borneowebhosting video bokep indonesia bokepindonesia informasiku videopornoindonesia

الشيعة في أميركا اليوم – استعراض لأبرز معالم المشهد الشيعي في الولايات المتحدة الأميركية

13 أغسطس 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

ينقسم المجتمع الشيعي الأميركي ـ بنظرة أوّليّة ـ إلى مجموعتين كبيرتين هما:

المجموعة الأولى: وتمثّل المهاجرين الذين هاجروا من بلاد المسلمين إلى أميركا منذ حوالي مائة وثمانين عاماً.

المجموعة الثانية: وتشكّل الأميركيين الذين أسلموا نتيجة عوامل مختلفة من جملتها الجهود الدعويّة الصوفيّة. إنّ أغلب مسلمي هذه المجموعة هم من العرق الأفريقي الذين أسلموا أولاً إسلاماً سنّياً، ثم تشيّعوا جراء تأثّرهم بشخصية الإمام الخميني P وروحيته، ونتيجة انتصار الثورة الإسلامية في إيران.

المجموعة الأولى: الشيعة المهاجرون

هاجرت هذه المجموعة من الشيعة منذ حوالي مائة وثمانين عاماً إلى أميركا قادمةً من لبنان وسوريا، حيث سكنت مدن ديترويت وميشيغان وراس وداكوتا الشماليّة، وقعت هذه الهجرة بين سنة 1824م إلى 1878م. ففي عام 1924م أصدرت الدولة الأميركية قانون "Asian Exclusion Act" الذي يقضي بمنع الآسيويّين من دخول أميركا، ويعبّر عن نزعة عرقيّة حادة. تمسّكت الدولة الأميركيّة بهذا القانون لتمنع من دخولهم ـ الآسيوييّن ـ الذين تعدهم ملوّني البشرة، لا يقفون في مستوى واحد من الناحية الثقافية والسلوكية مع الأميركي الأبيض ذي الأصول الأوروبية.

وقدعُدّل هذا القانون بعد الحرب العالميّة الثانية، حيث استطاع الآسيويّون ـ من جملتهم المسلمون والشيعة ـ الهجرة مجدداً إلى أميركا.

وتسكن أكثرية شيعة أميركا في مدينة ديترويت وميشيغان، إضافةً إلى ثلاثماءة ألف أمريكي عربي الأصل، حيث يوجد واحد من أكبر المساجد الأميركية في جنوب شرق هذه المدينة، وهو المركز الإسلامي في ديترويت الذي بُني عام 1920م. ويقع هذا المركز بالقرب من مصنع سيارات فورد الأميركيّة، ذلك أنّ المهاجرين العرب كانوا في البداية عاملين في هذه المصانع.

أمّا زعيم هذه الفئة فهو الإمام حسن القزويني المولود في مدينة كربلاء العراقية، وقد تلقّى علومه في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة لحوالي عشر سنوات، ثمّ هاجر سنة 1922م إلى أميركا. وتطالعك أعلى الباب الرئيسي للمسجد صورة كبيرة للإمام القزويني إلى جانبها صورة لجورج بوش.

والجدير ذكره انّ هذه الفئة من الشيعة ليسوا كلهم من الأصل العربي، بل فيهم الإيرانيون والباكستانيون وشعوب أخرى من غير العرب. واللافت أيضاً أن هؤلاء المهاجرين لا دور سياسي لهم، فهم يطبّقون القوانين الأميركية ويميلون إلى ثقافتها، لأنهم يريدون العيش كالأميركيين، فقد اتخذوا أميركا موطناً للعيش بغية تأمين أمورهم المعيشيّة لا من أجل الدعوة الدينية، وعندما يتعلق الأمر بحاجاتهم الدينيّة كإقامة مراسم الزواج والطلاق والدفن، يذهبون إلى المراكز الدينيّة، ويجتمعون فيها أيضاً ـ كلّ في ولايته ـ لدراسة اللغة الأم.

وثمة مراكز إسلامية أخرى يتجمع فيها كافة المسلمين دون نظر إلى قوميتهم وبلادهم، كالمركز الإسلامي للإمام الخوئي في نيويورك، الذي يشارك الإيرانيون والعراقيون واللبنانيون في مراسمه، إضافةً إلى مراكز الإمام علي A في نيويورك التي يتردّد إليها الإيرانيون أكثر من غيرهم.

أمّا على صعيد الأنشطة السياسيّة للمهاجرين الشيعة، فلا بدّ أن نضيف أمراً، وهو أنّ بعض الجماعات والفئات السياسيّة ما زال لها نشاط سياسيّ فعّال حتّى في أميركا، كالساعين إلى عودة النظام الملكي في إيران، والمتعاونين مع رضا بهلوي في كاليفورنيا، كذلك أنصار حركة الحرية، وأنصار خط الإمام الخميني P، وكذلك المنافقين.

وتوجد مراكز أخرى لا يديرها رجال الدين، بل أناسٌ لا علاقة لهم بالتشيّع ولا حتى بالإسلام، يمكن القول: إنهم ضد علماء الدين وضد الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة من الناحية السياسية. ويرأس مثل هذه المراكز أطباء أو مهندسون، يلقون خطبةً تسبق خطبة الجمعة من غير أن تكون لديهم معرفة بالإسلام وفقهه، وتنسب هذه المراكز ـ سياسيّاً ـ إلى التيار الليبرالي.

أما فيما يختص بالحجاب، فتراعي النساء حجابها في محيط المراكز المذكورة، بل إنهنّ يتكفلن أحياناً بالمراسم التي تسبق الصلاة.

إلى جانب الفئات المشار إليها ثمة مئات من الجماعات الشيعية الأخرى في أميركا، من بينهم جماعة (أنصار الله)، وهم فريق مكوّن من أعضاء ذوي بشرة سوداء من المهاجرين السودانيين والأميركيين، لديهم اعتقادات غريبة وعجيبة.

ويعتقد زعيم هذه المجموعة ـ وهو سوداني الأصل ـ أنّ الرسول الأكرم 2 والأئمة الأطهار E كانوا ذوي بشرة سوداء، إضافةً إلى اعتقاده أنّ العرب ذوي النزعة القوميّة رجّحوا أبا بكر على الإمام عليA؛ لحمرة لونه.

المجموعة الثانية: الشيعة الأميركيّون

تضم المجموعة الثانية ذوي البشرة السوداء والبيضاء الذين تشيّعوا عبر طرقٍ مختلفة من جملتها الجهود الدعويّة الصوفيّة، ويجري التبليغ للحركة الصوفيّة على يد جماعة bنعمة اللهيّةv، وزعيمها الدكتور نور بخش، وجماعة الشيخ فضل الله الحائري العراقي.

أوجد أتباع الدكتور نور بخش ومريدوه خانقات متعددة في مدن أميركا وأوروبا، فهم على العكس من أتباع الشيخ فضل الله كليّاً الذين لا يتقيّدون بالأحكام الظاهرية للدين.

ولزعيم الحركة الصوفيّة الثانية قصة مثيرة، فقد كان والده من علماء الدين في النجف الأشرف، وكان مهندس نفط، بدأ نشاطه الدعوي في كاليفورنيا، وقد حاول أن يقدّم نفسه أمام الآخرين أحد رجالات التصوّف، وقد اشترى أرضاً جميلة واسعة في مدينة آستين في تكساس، حيث بنى فيها مجمّعاً يضمّ مسجداً ومدرسةً وغرفاً سمّاها bبيت الدينv.

حدثت هذه القصة في السبعينات عندما قرّر الشيخ فضل الله ترك التقيّة ووضعها جانباً، فكان في ذلك الوقت في أوج نشاطه حيث يعمل في مركزه حوالي مائة وخميسن شخصاً، وفي يوم من الأيّام أمر فضل الله مؤذّن المسجد أن يقول: bأشهد أن عليّاً ولي الله، وأشهد أنّ عليّاً حجة اللهv بعد قوله: bأشهد أن محمداً رسول اللهv.

أعلن فضل الله بعد العشاءين أنّه شيعي أمام المجتمعين الذين حيّرهم موقفه، وأضاف أنّه قد أخفى تشيّعه وكان في حالة تقيّة، أمّا الآن فلا حاجة للتقيّة؛ إذ لا يمكن أن يلاحقهم أحد، فهذا المركز لهم.

بعد هذه الحادثة، تركه قسم من أنصاره حيث رفضوا ما أعلنه، أما البقية فقد تشيّعوا وأكملوا نشاطاتهم، فأسّسوا دار bالزهراءv للنشر، ومجلة نور الدين الفكريّة.

وإثر الضغوطات والمعاناة التي تعرّض لها الشيخ فضل الله من جانب الدولة الأميركية قرّر الذهاب إلى إنجلترا، ولم يتوان عن العمل حتى في جنوب أفريقيا أيضاً. وظلّ أنصاره ـ في أميركا ـ يحسبون عليه، حيث اشتهروا بترجمتهم لكتب قيّمة مثل ترجمة گلشن راز لشبستري، وبعضاً من مؤلّفات حيدر الآملي.

والصوفيّون في أميركا فرق وجماعات متعدّدة، وعادة ما لا يشاركون في الحياة السياسيّة، فهم أصحاب مكاشفات معنويّة يهتمّون بالسير والسلوك، ومعظمهم من الفنانين والشعراء والكتّاب، وليسوا تجاراً أو أصحاب مصانع، لم تحب الجماعة الصوفيّة الثقافة السائدة المهيمنة في أميركا، إنهم جماعة لا تتبع ثقافة العرف ولا تتأثر بها.

يخاف شيعة أميركا ـ ذو البشرة السوداء ـ سياسة أميركا أكثر من أي فئة أخرى، حيث يعتبرونها وثقافتها ظالمة، فيسعون إلى محاربتها بأي وسيلة ممكنة حتّى بتلك غير المألوفة أو المتعارفة، كما أنّهم على علاقة خاصة بالجانب العرفاني في شخصيّة الإمام الخميني P، على الأخص ذوو الأصل الأفريقي منهم.

والجدير ذكره في هذا الموضوع أن المهاجرين الشيعة يتشبّهون بالأميركيين(assimi lation) وثقافتهم على عكس الفئة الثانية ـ أي الأميركيين المتشيّعين ـ التي تعارض سياسة أميركا وثقافتها، ممّا يؤدي إلى تضارب وجهات النظر فيما بينهم.

كما تنشط جماعات شيعيّة أخرى في أميركا، من جملتها جماعة الخوجه(khoja) في كونيز نيويورك، والتي اشتهرت بمؤلّفاتها المطبوعة مثل كتاب "Tachrike Tarasile Quran ".

ويعتبر عون علي خلفان العضو الفعّال في هذه المجموعة، وقد طبع لأول مرة عام 1988م ترجمة شاكر الإنجليزية للقرآن، وترجمة مير أحمد علي.

وثمة مؤسّسة شيعيّة أخرى ـ إضافة إلى هذه المراكز الإسلامية ـ أسّست حوزة علمية صغيرة في محافظة نيويورك بالقرب من كندا، كما ويوجد مؤسسة أخرى تأسست عام 1986م، وهي bالمؤسسة الشاملة للمسلمين الإثنا عشريين في أميركا الشماليةv (North America shia Ihna Asheri Muslim Zomunication Organization Nasimco).

وتسعى هذه المؤسسة إلى بثّ روح الوحدة داخل الشيعة في أميركا الشماليّة، وليس أعضاؤها أفراداً بل مؤسّسات ومراكز شيعيّة، فقد هيّأت أرضيّة التعاون بين المؤسّسات في المجال الديني والثقافي والاجتماعي والاقتصادي. وهناك مؤسسة bالاتحاد العالمي للمسلمين الشيعة الخوجةv(The World Fedration Khoja shia Communities)، وهي مهمة ومشهورة يديرها الحاج حسين الولجي.

إضافة على تلك التي سلف الكلام عنها، هناك الكثير غيرها من المراكز والمؤسسات التي تنشط في المجال الإسلامي، إلاّ أن ما يتوجب ذكره ـ من وجهة نظرنا ـ هو سير شيعة أميركا السير التاريخي ليهود أميركا الذين انقسموا إلى تيّار تقليدي وإصلاحي ومعتدل.

من هنا انقسم المسلمون أيضاً إلى تيارات ثلاثة:

التيار الأول: وهو التيار التقليدي المتقيّد بجميع الأحكام الإسلاميّة، حيث يسعى أصحابه للحفاظ على دينهم في الوقت الذي يعانون فيه من الثقافة الأميركيّة المهيمنة. وتضمّ هذه الفئة المهاجرين والأميركيّين المسلمين.

التيّار الثاني: وهو التيار الذي يريد العيش مثل الأميركيين، فيحاول أصحابه التشبّه بثقافتهم. إنّهم يعتبرون أنّ القيم المهيمنة على الثقافة الأميركية هي القيم الحقيقيّة. ويشمل هذا التيّار بعضاً من المهاجرين وبعضاً من مسلمي أميركا الذين تلقّوا هذه الأفكار، لأنّ الإسلام العملي ـ من وجهة نظرهم ـ أيسر من الثقافة الغربية.

التيّار الثالث: وهو التيار المعتدل الذي يرفض تشدد التيار التقليدي وتمادي التيار الآخر. وقد برز هذا التيار بشدّة أكبر بعد هجمات الحادي عشر من أيلول.

وثمّة فريق من الشيعة أصابه اليأس والإحباط على إثر ضغوطات الدولة الأميركية ممّا دفعه إلى التخلّي عن الإنخراط في المشروع الثقافي والسياسي الأميركييّن، حتّى أنّ جماعة من هذا الفريق كانت مستعدّة للعودة إلى بلادها نتيجة ذلك، فيما يسعى فريق آخر إلى الالتفاف حول بعضهم أكثر، وليس واضحاً ما ستؤول إليه الأمور والأوضاع من الناحية السيسولوجيّة.

وقد أعلن فريق آخر التعاون مع أميركا لمواجهة الإرهاب، مما استدعى بعضاً من المجموعات الشيعية إلى نسبة الإرهاب إلى السنّة والسلفيين، حيث اعتقدوا أن هؤلاء الإرهابيين ـ بالأخصّ الأصوليين ـ غير مستعدّين للتعاون مع أميركا ومصالحها.

إن الشعب الأميركي لا يدرك الفرق بين السنّي والشيعي، حتّى أنّه لا يعرف أنّ طائفة السيخ ليسوا بمسلمين، لهذا فهم يضربون ويشتمون كثيراً من أصحاب العمائم، ممّا أجبر جماعة السيخ على وضع علامة خاصة على ملابسهم حتى يقولوا: إنّهم ليسوا بمسلمين.

وقد أصدر في هذا الصدد الحاج حسين ولجي ـ الذي سبق الكلام عنه ـ بياناً بعد الحادي عشر من أيلول أدان فيه الإرهاب، حيث أعلن في سياق دعمه للحرب ضدّ الإرهاب تعاطفه مع جورج بوش، وذكّر بكلام كان قاله بوش من قبل: bالمسلمون ليسوا سيئين جميعاًv، وتابع ولجي: إنّنا نحن ـ مثل سبعة مليون مسلم ـ نعتبر أميركا وطننا، فنحن أكثر المسلمين نشاطاً وفعاليّةً من بين جميع المسلمين، من هنا لا بدّ أن نساعد المسلمين الآخرين لأجل معرفة القيم الأميركيّة وإدراكها حتّى تنخفض نسبة العداء لأميركا والتنفّر منها.

كما أدان الإمام حسن القزويني ـ إمام الجماعة في أكبر مسجد في ديترويت بعد هجمات أيلول ـ هذه الهجمات في الراديو والتلفزيون والكنائس، ووصف حياة المسلمين في أميركا بالجيدة، وانطلاقاً من هذا لا بدّ للمسلمين من حبّ وطنهم الجديد حبّاً شديداً.

وكأن هدفهم من هذه الأقوال والأفعال طمأنة أميركا بعدم الخوف منهم، يريدون القول: إنّهم أناس جيّدون يعملون كالشعب الأميركي، إلاّ أنّهم يذهبون إلى المساجد بدلاً من الكنائس، يطلبون بذلك عدم الأذيّة من الشعب الأميركي.

لقد أدت هجمات الحادي عشر من أيلول إلى فتح علاقة المسلم بغيره، لا لأنّ غير المسلم قد أسلم أو دخل في الدين الإسلامي، بل لأنّ المسلمين أرادوا تعريف غيرهم بمعتقداتهم ومراكزهم الإسلاميّة. وأعتقد أن هذا العمل قد تأخّر إلى حدّ معين، إلا أنه لا زال مهمّاً ومفيداً. ففي هذا المجال أعدّت جميع المساجد والمراكز الإسلاميّة ـ تقريباً ـ برامج مختلفة لتعريف المسيحيين وزعماء المذاهب الأخرى بالمعتقدات الإسلاميّة.

وتختلف وجهات النظر في أميركا حول المجتمع الإسلامي وحول عدد مذاهبه اختلافاً كبيراً، فقد أعلنت مجموعة أن عدد مسلمي أميركا لا يتجاوز المليونين. وإذا أردت أن تراجع المرجع التلفوني تجد أنّهم أكثر من ذلك. وقد اعتمدت هذه المجموعة في حسابها على عدد أعضاء المساجد والمراكز الرسميين مضيفةً عليهم عدد أولادهم، متوصّلةً إلى هذا العدد، فيما اعتبرت فئة أخرى أن مجموع مسلمي أميركا يتراوح بين ثماني وعشرة ملايين، ويتراوح عددهم بين ستّة إلى سبعة ملايين شخصاً حسب تخمين فئات منصفة، وضمن هذا الوضع هناك الكثير من الشيعة لا إحصاءات محدّدة لهم.


الأسس الفقهية لنظام الحكم عند السيد الشهيد محمّد باقر الصدر 

13 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تمهيد

كثيرون هم الرجال الذين انحنت قامة التاريخ لهم إجلالاً واحتراماً لما أسدوه للبشرية من أياد بيضاء نقية، وقدّموه للعلم والمعرفة من خدمات جليلة.

لكنّ ما يميّز السيد الشهيد محمد باقر الصدر ! عن غيره، أنه كان يشتمل على صفات قلّما اجتمعت في رجل: إذ ضمّ إلى سعة معلوماته، وتنوّع اهتماماته، عمقَ النظرة، ومنهجيةَ الفكرة، ودقّةَ التحليل، وعرفيّةَ النتيجة، وسعةَ البحث، وعصريةَ الموضوع، وجزالةَ اللفظ.. فلم يَضحَ للفقه والأصول آلفاً، حتى صار في سائر العلوم كالمعرفة والفلسفة والاقتصاد مؤلّفاً. ولم يُمسِِِ ِ بالعلوم عالماً حتى غدا فيها ناقداً، فمفكّراً، فمنظّراً.

ومع هذا كلّه لم يشغله العلم عن مجتمعه، بل أدرك أوضاع عصره، وتحسّس حاجات مجتمعه، واستشعر ما يراوده من شكّ، وما يختلج في نفسه من ريب، فبادر إلى موضع الشبهة ومكمن الداء، فعالجه بما علم معالجةَ الحكيم الحاذق، فكان أن ترك من الكتب في العقيدة والفلسفة والمنطق والاقتصاد والسياسة ما أثرى به الفكر، وأبدع فيها بما لا يدانيه به أحد، فضلاً عن أن يضاهيه.

لكنّ بعض هذه العلوم طبعه بآرائه، وطوّره بنظراته، وأشبعه ببحثه، وبعضها لم تسمح له يد الغدر والخيانة بإتمامه، وإن أشار فيه إلى مبانيه وآرائه.

ومن جملة ما تركه ناقصاً مبتوراً نظريته في نظام الحكم. فإنّه لم يتناول ذلك ببحث في كتبه ومؤلفاته، وإنّما تعرّض له في مقالات أواخر أيامه، والتي طبعت ضمن سلسلة (الإسلام يقود الحياة).

لكنّ هذه المقالات لم يلحظ فيها أن تكون بحثاً فقهياً واستدلالياً، بل كان الغرض منها تثقيف الطليعة المؤمنة، والجيل الواعي على الفكر الإسلامي الأصيل، وإعطائه نظرة مختصرة عن شكل النظام الإسلامي وركائزه وأبعاده.

ومن هنا، فقد رأينا أن نتناول بالبحث بعض الخطوط والملامح التي رسمها السيد الصدر ! لنظام الحكم الإسلامي بالبحث، واستكشاف مبانيه الفقهية فيها، علّنا نقدّم بذلك خدمة في سبيل إحياء وتجديد بعض أفكاره.

نظام الحكم إدارة وإشراف

البحث عن نظام الحكم في الإسلام لا يمثل عند السيد الصدر ! مجرد بحث عن الآلية التي يطرحها الإسلام لإدارة اُمور المجتمع، ولا كيفية تخريجها من الناحية النظرية شرعاً، ورسم الأُطُر القانونية المحدّدة لطبيعة العلاقة بين الجهاز الحاكم والرعية، وبين العاملين في الجهاز الحاكم أنفسهم، وبين أفراد الرعية أنفسهم أيضاً، وحقوق وواجبات كل طرف من هذه الأطراف تجاه سائر الأطراف، بل يرتبط ذلك كلّه بالمبادئ والغايات والأهداف الربوبية لمسيرة المجتمع البشري كلّه، والقائمة على أساس من رؤية تصوّرية كونيّة جامعة. فكلّ بحث ينصبّ على تحديد آليات الحكم وأُطره الظاهرية، مع قطع النظر عن الأهداف المرسومة له، بحثٌ شكلي لا يتجاوز القشرة إلى اللُّب ولا الظاهر إلى الأعماق.

ومن هنا، حاول السيد الصدر ! في بحوثه التنظيرية لرسم معالم الحكومة الإسلامية صبَّ البحث منذ البداية على محورين هما:

1 ـ خط ّ الخلافة.
2 ـ خط ّ الشهادة.

ويعبّر الأول عن حكم وضعي يجعل بمقتضى قول الله للملائكة: >إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً< (البقرة: 30) نوعاً من السلطنة لجميع أفراد النوع البشري، المتمثل بآدم %، على اختلاف مذاقاتهم واهتماماتهم في كلّ ما حوته أرجاء هذا الكون الفسيح المعبّر عنه بالأرض في الآية، والمستلزم إعطاءهم قدرة تكوينية على التصرف فيه أوّلاً، وإصدار حكم تشريعي بجواز التصرف والانتفاع بما في الكون في الجملة ثانياً، إن لم يُستفَد من ذلك أصل وقاعدة فقهية يرجع إليها لإثبات جواز الانتفاع والتصرف في كل ما يشكّ في جوازهما فيه وعدمه، كأصالة الإباحة والبراءة مثلاً، تماماً كما استُفيد جوازُ تصرّف صاحب المال في ماله ـ تكليفاً ووضعاً أو تكليفاً أو وضعاً فقط ـ من رواية «الناس مسلّطون على أموالهم»([1]).

ويعبّر الثاني عن حكم وضعي آخر يمنح المولى بموجبه للعارفين بمقاصد الشريعة وأحكامها العامّة والخاصة، حقَّ الإشراف والتدخل، بل والتعديل والتصحيح لمسيرة البشرية ، وذلك بمقتضى قوله تعالى:>وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَـؤُلاء< (النحل: 89)، وقوله: >فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا< (النساء: 41).

فنظام الحكم عند السيد الصدر ! ينفكّ منذ البداية إلى وظيفتين:

إحداهما: وظيفة إدارة المجتمع وتمشية أُموره.

والأُخرى: إحراز انطباق هذه الإدارة على الموازين والمعايير والأحكام الشرعية، وانصبابها ضمن محور الغايات والمبادئ والأهداف الإلهية.

ويتولّى كلّ واحدة من هاتين الوظيفتين جهاز محدد له خصائصه وبرامجه وإمكاناته.

وقد تجتمع خصائص كلا الجهازين في أفراد معيّنة فيتّحد القائم بالوظيفتين كما قد تفترق فيتعدّد.

وكيفما كان، فالسيد الصدر ! قائل بالتفكيك بين السلطات منذ البداية، فهو يقول: «وضع الله سبحانه وتعالى إلى جانب خط الخلافة ـ خلافة الإنسان على الأرض ـ خطّ الشهادة الذي يمثّل التدخّل الربّاني من أجل صيانة الإنسان الخليفة من الانحراف، وتوجيهه نحو أهداف الخلافة الرشيدة»([2]).

آيات الكتاب وخلافة الاُمّة

جرت عادة الفقهاء لدى البحث عن ولاية الفقيه خصوصاً، ونظام الحكم في الإسلام بصورة عامة على عدم التعرّض إلى الآيات، بل ربّما إلى مطلق الأدلة الدالة على خلافة الأمّة. ولعلّ الدافع إلى ذلك ارتكازُ منهج النيابة والنصّ في أذهانهم، لما له من خلفيّات قويّة ترتبط بخلافة الأئمة (، مع ما استتبع ذلك من تميّز في المنهجية الفكريّة والعاطفية لعلماء الشيعة فضلاً عن عوامّها، ممّا ساقهم بنحو شعوري أو لاشعوري إلى البحث عن الدليل في أحاديث السنّة والروايات بعد وضوح عدم النصّ في الكتاب على التنصيب في عصر الغيبة، أو لسريان غلبة الاعتماد على السنّة في الاستدلال الفقهي عموماً إلى هذه المسألة، فلم يستند فيها إلى آيات القرآن غفلةً رغم وجود الدليل عليها منه، أو لعدم حمل الفقهاء الاستخلاف المذكور على معنى الحاكمية وإدارة المجتمع.

وأيّاً كان السبب، فلم يتعرّض من فقهائنا إلى الاستدلال بالآيات على خلافة الأمة غير السيد الصدر !،، الذي استدلّ عليها بآيات الاستخلاف([3])، وتوريث الأرض([4]), والحدود([5]):

الأوليان بإرادة الغلبة وتسلّم زمام الحكم، كما يدلّ على ذلك تفريعه الحكم في بعضها عن الاستخلاف كقوله تعالى: >يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ< (ص: 26)، وقوله>ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ< (يونس: 14)، وبه يندفع إرادة معنى آخر غير ما ذكر.

والأخيرة باستفادة الولاية للأمة من تعلّق الأوامر فيها بضمير خطاب الجماعة المراد بها المسلمين الدالّ على أنها المكلّفة بإجراء الحدود التي هي من وظيفة الحاكم.

ولا يرد على الاستدلال احتمال إرادة الجعل التكويني لا التشريعي من الجعل الإلهي فيها، فيكون بمعنى الإيصال إلى سدّة الحكم غير الدالّ بحالٍ على المشروعية. فإنّه لو فرض لم يضِرَّ باستفادتها إن لم تكن من إسناد الجعل حتى التكويني إلى الله في كلامه الكاشف لا عن موافقة ذلك لإرادته التشريعية فحسب، بل عن امتنانه أيضاً فلا أقلّ من دلالة قوله: >لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ< على عدم سخطه من أصل الوصول إلى السلطة المساوق للإمضاء المثبت للإباحة الاقتضائية على أقل التقادير، وإناطة رضاه وسخطه بما يعمله المستخلف بعد ذلك، إنما الوارد كون الآيات المستدل بها لا دلالة لها على المطلوب.

آية الاستخلاف:
 أما آية استخلاف آدم % الأرض فلا بدّ من استظهار اُمور:
أولاً: كون المراد بآدم % فيها النوع البشري.

ثانياً: كون ذلك على سبيل الاستغراق.

ثالثاً: أنّ الاستخلاف حاكمية تشريعية، معناها كون كلّ فرد من أفراد الإنسان هو خليفة الله في أرضه، بما يقتضي ذلك من سلطنة له على الكون مطلقة وغير محدودة، إلاّ من قبل الله المستخلف أو لمزاحمتها لسلطنة الإنسان الآخر ما لم يتنازل عنها لصالح غيره.

وينتج عن ذلك ثبوت الولاية للأمة، بمعنى دخالة رأي كل فرد في تعيين الحاكم عليه. وهي كما ترى إذ لو قبلنا الأوّلين كما هو الظاهر من القرائن المحتفة بالآية لكون الله تعالى بصدد الخلقة واعتراض الملائكة على الطبيعة البشرية غير المختصة بفرد دون آخر، فلا نقبل الاستخلاف إلاّ بمعنى الحاكمية والسلطنة بالنسبة إلى سائر الكائنات الموجودة في الكون غير الداخل فيها المشتركون معه في النوع من أبناء الإنسان على سبيل الجزم؛ لعدم خروجهم عنه بعد فرض كون المقصود بآدم % هو النوع البشري أوّلاً، ولكون الحاكمية المفترضة للإنسان على الكون بالقياس إلى سائر الأنواع من الكائنات فيه كما تدلّ عليه القرائن المتقدمة ثانياً.

الآيات الأُخرى:

وأمّا الآيات الأُخرى فمضافاً إلى ورودها في وقائع خاصة مما لا يستفاد منها كبرى كلية قاضية بتعلق أمر الحكومة بالأمة دائماً عدم بعد إرادة الاستخلاف التكويني المساوق ـ كما تقدم ـ لمعنى الظهور والغلبة والسلطنة على مقدّرات الأُمور في الأرض، المقتضي مع كون الخطاب لاُمة معينة استئثارها بها دون غيرها من الأُمم، وهو لا يعني ثبوت الحاكمية التشريعية للأمة بالأصالة.

آيات الحدود:

نعم، تبقى آيات الحدود التي قد لا يقصد من خطاب جماعة المسلمين بها إلاّ تكليفهم بإجرائها، لا لأنّ الولاية ثابتة للأمة بالأصالة، بل لأنها من تكاليف الأمة على كلّ حال. أي وإن كان الحاكم واصلاً من طريق غير الأمة كالتسلّط بالقهر والغلبة لكون موجبها آفة اجتماعية. مع أن التكليف المعبر عنه بـ (عليه) غير معنى الولاية المعبّر عنها بـ (له).

ثم لو فرضنا تمامية ذلك كلّه، واجه القول بخلافة الأمّة اصطدامها بخلافة الأنبياء والأئمة ( المجعولة لهم بالنصب لا من طريق الأمة، وهو ما جعله السيد الصدر! استثناء من الأصل الكلي القاضي بكون ولاية أمر المجتمع بيد الأمة، فهو يقول: «وخلافة الجماعة البشرية في مرحلة التغيير الثوري الذي يمارسه النبي $ باسم السماء ثابتة مبدئياً من الناحية النظرية، إلاً أنها من الناحية الفعلية ليست موجودة بالمعنى الكامل، والنبي $ هو الخليفة الحقيقي من الناحية الفعلية، وهو المسؤول عن الارتفاع بالأمة إلى مستوى دورها في الخلافة»([6]).

وقد يورد عليه بأنه استثناء غالبي لعدم خلوّ الأرض من لدن خلقة آدم% وإلى عصر الغيبة من نبي أو إمام كما دلّت على ذلك الروايات أيضاً، لكن المستشم من كلام السيد الصدر ! إنكار كونه كذلك، فإن دور النبي والإمام دور المصلح لمسيرة المجتمع عند انحرافها، وهو ما يحصل على فترات متباعدة نسبياً وخلالها تكون الخلافة بيد الأمة.

وكيفما كان، فإن جعل الله سبحانه وتعالى الولاية للأنبياء والأئمة، كما في قوله تعالى في ولاية نبينا محمد $ : >النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ< (الأحزاب: 6)، وقول رسول الله $ في ولاية علي % : «من كنت مولاه فعلي مولاه»([7])، إن حملت على جعل الخلافة لهما، فهو منافٍ لجعلها للأمة ما لم تعالج بإيقاع الطولية بينهما أو إعمال تقييد فيهما، أو إيقاع التزاحم بينهما، وإن حملت على جعل الشهادة لهما والولاية لممارسة التغيير الثوري المطلوب، فلا منافاة حينئذٍ، لكنه ربما بلغ مرتبة اقتضى من النبي والإمام استلام زمام الأُمور بيده عملياً، ولعل كلام السيد الشهيد ! ناظر إلى الأخير، ومعه فلا مجال للإشكالين السابقين.

ولاية الفقيه وخلافة الأمة

اختلف الفقهاء في ثبوت الولاية للفقيه وعدمها بين قائل بالثبوت، كالشهيد الثاني([8]) والمحقق الكركي([9]) والنراقي([10]) والنجفي([11]) وغيرهم، بل ادّعى الكركي الاتّفاق عليه، حيث قال: «اتّفق أصحابنا رضوان الله عليهم على أن الفقيه العدل الإمامي الجامع لشرائط الفتوى المعبّر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية نائب من قبل أئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل…»([12])، وبين قائل بعدمها كالشيخ الأنصاري ) ([13]) والسيد الخوئي ) ([14]), وحينئذ فيجوز اتخاذ أي نظام من أنظمة الحكم لا يتعارض مع الأحكام الشرعية؛ لعدم الدليل على لزوم العمل بنظام معين، والأصل الإباحة.

نعم، لا بدّ للجهاز الحاكم أياً كان شكله من الرجوع إلى الفقيه في كل قضية يشكّ في منافاتها لحكم من أحكام الشريعة، من باب رجوع الجاهل إلى العالم؛ لئلاّ يبتلى بمخالفة الأحكام الشرعية.

وكيفما كان، فالشهيد الصدر ! لا يعتقد بثبوت الولاية بمعنى الخلافة للفقيه في مرحلة تحرّر الأمة من سلطان الطاغوت وملكها أمر نفسها، بناء على ما أسّسه من أصل أوّلي من أن الخلافة حق الأمة. وأثبته بالآيات القرآنية الكريمة، حيث يصرح في كتاب خلافة الإنسان قائلاً: «وأما إذا حرّرت الأمة نفسها، فخطّ الخلافة ينتقل إليها، فهي التي تمارس القيادة السياسية والاجتماعية في الأمة بتطبيق أحكام الله وعلى أساس الركائز المتقدّمة للاستخلاف الربّاني»([15]).

وكذا في اللمحة التمهيدية، حيث يقول: «إن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية قد أُسندت ممارستها إلى الأمة، فالأُمة هي صاحبة الحقّ في ممارسة هاتين السلطتين بالطريقة التي يعينها الدستور. وهذا الحقّ حقّ استخلاف ورعاية مستمد من مصدر السلطات الحقيقي وهو الله تعالى»([16]).

لكن، ربما توهّم البعض ذهاب الشهيد الصدر ! إلى ثبوت الولاية بمعنى الخلافة للفقيه، ولعلّه استفاد ذلك من بعض عباراته الموهمة في كتاب الـ«لمحة» مثلا ً، حيث ذكر نيابة الفقيه العامة للإمام % في أكثر من موضع منه([17]), متمسكا ً في بعضها بالتوقيع الشريف الذي رواه إسحاق بن يعقوب([18]).

لكن، وخلافا ً للتصور المذكور، لم يكن الشهيد الصدر ! بصدد إثبات منصب الولاية بمعنى الخلافة والإدارة للفقيه بذلك. نعم، هو يرى ثبوت الولاية بمعنى الشهادة له، وقد صرّح بذلك عدّة مرّات:

1 ـ فهو يقول في إحدى نقاط خلاصة الـ«لمحة»، بعد ذكره التوقيع الشريف: «فإنّ هذا النص يدلّ على أنّهم المرجع في كلّ الحوادث الواقعية بالقدر الذي يتّصل بضمان تطبيق الشريعة على الحياة؛ لأنّ الرجوع إليهم بما هم رواة أحاديثهم وحملة الشريعة، يعطيهم الولاية بمعنى القيمومة على تطبيق الشريعة وحق الإشراف الكامل من هذه الزاوية»([19]).

2 ـ وفي أُخرى يقول: «الخلافة العامة للأمة على أساس قاعدة الشورى التي تمنحها حق ممارسة أُمورها بنفسها ضمن إطار الإشراف والرقابة الدستورية من نائب الإمام»([20]).

3 ـ وفي نقطة ثالثة يقول: «فكرة أهل الحل والعقد التي طبقت في الحياة الإسلامية، والتي تؤدّي بتطويرها على النحو الذي ينسجم مع قاعدة الشورى وقاعدة الإشراف الدستوري من نائب الإمام إلى افتراض مجلس يمثل الأمة وينبثق عنها بالانتخاب»([21]).

فهو يصرح بوضوح بأن الفقيه نائب الإمام % في الإشراف والرقابة دون أن يكون له حق التصرف في أمور الأمة، ولا في تغيير تشريعاتها التي لا تتنافى مع الشريعة ومقاصدها.

وفي الحلقة الرابعة([22]) صرّح الشهيد الصدر ! بذلك أيضاً، حيث قال: «وتميّز في هذه المرحلة [مرحلة غيبة الإمام %] خط الشهادة عن خط الخلافة بعد أن كانا مندمجين في شخص النبي أو الإمام؛ وذلك لأن هذا الاندماج لا يصح إسلاميا ً إلاّ في حالة وجود فرد معصوم قادر على أن يمارس الخطّين معاً، وحين تخلو الساحة من فرد معصوم، فلا يمكن حصر الخطين في فرد واحد.

فخط الشهادة يتحمل مسؤوليته المرجع على أساس أن المرجعية امتداد للنبوة والإمامة على هذا الخط.

وهذه المسؤولية تفرض:

أولا ً: أن يحافظ المرجع على الشريعة والرسالة، ويردّ عنها كيد الكائدين، وشبهات الكافرين والفاسقين.

ثانيا ً: أن يكون هذا المرجع في بيان أحكام الإسلام ومفاهيمه، ويكون اجتهاده هو المقياس الموضوعي للأمة من الناحية الإسلامية، وتمتدّ مرجعيّته في هذا المجال إلى تحديد الطابع الإسلامي لا العناصر الثابتة من التشريع في المجتمع الإسلامي فقط، بل للعناصر المتحركة الزمنية أيضا ً باعتباره هو الممثل الأعلى للإيديولوجية الإسلامية.

ثالثا ً: أن يكون مشرفا ً ورقيبا ً على الأمة، وتفرض هذه الرقابة عليه أن يتدخل لإعادة الأمور إلى نصابها إذا انحرفت عن طريقها الصحيح إسلاميا ً، وتزعزعت المبادئ العامة لخلافة الإنسان على الأرض… وأما خط الخلافة الذي كان الشهيد المعصوم يمارسه … (فإذا) حرّرت الأمة نفسها فخط الخلافة ينتقل إليها، فهي التي تمارس القيادة السياسية والاجتماعية في الأمة بتطبيق أحكام الله، وعلى أساس الركائز المتقدمة للاستخلاف الربّاني»([23]).

ومن هنا، يتضح أن السيد الشهيد ! لا يرى للفقيه حق تولّي القيادة السياسية ولا الاجتماعية في الأمة، ولا هو مسؤول عن عملية تطبيق أحكام الله سبحانه فيها، وتشريع القوانين التي يحتاج إليها نظام الأمة، ممّا لم يرد فيها نصّ في كتاب أو سنّة، ولا دليل من إجماع أو عقل، فإن السلطتين التنفيذية والتشريعية يجب أن تنبثقان عن الأمة باعتبارهما حقا ً خوّله الله تعالى إيّاها كما تقدم في الـ«لمحة».

غاية الأمر أنّ الفقيه قيّم وليّ على الأمة، بمعنى مشرف رقيب عليها من أن تزيغ وتنحرف وتضلّ عن الطريق بمخالفتها الأحكام الأولية والثانوية واتجاهات الشريعة، فيتدخل لإعادة الأمور إلى نصابها. وهذا أيضا ً نوع من الولاية كما هو واضح.

فما أشكل عليه به بعض أساتذتنا([24])، من أن ممارسة الأمّة ملءَ منطقة الفراغ إنكارٌ لولاية الفقيه رأساً، غير صحيح.

نعم، السيد الصدر ! يرى ثبوت الولاية للفقيه على الأمة بمعنى ممارسته صلاحيات كلا الخطين، أعني خط الخلافة والشهادة معاً، ما دامت الأمة محكومة للطاغوت ومقصية عن حقّها في الخلافة، كما صرّح به نفسه في الحلقة الرابعة من حلقات (الإسلام يقود الحياة)، حيث قال: «وأما خط الخلافة الذي كان الشهيد المعصوم يمارسه، فما دامت الأمة محكومة للطاغوت ومقصية عن حقها في الخلافة العامة، فهذا الخط يمارسه المرجع، ويندمج الخطّان حينئذ ـ الخلافة والشهادة ـ في شخص المرجع»([25]).

والملاحظ مما أفاده الشهيد الصدر ! بكلماته المتقدمة، ادعاؤه ثلاثة مناصب للفقيه:

الأول: التمثيل الأعلى للدولة.

الثاني: الإشراف والرقابة على حركة الأمة.

الثالث: الولاية العامة ـ خلافة وشهادة ـ على الأمة في زمان قصورها.

والظاهر أن مستند المنصبين الأول والثاني هو التوقيع الشريف الذي رواه إسحاق بن يعقوب، كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك ممّا نقلناه من عبارة اللّمحة التمهيدية.

والتوقيع الشريف رواه الكليني عن إسحاق بن يعقوب، قال: «سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتابا ً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان % : أمّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك…[ إلى أن قال]: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله»([26]).

لكنّ الفقهاء استدلوا به على الولاية، وقرّبوا الاستدلال بالتوقيع المذكور بأحد التقريبات التالية:

التقريب الأول: أن الظاهر من الحوادث مورد الإرجاع جميع الحوادث لا حوادث مخصوصة، وذلك للعموم المستفاد من لام الجنس الداخلة عليها، ومن الواقعة ما يقع لاحقا ً لا سابقا ً أو فعلا ً من باب استعمال المشتق فيما يحصل منه التلبّس بالمبدأ فيما بعد، ومن رواة الحديث المرجوع إليهم الفقهاء، لا بما هم رواة ولا فقهاء، أمّا الأوّل، فلعدم الرواية فيما لم يقع، وأما الثاني، فلوضوح الرجوع فيه إليهم عند الشيعة ممّا لا يستدعي السؤال، فلم يبقَ إلاّ الرجوع إليهم بما هم ولاة. فالرواية أمرت المؤمنين تكليفاً بالرجوع إلى الفقيه بالمطابقة, وجعلت له الولاية وضعاً بالملازمة.

وهذا البيان يمكن أن يناقش فيه من جهتين:

الأُولى: إن كون اللام الداخلة على الحوادث لام الجنس غير معلوم، فلعلّها كانت لام عهد إلى حوادث وردت في سؤال السائل، ومع وجود مثل هذا الاحتمال فالرواية مجملة.

لكن هذه المناقشة مردودة باستبعاد إرادة ذلك منها؛ لتعارف الإجابة عن مثلها من قبل الإمام % أو الإحالة على فقيه بعينه كما صنع في غيرها من الأسئلة، لا أن يحيلها على عموم الفقيه. فالظاهر أن السؤال عن عموم ما يقع من الحوادث في مستقبل الزمان بنحو ناسب إحالتها على عموم الفقيه.

الثانية: إن استظهار كون المرجوع إليهم الفقهاء بما هم ولاة غير متعيّن، إذ لعلّ السائل كان بصدد استبيان المرجع ـ في عصر غيبة الإمام % ـ في مستحدثات المسائل ومستجدّات الأمور، ممّا لم يرد به نصّ خاص بعد، إذ كان الإمام % هو الناهض ببيان أحكامها. والفقهاء عصرَ الحضور وإن كان يرجع إليهم لمعرفة الأحكام الشرعية، لكن بمقدار لا يتجاوز حدود النصّ، بحيث يكون الرجوع إليهم بما هم رواة أقرب منه بما هم فقهاء ومستنبطون، فإن وجود الإمام % كان يغني عن إعمال النظر، وانتزاع القواعد الأصولية والفقهية، والخوض في حيثيات المسائل. ولذا صرّح غير واحد ممّن كتب في تاريخ الفقه والفقهاء ومراحل الاجتهاد، بأن الاجتهاد المعروف لدينا اليوم إمّا لم يكن موجوداً في عصر الأئمة، أو كان بأبسط أشكاله([27]).

وعليه، فربما أثار قرب وقوع الغيبة الكبرى للإمام % قلقاً في نفس السائل حول من يجيب على المسائل المستجدة والأمور الحادثة فيها، فأرجعه الإمام إلى الفقهاء مرشداً بتعبيره رواة أحاديثنا إلى كفاية ما يحملونه من تراث روائي ضخم بهذا الفرض المهم.

فالإنصاف أن المناقشة في الاستدلال بهذه الفقرة في محلّها.

التقريب الثاني: تتميم الدليل السابق بالقول إنّ إطلاق التعليل الوارد في ذيل الفقرة بـ«إنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله»، يثبت الحجية لهم في تمام ما الإمام فيه حجة حتى الأمور الولائية.

