borneowebhosting video bokep indonesia bokepindonesia informasiku videopornoindonesia

من معالم التعارف: لابد من الاعتراف بالآخر؟!

26 يونيو 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

لاريب أن هناك هامش من القلق يؤثر على واقع المجتمعات العربية و الإسلامية، يتراوح بين المد و الجزر، حسب التطورات الجوهرية  التي تمس العمق الاجتماعي العربي و الإسلامي، و لعل التحول السياسي الطائفي ينال القسط الأوفر في حجم التأثير،   ليس فقط لأنه هناك نقص في الوعي السياسي و تشوه في التصور السليم للرشاد السياسي و إنما لأن مفهوم السياسة أصلا في وعينا الثقافي كعرب و مسلمين منذ قرون يعرف اضطرابا تداوليا، و هذا الاضطراب ينعكس آليا على الوعي الاجتماعي للتنوع و التعدد الطائفي و المذهبي و ما هنالك من تمايزات تاريخية …
هذا القلق ناتج من موروثات ثقافية و اجتماعية بلغت مستوى القداسة لدى إنساننا، و هذه القداسة جعلت الفرد أو الجماعة أو الطائفة أو الحزب، يركن لما يعرف بالعجب الذاتي كعلامة فارقة بينه و بين الآخر المجاور أو المقابل في الساحة العربية و الإسلامية، و مع تضخم هذه العقدة العجبية في الأنا العربي و الإسلامي أصبح مفهوم التعارف غريبا عن الثقافة العربية و الإسلامية النقية، لأن التعارف كمفهوم ليس فقط يشكل هالة ثقافية أمام المقدسات الثقافية المستحكمة في واقعنا و لكنه يصطدم بجدار إنكار الآخر…
بصراحة: هناك تساؤل كثيرا ما حاولت بحثه مع الأحبة من المفكرين و الساسة المخلصين لقضية الأمة الواحدة في عالم الأقطاب: كيف يمكننا إحياء قيمة التعارف في واقع تعادي محاوره الاعتراف ببعضها البعض؟
هذا السؤال لا يجيب عنه أحد بل الجميع بلغة اللقاء تحت خيمة الوطن بأخلاق إسلامية راسخة في تفاصيل الحياة، و خصوصا في حيثيات و كواليس تدبير أمور الناس، لأن تذليل العقبات أمام الأفراد المسلمين في مشوار التعايش و النهضة من خصوصية الساسة و العلماء و الإعلاميين و الفنانين و ما هنالك ممن يحمل عنوان المثقف أو النخبة في المجتمعات العربية الإسلامية، و من يعتبرون أسوة لعامة الناس و بخاصة الأجيال الصاعدة، لأن التعارف لا يتحقق بدون ترسيخ حقيقة الاعتراف بسنة الاختلاف بيننا في عدة خصوصيات، وذلك عبر تفعيل مواطن الوفاق و الاتفاق كقاعدة مشتركة لبلوغ صيغة إدارية لما نختلف حوله سواءا في فهم الدين و السياسة و الثقافة و الاقتصاد و الاجتماع، و لعل مأزق  التعارف في واقعنا العربي و الإسلامي يتعلق بحقيقة الاختلاف التي لا تزال تستثمر سلبيا في أبعاد حياتنا، وعليه تكون المعادلة أن الاعتراف بحقيقة الاختلاف و استثمارها حضاريا في تبادل المهارات و المعارف و التجارب بيننا ضمن عنواني العروبة و الإسلام الخالصين، سنصل حتما لتجديد وعينا لقيمة التعارف كثقافة لصناعة مواطنة حية وخلاقة للتنمية في أوطاننا…
بكلمة: إن المد الديمقراطي الكاسح للجغرافية العربية-الإسلامية، له محاسنه و أيضا مساوئه، حيث المساوئ تتمثل في العناد السياسي العربي الرسمي الذي يسعى في العديد من أشكاله نحو عدم الاعتراف بالآخر الجواني بشتى عناوينه المذهبية و الدينية و العرقية و السياسية، و بالتالي يكون المعلم الأول للتعارف "الحوار" بحاجة لقيمة الاعتراف بالآخر من قبل كل أقطاب الواقع العربي و الإسلامي…وأي إنكار لهذا المعلم من أي طرف  يعتبر مؤشرا على الطائفية المقيتة و الجهل الحضاري لديه، بينما الخيار الأمثل في ظل الشرق الأوسط الكبير و الجديد، أن نلتقي في ساحة إرادة الاعتراف ببعض لننال وسام التعارف…و الله من وراء القصد

________________________

* كاتب و باحث إسلامي


في جديد المركز الإسلامي الثقافي كتاب

25 يونيو 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

 في جديد إصدارات المركز الإسلامي الثقافي (التابع لمجمع الإمامين الحسنين ـ لبنان) وضمن إطار سلسلة الدراسات حول فكر المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله (قده) وعلى أبواب الذكرى السنوية الأولى لرحيل سماحته، صدر كتاب "حركية التاريخ الرسالي في فكر السيد فضل الله (قدس سره)" للكاتب السعودي حسين منصور الشيخ.
وقد أشاد مدير المركز السيد شفيق الموسوي في مقدمة الكتاب بهذا الجهد العلمي للكاتب الذي عمل للانكباب على دراسة فكر السيد فضل الله (رض) "حيث أجاد في الدخول عند آرائه فيما يتعلق بمسألة الدور الرسالي للأنبياء وعرضها بأسلوب علمي دقيق مستنداً إلى الإرث العلمي الكبير الذي تركه "السيد" وهو تفسيره "من وحي القرآن"" وأعلن الموسوي "عن وضع المركز كل إمكاناته في تصرف العلماء والمثقفين المستعدي لنشر الفكر الإسلامي الأصيل والتعاون مع الجميع في متابعة هذه المسيرة".
 
 
موضوعات الكتاب
لقد جاء الكتاب في فصول خمسة رتِّبت على النحو التالي:
الفصل الأول: كان تمهيداً للحديث عما بذله السيد فضل الله من جهود في ترسيخ القيم على مستوى ساحتنا الإسلامية من خلال دراسته لحركة الدعوة النبوية حيث تناول "دراسة السيد فضل الله للتاريخ الرسالي" مع التركيز على المنطلقات والخلفيات النظرية التي ارتكز عليها سماحته من خلال مراجعة تفسيره للقرآن المعنوان بـ "من وحي القرآن".
الفصل الثاني: وهو بعنوان "الرسالة الإلهية بين الغاية والوسيلة" وتناول أولى المسائل حول دراسة ظاهرة النبوة عند السيد فضل الله والهدف من بعث الأنبياء الذي يلخص "بتنمية القيمة الروحية" والتأكيد على أن الأصل في الرسالات ما تحمله من فكر وليس ما نقدسه من ذوات نافياً أن يكون تعدد الأديان بهدف إحداث أي نوع من التنازع والصراع بين الأتباع ومؤكداً في الوقت نفسه أن من أهداف الرسالات هو تحرير العقل ودعوته إلى مزيد من التفكر.
الفصل الثالث: جاء بعنوان "الشخصية النبوية روح إنسانية مرتبطة بالغيب" وقد تناول طبيعة العلاقة بين النبي وما يحمله من رسالة حيث أكد إلى أن النبوة ميثاق وتكليف بين الله وأنبيائه وليست مجرد منصب اجتماعي أو ديني. ونبه المؤلف إلى أهمية دراسة الشخصية النبوية في جانبها البشري وهي النقطة التي أولاها المرجع السيد محمد حسين فضل الله جُلَّ اهتمامه في دراسته لظاهرة النبوة من خلال تحليله للكثير من المواقف التي استعرضتها الآيات القرآنية أثناء سرد القصص النبوية.
الفصل الرابع: تحدث عن "حركية الدين في الواقع الإنساني" وتفرع الحديث إلى ثلاثة عناوين تفصيلية:
1- العلاقة بين العقل والإيمان العقائدي.   
2- الدين ورعايته للمصلحة العامة.
3- رأي "السيد" في العلاقة مع الآخر من خلال النظرة القرآنية.
الفصل الخامس: تناول موضوع "أخلاقيات المعارضين للدعوة" وتكذيب الأنبياء كظاهرة تاريخية والأسس التي انطلق فيها المعارضون للأنبياء وكيف واجه الأنبياء معارضيهم والأخلاقيات التي اعتمدوها في أدائهم والدروس المهمة التي يمكن للحركة الإسلامية المعاصرة الاستفادة منها لمواجهة الحركات والتنظيمات التي تقف في موقف العداء من الحركات الإسلامية.
وفي القسم الأخير من الكتاب استعرض المؤلف منهج السيد فضل الله في ترسيخ القيم ونبذ الخرافة من خلال دراسة حركة الدعوة النبوية ومن أهم النقاط التي أشار إليها:
1- التاريخ الرسالي مصدر لحركة الوعي.
2- الواقعية في دراسة التاريخ الرسالي.
3- تقديم الرسالة على الرسول.
4- استنطاق التاريخ بما يخدم العمل الإسلامي المعاصر.
5- الانطلاق من الواقعة إلى آفاق أرحب.
6- الأصالة في التأسيس للحركة الإسلامية المعاصرة.
7- توضيح العلاقة بين العقل والإيمان.
8- بيان العلاقة بين القيادة والقاعدة المؤمنة.
ومن خلال هذه النقاط يمكن القول أن الكاتب والمؤلف الأستاذ حسين منصور محمد الشيخ (وهو المختص بالتأريخ والتوثيق والدراسات المنهجية) قد نجح في أن يتعاطى مع المشروع القرآني الذي أرساه السيد فضل الله من منظور جديد له علاقة بالمنهجيات التاريخية وأساليب العمل الحركية وأن يتوصل إلى رواية متكاملة حول ما اسماه "حركية التاريخ الرسالية في فكر السيد فضل الله" وهذه المنهجية تتقارب مع الرؤية التي حاول إرساءها المرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر تحت عنوان "التفسير الموضوعي للقرآن" والتي تضمنت منهجية فكرية واجتماعية متكاملة لتفسير السنن التاريخية.
ونحن اليوم بأمس الحاجة لفهم هذه المنهجيات من أجل دراسة ما يجري في وطننا العربي من تطورات وثورات ومن أجل أن نحسن التعامل مع المتغيرات الحاصلة سواء في العالم العربي والإسلامي أو على الصعيد الدولي.

علم الكلام عند العلامة فضل الله، قراءة في إشكاليّات النقد والتحديث

25 يونيو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

   تمهيد

قبل أن نشرع في قراءة التجربة الكلامية للعلامة السيد محمد حسين فضل الله من الضروري الاعتراف بوجود درجة من الغموض العام ـ وليس بالضرورة الشخصي ـ فيما يخص فهم آراء ومواقف وتوجهات هذه التجربة، والسبب في ذلك يعود إلى حداثة ظهور التجربة ظهوراً واضحاً جداً أولاً، ودخول هذه التجربة ثانياً في دوامات الجدل والخلاف الحاد، وتداخل الجانبين السياسي والثقافي في هذه التجربة ثالثاً، ووفقاً لذلك تتسم قراءة هذه التجربة كتجربة الدكتور عبد الكريم سروش في إيران ـ مع فارق ـ وهما تجربتان معاصرتان، تتسمان بدرجة من الغموض العام، بيد أن التشابه الحاصل بين التجربتين هو في درجة تدخل اصحاب التجربة انفسهم في تكوين هذا الغموض، بمعنى أن هاتين التجربتين لا تتمتعان في حد ذاتهما على الصعيد العلني بوضوح كبير في هذه المرحلة على الأقل، وعدم الوضوح هذا يمكن إرجاعه إلى سببين هما:
1 – وجود درجة معينة من اللغة الأدبية في الخطاب الثقافي والكلامي لهاتين التجربتين، فعلى خط تجربة الدكتور سروش نلاحظ مدى استخدامه نفسه الكثير جداً من التعابير الأدبية والجمالية الفارسية، بل ونلاحظ مدى حضور الأدباء والشعراء الايرانيين الكبار في داخل الخطاب الكلامي والفلسفي للدكتور، وكنموذج بارز على هذا الموضوع حضور اشعار المثنوي لجلال الدين الرومي حضوراً كبيراً وبارزاً في دراسته حول التعددية الدينية([2])، وهو ما عابه عليه خصومه وناقدوه في هذه النظرية([3]).
أما على خط تجربة السيد فضل الله فمع كونه شخصاً من الشعراء ولديه بعض دواوين الشعر([4])، وهو أمرٌ ليس بمعيبٍ في حد ذاته أبداً، إلا أن الخطاب الجماهيري الذي طبع تجربته فرض على هذه التجربة درجةً من الابتعاد عن اللغة العلمية الواضحة والشفافة فرضاً منطقياً، وهو ما أدى ـ إلى جانب ان هذا التواصل الجماهيري يتطلب اختزال الأفكار أو انتقاءها أو الاختصار أو التبعيض ـ إلى نوعٍٍ من الغموض في خطاب هذه التجربة.
ومن هنا يلاحظ أن الخطاب العلمي، لا أقل في عصرنا الراهن ـ يتطلب مخاطبين من نوع خاص، وهذا شيءٌ مغاير لما سيأتي معنا من جمهرة علم الكلام، لاننا هنا نتكلم عن الخطاب في مرحلة الابداع والتخصصية لا في اطار الاحتكار والنخبوية، وسوف يتضح معنا لاحقاً الفرق بين هذين الأمرين، فهناك واقع لا مفرّ منه، وهو أن طبيعة المخاطَب تفرض نوعاً خاصاً من الخطاب على المخاطِِب نفسه.
2 – التوتر والتشنّج الذي أحاط كلتا التجربتين لاسباب عديدة، فهذا التوتّر أدّى ويؤدي إلى ظهور اتجاهات افراطية وتفريطية من كافة الاطراف، ويغلّب الشخصيات الحادة على الشخصيات المعتدلة، ويمنح الاولى موقع الصدارة والتمايز فيما يلقي باللائمة على الثانية، ويتهمها بالجبن والتخاذل والحياد اللامبرر وأمثال هذه التعابير.
والأهم من كل ذلك هو طفو القراءات الاسقاطية على السطح نتيجة تسييس الصراع (بالمعنى العام للكلمة) أو تحزيبه وتأطيره، ومن ثم القيام بعمليات فرز وفصل منظّمين، وعندما تطفو القراءات الاسقاطية للآخر فإن هذا يعني طبيعةً غياب الآخر في القراءة وحلول الموقف منه محلّ ذلك، وهو ما سيؤدي إلى امتزاج ما لدى الآخر بما لدى القارىء، ومن هنا بالذات تبدأ عملية الغموض، بين نفي الآخر وإثبات الاول والعكس و…
إذن مهما كانت الاسباب ـ ولا يعنينا تحديدها بالدقة ـ فإن الغموض الذي يتحمّل مسؤوليته ـ في تقدير الكاتب ـ كل من أصحاب وأنصار التجربة ومعارضيها وناقديها معاً… ان هذا الغموض موجودٌ لا محالة مما يصعّب من إمكانية قراءة التجربتين، وهذا هو الفارق بين قراءة التجربة في زمانها، وبين قرائتها بعد طيها مراحلها كاملة.
لكن هذا الغموض يبدأ بالانحسار حينما نخرج من دائرة المفردات الكلامية (أو غيرها) إلى دائرة المنهج، يمكن لصاحب مشروع ان يخفي أو يثير الضباب والدخان حول مفردة كلامية يراها، بيد أنه غير قادر على اخفاء المنهج غالباً، ويمكن لخصوم اتجاه ان يثيروا الدخان حول فكرةٍ ما بيد أنهم لن يتمكنوا من إثارتها ـ امام القارىء العلمي المحايد ـ على مستوى المنهج والاسلوب المعرفي، ولذلك فإن درجة الغموض في هذه الدراسة هنا ستكون ـ تلقائياً ـ أقل نسبياً منها لدى معالجة المفردات التي دار فيها جدل واسع على صعيد التجربتين المتقدمتين من أمثال مفردات تكامل المعرفة الدينية، والعصمة، والرجعة، والتعددية الدينية، وعلم المعصوم، والولاية التكوينية، واحياء الدين، والدين والايديولوجيا، وفهم النص الديني و…
وعلى أية حال سوف نحاول دراسة أبرز التميّزات المنهجية لتجربة العلامة السيد محمد حسين فضل الله ضمن النقاط التالية:
 
