أحدث المقالات

د. الشيخ هادي فنائي(*)

ترجمة: مرقال هاشم

1ـ بيان المسألة

لقد كان التفكير البشري في مواجهته مع الدِّين قد اتّخذ في بعض الأحيان مواقف سلبية، وصلَتْ في بعض المراحل إلى حدّ اعتبار الدِّين أفيون الشعوب والمجتمعات، في حين سلمَتْ الأخلاق من هذه التوجُّهات، حيث كان يُنْظَر إلى الأخلاق على الدوام بوصفها أصلاً مقبولاً وموضع اهتمام جميع المجتمعات التي تبحث عن السعادة البشرية.

وفي مقابل هذه الرؤية ذهب بعضٌ إلى القول بفصل الأخلاق عن الدِّين، وأنكر وجود أيّ ابتناء للأخلاق على الدين. ويستدلّ هؤلاء المفكِّرون على ذلك بالقول: إذا أمكن لنا من الناحية المنطقية أن نثبت أن الأخلاق جزءٌ لا يتجزّأ من الدين فإن كل تزلزل في أركان الدين سوف يؤدّي ـ في مثل هذه الحالة ـ إلى انهيار الأخلاق، وعليه يجب صبّ كلّ الجهود الفكرية على خلود وبقاء الأخلاق؛ إذ من دون الأخلاق لا تبقى هناك إمكانية لمواصلة الحياة والتعايش السلمي، وإن أيّ نوعٍ من أنواع الارتباط المعرفي بين الدين والأخلاق سوف يؤدّي إلى انفراط عقد الأخلاق.

تهدف هذه المقالة إلى إثبات أن الأخلاق غير مستقلّة عن الدين. وعلى افتراض استقلال الأخلاق عن الدين لا تكون هناك ضمانةٌ لتمسُّك الأشخاص بالأخلاق؛ لأن الدين من أهمّ الدعائم المعرفية والأبستمولوجية، وخير ضمانة تنفيذية وقُدْسية للأخلاق. ونحن نسعى في هذه المقالة إلى شرح وتفصيل أنواع حاجة الأخلاق إلى الدين، ومن بينها: الاحتياجات المعرفية؛ والإجابة عن السؤال القائل: هل يمكن للإنسان أن يدرك جميع القضايا الأخلاقية استناداً إلى مجرَّد عقله المتأصِّل، ويرسم لنفسه طريقة حياته؟ يمكن لنا أن نتصوَّر أنحاء مختلفة في مورد الارتباط بين الأخلاق والدين، ممّا تمّ بحثه ودراسته من قِبَل فلاسفة الدين والأخلاق. والذي نسعى إليه في هذه المقالة هو بحث تَبَعيّة وحاجة الأخلاق إلى الدين. ويمكن لدراسة الأسئلة التالية، والإجابة عنها، أن تساعدنا في هذا الشأن:

ـ هل يمكن للإنسان أن يتوصَّل إلى الأخلاق دون الرجوع إلى الدين؟

ـ هل الأخلاق مستقلّةٌ عن الدين أو تابعةٌ له؟

ـ هل يتمّ الحصول على القضايا الأخلاقية من النصوص الدينية؟

ـ هل تحتاج الأخلاق إلى الدين في مقام التحقُّق والتطبيق؟

ـ هل يمكن التمسُّك بالقِيَم الأخلاقية دون المعتقدات الدينية؟

ـ ما هو مقدار ارتباط الأخلاق بالدين؟

2ـ الجذور التاريخية للبحث

إن ارتباط وحاجة الأخلاق إلى الدين من المسائل الهامّة التي شغلت أذهان المفكِّرين على الدوام، ودفعتهم إلى التأمُّل والتفكير في هذه المقولة. والسؤال الأهمّ الذي شغل أذهان المفكّرين في مجال الدين والأخلاق هو السؤال القائل: هل الأخلاق من ثمار ونتائج الوحي والتعاليم السماوية للأنبياء والأوصياء الإلهيين أم هي ـ مثل سائر المجالات المعرفية، من قبيل: علم النجوم والفيزياء والرياضيات وغيرها ـ علمٌ بشري لا يحتاج إلى الدين، وله هويّة مستقلّة، ولا يستند أو يقوم على العقائد الدينية؟

لقد كان أغلب المفكِّرين قبل عصر النهضة يقولون بتَبَعيّة الأخلاق للدين؛ وكانوا في هذا الإطار يعتبرون الكتب المقدّسة والنصوص الدينية مصدر إلهامٍ للقِيَم الأخلاقية، وكانوا يسعَوْن إلى استخراج المفاهيم الدينية من الكتب المقدّسة؛ ومن هنا كان يُنْظَر إلى الأخلاق بوصفها مجالاً من العلوم الدينية، وأنها تحظى بالقداسة، ويتمّ الحديث عنها في بعض الأحيان بعنوان الأخلاق المسيحية أو أخلاق المسيحي، وإنْ كنّا لا نستطيع أن ننسب منظومةً أخلاقية منسجمة وكاملة إلى المسيحية، واعتبار ما ورد في الكتب المقدّسة بوصفه سلسلةً من النصائح الأخلاقية([1]).

كما تنطوي هذه النقطة على أهمّية، وهي أن العلماء المسيحيين ـ قبل عصر النهضة ـ، من أمثال: أوغسطين وتوما الأكويني، كانوا يستفيدون من أفكار فلاسفة الإغريق؛ من أجل التأسيس للأخلاق المسيحية، وأن يقيموا الأخلاق المسيحية على أساس تراث الفلاسفة اليونانيين. بَيْدَ أن الإيمان بالله، وخلود النفس، والجزاء والعقاب والثواب الأخروي، قد حافظ على مكانته الأصلية في الأخلاق. بَيْدَ أنه في أعقاب تهاوي سلطة أرباب الكنيسة، وانسحاب الدِّين من ساحة السيطرة الشاملة للعلم، بدأ ارتباط الأخلاق بالدين ينحسر بالتدريج، وأخذت صبغتها الدينيّة تجنح نحو الضعف والهَوَان.

وفي القرن الثامن عشر للميلاد، مع ظهور النهضة التنويرية، تعزَّزت فكرة الاكتفاء بالعقل والتجربة في جميع مجالات العلوم. وفي ظلّ هذه الظروف ظهر اللاهوت الطبيعي والربوبية والديانة الطبيعية([2]). وبعد ظهور هذا النوع من الأفكار والاتجاهات الإلحادية توفَّرت الحاضنة لفكّ الارتباط بين الأخلاق والدين، وتمّ اعتبار جميع أنواع استناد الأخلاق إلى الدين أمراً مرفوضاً وغير علميّ. وهكذا أضحَتْ الأخلاق مستقلّةً عن الدين. وقيل بشأن الدليل الرئيس لهذا التفكير: «إن سيطرة الدين على العلوم ومظاهر التفكير الإنساني من علامات العصور الوسطى ومرحلة انحطاط الفكر البشريّ، وكان ازدهار العلوم نتيجة لاستقلالها. وهكذا الأمر بالنسبة إلى الأخلاق أيضاً. يمكن للإنسان أن يتّصف بالفضيلة دون أن يكون متديِّناً. لقد شاع هذا الرأي في العصر الحديث، وأدّى انتشار المذاهب المُنْكِرة للدين ـ مثل: الشيوعية، والنفسانية، والوجودية ـ إلى تقوية وتعزيز هذه الرؤية»([3]).

إن هذا النوع من الرؤية للارتباط بين الأخلاق والدِّين كان هو النوع الغالب. بَيْدَ أنه قد ظهر حتّى في تلك المرحلة مَنْ عارض هذا النوع من النظرة للأخلاق، وكان إصرارهم يقوم على أن الأخلاق لا يكتب لها التحقُّق دون دينٍ([4]).

3ـ الإسلام ومسألة انفصال الأخلاق عن الدين

شهد القرن الأوّل من تاريخ الإسلام جَدَلاً كبيراً حول ماهية وحقيقة الإيمان؛ فقال الخوارج بكفر مرتكب الكبيرة؛ وذهب المعتزلة إلى القول بأن مرتكب الكبيرة ليس مؤمناً، ولا كافراً، بل هو في منزلةٍ بين الكفر والإيمان، وعبَّروا عن ذلك بـ «المنزلة بين المنزلتين»؛ وظهرت في البين فرقةٌ أخرى ـ عُرِفَتْ بالمرجئة ـ قالت بأن حقيقة الإيمان ليست سوى الإقرار باللسان (قولٌ بلا عمل)، وقام الاعتقاد عندهم على قولهم: «لا تضرّ مع الإيمان معصيةٌ، كما لا تنفع مع الكفر طاعةٌ»([5]).