والجواب: إن التعليل المذكور لم يعلم استفادة الإطلاق منه لاتصاله بما يصلح لتقييده، فإنّ الحجية ليست من قبيل العلل الحقيقية أو الاعتبارية ذات المفهوم المحدّد، بل هي مفهوم اعتباري كلّي مشكّك تابع لجعل الجاعل سعةً وضيقاً وإطلاقاً وتقييداً، كإذن المالك في التصرف فيما يملكه، فإنه علّة لجواز التصرف فيه، لكن تحديد مورده يؤدّي مع اتصاله إلى تقييد علّته أيضاً بنحو يستكشف منه عدم إطلاقها أو إجمالها فيقتصر على القدر المتيقن وهو المورد المذكور، ومعه فلا يثبت بضم ذيل التوقيع إلى صدره تعميم للأمر بالرجوع في جميع الأمور حتى الولائية.

التقريب الثالث: تتميم الاستدلال المتقدم بالذيل المذكور بنحو آخر، كأن يقال: إنّ جعل الإمام % الحجية للفقهاء من قبله يقتضي كونه حكماً ولائياً بنصبهم نواباً عنه فيما له من الصلاحيات. فإن الأمر بالرجوع إليهم لا يعدو أن يكون إرجاعاً لهم بما هم مبينون للأحكام الشرعية أو بما هم حاكمون: والأوّل لا يقتضي النصب من قبله، بل من قبل الله سبحانه مباشرة وبلا واسطة؛ لأنهم يؤدّون ذلك إليه فأمّا يكون ذلك جائزاً بحكم الله أو حراماً بخلاف الاحتمال الثاني، حيث إنهم يؤدون عنه % فيما هو متروك له.

وهذا النحو من الاستدلال لا إشكال عليه، فهو تام على الظاهر.

لكن، قد يورد على الرواية المذكورة بضعف السند بإسحاق بن يعقوب، فإنه لم يوثق صريحاً في الروايات ولا في كتب الرجال.

وأجاب عن ذلك اُستاذنا السيد الحائري ـ أدام الله بقاءه ـ بالقول بأن الكليني روى التوقيع المذكور عن إسحاق بن يعقوب مباشرة، فروايته عنه مع ملاحظته أن التوقيع لم يكن يرد إلاّ على الخواصّ من أصحاب الأئمة ( ـ لا تكون إلاّ عن معرفة الرجل وجلالته وإطلاع منه عليه إذ المحدّث عن توقيع ورد إليه ـ مع ملاحظة ما للتوقيع من خصوصية لا يكون إلاّ في أسمى مراتب الوثاقة، أو أحطّ درجات الخباثة والخيانة، واحتمال الجهالة فيه منتفٍ؛ لأن التوقيع لم يكن يرد إلاّ على الخواصّ من الأصحاب، ولو فرض ادعاؤه من مجهول طولب بإراءته من قبل المحدّثين.

وحينئذ فمن غير المعقول للمحدّث الكليني ) أن يروي التوقيع عن إسحاق ابن يعقوب ما لم يكن موثوقا ً لديه، فإن روايته عن كذّاب أو مجهول دون التأكّد من صحّة ادّعائه بعيد غايته عن مثل الكليني ).

ولنا على ما ذكره السيد الحائري ملاحظات:

الأُولى: إنّنا بحثنا في كتب الحديث ومنها الكافي، فوجدنا عدداً كبيراً من الروايات المتضمّنة لتواقيع وردت على بعض الأشخاص. ولاحظنا أن أكثر من روي عنهم ورود التوقيع عليهم من المجاهيل، وكثير ممن رواها أجلّة معروفون، فلو فرض وجود التزام من الرواة الأجلاّء بعدم الرواية عمّن أخبر بورود التوقيع عليه إلاّ إذا كان ثقة لزم ـ مضافاً إلى بُعد الالتزام بتوثيقهم حتى من قبل صاحب المبنى نفسه ـ بُعد كونهم ثقات في أنفسهم مع عدم ورود توثيقهم في كتب الرجال.

الثانية: إن ما ذكر من وجود خصوصية للتواقيع تميّزها عن سائر الروايات لم يثبت؛ لأن كثرة ورود الروايات المتضمنة لورود تواقيع على بعض من عاصر الأئمة ( في كتب الحديث، وبلوغها هذا الكمّ الهائل مع اتّصاف أكثر رواتها بالجهالة، ينفي وجود الخصوصية المذكورة، فالظاهر على هذا أن الرواة كانوا يتعاملون مع التوقيع كالرواية بلا فرق بينهما.

الثالثة: إن جملة من التواقيع المذكورة سيقت لغرض خاص، كبيان وجود بعض الأئمة ( ممن شك في تولّدهم أو إثبات الإمامة لهم عن طريق نقل الكرامات التي أظهروها. وهذا المقدار يكفي بإثباته تحقق التواتر الإجمالي الذي لا يعنى فيه بصحة سند الروايات المساقة لعموم تعلق الغرض بإثبات كل واقعة بخصوصها كي يتوقف في إسناد أدلتها.

ولهذا السبب نجد أكثر هذه التواقيع مرويّة في الكتب المؤلّفة لمحاججة الخصم في الإمامة، ككتاب الغيبة للطوسي )، والاحتجاج للطبرسي )، وإكمال الدين للصدوق )، ودلائل الإمامة للطبري، وكشف الغمة للإربلي ) وغيرها.

وعليه، فلا ينبغي التعويل كثيراً على مثل هذه الروايات خصوصاً التوقيع المبحوث عنه، باعتباره لم يرد في الكافي، وإنما هو نقلٌ نقله الشيخ الصدوق ) عنه في كتبهما المتقدمة غير المعدّة للفتوى الكاشف عن عدم الاعتماد عندهم عليه.

الرابعة: إن ما ادّعي من عدم ورود التواقيع الشريفة إلاّ على الخواص من ثقات أصحاب الأئمة ( غير تامّ إذا لاحظنا وجود بعض الروايات الصحيحة التي جعلت الجواب عن الكتاب واجباً كوجوب ردّ السلام.

ففي الكافي عن عدّة من الأصحاب، عن أحمد بن محمد وسهل بن زياد جميعاً، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله % قال: «ردّ جواب الكتاب واجب كوجوب ردّ السلام، والبادي بالسلام أولى بالله ورسوله»([28]).

والرواية مطلقة شاملة لعصر الغيبة الصغرى وغيرها، وللخواصّ والثقات وغيرهم. وزمان الغيبة الكبرى خارج تخصّصاً من جهة عدم وصول الكتاب إلى المكاتب كي يجب الجواب.

ومع وجود مثل هذه الرواية لا مجال للقول بأن التواقيع الشريفة لم تكن ترد إلاّ على خواصّ الثقات، إذ بموجبها يجب على الإمام % الردّ على كل كتاب يرفع إليه. ولو فرضنا عدم التزام الفقهاء بمثل هذا الوجوب، فلا أقل من أن ردّ جواب الكتب هو مقتضى الخلق الإسلامي الرفيع الذي لا ريب يتحلّى الأئمة ( به. نعم، ربما منعت من ذلك ظروف التقيّة، لكن لا مع غيبة الإمام % فإنه لا خوف عليه حينئذ.

وعلى كل، فالظاهر أن المبنى المذكور غير تام، ومعه يسقط التوقيع عن الحجية.

لكنّ الشهيد الصدر ! يرى صحة واعتبار التوقيع المذكور، ولعل السبب ما ذكره السيد الحائري أو غيره، لكنّه يرى أيضاً أنّ الحجية التي أثبتها الإمام % للفقهاء ثابتة لهم بما هم علماء للدين وحملة للشريعة، فتكون الحجية الثابتة لهم مقيّدة بما لو كان تدخلهم ونظرهم منبعثاً عن هذه الصفة لا مطلقاً.

إلاّ أن نصب الإمام % رواة الحديث حجة من قبله على الناس، هل يلزم منه توليتهم منصب الشهادة والإشراف والرقابة على حركة الأمة وتطبيقها الأحكام الشرعية في الجانب التنفيذي، وملء منطقة الفراغ بقوانين تناسب مقتضيات العصر والزمان في الجانب التشريعي، كما ذهب إليه الشهيد الصدر ! ؟ أم توليتهم المنصب المذكور مع جعل ملء منطقة الفراغ بيد الفقيه الشهيد المنصوب من قبل الإمام % ؟ أم يقتضي فوق ذلك بحيث يكون الفقيه منصوباً من قبل الإمام % في كل ما يرتبط بالجماعة البشرية من أمور؟

الحقّ صحة ما ذهب إليه الشهيد الصدر ! في الجملة؛ لأنّ مقتضى آيات الاستخلاف للإنسان، وتوريث الأرض للعباد الصالحين، ثبوت حقّ التصرف ـ أعني السلطة التنفيذية ـ لهم من الله سبحانه، كما أنّ مقتضى آية الشورى وغيرها إناطة ما يتعلّق بهم من أمور لهم.

وأمّا ملء منطقة الفراغ، فتارة تكون فيما توجد في مورده عناصر ثابتة مستنبطة من الكتاب والسنة من قبيل السياسة الخارجية والسياسة الاقتصادية، وأُخرى فيما لا توجد من قبيل قوانين المرور والأحوال المدنية وغيرها.

فالقسم الثاني ممّا لا إشكال في دخوله تحت عنوان >وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ< (الشورى: 38)، وخروجه عن صلاحيات الفقيه بالكامل.

وأما القسم الأول، فقد يقال بدخوله ضمن صلاحيات الولي باعتباره المطلع على العناصر الثابتة في الشريعة، فوضع العناصر المتحركة ضمنها ميسور له دون غيره.

لكنّ هذا غير صحيح، فإنّ ترك هذه المنطقة فراغاً من قبل الشارع، إنما هو مراعاة لمقتضيات الزمان وطبيعة العصر، مما هو مناط تشخيص العرف. ومن هنا، فإن هذا القسم من التشريع ينطوي على جانبين، جانب الثبات الذي يرتبط بالشارع المقدس، وجانب الحركية الذي لوحظ فيه مراعاته لمتطلبات العصر ويرتبط بالناس.

وعليه، فما نراه أن على الفقيه أن يرسم ويحدّد العناصر الثابتة المذكورة؛ ليتم سنّ القوانين والتشريعات في إطارها، ثم عرضها عليه مرّة أُخرى لملاحظة مدى تطابقها مع العناصر الثابتة المحدّدة أوّلاً، وهذا المعنى قد حققه سماحة ولي أمر المسلمين آية الله السيد الخامنئيa بعد التعديل الذي أدخله على مجلس تشخيص مصلحة النظام.

لكنّ الشهيد الصدر ! يرى كفاية أن تقوم الأمة بملء منطقة الفراغ بالقوانين المناسبة ضمن إطار مجلس الشورى ومجلس الحل والعقد بتعبير السيد الشهيد ! حتى في هذا القسم، ولعلّه ملاحظة لجانب الحركية من هذا القسم، ثم تعرض على الولي الفقيه، فإن وجدها ضمن إطار العناصر الثابتة للشريعة الإسلامية أقرّها، وإلاّ أعادها لتعاد صياغتها من جديد.

ومهما يكن، فالصورتان لا تعارض بينهما؛ لأن المهم تحقيق وقوع العناصر المتحركة ضمن العناصر الثابتة للشريعة مع إناطة جانب الحركية بالأمة أو من يمثلها، سواء كان بتحديد العناصر الثابتة من قبل الفقيه قبل تشريعها من قبل مجلس الشورى ثم إقرارها، أو بملاحظة وقوعها كذلك بعد التشريع وإمضائها.

وكيفما كان، فالشهيد الصدر ! إن كان قائلاً بالولاية والنيابة، فإنما يقول بها فيما يخص الشريعة والحفاظ عليها وجعل الإمام % له حجة يأتي في هذا السياق. وهو ما يستلزم أن يكون لرأيه حكومة على سائر القوانين والتشريعات والتطبيقات الجارية في البلاد؛ لوضوح أن ما دلّ على منح الأمة حق الخلافة والتشريع ضمن مبدأ الشورى غير مطلق، لتقييد الخلافة بعدم مخالفتها لأوامر المستخلف وأغراضه، والشورى بكونها في الأمور الراجعة لهم المستفاد من قوله >وَأَمْرُهُمْ<، لا ما كان أمراً راجعاً لله سبحانه.

وتوهُّم أن عدم ممارسة الفقهاء التشريع أصلاً ولو في ملء منطقة الفراغ يؤدي إلى إنكار ولاية الفقيه رأساً([29])، غير صحيح؛ لوضوح أنّ السيد الصدر ! يثبت الإشراف وحق التدخّل للفقيه، وهو ما يحتاج إلى نصب من قبل الإمام % أيضاً، ونصب الإمام% الفقيه كحاملٍ للشريعة يتطلب وقوع الفقيه في موقع أعلى السلطات وتمتعه بحق الإشراف والرقابة على السلطتين التنفيذية والتشريعية، والتدخل حيث يتطلّب المقام ذلك.

وبذلك يثبت وفاء التوقيع المذكور بكلا المنصبين الأوّلين للفقيه.

وأمّا المنصب الثالث، وهو تولّي الفقيه نيابة عن الأمة جميع الأمور الثابتة لها زمان تحرّرها، فلعله لأدلة الأمور الحسبية التي يشكّل الفقيه القدر المتيقن ممن له القدرة على التصدي لها.

لكننا نرى بمقتضى الارتكاز المتشرّعي، وبمعونة روايات مثل: «الفقهاء اُمناء الرسل»([30])، و «الفقهاء حصون الإسلام»([31])، وغيرها. إن الفقيه لا يتمتع بمجرد الإشراف والرقابة على سير الأمة لئلاّ تخرج عن الخط الذي رسمته الشريعة لها، بل يتمتع مضافاً إلى ذلك بمنصب المحافظ والأمين على الإسلام والشريعة، الذي يستشرف المستقبل ويحدد الأهداف والمقاصد، بل والوسائل أيضاً في حركة الأمة ومسيرتها عبر التاريخ.

ومن هنا، فإن ما رسمه السيد ولي أمر المسلمين من توسعة صلاحيات مجلس تشخيص مصلحة النظام، ليشمل رسمه السياسة العامة للبلاد تدخل ضمن ما قرّره الشارع من وظائف واختيارات للفقيه.

وبالملاك نفسه نرى ثبوت الولاية للفقيه في زمان قصور يد الأمة عن ممارسة حقّها في الحكم، فإنه أيضاً مسؤول عن تولّي كل الأمور الكفيلة بإيصال الأمة الإسلامية المعتقدة بالإسلام إلى مرحلة استلام السلطة من دون حاجة إلى الاستدلال بالأمور الحسبية.

وهكذا نثبت بالارتكاز المتشرعي الولاية للفقيه، بمعنى أنه الأمين الحفيظ على الإسلام، معزّزاً ذلك بسيرة فقهائنا الأعلام خلال المدّة الماضية منذ زمان الغيبة وإلى وقتنا الحاضر، حيث كانوا هم المدافعين عن حياض الإسلام وبيضته، والذابين عن حماه، والمتحملين أعباءه ومخاطره، والممارسين لجميع التصرفات المتوقف عليها ذلك.

هذا وللبحث في نظام الحكم برأي الشهيد الصدر ! تتمة، وقد آثرنا الوقوف عند هذا الحدّ، سائلين المولى الرحيم أن يوفق الإسلام والمسلمين لكل سبل الخير والصلاح، إنه نعم الموفق.

*    *     *

الهوامش :



 _______________________________________________


التنمية الاقتصادية بين التأميم والخَصْخَصَة

11 أغسطس 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

  المقدمة

مؤلفات المفكر الإسلامي الشّهيد الصّدر تمثل صرحاً إسلامياً شامخاً، ومورداً فقهياً وفكرياً لا يمكن تجاوزها في أي عملية إسلامية إصلاحية أو تنموية. تتوخى هذه الدراسة تحديد موقف إسلامي من سياسة الخصخصة، باعتبارها سياسة اقتصادية معاصرة لها أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، وذلك من خلال استنطاق تلك المؤلفات.

تهدف عملية التنمية الاقتصادية إلى رفع كفاءة استخدام أو تحقيق الاستفادة القصوى من الموارد البشرية والمادية، وذلك من خلال ترتيب الأولويات وتوجيه الموارد نحو القطاعات ذات العائد الاقتصادي الأعلى. كما تهدف عملية التنمية بشكل أساسي إلى تحقيق عدالة توزيع الموارد، وتحقيق ضمان اجتماعي يضمن مستوى مقبولاً من مستوى المعيشة كحد أدنى.

في سبيل تحقيق هذه الأهداف انقسمت المدارس الاقتصادية إلى قسمين: الأول يعتمد القطاع العام (الخط الاشتراكي)، والثاني يعتمد القطاع الخاص (الخط الرّأسمالي). وفي هذه الدراسة سنتناول مبررات المدرستين، ونتائج التجربتين، والتوجه الجديد بالتنمية ومبرراته، وأخيراً اكتشاف الموقف الإسلامي باستنطاق مؤلفات السّيد الصّدر.

أنماط التنمية الاقتصادية:

تتقاسم العالم بشكل رئيس مدرستان، هما:

المدرسة الرّأسمالية التي تنطلق من قدسية الحرية الفردية الفكرية، ثم حريةُ الملكية الخاصة والنشاط الاقتصادي. وتعتقد أن الرّفاهية الاقتصادية والاجتماعية تتحقق عندما يُتركُ الأفرادُ يتحركون بدون قيود الدولة، (تكتفي الدولة بالحفاظ على الأمن والقانون). وبفعل الدافع الفردي والحماس الخلاّق (وعوامل أُخرى) سجلت الرّأسمالية إنجازات كبيرة. وبسبب تفاوت قابليات وطاقات الأفراد انقسم المجتمع إلى طبقة غنية وطبقة فقيرة، وتَرَتّبَ على ذلك ما يلي:

 ¡ إنَّ النظام لم يعد قادراً على ضمان كرامة العيش، إذ لم يكن الفرد قادراً على دفع ثمن السّلع التي تُشْبِعُ حاجَتهُ.

¡ ظهور الشّركات الاحتكارية التي قضت على المنافسة ومنافعها.

¡ ظهور نشاطات غير أخلاقية مضرة بالبنية الاجتماعية، وضياع التربية الدينية والوازع الأخلاقي المصاحب لها، كما سببت سيادة المصلحة الخاصة إلى عدم استطاعة المنتج إدخال الكلفة الاجتماعية إلى جانب الكلفة الخاصة (الناجمتين مِنْ نشاطه)، وقد أدت هذه الحالة إلى ما يسمى بالأدبيات الاقتصادية «التأثيرات الخارجية»، حيث يتمادى المنتج بإنتاج أكثر مما هو مرغوب به اجتماعياً (كما في حالة تلوث البيئة الملازمة للإنتاج الصّناعي).

¡ عدم كفاية إنتاج بعض السّلع مثل التعليم والدفاع والصّحة، حيث إن قابلية كل فرد على الدفع (دفع ثمن الخدمات) لا تعكس الفائدة الكلية (الفردية والاجتماعية).

بسبب تلك المشاكل والصّعوبات تراجعت الرّأسمالية وقبلت بالملكية العامة، كما في حالة قطاع التعليم مثلاً، وأعطت للدولة دوراً مُمَّيزاً بالنشاط الاقتصادي. وفي الآونة الأخيرة مُنيت الرّأسمالية بجملة من الانتكاسات:

فعلى الصّعيد الاجتماعي، تصاعدت معدلات الجريمة والفساد الاجتماعي للحد الذي لم تعد السّجون تتحمل الأعداد الكبيرة من المخالفين (كما في بريطانيا).

وعلى الصّعيد الاقتصادي، لم تعد الدول الرّأسمالية الصّناعية تجاري منافسة دول أُخرى مثل اليابان وتايوان وسنغافورة، وأصبحت الاحتكارات والتضخم والبطالة من أبرز مشكلاتها.

أما المدرسة الاشتراكية فقد قامت على رفض مبدأ الملكية الخاصة باعتبارها مصدر التفاوت الطّبقي، واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان. وشرعت بتأميم المرافق الاقتصادية، وأقامت سياستَها الاقتصادية على مبدأ الملكية العامة، والتخطيط الشّامل، واستطاعت تحقيق أشواط كبيرة في توفير العمل وعدالة توزيع الناتج القومي، وعالجت التأثيرات الخارجية ـ التي تحدثنا عنها سابقاً ـ من خلال إدخال التكاليف والعوائد الخاصة والاجتماعية في الحسابات الاقتصادية. وأظهرت قَدْراً من السّيطرة على الأسعار ومن ثم التضخم. ومع أن الاشتراكية حقَّقت انتصارات لا يُستهان بها، إلاّ أنها تمَّت بكلفة مادية واجتماعية كبيرة.

فبعد الحرب العالمية الثانية ارتفع المستوى الصّحي في الاتحاد السّوفياتي وبلغ حداً يقارب مستوى الدول الرّأسمالية الصّناعية، إلاّ أن هذا المعدل بعد السّتينيات أخذ بالتنازل، فقد انخفض متوسط عمر الفرد بسنتين للفترة ما بين 1960 و1980، بينما تزايد هذا المعدل للدول الرّأسمالية الصّناعية بمقدار ثلاث إلى أربع سنوات لنفس الفترة.

أما بالنسبة للنمو الاقتصادي للاتحاد السّوفياتي، ففي الخمسينيات كان بحدود(10%) ثم بدأ بالتنازل إلى(7%) في السّتينيات وإلى(5%) في السّبعينيات، إلى أن وصل إلى(2%) في الثمانينات، رغم تزايد نسبة الاستثمارات خلال نفس الفترة.

أدّت سيادةُ الملكية العامة ومتعلقاتها إلى انخفاض إنتاجية العمل وهبوط نوعية الإنتاج، بسب ضمور دافع المراقبة الذاتية، وظهور البيروقراطية الإدارية المسرفة، التي نجمت عنها مشاعر معاكسة للجدية والإبداع.

ولعبت سياسة تجميد الأسعار لفترات طويلة ـ بغض النظر عن ارتفاع الأُجور وتطور الإنتاج ـ ، وغياب آلية الأسعار في تحديد حجم الإنتاج والاستهلاك إلى اختناقات في عَرض وطلب السلع.

التوجيه التنموي الجديد (الخَصْخَصة):

كما لاحظنا أعلاه، خاضت المدرستان تجربتين مختلفتين في نتائجهما ودرجة قوتهما الاجتماعية. فالمدرسة التي تعتمد القطاع الخاص، اضطرت إلى القبول بمبدأ الملكية العامة، وقامت بتأميم بعض المرافق الاقتصادية. ولكن سرعان ما جابهت هموماً من نوع آخر متمثلة بانخفاض الكفاءة الاقتصادية والتضخم والبطالة. ورأت ضرورة تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي من خلال خَصْخَصة النشاط الاقتصادي؛ أي ببيع المؤسسات العامة للقطاع الخاص. فعلى حد تعبير وزير المالية البريطاني السّابق (نايجل لوسن): إنّ الأفراد أقدر من الدولة على إدارة المشاريع الاقتصادية. والحقيقة هي أن الدولة كانت تسعى إلى التخلص من أعباء القطاع العام، وامتصاص السّيولة النقدية كمحاولة لكبح جماح التضخم المالي.

أما المدرسة التي تعتمد القطاع العام، فعلى الرّغم من الإنجازات الكبيرة التي حققتها، والتي أخرجتها من كونها دولاً متخلفة، كما في الاتحاد السّوفياتي، لم تستطع تجديد طاقاتها الذاتية للتعامل مع المشكلات المستفحلة. فاضطرت هي الأُخرى إلى الأخذ بالملكية الخاصة، في المرافق التي واجهت فيها حَرَجاً. إلاّ أن هذه الإجراءات الترقيعية لم تُسعفْها، فبدأت بالبحث عن إجراءات إصلاحية جذرية. فاستعاضت عن التخطيط، بالسوق، كأداة لتوجيه إنتاج السّلع وتوزيعها.

نتيجة لهذه التطورات بدأ توجه جديد منذ أوائل الثمانينات ـ بالأخص في بريطانيا وأمريكا ـ يدعو إلى خصخصة الاقتصاد. وقامت المؤسسات الدولية بما فيها صندوق النقد الدولي تفرض نهج الخصخصة كشرط للتعاون مع دول العالم الثالث. وعملاً بذلك لجأت كثير من دول العالم إلى خصخصة اقتصادياتها استجابة لتلك المؤسسات ـ التي تدور في فلك العالم الرّأسمالي ـ دون دراسة عميقة لواقع كل دولة وظروفها الخاصة. لا شك أن دعوة صندوق النقد الدولي ترمي إلى فتح الطّريق أمام الاسثمارات الأجنبية من خلال تسهيلات القطاع الخاص.

الموقف من الخصخصة كتوجه عام:

ينطلق الموقف الإسلامي من خصائص الاقتصاد الإسلامي التي شَخَّصَها الشّهيد الصّدر , بالسمات الثلاث:

1 ـ الأخذ بالملكية المزدوجة بدلاً من الأخذ بالملكية الخاصة أو العامة كمبدأ، كما لجأت إليه كلٌّ من الرّأسمالية والاشتراكية.

2 ـ ضمان الحرية الاقتصادية ضمن الضّوابط الأخلاقية والشّرعية والاستراتيجية.

3 ـ تحقيق عدالة توزيع الموارد (بضمان الحد الأدنى من مستوى المعيشة وما فوق ذلك من السّماح بتفاوت مستوى المعيشة حسب النشاط الإنتاجي للفرد).

بَيَّن السيد الشهيد الصّدر ,  بأن إقرار الإسلام للملكية قائم على حقيقة أن الله قد استخلف الإنسان (المجتمع الإنساني) على ما في الأرض، >هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا في الأرْضِ جَمِيعاً< [البقرة / 29].

فالأصل إذن الملكية العامة. إلاّ أن الشّريعة سمحت بأن يمتلك الإنسان ثمار عمله، فمن حق الإنسان أن يُعمِّر الأرض ويمتلك ثمارَها كملكية خاصة. والملكية الخاصة أو العامة في الإسلام ليست ملكية مطلقة، بل مقيّدة بحدود الشّريعة. وعليه، فأن حيازة الأصول الاقتصادية بشكلها العام أو الخاص هي مسؤولية شرعية، فلا يجوز استثمارها استثماراً غير كفوء، ناهيك عن استخدامها استخداماً محرماً.

فحدود الملكية ونوعها تقع ضمن منطقة الفراغ (الاجتهاد)، حيث يجري مراجعتها بحسب المصلحة العامة التي ترعاها الدولة، وبحسب الدراسات الاقتصادية. إنّ طبيعة الملكية وإقرارها يعتمد على طبيعة النشاط والمرحلة الاقتصادية التي يمر بها البلد، وموقعه التنافسي أمام بقية الدول الأخرى. فإقرار النشاط الاقتصادي الخاص، لا يعني إقرارها بالضرورة لكل دولة ولكل زمن. إنها مسألة تتحدد وفق المعايير الاقتصادية (الكفاءة)، والمنظور الإنساني (عدالة التوزيع). وعليه، فالتنمية، ومن وجهة نظر إسلامية، ليست مرهونة بنمط معين (بقرار مسبق) من الملكية كما في الرّأسمالية والاشتراكية.

إن موضوع الخصخصة يجب أن يخضع للبحث بهدف دراسة جدواها الاقتصادي في كل مرفق من المرافق الاقتصادية (وبشكل منفصل، فما يصلح لقطاع لا يصلح لقطاع آخر) من حيث قدرتُها على تحقيق الكفاءة الانتاجية، ومن حيث قدرتها في الحفاظ على التوازن الاجتماعي والأمن السّياسي. وإن هذا البحث ينبغي أن يكون تحت مراجعة دورية، حيث إن لكل فترة ظروفها ومتطلباتها.

ومن وجهة نظر إسلامية فإن المشكلة الاقتصادية التي تواجه العالم لا تعتمد بشكل رئيس على طبيعة الملكية. بل، تعتمد على طبيعة الإنسان، وطبيعة تعامله مع المؤسسات المختلفة وبقية أفراد المجتمع. وكما شخَّص السّيد الصّدر, أن المشكلة الرّئيسة هي مشكلة التناقض بين المصلحة الخاصة والعامة.

وإتماماً للبحث سوف نسلِّط الضّوء على كل من دور الدولة ودور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية، مستشهدين بأدلة تاريخية ووقائع معاصرة.

صحيح أنَّ الدول الرّأسمالية الرّئيسة هي الدول المتقدمة اقتصادياً، إلاّ أن الشّواهد التأريخية تؤكد بأن هذا التطور حصل كنتيجة للتراكم البدائي الرّأسمالي، الذي تحقق في القرن السّادس عشر والسّابع عشر والثامن عشر، عندما كانت الدولة تلعب دوراً رئيساً في حماية اقتصادها من المنافسة الخارجية، وخلال ممارسة الاستعمار الخارجي توفيراً وتوسيعاً للأسواق الضّرورية لتسويق الإنتاج الفائض عن الحاجة الداخلية، حيث سعت الدول آنذاك حماية احتكار النشاط الاقتصادي لبعض المؤسسات من خلال فرض القيود على الواردات (هذا الدور كان واضحاً في كل من انكلترا وأمريكا واليابان). ولم تكن تلك مشاهد منفردة، ففي التأريخ المعاصر، نجد أن دولة مثل تايوان لم يكن لها أن تخرج من تخلفها الاقتصادي لولا دور الدولة المميّز (بالأخص في الخمسينيات والسّتينيات) في التخطيط وفي الإصلاح الزّراعي، وتشييد الصّناعات، وحماية المنتجات الداخلية من المنافسة الخارجية، كما يمكن الاستدلال على أهمية دور الدولة في التنمية بالعديد من الأمثلة.

إنَّ سياسة الانفتاح (واعتماد القطاع الخاص) التي خاضتها مصر على سبيل المثال، خير مصداق على عدم صلاحية الخصخصة واعتماد آليّة السّوق كتوجه عام. فرغم مرور أكثر من عشرين عاماً على تلك السّياسة، ورغم المساعدات الخارجية، لم يكن لها تأثير واضح على تبدل حالة التخلف. لقد عجز الاقتصاد المصري عن تحقيق زيادة تذكر في الإنتاج الحقيقي، ولم يرتفع متوسط دخل الفرد ارتفاعاً ملموساً. أمّا التضخم والبطالة فهما في تصاعد، كما تفاقمت مشكلة الديون الخارجية إلى حد يُنذرُ بكارثة. أمّا على الصّعيد الاجتماعي، فقد أدّى سوء التوزيع إلى تفشي الجريمة والفساد الاجتماعي. كما وُجد أنّ أصحاب القطاع الخاص ـ في الغالب ـ يميلون إلى المشاريع ذات المردود السّريع، وغالباً ما تكون تلك المشاريع هامشية بالنسبة لاستراتيجيّة التنمية التي تتطلب القيام بمشاريع ذات حثوث أمامية (توفير المستلزمات الضّرورية لبناء صناعات أخرى)، وحثوث خلفية (تشجع الصّناعات القائمة أو الجديدة).

ومن الأسباب الرّئيسة للخصخصة هو إيجاد فرصة للمنافسة بين المنشآت القائمة لزيادة كفائتها، إلاّ أن هذه المنافسة قد تكون غير ممكنة أو غير مُجْدية. ومن الأمثلة على أهمية المنافسة في رفع الكفاءة الاقتصادية، وُجد أن الخطوط الجوية البريطانية أقل كفاءة من نظيرتها الكندية (رغم أن كليهما ملكية عامة)، أما مصدر الفرق فيعود إلى أن الثانية تمارس عملها في جو تنافسي. كما يجب الالتفات إلى أهمية التنمية البشرية من حيث القيم الإنسانية العليا والتكنولوجية، فإنه من دونهما يصعب تجاوز مشاكل التنمية وأزماتها المصاحبة. وهذا ما توليه السّياسة الإسلامية أهمية مركزية.

إنَّ الادّعاء بكفاءة القطاع الخاص ادّعاءٌ يجب أن يخضع للبحث. فإن الدراسات المقارنة لكل من القطاع العام والخاص هي دراسات تعتمد الأساليب الكمية البحتة. وعليه، يتعذر إدخال متغيرات أساسية غير كمية كجودة الإنتاج، وظروف العمل، وعدالة التوزيع…. الخ. فاعتماد الرّبح، كما في الدراسات الكمية الجارية، كهدف نهائي للعملية الإنتاجية يؤدي إلى أفضلية القطاع الخاص على القطاع العام. ولا شك أن هذه الدراسات تتناسى الاختلاف في أهداف ومنهجية كلا القطاعين.

إنّ السّياسة الاقتصادية تهدف بشكل عام إلى تحقيق الكفاءة (أعلى درجات العائد الاقتصادي)، وعدالة التوزيع (عدالة استهلاك الإنتاج)، إلاّ أنّ التجربة أثبتت بأنه من الصّعب الجمع بين هذين الهدفين. فعلى سبيل المثال، أثبتت الدراسات بأن المستشفيات الخاصة هي أكثر كفاءة من المستشفيات العامة (من حيث قلة الكلفة)، غير أن المستشفيات الخاصة في تصميمها لا تأخذ بنظر الاعتبار ضرورة أن يكون لها احتياطي كاف لسد حاجة الطّوارئ؛ (لأن ذلك يعني وجود أسِرَّة غير مشغولة لكثير من الوقت). وكذلك الحال مع وسائل النقل، فالمناطق الجغرافية النائية لا تتمتع بخدمات متساوية كالمناطق القريبة من المدن. أما القطاع العام فيستطيع أن يحقق عدالة التوزيع بقدر أكبر من القطاع الخاص، ولكن بكفاءة اقتصادية أقل.

في الختام، لا يجوز الحكم مسبقاً على سياسة الخصخصة ـ باعتبارها صناعة غربية ـ على أنّها سياسة باطلة تماماً، ولا ينبغي الإقبال عليها كما أقبلنا على الاشتراكية، بل ينبغي النظر إليها بتمعّن. أما بالنسبة لضغوط صندوق النقد والبنك الدولي، فعلى دول العالم الإسلامي تنشيط فكرة بنك التنمية الاقتصادية (بالاستفادة من العوائد النفطية للدول النفطية). فإذا كان أمرُ التكاملِ الاقتصادي صعبَ المنال، فإن التعاونَ الاقتصاديّ ممكنٌ في أسْوأ الأحوال. وأنّه لا سبيل دون استخدام المطالبة الشّعبية والضّغوط الإعلامية على حكومات العالم الإسلامي لممارسة هذا الدور. وإلاّ فإنَّ شعوبَنا عرضةٌ لاحتمالية الدوران في فلك الرّأسمالية، كما حدث (أو سيحدث) لشعوب العالم الاشتراكي.




(*) باحث، من العراق.


نظرية العمل في الإسلام _ ورقة أوّليّة لتكوين دراسة فلسفية حقوقيّة

11 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

العمل في الإسلام

1 ـ قيمة العمل في الإسلام

العمل في النظام القيمي الإسلامي هو سرّ الخلق وحكمة الوجود، فالإنسان يبدي جوهره الوجودي بالسعي والجهد، ويعين قيمته الحقيقية بالعمل.

لقد خلق الله سبحانه الإنسان وأودع فيه الروح التي نسبها لنفسه([1])، كما سخر له كل ما من شأنه أن ييسّر له سبل الوصول للكمالات المعنويّة والتسامي الروحي والمادي([2])، وامتدحه بصفة الكرامة والفضيلة، وفضّله على الكثير من المخلوقات الأخرى([3])، حتى يتمكن ـ بالجهد والعمل ـ من عمارة الأرض([4])، وليدرك بالأعمال اللائقة حكمة وجوده وينال كرامته النفسية.

إن عزة أية أمّة وكرامتها رهينتان بسعيها وهمتها، كما أن الضعة والجمود والعجز إنما هي نتاج التقاعس والدعة والبطالة.

2 ـ العلاقة بين العمل ومعرفة الوجود

تترافق نظرة الانسان للعمل وتطّرد مع نظرته إلى الوجود، فالإنسان الذي يحصر الموجودات بالإطار المادي، ولا يعترف بغير الحس والتجربة طريقاً معرفياً، يرى العمل مؤطّراً بحدود الإنتاج والاستهلاك الماديين، أما ذاك الإنسان الذي خَبُر الثقافة القرآنية فإنه يعرف أنّ القرآن قد قسم الوجود إلى غيب وشهادة، كما تنقسم المعرفة بدورها إلى هذين القسمين أيضاً، وكذلك العمل؛ وعلى هذا الأساس فإن الانسان الذي يرى الوجود متخطّياً حدودَ المادة يمتلك نظرة أوسع للعمل، وبتقديسه له يوسّع من مجالات الفعالية والحركة.

3 ـ سعة مجال العمل

إن حركة الإنتاج والكسب والعمل أو التسلّط على الطبيعة واستخدامها هما الوظيفة اليومية المستمرّة، يقول سبحانه: (وجعلنا النهار معاشاً)([5])، أي جعلناه للتكسب وتحصيل الرزق، و (إن لك في النهار سبحاً طويلاً)([6])، أي فرصة كافية لتحصيل الرزق.

لا يحدّ مجال العمل بدائرة خاصة، بل يمتد من أعماق البحار حتى أعالي السماوات، وفي الأطراف الشاسعة والصحاري الجافة القاحلة، كل ذلك ميدان للعمل والسعي، (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه)([7])، (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون)([8]).

كما لا يضيق العمل أيضاً في دوائر النشاط البدني، بل إن العالم الذي يسعى لحلّ مشكلة علمية بعلمه وتحقيقه، والطبيب الذي يداوي المرضى، والمهندس الذي يقدّم تصميماً وطرحاً ما، والباحث الذي يتحمّل المتاعب والصعاب في سبيل تحصيل العلم و…. كلّ واحد من هذه الجهود العلمية والأبحاث التحقيقية مصداق بارز من مصاديق العمل، مع فارقِ عدم تساوي القيمة فيما بينها.

4 ـ العمل ونيل العزة

العزة والافتخار ثمرتان من ثمرات الإيمان بالله تعالى؛ فالمؤمن عزيز، وعليه دائماً أن يعمل للمحافظة على عزته وعلوها، والعمل واحد من طرق كسب العزة والوصول للاستقلال المادي، ومن هنا وصف أئمتنا الكبار العمل بالعزة.

يقول الإمام الصادق % لأحد أصحابه: "اغد إلى عزك"([9]) أي بكّر.

ويقول عبد الأعلى أحد أصحاب الإمام الصادق %: "استقبلت أبا عبد الله % في بعض طرق المدينة في يوم صايف شديد الحر، فقلت: جعلت فداك حالك عند الله عز وجل وقرابتك من رسول الله 3 وأنت تجهد لنفسك في مثل هذا اليوم؟ فقال: يا عبد الأعلى، خرجت في طلب الرزق لاستغني عن مثلك"([10]).

هذا، ومن جهة أخرى واجه الإسلام وبشدّة الضعة والانهيار الناجمين عن الكسل والبطالة، وعمل على اجتثاثهما من الجذور، إنّه يقول: "إياك والكسل" و "آفة النجاح الكسل" و "إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل شر"([11])، ويقول علي %: "من وجد ماءً وتراباً ثم افتقر أبعده الله"([12]).

إن هذه النصوص تدعو الجميع للإنتاج وتجنّب البطالة.

جاء رجل إلى الإمام الصادق % فقال: إني لا أحسن أن أعمل عملاً بيدي، ولا أحسن أن أتجر وأنا محارف محتاج، فقال %: "اعمل فاحمل على رأسك واستغن عن الناس…"([13])، فالإمام % يحثه هنا على العمل، ويمنحه الثقة بنفسه حتى يعيش بهذه الطريقة دون أن يعتمد على غيره، إذ الاحتياج للغير لا ينسجم والعزّة والشرف.

ويقول الإمام الصادق %: "طلب الحوائج إلى الناس استلاب للعز ومذهبة للحياء"([14]).

5 ـ إسناد العمل لله سبحانه

يمكن استنباط أهمية العمل وقيمته من إسناده لله تعالى؛ ففي القرآن الكريم تمّ إسناد الكثير من الأعمال لله سبحانه، بل جاء في بعض الآيات وبلسان جامع وشمولي: "كل يوم هو في شأن"، فالله سبحانه في كل يوم، بل في كل
ظهور وتجّلي هو في عمل جديد، وطبعاً ليست أعماله متشابهة وتكرارية، لأنه دائماً في حال إيجاد، والظواهر كلّها تقدم حاجاتها أمامه، "يسأله من في
السماوات والأرض"
([15])، وهو المبدأ الوحيد الذي يلبي الاحتياجات كافّة، وحل كافة العُقد إنما هو بيده وإرادته، فالله سبحانه هو الذي "آتاكم من كل ما سألتموه"([16]).

مبادئ العمل وضوابطه في التصوّر الإسلامي

ترتهن التغذية السليمة للذوق الفني والتأمين الصحيح للنشاط الروحي والحاجات العاطفية في أي مجتمع من المجتمعات بتقديم الفنّانين لأعمالهم الفنية.

والاستقلال والتنمية الاقتصادية لأي مجتمع هما أيضاً مرتبطان بطبيعة تعاطي ذلك المجتمع مع العمل، وقد ركّز الإسلام ـ وبهدف إيجاد التنظيم السليم وخلق التنمية الاقتصادية وتحقيق السموّ المجتمعي ـ على مجموعة أصول وضوابط متعلقة بالعمل، تتأمن على ضوء مراعاتها الحاجات المادية والمعنوية للأمة.

1 ـ الخبروية والالتـزام

يؤثّر هذان الأصلان في النموّ الكمي والكيفي للعمل، ذلك أن الإنسان الملتـزم والخبير يتمتع ـ في عمله ـ بالانضباط والضمير المهني، ومثل هذا الإنسان يحبه الله تعالى([17])، كما يتنفر من ذاك الذي يتصدّى لعمل معين دون امتلاك جناحي الخبروية والالتـزام. يقول الرسول 3: "فمن دعى الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه لم ينظر الله إليه يوم القيامة"([18]).

إن المجتمع الذي لا يفوّض العمل إلى أهله وخبرائه، هو مجتمع يسير دائماً في حركة نـزولية، يقول الرسول 3: "ما ولّت أمة أمرها رجلاً قط وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا"([19]).

وهذا الالتـزام وتلك الأمانة يستدعيان الإنسان ليلاحظ بعين الاعتبار ـ لدى اختياره عملاً ما ـ احتياجات المجتمع والاقتصاد العمومي، وأن يبتعد عن الأعمال الزائفة التي تضاعف من إيراداته وتدرّ عليه إنتاجاً شخصياً وفيراً، بيد أنها تورد أضرار وتلحق خسارات بالجسم الاقتصادي للمجتمع.

2 ـ الإتقان في العمل

إن القيام بأيّ عمل دون الأخذ بعين الاعتبار ضوابطه وجوانبه ومعطياته إنما هو جهد بلا حاصل وكدّ بلا نتيجة، فإذا كان الهدف من العمل رفع الحاجات العامّة وتحكيم الأسس الاقتصادية للمجتمع ـ لا التكاثر والجمع ـ فإن الإنسان يكون حينئذ ملزماً ـ بمقتضى الوجدان ـ بإنجاز أي عمل يقدر على إنجازه بإتقان، وإتمامه بدقة متناهية.

يقول النبي 3 بعدما أنهى بناءه لبناءِ محكم وبكامل الدقة: إنني أعلم أنه سينهار ولو بعد حين، "… لكن الله يحب عبداً إذا عمل عملاً أحكمه"([20]).

لقد ذمّ الإسلام ـ وبشدة ـ التقليل في العمل، والخيانة والتـزوير فيه، والمكر وإخفاء الحقيقة. فالقرآن الكريم ينهى عن ذلك بصيغة عامة وشاملة ويقول: "ولا تبخسوا الناس أشياءهم"([21]) أي لا تنقصوهم شيئاً وأتمّوا الميزان.

3 ـ الثبات في العمل

ويدعو الله سبحانه النبي 3 والمسلمين إلى الاستقامة والثبات فيقول: "فاستقم كما أمرت ومن تاب معك"([22]). إن الاستقامة في العمل تؤدي إلى غض الطرف عن المصاعب الطارئة وحالات الحرمان المؤقتة، وتخلق عند الإنسان سعياً شاملاً ودؤوباً للوصول إلى الهدف.

ويستفاد من آيات القرآن الكريم أن الاستقامة توجب قوّة القلب وطمأنينته([23])، وكذلك سعة الرزق([24]).