1 – النخبوية والجماهيرية في علم الكلام، أو حرية العقل الفردي.
تواجه علم الكلام المعاصر مشكلة جادّة وحقيقية تتمثل في موقفه من العقل العام والعقل النخبوي من جهة، وفي تحديده النخبوية الكلامية من جهةٍ أخرى، فالموقف المعتزلي المعروف كان يقضي بضرورة تحصيل كلّ فردٍ يقينه الخاص القائم على الأدلة والوسائل التي يقتنع بها([5])، كما أن الموقف الشيعي من هذه القضية كان يقضي ـ هو الآخر ـ برفض التقليد منطلقاً في المسائل العقائدية ما دام التقليد لا ينتج قناعة ذاتية([6])، وهذا الموقفان يستبطنان التأكيد على الاعتراف بالعقل العام ـ أي عقول الأفراد ـ كحاكم محترمٍ معترفٍ به في القضايا العقائدية دون وجود أي مانع يحول دون ترشيد هذا العقل أو ذاك أو وضع مقارنات ومفاضلات بينهما.
لكن المشكلة التي واجهت علم الكلام المعاصر (والكلام القديم بدرجة أخرى وبشكلٍ آخر) انطلقت من طبيعة المواقف العامة المعارضة للنخبويين الكلاميين من رجال الدين، فبرزت ظاهرتان هامتان في المجتمع الإسلامي:
أ ـ الظاهرة الأولى: وقد تمثلت في ظهور تيارٍ منفصلٍ عن المؤسسة الدينية أخذ بممارسة نوعٍ من التخصصية في المعارف الدينية، وتخرّج ابناؤه من المعاهد الدينية الجامعية أو انفصلوا عن مؤسسة رجال الدين بعد ان انتموا اليها أو كانوا يدورون في فلك هذه المؤسسة ورجالاتها لكنهم أبدوا فيما بعد معارضةً لتوجهاتها، وقد سعى هذا التيار الى تشكيل نوع من النخبة المتدينة (وغير المتدينة) أخذت بممارسة البحث والدراسة في موضوعات دينية فلسفية وكلامية وغيرها، وقد برز من بين هؤلاء الدكتور نصر حامد ابو زيد، والدكتور حسن حنفي، والدكتور علي شريعتي، وعلي عبد الرازق، والدكتور عبدالكريم سروش، والاستاذ أحمد الكاتب، والدكتور رضوان السيد، والدكتور محمد شحرور، والسيد تقي زاده وغيرهم، ولظهور هذا التيار اسبابه ومبرراته الداخلية والخارجية التي لا تهمّنا فعلاً هنا.
هذه الظاهرة هزّت أركان علم الكلام بوضعه السائد وتركت تأثيراً كبيراً جداً حتى على الاوساط الداخلية لمؤسسة رجال الدين، أو لنقل لمؤسسة الكلام الرسمية، والشيء الذي كان يحصل هو أن الآليات والادوات والانماط الفكرية التي كان يستخدمها هذا التيار الجديد اختلفت اختلافاً كبيراً أحياناً ومتوسطاً أحياناً أخرى عن النمط المدرسي المتداول، وقد اتهم هذا النمط الجديد من قبل المدرسيين بأنه نمطٌ غير دقيق ومتسرّع وسطحي ومتأثر بالغرب وغير تحقيقي، وقد أثارت هذه النقطة بالذات اشكالية الاعتراف بالعقل غير النخبوي بالمعنى الخاص للنخبوية لدى مؤسسة الكلام الرسمي، وتمّ تدريجياً سحب المشروعية من هذه الفئة الجديدة، وانطلقت مقولات تنفي الأحقّية لهذه النخبة الجديدة في البت في قضايا الدين، لأن النخبوية والتخصصية بنظر المدرسيين هي نخبوية تتطلب مساراً خاصاً من التفكير والتطوّر مقيداً ضمن آليات كلاسيكية جرى تداولها سلفاً.
ب ـ الظاهرة الثانية: لقد أدّى تطور الانسان المسلم والعربي عقلياً ومعرفياً إلى بروز تساؤلات جديدة عنده، وقد انطلقت هذه التساؤلات من فضاء ثقافي تأثر احياناً بالغرب والعلوم الحديثة، وكانت البنية المنطقية والمرجعية الفكرية لهذا النوع من التساؤلات مختلفة في الشكل والجوهر احياناً كثيرة عن بنية ومرجعية التفكير المدرسي التي اتخذتها مؤسسة الكلام الرسمي، فعلى سبيل المثال يُعد العثور على نصٍّ دينيٍّ صحيح السند أو نصين كذلك يحكيان عن فكرةٍ عقائديةٍٍ ما فاصلاً منطقياً للنزاع العقائدي (أو على الأقل لبعض الموضوعات العقائدية كالموضوعات الفرعية)، فلو قدّم أحد الاطراف هذا النص وأكّده من الناحيتين السندية والدلالية لأدى ذلك إلى تدعيم موقفه اكثر امام خصمه، ولتراجع الخصم خطوةً الى الوراء، لأن النص الديني ولو غير اليقيني يمثل مرجعيةً يمكن الأيلولة اليها للتحاكم، فهذه الآلية المنطقية هي آلية اقناعية قوية لدى الكلام الرسمي، والذي حصل هو أن المتكلم الكلاسيكي تصوّر ان هذا النوع من المرجعيات يفترض ان يشكل حاسماً للخلافات العقائدية أو غيرها كما اعتاد هو في الكلام أو كما درج عليه في العلوم الفقهية، لان الجوّ الثقافي العام الذي عاشه هذا المتكلم قد فرض نوعاً من السلطة لهذا النوع من المرجعيات، ومن هنا بدأت ازمة تخاطب تبدو في الأفق، لان عقول الافراد التي نزعت نحو عقلانية محدثة غربية قد فقدت الثقة لسبب أو لآخر (لا نريد الآن تقييمه) بهذا النوع من المرجعيات، وهو ما أدى الى فقدان المتكلم الرسمي موقعيته وحضوره ومرجعيته او جزءاً كبيراً منها في الوسط الكلامي العام، وتطوّر الوضع الى ان بدأت النخب الجديدة التي تكلمنا عنها بالحلول محل النخب الكلاسيكية، وحيث كانت النخب الجديدة نفسها موضع شك وعدم ثقةٍ معرفيةٍ (وأحياناً أخلاقية) من جانب النخب الكلاسيكية فبطريقٍ أولى كانت الافراد المنضوية في فلك هذه النخب موضع شكٍّ كبيرٍ لدى الكلام الرسمي.
ومن هنا بدأت أزمة الثقة تظهر بين علم الكلام وبين العقل الآخر، فواجه علم الكلام اشكالية منح الشرعية لعقول الافراد بمن فيهم النخبويون الجدد، فالصيغة التي كان يحملها هذا العلم ترفض التقليد والظن والاتباع في علم الكلام، أي انها تعتبر اليقين الكلامي يقيناً شخصياً لا رسمياً، وليس الحال كالفقه وفروع الدين يكفي فيها يقين الرسميين والعلماء، لكن علم الكلام من جهةٍ أخرى شعر بالقلق من تنامي التفكير الآخر غير المستساغ له فرفضه عملياً، ومن ثم رفض شرعية الفكر الآخر وأخذ ينفذ فيه التفكير القائل بأن العقائديات لابد هي الاخرى ان يرجع فيها الى رجال الدين لا تماماً كالفقه، وانما بمعنى انه من غير الصحيح البتّ في الاعتقاديات دون الرجوع الى هذه الطائفة من الناس، وهو ما ترك تأثيرٍاً على قضية أخرى سنأتي قريباً على ذكرها، إن شاء الله تعالى.
وقد بدأت بذور خطوة الاعتراف بالعقل الفردي في الاعتقاديات عند الشهيد محمد باقر الصدر، وبدرجة اكبر على مستوى علم أصول الفقه، فقد قام الصدر بتأليف كتاب "المعالم الجديدة للأصول" كمعبّر عن قناعته بضرورة فك الطوق عن هذا العلم في نطاق آلية التفكير الاصولية عند الشيعة([7])، وكانت هذه بداية اشراكٍ للشرائح المثقفة الاُخرى في هذا العلم بدرجةٍ من الدرجات.
والعلامة الطباطبائي بالرغم من أنه ـ كالشيخ محمد رضا المظفر في عقائد الإمامية وكاشف الغطاء في أصل الشيعة وأصولها ـ كان من السبّاقين لنشر المعرفة العقدية بين الناس عامةً، كما يشهد بذلك مشروعه التبسيطي الديني في علم الكلام وغيره([8])، والذي هدف منه نشر المفاهيم العقدية الإسلامية في الغرب قبل غيره، لكنه لا يمكن تصنيف جهوده بالجماهيرية، لأن هذه الجهود كانت تلقينيةً ولم تكن إشراكاً وإسهاماً للآخر أو دعوةً لهذا الإسهام تماماً كما هو الحال في الرسائل العملية الفقهية، لكنها على أية حال كانت خطوةً جديدةً في مرحلة البدايات التي تخرج علم الكلام من حدوده المحصورة.
لكن العلامة السيد محمد حسين فضل الله مثّل مرحلة متقدّمة على هذا الصعيد، فقد نظّر من جهة لعقائديات غير رسمية، أي انه لم يؤمن في علم الكلام بنوع من الاورثوذكسية الرسمية، وكان أهم إسهام قام به هو تخطي حدود النخبوية في الخطاب العقائدي الى نوع من الجماهيرية، ايماناً منه بحق الفرد ـ النابع من احترام عقله ـ في تقرير مصيره العقائدي، فالسيد فضل الله لم يخاطب في علم الكلام طبقات خاصة او معينة، وانما خاطب عامّة الناس من خلال طبيعة الوسائل التي استخدمها ـ وما يزال ـ وهي وسائل اتصال عامة وعالمية كالفضائيات والراديو والتلفزيون والانترنت والمنبر والخطابة…
لقد رفض السيد فضل الله بشدّة حجب علم الكلام عن الجماهير، لانه اعتبر أن هذا العلم هو بالدرجة الاولى علم جماهيري وليس علماً نخبوياً، بل إن نخبويته ما هي سوى نتاج تاريخي للتضخمات الكمّية فيه، وهي تضخمات سنرى ان السيد فضل الله لا يؤمن بأكثرها انطلاقاً من رفضه للفكر الفلسفي وتأثيراته في تأويل النص أيضاً.
ويلعب البعد الاجتماعي والحركي لعلم الكلام عند السيد فضل الله دوراً مهماً على صعيد جمهرة علم الكلام وإخراجه من ابراجه العاجية وأسواره العالية ونزعته الفوقية ولونه الداكن…، تماماً كما هي النزعة العلم اجتماعية التي قرأ فيها الدكتور علي شريعتي الدين عموماً، وكما هو منحاه العملاني في هذه القراءة([9]).
لكن الشيء الذي يمكن ان يمنحنا معرفةً جديدةً حول هذه النقطة عند العلامة فضل الله هي طبيعة الخطاب العام الذي امتاز به واشتهر مما اشرنا له في مطلع هذه الدراسة، فهذا النوع من الخطاب ترك اثراً بالغاً في عقل السيد فضل الله نفسه، فطريقة السؤال والجواب الشفاهيين بين عالم وجاهل ـ لا جلسة حوار بين علماء ـ لا يمكنها عادةً ان تنتج خطاباً نخبوياً، وهذه الطريقة التي أحاطت الكثير من نتاجات فضل الله([10]) صاغت بصورة طبيعية ومتوقعة منظومته الكلامية، فعندما يريد السيد فضل الله ان يقرأ مسألةً عقائديةً فإن قراءته لها (أي تلك القراءة التي تصلنا) ستكون بالطبع متناغمة وطبيعة وسائل الاتصال الثقافي التي يستخدمها لنقل فكره، وتغلب الطابع الخطابي (أي الخطاب لا الخطابة) على حركيات السيد فضل الله صاغ عنده كلاماً يتصل بالخطاب الاسلامي العام، وهو ما ادى الى انحسار النخبوية في تفكيره ككل ومنه التفكير الكلامي.
لا يراد هنا الانقاص من شأن النتاج الكلامي لفضل الله بقدر ما يراد التأكيد على ان هذا النتاج هو نتاج تواصل مع الجماهير، ومن الطبيعي ان تنحسر في هذه الاجواء فرص النخبوية، ويتسم الموقف العام بنوع من الجماهيرية وعقول الأفراد.
ومن هنا نستطيع أن نرى بوضوح وبصورة منطقية النتيجة التي ارتآها السيد فضل الله في موضوع عقل النخبة او عقل الفرد.
بل لو تجاهلنا هذه المرحلة من تفسير السياق الذي تولّدت فيه هذه الفكرة لوجدنا أن ان هذا الموضوع يواجه اشكالية اساسية يقع فيها علم الكلام المعاصر، وهذه الاشكالية تكمن في ان علم الكلام المعاصر لم يعد على الحال التي كان عليها في بدايات ظهوره على غرار ما هو الحاصل على صعيد كافة العلوم الاسلامية، ذلك ان علمية المعارف الدينية تعدّ ظاهرةً متأخرةً عن القيم والمعارف الدينية نفسها من الناحية الزمنية ومن ناحية طبيعة الاشياء، فالأصول الاعتقادية التي جاء بها الاسلام على سبيل المثال كالتوحيد والنبوة والآخرة و… تختزن بعداً خبرياً، أي انها في الحقيقة مجموعة من القضايا في نهاية مطافها، لكن مجرّد وجود مجموعة قضايا معينة لا يعني وجود علم يتعلق بهذه القضايا، لان مرحلة ظهور العلم تستدعي بروز مجموعة عناصر تاريخية ومنطقية تحوّل هذه القضايا من تبعثرها الى انضمامها المنطقي وترتيبها الذهني، وهذا معناه ان العقيدة الاسلامية سوف تنفصل بهذا التصوّر عن علم العقيدة الاسلامية، لان علم العقيدة يتخذ من القضايا والموضوعات العقائدية موضوعاً واساساً لعمله وفق اقتضاء الموضوعية لها في هذا العلم، فلا يمكن افتراض وحدة بين العقيدة والعلم المختص بها، وهذا الأمر يسمح لنا بالاطلالة على العقيدة وعلمها إطلالة تاريخية، وهذا معناه ان العقيدة الدينية كانت موجودةً في الصدر الاول والمرحلة النبوية دون ان يكون هناك وجود لعلم مختص بها يحتوي خصائص العلم كفرعٍٍ معرفيٍّ حتى لو فرض وجود بذور لهذا العلم تشتمل تساؤلات صدرت عن الصحابة فيما يخص الصفات الالهية كما ورد في بعض الحوادث التاريخية زمن حياة الرسول (ص)، فمرحلة عقيدية العقيدة أسبق ـ وبالتالي ـ مختلفة عن مرحلة علميتها.
والذي حصل هو أن النسق النبوي (إن صح التعبير) للحديث عن العقيدة كان من الطبيعي ان يختلف عن النسق المتأخر الذي اعقب ظهور علم العقيدة، ونظراً لتعاطي العلماء والباحثين مع الموضوعات العقائدية في الفترة المتأخرة تعاطياً علمياً ادى ذلك إلى بروز طبيعي ومترقب لنوعٍ من النخبوية في التفكير الكلامي، فنخبوبة هذا التفكير هي نتيجة طبيعة لعلمية العقيدة (وربما هناك اسباب اخرى دخيلة ايضاً)، أي انني عندما اتصل بالعقائديات بواسطة شبكة علمية مفاهيمية فمن الطبيعي ان تكون قراءتي لها علمية ونخبوية، لان هذه الشبكة هي نتاج تراكمات معرفية لا يطلع عليها كلّ الناس.
وهذا ما يجرّنا إلى تحليل منهج العلامة فضل الله في التعاطي مع العقائديات من هذه الزاوية، فهذا المنهج يتجاوز عملياً المرحلة التاريخية لعلم الكلام والتي كوّنته كعلم من العلوم، وبالتالي العودة بهذا العلم الى المنطق النبوي الذي كان يعيشه في مراحله الأولية، لان خطاب الجماهير لن يخرج عادةً عن احد شكلين:
أ ـ تنازل عن الصيغة العلمية للفكرة ومن ثمّ جمهـرتها بتحويلها الى قضية مفرّغة من نسق علمي (بمعنى العلم لا بمعنى انها غير علمية).
ب ـ ابتكار صياغات علمية غير نخبوية.
أي بين طريقتين في التفكير، طريقة تتنازل عن المهمة العلمية التخصّصية، وأخرى تحاول ان ترفع الجماهير الى مستوى المعرفة العلمية.
وبعبارة اوضح هاتان طريقتان يجب على علم الكلام ان يحدد موقفه منهما، هل هو علم تخصصي كباقي العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء والرياضيات أم انه تناولات ثقافية جماهيرية دون ان يتم تبلوره في كينونه علمية؟ ومن الطبيعي اننا لا نحكي هنا عن صياغات لفظية تبسط فكرة أو تعقّدها بقدر ما نحكي عن نمط تفكير مارسه العلامة فضل الله في نطاق نتاجاته، والسؤال هو اذا اردت ان افكر في قضية كلامية ولنفرضها الولاية التكوينية للمعصوم او موضوعة الرجعة فكيف افكّر؟ هل هناك خارطة مسبقة انطلق في التفكير منها؟ هل اقوم بوضع فرضية ثم اقرأ التجارب الميدانية وأحاول معرفة ما اذا كانت هذه التجارب تعزز هذه الفرضية أو لا، على طريقة العلوم الطبيعية؟ هل اتعامل في غرفتي وعلى مكتبي وبيدي القلم والاوراق والكتب او أي وسائل اتصال متطورة … هل اتعامل بطريقة منظمة مضبوطة محكمة صارمة محددة سلفاً كما يفعل الكيميائي في مختبره، لان أي خطأ قد يحدث كارثة احياناً ام أنني اخرج من هذا الاطار المتحكم القاسي واطلق الافكار في ذهني ثم اميل الى واحدة منها؟ افترض فكرة سليمة وأجد لها بعض المؤيّدات ايجاداً عفوياً ثم اميل وارجح دون استنفار للمحتملات او استقصاء للفروض؟ هل اجالس مجموعة من الاصدقاء ونتبادل الرأي في فكرةٍ واخرج بنتيجةٍ ما، أم أمرّ بمعاناة فكرية واستنـزاف للجهود في المتابعة والملاحقة والتقصّي؟ هاتان هما الطريقتان.
والسؤال ما هو موقف العلامة فضل الله في نتاجاته من هاتين الطريقتين؟ (نؤكد على اننا نحاكم السيد فضل الله كنتاج ولا نُعني بما يمارسه شخصياً في تفكيره).
والجواب هو ان قراءة نتاج فضل الله وملاحظة جماهيرية تعاطيه مع الافكار ترجح أنه يتبع الطريقة الثانية، فنحن لا نملك على مستوى نتاجه الكلامي الا مقداراً ضئيلاً جداً من النماذج التي تؤكد المنهج الاول، ومن هنا قلنا بان السيد فضل الله من الطبيعي ان يتخذ موقفاً ايجابياً من جمهرة علم الكلام واخراجه من اسوار التخصصية العالية.
ويمكن لتوضيح الفكرة التي نحن بصددها القيام بتطبيق مقارن ما بين السيد فضل الله والشهيد محمد باقر الصدر، سواء على مستوى موضوع وجود الله تعالى، أو على مستوى قضايا الإمامة (والداخل الشيعي) مما خاض فيه السيد الصدر نفسه، فإن أبسط نظرة تعطي القارئ إحساساً بوجود فرق في المنهج والآليات وتجعله يرجح تخصصية منهج السيد الصدر على تخصصية مفترضة عند السيد فضل الله.
وحتى الشهيد مرتضى مطهّري الذي غلبت الخطابة وأساليب المحاضرة على نتاجاته التي جُمعت فيما بعد كان يمتاز بمنطق (وخطاب) علمي تخصصي أكثر من السيد فضل الله.
 
علم الكلام وإشكالية الخطاب النخبوي
لكن اذا تجاوزنا السيد فضل الله كيف يمكن لعلم الكلام ان يوفق بين حاجات التخصص وضرورات الجمهرة؟ وهل سبق له ان وفق في التوفيق؟ ونعني بكلمة "وفّق" ان علم الكلام نجح في الحفاظ على دقة الجانب التخصصي فيه كعلم من العلوم المنضبطة في محددات ومصادرات ومنهج، وفي نفس الوقت استطاع اشباع حاجات الجماهير دون ان يسقط في أتون عمليات تسطيح المعرفة او تنصيفها وتربيعها، كما ودون ان يقتصر دوره مع الجماهير على النشر والتبليغ القائمين على سياسة التلقين.
والعنصر المميّز لعلم الكلام عن اغلب العلوم الدينية وغيرها هو أن المعادلة في علم الكلام تقع بين العقل الفردي والحقيقة العقائدية، أي أن هذا العلم يعتمد على قيام كل فرد بالتوصل بطريقته الى القناعة بمجموعة معتقدات يلتزم بها، وبالتالي فعلم الكلام يتميز عن الفيزياء والكيمياء، لان عامة الناس (نقصد غير المتخصصين) لا تعبر في هذين العلمين عن قوّة مساهمة في صنع معرفة كيميائية او فيزيائية، وبالتالي فمن يمارس عملية الفعل والصنع انما هم العلماء الطبيعيون المتخصّصون في هاتين المادتين المعرفيتين، واذا كان ثمة مساهمة لعامة الناس فهي لا تعدو ارشاد او اعانة الباحث الطبيعي في بحثه على طريقة الشورى غير الملزمة لولي الامر في الفكر السياسي الاسلامي، بل الأمر كذلك على صعيد علمٍ كعلم اصول الفقه أو علم الحديث والرجال، فهذه العلوم وفق ما تنبني هي عليه من قضايا ومعطيات لا يساهم عقل عامة الافراد في صنع شيء اساسي فيها الا في دائرة اعانة المتخصّص في عملية الصنع والابداع، بل الامر يتعدّى ذلك حتى الى علم كعلم الفقه وفقاً للنظرية المعروفة القائلة بالتقليد ورجوع الناس الى الفقيه لمعرفة احكام دينهم، فالناس لا يقومون ـ في هذا العلم ـ بلعب دور المساهم في صنعه بهذا المعنى للمساهمة، والمساهم الجوهري هم المختصون بهذا العلم القادرون على البت في قضاياه، فيما دور الناس هو الاستماع والإنصات والتقيّد بما يقوله الخبراء.
ولا نقصد من ذلك الحديث عن فردانية في الفكر والعقل الفقهي أو الاصولي او الحديثي او … بل نحن نؤمن ونؤكد على العقل الجمعي في مثل هذه الامور، بمعنى ان مسارات حركة هذه العلوم تعتمد على حركة جمعية متكاملة متظافرة تشكل المكوّن الكلي لها.
لكن كما قلنا علم الكلام مختلف عن هذا الوضع او على الاقل هو يقول لنا انني علم مختلف، ذلك انه علم عقدي يهدف الى ان تقتنع الناس بقضايا العقيدة ـ أي عقيدة ـ وهو لا يكتفي بمجرد الاذعان العملي من طرف عامة الناس لمتخصّصي هذا العلم عندما يتكلم عن اقتناع الناس بعقائدياتهم، بل يصر على وصول الانسان ـ كل انسان ـ الى حالة استقرار نفسي بالقضية العقدية التي ينتمي او يريد ان ينتمي اليها، بقطع النظر عن الطرق التي توصله الى هذا الاستقرار، فحتى لو كان تقليده واتباعه لمذهب ديني معين يوجب قناعته بعقائديات هذا المذهب فهذا يكفي، لا لأن التقليد جائز في العقائديات بل لانه تحوّل من مضمون مستقل ذا ناحية موضوعية الى مجرد طريق ووسيلة وجسر للوصول الى القناعة، وعملية التجسير هذه تخرج التقليد عن لعب دور مستقل.
حسناً، اذا كان الامر كذلك فإن علم الكلام غير قادر ذاتياً على ايجاد نوع من النخبوية التي تفرض تجاهل شرائح المجتمع الاخرى، أي ان علم الكلام ليس بمقدوره ان يرفض او يعنّف أي محاولة تفكير كلامي من طرف أي شخص كان لا لسبب اخلاقي بل لسبب معرفي ارتكز هذا العلم عليه، وهذا معناه ان جمهرة علم الكلام ـ كما ارتآه السيد فضل الله ـ هي النتيجة الصحيحة والمنطقية للرؤية المعرفية لهذا العلم نفسه، بالتالي فليس من الصحيح التشكيك او سلب المشروعية عن تفكير أي شخص كان على هذا الصعيد، لا بل المطلوب حينئذ تفعيل دور هذه الجمهرة ونشر طرائق تفكير هذا العلم ـ لا انجازاته فحسب ـ في اوساط المجتمع بكل طبقاته وشرائحه، ومعنى هذا انه من الضروري الاعتراف بحرية التفكير على هذا الصعيد ما دام تفكيراً ومعرفة وجهداً علمياً.
لكن المشكلة التي تبرز ـ وقد تقدمت ووقع فيها الى حد ما نفس السيد فضل الله ـ هي انه كيف نحافظ على الناحية العلمية في هذا العلم؟ أي كيف نمنحه الجودة والدقة والتخصصية والتطوّر العامودي دون تشكيل نخب متخصصة يفرض تشكيلها عقلاً نخبوياً بالمعنى السلبي للكلمة أي ذاك العقل الاحتكاري؟ وكيف ينبغي لهذه النخب ان تمارس دورها؟ وهل من المنطقي افتراض المساواة بين النخب وجهود عامّة الناس على صعيد هذا العلم؟
في الحقيقة هذا الأمر لا يمثل مشكلةً كبيرةً، فبمقدور علم الكلام ان يمارس دور الجهد العلمي الناضج بتشكيل نخب متخصصة تفكر بعقل تخصصي، لكن من دون ان يمارس عملياً نوعاً من اقصاء الفكر الآخر إيماناً منه برؤيته المعرفية وليس فقط الحقوقية والأخلاقية (لأن كلامنا هنا معرفي وليس حقوقي أو أخلاقي)، فبدل ان يقوم هذا العلم ـ كما يحاوله الكثير من العلماء اليوم ـ باحتكار الفكر لصالح جماعة يعترف معرفياً ـ ومن ثم اخلاقياً وحقوقياً ـ بحقّ أي فئةٍ اخرى مهما كانت متدنية المستوى بالتفكير والتوصل الى نتائج، وهذا معناه في العمق التخلي عن احتكار الحقيقة من جهة والايمان بجمعية التفكير العقدي من جهةٍ اخرى، دون ان يعني كل هذا رفع اليد عن المعتقد الصحيح لدى أي إنسان، والتعددية المعرفية (بالمعنى الإيجابي للكلمة الذي لا يتورّط في النسبية الواقعية او النسبية المعرفية) يمكنها هنا ان تساهم في تجويد اداء علم الكلام على هذا الصعيد.
وفي النتيجة ومع تقدير المنحى الذي نحاه السيد فضل الله في جمهرة علم الكلام بالمعنى الذي قصدناه، غير اننا نلاحظ عليه نوعاً من الافراط على هذا الصعيد تجلّى في غياب الخطاب الأكاديمي المستقرِئ وحلول محاولات غالباً ما كانت منقوصة بالنسبة للقارئ أو المخاطب العلمي.
نعم تبقى مسألة اللغة الكلامية وهل هي لغة نخبوية او جماهيرية؟ وهو أمرٌ آخر لا علاقة له فعلاً بالنقطة المثارة هنا.
 
