أحدث المقالات

حوار مع العلامة السيد كمال الحيدري

أعدّ الحوار وأجراه: أ. عماد الهلالي(*)

يعدّ العلامة السيد كمال الحيدري أحد أبرز الشخصيات العلمائية المعاصرة عند الشيعة الإمامية، وقد عُرف واشتهر بحضوره العلمي في الحوزات العلمية، وله تجربة طويلة تمتدّ لعقود في الدرس والتدريس في هذه الحوزات، حيث تخرّج على يديه عدد كبير جداً من الطلاب.

ويمتاز العلامة الحيدري بغزارة إنتاجه العلمي، الذي يقارب حتى الساعة مائة مجلّد في ميادين علمية مختلفة، من الفقه والأصول والسيرة والكلام والفلسفة والعرفان والتفسير والأخلاق والمنطق وغير ذلك.

ومؤخَّراً طرح العلامة الحيدري مرجعيته الدينية مصدراً رسالة عملية لمقلّديه، ولاقت طروحاته حول المرجعية وشروطها ودورها جدلاً في الساحة الفكرية والمحاضر العلمية.

بدورها تتشرّف مجلّة «الاجتهاد والتجديد» بإجرائها هذا الحوار مع السيد الحيدري؛ لمزيد من استجلاء معالم نظريته حول الاجتهاد والفقه والأصول والمرجعية وقضايا العصر، وتشكر المجلّة معدّ الحوار ومجريه الأستاذ عماد الهلالي.

(أسرة التحرير)

الاجتهاد والتجديد: تقتضي متطلبات هذا العصر أن يعاد تقويم كثير من المسائل، ولا نكتفي بالتقويمات القديمة، وإلا فسنذهب في مهب الرياح. ومن هذه المتطلبات: الاجتهاد والمرجعية الدينية وما يتعلَّق بهما. وقد أولى الإسلام هذا الأمر أهمية كبيرة، سواء في الفكر أو التجارب الرسالية أو تشريعاته. واليوم وبعد هذه الصحوة المباركة نرى أن هناك تحدياً حضارياً على جميع الأصعدة، حيث يدخل الاجتهاد وتدخل المرجعية الدينية في معترك الصراع الحضاري في مواجهة التيارات الأخرى. وقضية المرجعية الدينية واحدة من الأمور التي تواجه تحدياً حضارياً كبيراً، يستدعي التحرك الإسلامي والتصدي بكل موضوعية؛ من أجل توضيح معالم التصورات الإسلامية في هذه القضية، ورسم آلية تطبيق النظرية في الواقع من خلال الوسائل الحضارية العلمية والثقافية. وللمرجع الديني السيد كمال الحيدري بحوثٌ واسعة واهتمامات كبيرة حول قضية الاجتهاد والمرجعية الدينية في العصر الحاضر، ويقدّم رؤية إسلامية متكاملة، من خلال كتبه الصادرة في شتى مجالات المعرفة الدينية. لهذا رأت مجلّة الاجتهاد والتجديد أن تجري هذا اللقاء معه.

سماحة السيد، ما هي صفات المرجع في العصر الحاضر؟ وما هي مؤهلاته؟

 

النبوّة والإمامة، الدور والوظيفة

العلامة الحيدري: في المقدمة أشكر القائم على هذه المجلة، وأدعو الله سبحانه وتعالى أن يوفقكم لإعطاء المزيد من مثل هذه الأبحاث أهميةً وعناية خاصة في مجلتكم.

في اعتقادي لكي تتضح الصورة في الشروط المطلوبة في المرجع الذي يتصدى لإدارة شؤون أتباع مدرسة أهل البيت في عصر الغيبة الكبرى لابدّ أن نستعرض المسؤوليات التي ألقيت على عاتق الإمام× في عصر حضوره؛ لأننا نعتقد في مدرسة أئمة أهل البيت أن المرجع في عصر الغيبة الكبرى يقوم بدورٍ أسَّس له أئمة أهل البيت في عصر حضورهم. وعندما نرجع إلى تاريخ الإسلام وإلى أدوار النبي|، وإلى دور الأئمة^، نجد أن النبي| كان يقوم بعدة أدوار:

الدور الأول دورٌ مختص به، وهو تلقي الوحي من الله سبحانه وتعالى. وهذا ما أغلق بابه بعد رحلته|. فغلق باب الوحي وباب النبوة وباب الرسالة إنما كان باعتبار أن النبي خاتم الأنبياء والمرسلين.

الاجتهاد والتجديد: يعني انقطع جبرائيل عن البشرية؟

العلامة الحيدري: نعم، انقطع في ما يرتبط بالوحي التشريعي وغير ذلك، أما ما يتعلق بمسألة التحديث فلذلك بحث آخر. هذه وظيفة كان يقوم بها، وهذه الوظيفة كانت مختصة به، وانتهت.

وهناك وظائف أخرى كان يقوم بها النبي|، ومنها بيان الدين وتفسيره، وفقاً لما نصّ عليه القرآن الكريم: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. إذاً ليست وظيفة الرسول الأعظم بيان الوحي فقط، وإنما تفسير هذا الوحي أيضاً، وتبيينه.

ومن الأدوار الأخرى التي كان يقوم بها النبي| إقامة هذا الدين في حياة الناس. وهو ما يتعلق بالإمامة السياسية، يعني أن النبيّ لم يكتفِ ببيان الوحي وتفسير الدين، وإنما سعى لإقامة دولة على أسس دينية في المدينة. هذا الذي لم يحصل في مكة المكرّمة، وحصل في المدينة المنورة. هذه مجموعة المسؤوليات.

وعندما أقول: الدولة أعني الدولة بكل أبعادها، من إدارة الحروب، وإدارة المجتمع، والقضاء بين الناس. هذه هي الأبعاد التي تحتاجها كل دولة بما يتناسب مع زمانها، وكلها كان يقوم بها النبي|.

الآن عندما ننتقل إلى عصر الأئمة بعد الرسول الأعظم نعتقد أنهم ^، ابتداءً بالإمام علي بن أبي طالب× وانتهاءً بالإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت، باعتبار أن الإمام الثاني عشر غاب عن الأنظار، هؤلاء الأحد عشر إماماً من أئمة أهل البيت ليس لهم الدور الأول؛ باعتبار انقطاع الوحي، ولكن الدور الثاني والثالث كان أيضاً ملقى على عاتقهم، يعني الوظيفة الأولى لهم: تبيين الدين، والوظيفة الثانية: إقامته في حياة الناس. وهذه الوظيفة الثانية لم تتوفر شروطها إلا نادراً، كما في زمن الإمام علي بن أبي طالب لبضع سنوات، وفي زمن الإمام الحسن لعدة أشهر، وأما ما عدا هذين الإمامين فالظروف لم تتهيأ لهم أن يقيموا دولة على أسس دينية كما حدث في زمن الرسول الأعظم|. وهذا بعد سياسي نودّ أن لا نتكلم فيه كثيراً. فينحصر الأمر في بيان الدين وتفسيره، وفي إعطاء رؤية كاملة عن جميع المعارف الدينية. وهذا ما قام به الأئمة^ على خير وجه.

أما وقد انتهينا إلى عصر الإمام الثاني عشر فأنتم تعلمون أن هذا الإمام قام أيضاً في فترة الغيبة الصغرى بإدارة وضع الشيعة، أما في فترة الغيبة الكبرى فقد انقطع الشيعة عن إمامهم الثاني عشر.

المرجعية الدينية، الوظيفة والدور

والسؤال المطروح: إلى مَنْ أُوكِلت مهمة إدارة الشيعة وشؤونهم في عصر الغيبة الكبرى؟ هذه هي القضية الأساسية، والتي من خلالها لابد أن نستخلص شروط مَنْ يتصدى لهذا الموقع.

ولكي نتعرف على شروط مَنْ يتصدى لموقع قيادة ومرجعية شيعة أهل البيت في عصر الغيبة الكبرى لابد أن نرجع إلى ما كان يقوم به الأئمة. ومن الواضح أن دور الأئمة لم يكن منحصراً في بيان جزء من المعارف الدينية، وهي المرتبطة بالحلال والحرام، أو المرتبطة بالفقه الأصغر، وإنما كان أئمة أهل البيت يتصدون لبيان منظومة المعارف الدينية كاملة، يعني في ما يتعلق بالقرآن، وفي ما يتعلق بالتفسير، وفي ما يتعلق بأصول العقائد، وفي ما يتعلق بالأخلاق، وفي ما يتعلق بالحلال والحرام، وفي ما يتعلق بالأمور الفردية، وفي ما يتعلق بالأمور الاجتماعية. هذه كلها كان أئمة أهل البيت يتصدون ـ بقدر ما يمكنهم ـ لبيانها لشيعتهم، وللمسلمين جميعاً.

إذاً ما هي الشروط التي لابد أن يتوفر عليها المرجع في عصر الغيبة الكبرى؟

الجواب: إنّ نفس الدور الذي كان يقوم به الإمام المعصوم لابد أن يقوم به المرجع أو المجتهد. ونعبر عنه بـ (المرجع) باعتبار أنه هو المتصدي لهذه القضايا، وحيث إن الإمام المعصوم× لم يكتفِ ببيان الحلال والحرام في الأمور الفردية فقط، يعني بمقدار رسالة عملية، وإنما كان متصدياً لبيان كل منظومة المعارف الدينية.

الاجتهاد والتجديد: وردّ الشبهات.

العلامة الحيدري: نعم، وردّ الشبهات، وحفظ ثغور الدين، والوقوف أمام الهجوم الفكري والثقافي والعقدي، فإن كل هذه الأدوار انتقلت إلى المرجع في عصر الغيبة الكبرى.

بين المرجعيّة الدينية والمرجعية الفقهية

ولذا نحن نعتقد أن مَنْ يريد أن يتصدى لشؤون المرجعية العامة في عصر الغيبة الكبرى لابد أن يكون مرجعاً شمولياً في مجموعة المعارف الدينية، ولا يكتفى منه أن يكون مرجعاً في خصوص الحلال والحرام.