ولا يجوز في أيّ وقت من الأوقات اعتبار طريق الحل والعلاج مسدوداً، أو الاعتقاد بعدم وجود وسيلةٍ أو مخلص، ذلك أن البحث المتواصل والسعي الدؤوب سيؤديان في النتيجة إلى الوصول للغرض، وفي هذا يقول علي %: "من طلب شيئاً ناله أو بعضه"([25]).

4 ـ الإخلاص في العمل

ومن مستلزمات العمل تقوية البنية الاقتصادية وقطع يد الأجانب والوصول إلى الاستقلال، إلاّ أن التعاليم الدينية أوصت الإنسان بالاهتمام بإطاعة الله تعالى فقط لدى قيامه بأي عمل، وهذا الإخلاص يقوّي البعد العبادي للعمل ويكسوه بصبغة القداسة، ليكون كالحُلي والزينة بالنسبة له.

يقول علي %: "أخلصوا إذا عملتم"([26]).

5 ـ اختيار العمل المناسب

للعمل والمهنة التي يزاولها الإنسان أثر مباشر في أخلاقه وسلوكه، فالذي ـ وعلى أثر الطمع في الاكتناز ـ لا يدقق في اختياره لعمله أو لشغله إنما يضرّ نفسه قبل أي إنسان آخر، كما يقوم بتحطيم شخصيته الإنسانية بذلك.

وأساساً، لا يمكن الحصول على روحية نجيبة ومتميزة مع عمل غير مشروع، كما لا يمكن حلّ أية معضلة به. إن العمل الجيد الذي يحفظ كرامة الإنسان يحلّ عقدة من عقد المجتمع، كما أن له أثراً في التسامي الروحي والأخلاقي للإنسان نفسه.

يقول الصادق %: "إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها"([27]).

ومن هنا يعتبر الإسلام بعض الأعمال واجبةً، فيما البعض الآخر حراماً، وهناك قسم مستحب أيضاً، وقسمٌ آخر مكروه، مؤكّداً أن واحداً من حقوق الإبن على أبيه انتقاء العمل المناسب له([28]).

6 ـ الخطوات الواعية والدقيقة قبل الشروع في العمل

من الممكن أن يقبل الإنسان الخبير حرفةً ما، إلا أنه في بعض الأعمال يغفل عن دائرة تخصّصه، فمن الضروري لدى الإقدام على عمل معين تحديد مساره وخارطته، وكذلك معياره ونموذجه ومقداره حتى يحُول ميزان الاختصاص دون الوقوع في إضافات في غير محلها أو نواقص في غير موردها، وفي هذا الإطار يقول علي بن أبي طالب %: "قدّر ثم اقطع، وفكّر ثم انطق، وتبيّن ثم اعمل"([29]).

وفي ضوء ذلك، يتضح السبب في إصرار القرآن الكريم على جامعية أيّ عامل سواء من ناحية الرؤية العلمية والتخصصية لديه أو من ناحية الالتـزام والتوجه للعمل عنده.

وفي قولـه في قصة وزارة النبي يوسف الصديق % لتصدي الشؤون الاقتصادية لمنطقة واسعة في مصر في زمن الجفاف والتضخّم الاقتصادي: "قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم"([30])، أي أن التصدي للعمل، وحفظ أسس الاقتصاد مرهونان بالالتـزام العملي للعامل حتى لا يضيع شيء، ومدينان لتخصّصه العلمي حتى لا تذهب الميزانية هدراً نتيجة الجهل وعدم المعرفة.

هذا، وتجدر الإشارة هنا إلى عنصرين أساسيين:

الأول: السعي في الانتاج، وبذل الجهد في عرض السلع التي يحتاجها المجتمع.

الثاني: القناعة في الاستهلاك، أما القناعة في الإنتاج فليست بممدوحة، كما أن الجهد في الاستهلاك ليس مقبولاً.

7 ـ الإبداع في العمل

جوهر العمل أو العمل الجوهري هو الانسجام الكامل بين التقليد والصناعة، والتناغم بين الطبيعة والفن. لقد هيئ الله سبحانه المواد الخام كلها وتلك اللازمة لأيّ نوع من الابتكارات على مائدة السنة الإلهية، وأودع أرضية الصناعة البديعة والفن الخلاق في ذات البشر، حتى يتجاوز العمل السطح الساذج ويصل إلى العمق المعقد، ويحصل بالتالي الاجتناب عن التكرار والحركة نحو الإبداع.

إن الأصل الحاكم على العمل هو تـزيين المواد الخام بطبائع الصناعة المقبولة والجذابة، والتي أمّن الله تعالى واحدة منها بيد الطبيعة خارج الذهن، فيما تنبثق الأخرى عن اليد الصناعية للإنسان في إطار الفكر البشري حتى تتحوّل الرغبات الإنسانية كافّة من "العلم إلى العين ومن السمع إلى القلب"، وهذا العمل الجوهري هو ما يعبرون عنه بالكيمياء.

إن السر في قول الإمام الصادق %: "الكيمياء الأكبر الزراعة"([31])، هو أنه ـ بواسطة هذه الصناعة ـ تمنح الحياة النباتية لتلك المواد الطبيعية الجامدة، وروعة هذا الفن الخاص إنما هي تأمين شرائط القفز من مرحلة الجمادية والموت إلى منطقة الحياة والنباتية.

إذن فأصل العمل لابد أن يكون بمنـزلة نفخ الروح الفنية في المادة الطبيعية التي لا روح فيها، حتى تكون صنايع البشر تبلوراً للحياة الفنية وتجلّياً للحياة والإحياء.

8 ـ العمل القلبي المعنوي والقالبي المادي

يمنع تناغم العمل الحسن مع العمل الروحي من صيرورة العمل مادياً وجسمانياً، وانسجام العمل الجسماني والروحي ينتج عنه العمل الحسن.

إن رمز هذا الترسيم وسرّه يكمنان في أن الروح الملكوتية تشكّل أصل كل شيء وأساسه، وبناء عليه، فحتى يكون عمل أي عامل أو موظف ذا صبغة ملكوتية لا بد أن يكون الإقبال القلبي والملائمة الطبعية بارزين فيه، وهو ما يتحقق عندما تكون:

1 ـ قيمة العمل معادلة لمدى المشقّة فيه.

2 ـ فائدته ليس فقط لا تنحصر في وطن العامل، بل حتى داخل وطنه لابد أن لا يجري تداولها بيد فئة خاصة وطبقة مترفة مسرفة.

3 ـ فن الصناعة والابتكار غير منحصر في نطاق ضيق.

9 ـ العمل الهادف

يتبلور العمل بصورة الفن الحديث عندما يتحرّر من بدعة الاستهانة والكسل والخمول والضعف وعدم الجاذبية ويتحّول بنفسه إلى سنّة جديدة وهادفة.

وحيث إن دوام حياة العامل المسؤول واستمرارها مرتهن بالعمل البديع والمقنّن، وكل إنسان يسعى للخروج من الخمول إلى مرحلة الشهرة فلابد:

1 ـ أن لا يكون العمل لأجل نفس العمل وإنما لهدف أسمى.

2 ـ أن يكون هدفه مقبولاً ومعقولاً لدى المجتمع الإلهي والإنساني.

3 ـ أن تكون الأعمال المتنوّعة مكملة لبعضها البعض كالأعضاء والجوارح والجوانح للبدن الواحد.

4 ـ أن تكون جاذبية ثقافة العمل الدينية والمدنية متبلورة في تفسير الأعمال المتنوعة بالنسبة إلى بعضها البعض، حتى تكون الأعمال شارحة ومكملة لبعضها، وتحقق بالتالي الحاجات الحقيقية للمجتمع البشري كافّة لتصل به إلى أفضل وضعية ممكنة.

ومن هنا يقال: إن العمل إنما هو لهدف أسمى لا للعمل نفسه.

منـزلة العامل في الإسلام

مظاهر الخلق الإلهي

العالم وما فيه من ظواهر مظهرٌ من مظاهر فعل الله سبحانه. إنه تعالى مبدء كل عمل في هذا العالم، ولا تحقّق لأي حركة من دون إرادته، إنه يعمل أيضاً ويكسي بلباس الوجود جسد الظاهرة تلو الظاهرة، مغدقاً فيضه الدائم على كل ما سواه، وتدبيره له مستمر دونما انقطاع.

والعمّال أيضاً من مظاهر هذا الإبداع وتلك الخلاقية الإلهية، وهم طاقات مفيدة في حياة المجتمع وسعادته. إن تدوير عجلة الاقتصاد العظيمة في المجتمعات إنما هو نتيجة اليد الفاعلة والمحركة للعامل، وحياة الأمم والشعوب مرهونة هي الأخرى بالعمل والعمّال.

مبدأ الاستخدام المتقابل

إن وجود الاستعدادات المتفاوتة والهمم المختلفة والسلائق المتعددة الموجبة لظهور أنواع العمل المتنوعة إنما يقوم على أساس الحكمة الإلهية ولوازم الخلقة وضرورات ديمومة الحياة البشرية. ومن هنا يتحدّث القرآن الكريم فيقول: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتّخذ بعضهم بعضاً سخرياً)([32]).

ووفقاً لذلك أودعت يد الخلقة في وجود كلّ شخص طاقةً مخصوصةً واستعداداً معيناً لأجل تحريك هذا النظام؛ بحيث لا يمكن للشخص الواحد سدّ تمام تمام حاجاته ولوازمه بنفسه بل هو مجبور على استخدام غيره، وتوظيف الطاقات المختلفة لأجل تـأمين هذا الغرض. ومن هنا كان مبدأ الاستخدام والتسخير أمراً طبيعياً، إلا أن نمطه وكيفيته لابد أن يكونا في إطار الضوابط الشرعية والأخلاقية.

إن الإسلام ـ ولأجل رعاية حقوق العامل وحفظ كرامته وكرامة ربّ العمل أيضاً ـ لديه تعاليم حقوقية ظريفة وقوانين أخلاقية سامية سوف نتطرق إليها عقب الحديث عن قيمة العامل ومقامه.

منـزلة العامل في الإسلام

لا يمكن مقايسة المكانة المتميزة التي منحها الإسلام للعامل بأية قيمة مادية، وذلك لأن نبي الإسلام 3 ـ وهو الإنسان الكامل وسيد الأنبياء كلّهم ومعلّم الملائكة ـ كان ـ وبكلّ تواضع ـ يقبّل اليد العاملة!

جاء أنه لما رجع رسول الله 3 من تبوك استقبله سعد بن معاذ الأنصاري فقال: ما هذا الذي أرى بيدك؟ قال: من أثر المر والمسحاة، اضرب وأنفق على عيالي، فقبّل رسول الله 3 يده وقال: "هذه يد لا تمسّها النار"([33]).

هذه العبارات، وهذا السلوك الرائع هما أقصى درجات الاحترام والأدب الذي أظهره الإسلام للعامل وأعلاهما.

وجاء في الأثر أيضاً أنه "مرّ شيخ مكفوف كبير يسأل، فقال أمير المؤمنين % ما هذا؟ قالوا يا أمير المؤمنين نصراني، قال: استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت المال"([34]).

العامل في عداد المجاهدين

يوفّر المجاهدون في سبيل الله ـ وبتضحياتهم ـ الأمن السياسي والاجتماعي للمجتمع الإسلامي، فيما يقدّم العمّال ـ بجهودهم ـ الأمن والاستقلال الاقتصاديين، وكذلك الرفاهية المعيشية، ولعله لأجل ذلك صنّف الإسلام العامل في عداد المجاهدين في سبيل الله وقال: "الكادّ لعياله كالمجاهد في سبيل الله"([35]).

يقول الإمام الصادق %: "إذا كان الرجل معسراً فيعمل بقدر ما يقوت به نفسه وأهله ولا يطلب حراماً فهو كالمجاهد في سبيل الله"([36]).

ويعتبر الإمام الرضا % أن "الذي يطلب من فضل الله عز وجل ما يكفّ به عياله أعظم أجراً من المجاهد في سبيل الله عز وجل"([37]).

وفي بعض الروايات، أنيط قوام الطبقات المختلفة للمجتمع
ـ أعم من العسكرية والأمنية والسلطة القضائية و… ـ بالحرفيين وأرباب العمل، كما أوصي حاكم المسلمين بمتابعة شؤونهم
([38]).

هذه الكلمات الجميلة توضح مكانة العامل وقيمته في الإسلام، وتمنحه بالتالي روحيةً مليئةً بالنشاط والملكوتية، حتى لا يتأسّف على أي سعي يبذلـه في سبيل الإنتاج وكسب الاستقلال الاقتصادي وتأمين موارد احتياجاته وأبناء جنسه.

ومع اتضاح مدى القيمة التي يراها الإسلام للعامل، نبين الآن ـ وباختصار ـ بعضاً من حقوق هذا العامل على ربّ العمل.

حقوق العامل

الف: التوافق المسبق

لابد أن يتمّ استخدام اليد العاملة في جوّ سليم مترافق مع توافق مسبق، ومن هنا، يتنافى الاستخفاف باليد العاملة وتحقير العمل وعدم المساواة بين العمل والأجرة مع القيم الإنسانية والأخلاقية، كما أنها تترك آثاراً سلبية على المردود الكمي والكيفي للعمل نفسه. وعلى هذا الأساس ذكر فقهاء الإسلام الرضا والرغبة لدى العامل بوصفها واحداً من شرائط الصحة والمشروعية في عملية الاستخدام والتوظيف لليد العاملة([39]).

ب: تعيين الأجرة

حينما يحصل توافق بين العامل وربّ العمل من النواحي المختلفة، فعلى الطرفين الالتـزام بما قيل أو كتب. ويؤكّد الإسلام هنا على أن من يريد استخدام عاملٍ ما لابدّ له ـ من البداية ـ من تحديد ما سيدفعه له، حتى يُقدم هذا العامل على العمل عن رغبة فيه وشوق إليه.

لقد "نهى رسول الله 3 أن يستعمل أجيراً حتى يعلم ما أجرته"([40]).

ويقول سليمان الجعفري: "كنت مع الرضا % في بعض الحاجة فأردت أن أنصرف إلى منـزلي فقال لي: انصرف معي فبت عندي الليلة، فانطلقت معه فدخل داره مع المغيب، فنظر إلى غلمانه يعملون في الطين أواري الدواب وغير ذلك، وإذا معهم أسود ليس منهم، فقال ما هذا الرجل معكم؟ قالوا: يعاوننا ونعطيه شيئاً، قال: قاطعتموه على أجرته، قالوا: لا، هو يرضى منا بما نعطيه… وغضب لذلك غضباً شديداً، فقلت: جعلت فداك لم تدخل على نفسك؟ فقال: إني قد نهيتهم عن مثل هذا غير مرّة أن يعمل معهم أحد حتى يقاطعوه على أجرته…."([41]).

ج: الإسراع في تأدية الأجرة

ومن القوانين الأخلاقية الإسلامية الموجّهة إلى ربّ العمل، المبادرة إلى تأدية الأجرة للعامل قبل مطالبته بها. فالإسلام يقول: أعطوا العامل حقه قبل أن يجفّ عرقه. وطبعاً فإن تأخير حقّ العامل في صورة مطالبته به أمر غير جائز، إذ هو ـ فضلاً عما فيه من النقص الأخلاقي ـ يشتمل على نقض حقوقي أيضاً.

يقول الإمام الصادق % فيما يتعلّق بالجمّال والعامل: "لا يجفّ عرقه حتى تعطيه أجرته"([42]).

إن المبادرة إلى تأدية الأجرة تـزيل التعب الروحي والجسمي عن العامل، كما تمنحه الحيوية والنشاط الزائدين، وفي المقابل فإن الإبطاء في الدفع له آثار سلبية، ومن هنا ذمّ الإسلام ـ وبلهجة قاسية ـ عدم إعطاء العامل أجرته، واعتبر ذلك ذنباً غير مغتفر وموجباً للحرمان من الرحمة الإلهية واستشمام ريح الجنة([43]).

قال رسول الله 3: "من منع أجيراً فعليه لعنة الله"([44]).

وقال أيضاً: "إن الله غافر كل ذنب إلا من أحدث ديناً، أو اغتصب أجيراً أجره، أو رجل باع حراً"([45]).

وظائف العامل وواجباته

لقد بيّن الإسلام مجموعةً من القوانين للعامل هدف من خلالها إلى رفع قيمة العمل وتعلية شأن العامل أيضاً، وهو بذلك يطرق العناصر المحورية لمهنة العمل الشريفة، والتي نتناول بعضاً منها كالآتي:

1ـ امتلاك الدافع الإلهي

على العامل أن يسعى ليكون عمله مطابقاً للشريعة وطريق الأنبياء، لأن العمل نفسه عبارة عن طاعةٍ لله تعالى وعبودية، وطاعته لابد أن تكون بهدف القرب منه تعالى، وإذا كانت نتيجة عمله إنسانياً ويعمل لأجل رفع حاجات المجتمع فإن عليه أن يقرن هدفه هذا بالقرب من الله تعالى، كما قال علي %: "وأخلص لله عملك"([46]).

2ـ النشاط في الإنتاج والقناعة في الاستهلاك

ترتهن عزة أية أمة وكرامتها بالهمم العالية التي لديها، يقول علي %: "الشرف بالهمم العالية"([47])، ويقول أيضاً: "الفعل الجميل ينبىء عن علوّ الهمّة"([48])، و "قدر الرجل على قدر همّته"([49]).

إذن، على العامل أن يصرف همّته في الإنتاج بحيث لا ينجرّ به ذلك إلى الطمع في الاستهلاك.

يقول النبي 3: "من قنع بما رزقه الله فهو من أغنى الناس"([50]).

إن القناعة في الاستهلاك هي أيضاً ـ كالهمّة في الإنتاج ـ موجبة للعزة والافتخار كما يقول علي %: "بالقناعة يكون العز"([51])، فلا يجوز الاتكاء على القناعة في المصرف غصباً مكان السعي إلى الإنتاج، أو جعل السعي إلى الإنتاج جهلاً مكان القناعة؛ إذ ينتج عن هذا التبديل غير المناسب كلّ من الكسل والإسراف، ولا ينجم عن ترافقهما سوى الانهيار والتفكّك والتلاشي.

3ـ عدم التنصّل من العمل

لا ينبغي للعامل الامتناع عن مزاولة أي عمل مفيد أو اعتبار نفسه أرفع من ذلك، كما هي سمات الأنبياء والأولياء %، فالنبي إدريس % كان يخيط الثياب، ونوح % كان نجاراً، وإبراهيم الخليل وموسى الكليم % كانا راعيين، ورسول
الله
3 كان راعياً فترة من الزمن كما قضى فترة أخرى في التجارة، وأما علي % فكان يشقّ القنوات ويزرع بساتين النخيل.

يقول علي % في حديثه عن النبي 3: إنه كان "يخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه"([52])، ويقول أيضاً عن داوود %: "أوحى الله عز وجل إلى داوود أنك نِعم العبد لولا أنك تأكل من بيت المال ولا تعمل بيدك شيئاً، قال: فبكى داوود % أربعين صباحاً، فأوحى الله عز وجل إلى الحديد أن لِنْ لعبدي داوود؛ فَأَلاَنَ الله عز وجل له الحديد، فكان يعمل كل يوم درعاً فيبيعها بألف درهم، فعمل ثلاثمائة وستين درعاً فباعها بثلاثمائة وستين ألفاً واستغنى عن بيت المال"([53]).

4ـ النهوض إلى العمل بداية النهار

ومن جملة آداب العمل ووظائف العامل السعي للعمل من الصباح الباكر، إذ يكون في هذا الوقت أكثر نشاطاً وأكثر تفرّغاً لعمله، وكنتيجة طبيعية لذلك بلوغه قُلَلَ النجاح الباهر، وفي هذا يقول رسول الله 3: " اللهم بارك لأمتي في بكورها"([54]). ويقول الإمام الصادق %: إن الله ليحب أن يبكر العبد في طلب رزقه([55]).

5ـ الوسطية والاعتدال في العمل

الإفراط والتفريط في الأمور كلّها أمران مرفوضان، فقد أوصى الإسلام بالاعتدال والوسطية على الصعد كلّها، إن الأمة الإسلامية هي الأخرى أمّة معتدلة، حيث جاء في القرآن الكريم: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس"([56])، فالمسلمون هم الأمة الوسطى بين الفئات التي تقوّي الجانب الروحي فقط وتدعو إلى الرهبانية وترك الكمالات الجسمانية، وتلك التي تأخذ جانب الجسد ولا تطلب شيئاً غير الحياة الدنيا وزخارفها، حتى يكونوا بذلك شاهداً على الناس. (من الجدير بالذكر الإشارة إلى أن للآية المتقدمة معاني أخرى مطروحة أيضاً).

فعلى العامل أن يعمل هو الآخر ضمن حدّ الاعتدال أيضاً، فيبتعد عن الكسل والبطالة، وكذلك عن السعي المفرط وغير المجدي، فإن الحرص والعمل المتواصل اللذين يمنعان الإنسان عن الراحة والعبادة أمران غير مقبولان بل ومضرّان أيضاً.

ولابد هنا من الانتباه إلى أن الكسب اليومي ليس مرهوناً بالعمل والسعي الزائد، بل للإرادة الإلهية والحكم الحكيم والعادل لله تعالى دور أيضاً؛ حيث يؤمّنان ـ وبالمقدار المحدد ـ كسب الناس وأرزاقها.

يقول رسول الله 3: "أيها الناس إن الرزق مقسوم، لن يعدو امرء ما قسم له فأجملوا الطلب"([57]).

6ـ تجنّب الكسب الحرام

تقدّم أن نفس العمل طاعة وعبودية لله سبحانه، ومعه فلا يجوز أن تصبح العبادة القادرة على تقريب الإنسان لربه والموجبة لنموّ الكمالات الروحية مشوبةً بالحرام. ومن جهة أخرى وحينما يكون الرزق مقدراً فلماذا يطلبه الإنسان من الطريق الحرام؟!

يقول القرآن الكريم: "لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل"([58]) أي لا تتصرّفوا بها. ويقول رسول الله 3: "من طلب الدنيا حلالاً في عفاف كان في درجة الشهداء"([59]). ويقول الإمام الصادق % (بما مضمونه): إن الله خلق الناس وجعل رزقهم من الحلال، فالذي يصرف من الطريق الحرام ينقص من رزقه الحلال بنفس ذاك المقدار الذي أخذه.

إن هذا العامل الذي يبذل جهده وينجز عمله ـ متحمّلاً المتاعب والمشقّات تحت خطر الحوادث ـ ويفتخر بأن أفضل نبي إلهي وأعلى إنسان كامل قد قبّل يده، هذا العامل ما هو الأفضل لمثله من عدم التخطي عن النطاق الشرعي ـ  الثابت عقلاً ونقلاً ـ وتحصيل القيم المادية والمعنوية كافّة لنفسه بالاستفادة من التعاليم الإلهية، والضمير المهني، والتجنبّ عن الحرام، ورعاية الأمانة؟‍

7ـ الكسب الحرام والتأثير السلبي على الذرية

بالرغم من تجرّد الروح الإنسانية الا أنه وعلى أثر الارتباط المتين مع البدن والآثار المادية، فإن تأثير الأشياء أو الأعمال المحرمة في الروح أمر غير قابل للإنكار، وذلك لأن الغذاء الحلال أو الحرام مثلاً يتحولان في المستقبل القريب إلى رؤية علمية أو ميل عملي، ويصيران سبباً للجزم أو العزم الصحيحين أو السقيمين، كما ويظهران عن هذا الطريق في الولد الحامل للموروثات البدنية والروحية التي كان يحملها الأب والأم.

ولعلّ هذا أحد جوانب الآية الكريمة: (وشاركهم في الأموال والأولاد)([60])، ولهذا يقول الإمام الصادق %: "كسب الحرام يبين في الذرية"([61]).

إن آثار مفاسد المال الحرام هي من الحجم بحيث تلوّث الجيل اللاحق، وإصلاح هذا الجيل وإن كان ممكناً إلا أنه ليس أمراً سهلاً ولا يسيراً.

8ـ تجنّب العمالة

يتمظهر العامل بالعمل ويتبلور به، فإذا كان العمل للآخر فهو يجسّد روح العامل المرتهنة لرئيس العمل، ويكون مصير هذا العامل وفق إرادة صاحب العمل هذا. هذا النمط ـ أي العمالة ـ هو العامل الأساس في الحدّ من حرية العامل وتهديد استقلاله، فلهذا لا يجوز الاشتباه والخلط بين العمل في الإسلام ـ الذي يمثل تلك الفضيلة السامية ـ وبين العمالة المذمومة، كما أنه لابد من التمييز بين العامل الشريف والمحبوب لله تعالى وبين ذاك العميل الذي يفوّض قسماً من حرّيته واستقلاله لربّ العمل.

فبالرغم من أن الإجارة من العقود المشروعة واللازمة، والأجير منتفع من هذا العمل المقدّس إلا أن الإسلام ـ الذي يحثّ دائماً على روح التسامي ويحذر من النفسية الساقطة والذليلة ـ لم يكن مروّجاً للعمالة، كما لم يعتبرها كمالاً.

يقول الإمام الصادق %: "من آجر نفسه فقد حظر على نفسه الرزق، كيف لا يحظره وما أصاب فيه فهو لربه الذي أجره"([62]). (إذ هو فقط يأخذ منه الأجرة).

فكما يجب أن يكون لدى العمّال الموقرين الهمّة العالية كذلك يجب أن تؤمّن الوسائل اللازمة لاستقلالهم الاقتصادي من طرف المسؤولين المحترمين في النظام الإسلامي، حتى تتجاوز الحركة التكاملية للعمل مرحلة العمالة ولتصل ـ من ثمّ ـ إلى مرحلة أعلى وأسمى، وهي مرحلة ملكية العامل للعمل واتحاد المباشر والآمر، وبالتالي وحدة العامل والرئيس.

إن تربية المدراء الفاعلين، ودعم الإنتاج المطلوب في المهن والحرف، هما من الشروط المهمّة التي لا يجوز الغفلة عنها.

9ـ تجلّي الكرامة الإنسانية في العمل

يقول الأئمة الإلهيون: إن من الجدير أن لا تكون عبادة الله والعبودية له نفعية أو نابعة من خوف؛ فلا يكون منشؤها الخوف من النار أو الطمع في الجنة، وإنما المطلوب أن يكون مبدؤها المحبة والمعرفة، أي أن يرجع السبب في العبادة إلى شوق لقاء الله والارتباط به.

وهذا الأساس المعرفي والركن الاعتقادي إنما وضع لصيانة كرامة الإنسان نفسه، حتى يواجه البشر وظيفتهم الأصلية ـ والتي هي العبادة أمام المحضر الإلهي ـ بشكل كريم لا خوفاً ولا ذلةً ولا طمعاً و…

10ـ العناية بالصبغة العبادية للعمل

إن رعاية عباديّة العمل باعث من بواعث تحريك العامل وشوقه لعمله، فهو حين قيامه بوظيفته مشغول بالعبادة، لأن العمل في الإسلام له جنبة عبادية وقدسية، بل هو أرفع أنواع العبادات.

يقول رسول الله 3: "العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال"([63]).

ومن هنا أوصي العامل ـ لأجل المزيد من النجاح والتوفيق ـ بالشروع بهذا العمل العبادي على وضوء وطهارة باطنية، يقول الإمام الصادق %: "من ذهب في حاجة على غير وضوء فلم تقض حاجته، فلا يلومن إلا نفسه"([64]).

لقد كان الأئمة المعصومون يبدون رغبتهم بالعمل على الدوام ويبغضون البطالة على غرار ما كانوا فيه من شوق للعبادة والمناجاة([65]).

جاء عن بعضهم أنه دخلنا على أبي عبد الله % في حائط له فقلنا: "جعلنا فداك، دعنا نعمله أو تعمله الغلمان قال: لا، دعوني فإني أشتهي أن يراني الله عز وجل أعمل بيدي وأ


الاجتهاد والتجديد قراءة في هموم الفقه الإسلامي المعاصر(*)

10 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
653 زيارة

الاجتهاد والتجديد قراءة في هموم الفقه الإسلامي المعاصر(*)



تمهيد

الفقه الإسلاميّ وما يتّصل به من أبرز مظاهر الحضارة الإسلامية، وليس من شك في مدى الجهد الهائل الذي بذله العلماء المسلمون لبناء هذا الصرح الحضاري القانوني؛ ليكون نبراساً تهتدي به قوانين عدّة في العالم، ومظهراً رائعاً من مظاهر قراءة النصّ، وتحليل أدوات التفكير، ومقاربة الظواهر الاجتماعية و.. والتكيّف مع الواقع، ثم إعادة صياغته.

بحقّ يجب أن ننحني ـ دون مجاملةٍ أو نزعة أيديولوجية ـ أمام أولئك العظماء عبر الزمن الإسلامي، من علماء فقهٍ وأصول وحديث ورجال وبيان.. على تلك الجهود المضنية التي بذلوها لخدمة هذا الدين في هذا الميدان الرحب الفسيح، فكلّما نظر الإنسان في تراجم هؤلاء وتاريخ نضالهم الفكري تلاشت نفسه وتصاغر أمامهم، لا يجد لنفسه رصيداً أمام معاناة لا حدود لها بذلها هؤلاء بأطيافهم، وقضوا بها أيّامهم ولياليهم، لا يفترون ولا يهدؤون، لا يملّون ولا يسأمون، فأيّ لسانٍ هذا القادر أن يصف ما قدّموه وما بذلوه وما فعلوه؟! وليس أجدى هنا من أن نقول: إن السكوت المنطلق من العجز خير تعبير نملكه لمدح هذا التراث العريق، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، وأنعم عليهم في جناته، ونسأل الله تعالى أن يُلحقنا بركبهم صالحين علماء متقين، لا نرجو سوى الله، ولا نطلب غير رضاه، بحولٍ منه سبحانه.

مكانة الفقه الإسلامي وأزمة الفرضية

وليس من ريب ـ فيما يبدو ـ لمن يقرأ التراث الإسلامي أنّ لعلم الفقه والشريعة وما يتصل به من علومٍ خادمة كالأصول والحديث والرجال والبيان، مكانةً مميّزة في منظومة التفكير الإسلامي، وأهمّ ما يميّز مكانة الفقه واقعيّتُه واتّصاله بحياة الناس، فليس علماً نخبويّاً صرفاً ولا ترفاً فكرياً بحتاً، إنما هو علم الحياة، وهو الاستجابة الطبيعية لفكرة تنظيم الحياة على الوجه الأكمل، من هنا تُناقض النزعةُ الفرضيّة الفقهَ بل وتقتله؛ لأن هذا العلم إنما يعبّر عن مواكبةٍ للحياة واستجابة لها، ومتابعة لشؤونها، فلا معنى لأن ينشغل بفروضٍ غير واقعية، ما دامت الحياة لا تهدأ بوقائعها الجديدة، سيّما العصر الحاضر الذي يتحفنا كلّ يوم بمستجدّاته التي لا تكاد تنتهي، وقديماً قال الأصوليون: إن الوقائع غير متناهية، ومهما ناقشناهم في هذا الكلام فممّا لا شك فيه أنّ الوقائع كثيرة جداً لا تكاد تتوقف في تدفّقها.

وليست النزعة الفرضية نزعةً جديدةً في حياة الفقه الإسلامي، بل عرفها المسلمون منذ القرن الثاني مع جماعة فقه العراق التي عرف فريقٌ منها بـ bالأرأيتيينv، نسبةً إلى قولهم: أرأيت لو كان كذا، فالتقدير بـ bلوv عندهم كان حاضراً على الدوام تقريباً، في إشارةٍ دالّة إلى جلوسهم في بيوتهم يرغبون بالافتراض، حتى ظهرت تساؤلات لا مجال هنا لاستعراضها، مثل: هل يجوز الزواج من الجنّ؟ وهل تُحسب الزوجة من الجنّ من الأربع نساء حتى لا يجوز الزواج من خامسة إنسية؟.. وفي السياق نفسه ظهرت ما تسمّى في الفقه الشيعي: فروع العلم الإجمالي، التي ذكرت في مباحث الصلاة، حاملةً فروضاً نادرة الوقوع في أكثرها.

وهكذا يبتعد الفقه عن الحياة وينزوي داخل السجالات التجريدية؛ فيغيب عن الحياة ويحلّ محلّه فقهٌ آخر، كالفقه الوضعي الغربي و.. وبهذا تبدو ضرورة واقعيّة الفقه وأن يعيش طلابه وفقهاؤه همّ الواقع المتدفّق بقضاياه اليوم، سيّما بعد دخول هذا الفقه مجال الحياة السياسية بكلّ تعقيداتها.

ولعلّ ما يساعد على ذلك ـ في بعض الجوانب ـ الرغبة في استخدام طريقة التفريع والتشقيق المنطقي القائم على سرد التقسيمات الثنائية، وهي طريقة رائعة استخدمها الفقهاء المسلمون؛ إذ كانوا يحاولون فرز المحتملات والصور المتوقعة إمكاناً للموضوع، ليجيبوا عن تمام الصور المفترضة المتصوّرة، فتكون إجاباتهم مستوعبة لتمام احتمالات الواقع، وفي هذا الإطار يجدون أنفسهم يعالجون افتراضات غير واقعية لكنها محتملة الوقوع، إن روعة هذا المنهج لا ينبغي أن تغرق الفقيه في المفروضات ذات الطابع غير العملاني، بل يركّز جهوده بشكل مضاعف على الصور المفترضة العملية، حتى لا يغرق في احتمالات لا تمتّ إلى الواقع بصلةٍ عملياً، وإن احتملها نظرياً وفلسفياً.

الفقه الإسلامي وترتيب الأولويات

وقد لا يُمنى الفقه بنزعةٍ فرضيةٍ كالتي ألمحنا إليها، لكن ميزان الأولويات يختلّ عنده، فمباحث التخلّي والوضوء من مباحث الواقع، ليست مجافيةً له ولا بعيدةً عنه، لكنّ الأمر ليس في واقعيّة هذا البحث الفقهيّ أو ذاك فحسب، بل في الحاجة إليه أيضاً، والأهم تقدير مدى هذه الحاجة.

من هنا، تأتي عملية اصطفاء الموضوعات الفقهية لوضعها ضمن هيكل يقدّم ما حقّه التقديم ويؤخّر ما حقّه التأخير، فصحيحٌ أن مباحث التخلّي أو الوضوء واقعيةٌ وهامّة، إلاّ أنه يجب أن نقايس في كلّ عصرٍ وزمان درجة الأهمية؛ فقد نجد أنّ مباحث الاستنساخ، والتلقيح الصناعي، وفقه البنوك والمصارف والبورصات و.. تحتوي درجةً مستعجلة من الجواب، فيما التخلّي والوضوء والصلاة على درجة أقلّ، سيما وأنّ هناك مباحث سابقة في هذا دون ذاك، فحينما نتحدّث عن أولويات ونطالب المعاهد الدينية والحوزات العلمية بالتركيز على ملفّاتٍ دون ملفات لا نقصد البتّة تهميش أيّ حكم شرعيّ إلهي أو اعتباره سخيفاً والعياذ بالله، بل الحديث عن الاهتمام المعرفي بهذا الموضوع أو ذاك، انطلاقاً من مبدأ أن الفقه استجابةٌ للواقع وردّ على أسئلته.

وعندما نتحدّث عن رسم الأولويات في الدرس الفقهي وعلوم الشريعة فلا يعني ذلك عملاً فنياً صرفاً لبناء أشكال هرمية أو عامودية أو مستطيلة، بل بلورة أنظمة التفكير ـ ومعها أنظمة التعليم ـ وفقاً لمبادئ واقعيّة الفقه وأولوياته، فما معنى اليوم ـ وهذه وجهة نظر شخصية بحتة ـ لأن يأتي فريقٌ من الفقهاء يدرّسون ـ على مستوى الأبحاث العليا ـ مباحث الطهارة في عشرة سنوات أو أكثر؟! هل هذا شيء مقبول؟! وأساساً لماذا ما يزال التفكير في تدوين أو تدريس دورةٍ فقهية أو أصولية كاملة؟! وهل هناك معنى لذلك في عصر تضخّم العلوم الدينية فضلاً عن غيرها؟ لماذا لا يُصار إلى اعتماد الموضوعات والملفات والمحاور العصرية أو الأكثر حاجةً ليدرّسها الفقيه أو يجتهد فيها بدل أن يُجبر على تدريس بابٍٍ بأكمله ربما تكون ثلاثة أرباع موضوعاته غير ضروريةٍ اليوم بالمعنى الذي قلناه؟ ففي أبواب الطهارة ندرّس بعض المسائل الحسّاسة أو التي تشهد جدلاً معاصراً أو التي يكثر الابتلاء بها مثل طهارة الإنسان أو تنجيس المتنجّس أو..

نعم، نحن نعتقد بأنّ هذا الفقه متواشجٌ متداخل، وهذه نقطة لا ينبغي أن نغفل عنها، فمن الممكن أن تساعدنا مباحث لم تعد مفيدةً اليوم في دراسة موضوعات بالغة الأهميّة، ولكي أعطي مثالاً، أذكر مسألة الستر والحجاب للأَمَة المملوكة، فقد ذُكر جواز كشف شعرها مثلاً، ورغم أن هذا الموضوع لم يعد محلّ ابتلاءٍ اليوم إلاّ أنه قد يثير عند فقيهٍ تساؤلاً حول معايير الحجاب في الإسلام، فيرى أنّ حرمة المرأة ومكانتها يلعبان دوراً في إلزامها بستر جسدها، وإلاّ فقد تكون الأمة مثيرةً للغرائز كالحرّة فكيف نفسّر الموقف؟!

لست أريد هنا الحديث عن هذا الموضوع ولا تبيين رؤيةٍ بقدر ما أريد التركيز على عنصر التواشج في الموضوعات الفقهية، الأمر الذي يفرض عدم تغييب بحثٍ من الفقه، بحيث ينشأ طلاب الشريعة لا يعرفون شيئاً عن هذا الباب الفقهي أو غيره، فيحصل نوعٌ من الخلل في رؤيتهم الفقهية حتى لموضوعات هامّة اليوم.

نعم، نحن نؤمن بهذا التداخل ولسنا نريد تجاهله، لكنّ هذا شيء يقع على مستوى المعرفة والاطلاع لا على مستوى رصد الجهود لدراسته، فمن المفيد أن يكون طلاب الشريعة مطّلعين على مجمل الموضوعات الفقهية، لكنّ هذا لا يعني أن يصبّوا دراساتهم على غير الموضوعات الحيّة والمعاصرة ذات الأهمية والمبتلى بها، ومعنى ذلك أنّه لا يوجد أيّ تنافر بين اعتماد منطق الأولويات في الدرس الفقهي وبين مبدأ تواشج الموضوعات الفقهية، بل يمكن الجمع بينهما وإيجاد الملائمة والانسجام، فإذا اصطدمنا بموضوع درسناه حينئذٍ.

وربما نجد وجهة نظرٍ تقول: إن بعض الموضوعات الفقهية قد يفتقد الحضور العمليّ له، فيخرج عن دائرة التداول ـ عموماً أو جزئياً ـ على الصعيد الميداني، إلاّ أنه يظلّ يشتمل على خاصّية تفرضه في الممارسة الاجتهادية، وهذه الخاصية هي طبيعة التعقيدات والصعوبات والمشاق التي تكتنف موضوعاً فقهياً ما ممّا يجعله محكّاً لاختبار جدارة الفقيه، فيكون الاهتمام به لا من باب الحاجة العملية الميدانية له وإنّما من باب الحاجة العلمية التي تفرض شحذ الذهن وخوض المعقّد من الموضوعات الشرعية.

وعلى سبيل المثال، هناك مباحث جرى الاهتمام الكبير بها بين الفقهاء في القرنين الأخيرين، مثل مباحث كتاب bالمكاسبv للشيخ مرتضى الأنصاري (1281هـ)، فبعض موضوعات هذا الكتاب ربما يكون غير ذي أهميّةٍ على الصعيد الميداني؛ لأنه يحاكي وضعاً سابقاً في الحياة الاقتصادية، إلاّ أنّ أهميّة الاجتهاد فيه تظلّ قائمةً مهما اتسعت هذه الثغرة؛ انطلاقاً من أن الاجتهاد في موضوع شائك كثر فيه القيل والقال والردّ والتفريع تبقى له قيمته على الصعيد العلمي لبناء جيل مجتهد متضلّع في تعقيدات البحث الفقهي.

وليس من شك في واقعيّة هذه الفكرة، لكن السؤال: هل انتهت الموضوعات التي تجمع خاصية العلمية والعملانية حتى نفتّش في مثل هذه الأوراق لشحذ الذهن وتربية الاجتهاد فيه؟ وإذا كنّا نحمل همّاً في مواكبة الفقه لآخر أوضاع العالم أليس بمقدورنا وضع حلّ يجمع بين الخاصيتين المذكورتين؟ ثم من قال: إنّ هذه الموضوعات ليس من أضرارٍ ناجمةٍ عن الغرق فيها رغم الفوائد العلمية التي ترافقها؟ هل الاجتهاد غايةٌ أم وسيلة؟ وهل الاجتهاد رسالةٌ لخدمة الدين وتحقيق غايات أخرى أم هو رغبة في التفنّن العقلي فحسب؟

إننا نعتقد أنّ الاجتهاد لا يفقد خاصية الرسالية بمعنى صيرورته نقطة الانطلاق لتقديم حلولٍ للواقع على ضوء معطيات الدين ضمن الدائرة الدينية، ومن ثم فلا يمكن لمجتمع علمي يدّعي القدرة على صياغة نظامٍ أفضل من غيره للعالم أن يُغرق نفسه ويبني ثقافته على التفنّن العقلي والغرق في السجالات الفكرية التي لا مردود رئيس لها على حساب الغاية النهائية المطلوبة من وراء الفقه، إن نزعة التفكير الفلسفية قد تكون مسؤولةً ـ بعض الشيء ـ عن هذا الواقع القائم، وسيأتي الحديث عن موضوع التدخّل الفلسفي في مباحث الشريعة.

من هنا، تتضح ضرورة المطالبة باستحضار عنصري الدقّة العلمية والحاجة العملانية معاً في بلورة مناهج التدريس من جهة، واهتمامات الفقهاء والباحثين من جهة أخرى، لا الاقتصار على أحد هذين البُعدين على حساب الآخر الذي لا يقلّ عنه أهميّةً، ولو جمعناهما معاً لتوصّلنا إلى صيغة تفي بهما، طبقاً لوفرة العطاء الفقهي في غير بابٍ من أبواب دراسة الشريعة.

الفقه الإسلامي والنظام التعليمي

ومن هذا المدخل ـ منطق الواقعية ومبدأ الأولويات ـ نلج موضوع النظام التعليمي، وهو موضوع طويل، إن إصلاح نظام التعليم أهمّ مدخل ـ كما كان يعتقد الشيخ محمد عبده (1905م) ـ لإصلاح بُنيات التفكير و.. ولست أريد الولوج المطوّل في هذا الموضوع، فقد قيل حوله الكثير، لكنّي أرغب في الإشارة إلى نقاط، أتصوّر أنّها دالّة:

أولاً: إن النظام التعليمي هو الذي يخلق التفكير الأحاديّ والتعدّدي، وهذه نقطة جديرة بالوقوف عندها، فنحن نلاحظ أنّ الحوزات العلمية والمعاهد الدينية عندما تدرّس طلاب العلوم الدينية علمَ المنطق فإنها لا تقدّم لهم سوى منطق أرسطو، فينشأ الطالب ظانّاً أن معادلات هذا المنطق كأنّها متفقٌ عليها عند عقلاء العالم، وتمرّ السنون وهو لا يدري أنّ علوماً منطقية قد ظهرت، وأنّ منطق أرسطو قد اجتاحته أمواج النقد العاتية فأعملت فيه مظاهر التعرية، ولسنا بذلك نزعم أنّ منطق أرسطو قد بلى وحكمنا عليه بالمقصلة، بل كلّ ما في الأمر أننا نريد أن ينشأ الطالب على وجود اتجاهات وآراء، ولا يظنّ أن للدنيا لوناً واحداً فحسب؛ مما يخلق في تفكيره تصوّراً أحادياً عن العالم، لا يلامس الواقع والحقيقة المعرفية الموجودة.

وهكذا الحال في علم الفلسفة الإسلامية؛ فنحن نلاحظ أن الحوزات العلمية تركّز ـ إلاّ مؤخراً وبصورة جزئية ـ على الفلسفة العقلية الصدرائية ـ نسبةً إلى الملا صدرا الشيرازي (1050هـ) ـ وكأنه لا وجود في العالم لفلسفةٍ إلاّ الفلسفة الإسلامية، وأنّ الفلسفة الإسلامية قد اختُزلت في الحكمة المتعالية، تماماً كما نلاحظ حالة الإفراط هذه لدى بعض مثقفي المغرب العربي في رؤيتهم للفلسفة الرُّشدية، وهذا ما سبّب استخدام منطق التهميش للفلسفات الأخرى والتعامل معها بدونيّةٍ دون كثير اطلاع على مصادرها وأفكارها.