2 ـ الجرأة المعرفية وكسر حاجز الرتابة
في تاريخ كل علم ـ حسب الظاهر ـ مراحل طفرة وقفزة وانطلاق يزدهر فيها هذا العلم، كما هناك في المقابل حقبات رتابة وضمور وكساد تشل فيها حركته، ولهذا الامر اسباب كثيرة سياسية ومالية واجتماعية وتربوية…
واذا جاز ان نقرأ علم الكلام من هذه الزاوية وجدنا ان بذور نهضة جديدة وانطلاقة متجددة لهذا العلم كانت مع الافغاني وعبده واللاهوري والطهطاوي وغيرهم وصولاً في التنامي التصاعدي للصدر والمطهري وحنفي وغيرهم…، لكن المشكلة في الثورة العلمية داخل النطاق الديني هي مشكلة نفسية إيمانية قبل ان تكون مشكلة معرفية علمية، فالحس الديني بطبعه حسٌّ مرهفٌ ازاء قضاياه، وهو لذلك يتوجّس من أي تبدلات قد تطرأ ربما تضر ـ ولو على المدى البعيد ـ بقضايا الدين والتدين، وهو من هنا بالذات قد يقال انه بطيء الحركة معرفياً، لا بمعنى انه كسل مستقيل بل بمعنى ان طبيعة التفاعلات الذاتية فيه تعدّ تفاعلات مؤطرة ومحددة، ومن هنا حصلت انفجارات وثورات علمية دينية عندما فرض الآخر ذاته وفكره على الدين فاضطر لرفع مشكلة أو درء خطر أدّيا به الى إعادة انتاج في نهاية المطاف.
لا يمكننا ـ اذا كنا واقعيين ـ أن نلوم هذه الظاهرة، لان علمية الدين ـ كما اشرنا فيما يخص علم الكلام ـ لا تقف لوحدها في الميدان، بل هناك الى جانب هذه العلمية احاسيس ومشاعر ويوميات واجتماعيات وسلوكيات و… فليس من المنطقي محاكمة علم ديني كعلم الكلام كما نحاكم علم الطب أو الفيزياء الحديثة أو علوم المعلوماتية، ولا نقصد أنه ليس لهذه العلوم تأثيرات ميدانية، بل نعتقد أنه ليس معها (لا مؤدّاها) عوامل غير علمية بهذه القوّة والفعالية.
ومن هنا من الضروري ـ اذا لم نكن نريد الاعتراف بمجموعة العوامل غير العلمية هذه… ـ من الضروري أن نقدرها دون ان نمارس بحقها نوعاً من السخرية والاستهزاء أو الاحتقار أو التغاضي…
لكن مشكلة هذه القضية تكمن عندما تتضخم العوامل والظروف غير العلمية لتتجاوز حجمها الطبيعي فتعيق الزاوية العلمية وتشل حركتها وتقف سداً منيعاً دون ممارسة نوع من الازدهار والتطوّر([11]).
والشيء الجوهري على الصعيد الديني ـ وخصوصاً على صعيد علم الكلام ـ هو أن الظاهرة الدينية ككل تتصل بشكل كبير بالظاهرة التاريخية، لا يمكننا فصل الدين عن التاريخ، واذا ما فعلنا فإن الدين سيفرّغ من مضمونه، لنأخذ مثالاً بسيطاً الشهادة الثانية لمحمد بانه رسول الله، اليست تختزن وضعاً تاريخياً؟ أليس محمداً (ص) كيان تاريخي يعود إلى أربعة عشر قرناً؟ هل يمكننا أن نتشهد الشهادة هذه دون ان نتبلّل بالمياه التاريخية؟ وهكذا الحال في صلب المسيح وقيامته في الديانة المسيحية…
من الغني عن التعريف ان التاريخ جزء لا يتجزء من العقل والتفكير الديني عموماً وهذا امرٌ لايبدو ان ثمة من يناقش فيه.
هذا الحضور التاريخي في الدين يفرض على أي متدين ـ بالمعنى العام للكلمة ـ ان يديم النظر إلى الوراء زمنياً، والذي يحصل هو توسعة المتديّن من حجم التاريخ ونطاقه، لانه ما دامت القيم والاصول تاريخية، أي انها في الماضي اذن فكل ماضٍ ديني من الممكن ان يختزن الاصول والقيم، وهذا معناه توسعة العقل الديني لنطاق التاريخ ليبدأ من حدود التجربة النبوية في الاسلام فيمتد إلى الصحابة ثم التابعين أو من تجربة الأئمة (ع) إلى تجربة الفقهاء والعلماء المتقدمين، فيتسع نطاق التاريخ ويُخلع عليه باجمعه لباس القداسة والقيمة، وهنا تبدأ المشكلة أو الاشكالية، تتراكم صور القداسة والقيمة يوماً بعد يوم لتحوّل هذا التاريخ ـ بمعناه الجديد ـ إلى خط أحمر فيصبح محظور التجاوز أو أحياناً محظور النقاش.
وفي هذا الجو يصبح من الصعب جداً على علم الكلام ـ وأي علم ديني آخر ـ أن ينهض ويقود ويصنع ويمارس فعلاً وانتاجاً جديدين، لان أي جهد فكري سوف يكون عرضةً للقضاء عليه في المهد اذا ما تجاوز هذه الخطوط الحمراء المصطنعة، ومن هنا تظهر حاجة ماسّة للقيام بخطوةٍ ما تخترق هذه الخطوط والحواجز لتكون مقدّمة لاطلاق الحرية للعقل في التفكير والإنتاج، ولا يبدو أن ثمة من قام بذلك على صعيد علم الكلام الشيعي المعاصر بقدر ما فعله العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي، وأخيراً السيد محمد حسين فضل الله عملياً، فقد كسر (فضل الله) هذا الحاجز النفسي والمعرفي، وأكد من الناحية النظرية ـ ومراراً ـ بأن الماضوية لا تمنح صاحبها أية قداسة أو فوقانية([12])، ولم تقتصر القضية عند السيد فضل الله على هذا الأمر ـ أي البعد النظري في المواقف ـ بل تعدّته إلى ترجمة عملية فقد قام بنفسه باختراق هذا النوع من الحواجز دون ان يأبه بشيء في بعض الأحيان([13]).
وحتى لو فشل السيد فضل الله في دفع الجسد العلمي الديني العام في اتجاه المزيد من تقدير العقل الحالي، لكن الظروف الثقافية العالمية وعولمة الثقافة سوف تصبّ ـ على المدى البعيد ـ في صالحه أو صالح هذا النوع من المشاريع، لان درجة الوعي العام بدأت بالاختلاف ربما وصولاً إلى حالة من الافراط، وهذا ما يعني ان المؤسسة الدينية سوف تُمنى بعزلة قاهرة إذا لم تعترف بهذا الواقع أو تواكبه حتى لو خسرت بعض القضايا والمواقع.
ولم يقتصر السيد فضل الله على الجانب الكلامي في مشروع الحدّ من تأثيرات هذا النوع من الخطوط الحمراء، بل يبدو أنه كان إطار عاماً يحكم طريقة تفكيره، وهذا معناه ان عملية التغيير لم تنطلق في هذه التجربة (تجربة السيد فضل الله) من منطلق كلامي، وانما من منطلق معرفي عام، فعلى صعيد علمي الفقه والاصول كان الامر كذلك، فنقد العلامة فضل الله للولاية التكوينية، والرجعة، وعلم المعصوم، واستبدال ذلك ببشرية النبي أو الإمام كان يقابله على الصعيد الفقهي والأصولي حكمه بتوسعة الحق الجنسي للزوجة، وجواز استمناء المرأة، واللعب بآلات القمار بلا مقامرة، واستماع الغناء غير المثير، ورفض نظرية تقليد الحي، والأعلم، وعدم تخصيص العام بمخصص بعيد زمناً، ورفض كل الآلية العقلية الفلسفية في علم الأصول وغير ذلك مما أشرنا له في الهامش، وهذا يعني أن الصورة لم تكن مجزّأة وهي نقطة ايجابية أخرى يمكننا أن نضيفها هنا، لأن التجزئة في مثل هذه القضايا لا تنتج عادةً سوى جُزُر من المشاريع لا تلبث فيما بعد أن تزول، فخدمة علوم اخرى من الضروري أن نعرف بأنها تساهم في خدمة علم الكلام، وهذا الفصل بين العلوم انما هو مرحلة ولا يعني انه فصل واقعي نهائي إلا بمقدار معين، وهذا هو ما نحتاجه فعلاً، أي تعميم الخطوة حينما تكون قابلة للتعميم، لان هناك عناصر مشتركة بين كافة العلوم الدينية لا يمكن القيام بإصلاح جزئي لها في دائرة علم واحد، لان هذا الاصلاح الجزئي ما يلبث أن يتلاشى امام ضغط الواقع الموجود في العلوم الاخرى التي لا تنفصل عن هذا العلم، أي ان المطلوب نوعٌ من الراديكالية والثوروية العقلانية في هذا الخصوص وعلى هذا الصعيد بالذات، وهو ما يمكن القول بان تجربة السيد فضل الله قد حققته بدرجةٍ معينةٍ.
وانما نقول بدرجة معينة لأن الوضع السياسي والاجتماعي اجبر السيد فضل الله على التراجع أو على اقل تقدير المراوحة، وفي ظن كاتب هذه السطور ان السيد فضل الله كان يهدف الى خطوات اكبر من هذه وأكثر ايغالاً في العمق لكنه لم يستطع بفعل مجموعة مؤثرات خارجية لا تعنينا.
 
دور التاريخ في الفكر الكلامي
لكن في المقابل يحقّ لنا إثارة التساؤل حول مدى صحة النزعة المفرطة في التنكرّ للماضي بما فيه ذاك الماضي الذي استجد عقب التجربة الأم وهي التجربة النبوية (المقدار المتفق عليه بين المسلمين)، وحصيلة تساؤلنا هل من الخطأ على مستوى علم التاريخ ان نقرأ حقبةً تاريخيةً ما ثم نفصلها عن كل الحقبات والظروف التي احاطت بها واعقبتها؟ هل يستطيع مؤرّخٌ أن يتناول حادثة اجتماعية كبرى ليقرأها ويتعرّف عليها بيد أنه يحصر مصادره في وثائق تعود الى نفس الحقبة والظروف؟ ألا يحق للمؤرخ الفاحص ان يستوحي من تداعيات هذه الظاهرة الاجتماعية في المراحل اللاحقة؟ الا تقوم علوم الحفريات بقراءة التاريخ من واقع حالي ولكن ضمن قوانين علمية محدّدة؟ لماذا كل هذا الحصر لقراءة التاريخ في حدود الجغرافيا الضيقة له؟ الا نستكشف ـ كعلماء اجتماع ونفس ـ من سلوكيات جماعة انماط تفكير قادتها في بعض الأحيان؟ اليس في ذلك توسعة ورحابة للقراءة ووسائل البحث؟…
اذا اردنا أن نكون منصفين يجب علينا ان نقرأ التبريرات التي يضعها التيار الآخر لتمسكه بهذا التاريخ العريض والموسّع، ولنكون واقعيين سنجد في كثير من الاحيان اجوبة غير واضحة المعالم علمياً بيد ان بعض الاجوبة تستدعي نوعاً من التوقف، فما طرحه السيد الشهيد محمد باقر الصدر في دراساته الأصولية فيما يخص نظريتي السيرة المتشرعية والسيرة العقلائية عبر عن تفسير متقدّم وعلمي للتمسك بدائرة تاريخية أوسع، وهكذا ما طرحه على صعيد الاجماع والشهرة بقطع النظر عن المصداق الميداني المتوفّر للصيغة النظرية التي قدّمها([14])، وهذا معناه انه ينبغي أن تكون هناك موازنة في نظرتنا للتاريخ الديني، فهناك تاريخ يحوي القيمة نفسها وهناك تاريخ يكشف لنا عن تلك القيمة، وهذا هو الفارق ما بين التاريخ النبوي والتاريخ الصحابي او التابعي على الصعيد السنّي وما بين تاريخ الائمة (ع) وتاريخ متشرعة وفقهاء الغيبة الصغرى على الصعيد الشيعي، فالتاريخ الذي يحمل القيمة والمضمون هو التاريخ الاول، أما التاريخ الثاني فهو تاريخ لا قيمة له من حيث ذاته وانما تكمن قيمته في انه يساعدنا على تكشف التاريخ الأوّل.
ولعل هذا الأمر كان مركوزاً في وعي العلماء والمتكلمين والفقهاء إلى ان صاغه بدقة كبار علماء أصول الفقه المتأخرون لا سيما الشهيد محمد باقر الصدر وآخرون، بيد أن المشكلة في ان ما يعتقد به نظرياً لم يكن ليتم الأخذ به عملياً ولو لغفوة، فالعالم الديني أو الفقيه كان يقرّر في الصورة النظرية نوعاً من التميّز في النطاق التاريخي أحياناً لكنه ـ وتحت تأثير عوامل مختلفة ـ كان يخضع للتاريخ بنحو شبه إطلاقي.
والذي يبدو لدى تحليل موقف السيد فضل الله هو أنه كان يهدف إلى تجاوز هذا النوع من الازدواجية الميدانية، ولم يكن ليقرر نظرياً حصر الامتداد المعرفي بالتاريخ النبوي مثلاً، والذي يشهد لنا على ذلك أنه آمن على مستوى مواقفه الاصولية بفكرة جبر الخبر الضعيف بعمل مشهور المتقدمين ووهن الخبر الصحيح بإعراضهم، وهذا معناه أنه ما يزال يتحرّك ضمن الدائرة بدرجةٍ من الدرجات نظراً لكون هذين المبنيين يستبطنان الاعتراف بكاشفية الحقبات التاريخية الاخرى عن الحقيقة الدينية.
اذن فالخطوة التي قام بها السيد فضل الله كانت في دعوته نظرياً وطرحه وشفافيته وبتكرارٍ متواصل وممارسته عملياً إلى حد كبير فكرة اسقاط القداسة عن كل التاريخ واعادة نشر هذه القداسة والقيمة في المساحات المحددة لها([15]).
وليس ثمة شك جوهري ـ بنظر الكاتب ـ في ان نفوذ هذا النمط من التفكير في علم الكلام سوف يعيد انهاضه، إذ سوف يتلاشى تدريجياً اكثر من عامل نفسي واجتماعي كان له دور في إعاقة فتح باب الحوار والجدل حول موضوعات كثيرة، ومن المؤكد على ما يبدو ان إعادة فتح باب الجدل الداخلي ـ لا الجدل بين اكثر من طرف ـ سيكون له اكبر الاثر في تطوير وتنمية علم الكلام دون ان ننئى به عن العديد من السلبيات سيما في المراحل الانتقالية الاولى التي تستدعي عيوباً اعتيادية مترقبة.
 
3 – منهج قراءة النصوص الكلامية
عندما نريد الحديث عن منهج قراءة النص الكلامي فقد يبدو الأمر غير واضح في البداية، فقراءة النص هي في نهاية المطاف قراءة نص، قد لا يكون هناك ميزة لمضمونه عند الحديث عنه كنص، فسواءٌ كان نصاً دينياً فلسفياً أو كلامياً أو فقهياً او اخلاقياً فإن منهج قراءته يبقى واحداً خاضعاً لطبيعة التعامل مع نص، فتارة نتكلم عن التعامل مع الفكرة التي يحكي عنها النص واخرى نريد ان نقرأ النص نفسه، ومن الممكن ان تكون قراءتنا للفكرة متفاوتة تبعاً لتفاوت الفكرة من حيث طبيعة انتمائها الى فرع علمي معين، اما حينما يكون الحديث عن نص فإن آليات الفهم يفترض ان تكون واحدة.
هذا ما قد يجري تصوّره في البداية، لكن الواقع التاريخي لم يكن على هذا المنوال، فإذا اردنا قراءة نص تاريخي فإن المؤرخ يستخدم آلية في قراءته لهذا النص تختلف عما يقوم به الفيلسوف عندما يقرأ نصاً دينياً فلسفياً، والسبب في ذلك هو ان الفيلسوف مثلاً حينما يقرأ النص الديني الذي يعنيه يفترض في لاوعيه ـ على أقل تقدير ـ ان مخزوناته المعرف


الموقف في ظل الدولة الشرعية و المرجعية القائدة

24 يونيو 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

 

من حصائل الصراعات الفكرية بين حضارتنا الإسلامية و الحضارة الغربية الوافدة ، أن تطور أسلوب الدراسات النظرية الإسلامية ، و تطور نمط البحوث العلمية في المراكز و الجامعات الإسلامية ، حيث اخذ يتجاوز الأطر التقليدية في الدرس الشرعي المقصور على دراسة الكتب المقررة حوزوياً ، و الدوران في فلكها توضيحاً و تحشية و شرحاً ، إلى مس واقع حياة المسلمين الراهن ، و تحسس مشكلاتهم الاجتماعية على اختلاف ألوانها ، فكان أن امتزجت الفلسفة القديمة بالفلسفة الحديثة في خط مقارنة بينهما ناقدة و منتجة ، فقرأنا في مقدمة هذا كتاب ( فلسفتنا ) للشهيد الصدر ( قدست نفسه الزكية ) ، و كان ان طارح الفكرُ الاقتصادي الإسلامي الفكر الاقتصادي الرأسمالي و الفكر الاقتصادي الاشتراكي ، و من اضخم ما مثّل هذا و خرج بنتيجة انتصار الفكر الاقتصادي الإسلامي كتاب ( اقتصادنا ) للشهيد الصدر أيضا .
و كان ان رأينا الفقيه المرجع الذي حرّمت عليه قيود الحوزة الكلاسيكية و ضغوطها الدخيلة التطرق للسياسية حتى من خلال الكلمة الشفوية ، لان رجل الدين ـ كما يقول التخدير الاستعماري ـ لا علاقة له بالسياسية ، و لا تدخل له فيها ، يحاضر في موضوع الحكومة الإسلامية ، و تدون محاضراته و تنشر و تقرأ و يرجع إليها ، و ذلك ما كان في الكتاب الثائر ( الحكومة الإسلامية ) للإمام الخميني ( طيب الله ثراه ) .
إن هذا التطور في مجال الفكر الديني طرح و في قلب الساحات العلمية اكثر من قضية من قضايانا المعاصرة التي لم يقدر لها أن درست من قبل .
و لأنها أصبحت موضع حاجة و مما تعم به البلوى ـ كما يطلق عليها في لغة الفقه ـ يكون البحث فيها و دراستها دراسة وافية أمرا ضرورياً ، و ملحاً في ضرورته .
و من هذه القضايا مسألة الدولة و موقف الفرد المسلم مجتهداً و مقلداً تجاه ما تصدره من احكام دستورية و أنظمة أخرى تتفرع عنها .
و أيضا منها مسألة المرجعية و تحديد مفهومها تحديداً حياً يلتقي و متطلبات حياة المسلمين المعاصرة بكل ما تطورت إليه و بكل ما حدث فيها من تغيرات جذرية و هامشية .
من هنا كنت قد طرحت هاتين المسألتين في اكثر من محاضرة عامة و اكثر من ندوة فكرية عامة .
و لأني رأيت مجلة « الفكر الجديد » قد تبنت عن طريق الأقلام الواعية التي أسهمت بالكتابة فيها هذا الطرح آثرت أن اطرح حصيلة الفكرة على صفحاتها آملاً أن تكون بداية جادة لبحث هذا الموضوع الهام الذي يمس حاضر الأمّة و مستقبلها .
و بدءاً لا أراني بحاجة إلى أن أوضح أن المراد بالدولة الحكومة الشرعية في رأي الفقه الإسلامي ، و ان المراد بالمرجعية الزعامة الدينية عند الشيعة الإمامية ، لوضوح ذلك من قرائن و ملابسات الموضوع .

تحرير المسألة :
و وفقاً لمنهج البحث الفقهي لابد من تحرير المسألة ، أو تنقيح الموضع ـ كما يعبر عنه في لغة الفقهاء ـ و ذلك لما يلقيه تحديد الموضع و توضيح المقصود منه من أضواء كاشفة تساعد الباحث في وضع خطوات البحث ، و السير الواعي في طريق الوصول إلى الحكم .
على أساس من هذا نقول : إن من الأحكام الشرعية ما تناط مسؤولية تشريعها و تطبيقها بالدولة ، تقوم الدولة عن طريق السلطة التشريعية المؤلفة من مجلس أو هيئة الفقهاء بتقنين مواد هذه الأحكام دستوراً و أنظمة ، ثم تقوم بتطبيقها عن طريق السلطة التنفيذية المؤلفة من الوزارات و فروعها .
و منها الأحكام الأخرى الفردية التي تخص الإنسان المسلم بصفته الفردية لا باعتباره مواطناً و عضواً في مؤسسة الدولة ، و هذه كأكثر العبادات ، و غير قليل من المعاملات .
و هنا يطرح السؤال الذي يحرر المسألة بتحديد نقطة و مرتكز البحث ، و هو : هل على المواطن في مثل هذه الحال إذا كان مجتهداً أن يعمل وفق اجتهاده حتى لو خالف اجتهاده حكماً من أحكام الدولة المشار إليها ، أو يعمل بحكم الدولة باعتباره مواطناً لان أحكام الدولة تسري على كل مواطن و تنفذ في حق جميع المواطنين دون استثناء .
وكذلك إذا كان مقلداً و اختلف رأي مرجعه في التقليد مع حكم الدولة ، هل له ان يعمل وفق تقليده أو عليه الأخذ بحكم الدولة ؟
هذا إذا كانت هناك دولة شرعية تتولى شؤون الأحكام العامة تشريعاً و تنفيذاً .
و إذا لم توجد دولة شرعية و كانت هناك مرجعية تقوم بدور القيادة العامة لكل أبناء الأُمّة الذين هم خارج حدود الدولة الشرعية .
فهل على الأفراد من مجتهدين و مقلدين الأخذ بحكم المرجعية في القضايا العامة حتى لو خالف اجتهادهم أو تقليدهم ؟
هذا هو تحرير المسألة ، و هو يتطلب منا منهجياً قبل الدخول في الخطوة التالية من خطوات البحث أن نوضح مجالاتها ، و هي :
1 ـ قد يعيش الإنسان المسلم في ظل دولة شرعية .
2 ـ قد يعيش في ظل دولة غير شرعية .
3 ـ و في الحالة الثانية قد تكون هناك مرجعية قيادية ، و قد لا تكون ، أي إنّه يعيش في كنف فقهاء مفتين لا يتمتعون بوظيفة الزعامة الدينية لافتقادهم مؤهلاتها و شروطها .
و في ضوئه يكون موضع السؤال المطروح هو فيما إذا كان الإنسان المسلم يعيش في ظل دولة شرعية ، أو في ظل زعامة دينية .
ثم يتفرع على السؤال سؤال آخر يرتبط بتحرير المسألة أيضاً ، و هو : ان الإنسان المسلم الذي يعيش خارج حدود الدولة الشرعية هل تشمله أحكام الدولة الشرعية ؟
أ ـ في حالة وجود زعامة دينية خارج حدود الدولة .
ب ـ في حالة عدم وجود زعامة دينية .
و نجلّي الموضوع أكثر ببعض الأمثلة :
* لو أصدرت الدولة قرارا بمقاطعة شركة من الشركات الأجنبية ، فهل على المسلمين الذين يقطنون خارج حدود الدولة الالتزام بهذا القرار ؟
* لو تعرضت الدولة الشرعية لاعتداء عسكري من طرف محارب . فهل يجب على المسلمين الذين يقطنون خارج حدود الدولة المبادرة و إعلان النفير لمناصرتها عسكرياً و الدفاع عنها ؟
أم يكفي المناصرة من مواقع أخرى و ذلك عن طريق الدعم المادي و الإعلامي و بعبارة أخرى هل يجب الوقوف دائماً في الخط الأول للجهاد دفاعاً عن دولة الإسلام و ان لم يكن الفرد المسلم يتمتع بالحقوق و الامتيازات في حدود تلك الدولة و لم يساهم في صياغة النظام من خلال البيعة و نحوها .
أم يكفي الوقوف في خطوط خلفية أخرى و إسناد الدولة الشرعية في معركتها ضد أعدائها .

تاريخ المسألة :
لم يقدر لهذه المسألة و أمثالها إن بحثت بحثاً كافياً و وافياً يلم كل أطرافها و يشمل جميع فروعها .
اللهم إلا ما ذكر استطراداً أو بشكل مقتضب حول نفوذ حكم المجتهد على غير مقلديه من مجتهدين و مقلديهم .
و يرجع هذا إلى أن هذه المسألة لم تكن ـ سابقاً ـ مما تعم به البلوى .
و سبب كونها من المسائل غير المبتلى بها يعود إلى :
1 ـ عدم وجود دولة شرعية بالمعنى الخاص ، و عدم وضوح المرجعية لأن أمر تحديد وظائف المرجع كانت مرتبطة باجتهاده و رؤيته لواقع الحياة حوله .
2 ـ الثقافة الغربية و دور الإعلام في طمس معالم أمثال هذه الأفكار و المفاهيم في ذهنيات أبناء المسلمين .
أما الآن فالوضع يختلف تماماً عما سلف ، و ذلك لوجود الدولة الشرعية ، و تبلور مفهوم المرجعية إلى ما يتمش و متطلبات الحياة المعاصرة في أذهان الفئات المثقفة و الواعية بتأثير الصحوة الإسلامية المعاشة .
و من هنا كان على البحث الفقهي أن يثيرها و يعالجها استدلالاً و فتوى ، و على الدرس الفقهي أن يدرجها ضمن مواده العلمية و مقرراته الدراسية .

منظور المسألة:
و أنا هنا لا أروم الإفتاء لأنه من شأن و اختصاص المعنيين به و المسؤولين عنه .
و إنّما أحاول ـ و محاولة متواضعة ـ أن أثير الحوار و النقاش في المسألة و حولها ، ليكون هذا نقطة الانطلاق في محاولة الوصول إلى النتيجة .
والقضية لا تنتهي ـ فيما أرى ـ في فتوى يصدرها فقيه وفق ما يصوره المستفتي له من واقع ، لانها اوسع و اعمق من هذا ، فهي تفتقر ـ و بكل إصرار ـ إلى دراسة علمية متأنية و شاملة .
وقد نفيد في بحثها من :
* مبدأ تقديم المصلحة العليا للإسلام و المصلحة العامة للمسلمين على المصلحة الخارجية .
هذا المبدأ المستفاد من مجموعة حوادث متفرقة هنا و هناك في التاريخ و الفقه ، و اعطت بتجميعها هذا المبدأ العام .
* مبدأ سيرة العقلاء .
ذلك أن تاريخ الأنظمة على مختلف مديات الحياة البشرية يعطي أن أحكام الدولة نافذة على الجميع ، و ان حكم الحاكم العادل الذي لم يجانب الصواب و العدل الاجتماعي جائز في حق الكل .
و عليه نقول :
1 ـ في ظل وجود دولة شرعية لا نحتاج إلى مرجعية قيادية ، و ذلك لان الدولة تقوم بمهمة القيادة .
و ان حكم الدولة نافذ على الجميع مجتهدين و غير مجتهدين .
و ان هذا لا يمنع من وجود مراجع تقليد يرجع إليهم في الأحكام التي لا تتعارض و أحكام الدولة ، كأكثر العبادات و غير قليل من المعاملات ـ كما ألمحت آنفاً .
2 ـ خارج حدود الدولة الشرعية لابد من وجود مرجعية قيادية «زعامة دينية» تتمثل :
أ ـ أما في شخص مجتهد واحد يتمتع بمؤهلات القيادة ، يتولى إصدار الفتاوى في الشؤون العامة ، و تنفذ فتاواه في حق الآخرين مجتهدين و غير مجتهدين .
و في غير الشؤون العامة يرجع إلى المجتهدين الآخرين الذين هم مراجع تقليد فقط أن كان لهم مقلدون .
ب ـ و أمّا في شخصية مؤسسة تتألف من اكثر من مجتهد و خبير و مستشار ، تتولى إصدار الأحكام في الشؤون العامة و متابعة قضايا المسلمين الفكرية و الاجتماعية و السياسية .
و بهذا ـ إن تم علمياً ـ تتحقق للمسلمين ، و بخاصة اتباع مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) منهم وحدتهم و مصلحتهم في الحق و الحكم .
و الله تعالى ولي التوفيق و هو الغاية .


الخطاب العاشورائي قراءة في المفهوم والمصادر

22 يونيو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

إنَّ الجمهور العام معنيّ بأن يفتح عقلهويقيّم كلّ ما يُلقى عليه، فأنتم، أيُّها الأحبّة، لستم مجرّد أشخاصٍتستمعون وتصدّقون كلّ ما يُلقى عليكم، أنتم أجلّ من ذلك، علينا جميعاً أننكون أصحاب عقلٍ ووعي وتحليل .

 
نبالغ عندما نقول إنّ نهضة الإمام الحسينكانت نهضةً إنسانيّةً بامتياز، إنسانيّةً في أهدافها ومنطلقاتها وفكرها ورسالتها، وهي تحمل كلّ عناصر الفكر الإنسانيّ، وكلّ القيم الإنسانيّة المتسامية. وإنَّ النّهضة الإنسانيّة بحاجةٍ في استمراريّتها ودوام تأثيرها، إلى خطاب إنسانيّ يحمل قيم هذه النّهضة، ويبشّر بها وينشرها بين النّاس، فإذا ما افتقدت أيّ نهضة مثل هذا الخطاب الإنسانيّ، فإنّها بالتّأكيد ستنتهي وسيؤول أمرها إلى الزّوال .
والسّؤال : هل إنّ الخطاب العاشورائيّ ارتقى إلى مستوى هذه النّهضة ومشروعها وحمل قيمتها الإنسانيّة ورسالتها الإسلاميّة ؟
الإنصاف يقتضي منّا القول بأنَّ الخطاب العاشورائيّ، رغم إيجابيّاته الّتي لا يمكن إنكارها، لم يرق إلى مستوى النّهضة، بل إنّه عرف الكثير من الإخفاقات والسّلبيّات.
 
الخطاب العاشورائيّ :
وفي البدء، لا بدّ من أن نشير إلى أنّ الخطاب العاشورائيّ، لا نقصد به ما يتلوه قارئ العزاء أو الخطيب الحسينيّ فحسب، فما يتحفنا به قارئ العزاء، هو جزء مهمّ ومصداق بارز لهذا الخطاب العاشورائيّ، لكنّه لا يختصره، بل إنّ كلَّ جهدٍ شفهيّ أو كتابيّ، سرديّاً كان أو تحليليّاً، أدبيّاً أو نثرياً، قصصيّاً أو فنيّاً… إنّ كلّ جهدٍ إنسانيّ من هذا القبيل، هو خطاب يعكس هذه النّهضة وأهدافها.
وفي ضوء ذلك، يغدو كلُّ واحدٍ منّا معنيّاً بهذا الخطاب ومنتجاً له، فعندما تشرح لصديقك معنى النَّهضة وأهدافها وشخصيَّة رجالاتها، فأنت تقوم بخطابٍ عاشورائيّ، وكذلك الأستاذ الّذي يشرح لطلابه أهداف هذه النَّهضة الإنسانيَّة، والفنّان الّذي يرسم بريشته لوحةً لمشهدٍ عاشورائيّ، أو الفنّان الّذي ينتج فيلماً عن هذه النّهضة… إنّ هؤلاء يساهمون في تقديم خطابٍ عاشورائيّ .
في ضوء هذا البيان والتّعريف للخطاب العاشورائيّ، لا يشكلنَّ أحدٌ علينا بأنّه ما الدّاعي لطرح قضيّة الخطاب العاشورائيّ من على هذا المنبر الّذي يخاطب الجمهور العام، فهذا الإشكال ليس في محلّه :
أولاً : لأنّنا كلّنا معنيّون بالخطاب العاشورائيّ، وكلّنا يمكن أن نساهم في تقديمه، كما أسلفنا.
ثانياً : لأنّ الجمهور العاشورائيّ لا يجوز أن يبقى جمهوراً مستمعاً ومتلقّياً فحسب، بل لا بدَّ من أن يكون جمهوراً مشاركاً بفاعليّة، وعندما يستمع، فعليه أن يستمع بعقلٍ مفتوح وبأذنٍ واعية… ففي الحديث عن أبي جعفر: " من أصغى إلى ناطق فقد عبده ، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله ، وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان ، فقد عبد الشيطان " .
إنَّ الجمهور العام معنيّ بأن يفتح عقله ويقيّم كلّ ما يُلقى عليه، فأنتم، أيُّها الأحبّة، لستم مجرّد أشخاصٍ تستمعون وتصدّقون كلّ ما يُلقى عليكم، أنتم أجلّ من ذلك، علينا جميعاً أن نكون أصحاب عقلٍ ووعي وتحليل.
 
مزايا الخطاب العاشورائي :
في ضوء هذا التّعريف للخطاب العاشورائيّ، أدخل الآن إلى تقييمه، فكما قلت، إنّه يحمل الكثير من الإيجابيّات، ويمتلك الكثير من العناصر الجيّدة :
الإيجابية الأولى : أنَّه يمتلك قدرةً على الاستقطاب الجماهيريّ قلَّ نظيرها، فقد لا تجد شخصاً مهما كان متفوِّهاً يستطيع أن يستقطب النَّاس كما يستقطبهم الخطيب الحسينيّ والمنبر الحسينيّ، وقد لا يكون منشأ هذه القدرة على الاستقطاب هو قوّة الجذب في الخطاب العاشورائيّ، بل المنشأ هو حرارة القضيَّة، "إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لن تبرد أبداً  "، هذه الحرارة هي الّتي تمتلك هذه القوَّة من الجذب.
الإيجابية الثانية : هي دوره الاستنهاضيّ والتَّعبويّ، فهو كان ولا يزال قادراً على استنهاض الأمَّة وتعبئتها، ودفعها نحو الحركة والثَّورة، وربَّما في هذا السّياق، جاءت كلمة الإمام الخميني المعروفة: "كلّ ما عندنا فهو من كربلاء ومن عاشوراء".
الإيجابية الثالثة : فهي دوره الثَّقافيّ والتَّنويريّ، فنحن لا ننكر أنَّ بعض الخطباء العاشورائيّين والعلماء المفكّرين، ممن تحدَّثوا وكتبوا عن الثَّورة الحسينيّة، يمتلكون خطاباً تنويريّاً تثقيفيّاً، ولعلّ صاحب هذا المنبر، العلامة الرّاحل والفقيه المجدّد، السيّد محمد حسين فضل الله، كان إمام التّنويريّين في هذا العصر بامتياز.
هذه، أيّها الأحبة، بعض الخصائص الإيجابيّة للخطاب العاشورائيّ .
 
السّلبيَّات والثَّغرات :
وإلى جانب هذه الخصائص الإيجابيَّة، هناك إخفاقات وسلبيّات، لا بدَّ من أن نشير إليها بهدف تلافيها وتصحيحها، بما يخدم أهداف النّهضة الحسينيّة :
السلبية الأولى : إنَّ هذا الخطابَ لا يزال في الأعمِّ الأغلب خطاباً مذهبيّاً، يحبس الإمام الحسينونهضته في إطارٍ مذهبيٍّ ضيِّقٍ، ليغدو إمام الطّائفة وإمام الجماعة، وليس إمام المسلمين، فضلاً عن أن يكون إمام الإنسانيّة.
السلبية الثانية : إنَّ هذا الخطاب لا يزال خطاباً عاطفيّاً بامتياز، ويطغى عليه المنحى العاطفيّ الّذي يستهدف إبكاء النّاس، ليغدو ذلك هدفاً للخطيب الحسينيّ، ومقياساً لنجاحه.
السلبية الثالثة : إنَّ الخطاب العاشورائيّ يعتمد التَّسامح والتَّساهل في العرض التَّاريخيّ، ليس هناك في الأعمّ الأغلب تدقيقٌ في مصادر التَّثقيف العاشورائيّ، ولعلَّ غلبة المنحى العاطفيّ المشار إليه، هي الّتي أدَّت إلى التَّسامح في قراءة المصدر التَّاريخيّ، لأنَّه إذا كان الغرض هو إبكاء الجمهور، فلا بدَّ من أن يتوسَّل الخطيب كلَّ شيءٍ يستدرّ الدَّمعة، بصرف النَّظر عن صحّته أو عدم صحّته.
أيّها الأخوة، ما أبتغيه في هذه الكلمة، هو التَّركيز على هذه السلبيَّة الثَّالثة، أي التّسامح في مصادر الخطاب العاشورائيّ، لأنّي أعتقد أنَّ لهذا الأمر سلبيَّاتٍ كثيرةً ونتائج خطيرة على الوعي وعلى صورة الإمام الحسين وهدفيّة ثورته.

لهذا، لابدّ لي أوّلاً من أن أبيّن ما هي المصادر الصّحيحة والمعتبرة للثّقافة الحسينيّة والعاشورائيّة، ثم أبحث ثانياً عن المصادر غير المعتبرة :

 

المصادر المعتبرة للثقافة العاشورائية :
أمّا المصادر المعتبرة، والّتي ينبغي أن تتثقّف الأمَّة على أساسها، لأنَّ التّثقيف مسؤوليّة، وهي مسؤوليّة مشتركة بين الخطيب الّذي يقوم بتثقيف النّاس، والمستمع الّذي لا بدَّ له من أن يعرف كيف يتثقَّف وعمَّن يأخذ ثقافته، فإنَّ المصادر المعتبرة للثّقافة العاشورائيّة وللثّقافة الإسلاميّة عموماً هي :
الأولى : القرآن الكريم ويأتي على رأس هذه المصادر، فهو المصدر الأوّل للثّقافة الإسلاميّة، بل يمتاز بأنّه المرجع الّذي تُحاكم على ضوئه كافّة المصادر مما ستأتي الإشارة إليها.
وإذا لم يكن هناك شكٌّ في أنَّ القرآن الكريم هو مصدر الثَّقافة الإسلاميَّة الأوّل، فإنَّ المهمّ أن نعرف كيف نفهم القرآن، وكيف نقدّمه إلى النّاس، لأنّ البعض ربما يفتح بعض الأبواب في تأويل القرآن، مما هي في حقيقتها خروجٌ عن ظاهر القرآن، بل ربّما كانت تحريفاً للقرآن. فمثلاً، تسمع في بعض الأحيان من يفسِّر لك قوله تعالى في "كهيعص": الكاف هي كربلاء، والهاء هلاك العترة، والياء يزيد، والعين عطش الحسين، والصّاد صبر الحسين… ونحن نتساءل: ما مصدر هذا الكلام؟ فإنَّ القرآن الكريم ليس ألغازاً ولا أحاجي، القرآن الكريم هو بيان وتبيان للنّاس، كما هو نصّ الآيات الكريمة، وهل أئمّة أهل البيت اعتمدوا هذا المنهج التأويلي في تفسير القرآن؟ بالطّبع لم يعتمدوا هذا المنهج. عندما سُئل بعض الأئمّة: إنّ بعض أصحابك يقولون في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90]: فهل الخمر والميسر يقصد بهما رجال، واجتنبوه يعني اجتنبوا فلاناً وأبغضوا فلاناً؟.. فماذا علّق الإمام؟ قال: " ما كان الله ليخاطب خلقه بما لا يعلمون " ، أي إنَّ الله أجلّ من أن يخاطب قومه بما لا يعقلون وما لا يفقهون. إذاً القرآن الكريم هو المصدر الأوّل للثّقافة الإسلاميّة.
ثانياً : المصدر الثّاني للثّقافة العاشورائيّة الإسلاميّة هو السنّة، وأقصد بالسنّة هنا ما يشمل السّيرة والتّاريخ الصّحيح، ولكن حتَّى يجدر بنا أن نثقِّف النَّاس بالسنَّة، لا بدَّ من التوثّق منها، وأن تكون معتبرة.
والاعتبار هنا، أيّها الأحبّة، ليس بالضّرورة أن يكون بالمعنى الفقهيّ للاعتبار، يعني أن نمتلك حديثاً صحيحاً يرويه الثّقاة، لأنّه إذا كان الأمر على هذه الشّاكلة، فأكثر الخطباء لا بدَّ من أن يتوقّفوا عن صعود المنبر، إذ كلّ روايةٍ أو قصّةٍ يراد نقلها، لا بدَّ من أن تكون واردةً في سندٍ صحيح، وهذا ما لا يتيسّر غالباً.
بل إنّنا قد نكتفي بالاعتبار التّاريخيّ عندما لا تتّصل القضيّة بمفهومٍ عقيديّ أو حكمٍ شرعيّ، ونقصد بالاعتبار التّاريخيّ، أن يكون للحادثة الّتي ننقلها إلى النّاس مصدر تاريخي معتبر.
ولكن عندما نقول بأنّ السنّة هي مصدر للثّقافة العاشورائيّة، فإنَّ لذلك شروطاً وضوابط، فالخبر والسنّة والحديث المعتبر، إنَّما يكون حجّةً بشرط أن لا يعارض كتاب الله، ولا يعارض العقل الفطريّ، ولا يعارض المسلّمات العلميّة، فالخبر الّذي يعارض القرآن الكريم لا يساوي فلساً، حتّى لو كان صحيح السّند، فضلاً عمّا إذا لم يكن صحيح السّند.
ولهذا، لا بدَّ من أن نتوثّق من الأخبار لتكون منسجمةً مع المفاهيم القرآنيّة، عندما يقدّم لنا الخطيب حديثاً أو قصّةً فيها ما يهتك حرمة الإمام الحسينوينافي عزّته وكرامته، فلا يمكن قبول ذلك.
إنّ أيّ خبرٍ يخدش حرمة مؤمنٍ عاديّ، فضلاً عن أن يخدش حرمة نبيّ أو وليّ، يُضرب به عرض الحائط، لأنّه يُنافي الكتاب الكريم الّذي أكّد كرامة الإنسان وعزّة الرّسول وكرامة المؤمن: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70]، ﴿وَلِلَّـهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8].
عندما يأتيني خبر على سبيل المثال يذمّ بعض الأقوام وبعض الشّعوب وبعض الأعراق، هذا لا بدّ من طرحه، يوجد لدينا بعض الرّوايات تقول: "إنّ الأكراد حيّ من الجنّ كُشف عنهم الغطاء"، فمثل هذه الأخبار تنافي روح القرآن ومفاهيمه الأصيلة الّتي جاءت لتقول: لا فرق بين مسلمٍ وآخر، بين إنسانٍ وآخر، إلا بالتّقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13].
وهكذا، لا بدَّ لأيّ خبرٍ من أن لا يتنافى مع معطيات العقل الفطريّ، فالخبر الّذي تشعر بأنّه يتنافى مع فطرتك، عليك التأكّد من صحّته. طبعاً هنا لا بدّ من أن ننتبه إلى أنّ المعيار في رفض الخبر ليس مخالفته للذّوق أو الاستحسانات الخاصّة، وإنّما المعيار هو العقل الفطريّ، والفطرة السّليمة المودعة في الإنسان، والّتي كانت إحدى وظائف الأنبياء أن يحرّكوها. جاء في نهج البلاغة عن الإمام عليّوهو يحدّد وظائف الأنبياء تجاه الأمّة، يقول: "ويثيروا فيهم دفائن العقول"، يعني أن َّالعقل قد يعلوه الغبار والصّدأ، ويأتي النبيّ ليثير هذه الدّفينة وهذا الكنز الّذي اسمه العقل أو الفطرة.
فهذا إذاً معيار، وعندما نطرح سيلاً من الأحاديث والأخبار على النّاس ولا نتوثّق منها، ولا نطابقها مع مفاهيم القرآن، فإنَّ على النّاس أن تتصدّى لذلك، وأن تُحاكم، وأن لا تستسلم لكلّ ما يُلقى عليها.
هذه إطلالة سريعة على أهمّ المصادر المعتبرة للثّقافة العاشورائيّة والإسلاميّة.
 
المصادر غير المعتبرة :

أنتقل إلى الحديث عن المصادر غير المعتبرة في الثّقافة العاشورائيّة، والّتي يعتمدها الكثيرون من الخطباء والمتكلّمين الحسينيّين، من قرّاء العزاء وغيرهم.

 