ومن هنا نحن في هذا المشروع الجديد الذي طرحناه في المرجعية الشمولية ميَّزنا بين المرجعية الفقهية والمرجعية الدينية. ومرادنا من الفقه الفقه الأصغر، حيث قلنا: إنه لا يكتفى من المرجع أن يكون ملمّاً ومتخصِّصاً، وأعلم ـ بحسب الاصطلاح ـ في مسائل الحلال والحرام فقط، وإنما لابد أن يكون أعلم، أو أن يكون متخصِّصاً على درجة عالية من التخصص، في مجموعة ومنظومة المعارف الدينية جميعاً. وهذا ما عهدناه في مراجعنا السابقين، هذا ما عهدناه في عصر الغيبة الصغرى، أو ما يقربه. فأنتم تجدون أن الشيخ الطوسي لم يكن فقيهاً فقط، وإنما كان فقيهاً، وكان مفسِّراً، وكان متكلِّماً أيضاً. عندما نراجع تراث الشيخ الطوسي نجد أنه لم يكتب لنا في الفقه والأصول فقط، وإنما كتب في العقائد، والتفسير، وردّ شبهات وإشكالات الآخرين أيضاً. بل قبل ذلك نجد أن الشيخ المفيد كان متكلماً قبل أن يكون فقيهاً، وهذا يكشف عن أن المرجعية بطبيعتها وبإطارها العام كانت لأولئك الشموليين في المعارف الدينية. واستمرت هذه الحالة ـ في عقيدتي ـ إلى زمن ليس بالبعيد، إلى ما قبل مئتي سنة. ومنذ ذلك الحين بدأت الحوزات العلمية، وخصوصاً في النجف الأشرف، باتجاه أحادي البعد، وأصبحت المرجعية للأعلام الذين تخصَّصوا في الفقه الأصغر، يعني في الحلال والحرام فقط، من غير أن يعتنى بالشؤون ودوائر المعرفة الدينية الأخرى. أنا لا أقول: إن هؤلاء لم يكن لهم اطلاع، ولكني أريد أن أقول: إن عنايتهم واهتمامهم وكتبهم وتراثهم ودرسهم الرسمي كان في بُعْد معرفي واحد، في الفقه والأصول فقط. وأتصور أن هذا قد أدى إلى أننا عندما نرجع إلى بعض حواضرنا العلمية، كالنجف، نجد أن الدرس الفقهي والدرس الأصولي ـ وعندما أقول: فقهي فمرادي هو الفقه الأصغر، يعني الحلال والحرام ـ قد نما بشكل جيد وواسع، ولكن عندما نأتي إلى معارف أخرى، أو دوائر معرفية في الدين، كدوائر التفسير، والعقائد، وردّ الشبهات، نجد أنّ القضية لم تأخذ دورها الأساسي كما أخذ الفقه والأصول، إنْ لم نقل بأنها قد أغفلت تماماً.

وبعبارة أخرى: إنني أعتقد أن الشروط التي لابد أن يتوفر عليها المرجع في عصر الغيبة الكبرى هي نفس الشروط التي أوكلت إلى المعصوم×، مع الفارق الموجود بين العالم المجتهد وبين المعصوم×. إذاً لا نكتفي بمرجعيةٍ فقهية بالمعنى المصطلح، وإنما لابد أن تكون مرجعية دينية، أو مرجعية شمولية.

مستند أطروحة المرجعية الدينية الشمولية

الاجتهاد والتجديد: أشرتم إلى بعض النقاط، وأرجو أن توضِّحوها للقارئ الكريم. مثلاً: هل هذه الصفات أو الخصال التي طرحتموها، وهي الشمولية، التي كانت موجودة إلى ما قبل مئتي سنة، هل أشار إليها الأئمة في عصرهم أم أنتم استنبطتموها من خلال طريقهم؟

العلامة الحيدري: عندما يتحدّث القرآن الكريم عن النفر للتفقّه في الدين، وعندما نجد المعصومين^ يقولون: «العلماء ورثة الأنبياء»، أو «إن العلماء حصون الإسلام»، فهل ينحصر الدين في الآية والإرث في الحديث بالحلال والحرام. عندما تأتي إلى القرآن الكريم تجده يقول: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، فهل ينحصر الدين في خصوص الحلال والحرام؟ يعني هل يبدأ الدين من كتاب الاجتهاد والتقليد، وينتهي بكتاب الإرث أو الديات، أم أن الدين هو منظومة المعارف الدينية، التي تشمل العقائد والأخلاق والفقه الأصغر؟ أيٌّ منهما؟

وبعبارة أخرى: نحن عندما نرجع إلى القرآن الكريم نجد أنّ نصف آياته الشريفة ـ على الأقلّ ـ تكلّمت عن الأمور العقائدية، يعني تكلمت عن التوحيد، والنبوة، والمعاد، والإمامة، وصفات الله سبحانه وتعالى.

الاجتهاد والتجديد: التوحيد هو أساس المعارف الدينية.

العلامة الحيدري: أنا أتكلم عن منظومة المعارف، والتوحيد أساسها. ولكن منظومة المعارف تمثِّل نصف القرآن، يعني حدود ثلاثة آلاف آية، ولكن عندما نأتي إلى الفقه الأصغر، يعني الحلال والحرام، لا تتجاوز الآيات التي تكلمت عن ذلك خمسمائة إلى ستمائة آية. إذاً لماذا هذا الاهتمام الكبير بهذا الجزء، الصغير نسبياً إلى مجموع الآيات، وعدم الاهتمام الكافي بباقي منظومة المعارف الدينية؟ انظروا إلى كتاب (الكافي)، هل تجدون فيه فروع الكافي فقط أو يوجد فيه أصول الكافي وفروعه؟ فلماذا الاهتمام بفروع الكافي فقط وترك أصول الكافي والمعارف التي عرض لها الأئمة فيه، مع أننا بحاجة إليها اليوم في حوزاتنا العلمية.

إذاً العالم المرجع لابد أن يمتلك هذا البعد الشمولي؛ ليستطيع أن ينوب عن الإمام× في عصر الغيبة الكبرى. فكما أن المنوب عنه، وهو الإمام، كان شمولياً، وكان إماماً في مجموعة المعارف، في منظومة المعارف الدينية، فلابدّ أن يكون مَنْ يقوم مقامه في عصر الغيبة الكبرى بنفس المواصفات.

الاجتهاد والتجديد: إذاً أنتم استنبطتم فكرتكم عن مواصفات المرجع من خلال السياق التاريخي والمعرفي؟

العلامة الحيدري: الأهم من ذلك من الآيات القرآنية، والروايات الموجودة أيضاً.

المراد من الفقه الأصغر والفقه الأكبر

الاجتهاد والتجديد: أثرتم قضية الفقه الأكبر والفقه الأصغر، فما هو المراد؟

العلامة الحيدري: عندما يطلق الفقه الأصغر في كلمات الأعلام، وكاصطلاح بين علماء الكلام، يراد منه ما يتعلق بالأمور العملية في الإنسان، ما يتعلق بالحلال والحرام، ما ينبغي وما لا ينبغي، أما عندما يطلق الفقه الأكبر فالمراد ما يتعلق بالأمور الإيمانية، يعني ما يجب على المسلم أن يؤمن به أو أن لا يؤمن به. فذاك البعد الإيماني، وهذا البعد العملي.

إذاً ما يتعلق بالبعد الإيماني، كالإيمان بالله، والإيمان بالمعاد، هذه لا توجد فيها أبعاد عملية، وإنما توجد فيها أبعاد إيمانية. أما عندما نأتي إلى الصلاة والصوم والحج نجد فيها أبعاداً عملية. كاصطلاح يقال: الفقه الأكبر ويعني تلك الأبعاد المرتبطة، أو المصطلح عليها بأصول الدين، وأنا أصطلح عليها بالأمور الإيمانية التي يجب الإيمان بها، أما الفقه الأصغر فيعني فروع الدين، أو ما أصطلح عليه بالأمور العملية.

الاجتهاد والتجديد: أنتم قلتم بأن إحدى وظائف الأئمة هي إقامة الدولة الدينية، هل تعتقدون بأن وظيفة المرجع في العصر الحاضر إقامة الدولة الدينية؟ وهل تؤمنون بإقامة دولة دينية؟

العلامة الحيدري: نعم، هذا في الأصل. ولا أريد أن أدخل في هذا الآن؛ لأن له بحثه المستقلّ. نعم، لابدّ للمرجع في عصر الغيبة الكبرى أن يسعى ضمن القواعد والشروط المتاحة لتحقيق هذا الموضوع، ولكنْ ما هي الشروط المتاحة؟ يعني هل يستعمل السلاح لإقامة الدولة أو يستعمل الطرق المدنية لإقامة الدولة؟ أفضّل تأجيل الحديث في هذا الموضوع إلى وقتٍ آخر.

المعرفة الدينية بين الترابط والتفكيك

الاجتهاد والتجديد: حبَّذا لو تحدثوننا عن دوائر المعرفة الإسلامية التي على المرجع الإحاطة بها.

العلامة الحيدري: في اعتقادي ينبغي أن أبيّن أصلاً مهماً، وبعد ذلك أنتقل إلى بحث آخر. أنا أعتقد أن الدين منظومة واحدة مترابطة، تشكل لوحة واحدة. وليست المعارف الدينية جزراً مستقلة منفصلة عن بعضها، وإنما هي لوحة واحدة، هي حقيقة واحدة. نعم، نحن؛ لأغراض علمية وتدريسية وتدوينية في حوزاتنا العلمية، بعّضنا أجزاء الدين، فقلنا: هذا أصول الدين، وهذا فروع الدين، وهذا كتاب الصلاة، وهذا كتاب الصوم، وهذا كتاب الحج، وهذه أمور فردية، وتلك أمور اجتماعية. ولكن ما هو الواقع؟ الواقع هو أنها مجموعة واحدة غير مجزّأة.

لأضرب مثالاً؛ حتى يتضح للقارئ الكريم: انظروا إلى أية ظاهرة طبيعية، سواء كانت فلكية أو بيولوجية. هذه الظاهرة الطبيعية لكي نفهمها لا يمكن أن نقرأ الكيمياء فقط، بل لابد أن نقرأ الكيمياء والفيزياء والرياضيات والفلك؛ لأن هذه الظاهرة فيها أبعاد متعددة، ولكنْ عندما تذهب إلى الجامعة تقرأ هذه العلوم مرة واحدة أو تتخصَّص فيها؟ لماذا جزِّئت هذه العلوم إلى الرياضيات والفيزياء والكيمياء، مع أنها في الواقع الخارجي واحدة؟ الجواب: لأغراض علمية، لأغراض درسية وتدريسية، وإلا فأنت تحتاج في فهم الظاهرة الطبيعية إلى الرياضيات والطبيعيات والفلك والكيمياء والفيزياء.

ولذا يقول أستاذنا السيد محمد باقر الصدر في كتابه (اقتصادنا)، «الاقتصاد الإسلامي جزءٌ من كلّ». ما معنى جزء من كل؟ يعني أنت إذا أردت أن تفهم العدالة الاجتماعية في الاقتصاد الإسلامي لا يمكنك ذلك من دون الإحاطة بباقي منظومة المعارف الدينية. لا يمكن أن تفصل العدالة الاجتماعية في المعارف الدينية عن بحث المعاد وبحث التوحيد وبحث التقوى وبحث الزهد، مع أنه عندما تنظر إلى بحث المعاد والتوحيد والزهد والتقوى تجد أن واحداً منها مرتبط بأصول الدين، وواحداً مرتبط بالتقوى، وواحداً مرتبط بالأمور الفقهية. إذاً نحن نأتي ونفصل هذه ونجعلها جزراً مستقلة، ولكنها في واقعها منظومة واحدة.

المعارف التي يجب توفُّرها في المرجع

إذا كان الأمر كذلك فأنا أعتقد أن الإنسان ما لم يلمّ بمجموعة المعارف الدينية لا يستطيع أن يعطي رأياً في أية مسألة دينية، يعني عندما يريد أن يعطي رأياً في الفقه الأصغر فلا بدّ أن يكون مطَّلعاً على باقي دوائر المعرفة الدينية، لا أن يقول: ما هي علاقة الفقه بالتفسير؟ أو ما هي علاقة التفسير بعلم الكلام؟ أو ما هي علاقة علم الكلام بالأخلاق؟ هذه منظومة واحدة، لابد لمن يريد أن يعطي رأياً في مفردة من هذه المفردات أن يكون واقفاً على مجموعة هذه المنظومة. أما ما هي أصول هذه المعارف التي لابد من أن يتوفر عليها؟ في الواقع أصول المعارف التي يجب أن يتوفر عليها:

أولاً: معارف القرآن الكريم؛ لأن أهل البيت^ جعلوه الأساس، وقالوا: «اعرضوا كلامنا على كتاب ربنا، فإن وجدتم عليه شاهداً أو شاهدين فخذوا به، وإلا فهو زخرف لم نقُلْه». إذاً كيف يمكن لأحدٍ يريد أن يعطي رأياً في أية مسألة كانت، سواء كانت مرتبطة بالعقائد أو بالفروع، أن لا يكون مطلعاً على منظومة المعارف القرآنية؟!

ثانياً: لابد أن يكون مطلعاً على مجمل المعارف التي وردت عن أهل البيت^؛ لأن الرسول الأعظم| قال لنا: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله؛ وعترتي أهل بيتي». إذاً لا يمكن لأحد أن يقول: حسبنا كتاب الله، بل لابد، بالإضافة إلى فهم الكتاب الكريم، من أن يفهم منظومة المعارف الواردة عن أئمة أهل البيت، يعني ما ورد عن النبي وعلي والحسن والحسين إلى آخر إمام من أئمتنا. هذه المنظومة لابد أن يكون واقفاً عليها، عند ذلك يحقّ له أن يعطي رأياً في مسألة من المسائل الدينية، سواء كانت هذه المسألة مرتبطة بالعقائد أم بالأخلاق أم بالفروع، أي الحلال والحرام.

ومن هنا طرحتُ هذه المسألة التي أشرت إليها قبل ذلك، وهي المرجعية الشمولية. وهذه هي المرجعية الدينية، يعني أن يكون مرجعاً في مجموعة المعارف الدينية، لا أن يكون مرجعاً في خصوص الحلال والحرام.

الاجتهاد الديني ومنطق الحاجة إلى العلوم المقدّميّة

وعليه، لابدّ لمن يريد أن يحصِّل الشروط الأساسية للاجتهاد أن يكون واقفاً على منظومة أو مجموعة دوائر المعرفة الدينية في القرآن، ومجموعة دوائر المعرفة الدينية في السنة، وبعبارة أخرى: العترة «عترتي أهل بيتي». السنة بالمعنى العام عندنا، يعني ما جاء عن النبي والأئمة^. بالإضافة إلى هذين المحورين الأساسيين لابد أن يتوفر على مجموعة من الأبحاث التي تعدّ كمقدمات.

وعلى سبيل المثال: انظروا الآن الفقه ضروري، ولكن تعرفون أنه الآن في حوزاتنا العلمية يقولون: لا يمكن للإنسان أن يكون فقيهاً إلا إذا درس علم الأصول، مع أن علم الأصول لم يرد عندنا بشكل واضح في كلمات الأئمة، ولكن نحن وجدنا أنه إذا أردنا أن نفهم كلمات الأئمة لابد أن نؤسس لها قواعد، وبتعبير السيد الصدر: لابد أن نؤسِّس لها منطق، ولذا عَبَّر عن علم أصول الفقه بـ «منطق علم الفقه». وفي اعتقادي، كما أن الفقه الأصغر احتاج إلى تأسيس علمٍ هو علم أصول الفقه، وهو منطق علم الفقه الأصغر، فنحن نحتاج؛ لفهم العقائد، إلى تأسيس علم أصول العقائد. وكذلك أعتقد أن كثيراً من الأبحاث التي تدرس الآن كأبحاث عقلية في حوزاتنا العلمية، والتي يعبر عنها بـ (الفلسفة)، يمكن لكثير من مسائلها أن تكون مقدمات أساسية لفهم العقائد. أي كما أن الفقه احتاج إلى علم أصول الفقه كذلك العقائد تحتاج إلى علم أصول العقائد، وعلم أصول العقائد نجد كثيراً من مفرداته في الأبحاث الفلسفية.

وعليه فالذي يريد أن يجتهد في المعارف الدينية، بالإضافة إلى القرآن، والسنة بالمعنى العام، لابدّ أن يكون على دراية بعلم أصول الفقه، ولوازم علم أصول الفقه، ولابد أن يكون محصِّلاً لعلم أصول العقائد، ولوازم علم أصول العقائد، التي من ضمنها الأبحاث الفلسفية.

الفلسفة والعرفان، بين الموقف الإيجابي والتعاطي السلبي

الاجتهاد والتجديد: أنتم تذكرون العلوم التي يعتبرها البعض غريبة أو غير إسلامية، كالمنطق والفلسفة والعرفان أو التصوف.

العلامة الحيدري: أنا أعتقد أنها تمثل جزءاً أساسياً كمقدمات لفهم المعارف الدينية.

وعلى سبيل المثال: نحن في علم أصول الفقه نطرح عشرات المسائل الفلسفية والمنطقية؛ لفهم المسائل الفقهية. والذين تابعوا مسائل علم أصول الفقه يعرفون بأن كثيراً من مسائل علم أصول الفقه مسائل فلسفية، أخذت من مباحث فلسفية أو أخذت من مباحث كلامية، لماذا احتاجوا إليها؟ قالوا: لأن فهم كلام المعصوم يتوقف على فهم هذه المقدمات.

وبمثال أوضح: القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، فهل يمكن لأحدٍ أن يفهم القرآن وهو لا يعرف العربية؟ أين ورد عن أهل البيت أنهم قالوا: تعلموا العربية حتى تفهموا القرآن؟ هذه مقدمة عقلية واضحة؛ لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، إذاً لابد أن تتعلم اللغة العربية، بل لا يكفي تعلم اللغة العربية فقط، بل تتعلم اللغة العربية، وقواعدها، والصرف، والنحو، وقواعد البلاغة، و..، كلها. هذا على مستوى الألفاظ أما على مستوى المحتوى والمضمون فأيضاً كذلك، هناك كثير من المضامين تحتاج؛ لكي تفهمها، إلى قواعد في علم أصول الفقه، وقواعد في علم أصول العقائد، وقواعد فلسفية، وقواعد منطقية، وقواعد عرفانية. هذه هي منظومة المعارف التي يحتاجها مَنْ يريد أن يقول رأياً في المعارف الدينية.

انتخاب المرجع، السبل والآليات والمقترحات

الاجتهاد والتجديد: ندخل إلى محور آخر سماحة السيد، ما هي آليات معرفة المرجع الديني في الحوزات العلمية؟ وكيف يتم انتخابه؟ وهل هناك آليات معتمدة لانتخابه؟ وكما تعرفون فقد أثيرت بعض القضايا مثل: قضية الأعلمية، وهي بحسب ما أظنّ قضية متأخِّرة، أثارها بعض الفقهاء، فهل لها واقع؟ وما هي آلياتها؟ حبَّذا لو توضِّحون لنا ذلك.

العلامة الحيدري: في الواقع الآليات التي كانت في حوزاتنا العلمية تتمحور حول الأمور التالية:

الآلية الأولى: كتاباته وتراثه. يعني أنت تنظر إلى تراثه الذي كتبه، ومن خلال ذلك تتعرف على علميته. وعلى سبيل المثال: ما هي طريقنا لمعرفة أن الشيخ المفيد كان علماً من أعلام هذه الطائفة، وشيخاً من شيوخها، بل شيخ الطائفة؟ الجواب: من خلال هذا التراث الذي بين أيدينا. لماذا لا نناقش في أن الشيخ المفيد هو أحد كبار أعلام هذه الطائفة؛ لأنّ هذه مؤلفاته، وهذا تراثه، وهذه كتبه، التي يمكن مراجعتها، وتتيح لنا التثبّت من أنه كان علماً من أعلام هذه الطائفة. تعالوا إلى الشيخ الطوسي تجدون الأمر كذلك، وهكذا الأمر مع العلامة الحلي، والعلامة المجلسي، وغيرهم من الأعلام.

وفي زماننا المعاصر تعالوا إلى السيد الخوئي، بأي دليلٍ ثبت أن السيد الخوئي أحد أعلام الفقهاء في عصرنا؟ بهذه المجموعة الضخمة الفقهية التي كتبها. بأي دليلٍ ثبت أن السيد الخوئي أحد أعلام الرجاليين في عصرنا؟ بهذه المجموعة الكبيرة التي كتبها في علم الرجال، وهكذا. بأي دليل ثبت أن السيد الطباطبائي يعدّ واحداً من كبار أعلام المفسِّرين بين المسلمين؟ من خلال تفسيره «الميزان». بأي دليل ثبت أن السيد محمد باقر الصدر يعدّ علماً من الأعلام في علم المنطق؟ انظر إلى كتابه الأسس المنطقية لاستقراء. بأي دليل يعدّ علماً من أعلام الأصوليين؟ انظروا إلى الدورات الأصولية الثلاثة التي خرجت له، وهكذا.

إذاً الآلية الأولى لمعرفة التخصُّص والقدرة على المرجعية العلمية في عصر الغيبة هي النظر إلى تراثه.

الآلية الثانية: مقدار تدريسه في الحوزات العلمية.

الاجتهاد والتجديد: تقصدون حضوره في الحوزات…؟

العلامة الحيدري: ليس الحضور فقط، بل التدريس؛ لأنه قد يكون حاضراً ولا يدرِّس، وهذا لا نستطيع أن نتعرف عليه.