ولا تقتصر هذه الحالة على المنطق والفلسفة، بل تنال الفقه نفسه، فرغم التنوّع الموجود اليوم في الدرس الفقهي، وهو تنوّع لا يكاد يُنكر، إلاّ أنّ ثمّة مشاهد تظلّ مغيّبةً عن طلاب الشريعة، يتربّون على غيابها، مثل الفقه السنّي في الوسط الشيعي، والفقه الشيعي في الوسط السنّي، أو الفقه الوضعي في الوسطين معاً، فلا يطّلعون عليها إلاّ بعد مرحلة الاكتمال الفكري، التي تفرض رؤيةً أيديولوجية ذات أحكام مسبقة على الآخر في كثيرٍ من الأحيان، وستكون لنا وقفةٌ مع موضوع تنوّع المشهد الفقهي قريباً إن شاء الله تعالى.

وبهذا يجدر أن لا نستهين بالأحادية التعليمية التي ينغمس طالب الشريعة في أجوائها ما لا يقلّ عن عقدٍ كاملٍ من الزمان، وهو أمرٌ تُسأل عنه البرامج التعليمية الحالية، مع تقديرنا لجهود مشكورة تقوم بها المعاهد والحوزات الدينية في هذا المضمار.

ثانياً: ثمّة أزمة ثقة يعانيها طلاب الشريعة الآملون في التغيير، وهي أزمة تخلق ـ فيما يبدو ـ نوعاً من انفصام الشخصية أو من الازدواجيّة، ولعلّ هذه الأزمة المزدوجة (الثقة ـ الازدواجية) من أخطر الأزمات التي تعانيها الحوزات العلمية اليوم.

ولكي أوضح هذه الفكرة، أجد نفسي مضطراً لذكر هذه القصّة، فقد التقيت بأحد أبرز تلامذة الشهيد السعيد محمد باقر الصدر (1400هـ)، وهو من الفقهاء المعاصرين البارزين، وكان حديثٌ عن الفقه و.. فسألته عن السبب الذي دفع مفكّراً كبيراً كالسيد الصدر، وهو رجل المرحلة، والعارف بزمانه، أن لا يدرّس في حوزة النجف آنذاك فقه الاقتصاد، أو فقه الأسرة، أو فقه العقود وأنظمة المال، أو فقه القضاء، وهي ملفّات شائكة وبالغة الأهمية، وجميعنا يعرف لو ولجها الصدر بعقليته الفقهية و.. لقدّم نماذج مهمّة تحتاجها الأمة وتنمو بها المعرفة، بل يستبدل ذلك كلّه بتدريس كتاب الطهارة، إلى مباحث الحيض، في مدّةٍ لا تقل عن ستة عشر عاماً، وما طُبع له في مباحث الطهارة على العروة الوثقى لم يكن سوى بعض تلك الدروس لا جميعها.

كان جواب هذا الفقيه البارز أنّ بعض تلامذة الشهيد الصدر هو من أقنعه بأن يدرّس كتاب الطهارة، مع رغبة الصدر في تدريس فقه العقود مقارناً بآخر النظريات الوضعية في الفقه الغربي، والسبب في ذلك أنّ الحوزة لن تعترف بك ـ أيّها الصدر ـ إذا درّست مباحث جديدة، بل علينا الشروع بمباحث تقليدية حتى يُصار إلى كسب الاعتراف، ثم الانطلاق بعد ذلك في المشروع الخاص، وهكذا شرع الصدر في مباحث الطهارة، ليدرّسها أكثر من ستة عشر عاماً.

كيف يمكن لنا تصوّر حجم الخسارة التي مُنيت بها الحوزة العلمية بهذه الخطوة؟ لقد صرف الصدر أقلّ من نصف هذا الوقت ليكتب bفلسفتناv، و bاقتصادناv، و bالأسس المنطقية للاستقراءv، تلك المشاريع الثلاثة التي لا يحتاج الأمر للحديث عنها، فلو صرف ستة عشر عاماً للتنظير للفقه الاجتماعي بأبعاده ماذا كنّا وجدنا اليوم؟ كيف يمكن غفران هذا الحدث؟! ومن هوالمسؤول عنه، وعن كثيرٍ من أمثاله؟!

بهذا المثال التقريبي أبدأ فكرتي، إشكالية تتجاذب المصلح الديني في المؤسسات الفكرية الدينية، هل يشرع ـ لكسب الاعتراف به ـ بنمط تقليدي مدرسي فتمرّ الأيام ثم تمرّ المشاريع وتذوب بعد الغرق في تعقيدات الأوضاع التقليدية، أم يبدأ في عملية التغيير وفق قناعاته منذ البداية لكنه يصطدم بعدم الاعتراف به مما يُعجزه عن التغيير؟

سؤال رئيس، وجوابه ـ في الوقت عينه ـ معقّد متشابك، فقد رأينا في حياتنا أشخاصاً متذبذبين خائفين أن يُنبذوا أو لا يُقَرّ لهم باجتهاد أو فقاهة، فاضطرّوا للتخلّي عن قناعاتهم مرحلياً، لكن مرور الأيام قضى على تلك القناعات وجعلها رذاذاً منثوراً.

من هنا، تبدأ معاناة طلاب الشريعة، حيث التذبذب بين المناهج، فيضطرّ الطالب لدراسة كتب لا يؤمن بعظيم الفائدة من دراستها، مع كلّ الاحترام لها ولمؤلّفيها، لا لشيء سوى الخوف من أن يُنعت بالضعيف علمياً أو…، وبهذا تموت القدرات والطاقات وتذهب الآمال رويداً رويداً، وتبقى المظلّة الكلاسيكية تخيّم فوق رؤوس الجميع، وقبل كلّ شيء فوق رؤوس ألدّ أعدائها، إنه القدر الذي أصاب ويصيب غير صرحٍ علمي في حياتنا الدينية، ولهذا لا بدّ من تفكير جادّ، ليس شكلياً بل جوهري، تفكيرٍ لا يعيش عقدة الخوف ولا يبحث عمّن يشهد له أو يمتدحه، تفكير لا يريد إلاّ الله حتى لو ذمّه العالم، ولا يسعى إلاّ خلف رضوانه حتى لو عاداه الخلق كلّه، يعرف المدارة لكنه لا يقتل نفسه داخلها، إنّه لا يصنع أفكاراً واهمة تجعله كدودة القز تقتل نفسها بنفسها، فيسلّي نفسه تارة بأنه يقوم بتغيير تدريجي، أو يؤنسها أخرى بأنه يمارس تكتيكاً…

مسؤولية مَنْ تلك أن نبعث في نفوس طلاب الفقه والشريعة الثقةَ بأنفسهم حتى لو لم يسيروا وفق المألوف الذي لا يؤمنون به؟ أليست مسؤوليّة أساتذة الحوزات العلمية ومربّيها أن يعملوا على ذلك؟ إلى متى الارتكاس والخوف؟ وإلى متى القلق على مصالحي ومصالحك أن تصدر بنا فتاوى أو تنهال ضدّنا البيانات الصاخبة؟ لو كان الإمام آية الله الخميني يفكّر بهذه الطريقة لما شاهدنا كلّ هذه الإنجازات التي قدّمها؟

كيف يمكن ـ بعد اليوم ـ أن نتناول هذه الملفّات بابتسار أو استخفاف؟ لقد وضع مرشد الثورة الإسلامية آية الله السيد علي الخامنئي حفظه الله تعالى كلّ ثقله وما يملك من نفوذ لإيجاد تغييرات في الحوزة العلمية، وبعد أكثر من عقدٍ من الزمن على مشروعه هذا ومع كلّ الإنجازات الرائعة التي تحققت، ما زلنا نجد وضعاً في غاية المأساوية، فإذا كانت الحال كذلك فأيّ أملٍ يرتجى إذا لم ينهض الجميع ويأخذوا الأمور بجدّية أكبر؟!

من الضروري التفكير بإعادة الثقة للطلاب الطالبين للتغيير، ولست أتكلّم هنا مع الفريق الذي لا يؤمن بتغييرات في مناهج التعليم، فإنه يختلف معنا جذرياً، وهذا حقّه ووجهة نظره التي نحترمه عليها، إنما الحديث هنا مع دعاة التغيير والمؤمنين به، لماذا الصمت وإلى متى نترنّح اعتماداً على ما قدّمه الصدر والمظفر و.. قبل عقودٍ عديدة؟!

يجب أن نشير أخيراً إلى حالة جديرة بالثناء، انبعثت مؤخراً في أوساط طلاب العلوم الدينية في الحوزات العلمية بإرشادٍ ودعم من المؤسّسات المشرفة على عمل الحوزة في إيران وغيرها، وكلّنا معهم ـ مهما كانت الأخطاء ـ نشدّ على أيديهم، وإذا لم يكن من سبيل للخدمة فلا أقلّ من الرضا والدعاء.

الفقه الإسلامي ومسألة التجديد

ومسألة التجديد هي الأخرى مسألة طويلة معقّدة، لا تستهدف هذه الأوراق الخوض فيها، إنما تعنيها بعض وقفاتٍ نوليها أهميةً.

1 ـ أولى قضايا الهمّ التجديدي، مسألة الانكماش النفسي أمام هذه المقولة في الأوساط الدينية، فهناك خوفٌ حقيقي منطلق من معطيات موضوعية من مشاريع التغيير والتجديد، هناك قلقٌ على المسألة الدينية ككلّ؛ ذلك أنّ العديد من مشاريع التجديد الديني في الغرب والشرق، وفي ساحتنا الإسلامية، كانت لها مردودات سلبية واضحة على الحسّ الديني عموماً، وقد دفعت هذه التجارب ـ إلى جانب حساسية الموضوع الديني ـ جملةً من العلماء للحذر من محاولات التغيير، خصوصاً في ظلّ العولمة الثقافية التي يقودها الغرب، وفي ظلّ الاستمداد المعرفي (وأحياناً الاستلاب) الذي يمارسه التجديديّون إزاء الغرب، كونه يمثل بنظرهم حضارةَ اللحظة ومعرفة العصر.

من هنا، تشابكت في الوسط الديني مسألة التجديد مع سلب الهويّة، ودخل موضوع تغيير الواقع في جوٍّ من الخوف على انفلات الأمور نحو ما لا تُحمد عقباه، وللحقّ يقال: إن مقداراً من هذه المخاوف منطقيّ ومبرّر.

لكن هل يصحّ تحكيم هذه المخاوف لتمثل ثقافةً تقدّم دفع المفسدة على جلب المصلحة دوماً؟ لنفرض أنّ أخطاءً قد وقعت، وبعضُها فادح، هل ينسف ذلك أصل المشروع؟ وهل يجعل المبدأ دوماً عرضةً للتساؤل؟ سيّما مع وجود عيّنات تجديديّة ممتازة ومُرضية استطاعت تقديم صورةٍ إيجابية عن المشروع التجديدي، لماذا إذا اتّهم الغربُ الإسلام بتهمة عذرنا بأنّ ذلك كان خطأ في التطبيق هنا أو هناك، أما عندما يحصل خطأ في الطرف المقابل لا نستخدم الأمر نفسه؟

نحن نعتقد أنّ الخطأ في مثل هذه الحال قد يطال المبادئ والنظريات، لكن ذلك ليس على نحو العجالة، بل لابدّ من درس الأمر لتحديد أن مسؤولية الخطأ هل ترجع إلى المشروع نفسه أم إلى بعض امتداداته أو بعض تطبيقاته؟ وبعد ذلك نحكم بجدوائيته أو عدمها، لا إصدار قرار عام، سيما إذا كنا نؤمن سلفاً بضرورة المشروع من حيث المبدأ.

كما أنّ وجود أخطاء في مشروعٍ ما يجب أن يدفعنا إلى النظر في مدى قابليته للإصلاح والإحياء، فهل هذه الأخطاء بحدٍّ تمنع أساس انبعاثه سليماً مستقيماً أم أنّها بحيث يمكن تفاديها ضمن الحدّ المعقول والمنطقي؟ إضافةً إلى أنّه لا يخلو مشروعٌ تغييري من مفاعيل عكسية، ولا نسمّيها أخطاء؛ لأن الخطأ الذي يُلام صاحب مشروعٍ عليه هو الخطأ الذي يخرج عن الحدّ الوسطي من الاشتباهات، وإلا فلا يحاسب غير المعصوم وكأنّه معصوم؛ كي لا نكون مثاليين في تعاطينا مع الظواهر والأحداث.

من هنا، لابد من حساب مجموع المساوئ والمحاسن مع لحاظ تمام هذه الأمور؛ لكي لا نشطب على مشروع بالمرّة أو نختزله في صور بائسة لا تكاد تفعل شيئاً على أرض الواقع.

على أنّ هناك نقطةً جديرة، وهي أنّ رفض المشروع قد يدفع فرقاء آخرين في الساحة لتبنّيه، الأمر الذي يزيد الأمور تعقيداً ويفتح الهوّة أكثر فأكثر بين الطرفين، أما لو بادرت الجهات المعنيّة التي تعيش قلقاً من الآخر لخوض غمار هذه التجربة فلربما حققت نجاحاً مضموناً؛ كون الأمور بيدها، كما ولربما سحبت شرعية الطرف الآخر الذي قد يغذّي وجودَه على تقليديّة الطرف الأول وانزوائه ومزيد تشدّده، فقد يُنشؤ التطرّف في طرفٍ شرعيةً للطرف الآخر وحجّة، فيما يذيبه الاعتدال أو إقدام الآخر على المشروع نفسه.

2 ـ ما هو الذي نريد أن نجدّد فيه؟ سؤال اختلفت حوله الأجوبة، فبعضهم يرى أنّ المطلوب التجديد في اللغة؛ بأن نبقي الأفكار فيما نغيّر طريقة عرضها، وبعضهم يطالب بتجديدات شكلية أوسع نطاقاً.

أما ما نعتقده حاجةً للتجديد، فليس فقط البُعد الإداري أو التعليمي أو اللغوي أو.. وإنما الخطاب الذي يعني بُنية التفكير وطرائق التعقل، فهذا هو المحور الرئيس الذي يرفد سائر المحاور التجديدية، فعندما تتداوى المعدة يصبح الشكل الخارجي للوجه أكثر نضارةً بزوال البثور عنه، من هنا كان اعتقادنا بأن فشل جملة من تجارب الإصلاح إنما جاء من سطحية تناولها للمشكلة، فعندما تبسّط المشكلة ثم تضع حلاً لها فأنت لا تكون قد فعلت سوى عملية تخدير مرحلية، سكّنت الأوجاع، ثم ما تلبث أن تتجدّد، وربما يكون التجدّد تأزيماً أكبر للواقع؛ لأن مرور الزمان يزيد الأمور تعقيداً وتفاقماً.

من هنا الإصرار على ضرورة تناول الملفات الحسّاسة، ذات الطابع المعرفي والمنهجي؛ لأنها التي تمثل عصب التفكير، وبإعادة النظر فيها وإعادة ضخّ التفكير حولها يمكن وضع الإصبع على الجرح، وإن كان المهمّ ـ قبل ذلك ـ أن نحسّ بهذا الجرح ونتألّم.

لهذا كان تناول الموضوعات الحساسة فكرياً حاجةً، لا لرغبةٍ في التشكيك أو جموحٍ نحو الذاتية، بل لرؤية تجد أنّ في بنية التفكير أزمةً، وفي الممارسة أزمة، فعلى كلّ منّا السعي لاستلام ملفّ من هذه الملفات لدراسته ووضع تصوّر عنه.

3 ـ هل هناك علاقة بين التجديد والتضليل؟ وهل أنّ مشروع التجديد يؤدّي عادةً إلى تضليل الناس، سيما غير المختصّين منهم؟ وكيف يمكن التوفيق بين الرسالية الدينية وبين الهمّ التجديدي؟

يذهب فريقٌ كبير من علماء الدين المسلمين إلى أنّ عملية التغيير والتجديد لا يمكن القبول بها داخل نظام حريّة الرأي، فالتجديديّون يقولون: إن حركة التغيير لا يمكن أن تحصل في ظلّ قمع وانحصارية وشمولية واستبداد، لهذا كان من الضروري أن تصاحب العملية حرية في الرأي والفكر والتعبير، حتى يتسنّى ـ بإيجاد موجةٍ من الحراك الفكري والجدل المعرفي ـ إحداث قفزة في التفكير عبر ضرب الآراء ببعضها، بل قد تعدّى الدكتور أركون هذا الأمر ليتحدّث عن موضوع الأشكلة، إنّه يرى أنّه لا يمكن تناول موضوعٍ ما قبل أشكلته، بمعنى تحويله الى موضوعٍ إشكالي غير مسلّم به، بل مشكّك فيه؛ إذ بهذه الطريقة يتمّ إسقاط القداسة أو الهالة المصطنعة حوله؛ ممّا يفسح المجال لمعالجته بطريقةٍ علمية غير مؤدلجة أو قلقة.

وهذا الموقف هو ما زال يثير حفيظة التيار المدرسيّ في المعاهد الدينية؛ لأن فسح المجال لحريّة الرأي سوف يؤدي إلى نشر الأفكار الضالّة والمنحرفة، الأمر الذي لا تجيزه الشريعة ولا يقرّه الإسلام، فكيف يمكن أن نسمح للأفكار الضالّة المنحرفة أن تأخذ حرّيتها في مجتمع الإسلام والمسلمين فتضلّ الشبابَ البسطاء، وينطلي أمرها على العامّة من الناس غير المختصّين بالعلوم الدينية؟! فحتّى لو كانت لها فائدة إلاّ أن مضرّات ذلك على تديّن الناس لا تسمح لنا بتبنيّها، من هنا فإذا سمحنا لكلّ جديدٍ فقهيّ مخالفٍ للإجماع أو المشهور أو سيرة السلف أن ينتشر بين الناس فسوف نسقط هيبة الفقه والفقهاء، ولن يثق الناس بعد ذلك برأي هذا الفقيه أو ذاك، بل سيبادرون إلى اعتبارهم أنفسَهم أكثر فهماً منه بحجّة كذا وكذا..

وأمام الموقف الداعي إلى حرية الرأي في العلوم الدينية، سيّما الفقهية وما يتصل بها، والموقف المتحفّظ من ذلك الراغب في أن تبقى أيّ عملية تغيير داخل القنوات الخاصّة بالمؤسسة الدينية حذراً من مخاطر على العامّة من الناس، يفترض أن نسجّل موقفاً يبيّن طريقة تفكيرٍ لمعالجة هذا الموضوع الإشكالي.

أستخدم ـ لهذا الغرض ـ مدخل: استراتيجي وآني؛ ذلك أنّ الموقف من هذا الموضوع يفترض أن يحسب جيداً الأرباح والخسائر، لكن لا بأخذ قطعةٍ زمانية أو مكانية محدودة وإجراء الاختبار أو الدرس عليها، وإنما بتوسعة دائرة التجربة ليُقرأ الحدثُ على المستوى الحضاري العام، فقد أنظر إلى جماعة المؤمنين في مدينتي أو قريتي فأجد bالآنv أنّ نشر وجهات النظر المختلفة فيما بينهم سوف يؤدي إلى انحراف ولو خمسة في المائة منهم عن جادّة الطريق الذي ـ وطبعاً ـ أؤمن أنا به، وأعدّ الانحراف عنه ضلالاً وزيغاً.

ومعنى ذلك أنّ هناك أمرين: أحدهما: اعتبار أفكاري هي المعيار، ثم افتراض أنّ أيّ حيادٍ عنها يعني درجةً من الانحراف عن الحق، وثانيهما: أخذ عيّنة bالآنv وما يحيط بها زمانياً، وكذا بعض العيّنات المكانية الوسيعة أو الضيّقة في الحسبان، وعلى ضوء هذين العنصرين جرى الحكم.

قد لا يكون معنى للريب في أن نتيجة الحكم ستكون موقفاً سلبياً من الرأي الآخر؛ إذ كلّ الشواهد تصبّ في خانة المعطيات السلبية الناتجة عن فسح المجال له، لكن ماذا يمكن أن يحصل لو عدّلنا الصورة؟

إذا قمنا بحساب الأمور ضمن نطاقٍ محدود، فسوف تنتج معطيات، لكن الأمور عينها إذا حسبناها على نطاقٍ واسع وممتدّ في الزمان فسوف تعطينا تصوّراً مختلفاً، ففي بعض الدول ذات الكثافة السكّانية حدّدت الدولة طفلاً واحداً لكلّ أسرة، لكي تحول دون حصول المزيد من التضخّم السكاني المفضي إلى أزمات اقتصادية رهيبة، والذي حصل أنّ كلّ أسرة فكّرت بحسابها فوجدت أنه عندما يعلم الوالدان بأنّ الطفل أنثى سوف يعملان على إسقاط الجنين؛ لأن الحاجة إلى الذكر أكبر، وحيث إن الخيار محدود، وهو طفل واحد، كان معنى ذلك اختيار أفضل الخيارين الجيدين في حدّ نفسيهما، وهكذا كثر الأولاد الذكور، وبعد مضي عقود من الزمن زاد عدد الذكور في البلاد ثلاثين مليون نسمة عن عدد الإناث، مما خلق أزمة اجتماعية أكثر رعباً وخوفاً.

هكذا تختلف القراءة من قراءة تنظر ضمن إطار، إلى قراءة تحاول أن تستشرف المستقبل والوجود الجمعي للأمة والمجتمع، لا وجود هذا الفرد أو ذاك.

على خطٍّ آخر، ليس من حكم نحكم به لا سلبية فيه، فإذا كان معيار ضعف حكم اشتماله على نقطةٍ سلبية فحسب، عنى ذلك أن أغلب القوانين سوف تزول وتندثر؛ لأن فيها جميعاً عناصر سلبية على أرض الواقع، إنما المهمّ ضرب السالب بالموجب لنخرج من ذلك بحصيلةٍ جامعة، تكون هي ـ لا غير ـ معيار صواب حكمٍ أو عدم صوابه.

ما نتصوّره أن منح الحرية الفكرية داخل الساحة الإسلامية بأطيافها وتوجّهاتها قد تكون له مضارّ دينية على جماعة أو شريحة لزمنٍ أو لفترة، لكن ما نريد أن ننظر إليه هو القراءة على المستوى الحضاري الممتدّ لعقود، لننظر أيّ الخيارين هو الصحيح وفق هذه النظرة؟

إنّ الجواب عن هذا الموضوع لا يكون إلاّ بقراءة التاريخ، فأيّ فترات التاريخ هي الأخصب معرفياً وفكرياً وحضارياً؟ حُقب الاستبداد وإحراق كتب الفلسفة أم حقب التعدّد والانفتاح؟ أليست حقبة المأمون من الحقب الإيجابية لما نشرته من فكرٍ غربي وما سمحت به للعلماء من المناظرة والاختلاف؟ لو مورس القمع في الاختلاف الفقهي هل كنا سنجد هذا التراث الضخم من تعدّد الآراء والمناقشات؟ متى تنمو النظريات والأفكار والمعارف؟ إنّنا نسأل الطرف الذي يمارس القمع اليوم بأشكاله ـ جميعاً أو بعضاً ـ هل كان سيقبل باستخدام منطقه في حقّه؟! ألا ينادي الإسلاميون اليوم في البلاد العربية بالديمقراطية وحرية التعبير، فما بال بعضهم عندما تغدو الأمور بيده يظهر أسوأ من الواقع الذي نقده؟! هل هي ازدواجية المعايير التي ندين الغرب عليها أم حكم المصالح الذي نرفضه على مستوى القيم العليا؟! كيف يمكن أن تنهض أمّة لا تسمح بتعدّد الآراء واختلاف وجهات النظر، هل غدت المكتبة الإسلامية والموروث الديني الذي نتغنّى به ونفتخر بكل هذا الثراء بما فسحه التاريخ للآراء جميعها من مجال أم غدت كذلك بالقمع والتكفير و..؟! ولو قدّر لفريق واحد وفقط واحد في ميادين المعرفة الدينية المختلفة أن يبطش بيدٍ من حديد هل أصبحنا حضارةً ومدنية؟!

حذار من المقولات المتناقضة، نمتدح أمراً ثم نذمّ منطلقاته التي أتت به، أو نذمّ أمراً ثم نمتدح مظاهره ونعتزّ بها، فالمفترض أن نكون أكثر منطقيةً وانسجاماً في أفكارنا.

إننا نتكلّم على الصعيد الفكري والعلمي والثقافي، ولا شأن لنا هنا بالحريات الشخصية والإعلامية والسياسية والاقتصادية.

من هنا، يُفترض أن يحسب الأمر على مستوى مصالح الأمّة في مشروعها النهضوي بأطيافها ومدارسها، لا أن نحسب الأمور على حساب قريةٍ أو مدينة، صحيح أن بعض السلبيات سوف تظهر، لكننا مطالبون بالسهر على تفاديها قدر الإمكان، فالعلم لا يسير بفتاوى التكفير بل بقلم المعرفة وعين المنطق.

إن أكبر أخطاء المشروع الإسلامي أن يتعامل في الفكر والثقافة بمنطق العسكر والأمن وأجهزة الاستخبارات، أو يتعامل في قضايا الأمن والعسكر بمنطق الثقافة والفنّ، لا يوجد اليوم عقلٌ واحد يمكن أن يدير حقول المعرفة، فلكلّ حقل عقل، ولكل علم تفكيره، فلا يصحّ التعامل مع الفلسفة بمنطق الفهم العرفي اللغوي المتسامح، ولا يُحكم الفقه بعصا فلسفية، كما لا ينتج الأدب والفنّ في مدارس الرياضيات والفيزياء، وهذه حقيقة يجب وعيها، يجب أن ندرك جيداً أننا في الحياة العلمية نريد رجال علم مزيّنين بسلطة اجتماعية و..، ولسنا نهدف إلى رجال سلطة مزيّنين بعلمٍ ومعرفة، فهذا خطأ تاريخي قلب موازين التفكير في أكثر من واقع إسلامي.

من هنا، نؤمن بمفهوم تعدّدية الفكر في مجال الفقه والأصول وكلّ ما يخدمها من علوم، لا احتكار للمعرفة هناك ولاسرقة لها، إنما فارس الميدان هو الفكر والقول والإقناع والقلم واللسان، ولا نمانع من التوافق على صيغ تضبط حركة الحرية الفكرية تبعاً للخصوصيات المجتمعية والحضارية، شرط أن لا يستغلّ هذا الأمر ـ كما يحصل كثيراً ـ لنسف أصل المشروع واختزاله وإلغائه عملياً.

كما لا بدّ أن نشير هنا إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي مرجعية الإجماع أو الشهرة أو سنّة السلف أو ما شابه ذلك من مفاهيم، كعمل أهل المدينة في المذهب المالكي و.. إنّ هذه المقولات رغم أنها تساعد في بعض الأحيان على التوصّل إلى نتائج في الاجتهاد الفقهي، وهذا شيء لا ننكره، إلاّ أن حجم تأثيرها أقلّ بكثير من الصورة المرسومة لها ولدورها في الاستنباط، ومن ثم فهم رجال ونحن رجال، وكم ترك الأوّل للآخر، فلا يصحّ اعتبارهم مرجعاً نهائياً نضيفه على الكتاب والسنّة، ولو سمّيناه بالطريق إلى السنّة، فإن هذه التعديلات في التسمية لا تغيّر من واقع الأمر شيئاً، وهو أن الكثيرين اليوم يخافون من التوصّل إلى آراء تقع على طرفٍ آخر مما ساد الدرس الفقهي والأصولي، وهذه العقلية القلقة ـ بالمعنى غير الإيجابي للكلمة ـ لن تقدر على تقديم جديد يُذكر، وستبقي الاجتهاد نحواً من التقليد، يدور في مدارات الآخر الذي مضى، فيما المطلوب الخروج من هذا النفق.

ولسنا نريد دراسة هذا الموضوع هنا، بقدر ما نقدّم تصوّرنا عنه، ونراه مسؤولاً عن كثير من مظاهر الضعف والعجز والفشل الذي أصاب ويصيب المؤسسة العلمية في عالمنا الإسلامي.

كما لا نقصد ما يقصده بعضهم من الرغبة في مخالفة رأي مشهور العلماء، سعياً وراء الشهرة أو الصيت ـ والعياذ بالله تعالى ـ فقد عايشنا بعض من أشغف قلبه بحبّ الخلاف، طلباً لذلك، كما نلفت إلى أنّ قيمة الأبحاث العلمية ليست بنتائجها، وأنّها موافقة لرأي من سلف أو لا، بل في مستوى البحث وعمقه ودقته وعلميّته وأمانته وموضوعيته، فما صار شائعاً في بعض الأوساط من احترام شخصٍ لمخالفته للمشهور ليس علامةً صحيّة في الموازين العلمية، وإن دلّت على شجاعة، بل المفروض الجمع بين هذه الشجاعة المعرفية وجرأة المعرفة من جهة، وبين الأكاديمية العلمية والإنصاف وطلب الحقيقة وتوخي شروط المعرفة والبحث من جهة أخرى.

الفقه الإسلامي ومستويات الخطاب

لكلّ علم لغته المختصّة التي تحوي مصطلحاته وتراكيبه، ولا تظهر هذه المصطلحات عبثاً، إنما تمثل عادةً مراكمة التطوّر المعرفي لهذا العلم، وهذا ما جرى على علم الفقه وما يتصل به.

لكنّ الملاحظ في علم أصول الفقه السنّي في بعض حُقبه، كما فيما بعد القرن السابع الهجري إلى قرابة قرنين من هذا العصر، وعلم أصول الفقه الشيعي في القرون الثلاثة الأخيرة، دخول العلم حيّز التعقيد اللغوي، مما يجعله بعيداً عن تناول فئات أخرى من المجتمع، ولا ضير في هذه اللغة عندما تكون ضمن الحدّ المعقول، أمّا عندما تدخل دائرة الإفراط والمبالغة التي تتفنّن بتعقيد الكلام حتى لا يكاد يفهمه بعض مختصّي الفنّ أنفسهم، كما عُرف عن بعض كتب أهل السنّة، مثل كتاب التحرير لابن الهمام الحنفي (861هـ)، وشرحه التقرير والتحبير لابن أمير الحاج (879هـ)، وكتاب المغني في أصول الفقه، لجلال الدين الخبازي (691هـ)، أو بعض كتب الشيعة مثل كتاب: كفاية الأصول، لمحمد كاظم الخراساني (1329هـ) و.. ففي هذه الحالة لا يغدو الأمرُ ظاهرةً صحيّة بل حالةً مرضية داخل العلم؛ لأنها تشغل مختصّيه ـ فضلاً عن غيرهم ـ ردحاً من الزمن بتفكيك الكلمات وتقليب الألفاظ، فيضيع الإبداع في المعنى لصالح الإبداع في التركيب اللفظي.

بل قد تجد من يريد أن يفتخر بهذا التعقيد، فتسمع من أبناء الطائفة الشيعيّة العلماء من يريد نشر نتاجات الشيعة الفقهية والأصولية بين أهل السنّة، وعندما تطالبه بتبسيط اللغة كي تصل الأفكار إلى الطرف الآخر، فهو لا يبالي، بل يعتز بأنّهم لا يفهمون منها شيئاً، في إشارةٍ إلى رغبة في إيصال رسالةٍ للطرف الآخر بالاقتدار العلمي، بدل أن يكون نشر الفكر هو رسالة العلماء والباحثين لا استعراضاً للقوى والتخايل بها.

هنا تموت الرساليّة في المعرفة إلى مصارعة ومطاحنة، ويموت الهدف الرئيس الذي من أجله جاء العلم، ليفهم الإنسانية نفسها ووجودها ومبدءها ومعادها، لا لكي يبخل على الناس بالمعرفة، ادّعاءً بحماقة البشر إلاّ نفسه، وجهالتهم إلاّ هو، فليحسب طلاب العلوم الشرعية الغارقون في دراسة الكتب والمناهج الفقهية والأصولية في الوسط الشيعي، وليتحدّثوا مع أنفسهم في هذا الأمر، كم من عمرهم صرفوا ليفهموا مراد هذا العالم أو ذاك المصنّف بعد صراعات مريرة على تفكيك نصّه وتحليل كلماته؟! ولو أنّ لغة العلم غدت واضحةً شفافة، لا مبتذلةً مستهلكة ولا معقّدة متشابكة، لاختصرنا الوقت وكسبناه في آنٍ معاً، وصرفنا جهودنا الجبّارة على تفكيك المعاني ونقدها وتطويرها وإبداعها.

ولعلّ التأثير الفلسفي على علمَي الفقه وأصوله ساعد على بناء هذه اللغة المعقّدة، وهو خلل منهجي ليس على مستوى اللغة والخطاب العام، بل على مستوى آليات البحث أيضاً؛ فقد جرى استخدام منهج فلسفي في مباحث بحت لغوية استظهارية دلالية، لا تحليلية، كما تأثر الفقهاء أحياناً بالفلاسفة والعرفاء في إقصاء أفكارهم عن التداول العام، كان من أسبابه في الفلسفة والعرفان والتصوّف تصادم مقولات هذه العلوم مع الرأي العام والوعي الديني الشعبي، بل مع وعي الفقهاء الرسميين أيضاً، وبسبب الخوف بأشكاله، اضطرّوا لتعمية مفاهيم عبر إغلاق النصوص وتعقيدتها، بل لقد تواصوا بذلك فيما بينهم، كما حصل مع إخوان الصفا وغيرهم، إلاّ أنّ هذا الأمر لا ينطبق على جهود الفقهاء والأصوليين والمحدّثين و.. ومن ثم فلا معنى لاستعارة هذا المناخ الفلسفي ـ الصوفي إلى علوم تحسب عندهم ظاهرية، ولعلّ ال


تحديات الاقتصاد الإسلامي ما هو محل النظرية الإسلامية من الإعراب في الألفية الثالثة؟!

9 أغسطس 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

صعوبة البحث

1ـ من الصعب تقويم كتاب «اقتصادنا» تقويماً موضوعياً بمعزل عن مشاعر الحب والتقدير والعرفان، التي تملأ جوانح الباحث لصاحب الكتاب، خاصة عند أُولئك الذين عاصروه وصاحبوه، وغرفوا من بحره، وشربوا من نبعه الصافي. هنا تختلط المشاعر مع التقويم الأكاديمي العلمي الموضوعي.

2ـ الصعوبة الثانية هي أن الباحث يشعر وكأنه يقف أمام عملاق من عمالقة التاريخ، يتهيب عندما يريد أن يشير إلى "ثغرة"؛ لأنّه يخشى أن يكون قد فاته جانب آخر لم يلتفت له يجيب عن الإشكال الظاهري، فيبقى في حيرة وتردد في التأشير على مواطن يراها جديرة بالتقويم.

مشكلة المصطلح

هل يصح أن نطلق على اقتصاد يعالج النواحي الاقتصادية في المجتمع الإسلامي مصطلح "اقتصادنا"؟

لماذا لم يطلق صاحب «اقتصادنا» على كتابه «الاقتصاد الإسلامي» وأطلق عليه «اقتصادنا» بدلاً عن ذلك؟

هل يمكن الحديث عن: التكنولوجيا الإسلامية أو الفيزياء أو الكيمياء الإسلاميتين أو العلم الرقمي الإسلامي؟

إذا قورن «الاقتصاد الإسلامي» بالمذاهب الاقتصادية الأُخرى مثل اقتصاد آدم سميث وكارل ماركس، سوف نلحظ أن تلك المذاهب مبنية على أُسس تجريبية وإحصائية، وبعضها على قواعد تطبيقية. وقد تطورت هذه المذاهب من خلال الممارسات العملية، حتى أصبحت موجهة باتجاه تنمية وتطوير الأنظمة والمناهج المتبعة في تلك النظريات والمذاهب.

فعلى هذا الأساس، فإن أكثر ما يمكن أن نتوقع من ما يسمى بـ«الاقتصاد الإسلامي» هو:

1ـ تحديد أهداف عريضة مقبولة ضمن المنظومات الإسلامية العامة.

2ـ تحليل لرؤى ومشاكل اقتصادية تعنى بشكل خاص بالمجتمعات الإسلامية.

فعلى أساس هذا الفهم في التعريف: يكون الاقتصاد الإسلامي فرع صغير من نظريات التنمية والتطوير الاقتصادي في أي بلد، أي يشكّل جزءاً من قوانين تحليل الربح والكلفة والتحويل العام وبقية فروع نظرية التنمية الوطنية.

وقد حاول الكثيرون إعطاء تعريف للاقتصاد الإسلامي ولم يوفقوا، ففي السبعينات ـ مثلاً ـ أعيت السبل مفكرين وإسلاميين في «بنك التنمية الإسلامي»، ثم بعد ذلك «المؤتمر الإسلامي في لندن»، «تبعها مؤتمر مكة» في أُكتوبر 1978 وما خرج عنه. ومع أن كل ذلك جاء متأخراً على «اقتصادنا»، فإنهم لم يوفقوا في وضع تعريف يحدد ما هو «الاقتصاد الإسلامي».

وبات «الاقتصاد الإسلامي» يتجه نحو تطوير السياسات والمؤسسات الاقتصادية التي ينجذب إليها المسلم الملتزم، وأصبح «الاقتصاد الإسلامي» يحاول أن يسد حاجات هذه المجموعة من المسلمين الملتزمين. ولم يطرح نظرياً أو عملياً أي حل اقتصادي كامل وشامل ضمن أُطروحة إسلامية عامة، أي كجزء من كل في منظومة المناهج الإسلامية. ورغم  هذه الجهود الجبارة بقي الاقتصاد الإسلامي محدداً في قضية واحدة: ألا وهي تجنب الربا في المعاملات الشخصية والمؤسساتية. ولم يطرح الاقتصاد الإسلامي كبديل حقيقي ودائمي للاقتصاد المعاصر.

استمر هذا الوضع حتى اكتشف «العالم الإسلامي» أو أعاد اكتشاف «اقتصادنا» بعد عشرين عاماً من كتابته.

«اقتصادنا» ـ الاُطروحة:

لا يخفى أن «اقتصادنا» جاء رد فعل على تصاعد المد الشيوعي في الشرق العربي، ولكن الكتاب ذهب إلى أكثر من ذلك، حيث تجاوز رد الفعل من أجل تقديم البديل. فلم يقل «اقتصادنا» «لا إله» فحسب، ولكنه أردفها بـ«إلاّ الله»، وهذا هو ديدن معظم الأعمال الجبارة في التاريخ، فهي ابنة الظروف ولكنها تتجاوز الظرف الزماني والمكاني لتقدم البديل الأكثر تطوراً.

يمكن تقويم الأُطروحة في ضوء قضيتين:

1ـ الزمان الذي كتبت به الأُطروحة.

2ـ التجارب العملية التي استفدنا منها منذ كتابة الأُطروحة.

هنالك عدة أشياء استحدثت منذ ظهور «اقتصادنا» إلى الوجود، بعضها أثّر على النتائج التي توصل إليها «اقتصادنا» بشكل أو آخر، من أمثلتها:

ـ القطبية الأُحادية وتأثيرها على الاقتصاد العالمي، وسيطرة التنافس الاقتصادي البحت.

ـ غياب التنافس الإديولوجي.

ـ انتشار ظاهرة «شركات متعددة الجنسيات».

ـ التضخم الاقتصادي وتباطؤ النمو سيطر على الاقتصاد الغربي في الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات.

لقد مثّل ثلث الكتاب تقريباً نقضاً ونقداً للماركسية والديالكتيك الذي لم يعد له أثر ولا عين. بينما يعطي «اقتصادنا» اهتماماً أقل مما ينبغي للرأسمالية مما يعادل 1/12 من الكتاب. ويمكن تفسير ذلك: بأن السيد الصدر كان قلقاً من تحدي الماركسية ونظريتها في ذلك الوقت؛ لأن الاشتراكية كانت قد رسخت أقدامها في عراق الستينات. فالخطر المحسوس هو من الشيوعية، أما الديمقراطية الليبرالية وما يتبعها من قواعد اقتصاد السوق فلم تمثل خطراً آنياً في العراق حينئذٍ، وإنما كانت خطراً.

«الاقتصاد الإسلامي» في «اقتصادنا»:

يلخص «اقتصادنا» «الاقتصاد الإسلامي» بـ :

1ـ الاقتصاد المختلط: شخصي، عام، دولة، وتعاوني.

2ـ الحرية الاقتصادية للأفراد محددة بـ :

    أ ـ المسموح المعنوي للأفراد.

    ب ـ الممنوع الاجتماعي.

3ـ تحقيق العدالة الاجتماعية أو التوازن الاجتماعي.

الفكرة الأساسية التي يتبناها «اقتصادنا» هي أن تطبيق «الاقتصاد الإسلامي» لا يمكن لوحده، إنما ينبغي أن يكون ضمن المنظومة الإسلامية الكاملة. فمن هذا المنطلق لا ينبغي تسمية «اقتصادنا» بالمرادف الشائع الاستعمال «الاقتصاد الإسلامي»، وينبغي تسميته بـ «الاقتصاد ضمن الإسلام».

ومن أجل تطبيق «الاقتصاد ضمن الإسلام» في مجتمع ما لا بد من تحقيق ثلاثة شروط:

1ـ نظام فكري إيماني إسلامي مقبول بصورة عامة لدى أفراد ذلك المجتمع.

2ـ تقييم الأشياء والموضوعات في ذلك المجتمع تكون على أساس الأولوية للإسلام. أي أن المجتمع يعتمد في تقييمه للأشياء بشكل تلقائي على القيم والتعاليم الإسلامية؛ أي أن المعيار الأساسي في المجتمع هو معيار إسلامي.

3ـ ردود الفعل العاطفية والنفسية للناس تكون إسلامية.

هذا هو الفرق الجوهري بين ما طرحه «اقتصادنا» في أُطروحة «الاقتصاد ضمن الإسلام»، أي ضمن منظومة الأنظمة الإسلامية الأُخرى، وما طرحه الآخرون من مفكرين إسلاميين بما فيهم المتأخرين.

و«اقتصادنا» يقول: ينبغي أسلمة المجتمع أولاً، ثم تطبيق الاقتصاد ضمن المنظومة الإسلامية الكلية. ومن خلال ذلك نستطيع القول: إن السيد الصدر كان يدعو إلى الأسلمة الكلية للمجتمع (فكراً وسلوكاً) من خلال مراجعة اجتماعية وسياسية كلية، بعكس ما طرحه الآخرون في طريقة سد الثغرات في اقتصاديات الدول غير المؤسلمة.

و«اقتصادنا» يؤكد الصعوبات الجمة التي يواجهها أي باحث يتبنى أي حل جزئي انتقائي، ويرفض تشكيل وتطبيق أي خطط أو مناهج اقتصادية تسبق أسلمة المجتمع. فهو يدعو إلى بناء الأُسس الفكرية والسلوكية للمجتمع على أساس الإسلام، ثم إلى بناء «اقتصاد ضمن الإسلام».

ويرفض «اقتصادنا» أي منهج ترقيعي لسد الثغرات الاقتصادية إسلامياً في اقتصاد دولة غير مؤسلمة؛ لأن اقتصاديات الدول غير المؤسلمة مبنية على أساس النظام الربوي الذي هو أساس الأُسس في الاقتصاد، والعمود الفقري الذي يرتكز عليه الاقتصاد الحديث.

«اقتصادنا» يرفض تحويل «الاقتصاد الإسلامي» إلى علم. ولكن يذهب إلى أكثر من ذلك؛ ليحدد العلاقة بين «الاقتصاد في الإسلام» والعلم من خلال طرح الفكرة التالية: يحدد المجتمع الإسلامي أولاً الأهداف التي يريد التوصل إليها اقتصادياً، ثم بعد ذلك يتم تشكيل الهياكل والخطط والسياسات الاقتصادية التي توصله إلى تلك الأهداف. ويمكن أن تستعمل القواعد العلمية الاقتصادية في هذه الخطط والسياسات، وتساعد على تعيين وتقرير الحقائق الاقتصادية، وتساعد في فهم الفرضيات والاحتمالات في الممارسات الاقتصادية.

وهذه القواعد العلمية الاقتصادية التي يستعملها «الاقتصاد ضمن الإسلام» يمكن أن تكون ماركسية أو رأسمالية ما دامت أُسساً علمية بحتة ليس لها مضامين فكرية. أي أن «اقتصادنا» لا يرفض استخدام القوانين الاقتصادية العامة التي يمكن تطبيقها، بغض النظر عن الأبعاد الثقافية والاجتماعية والدينية لأي مجتمع.

«اقتصادنا» والرأسمالية:

يختصر «اقتصادنا» الرأسمالية ويرجعها إلى دعائهما الأساسية الثلاثة:

1ـ حق التملك الخاص.

2ـ الحق في التصرف في الملك الخاص.

3ـ الحق في الإنفاق في الملك الخاص.

وهذه المسلمات الثلاث توضع مقابل وتنتج عنها ثلاث أُخر:

1ـ التنافس.

2ـ عدم العدالة.

3ـ الشعور بعدم الأمان الاجتماعي.

وبعد ذلك يتعامل «اقتصادنا» مع القوتين اللتين تدفعان الاقتصاد الرأسمالي وتحركانه، وهما:

1ـ موضوع الاستعمالات الشخصية.
2ـ قوانين العرض والطلب.
ويتوقف «اقتصادنا» عند هذا الحد.

كان يمكن لاقتصادنا أن يعطي وقتاً ومجالاً أوسع من ذلك ويطوّر أُطروحته، لتتناول الأُسس الأُخرى للرأسمالية، وخاصة التي وضعها أعلام الرأسمالية المتأخرين من أمثال: كينز، وفريدمان، وفون هايك. ومايز في كلا الجناحين الرأسمالية المحافظة والرأسمالية الليبرالية (المتحرره)، أي الاقتصاد الحر المعاصر.

النقطة الأُخرى هي ما يتعلق بالتصدي للرأسمالية. كان يمكن لاقتصادنا أن يركز في نقده على اقتصاد السوق وليس الرأسمالية، وكما هو معلوم فإن «اقتصادنا» اتبع طريقة تاريخية في نقده وتصديه للرأسماليه، فقد تتبع الخطوات التاريخية للرأسمالية واصفاً وناقداً ومهدماً الأُسس الفكرية للرأسمالية. النقد والتجريح كان أقوى في «اقتصادنا» عندما تعرض إلى الأفكار الرأسمالية عند جهابذة الرأسمالية ومفكريها في القرن التاسع عشر، وتناول بالنقد أفكارهم الليبرالية. ولكن لم يتطرق «اقتصادنا» إلى الأفكار المعاصرة الحديثة لاقتصاد السوق.

هذه الثغرة كان يمكن أن تمر بدون ملاحظة في الستينات عندما كان أثر الجهابذة التاريخيين للرأسمالية لا زال محسوساً، ولكن منذ الستينات ولحد الآن تعرض الفكر الاقتصادي في الغرب إلى تطورات وتحولات هائلة من أمثال ظهور التفكير النقدي (monetarist)، والاقتصاد التقليدي المتجدد(Noclassical Economics)، وكذلك ظهور عالم جديد باسم نظرية التطور والنمو الاقتصادي. حتى إن مفكرين من أمثال: كينز، ومارشال، وسكومبتر، الذين كانوا من المؤسسين والرواد في تطوير الأُسس الرأسمالية في القرن العشرين، أصبحت أعمالهم الآن عرضة للنقد والتجريح والتعديل.

الثروة في «اقتصادنا»:

اقتصادنا يقول: إن الرأسمالية تتبنى فكرة أن مصادر الثروة محدودة، وهي موزعة بين مصالح متضاربة ومتنافسة، ومن هذه ينتج قوانين العرض والطلب، وآليات التسعير والتوفير والاستثمار وغيرها.

وحسب «اقتصادنا»، فالماركسية تعني أن العلاقات الاقتصادية هي نتيجة صراع وتفاعل الانتاج والتوزيع والعلاقة الجدلية بينهما، وأن كل الثروات ومصدرها تملك من قبل المجتمع ككل، وذلك من خلال جهاز الدولة المركزي. وعلى هذا الأساس، فالاقتصاد يصبح عملية رياضية، وأرقاماً ليس إلاّ. وهذه العملية الرياضية البحتة تتعلق بنظرية وممارسة التخطيط المركزي للحكومة.

اقتصادنا يتبنى أن الأساس الأول في «الاقتصاد ضمن الإسلام» هو أن الله ـ عزّ وجلّ ـ خلق الثروة بكمية تكفي للنوع الإنساني، ولكن الإنسان أساء استعمالها، و«الاقتصاد ضمن الإسلام» يحاول حل المعضلة من خلال:

1ـ توزيع الثروة.

2ـ القضاء على سوء استخدام الثروة.

وكلا هذين الهدفين هو عبادة.

اقتصادنا يحاول أن يعيد تعريف مبدأ الفائدة أو الربح ليقول: إن الربح التجاري ـ أي الناتج عن المرابحة ـ مسموح به، والإسلام يشجع عليه، ويمكن أن ننظر له وكأنه نقيض إيجابي لنظرية فائض القيمة عند ماركس.

في المفهوم الرأسمالي: الحق الطبيعي للإنسان في أن يحصل على أقصى ربح. ولكن اقتصادنا يتبنى فكرة أن الربح وتحصيل الثروة ينبغي أن يكون من خلال العمل والجهد المبذول. أما التداول أو المرابحة بصرف المال، وجعل الفائدة والربح من خلال التبادل المالي الصرف، فغير مسموح به؛ لأنه تعامل ربوي.

وعلى هذا الأساس، طرح «اقتصادنا» مفاهيم اقتصادية إسلامية نظير: المشاركة، والمرابحة، والمضاربة، وهي معاملات يشجع عليها داخل «الاقتصاد ضمن الإسلام». فقد وضع «اقتصادنا» نظرية بديلة لنظريتي الشرق والغرب (الماركسية والرأسمالية)، اللتين تعتمدان على نظرية واحدة وهي «نظام القيمة».

طرح «اقتصادنا» الرأسمالية والماركسية ووضع خطوطاً فاصلة وعازلة وحتمية بينهما، لعل ذلك كان مبرراً من أجل تقريب المفهومين إلى أذهان القراء من خلال طرح الأشياء وأضدادها.

ولعل «اقتصادنا» أعطى القارئ حينئذٍ جزء، وليس كل حقيقة وواقع، الصورة في الغرب الرأسمالي والشرق الماركسي سابقاً.

لقد بدأت حركة جديدة تنمو في الدول التي كان يحكمها اقتصاد السوق، وهذه الحركة نمت بشكل مضطرد، وأصبحت فاعلة في الساحة السياسية والاقتصادية، وهي الحركة «الديمقراطية الاجتماعية»، والتي خففت من غلواء الرأسمالية، ولم تعد الرأسمالية تطرح ولا تطبق بشكلها الكامل. وتأسست في ضوء مفهوم الديمقراطية الاجتماعية دولة الرعاية الاجتماعية (wellfare state)، وتطور القطاع العام بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، وكذلك ازدادت حالات إشراف الدولة، ووضع القوانين لتنظيم حركة السوق والاقتصاد. كل ذلك قلل من أهمية الرأسمالية باعتبارها حالة البعد الواحد في الاقتصاد الحر في المجتمعات الغربية، حتى أصبح الاقتصاد الإسلامي، إذا استثنينا منه الجانب العبادي، يمائل في كثير من جوانبه اقتصاد الحركات الديمقراطية الاجتماعية في اوربا الغربية في حقبة الستينات والسبعينات.

ومن جانب آخر، فإن مركزية الاقتصاد والطبيعة الشمولية للنظام الماركسي كان لهما الأثر البالغ على تطبيقات النظرية وممارستها على أرض الواقع. وهذه التطبيقات العملية للنظرية الماركسية، والصعوبات التي واجهها التطبيق، أثّر بشكل أو آخر على فهم الآخرين للنظرية، وكان ينبغي أن يأخذ اقتصادنا هذا التحوير بنظر الاعتبار.

كان يمكن لاقتصادنا أن يستفيد كثيراً لو تعرض بشكل من الأشكال إلى التجربة العملية للدول الرأسمالية أو الماركسية.

ومن جهة أُخرى، يمكن أن نقول: إن أي متتبع اقتصادي أو قارئ واع، كان يمكن أن يستفيد كثيراً من «اقتصادنا» لو اختبر نظريته على الواقع العملي، أي نظرية «الاقتصاد ضمن الإسلام». فلو تعرض «اقتصادنا» نفسه للاختبار العملي من خلال التطبيق الفعلي في مجتمع إسلامي لتمكن السيد الصدر أن يطور النظريات والنتائج في ضوء تجربة الواقع.

وعليه، فيمكن أن نقول: إن «اقتصادنا» كان بحثاً نظرياً حلق في علوه في عنان السماء، ولكنه كان يحتاج إلى محاكاة الواقع العملي سواء في دحضه النظري للرأسمالية، أو تصديه للأُسس النظرية للماركسية، أو حتى في طرحه البديل الإسلامي الموسوم بالمذهب الاقتصادي الإسلامي.

يبقى السؤال: هل كان اقتصادنا ينتهي إلى نتائج مغايرة لما هي عليه الآن؟ وفي الجواب أقول: لا أعتقد أن اقتصادنا كان يمكن أن يخرج بنتائج مغايرة عما هو عليه، ولكن كان يمكن أن تكون هذه النتائج مبنية على أُسس عملية تطبيقية، وأدلة وتجارب واقعية، سواء بالنسبة إلى الرأسمالية أو الماركسية أو حتى نظرية «الاقتصاد ضمن الإسلام».

وأخيراً فقد انتهى اقتصادنا بعدد من الأسئلة بقدر ما أجاب عنه من أسئلة، مثال:

التطبيقات والخطط العملية للاقتصاد الإسلامي تركت بدون توضيح، ولم تطرح رؤية واضحة عن كيفية تشكيل وإدارة المؤسسات الاقتصادية للدولة في حالة قيامها، ولا كيفية عمل هذه المؤسسات في حالة قيام دولة تقوم على معان وأُسس فكرية وثقافية إسلامية .

من الصعب إعطاء تصور كامل وتفصيلي عن طريقة عمل هذه المؤسسات ووضع الأنظمة الاقتصادية لها قبل إنشاء عدد جيد منها، ومراقبة عملها، وتقييم أدائها وفعاليتها مع التزامها بالمثل والقيم الإسلامية كما جاءت في «اقتصادنا». وكان يمكن للسيد الصدر أن يستفيد من الملاحظات والتجارب العملية والأمثلة الحية التي ترافق التجربة، وكان يمكن أن يعيد كتابة «اقتصادنا» مدعماً بالأمثلة العملية والتجارب التطبيقية. ولو كان، لجاء اقتصادنا أقوى وأمتن مما هو عليه الآن .

كل ما قلنا بصدد «الثغرات» في «اقتصادنا» هو من وحي «النظر إلى الأشياء من الخلف»، أي بمعنى آخر: رؤية الماضي بعين الحاضر مع الاستفاد من الزمن واستحقاقاته.

فماذا لو جاء السيد الصدر وأعاد كتابة «اقتصادنا» في ضوء أحداث العقدين الماضيين؟ وبالخصوص ماذا ستكون الطبعة المنقحة الأخيرة من اقتصادنا في سنة 2000، خاصة بعد عشرين عاماً من ظهور المجتمع الإسلامي في إيران، أو تأسيس وتطوير عدد من المؤسسات الاقتصادية الإسلامية في عدة أقطار مسلمة وغير مسلمة، أو انهيار النظام الماركسي، والسيطرة الكاملة لاقتصاد السوق وفلسفته على العالم بما في ذلك الدول التي بقيت اسمياً ماركسية مثل الصين وفيتنام.

لا أستطيع أن أدعي أنني أعرف كيف كان يمكن أن تكون الطبعة المنقحة لسنة 2000 على يد السيد الصدر، ولكن إذا حاولنا استخراج منهجه في البحث والتحليل، استطعنا أن نخرج ببعض الاستنتاجات:

فمثلاً يؤكد «اقتصادنا» أنه لا يمكن إقامة مؤسسات اقتصادية إسلامية ناجحة إلاّ إذا كان المجتمع التي تقوم به مهيئاً أو في طريقه إلى الالتزام بالقيم والمثل الإسلامية ، ثقافياً وفكرياً.

إذا أسسنا على ذلك، فيمكن أن نقول: إن اقتصادنا سوف لا يوافق على فرض المؤسسات الاقتصادية الإسلامية على مجتمع ليس فيه المقبولية المجتمعية للإسلام ثقافياً وفكرياً. أي أن النشاطات الاقتصادية ومناهجها في «الاقتصاد في الإسلام» تتطور وتنمو بموازاة وبشكل تدريجي وعضوي مع الأسلمة المتدرجة والكلية للمجتمع. وكان يمكن لصاحب «اقتصادنا» أن ينظر بعين الشك والريبة لإقامة مؤسسات اقتصادية إسلامية، مثل المصارف الإسلامية في مجتمعات غير مؤسلمة أو مجتمعات اقتصادها مبني على أُسس غير إسلامية في التوزيع والإنتاج. ونتيجة ذلك يصبح الاقتصاد في الإسلام شأناً سياسياً وجزءاً لا يتجزأ من شؤون السلطة السياسية والحكم القائم.

في التحليل النهائي يمكن القول: إن الاقتصاد الموسوم بالإسلامي، وفي عصرنا الحاضر، يمكن إقامته من خلال ثلاثة طرق:

1ـ من خلال إعادة أسلمة المجتمع بواسطة برنامج سياسي إسلامي . وفي هذه الحالة: سوف يكون الأقتصاد في الإسلام ناتج طبيعي وإفراز تكويني لعملية أسلمة المجتمع. وهذا هو الطريق الذي اتبعته الجمهورية الإسلامية في إيران، وإلى حدٍّ ما في السودان، وإلى حدٍّ أقل بكثير في الباكستان.

2ـ يمكن إقامة الاقتصاد الإسلامي بواسطة المحاولة والخطأ، والدخول الحذر للمؤسسات الإسلامية في اقتصاديات دول ذات اقتصاد غربي. وهذا الطريق اتبعته بعض الدول الخليجية وماليزيا ومصر. ففي هذه الدول: المؤسسات الاقتصادية الإسلامية، ومؤسسات التكافل لا أن يسمح لها بالعمل فقط، وإنما تعطى أفضلية من قبل الدولة، وتوفر لها تسهيلات إيجابية على حساب غيرها، بينما يترك المجتمع يختار أي مجموعة من المؤسسات يريد أن يدعمها أو يتعامل معها.

3ـ الطريق الأخير: هو استعمال طرق التعامل المالي الإسلامية بين المسلمين الملتزمين إسلامياً أو القريبين منهم. وهذه المؤسسات الاقتصادية الناتجة عن هذا التفاعل والتعامل الحر بين أُناس قد قرروا أن يتعاملوا بينهم بطرق إسلامية صحيحة، وبمحض إرادتهم. ومن جملة فوائد هذا الطريق، دفعه الأفراد والمجموعات إلى مزيد من الأسلمة، وهذا الأُسلوب منتشر بين الجاليات المسلمة في الغرب.

«اقتصادنا» بعد أربعين عاماً

«اقتصادنا» بدون شك أو ريب كان «الدستور» الذي اهتدى به الإسلاميون حينئذٍ. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل تمكن« اقتصادنا» أن يخترق الزمن، ويحضر فاعلاً وحيوياً في الألفية الثالثة؟ والجواب عن هذا التساؤل معقد وليس بالأمر الهين.

لا شك أن كتاب «اقتصادنا» كان كتاب زمانه، وتمكن من دحض الماركسية حينئذٍ، وطرح البديل، وأعطى شحنة عمل ودليل، وأصبح دستوراً يهتدي به الإسلاميون حينئذٍ، وبوصلة يتجه لها العاملون. ولا شك كان موجهاً لقراء ذلك الزمان بهمومهم وآمالهم وطموحاتهم، وناقش بطريقة عملاقة شؤوناً تنتمي إلى حقبة النصف الثاني من القرن العشرين.

ولا شك أن قسماً كبيراً من «اقتصادنا» لا زال حياً وصحيحاً ورائداً في مجاله، وبنفس الوقت هناك فصول في «اقتصادنا» بحاجة إلى إعادة كتابة، وأُخرى إلى توسعة، وأُخرى إلى شرح، وأُخرى إلى تحديث، وأُخرى إلى تعليق، وأُخرى إلى تعديل .

أربعون عاماً مرت على «اقتصادنا» أوصلته إلى مرتبة الكتب العملاقة، ولكنها في الوقت نفسه أظهرت بعض الثغرات والمحدودية في بعض الجوانب، والتي هي بحاجة إلى مراجعة وتغيير أو تحديث .

وخلال الأربعين عاماً الماضية حدثت تغييرات سياسية واقتصادية ضخمة في العالم والعالم الإسلامي، ومن المجحف حقاً القول إن هذه التغييرات ليس لها أثر على الاستنتاجات التي توصل لها «اقتصادنا».

وهناك ثلاثة مساحات تحتاج إلى مراجعة وإعادة بحث وتحديث:

يظهر«اقتصادنا» بشكل مباشر أو غير مباشر قلقه من انتشار آثار الماركسية. ولو أُعيد كتابة «اقتصادنا» الآن لما استحق أن يضع ولو فقرة صغيرة تعالج الماركسية.

بينما حازت الماركسية على أكثر من ثلث الكتاب بوصفه الحالي؛ لأن اقتصادنا كان موجهاً إلى قراء من نوع آخر وحقبة أُخرى؛ لأن تحدي القيم والمبادئ الإسلامية في عصرنا الحاضر لم يأت من الماركسية، وإنما جاء من مصادر أُخر.

إن صمود باع الغرب في العالم، وسيادة نظام السوق، فرض مجموعة جديدة من التحديات للإسلام وقيمه في داخل وخارج العالم الإسلامي. أضف إلى ذلك التطور التقني المتسارع، وقوة وأهمية الشركات متعددة الجنسيات، وكونها العصب الحيوي للاقتصاد العالمي، والعولمة وآثارها السلبية والإيجابية على العالم والعالم الإسلامي بشكل خاص، وكذلك تطور ونمو الرأسمالية اليابانية، والتي هي ليست غربية ( في منظومتها القيمية والثقافية) في الشرق الأدنى وجنوب شرق آسيا. وكذلك انتشار أجهزة وأنظمة الاتصالات والمعلومات، واختراع الكومبيوتر، كل ذلك وغيره لم يكن معروفاً في الستينات عندما ولد «اقتصادنا»؟

إذن، كيف يواجه الإسلام هذه التحديات وهذه القوى الجديدة خاصة في ظرف غابت فيه القطبية، وانفرد الغرب الرأسمالي بعد أن استسلم الشرق الماركسي بدون شروط؟

«اقتصادنا» ينبغي أن يُراجع، وسوف لا يستطيع أي شخص مراجعته وتحديثه، إلاّ شخصية عبقرية مثل السيد الصدر.

«اقتصادنا» ينبغي أن يُراجع؛ ليصبح بإمكانه أن يتعاطى مع هذه التطورات الهائلة، ويعايشها مع حاجات العالم الإسلامي، وفهم الإسلام من منظور الألفية الثالثة.

 

*    *     *


(*) باحث، وعضو الجمعية الوطنية العراقية، ومستشار الأمن القومي.


النص والمعرفة قراءة تطبيقية في دور القرآن الكريم في تطوّر علم الفلك

9 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تمهيد:

أدّى القرآنُ الكريمُ دوراً أساسياً ومهماً في تغيير الحياة العربية، وما جاورها من بلدان، وما استطاع أن يصل إليه من بقاع. فهو الذي أخرج البلاد والعباد من ظلمات الجهل والعادات والتقاليد السيئة، وهو الذي أشاع القيم النبيلة والمعرفة الصادقة، والمنهج العلمي الصحيح في فهم الكون ومحتوياته المتنوعة.

وبذلك بنى حضارة إنسانية عالمية لم تنافسها أية حضارة في العالم قديماً وحديثاً، حضارة جمعت بين الدين والأخلاق العالية والقيم الكريمة والمعرفة النافعة، ولا سيما المعرفة العلمية، من رياضيات وحيوان ونبات وفيزياء وكيمياء وفلك… مما ميَّزها عن الحَضارات الأُخر بميّزة العلم، والمنهج العلمي الممزوج بالقيم والإنسانية، وهو أحد أهم العوامل في ازدهار هذه الحضارة وتفوقها على الحضارات الأُخر منذ انبثاق الرسالة وحتى اليوم.

وكان علم الفلك في هذه الحضارة، هو النقطة الأسطع بين العلوم الكثيرة المتنوعة التي اهتمت بها الحضارة الإسلامية، فكان وسيلة أساسية مُهمة في تأكيد الإيمان الحي بالخالق المبدع لهذا الكون، وكان المشتغلون بهذا العلم يدركون هذا المعنى تماماً، وقد تضمَّنت كتاباتهم الفلكية الكثير من الآيات الفلكية تأكيداً لدور العلم في الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وفي مقدمة من ذكر الآيات الفلكية في مؤلفاتهم العالم الفلكي الشهير أبو عبدالله البتّاني المتوفى سنة (317هـ)، (كما سيأتي، وابن يونس الصدفي المتوفى سنة (399هـ) في زيجه الكبير.

وبذلك جمع علم الفلك بين المادة العلمية الدنيوية، والوصول إلى فهم صحيح للكون وما وراء الكون من قوة مبدعة (خالق الكون)، وهذا ما دعا إلى بذل الجهد والتعب لدراسة هذا العلم دراسة مثبتة محكمة، والدخول في تفاصيل علمية لم يدخلها السابقون.

إنّ القرآن الكريم، والدين الإسلامي الذي استند إليه (إلى القرآن)، دفعا إلى لمّ شتات ما توافر من معارف ومعلومات فلكية بسيطة كانت عند العرب، وما توافر عند الجوار الجغرافي ليبني المسلمون علمهم الفلكي الإسلامي، الذي أخذ مكانةً لم يأخذها أيّ علم في العصور الوسطى.

الفلك قبل القرآن

لم يكن قبل الإسلام مادة علمية فلكية منظمة، وإنما هناك معلومات وملاحظات وتجارب أملتها الحاجة والضرورة الحياتية، معارف ومعلومات وتجارب ارتبطت ارتباطاً مباشراً ووثيقاً بالاحتياجات اليومية والشهرية والسنوية، وليس علماً منظماً يستند إلى أدلة وبراهين كما عند اليونانيين، والمسلمين بعد سيادة الحضارة الإسلامية. وقد أكد هذا صاعد الأندلسي بقولـه: bوكان للعرب مع هذا معرفة بأوقات مطالع النجوم ومغاربها وعلم بأنواع الكواكب وأمطارها، على حسب ما أدركوه بفرط العناية وطول التجربة لاحتياجهم إلى معرفة ذلك في أسباب المعيشة، لا على طريق تعلم الحقائق، ولا على سبيل التدرب في العلومv([1]).

وكانت تلك المعلومات والتجارب غزيرة ومتعددة الجوانب، فبعضها كان ذاتياً نابعاً من الاحتياجات المعاشية والبعض الآخر وفد إليهم عن طريق التجارة أو عن طريق الأجانب المقيمين مع العرب في الجزيرة العربية أو بطرق أُخر([2]).

وكانت معرفة العرب في العصر الجاهلي للأجرام السماوية، والظواهر الكونية المختلفة من نجوم وكواكب وأجرام أُخر شائعة معروفة على نطاق الجزيرة العربية، فقد عرفوا اسماءها ومواقعها وحركاتها معرفة عَمَلية، عاشوها وعاينوها، لا معرفة الدارس المتعمق في تفاصيلها العلمية، حتى لقد وجدنا رجلاً حضرياً يستغرب من غزارة ما يمتلكه أحد الأعراب من معرفة عن النجوم، قال الجاحظ: bوصف أعرابي لبعض أهل الحاضرة نجوم الأنواء، ونجوم الاهتداء، ونجوم ساعات الليل والسعود والنحوس، فقال قائل لشيخٍ عباديٍّ كان حاضراً: أما ترى هذا الأعرابي يعرف من النجوم ما لا نعرف! قال: ويل أُمّك! من لا يعرف أجذاع بيته؟v([3]).

إنّ هذا النص يدلّ على أنَّ معرفة أهل البادية للنجوم أشبه بالمعرفة الفطرية، يعرفونها كما يعرفون أركان بيوتهم؛ لكنها كما قال صاعد الأندلسي معرفة فطرية لا على سبيل التدرب في العلوم.

إنّ معرفة عرب البادية للنجوم والكواكب والظواهر الكونية جاءت بسبب احتياجاتهم إلى علامات يسترشدون بها في طُرقهم الطويلة ـ الصحراوية الخالية ـ من العلامات والمعالم، لذلك اتخذوا النجوم وحركاتها ومواقعها أدلةً ممتازة يسترشدون بها على مناطق البادية الشاسعة. فالسماء مليئة بالنجوم تختلف في أماكنها وصورها وألوانها ولمعانها وأشكالها وأحجابها، وبالتالي فأيّة علامات أفضل من هذه العلامات الثابتة الواضحة؟ وقد ورد في القرآن الكريم تأكيد لهذا المعنى وهو قولـه تعالى: > وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ<([4])، وقوله أيضاً: >وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ<([5]).

وذكر الجاحظ هذا المعنى بقولـه: bعرفوا الآثار في الأرض والرَّمل، وعرفوا الأنواء ونجوم الاهتداء؛ لأن كل من كان بالصحاصح الأماليس ـ حيث لا أمارة ولا هادي، مع حاجته إلى بعد الشقة ـ مضطر إلى التماس ما ينجيه ويؤديه. ولحاجته إلى الغيث، وفراره من الجدب، وضنِّه بالحياة، اضطرته الحاجة إلى تعرف شأن الغيث، ولأنه في كل حال يرى السماء وما يجري فيها من كوكب، ويرى التعاقب بينها، والنجوم والثوابت فيها، وما يسير منها مجتمعاً وما يسير منها فارداً، وما يكون منها راجعاً ومستقيماًv([6]).

وفي الشعر الجاهلي جاء ذكر بعض أسماء النجوم، مثل الفرقدين والدَبَران والعيّوق والثريا والسماكين والشعريين وغيرها.

وإضافة إلى هذه النجوم الواضحة عرفوا نجوماً خافتةً صعبة الرؤية ففي أمثالهم جاء: bأُريها السُها وتريني القمرv. والسُّها (نجم) يلتصق بنجم (العناق) وهو الكوكب الأوسط في مجموعة بنات نعش، والناس يمتحنون به أبصارهم فمن ضعف بصره لم يره([7]).

ولم تقتصر معرفة عرب العصر الجاهلي على النجوم ومواقعها، وإنما عرفوا إلى جانبها الكواكب السيّارة الخمسة المعروفة قديماً وهي: عُطارد، والزُهرة، والمرّيخ، والمشتري، وزحل، وميّزوها عن النجوم الثابتة وأدركوا أنها متحيرة لم تثبت في مسيرتها على صورة واحدة، كما في حالة النجوم.

وقد وردت الإشارة إلى هذه الخمسة في القرآن الكريم، قال عزّ وجلّ: >فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ<([8]) فالخنس على ما يقول الرازي السيارات الخمسة، والآية تشير إلى رجوع الكواكب السيّارة الخمسة واستقامتها ورجوعها هو الخنوس، وكنوسها اختفاؤها تحت الضوء([9]).

إنَّ ذكر هذه السيارات الخمسة في القرآن يعني أنها كانت معروفة في العصر الجاهلي. ويعتقد المستشرق نالينو أنهم (الجاهليون) سموها بأسماء مخصوصة قديمة الأصل، مجهولة الاشتقاق لم يزل استعمالها إلى الآن([10]). وقد وردت في أشعار الجاهليين ولا سيّما عُطارد والزهرة، أمّا زحل والمشتري والمريخ، فلا يشك نالينو في قدمها؛ لأنها مذكورة عند المؤلفين المسلمين قبل أن تنتقل إليهم العلوم الدخيلة([11]).

وأولى العرب في العصر الجاهلي القمر اهتماماً خاصاً وأدركوا بعض تفاصيله، كخسوفه ومنازله وأوجهه وأطواره، وكان من آلهة العرب الجنوبيّين، وكان يُعرف عندهم باسم (هلل)، والقمر من التسميات العربية الشمالية، وتابعوا منازله وعرفوا أنه يسير ضمن نطاق خاص قسّموه إلى 28 قسماً يحلّ كل ليلة في قسم واحد وأسموه (منـزلاً)، وقد ذكر القرآن منازل القمر بقولـه: >وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ<([12]).

وعرفوا الشمس، وأدركوا أهميتها وبعض خصائصها، وأدركوا أنها كتلة نارية، يقول ابن قتيبة: bالشمس يقال لها: ذُكاء، سمّيت بذلك لأنها تذكوا كما تذكو النارv([13]).

وعرفوا مواد فلكية أُخرى لكنها ـ كما قلنا ـ معرفة فطرية لم تصل إلى مرحلة العلم.

الدعوة القرآنية للعلم

ونزل القرآن، ونزلت معه الرحمة والعلم والحضارة، وإذا الدنيا جديدة، والعالم جديد أيضاً، لقد ولّى الظلام، وسطع نور الإسلام، ومعه نور الحياة الكريمة، ونور العلم والحضارة في كل مكان وصل إليه، فلم يمضِ زمن طويل على نجاح الدعوة الإسلامية في جزيرة العرب في عهد النبي الكريم 2 وتوطيد دعائمها، حتى انتشر الإسلام خارج الجزيرة في فترة زمنية قياسية مدهشة، وامتدت الفتوح العربية بسرعة كبيرة إلى جميع أقطار الشرق الأدنى والأقاليم الشرقية، وازدادت اتساعاً في عهد الدولة الأُموية (41 ـ 132هجرية) وشملت رقاعاً شاسعة دخلت ضمنها شمالي إفريقية والأندلس (إسبانية) وبلاد فارس وأقاليم ما وراء النهر.

ومع انتشار الإسلام انتشر العلم والثقافة والكرامة، فرضع من معين الكتاب الإلهي عددٌ كبير من الرجال من مختلف الدول والأقاليم ليبنوا أعظم حضارة في التاريخ.

وكان العلم من أهم سمات الحضارة الإسلامية، حيث اهتم القرآن الكريم اهتماماً كبيراً بالعلم والعلماء، ولم ينافسه أيّ دين آخر في هذا المجال، فإذا ما قارنّاه بالديانة المسيحية فسنجد الفرق بعيداً، يقول ج. برنال الباحث في تاريخ العلوم: bلم يضع الدين الإسلامي قيوداً على الفكر البشري مثلما وضعت المسيحية، فعندما ظهر الإسلام… سعى قادة المسلمين عقب القرن الأول لفتوحاتهم سعياً جاداً في الحصول على المعارف اليونانية القديمة وعلى غيرها من الثقافات بقدر ما كان القرآن يسمح بهv([14]).

فالقرآن يؤكد العقل والتفكير الصحيح، ويحارب تقليد الآباء وأساطير الأولين، يقول عزّ وجلّ: >وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ<([15]).

ويؤكد الحواس والعقل معاً في آية كريمة أُخرى فيقول تعالى: >وَالله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ<([16]). وعدم استخدام هذه الأدوات يعني تحمل الإنسان مسؤولية كبيرة يقول عزّ وجلّ: >وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً<([17]).

ثم يأتي الحثُّ على النظر في الكون ومكوناته، سمائه ونجومه وشمسه وقمره وأرضه ونباته وزرعه وأشيائه الأُخر، وهذا هو عين المنهج الذي ظهر في العصر الحديث، وأدى إلى ظهور الحضارة العلمية الراهنة.

وفي القرآن الكريم آيات قرآنية كثيرة تؤكد العلم والعلماء وتصفهم بأفضل الأوصاف وأقدسها، وإلى جانب ذلك هناك الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة تؤكد هذا المعنى.

فلأهمية العلم أقسم الباري عزّ وجلّ بالقلم، فهو أداة مهمة من أدوات العلم، قال عزّ وجلّ: >ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ<([18]).

ولأهمية العلم أيضاً أكد القرآن الكريم في أول سورة على القراءة والتعلم قال عزّ وجلّ: >اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ<([19]).

ولقيمة العلم الكبرى قرن الباري عزّ وجلّ أهل العلم به، وبملائكته، بقوله تعالى: >شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ<([20]).

وهناك آيات أُخر كثيرة تؤكد العلم والعلماء كقولـه تعالى: >إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء<([21]).

وآية أُخرى: >وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا<([22]).

وآية أُخرى: >هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ<([23]).

وفي أُخرى: >يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ<([24]).

وآيات أُخر غير المذكورة لا مجال لذكرها.

وإضافة إلى هذه الآيات وأمثالها التي تحث على العلم، هناك أحاديث نبوية كثيرة في هذا المجال، نذكر منها:

ـ من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سَهّل الله له طريقاً إلى الجنة.

ـ اطلبوا العلم ولو في الصين، فان طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.

ـ العلماء ورثة الأنبياء.

ـ إنّ الحكمة تزيد الشريف شرفاً وترفع المملوك حتى يدرك مدارك الملوك.

وأحاديث غيرها يمكن مراجعتها في أبواب العلم في كتب الحديث.

وفي نهج البلاغة أكَّد الإمام علي B العلم من خلال مخاطبته كميل بين زياد النخعي بقوله:

bالناس ثلاثة: فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم وَلم يلجأوا إلى ركن وثيق. يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، وصنيع المال يزول بزواله.

يا كميل بن زياد! معرفة العلم دين يدان به، به يكسب الإنسان الطاعة في حياته، وجميل الأُحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه. يا كميل! هلك خُزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر: أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودةv([25]).

وعلى هذا فالإسلام بكل إمكاناته وطاقاته دفع الإنسان إلى العلم دفعاً، بقرآنه الكريم ورسوله العظيم وأوليائه الكرام، من أجل بناء حضارة متينة تعتمد أساساً متيناً هو العلم والمعرفة العلمية إلى جانب المقومات الأُخر.

القرآن الكريم يؤكد الفلك

أكّد القرآن الكريم العلم بكل أنواعه وأشكاله (باستثناء العلم الضار) الذي كان الرسول الأكرم 2 يتعوذ منه بقوله: bأعوذ بالله من علم لا ينفعv.

والذي يذكره القرآن الكريم من العلوم المختلفة لم يذكره لذاته ونفسه، وإنما ليصب ضمن الهدف الإلهي الكبير الذي نزل القرآن من أجله، وهو هداية الناس وإنقاذهم من ظلمات الجهل والتردي إلى نور العلم ومناهجه، والحياة الكريمة، وهو هدف ذكره القرآن صراحة بقوله تعالى:

>كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ<([26]).

وقد وردت آيات علمية كثيرة تناولت مختلف ميادين المعرفة، من أُمور طبيّة ونباتية وحياتية وجيولوجية وفلكية وغيرها، على شكل حقائق أو إشارات أو شواهد… وليست على سبيل التفصيل الذي يخرج القرآن من هدفه الأساسي المذكور آنفاً وهو (الهداية)، والآية الكريمة التالية جمعت عدداً من المواد العلمية، قال تعالى: >أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالانْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء<([27]).

ففي هذه الآية وردت إشارات طبيعية وطبيّة وجيولوجية ونباتية وحيوانية وغيرها؛ ليعرف الناس من خلالها عظمة الله تعالى وإبداعه الهائل، وبالطبع فالعلماء أكثر الناس تأثراً وإدراكاً لمخلوقات الله، وبالتالي أكثر خشية من كل عباده، وللآيات الكونية الفلكية حصة كبيرة من آيات القرآن العلمية، ولا شك أنّ الكون وأجرامه وظواهره من أقوى الأدلة على الإيمان بالله وطاقاته غير المحدودة، فحضورها الدائم وانبهار العيون والعقول بتصميمها واكتشاف المزيد من أسرارها، جعلها في قمة الآثار على المبدع العظيم.

وفي القرآن الكريم جاء التأكيد على السماء والكون أشدّ وأقوى من التأكيد على الإنسان، وورد في أكثر من آية شريفة، ففي المقارنة بين خلق الإنسان وخلق السماء قال عزّ وجلّ: >أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا<([28]).

وهناك تأكيد آخر في آية أُخرى، قال عزّ من قائل: >لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ<([29]).

وفي القرآن عدد كبير من الآيات الكونية الفلكية تتوزع كالآتي:

وردت كلمة الأرض 461 مرة، ووردت كلمة السماء والسماوات 310 مرات، وكلمة الشمس 33 مرة، وكلمة القمر 27 مرة، وكلمتا النجم والنجوم 13 مرة.

وهناك إضافة إلى هذه الإحصائية البسيطة للكلمات الفلكية الواردة في القرآن الكريم، فقد وردت أسماء فلكية أو ظواهر سماوية وكونية لبعض سور القرآن الكريم نذكر منها: سورة المعارج، وسورة الشمس، والقمر، والنجم، والتكوير، والانشقاق، والانفطار، والبروج وغيرها.

ولنذكر الآن الآيات الأكثر أهمية في مجال السماء والفلك، والآيات التي تؤكد النظر إلى السماء والتفكر فيها وفي محتوياتها من شمس وقمر وكواكب ونجوم وظواهر فلكية مختلفة، من هذه الآيات يمكن أن نذكر:

ـ >إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ<([30]).

ـ >هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ الله ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ<([31]).

ـ >وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ<([32]).

ـ >أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ  وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ  وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ<([33]).

ـ >أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ<([34]).

ـ >أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ<([35]).

ـ >أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا<([36]).

هذه آيات قليلة من كثيرة تحدثت عن السماء وأجرامها وظواهرها، وقد تأثر العلماء والفلكيون ـ كما تأثر الناس الآخرون ـ بالآيات الفلكية والكونية الأُخر، فراحوا يتتبعونها ويفسرونها ويفصّلون في الحديث عنها. وكانت أحد العوامل التي دفعت بهم نحو المزيد من البحث في الفلك والسماء، وقد اعتبر بعضهم أنّ الفلك كله هو تفسير للآيات الكونية القرآنية. ففي تفسير الفخر الرازي ورد bأنّ عمر بن الحسام كان يقرأ كتاب المجسطي على عمر الأبهري (والمجسطي في ذلك الوقت هو الفلك كله)، فقال بعض الفقهاء يوماً: ما الذي تقرؤونه؟ فقال: أُفسّر آية من القرآن، وهي قوله تعالى: >أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا…< فأنا أُفسّر كيفية بنيانها. ولقد صدق الأبهري فيما قال، فإنّ كل من كان أكثر توغّلاً في بحار مخلوقات الله تعالى كان أكثر علماً بجلال الله تعالى وعظمتهv([37]).

إنّ ما أورده الفخر الرازي يعني أنّ علم الفلك هو ثمرة من ثمرات تفسير بعض الآيات الكونية القرآنية.

إنّ التأكيد القرآني على السماء والأرض والفلك عموماً كان من أكبر العوامل على تشجيع المشتغلين بالفلك لمتابعة دروسهم وبحوثهم وأعمالهم الفلكية والرصدية.

وفي هذا النصّ الذي ورد في مقدمة الزيج الصابي لأبي عبدالله البتّاني المتوفى سنة (317هـ) نرى المؤلف قد تأثر بالآيات الكونية القرآنية، مما جعله يقول: إنّ علم الفلك من أشرف العلوم.

يقول أبو عبدالله البتّاني: bإنّ من أشرف العلوم منـزلة، وأسناها مرتبة، وأحسنها حلية، وأعلقها بالقلوب، وألمعها بالنفوس، وأشدّها تحريراً للفكر والنظر، وتذكية للفهم، ورياضة للعقل بعد العلم بما لا يسمع الإنسان جملة من شرائع الدين وسنته، علم صناعة النجوم لما في ذلك من جسيم الحظ، وعظيم الانتفاع بمعرفة مدة السنين، والشهور، والمواقيت، وفصول الأزمان، وزيادة النهار والليل ونقائصها، ومواضع النيّرين وكسوفهما، ومسير الكواكب في استقامتها ورجوعها وتبدل أشكالها، مراتب أفلاكها وسائر مناسباتها إلى ما يدرك بذلك من أنعم النظر وأدام الفكر فيه من إثبات التوحيد، ومعرفة كنه عظمة الخالق وسعة حكمته، وجليل قدرته، ولطيف صنعه، قال عزّ من قائل: >إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأوْلِي الألْبَابِ<، وقال تبارك وتعالى: >تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا<، وقال عزّ وجل: >وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً<، وقال سبحانه: >هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ<، وقال جلّ ذكره: >الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ< مع اقتصاص كثير من كتاب الله عزّ وجلّ يطول وصفه ويتسع القول بذكره واستشهادهv([38]).

من هذا النصّ نجد أنّ تأكيد القرآن الفلك والسماء خير دافع لهذا العالم الكبير للمزيد من البحث في هذا الحقل الكوني، وقد عدّ الباحثون في تاريخ العلوم أنّ الآيات الكونية القرآنية من أكبر العوامل في تطور العلم في العالم الإسلامي.

وإضافة إلى التأكيد القرآني على السماء وأجرامها وظواهرها، وردت في القرآن مفردات دينية ارتبطت بشكل مباشر بالشمس أو القمر أو ظواهر كونية أُخر. وبدون التحرّي والتدقيق اللازمين في سلوك هذين الجرمين النيرين، وبعض الظواهر السماوية، لا يمكن أداء الأحكام الشرعية المتعلقة بها أداءً شرعياً صحيحاً، وبالتالي يتعرض المسلم إلى الوقوع في الحرام، لذلك كان الالتزام الديني الإسلامي يحتّم على المسلم متابعة السماء ومعرفة دقائق عدد من الأمور الفلكية.

إنّ ارتباط تلك الأحكام الشرعية بمجموعة معقدة من المسائل الفلكية، وخاصة تلك التي تتعلق بعلم الفلك الرياضي، مثل تحديد الوقت أو مشاكل التقويم، جعل المسلمين يبحثون عن حلول أكثر تطوراً، فاضطروا إلى تجاوز الطرق والأساليب التي كانت عند اليونانيين، فاستخدموا (علم المثلثات)، العلم الذي فصلوه لأول مرّة عن علم الفلك، ونظّموه، وأضافوا إليه إضافات طبعته بطابع عربي إسلامي خالص.

 
الإنكار القرآني للخرافة وشعوذات النجوم

القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كتاب صادق يؤكد العلم ويدعو إليه، وفي الوقت نفسه يحارب الخرافة والشعوذاب ويعاقب عليهما، بسبب أضرارها الكبيرة على العلم والمجتمع.

وإذا عرفنا أنّ علم الفلك هو مادة علمية تدرس الظواهر الكونية دراسة علمية منظمة، ويقوم على أُسس وقوانين دقيقة، ولـه إنجازات كبيرة معروفة لم تخف على أحد، فإنّ التنجيم غير ذلك أبداً، فهو المقابل لعلم الفلك، وهو مادة غير علمية، مادة خرافية تقوم على أسس واهية، ولا تقوم على علاقات صحيحة كما في العلوم الأُخر.

والتنجيم على إجماله هو التطلع إلى معرفة الغيب من خلال النظر في النجوم، ويفترض أنّ جميع ما يطرأ على العالم من التغيّر والتبدل يتصل اتصالاً مباشراً بطبائع النجوم وحركاتها.

عرّفه حاج خليفة في كشف الظنون بقوله: bهو الاستدلال بالتشكلات الفلكية من أوضاعها وأوضاع الكواكب من المقابلة والمقارنة والتثليث والتسديس والتربيع على الحوادث الواقعة في عالم الكون، والفساد في أحوال الجو والمعادن والنبات والحيوان، وموضوعه الكواكب بقسميها، ومباديه اختلاف الحركات والأنظار والقران، وغايته العلم بما سيكون بما أجرى الحق من العادة بذلك، مع إمكان تخلّفه عندنا كمنافع المفرداتv([39]).

وعلماء الفلك ينكرون التنجيم، ويعدّونه نوعاً من الخرافات والأوهام؛ لعدم استناده إلى أُسس علمية صحيحة. ومن دراسة التنجيم وتتبع نتائجه أكد الباحثون أنَّ: bالتنجيم هو لون من التفكير الخرافي يربط بين النجوم ومواقعها في السماء وطالع الناسv([40]).

لم يتحدث القرآن عن التنجيم صراحة، وإنما ورد في سياق إنكار الخرافات والأساطير والأوهام، وكل العلاقات والأفكار غير العلمية البعيدة عن الواقع الموضوعي.

فمن خلال تأكيد القرآن العبودية الصحيحة العقلانية، تأكيده عبودية الله تعالى وحده لا شريك له، وإنكاره أشدّ الإنكار أيَّ شكل من اشكال العبودية لغيره تعالى، مَهّد السبيل إلى تفتح العقول وتهيئة الأذهان إلى انتهاج الطرق السلمية لمعرفة أشياء هذا الكون.

ولا شك أنّ عبودية غير الله عزّ وجلّ تعني ضمن ما تعني الإيمان بالخرافات والأوهام والخزعبلات التي ما أنزل الله بها من سلطان. وهكذا عبدالناس قبل الإسلام الأصنام والأوثان والنجوم والشمس والقمر، وقد وردت آيات صريحة في إنكار عبادة هذه المخلوقات والتفكير بكونها حاكمة أو مؤثرة في الطبيعة وحياة الإنسان، وإنما الله وحده هو المؤثّر والمدبّر لهذا الكون، قال تعالى: >لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ<([41])، وقال تعالى أيضاً: >وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى<([42]).

لقد نبّه القرآن الكريم الإنسان إلى ما عقله من أوهام وخيالات منحرفة (أحياناً) تقف عائقاً في سبيل تقدمه وتطوّره مُبيِّناً أنَّ هذه الأُمور أكبر عقبة في سبيل انطلاقه إلى آفاق العلم والمعرفة والتقدم نحو الأحسن.

فكان القرآن حرباً شعواء على التقليد الأعمى، وثورة على كل من يقف ضد الدليل والحجة، وحرباً أيضاً على الذين يتمسكون بالرأي لا لأنهم عقلوه، ولكن لأنّ آباءهم قبلوه وآمنوا به، قال عزّ وجلّ: >وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ<([43])، وقال أيضاً: >وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ<([44]).

لقد طلب القرآن من أُولئك نبذ التعصب وموكداً في الوقت نفسه العقل والتعقل. وقد وردت كلمة العقل ومشتقاتها وما في معناها في عدد كبير من الآيات، منها قولـه تعالى: >كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ<([45])، وقال تعالى أيضاً: >إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأوْلِي الألْبَابِ<([46]) وقال أيضاً: >كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لأوْلِي النُّهَى<([47])، وما في معنى هذه الآيات كثير كثير.

وفي الوقت نفسه دعا القرآن الناس إلى النظر في كل شيء عن طريق النظر الحسي، ابتداءً من مواقع اقدامنا إلى آفاق السماء والأنفس، وأعطى للحواشي مسؤوليتها الخطيرة من كل خطوة يخطوها الإنسان المؤمن.

فالقرآن الكريم في مجال البحث والنظر والتأمّل والمعرفة والتجربة يقول: >وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً<([48])، أي الإنسان.

كما حارب أُولئك الدجالين والمشعوذين والسحرة الذين يقدمون للناس معلومات غيبية لم ينـزل الله بها من سلطان، وحيث إنّ عمل المنجم الإخبار بأشياء مستقبلية من خلال تشكل ظاهرة فلكية معينة، كاقتراب بعض الكواكب من بعض، أو حدوث خسوف وكسوف، والادّعاء بمعرفة أُمور لم يعرفها أحد، كوقوع أمر عظيم أو حادث جلل أو موت سلطان أو رجل شهير وما شاكل ذلك، ولمّا كان كذلك استحق أن يدخل ضمن دائرة الدجالين والمشعوذين وأصحاب الخرافات.

إنّ الأُمور المستقبلية الغيبية لا يعرفها سوى الباري عزّ وجلّ أو ذلك الذي اختصه الله بعلم منه. والمشتغل بالتنجيم إنسان عاديّ لا يمكن أن يعرف شيئاً غير الأُصول العلمية التي تعلّمها واكتسبها من غيره عن طريق المراس والتجربة، ولا يمكن ـ بأيّ حال من الأحوال ـ أن يعرف ما يخبّؤه المستقبل لأحد، أو لشيء، فالنجوم والكواكب والشمس والقمر والأجرام الأُخر مخلوقات من مخلوقات الله الكثيرة مهما كانت أشكالها، وتنوعت أحوالها ومواقعها، وتشكلت خرائطها في السماء، ولا يمكن أن يكون تشكلها العفوي العادي دالاً على أمر ما عظيم أو غير عظيم سيحدث في المستقبل.

الحقيقة أنّ العلم بالأُمور الغيبية المستقبلية لله وحده، فهو وحده علاّم الغيوب، وقد زخر القرآن الكريم باختصاص الغيب بالله، يقول تعالى: >وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ<([49])، ويقول أيضاً: >قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا الله وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ<([50])، ويقول عزّ وجلّ: >وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ<([51]).

حتى الرسول الأكرم 2 أقرّ بعدم علمه في هذا الباب إلاّ في حدود ما أطلعه الله عليه، قال تعالى: >قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء الله وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ<([52]). فإن كان هذا حال الرسول الأكرم 2 وهو حبيب رب العالمين، فكيف بمنجم لا يعرف من دنياه غير بضعة أُصول، وبضع حيل فكرية! كيف يقدم لنا ما أراد الله أن يخفيه على أبناء آدم لمصلحة يعرفها الله تعالى ولا يعرفها غيره؟

لقد رفض القرآن الكريم كل ما رفضه العقل، ومجه السمع والبصر، كان حرباً لا هوادة فيها على كل شيء غير معقول وغير علمي وضار، كالخرافات والأوهام والتنجيم وما شاكل ذلك. وإذا كان حال القرآن هو التأكيد والحث على العلم وعلم الفلك خاصة، ورفض ونبذ كل ما يمتّ إلى الخرافات والأوهام بصلة، ومنها التنجيم، فذلك هو الجوّ المناسب لنمو علم فلك علمي متطور، وهكذا كان الفلك الإسلامي.

علم الفلك الإسلامي والتأثير القرآني

وهذا الصرح الشامخ من الإنجازات الفلكية الإسلامية الإبداعية، هو في الحقيقة واحد من عدد من الإنجازات العلمية المتنوعة، وقف وراءها القرآن الكريم وتعاليمه ومنهجه وروحه العلمية، وتنبيهه على التعامل الصحيح مع الطبيعة وأشيائها المتنوعة، التعامل العلمي لا الخرافي الوهمي.

فمن خلال تأكيد القرآن الكريم الأرض والسماء والأجرام السماوية الأُخر، وورود عدد من الآيات تتحدث عن النجوم والشمس والقمر، وعدد من الظواهر الكونية، وَتَمكُّن القرآن من نفوس المسلمين وعقولهم، امتلك الناس وعياً علمياً فلكياً، فراح كثير منهم يتابعون ما يجري في السماء ويدرسونه، وبرز عدد من الفلكيين وعلماء الفلك الكبار.

ومن خلال بعض المفردات الدينية القرآنية التي ارتبطت بمواد فلكية بحاجة إلى ضبطها وقراءتها علمياً؛ لأداء تلك المفردات أداءً صحيحاً شرعياً، اندفع المسلمون لدراسة هذا العلم المؤيّد من القرآن الكريم.

إنّ الفلك ـ لا التنجيم ـ هو الذي أفرزه القرآن الكريم؛ لأنّه ناتج من نواتج منهجه العلمي الصحيح، خلافاً للتنجيم الذي رفضهُ القرآن وحاربه ضمن حربه الشعواء على الخرافات والأوهام.

ومن خلال هذا المنهج القرآني نما علم الفلك وتطوّر، وعلى كل المستويات.

أولاً: على مستوى المراصد الإسلامية.

ثانياً: على مستوى الآلات الفلكية.

ثالثاً: على مستوى الإنجازات الفلكية الكبرى.

ولنتحدث باختصار عن هذه النقاط الثلاث..

أولاً: المراصد الفلكية الإسلامية

انتشرت المراصد الإسلامية في طول العالم العربي الإسلامي وعرضه ووصلت إلى مرحلة مزدهرة شهد بها الباحثون المتخصصون، وقد بدأ إنشاؤها في أواخر عصر الخليفة المأمون العباسي المتوفى سنة (218هجرية).

ولعلَّ أشهر المراصد في الحضارة الإسلامية:

ـ مرصد الشماسية، أسسه المأمون في بغداد.

ـ مرصد جبل قاسيون، أسسه المأمون أيضاً على جبل قاسيون في الشام (دمشق).

ـ مرصد أبناء موسى، القائم على قنطرة بغداد المؤدية إلى باب الطاق.

ـ مرصد بني الأعلم، أُنشئ ببغداد


السيد محمد حسين فضل الله – فقيه المفكرين ومفكر الفقهاء

9 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

مفتتح :

لم يستطع أحد أن يحول موضوعات العالم الخارجي – الطبيعي والإنساني – إلى موضوع للتأمل ولإنتاج المعارف والأفكار والتصورات والأنساق النظرية كما استطاع العالم ذلك ، محولا عملية التفكير (وهي نشاط ذاتي ) إلى ممارسة اجتماعية تنشأ عنها بنيات ذهنية تصير ( بفعل التمثل الجماعي لها ) إلى حقائق مادية موضوعية .. نظرتنا المنظمة إلى الكون وإلى المجتمع والمؤسسات وظواهر الوجود المختلفة تدين إلى الفعالية العلمية التي مارسها هذا الكائن المتميز عبر التاريخ .. إنها مساهمته الكبرى في المجتمع والحضارة والتاريخ ، في تحقيق الإدراك الإنساني للعالم ..

فالعالم شاهد عصره ، ورسول ربه من دون وحي أو نبوة ، ونذير الناس في كل ما يواجههم من قضايا ومشاكل في الحاضر والمستقبل إنهم ورثة الأنبياء في العلم والدعوة ، فلا بد أن تقوم بهم الحجة على الناس من خلال ما يريد الله لهم أن يكونوا في مستوى إقامة الحجة عليهم من قبله ، تماما كما هو النبي الذي تقوم به الحجة على الناس من قبل الله .. وهم أمناء الرسل ، فلا بد لهم من الارتفاع إلى المستوى الرفيع من وعي الحياة بالإضافة إلى وعي الإسلام ، لأنه لا معنى لقيادة لا تعرف كيف تخطط لحركتها ، أو تواجه جمهورها بالتوعية الشاملة ..  

وسماحة السيد المرجع الديني محمد حسين فضل الله ( رضوان الله عليه ) ، هو أحد أعلام الأمة وعلمائها ، الذي جسد مفهوم العالم في حركته المعرفية والفكرية والسياسية والاجتماعية ، وكان لعطاءاته الفكرية وجهوده الإصلاحية الدور الأساسي في مسيرة العديد من الوجودات والمجتمعات العربية والإسلامية ..

وشكل العلامة فضل الله خلال الخمسة عقود الماضية ، نموذجا ومدرسة متكاملة في الفكر والعطاء والممارسة السياسية ، وهي تجربة ثرية تستحق البحث والتفاكر المشترك حولها والدراسة المتأنية حول حركة تطورها التاريخي ومآلاتها المستقبلية ، وأهم الدروس والعبر التي يمكن أن نخرج بها من خلال دراسة تجربة هذه الشخصية الرسالية الفذة ..

وهذه الدراسة هي محاولة في هذا السبيل .. وهي تتكون من ثلاث محاور :

المحور الأول : الإطار النظري الذي يوضح بعض المقدمات النظرية والفكرية التي تساهم في فهم واستيعاب حركة السيد فضل الله .. وتجربته متعددة الجوانب ..

المحور الثاني : بيان أهم خصائص هذه التجربة ، التي تركت تأثيرات عميقة في مسار العمل الإسلامي في العصر الحديث ..

والمحور الثالث : دروس مستفادة من هذه التجربة ، نعمل على تظهيرها ، حتى تكون جزء من وعينا وحركتنا الراهنة ..

المحور الأول مقدمات نظرية :

    1-في معنى التجربة الإنسانية

ثمة ضرورات اجتماعية ومعرفية، لدراسة التجارب الدينية والفكرية والسياسية.. لأن هذه التجارب، تمثل إضافة نوعية في مسيرة الأمة.. والعمل على دراستها التأمل في أحوالها وإدراك طبيعة التطور الذي حدث فيها، كلها تساعد في استيعاب هذه التجارب وأخذ العبر والدروس منها ..

فالمجتمع حين دراسته لتجارب علماءه ومصلحيه ورواده ، لا يبدأ من الصفر ، وإنما يبدأ من حيث وصلت إليه هذه التجارب .. بمعنى إنه سيتجاوز العديد من القضايا والأمور ، التي تم بحثها في العطاء الفكري لهذه الشخصية ، أو الجهد الإصلاحي الذي بذله هذا العالم أو ذاك الفقيه ..

ولعل من أهم مؤشرات الحيوية والفعالية في أي مجتمع ، حينما يسارع إلى إخضاع تجاربه المختلفة إلى الفحص والدراسة والمراجعة .. لأن هذا أحد المعطيات الأساسية التي تجعلنا ندرك أن هذا المجتمع بنخبته الدينية والثقافية والاجتماعية ، ينشد التطور والتقدم ، ويعمل على مراكمة عناصر القوة في مسيرته وتجربته .. ودراسة تجارب العلماء والمفكرين والإصلاحيين ، هي أحد روافده لتحقيق ذلك ..

، ولاريب أن تسجيل التجارب وفحصها يساهم في أن تتعرف الأجيال الطالعة باستمرار على تجارب الأمة في مسيرة الإصلاح الديني أو التغيير الثقافي والاجتماعي ..

.. ونحن هنا لا نود الترويج لهذه الأطروحة أو تلك ، وإنما ما نود بيانه أن التجارب الإنسانية وبالذات في الحقول الدينية والفكرية والسياسية ، بحاجة دائما إلى التفاكر المشترك حولها والدراسة المتأنية حول حركة تطورها التاريخي ومآلاتها المستقبلية ..

وفي سياق التأكيد على ضرورة الاهتمام ، بتوثيق التجارب وقراءتها قراءة فاحصة وموضوعية للاستفادة القصوى منها على صعيد الراهن والمستقبل أود التأكيد على النقاط التالية :

1-إن القراءة العلمية والموضوعية تقتضي قراءة هذه التجارب بمختلف مراحلها وأطوارها في إطار سياقها التاريخي وشروط الزمان والمكان الذي تبلورت فيه هذه التجربة أو تلك الممارسة .

لأنه لا يمكن أن نفهم التجارب على حقيقتها ، إذا ألغينا سياقها التاريخي أو شروطها الاجتماعية والثقافية والسياسية التي نتجت في ظلها أو تحت تأثيرها .. فمفارقة السياق التاريخي للتجارب الإنسانية ، يساهم في تشويه قراءة التجربة ، أو تحميلها شروط زمان غير زمانها ، أو مكان مختلف في خصوصياته وشروطه عن مكانها .. لهذا من الضروري أن تقرأ هذه التجارب في ظل سياقها التاريخي وشروطها الاجتماعية وظروفها السياسية والثقافية ، حتى يتسنى للقارئ أو الباحث قراءة التجربة قراءة صحيحة ودقيقة وبعيدا عن عملية المسبقات الأيدلوجية أو الإسقاطات التاريخية والاجتماعية .. فالمطلوب دائما قراءة تجاربنا وتجارب غيرنا من خلال معرفة سياقها التاريخي وظروف نشأتها المختلفة .. لأن هذه القراءة السياقية هي التي تفتح عقولنا ونفوسنا ، لاكتشاف عناصر القوة في التجربة ، وكيف تمكن أصحابها من اجتراح فرادتهم في ظل ظروف وسياقات مجتمعية ليست مواتية .. فالمطلوب ليس الانبهار بالنتائج ، وإنما معرفة كل الأسباب والعوامل التي أسهمت في صناعة التجربة وتذليل كل الموانع والعقبات ..

2-لأن التجارب الإنسانية متعددة الوجوه والصور . فهي ( أي التجارب ) توفر إمكانية حقيقية للنظر إليها من أكثر من بعد وزاوية .. لهذا فإن من الخطأ الذي يصل إلى حد الخطيئة ، حينما يتم النظر إلى التجارب الإنسانية من زاوية واحدة فقط .. وإنما من الضروري أن تتعدد زوايا النظر والقراءة للتجارب الإنسانية ، وذلك حتى تتمكن جميع القراءات أن تنجز رؤية متكاملة أو قريبة من التكامل لهذه التجربة أو تلك .. فالقراءة المتكاملة والشاملة للتجارب ، هي التي تخرجنا من محنة الانبهار الأعمى بالمنجز دون الاستفادة الحقيقية منها .

وأود هنا أن أؤكد وبالذات على المنبهرين بالتجربة ، والذين هم وبدوافع نفسية معروفة ، يصرون على أن تكون قراءتهم للتجربة هي القراءة الصحيحة وهي التي تحضا بالقبول والرضا ..

فالتجارب مهما كان قرب الإنسان من صانعها ، ليست ملك أحد ، بل هي ملك الإنسان والمجتمع ، وبإمكان كل باحث إذا تسلح بسلاح العلم والمعرفة والموضوعية أن يقرأ هذه التجربة ، من الزاوية التي يراها مناسبة ، وبالطريقة التي تمكنه من فحص كل جوانب وزوايا التجربة ..

وفرص الاستفادة من التجارب ، تتضاءل حينما تقرأ هذه التجارب بنمط واحد وبزاوية واحدة فقط .. فالتجارب الإنسانية لن نتمكن من اكتشاف ثراءها وحيويتها ، إلا بقراءات متعددة لها في كل مراحلها وأطوارها ..

3– إن المجتمعات المتقدمة والتي تسعى دوما للقبض على أسباب التقدم والتطور ، تعمل عبر وسائل عديدة لقراءة تجاربها والإفادة منها .. لأنها جزء من ثروتها الإنسانية والمعرفية ، والتي تحتاج بشكل دائم إلى الفحص والاكتشاف واستيعاب دروسها وميكانزمات حركتها وتطورها الأفقي والعمودي .. لذلك فهي تعمل على تشجيع المؤسسات والمعاهد البحثية إلى العناية بالتجارب وضرورة قراءتها قراءة واعية ونقدية وبعيدا عن نزعات الإطراء والتهريج الإعلامي ..

لهذا فإن هذه المجتمعات وعبر ما توفره من دراسات وأبحاث معمقة وجادة لتجاربها ، تمتلك القدرة على تجاوز أخطائها وعثراتها .. لأنها درست أخطاءها بعمق وبعيدا عن نزعات التبرير والتسويغ .. لهذا فإن علاقة المجتمعات المتقدمة بماضيها وتجاربها السابقة ، ليست علاقة مرضية ، لا تستطيع الانعتاق منها .. وإنما هي كأي تجربة إنسانية ، ينبغي أن تخضع للدراسة والفحص الموضوعي ، ويتم من خلال هذه الدراسات الوصول إلى نتائج جديدة ، يتم الاستفادة منها في الأيام القادمة ، دون الانحباس المرضي في شرنقة التجربة أو التعامل معها بوصفها تجربة إنسانية نهائية لا يمكن تجاوزها معرفيا واجتماعيا ..

فالتجارب الإنسانية تقرأ بوعي وموضوعية دون التوقف عن العمل والبحث عن الفرادة .. وهذه العناصر هي المطلوبة لإنجاز مفهوم التجاوز المعرفي والفلسفي للتجارب التي يمر بها الإنسان سواء كان فردا أو جماعة .. فالتجارب الإنسانية لن تبلغ رشدها ، إلا بفحصها وقراءتها بعمق وتمعن وفي سياقها التاريخي وضمن شروطها الاجتماعية وظروفها السياسية وآفاقها الثقافية .. 

   لهذا فإننا نشعر بأهمية تدوين تجاربنا الوطنية والفكرية والسياسية والاجتماعية ، والعمل على فحصها ودراستها من قبل مختصين ومهتمين ، وذلك من أجل تحديد عناصر القوة لتعزيزها في فضائنا الاجتماعي والوطني .. ومعرفة عناصر الضعف التي ينبغي أن تتراكم كل الجهود من أجل إنهاء وجودها وتفكيك حواملها الأساسية التي تضر بواقعنا الوطني ومستقبله ..

فلننفتح جميعا على تجارب بعضنا البعض ، ليس من أجل توفير مادة للسجال وإنما من أجل اكتشاف الطريق المناسب والحيوي لنهضتنا الوطنية في مختلف المجالات ..

 

2- جذور التحول الثقافي 00مقاربة نظرية

يتضمن النص القرآني العديد من الآيات والشواهد التاريخية ، التي تؤكد على ضرورة أن يراجع الإنسان أفعاله ، وينقد ممارساته من أجل تقويمها بما ينسجم والقيم الإسلامية العليا . فالباري عز وجل يقسم بالنفس اللوامة ويعلي من مقامها ، لأنها تمارس عملية اللوم والمراجعة والمحاسبة والنقد كي تصل إلى المستوى المثالي في التعامل مع الأمور والأشياء . فقد قال تعالى [ ولا أقسم بالنفس اللوّامة ].

والقسم الرباني بالنفس اللوامة يوضح قيمتها في حركة الوجود الإنسانية في ارتفاعه إلى الأعلى ، بوصفها بأنها تعمل على تخفيف الأثقال الروحية والأخلاقية والاجتماعية التي تشد الإنسان إلى الأسفل ، لينطلق من موقع إنسانيته في حالات الصفاء الروحي الذي ينفتح به على الله عز وجل .

وبذلك كانت تمثل قمة النموذج الإنساني في أصالة التجربة الحية الواعية في حركة الحياة في داخله . فمقتضى عمق اللوم على الغفلة ، وعلى التقصير ، لا يترك النفس سادرة في هواها وفي غفلتها ولا يقف بها في أجواء اللامبالاة فيما يثار حولها من قضايا ، لا سيما إذا كانت القضية تتصل بالمصير الأبدي ، مما يجعلها في مستوى الأهمية الكبرى في مواقع الفكر والإيمان . 

والقرآن الحكيم يثير فينا حس النقد الذاتي ، عن طريق تذكيرنا بحقيقة وجدانية ، ألا وهي بصيرة الإنسان على نفسه ، فإنه قبل الآخرين شاهد عليها وعالم بواقعها ، مهما توسل بالأعذار والتبريرات الواهية .   يقول تبارك وتعالى [ بل الإنسان على نفسه بصيرة ، ولو ألقى معاذيره ] .

ويؤكد القرآن الحكيم في الكثير من الآيات أيضا على مراجعة تجربة دعوات الأنبياء وتشخيص سلوك المجتمعات الغابرة ومواقفها ، حتى نتمكن من الاستفادة منها وأخذ العبر والدروس من محطاتها وانعطافاتها . كما ينتقد القرآن الكريم تقليد الآباء والأجداد . قال تعالى [ بل قالوا إنا وجدانا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ، وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجـــدنا آبائنا على أمة وإنا عـــلى آثارهم مقتدون ] .

وبهذا أسس الإسلام عقلا برهانيا ونقديا لدى الإنسان المسلم ، وهذه هي البذور الأولى لمشروع النقد والمساءلة لظواهر الحياة الطبيعية والإنسانية . ولا ريب أن هناك جملة من العلوم قد تطورت وتأسست في الفضاء الحضاري الإسلامي من جراء هذه العقلية البرهانية ـ النقدية . فعلم الجرح والتعديل وعلم الحديث ونقد الرواية كلها علوم تبلورت ونضجت من جراء العقلية النقدية الإسلامية .

والنقد كعملية ثقافية ـ معرفية ، هو عبارة عن فحص لكل ما هو سائد في سبيل واقع آخر مضاد له وفقا لنموذج أو تصور مستقبلي .   " فالنقد يعني : الفحص والاختبار ووضع كل شيء في ميزان العقل والاحتكام إلى معاييره " .

ولكن ومع هذا التأكيد القرآني والإسلامي ، على ضرورة المراجعة والنقد ، إلا أن واقع المسلمين يخلو من هذه القيمة ، بل هناك بعض المساحات الاجتماعية التي ترذلها . ولا ريب أن لهذا الغياب أسبابه وعوامله الثقافية والاجتماعية والنفسية . فالقناعات النفسية والثقافية التي لا تراجع ، ويتم التعامل معها كحقائق ثابتة ، تدفع باتجاه التمتع بحق الطاعة والانقياد والإتباع ، دون أن يكلف نفسه ( صاحب القناعة الثابتة ) عناء مراجعة أفكاره وقناعاته ومساءلتها .

وبهذا تتراكم عوامل الغفلة والاستعلاء ، بحيث يتجاوز هذا الإنسان كل ممارسة نقدية ، ويحجم عن ممارسة كل محاسبة إلى سلوكه وأفعاله .   وهنا لا بد من بيان أن مجال النقد هو وسائل التطبيق الاجتماعي والسياسي والثقافي والتعليمي ، وذلك لأن الجمود عليها يعطل التقدم . وليس ثوابت الشرع وقيمه العليا . فالثوابت العقدية والتشريعية ليست موضوعا للنقد ، إنها موضوع للبحث والفهم .   وبطبيعة الحال فإن المحيط الثقافي التي تنمو فيه حالات ضمور الحس النقدي ، هو ذلك المحيط الذي يردع عن السؤال المساءلة ، ويقف موقفا سلبيا من الاختلاف الثقافي والفكري ، ويحارب الإبداع خوف الابتداع . وهذا يعمق نفسية عامة تحول بين الإنسان الفرد والجماعة وممارسة النقد والمراجعة والمحاسبة لكل ما هو سائد .   فالاختلاف المرذول والمذموم ، هو الناتج عن الهوى ، أما الاختلاف الناتج عن البحث الحر والموضوعي طلبا للحقيقة لا إتباعا للهوى فهو اختلاف مشروع ، وذلك لأنه طريق الوصول إلى الحقائق وهو الذي يثري الواقع والفكر والثقافة .   والنقد وفق هذا المنظور ، هو الذي يثري الساحة الثقافية بالمضامين الجادة ، كما أنه يفعل الساحة الاجتماعية باتجاه الأمور والقضايا الأكثر أهمية وجدية . فالنقد هو الممارسة الضرورية في الاختلافات الثقافية والمعرفية ، كما أن الحوار هو الوسيلة الفعالة الذي يمنع إصدار أحكام قيمة على الظواهر الثقافية ذات الشروط العامة والتاريخية .   ولا ريب أن غياب تقاليد النقد والمساءلة ، هو الذي يدفع الشعوب والأمم حين الهزائم إلى التشكيك الصارخ في كل ما هو سائد .

وهذا يقودنا إلى القول إننا بحاجة دائما أن نتعامل مع هزائمنا وانتصاراتنا بموضوعية بحيث إننا لو انتصرنا لا نصاب بداء الغرور والتعالي ، فنلغي الآخرين من خريطة الوجود التاريخي .. ولو انهزمنا ندرس أسباب هزيمتنا بشكل موضوعي وهادئ ، ودون أن يؤثر هذا على جوهر وجودنا وثوابت كياننا .   ولا شك أن للإنجازات أسبابها وعناصرها كما أن للإخفاقات عواملها . والرؤية الموضوعية تحتم علينا دراسة المسألة من جميع أبعادها ،  لإزالة عوامل الإخفاق وتأكيد عناصر النجاح والإنجاز .

ولا يوجد على المستوى التاريخي أن مجتمع مكتوب عليه أو قدره الهزيمة دائما أو الانتصار دائما .. وإنما هم ( الهزيمة والانتصار ) ظاهرتان إنسانيتان تتحكم فيهما جملة من العوامل الذاتية والموضوعية . فالمجتمع الذي تتوفر فيه عوامل المنعة والتفوق يحقق ذلك على الصعيد العملي ، والمجتمع الذي يتخلى عن تلك العوامل يصاب بالإحباط والتراجع والتقهقر . فالرؤية الموضوعية تعني ، الابتعاد عن التهويل والتهوين ، والبعد عن الشطط والمغالاة وعن اليأس والتيئيس الدافع إلى الاستقالة المعنوية الفردية والجماعية .

وإن فقدان الثقة بالذات من جراء نكسة أو هزيمة ، يؤدي حتما إلى الاستسلام إلى المنظومات الفكرية والثقافية للغالب .. وقد أشار إلى هذه المسألة ابن خلدون بقوله : أن المغلوب مولع دائما بمحاكاة الغالب والإقتداء به لأنه يعتقد أن انتصاره راجع إلى صحة مذهبه وعوائده .

كما أن تجريح الذات وجلدها على مختلف الصعد والمستويات ، ما هو في حقيقة الأمر إلا إخفاء لابتعاد المثقف أو المفكر أو الأديب والنخبة بشكل عام عن مواطن الإبداع الفكري والثقافي والأدبي وتحولهم في الكثير من الأحيان إلى إحالة للماضي وحجابا لعدم رؤية الحاضر .. فالقراءة الموضوعية إلى الظواهر الاجتماعية والإنسانية المفرحة منها والمحزنة تحتم علينا النظر إلى الأمور انطلاقا من أسبابها الحقيقية وعواملها المباشرة .

من هنا وتأسيسا على حقيقة التطورات السريعة التي تجري في العالم في كل تجاه ، تتأكد ضرورة التقيد بقوانين الموضوعية في دراسة التطورات والظواهر الاجتماعية والإنسانية الأخرى .. لأن توفر هذه القوانين هو الذي يمكننا من قراءة هذه التطورات والتحولات بشكل سليم ودقيق .

والفكر النقدي يقتضي :

 1- توفير أسس الفحص والمقدمات العقلية والنظرية لعملية المراجعة، إذ لا يعقل أن تتم المراجعة انطلاقا من ردود أفعال أو مماحكات سياسية أو سجالات اجتماعية . بل من الضروري أن تتوفر كل الأدوات النظرية والمفهومية والعدة التقنية التاريخية والمعاصرة لفحص الظاهرة فحصا موضوعيا متزنا .

 2-  التقيد بالمنهج الموضوعي دون جلد الذات أو تحميل الأخر المجهول أسباب الإخفاق وعوامل الهزيمة

وبهذا نتشبث بما يسمى بـ ( القوانين الموضوعية ) للظواهر الاجتماعية والإنسانية .. ومن هنا فإن الفكر النقدي يقتضي أيضا دراسة الظاهرة والكشف عن قوانين عملها وحركتها وعن طبيعة العلاقة التي تربط بين عناصرها المختلفة ..وعن طريق هذه الدراسة نصل إلى النتائج الأخيرة بعيدا عن المسبقات الفكرية أو الاجتماعية ، ونتعرف على الأسباب الموضوعية لنمو الظاهرة أو ضمورها .. إننا مع ضرورة المراجعة لمناهجنا العلمية والعملية ، لكنها تلك المراجعة التي تنطلق من حس المسؤولية الذاتية وتحمل الذات مسؤولية الإصلاح .

فالمراجعة والنقد جزء من مشروع الإسلام التربوي ، فلا فلاح بدون محاسبة الذات ومراجعة أفعالها وتقويم سلوكها والعدول عن الأخطاء والزلات . وبالتالي فإن النقد وفق هذا التصور مطلوبا ، لأنه سبيلنا إلى التطور والتجدد والتزكية .

3– النقد والوعي الاجتماعي

يعتقد الكثير من الناس أن الوعي الاجتماعي ، هو مجرد نصوص لفظية أو شعارات يلوكها لسان الإنسان ، وامتلاك القدرة على توصيف الواقع الاجتماعي بجملة من الكلمات والألفاظ البراقة ، يعتبر واعياً اجتماعيا ويضرب به المثال في هذا المجال ،ولقد أضاع هذه الفهم ومتوالياته النفسية والاجتماعية والثقافية ، الكثير من الفرص السانحة ، التي كان بإمكان المجتمع العربي ، لو كان يسوده وعي اجتماعي حقيقي ، أن يغتنمها ويترجمها ، إلى حــقائق اجتماعية وثقافيـــة تطور من واقعه ، وتنهي الكثير من مشاكلــه و أزماته .

ومن جراء هذا الفهم المغلــوط للــــوعي الاجتماعي ، تحولت فرص النمو والانطلاق ، في المجتمع العربي ، إلى مهاوي تزيد من تعقيد المشكلة وتضيف لها أبعاداً أخرى .

وتظهر أعراض هذا الفهم المغلوط لمقولة الوعي الاجتماعي ، في الكثير من الأعراض والمؤشرات والمسارات التي تسير على هداها المجتمع العربي . فهي أساليب التربية والتنشئة الاجتماعية ، تسود قيم التلقين والتلقي والفردية القائمة على نفي حاجة الإنسان إلى التعاون والتآلف مع الآخرين ، لذلك ينشأ الواحد منا وهو لا يفكر إلا في ذاته وفي حدودها الضيقة والآنية أيضاً .

وفي التنشئة الثقافية ، تسود قيم الفرادة الموهومة ووهم امتلاك ناصية الحقيقة المطلقة وضرورة الاكتفاء بما عندنا من علم وثقافة ، وكأن العلم والثقافة وصلا إلى حدودهما القصوى ، وهي مخزنة في صندوق ، وما علينا إذا أردنا العلم والثقافة إلا فتح الصندوق ، ودورنا ينحصر في استهلاك ذلك العلم المكتشف من ذلك الصندوق .

لذلك ومن جراء هذا التركيب المجتمعي القائم ، على فهم مغلوط أو ناقص لمفهوم الوعي الاجتماعي ، نخسر فرص النمو والتطور وتنقلب علينا بشكل سلبي وتتراكم في محيطنا عناوين ويافطات تبرر لنا هذا الواقع المعاش ، وبدون الاستطراد في بيان الأعراض والآثار السيئة للفهم المغلوط لمقولة الوعي الاجتماعي ، نحاول أن نوضح مقصودنا من هذه المقولة .

الوعي الاجتماعي هو عبارة عن جملة المفاهيم والأفكار والثقافات التي توجه حركة أفراد هذه المسألة و متوالياتها المتعددة . لــهذا يختلف الوعي الاجتماعي من مجتمع إلى آخر ، باختلاف المفاهيم المهيمنة على المسار الاجتماعي ، وطبيعة الفهم الإنساني إلى تلك المفاهيم والحوافز القصوى التي تخلقها المفاهيم في حياة الناس ، لذلك فإن الوعي الاجتماعي ، هو وليد فهم الناس إلى تاريخهم وحاضرهم وقيمهم العليا ، ونتاج التفاعل البشري مع الأطر النظرية المتاحة أو المتداولة .

وبهذا نستطيع أن نحدد مفهوم الوعي الاجتماعي بالعناصر التالية :

1)   مجموع المفاهيم والقيم المتداولة في حياة الناس ونظام التفاضل الموجود بينها.

2)   تفسير الناس وفق ظروفهم ومستوياتهم المختلفة ، إلى تلك المفاهيم والقيم.

 3) تجربة الناس اليومية في الالتزام بهذه المفاهيم ، ونظام علائقهــم الســـائد في أوساطهم ، وبينهم وبين الآخرين .

ووفق هذا المنظور ، فإن الوعي الاجتماعي ليس مفهوما ناجزاً ومكتملاً ، وإنما هو دائم التحول والتطور من جراء تحولات المجتمع المختلفة ، لذلك فإن بقاء الوعي الاجتماعي ثابتاً والواقع الاجتماعي متحركاً ومتغيراً هو الذي يؤسس لفهم مغلوط ومشوه لمعنى الوعي الاجتماعي ، من هنا فإن شرط الوعي الاجتماعي الفعال هو وجود فكر نقدي ، يدعم هذا الوعي ،ويرفده بالآفاق الجديدة ، ويؤسس لحالات تحول اجتماعي متواصل بهدف الرقي والتقدم الاجتماعي ، لهذا ينبغي أن لا نتشاءم أو ننظر بريبة وشك إلى كل الأفكار النقدية للعوائد والمسارات الاجتماعية وإنما من الأهمية بمكان أن نستوعب هذه الأفكار النقدية ونوفر لها الأطر الاجتماعية الطبيعية ، لكي تأخذ هذه الأفكار مسارها الطبيعي في التفاعل مع الواقع الاجتماعي وبهذا التفاعل تنضج الأفكار وتتبلور المسارات وتعم الحيوية الجسم الاجتماعي كله .

وتجارب المجتمعات ذات الوعي المتميز ، تؤكد لنا أهمية حركة النقد وضرورتها القصوى في خلق الوعي الاجتماعي الجديد فلولا الأفكار النقدية ، التي بثها فلاسفة التنوير في أوروبا وما أحدثته من وعي اجتماعي جديد لبقي الظلام والجمود سائدا في أوروبا فشيوع مفاهيم النقد البناء في المحيط الاجتماعي يبدد الجمود وينهي الرتابة ويبث الحيوية والحياة في أرجاء المجتمع ويزيد من مستوى المسؤولية العامة ويساهم في بلورة وإنضاج قوى اجتماعية جديدة ، تأخذ على عاتقها دور التجديد والتطوير في المحيط الاجتماعي .

وإن شيوع حالات الاضطراب والفوضى في بعض المجتمعات ، ليس من جراء حركة النقد السائد وإنما هو في حقيقة الأمر من جراء غياب أطر الاستيعاب لأفكار النقد الجديدة أو من ردود الفعل السلبية وذات الطابع الارتجالي تجاه الأفكار الجديدة . أما المجتمع الذي يوجد لنفسه القنوات الطبيعية لاستيعاب أفكار أبنائه الجدية ، فإنه سيتمكن من إضافة قوة جديدة إلى قوته وسيدخل دماء جديدة تنهي السكون وتحول دون تبلد وتكلس الحياة الاجتماعية .

لهذا فإننا نؤكد على ضرورة ، توفر الأطر المناسبة لاستيعاب وامتصاص الأفكار الجديدة ، والرؤى النقدية الهادفة إلى التطوير وإعادة صياغة وتشكيل الوعي الاجتماعي بما ينسجم ومتطلبات العصر وضرورات التقدم الاجتماعي .

ولا بد أن لا نستعجل في إطلاق الأحكام واتخاذ المواقف ، تجاه من أجتهد في سبيل تطوير وتجديد الوعي الاجتماعي . وأن التحليل العلمي النقدي للسائد اجتماعيا وثقافياً هو الذي يوفر الأرضية العقلية والنفسية لتجاوز البائد من ذلك السائد ،وإنهاء ما فيه من أنماط بالية ولقد حاول الدكتور ( هشام شرابي ) في كتابه " البنية البطركية .. بحث في المجتمع العربي المعاصر " . أن يوضح الصلة الضرورية بين الوعي الاجتماعي والفكر النقدي .

لهذا من الضروري أن نتعامل مع التحليلات النقدية لمسار المجتمعات العربية برؤية منفتحة – مستوعبة بعيدة كل البعد عن لغة النفي والتخوين – وإن النقد الهــادف في أحــد وجوهـــــــه الرئيسة ، يشكل شرطاً ضرورياً لتحقيق التطور الاجتماعي المأمول .

فلا وعي اجتماعي متجدد ، إلا بفكر نقدي ، ولا فكر نقدي بنــــاء ، إلا بــوجود أطر مجتمعية ، تستوعب تلك الأفكار وتموجاتها . وهكذا يصبح الفكر النقدي شرطا من شروط الوعي الاجتماعي الجديد ، بمعنى أن وعي المجتمع بذاته وبالآخرين وبدوره التاريخي ، لا ينجز إلا على قاعدة نقدية مستديمة ، تسائل السائد ، وتجعله على طاولة التشريح والتقويم . وضرورة الحفاظ على الوئام الاجتماعي ، لا تعني بأي شكل من الأشكال قسر الجميع وإرغامهم على نمط اجتماعي محدد . وإنما تعني حيوية التنوعات وفاعليتها في أثراء مفهوم الوئام الاجتماعي ، بأفكار ورؤى وآفاق جديدة .

وبالتالي فإن الإصرار على إيجاد مسافة تفصل الوعي الاجتماعي السائد ، عن الفكـــــر الـــنقدي ، يؤدي فيـــــما يؤدي إليه ، إلى شيوع حالة العجز التي تنتاب المجتمع تجاه مشاكله وتحدياته المصيرية .

وعليه فإنه لا مبرر للخوف من النقد وفحص المسلمات الاجتماعية ، لأن هذا النقد والفحص ، هو الذي يطرد العناصر السلبية والميتة من الفضاء الاجتماعي . والخوف الحقيقي ينبغي أن يكون ، حينما تغيب عمليات النقد ، وحينما تتضاءل فرص الفحص على وقائع المسيرة الاجتماعية . فالنقد ضرورة قصوى لسلامة المجتمع ، لأنه يتجه صوب نقاط الضعف ويعمل على تعريتها وفضحها ، ويشحذ الهمم لتوفير الإرادة المجتمعية القادرة على سد تلك النقاط . فلا قوة حقيقية لأي مجتمع تغيب فيه عمليات النقد والتقويم . فالقوة مرهونة بقدرة أبناء المجتمع على مساءلة سائدهم ، وفحص قناعاتهم العامة ، وذلك ليس من أجل إشاعة الفوضى والهدم ، وإنما من أجل طرد كل الأمراض التي قد تبرز في الفضاء الاجتماعي .

لهذا كله فإننا ندعو إلى عدم الخوف من النقد الاجتماعي والعلمي ، بل من الضروري أن نوفر الأطر البحثية التي تقدم لنا دراسات وأبحاث جادة عن واقعنا الاجتماعي . لمعرفة عناصر قوتنا وضعفنا ، ومن ثم العمل على تأكيد عناصر القوة وطرد عناصر الضعف . فلا حيوية في المجتمع بلا نقد ، ولا قدرة للمجتمع للتخلص من عيوبه بدون تشجيع الباحثين والمختصين على قراءة الواقع الاجتماعي ونقده .

والنقد الاجتماعي لا يؤسس للفوضى والانفلات أو تضخيم السلبيات ، وإنما هو ضرورة من ضرورات تحقيق الأمن الاجتماعي .

وجماع القول : إننا بحاجة دائمة إلى ممارسة النقد والفحص ، حتى يزداد وعينا الاجتماعي وتنضج قدراتنا المجتمعية ، وتتمكن من طرد كل عناصر الضعف والاهتراء من فضائنا الاجتماعي . وعليه فإن الخوف من النقد يضر بالواقع الاجتماعي حقيقة . ولا سبيل أمامنا إذا أردنا الحيوية والفعالية الدائمة ، إلا مواصلة الفحص الدائم والنقد المستمر لكل وقائعنا وحقائقنا الاجتماعية . النقد الذي لا يستهدف التقويض ، بل التقويم وتصحيح الاعوجاج .

4– تحرير الوعي الإسلامي :

ثمة ضرورة تبلورت في مجالنا العربي والإسلامي من جراء أحداث وتداعيات الحادي عشر من سبتمبر وحرب أفغانستان . ألا وهي ضرورة الانطلاق الجاد في بناء ثقافتنا من جديد على ضوء معطيات الراهن وثوابت الثقافة التي صاغت مسارات واقعنا المجيد .

ولكن هذه الانطلاقة لا تستهدف تبرير ما جرى ، أو تأكيد حقيقة أن هناك ظروف موضوعية وسياسية قادت الأمور إلى ما جرى   من أحداث وفظائع . وإنما هي انطلاقة   تجتهد في تجسير الفجوة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون ، بين حركة الواقع بتعقيداته وتشابكاته وحقائق ثقافتنا التي لا تقبل التأويل والتحوير .

 وتنبع أهمية العمل على إعادة بناء ثقافتنا من النقاط التالية :

 إننا كأمة ومجتمعات وأوطان ، نتعرض لزخم متدفق من الإنتاج الثقافي والإعلامي الغريب الذي يتجه إلى تشويه صورتنا وتحميلنا كأمة وعقيدة مسؤولية ما جرى من أحداث .

 فالكثير من عناصر الثقافة ومواد الإعلام التي أنتجت بعد الحادي عشر من سبتمبر ، تدفع الأمور باتجاه تحميلنا مسؤولية تلك الأحداث . وإن الخيار المطروح إمامنا لقبولنا في حركة العصر والنادي الحضاري العالمي ، هو التخلي عن الكثير من القيم التي فهمها بعضنا بشكل خاطئ ومغلوط أو تم قراءتها من قبل دوائر الغرب الثقافية والإعلامية بشكل ملتبس وغامض . مما أدخل واقعنا في دوامة العمل على تبرئة عقيدتنا مما جرى .    وإن ما جرى هو وليد تطورات سياسية إقليمية ودولية ، هيأت الأرضية السياسية للانطلاق في مشروعات عنيفة ضد الولايات المتحدة الأمريكية .

وعلى كل حال فإننا نود القول في هذا الصدد : أن ما جرى أدخلنا في واقع جديد وتحديات حضارية بعناوين ويافطات حديثة ، وإن كل هذا يدفعنا إلى أن نستخرج من معادن ثقافتنا الغنية عناصر حيويتها ونطورها حسب حاجات واقعنا وشعوبنا ، ثم نعيد صياغتها وننتجها بشتى ألوان الإنتاج مقروءا ومسموعا ومرئيا .

كل يوم نعيش تحديا حضاريا جديدا, ونواجه أحداثا ووقائع لا نعرف أحكامها ومنهج مواجهتها, حتى جعل الكثيرين منا يعيشون التردد والغبش في الرؤية تجاه كل ما جرى من أحداث وتطورات.

ومن هنا ومن أجل مواجهة الثقافة الغريبة التي تريد وتسعى أن تحملنا كأمة ومستقبل مسؤولية ما جرى, ومن أجل مواجهة المشاكل اليومية العالقة التي زادتنا ترددا وضياعا والتباسا, فإن علينا إعادة بناء ثقافتنا وتحرير وعينا من القوالب الفكرية والثقافة التي تريد مؤسسات الإعلام والثقافة الغربية إدخالنا فيها, وجعل أولوياتها هي أولوياتنا, وأجندتها هي أجندتنا. ومن المشاكل اليومية التي إذا فقدنا البوصلة تزيدنا ضياعا وغبشا وبعدا عن أولوياتنا الصحيحة.

ومن الطبيعي القول : أنه من دون الثقافة الواحدة ذات القيم الإنسانية والحضارية السامية والثابتة التي يؤمن بها الجميع إيمانا راسخا يبعثهم على العطاء من أجلها والتضحية لها بكل شيء يسقط الجدار المعنوي لبناء الأمة.

ومن دون الهدف, ذو التجربة التاريخية, الذي يكون نقطة ارتكاز لنشاطات وحركة الأمة, ينهار الجدار المادي لبناء الأمة,

وإن بوابة كل ذلك أو بالأحرى إن شرط القبض على كل ذلك }الثقافة الواحدة والهدف الواضح{  , هو تحرير وعينا الإسلامي المعاصر من كل الأوهام والأغلال التي تكبل تفكيرنا وتحرف أولوياتنا وتجعلنا نعيش الغبش في كل شيء.

إننا كأمة نتعرض اليوم لتهديد حقيقي بضياع شخصيتنا ولا سبيل أمامنا إلا تحرير وعينا من كل الرواسب التي تحول دون انطلاقتنا الحضارية والإنسانية.

إن ما جرى من أحداث ومآسي ليس نهاية التاريخ, وإنما هو لحظة تاريخية تحملنا مسؤولية العمل على بناء ثقافتنا حتى يتسنى لنا جميعا المشاركة الفعالة في حضارة العصر. وحتى نتمكن من خلال وعينا وتقدمنا الحضاري, أن نجابه كل التصورات التي تحاول أن تلصق صفة التخلف والتأخر بالإسلام.

إن مسؤوليتنا تتجسد في الهروب إلى الأمام, عبر تحرير وعينا وبناء واقعنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي على أسس أكثر إنسانية وحضارية . وينبغي أن ندرك جميعا أن الزيادة في الدين حرام, لأنها نوع من الغلو الممنوع. وإن هذا الأخير كان هو المسئول المباشر عن تمرد طائفة كبيرة من الناس على الدين.ولا يخفى علينا جميعا أنه في العالم المسيحي كان الغلو في الدين هو السبب المباشر لانتهاء سيطرة الكنيسة وتحول الناس إلى اللائكية والإلحاد.

وحين تراجعت الكنيسة تحت ضغط الظروف عن إضافاتها اللامعقولة إلى الدين عاد العالم الغربي إلى الكنيسة. من هنا غضب الباري عز وجل على طائفة من الناس لأنهم حرموا ما أحل الله لهم وقال } قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون* قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون{ . (الأعراف الآية 32-33 )..

من هنا فإننا نقول : إن فتح أبواب التطور أمام الأمة, يتطلب تحرير وعينا وبناء ثقافتنا على ضوء معطيات الإنسان والحضارة. وهذا يقودنا إلى التأكيد على النقاط التالية:

1- أصالة القيم: غني عن القول, أنه كلما ابتعدنا عن القيم والمبادئ والمثل الإنسانية والحضارية, اضطرب واقعنا وبدأنا نعيش في دائرة الفوضى والعدوان واللاأبالية. لهذا فإننا لا يمكن أن نبني ثقافتنا ونحرر وعينا من الأوهام والأغلال الداخلية والخارجية. بدون الاستناد إلى أصالة قيمنا ومبادئنا. وما أحوجنا اليوم كأفراد وأمة إلى تلك القيم التي تعلي من شأن الإنسان وكرامته وتحفزنا على التعاون والتسامح والتآخي على قاعدة المشترك الديني والإنساني. فالناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق. وإن جهدنا اليومي المطلوب, ينبغي أن يتجه صوب تعميق هذه القيم ومتطلباتها في فضائنا الاجتماعي. فكلما نقترب من الالتزام بمقتضيات هذه القيم, تتوطد أسس الأمن والاستقرار في محيطنا ومجالنا الاجتماعي. ولا تحرير لوعينا إلا برافعة هذه القيم, التي تطرد من عقولنا وواقعنا كل حالات الأثرة والأنانية والتصنيف والتهميش والانخراط الأبله في مشروعات التفتيت والحروب المجانية.

والفقهاء والعلماء والمثقفين في مجالنا العربي والإسلامي, يتحملون مسؤولية كبرى في هذا الإطار, إذ أن عطاءهم الفكري وجهدهم الإصلاحي من الأهمية بمكان أن يتوجه صوب تعميق حقائق حقوق الإنسان وخيار الحرية والديمقراطية في الأمة.

2- ضرورة الاستناد على حقائق القوة والتقدم, وترك ونبذ الشعارات التي نتعامل معها وكأنها البديل الجوهري عن العمل والبناء. فالتقدم ليس وليد الشعار المجرد, بل هو نتيجة العمل المستمر الذي يتجه نحو صناعة الحقائق الثقافية والاقتصادية والسياسية, التي تساهم في حل العديد من المشكلات,وتستوعب جملة من الطاقات والكفاءات, وتؤكد لنا جميعا أن لا خيار أمامنا إلا خيار البناء والعمل من أجل ترجمة طموحاتنا وتطلعاتنا إلى حقائق ووقائع على الأرض.

3- التفاعل مع التجارب الإنسانية الحديثة, ورفض حالات الانكفاء والانعزال والتهميش. فالعلم الحديث, خلاصة تجارب, وعلينا أن ننفتح عليها, ولكن قبل ذلك علينا أن نميز بين قشور التجارب ولبابها, بين المغزى الحقيقي للتجربة, وبين الإطار الذي وضع فيه هذا المغزى.

 والأمة التي تنعزل عن تجارب غيرها, تتأخر, ولا تمتلك القدرة على استيعاب تطورات ومكاسب الآخرين.

وجماع القول: إن التطورات السياسية التي تجري اليوم في المنطقة, تتطلب منا العمل على تحرير وعينا من أوهام الاستنساخ الحرفي وأسباب العطالة والاستقالة عن الفعل التاريخي, ونعمل جميعا على تأسيس وعي معاصر, يأخذ في اعتباره أن القبض على المستقبل, لا يأتي إلا ببناء القوة الحضارية, وصنع حقائق التقدم والتطور في فضائنا العربي والإسلامي. و البداية السليمة لأي مشروع سياسي أو اقتصادي أو تجاري أو حضاري, هو التعرف التام على الراهن واللحظة التاريخية و جوانبها المختلفة, لأنه باختلاف الواقع, يختلف الأسلوب, و تتغير الوسيلة, فواقع الثمانينات الاقتصادي مثلا, يتطلب مشاريع وأفكار اقتصادية, تختلف بشكل أو آخر عن مشاريع ومتطلبات عقد التسعينات, كما أن العقد الأول من الألفية الجديدة تتطلب مشروعات وأفكار اقتصادية متميزة. والمشروع الاقتصادي أو التجاري أو الحضاري, الذي يجهل الواقع ومتطلباته, لن يتمكن من تحديد سلم الأولويات في مشروعه. وكثيرة هي الأعمال والأنشطة في المشهد العربي, التي ضيعت سلم الأولويات لا لسبب ذاتي, وإنما لجهلها التام أو النسبي للواقع الذي تعيشه و متطلباته المختلفة.                                                                             ولكن ثمة خلل عميق قد يصيب المجتمع في هذه المسألة, إذ كثير من المجتمعات, تختلط لديها الأماني و التطلعات بالإمكانات والقدرات المتوفرة, لأن العمل والسعي الحثيث, هو القنطرة الوحيدة لنقل التطلع من عالم التجريد إلى عالم التشخيص, من المثال إلى الممكن. ويجانب الصواب من يرى أن أحقية تطلعه, وأهمية أمنيته وعدالة قضيته, كل هذه الأمور كافية لاجتياز طريق تحقيقها وإنجازها في الواقع ا


المنحى الجديد في الفقه الشيعي في مجال المرأة

8 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

-1-

حركة جديدة في الفقه الشيعي

في العقدين الأخيرين من القرن العشرين بدأت ملامح حركة جديدة تظهر في مجال الفقه الإسلامي الشيعي حول قضايا المرأة، لكن من دون أن تلفت النظر في وقتها على نطاق واسع في المجال الفكري والفقهي الإسلامي العام، حيث كان الانشغال بالشأن السياسي آنذاك في أوج شدته، ويكاد يغطي على كافة الميادين الأخرى، وذلك نتيجة التحوُّل الإسلامي الذي حصل في إيران، الحدث الذي نقل النخب والجماعات الإسلامية من هامش الفعل السياسي إلى قلب الفعل السياسي، وتقدم معه الاهتمام السياسي على باقي الاهتمامات الأخرى الفكرية والفقهية وغيرهما، حين كان للسياسة سطوتها التي لا تقاوم.

والذين حاولوا الكشف عن بداية ما أسموه التطورات الحديثة التي دخلت على الفقه الشيعي في الأزمنة المعاصرة، توقفوا عند هذه الفترة وهم يؤرخون لبداية هذه التطورات الحديثة، وهذا ما أشار إليه الباحث الإيراني الشيخ مهدي مهريزي وهو يتحدث عن التطور الفقهي الجديد في مسألة بلوغ الفتيات، إذ يقول: «كان السائد في الفقه الشيعي أن الفتاة تبلغ في سن التاسعة، ولم يحصل أي إعادة نظر في هذا الرأي، بل إن هذا التصور لم يكن يخطر على بال أحد، ولكن أعيد النظر في هذا الموضوع في السنوات الأخيرة، ولعله من الممكن حصر زمن هذا التغيير بعام 1980م، حيث قدحت هذه الفكرة في أذهان قسم من علماء الدين ودعتهم إلى بحث هذه المسألة والتأمل فيها، وقال بعضهم بعدم موضوعية تعيين سن بلوغ محدد للفتيات، وإنما الملاك في بلوغ الفتيات هو الحيض» [1].

وتنامت هذه الحركة الجديدة في الفقه الشيعي ونضجت وتراكمت مع العقد الأخير من القرن الماضي حيث فقدت السياسة بعض سطوتها الشديدة التي كانت عليها في حقبة الثمانينات، واستعاد الفكر الإسلامي بعض توازنه، ورجع إلى ساحته وساحة الفقه الإسلامي بعض رجاله الذين انصرفوا من قبل وانقسموا في ساحة السياسة.

وخلال هذه الفترة وتحديداً عام 1994م صدر كتاب (مسائل حرجة في فقه المرأة) للشيخ محمد مهدي شمس الدين، ويصلح هذا الكتاب أن يؤرخ للتطور الفقهي الذي حصل خلال هذه الفترة، وعن اقتراب الفقه الإسلامي الشيعي من المسائل التي وصفها الشيخ شمس الدين بالحرجة في فقه المرأة، وهي المسائل المتعلقة بأحكام علاقة المرأة بالسياسة والمجتمع والدولة.

وفي هذا الكتاب قدّم الشيخ شمس الدين تأملات في نقد وتجديد منهج النظر والاستنباط الفقهي في مجال أحكام المرأة والأسرة، وناقش بعض الآراء ووجهات النظر المطروحة والمتداولة في هذا الشأن، ناقداً لها ولمنهجية استنباطها، ومتبنياً لآراء ووجهات نظر استدلالية وبرهانية مغايرة في المعنى والمبنى.

وقد حافظت هذه الحركة الجديدة في الفقه الشيعي على نموها وتطورها مع دخول العالم القرن الحادي والعشرين، ويمكن القول: إن الاجتهادات الفقهية الجديدة التي ظهرت خلال هذه الفترة في مجال المرأة لعلها الأكثر أهمية وتميُّزاً، وتتفوق من هذه الناحية وتتقدم على الاجتهادات والتجديدات السابقة عليها.

ويُعَدُّ الشيخ يوسف الصانعي المرجع الديني الموجود في مدينة قم الإيرانية، الأكثر بروزاً خلال هذه الفترة حيث طرح العديد من الآراء ووجهات النظر الجديدة واللافتة في مجال المرأة وعلى أساس قواعد أصول منهج الاستنباط في الفقه الاستدلالي.

وقد وجد بعض الباحثين أن الاجتهادات والتجديدات الفقهية التي طُرحت خلال هذه الفترة في مجال المرأة؛ تؤرخ لمرحلة جديدة، وهذا ما ذهب إليه الشيخ مهدي مهريزي وهو يتتبع تاريخ تطور الاتجاهات الدينية المعاصرة في إيران حول مسألة المرأة، والتي قسَّمها إلى ثلاثة اتجاهات، تنتمي إلى ثلاثة أطوار زمنية، وهي حسب رأيه: الاتجاه التراث التقليدي الذي يبدأ مع عصر الحركة الدستورية في إيران مطلع القرن العشرين، والاتجاه الكلامي – الاجتماعي ويبدأ من ستينات القرن العشرين، والاتجاه الفقهي والحقوقي الذي يبدأ عنده مع بداية الألفية الثالثة، ويؤرخ الشيخ المهريزي لهذا الاتجاه بدءاً من الشيخ يوسف الصانعي الذي عَدَّه رائد طرح الآراء الفقهية الجديدة في العصر الحاضر على شكل فتاوى في الرسالة العملية [2].

وتدعمت هذه الحركة الجديدة خلال هذه المرحلة بإسهامات فكرية وفقهية من آخرين يجمعهم المنحى التجديدي، ومن هؤلاء الشيخ إبراهيم الجناتي الذي يَعُدُّه الشيخ المهريزي بأنه من رواد الاتجاه التجديدي الذين حققوا تحوُّلاً في مناهج الاجتهاد، وأساليب الدفاع عن الفقه الإسلامي، ومن هؤلاء أيضاً السيد محمد البجنوردي عضو مجلس القضاء الأعلى سابقاً في إيران، إلى جانب آخرين.

وهذه الحركة الجديدة التي تنامت وتراكمت، ووصلت إلى هذا المستوى من التطور والتجديد في فقه المرأة، يبدو أنها سوف تحافظ على بقائها وحضورها، خصوصاً وأنها تستند إلى قواعد وأصول استدلالية وبرهانية، وتتصل بحقل علمي يُعَدُّ من أبرز حقول الدراسات الإسلامية وأكثرها عراقة وثراء، وهو حقل الفقه الإسلامي الذي عُرفت به الحضارة الإسلامية أكثر من أي حقل آخر، وتميَّزت به حتى وُصفت بحضارة الفقه.

ولكون التجديد يتصل بقضايا المرأة الأمر الذي يؤكد الحاجة لهذه الحركة، ويلفت النظر إليها، ويساعد على بقائها وحضورها وذلك لتأخر التجديد والنظر الاجتهادي الجديد في هذه القضايا المتصلة بالمرأة، والتي كانت بأمس الحاجة والضرورة إلى المراجعة وإعادة النظر بعد التغير الواسع والكبير الذي حصل في واقع المرأة اليوم.

وما هو جدير بالإشارة أن مستوى التطور الراهن الذي وصل إليه التجديد الفقهي في مجال المرأة، لم يصل إليه بهذا المستوى من قبل، ومازال يحافظ على وتيرته المتصاعدة كمًّا وكيفاً في سبيل حماية وضمان كرامة وحقوق المرأة، وإظهار الفقه الإسلامي بموازين العدل، ولرفع الظلم والتمييز الواقع ضد المرأة، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، يمكن القول: إن الفقه الشيعي بات يتقدم اليوم على باقي المذاهب الفقهية الإسلامية الأخرى في مجال التجديد الفقهي حول المرأة، ولعل هذا التقدم يرجع إلى أمرين متلازمين، الأمر الأول له طبيعة موضوعية ويرجع إلى ارتباط الفقه الشيعي بتجربة الدولة في إيران، التجربة التي فتحت عليه آفاق الاجتهاد والتجديد الواسع والملحّ استجابة وتفاعلاً مع متطلبات ومقتضيات الأسلمة الشاملة على مستوى المجتمع والدولة. الأمر الثاني له طبيعة ذاتية ويرجع إلى باب الاجتهاد المفتوح في الفقه الشيعي الذي جعله يحافظ على عنصر الحركة الحيوية في بنيته الداخلية، ويكون أكثر استعداداً وقابلية في التواصل والاستجابة لتطورات العصر وتحولات العالم، وفي القدرة على مواكبة ما يطرح ويثار من إشكاليات وشبهات لها علاقة بالعلوم والمعارف الإسلامية، وهكذا في القدرة على مواكبة ما يستجد من تطورات وإنجازات في ميادين الفكر والمعرفة.

والاجتهاد المفتوح هو الذي يُشكِّل أرضيات انبعاث نزعات الإصلاح والتجديد في الفقه الإسلامي، وفي المعرفة الإسلامية بصورة عامة، وهو الذي يحرِّض على انبعاث مثل هذه النزعات ويدعمها، ويضمن لها بقاءها واستمراريتها، ويزودها بالحيوية والفاعلية.

والملاحظة الجديرة بالتنويه أن هذه التطورات الفقهية الجديدة التي حصلت ومازالت تحصل اليوم، تصلح أن يؤرخ لها في حركة تطور علاقة الفقه الإسلامي الشيعي بموضوع المرأة، وذلك لأنها وصلت إلى مستويات من التجديد لم تصل إليه بهذا المستوى من قبل، ولأنها أيضاً باتت تعبّر عن نمو حركة جديدة لها روادها ونسقها الفكري والاجتهادي في داخل الفقه الإسلامي الشيعي المعاصر.

ومن المرشح لهذه الحركة الجديدة المحافَظة على نموها ووجودها، ومتى ما ظهرت مثل هذه الحركة فإنها لن تتراجع بسهولة، أو تتلاشى بسرعة حتى لو تباطأت مسيرتها في النمو، أو تأخرت في التمدد والاتساع، وتعرضت للنقد والمواجهة، وذلك لكون أن هذه الحركة قد تأخرت كثيراً قبل ظهورها، وتراكمت الحاجة إليها بصورة كبيرة، وهي الحاجة التي أعطت، وسوف تُعطي هذه الحركة زخماً وقدراً من البقاء والاستمرار.

ثم لكون أن المرأة المسلمة المعاصرة التي تعلمت وتثقفت، وانخرطت في كافة ميادين العلم والحياة؛ لم تعد تحتمل تلك الصورة التي تنتقص من كرامتها وإنسانيتها، وتشكك في عقلها ودينها، ولم تعد تقبل بذلك التمييز الذي يمارس بحقها بعيداً عن موازين العدل ونظام الحقوق.

كما أن تطورات العصر أخذت تُجابه وتُحاصر الفقه الإسلامي بالعديد من التساؤلات والإشكاليات الحرجة والملتبسة والتي لابد من مواجهتها والتفاعل معها.

وهذا يعني أن واقعاً جديداً بات ينتظر المرأة، وهذا الواقع آخذ في التشكل بالقوة أو بالفعل، على المدى القريب أو المدى البعيد، وعلى مستوى الواقع الفعلي، أو على مستوى منظورات الرؤية.

-2-
المرأة وتشوُّه الصورة

هناك صورة قديمة تشكَّلت حول المرأة في داخل الفقه الإسلامي، وظهرت وتجلَّت في بعض الفتاوى والأحكام الفقهية، هذه الصورة حين التعرف عليها فإنها تصدم بشدة المرأة المسلمة المعاصرة، وسوف ترى فيها تشويهاً وانتقاصاً لمكانة المرأة وكرامتها ونوعاً من أنواع التغييب والاستعلاء عليها، وشكلاً من أشكال التمييز الذي يُمارس ضدها، وتعسُّفاً وانتهاكاً لحقوقها.

وقد تتبع الشيخ المهريزي مثل هذه الفتاوى والأحكام التي وردت في كتب الفقهاء ومصنفاتهم الفقهية، وأشار إلى بعضها في كتابه (نحو فقه للمرأة يواكب الحياة)، ومن هذه الأحكام:

1- في مسألة الحضانة: تساءل الفقهاء: هل يجب أن تكون الحاضنة عادلة أم يكفي فيها الأمانة؟ قال بعضهم بعدم اشتراط العدالة لأن أكثر النساء فاسقات.

2- في مسألة صلاة الميت: وعند السؤال عن: هل يجوز للمرأة الصلاة على جنازة الرجل؟ أمام هذا السؤال أجاب الشافعي برأيين، قال في أحدهما: يجب أن يصلي عليها الرجل، لأن الرجال أقرب إلى الله، ودعاؤهم يستجاب أسرع من النساء، وإذا صلَّت عليها امرأة فذلك بمثابة إهانة للميت.

3- في مسألة إرث الخنثى: تساءل الفقهاء: هل يجب أن يكون نصيب الخنثى من الإرث كسهم الذكر أم كسهم الأنثى؟ قال بعضهم نقلاً عن القرطبي في كتابه (جامع أحكام القرآن): يجب أن يجري عليها الفحوص الجنسية أولاً، وإذا لم تُفلح هذه الفحوص في تحديد جنسيتها يجب عدُّ أضلاعها فإذا كانت أضلاعها قليلة فهي رجل، لأن أحد أضلاعه خلقت منه المرأة، وإذا كانت أضلاعها أكثر فهي امرأة.

4- في مسألة أوصاف مستحقي الزكاة: قال الفقهاء: إن الإيمان والفقر شرطان في استحقاق الزكاة، والعدالة ليست شرطاً في ذلك، لأن مستحقي الزكاة من النساء، والنساء أكثرهن فاسقات.

5- في مسألة زواج العبد بالمرأة الحرة دون إذن مولاه: أفتى الفقهاء بأن مثل هذا الزواج هو زنا، لكن لا يقام فيه حد الزنا، لأن الرجل عبد والمرأة ضعيفة العقل.

6- في مسألة الحرب بين المسلمين والكفار: إذا تحارب المسلمون والكفار ثم تصالحا واتفقا على إعادة من يلجأ أي منهما إلى الطرف الآخر. أمام هذه المسألة أفتى بعض الفقهاء بأن مثل هذا الحكم يسري على الرجل دون المرأة؛ لأن النساء ضعيفات العقول، وبالتالي إذا لجأت مسلمة من الكفار إلى المسلمين لا يجوز إعادتها إليهم لأنها قد ترتد عن الإسلام [3].

هذه بعض النماذج القليلة التي تكشف عن ملامح صورة متوارثة عن المرأة في الفقه الإسلامي، وعند الفقهاء، أو عند بعضهم، ولاشك أن المرأة المسلمة المعاصرة لا تقبل بهذه الصورة وبقائها، وهي تكافح اليوم وبكل جهد لتغيير تلك الصورة ونقدها والإطاحة بها، فلم يعد الجهل والأمية يغلبان على شخصية المرأة اليوم، كما كانا يغلبان عليها في السابق، وهذا القدر من التغيير في انتقال المرأة من الأمية إلى التعلم، يكفي لتغيير كامل الصورة عن المرأة؛ لأن بهذا التغير تتغير رؤية العالم عند المرأة، الرؤية التي تؤثر في منظومة تفكير المرأة، وفي طبيعة مواقفها وسلوكاتها في المجتمع والحياة.

وقد وجد أصحاب المنحى الجديد أن هذه الصورة حول المرأة في الفقه الإسلامي بحاجة إلى مراجعة ونقد لأنها لا تنسجم وتتعارض مع رؤية الإسلام للمرأة التي كرَّمها، وأعاد لها شخصيتها، وضمن لها حقوقها، وعَدَّ النساء شقائق الرجال.

وفي هذا النطاق يرى الشيخ يوسف الصانعي «أن شكل القوانين الموجودة حاليًّا فيما يرتبط بالمرأة، لم يبلغ حتى الآن مستوى الانسجام الكامل مع الإسلام، كما أنه لم يحقق المواكبة الضرورية لما يطرأ من تحولات في المجتمعات الحديثة» [4]. وحين يناقش بعض النصوص الدينية التي أعطت الرخصة للأب والجدّ في تزويج البنت غير البالغة، والتي جاءت على صورة أسئلة موجهة للإمام المعصوم، كسؤال عبدالله بن الصلت حين سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الجارية الصغيرة يزوجها أبوها وهل لها أمر إذا بلغت؟ أجاب الإمام: لا ليس لها مع أبيها أمر. وفي هذا الشأن يعقب الشيخ الصانعي بالقول: «إن هذه الأسئلة إنما انبثقت من العرف والثقافة اللتين كانتا رائجتين في ذلك الزمان، حيث لم يكن يتعارف تزويج الأمّهات لبناتهنّ، وبعبارة أخرى: إن سلطة الرجل آنذاك لم تكن لتسمح بتدخّل الأمهات في هذا الموضوع، بل كان الرجل هو من يدير تمام أمور الحياة لوحده، بحيث لم يكن للنساء من دور في هذا المضمار، ولم يكن كعصرنا الحاضر تبدي المرأةُ رأيها فيه، بل ويمكنها أن تغدو مع ذلك محامياً أو وزيراً أو طبيباً» [5]. ومن جهته يرى السيد محمد البجنوردي وبطريقة ناقدة أن بعض الفتاوى أكثر تعسفية فيما خصّ فقه المرأة لدى بعض الفقهاء في بعض الأوساط، وأكثر الفقهاء -حسب نظره- لديهم حرج في هذا المجال [6]. ولهذا يعتقد أن الفقهاء والحقوقيين لو أعادوا النظر في الموارد المتصلة بمسائل المرأة مثل مسألة الشهادة، وإرث الزوجة من زوجها المتوفى، وكيفية القصاص وألوانه، ومسألة الديات، وتولي القضاء، ومسائل أخرى مرتبطة بحقوق المرأة في الفقه المدني والجزائي، ووردوها برؤية منفتحة فإن كثيراً من هذه الأحكام سوف يتغير، وإن بالإمكان إجراء تغييرات في المواقف الفقهية تجاه الكثير من الأحكام التي ينظر إليها اليوم بوصفها تمييزاً ضد المرأة [7].

وبسبب تلك الصورة أثار البعض من داخل الوسط الديني شبهة حول الفقه، وكيف أن الفقهاء تجاهلوا حقوق المرأة الاجتماعية، وأوجدوا بوناً شاسعاً بينها وبين الرجل، وقد طرحت هذه الشبهة على الشيخ المهريزي في حوار معه حول مكانة المرأة في الفقه الإسلامي، ومع أنه رأى أن السؤال لا يخلو من مغالطة، إلا أنه ختم جوابه بالقول: إن بعض آراء الفقهاء قلَّما تأخذ بالحسبان الحقوق الاجتماعية للمرأة، إلى جانب وجود فقهاء وخاصة من المعاصرين أعادوا النظر في تلك المسائل المرتبطة بالحقوق الاجتماعية للمرأة [8].

وعندما سئل عن الأحكام التي لا تنسجم مع واقع المرأة وينبغي أن يعيد الفقهاء النظر فيها؛ قال الشيخ المهريزي في خاتمة الجواب: «إن جميع مسائل المرأة بحاجة إلى إعادة نظر، إذ إن المسائل التي قد ندافع عنها اليوم مثل قاعدة الإرث يجب أن نعيد النظر فيها، ونرى كيف يمكن اليوم تبيينها، أو كيف يمكن درء الشبهات المثارة حولها» [9].

ومن الواضح أن منشأ تلك الصورة المتشكلة حول المرأة في تصورات بعض الفقهاء ترجع بشكل أساس إلى نصوص وروايات وردت في كتب السنة الشريفة، وكانت بحاجة إلى مزيد من الفحص والتشخيص في سندها ومتنها قبل العمل بها والبناء عليها، والكشف عن كيفية التعامل معها لكونها تحتمل تفسيرات وتأويلات متعددة ومتباينة، ولا تخلو من غموض والتباس، إلى جانب الحاجة في الكشف عن طبيعتها وقيمتها التاريخية والأخلاقية، والنظر إليها في إطار الرؤية الكلية للإسلام، وبصورة خاصة في إطار رؤية الإسلام الكلية للمرأة.

وقد تعرضت كل النصوص والروايات إلى مراجعات ومحاكمات من فقهاء معاصرين، وبالذات من أصحاب المنحى التجديدي في الفقه، فحين يتحدث الشيخ محمد مهدي شمس الدين عن طبيعة النصوص المروية في السنة حول المرأة فإنه يقسمها إلى قسمين: إلى نصوص ضعيفة السند أو مرسلة أو مرفوعة، لا تصلح أن تكون أدلة على الحكم الشرعي، وإلى نصوص معتبرة شرعاً بين صحاح وموثقات وحسان، فهي من ناحية السند صالحة للدلالة على الحكم الشرعي إذا ثبت أنها واردة لبيان الحكم الشرعي الإلهي، ولم تكن تدبيراً لمواجهة حالة طارئة، أو توجيهاً خاصًّا بشخص معين في حالة معينة.

وفي نقده لطريقة تعامل الفقهاء مع هذه النصوص يقول الشيخ شمس الدين: «جرى كثير من الفقهاء في فقه المرأة على العمل بما روي من النصوص من دون احتراز عن الأحاديث الضعيفة، ومن دون محاكمة لمتون الأحاديث المعتبرة» [10].

وعندما تعرض الشيخ الصانعي لمثل هذه الروايات في سياق بحثه عن نقد مستندات النظرية المشهورة عند الفقهاء في إثبات ولاية الجد ونفي ولاية الأم على الأولاد الصغار المتوفى أبوهم، يشير إلى طائفة من الروايات واردة في كتاب الوصية، حيث استغرب وجود روايات تضع المرأة وشارب الخمر في مصاديق السفهاء، وحسب قوله: «والذي يبعث على الأسف والاستغراب ولا يمكن قبوله بأي وجه من الوجوه، أن هناك ثلاث روايات واردة في باب الوصية، يمكن أن يثار فيها احتمال الدَّسّ والوضع والنوايا السيئة. ومفاد هذه الروايات عَدّ كلٍّ من المرأة وشارب الخمر من مصاديق السفهاء في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾ [11] وأنهما لا يصلحان وصيًّا».

وبعد أن أشار إلى هذه الروايات الثلاث، ومنها موثقة السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: «المرأة لا يُوصى إليها؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾». ويُعقِّب الشيخ الصانعي بقوله: «إن مفاد هذه الروايات مخالف للأصول القرآنية والسنتية والعقلية المسلمة؛ ولهذا لا يمكن الأخذ بها حتى لو كان بعضها صحيحاً من ناحية السند، فهل يمكن القول بأن تمام النساء من السفهاء؟ هل يمكن نسبة ذلك إلى النسوة العظيمات جميعهن في تاريخ الأديان وتاريخ الإسلام» [12].

ومن هذه الروايات اقترب الشيخ الصانعي وشكَّك في صحة ما ورد في نهج البلاغة حول نقصان عقل النساء وإيمانهن، وعَدَّ هذا الأمر من الواضحات، وحسب كلامه «من الواضح أن ما جاء في نهج البلاغة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، حول نقصان عقل النساء وإيمانهن ليس صحيحاً، بل لابد من طرحه عرض الجدار، أو ردّ علمه إلى أهله، وهم المعصومون صلوات الله عليهم أجمعين، ذلك أنه من المسلَّم أن مفاد هذه النصوص مخالف للقرآن والقواعد؛ إذ كيف يمكن أن يأمر الله النساء بترك الصلاة في بعض الأوقات، فيتركنها، امتثالاً لأمره وإطاعة لمطالبه، ثم يكون ذلك موجباً لنقص إيمانهن؟ فهل طاعة الأوامر الإلهية توجب نقصان الدين والإيمان؟» [13].

لهذا كان من الضروري تغيير تلك الصورة المتوارثة عن المرأة في الدراسات الفقهية، الصورة التي تنتمي إلى الماضي، ولم تعد صالحة للبقاء في الحاضر، وهي لا تسيء فقط للمرأة، وإنما للفقه الإسلامي وللفقهاء كذلك، وذلك لأن واقع المرأة المسلمة اليوم يقدم صورة مغايرة تماماً لتلك الصورة القديمة، وهذه الصورة المغايرة ينبغي أن تلغي تلك الصورة القديمة وتحلَّ مكانها.

وما يميِّز المنحى الجديد في الفقه الإسلامي أن الصورة التي يعبر عنها حول المرأة تنتمي إلى واقع المرأة اليوم، بخلاف ما هو سائد في الفقه الإسلامي الذي تنتمي صورته عن المرأة إلى الواقع المتوارث من القديم، وهذه من المفارقات التي تفاصل بين المنحى الجديد والمنحى القديم في الفقه الإسلامي.

-3-

التحرر من آراء السابقين

التحرر من آراء السابقين هي السمة البارزة التي ظهرت وتجلت عند أصحاب المنحى الفقهي الجديد في الموقف تجاه المرأة، ولا ينبعث التجديد عادة في أي زمان ومكان، وفي أي بُعد ومجال إلا بعد التحرر من آراء السابقين، والتخلص من ذهنية الخضوع والتبعية، وامتلاك الشجاعة الفكرية، وحين ينظر الناس لأنفسهم على أساس أنهم رجال وأولئك رجال، أولئك اجتهدوا في زمانهم وهم يجتهدون في زمنهم.

وانفتاح باب الاجتهاد في الفقه هو الذي يولد الاستعداد للتحرر من آراء السابقين، وينمي هذه الروح، ويخلق مثل هذه الشجاعة.

ونلمس مثل هذا الموقف عند السيد البجنوردي الذي يرى أن من الشروط الذاتية والموضوعية التي يجب توافرها عند الفقيه ليكون مجدِّداً، هو عدم الالتزام بآراء من سبقه من الفقهاء، وأن يتحرر من سلطة القدماء المعرفية والفقهية، ويضيف فإذا اعتقد الفقيه أن المتقدمين أفقه منه وأعلم سيشكل هذا الاعتقاد قيداً ومعوقاً اجتهاديًّا، يجعله يصبُّ جهده للبحث عن أدلة تدعم آراءهم وتصوِّبها نتيجة لوقوعه تحت تأثير سلطة أولئك [14].

وحينما يصل البجنوردي إلى موضوع المرأة، يرى أن الموقف الفقهي من مسائل المرأة كان متأثراً برأي الأوائل، وأن الفتاوى السائدة في هذا الشأن متأثرة بآراء القدامى وحسن الظن بهم، وبالبيئة والتقاليد والأعراف، وعدم الجرأة على مخالفة مشهور الفقهاء. ويرى في المقابل أن باب الاجتهاد مفتوح، وفي الأصل يحرم على المجتهد أن يقلد رأي غيره، بل عليه أن يفتي بما يراه بقطع النظر عمَّا قاله الآخرون، ويستقل برأيه واجتهاده واستنباطه [15].

وعندما بحث الشيخ محمد مهدي شمس الدين مسألة أهلية المرأة لتولي السلطة العليا في الدولة الحديثة، تبيَّن عنده بعد النظر في الأدلة أن ما تسالم عليه الفقهاء من عدم مشروعية تصديها وتوليتها للسلطة، هي دعوى ليس عليها دليل معتبر، وأمل أن يكون هذا البحث حافزاً للفقهاء على إعادة النظر والبحث في بعض المسلمات الفقهية بإعادة النظر والبحث في أدلتها، وفي طرق الاستدلال عليها، وعدم الاسترسال في الاتكال على فهم فقهائنا القدماء [16].

وفي هذا السياق أيضاً يرى السيد محمد حسين فضل الله «أن اجتهاد القدماء كان مرتكزاً على ثقافتهم، ونحن نعرف أن القدماء اختلفوا فيما بينهم حسب اختلاف ثقافتهم، ولذلك يمكن لنا أن نختلف مثلهم بأن ندرس النصوص دراسة جديدة كما لم يدرسها أحد قبلنا، مع ملاحظة الفهم السابق عندما نريد أن نؤكد فهمنا» [17].

وفي مجال التطبيقات الفقهية أظهر الشيخ يوسف الصانعي استقلالية في الرأي وتحرراً من آراء الفقهاء السابقين، وتجلى ذلك في دراساته الفقهية الجديدة والمعاصرة حول مسائل المرأة التي توصل فيها إلى آراء واجتهادات خالف فيها رأي المشهور عند الفقهاء، وظل ينتقد مستندات نظرياتهم، ودخل في محاكمات استدلالية مع هذه النظريات، تثبيتاً لرأيه، وتأكيداً عليه بالقواعد والأصول الاستدلالية والبرهانية، ونفياً لرأي المشهور، وتضعيفاً له، وكشفاً عن ثغراته وما يعتريه من ضعف وخلل وعدم تماسك.

وسوف نتحدث لاحقاً عن بعض هذه الآراء والاجتهادات، والجديد الذي تميزت به عن رأي المشهور. ولولا هذا التحرر من سلطة القدماء وهيبتهم ما انبعث اليوم في داخل الفقه الإسلامي هذا المنحى الفقهي الجديد.

-4-

مرجعية الرؤية القرآنية

من السمات الأساسية التي ميَّزت أصحاب المنحى الفقهي الجديد في تكوين رؤيتهم للمرأة استنادهم الواضح إلى القرآن الكريم في الاستنباط الفقهي، وفي محاكمة الروايات الواردة في كتب الحديث، وفي اكتشاف رؤية الإسلام الكلية للإنسان والمجتمع والكون، وملامح ومكونات هذه الرؤية في مجال المرأة.

فقد وجد هؤلاء أن هناك مفارقة بيِّنة بين الصورة التي يعرضها القرآن الكريم للمرأة، والصورة التي تعرض لها الكثير من الروايات في السنة الشريفة، فالقرآن الكريم تحدث عن نماذج للمرأة متعالية عن تلك النواقص التي أشارت إليها بعض الروايات وربطتها بالمرأة، ومن هذه النماذج امرأة فرعون التي ضرب القرآن الكريم بها مثلاً للذين آمنوا، في إشارة لعظمة هذا الموقف، والحاجة الملحة لتذكره المستمر، والاعتبار به في كل زمان ومكان، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [18]، فقد صوَّر القرآن بهذا النموذج كيف يمكن أن يتغلب الإيمان عند المرأة وهي في قمَّة مركز السلطة والجاه والرفاه والنعيم الذي لا يُضاهى ولا يُوصف، ومن الصعب التخلي عنه، في ظل هذه الأجواء التي تظهر عادة ضعف المرأة لكونها ميَّاله بطبعها إلى الرخاء والنعيم، وإلى الجمال والزينة، في ظل كل ذلك أظهرت امرأة فرعون إيمانها، وكشفت عن قوة حقيقية في شخصية المرأة جعلتها تتغلب على الضعف الذي هو من أكثر ما يميز المرأة.

ولعل القرآن الكريم تقصَّد أن يسمي هذه المرأة باسم امرأة فرعون حتى يضرب بها مثلاً، وعندما قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ كأنها أرادت أن تُصوِّر مستوى النعيم والرفاه الذي كان يحيط بها من كل جانب، وأرادت من الله أن يُعوِّضها عن ذلك ببيت في الجنة، فالمرأة التي تظهر هذا المستوى من الإيمان، ويتغلب عندها الإيمان في مثل هذا الموقف الذي يختاره الله ليضرب به مثلاً حتى يتذكره الناس وينتبهوا إليه، فهل يصح بعد ذلك القول والادِّعاء أن المرأة والنساء ناقصات الإيمان!

والنموذج الآخر الذي تحدث عنه القرآن الكريم، هو نموذج بلقيس ملكة سبأ، في إشارة منه لتصوير رجحان العقل عند المرأة، وهي القصة التي لا يكاد الحديث يتوقف عنها في كل حديث يتناول موضوع المرأة ويقترب منه، وذلك لشدَّة أهمية هذا الموقف الذي يظهر حكمة وتعقل المرأة في أشد الظروف خطورة، ولكون الموقف يتحدث عن علاقة المرأة بالحكم والدولة، وهو من المواقف البليغة للغاية التي تحدَّث عنها القرآن، وهو من أكثر المواقف أهمية في دحض تلك التصورات التي تنتقص من مكانة ودور المرأة.

كما تُعَدُّ هذه القصة أهم قصة تحدَّث عنها القرآن حول علاقة المرأة بالحكم والدولة، حيث يقول تعالى: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ المُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [19].

وأول ما يلتفت إليه الشيخ محمد مهدي شمس الدين وهو يتحدث عن هذه القصة، أنه لم يرد في هذه الآيات تنديد أو نقد لكون بلقيس ملكة بوصفها امرأة، كما لم يرد تنديد أو نقد لشعب سبأ على أنه خضع لحكم امرأة وهي بلقيس، ويُعلِّق الشيخ شمس الدين على هذه الملاحظة في الهامش بقوله: «وهنا نلاحظ أنا لا نجد في القرآن كله منعاً أو ذمًّا لكون المرأة ذات سلطة في المجتمع، أو لكون المجتمع محكوماً ومقوداً من قبل امرأة» [20].

ويختتم الشيخ شمس الدين ملاحظاته حول هذه القصة بقوله: «إن هذا المثال يكشف عن أن شخصية المرأة مؤهَّلة للحكم والقيادة كالرجل، وأنها كالرجل أيضاً يمكن أن تقود إلى خير ويمكن أن تقود إلى شر، وأن الضعف والخوف والقصور الفكري ليست طبائع في المرأة، بل هي نتيجة تربية خاصة وثقافة معينة درجت بعض المجتمعات عليها» [21].

وقد أظهر لنا القرآن الكريم في هذه القصة كيف أن المرأة يمكن لها التفوق على الرجل في أهم أمرين طالما حاول الرجل أن يتملكهما لذاته، ويعدّهما من أوثق الأمور ارتباطاً بهوية الذكورة وطبيعتها، هما العقل والسلطة، وأراد أن يوجه المعرفة والتاريخ بما يخدم هذا الأمر والبرهنة عليه، وهذا ما دحضته هذه الآيات التي صوَّرت انحياز المرأة إلى العقل حين شاورت بلقيس أهل الحل والعقد عندها ولم تستبد برأيها ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ في مقابل انحياز الرجل إلى القوة والتظاهر بها ﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾.

فالمرأة التي يصوِّرها القرآن الحكيم برجحان العقل فهل يصح لنا اتهام النساء بنقصان العقل!

وبعد أن تطرق الشيخ شمس الدين لهذه الأمثلة والقصص أراد منها التأكيد على ما أسماه مرجعية الرؤية القرآنية في عملية الاستنباط الفقهي، حيث رأى أن تلك الأمثلة تكشف عن الرؤية الإسلامية لموقع المرأة في نظام القيم ونظام الحقوق والواجبات في الشريعة الإسلامية، وأن هذه الرؤية القرآنية -حسب رأيه- هي المناخ التشريعي للأحكام، فهذه الأحكام ليست بلا جذور، وليست بلا إطار وفلسفة، بل هي تركز على قاعدة عامة تعبّر عنها هذه الرؤية القرآنية، وبذلك تكون هذه الرؤية مرجعاً في فهم النصوص التشريعية وتفسيرها [22].

وحين أشار الشيخ شمس الدين إلى منهج التعامل مع النصوص الواردة في السنة حول المرأة والأسرة أكد ضرورة ملاحظة هذه النصوص على ضوء التوجيه القرآني، وأما ملاحظتها بمعزل عن التوجيه القرآني فسوف يؤدي حسب تقديره إلى خلل في عملية الاستنباط.

وعند الشيخ يوسف الصانعي نلمس وبوضوح كبير استناده إلى القرآن الكريم وإلى الأصول القرآنية في دراساته الفقهية حول المرأة، وعلى أساس هذه الأصول القرآنية ظل يُحاكم ويرجِّح الروايات


محنة الاستبداد السياسي والاجتماعي في العالم العربي

7 أغسطس 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

يمر عالمنا العربي والإسلامي في الوقت الحاضر بأزمات داهمة ومقيمة([1]) حالت دون وصوله إلى تحقيق الحد الأدنى من تطلعاته وأهدافه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وذلك في أن يرتقي بواقعه إلى مستوى الحياة اللائقة أسوة بباقي شعوب وحضارات العالم.. وأن يعيش معها بسلام وعدل وتكافؤ إنساني.

 وقد تعرض الشعب العربي على مدار تاريخه السياسي الحديث لأهم تلك الأزمات وهي أزمة وجود الأنظمة الشمولية التي وصلت إلى السلطة بقوة السلاح والمال، وتسلطت على رقاب العباد والبلاد باللاشرعية، وحافظت على طغيانها ووجودها بالسيف والعسف والقمع والاستبداد.. الأمر الذي جعل هذا الشعب العربي يفضل الركون والسلامة، ويلتزم أقصى حدود الانضباط في مواجهة جحافل الأمن والجيوش والاستخبارات.

 من هنا ـ وفي مواجهة ما يحدث- يمكن أن نعتبر أن صمت الشعب العربي من المحيط إلى الخليج (على كل تلك الهزائم والمآسي السياسية والاجتماعية) ما هو إلا نتيجة طبيعية ومنطقية لكل تلك الممارسات الظالمة التي ارتكبت بحقه، ولذلك ينبغي علينا ألا نتوقع من مواطن جائع خائف محبط مستضعف، عاطل عن العمل، وفاقد للأمل، أن يخرج معارضاً أو مناصراً لقضية معينة، إذ أن لديه ما يكفيه من الهموم والمخاوف والأزمات والابتلاءات والضغوطات اليومية على الصعيد المعيشي والشخصي والاجتماعي، وحين يفرغ منها قد يفكر بالشأن العام.

   وقد يبدو صحيحاً أن طبيعة "التواجد الجغرافي المميز" للعرب والمسلمين في موقعهم الراهن -المليء بالثروات والموارد والطاقات المادية والبشرية الكبيرة التي لن تنضب خلال مئات (وربما آلاف) السنين- هو أحد أهم الأسباب التي جعلت (وتجعل) هذه المنطقة عرضةً ـ على الدوام ـ لمختلف ألوان المؤامرات والفتن والاضطرابات والمخططات الإقليمية والدولية الرامية إلى تعميق سيطرتها وهيمنتها المباشرة على مقدرات المنطقة، ونيل ما يمكن نيله من مكاسب خاصة بالدول الكبرى، وتحقيق منافعها ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية على حساب المصالح الأساسية الخاصة بالسكان الأصليين والمالكين الحقيقيين لهذه المنطقة.

 ولكننا نعتقد بأنه من الأهمية بمكان أن نلاحظ أنه وبالإضافة إلى الدور المركزي الذي يلعبه "العامل الجغرافي" -في مجمل الأزمات التي عانت منها منطقتنا الإسلامية (وهي لا تزال تتلاحق فصولاً، وتتوالد ذاتياً وموضوعياً على مختلف الأصعدة والمستويات)- فإننا يجب علينا ألا نغفل عن أهمية العامل الداخلي في وصولنا إلى هذا المستوى المنحدر والخطير في أفكارنا وسياساتنا العملية التي نعاني فيها جميعاً من تعمق وتجذّر وامتداد ظاهرة وفكرة "الاستبداد([2]) المركّب والشامل" على كافة مواقع حياتنا فردياً ومجتمعياً.. ولذلك نحن نعتبر أن هذا المرض هو أهم مشكلة تعيشها الأمة في وقتنا المعاصر، وهي تريد أن تنفض عن نفسها ركام التخلف والاهتراء الحضاري، وتتحرك في الحياة والتاريخ لتنهض وتتطور وتزدهر وتنافس.. ولكنها حالياً لا تملك الطاقة الحركية التي تدفعها لبناء واقعها.. وهي طاقة الحرية المسؤولة والقدرة الواعية على الاختيار الصحيح والتفكير العلمي الممنهج، والتعبير السليم، والإبداع المتنامي المتراكم.. لأنها لا تزال في وضعية المتلقي والمتأثر والمنفعل بسبب بقائها مسجونة في قفص الاستبداد الذي صنع حواجز نفسية وفكرية وتاريخية عميقة يمنعها عن الحركة الإيجابية نحو بناء المستقبل المشرق.  

 فالاستبداد والتسلط بمختلف ألوانه وأشكاله هو شيء أعمى يسير عكس حركة التاريخ والحضارة والحياة الإنسانية الطبيعية.. لأنه يقف على طرفي نقيض من حرية الإنسان، ومن قدرته على تحقيق الاختيار السليم، بل إنه يشل طاقة التفكير واستخدام العقل والفطرة الصافية عند الإنسان، ويرهن مصائره للمجهول، ويجعله أسيراً بيد الجهل التخلف.. وهنا تقع الكارثة الكبرى عندما يفقد هذا الإنسان حريته.. لأنه يفقد معها كل شيء جميل في الحياة.. إنه يفقد العزة والكرامة والأخلاق والعلم، وبالتالي يكون مصيره الموت المحتم أو العيش على هامش الحياة والوجود.

 هذا وقد أدى تفاقم وضعية الاستبداد في بلادنا ـ مع تقادم العهود والأزمان- إلى قيام أنظمتنا وحكوماتنا المستبدة والمتسلطة بالضغط المستمر على العباد والبلاد، وعدم اهتمامها بأبسط حق من حقوق الإنسان وهو حق التعبير عن الرأي والاعتراض السلمي الهادئ على الممارسات الخاطئة والسياسات الظالمة الفاسدة والمفسدة([3]) التي أصبحت تتحرك علانية هنا وهناك، وبدأت تفعل فعلها السلبي في جسد هذه الأمة، خصوصاً بعد أن قام أصحابها بتقنينها ووضعها قسراً ضمن أنظمة السلوك اليومي الذي يجب أن يسير عليه الفرد والمجتمع، الأمر الذي أدى إلى أن ننتقل من هزيمة إلى أخرى ومن خسارة إلى أخرى، حتى وصلنا ـ في عالمنا العربي والإسلامي ـ إلى مرحلة الضياع والتشتت واللاتوازن، وبالتالي فقداننا القدرة على العمل والحركة، وامتناع واقعنا المتردي على الإصلاح (أو التغيير!)، وانتظاره التوجيهات والأوامر من البيوت السوداء والبيضاء.

 وبالنتيجة كان من الطبيعي جداً أن نصل إلى ما وصلنا إليه الآن ـ في داخل اجتماعنا الديني العربي والإسلامي ـ من انهيار وتفكك وتفرق، حتى تكالبت باقي الأمم علينا، بعد أن سيطرت الدولة المركزية والشمولية (الحديثة!) على كل مواقع الحياة العربية والإسلامية، وعلى حساب كل التنظيمات والمؤسسات الأصلية التي تتكون منها مجتمعاتنا الإسلامية.. حيث رأينا كيف فرضت تلك الدولة (بقوة الحديد والنار) وصايتها على المجتمع كله، وضربت قواه الأهلية والمدنية الحية، وسيطرت عليها بالكامل (إلغاءً أو إلحاقاً وتبعية).

 من هنا كان التحدي الأبرز والأهم الذي بات يواجه مجتمعاتنا الإسلامية ـ بمختلف نخبها وتياراتها وقواها الحية الفاعلة ـ هو ظاهرة "الطغيان والاستبداد السياسي" التي أضحت مسؤولية زعزعة أركانها وبالتالي إسقاطها ضرورة حيوية، ومدخلاً جوهرياً لإحداث أي تغيير أو إصلاح في عالمنا العربي الذي لا نزال نعايش فيه سلطات وأنظمة تسلطية قائمة على كمّ ٍهائل من مفاهيم القوة والضبط والردع والكبت والقمع، بما يسمح لها الحفاظ الأعمى على وجودها وديمومتها السلطوية حتى لو وصل الأمر أن تتآمر على جماهيرها مع المعتدين والمستكبرين الذين تدعي علناً مواجهتهم، وهي ـ في الحقيقة ـ تستغل كل الفرص لنيل ودّهم ورضاهم.

 فها هي السلطات العربية ـ القوية والشديدة جداً على شعوبهم، والضعيفة جداً أمام أعدائها ـ تعجز ـ وهي التي لا تزال تصم آذاننا بضرورة أن نسلم لها، وندفع تكاليف حروب لم تقع، وأسلحة مكدسة لم تستخدم، وأن نقدم أثماناً باهظة لأسلحة مخزونة في صحارى البؤس والعجز والموت ـ إنها تعجز (وهي القادرة أصلاً من خلال ثرواتها وإمكاناتها الضخمة) عن وضع خطط عملية لمواجهة المشروع التفتيتي الأمريكي ـ الصهيوني الذي يفتك بجسد الأمة، لا بل إنها لا تستثمر وجود هذا المشروع للبدء بإصلاحات جدية، وتحقيق انفراجات سياسية واجتماعية حقيقية، والانفتاح على شعوبها، ورفع مستواهم المعيشي والحياتي، وفسح المجال أمامهم للتعبير عن آرائهم وممارسة حرياتهم.. لكنها بالمقابل تستغل الخطر الصهيوني المحدق بالأمة فقط لكي تزيد من سطوتها وجبروتها وتحكمها بناسها ومجتمعاتها.

 وفي ظل وجود هكذا مناخ عام من القهر والقسر والضياع الكلي الشامل ـ الذي يتسبب به الاستبداد السياسي ـ فإنه لا يمكننا أن نتصور أبداً أن تقوم الدول والمجتمعات المصابة بتلك الآفة الخطيرة (ومنها مجتمعاتنا العربية والإسلامية) بأي منجز حضاري مشهود له، أو حتى تحقيق أي استثمار فعال لطاقتنا الحية في الخلق والابتكار في هذا الموقع أو ذاك إلا فيما ندر.. لأن طاقة معظم أبناء تلك المجتمعات (مجتمعات الاستبداد) ليست موجهة نحو العمل المنظم الفاعل المنطلق من خلال ضرورة ممارسة واجب النقد وتعميق الحس النقدي في الأمة، أي نقد الذات([4]).. وإنما الملاحظ أن طاقة أبناء الأمة موجهة أساساً باتجاه تحقيق غرض واحد هو تحصيل الحد الأدنى من لقمة العيش اليومية، ولذلك فإن هؤلاء لا يجدون ـ كما قلنا سابقاً ـ الوقت الكافي للتفكير أبعد من مرحلة "اللهم أعطنا خبزنا كفاف يومنا" أو بالتعبير العامي: "نمشي الحيط الحيط ونقول: يا رب السترة".. على اعتبار أن النظم الحاكمة عندنا (التي عسكرت مجتمعاتنا أو دجنتها من أجل أن تحسن الامتثال والتصفيق وتقديم فروض الطاعة وطقوس الولاء الأعمى للزعماء والرؤساء.. حتى تحولت مع الزمن إلى مجتمعات ميتة سياسياً، وفقيرة اجتماعياً، ومفقرة اقتصادياً، وبائسة ومحبطة ثقافياً.. ولذلك فهي قليلة الفاعلية والأثر، ليس فقط في أحداث العالم، بل في قضايا العرب المصيرية، إلا على نحو سلبي أو عقيم أو مدمر) قد سحقت ـ على امتداد كل هذه السنوات الطويلة، منذ عهود الاستقلال وحتى الآن ـ كل قيمة إيجابية، وإرادة خيرة عنده الفرد العربي والمسلم، وضربت كل مواقع العزة والكرامة لديه.. أي أنها أنهت مجمل الصفات والخصال النفسية الراقية التي من المفترض أن يتمتع بها أي إنسان صاحب هدف ومبدأ حقيقي في الحياة، والتي تدفعه لإحداث عملية التغيير والبناء والتضحية في طريق ذات الشوكة، ودفع الأثمان المترتبة على ذلك.

 لذلك إننا نعتقد أن الكتلة الشعبية العربية والإسلامية الراهنة ـ التي تشكل القاعدة الأساس في إحداث أي عملية تغيير أو إصلاح ـ قد أضحت معطوبة ومصابة([5]) بداء انعدام القدرة على العمل والتغيير، أي أنها أصبحت كتلة غير صالحة نفسياً وتاريخياً لعمل أي شيء سوى الكلام في الهواء والصراخ في البيوت، وأحياناً في صالات ودهاليز المؤتمرات.. الأمر الذي بات يتطلب ضرورة وجود كتلة تاريخية وشعبية جديدة تمتلك مقومات وخصائص نفسية فعالة مختلفة كلياً عما هو سائد عندنا الآن من أنماط فكرية وسلوكية([6]).. بحيث تكون قادرة معنوياً ومادياً على خلق الوقائع وإنتاج الحقائق اللازمة لممارسة الحرية الصحيحة والمسؤولة.. لأن الحرية هي الثمرة الطبيعية للنهوض والقدرة والفاعلية. والقدرة والفاعلية هي فعل خلق وبناء مستمرين، بقدر ما هي صناعة تحويل وتوليد.. وفعل الخلق والتوليد يحتاج إلى قيم معنوية ونفسية يجب أن تتوافر عليها الكتلة التاريخية المغيرة.

 طبعاً نحن لا نريد أبداً أن نعطي صورة مأساوية سوداوية عن الواقع العربي والإسلامي الراهن، وكأننا العجز المطلق هو المشهد النهائي الطاغي حالياً، كما وإننا لا نريد أن نصور أميركا وإسرائيل (أعداء الأمة) وكأنهم القضاء والقدر الحتمي المفروض على شعوب وحضارات العالم أجمع، ولكننا نريد أن نعطي للواقع العالمي الراهن صورته الواقعية الصحيحة لكي نتمكن من إنجاز شروط مواجهته بحسب المنطق العلمي والعقلي القائل بأن النتائج تأتي تبعاً لمقدماتها.. حيث أن مواجهة الحقائق الواقعية، وتقدير حجم وقوة العدو الحقيقية هي من أهم أسباب تحقيق النصر الحاسم في ساحة المعركة.. ونحن عندما نتحدث عن ضرورة تقدير واقعية الأشياء، فإننا نرفض بشدة منطق التخويف والهزيمة النفسية الذي يستخدمه أصحاب النفوذ والقوة في أي مجتمع في محاولتهم فرض أمرهم الواقع على الناس.. وهذا أمر أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ]فاستخف قومه فأطاعوه [.. حيث أن فرعون كان يستخدم أسلوب الهزيمة لدى الناس، ليفرض إرادته واستكباره عليهم.

 بناءً على ذلك يجب أن لا نفزع من كل تلك الأساليب..بل يجب أن نكون أقوياء، وأعزاء بالله تعالى، وأن نردد مع القرآن قوله تعالى: ]الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل[.. فالله تعالى يريدنا هنا أن نعيش معه، مع كلماته وقرآنه([7])، ليوجه حياتنا، وينظم مساراتنا، ويدعم كياناتنا النفسية.. لأننا إذا انفصلنا عن الله القرآن ـ الذي هو محور حركة المسلمين ـ انفصلنا عن ذواتنا وقدراتنا وطاقاتنا، وعشنا حالة الرعب والهزيمة النفسية والروحية التي يحاول الآخرون فرضها علينا في مواقع مختلفة، وهي هزيمة أن يهرب الإنسان من ذاته وثقافته الأصيلة، ومحددات سلوكه العملي القيمية الإسلامية الأصيلة.. أي أن يفر الإنسان من قوميته، وعروبته، وإسلامه وربما من إنسانيته.. ليتحول إلى مجرد مطية يركبها الآخرون، ويتلاعب بها ذوي المصالح والنفوذ والأهواء النفعية.. أجل هذه الهزيمة الداخلية، وهي أشد الهزائم تأثيراً وخطورةً على حياة الأمم والشعوب والحضارات من الهزائم العسكرية والأمنية التي قد تلحق بها.

 من هنا نحن نعتقد أن القضية الملحة الآن هي قضية تحرير الذات والبنية العربية الإسلامية (انطلاقاً من الفرد ووصولاً إلى الدولة) من علاقات النفي والنفي المتبادل إلى علاقات التكامل، من عدم الاعتراف بحق الأفراد في الاختلاف إلى قيام أوسع دائرة من الاعتراف بحق الاختلاف في الاجتماع العربي والإسلامي.

لكن هذا التحرير المطلوب للذات الإسلامية لن يحصل أبداً من فوق، بل لابد من إعادة تربية أجيال هذا الأمة على الهدوء النفسي والأمن من الخوف، باعتبار أن هذه القيم هي الشرط الأول لسعادة الإنسان، ولنجاحه الدنيوي..

 لأن المجتمع الذي لا يأمن أفراده على آرائهم واعتقاداتهم وتعابيرهم المختلفة والمتعددة، وتكون حياتهم مقترنة بالاضطراب والقلق والإحباط واليأس، فإنه لا مجال أبداً عند ذلك لتحقيق ونيل السعادة الحقيقية والكمال الواقعي الفردي والمجتمعي لهم.. فالعدالة الاجتماعية هي القوة الوحيدة التي تستطيع أن تبعث الاطمئنان والهدوء إلى النفوس، وتهب الأشخاص الأمن والسكينة والاستقرار.. وهذا الأمر لا يتوفر إلا في ظل الدولة التي يسوسها القانون والعدالة، الدولة التي رسمت حدود اختصاصات المسؤولين والشعب فيها بموجب القوانين العادلة، والتي يكون المسؤولون فيها مطيعين للقانون، ومنفذين له قبل غيرهم، ويسلكون سبيل العدالة في أحكامهم، ولا يسمحون لأنفسهم بأقل انحراف أو تجاوز على حقوق الآخرين.. وهذا ما يؤكده أحد كبار المشتغلين بهمهم وشؤون التربية، العلامة محمد تقي فلسفي في كتابه حول "الطفل بين التربية والوراثة" من خلال أن هناك ما قد يشعر به جميع الأفراد في داخل أنفسهم من هدوء وأمان، فلا وحشة ولا قلق، ولا ظلم يصيب المواطنين من المسؤولين والمسيطرين على زمام الحكم.. حيث أنه في دولة كهذه يكون طريق التكامل والتعالي مفتوحاً أمام جميع الناس، وباستطاعة كل فرد أن يعمل لسعادته بارتياح واطمئنان، ويستفيد من نتائجها المهمة.. أما الدولة التي يسيطر عليها الاستبداد والتعنت والقهر، ولا يحترم فيها القانون والعدالة أصلاً، ويفقد الحق والإنصاف معناهما فيها..فلا حرية هناك، بل يسود سماء الأمة قلق واضطراب ويفقد الأفراد هدوءهم، يقضون ليلهم ونهارهم في الخوف أو يكونون عبيداً لا إرادة لهم قبال أسيادهم، وفي كل لحظة يمكن أن يسيئ الحاكم إلى شخص أو أشخاص من أفراده ويحمل كالحيوان المفترس عليهم، ويهجم على كرامتهم ووجودهم بلا قيد أو شرط.. فينهي بذلك حياتهم.. وهكذا فإن الحياة في دولة كهذه لا تعني إلا الشقاء والحرمان، وهناك يستحيل على الأفراد الوصول إلى الكمال اللائق بهم كبشر، وينغلق الطريق أمامهم نحو السعادة.. في مثل هذه الدولة يحترم الأفراد حاكميهم بدافع من الخوف والأمن من الضرر، ويطيعون أوامرهم صوناً لدمائهم.. ولكنهم في الواقع يصبون سيل اللعنات عليهم.

 والجدير ذكره هنا هو أن التزام وإطاعة الناس للقوانين والأنظمة في ظل الحرية والعدالة، تكون ناشئة من الشعور بالواجب وتحمل المسؤولية الكاملة، والميل للحصول على السعادة، أما في ظل الحكومة الاستبدادية التي يساس فيه الناس بالقوة والعنف والقسوة والقهر، فإن منشأ التزام الناس الظاهري بالأنظمة هو غريزة البقاء و حفظ الذات، لأنهم يعلمون أنهم عند ارتكابهم أبسط مخالفة فسيكون عقابهم عليها شديداً جداً.. يقول مونتسكيو في كتابه (روح القوانين ص32): " تتطلب طبيعة الحكومة في النظام الاستبدادي نوعاً من الإطاعة اللامحدودة. ولا يوجد في هذه الحكومات ما يتعرض للأوامر الصادرة من تغيير، أو إمهال، أو موعد، أو مفاوضات، أو انتقادات، أو وساطة".

 هذا وقد رفض الدين الإسلامي الاستبداد بالمطلق، باعتبار أنه جاء أساساً لإخراج الناس جميعاً من ظلمات الجور والاستبداد إلى نور الحرية والعدل في ظل الحكم الصالح، والمجتمع الصالح العادل.. كما ونظر الإسلام نظرة سلبية للظلم والظالمين.. وعرفهم للناس جميعاً على أساس أنهم أحقر الناس وشرهم في مقام الحكم الإلهي.. جاء عن رسول الله3 أنه قال: "ويل لمن تزكيه الناس مخافة شره، ويل لمن أطيع مخافة جوره، ويل لمن أكرم مخافة شره"([8]).. وفي حديث آخر يقول3: "ألا أن شرار أمتي: الذين يكرمون مخافة شرهم، ألا ومن أكرمه الناس اتقاء شره فليس مني"([9]).

 أمام كل ذلك نتساءل كيف يواجه المثقف العربي حالة العجز المطبق التي تعاني منها هذه الأمة المشتتة والمتفرقة الأهواء؟! ما هو موقفه من كل هذه الانتكاسات والهزائم المتلاحقة التي مرت (وتمر) الأمة بها.. وكيف يقرأ الأحداث التي تتسارع في محيط أوسع من العجز الأشمل والأقدم.. وأعني به العجز السياسي، والعجز الاقتصادي، والعجز في القدرة على إدارة الثروات، وإدارة المشروعات، وصنع وإدارة الحضارات([10])؟!..

 في الواقع تتجلى أهمية المثقف ودوره في كونه ضمير الأمة وعقلها الواعي وصاحب البصيرة النافذة والفعالة التي يفكر بها مع الأمة، ويشير من خلالها إلى مواطن الخلل والضعف القائمة في جسم الأمة.

 ولذلك فإن الدور المنوط بالمثقف حالياً هو الاستمرار في التركيز على "الجانب النقدي العملي"([11])، ومن ثم المساهمة الفاعلة في تكوين وصياغة أسس ومقومات بناء الكتلة النوعية العربية المؤثرة التي أشرنا إليها سابقاً، إذ أن إصلاح الأمة بالوسائل والأدوات الموجودة معنا، والرهان على الأفراد القائمين عليها حالياً لم يعد يجدي نفعاً على الإطلاق..

 فهذه النظم وتلك الحكومات أصبحت شبه معدومة التأثير، وقد كان من الممكن لنا أن نعذرها، أو أن يكون المرء متسامحاً معها ـ بالرغم من عجزها السياسي والعسكري عن مجابهة القوى الكبرى التي تمتلك آلة عسكرية نوعية قوية ومدمرة ـ لو كانت تلك الحكومات قد نجحت في تحديث الأمة وتطويرها، وإنهاضها من غفوتها، تماماً كما فعلت حكومات مجتمعات كثيرة أخرى كانت أكثر تخلفاً من مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ولا تمتلك ما نملكه نحن من الطاقات والموارد والثروات الطبيعية الهائلة.. ولكنها استطاعت ـ بالرغم من كل ذلك ـ قطع أشواط طويلة وبعيدة على طريق الاقتدار والتمكن الاقتصادي والاستقلال السياسي، أو على الأقل المنافسة أو الشراكة السياسية على قدم من المساواة في الكرامة والاحترام المتبادل، والندية السياسية والاقتصادية، وان لم يكن في الحجم أو الثقل أو الغنى أو القوة.

 وأما في حالتنا العربية الإسلامية فإننا نرى العجب العجاب إذ أننا من أغنى دول وحضارات العالم في الثروات الطبيعية والإمكانات البشرية التي سببت لنا كثرتها في سبعينيات القرن الماضي أزمة حقيقية حيث أننا كنا نبحث عن أفضل الطرق وأحسن وأيسر السبل لتوظيف واستثمار تلك الطاقات بشكل يلاحق سرعة تكدسها وتراكمها، وإذا هي تتلاشى وتتبخر في أقل من عشرين عاماً كما تتبخر ماء البحيرات، وتترك مكانها عجزاً كبيراً في ميزانيات دول النفط نفسها التي أصبحت عاجزة مالياً، وموازينها التجارية خاسرة إجمالاً!!.ولعل هذا ـ كما قال أحد الكتّاب ـ هو أكبر عملية إهدار للثروة القومية الشاملة لمجتمع على وجه الأرض وعبر التاريخ كله.. ولا حياة لمن ينادي، ولا أحد يراقب، أو يحاسب.

 ولذلك لو كان عندنا "حياة سياسية صحيحة" ، ما كنا وصلنا إلى هذا الوضع الكارثي الذي نعاني فيه ـ كما أسلفنا ـ غياباً للقدرة على منع الاستبداد، ودوراناً مفرغاً للتاريخ السياسي العربي حول أزماته وتعقيداته.. والحياة السياسية الصحيحة والحقيقية التي أعنيها هي ـ بالعنوان الأولي ـ إعادة السياسة إلى حضن المجتمع (أي أن تصل الحكومات إلى السلطة والحكم بقوة الانتخاب الحر والنزيه والقانون العادل ومعايير الكفاءة وخدمة الناس والمجتمع، وليس بقوة القهر والقمع والمعتقلات) وإدخال الشعوب العربية والإسلامية في صلب العملية التنموية الشاملة، ونزع القيود عن مشاركتها الفاعلة في الحركة الوطنية العامة، والتعامل معها كأفراد يحتاجون إلى الاحترام والتقدير والكرامة والعزة، والشعور بالحرية والثقة بالنفس.. وفي تصوري طالما أن الآخر الغربي ـ وغير الغربي ـ يرى (ويتأكد عملياً في كل يوم) أن الحكومات العربية لا تحترم شعوبها ـ وتعاملهم بقسوة وشدة وكأنهم أعداء لها من خلال تدعيم العقلية الأحادية الاختزالية، وتوثيق النظرة الأمنية دائماً ـ فإنها لن تتردد لحظة واحدة في زيادة الضغط على هذه الدول والحكومات، ورفع سقف التنازلات أمامها بهدف حصد المزيد من المكاسب والمصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.

 من هنا ـ وطالما أن المحن والمصائب لا تزال تتدافع وتتوارد علينا من هنا وهناك (توارد وتدافع الأكلة على القصعة)، وقد عجز الجميع عن مواجهتها بأضعف الإيمان ـ فإن الواجب يقتضي منا أن نجعل منها وسيلة فعالة لتعرية الإستراتيجيات الحقيقية والمصالح المتبادلة لكل من الاستبداد الداخلي([12])والاستعمار الخارجي.. حيث أن كل دعوة وطنية مفصولة عن الحرية خداع, وكل دعوة للتعددية السياسية الحقيقية مفصولة عن التضامن الإنساني بين الجماعات والبشر كذب قراح.. فلا وطنية ـ كما يؤكد برهان غليون ـ من دون مواطنين أحرار، ولا ديمقراطية (وتعددية حقيقية مضمونة) من دون علاقات دولية متكافئة.

 وبالنظر إلى ذلك يمكننا أن نقرر هنا بأن المستقبل الثقافي والسياسي للعرب والمسلمين في هذا العصر (بما فيه مستقبل الصراع الوجودي مع العدو) سيتحدد من خلال طبيعة الشروط النفسية والعملية التي ستتمتع بها الكتلة الشعبية الحيوية المغيّرة في داخل عالمنا العربي والإسلامي لاحقاً، وبخاصة ما يتعلق منها بالإرادة المستقبلية الحركية لشعوب هذه المنطقة القادرة على مواجهة عوامل تخلفها الداخلية أولاً التي أنتجت مناخات الاستبداد المقيت حيث أنه من المعروف للجميع أن الاستبداد لا يسود في أي مجتمع إلا في حالة تخلف البنى السياسية والاجتماعية والثقافية والحقوقية لهذا المجتمع (التي تعتبر أساس استعداد الناس لتقبل واقع الاستبداد، واتخاذ موقف سلبي من مقاومته) والتي تتمظهر من خلال سيادة العلاقات والأنماط السلوكية البدائية بين الناس ـ كالعلاقات القبلية والعشائرية والطائفية التي حاربتها بقوة الأديان السماوية ومنها ديننا الإسلامي الحنيف ـ وقابلية الناس للخضوع لإرادة النخب والقادة والزعماء، وغياب مفهوم الحق المرتبط بالواجب، والحرية المرتبطة بالاختيار والمسؤولية الواعية، وسيادة مفاهيم خطأ عن مفاهيم التوكل والانتظار والقناعة والرضى، وو.. الخ، يلجأ إليها الناس لرفع المظالم عنهم عندما تشتد مظالم المستبدين والطغاة، بدلاً من الفهم الصحيح للقول المأثور "اعقلها وتوكل" أو الفهم الصحيح لمدلول الآية الكريمة ]إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم[ أي الاعتماد العملي الفاعل على الله تعالى، المتجسد من خلال قيام الإنسان بالحركة والعمل الأساسي الأولي، وهو فعل وحركة مقاومة الاستبداد نفسه.

 من هنا نقول بأنه إذا ما استطاعت تلك الكتلة أن تخوض معركة التحرير في الداخل على مستوى إنتاج سلطة شرعية قادرة على امتلاك زمام ذاتها، والتصرف بحرية واختيار دون وجود موانع قمع واستبداد، بالاستناد على آلية العمل التعددي السياسي، والاعتراف بالآخر، ومن ثم العمل على بناء علاقات عربية وإسلامية تكاملية في كل المجالات، فإن الأمة عند ذلك ستكون قد وضعت نفسها على بداية الطريق الصحيح المؤدي إلى أن تتحرك بإرادتها هي على طريق النهوض والشهود الحضاري من خلال ما تمتلكه من قوى وإمكانات منظورة وغير منظورة..

 ونعود هنا مجدداً للتأكيد على أن امتلاك الأمة لقوى وقدرات كامنة في داخلها تؤهلها للعب أدوار حضارية وإنسانية قوية متعددة في عالم اليوم والغد (دور الأمة الوسط الشاهدة على نفسها وعلى غيرها من الأمم والحضارات) هو أمر غير كاف على الإطلاق، حيث أن كل الأمم تمتلك قوى كامنة غير منظورة في داخلها جسمها الحضاري، بل إنه يحتاج إلى إعادة بناء الكتلة البشرية النوعية والحيوية الجديدة التي ذكرناها آنفاً.. كتلة تستطيع تحويل القوى الكامنة الهائلة التي تمتلكها الأمة ـ والتي بدأت تخبو قليلاً قليلاً نتيجة لسوء استخدامها وإدارتها من قبل النخب السياسية الحاكمة ـ إلى قوة حقيقية على أرض الواقع.. وهذا هو برأيي سر وجود وقوة وامتداد أية حضارة على وجه الأرض منذ فجر الخليقة وحتى نهاية الوجود.. وأنا أريد أن أضرب لكم مثلاً بسيطاً هنا على المستوى السياسي النظري([13])، وهو أن الأمة التي تريد أن تكون فاعلة ومؤثرة في العالم المعاصر لا بد أن تكون بحوزتها أوراق رابحة تلعب بها عند الأزمات والتحولات الخطيرة التي قد تمر بها (وهي كثيرة ولاشك على صعيدنا العربي والإسلامي).. هذه الأوراق هي التمثلات الواقعية والأدوات العملية لتلك القوى الكامنة التي يجب تحريكها هنا وهناك لدرء المخاطر، ومواجهة التحديات بعقل هادئ، ورؤية واضحة، وشفافية كاملة (بين قوى الكتلة ذاتها).

 وإن الإقامة على أي صورةٍ من صور الانحراف عن هذا السبيل لاستنهاض الأمة (بحيث تخرج بهذا الانحراف عن العرضية العابرة إلى الوصف اللازم المستقر) فإن احتمال تعرضنا جميعاً إلى خطر الاستبدال سيصبح كبيراً، كما هو واضح في نصوص القرآن الكريم: ]يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتِ الله بقومٍ يحبهم ويحبونه[ وقوله تعالى"..] وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم[.. وهي نصوص صريحة، تتحدث بلغة التهديد والوعيد (وإنزال غضب الله) عن سنة "الاستبدال التاريخي" التي يمكن أن تطال كل متكاسل أو متقاعس عن نصرة الحق والخير.

 والوقت ـ كما نعلم جميعاً ـ يمضي مسرعاًَ، وهو ليس في مصلحة المتخاذلين والقاعدين والمتقاعسين.. وحتى الآن ليس معلوماً متى سينطلق العرب والمسلمون بجدية شاملة نحو الإصلاح الكلي الشامل المرتكز على مشروع نهضوي حقيقي ـ ينطوي بدوره على مكونات أربعة هي الهوية الذاتية الحضارية للأمة وهو الإسلام، والوعي التاريخي، والعمق التاريخي، والذاكرة التاريخية ـ وذلك قبل فوات الأوان، وقبل أن يواجهوا أوضاعاً أكثر سوءاً من الأوضاع السيئة والمزرية التي يعيشونها حالياً قد يتعرضوا من خلالها لخطر تصفية ما تبقي مما يمكن أن نسميه تجاوزاً "أمة عربية" أو "نظاماً عربياًً".

 ونختم قائلين ومؤكدين على أن الإنسان هو القاعدة الأساس في عملية الإصلاح والتغيير والتحوّل نحو مواقع أرقى في الفكر والعمل، ومنطلق ذلك هو بناء النفس الإنسانية التي ستتغير ـ في ضوء طبيعة هذا التغيير الداخلي ـ كل الأدوار والأوضاع والعلائق والروابط الاجتماعية التي هي بمثابة البناء والتأسيس الخارجي للذات الداخلية الكامنة.. "فالإنسان ـالخليفة" هو أساس الوجود، وهو صانع التاريخ، ولذلك فإن تمتعه بقوى العقل والإرادة والاختيار يترتب عليه بناء الخارج.. وهذا ما يمكن أن نراه من تجارب إنسانية متعددة في مختلف المواقع والتي تمثل الروح الجماعية (حيث أن الأفراد يتفاعلون فيما بينهم ـ عند انخراطهم واندماجهم في الهيئة الاجتماعية العامة التي يمثلها المجتمع في مؤسساته وهيئاته ومختلف مواقعه ـ كوجودات حقيقية من جهة الأفكار والمشاعر والأحاسيس والحاجات والمصالح المتبادلة) التي تُنتج إرادة عامة مشتركة تقع عليها ـ تبعاً لذلك ـ مسؤولية النهوض المجتمعي الحضاري.

 

*     *     *

 
الهوامش



 

 




(*) باحث من سوريا.

 



([1]) لا بد لنا من التأكيد هنا على أن حالة الانحطاط الشامل التي يعيشها العالم العربي والإسلامي لا تعني ـ بأي حال من الأحوال ـ أنها حالة انحطاط مطلق وقطعي، أو غير قابلة للاختراق أو المواجهة وبالتالي الإسقاط.. باعتبار أن الأزمات التي وصفناها ـ في المتن العام بالداهمة والمقيمة ـ هي التي ساهمت في وصول عالمنا العربي إلى هذه حالة الانحطاط المعقدة والتي هي نوع من أنواع الانحطاط بطبائع الأمور.

([2]) جاء في المعجم الوسيط أن الاستبداد لغة، هو اسم لفعل (استبدّ) يقوم به فاعل (مستبد)، ليتحكم في موضوعه (المستبد)، فلا بد أن يتجسد الاستبداد في شخص أو فئة، يقال: استبد به: انفرد به، واستبدّ: ذهب. واستبد الأمر بفلان:غلبه فلم يقدر على ضبطه، واستبد بأميره: غلب على رأيه، فهو لا يسمع إلا منه. (راجع المعجم الوسيط ج1، ص42).

 أما في لسان العرب: استبد فلان بكذا، أي انفرد به، فيقال استبد بالأمر، يستبد به استبداداً إذا انفرد به دون غيره. (لسان العرب، ج3، ص81).

وفي شرح نهج البلاغة: الاستبداد بالشيء، التفرّد به.(راجع: شرح النهج لابن أبي الحديد، ج9، ص243).

الصحاح: وإلى ذلك ذهب الجوهري في الصحاح، حيث قال: استأثر فلان بالشيء استبد به.(راجع الصحاح، ج2،ص444، مادة بدد).

القاموس المحيط: كما أشار الفيروز آبادي إلى المعنى ذاته عندما قال: استأثر بالشيء استبد به، وخص به نفسه.(ص341، مادة بدد).

  إذاً الاستبداد هو الاستئثار المطلق بالسلطة والتشبث العنيف بالحكم.. أي سلب الحكم الصالح من أهله وأصحابه الحقيقيين.. وهو يكون عادة مترافقاً مع تجاوز شبه كلي للقانون والنظام الذي يرعى الصالح العام في الدولة، وحرمان الناس من ممارسة حقوقهم الطبيعية في القول والتعبير والانتخاب والمشاركة السياسية الفعالة، بعد أن تتم عملية السيطرة الكاملة على مقدرات الآخرين المادية، وتدمير قيمهم المعنوية والإنسانية، وإلغاء شخصياتهم المستقلة والمتميزة، وتقزيمهم ومسخهم، ليتم تحويلهم إلى عبيد لدى الفرد (أو المجتمع أو الأمة)المستبد، وذلك بفعل القوة المادية القاهرة، والمعنوية المضللة، التي تلغي القوانين وتجعل من إرادة المتسلطين قانوناً يُعمل به، إذ ليس هناك من حد قانوني للطاغية فهو يسخّر كل شئ لإرادته ورغباته ونزعاته.

  ومن المعروف أن الاستبداد يستند أساساً على الموروثات التقليدية المتعددة والمختلفة.. وقد أثبتت التجربة السياسية العربية والإسلامية عموماً منذ عهود الاستقلال أن الدول العربية والإسلامية (التي حققت استقلالها من ربقة ونير الاستعمار الأجنبي، وأنهت التبعية الخارجية المباشرة، ولكنها لم تحقق استقلالها الداخلي بعد) لا تزال مرتهنة قسرياً لتنظيمات أخرى داخل المجتمع كالجيش، أو العائلة/ العشيرة، أو الحزب، أو الطائفة، أو مركب من بعض هذه التنظيمات أو كلها. ويمكننا أن نلاحظ في المثال والحالة السياسية العراقية الراهنة اجتماع كل تلك العناصر تحت قيادة ديكتاتورية ومستبدة واحدة، تقوم على عبادة الفرد القائد الملهم.

([3]) ولعل من أهم أنواع الفساد هو هذا العبث اللامحدود المستشري في بلداننا ومجتمعاتنا بالمال العام وبقوت المواطن ورزقه ومعيشته اليومية.. ويبدو أن الاستمرار في ذلك سيقود الأمة ـ كل الأمة ـ إلى ما ذكره الله تعالى من عواقب وخيمة.. يقول تعالى: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً.

([4]) بما يسمح لها أن تبتعد عن مسألة تحميل الآخرين مسؤولية الإخفاق في إنجاز شعاراتها وأهدافها، وأن تتخلى عن طريقتها التقليدية السائدة حالياً في التفكير وعن استراتيجيتها في إدارة الوقائع ومواجهة التحولات المتسارعة، وأن تعيد النظر أيضاً في طبيعة المرجعيات والخيارات والأدوات والوسائل التي تستخدمها في التقييم والتشخيص كما في العمل والتدبير، وبما يتيح لها بناء القدرة العملية، وممارسة الفاعلية المنتجة لذاتها لكي تكون مؤهلة وقادرة على المشاركة الندية في صناعة العالم، وادارته من خلال إنتاج المعرفة والقوة، وحسن الاستفادة من القيمة وتوجيه الثروة.

([5]) لقد أضحى إنساننا العربي المعاصر ـ نتيجة مرور عهود طويلة صعبة ومريرة من سيطرة وهيمنة أجواء القهر والضغط والظلم والقسر ـ إنساناً مشلول التفكير والإرادة، وعاجزاً عن الحركة الذاتية بأي اتجاه.. إذ أنه يعاني من الأمراض والتشوهات الاجتماعية والنفسية بشكل يجعله غير قادر على التفكير المنطقي السليم، والحركة العقلانية النوعية الهادفة والخالية من الشطط.. وبالنتيجة نصبح أمام إنسان مجرد مهمش، وغير متفاهم مع ذاته ومحيطه، الأمر الذي ينعكس سلباً في وعيه لمصالحه.. وقد رأينا كيف أن المواطن العربي كثيراً ما يتصرف بشكل مضاد لمصالحه ومصالح وطنه وأمته، وهو يفعل هذا بدافع شحنة التشوهات والمتناقضات والعاهات النفسية والاجتماعية التي يعاني منها، والقصور الذاتي الذي هو واقع فيه.. من هنا يأتي تأكيدنا على ضرورة تغير الطبائع والنفوس، كأساس لتغيير الواقع الخارجي.. لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وفاقد الإرادة والحيوية والتضحية ـ وكل قيم الفاعلية والحركية والنشاط والاندفاع العقلاني للعمل المنتج والمبدع ـ لا يمكن أن ينتج في أي مجال من المجالات، بل يبقى في موقع المتلقي والمتأثر والاستهلاك لمنجزات وإبداعات الآخرين.. ومجتمعاتنا العربية كاملة هي خير دليل على ذلك، حيث أنها لا تنتج شيئاً علي الإطلاق، وتستهلك كل شيء مما ينتجه ويصنعه الآخرون.. حتى سياساتها الداخلية المحلية، لا يرسمها أو يخططها قادة وزعماء تلك الدول إلا بما يتناسب مع مصالح الدول الكبرى.. إنها مجرد مجتمعات خاملة مستهلكة تعبة لا تقدم شيئا للحضارة ولا لنفسها، يتحكم فيها مجموعة حكام يفكرون بعقليات بدائية، ويحكمون بلدانهم من زمن بعيد على أسس عشائرية عائلية عاطفية هوجاء، بعيدة كل البعد عن أي منطق أو مبرر عقلي صحيح.

([6]) لاشك بأن للتربية العائلية والاجتماعية دوراً أساسياً في بناء الإنسان الحر السليم في بنيته التفكيرية والسلوكية.. ولكن مرور الإنسان بمراحل حياتية لاحقة يمكن أن يتعرض فيها لصور (وأنماط) شتى من التربية الاستبدادية سيجعل منه إنساناً عديم القدرة على تطوير وجوده الفردي والاجتماعي..لأن الاستبداد هوـ في الأصل ـ سلوك يتعلمه الإنسان من خلال ما يكتسبه من قيم وتقاليد خلال فترات حياته المختلفة، فعندما يكون الجو العائلي الخاص والاجتماعي العام مشحوناً بالتسلط والقهر والأحادية والاختزالية، فإنه لابد أن تظهر منعكسات نفسية وعملية سلبية على الأبناء بشكل سلوك عام تظهر كوامنه وآثاره على مستوى القابلية من حيث وجود استعدادات وقابليات نفسية عند الفرد لتقبل الاستبداد، والتمفصل معه، والدفاع عنه حتى لو تأذى منه مادياً ومعنوياً.. وعلى مستوى الفاعلية من حيث أن الاستبداد هو السلوك الأولي الذي ينتهجه الفرد في تعامله مع الآخرين أفقياً وعمودياً.. ولعل في القول التالي لأحد فلاسفة الإغريق (ونحن نتحفظ على بعض أفكاره التي طرحها في هذا القول) ما يلقي بعض الضوء على تلك الفكرة: "إن الرجل الحر لا يستطيع أن يتحمل حكم الطاغية، ولهذا فإن الرجل اليوناني لا يطيق الطغيان بل ينفر منه، أما الرجل الشرقي فإنه يجده أمراً طبيعياً فهو نفسه طاغية في بيته يعامل زوجته معاملة العبيد، ولهذا لا يدهشه أن يعامله الحاكم هو نفسه معاملة العبيد".

( [7]) وهذا يقتضي منا أن نعمل ما يلي:

1ـ تحريك العقل في طريق الخير والعطاء والبناء النفسي السليم، وتعويده على التفكير بحرية واستقلال.

2ـ تغير منهجية التربية في الأسرة والمجتمع وعلى مستوى الأمة ككل.

3ـ مواجهة رموز ومواقع الجهل باعتباره أحد أهم المعضلات الصعبة التي يفقد الإنسان بها حريته.

4ـ الإيمان بحق الاختلاف في الرأي مع الآخرين.. فالحرية لا يتحقق كمالها الاجتماعي إلا بتحققها العام والشامل في دائرتها الأشمل والأوسع.

( [8]) الكافي للكليني 2: 327.

([9]) سفينة البحار للمجلسي: 695.

([10]) وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة وتحديداً في توصيف المأزق الفعلي الراهن الذي نعانيه، فإنه يمكننا محورته في الأمور التالية:

1.غياب أو تغييب الثقافة النقدية الحقيقية (المضادة للاستبداد بكل أشكاله وصوره) التي يمكن بمقدورها خلق مجال سياسي وفضاء اجتماعي عام مضاد للاستبداد.

2.ضمور الوعي الاجتماعي العام في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بصور ومفاهيم وحقائق الاستبداد.

« 175 176 177 178 179 180 181 182 »