ومن هذه المصادر:
أولاً : الأخبار والرّوايات غير الموثّقة ، والّتي ليس لها اعتبار فقهيّ، ولا اعتبار تاريخيّ، كما هو الحال في كثيرٍ من أخبار كتاب "أسرار الشّهادة" للدّربندي، أو غيره من الكتب الّتي يعتمدها بعض قرّاء العزاء، وينقلونها إلى النّاس دون تثبت، مع أنّ وجود الرّواية في كتاب معتبرٍ ـ فضلاً عن أن يكون غير معتبر ـ ألّفه عالم جليل لا يعني أنّها معتبرة، كما هو الحال في روايات بحار الأنوار، حيث إنّ العلامة المجلسي هو نفسه لا يضمن صحّة أخبار كتابه، بل قد يقول: "وجدْتُ في كتابٍ قديم"، فهو نفسه يشهد بأنّ مصادر كتابه ـ فضلا عن رواياته ـ  ليست بأجمعها معتبرةً، ومجرّد أنّ الرّواية مذكورة في البحار أو غيره، لا يبرّر لك أن تأتي وتثقّف الناس بها..
أجل، إنّ بعض الأخبار قد لا يكون لها إسناد بالمعنى المعروف فقهياً، لكنّها تمتاز بقوّة في مضمونها، ولها كيمياء خاصّة، وعليها حلاوة تشهد بصدورها عن الإمام، وقد ورد في بعض الرّوايات: "إنّ على كلّ حقٍّ حقيقةً،وإن على كلّ صوابٍ نوراً"، فإذا كان للكلام هذه القوّة في المضمون، وكان منسجماً مع القرآن، حينئذٍ يمكن أن أطرحه على النّاس وأنقله إليهم وأثقّفهم به، أمّا الأخبار الّتي لا تملك اعتباراً فقهيّاً، ولا اعتباراً تاريخيّاً، والتي لا تملك هذه القوّة في مضمونها، لا يجوز أن أثقّف النّاس بها. ومن الغريب أنّ بعض الخطباء يسندون بعض القصص والأخبار إلى "أرباب المقاتل" دون تثبّت، أو يقول لك: حدَّثَ بعض الخطباء، فيصبح المصدر هو بعض الخطباء، خطيب ينقل عن خطيب؛ إنّ هذا ليس مصدراً معتبراً لنقل الرّواية ولبناء الثّقافة الإسلاميّة.
ثانياً : المنامات ؛ حيث نلاحظ أنّ بعضهم يكثر سرد المنامات على المنابر، ويستشهد بها ويثقّف الناس بها، فهل المنام حجّة شرعاً، أو هل يمكن أن يشكّل مصدراً للثّقافة الإسلاميّة ؟
والجواب : إنّ منام النبيّ هو وحي، فعندما يرى النبيّ إبراهيم في منامه أنّه يذبح ابنه، فهذا وحي من الله، ولكنّ منامي أنا أو أنت، هل هو حجّة شرعاً، وهل يشكّل مصدراً للثّقافة الإسلاميّة؟ الجواب: كلا، هو ليس حجّةً شرعاً، فالأحكام الشّرعيّة لا تؤخذ من المنامات. فقد ورد في الحديث عن الإمام الصّادق، وهو صحيح السّند، وقد سئل عن بعض الأمور العباديّة الّتي رُئِيَتْ في المنام، فقال: "إن دين الله أعزّ من أن يُرى في المنام". ولذلك ينقل عن الشّيخ جعفر كاشف الغطاء: "إنّ الأحلام ليست شواهد الأحكام، باتّفاق علماء الإسلام".
هذا بالنّسبة إلى الأحكام الشّرعيّة، وهكذا الحال في التثقيف العام، في المفاهيم، في الأخلاق، لا يمكن اعتماد المنام كحجّةٍ أو دليل، ولا سيّما أنّ المنام بحاجةٍ إلى من يعبّره لنا، بحيث يكون عندنا شخصٌ مثل يوسفالّذي خصّه الله بقدرةٍ على تفسير الرّؤى والأحلام، ولذا عندما رأى العزيز سبع بقراتٍ سمان يأكلهنّ سبع عجاف، لم يستطع أحد سواه تعبير هذا المنام. على أنّ بعض المنامات ليس لها تعبير، وإنّما هي مجرّد أضغاث أحلام، كما ينصّ القرآن الكريم، لهذا لا يمكن لي أن أقف على منابر المسلمين وأطرح عليهم سيلاً من المنامات الّتي لا يُعرف من رآها، وهل لها اعتبار أم لا، وهي ليست ذات اعتبار، وإن كانت قد تصلح لأن تكون بشائر أو نذراً، كما جاء في بعض الرّوايات. فعلينا أن نحاذر جيّداً من هذا الأمر.
ثالثاً : ومن المصادر غير المعتبرة بحسب اعتقادي، أو الّتي لا بدَّ من التأمّل فيها، هي محاولة تثقيف الأمّة بما يُعرف بأخبار العجائب والغرائب والكرامات. بدايةً ، اسمحوا لي بأن أقول: إنّنا نؤمن بمنطق المعجزة والكرامة، فالقرآن الكريم حدّثنا عن معاجز الأنبياء، فلا بدَّ من أن نؤمن بذلك، ولا نتردّد فيه، فما نصّ عليه القرآن ـ مثلاً ـ نقبله بدون تردّد، لكن الّذي يحصل في كثيرٍ من الحالات هو التوسّع في نقل الكرامات، والإسهاب في تثقيف النّاس بها، والاستشهاد بها بهدف إثبات حقانيّة عقيدتنا أو مذهبنا، ولذا يتمّ الحديث عن أنّ فلاناً حصل معه كذا، وفلاناً شفي في المكان الفلانيّ وما إلى ذلك؛ هل هذه الطّريقة صحيحة؟ أنا لي عدّة ملاحظات على اعتماد هذا الأسلوب في التّثقيف العام :
1- إنّ التّقدير الإلهيّ أو القانون الإلهيّ، قضى أن يجري هذا الكون وفقمنطق السّنن وليس وفق منطق المعاجز والكرامات، إنّ المعاجز، وكذا الكراماتهي استثناء، حتّى بالنّسبة إلى الأنبياء، وليس من شرط النبيّأن يقوم بمعجزة، ولا قامت حياة الأنبياء على أساس المعاجز، وإنما كانوايعيشون حياةً طبيعيّةً، وأحياناً كانوا إذا ما طلب النّاس منهم معجزةً، لايستجيب الله لطلبهم، بل يأتي الجواب: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾[الإسراء: 93]. إذاً هذه نقطة مهمَّة، وهي أنّ الإسلام يعلّمنا أنّ الحياة لا بدّ من أن تسير وفق منطق السّنن، منطق العلّة والمعلوليّة.
إنَّ الأمّة عندما ابتعدت عن الأخذ بمنطق السنن، وأصبحت تفتّش عن أدويةٍلأمراضها من خلال التَّداوي بالقرآن أو بالأحراز، وتطلب النّصر بالدّعاءبدل إعداد القوّة، عندها تخلّفت وتأخّرت وأصبحت على هامش الأمم.. هذاأوّلاً.
2- لا بدّ من التوثق من هذه المعاجز أو الكرامات قبل أن تطرح على الرّأيالعام، فعندما يأتي شخصٌ ويقول لك: هناك شجرة في المكان الفلانيّ، يرشحمنها الدّم في العاشر من محرّم كلّ عام، فلا تقبل ذلك ببساطة وسذاجة، بلتوثّق من الخبر. أنا أذكر أنّ أحدهم جاء إلى أحد علمائنا الكبار، أحدالفقهاء، وقدَّم له كتاباً ألّفه حول قصَّة هذه الشّجرة الّتي يرشح منهاالدّم في عاشوراء، وطلب منه أن يكتب له مقدّمةً لذلك الكتاب، فقال لهالفقيه: أنا مستعدّ، لكن بشرط أن تجلس أنت تحت هذه الشَّجرة 365 يوماً،فإذا لم يرشح منها الدَّم  في كلّ هذه المدّة، باستثناء اليوم العاشر،ساعتئذٍ أفكِّر في أن أكتب لك مقدّمةً لكتابك، لذا لا بدَّ من التّوثّق منهذه الأمور. إنَّ كثيراً من الأمور تلقى على عواهنها، وهي لا أساس لها منالصحّة.
3- إنّ منطق الأمور العجائبيّة، ربما لا يكون هو المنطق السّليم لإحقاقالحقّ ودحض الباطل، فغيرنا يطرح الكثير من هذه الأمور، وأنتم تسمعون بذلكوتشاهدونه على شاشات التّلفزة، مما يُحكى عن بركةٍ لتمثالٍ رشح منه الزَّيتوشفي منه فلان أو فلان، إلى غير ذلك من القصص العجائبيّة الّتي تنقلويتداولها النّاس، وربما يتمّ في ضوئها تطويب بعض الكهنة، ولو أنّناتجاوزنا أصحاب الأديان السّماويّة، وذهبنا إلى الهندوس، سنرى أمثال هذهالقضايا الّتي قد تكون أحياناً مبنيّةً على علمٍ معيّن أكثر مما تكونكرامة.
ولهذا، فإنّنا نعتقد أنّ حقّانيّة الدّين أو المذهب، هي في امتلاكهالحجّة، واعتماده على المنطق، وإنّ قوّة المنطق في رسالة الحسين، هي الّتيتثبت حقّانيّة هذه النّهضة، وليس حصول عجيبة أو كرامة مع فلان أو فلان.
إنّ كلامي هذا لا يشكّل دعوةً إلى التّشكيك أو رفض كلّ ما ينقل إلينا منالكرامات، بل إنّي أدعو إلى التّعامل مع هذه الأمر وفق القاعدة المعروفةالمنقولة عن ابن سينا: "كلّ ما طرق سمعك فذره في بقعة الإمكان، حتى يذودكعنه قاطع البرهان". لكنّني في الوقت نفسه، أدعو نفسي، وأدعو غيري منالخطباء، إلى احترام عقول النّاس، وأن نثقّفهم بالثقافة المثمرة على أقلّتقدير، فلا نطرح الأمور التي تثير انقساماً وبلبلةً في وسط من يستمع إلينا،وربما يسمنا الآخرون بالكثير من الصّفات السلبيّة، ولنكن على الأقلّ ممنيعمل بوصيّة رسول الله : "إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم".
4- ومن المصادر غير المعتبرة في التّثقيف العاشورائيّ، اعتماد ما يعرفبلسان الحال، الّتي يكثر استخدامها على لسان الخطباء، حيث ينقلون الكثير منالأحداث والقصص والمحاورات بعنوان لسان الحال، أو بصيغة: كأنّي به يقول. ولي على هذه الوسيلة بعض الملاحظات :
الملاحظة الأولى : أنّه من الّذي يعرف لسان حال المعصوم ليحكي حاله؟! أنت عندما تريد أن تتكلّم بلسان حال إنسانٍ، فلا بدّ من أن تكون ملمّاً بحاله ومشاعره وتطلّعاته، هذا في الإنسان العاديّ، فما بالك بالمعصوم؟ فإذا أردت أن تتحدّث عنه بلسان الحال، فإنّ عليك أن تعرف المعصوم معرفةً جيّدة، في فكره وعقله، وفي تطلّعاته ومشروعه، وفي مواصفاته السّامية، ومَنْ الّذي يجرؤ على القول: إنّه محيطٌ بحال الإمام الحسين، أو أنه ملمّ بما كان يفكّر فيه ويجول في خاطره ظهيرة العاشر من محرّم، حتى يتحدّث بلسان حاله؟! إنَّ الكثير مما ينقل إلينا بلسان حال الإمامإنّما يحكي ويعكس لسان حال المتكلّم أكثر من لسان حال المعصوم.
على سبيل المثال: عندما يتحدّث بعض الشّعراء، ممن نحترم، ويتكلّم بلسان حال الحسينقائلاً:
سادة نحن والأنام عبيد   ولنا طارف المجد والتليد
فإنّنا نتساءل : هل هذا لسان حال الأئمّة من أهل البيت؟! هل يتحدَّثون بهذا المنطق؟! طبعاً لا، والاسترسال في قضيَّة لسان الحال خطرة جداً، لأنّنا أحياناً نعكس حالاً للمعصوم هو أبعد شيءٍ عنه وعن حاله ورسالته.
الملاحظة الثانية : أنّ قضيَّة لسان الحال كانت مدخلاً لتسرّب الكثير من الأكاذيب إلى النّهضة الحسينيّة، مثلاً، لو أنّني سألتكم عن صاحب هذا البيت الشّعريّ :
إن كان دين محمد لم يستقم    إلا بقتلي يا سيوف خذيني
لأجابني كثيرون أنّه للإمام الحسين، وهذا خطأ شائع ، وربما وقع فيه بعض العلماء والخطباء، فهذا بيتٌ من قصيدةٍ قالها الشاعر العراقيّ الشّيخ محسن أبو الحبّ، منذ مئة عامٍ تقريباً، لكن بما أنّه قيل بلسان الحال بادئ الأمر، أصبح بعد ذلك يحكى بلسان المقال. ولعلّ بعض الأحداث الّتي لا أصل لها هي من هذا القبيل، كما في قصّة عرس القاسم، أو قضيّة وجود ليلى في كربلاء، وأنّها دخلت الخيمة ونشرت شعرها، ودعت قائلةً: يا رادّ يوسف… إلخ. إنّ هذه القضيّة لا وجود لها في أيّ مصدرٍ من المصادر، فالعلامة المجلسي، رغم تتبّعه، يقول: لم أجد أيَّ نصٍّ عليها، وهكذا الشَّيخ عبّاس القمّي، بل إنّ المحدّث النّوري يقول إنّ هذه القضيّة الّتي تحكي قصّة ليلى هي كذبٌ في كذب، فربّما طرحت هذه القضايا بلسان الحال، وأصبحت تُتلى على المنابر بكرةً وعشيّة، وبمرور الوقت، غدت حقيقة، ولعلّ الكثير من الأمور الّتي لا مصدر لها في النّهضة الحسينيّة، انتقلت بهذه الطّريقة.
وختاماً أقول : إنَّنا معنيّون بتقديم الحسين الإنسان، وبالصّورة الّتي تليق به وبنهضته.
انتماؤنا إلى الحسين يفرض علينا أن نقدِّمه في رسالته الإنسانيَّة، فهو ليس حسين المهانة والذلّة الّذي يردّد في آخر لحظات حياته : "يا قوم إنّي عطشان"!، بل إنّ الحسين الحقيقيّ هو حسين "هيهات منّا الذلّة". إنّ الحسين الإنسانيّ والحقيقيّ ليس هو حسين الحقد، هو حسين الحبّ لله وللنّاس، كيف وهو الّذي قال للقوم: "أمهلونا سواد هذه اللّيلة لنصلّي لربّنا،فإن الله يعلم أنّي أحبّ الصّلاة". إنّ الحسين الحقيقيّ ليس حسين الموت والحزن، بل حسين الحياة، ورسالة الحسين هي رسالة الحياة. إنّ الحسين الإنسانيّ ليس هو حسين الدّمعة فحسب، بل حسين العاطفة والفكر والسّلوك .
 

اثبات وجوب الشهادة الثالثة من القران الكريم

22 يونيو 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

ان الشهادة الثالثة في الأذان كانت موجودة على أواخر حياة النبي ص , ففي خطبة الزهراء قالت : (( طاعتنا نظاما للملة , وإمامتنا أمانا للفرقة )) ووصفت عليا فقالت : (( قريبا من رسول الله , سيداً من أولياء الله )) .

 

وهي في خطبتها تلمح وتكني تقية وقد غلبت على أمرها .

 

قال تعالى : (( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه )) النور 36 .

 

وقال تعالى (( وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر )) التوبة 3 .

 

وقال تعالى (( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله اكبر )) العنكبوت 45 .

 

وقد شرع الأذان والإقامة للصلاة لقوله تعالى (( يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط )) المائدة 8 .

 

وقوله تعالى ((يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله )) النساء 135 .

 

ولم يكن الأذان من رأي أو إجماع , وإلا لم يكن ملزما ثم اختلفوا عليه .

 

1- التكبير : لقوله تعالى (( قل أي شيء اكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم )) الأنعام 19 .

 

2- الشهادة الأولى : لقوله تعالى (( شهد الله انه لا اله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط )) آل عمران 18 .

 

3- الشهادة الثانية : لقوله تعالى (( لكن الله يشهد بما انزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون )) النساء 166 .

 

وقوله تعالى (( امنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله )) النساء 136 .

 

وقوله تعالى (( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما انزل الله والى الرسول ))

 

وقوله تعالى (( الحمد لله الذي انزل على عبده الكتاب )) الكهف 1 .

 

4- الشهادة الثالثة : لقوله تعالى (( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله والله يعلم انك رسوله والله يشهد أن المنافقين لكاذبون )) المنافقون 1 .

 

ويمكن أن لا يؤتى بها مثل التكبيرة الخامسة في الصلاة على الميت ,

 

لقوله تعالى (( ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب )) الرعد 43 .

 

ولا يعني رجلا من أهل الكتاب

 

لقوله تعالى (( انه لقرآن كريم . في كتاب مكنون )) الواقعة 78 ,

 

وقوله تعالى (( ائتوني بكتاب من قبل هذا أو إثارة من علم )) الاحقاف

 

, وقوله تعالى (( مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه )) المائدة 48

 

, وقوله تعالى ((ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق )) البقرة 176

 

, وقوله تعالى (( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق )) الجاثية 6

 

, وقوله تعالى (( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم )) العنكبوت 49

 

, لذا فأن من عنده علم الكتاب يكون إماما

 

لقوله تعالى (( ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة )) هود 17

 

والإمام حاكم على الناس

 

لقوله تعالى (( وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس )) البقرة 213 .

 

ولا يشترط بالإمام أن يكون ملكا أو حاكما للدوله فالكتاب هو الذي يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه , ويستثنى من ذلك الرسول الأعظم ص ,

 

لقوله تعالى (( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس )) النساء 105

 

, وقوله تعالى (( قل لا اسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ))

 

ولا تكون الحكومة للموصى به

 

, ولكن من قوله تعالى (( فهب لي من لدنك وليا . يرثني ويرث من آل يعقوب )) مريم 5

 

, وقوله تعالى (( واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا )) النساء 75

 

, وقوله تعالى (( إنما وليكم الله والرسول والذين آمنوا ))

 

وقوله تعالى (( والله ولي المؤمنين )) آل عمران 68

 

, وقوله تعالى (( والظالمون مالهم من ولي ولا نصير )) الشورى 8 .

 

تلك الولاية تعني المركزية الاجتماعية والمشورة , وهذا ما عمل به الخليفة الثاني من تقريب عليا ولم ينكره علي بن أبي طالب باعتبار انه مكلف شرعا بالخلافة .

 

ومن احتج بحق علي بالخلافة فقد استند إلى :

 

قوله تعالى (( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم )) .

 

فيكون علي قرآنا ناطقا , القران نزل بالحق , فعلي مع الحق . والفرق عندي ان نميز ما بين الدستور وبين من يرعى الدستور , فما كل نبي ملك ولا كل ملك نبي .

 

ولقد قاتل الرسول ص ليحكم بين الناس , ولم يقاتل علي لأن الكتاب هو الذي يحكم بعد موت النبي , لذا فأن خطبة الزهراء كانت دفاعا عن القرآن والتفسير , وفدك نموذجا من الأحكام .

 

ولقد اختلف المسلمون بعد النبي ص , في مسألة جوهرية هي إن القرآن فيه تبيان كل شيء بمعنى عام مطلق وهذا رأي الزهراء , أو بمعنى خاص بالعبادات والمعاملات بعد تعديل أحكام الجاهلية التي تكونت من ملة إبراهيم ومواد أهل الكتاب وتقاليد البادية , مثلا لا يجوز تفسير القرآن إلا بالقران , والحديث الذي يخالف النص مثل (( نحن معاشر الأنبياء لا نورث )) مردود وكذلك لا يمكن فهم الآيات استنادا إلى التوراة والإنجيل الموجودة بين ايدي الناس , وهذا المنهج المتشدد بتولي القرآن كان عند فاطمة , وهو ما ضاق به الآخرون , لأنهم يرونه بعيدا عن الواقع وينوء بالعاطفة .

 

قال الله تعالى (( ثم أتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء )) الأنعام 154

 

, وقال تعالى (( وآتيناهما الكتاب المستبين )) الصافات 117

 

, وقال تعالى وأنزلنا معهم الكتاب والميزان )) الحديد 25

 

, وقال تعالى (( ما فرطنا في الكتاب من شيء )) الأنعام 38

 

, ولكن القرآن كتاب مبين ..

 

, قال تعالى (( حم والكتاب المبين . إنا جعلناه قرآنا عربيا )) الزخرف 2

 

, وقال تعالى (( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين )) المائدة 15

 

, وقال تعالى (( يا اهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا )) المائدة .

 

ومن أنكر العلم الشامل في القرآن فقد جهل معنى الحكمة والميزان اي عدالة الدقة في القواعد والقوانين الطبيعية ويعبر عنها بعلم الجفر او اللدن أو الولاية التكوينية , وما العلم الحديث الا معشار العلم العملي في القرآن الكريم ولكن تقاصرت عنه عقول الرجال .

 

انظر لمن يزعم ان رسول الله ص كان اميا لا يقرأ ولا يكتب

 

لقوله تعالى (( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك )) العنكبوت 48

 

, كأنه لم يقرأ

 

قوله تعالى (( يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة )) آل عمران 164 .

 

وقال الله تعالى (( ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين )) يونس 61

 

, وقال تعالى (( ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين )) هود 6

 

, وقال تعالى (( الم تعلم ان الله يعلم ما في السماء والارض وان ذلك في كتاب )) الحج 70

 

, وقال تعالى (( وما من غائبة في السماء والارض الا في كتاب مبين )) النمل 75

 

, وقوله تعالى (( ولا اصغر من ذلك ولا اكبر الا في كتاب مبين )) سبأ 3

 

, وقوله تعالى (( وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره الا في كتاب )) فاطر 11

 

, وقوله تعالى (( وما اصاب من مصيبة في الارض ولا في انفسكم الا في كتاب )) الحديد 22 .

 

ان محمد رسول الله وعبده ومن معه عبد مربوبون , ولكن في الحديث علماء أمتي كأنبياء أو خير من انبياء بني اسرائيل , واعجب لمن ينبهر بعلم الفضاء وعلم الجينات وغيره من الملحدين , ويستكبر عن الاقرار بعلم الكتاب من رب العالمين . ثم يزعمون ان رسول الله لم يأت بغير الصلاة والصوم ولا يعلم من امور الدنيا شيء فهو لم يبعث ليعلم الناس اشهى المأكولات وارقى الموديلات , وعلى قولهم يصح رأي الفارابي ومعلمه أن الفيلسوف خير من النبي , لأن الاول يعلم والثاني يحفظ , ولا ادري كيف سنفسر قولنا (( الرسول على قدر عقل المرسل )) أو (( محمد سيد الكائنات )) ولكن العيب فينا .. (( لو سكت الجاهل ما أختلف الناس )) .

 


حوار مع العلامة حب الله بمناسبة مؤتمر الشهيد الثاني في بيروت

17 يونيو 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

أجرى الحوار وأعدّه: السيد عبد الرحيم بوستة

1- أين تضعون الشهيد الثاني في التحقيب التاريخي للفقه الشيعي، وما هي خصائص فقهه، وما هي القيمة المضافة في آراءه ومنهجه الفقهي؟

حب الله: لعلّه يمكن تصنيف الشهيد الثاني مع الجيل العلمي الثاني من مدرسة العلامة الحلي، بحسب التقسيم الذي أرتئيه لأجيال هذه المدرسة، وهو الجيل الذي صعد بهذه المدرسة إلى الذروة قبل العصر الإخباري الذي جمّد تناميها، ويقف مع الشهيد الثاني في هذا الجيل كلّ من ولده الشيخ حسن وصاحب المدارك والمقدّس الأردبيلي وأمثالهم، وهم يتمتعون بنزعة متحرّرة نسبياً من تراث المتقدّمين ويتصفون بميول نقديّة، غلا أنّ الشهيد الثاني كان أكثر اعتدالاً من بينهم في حركة النقد هذه للمورث.

ولعلّ من أهمّ ميزات فقهه هو الصياغة القانونية التي قدّمها للفقه الإمامي، فبعد عصر المحقّق والعلامة الحليين يمكننا الحديث عن الشهيد الثاني بوصفه صاحب صياغة قانونية للفقه، ونحن نعرف أنّ المسألة البيانية بالغة الأهمية في ضبط حركة الدقّة الفقهية والقانونية، وأنّ سلسلة الشروط والقيود والضوابط التي تحيط القضية الفقهية تستدعي ضبطاً صياغياً للموضوع لا يتوفر للكثيرين من الفقهاء أنفسهم.

 

2- وصف ابن العودي تصانيف أستاذه الشهيد الثاني(ره) بأنها "أبهى من القلائد.. وأنه أقطعها ما شاء من الإتقان والإبداع، وسلك فيها مسالك المحققين وهجر طريق المتقدمين..ما هي تجليات هذا الاختلاف مع طريق المتقدمين وما هي حدوده؟

حب الله: لا أجد هذا التوصيف دقيقاً؛ بل فيه قدرٌ من المبالغة، فلا يبدو لي أنّ الشهيد الثاني قد هجر طريقة المتقدّمين في مناهج الاجتهاد، إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار الطريقة السائدة بين عصره وعصر الشهيد الأوّل، ففي هذه الفترة ـ أي طوال القرن التاسع الهجري ـ شهدنا ركوداً حقيقيّاً في الاجتهاد الفقهي عند الإماميّة، وربما يكون ظهور شخصيّتين تعاصرتا زمناً وهما المحقق الكركي والشهيد الثاني في أواسط القرن العاشر قد أعاد حركة الاجتهاد إلى سابق عهدها في عصر العلامة الحلي، حيث بدأنا نرى مع هذين الفقيهين نموّاً مطرداً للدراسات الموسّعة في الاجتهاد، مع مثل كتاب جامع المقاصد وروض الجنان والمسالك والروضة وغير ذلك.

 

3- سافر الشهيد الثاني كثيرا في الحواضر العلمية وتتلمذ على مشايخ المذاهب الإسلامية في عصره، بعض هذا التتلمذ كان لأجل التعرف على مناهج التدريس، كما نجده قد اهتم بالتصنيف واعتمد في ذلك أسلوبا جديدا..بل وألّف في أخلاق العلّم (منية المريد)، هل يمكن أن نقولبناءً على كلّ ذلكأنّ الشهيد الثاني كان معنيا بشكل أساسي ببناء مدرسة/ حوزة علمية نموذجية؟ 

حب الله: تقول بعض المعطيات التاريخية بأنّه كان بصدد التفكير في بناء وضع ما للحوزة العلمية في بلاد جبل عامل ضمن الظروف التي كانت تسمح بحركةٍ ما في ذلك الزمان، لكنّ التأكّد من أنّ تصنيفاته كانت تقع في سياق مشروع من هذا النوع يبدو غير سهل، (وتحليل أسفاره وعلاقاته موضوع يفتح على الكثير من الأفكار) فمن الواضح أنّ الأسلوب البياني الذي تمتع به الشهيد الثاني كان يميل نحو التوضيح والتشريح والتبسيط بدل التعقيد والغموض، لكنّنا لا نعثر عنده على شيء يتصل بموضوع وضع برامج دراسيّة لبناء أنموذج حوزة علمية في مكان ما، سوى مع كتابي منية المريد والبداية في علم الدراية، وحتى هذين الكتابين لا يؤكّدان لنا ـ إذا تخطينا أيّ وثيقة تاريخية ـ أنّهما جاءا في هذا السياق، فقد ألّف العلماء في المسألة الأخلاقية في التربية والتعليم خارج إطار مشروع مؤسّسي مدرسي، كما أنّ كتاب البداية وبعده الرعاية في علم الدراية والحديث قد يمكن تفسيرهما بالوقوع في سياق إعادة تنشيط علم الحديث في الوسط الشيعي تلبيةً للنزعة التي كان أصّل لها من قبل أحمد بن طاووس في النقد الحديثي واتّبعها العلامة الحلي بجدارة وإخلاص حتى تحوّلت إلى مأخذ على مدرسته في العصر الإخباري. فلعلّ الشهيد الثاني قد رأى غياباً لهذا العلم في الوسط الشيعي فأراد استحضاره مرّةً أخرى متحسّساً أهميّته لا بدافع بناء مشروع تعليمي لحوزة أنموذجيّة.

4- عرف عن الشهيد الأول(ره) اهتمامه بالبعد المقاصدي في الشريعة، ويبرز ذلك جليا في كتابه "القواعد والفوائد"، إلى أي حد تبلور هذا البعد المقاصدي في النتاج الفقهي للشهيد الثاني(ره)؟

حب الله: إنّ المتتبع لنتاج الشهيدين الأوّل والثاني يجد عندهما بعض التعابير التي توحي بنزعة مقاصديّة، لكنّ صورة هذا الاتجاه لا تبدو واضحة بما يسمح لنا بالحديث عن حركة أو توجّه عام، لاسيما مع الشهيد الثاني، فإنّ النهضة المقاصدية التي عرفت مع الشاطبي (790هـ) يمكن أن تكون قد تسرّبت إلى فكر الشهيد الأوّل المعاصر للشاطبي زمناً، لاسيما مع مشروعه في البحث القواعدي للفقه (القواعد والفوائد)؛ لأنّ فقه القواعد يمكن فهمه بوصفه حلقةً وسطى بين فقه المسائل وفقه المقاصد، فيمكن التنبؤ بنزعة مقاصدية نتيجة عنصري الفقه القواعدي والتزامن بالنسبة للشهيد الأوّل، لكنّ الأمر يبدو عسيراً مع الشهيد الثاني؛ لأنّ النزعة المقاصدية التي أطلقها الشاطبي لا يبدو أنّها شهدت نفوذاً في المؤسّسة الدينية السنيّة نفسها في القرن التاسع الهجري، بل غابت غياباً طويلاً إلى أن أطلق الإسلاميون حركتها في نهايات القرن التاسع عشر مع الشيخ محمد عبده وآخرين.

وبالعودة إلى واقع فقه الشهيد الثاني لا نجد المقاصد منهجاً وإنّما قد نجدها على شكل إثارات هنا وهناك ربما بدت لنقّاد كتابي: الروضة والمسالك، أنّها استحسانات أو أقيسة، ولعلّ ما يؤكّد كلامي أنّ الإخبارييّن لم يأخذوا النزعة المقاصديّة عيباً على التيار الأصولي الذي كان الشهيد الثاني من روّاده المعتدلين، وهذا يعني أن الإخباري لم يلاحظ ـ وهو شديد الحساسية في هذا الموضوع ـ تأثيراً لفكر سنّي مقاصدي في فقه الشهيد الثاني.

5- بعد التطوير الكبير الذي أدخله العلامة الحلّي على الفقه المقارن مستكملا دور الشيخ الطوسي في ذلك؛ استأنف الشهيدان الأول والثاني هذا الدور، لدرجة يرى معها البعض أنّ النموذج الأفضل المطروح عبر تاريخ الشيعة في مجال الفقه المقارن هو نموذج الشهيدين.. هل تتفقون مع هذا الطرح؟

حب الله: لا أتفق مع القول الذي يذهب إلى أنّ الشهيد الثاني كان رائداً في الفقه المقارن، ويجب علينا أن لا نقوم بتضخيم المشهد، إنّ العلامة الحلي كان عملاقاً في هذا الموضوع كما يثبته كتاباه: تذكرة الفقهاء، ونهاية الوصول إلى علم الأصول. إنّ الفقه المقارن والأصول المقارن عند العلامة واضحان جداً، أمّا عند الشهيد الثاني فنحن نجد في الغالب أنموذج كتاب (مختلف الشيعة) للعلامة الحلي، وهو كتاب جاء في سياق المقارنة الداخل ـ مذهبية لا الخارج ـ مذهبية، نعم، من الممكن والواقع هنا وهناك أن يتعرّض الشهيد الثاني في كتاباته للفقه السنّي، لكنّ هذا لا يخوّلنا الحديث عن ريادة ولا حتى عن مشروع، ولعلّه لم يكن يرى حاجةً لهذا الأمر في عصره.

نعم، النقطة التي يمتاز بها الشهيد الثاني أنّه لم يكن يعيش حساسية الاقتباس من الاجتهاد السنّي، فمشروعه في إعادة بعث علم الحديث في الوسط الشيعي معتمداً على نقل مكثف للتجربة السنّية، حتى أنّ البعض قد يسمّيها استنساخاً، وذلك مع كتابي: البداية والرعاية في علم الحديث، يعطي مؤشراً أنّه لم يطن ليعيش عقدة التعاون المعرفي مع الآخر الإسلامي، تلك العقجة التي ظلّت مسيطرةً على العقل الإخباري لأكثر من قرنين بعد ذلك، إنّ تلمّذه على علماء أهل السنّة وسفره في البلدان دون أن يعيش قلقاً في هذا الموضوع، يشهد على درجة من الانفتاح ليست بالقليلة، إلا أنّ هذا شيء والحديث عن مشروع اجتهاد مقارن شيء آخر.

6- كيف تقيّمون الممارسة الفقهية عند الشهيد الثاني، وهل هنالك في نظركم قيمة كبرى مهدورة أو ملمح جوهري في هذه الممارسة بحاجة إلى إحياء وتطوير؟

حب الله: أعتقد أنّ من ميزات اجتهاد الشهيد الثاني هو العفوية الاجتهادية التي تبتعد عن التعقيد في فهم النصوص الدينية ( المصدر)، وعن العُجمة في تفسير هذه النصوص، يبدو لي أنّه ذو نزعة عرفيّة في الفهم نابعة من وعي حقيقي لدلالات اللغة العربية ومناخها وسياقاتها، وهو أمر يمكن التعويل عليه وتطويره في الاجتهاد المعاصر، كما تبدو لي عملية انفتاحه المعرفي على الآخر نقطةً ايجابية يمكن الاشتغال على تنميتها واعتبارها رصيداً تاريخياً لمشروع التقارب المعرفي بين المذاهب.

يضاف إلى ذلك عنصر الاعتدال في البحث الفقهي وعدم وجود حالة تشنّج إلا في بعض المواضع المعروفة نسبيّاً، مما يستدعي تعميم هذه الثقافة وترشيدها.

مع خالص الشكر والتحيات.


تحقيق التحقيق حول زيارة الامام الرضا عليه السلام

16 يونيو 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

 

ابو كرار العجمي

[email protected]

 

المقال الأصلي هو بعنوان : (فأصابه في طريقه قطرةٌ من السماء حرَّم الله جسده على النار «من زار الرضا) وهي دراسة  تحقيقيّة في هذا الحديث قام بها الشيخ محمد عبّاس دهيني، ويمكن قرائته على هذا الرابط:

 

http://www.nosos.net/main/pages/news.php?nid=418

 

ملخص التحقيق:

يتمحور الموضوع حول جنبه من جنبات ثواب زيارة الامام الرضا عليه السلام وهو الامام الثامن من أئمة أهل البيت عليهم السلام وكذلك أجر الشهداء الذين يصيبهم المطر في طريقهم للزيارة أو الجهاد. يفتتح صاحب المقال موضوعه بمقدمةٍ يقول فيها:

(يعمد بعض الذين يرتقون المنبر الحسينيّ، ويرافقون المؤمنين الزائرين للنبيّوالأئمّة(، إلى طرح مقولات حول الثوا(ب) الجزيل الذي يناله الزائر في زيارته.وهذا أمرٌ حسنٌ؛ إذ فيه تشجيعٌ للمؤمنين على زيارة مشاهد النبيّوأهل بيته(، وذلك أمر مستحبٌّ ومطلوب.غير أنّ بعض هؤلاء يطرح الموضوع بطريقةٍ بعيدةٍ عن الأمانة العلميّة في النقل والآليّة الصحية للفهم، ما يوجب الوقوع في بعض المحاذير العقائديّة، فينقلب فعله الحسن إلى قبيحٍ.)

وتنطبع في ذهنية من يقرأ هذه المقدمة، أن الخطباء أو المرافقين للزوار –الذين يتحدث عنهم كاتب المقال- يمارسون الخيانة العلمية للنصوص فيدلسون في الروايات أو يبترونها أو يحرفون فهمها، لكن الاستطراد في المقال وبلسان الكاتب نفسه يحيلك الى خلاف ذلك، فهم يستندون الى نصوص روائية موجوده، وكل ما في الأمر أن الكاتب يرى أن في الأمر محاذير عقائدية لا تخدش في أمانتهم العلمية.

ولتدعيم فكرته، يسفتح الكاتب دراسته التحقيقية بمناقشةٍ رجاليه في رواة الروايتين الواردتين في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) للشيخ الصدوق (رضوان الله تعالى عليه ) ليذهب الى ضعف سهل بن زياد الآدمي وجهالة محمد بن أحمد السناني، و محمد بن علي ماجيلويه وابراهيم بن هاشم ليخلص بالقول (فإنّ متابعة حال الرواة في كتب الرجال المعتمدة توصلنا إلى أنّ في سند كلٍّ من الروايتين خللاً وضعفاً.) ويضيف الكاتب روايات مشابهه بذات المضمون ولكن في ثواب من يجاهد في سبيل الله وردت في مجاميع روائية متنوعه، وعلى الرغم من أنه يضعف رواتها الا أنه يرى مقبولية المضامين .

ثم يلحق المناقشة السندية بمناقشةٍ في المتن ليخلص للقول (إذا حملنا عبارة «أصابته قطرة من السماء أو صداع» على معناها الحقيقي ـ ما ينافي اعتقادنا بالعدل الإلهيّ، فحريٌّ بنا أن نحذر أمثالَ هذه التفسيرات الخاطئة والمغلوطة، والتي ربما ذهبت بديننا) ليقول باستحالة حمل النصوص على معناها الحقيقي والاقتصار على المعنى المجازي حتى لا يكون هناك تصادمٌ مع العدل الالهي.

 

 

 

المناقشة:

 

أقول في معرض الرد، أن لنا مع الكاتب مناقشةٌ دليلية (السند) ومناقشة مدلولية (المتن):

 

أولاً: المناقشة الدليلية (السند):

 

لم يخبرنا الكاتب على أي مبنى رجالي ذهب في تضعيفه لسهل والقول بجهالة السناني وابن ماجيلويه وابراهيم بن هاشم، ومن هنا سنقف على الاراء الرجالية في هؤلاء الرواة لنجد خلاف ما ذكره الكاتب، فالمؤشرات تعاضد صحة الصدور، وسنكتفي هنا بمناقشتين:

 

الأولى: مناقشة رجال الحديث:

  • محمد بن أحمد السناني : من مشايخ الصدوق- قدس سره -، وقد أكثر الرواية عنه في كتبه مترضياعليه، روى عن أحمد بن يحيى بن زكريا القطان أبي العباس. الفقيه: الجزء 2، باب نكت في حجالأنبياء والمرسلين…، الحديث 668. وروى عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، مشيخة الفقيه: في طريقه إلى محمد بن إسماعيل البرمكي، وإلى ما كتبه الرضا عليه السلامإلى محمد بن سنان. وروى عن محمد بن جعفر الأسدي أبي الحسين الكوفي. مشيخة الفقيه: في طريقه إلى محمد بن جعفر الأسدي. وروى عن محمد بن يعقوب الكليني. مشيخة الفقيه: في طريقه إلى محمد ابن يعقوب الكليني. وربما يصفه الصدوق- قدس سره – بالمكتب. الأمالي: المجلس 4، الحديث 7. ثم إن هذا هو محمد بن أحمد بن محمد بن سنان المتقدم (1)

  • سهل بن زياد الآدمي: اختلف الرجاليون في توثيق سهل فهناك من ذهب الى وثاقته وهناك من ذهب الى ضعفه، الا أن تحقيقاً للسيد فيصل المشعل في حال سهل بن زياد يميط اللثام عن أسباب تضعيف سهل، ويخلص فيه الى أن مضعفيه اعتمدوا على شهادات حدسيه لا حسيه، ليخلص للقول (والحاصل أنه لم يتم من العبارات المتقدمة ما يدل على القدح في سهل بنزيادفإذا عرفت هذا الكلام أقول: يمكن القول بوثاقة سهل بن زياد، والاعتمادعلى روايته – مضافاً إلى توثيق الشيخ (ره) الصريح – عن طريق استكشاف اعتماد الشيخالكليني (ره) عليه، وذلك بأن يقال: إنه بعد ملاحظة كتاب الكافي وجدنا أن ثلث الكتابتقريباً مروي عن طريق سهل بن زياد الآدمي، وذلك لا محالة يكشف عن اعتماد الكلينيعلى رواياته عملاً، وهو كاشف عن وثاقته. هذا مضافاً إلى إكثار الأجلاء من الروايةعنه الذي يكشف عن اعتمادهم على رواياته، كما لا يخفى على المراجع
    ودعوى كونروايات سهل كلها محفوفة بالقرائن الخارجية المفيدة للاطمئنان ممنوعة؛ لأن ذلك متصورفي عدد قليل من الروايات، لا في ثلث الكتاب. وبعبارة أخرى: إن احتفاف ثلث رواياتكتاب الكافي المروية عن طريق سهل – أي أكثر من ألف رواية – بالقرائن الخارجية معضعفها السندي بعيد جداًفالقول بوثاقة سهل هو الأقرب إلى الصواب) (2)

  • محمد بن علي ماجيلويه: : محمد بن علي بن محمد بن أبي القاسم:  ماجيلويه، تقدّم عن النجاشي في ترجمة محمد بن أبي القاسم عبيداللّه: أنّ محمد بن أبي القاسم، هو جدّ محمد بن على، الذي يروي عنه الصدوق، ولكن تقدّم في ترجمة علي بن أبي القاسم عبداللّه بن عمران، أنّ محمد بن أبي القاسم هو عمّ محمد بن علي ماجيلويه، فراجع (3)، ويقول الشيخ علي الخاقاني في رجاله (ومن هذا الباب ايضا رواية الصدوق رحمه الله – عن محمد بن على ماجيلويه واحمد بن محمد بن يحيى العطار وللشيخ رحمه الله ايضا روايات كثيرة عن احمد هذا لكن بواسطة ابن ابى جيد والحسين ابنعبيد الله الغضائري  وهو ممن لم ينص على توثيقه كما يقضى به ما عن (الحاوى) حيث ذكره في خاتمة قسم الثقات التى عقدها لمن لم ينص على توثيقه ولكن يستفاد من قرائن اخر، كرواية الاجلة عنه وكونه من مشايخ الاجازة كما عن (الوجيزة : للمجلسي الثاني (ص 145) وهى ملحقة بآخر (الخلاصة) طبع ايران سنة 1312 ه‍) وكذا محمد بن على ماجيلويه فانه لم ينص على تعديله ايضا كما يقضى به ما عن (الحاوى) ايضا من ذكره في الباب الذى عقده لمن لم ينص على تعديله وانما استفيد توثيقه من امارات اخر كاستظهار كونه من مشايخ الصدوق رحمه الله لكثرة روايته عنه مترضيا عنه ومترحما عليه الى غير ذلك من الموارد التى يستفاد منها حسن حال المروى عنه بمجرد رواية الجليل عنه فضلا عن الاجلاء وفضلا عن اكثار الرواية عنه أو كونه من شيوخهم أو من مشايخ الاجازة أو مترضيا عنه) (4)

  • ابراهيم بن هاشم: وثقه الشيخ النجاشي بالقول: إبراهيم بن هاشم أبو إسحاق القمي أصله كوفي، انتقل إلى قم، قال أبو عمرو الكشي: " تلميذ يونس بن عبد الرحمن من أصحاب الرضا [ عليه السلام ] "، هذا قول الكشي، وفيه نظر، وأصحابنا يقولون: أول من نشر حديث الكوفيين بقم هو. له كتب، منها: النوادر، وكتاب قضايا أمير المؤمنين عليه السلام، اخبرنا محمد بن محمد قال: حدثنا الحسن بن حمزة الطبري قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه إبراهيم بها (5).ويقول السيد الخوئي فيه: لا ينبغي الشك في وثاقة إبراهيم بن هاشم، ويدل على ذلك عدة أمور: 1 – أنه روى عنه ابنه علي في تفسيره كثيرا، وقد التزم في أول كتابه بأن ما يذكره فيه قد انتهى إليه بواسطة الثقات. وتقدم ذكر ذلك في (المدخل) المقدمة الثالثة. 2 – أن السيد ابن طاووس ادعى الاتفاق على وثاقته، حيث قال عند ذكره رواية عن أمالي الصدوق في سندها إبراهيم بن هاشم: " ورواة الحديث ثقات بالاتفاق ". فلاح السائل: الفصل التاسع عشر، الصفحة 158. 3 – أنه أول من نشر حديث الكوفيين بقم. والقميون قد اعتمدوا على رواياته، وفيهم من هو مستصعب في أمر الحديث، فلو كان فيه شائبة الغمز لم يكن يتسالم على أخذ الرواية عنه، وقبول قوله. وللصدوق إليه طريقان: أحدهما أبوه، ومحمد بن الحسن – رضي الله عنهما – عن سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري، عن إبراهيم بن هاشم. وثانيهما محمد بن موسى بن المتوكل – رضي الله عنه – عن علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، والطريق كطريق الشيخ إليه صحيح. وذكر الاردبيلي في جامعة: أن الطريق الشيخ إليه صحيح في المشيخة أيضا، وهذا سهو منه – قدس سره -، فإن الشيخ لم يذكر طريقه في المشيخة إلى إبراهيم بن هاشم، وإنما ذكر طريقه إلى علي بن إبراهيم. طبقته في الحديث وقع إبراهيم بن هاشم. في إسناد كثير من الروايات تبلغ ستة الآف وأربعمائة وأربعة عشر موردا، ولا يوجد في الرواة مثله في كثرة الرواية. (6) بل ان السيد الروحاني يذهب في كتابه فقه الصادق الى أن عدم توثيق العلماء له منشأه جلالة قدره فيقول " عدم توثيق علمائنا إبراهيم بن هاشم إنما هو لجلالة شأنه وعظم منزلته ، كما يشهدلذلك كونه أول من نشر الأحاديث من الكوفة بقم ،ولولا كونه معتمداعند القميين الذين هم من أكابر المحدثين لما قبلوا رواياته سيما مع ما علم من تضييقالقميين أمر العدالة حتى أخرجوا من بلدتهم من كان يروي عن الضعفاء ، واكثار الكلينيالرواية عنه ، وتصريح العلامة رحمه الله بأنه تقبل رواياته ، وتصحيحه جملة من طرقالصدوق المشتملة عليه إلى غير ذلك مما يشهد بوثاقته وعظم منزلته"(7)

 

وكما هو ملاحظ، فاننا استعنا كثيراً بتوثيقات السيد الخوئي رغم منهجه المتشدد في قبول الرواه، اضافة الى غيره من الفطاحل، وعليه فترتفع شبهة ضعف وجهالة بعض الرواة في الروايتين.

 

الثانية: مناقشة تشابه المضامين:

 

يورد الكاتب مضامين مشابهه ولكنها للمجاهدين في سبيل الله، وعليه فان تشابه المضامين من قبل هذا الكم الهائل من الرواه، يقطع بصحة الصدور لاحتمال الاجتماع على الكذب بهذا العدد. وعليه فلو سلمنا بضعف الرواه، فان تعدد الرواه يجبر الضعف الموجود لتعدد الطرق، كيف والحال أن رجال الروايتين هم ثقات!

 

ثانياًً: المناقشة المدلولية:

 

أما وقد تم صحة السند، وبما أن (الظهور حجه) فلا مبرر لحمله على المجاز لعدم وجود قرينة تعاضد المجاز هنا. ولكن لا بأس من مناقشة مدلول الروايتين لرفع الالتباس عما يفهم منه تعارضاً مع العدل الالهي. وسنفتتح ذلك باستعراض الروايتين:

 

1- جاء في «عيون أخبار الرضا»، للشيخ الصدوق(381هـ): «حدَّثنا محمد بن أحمد السناني، قال: حدَّثنا أبو الحسين محمد بن جعفر الأسدي، قال: حدثني سهل بن زياد الآدمي، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: سمعت عليّ بن محمد العسكري يقول: أهل قم وأهل آبة مغفورٌ لهم لزيارتهم لجدي علي بن موسى الرضا بطوس، ألا ومَنْ زاره فأصابه في طريقه قطرةٌ من السماء حرَّم الله جسده على النار». (8)

 

2ـ وجاء فيه أيضاً: «حدَّثنا محمد بن علي ماجيلويه، قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: سمعت الرضا يقول: إني سأقتل بالسمّ مظلوماً، وأقبر إلى جنب هارون، ويجعل الله تربتي مختلف شيعتي وأهل محبَّتي، فمَنْ زارني في غربتي وجبت له زيارتي يوم القيامة. والذي أكرم محمداًبالنبوّة، واصطفاه على جميع الخليقة، لا يصلّي أحدٌ منكم عند قبري ركعتين إلاّ استحق المغفرة من الله يوم يلقاه. والذي أكرمنا بعد محمدبالإمامة، وخصَّنا بالوصية، إنّ زوّار قبري لأكرم الوفود على الله يوم القيامة، وما من مؤمن يزورني فيصيب وجهه قطرة من الماء إلاّ حرَّم الله تعالى جسده على النار» (9)

 

ومن الواضح أن الرواييتين اضافة الى غيرها من الروايات الشريفه تصبان في خانة تشجيع زيارة المعصومين عليهم السلام الذين هم عدل القرآن الكريم، والذي يعني الارتباط بهم الارتباط بالدين الالهي، وحتى لو أدى الى هلاك النفس كما تورد بعض النصوص، ومن هنا قدم الرعيل الأول من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام الغالي والنفيس من أجل توثيق هذه الاواصر الوديه مع أهل بيت الرحمة عليهم السلام استجابة للنداء الرباني (قل لا أسألكم عليه اجراً الا المودة في القربى).

 

الأجر على قدر المشقه:

 

المتأمل في كلتا الروايتين لا يجد تعارضاً مع العدل الالهي، بل على العكس ان خلاف المعنى قد يصطدم بالعدل الالهي. اذ أن كلتا الروايتين تتحدثان عن عظم مثوبة الزائر والذي تعترضه بعض المعوقات كالمطر وخلافه، ومع هذا فاصراره لا ينقطع عن تلبية نداء الزياره، وعليه وبما أن الأجر على قدر المشقه فقد استحق هذا الزائر ما قد لا يستحقه آخر. ويعاضد هذا الرأي الرواية التالية التي ينقلها الشيخ الصدوق في أماليه والتي تبين الأذى من المطر وتخلص لذات النتيجه (حرم الله جسده على النار):

 

حدثنا الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (رضي الله عنه)، قال: حدثنا علي بن أحمد بن موسى الدقاق (رضي الله عنه)، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدثنا أبو سعيد سهل بن زياد الآدمي الرازي، قال: حدثني عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: سمعت محمد بن علي الرضا (عليه السلام) يقول: ما زار أبي (عليه السلام) أحد فأصابه أذى من مطر أو برد أو حر إلا حرم الله جسده على النار.(10)

 

وعليه فلا ضير من حمل الرواية على معناها الحقيقي، اضافة الى المعنى المجازي الذي يشير الى عظم الأجر والثواب لزوار الامام الرضا عليه السلام.

 

رزقنا الله ثواب زيارته وشفاعته يوم القيامه.

 

 

المصادر:

 

  1. معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 16 ص 64 تبويب (10206): (http://www.shariat.org/Arabic/data/B/Rejaal/no2374.html)

  2. رسالة في تحقيق حال سهل بن زياد الآدمي للسيد فيصل المشعل، موقع مكتبة الموسى الثقافيه:

(http://www.al-mousa.net/web/play-6127.html)

 

  1. معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 18 تبويب (11363):

(http://www.al-khoei.us/books/index.php?id=7876)

 

  1. رجال الخاقاني: الشيخ علي الخاقاني ص 183 – 184:

(http://www.shariat.org/Arabic/data/B/Rejaal/no2352.html)

 

  1. رجال النجاشي للنجاشي ص 16 تبويب (18):

(http://www.yasoob.com/books/htm1/m020/23/no2320.html)

 

  1. معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 1 ص 298 – 290 تبويب (332):

(http://www.yasoob.com/books/htm1/m020/23/no2359.html)

 

  1. فقه الصادق: السيد محمد صادق الروحاني ج 2 شرح ص304.

  2. عيون أخبار الرضا : الشيخ الصدوق: 1: 291

  3. عيون أخبار الرضا : الشيخ الصدوق: 1: 249

  4. الأمالي : الشيخ الصدوق ص 752:

(http://www.yasoob.org/books/htm1/m012/10/no1000.html)

 

 


رحم الله… النخب العربية!

13 يونيو 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
2 زيارة

بقلم: أ. غريبي مراد(*)

 

 درجنا على سماع عنوان أصناف المجتمعات في أدبيات علم الاجتماع و الأنتروبولوجيا، حيث التقسيمات تتباين بحسب الأبعاد، قد يكون التصنيف سياسي أو اقتصادي أو ثقافي و إلا اثني أو طائفي، و الغرض من هذه التصنيفات في علم الاجتماع هو إدراك ما جدوائية عامل الاختلاف في تطور المجتمعات و تخلفها، و أيضا محاولة دراسة احتمالات الكوارث الاجتماعية و تسييرها بالنظر لكل تلك الأبعاد، كما اهتم علم إدارة الأزمات  بهذه التصنيفات لغرض بناء استراتيجيات تغييرية لمسارات المجتمعات، على أساس تركيز نظريات سياسية و اقتصادية و معاملات ثقافية محددة …هذه الثقافة نشهدها بغزارة في المجتمعات الغربية الحديثة المنفتحة على  الزمن العلمي الاستراتيجي، يعني تلك التي تتعامل مع التاريخ بمنطق العلم و الحركة و التقدم، في حين المجتمعات الجامدة و المستغرقة في التاريخ و المتفرجة على ما يحدث حولها، ليس لها من ذلك نصيب، لا أقول استضعافا و لكن استخفافا و ازدراءًا، حيث محل إعراب ذلك كله هو عقدة الضعف و النقص التي تعانيها هذه المجتمعات و التي تحتل المجتمعات العربية في ترتيبها درجة الامتياز…!

بصراحة: ليس هناك مبالغة فيما ذكرته، لأن تقارير التنمية البشرية منذ 2002 إلى غاية 2009 حول وضع البلدان العربية تثبت بالرقم و الصورة، أن الانحدار التنموي  الاجتماعي في العالم العربي خطير جدا، و بغض النظر عما يعتبر من بديهيات العرب ألا و هي العناوين الدارجة في دعاء المؤمن العربي اليومي:(الحكم الراشد و التنافس السياسي النزيه والمواطنة و رغيف الخبز الحلال)،نركز على تقنيات تطبيق نظريات الإصلاح و مدى اهتمام النخب الناقدة و الناقمة على الشعوب و الحكومات، هذه النخب التي درست العلوم السياسية و العلوم الاجتماعية و الإنسانية و الاقتصادية و تتشدق في المجالس العامة و الخاصة بأدبيات التنمية و الحوار والتسامح و التعايش و المواطنة و الحداثة و ما هنالك من تنظير خنق الشعوب قبل الحكومات التي لا تبالي بأصوات لا تحسن إلا الضجيج، ماذا قدمت للمجتمعات العربية من طنجة إلى مسقط،كل ما هنالك بعض البحوث التي غالبيتها ترجمة حرفية لكتابات و أفكار ماركس فيبر و هابرماس و هوبز وجون لوك، ناهيك عن الاستيراد الكمي الثقيل لمكسرات التفكير الاستراتيجي من المؤلفات الأمريكية و الألمانية و اليابانية…

بكلمة: هذه النخب غائبة و لا تؤدي الدور الرسالي، و أقل ما تبرر به تقاعسها أن الظروف و المعطيات لا تسمح، و لا يمكن إبداع أكثر مما هو راهن، و لعل الظاهرة الخطأ التي نشهدها في واقعنا العربي لدى ما يسمى النخب، أنها تعبد الفر دانية و التباهي الفلسفي و الفكري على شاكلة شعراء سوق عكاظ، حيث ينعدم الحراك المشترك و العمل المؤسساتي بين هؤولاء الكوادر التي هرمت بعد20سنة  دراسات عليا بالغرب ثم التحاق بمنصب أكاديمي أو سياسي أو استثمار تجاري، ماذا قدمت هذه العقول المشتتة و المتضاربة في اغلب الاحيان لهذه الأوطان سوى النقد بلا بديل و لا حركة و لا مبادرة…هذه الحقيقة التي نراها يوميا و عايشناها لسنين هي التي جعلت مجتمعاتنا تصنف من المجتمعات المقهورة و المتخلفة و المتأخرة مدنيا و حداثيا…

و ما تشهده الدول العربية في الوقت الراهن، يدعو للتساؤل: أين العقل العربي أمام التحدي الحداثي الجارف؟ هذا العقل هو كل الكوادر الخاملة، لأن الأنظمة لا تستبد و لا تستخف و لا تتاجر بشعوبها ما لم تجد استقالة لدى النخب، وعلى سبيل المثال لا الحصر: دولة الكويت الطامحة للتمدن السياسي و الاستقرار الاجتماعي و النهوض الاقتصادي، أين هي نخبها الواعية و لماذا لا تتوسل بمراكز بحث و دراسات خاصة لمواجهة زمر الاعتباط السياسي وتسير مخاطره مع إدارة الأزمات و حماية دفة التنمية ؟؟ ومن قبيل التفاؤل خيرًا نقول: رحم الله…نخبنا العربية… و الله من وراء القصد.

 

(*)كاتب و باحث إسلامي          


إشكاليّة العلاقة بين المثقَّف والفقيه، جولة عابرة في سياقات تجربة السيد الصدر أنموذجاً (*)

10 يونيو 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
751 زيارة

إشكاليّة العلاقة بين المثقَّف والفقيه، جولة عابرة في سياقات تجربة السيد الصدر أنموذجاً (*)

 
 
 
تمهيد
عندما نتحدث عن إشكالية العلاقة بين المثقَّف والفقيه عند السيد الشهيد السعيد محمد باقر الصدر(1400هـ) لا نملك معالجةً علميةً مستقلّةً مدوّنةً تركها لنا السيد الشهيد في هذا الخصوص، فلا توجد له في هذا المضمار دراسة من الزاوية الفقهية، ولا من الزاوية الفكرية العامة، قدّم فيها حلاًّ لهذه الإشكالية المتنقّلة التي عرفها العالم الإسلامي منذ النهضة الأخيرة فيه، مع رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني وغيرهم. إذاً فنحن مضطرّون ـ لكي ندرس إشكالية العلاقة بين المثقّف والفقيه عند السيد الصدر ـ أن نمارس تحليلاً ما، ومقاربةً لبعض المواقف والوقائع، علّنا نخرج باستنتاجٍ ما في هذا الموضوع.
 
تعريف المثقَّف، خصائص الظاهرة
من هو المثقَّف؟ ومن هو الفقيه؟ مصطلحٌ ملغومٌ. وكثيرون يملكون تفاسير متعدّدة حول المثقَّف والفقيه.
وقد قيل بأنّ الفقيه هو عالم الدين الذي يقوم بقراءة النص الفقهي وما يتصل بالنص الفقهي الموجود في الكتاب والسنّة. إنّه مصطلحٌ معروفٌ له حضوره في الأمّة منذ مئات السنين، ولا يبدو أنه ملتبس.
أما مفهوم المثقّف فهو مفهوم مازال حتى الساعة ملتبساً، وما تزال هناك نظريات في تعريفه، فكلٌّ يقدّم رؤيةً نابعةً من طريقة تفكيره ومعالجته للأمور.

وسآخذ هنا ثلاثة عناصر أساسية تمثّل هوية المثقَّف، سواءٌ كان مثقَّفاً دينياً أم لم يكن كذلك، لأنّ الثقافة ليست حكراً، لا على الدين ولا على غيره:

 

العنصر الأول: الوعي التجربي الميداني.
وهذا هو الذي يميِّز المثقَّف أيضاً عن المتعلِّم، فليس كلّ متعلِّم مثقَّفاً، وليست النسبة بين المتعلِّم والمثقَّف هي نسبة التساوي بحسب الاصطلاح المنطقي. فهناك مثقَّف متعلِّم؛ وهناك مثقَّف غير متعلِّم، ولا يملك أيّة شهادة جامعيّة؛ كما وهناك متعلِّم مثقَّف؛ وهناك متعلِّم لا حظّ له من الثقافة. وهذا معناه أنّ الثقافة ليست مراكمة معلومات، وليست درساً تخصّصياً ندرسه في جامعة أكاديمية أو حوزة أو صرح علمي هنا أو هناك، وإنّما هي قبل كلّ شيء وعيٌ وأفقٌ، كأنه وعي تجربي ينبع من اتصال الإنسان بالواقع. فهناك أشخاص كثيرون ربما يكونون في العلم صروحاً بأنفسهم، ولكنك إذا جئت بهم إلى أرض الواقع لكي يقرأوا الأمور، أو جئت بهم لكي يدرسوا الأمور دراسةً شاملةً واعيةً، فإنك تجدهم غير قادرين على ذلك.
دعوني أقرِّب الأمر بشكل مبسَّط عبر موضوعة فقه النظرية والفقه التجزيئي. فهناك الكثير من الفقهاء بارعون وممتازون في الفقه التجزيئي أو فقه المسائل، فإذا أنتَ أعطيته أيّة مسألة فقهية بإمكانه أن يعالجها معالجةً علميةً تفصيليةً، لكنّكَ إذا قلتَ له: نريد منكم مولانا أن تقدّموا نظريةً في فقه الاقتصاد في الإسلام فإنه يجد الأمر صعباً. إنه مجتهد مسألة، ولكنه ليس مجتهد نظرية.

الوعي عبارة عن أفق رحب في العقل، يستطيع من خلاله أن يقرأ الأمور، ويملك بُعد النظر، وليس فقط أن يراكم المعلومات في ذهنه، بحيث يملك معلومةً أو اثنتين أو ثلاث أو أربع أو أكثر من ذلك. وهذا كلّه يعني أنّ أهم عنصر من عناصر المثقَّف ـ خاصّةً في تجربتنا الإسلامية في القرنين الأخيرين ـ، أو لا أقل ما يدّعى أنه مثقَّف، هو عنصر الوعي والأفق العقلي المنفتح على قضايا العصر، وعلى قضايا الواقع، وعلى قضايا الإنسان، والذي يقدر على توظيف الفكر في خدمة الإسلام، وعلى أن يعيد تشكيل عناصر المعرفة بما يقدّم الأمة الإسلامية نحو الأمام.

 

 

العنصر الثاني: التحرّر.

وهذا أهم شعار تطرحه التيارات المثقَّفة في عالمنا العربي والإسلامي.
إنهم يقولون بأنه لا يمكن أن يكون هناك مثقَّف غير متحرِّر. وهذه ليست قضية مطروحة فقط في عالمنا الإسلامي، بل حتى المثقَّف في التعريف الغربي أخذ فيه قيد التحرُّر، أي إنّ المثقَّف غير خاضع للسلطة بمعناها العام، حتى أنّ بعضهم من شدّة ما تصوَّر أنّ المثقَّف لابد أن يكون متحرِّراً توهَّم أنه لابُدّ في كلّ مثقَّف أن يكون معارضاً للسلطة. وهذا غير صحيح؛ لأنّ التحرّر هو عنصر انطلاقة العقل، فإذا كان العقل مكبّلاً ـ حتى بمفهوم المعارضة ـ، خائفاً، غير قادر على أن يتحرّر، لا يمكن أن ينفتح على عالم جديد، بل سيبقى في دائرة الانغلاق، وفي موقع الحاشية، وتعليقة الحاشية، وشرح تعليقة الحاشية، ثم تلخيص الشرح، ثم كتابة تعليق على التلخيص، ثم شرح التعليق. سيبقى في حلقة دائرية يدور وتدور معه، دون أن يعرف إلى أين تنتهي به الأمور.

عندما نقول: «التحرّر من كلّ القيود» فإنّنا نعني قيود عالم المعرفة، إلا القيود التي توصّل المثقَّف إلى القناعة بها، فلا توجد قيود تفرض عليه من الأعلى ما دام لم يقتنع بها. وهذا معناه أنّه يجب عليه أن يكون منسجماً مع نفسه. فالمثقَّف لا يمكن أن يكون مثقَّفاً إذا لم يكن متحرِّراً من التراث، ولم يكن متحرِّراً من الواقع. وهذا لا يقتضي بالضرورة أنّ يكون متفلِّتاً، فليس التحرّر معاداةً للتراث، وإنّما هو أن لا يعيش المثقَّف عقدة التراث، أن لا يعيش دائماً حالةً من الرهبة والخوف وعدم القدرة على التفكير داخل إطار هذا التراث أو خارج إطار ذاك التراث. فبعض الناس هناك أشياء تحكمه، ولا مبرّر لها حتى من وجهة نظره، لكنه يقول لك: أنا لا أقدر على أن أخرج من هذا المربّع الذي أنا فيه!!

هذا هو التحرُّر القائم على معطيات علمية، دون القائم على الرغبة في التحرّر لا غير.

 

العنصر الثالث: النقد.
وهذا العنصر نتيجةٌ طبيعيةٌ للتحرُّر.
فالمثقَّف دائماً نقّاد، حتى أنهم في بعض المدارس الأدبية قالوا: ليس لك أن تصبح مثقَّفاً إلا أن تصبح نقّاداً. فالنقد هو الدليل والوثيقة والسند المثبت لكونك متحرِّراً، ولست بخائفٍ ولا مرتبك، هو الدليل على أنّك تفكّر ولا يفكّر عنكَ أحدٌ. والنقد هنا لا يعني الرغبة في النقد بما هو هو، أو أن تعيش عقدة النقد، كما يحصل مع كثير من مثقَّفينا في العالم العربي والإسلامي. فبعضنا لكي يثبت هويّته ووجوده الثقافيّين، ولكي يثبت أنّه مثقَّف، يقول لك: أنا لابدّ أن أنتقد، فلو لم أنتقد لا أكون مثقَّفاً.
نحن نقول: النقد ليس مقدَّساً في حدّ ذاته، وإنّما يغدو كذلك عندما يقع في سيرورة الإبداع، فيكون مقدّمةً له، فلا تُبدع أمّة قبل أن تنتقد واقعها، فإذا لم تنتقد واقعك فعلامَ تفكّر لكي تبدع؟! إذا كنت ترى أنّ واقعك كاملٌ، وأنّ الواقع المحيط بك ـ من علمٍ ومعرفة، ومن ممارسة وعمل، ومن نظم اجتماعية وسياسية ـ كاملٌ تامٌّ لا مشكلة فيه، فلماذا تبدع شيئاً جديداً ما دام الواقع كاملاً؟! هذا يعني أنّه لكي تخطو الخطوة الأولى نحو الإبداع لابد أن تكون عندك رؤية نقدية. يجب أن نلتفت في البداية إلى الثغرات الموجودة في الأمر الواقع، ثم نبدأ بسدّ هذه الثغرات. يجب أن ندرك النواقص الموجودة في منظومتنا المعرفية والفكرية لكي نقوم بالتعويض عنها بواسطة منظومات معرفية جديدة.
إذاً العناصر الرئيسة التي تجمع التعريفات الكثيرة للمثقَّف، هي: الوعي، والتحرّر، والنقد. وليس من الضروري أن نأخذ هذه العناصر الثلاثة بشكلها السلبي. وإذا طبّقها بعضُهم بطريقة سلبية فلا شأن لنا بتطبيق الآخرين.
 
سياقات تاريخية لإشكاليّة العلاقة بين الفقيه والمثقَّف
وبناءً على ما تقدّم نجد أنّه لا يوجد تباين بين مفهومي: الفقيه؛ والمثقَّف، خلافاً لما بات متعارفاً في أدبياتنا في العالم العربي، حيث يجري التركيز دائماً على إشكالية التباين بين الفقيه والمثقَّف، بل قد تجد فقيهاً مثقَّفاً، وقد تجد مثقَّفاً فقيهاً. فإذا كان هذا الفقيه متحرّراً في فكره، ونقّاداً لواقعه عندما يرى فيه النواقص، وكان واعياً لما يحيط به، منفتحاً على أفق معرفيّ رحب، ومستعداً للحوار..، إذاً فهذا فقيهٌ مثقَّف. فليست الثقافة مباينةً للفقاهة، كما تُصوّرها أدبياتنا العربيّة، بل والإسلاميّة المعاصرة، ولا الفقاهة مباينةً للثقافة، بل يمكن الجمع بينهما بشكل أو بآخر.
المشكلة الأساس تكمن في أنّ العلاقة بين المثقَّف والفقيه ظلّت علاقةً إشكاليةً منذ فترات بعيدة. ولعلّه يمكن القول بأنّ إشكالية العلاقة بين المثقَّف والفقيه ترجع ـ في خلفيّتها التاريخية ـ إلى إشكالية العلاقة بين الفقيه والفيلسوف في القرون الهجرية الأولى. فالأزمة التي عرفها المسلمون بين الفقهاء والفلاسفة، وبين المعتزلة وأهل الحديث، أو بين النزعة العقلية والنزعة النصية ـ إذا جاز التعبير ـ، هي شكلٌ من أشكال الخلاف بين المثقَّف والفقيه، لكنْ على الطريقة القديمة. وما فعله ابن رشد كان محاولة لحلّ إشكالية العلاقة بين المثقَّف والفقيه، لا أقلّ من وجهة نظره. وهكذا عندما جاء الملا صدرا الشيرازي أراد تحقيق الهدف نفسه، بجمعه بين الحقيقة والطريقة والشريعة، حتى لو لم تكن تسمية المثقَّف والفقيه متداولةً في تلك العصور.
هذا كلّه يعني أنّ أزمة العلاقة القائمة بين المثقَّف والفقيه قد يمكن إرجاعها بأشكال مختلفة إلى القرون الغابرة. ولكنّ شكلها الجديد يعود إلى بضعة عقود من الزمن، عندما ظهرت ألوان التفكير الفلسفي والإنساني البعيد عن الدين، وبُنيت العلوم الإنسانية بناءً جديداً بطريقة لا تقوم على أسس دينية، فظهر مثقَّفٌ يفكّر في قضايا الإنسان، دون أن يكون مضطرّاً للرجوع إلى نصٍّ من كتابٍ أو سنّة.
 
تطوّرات مشهد العلاقة المأزومة في المرحلة المتأخِّرة
الظاهرة الجديدة التي حصلت هي أنّ هذا المثقَّف أخذ شكلين نسمّيهما: المثقَّف الخارج ـ ديني؛ والمثقَّف الداخل ـ ديني.
أمّا المثقَّف الخارج ـ ديني فهم بالدرجة الأولى المثقَّفون الماركسيون وغالبيّة الاشتراكيّين، الذين عرفهم العالم الإسلامي في القرن العشرين. كانوا يفكّرون وينتقدون ويحلّلون ويدرسون واقعهم ـ ومنذ البداية ـ بمعزل عن النصّ الديني. فهم لم يُتعبوا أنفسهم في الدخول في أعماق النص الديني؛ ليحاولوا منحه تفسيراً آخر، بل قالوا من البداية: نحن نقع خارج إطار هذه النصوص الدينية القديمة التي عندكم، ونفكّر بطريقتنا الخاصّة، ونعي الواقع والإنسان بطريقتنا الخاصّة، ونتحرّر بطريقتنا الخاصّة، وننتقد بطريقتنا الخاصّة، ونبدع وفق نظمنا الفكرية الخاصّة. فمنذ البداية كانت هناك حالة تخارج بينهم وبين النصّ، بل بينهم وبين الدين.
هذا الأمر كان ظاهراً في الخمسينيات وإلى أواسط الثمانينيات، حيث كان الغالب على المثقَّف أنه خارج ـ ديني؛ نظراً لهيمنة المدارس الوضعية والماركسية والاشتراكية على حركة المثقَّف في عالمنا الإسلامي عموماً.
وقد كان أهمّ مثقَّف يواجهه السيد الشهيد الصدر هو هذا النوع من المثقَّف، أعني المثقَّف الخارج ـ ديني، الذي أتى بالماركسية والشيوعية والاشتراكية ومفاهيم الإلحاد بمعناه النظري والعملي. هذا النوع من المثقَّف هو الذي كان يواجهه السيد الصدر، وهذه نقطةٌ جديرةٌ بالانتباه.
لكن الذي حصل أن تعقّدت الأمور أكثر ممّا نتصوّر عقب انهيار المعسكر الشرقي، فاندحرت الماركسية والاشتراكية والوضعيّة لصالح التيار الإسلامي، الذي بلغ أوْجَهُ في الثمانينيات، ليمسك بزمام المعارضة اليسارية في العالم العربي والإسلامي، خلفاً لهذه التيارات. وهنا واجهت فلول الماركسيين والاشتراكيين والوضعيين والمثقَّفين الخارج ـ دينيين، كما سمّيناهم، واقعاً صعباً، فلم يعُدْ لديهم أيّ ركن حفيظ يلجأون إليه، فكيف سيقفون أمام المدّ الإسلامي الزاحف؟ هنا اختلفت قواعد اللعبة. فبدل أن يواجهوا المفاهيم الدينية من الخارج دخلوا في النصّ الديني نفسه، وبدأوا يعيدون فهمه بالطريقة التي تستطيع أن توصلهم لنفس الأهداف. وهذا مفترق طرق حسّاس لم يكن ظاهراً بقوّة قبل ذلك. نعم، كانت هناك جماعات محدودة استخدمت هذا النهج؛ لأسباب مختلفة، وكان لها حضورها في إيران ومصر خاصّة، لكنّها شهدت نموّاً مطّرداً ومذهلاً بعد انهيار المعسكر الشرقي.
ويقول هؤلاء: نحن متديّنون ـ بالمعنى العام للكلمة ـ، ونؤمن بالقرآن، وقد انتهينا من المرحلة التي نريد أن نواجه فيها الكتاب والسنّة من الخارج. لم نعد نريد إطلاق الرصاص على الكتاب والسنّة، أو على الفكر الديني من الخارج. لا، نحن سنندمج وننصهر داخل المنظومة الدينية، ونقول: لدينا تفسيرٌ آخر للقرآن يُنتج إسلاماً اشتراكياً، ويصبح معه أبو ذرّ الغفاري شيخ مشايخ الاشتراكيين. نحن لدينا تفسيرنا للقرآن والسنة نستطيع من خلاله الوصول إلى أكثر المفاهيم ليبراليةً وعلمانيةً.
هذا واقعٌ حصل. وهذا لا يبطل فهمهم الجديد للنصوص الدينية، ولا يثبت صحّته. نحن نوصِّف المشهد فحسب. فكثيرون لم تكن لهم أيّة علاقة بالمفاهيم الدينية، لكنّهم بعد انهيار المعسكر الاشتراكي خاضوا غمار فهم النصّ الديني، وتحليل بُنيته الخطابية والكتابية. والغريب أنّ بعضهم صارت علاقته جيّدة بالسلطة رغم يساريّته العتيقة. ولا نريد الدخول في أسماء هنا. وهذا لا يعني أنّ كل من لديه مثل هذه الأفكار هو اشتراكيّ أو ماركسيّ. وأرجو التنبّه لهذا الأمر جيّداً.
إذاً كانت المواجهة من خارج النصّ فصارت الآن داخله. فبدل القول بأنّ القرآن باطل لا قيمة له، يمكن القول بأنّه مطلق التاريخية، بمعنى أنّه بمجيء عصر النهضة في أوروبا انتهى عصر القرآن.
من هنا ندرك أنّ المشهد الذي كان يواجهه السيد الصدر في تقديري هو في الغالب مشهد المثقَّف الخارج ـ ديني (الماركسي، والاشتراكي، و..)؛ أمّا المشهد الذي بتنا نواجهه اليوم فهو مختلف تماماً. فقواعد اللعبة تغيّرت، ويجب أن تتغيّر، لأن التموضع من جانب أطراف اللعبة يترك أثراً بالغاً عليها.
ويبدو لي أنّ بعضنا لم يَعِ بعدُ أنّ قواعد اللعبة قد تغيّرت، فظلّ مصرّاً على استخدام الأساليب التي كانت متَّبعةً مع الفريق الأول مرّةً أخرى مع الثاني.
وفي تقديري أنّ هذا خطأٌ ليس مجال الحديث عنه الآن. وكلّ ما يمكنني قوله: إنّ الحرب عندما تقع والعدوّ في خارج أرضك تختلف عنها ـ في طرقها وأساليبها ـ عندما يكون العدوّ داخلها وبين ظهرانيك وفي صفوف قوّاتك المسلّحة.
ولعلّ تشبيهاً بسيطاً لا نقصد منه الاتهام أو الظِّنة، يمكنه أن يساعدنا على فهم طبيعة التغيّر في قواعد اللعبة، فالرسول الأكرم’ كان يميّز بين الكافرين والمنافقين، ورغم شدّة لحن الخطاب القرآني مع المنافقين فإنّ أدوات المواجهة وأسلوبها وطبيعة استيعاب الأحداث كان يترك أثراً كبيراً على نوعية الأداء النبوي مع المنافقين، بما جعل سياسته معهم تختلف عن سياسته مع الكفر والإلحاد.
ربما يساعدنا هذا التبسيط والتشبيه في فهم ضرورة التمييز بين المثقف الخارج ـ ديني والمثقف الداخل ـ ديني على مستوى كيفية التعاطي إذا اشتركا معاً في القناعات والأهداف والنتائج، فضلاً عما إذا اختلفا.
 
لماذا الاشتباك بين المثقَّف والفقيه؟!
لماذا ولدت المشكلة، سواء مع المثقَّف الخارج ـ ديني أم المثقَّف الداخل ـ ديني؟
هناك أسباب كثيرة، لكنّني سوف أقتصر على ثلاثة منها، وأرجو أن نتأمّل فيها جيّداً:
 
1ـ إشكالية المنهج
هنا يقال بأنّ الفقيه شخصٌ يفسِّر نصّاً ويطوف حوله، فهو يتعامل مع نصّ ثابت لا ينتجه ـ كما يقول السيد الصدر في «اقتصادنا» عندما يتحدّث عن اكتشاف النظام الاقتصادي، وليس إبداعه ـ. فالفقيه يحاول أن يكتشف النصّ، ويعتبر أنّ اكتشاف النص ومدلولاته كافٍ في إثبات الحقّ والحقّيّة. وبعبارة أخرى: إذا أردنا الآن أن نعرف هل يجوز للإنسان أن يأخذ الفائدة البنكيّة أم لا؟ فإنّنا نرجع إلى النصّ، فنثبت صدوره، ونتأمّل إطلاقاته وعموماته، ونفحص في مقيّداته ومخصّصاته، ونرصد معارضاته هنا وهناك، فإذا ثبتت هذه العناصر كلّها خرجنا بنتيجة تقول: إنّ الكتاب والسنّة يحكمان ـ مثلاً ـ بحرمة الفائدة البنكيّة. وهنا يقول لك الفقيه: الحقّ أنّ الفائدة البنكية حرام. هكذا يعبّر في نهاية البحث.
حسناً، من أين عرف الفقيه حقّيّة هذه النتيجة، وأنّ الفائدة البنكيّة تحوي مفاسد شديدة تبلغ درجة التحريم القانوني؟ الجواب بديهيٌّ وواضح: إنّه النصّ الذي كشف له حقّيّة هذا الاستنتاج.
المثقَّفون في عالمنا الإسلامي ـ أو مَنْ سُمّوا بذلك ـ على اتجاهاتهم ومدارسهم وأطيافهم؛ لأنهم ليسوا حزباً واحداً…، يقول كثيرٌ منهم بأنّ هذه الطريقة في إثبات أحقّيّة الأشياء والمفاهيم يجب أن نطوي عنها كشحاً، إنّهم يقولون لك بأنك ترى أنّ هذا النص مقدّس، وتريد أن تقول: إنّ النتيجة التي خرجت بها مقدّسة أيضاً، أمّا نحن فنريد أن نختبر المقدّس. اختبار المقدّس هنا معناه أن تضعه على أرض الواقع، ولنطبِّقه سنةً أو سنتين أو ثلاثاً أو..، ثم لننظر هل سيتحسّن الاقتصاد؟ هل ستتقدّم التنمية؟ إذا رأينا أنّ التنمية حصلت فهذا يعني أنّ النتيجة التي توصّلتَ إليها تغدو صحيحةً؛ لأنّها قدّمت معطياتها على أرض الواقع، أمّا إذا لم تكن النتيجة كذلك، بل تدهور الاقتصاد، وتراجعت معدّلات النموّ، فهذا يعني أنّ القول بحرمة الفائدة البنكيّة ليس حقّاً، ولا أقلّ في هذه المرحلة خاصّة.
هنا تكمن إشكاليّة المنهج. فحقّيّة الأشياء في الأمور العملية لا تنبع من ترتيب المقدّمات ترتيباً ذهنياً صحيحاً، وإنما تنبع من اختبار نتائج هذه المقدّمات على أرض الواقع؛ فإن نجحت فأهلاً وسهلاً بها؛ وإلاّ فهذه النظرية باطلة بهذا المعنى النسبيّ الذي أشرنا إليه، وهنا ننتقل إلى نظرية أخرى.
هذا خلافٌ أساسيٌّ بين طريقتَيْ تفكير: المثقَّف؛ والفقيه. وفي الوقت الذي يختبر المثقَّفُ نتائج الاجتهاد في النصّ يعترض الفقيه، ويقول: ليس من حقّك أن تقول بأنّ حرمة الفائدة البنكيّة ليست حقّاً؛ فلعلّك أنت الذي قصّرتَ في التطبيق؛ لعلّ هناك ملابسات لم تلتفت أنتَ إليها؛ لعلّ هناك قيوداً لم تتنبّه أنتَ لها.
هنا تختلف المرجعيّات وتتجاذب، بين مرجعية الاختبار العمليّ ومرجعية النص والنظرية. فهناك مرجعٌ نظريّ يعتبر أنّ الحقّ يكمن في ترتيب المقدّمات، إنّه يحيا حياة عالم الرياضيّات؛ وهناك مرجعٌ عمليّ يعتبر أنّ الحقّ يكمن في اختبار الأمور على أرض الواقع، وليس له شأن بالنظريات. هذا خلاف منهجيّ أساسيّ جدّاً يشبه النمط الوضعيّ في التفكير، والذي يرى أنّ القضايا الفلسفية ليست بقضايا، أو هي قضايا لا معنى لها ما دام لا يمكن اختبارها بالحسّ والتجربة.
هناك حاجة ماسّة للتفكير في هذا الموضوع، فأيُّ النظريتين صحيح؟ وهل يمكن إيجاد مصالحة بينهما أم لا؟
 
إشكاليّة المرجعيّة الماضويّة
وفي هذا السياق تتجلّى المرجعيّة عند الفقهاء في النصّ الذي هو حدثٌ وقع في الزمن الماضي؛ لأنّ القرآن الكريم نزل في الزمن الماضي، والسنّة الشريفة صدرت في ذلك الزمان أيضاً. فالمرجعيّة هي الماضي، وخصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار السنّة العمليّة للمعصوم؛ إذ إنّك هناك تتكلّم عن تجارب وقعت في الماضي، وتعتبرها مرجعاً لك في العصر الحاضر.
إنّ الكثير من التيارات المثقَّفة تعاني من مشكلة مع هذا النوع من التفكير. وهذا ما أدّى إلى تصادمها ـ محقّةً أو غير محقّة؛ إذ نحن نوصّف لحلّ المشكلة، ولا نحلّها بالفعل ـ. فهي ترى أنّ هذه المرجعية الماضويّة تعاني من الكثير من المشاكل؛ لأنّ هذا النوع من المرجعيّات يساوي استنساخ التاريخ، وأيّة عملية استنساخ للتاريخ لن تكون ناجحة. فلا يمكن لتاريخٍ مضى قبل ألف وخمسمائة عام أن يُعاد استنساخه في حياة بشر يختلفون في نظمهم الاجتماعية والاقتصادية وأنماط عيشهم عن الذين كانوا يعيشون في النظم الزراعية. فتلك حياة زراعيّة، ثم جاءت حياة صناعيّة، وهناك من يقول بعد السبعينات بظهور الحياة ما بعد الصناعيّة، فكيف تريد أنتَ أن تجعل مرجعيّتي تجربةً ظهرت في العصر الزراعيّ والقبليّ، ووضعت نظماً ناجعةً ومتفوّقةً، ونحن اليوم نعيش في العصر ما بعد الصناعي، ونريد أن نطبّق تلك النظريات؟!
هنا وقع الخلاف بين المثقَّف والفقيه. فالفقيه يقول: نحن خاضعون للنصوص؛ لأنّها قد صدرت من الله تبارك وتعالى، الذي هو أعلم منّا بمصالحنا، والذي هو أدرى منّا بأسرار نفوسنا، واجتماعنا، وتاريخنا، واقتصادنا، ونظمنا، فيما أنتَ تريد بعقلك القاصر والناقص أن تستبدل تلك المرجعية الإلهيّة الرشيدة بمرجعية غير مضمونة!! ذلك أنّه على المستوى العقلي ثمّة تغيّرات في فهم الأشياء، وكلّ يوم تظهر نظريات جديدة، ولاسيّما في العلوم الإنسانيّة، فكيف يمكن أن نتخلّى عن مرجعية معصومة، هي مرجعية الله والنبيّ، لنأتي بمرجعية غير مضمونة، ولا نهائيّة، حتّى عند أصحابها؟!
ويظهر هذا الأمر جليّاً في الاتجاه الذي بدأ يسود في العصر ما بعد الحداثوي، حيث أصبحنا نسمع مقولات من نوع: العقل ليس سلطاناً مقدَّساً يجلس على كرسيّ العرش بلا منازع، كما كان يريد أرسطو وديكارت، بل قدراته محدودة. فقد اعترف أصحاب الانتصار للعلوم الطبيعية والإنسانيّة أنفسهم بأنّ عصر النهضة والحداثة قد وقعا في الخطأ بظنّهما أنّ العقل قادرٌ على كلّ شيء، وأنّه لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون، وقد تراجعوا الآن، فكيف يُراد لنا أن نعتمد على مرجعيّة العقل هذه، ونترك مرجعية الماضي، التي تعني مرجعيّةً مقدّسة إلهيّة؟!! هنا وقعت الإشكالية، واحتدم الاشتباك الذي لابدّ من فضّه بطريقةٍ أو بأخرى. ولسنا في صدد المعالجة، ولا الترجيح بين وجهات النظر فيها.
 
2 ـ إشكاليّة السلطة
الإشكاليّة الثانية، التي قد تكون في تقديري أهمّ من الإشكاليّة الأولى (إشكاليّة المنهج) هنا، هي إشكالية السلطة. وحينما نقول: السلطة فإنّنا نأخذ مفهومها الواسع على المستوى السياسي، والاجتماعي، والمالي، والديني، أي إنّها تعني هنا مطلق النفوذ. فالعلم سلطة، والثقافة سلطة؛ لأنّها أسلحةٌ بيد أصحابها. ولا تنحصر السلطة بالسلطة السياسيّة، والجيش والقوات المسلّحة.
يجب أن أشير هنا إلى أنّ كلمة (سلطة) تمثِّل مصطلحاً سلبيّاً مع الأسف في الثقافة العربيّة المعاصرة، وكأنّها شتيمة. لكنّنا هنا لا نقصد (السلطة) بالمعنى السلبيّ الذي يشي بحبّ الذات والتسلّط، وإنّما نريد بها مطلق المطالبة بأن يكون لك نفوذ في الحياة الاجتماعيّة، إنّها أشبه شيء بحقٍّ غريزيٍّ فطريٍّ.
إنّني أعتقد بأنّ هناك إشكالاً سلطويّاً بين المثقَّف والفقيه. ولكي ننبِّه لهذا الادّعاء يمكن أن نحثّ على ملاحظة بعض الموضوعات الملتهبة التي وقعت بين الفقهاء والمثقّفين خلال العقود الأخيرة. فمثلاً: هناك مَنْ انتقد موضوع التقليد بشدّة، ولم يقبل به، وذهب إلى أنّه يجب علينا أن نغيّر نظرنا فيه، ولا يصحّ أن نبقى متّبعين للمراجع بهذه الطريقة، بل أطلقوا أوصافاً خاصّة، وقالوا: لا يصحّ ولا يحقّ لمرجع التقليد أن يبقى مهيمناً على العالم الإسلامي وعلى أرواح الملايين بهذه الطريقة التي تدفع الناس للاتّباع الأعمى!! وفي المقابل هناك دفاع مستميت من الفريق الآخر للمحافظة على الوضع القائم في قضيّة التقليد، وربطه بجوهر الدين ومصيره. برأيك كيف نفسّر هذا الخلاف؟! أعتقد أنّه خلاف سلطة.
إنّ المثقَّف هنا يدعو لإحداث زحزحة في قضيّة التقليد، وكأنّه في اللاوعي يقول: إذا لم تحصل زحزحة فليس لنا مرقد عنزة، فيجب حصول تحوّل حتى نتمكّن من أن يكون لنا نفوذ في المجتمع الإسلاميّ، وإلاّ سنبقى دائماً مطيعين لهذا المرجع.
إنّهم يدافعون عمّا يرونه حقاً لهم بالقول: نحن نُعدّ بالملايين، نحن شريحة كبيرة في المجتمع، تملك علماً وخبرةً وفهماً، ولها صولاتها وجولاتها في الفكر والثقافة والاجتماع والممارسة. إذاً فمن حقّنا الطبيعي أن نتقاسم هذه السلطة بيننا وبين الطرف الآخر. فعلينا ـ عندما نعجز عن التغيير بالقوّة ـ أن نُحدث تحوّلاً من خلال تغيير مسار المفاهيم نفسها.
يريد المثقَّف أن يكون له دور في النفوذ الاجتماعيّ، ويرى الفقيه أيضاً أنّ من حقّه ـ من موقع امتلاكه للعلم والمعرفة والدين، وهذه كلُّها سلطة ـ أن يكون له دوره أيضاً. وهنا تتصادم المصالح ـ لا بالمعنى السلبيّ للكلمة ـ، وتقع المشكلة.
موضوع السلطة هذا موضوعٌ إشكاليٌّ ومهمٌّ جداً. فليست الأمور دائماً فكريّةً بحتة، كما نحبّ أن نصوّرها، وليست الخلافات ثقافيّة وعلميّة فقط، بل تقبع خلف هذه الخلافات اتجاهات ودوافع، نبيلة وغير نبيلة، سليمة وغير سليمة. ولا شأن لنا بنوايا الناس.
هذا ما أردت أن نسلّط الضوء عليه في فهم هويّة الخلاف بين المثقَّف والفقيه في واحد من أضلاعها الرئيسة.
 
3 ـ إشكاليّة الاعتراف
الإشكالية الثالثة ـ والأخيرة ـ التي نودُّ طرحها هنا هي إشكالية الاعتراف. وهي أيضاً إشكاليّةٌ كبيرةٌ جدّاً. فهناك شعور من الفرقاء المتنازعين بأنّ الآخر ليس بشيء. الآن، لو سألتَ غير واحدٍ في الحوزة العلميّة والمؤسّسة الدينية يقول لك: هؤلاء المثقَّفون ـ بمَنْ فيهم المثقَّفون الدينيّون ـ ليس لهم حظٌّ من العلم، كلامهم أدبيّات وأشعار وصحف، وليس لديهم عمق ودقّة مثلنا. وإذا ذهبنا إلى الوسط الجامعي أيضاً فسيُقال لك: هؤلاء المشايخ ليس لهم حظٌّ من العلم، هم مجموعة حفظة للكتاب، والسنّة، وللقصص والحكايا، وبعض الأحداث التاريخية، ويعرفون قَدْراً من اللغة.
المشكلة أنّ كلَّ فريقٍ لا يعترف بصاحبه الاعتراف المطلوب، الموجب لحصول حالة التراضي والاطمئنان الذاتي.
وأخطر المشاكل التي تؤدّي إلى تضعضع السِّلْم الأهليّ وتوازن الحياة الاجتماعيّة هو عدم الاعتراف؛ لأنّ الإنسان بغريزته الفردية والجماعية يريد من الآخرين أن يعترفوا به وبوجوده وبحقّه. وهذا أمر طبيعيٌّ. فعندما يقال له: إنّك لست بشيءٍ فمن الطبيعيّ أن تحدث المشكلة. وعندما يقول هو لكَ أيضاً: أنت لست بشيء فمن الطبيعيّ أن تدافع عن نفسك.
إذاً هذا التصادم بين الفقيه والمثقَّف يبدأ من المنهج، أي من طريقة التفكير بينهما، ويمرّ برغبة كلّ واحدٍ من الطرفين في أن يكون له حجمه الاجتماعيّ الموازي لما يراه حجمَه المعرفيّ، أي إشكاليّة السلطة، وينتهي بإشكاليّة الاعتراف، أي أنا موجود فعليكَ الاعتراف بي، وأيُّ إنكار منك لوجودي معناه أنني سوف أناضل وأشتبك معك.
هذه إشكالياتٌ ثلاثٌ تعبِّر عن نماذج المعضلة القائمة، لننظر وفقها ماذا فعل السيّد الصدر في هذا المضمار، فهل كانت له محاولاتٌ أم لا؟ وهل كانت الخطوات التي قام بها ولو لم يربطها صراحةً بموضوع حديثنا… هل كان لها دور في تخفيف حدّة التأثيرات السلبية لهذه الإشكاليات الثلاث؟ وهل كان سلوكه&، بوصفه فقيهاً مثقَّفاً، عاملاً مساعداً على إيجاد التقارب بين هاتين الشريحتين الكبيرتين أم لا؟
 
فضّ الاشتباك بين المثقف والفقيه
إذا جئنا إلى الحلول التي قد نلمحها بالتحليل في نصوص وتجربة السيد الشهيد الصدر، فإنّنا نوجّه لأنفسنا السؤال التالي: هل سعى السيد الصدر لحلّ هذه المعضلات الثلاث المتقدّمة (إشكاليّة المنهج، إشكالية السلطة، إشكاليّة الاعتراف)، سواء عبّر عنها هو نفسه بأنها حلول لإشكالية العلاقة بين المثقَّف والفقيه أم لا؟
في تقديري إنّ الجواب سيكون بالإيجاب، فقد كان هذا السعي واضحاً وملموساً، وذلك عبر الخطوات التالية التي نلمسها في تجربته:
 
1ـ تثقيف الفقيه وتفقيه المثقَّف
لعلّ هذا هو أوّل الخطوات في طريق الحلّ. فعندما تثقّف الفقيه وتفقّه المثقَّف يقترب الاثنان من بعضهما فكريّاً، أي يحصل نوع من التقارب الفكريّ والمزاوجة الفكريّة بين الطرفين. وعندما تكون هناك عزلة وجفاء وغربة وقطيعة بين الفريقين، فلا يعرف الفقيه شيئاً عن تفكير المثقّف وطريقته، ولا يعرف المثقَّف شيئاً عن فكر الفقيه وطريقة تفكيره، تزداد الإشكاليّات حدّة.
عندما نقول: ثقّف الفقيه فأنا أخدم مشروع حلّ الإشكالية بين المثقّف والفقيه؛ لأنني أقترب بالفقيه من أن يصبح على تماس مع طريقة تفكير المثقّف، ويتماهى معه، ويتقمّصه. وعندما أقول للمثقَّف: تعالَ كي تتعرّف على الفقه والعلوم الحوزوية أكون قد كسرت جبل الجليد الموجود بين الفريقين. طبعاً بشرط أن تكون ظروف التعرّف على بعضهما غير صداميّة، أي في حال طبيعيّة.
عندما يكتب السيد محمد باقر الصدر كتابه (المعالم الجديدة للأصول(، ويراد لهذا الكتاب أن يعرّف الجامعيين والأكاديميين على علم أصول الفقه الموجود في الحوزات العلميّة، والذي هو من أكثر العلوم الإسلامية أصالةً، بعد إنتاجه من رحم التجربة الحضارية الإسلامية، على خلاف مثل: الفلسفة والمنطق، المشوبان بنطفة يونانية، وإنْ تطوّرا بشكل هائل في التجربة الإسلامية، فإنّه يهدف للتقريب بين الصرحين العلميّين الكبيرين: (الحوزة؛ والجامعة)؛ إذ لماذا يريد أن يعرّف المثقَّف أو الجامعي أو الأكاديمي على الحقيقة والمجاز والتبادر والعلم الإجماليّ والاستصحاب؟! ولماذا يريد تعريفه بالتخصيص والتقييد واستصحاب العدم الأزليّ؟! وما هي الفائدة من وراء ذلك؟!
لا توجد ضرورة، لكن عندما يريد السيد الشهيد الصدر منه أن يتعرّف فهو يهدف إلى تقريبه من المناخ الفكريّ الموجود في داخل الحوزة، وكأنّه يريد أن يفقّهه.
في هذه المناسبة يُنقل عن السيد الصدر أنّه كان يقول: يمكنني أن أمنح كلّ شخص جامعيّ ويحمل إجازة ما يحتاجه في وضعه المادّي على أن يأتي إلى الحوزة العلمية. ولعلّه أراد بذلك أن يشكّل في داخل الحوزة الشريحة الوسطى، أي الجامعيّ الحوزويّ والحوزويّ الجامعيّ.
ما معنى ذلك؟ دعونا نحلّل قليلاً. إنّني أتوقع أن الذي كان يؤرّقه هو إشكالية التصادم. فعندما كان يريد منه أن يأتي فهو يقصد تكوين الفقيه المثقَّف الجامعيّ والأكاديميّ الفقيه المتضلّع في العلوم الإسلامية؟ وإلا فبماذا نفسّر مشروع المعالم الجديدة للأصول؟! وكيف نفسّر مشروعه الثاني أو مشروع تعريف الحوزويين بالعلوم الإنسانية أو ما شابه ذلك.
إذاً هناك رغبة ـ أعتقد أنها واضحة إلى حدٍّ ما ـ عند الصدر في أن يُنتج فقيهاً مثقّفاً ومثقّفاً فقيهاً. وإذا حصلنا على فقيه مثقّف ومثقَّف فقيه فبالإمكان ردم الهوّة الموجودة بين الفريقين.
 
2ـ تحرير العلم والثقافة من الوضعيّة
من أعقد مشكلات الثقافة اليوم في علاقتها مع الدين والفلسفة أنّ الثقافة صارت رهينةً للتيار الوضعي والمدرسة الوضعيّة، إلى حدّ أنّه عندما يقال لك: ثقافة دينية، ومثقف متديّن، فإنّك تتصوّر في الأمر مفارقةً؛ إذ كيف يكون هناك اجتماع بين الثقافة بما تمثِّله من النزعة العلمية والدين بما يمثِّله من النزوع الفلسفي الميتافيزيقي؟! كيف يلتقيان وليس في الدين حريّة فكرية، ولا نقدٌ، ولا ذات؟!
لعلّ أهم خطوة يمكن للحوزات العلمية القيام بها؛ خدمةً للتقارب بين المثقَّف والفقيه، هي السعي لتقديم أنموذج قادر على أن يكون ثقافةً معاصرة بكلّ ما للكلمة من معنى، دون أن يكون وضعيّاً ملحداً.
ومن المناسب الاستشهاد بما أثاره العلاّمة الفقيد الشيخ محمد مهدي شمس الدين من التحفّظ على العلوم الإنسانيّة القائمة اليوم كلّها؛ لأنّها ـ من وجهة نظره ـ قد بُنيت على أصول فلسفيّة بشريّة في الغرب، تراكمت منذ عصر النهضة، واتخذت المنحى المادي التجربي. وهذه الأصول الفلسفية الغربية لا نؤمن نحن بها، من حيث إنّنا نملك رؤية فلسفية خاصّة عن المعرفة والوجود والعالم والإنسان والبدايات والنهايات. فمثلاً: المناهج التربوية والتعليمية قائمة على نظريات في العلوم الإنسانيّة مبنيّة بدورها على أصول فلسفيّة غير صحيحة إسلاميّاً، فهل يمكن القيام بوضع علوم إنسانية وفقاً لأصول فلسفيّة دينية؟ إنّ هذا الموضوع طويل يتّصل بقضايا أسلمة العلوم الإنسانية، وهي أسلمة قُدِّمت تصوّراتٌ كثيرةٌ مغلوطة حولها، في الوقت الذي تظلّ فيه ضرورة بمعنى من المعاني.
وهنا إذا استطعنا أن نقول بأنّ الأساس العلميّ الذي يعطي العلوم الطبيعية والإنسانية اعتبارها وقيمتها المنطقيّة هو نفس الأساس العلميّ الذي تستنتج منه الحقائق الدينية فإنّنا نكون قد اقتربنا منهجياً من المصالحة بين الفقيه والمثقَّف؛ لأنّنا شيّدنا المعرفة الدينيّة على أصول علميّة معاصرة، في الوقت الذي نكون قد حرّرنا الثقافة من الوضعيّة.
هذا هو ـ في تقديري ـ مشروع (الأسس المنطقيّة للاستقراءn الذي قام به الصدر. فهذا الفيلسوف قد توصّل ـ في مقام التأسيس المعرفيّ الذي شهده هذا الكتاب، وليس في مقام الجدل ـ إلى أنّ المنهج العلميّ والفكريّ الذي يُراد له أن ينتج العلوم الطبيعية والإنسانية هو بعينه المنهج الذي يمكن من خلاله إنتاج المعرفة الدينية، وذلك بنسبة من الاختلاف بسيطة، ألا وهو المنهج الاستقرائي في صيغته المعرفية الصدرية التي تمثلت في mالمذهب الذاتي للمعرفة« 179 180 181 182 183 184 185 186 »