فلا بدّ أن نتعرف على مقدار حضوره العلمي في الحوزات العلمية. وهذا ما وجدناه أيضاً في أعلام معاصرين، سواء على مستوى قم أو النجف. افرضوا أن السيد الخوئي& لم يكتب شيئاً، ولكن عندما ننظر إلى تلامذته على مدى ستين عاماً نجد أنهم من كبار أعلام هذه الطائفة. وهذا يكشف عن أن هذا الرجل كان متخصِّصاً، بل من كبار أعلام هذه الطائفة.

إذاً الطريق الثاني هو مقدار تدريسه وحضوره العلمي في الحوزات العلمية.

وأنا أعتقد أنّ هاتين الآليتين هما الأساس للتعرف على أن لهذا الرجل مرجعية علمية في عصر الغيبة، أو ليست له.

قيمة الشياع والاشتهار في إثبات المرجعية

الآن من حقك أن تسأل وتقول: أين ذهب الشياع الذي يذكرونه في الرسائل العلمية؟

الجواب: ليس المراد من الشياع الشياع بين عموم الناس؛ لأن عموم الناس ليسوا من أهل الخبرة والتخصص في هذا المجال، بل المراد الشياع بين أهل الخبرة والمتخصصين في الحوزات العلمية. فإذا شاع بين المتخصِّصين وأهل الخبرة والعلماء في الحوزات العلمية أن فلاناً من كبار المتخصِّصين فلا إشكال ولا شبهة أن هذا الشياع يدل على مرجعيته. ولكنْ متى يحصل هذا الشياع؟ الشياع متفرِّع على الآلية الأولى أو على الآلية الثانية. يعني إما من خلال مؤلَّفاته وتراثه يتعرفون على أنّه المتخصِّص الأول، أو من كبار المتخصِّصين والأعلام، وإما من خلال حضوره العلمي. ولا قيمة للشياع الذي لا يرتكز على هاتين الآليتين.

إذاً أنا أعتقد أن من أهمّ الآليات هاتين الآليتين: الأولى: تراثه العلمي؛ والثانية: مقدار حضوره العلمي في الحوزات العلمية. ويترتب على هاتين الآليتين آلية الشياع، فإذا كان الشياع ناشئاً من هاتين الآليتين تكون له قيمة، أما إذا كان الشياع ناشئاً من الإعلام، أو من أسباب أخرى، فإن مثل هذا الشياع لا قيمة علمية له.

المرجعيّة وإدارة الشيعة في العالم، واقع وإشكاليات

الاجتهاد والتجديد: كيف تتم إدارة الشيعة في العالم، حيث إن الشيعة موزعون على أغلب بلدان العالم، وهناك خمس دول ذات أغلبية شيعية كما يقال؟ وأحبّ أن أسأل سؤالاً آخر: هناك بعض الطوائف الشيعية الأخرى، كالزيدية والإسماعيلية، هل لنا أن ننفتح على هذه الطوائف؟ وهل نستطيع إدخالهم في دائرة الشياع؟

العلامة الحيدري: لا أبداً؛ لأن أولئك لهم مرجعياتهم الخاصة بهم، ومرجعياتهم ليست تابعة. الإسماعيلية لها مرجعياتها الخاصة بها، الزيدية لها مرجعياتها الخاصة بها، العلوية لها مرجعياتها الخاصة بها، هم لا يستمعون إلينا حتى ندخل عليهم. نعم، لابد أن يطرح هذا السؤال، الذي هو غير سؤالكم، وهو: كيف نتعامل مع الآخر، أعمّ من أن يكون ذلك الآخر زيدياً أو إسماعيلياً أو علوياً أو من أية طائفة شيعية أخرى، أو سنياً، أو من أتباع الأديان الأخرى، من اليهود أو النصارى، أو لم يكن من أتباع الأديان المعروفة، كالبوذية وغيرها؟

وحديثنا الآن عن شروط المرجعية التي يرجع شيعتنا إليها، أما الزيدية فهم لا يرجعون إلينا، لكن كيف نتعامل معهم؟ وكيف يكون خطابنا لهم؟ نستطيع أن نقول: ذاك الآخر إما أن يكون متفقاً معنا في بعض الأئمة، كالشيعة، أو لا يكون متفقاً معنا، كالسنة. وذلك حديث آخر غير مسألة إدارة الشيعة. الآن نحن نتكلم عن إدارة الشيعة، يعني الشيعة الذين يرجعون إليهم، ويقبلونهم كمراجع لهم.

بعد هذه الثلاثين سنة من انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وبعد هذه الحكومات المستبدة التي حكمت جملة من البلدان العربية، وجدنا أن هناك جاليات كبيرة من الشيعة انتقلت إلى عشرات البلدان في العالم، ومن مختلف البلاد الإسلامية، من العراق وإيران ولبنان وبلدان أخرى، تجدون الآن ملايين، بل عشرات الملايين من الشيعة منتشرين في عشرات الدول في العالم.

وفي النتيجة توجد هناك دول عديدة أساساً الشيعة هم الأكثرية فيها، كالعراق وإيران، فكيف يدار وضع الشيعة؟

لعله إلى ما قبل خمسين إلى مائة سنة كان بإمكان المرجع أن يكتفي بمجموعة صغيرة حوله، وتكون هذه المجموعة التي في بيته أو من المحيطين به هي التي تدير وضع الشيعة في العالم. اليوم هؤلاء المراجع، ثلاثة، خمسة، عشرة، يعينون مجموعة من الوكلاء في هذه البلدان، فيديرون وضع الشيعة من خلالهم. ولكن بعد توسع وضع الشيعة هذا التوسع، وهذه النقطة أصلية؛ لأنه قبل مائة سنة لم يكن هذا التوسع الموجود الآن للشيعة. إذاً هذا التوسع أصلٌ أوّل.

الأصل الثاني: إن هؤلاء الشيعة بدأوا يكوِّنون ويؤسِّسون عشرات المراكز في تلك البلدان.

الأصل الثالث: إن لهؤلاء الشيعة في كل منطقة خصوصيات. يعني نحن لا نستطيع أن نتعامل مع الشيعة الموجودين في البلد الفلاني، الذين لا يمثِّلون إلا خمسة في المائة أو ثلاثة في المائة أو عشرة في المائة، كما نتعامل مع الشيعة الذين يعيشون في بلد يمثلون فيه سبعين في المائة. ضوابط هذه المجموعة السياسية والاجتماعية، وعلاقتها مع الآخر، لابد أن تكون ضمن تلك الشروط التي تعيشها.

والسؤال المطروح واقعاً: هل لا زالت الآلية القديمة والطريقة القديمة لإدارة وضع الشيعة كافية لإدارة الشيعة في العالم، أو أن تلك الآلية لا تفي بذلك؟

«المرجعية الرشيدة» ومشروع إدارة الشيعة في العالم

من هنا طرحتُ المرجعية الرشيدة، التي أسس لها السيد محمد باقر الصدر، وهي أن إدارة الشيعة في العالم لا يمكن أن تكون بتلك الطريقة القديمة. وإذا أردنا أن نوضِّح المسألة بنحو أكثر فعلينا القول: إن الدولة التي أسسها الرسول الأعظم في المدينة دولة، ولكنْ بالقياس إلى الدولة الحديثة في عصرنا نجد الفارق كبيراً جداً؛ لأنّ الحياة تعقدت؛ لأن الاحتياجات كثرت؛ لأن المشاكل ازدادت، ونحو ذلك. وتتغير بطبيعة الحال طبيعة الحكم وطبيعة إدارة هذه المجموعة، وإلا ففي المدينة كانت الإدارة مجموعةً يقود رسول الله من خلالها الدولة. والآن افرضوا مجموعة أخرى تريد إدارة الدولة في إيران فهي تحتاج هذا التعقيد الموجود في الأمور الدفاعية والحربية، التي لم يكن رسول الله يحتاجها في ذلك الزمان، وكذا في الأمور الاستخباراتية، والمالية، والاقتصادية، والاجتماعية.

أنا أتصور أن المرجعية هي دولة مصغَّرة، المرجعية في عصر الغيبة ـ وإنْ لم تتوفر لها إقامة دولة ـ عندما تريد أن تدير مئة مليون، مئتي مليون، ثلاثمائة مليون، منتشرين على عشرات الدول فإن إدارتهم واقعاً أصعب بكثير من أن يكون هؤلاء في دولة واحدة وأنت تديرها. إننا نحتاج إلى آلية جديدة نستطيع من خلالها إدارة أمور الشيعة في العالم. لعل الآلية المتبعة كانت كافية إلى زمان، ولكن في زماننا هذا تغيرت الظروف والشروط والزمان والمكان والإمكانات والاحتياجات، وعشرات العوامل الأخرى دخلت على الخط، وأدت بنا أن نفكر بشكل جدي في إيجاد آليةٍ مؤسَّساتية لإدارة الشيعة في العالم. لا يمكن أن ندير التشيع ـ الذي يبلغ مئات الملايين، في عشرات الدول في العالم ـ كما كنّا ندير الشيعة قبل مائة سنة أو مئتي سنة، وإنما نحتاج إلى مرجعية مؤسساتية. ما معنى مرجعية مؤسساتية؟ إذا أردنا أن نقرب الفكرة إلى ذهن القارئ نضرب مثالاً: انظروا إلى وزارة المالية، وزارة الاقتصاد، وزارة الدفاع، وزارة الخارجية، التي تمتلك مجموعة سفارات في العالم، وعبِّروا عنها بمجموعة وكلاء موجودين لإدارة وضع الدولة، للتعريف بالدولة وإمكاناتها، وإيجاد العلاقة مع الآخر، وهذا هو الدور الذي يقوم به الوكيل بالنسبة إلى المرجع. عندما يتبدل وزير الخارجية فهل تتبدّل كل هذه المؤسّسات والوكالات والمدراء العامين والإمكانات؟ لا أبداً، قد يتبدل منها بتبدل الوزير ثلاثة في المائة، خمسة في المائة، ولكن أصل النظام والمراكز والمؤسَّسات تبقى على حالها. ولكن مع الأسف الشديد في حوزاتنا العلمية عندما يرتحل مرجع من المراجع ينتهي كل شيء معه، وعندما يأتي المرجع الجديد يبدأ من الصفر. وهذه قضية خطيرة جداً. ولذا تجدون أننا لم نتقدَّم في مسألة إدارة الشيعة في العالم. نحن نحتاج إلى آليةٍ جديدة مؤسَّساتية. قد يقول لي قائل: أنت تدعو إلى أن تكون مثل البابا في الفاتيكان أو … أقول: لا أبداً، نحن لنا خصوصياتنا، لنا تجربتنا الخاصة، لنا فكرنا الخاص، لنا آلياتنا الخاصة، ولكن لابد أن يجلس المتخصِّصون في الشأن الشيعي ليجدوا ما هي الطريقة الفضلى لإدارة وضع الشيعة في العالم، ولإدارة وضع الوكلاء في العالم، ولإدارة وضع الممثِّليات في العالم، ولإيجاد العلاقات مع الآخر. هنا يأتي سؤالكم، وهو: إن واحدة من أهم وظائف الوكيل هو كيف يتعامل مع الآخر؟ كيف يوجد علاقة طبيعية مع الآخر؟ لأن المرجع جالس في مكان معين وفي نقطة معينة، أما وكلاؤه فمنتشرون في كل العالم. هنا كل وكيل لابد أن يقوم بدور السفير، بدور القائم بالأعمال؛ لإيجاد العلاقة مع الآخرين.