وكان هذا التفريط في التفكير في حقيقته ردّةَ فعلٍ في مقابل الإفراط الفكري لدى الخوارج؛ حيث مثَّل نوعاً من الإباحية في الأخلاق والعمل؛ لاعتقادهم بكفاية مجرّد الاعتقاد بالدين لتحقيق السعادة، دون الحاجة إلى الأخلاق والأعمال الدينية؛ إذ لم يكونوا يعتبرون العمل ملاكاً في الإيمان، ومن هنا فقد قالوا بفصل الإيمان عن الأخلاق والعمل، وجعلوا لكلٍّ منهما هويّة مستقلّة. وعلى أساس هذا الاعتقاد لم تَعُدْ الأخلاق والأفعال بحاجةٍ إلى الدين؛ إذ لا حاجة لدى الإنسان في سعادته إلى الأخلاق؛ إذ الإيمان والتديُّن من مقولة الاعتقاد، وبذلك لا يكون له دَوْرٌ في سعادة الإنسان، وليس له أيّ تَبَعيّة للدين.

وقد حَظِيَ هذا الاعتقاد بترحيبٍ من قِبَل الأمويين، وكان الحجّاج بن يوسف الثقفي يدعم هذه العقيدة، ويحيط الشخصيات السياسية المؤيِّدة لهذه العقيدة باهتمامٍ واحتفاء خاصّ. وقد أصبح هذا الاعتقاد وسيلةً لتقوية النظام الأموي. وكانت هذه الفرقة تتمتَّع باعتبارٍ كبير ما دام الأمويون في السلطة، وكانت تكتسب اعتبارها ومكانتها من الدولة الأموية([6]).

 

نقدٌ ومناقشة

تُجْمِعُ الفرق الإسلامية كلّها على أن الإيمان الكامل لا يتحقَّق إلاّ بالعمل الصالح والأخلاق الحَسَنة، وأن المؤمن الحقيقي هو الإنسان العامل، وأن حقيقة الإيمان مقرونةٌ بالعمل الصالح. وهكذا نجد أن القرآن الكريم حيثما تحدَّث عن الإيمان قرنه بالحديث عن الأعمال الصالحة أيضاً. كما تعرَّض الأئمة الأطهار^ في كلماتهم إلى هذه المسألة أيضاً؛ فقد سُئل الإمام عليّ× عن الإيمان؟ فقال: «الإيمان معرفةٌ بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان»([7]).

إذن فالإيمان والعمل الصالح والأخلاق الحَسَنة شرطٌ في تحقُّق الفلاح والسعادة.

كما اعتبر فكر المرجئة شديد الخطورة على المسلمين، وأكَّد على ضرورة أن يربّي المسلمون أولادهم على التعاليم والمعارف الدينية، بحيث لا يقعوا في حبال المرجئة. وقد رُوي عن الإمام الصادق× أنه قال: «بادروا أولادكم بالحديث، قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة»([8]).

4ـ أبعاد حاجة الأخلاق إلى الدين

أـ الحاجة المعرفية

لا شَكَّ في أن أحد أهمّ الأواصر التي تشدّ الإنسان إلى الدين في مجال الأخلاق هو الحاجة المعرفية. إن للحكيم عبد الرزاق اللاهيجي في هذا الشأن استدلالٌ هامّ، يتوقَّف على المقدّمات التالية:

1ـ لقد خُلق الإنسان من أجل تحصيل الكمال الوجودي، وإن مناط كمال الإنسان واكتمال نفسه الناطقة (بعد الحصول على الحكمة النظرية) يكمن في تحصيل مَلَكة العدالة.

2ـ إن مَلَكة العدالة تعني رعاية الاعتدال في جميع الأفعال، بحيث لا تميل إلى جهة الإفراط، ولا إلى جهة التفريط.

3ـ إن الحصول على مَلَكة العدالة يتوقَّف على معرفة مقدار التأثير في كلّ عمل (من الناحية الكمّية والكيفيّة) على النفس، وهذه المعرفة غير مقدورةٍ للبشر، والله الخالق للإنسان هو وحده الذي يعلم مكمن كمال نفس الإنسان، وكيف تؤثِّر أعمال الإنسان في نفسه؟

ومن هنا يعمل الله سبحانه وتعالى على وضع القوانين العامّة والشرائع؛ كيما يعلِّمه كيفية السير في هذا الطريق. كما أن إبلاغ هذه القوانين والشرائع إنما يتمّ من خلال بعث الأنبياء وإرسال الرسل؛ كي يحصل الإنسان في ضوء هذه التعاليم على مَلَكة العدالة وتهذيب النفس. وعليه فإن تحصيل مَلَكة العدالة وتهذيب النفس والأخلاق يتوقَّف على وجود الأنبياء ودلالتهم وهدايتهم([9]).

إن هذا البرهان يشير إلى موقع وتَبَعيّة الأخلاق للدين في البُعْد المعرفي.

1ـ حاجة الأخلاق إلى الدين في ماهية وتعريف المفاهيم الأخلاقية

إن المفاهيم الأخلاقية التي هي من قبيل: الحَسَن والقبيح، والمحبوب والمكروه، والفضيلة والرذيلة، وأمثال هذه المفاهيم، وإنْ كانت تبدو للوَهْلة الأولى واضحة، ولكنْ عند التأمّل والتدقيق فيها نجد الكثير من الغموض والاختلاف في الآراء بشأن هذه المفردات.

والسؤال الأساس هنا يقول: ما هو معيار الحُسْن والقُبْح، والمحبوب والمبغوض، وما إلى ذلك من المفاهيم؟ فعندما يتّصف فعلٌ ما أو حالة بهذه المفاهيم ما هي الضوابط التي تجعل منه فعلاً أخلاقياً؟ وما هو المعيار والملاك الذي يجعل من أفعال الناس أفعالاً أخلاقية أو مخالفةً للأخلاق؟

لقد ذهبت كلّ نظريّةٍ أخلاقية إلى وضع ضابطةٍ للحُسْن والقُبْح، والرذيلة والفضيلة، وما إلى ذلك من المفاهيم، بما يتناسب مع الأهداف التي تراها للفعل الأخلاقي، وبالتالي فقد حدَّدوا بذلك معياراً وملاكاً للفعل الأخلاقي، كما قدّموا تعريفاً وبياناً خاصاً للمفاهيم الأخلاقية. وبعبارةٍ أخرى: «هناك آراء مختلفة ومتعدّدة بشأن مفهوم الحُسْن والقُبْح بعدد المدارس والمذاهب الأخلاقية المتنوِّعة التي ظهرت على طول تاريخ الفكر البشري. وإن من أهمّ أسباب ظهور المدارس هو الفهم المختلف للحُسْن والقُبْح»([10]).

يمكن الادّعاء بأن الإدراك الدقيق والكامل للمفاهيم الأخلاقية يحتاج إلى تعريفٍ وتوضيح من ناحية الدِّين. وبطبيعة الحال إن هذا الكلام لا يعني أن العقل عاجزٌ عن فهم وإدراك هذه المفاهيم، وتقديم تعريفٍ لها دون الرجوع إلى النصوص الدينية بالمطلق، بل المراد من ذلك أن الإدراك والفهم الدقيق والكامل والواضح لهذه المفاهيم يحتاج إلى توضيحٍ وتعريفٍ من الناحية الدينية؛ لكي يعمل الدين بواسطة التعاليم السماوية على بيانها وإيضاحها. وإن الدين من خلال إيضاح وبيان هذه المفاهيم يعمل على إزاحة الإبهام والغموض الموجود في تعريفها، ويحدِّد المعيار الصحيح في أخلاقية هذه الأفعال.

الأمر الآخر: إن تعريف وبيان المفاهيم الأخلاقية وإيضاح معيار الأفعال الأخلاقية رَهْنٌ بتعريف الإنسان لها. فإذا كان تعريف الإنسان بحيث يجعل حياته محدودةً بهذه الدنيا فإن تعريفه للمفاهيم الأخلاقية ومعيارها سيكون متناسباً مع الحياة الدنيوية والمادية؛ وأما إذا كان تعريف الإنسان بحيث لا يحصر حياته بالدنيا، وإنما ينظر إلى الحياة في هذه الدنيا بوصفها مقدّمة للحياة في الآخرة، فإن تعريف هذه المفاهيم الأخلاقية ومعايير وملاكات الأفعال الأخلاقية سيكون مختلفاً. كما أن للعقيدة ونوع النظرة إلى الوجود تأثيراً وتدخُّلاً خاصّاً في تعريف المفاهيم الأخلاقية، وفي تعيين المعيار والملاك في اتّصاف الأفعال بالأخلاقية.

والأمر الآخر: إن لنوع الرؤية والنظرة إلى الإنسان والعالم دَوْراً ملحوظاً في تعريف المفاهيم الأخلاقية، وتعيين المعيار في أخلاقية الأفعال([11])؛ حيث إن للدين بوصفه مصدراً غنيّاً ومستَلْهَماً من الوحي مكانةً خاصّة في هذا المجال. يمكن الإذعان بأن السرّ في اختلاف النظريات الأخلاقية حول تعريف المفاهيم الأخلاقية والمخالفة للقِيَم، وتحديد المعيار في أخلاقية الأفعال، يعود إلى الاختلاف في الرؤية والنظرة إلى العالم ونوع الرؤية إلى الإنسان والحياة.

2ـ الحاجة المعرفية في تعيين ملاك أخلاقية الأفعال

إن الوجود ـ طبقاً لتعاليم الأديان الإلهية ـ لا يقتصر على عالم المادّة والطبيعة، وإن حياة الإنسان ليست منحصرةً بالحياة في هذا العالم وهذه الدنيا فقط، وإنما هي مقدّمةٌ للوصول إلى حياته الأبدية، وإن الدنيا بمنزلة المزرعة للآخرة، وإن أعمال الناس وعقائدهم وطريقة حياتهم هي التي تصوغ شكل حياتهم الأبدية في الآخرة، وتؤدّي بهم إما إلى السعادة أو الشقاء. إن الإنسان يُعِدُّ العُدَّة لجميع مقدّمات حياته الأبدية من خلال أعماله في هذه الدنيا، ولذلك يكون هناك ارتباطٌ وثيق بين الأفعال الاختيارية والواعية للإنسان وبين سعادته وكماله الحقيقي.

إن العقل البشري في الكثير من المسائل لا يستطيع وحده، ومن دون الاستعانة بالتعاليم الدينية، أن يكتشف الارتباط بين الأفعال الاختيارية وتَبِعَاتها، ويحتاج إلى الدِّين في هذا الشأن. كما أنه غير قادرٍ على تشخيص سعادته وكماله الحقيقي دون مساعدةٍ من الوحي. ومن هنا فإن الدِّين يهدي الإنسان إلى سعادته القصوى وكماله الواقعي، ويبيِّن له ما الذي يتعيَّن عليه فعله أو تركه؛ للوصول إلى السعادة والكمال؟ وما هو المعيار والملاك في اتّصاف الأفعال بالأخلاق؟

وبذلك يمكن تعريف المفاهيم الأخلاقية، وتحديد الملاك في أخلاقية الأفعال، والقول: إن الحَسَن والخير والفضيلة والأمور الممدوحة تعني تلك الأشياء التي تكون نافعةً في سعادة الإنسان وكماله. وفي المقابل هناك القبيح والمكروه والشرّ، بمعنى ما يكون مضرّاً بسعادة وكمال الإنسان. وعلى هذا الأساس فإن الحُسْن والقُبْح، والقِيَم وما يخالف القِيَم، إنما تكتسب معناها ومفهومها في سياق المقارنة مع كمال الإنسان وسعادته. وبذلك يتّضح ملاك أخلاقية الأفعال أيضاً؛ لأن ملاك أخلاقية فعلٍ ما رهنٌ بالتأثير الذي يتركه على كمال وسعادة الإنسان. وعليه فإن كلّ فعلٍ يوصل الإنسان إلى الكمال الواقعي والسعادة القصوى ـ ونعني بذلك القرب من الله سبحانه وتعالى ـ يكون فعلاً أخلاقياً وقِيَمياً، وكلّ فعلٍ يحول دون وصول الإنسان إلى الكمال الحقيقي والسعادة القصوى يكون فعلاً مخالفاً للأخلاق، ومجانباً للقِيَم.

ومن البديهيّ أننا إذا أردنا أن نتوصّل إلى مثل هذا العنصر في تعيين الملاك في أخلاقية الأفعال يجب علينا التماس ذلك من الدِّين؛ لأن القرآن الكريم قد أشاد بفعل أولئك الذين تشتمل أفعالهم على جميع الخصائص الآنف ذكرها، ورصد لهم أجراً وثواباً أخروياً جزيلاً، وممّا قاله على لسانهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ (الدهر: 9).

وكما سبق أن ذكرنا فإن سعادة الإنسان وكماله هما ملاك الأفعال الأخلاقية للإنسان، حيث تتبلور هذه الأفعال على أساس القضايا الأخلاقية، كما أن السرّ في تَبَعيّة الأخلاق للدين من الناحية المعرفية يكمن في ضعف العقل وعجزه عن اكتشاف القضايا الأخلاقية؛ إذ بناءً على الأديان الإلهية والتعاليم السماوية لا ينحصر الوجود بعالم الطبيعة والعالم المادّي فقط، وإن حياة الإنسان غير محدودة بالحياة المادية والدنيوية في هذا العالم، بل إن الحياة الدنيا مقدّمة للوصول إلى الحياة الأبدية.

إن الأفكار والعقائد والأعمال والسجايا والأخلاق وطريقة حياة الناس هي التي تشكِّل حياتهم الأبدية، ونتيجةً لذلك تؤدّي به إلى السعادة أو الشقاء.

ومن ناحيةٍ أخرى فإن العقل البشري إنما يستطيع التوصُّل إلى مجرّد المفاهيم العامّة والكلّية في ما يتعلّق بالأفعال الاختيارية والكمال النهائي، وهذه المفاهيم لا تكفي وحدها في تعيين مصاديق التعاليم الأخلاقية. فالعقل ـ على سبيل المثال ـ يدرك أن العدل حَسَنٌ، وأما ما الذي يقتضيه العدل في كلّ موردٍ من الموارد؟ وما هو السلوك العادل؟ فهذا ما لا يتّضح في الكثير من الموارد، ولا يمكن للعقل من تلقائه أن يدركها. ومن ذلك، على سبيل المثال: هل يجب أن تكون حقوق النساء والرجال متساويةً في المجتمع؟ وإذا كان البناء على وجود تفاوتٍ بين حقوق الجنسين فما هو مقدار هذا التفاوت؟ وما هي موارد الاختلاف؟ إن العقل إنما يمكنه تشخيص مثل هذه الموارد إذا كان محيطاً بجميع الروابط القائمة والموجودة في الأفعال الاختيارية، والنتائج المترتِّبة عليها، والتأثيرات الدنيوية والأخروية للأعمال، بشكلٍ كامل. ولا شَكَّ في أن مثل هذه الإحاطة متعذِّرةٌ على العقل البشري الاعتيادي.

وهنا تتجلّى ضرورة الرجوع إلى الدِّين في المصاديق الخاصّة من التعاليم الأخلاقية. إن الوحي يعمل على بيان المفاهيم الأخلاقية في كلّ موردٍ بحدوده الخاصّة، وبشروطه، ولوازمه. ولا شَكَّ في أن العقل لا يستطيع وحده الاضطلاع بمثل هذا الأمر([12]). وبطبيعة الحال إن هذا الكلام لا يعني إنكار دَوْر العقل في دائرة الأخلاق؛ إذ لا يمكن إنكار دَوْر العقل ـ بحكم فطرته الخاصّة ـ في إدراك بعض القضايا الأخلاقية. ويذكر الأصوليّون في بحث المستقلاّت العقلية، تحت عنوان: الحُسْن والقُبْح العقليّان، أن الإنسان في وجدانه يدرك الخير والشرّ، والحُسْن والقُبْح، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي ألهمه هذا الفهم والإدراك، ومن ذلك قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس: 8).

وعليه؛ بسبب عجز العقل وضعفه في الكثير من الموارد، فإنه يقرّ بوجوب الرجوع إلى الدِّين من أجل الكشف عن القضايا الأخلاقية، والوصول إلى السعادة النهائية. ومن خلال الرجوع إلى الوحي واتّباع تعاليم المعصومين^ نصل إلى طريق الهداية، ونحصل على ما نحتاج إليه من زاد الطريق.

وبمعزلٍ عن حكم العقل، فإن القضايا النقلية ـ ومن بينها: القرآن الكريم ـ تنبَّه إلى عجز العقل. ومن ذلك: قوله تعالى:

ـ ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (الإسراء: 85).

ـ ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 215).

3ـ الحاجة إلى الوحي في اكتشاف العلاقة بين الأفعال الأخلاقية وغايتها

لا يكفي العقل وحده في اكتشاف الارتباط بين الأفعال الاختيارية وتداعياتها، وإن الوحي هو الذي يعمل على بيان هذا الارتباط بشكلٍ كامل، كما أن الدين هو الذي يبيِّن الغاية من الأخلاق أيضاً.

ويعود منشأ الاختلاف في تعريف المفاهيم الأخلاقية في بعض الأحيان إلى عدم تمييز العلاقة والارتباط القائم بين الأفعال الاختيارية والكمال النهائي بشكلٍ جيّد. لا يوجد في هذا الافتراض جهلٌ في ما يتعلَّق بغاية الخلق والكمال النهائي، بَيْدَ أنه ليس هناك في البين معرفةٌ صحيحة بالتداعيات والتَّبِعَات التي تترتَّب على الأفعال، وبنوع التأثير الذي يتركه كلّ فعلٍ في وصول الإنسان إلى الكمال المطلوب، بمعنى أن الإنسان لا يعلم ما هو التأثير الذي يتركه كلّ فعلٍ في الوصول إلى غايته السامية؟ وما إذا كان هذا الفعل مبعِّداً عن الكمال أو مقرِّباً منه أو محصِّلاً له؟ من قبيل: المرجئة، الذين لم يكن لديهم فهمٌ وإدراك صحيح عن تأثير الأفعال في كمال الإنسان، ولم يكونوا يعتبرون الأفعال مؤثِّرةً في تحصيل الغاية.

والمثال المعاصر لهذه المسألة تجرُّد بعض المسلمات من الحجاب؛ حيث يغفَلْنَ عن تأثير السفور في ابتعاد الإنسان عن الكمال المطلوب، ومن هنا فإنهن لا يرَيْنَ في السفور وعدم الحجاب أمراً قبيحاً ومنافياً للقِيَم الأخلاقية، بل يرَيْنَه أمراً ممدوحاً، ويعتبرْنَه نوعاً من الكمال والجمال بالنسبة لهُنَّ.

ب ـ حاجة الأخلاق إلى الدين في تأييد القضايا الأخلاقية الناتجة عن العقل

إن مصدر بعض القضايا الأخلاقية هو العقل وفطرة البشر، حيث يمكن اكتشافها بالتأمُّل العقلاني، ومن دون الاستعانة بالدِّين. بَيْدَ أن النصوص الدينية (الكتاب والسنّة) تعمل على تقديم القضايا الأخلاقية ـ التي تمّ التوصُّل إليها بتأمُّلٍ وتدقيقٍ كبير من قِبَل فلاسفة الأخلاق ـ، وتضعها أمام الناس بكلّ يُسْرٍ وسخاء. وبالإضافة إلى ذلك فإنها تعرض على البشر قضايا أخلاقية أخرى لا يمكن للإنسان أن يصل إليها أبداً. ويكون دَوْر الدِّين في هذا النوع من القضايا دَوْراً «تأسيسياً»، كما يكون دَوْر الدين في تلك المجموعة من القضايا الأخلاقية ـ التي تمتدّ بجذورها في عقل وفطرة البشر، ويقوم الدِّين ببيانها أيضاً ـ دَوْراً «كَشْفياً». يعمل الدِّين في هذا النوع من الموارد على مساعدة العقل، وإن ما يقوم ببيانه يُطْلَق عليه في علم أصول الفقه مصطلح «الأوامر والنواهي الإرشادية»، بَيْدَ أن متعلَّق الأمر والنهي في الفقه هو الأحكام الشرعية لله سبحانه وتعالى، ومتعلَّق الأمر والنهي في هذا البحث هو الأحكام الأخلاقية.

وبالإضافة إلى إرشاد ومساعدة الدين للعقل، فإن بيان هذه القضايا على لسان الدين إنما هو في الواقع إمضاءٌ لها، وتُعَدّ هذه القضايا من «القضايا الإمضائية»، وإن إمضاء الشريعة يمثِّل تأييداً لصحّة ما تمكَّن العقل من التوصُّل إليه. إن ما يتمّ بيانه على لسان الدين هو العلم الصحيح والحكمة الصائبة والبعيدة عن الاختلاف والتناقض، وتحظى بانعكاس كلّ الحقيقة والمحيط على المعلوم. إن هذا الأمر على درجةٍ كبيرة من الأهمّية بالنسبة إلى الإنسان؛ إذ قد يحصل الإنسان على أمرٍ من عقله أو ضميره الباطن، ومع ذلك يشكّ في صحّته وواقعيته، فإذا سمع بذات هذا الأمر من الدين أيضاً سوف يجد صوت الشريعة متماهياً مع نداء الباطن؛ فلا يبقى هناك مجالٌ للشكّ والترديد بعد ذلك.

إن الدِّين الذي يتمّ بيانه على لسان حَمَلة الوحي يمثِّل حياة العلم، وموت الجهل والشكّ: «هم عيش العلم، وموت الجهل»([13]).

وعلى هذا الأساس فإن من بين خدمات ونِعَم الدِّين على البشرية، والتي هي من الألطاف الإلهية الخاصّة على الناس، تأييده للاستنتاجات العقلانية والوجدانية والإرشاد إليها. وإن العبارة المشهورة على ألسنة الفقهاء في قولهم: «الواجبات الشرعية ألطافٌ في الواجبات العقلية» ناظرةٌ إلى هذه المعنى.

ونجد المؤمنين بالأديان الإلهية على طول التاريخ لا يلجأون في بحثهم عن القضايا الأخلاقية والسلوك الأخلاقي إلى مصادر غير النصوص الدينية، وكانوا على الدوام يأخذون المسائل الأخلاقية من المصادر الدينية ومن حَمَلة الوحي والدُّعاة إلى الدِّين، وانحصرت كلّ جهودهم في أن يتخلَّقوا بالأخلاق التي يوصي بها الدِّين. أفلا يدلّ ذلك على أن المتديِّنين في طمأنينةٍ من أن الوصايا الأخلاقية الصادرة من قِبَل الدِّين تمثِّل الحقيقة الخالصة، ولا يوجد أدنى شكٍّ في صحّتها واشتمالها على السعادة؟

كما أن آراء المفكِّرين الغربيين في هذا الشأن جديرةٌ بالاهتمام؛ إذ يرَوْن أنه «يمكن للمتديِّنين أن يعتقدوا على نحوٍ وجيه أن الله هو منشأ الحقيقة الأخلاقية، وأن هذه الحقيقة الأخلاقية معتبرةٌ وموثوقة»([14]).

وفي ما يتعلَّق بالحصول على الحقيقة الأخلاقية المُستَنِدة إلى الدِّين هناك ثلاثة أساليب مختلفة، وهي:

الأسلوب الأوّل: يذهب أغلب المتديِّنين إلى القول بأن الله قد بلَّغ الحقائق الأخلاقية بواسطة الوحي المكتوب (الكتاب المقدَّس والقرآن الكريم). وإن الوحي المكتوب مصدرٌ هامّ للغاية في معرفة الأصول الأخلاقية التي يريد الله لنا أن نحيا على أساسها.

الأسلوب الثاني: هناك من المتديِّنين مَنْ ينتمي إلى التراث القائم على «القانون الطبيعي» لتوما الأكويني؛ حيث يرَوْن أن العقل البشري قادرٌ على كشف الحقيقة الأخلاقية الإلهية. ومن هذه الناحية يكون الله هو المصدر الأخير لمجمل المعارف الأخلاقية، وهو الذي يؤسِّس للتمايز النهائي والحاسم بين الحُسْن والقُبْح، إلاّ أننا نحن البشر قد خُلقنا على صورة الله، ومن هنا أصبحنا واجدين لهذه القابلية العقلية، حيث ندرك أبعاداً من هذا المعيار الأخلاقي الذي تجلّى في الطبيعة.

كما أن المنظِّرين التومائيين (القائلين بالقانون الطبيعي) ينوِّهون إلى هذه النقطة أيضاً، وهي أن الوصول إلى الحقيقة الأخلاقية لا ترجيح فيه لهذا النوع من التأمُّلات الأخلاقية على الوحي المكتوب. وفي حالة التعارض يجب تقديم الوحي المكتوب. ويؤكِّدون على أن الوحي المكتوب يكفي بطبيعة الحال في الحصول على الأصول الأخلاقية.

الأسلوب الثالث: هناك من المتديِّنين مَنْ يدَّعي أن بعض الحقائق الأخلاقية الدينية فطريةٌ، وأننا قد خُلقنا على صورة الله، وبشكلٍ خاصّ على صورته الأخلاقية. ومعنى هذا الكلام أن شهوداتنا الأخلاقية الأساسية هي في حدّ ذاتها صورةٌ عن المفاهيم الأخلاقية الأساسية لله، بَيْدَ أن الإدراك الواعي لهذا النوع من الشهادات الفطرية يحتاج إلى إيضاحاتٍ خارجية. ومن ذلك أننا ـ على سبيل المثال ـ لكي ندرك قُبْح قتل الأطفال نعمل في بداية الأمر على إدراك معنى الطفل والقتل، ولكنّنا لا نصل بهذا الأسلوب إلى جميع الأصول الأخلاقية، وإنما نحتاج في ذلك إلى الوحي المكتوب، وإنْ كانت بعض الأصول الأخلاقية لا تحتاج إلى التعلُّم، وإننا بوصفنا مخلوقات لله قد جئنا إلى الدنيا مجبولين على هذه الأصول([15]).

يذهب أتباع أغلب الأديان إلى الاعتقاد ـ بصدقٍ ـ أنهم قد توصَّلوا إلى الحقيقة الأخلاقية من طريق العقل والفطرة والوحي المكتوب([16]). إن التَّبَعيّة للوحي المكتوب في مورد الأسلوبين الأوّلين واضحة، وإن المنظِّرين التومائيين ـ كما سبق أن ذكرنا ـ يذهبون إلى الاعتقاد بأن الإنسان يستطيع أن يكتشف الأصول الأخلاقية الأساسية لله سبحانه وتعالى، وأن يدركها في حياته اليومية([17]). إلاّ أن هذه الطريقة بدَوْرها إذا لم تقترن بالرجوع إلى الوحي المكتوب لن تؤدّي إلى نتيجةٍ، وذلك للأسباب التالية:

أوّلاً: إن هذا النوع من الكشف لا يتأتَّى لآحاد الناس بسهولةٍ، بل لا يحصل عليه إلاّ أصحاب الرأي والتنظير والتحقيق، وذلك بعد جهود مُضْنية تستغرق منهم الكثير من الأعوام في التدقيق والتأمُّل، مثل: أرسطو الذي أحصى الكثير من الفضائل الأخلاقية في كتاب (الأخلاق إلى نيقوماخوس). كما ذهب صدر المتألِّهين بدَوْره إلى الاعتقاد بأن حكماء اليونان قد استفادوا من تعاليم أنبياء عصرهم في اكتشاف هذه الحقائق، وجلسوا على سماط الوحي([18]).

وثانياً: إن حجم الأخطاء في هذه المعطيات ليس قليلاً، وسوف يبقى هذا السؤال قائماً أبداً: من أين لنا أن نعلم أن هذه الأخلاق إلهيةٌ، وأن رضا الحقّ تعالى يكمن في التخلُّق بها، وأنها توصلنا إلى السعادة والكمال النهائي؟

ومن هنا فإن الاعتقاد والاطمئنان إلى هذه المعطيات الأخلاقية لا يدعو إلى التفاؤل كثيراً. بلى، إن لهذه الأمور ـ بوصفها كاشفة عن بعض القضايا في مجال الأخلاق ـ قيمةً معرفية، وذلك إذا لم تتعارض مع الوحي المكتوب، كما ينصح بذلك القائلون بالقانون الطبيعي؛ حيث يكون الوحي المكتوب في موارد التعارض متقدّماً، بل هي كافيةٌ لاكتشاف هذه الأصول الأخلاقية([19]).

وعلى هذا الأساس عندما يقوم الدِّين بتأييد القضايا الحاصلة من العقل والوجدان والفطرة فإنها تتحوَّل إلى حقائق أخلاقية خالصة، ويصل الاعتماد والاطمئنان بأدائها إلى السعادة مرحلة اليقين. وتكون كيفية إحراز تأييد الدِّين لهذه القضايا من خلال بيانها على لسان الدين.

ج ـ حاجة الأخلاق إلى الدين في مقام التحقُّق والضمانة التنفيذية

يحتاج الإنسان في التزامه ومراعاته للتعاليم والأوامر الأخلاقية إلى التشجيع والتحذير بمختلف الوسائل والطرق. ومن ناحيةٍ أخرى تطالب الحكومات بمجتمعٍ أخلاقي، ومواطنين يتحلَّون بالمسؤولية؛ من أجل خفض مستوى الجرائم والخيانات، الأمر الذي يخفِّف عليها أعباء إدارة الدولة.

إذا قبلنا بهذه النظرية القائلة بأن الأخلاق مستقلّةٌ عن الدِّين، بمعنى أننا لا نحتاج إلى الدين والتعاليم العقائدية في معرفة الأفعال الأخلاقية والمخالفة للأخلاق والفضائل والرذائل، وفي مقام تشخيص القِيَم الأخلاقية يكفي العقل والوجدان والفطرة ومصادر أخرى من هذا القبيل، يبقى هذا السؤال قائماً: هل يمكن للإنسان أن يكون أخلاقياً بمجرَّد معرفة القِيَم الأخلاقية، ويلتزم بجميع الواجبات والمحظورات الأخلاقية، ويصبح من أصحاب الفضيلة؟

يمكن القول، دون أدنى تردُّدٍ: إن معرفة الأفعال الأخلاقية والفضائل والرذائل لا يكفي وحده في التخلُّق بالأخلاق، والحصول على سلوكٍ أخلاقي؛ فإن معرفة القواعد والأصول الأخلاقية إنما تمثِّل جانباً من الأمر، ويجب أن تنضمّ إلى ذلك عناصر أخرى؛ لنحصل على أخلاقٍ ناجعة، وإنْ كان هناك بعض الأشخاص الذين يتّصفون بجميع الفضائل اعتماداً على مجرّد العلم بالأمور الحَسَنة والقبيحة، ولمجرّد شَغَفهم بالحقيقة، بَيْدَ أن عدد هؤلاء الأشخاص قليلٌ جدّاً، ولا يمكن اعتبار هذه الظاهرة سيرةً عامّة وشائعة. وعلى هذا الأساس لا بُدَّ من وجود عناصر من قبيل: الثواب والعقاب، والترغيب والترهيب، والاعتقاد بضرورة الدَّوْر الرقابي والإشراف الإلهي على أفعال الناس، وسائر التعاليم الدينية، ليعمل الناس بما يعلمون. إن الدِّين من خلال بيانه أرقى وأجمل أنواع الوعود والثواب على الأفعال الأخلاقية، وأقسى أنواع الوعيد والعقاب على الأفعال اللاأخلاقية، يزرع أهمّ الدوافع والحوافز لدى الإنسان، ويدفعه إلى التسليم والإذعان للتعاليم الأخلاقية. إن هذه العناصر من الأهمّية بحيث إن أكثر الناس من دونها لا يُبْدُون مَيْلاً إلى القيام بالأمور الأخلاقية وترك الأمور غير الأخلاقية. وهناك بين أتباع الأديان الإلهية الكثير من الناس الذي يرضخون للأعمال الأخلاقية، ويتقيَّدون بالأفعال الحسنة، ويتركون الأفعال القبيحة؛ شَوْقاً إلى الجنة ونعيمها؛ أو خَوْفاً من النار وعذابها.

وعلى هذا الأساس لا يمكن إنكار الحاجة إلى الدِّين بوصفه ضمانةً أخلاقية. وقلَّما نجد هناك مَنْ ينكر ضرورة الدين في هذا الشأن، حتّى قال الروائي الروسي الشهير فيودور دوستويفسكي في روايته (الإخوة كارامازوف): «إذا لم يكن الإيمان بالله موجوداً سوف يصبح كلّ شيئاً مباحاً»([20]).

أجل، كيف يمكن الالتزام طوال الحياة بالقوانين الأخلاقية، دون الاعتقاد بالله وبعض التعاليم السماوية، من قبيل: تسجيل جميع أفعال الناس في المحكمة الإلهية في يوم القيامة والحساب؟!

«لا يمكن للأخلاق أن تتحقَّق دون تحقُّق العقائد. وإن الأفعال والسلوكيات إنما تنشأ عن العقيدة. إن العقيدة والإيمان واليقين الذي يشكِّل أساساً لطمأنينة النفس ضروريٌّ للعمل والسلوك. إن الأخلاق لا تطلق على كلّ عملٍ، وإنما هي العمل الصادر على أساس من الاعتقاد؛ بمعنى أن الإيمان القلبي يحرِّك الإرادة، والإرادة تستثير السلوك وتستدعي الفعل. وفي الحقيقة إن الأخلاق ثمرة الشجرة، والدِّين بمنزلة الجذع لتلك الشجرة، وإن ضرورة استعانة القِيَم الأخلاقية بالدِّين أمرٌ لا يمكن اجتنابه»([21]).

إن الأخلاق من دون الإيمان بالله ويوم القيامة سوف تنتهي إلى الأنا وحبّ الذات، وبالتالي سوف نشهد الفوضى والهرج والمرج في الأخلاق. إن النقطة الهامة التي تجعل من الأخلاق غير المستندة إلى الدِّين أمراً مجتثّاً ليس له قرار ولا أساس هي أن رعاية الأصول الأخلاقية، من قبيل: العفاف، والأمانة، والصدق، والصواب، والإيثار، ومساعدة المساكين، تكون في الكثير من الأحيان مصحوبةً بسلسلةٍ من حالات الحرمان المادّي والافتقار إلى اللذّة، وليس هناك من سببٍ يدفع شخصاً إلى تحمُّل الحرمان دون سببٍ وجيه أو دافعٍ روحيّ أو معنويّ يشجِّعه على ذلك، إلاّ إذا كان مؤمناً بأن هذا الحرمان سوف يتحوَّل في العالم الآخر إلى ثوابٍ ونعيم، أو أن التدنُّس بهذه المُتَع اللاأخلاقية وغير المشروعة سوف يترتَّب عليه عقابٌ شديد.

إن القواعد الأخلاقية وجميع المشاريع التربوية إنما تكون بنّاءةً ومُجْدِية إذا كانت تمتلك ضمانةً تنفيذية متينة وقويّة؛ إذ عند طغيان الغرائز وطوفان الشهوات واستعار الرغبات النفسية سوف تنهار الخطوط الدفاعية، وتسقط كوابح الوجدان الأخلاقي والنفس اللوّامة، وتمسّ الحاجة عندها إلى قوّةٍ أكبر من الوجدان والنفس اللوّامة؛ كي تعمل على ضبط الإنسان وتكبح جماحه، وتعيده إلى حالة الاعتدال. إن الاعتقاد بالثواب والعقاب في يوم القيامة يمثِّل عنصراً رادعاً وكابحاً قويّاً للغاية؛ إذ يمكنه أن يشكِّل دعامةً ناجعة لتطبيق الأصول الأخلاقية؛ حيث الإيمان بالله المطَّلع على ظاهر وباطن الإنسان، والذي لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، والذي يكون هو الحَكَم في يوم القيامة، حيث يتمّ فتح سجلّ أعمال الإنسان المكتوب بأقلام الملائكة الذين لا تخفى عليهم خافية. ولا يكتفى بذلك فقط، وإنما تتجسَّم أعمال الإنسان أمامه على صورةٍ حقيقية وملموسة. إن من شأن هذا الاعتقاد الراسخ أن يمثِّل خير دعامةٍ أخلاقية، وأفضل ضمانةٍ إجرائية وتنفيذية للأصول والقواعد الأخلاقية.

د ـ حاجة الأخلاق إلى الدين في قداسة القضايا الأخلاقية الحاصلة من العقل

إن بعض القضايا الأخلاقية تمتدّ بجذورها في عُمْق العقل والوجدان. بَيْدَ أن هذه القضايا؛ حيث تكون جذورها بشريّةً ودنيوية، تخلو بطبيعة الحال من القداسة والألوهية. ومن هنا فإن الإنسان في مقام العمل إما يعمل على ترك أوامر العقل دون رغبة؛ أو يرضخ إلى العمل بها كُرْهاً وبلا رغبة. والحال لو تمّ تأييد هذه القضايا الأخلاقية الناشئة عن العقل والوجدان من قِبَل الدين أيضاً فإنه، بالإضافة إلى حصول الإنسان على اليقين بصحّتها، سوف يعمل بها بطمأنينةٍ ورغبةٍ أكبر، وسوف تنطوي نظرة الإنسان إلى هذه القضايا بوصفها أموراً سماوية، وسوف تحظى لذلك بقدسيّةٍ سامية. وبعبارةٍ أخرى: «إن استناد الأمور الأخلاقية إلى الواقع والتجربة يقضي على قداستها وتعاليها؛ إذ لا يمكن للمبادئ الأخلاقية أن تنبثق عن الطبيعة البشرية الناشئة عن الميول والرَّغَبات والغرائز القائمة على جَلْب النفع ودَفْع الضَّرَر. وإن امتزاجها بالأحكام النظرية والعقل الصِّرْف لا يرفع من قيمتها، ولا يحمل ضمانةً تنفيذية لتطبيقها والعمل بها»([22]).

وعلى هذا الأساس إذا كانت التعاليم والأوامر الأخلاقية ناشئةً من العقل والوجدان والإحساس ونظائر هذه الأمور فقط فإنها سوف تكون في مثل هذه الحالة مجرَّد أوامر جافّة وخالية من القداسة؛ لأن النظرة إليها سوف تكون نظرةً دنيوية وبشريةً بالكامل، ويتمّ العمل بها بشكلٍ ميكانيكي. ولكي تغدو الأخلاق ذات روح وحيوية ومشجّعة، وليست مجرّد مجموعة من المعادلات الجافّة والميكانيكية، نحتاج إلى منشأٍ ميتافيزيقي وإلهيّ، وإلى رؤيةٍ متعالية. وعليه لكي تكتسب القضايا الحاصلة من العقل البشري على قداسةٍ من المناسب أن يتمّ بيان هذه القضايا من ناحية الدِّين أيضاً؛ كي تعمل على تعزيز وتقوية الجوانب العمليّة من الأخلاق.

هـ ـ حاجة الأخلاق إلى الدين في تقديم النموذج الأخلاقي

قلَّما نجد هناك مَنْ ينكر تأثير النموذج والأسوة في شخصيّة الإنسان وتربيته الأخلاقية. إن الناس من خلال ملاحظتهم لسلوك الشخص الذي يتّخذونه أسوةً لهم يعملون على بلورة حياتهم الأخلاقية، ويطبِّقون النصائح الأخلاقية على أنفسهم. إن النماذج الأخلاقية تعمل بسلوكها وأخلاقها إلى دفع الناس نحو الفضائل من جهةٍ؛ وتردعهم عن ارتكاب الرذائل من جهةٍ أخرى. وإن الأديان السماوية لم تكن لتكتفي بمجرَّد بيان القِيَم الأخلاقية فقط، وإنما تبيِّن للبشرية في كلّ عصرٍ نموذجاً؛ ليجعل الناس من سلوكه وأخلاقه محوراً لأعمالهم.

يطلق على النموذج والمثال في لغة القرآن الكريم مصطلح «الأسوة». وإن الله سبحانه وتعالى قد عرَّف بالأنبياء بوصفهم أسوةً للناس، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (الممتحنة: 4).

كما أن النموذج السلوكي يجب أن يكون شخصاً كاملاً ومتقدّماً، وأن يكون موضع ثقة ومحبّة الناس، وأن يكون ممتازاً من ناحية العلم والعمل، وأن لا يعاني من أيّ نقصٍ علميّ وعمليّ، وإلاّ ففي غير هذه الحالة لا يمكن له أن يلعب دَوْر النموذج والأسوة على النحو المطلوب. ولن يكون هذا السلوك الخطير إلاّ إذا تمّ ضمان اكتمال الشخص الأسوة من جميع الجهات من قِبَل مبدأ موثوقٍ لا يمكن التشكيك فيه، ولا يمكن لهذا الشخص إلاّ أن يكون من الأنبياء والأولياء وخُلَّص أصحابهم، المبرَّئين من جميع الرذائل الأخلاقية، والمتّصفين بجميع الفضائل الأخلاقية. وقد عمل الدِّين على الكشف عن جميع الزوايا المتعدّدة من حياة هؤلاء الأشخاص؛ كيما يتمكّن الناس من التأسّي بهم في جميع أفعالهم وسلوكياتهم.

وبالإضافة إلى الأنبياء والأوصياء الذين يتّصفون بالعصمة، هناك رجالٌ صالحون ونساء صالحات على طول التاريخ، تلقَّوْا تربيةً صالحة على يد الأنبياء، وأصبحوا أهلاً ليكونوا أسوةً للناس. وقد تمَّت الإشارة في القرآن الكريم إلى سيرة بعضهم، وقد أمر الله نبيَّه بأن يبيِّن للناس قصصهم؛ كي يعمل الناس على تنظيم وتصويب أخلاقهم وأعمالهم ومواقفهم على أساس سيرتهم العملية.

و ـ حاجة الأخلاق إلى الدين في تعيين الأهداف

ما هي الغاية من الأخلاق؟ وما هي الأهداف التي يُنشدها الناس من خلال الأفعال الأخلاقية؟

لقد ذكرت المدارس الأخلاقية بعض الأهداف والغايات للأخلاق والأفعال القِيَميّة والأخلاق الحَسَنة. وإن مطالعتها ودراستها تثبت أنها بحكم الإنصاف ليست أهدافاً سامية ومتعالية، وأنها تحتوي على النقص من جهاتٍ متعدّدة؛ والسبب في ذلك يعود إلى أن هذه الأهداف قد تمّ تحديدها على أساس رغبات وأفكار البشر. وإن هذه الأهداف قد اكتسبَتْ ـ بسبب بشريّتها والمحدوديّات التي يعاني منها التفكير البشري وأفق رؤية الإنسان ـ صبغةً بشرية بالكامل، وأضحَتْ مفتقرةً للقِيَم المتعالية([23]). إن هذه الأهداف هي بشكلٍ عامّ أهداف غير ثابتة وناقصة، وتشتمل على مصالح فعلية وعاجلة للناس، ولا تأخذ المصالح الآجلة والثابتة للناس بنظر الاعتبار.

كما أن أهداف وغايات المدارس الأخلاقية مختلفةٌ أيضاً. ففي الأنظمة الذاتية يتمّ السعي على الدوام للحصول على المقدار الأكبر من اللذّة والمصلحة لشخصها، وإن ما هو مهمٌّ للشخص هو خَيْرُه ومصلحته الشخصية، ولا يكون هناك من هدفٍ في البين سوى اللذّة والمنفعة الشخصية والفردية. طبقاً لهذه الأنظمة الأخلاقية يُعَدّ كلّ فعلٍ ينتهي لمصلحة الفاعل أمراً حَسَناً، وما كان على خلاف ذلك يُعَدّ أمراً سيّئاً وقبيحاً. وأما في الأنظمة الدينية فغاية الأخلاق ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمعرفة الإنسان والعقيدة. إن الغاية القصوى من خلق الإنسان في الأديان الإلهية هي الوصول إلى مقام القرب الإلهي، وهذه هي الغاية الأسمى المنظورة في المسار التكاملي للإنسان. وهناك بطبيعة الحال مراتب نازلة ومتوسّطة أيضاً، وكلٌّ منها يُعَدُّ غايةً بنحوٍ من الأنحاء.

لا بُدَّ من توفُّر عنصرين للوصول إلى مقام القرب الإلهي، وهما: المعرفة؛ والعمل. فمن البديهي أنه لا يمكن الوصول إلى هذا المقام دون معرفة الله وأساس الدين؛ إذ كيف يمكن لنا التحرُّك نحو الكمال دون معرفة الغاية والطريق الذي يؤدّي إليها، ودون أن نحمل الزاد الضروري في هذا الطريق؟! ورد في كلام الإمام عليّ× قوله: «أوّل الدِّين معرفته»([24]). وعليه يجب معرفة الله قبل كلّ شيء، ثمّ العمل بعد ذلك على بلوغ مقام القرب من خلال العمل وطيّ الطريق.

وبالإضافة إلى عنصر المعرفة يُعَدُّ العمل بالأحكام الدينية في مجال الفقه والأخلاق من اللوازم الأساسية للقرب والكمال، وإن مجرّد معرفتها لا يوصل السالك إلى الغاية والمقصود.

5ـ تماهي الدين والفطرة في اكتشاف القضايا الأخلاقية

إن مصدر الكثير من الأخلاق هو الفطرة والوجدان، وإن الإنسان من خلال رجوعه إلى فطرته يدرك أن بعض الأمور حَسَنةٌ، ويجب فعلها ويميل إليها؛ وبعضها الآخر قبيحٌ، ويجب تركه وينفر منه.

إن الله سبحانه وتعالى قد أودع في الإنسان قوّةً غير العقل والعاطفة، تلهمه التكليف وتصدر له الأوامر والنواهي من داخله. ولا علاقة لهذه القوّة بالعقل؛ لأن العقل غالباً ما يكون مكتَسَباً، بينما هذه القوّة أمرٌ فطري. إن هذه القوة، التي تُسمَّى بـ «الوجدان»، تُلْهِم الإنسان في الكثير من المسائل التي نعتبرها من الأمور الأخلاقية، وتقول له: «افعَلْ هذا، واترُكْ هذا»([25]).

كما يفهم من الآيات القرآنية أن الإنسان يمتلك مجموعةً من الإلهامات الفطرية، ويدرك جمال وقُبْح بعض الأمور، بعيداً عن مختلف أنواع التعليم والثقافات. فيدرك في دخيلته ـ على سبيل المثال ـ أن الصدق، والوفاء بالعهد، وحفظ الأمانة، ومبادلة الإحسان بالإحسان، حَسَنٌ وممدوحٌ؛ كما يشعر بأن كلّ ما يخالف هذه الأمور ـ من قبيل: الكذب، ونقض العهود، وخيانة الأمانة، والردّ على الإحسان بالإساءة ـ قبيحٌ ومذمومٌ. إن الإنسان في هذه المعرفة والحكم لا يحتاج إلى معلِّمٍ أو مرشِدٍ، بل لا يتأخَّر في إصدار الحكم عليها بالخير أو الشرّ بمجرَّد ملاحظة نفس الموضوع. فأين مكمن هذا النوع من المعرفة والحكم لدى الإنسان؟

لقد تحدَّث القرآن الكريم عن المنشأ الفطريّ لهذه المعرفة، وقال: إن الله قد هداه إلى معرفة الخير والشرّ، والحَسَن والقبيح، وعَرَّفه عليها. ومن هذه الآيات:

1ـ ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (طه: 50).

2ـ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (الأعلى: 2 ـ 3).

إن الهداية في هاتين الآيتين تشمل جميع الكائنات، إلاّ أن الهداية التكوينية في الإنسان تحتوي على معنىً أوسع من الهداية في سائر الموجودات؛ فالهداية التكوينية في غير الإنسان تختصّ بنوع الحياة والتناسل وما إلى ذلك من الأمور، وأما في الإنسان؛ حيث الهدف من الخلق يكون متعالياً، فإنها تشمل حتّى الهداية الروحية والمعنوية ومعرفة الفضائل والرذائل أيضاً.

3ـ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَها فُجُورَهَا وَتَقْواهَا﴾ (الشمس: 7 ـ 8).

4ـ ﴿لكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ والْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (الحجرات: 7).

يتّضح من هذه الآيات أن الإنسان يدرك الفسق والفجور، ويميِّزهما من الحُسْن والطُّهْر، وأنه محبٌّ للخير ومبغضٌ للشرّ، وإنْ كانت هذه الفطرة والدعامة الداخلية قد تُصاب بالضعف والانهيار التدريجي؛ نتيجةً للاحتكاك بالأجواء والأماكن الموبوءة، فلا يعود مالكاً للانجذاب الداخلي والفطري نحو الخير.

5ـ ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ والْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2).

نقل العلاّمة الطباطبائي، في هامش تفسير هذه الآية في الميزان، روايةً تقول: «عن وابصة قال: أتيتُ رسول الله| وأنا لا أريد أن أدَعَ شيئاً من البرّ والإثم إلاّ سألتُه عنه؛ فقال لي: يا وابصة، أخبرك عمّا جئتَ تسأل عنه أم تسأل؟ قلت: يا رسول الله، أخبرني، قال: جئتَ لتسأل عن البرّ والإثم، ثمّ جمع أصابعه الثلاث، فجعل ينكت بها في صدري، ويقول: يا وابصة، استَفْتِ قلبك، استَفْتِ نفسك. البرّ ما اطمأن إليه القلب واطمأنّت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب، وتردّد في الصدر، وإنْ أفتاك الناس وأفتوك»([26]).

6ـ ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ (الأنبياء: 73).

قال العلاّمة في تفسير هذه الآية: «يدلّ [هذا] على تحقُّق الفعل، أي إن الوحي تعلَّق بالفعل الصادر عنهم، أي إن الفعل كان يصدر عنهم بوحيٍ مقارن له، ودلالة إلهية باطنية، هو غير الوحي المشرّع الذي يشرع الفعل أوّلاً، ويترتَّب عليه إتيان الفعل على ما شرع»([27]). كما تثبت هذه الآية أن الإنسان على درايةٍ بالحسنات وأفعال الخير؛ لأن الله قد أودع ذلك في طبيعته وجبلّته.

7ـ ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد: 8 ـ 10).

يُستفاد من هذه الآيات أن الإنسان يدرك من داخله قُبْح وجمال أعماله وأعمال الآخرين، ويعرف الخير والشرّ، ويميِّز طريق الكمال من طريق الانحراف. وعلى هذا الأساس فإن الله سبحانه وتعالى قد أودع الأصول العامّة للأخلاق في جبلّة الإنسان، وبيَّن تفصيلاتها على لسان الوحي. وبعبارةٍ أخرى: إن الله قد كتب الأخلاق وسائر المعارف بقلمين، وهما:

1ـ قلم التكوين (الهداية التكوينية)، وهي عبارةٌ عن الفطرة والوجدان.

2ـ قلم التشريع (الهداية التشريعية)، وهي عبارةٌ عن الوحي والنبوّة.

لقد دعا الله الإنسانَ في بعض آياته إلى الخيرات، ومنعه من ارتكاب الموبقات، وإن هذا النوع من الأمر والنهي متفرِّعٌ عن علم الإنسان ومعرفته لتلك الخيرات والموبقات؛ إذ لم يَرِدْ تعريفها وشرحها في أيّ موضعٍ من القرآن الكريم، وإنما قام الاعتماد والتعويل فيها على معرفة الإنسان وإدراكه لتلك المفاهيم، مع التأكيد على ضرورة التحلّي بتلك الفضاء واجتناب تلك الرذائل، من قبيل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90).

وهناك آياتٌ أخرى تدلّ على أن في وجدان الإنسان قوّةً ترغب بكلّ ما يتناسب مع طَبْعها، وتنفر من كلّ ما لا تراه مناسباً وفطرة الإنسان، من قبيل: قوله تعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (القيامة: 2).

وعلى هذا الأساس فقد تمّ إيداع كلّيات الأصول الأخلاقية في جبلّة الإنسان وفطرته، بَيْدَ أن هذه الكلّيات غير كافيةٍ لصيرورة الإنسان شخصاً أخلاقياً. وكما سبق أن ذكرنا فإن الشريعة قد عملت على تطوير وتعيين مصاديق هذه الكلّيات بالتفصيل.

6ـ النتيجة

إن الحكم بانفصال الأخلاق عن الدين لا يستطيع أن يضمن المجتمعات البشرية ويحصِّنها من حيث الأخلاق والسعادة؛ لأن هذا الاتجاه في الأخلاق يستند إلى المعرفة والإدراك البشري؛ وتعاني المعرفة البشرية من النقص في قيامها البَحْت على العقل والحسّ أو الوجدان؛ إذ إن هذه القوى بدَوْرها تعاني من المحدودية، وتختلف أيضاً باختلاف الظروف والأزمنة، الأمر الذي يؤدّي إلى صدور أحكامٍ ناقصة ومتغيِّرة، بل ومتعارضة في بعض الأحيان. ثمّ إن الشهوات والنظر إلى المصالح الشخصية والنفسانية يفاقم من عدم جدوائية هذا النوع من الإدراك والمعرفة.

وعليه يجب أن تكون الأخلاق وليدة أعلى وأسمى مصادر المعرفة في مجال السعادة والشقاء، والخيرات والشرور، والمصالح والمفاسد، وأكثرها واقعية؛ ضماناً لسعادة الإنسان الحقيقية. ولا يمكن لذلك أن يتحقَّق إلاّ من الناحية الدينية.

الهوامش

(*) أستاذٌ مساعِدٌ في جامعة الإمام الخمينيّ الدوليّة، وحائزٌ على دكتوراه في الفلسفة وعلم الكلام الإسلاميّ.

([1]) انظر: مصباح اليزدي، فلسفه أخلاق (فلسفة الأخلاق): 168، نشر بين المللي، طهران، 1364هـ.ش. (مصدر فارسي)؛ ألَسدير مك إنتاير، تاريخجه فلسفة أخلاق (تاريخ فلسفة الأخلاق) : 58، ترجمه إلى الفارسية: إنْ شاء الله رحمتي، نشر حكمت، طهران، 1379هـ.ش.

([2]) الربوبية أو الدين الطبيعي (deism): الاعتقاد بأن العقل البشري قادرٌ وحده أن يؤمن بوجود الله والعلم به، دون الاستناد إلى الوحي أو الانتماء إلى دينٍ. وكانت هذه الرؤية موجودةً حتّى في مؤلفات الإنسوية في عصر النهضة، بل وقبلها أيضاً. (إيان باربر، علم ودين (العلم والدين): 25، ترجمه إلى الفارسية: بهاء الدين خرمشاهي، نشر دانشگاهي، طهران، 1374هـ.ش).

([3]) انظر: ريتشارد بابكين واسترول آروم، كلّيات فلسفة (كليات الفلسفة): 98، ترجمه إلى اللغة الفارسية: جلال الدين مجتبوي، نشر حكمت، طهران، 1402هـ.

([4]) انظر: مصباح اليزدي، فلسفه أخلاق (فلسفة الأخلاق): 195.

([5]) انظر: جعفر السبحاني، بحث في الملل والنحل: 65، لجنة إدارة الحوزة العلمية، قم، 1362هـ.ش.

([6]) انظر: جواد مشكور، فرهنگ وفرق إسلامي (الثقافة والفِرَق الإسلامية): 404 ـ 406، 1374هـ.ش.

([7]) نهج البلاغة، ح218.

([8]) الكليني، الأصول من الكافي 6: 47، دار الكتاب الإسلامية، طهران، 1366هـ.ش.

([9]) انظر: عبد الرزّاق اللاهيجي، گوهر مراد (جوهر المراد): 687، تصحيح وتقديم: زين العابدين قرباني، وزارت فرهنگ وإرشاد إسلامي، طهران، 1378هـ.ش.

([10]) مصباح اليزدي، فلسفه أخلاق (فلسفة الأخلاق): 70.

([11]) انظر: مرتضى مطهَّري، مسألة شناخت (مسألة المعرفة): 13، انتشارات صدرا، قم، 1367هـ.ش؛ مصباح اليزدي، دروس فلسفه أخلاق (دروس في فلسفة الأخلاق)، مجلة قبسات، العدد 13: 119، 1367هـ.ش. (مصدران فارسيان).

([12]) انظر: مصباح اليزدي، فلسفه أخلاق (فلسفة الأخلاق): 198.

([13]) نهج البلاغة: 239.

([14]) بيترسون وآخرون: 238، 1379هـ.ش.

([15]) انظر: المصدر السابق: 240 ـ 241.

([16]) انظر: المصدر السابق: 442.

([17]) انظر: المصدر السابق: 441.

([18]) انظر، صدر الدين الشيرازي (صدر المتألِّهين)، الرسائل: 68 ـ 69، مكتبة المصطفوي، قم.

([19]) انظر: المصدر السابق: 441.

([20]) انظر: مرتضى مطهَّري، فلسفه وأخلاق (الفلسفة والأخلاق): 296، انتشارات صدرا، قم، 1366هـ.ش. (مصدر فارسي).

([21]) جعفر السبحاني، حاكميت دين بر أخلاق يا تقدُّم أخلاق بر دين (حاكمية الدين على الأخلاق أو تقدم الأخلاق على الدين)، مجلة كلام إسلامي التخصُّصية، العدد 32: 14، عام 1378هـ.ش.

([22]) ريتشارد بابكين واسترول آروم، كلّيات فلسفة (كليات الفلسفة): 88.

([23]) انظر: مصباح اليزدي، فلسفه أخلاق (فلسفة الأخلاق): 182.

([24]) نهج البلاغة، الخطبة رقم 9.

([25]) انظر: مطهَّري، فلسفه وأخلاق (الفلسفة والأخلاق): 53 ـ 54.

([26]) السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 5: 190، منشورات جماعة المدرِّسين، قم، 1414هـ.

([27]) المصدر السابق 14: 305.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً