صورة عيسى A في العهدين القديم والجديد، وصورة موسى A، فهو في المسيحية تجسيد للرب، فماهيته ربوبية، لذلك جاءت آيات الإنجيل عبارة عن سيرة الرب، الذي جمع بين كونه الإلـه والمرسل بكينونة مزدوجة، بينما في اليهودية فإنه بشر يخطئ ويتمادى، وكل الرسل في العرض التوراتي كذلك ربما يقترفون الجرائم، أما نبي الإسلام فهو إنسان يوحى لـه، وقد سدده اللـه في القول والعمل، وأوهبه التفهم الأرقى لكلمة اللـه، لذلك جعلت نصوص القرآن من حيث المضمون معياراً لصحة الحديث النبوي، فما خالف القرآن فلا يعتد به مما رواه الناس عنه، فالعلاقة بين السنة مجملاً والقرآن كالعلاقة بين متشابه القرآن ـ في تفهم الناس ـ ومحكمه؛ لأن المحكم هو الضابط لـهذا التفهم، ولأن الخلاف على السلطة السياسية بعد النبي 2 أصبح محور الخلاف بين الاتجاه الشيعي والاتجاه السني، فقد تحول هذا الخلاف من النطاق السياسي إلى النطاق التدويني للحديث النبوي، وهذه من أخطر إشكاليات تدوين النص.

وعموماً فقد صار للشيعة مدونات حديثية يرجعون إليها ويعتقدون بطرقها وبصحة أغلب ما ورد فيها([35])، بينما انصرف أهل السنة إلى مدوناتهم التي كتبت تحت رقابة السلطة السياسية، وعبرت عن مقولاتها في الغالب، فاعتبروا (صحاحها) حقائق لا تقبل التشكيك في صدورها عن النبي 2([36])، وترك للناس تلقيها وحفظها والعمل بها بلا توسط الاجتهاد في فهمها في ضوء مقتضيات الواقع المتجدد والمقاصد العليا للشرع، وعلى الرغم من كل هذه التعارضات، فلقد اتفق محدثو الشيعة والسنة في كلتا المجموعتين من مدونات الحديث على صدور أحاديث عن
النبي
2 تشكل العقل الإسلامي تشكيلاً حضارياً إنسانياً بنّاءً، لا يلجأ إلى القتل والعنف إلاّ في الحالات التي يجدها ضرورية، فالحرب والقتال في مجمل المشروع الحضاري الإسلامي الذي أسسته نصوص القرآن والسنة النبوية استثناء إزاء قوانين قدسية الحياة، ولعل هذا ما تتفق عليه أيضاً عقول البشر كافة، ولكن إلى جانبها عشرات النصوص التي تؤكد على حق الإنسان في الدفاع عن وجوده وعقيدته ونفسه ومصالحه ومصالح مجتمعه وإقليمه بالوسائل المجدية، والأقل تدميراً مما يحقق لـها أهداف ذلك الدفاع ومع الأمرين معاً، فإن القاعدة الأساسية للصلات والعلاقات بين البشر هي قاعدة أُخوة البشر كافة وتعاونهم فقد قال 2: bكلكم لآدم وآدم من ترابv([37])، وقال: bالناس سواسية كأسنان المشطv([38])، وقال: bحب لأخيك ما تحب لنفسكv([39])، ولو أردنا استعراض هذه الشواهد لبلغت المئات.

ولم يكن اختلاف العقيدة فيما ورد عنه 2 سبباً في إزهاق الأرواح، فقد عاش 2 في مكة أكثر من عقد من السنين بين من يخالفونه بالعقيدة ويعارضونه، بل يقاتلونه ويعذبون أصحابه، ولكنه لم يتخذ سلوكاً عنيفاً ضدهم مع قدرته على ذلك، ثم هاجر مع أصحابه إلى يثرب وامتلك وسائل الدولة وقوتهاً، ولم يبادرهم بحرب أو قتل أو إرسال مجموعات إلى مكة لتقتل مخالفيه، وكان ذلك عليه من أسهل التدابير بيد أنه صدَّ هجمات مخالفيه دفاعاً عن نفسه، ولم تظهر في سياساته سلوكيات انتقامية ولا ضربات استباقية.

أما سياسته الداخلية في المدينة المنورة التي كان يسكنها اليهود ومن بقي على دينه، وطريقة عبادته، فقد كانت سياسة جامعة بناءة حقوقية دستورية، جسدتها صحيفة المدينة([40]) التي رسمت للكل ـ على اختلاف تنوعهم ـ حقوقهم وواجباتهم، وفيها يحدد حق الجوار فيقول: bإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم إلاّ من ظلم وأثمv([41])، ثم دعا اليهود للرجوع إلى كتبهم حتى يلتمسوا وعد اللـه لـهم بإرسالـه ثم قال: bفإن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كره عليكم، قد تبين الرشد من الغيv([42])، وفي صلح الحديبية نجد معاهدة للـهدنة والسلام وتبادل المصالح والمنافع تعقد مع اختلاف العقيدة، وعقيب معارك شرسة أُزهقت فيها الأرواح وسالت فيها الدماء فانتهت إلى المسالمة والسلام، وأغاث 2 أهل مكة وهم مشركون، فأرسل لـهم في مجاعة ألمت بهم غوثاً منه([43])، كل ذلك إلى جنب مئات النصوص التي تهذب وتخفف ويلات الحروب، وتراعي الأسرى والعزل والمدنيين وغير المحاربين، والتي تلزم المسلم بالرفق والإحسان لغير المسلم([44]).

وهذه الشواهد ـ كما قلنا ـ موضع اتفاق بين التدوين السني للحديث والتدوين الشيعي، وإلى جانبها نصوص تحث على الصبر والمقاومة والمرابطة والفروسية والمكافحة للعدوان، فغلّب (الرسميون ومثقفو السلطة وكتاب السلاطين) أحاديث القتال والجهاد والحروب على أحاديث السلام والبناء وازدهار البشرية كافة، على طريقة الناسخ والمنسوخ، وكذا الحال في كتب التاريخ والسيرة النبوية، حتى أن واقعة فتح مكة وطريقة تعامل النبي السامية مع أعدائه التاريخيين، أوجدت لديهم إشكالية في تفسيرها، من جهة كتّاب سيرته، التي صوروها نـزاعة للعنف.

وتروي السيرة أنه 2 بعث خالد إلى أسفل تهامة داعياً، فتصرف خالد وقتل أُناساً من بني جذيمة من كنانة، فوصل أمره إلى رسول اللـه 2 فارسل علياًA ومعه تعويض لكل منهم، حتى رضوا، فقام الرسول 2 وقال ثلاثاً: bاللـهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليدv([45])، وختم عمره الشريف في حجة الوداع وهو ينادي: bإن دماءكم وأموالكم عليكم حراماً إلى أن تلقوا ربكمv([46])، مؤكداً في ذلك حق الإنسان مطلقاً بالحياة، وحقه في الملكية.

الإجماع:

وهو الأصل الثالث من الأُصول الرئيسة المؤسِّسة للعقل الإسلامي، وقد عرّفه العلماء أنه (اتفاق العلماء على حكم ـ تعددت دلالة أصلـه ـ فاتفقوا على واحدة منها)، وهذا الأصل ـ على وجاهته ـ لم يقع في تاريخ أية أُمة إلاّ على الكبريات والبديهيات والمتفق عليه مما يندر للخلاف فيه، وفي الغالب تصور الأغلبية الموافقة على أمر ما ـ لأي سبب من الأسباب ـ إجماعاً، بصرف النظر عن ظروف حصول هذه الأغلبية، حتى صار دليلاً لابد أن يقام عليه الدليل مما يلزم فيه الدور، والأكثر إشكالاً أنه قد ادّعاه كل مخالف على مخالفه، وردّ المخالف بادعائه أيضاً، فتوحد في المفهوم وتعدد في المصداق، وهو فيما أعتقد جسر الوصل أو المنطقة الوسطى بين النص والاجتهاد الفردي، أي أن الاجتهاد الجماعي يأتي بالدرجة التالية بعد النص([47]).

الأدلة العقلية (الاجتهاد)

وهو الأصل الرابع المؤسِّس للعقل الإسلامي، ومرادهم منها مختلف، فالأدلة العقلية: مفهوم جامع شامل تعددت آلياته عند المفكرين المسلمين، فذهب الشيعة إلى مفهومه الأشمل بما سمّوه المستقلات العقلية، وذهب أهل السنة إلى أنه القياس والاستحسان والمصالح والذرائع والعرف وغيرها من الأُصول، وفي ظني أن مصطلح الاجتهاد جامع لاستخدام هذه الآليات.

وقضية الاجتهاد، قديمة قدم النص، فقد اختلف العلماء في أن النبي 2 هل كان يجتهد عندما تحصل واقعة ليس فيها نص؟ وأقر الجميع باجتهادات الصحابة، وتشكلت مدرستان: إحداهما تقف عند النص وهي bمدرسة المدينةv التي انتجت مذهب مالك وأحمد والظاهرية؛ وثانيهما تتوسع في الرأي والقياس وهي bمدرسة الكوفةv التي نشأ عنها مذهب أبي حنيفة، ويقال: إن مذهب الشافعي أفاد من المدرستين فتوازن، واتخذ أهل البيت G طريقاً ثالثاً يضع النص في موضع الموجّه، ويضع العقل في موضع الجامع بين مقتضى النص ومقتضى واقع الموضوع، ويأخذ بالاعتبار أنسنة القرار ثم يقضي بالواقعة على وفق هذه المداخلات.

وبعد عصر الأئمة الكبار تعاظم مفهوم الاجتهاد واتسع، وتكاملت آلياته حتى أواخر القرن الرابع الـهجري، فحصل تدهور في مجتمع الدولة الإسلامية مما أدى بالرسميين إلى حصر الاجتهاد bبما قالـه الأئمة الأربعةv، ولم يسمح لأحد أن يقول في أمر ما فتح اللـه به عليه إلاّ إذا أسنده لواحد من الكبار، ولم يلتزم الشيعة بهذا، واستمروا ينادون بوجوب الاجتهاد في الأُصول والفروع وجوباً كفائياً، مستندين في ذلك إلى أنه من ضروريات الحياة، ومن ضروريات الإفادة من النص. فالدين ـ بلا اجتهاد ـ يقرأ قراءة تاريخية، ويسبقه الزمن بمبتكراته، ويضطر المسلم للتعامل مع المستجدات خارج أُطر الضبط الشرعي، أو يتخلى عن التواصل مع الحياة وهذا فرض صعب، ويرى الشيعة أن الواقع متغير ولا متناه في وقائعه، والنص (متناه) في اللفظ، لا متناه في المعاني والمضامين المكتنـزة به، لذلك فالرابط بين النص والواقع هو الاجتهاد؛ لكي يستمر الفهم الصحيح والسليم للإسلام من خلال هذا المركب.

إذن، فالاجتهاد ضم مقتضى الواقع لموجّهات النص، والتخلّي عنه يؤدي إلى إحلال فهم سابق (غير واقعي) للنص، مما يؤدي إلى تصادم بين رسم سياسات للحياة المتجددة وسياسات للتقدم مع النص، وتقع القطيعة بينه وبين هاجس التقدم، وباستمرار الإغلاق تستمر القطيعة. ومن المؤسف أنه لم يغلق الاجتهاد الفقهي فقط، إنما غُلق الاجتهاد في كل مستويات المعرفة، وأُصيبت الأُمّة بالركود، فساير الأُوربيون العصر، وتوقف المسلمون في عصور مظلمة دامت ثمانية قرون، تراكمت فيها القطيعة بين الواقع والنص، والواقع والعقل الإسلامي المقيد بوقف الاجتهاد، وتعاظمت القطيعة بين المسلمين والإنسان خارج العالم الإسلامي، حتى أفاق المسلمون في القرن التاسع عشر على غزو أُوربي يمتلك تفوقاً في منهج البحث والتفكير، والمعرفة وتطبيقاتها، لا


الخمار ليس إسلامياً

2 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

مقدمة المترجّم:

 
مٌنذ سنوات، أٌثيرت القضية المفتعلة حول ارتداء الحجاب أو الخمار في الدول العلمانية، والتي بعض سكانها يدينون بالإسلام، وهناك من هي إسلامية بالكامل. ولكي لا نتطرق إلى الحالات التي أثير حولها جدال كبير،  فإنه يمكننا على سبيل المثال، ذكر الزوبعة أو ما يسمى بالأزمة السياسية التي اندلعت في البرلمان التركي ، عندما حضرت إحدى الأعضاء التي تنتمي إلى حزب الزعيم الإسلامي،  نجم الدين اربكان (رحمه الله) ، حيث كان محل متابعة من طرف المتشددين العلمانيين في الجيش التركي ، إلى أن جاءت أزمة أخرى في نفس البلد،  وحدثت أثناء حفل استقبال على شرف المسؤولين الكبار في الدولة والعسكريين وأعضاء الحكومة برئيسها الحالي رجب طيب اردوغان ، إذ ، حضرت زوجات بعض أعضاء الحكومة وهن يرتدين الحجاب فقام عدد كبير من المسؤولين وضباط الجيش بمقاطعة الحفل ، ونال الموضوع حقه في الصحف الداخلية والعالمية لعدة أيام ، وكادت القضية تتطور إلى أن تصبح قضية دولة .
هذا عن ما جرى في ذلك البلد العلماني ، حيث لا يختلف الحال الكثير في فرنسا انطلاقا من حادثة الفتاتين من أصل مغاربي ، عندما تعرضتا إلى طرد من طرف مدير الثانوية بسبب ارتدائهما الحجاب ، فتناولت الصحف الفرنسية خاصة الموضوع وتباينت الآراء بين رافض للقرار باعتباره يدخل في الحريات الشخصية والعقائدية ، وأن كل جالية لها الحق في ممارسة ديانتها وطقوسها الموروثة عن البلد الأم ، وبين مؤيد له باعتبار ذلك مخالف للتنظيمات والقوانين المعمول بها في هذا المجال،  وأنه سوف يؤثر على أبنائهم خوفا من الدين الإسلامي ، بالنظر إلى الذين اعتنقوه من الأروبين . وفي تلك الأثناء ، ظهرت الأزمة في مصر إبان عهد مبارك ، عند صحفيات التلفزيون حيث قامت وزارة الإعلام بمنعهن من الظهور على الشاشة مرتديات للحجاب وبقيّن في صراع مع المسؤولين وصادف ذلك أن اقتنعت  الصحفية الجزائرية خديجة بن قنة  بعد زواجها ، والعاملة في قناة الجزيرة الفضائية حيث حلّت على المشاهدين بحجاب شرعي ، وهذا ما شحذ همّم الصحفيات المصريات على مواصلة المعركة والتحدي لأن الجزيرة ليست قناة عادية ويحسب لها ألف حساب من طرف الغرب ، و ظلت القضية في مد وجزر إلى أن إنتصرن بعد سقوط نظام مبارك .
يضاف إلى هذا ، قضية طرد الطالبات الكويتيات لإصرارهن على ارتداء الحجاب في مؤسستهن بالكويت حيث عرفت الحادثة اهتماما كبيرا خصوصا من جانب البرلمانيين الإسلاميين هناك ، أما المثال الأخير الذي يصٌب في نفس الموضوع ، هو منع تلك الأستاذة الجامعية في اسطنبول من الترشح بسبب عدم نزعها للخمار، فقامت بحملة جمع توقيعات لدعم موقفها.
إنها حوادث متفرقة حول موضوع واحد غير عادي لأنه يتعلق بالمعتقد والجميع يعلم أن المساس بالديانة لا يسكت عنه عند أي طائفة ، وخير دليل على ذلك النداء الذي وجهته الكنائس الفرنسية إلى الرئيس السابق جاك شيراك مطالبين إياه بالتدخل، وأن يتحمل مسؤوليته التاريخية بعدم تأييد الأصوات المنادية بمنع ارتداء الحجاب في الأماكن العمومية والمدارس، ومن خلال هذه المقدمة الطويلة نوعا ما ، أود أن الفت انتباه القارئ الكريم أن ما جاء في المقدمة لا يلزم كاتب موضوع،
 le foulard n'est pas musulman ، وأن ما سيأتي هو ترجمة لموضوعه ، حيث أردت من خلال عرضه تقديم وجهة نظر الكاتب الذي قام بمقارنة بين ما ورد في الإنجيل وما تناوله القرآن الكريم وبعض الكتب السماوية الأخرى ، والقوانين فيما يخص ارتداء الحجاب ، حيث يقول في البداية : (إن إلزامية تغطية المرأة لشعرها قد أشير لها بأكثر من 1700 سنة ، قبل محمد ، ويقصد النبي صلى الله عليه وسلم ) وهذا عن طريق القوانين الآشورية التي أصدرها الملك (تقلاث فتا أزار الأول) ،(1074-1112 ) قبل المسيح عليه السلام ، والتي تنص على:  (إن النساء المتزوجات واللّواتي يخرجن إلى الشارع لا يكشّفن عن رؤوسهن وبنات الرجال الأحرار يغطين رؤوسهن .. أما المرأة العاهرة فهي التي لا تغطي رأسها وبذلك يكون شعرها مكشوفا) .
ولقد طٌبّقت عقوبات صارمة على الذين خالفوا هذا النص ، لأن ارتداء غطاء الرأس هو إجباري وامتياز بالنسبة للمرأة المحترمة ، والتي يجب أن تغطي رأسها ، والتي لا تقوم بغير ذلك،  فتعتبر من العاهرات أو العبيد وهي بما يسمى بالمرأة العمومية .  
إن هذه الإجراءات والقوانين ليس لها علاقة بالدين وهي تٌسوّي بين شرك الآشوريين وإيمان إسرائيل بإله واحد،  فاستنادا إلى الإنجيل (فأن تكون المرأة عارية أو شعرها غير مغطى هو نفس الشيء)، حيث يقول النبي عيسى – عليه السلام- (اكشفوا عن شعوركن ، شمّروا فساتينكن ، اكشفن عن سيقانكن) (إصحاح 2.47) قالها من أجل اهانة مدينة بابل الملعونة والتي ترمز إلى المرأة التي تعيش حياة سيئة .
إن الشابة المخطوبة النزيهة هي التي تٌقّدم لخطيبها مغطاة الرأس،  وهو ما جاء في نشيد الأناشيد (إصحاح 3.4) (عيناك حمائم عبر خمارك) ، هذا الخمار يجب أن يكون غير شفاف ، إذا حكمنا عليه بالحادث العارض الذي تعرضه له النبي يعقوب – عليه السلام-  حيث اكتشف ذات صباح في ليلة عرسه، أن المرأة التي وعدوه بها (رشال) غٌيّرت بـ "ليّا" وهي الأقل جمالا والأكبر سنّا (سفر التكوين / الباب 29) .
إن كل النّساء الشابات الصغار في الشرق الأدنى القديم ، يرتدين حجاب يغطي بدرجة أكثر أو أقل حسب المنطقة ، ومريم (يقصد السيدة مريم عليها السلام) ، أمّ عيسى (سيدنا عيسى عليه السلام) لا تقوم بكل تأكيد بالاستثناء عن هذا الاستعمال والذي أعطاه القديس (بول) صفة مزدوجة لاحترام ديني واختلافات جنسية (كل رجل يرجو أو يتبنى بأن الرأس المغطاة ، تكون اهانه إلى قائده ، لكن كل امرأة ترجو أو تتبنى بأن الرأس العارية تكون اهانه إلى القائد ، أي كما لو أنها مٌحلّقة لشعرها ، وأي امرأة لا تحمل الخمار عليها أن تقص شعرها ، لكن من العار على المرأة أن تحلق شعرها أو تقصه ، فلترتدي الخمار) المذهب الكورتثني باليونان (1.corinthien11.5)
فالحوّاريون هنا يركزون كثيرا على معرفة القائد وغطاء الرأس كاتجاه مزدوج للكلمة اليونانية kephalé) )، تعيينا لرأس جسم الإنسان وللجسم الاجتماعي .
هذا النص الغامض بقدر كبير ، هو في الأصل ضرورة اكتشاف الرجال للكنيسة ، حينئذ فليضعوا الطاقية kippa) la ) في المعابد من أجل وضع حدود بينهم وبين الرّب ، مظهرين أن ليس لهم رأس مليئة بالتكبّر والعكس بالعكس ، وإجبار النساء على تغطية رؤوسهن في الكنيسة . وقد لوحظ حتى في الفترة الحالية ونٌصّح بوضع الخمار كبير أسود اللون عند استقبال الأسقف .
ففي دولة الكامرون حيث توجد لغة دوالا (douala) ، ترجمنا كلمة الدين بالمنديل الصغير (petit fichu) ebassi أو ، لأن في القرن الماضي،  طلب مبعوث البابا من النساء وضع الخمار على الرؤوس قبل دخولهم الى المعبد .
لقد جاء الشرح والتفصيل في القرآن أكثر من الإنجيل ، حيث يأمر النساء بارتداء الحجاب ، لكي يتجنبن إثارة الرجال (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)، (وليضربن بخمورهن على جيوبهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) .
(السورة 62. آية 30) .
فقط العبيد المخصيين (المعفيين من الرغبة) و الأطفال الصغار (غير البالغين)،  الذين لا ينجذبون لحميمية النساء ، هؤلاء يمكنهم النظر إلى النساء بدون حجاب في بيوتهم ، غير أن القرآن لم يقل شيئا فيما يخص المواصفات المضبوطة لهذا الحجاب ، والذي كان في وقت الرسول (صلى الله عليه وسلم) متنوع ويأخذ عدة أشكال محلية تغطي على الأقل الوجه والنظر .
وفي رواية أكثر سرّية ، إن الفتاة لا تغطي إلا الشعر ، وهذا الخمار لا يتميز إلا باللّون الأسود لشابات الرومان ، وتمهيدا للزواج ، تقوم الشابة بوضع الخمار للتمكن من الزواج أي كأهلية للزواج .
فكلمة (nuage) الغيّم الذي يحجب الشمس،  والكلمات الفرنسية (nubile)، (nuageux) ، (noce) تأتي من النفس الجذور (الهندو أروبي) ، وتعني فكرة الإخفاء ، ونفس الشيء كانت تقوم به الكاهنة فستا Vesta()،  حيث إرتدت الخمار .
من جهة أخرى يعتبر الكاتب تارتليان : ( إن الفتاة بدون خمار، تعني فتاة لم تعد عذراء ) .
وتعدد المسيحية هذا التقليد مع لبس رداء للمتدينات الكاثوليك أو الأرتودكس والبروتستانت ، فرداء المتدينة والمتداول ، أصبح حينئذ رمز عرس مجازي بين الفتاة والمسيح .
إنه في نفس الوقت الذي أصبحت فيه المتدّينات قلائل،  والمتناولات السرّية ، اكتشفت فيه البلدان الغرب أن الخمار يوجد في الأحياء الكبيرة والمدارس،  وهي فضاءات فيها علامات التدّين بالضبط ، كما يقوم رمضان مكان الصوم الكبير أو الصوم الاربعيني .
وأن الرداء المسمى إسلامي ، يملأ الفراغ في الحي اللائكي ، لكن العلامات المذهبية والعقائدية لا يمكن أن تقتل الروح الملائكية ، وأن العادات القديمة لثلاثة آلاف سنة مضت ، لا تستطيع أن تبقى للأبد عند العائلات إلا العامة ، إذا أرادوا دمج القوانين الآشورية في حرياتنا ، ومع الحظ  فإن ارتداء الخمار ، لا يعني إلا عددا قليلا من التلميذات والطالبات .
إذن ، فإن طريق الحوار هي الأكثر توافقا من أجل أن لا يكون انتباه يؤثر على لباسهن ، وقد يكون مستحيل لفرض الاستعمالات الآشورية في أروبا العصرية على أن نٌحوّل المراهقات إلى شهيدات .
لأن الخمار (عبارة من المؤكد أن أصلها غير عربي)، وربما هي عبارة إسلامية بالمعنى الحقيقي للمطالبة ، غير أنه ليس للديانة الإسلامية وحدها . انتهت الترجمة الكاملة للموضوع.
 
وفي الأخير يظهر للقارئ الكريم،  أن الخمار أو الحجاب يعتبر عند الغرب من المسائل الجوهرية حيث يعتبرون المرأة بدون خمار ، امرأة عمومية أي غير محترمة ، اذا ما لطفنا العبارة ، فهذا خير رد على المتشبهات بالغرب من أمثال تلك المغتربة الجزائرية التي كتبت مؤخرا ، تقول أن الحجاب عبارة عن سجن من قماش ؟؟ على هذه النوعية من المشتبهات بالغرب والغرب يرفضهن  ويعتبرهن دخيلات إلى يوم الدين ، مهما مكثن في أحضانه ، ولا هن بالمنتميات للمجتمع الاسلامي الذي خرجن منه ، عليهن الإختيار وأن يعلمن هذا جيدا،  فإما أن يخترن الرجوع  الى ما جاء في كتاب الله ، مادمن يقرّن بأنهن مسلمات ، أو ارتدائه حسب معتقدات الاخرين ، مادمنا يقلدن إلى يوم الدين ، فليتسع صدرهن لذلك ، و ماهي الا نصيحة بدون التدخل في الخصوصيات ، مع احترامي لكل من لا تلبس الحجاب.