أنا أعتقد أنه بعد أن توسع الشيعة هذا التوسع المبارك بحمد الله تعالى في مختلف بقاع الأرض ـ حتى أنك لا تجد الآن بلداً إلا ويوجد للتشيع فيه موطئ قدمٍ، بل بحمد الله تعالى الآن التشيع في امتداد مستمر؛ لأن الناس بدأوا يعرفون، وبتعبير الإمام الرضا× قال: «عرِّفوهم محاسن كلامنا؛ فإن الناس لو عرفوا لاتبعونا» ـ فإن هذه الطريقة ما عادت كافية لإدارة وضع الشيعة، بل نحتاج إلى تأسيس شكل جديد لإدارة وضع الشيعة في العالم.

الاجتهاد والتجديد: وما الضير سماحة السيد لو استخدمنا طريقة بابا الفاتيكان؛ لإدارة الشيعة في العالم؟

العلامة الحيدري: الآن لا أريد أن أدخل في التفاصيل. نعم، إذا وجدنا هناك إيجابيات نأخذها. المهم هذه الآلية المتبعة ما عادت كافية، أما ما هي الآلية الجديدة؟ فهذا يحتاج إلى متخصِّصين؛ لأن هذه قضايا إدارية، وليست قضايا علمية حتى أعطي فيها رأياً جازماً، وإنما هي قضايا إدارية، يعني لابد أن نأتي بمتخصِّصين وعلماء وفلاسفة علم الإدارة، ثم نقول: هذا وضعنا، هذه معطيات وضعنا في العالم، فكيف نديرهم؟ فيعرفوننا على أفضل طريق لإدارتهم.

مشاريع الإصلاح والتجديد الفقهي، قراءة وتقويم

الاجتهاد والتجديد: تتوالى حملات النقد والتشويه للمشاريع التجديدية في الفقه الإسلامي، فكيف تقيِّمون مشاريع التجديد والإصلاح الفقهي التي طرحت حتى الآن؟ وما هي قراءتكم التجديدية في هذا المجال؟ وما هي السبل التي يمكن اتّباعها لإحداث تجديد في الفقه الإسلامي؟

العلامة الحيدري: هذا ليس سؤالاً واحداً، بل خمسة أسئلة، ونحن نتكلم بشكل عام، وإلا لو دخلنا في كل مفردة فسنحتاج إلى وقت طويل.

الإنسان بطبيعته معتاد على ما هو المتعارف. وقضية التجديد والإصلاح والتغيير هذه واجهها الأنبياء منذ اليوم الأول. هل يوجد نبي جاء بشريعة ولم يواجه؟ ومَنْ واجهه؟ لم يواجهه عموم الناس، وإنما واجهه أولئك الذين لهم مصالح مرتبطة بهذا الوضع القائم. اليوم انظروا في المجتمع الغربي الذي يعيش على أساس الحرية والديمقراطية وغيرها، ففي الولايات المتحدة اليوم تجدون عشرات ومئات الآلاف من الناس خرجوا إلى الشارع يعترضون على طريقة إدارة الأموال في مجتمعاتهم، أي الطريقة الرأسمالية.

والسؤال هو: كيف واجهتهم الأنظمة القائمة، مع أنها قائمة على أساس الحرية والديمقراطية؟ لقد واجههم أولئك الذين لديهم مصالح في أن يبقى الوضع القائم بهذه الطريقة. وهذه قاعدة عامة، وليست مختصة بمجتمع دون آخر، ولا بجماعة دون أخرى. عندما توجد جماعة لها أسس ومصالح، وطبقات خاصة مستفيدة من هذه المصالح، فإذا جاء شخص وأراد أن يمسّ هذه المسلمات سوف يحارب ويواجه. أنا لا أريد أن أقول: إن كل الدعوات الإصلاحية كانت دعوات صحيحة مئة في المئة، وإنما أريد أن أقول: إن طبيعة الإنسان أنه عندما يوجد وضع معين يقوم على أسس معينة، وله مصالح معينة، ويستمر هذا الوضع لجيل أو جيلين أو قرن أو قرنين، وتأتي دعوة تجديدية ودعوة إصلاحية وتغييرية، فإنه بطبيعة الحال سوف تواجه من قبل أولئك الذين ترتبط مصالحهم بأن يبقى هذا الوضع على حاله القائم.

إذاً من الوهم أن نتصور أننا ندعو إلى حركة إصلاحية، وإلى حركة تجديدية وتغييرية، ولا نجابه من الآخرين. هذا وهمٌ، لا يحصل عندنا، ولا يمكن حصوله. نعم، لابد للمصلح والمغير، والذي يدعو إلى حركة تغييرية وإصلاحية وتجديدية، بقدر ما يمكنه، أن لا يصطدم مع القواعد الشعبية. هذه مهمة عندي، لماذا؟ لأنه يريد أن يتحرك من خلال هؤلاء، وبإمكان الطبقات المتنفِّذة والطبقات المستفيدة من هذا الوضع أن يحركوا الشارع والناس والشعوب أن تقف أمام هذه الحركات الإصلاحية والتجديدية، كما فعلوا من قبل بالنسبة إلى كثير من الحركات. وقد كان القرآن واضحاً، ففرعون يقول: أنا أخشى أن يبدِّل موسى دينكم، يعني يريد أن يحرك العواطف والمشاعر وأحاسيس الناس؛ حتى يقفوا أمام حركة موسى التجديدية والتغييرية والإصلاحية.

إذاً على هذا الأساس أنا أعتقد بأن هذه سنّة من سنن التغيير، ولابد أن نلتفت إليها، وهي سنّة من سنن الإصلاح والتجديد، وهي أنك عندما تطرح فكرة جديدة؛ لخدمة الناس، سوف تواجه من طبقات أخرى لهم مصالح في أن يبقى وضع الناس على تلك الحالة التي هم عليها. ولا تستثنى حوزاتنا العلمية من ذلك. مثلاً: الآن هناك مجموعة من الكتب الدراسية الرسمية التي تدرس في الحوزات العلمية، على مستوى أصول الفقه أو الفقه نفسه، وقد وجدنا أنه في المئة أو الخمسين سنة الأخيرة هناك كتب جديدة وأعلام جدد حاولوا أن يجددوا في هذه المناهج، لماذا؟ أنا أعتقد أن القضية ليست ناشئة من سوء نوايا بالضرورة، بل إن هذه الطبقة التي تدرِّس هذه المواد إذا صار البناء أن ننتقل إلى دراسة كتب أخرى فإنها سوف تفقد دورها في الحوزات العلمية. وعلى سبيل المثال: مَنْ كان كلّ وجوده مبنيّاً على تدريس (كفاية الأصول) في الحوزات العلمية، وهو قد نظَّم حياته على أساس أن يبقى يدرس (كفاية الأصول)، فإذا صار البناء أن نحذف كتاب (الكفاية) من الحوزات العلمية فسوف يقف حتماً أمام هذا التبديل والتجديد؛ لأنه سيفقد دوره. ليس بالضرورة أن يكون هذا إنساناً فاسداً، بل إن طبيعة وضعه تقتضي أن يجابه العمل التجديدي أو العمل الإصلاحي.

والحوزات العلمية قائمة اليوم على أنه بمجرد أن يقرأ عشرين سنة، أو ثلاثين سنة، أو أربعين سنة، فقهاً وأصولاً، يكون مرجعاً، فإذا جاءت دعوة تجديدية ـ كما أنا أدعو لها ـ، وهي أنه لابد أن يقرأ في التفسير والعقائد وأصول العقائد والفلسفة كذلك، فلن يوافق عليها طبعاً.

إذاً القانون العام هو أن أيّ تجديد سوف يجابه، سواء كان ذلك التجديد على مستوى علمي أم على مستوى إداري.

الخلفيّات الكامنة خلف نقد المشروع المرجعي للعلامة الحيدري

الاجتهاد والتجديد: إن هناك مَنْ يتحدث عن وجود خلفيات قومية تارةً، وفكرية تارةً أخرى، تقف خلف نقد مشروعكم المرجعي، ويتركّز الحديث عن موضوع المرجعية العربية الممنوعة من الظهور في المجتمع الشيعي تارة، وعن خطر وصول أنصار الاتجاه الفلسفي والعقلاني إلى منصب المرجعية تارة أخرى، كيف تقيمون مثل هذه الأفكار التي تتداول في الساحة الآن؟

العلامة الحيدري: في الواقع سؤالك ينحلّ إلى سؤالين: الأول: الخلفيات القومية للمسألة؛ والثاني: الخلفيات الفكرية والعقائدية والفلسفية ونحو ذلك.

أما في ما يتعلق بسؤال الخلفيات الفكرية والعقائدية فأنا أعتقد بأنّ لمدرسة أهل البيت قراءتين: قراءة قائمة على أساس كلامي؛ وقراءة قائمة على أساس غير كلامي، أو فقُلْ: قراءة قائمة على أساس فقهي؛ وقراءة قائمة على أساس غير فقهي. والمتعارف في الحوزات العلمية أن القراءة القائمة هي قراءة المذهب بكل أطره ومعارفه على أساس فقهي. وأتصور أن كثيراً من الأعلام هم في هذا الاتجاه، ويرون أنه إذا صار فقيهاً بالفقه الأصغر فهو الذي يحقّ له أن يتصدى للمرجعية الدينية في عصر الغيبة.

أنا أدعو إلى أن تكون القراءة الأخرى هي الحاكمة. فما هي تلك القراءة الأخرى؟ هي القراءة التي تكون قائمة على التفسير، والعقائد، ومقدمات التفسير والعقائد، أي الفلسفة والعرفان وعلوم القرآن وغير ذلك.

إذاً فالمعركة قديمة مستمرة إلى زماننا. وفي اعتقادي الشخصي إن رؤية السيد الإمام الخميني& التي قدمها لمذهب أهل البيت لم تكن قائمة على الأساس الأوّل؛ ولذا تجدون هذه التجديدات كلها، التي جاءت على أساس تلك القراءة. إن نظرية ولاية الفقيه المطلقة لم تصدر من علماء محسوبين على القراءة الفقهية، وإنما صدرت من علماء يحسبون على القراءة العقلانية الفلسفية العرفانية القرآنية ونحو ذلك. والآن تجدون في الحوزات العلمية، وخصوصاً في حوزة قم، تجدون بأن الذين هم ضمن الاتجاه الذي بنى له السيد الإمام& يدعون إلى هذه القراءة أيضاً.

إذاً هذه القضية قضية منهجية في الرتبة السابقة، قبل أن نصل إلى مسألة المرجعية. ولابد لمن يريد أن يقدم قراءة لأصول المذهب أن يحدد في الرتبة السابقة المنهج الذي يريد أن يعتمده. هل يريد أن يعتمد على منهج القراءة الفقهية أو يريد أن يعتمد على منهج القراءة العقلانية و…؟ واطمئنوا أن النتائج والآثار والمعطيات تختلف، والتعامل مع الآخر يختلف.

إذاً هذه القضية طبيعية جداً. وأنا أقولها بشكل واضح وصريح: أنا لست من أولئك الذين يقرؤون المذهب قراءة فقهية أحادية، وإنما أعتقد أنه لابد أن تُقرأ أصول المذهب قراءة شمولية ضمن هذه الرؤية العامة، ومن الداعين إلى أن يُعتنى بأصول العقائد على حدّ الاهتمام بفروع الدين. فأنتم الآن عندما تأتون إلى فروع الدين، إلى الفقه ـ على سبيل المثال ـ، عندما نسأل عن أية مسألة فقهية فأنت لا تنقل لي رأي الشيخ المفيد، ولا رأي الشيخ الصدوق، ولا رأي الشيخ الطوسي، ولا رأي العلامة الحلي، ولا رأي المحقق الحلي، ولا رأي المجلسي، ولا رأي صاحب الكفاية، الذي كان قبل مئة سنة، ولا رأي الأصفهاني، وإنما تنقل آراء الفقهاء الحاضرين. أقول: لماذا لا ترجعني إلى النائيني؟ تقول: لا؛ لأنه بعد النائيني طرحت نظريات فقهية جديدة، هذا معناه أن الفقه عندنا في تطوّر مستمر، وفي نمو مستمر، وفي تفاعل مع معطيات الحياة. ولكن عندما أسألك عن مسألة عقائدية تقول: «قال الشيخ المفيد». هذا يكشف لك عن ماذا؟

الاجتهاد والتجديد: عن أنه لا يوجد هناك تجديد، أو أن هناك تجديداً قليلاً.

ضرورة الاجتهاد والتجديد في علمي الكلام والتفسير

العلامة الحيدري: أو أنه إلى الآن نحن تأخرنا في علم العقائد ألف سنة. كان ينبغي ـ على قدم المساواة ـ أنه عندما نتطور في علم أصول الفقه أن نتطور في علم أصول العقائد أيضاً، وعندما نتطور في الفقه نتطور في العقائد. وهذا ما لم يحصل. أنا أعتقد بهذه الحقيقة. عندما أسألك ماذا تقولون في مسألة طهارة أهل الكتاب؟ تقول: جملة من الفقهاء يذهبون إلى طهارة أهل الكتاب، وجملة من الفقهاء يذهبون إلى عدم طهارتهم، أما عندما أسألك عن مسألة عقائدية، هل للإمام ولاية تكوينية أو ليست له ولاية تكوينية؟ فإنك ترجعني إلى الشيخ المفيد. والصحيح أنه لابد أن تقول: إن جملة من الأعلام المعاصرين يذهبون إلى إثبات الولاية التكوينية للإمام، وجملة أخرى يرفضون ذلك، وذلك من حقهم؛ لأن القضية في بحث مستمر، هذا يؤيد هذا الاتجاه، وذاك يؤيد ذاك، وثالث قد يأتي بثالث، لا هذا ولا ذاك. أنا أدعو إلى مسألة التجديد في العقائد، والبحث في العقائد، والاجتهاد في العقائد، على حدّ التجديد والبحث والاجتهاد في الفقه. وهذا الذي ـ مع الأسف الشديد ـ نفقده في حوزاتنا. وهكذا على مستوى التفسير. انظروا الآن إذا سألنا سائل: افترضوا أن السيد الطباطبائي لم يكتب لنا هذا التفسير العظيم «الميزان»، فماذا يوجد عندنا من التفسير؟ نقول: قال الشيخ الطوسي في (التبيان)، قال الطبرسي في (مجمع البيان)، ولكنْ أين آراء الأعلام المعاصرين؟ نعم، بحمد الله، في الآونة الأخيرة قام السيد عبد الأعلى السبزواري وأعلام آخرون، كالشيخ ناصر مكارم الشيرازي والشيخ جوادي الآملي، بكتابة تفاسير أخرى، ولكن لقرون متعددة كان علم التفسير راكداً. أنا أدعو حوزاتنا العلمية إلى أن تتقدم في القرآن كما تقدمت في الفقه والأصول.

أنا أدعو إلى تأسيس أصول مذهب مدرسة أهل البيت على أسس غير فقهية، على أسس عقلانية، وعلى أسس قرآنية، وعلى أسس عرفانية، أي أن نقدم قراءة على هذه الأسس، لا على أسس فقهية صرفة.

مديات التجديد في الفقه الإسلامي

الاجتهاد والتجديد: هناك مَنْ يرى التجديد في الفقه الإسلامي على مستوى بعض الفتاوى، وهناك مَنْ يرى التجديد كاملاً في الأصول الاجتهادية، هل تعتقدون أن أصول الفقه والاجتهاد الإسلامي بحاجة إلى تجديد؟ وأين؟ وكيف؟

العلامة الحيدري: أنا أعتقد أنّ فتح باب الاجتهاد في مدرسة أهل البيت لا لتغيير بعض الفتاوى، وإنما كما قررت وبينت قبل قليل، أنا أعتقد أن باب الاجتهاد مفتوح على مستوى الأصول العقدية، فضلاً عن أصول الفقه، فضلاً عن الفقه. وبعبارة أخرى: إن الرؤية التي يحملها المجتهد تتأثر بعوامل كثيرة، ومن خلالها يأتي إلى النص الديني. ولذا أنا أعتقد أن النص الديني بمعناه العام، أي الكتاب والسنة، فيه قابلية أن يلبي جميع متطلبات حياة الإنسان إلى قيام الساعة؛ باعتبار أنه خاتمة الشرائع، ولا توجد شريعة بعد ذلك حتى نقول: إن هذه الشريعة استنفدت أغراضها، واستنفدت قدرتها على الاستجابة لمتطلبات الحياة، إذاً نحتاج إلى شريعة جديدة. ما هي فلسفة تجدد الشرائع وتعدُّد الشرائع؟ إن الشريعة السابقة كانت تستنفد قدرتها على إدارة الحياة، وعلى الاستجابة للأسئلة التي تطرح عليها، إذاً نحتاج إلى تجديد الشريعة وتجديد النبوة. ولكن لما كنا قد آمنا بأن الإسلام هو الشريعة الخاتمة فإن معنى ذلك أن هذه الشريعة فيها القدرة على الاستجابة لكل متطلبات الإنسان إلى قيام الساعة، ولو لم تكن فيها هذه القدرة إذاً لاستنفذت أغراضها، ولما استطاعت أن تستجيب لمتطلبات الحياة، إذاً نحتاج إلى شريعة جديدة، وحيث إنها شريعة خاتمة إذاً لا توجد شريعة أخرى.

إذاً الأصل الكلامي الذي نبني عليه هو أن هذا النص الديني الذي بأيدينا بمقدماته، بالقرآن والسنة والعلوم التي أشرت إليها، لا خصوص الفقه، أن هذه الشريعة فيها القدرة، أن هذه المعارف وهذه المنظومة كنصّ ديني فيه القدرة على الاستجابة لكل المتطلبات، ولكن هل أن القراءة التي يقرأ بها هذا النص الديني واحدة أو متعددة؟ الجواب: إنه قبل ألف سنة كانوا يقرؤون هذا النص الديني بقراءة، ولكن عندما تأتي إلى هذه القراءة فمن حقِّي أن لا أوافق على كثير من مفرداتها.

تعدّد القراءات الدينية

الاجتهاد والتجديد: أنت تؤمن بتعدد القراءة الدينية؟

العلامة الحيدري: نعم، أؤمن بالتعدد، ولكن ضمن منهج متقن ومحكم. يعني لا أوافق أن يأتي كل إنسان ليقول: أنا أقدِّم قراءة، بل لابد أن يقول لي ما هي الأسس التي ينطلق منها لقراءة هذا النص. وبعد أن نتفق على الأسس من حقه أن يقدِّم القراءة التي يرتئيها عن النص الديني. ولذا أنا أعتقد بتعدّد القراءة واقعاً، ولكن بهذا المعنى من تعدد القراءة. وعلى سبيل المثال: تعدد القراءة على معنيين: مرة تأتي قراءة تميع أصول هذه العقيدة أصلاً، فهذه ليست قراءة، وإنما هي إنهاء للنص الديني، مثلاً: تأتي قراءة تقول: لا فرق بين التوحيد والتثليث المسيحي. هل هذه قراءة أو أنها إنهاء للتوحيد الإسلامي؟! هذه ليست قراءة. يعني نحن عندما جئنا إلى مدرسة أهل البيت فإن من أصول مدرسة أهل البيت أن الأئمة فيها اثنا عشر، وأن الإمام معصوم، وأن الإمام الثاني عشر حيٌّ. فعندما يأتي أحدٌ ويقول: أريد أن أقدم قراءة عن التشيع أن الأئمة ليسوا اثني عشر، وأنهم ليسوا معصومين، وأن الثاني عشر غير مولود، فهل هذه قراءة في المذهب أو أنها خروج عن المذهب؟! هذه قراءة لا علاقة لها بالمذهب. إذاً أنت من حقك أن تبحث، ذاك يقول: إن العصمة معناها كذا، فتقول: لا، ليس هذا هو المراد من العصمة، بل هذا هو المراد. من حقّه أن يقول: إن الإمام لم يكن مسؤولاً عن إقامة الدولة، فتقول: لا، إن الإمام كان مسؤولاً. هذه قراءات متعددة، ولا مشكلة فيها، لكن بشرط أن لا يلزم من القراءة التي تقدّمها محو الأصول الموجودة في تلك الدائرة، مذهبية أو…

مثلاً: السيد الإمام الخميني عنده نظرية في ولاية الفقيه، فقد يأتي أحدٌ ويقول: أنا أقدِّم قراءة في ولاية الفقيه، وإذا بها تنتهي إلى عدم وجود ولاية الفقيه، فهل هذه قراءة في ولاية الفقيه أو أن هذا ردٌّ لولاية الفقيه. إذاً فرقٌ بين أن تقدم قراءة في النص الديني وبين أن تقدم قراءة لنفي النصّ الديني. كثير من هذه القراءات المعاصرة ليس قراءات في النص الديني، بل هي قراءات لنفي وحيانية النص الديني. وفي النتيجة لابدّ أن نقبل أن هذا النصّ يختلف عن نصّ يقوله أي إنسان آخر. أنا لا أريد أن أدخل في بحث تعدد القراءات، ولكن بنحو الإجمال أنا أشرت إلى هذه المقدمة حتى يتضح للقارئ العزيز أنّني مؤمن بتعدُّد القراءة، ولكن ضمن ضوابط، وضمن شروط، وضمن منهجية خاصة. ولذا إذا قالوا لي: إن الشيخ المفيد قدَّم قراءة عن التوحيد، أو قراءة عن المعاد، أو قراءة عن الإمامة، فهل أنت موافق؟ فمن حقّي كمجتهد في هذا المجال أن أقول: لا، وأقدّم قراءة أخرى، ولكن في إطار مدرسة أهل البيت، لا أنني أقدم قراءة تنفي مدرسة أهل البيت. فعندما أقدم قراءة مفادها أن الأئمة ليسوا معصومين فهذه نظرية خارجةٌ عن نظرية أهل البيت، وليست نظرية أهل البيت.

إذاً هذه القضية مهمّة جداً، وهي أننا نؤمن بتعدُّد القراءة، ولكنْ ضمن شروط وأسس وضوابط خاصة لابد أن نلتفت إليها جيداً. ولابد أن تحفظ للنصّ الديني وحيانيته، لا أن تؤدي القراءة إلى أن يكون هذا النصّ الديني كنصّ بشريّ، كأيّ نص آخر صادر من فلان. لا أبداً، إذا كان هكذا فما الفرق بين القرآن وبين غيره؟ عندما تصدر نظرية من فلان فإنك تناقشها، فإذا النظرية في القرآن أيضاً فهل تقول: أقدم فيها قراءة، وكأنك تتعامل مع نص بشري؟ لا، لابد أن تحفظ حدود وقواعد النص الديني. ما هي حدوده؟ هو أنه نص وحياني، هذا النص صادر من الله، له ضوابط، وله قواعد، وله ثوابت. هذه كلها تحفظ، وبعد ذلك تقدِّم القراءة التي تريد.

 

الرسالة العملية والاحتياط الوجوبي

الاجتهاد والتجديد: ينتقد الكثيرون ظاهرة الاحتياط الوجوبي في الرسائل العملية، ويرونها تضييقاً على عامة الناس، ما هي نظرتكم إلى هذا الموضوع؟ وكيف تعاملتم معه على مستوى استفتاءاتكم ورسالتكم العملية؟

العلامة الحيدري: أعتقد أن للاحتياط الوجوبي في الرسائل العملية بعداً إيجابياً وبعداً سلبياً. فبعده الإيجابي أن المرجع يكتب في المقدمة أنه في الاحتياطات الوجوبية يعطيك قدرة على الرجوع إلى غيره، وهذه ليست نقطة سلبية في الرسالة، بل نقطة إيجابية؛ لأنه يريد أن يقول لك: أنا لم أستطع أن أصل إلى وضوح حتى أفتي بشكل واضح في هذه المسألة، ولذا أعطيك المجال في أن تنتقل إلى شخص آخر. ومن الواضح أن هذا أمر إيجابي. إذاً أصل وجود الاحتياط الوجوبي ليس أمراً سلبياً بالضرورة. ولكن لا ينبغي أن تكون الرسالة مملوءة من أولها إلى آخرها بالاحتياطات الوجوبية، فإن هذا يكشف لك عن أن ذلك الشخص إذا لم يكن عنده وضوح في20% أو 30% من المسائل فكيف اجتهد؟ إذاً كثرة الاحتياطات تكشف لك أن الذي كتب الرسالة العملية كان كثير التردُّد، ولم تتضح له المباني.

نعم، هنا يوجد عامل آخر يؤدي بالبعض أن يزيد في الاحتياط في الرسالة العملية، وهو أنه لا يريد أن يتحمل المسؤولية، يعني عندما يقول: (احتط) لعله لو سألته يقول: الفتوى واضحة أمامي.

الاجتهاد والتجديد: كما طُرحت من بعض التلامذة.

العلامة الحيدري: أنا أناقش هذه ولا أوافق عليها؛ لأن هذا معناه أنك لا تريد أن تتحمل المسؤولية عن المكلَّف، وإنما تريد أن تحمّله المسؤولية. تقول: أنا لا أفتيك، وأنت اذهب إلى غيري. فإذا كنت لا تريد أن تفتي فاجلس في بيتك، ولا تكتب رسالة عملية. أنت عندما تتصدى لشؤون الناس، ولأمور الناس، وللإجابة عن تساؤلات الناس، لابدّ أن تتحمل مسؤوليتهم الدينية، فإذا وضحت عندك الفتوى اكتبها في رسالتك العملية. نعم، إذا لم تتضح واقعاً من حيث الأدلة والمباني فمن حقَّك أن تحتاط.

أما أنا ماذا فعلتُ؟ بيني وبين الله توجد عندي بعض الاحتياطات في الرسالة العملية، ولكنْ نادرة جداً؛ لأني أعتقد أن الرسالة العملية، خصوصاً في ما يرتبط بالعبادات، هناك نسبة عالية منها متفق عليها بين علماء الشيعة، منذ الشيخ الطوسي وإلى زماننا هذا. وهي لا تحتاج إلى أن يحتاط الإنسان فيها بالإضافة إلى ذلك حاولتُ ـ بقدر ما يمكن ـ أن أحذف تعابير: الأظهر؛ الأقوى؛ الأولى، و…، من الرسالة العملية؛ لأن هذه تشير إلى نكات علمية مرتبطة بالبحث العلمي. هذه نكتة يسألني الطالب عنها وأجيب، وأما عموم الناس فلا علاقة لهم بأنّ الدليل كان أقوى، أو أن الدليل كان أظهر، ولذا حاولت بقدر ما يمكن أن أتجاوزها في الرسالة العملية.

وعلى هذا الأساس لابدّ أن يكون أصل التسهيل حاكماً في الرسالة العملية، لا أصل التعقيد والتصعيب والاحتياط.

الاجتهاد والتجديد: فالشريعة سهلة سمحة.

العلامة الحيدري: هذا واحدٌ من الأدلة على أنه لابدّ أن تقوم على أساس التسهيل، لا على أساس التعسير والاحتياط.

نماذج من فتاوى العلامة الحيدري

الاجتهاد والتجديد: سماحة السيد، هل لكم أن ترفدونا ببعض الفتاوى الجديدة التي أصدرتموها، والتي تمتاز ببعض الجدّة والتميُّز، فتنفرد بها مجلتنا؟

العلامة الحيدري: أنا أطرحها الآن نظرياً، ولا أتكلم على البعد العملي لها. من المسائل التي أعتقد أنها مهمة جداً أنّ دائرة الأحكام الاضطرارية أو دائرة أحكام التقية ضيقة النطاق جداً.

فعلى سبيل المثال: يقال: إن الإنسان إذا كان هنا يصلي بطريقته، أو يضع التربة، عندما يذهب إلى المسجد النبوي، ويريد أن يصلي، كيف يصلي؟ هنا جملة من الأعلام يقولون: إنه إذا كانت تقية فيصلي مثلهم. أنا أعتقد أن الأمر ليس تقية، وإنما أئمة أهل البيت أعطونا نمطين للصلاة، أي إن الشارع قال: لديك في هذه الشروط والظروف نمطٌ من الصلاة، وهي هذه الصلاة التي نصليها، أما إذا صرت في تلك الشروط فعليك بصلاة أخرى غير هذه الصلاة. تلك ليست تقية عن هذه، بل هي صلاة أخرى، وأنت وظيفتك أن تصلي تلك.

على سبيل المثال: إن الإنسان إذا كان مطمئناً يصلي صلاة، أما إذا كان خائفاً فما هي كيفية صلاته؟ صلاة الخوف. صلاة الخوف بطبيعتها تختلف عن الصلاة العادية؛ لأن الشارع قال: إذا كنت في ظروف عادية فصلِّ هذه الصلاة، وإذا كنت في ظروف الخوف فصلِّ صلاة أخرى، أي أعطاك نمطاً آخر وطريقة أخرى للصلاة. أنا أعتقد أن الصلاة هناك ليست تقية عن هذه الصلاة، حتى إذا استطعت أن تخفيها فأنت تخفيها وتذهب إلى البيت. لا، الشارع قال لك: أنت إذا كنت هناك فصلاتك تصلّى بهذه الطريقة.

الاجتهاد والتجديد: أي وجهٌ آخر للصلاة.

العلامة الحيدري: نعم، وجهٌ آخر للصلاة. وهذه كاملاً تختلف عن النظرية الموجودة الآن. ولذا أنا أعتقد أن السيد الإمام الخميني عندما أفتى بأنك إذا كنت في المسجد النبوي فصلِّ على (السجّاد) فإنه لا يريد أن يقول هذا تقية، لا أبداً، لا تقية محاباتية، ولا تقية مداراتية، أبداً ليست تقية، وإنما وظيفة المسلم ضمن هذه الظروف أن يصلي هذه الطريقة. وللتوضيح أكثر: الإنسان إذا كان حاضراً في بلده يصلي صلاته تماماً، وإذا كان مسافراً يصلي قصراً، فما هو هذا؟ الجواب: الشارع يقول: أنت وظيفتك هنا كذا، ووظيفتك هناك كذا. هنا أيضاً كذلك. وهذه ليست هنا فقط، وإنما في كثير من الأحكام الشرعية. أنا أعتقد أن القضية ليست قضية تقية، وإنما هي قضية تبدّل للظروف والشروط، وتشخيص ذلك عائد إلى المرجع العارف بزمانه، حيث لابدّ له أن يشخص أن هذا الظرف يقتضي الطريقة الأولى أو الطريقة الثانية من الصلاة.

الاجتهاد والتجديد: يعني ليس المكلف من يحدِّد الظرف؟

العلامة الحيدري: ماذا يحدث في المدينة أو مكة؟ يسألني أحدهم فأقول: اشرح لي الظروف، يقول: الظروف كذا وكذا وكذا، أقول: إذا كان الأمر كذلك فوظيفتك أن تصلي هكذا. ولذا نحن في مسألة الحج استفدنا من هذا الأصل كثيراً؛ لأننا نجد أن القائمين على أمور الحج يقومون بتنظيمات لإدارة شؤون الحج. فعلى سبيل المثال: لو أنه في زمن من الأزمنة جاءت السلطات الخاصة وقالت: إن الصلاة خلف مقام إبراهيم لا تكون إلا على بُعْد خمسين أو مئة متر، فما هي وظيفتنا؟ الوظيفة هي تلك، لا أن أتسلَّل بأي طريق كان، وأقف وسط الحجيج، وأخرّب طواف الناس؛ حتى أصلي. أنا أعتقد أنه حتى لو قال الشارع فإنه يقول ضمن شروط، وهذا الذي اصطلحت عليه بمسألة الزمان والمكان، وأن الشارع أعطى شكلاً ونمطاً للأعمال لكل زمان يختلف عن الزمان الآخر، ولكل ظرف يختلف عن الظرف الآخر، ولكل شروط تختلف عن الشروط الأخرى. لابد أن نتعرف على الشروط أولاً حتى نقول: وظيفتك (أ)، وإذا تبدّلت الشروط نقول: وظيفتك (ب).

هذا أصلٌ مهمّ أنتهجه في كثير من فتاواي.

الاجتهاد والتجديد: سماحة السيد، دائماً عندما ندخل في حوار مع الطرف الآخر بمجرد أن نرى اختلافاً نقول: هناك تقية.

العلامة الحيدري: أساساً في كثير من الأحيان لا توجد تقية؛ لأنه لا يوجد خوف. نحن الآن بحمد الله نذهب إلى الحج، ولا يوجد عندنا خوف، ولذا اضطر بعض الفقهاء القائلين بالتقية أن يقولوا: إن هذه تقية محاباتية، تقية مداراتية. ولا حاجة لنا إلى ذلك، بل أساساً قال الشارع لك: أنت في هذه الظروف وفي هذه الشروط هذه وظيفتك، وفي شروط أخرى وظيفتك شيء آخر، فلا حاجة إلى عنوان التقية، ولا إلى شيء آخر. هذا أصلٌ.

دور الزمان والمكان في فهم تعارض النصوص

وهناك أصل آخر أثبتُّه كثيراً في كتبي وفي أبحاثي الفقهية والأصولية، وهو تأثير الزمان والمكان في فهم الأحكام والتشريعات الصادرة من الأئمة^. فعندما آتي إلى حكم صدر من الإمام أمير المؤمنين، وأجد أنه صدر حكم يخالف ذلك الحكم من الإمام الهادي، والفاصلة بينهم حدود 200 سنة، فإن علم أصول الفقه المتعارف والمشهور عندنا يقول: يقع التعارض بين النص الصادر عن أمير المؤمنين وبين النص الصادر عن الإمام الهادي، فلابد من الاستناد إلى قواعد الجمع العرفي أو اللجوء إلى المرجّحات السندية أو التساقط.

أنا أقول: لا. في كثير من الأحيان يكون ذلك الحكم الذي صدر من أمير المؤمنين قد صدر ضمن الظروف التي كان يعيشها أمير المؤمنين، فلو كان أمير المؤمنين في ظروف الإمام الهادي لصدر منه هذا الحكم الذي صدر من الإمام الهادي. إذاً الإمام الهادي صدر منه حكم ضمن هذه الظروف، والإمام أمير المؤمنين صدر منه ذلك الحكم ضمن تلك الظروف، فأين التعارض؟ نعم، أنا عليّ أن أذهب لأتعرف على الظروف التي كانت محيطة بأمير المؤمنين، حتى إذا كنت أعيش تلك الظروف أقول: إن الحكم هو ما قاله علي بن أبي طالب، وإذا عشت الظروف التي هي ظروف الإمام الهادي أقول: الحكم ما قاله الإمام الهادي.

وهنا أضرب مثالاً مهماً جداً: نحن نجد أن الإمام الحسن لم يحارب، ودخل في هدنة مع معاوية، والإمام الحسين حارب واستشهد. هذان موقفان متناقضان أو غير متناقضين؟ إذا جرَّدتهما عن ظروفهما تجد بينهما تنافياً؛ لأن أحدهما هادن، والآخر لم يهادن؛ أما إذا قرأتهما ضمن ظروفهما فلا يوجد بينهما تنافٍ؛ لأن الإمام الحسين لو كان يعيش ظروف الإمام الحسن لفعل ما فعله الإمام الحسن، والإمام الحسن لو كان يعيش ظروف الإمام الحسين لفعل ما فعله الإمام الحسين. إذاً عندما تقرأ الحدث منعزلاً عن ظروفه فسوف يقع التضاد، أما إذا قرأته ضمن ظروفه فلا يقع التضاد والتعارض. وأنا أعتقد أن كثيراً من الأمور التي قال العلماء: يوجد فيها تعارض، وكتبوا هذه الكتب المفصّلة في التعارض، في الواقع لا تعارض بينها؛ لأنّ هذه صدرت في ظروف، وتلك صدرت في ظروف أخرى. ومن هنا على الفقيه، وعلى الذي يريد أن يفتي، أن لا يكتفي بقراءة الرواية في (وسائل الشيعة)، لابد أن يرجع ليقرأ ظروف صدور الرواية في (وسائل الشيعة). هذه نقطة أساسية. يعني أنا الآن أقرأ في وسائل الشيعة هذه الرواية عن الإمام الصادق: يقول خذوا الخمس، ونأتي إلى الإمام الجواد يقول: لا تأخذوا الخمس، فتقول: هذا تعارض. وعلى المنهج المشهور يقولون: هذا تعارض أيضاً، واحد يقول: خذوا الخمس، وواحد يقول: لا تأخذوا الخمس. والجواب: لا؛ لأن الإمام الصادق قال: خذوا الخمس؛ لأن ظروف الشيعة المادية كانت جيدة، فقال: خذوا منهم الخمس؛ أما الإمام الجواد فصريح الروايات عنه تقول: إنهم كانوا أصيبوا بمصائب وبضيق مالي. ولكنْ عندما جرَّدنا كلام الإمام الصادق وحكمه والبيان الذي بينه عن ظروفه، وجرَّدنا كلام الإمام الجواد عن ظروفه، قلنا: وقع بينهما تنافٍ وتناقض، أما عندما قرأناهما في ظروفهما وجدنا أنه لا يوجد ذلك. وهذا أصلٌ أعتمده كثيراً في عملية الاستنباط الفقهي.

هذان أصلان أساسيان لاستنباط الأحكام الشرعية، وحتى العقائد أنا أفهمها كذلك.

ومن هنا أفتيتُ بالجواز في ما يتعلّق بالرمي من الطوابق في الحج.

وفي ما يتعلق بتوسعة منى، وفي ما يتعلق بالذبح: كلها جائزة؛ لأن هذه يقتضيها أمر الحج أولاً، كما ذكرت ذلك في منتخب مناسك الحج والعمرة.

ومن فتاواي التي أؤكد عليها، أن الإنسان إذا عاش في أي مجتمع كان، وكانت هناك قوانين لتنظيم الحياة الاجتماعية، لا يجوز لأحد مخالفتها؛ لأن هذه القوانين كلها وضعت لتنظيم حياة الناس، فلا معنى أن لا تنسجم معها، وإلا لو سمحنا لكل شخص لا ينسجم القانون مع متبنياته العقدية أو الدينية أو الفكرية أن يخالفها لصار المجتمع فوضى. لا تقُلْ لي: هذا القانون وضع من فلان، وأنا لستُ مقلِّداً له، إذاً أخالف قوانين المرور، فليس الأمر كذلك. فلا تجوز المخالفة ليس فقط في دولة دينية، كالجمهورية الإسلامية، بل في أية دولة أخرى. وهكذا فتاوى من هذا القبيل كثيرة جداً.

الأعمال الفقهية والأصولية للعلامة الحيدري

الاجتهاد والتجديد: السؤال الأخير سماحة السيد، يؤخذ عليكم عدم وجود دراسات فقهية منشورة لكم تتمتع بالبحث الفقهي الاستدلالي، وكذلك في مجال علم أصول الفقه، والحديث، والرجال، وأمثال هذه العلوم، ما السبب في ذلك؟

العلامة الحيدري: في ما يتعلق ببعض الذي ذكرتَه ليس الأمر كذلك. يعني ما صدر لي في علم الأصول حتى الآن من الدراسات كثير .

وفي ما يتعلق ببحوث الخارج فقد صدر حتى الآن مجلدان: (القطع)؛ و(الظن)، وكذلك في ما يتعلق بالكتب الأصولية الأخرى.

وفي ما يتعلق بالأبحاث الفقهية أشرت في المقدمة إلى أنه ليس بالضرورة أن يكتب الإنسان، وإنما لابد أن يكون له حضور علمي في الأبحاث الحوزوية. وأنا أتصوّر أن الأبحاث التي قلتُها في الفقه والأصول إن لم تكن أكثر مما قاله الآخرون فليست بأقل ممّا قالوه. وعلى سبيل المثال: وصلت أبحاث خارج الفقه إلى (600 ـ 700) درس حتى الآن؛ وبلغت أبحاث خارج الأصول إلى الآن (600) درس. وقد بلغت أبحاث السطوح العالية (1000 ـ 1100) درس، فقهاً وأصولاً. أما لماذا لم تطبع؟ فهذا بحث آخر.

لماذا لم نركِّز؟ باعتبار أنا وجدنا أن الحاجة منصبة على البحث العقائدي، وعلى البحث التفسيري، وعلى البحث الأخلاقي، وعلى البحث الفلسفي، فلهذا وضعنا كل اهتمامنا في ذلك؛ لأن حاجة الناس، وحاجة الحوزة الآن، وحاجة المتخصِّصين، في هذه المجالات أكثر من تلك المجالات.

الاجتهاد والتجديد: شكراً جزيلاً لكم سماحة السيد على إتاحتكم هذه الفرصة للحوار مع هذه المجلة.

العلامة الحيدري: وشكراً لكم لإتاحة هذه الفرصة، وجزاكم الله خيراً.

_______________________

(*) كاتب وباحث في الفكر الإسلامي، وطالب مرحلة الدراسات العليا في جامعة الأديان والمذاهب في إيران، من العراق.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً