أحدث المقالات

قراءةٌ تحليليّة في المحتوى، والأسباب، والعلاجات

حيدر حبّ الله(*)

الموضوع الذي أودّ الحديث عنه يتّصل بمسألة حياتيّة يوميّة بالنسبة لطلاب العلوم الدينيّة ورحلتهم الدراسيّة والعلميّة. وسوف أقدّم لحديثي ببعض المقدّمات، بعد ذلك سأتحدّث عن الظاهرة التي أودّ التكلّم فيها، وأرصد عقب ذلك الأسباب الموضوعيّة والذاتيّة لهذه الظاهرة، لأُنهي كلامي ببعض الأفكار والمعالجات المتواضعة.

أوّلاً: مقدّماتٌ ضروريّة

أجد من اللازم تقديم بعض المقدّمات؛ لتوضيح بعض الأمور:

المقدّمة الأولى: ما سنتطرّق إليه لا يختصّ بالحوزات العلميّة، بل تعاني منه الكثير من المراكز العلميّة والتعليميّة في العالم الإسلامي والعربي على حدٍّ سواء، وكذلك مراحل التعليم العالي في كثير من الجامعات في أماكن مختلفة في العالم. فنحن إذا تكلّمنا عن حالة الحوزة العلميّة بالخصوص فلكوننا معنيّين بذلك، لا لكون ما سنتطرّق إليه هو قضايا تختصّ بها الحوزة أو المؤسّسة الدينيّة.

المقدّمة الثانية: سنركّز في حديثنا هنا على الجانب العلميّ فقط، أي عن أصالة الثقافة الدينيّة في الحوزة العلميّة؛ لأنّ الأصل فيها هو تحصيل الثقافة الدينيّة، أمّا في ما يتعلّق بدور علماء الدين في المجتمعات، كالصلاة على الميّت مثلاً أو إقامة الجماعات والنشاطات الاجتماعيّة والتربويّة والتعليميّة لهم في المدن والقرى، فهذا شأنٌ يتعلّق بعلاقة رجل الدين بالناس، وليس رجل الدين المتعلّم والأستاذ؛ فما يعنينا هنا بالدرجة الأولى هو دور عالم الدين في تلقّي الثقافة الدينيّة، وتكوين نفسه مثقّفاً دينيّاً، وخوضه الحوار العلمي الفكري مع التيارات الفكريّة في العالم اليوم.

المقدّمة الثالثة: علينا أن ندرك أنّ التعليم وأنظمة التعليم من المفاتيح الرئيسة للنهوض والنموّ الحضاري لأيّ أمّةٍ من الأمم. فكلّ أمّةٍ لا تهتمّ لشأن التعليم، أو يكون فيها التعليم بمستوىً متخلِّف أو معاق، أو مصاب ببعض المشاكل أو الضمور، فإنّها سوف تعاني في المستقبل القريب من قصورٍ ومشاكل، الأمر الذي ربما يؤدّي بها إلى انتكاسات حضاريّة. ولهذا كانت لمراحل التعليم ـ خاصّةً الأولى منها ـ ومناهجه، دورٌ عظيم في نهوض الأمم والشعوب ورقيّها. وللسبب عينه نجد أنّ بعض التجارب النهضويّة الكبيرة التي حصلت في العالم مؤخَّراً بدأت رحلتها من التعليم، كالتجربة الماليزيّة.

إنّ وضع التعليم اليوم في الحوزات العلميّة والمعاهد الدينيّة يمكّنك من التنبّؤ بمستقبل هذه المعاهد والحوزات؛ فإنْ كان وضع التعليم فيها جيّداً فهو ما سيعطيك مؤشّراً على طبيعة حال هذه المؤسّسة الدينيّة بعد عشرين عاماً؛ فإذا كان وضع التعليم ممتازاً فيمكننا التنبّؤ بعقود ممتازة آتية؛ وإنْ كان العكس فإنّ هذا الواقع يفرض علينا أن نتوقّع مستقبلاً غير مُطَمْئن. هذا هو ما عنَيْتُه من أنّ التعليم ومناهجه وطرائقه يلعب دوراً عظيماً في رسم مستقبل الأمم، ومستقبل المجتمعات العلميّة.

المقدّمة الرابعة: من الضروريّ أن ندرك أنّ ثمّة خلاف اليوم داخل المؤسّسة الدينيّة بشأن وضعها العلمي: هل هو متراجعٌ أو متقدّم؟ إنّ بإمكان كلٍّ منّا اليوم التكلُّم عن انطباعاته الخاصّة، لكنْ إذا أردنا أن نتكلَّم عن إحصاءات ومعلومات، تتّصل بمَدَيات تقدُّم وضع الحوزات، مقارنةً بالسابق أو بالمحيط، أو بمَدَيات التراجع كذلك، فإنّ القضيّة تحتاج إلى عملٍ محترف.

هنا تختلف وجهات النظر؛ ففيما يصنّف فريقٌ الوضعَ على أنّه جيّدٌ، ولا داعي للسلبيّة في تقويمه، إلى حدّ أنّ بعض الشخصيّات الكبيرة في المؤسّسة الدينيّة اليوم تعتبر أنّ الحديث عن تراجعٍ في وضع الحوزات هو حديثٌ يخدم الأعداء…؛ يذهب فريقٌ آخر إلى تكوين صورة سلبيّة عن الحالة العلميّة، حتّى أنّ بعضهم يرى أنّنا نشرف على انتكاسةٍ كبرى. هذا يعني أنّ لدينا تنوُّعاً في وجهات النظر. ولا تكفي هنا الانطباعات العفويّة؛ لأنّها محدودة في معلوماتها، بل نحن نحتاج إلى متابعات ومقاربات إحصائيّة ميدانيّة، تحدّد لنا بدقّةٍ هل أوضاعنا تسير نحو الأفضل ـ بوصفنا مؤسّسة علمية تعليمية بحثية ـ أو الأسوأ؟

شخصيّاً، لا أريد هنا الدخول في تفصيل الجواب عن هذا الموضوع، وإنْ كنتُ أرى أنّنا في تقدُّمٍ من زاويةٍ، وتراجعٍ من زاويةٍ أخرى.

ثانياً: عرض المشكلة القائمة

المشكلة القائمة اليوم هي ـ وبكلّ صراحةٍ ـ أنّ هناك ظاهرة حقيقيّة يعاني منها بعض طلاب العلوم الدينيّة، في المراحل التعليميّة المختلفة، وليس جميعهم، وربما ليس غالبهم، وتتمثّل في الإحساس بحالةٍ من التشوّش والضياع، فهو لا يرى مستقبله أمامه، ولا يعرف هل يسير على هدىً أو لا؟ هل القرار الذي اتّخذه بأن يسير بهذه الطريقة منتجٌ أو لا؟

في بعض الحالات تهبّ عاصفةٌ في نفسه، ويشعر بعبثيّة ما يفعل، فيراوده تفكيرٌ بأنّه أضاع سنين من عمره، وأمضى وقتاً طويلاً، دون جدوى حقيقيّة! وقد يشعر بأنّه خسر فرصاً كانت متوفّرة له، وأنّه لم يُنْتِج أو يصل إلى ما كان يطمح إليه… بل هو يشعر هنا بأنّه عاجزٌ حتى عن تصنيف نفسه: أين هو الآن؟ وهل المدّة الزمنيّة التي أمضاها كانت كافيةً للوصول إلى ما وصل إليه؟ هل أضاع وقته وزهرة شبابه بما لا فائدة معتدّاً بها منه؟

طالبٌ كهذا يريد أن يكون في مجالٍ ما فيجد نفسه بعد سنوات في مجالٍ آخر، ويطمح لأن يكون مستقبله على نحوٍ معيّن فيجد أنّه على نحوٍ مختلف تماماً، فيصاب بالإحباط، وتتملَّكه حالة من الفتور تجاه المعرفة والعلم، ويشعر بأنّه يمارس حياةً وظيفيّة رتيبة، فقط يمضي الوقت، حتّى تجده يفضّل البقاء في الحوزة العلميّة علَّ ذلك يشفع له، بعد أن بات عاجزاً عن اتّخاذ قرارٍ آخر منسجمٍ مع ذاته.

فلنكن أكثر وضوحاً، إنّ هذه الحال التي نتكلّم عنها بوصفها ظاهرة قائمة ـ لا أعرف نسبتها بالتحديد ـ تظهر بشكلٍ أكبر بين النابهين، أي أولئك الذين يملكون طموحاً أكبر في حياتهم، وذكاءً أكبر، وإمكانات أكثر. أشخاصٌ يظنّون أنّ لديهم إمكانات أكبر، وبعد فترةٍ من الزمن يكتشفون أن لا نتائج تذكر قد حقَّقوها، قد تمرّ عشر سنوات أو عشرون، ويدركون بعد ذلك أنّ الأمور ليست بهذا الشكل المتوقَّع، أو هي أسوأ بكثير من المتوقَّع.

هذه الحالة تولِّد لدى الفرد ضغطاً نفسياً، هو ما يعاني منه بعضٌ في أوساط المؤسّسة الدينيّة التعليميّة، وفقاً لانطباعي الشخصي من جهةٍ، وبعض الإحصاءات التي تمّ تداولها من جهةٍ أخرى. فإذا أراد شخصٌ أن يتأكّد أنّ هذه الظاهرة موجودة عند بعض الطلاب أو لا فبإمكاننا نحن أن نكون شهداء له، وبإمكانه أن يسألنا، فنحن لمسنا هذا الأمر من خلال تجارب عقود من الزمن، عبر الاحتكاك بالكثير من الطلاب.

لا أريد أن أضخِّم الظاهرة، ولا أن أبالغ أو أكون سلبيّاً، ولا أريد في المقابل أن أقزِّمها، وأستخفّ بالتحدّيات. لكنّ المؤكَّد أنّها ظاهرةٌ قائمة بنسبةٍ معيّنة. وعلى كلّ إنسان أن يرجع إلى نفسه، وهو أخبر بها، وبإمكانه أن يعرف ما إذا كان يعاني من هذه الحالة، هو وبعضٌ ممَّنْ حوله، أو لا؟ والإنسانُ أبصر بحاله.

أرجو أن أكون تمكَّنت من توضيح الفكرة باختصارٍ.

ثالثاً: العوامل المؤثِّرة في ولادة الظاهرة القائمة

ما هي أسباب هذه المشكلة الموجودة من حولنا؟ وما الذي يمكننا أن نفعله ليواجه طالب العلوم الدينيّة الإحساس باليأس، وبالعجز العلمي وعدم الرضا عن النفس؟

سأقسِّم الأسباب إلى قسمين:

القسم الأوّل: أسباب موضوعيّة محيطة، رُبَما لا يكون الفرد هو المسؤول عنها.

القسم الثاني: أسباب ذاتيّة وفرديّة، يشارك الفرد ذاته بدرجةٍ ما في صنعها.

القسم الأوّل: الأسباب الموضوعيّة المحيطة

يمكنني هنا الإشارة إلى بعض الأسباب، وأبرزها:

1ـ عدم تناسب المادّة العلميّة مع الغايات والحاجات والتحدّيات

يعني ذلك أنّ المادّة العلميّة لا تنسجم في الواقع مع تحدّياتك في الخارج، وحاجاتك المجتمعيّة الخارجيّة، فلا يوجد تناسبٌ بينهما. فأنت مثلاً تدرس الفقه والأصول، وتدرس كتاب الطهارة أو كتاب الصوم أو الخمس، وبعد عشرين عاماً تحتكّ بتحدّيات علميّة وثقافيّة فتجد أنّ كلّ تلك المعلومات التي حصلت عليها، أو نسبةً كبيرة منها، لا تستطيع أن تخدمك في هذا التحدّي العلمي؛ إذ لا يوجد تناسبٌ بين طبيعة الموضوعات والمعلومات التي تكتسبها وبين طبيعة التحدّيات الثقافيّة والعلميّة في مجتمعك أو في مَنْ تحتكّ بهم خارج الحوزة العلميّة.

هذه الحال من عدم التناسب بين شعورك تجاه ما تلقّيته وشعورك بأنك لا تستطيع توظيفه، وأنّ ما حصلتَ عليه لستَ قادراً على استثماره، تدفع للشعور بالإحباط، فتشعر وكأنّك غير قادر على التكلّم، رغم أنّك تملك معلومات وفيرة في المجال الذي قرأت فيه، ولكنْ مع ذلك تُصاب بهذه المشكلة؛ نتيجةً لعدم تناسب المقروء مع التحدّي الثقافي والفكري الذي تحتكّ به في هذا الإطار.

الإخوة الذين يأتون من الغرب، وتحديداً من القارّتين الأوروبيّة والأميركيّة، يعانون أحياناً من هذه الظاهرة. كما نلمس من بعض الإخوة الآتين من القارّة الأفريقيّة ذلك… إنّهم يعيشون هذه المعاناة، ويلاحظون الهوّة الواسعة بينهم وبين أسئلة نخبهم الثقافيّة في مجتمعاتهم! وأسئلة الجامعيّين الذين يحتكّون بهم ويناقشونهم! إنّ هذه الظاهرة نلاحظها أيضاً في بعض الحوزات النسائيّة، فالمواد التعليميّة ليست نفسها المواد التي يُحتاج إليها في مكان التصدّي والعمل.

2ـ أزمة الدوران حول علوم محدودة جدّاً بكتب محدودة جدّاً

يمضي العديد من طلاب العلوم الدينيّة عقداً أو عقدين من عمرهم حول سبعة أو ثمانيّة كتب يدرسونها، تتصل بمادّة أو مادّتين أو ثلاث أو أربع فقط. هذه الحال قد تُشعر الإنسان بعدم امتلاكه للتنوّع المعرفي؛ لأنّ التنوّع في المعرفة يجعل العقل منفتحاً، ويعطي الإنسان نشوة التنوّع في المعلومات المنتمية إلى ثقافات فكريّة وفضاءات معرفيّة متنوّعة. إنّه يعطي الإنسان إحساساً بالسعادة. أما إذا كانت معلوماتك منحصرةً فقط في دائرةٍ واحدة فمن الممكن في يومٍ من الأيام أن تفتقد الإحساس باللذّة. فهذا الطالب دائماً على تماس مع موضوع أشبه بالمتكرّر، وما يحصل أحياناً معه هو أن يستيقظ بعد فترةٍ ويرى أنّه لم يَعُدْ يمتلك الشهوة أو الرغبة في الدراسة، خاصّة إذا اطّلع على تنوّعٍ في الموضوعات الأخرى يعطي الذهن نشاطاً.

مَنْ يُخشى عليه أن يُصاب بالزهايمر من الأفضل له أن يكون له نشاطٌ ذهني دائم ومستمرّ، ولا يعيش فقط على رتابةٍ واحدة. عليه أن يذهب وينشّط ذهنه، يُطلعه على ما هو جديد ومختلف، فتنتقش الصورة في ذهنه بصورةٍ جديدة ومتنوّعة متشكّلة ملوّنة، تبعث في نفسه نشاطاً وحيويّة وقدرة جديدة. نحن هنا بحاجةٍ إلى شيءٍ من هذا.

بعض الإحصاءات الجديدة، التي تنتشر ولا ندري مدى دقّتها، إلاّ أنّها إحصاءات حوزويّة نشرت في الإنترنت، تقول: 48% من دروس البحث الخارج في إيران تدور حول فقه العبادات، و12% في فقه الطهارة والنجاسة، و4% في المستحدثات من المسائل (فقه النوازل)، وهكذا. هذا الأمر يعطي مؤشّراً على أنّ كلّ التركيز على موضوعات متشابهة ومماثلة، وليس هناك من تنوّعٍ، حتّى داخل الفقه نفسه. وبالتالي الطالب الذي يذهب نحو هذا الفضاء سيشعر أنّه ـ وبعد مضيّ مدّةٍ زمنيّة معينة ـ عاش فترةً من عمره داخل مربّع واحد، ولم ينتقل بين المربّعات؛ ليرى ثراء العلوم الإنسانيّة والدينيّة، وأين وصل الإنسان بالعلم والمعرفة؟ بل حتّى إلى أين وصلت سائر العلوم الدينيّة ـ بما فيها العلوم الشرعيّة ـ في التطوّر والتنوّع…؟

هنا يفتقد الإنسان الشوق للدراسة، بعد وقوعه في التكرار وتشابه المعارف والموضوعات التي يشتغل عليها، فتبعث في نفسه الفتور، حتّى أن بعض الباحثين في المجال التعليميّ يقولون: لا ينبغي أن نعطي طالب الماجستير أو الدكتوراه قائمةً بعناوين مقترحة. هذا خطأٌ كبير، لماذا؟ لأنّه ينبغي له أن يشتغل بنفسه على موضوعٍ يمثّل له تحدّياً مشوّقاً، كان قد سبق واحتكّ به مباشرةً، يأتي ويسألك عنه، فتقول له: هذا موضوعٌ جيّد، دون أن تعطيه قائمةً مكرورة بمئة أو مئتين من الموضوعات، ثم يأتي طالبٌ آخر فتعطيه القائمة نفسها… إنّك بذلك تكون قد رسمتَ لكلّ الطلاب خطّاً واحداً، ورُبَما قد يأتي هو ويختار الموضوع الأسهل بالنسبة إليه، وهذا ما لا يكون مشوّقاً لديه، فيشتغل على عناصر أخرى، كالسهولة. اترك الطالب يشتغل على عنصرٍ مشوّق له، يكون قد واجهه بنفسه، مطلوبٌ منه عنصر الشوق والشغف في العمل، وهي عناصر مركزيّة نفسيّة في التعليم، وفي التقدّم العلميّ.

3ـ أزمة نوعيّة الأساتذة والمهارات التعليميّة

جميعنا يعرف أنّ للأستاذ دوراً في جعل الطالب محبّاً للمادّة التي يتعلّمها، أو يشعر بالفتور تجاهها، أو قد يشعر بالكُرْه لها. ففي العالم العربي مع الأسف يقال بأنّ المادّة التي يتعلّمها الكثير من الطلاب، ثم لا يعشقونها، هي اللغة العربيّة! وهي لغتهم التي تمثّل هويّتهم القوميّة، فضلاً عن تمثيلها لهويّة دينيّة… لماذا؟ لأنّ مناهج التعليم لا تُشعر الطالب باللذّة والسعادة وهو يتلقّاها، تُشعره بقلقٍ وخوف، تُشعره بالجمود، تُشعره بالجفاف.

الأستاذ له دورٌ عظيم ـ إلى جانب المناهج التعليميّة ـ في إشعارك برطوبة البحث، بإمكانيّة تسييل هذا البحث، بإمكانيّة توظيف هذا البحث وبجماليّته. إنّه يعطيك شوقاً لاكتشاف هذا البحث… إنّ الاستاذ فاعلٌ نفسي، وليس مجرّد خبير بالمادّة التي يدرِّسها. الأستاذ بما هو أستاذٌ هو الخبير بمهارات التعليم، يعرف كيف يجتذب الطلاب، كيف يحبِّبهم بالمادّة، وكيف يزيل الخوف منها في قلوبهم، ويضع مكانه شوقاً وسعادة، ويضع رغبة في التوسّع في القراءة والمتابعة والتعلّم.

مشكلة بعض الأوساط التعليميّة في الحوزات الدينيّة أنّها تركِّز على عمق الأستاذ وخبرويّته في المادّة التي يعطيها، ولا تركّز على مهاراته التعليميّة وشخصيّته الفاعلة في نفوس الطلاب. إنّ العمق مهمٌّ، لكنّه لا يكفي؛ فالتعليم مختلفٌ عن البحث العلمي. فأنت لا تريده بحّاثةً في مركز دراسات، بل تريده مربّياً صانعاً في صفوف الدراسة. كثيرٌ من الإدارات التعليمية في عدد من الحوزات العلمية يختارون الأستاذ بناءً على علمه بالمادّة التي يدرّسها، وبناءً على ما يملك من أبحاث أو شروحات فيها، وبناءً على قدرته الذهنية على التحليل والفهم. ولكنّ القليل من الإدارات التعليمية مَنْ يأخذ بعين الاعتبار مهارة الأستاذ في التعليم أيضاً. فلا يهمّ فقط أن يكون لدى الأستاذ القدرة الخاصّة الذاتية على التأمّل في الموضوع، فأنا لا أتعامل مع الأستاذ في هذه الحالة على أنّه يتعامل مع نفسه ومع البحث، بل أتعامل معه على أنّه يتعامل مع بشر، يريد أن يؤثّر فيهم ويحثّهم ويشجّعهم، ويتمكّن من إيصال فكرته إليهم. فالمهارات التعليمية مهمّة جدّاً في هذا الإطار.

سأعطي تجربةً شخصية: عندما جئتُ إلى الدراسة في قم كان هناك أستاذان بارزان وعَلَمان من الأعلام، وكنتُ أرى في أحدهما أنّه أكثر دقّةً من الآخر. هكذا كان يبدو لي، وربما هكذا هو في الواقع. ولكنني لم أختَرْ الأستاذ الذي يملك الدقّة الزائدة، بل اخترتُ الثاني (مع إدراكي بأنّهما لا تفصلهما عن بعضهما مسافةٌ معتدّ بها)… لماذا؟ لأنني وجدت في الثاني شخصاً قادراً على التنظيم، والترتيب، وتناسق الأفكار. فلا يهمّني أن يعطيني الأستاذ مادةً علميةً فقط، بل يهمّني أن يُلقي ذهنه في ذهني، ويهمّني أن أتأثّر بقدرته التنظيميّة، وسيطرته على خارطة الأبحاث، وترتيبه للموضوعات، وتأخيره ما حقّه التأخير، وتقديمه ما حقّه التقديم. فهذا بالنسبة لي أيضاً ضروريٌّ. وفي حال بقيت مع ذلك الأستاذ عشر سنوات ربما أحصل على دقّةٍ علميّة، لكنّني لا أملك بعد ذلك إلاّ الفوضى في التفكير. وفوضى التفكير ليست أمراً محبوباً ومفضّلاً في سياق النضوج العلمي.

بل ثمّة مشكلةٌ أخرى تعاني منها بعض الأوساط الحوزويّة في ما نعلم، وهي حالة الشحّ النسبي في الأساتذة في بعض الاختصاصات المتّصلة بالشأن الديني. وهذا ما يدركه مدراء الحوزات المطّلعون على هذا الشأن. نعم، بعض الاختصاصات فيها شحٌّ، وأخرى فيها وفرة في عدد الأساتذة. نأتي مثلاً إلى علوم مثل: علوم الرجال أو علوم الحديث أو اللغة العربيّة أو الفلسفة المضافة أو علم الكلام الجديد أو علوم التاريخ، نجد شحّاً نسبياً؛ بينما إذا ذهبنا إلى الفقه أو الأصول نجد وفرةً نسبيّة. هذه الحال تنتج تورّماً غير صحّي في الجسم؛ فالجسم ينمو في موضعٍ دون آخر، في الوقت الذي تكون فيه طبائع الطلاب وميولهم متنوّعة، وبهذا يصبح النظام التعليمي غير مستجيبٍ لتنوّع طبائع الطلاب، فيقع الإحباط والفتور عند بعضهم.

وفي هذا السياق، نلاحظ مشكلةً أخرى، وهي ضعف أساتذة المقدّمات (المراحل التعليميّة الأولى). وهي مشكلةٌ تؤدّي إلى تراجع الحالة العلميّة. والمعضلة هي أنّ الأساتذة الأقوياء قد لا تناسبهم الظروف، أو قد لا تسمح لهم في أن يدرِّسوا المقدّمات، ممّا يفرض أن يتصدّى لها غالباً أشخاصٌ ربما لا يمتلكون القدرة الكافية لتدريسها. ونحن نعرف أنّه إذا نشأ الطالب في مرحلة المقدّمات ضعيفاً فإنّ ذلك يمكن أن يؤثّر على مسيرته العلميّة بالمجمل، أمّا في حال درس المقدّمات تحت منبر أساتذة أقوياء فمن الممكن حينئذٍ أن تكون بنيته الأوّلية قويّة. إنّ عدم الاهتمام بمرحلة المقدّمات يمكن أن يؤدّي إلى ضمور رغبة الطالب ونفوره من الموادّ التي يتعلّمها، أو شعوره بصعوبة المراحل اللاحقة؛ وأحياناً قد يؤدّي به الأمر إلى الصعود إلى مراحله العليا غير قويّ ولا متين، الأمر الذي يفرض تراجع المستوى العلمي عموماً في الحوزات.

إذن لدينا مشكلة المهارات التعليميّة، ومشكلة توفُّر الأساتذة في بعض الاختصاصات، والمستويات.

4ـ فقدان ثقافة التشويق والتشجيع عند الطاقم التعليميّ

لا تكاد ـ نسبيّاً ـ تشعر أنّ الأستاذ يشجِّع الطالب، إنْ لم تشعر أحياناً أنّه يثبّطه ويُضْعِفُ من ثقته بنفسه. لا أريد أن أعطي شواهد، وأزعم أنّ جميع الحضور في هذه القاعة ـ وكلُّكم طلاّبٌ في الحوزة العلميّة ـ إذا قلتُ لكم: مَنْ يعاني من هذا فليرفع يده فإنّكم جميعاً سترفعون أياديكم. أزعم أنّنا جميعاً عانينا من هذا الأمر، إلاّ مَنْ رحم الله.

نعم، هناك أساتذةٌ يقدّرون الطالب، ويشجِّعونه، ويبعثون في نفسه الأمل، ويبعثون في نفسه المستقبل الزاهر، فيرى أمامه شيئاً مفرحاً يمكن أن يصل إليه. وهناك نوعٌ من الأساتذة مُحبِطٌ، يُشعرك بأنّه إمّا لا مُبالٍ بك، أو هو مثبِّطٌ لك. ولهذا تجدهم يقولون لك: الآن ليس الوقت أن تُشْكِل على المحقّق العراقي، الآن وقت أن تفهم المحقِّق العراقي فقط. ولو تجاسرتَ وأشكلتَ قيل لك: مَنْ أنت حتى تُشْكِل على السيّد الخوئي؟! بل تذهب القضيّة أبعد من ذلك، حين تجد أنّ بعض الطلاب لا يشجَّعون على المشاركة في المؤتمرات العلميّة والندوات البحثيّة؛ بحجّة أنّهم ما زالوا صغاراً على هذا. ولهذا دائماً تجد سياسة التخويف من التصدّي للجوانب العلميّة: التدريس، الكتابة، إلقاء المحاضرات العلميّة… نعم، الأمر ليس كذلك في الخطابة المنبريّة وأمثالها، والتي يصعد منبرها الصغير والكبير!

نعم، من الممكن في بعض الأحيان أن يكون الأستاذ على حقٍّ، والطالب لا يكون في مرحلة تؤهّله لذلك. لكنْ أحياناً يكون الأسلوب ـ حتّى لو كانت الفكرة صحيحة، فضلاً عمّا إذا لم تكن كذلك ـ مُثبِّطاً، وباعثاً على إلغاء الفكرة في ذهنه، وضمور الشوق في صدره. وهذا أمرٌ خطير!

أخلاقيّات الأساتذة والمعلّمين في الحوزات العلميّة وغيرها عنصرٌ أساس في التربية والتعليم. إذا لم تكن هذه الأخلاقيّات جزءاً أساسيّاً من هويّتك بوصفك أستاذاً فمن الممكن أن تترك أثراً سلبياً على التلامذة والطلاب. طبعاً، المثبِّطون والمعنِّفون للطلبة لديهم حجّةٌ هنا. فأنا لا أقول بأنّهم ليسوا أخلاقيّين، والعياذ بالله، بل حجّتهم هي حفظ قداسة العلم والعلماء، نعم، هذه حجّةٌ. لكنْ علينا أن نزن هذه الحجّة بحجّةٍ أخرى، وهي أن نحصل على علماء كأولئك العلماء… إذا أردتَ أن تحصل على علماء كأولئك العلماء لا يمكنك إلاّ أن تستخدم سبيل التشجيع والتحفيز، وإذا لم تستخدمه لن يخرج إلاّ أشخاص بعدد أصابع اليد الواحدة.

5ـ قلّة الاحتكاك بالمحيط الثقافي والعلمي

في ظنّي أنّ أزمة عدم احتكاك طالب العلوم الدينيّة بالمحيط الثقافي والعلمي ـ ونحن نتكلّم عن خصوص الجانب الثقافي والعلمي ـ هي ما يعانيه كثيرٌ من الطلاب، حيث لا يحتكّون بالفضاء الثقافي والعلمي في مجتمعاتهم، إلاّ الفضاء الثقافي والعلمي الحوزويّ فقط. ولهذا عندما يخرج الطالب إلى المجتمع يُصاب بحالةٍ من الإحباط أحياناً؛ لعدم قدرته على فهم وإقناع الطرف الآخر في كثير من المسائل؛ نتيجة عدم وجود سياسة استراتيجية تفتح له الطريق للاحتكاك الثقافي والفكري خارج أسوار الحوزة أو الحرم الحوزوي. إنّ هذا ما يجعل الطالب عاجزاً عن الحضور، أو عنيفاً في لغته، أو قاسياً على خصومه الفكريّين، خارج الإطار الحوزوي، فتجده يركِّز على شخوصهم، وأنّهم جهلةٌ لا يفقهون، أكثر مما يركّز على المادّة الإشكاليّة التي يقدِّمونها! لماذا؟ لأنّه غير قادر على أن يدخل في جَدَلٍ حول المادة الإشكاليّة.

دعوني أُعطي مثالاً: منذ خمسمئة عام وما قبل، كان (الله) هو محور كلّ تفكير البشر. فإذا أردتَ أن تصف فعلاً بأنّه فعلٌ جيّد كنتَ تقول: هذا يرضي الله، وإذا أردتَ أن تصف فعلاً بأنّه قبيح كنتَ تقول: هذا يبغضه الله. فالله محور كلّ شيءٍ، هو محور توصيف الأفعال بالحُسْن والقُبْح، ومحور الجَذْب والدَّفْع. كان هذا رائجاً في الثقافة العامة، عند المسلمين وعند غيرهم على السواء. لكنْ منذ بداية عصر النهضة إلى يومنا هذا دخلنا في فضاءٍ جديد، هذا الفضاء الجديد هو فضاء (الإنسان)، محوريّة الإنسان (Humanism)، لقد دخلنا في (بارادايم) جديد، أي في إطارٍ ثانٍ للتفكير. وفي هذا الإطار قواعد الاستدلال مختلفة، والأهداف مختلفة، والأولويات مختلفة، والحُسْن والقُبْح لهما معايير مختلفة. المؤسّسة الدينيّة اليوم هي في فضاء مركزيّة الله سبحانه وتعالى، وتعيش في زمنٍ فضاؤه مركزيّة الإنسان.

اليوم، إذا أراد أحدٌ مثلاً أن يصف فعلاً بأنّه فعلٌ حَسَن فماذا يقول؟ إنّه يقول: هذا فعلٌ إنسانيّ. هذه الكلمة لم يكُنْ لها وجودٌ قبل خمسمئة عام، فلم تكن الأفعال الحَسَنة توصف بأنّها إنسانيّة؛ لكي تكشف عن حُسْنها، وإنّما هذا لأننا دخلنا في مدار (الإنسانيّة). وهو مدارٌ اجتاح العالم بعد أن ابتلع الغرب برمّته تقريباً.

ولذلك تراجَعَ الله في حياة الناس، فصار خلف الغمام. وكما يُعبِّر الفيلسوف الأوروبي المشهور مارتين بوبر(1965م): كسوف الله. فشمس الله كُسِفَتْ في زماننا، لم يَعُدْ الله هو معيار الحقّ والباطل، بل بات الإنسان.

لاحظوا معي، الحوزويّ الآن يعيش في مداريّة الله، وكلّ تفكيره قائمٌ على ذلك؛ وفي المقابل جزءٌ كبير من العالم يعيش في مداريّة الإنسان. ويريد هذا الحوزويّ الخارج من داخل مداره أن يخوض جَدَلاً معرفيّاً مع التيارات الفكريّة الأخرى! كم هو صعبٌ؛ لأنّ قواعد الاستدلال هناك مختلفةٌ، فكيف ستستطيع أن تُقنعه بقبح المثليّة الجنسية؟ وكيف ستتمكّن من أن تقنعه بقبح الانتحار؟ وكيف تتمكّن من أن تقيم برهاناً أخلاقياً على ذلك وفق مداره الجديد؟ لهذا قناعتي بصراحةٍ: نحن اليوم لسنا فقط في صراع أفكار، ولا في صراع حضارات، ولا في صراع مذاهب، ولا في صراع أديان، بل نحن ـ برأيي المتواضع ـ في صراع مدارات وبارادايمات… إنّها أنساقٌ فكريّة أجنبيّة عن بعضها، تتصايح وتتصارخ من خلف جُدُر. فأنت لا تستطيع أن تقنعه بأمر معيّن؛ لأنّ كلّ معايير الإقناع عندك تختلف ـ تقريباً ـ عنها عنده… أتمنّى أن نفكِّر في هذا الأمر جليّاً، ونؤسِّس لعلم حوار المدارات.

ماذا تتوقَّعون أن يكون شعور الطالب، وهذا ما أريد أن أشدِّد عليه، عندما يعيش عشرين عاماً داخل مدار خاصّ ونَسَق معيّن واحد، ثم نخرجه دفعةً واحدةً من هذا النسق، لنضعه ضمن نَسَقٍ آخر؛ ليواجه التحدّي…؟ بالتأكيد سوف يشعر بصعوبة أن يخوض تلك المعركة، صعوبة بالغة، لماذا؟ لأنّه من الأساس لم يَعِشْ تنوّع التيارات الفكريّة في مناهج التربية والتعليم عنده، ولأنّه من الأساس لم يُقَلْ له: احتكّ بالآخرين، بل قيل له: إيّاك أن تحتكّ بهؤلاء؛ فإنّهم سيجلبون لك الضلالة! عندئذٍ من الطبيعي أنّ احتكاكه بهم من النادر أن يوفَّق. وبذلك ستشتدّ الصراعات في أوساطنا المجتمعيّة، وسنتصادم أكثر من القدرة على أن نتحاور. يقبع العالم اليوم في ثنائيّة الله والإنسان، وبعض الوجوديّين (المدرسة الوجوديّة) باتوا يقولون: لا يمكن للإنسان أن يحيا إذا لم يبلغ الله نقطة الصفر، فاحذفوا الله تماماً! نحن أمام تحدٍّ كبير في هذا العالم، وإذا لم نطَّلع على ذلك المحيط، ولم نحتكّ به منذ مراحلنا التعليمية المتوسّطة على الأقلّ، ضمن توجيهٍ وسياسةٍ استراتيجية تعليمية حوزويّة، فسوف نصاب بالإحباط الشديد عندما نواجه تلك التحدّيات، وقد نقع في فشلٍ وأخطاء متتالية.

6ـ أزمة قلّة المحفِّزات

مسألة المحفِّزات مسألةٌ مهمّة جدّاً. فطالب العلوم الدينيّة قد لا يشعر بأيّ محفّز حقيقي تجاه تحصيله العلمي، حيث قد يقول لك: ما هي الفائدة في أن أتعلّم؟ هل هناك فرقٌ بيني وبين أيّ طالب علم آخر إذا كنتُ أكثر علماً منه أو لا؟ إنّ بعض طلاب العلوم الدينيّة قد يصعد المنبر بعلمٍ قليل، وينجح بين الناس أكثر منّي بعشرة آلاف مرّة، بالرغم من أنّه لا يملك عشر معشار علمي، فما الذي يحفّزني على أن أنمّي نفسي علميّاً ومعرفيّاً؟ نعم، رُبَما لو بقيتُ في الحواضر الحوزويّة قد أشعر بالتحفيز والإحساس بالمنافسة على أساس المعرفة، ممّا يخلق عندي رغبةً علميّة، أمّا إذا خرجت فستبدو لي العلوم التي تعلَّمْتُها غير نافعة في أن أحقّق بها نجاحاً في حياتي!

هذه هي مشكلة المحفِّزات؛ وذلك أنّ المحفّزات غير العلمية كثيرةٌ، بعكس المحفّزات العلميّة! لهذا قد يقول لك شخصٌ الآن: أنا وأنت بعد عشرين أو ثلاثين سنة من درس الفقه والأصول وغير ذلك لم أحصل على أيّ امتيازٍ يُذْكَر؟ فما الضرورة التي تدعوني لأن أتعب كلّ هذا التعب وأنا لا أشعر بإمكان أن أقطف ثماراً على الصعيد العلمي، وخاصّةً إنْ لم أكن من الأُسَر العلمية! وخاصّةً إنْ لم أكن في فضاءٍ سياسيّ ما! عندها سأشعر بالإحباط من العلم الذي لن أجني منه شيئاً. هذه حقيقةٌ يشعر بها الكثيرون. ولهذا تجد العديد ممَّنْ يقول لك: دَعْني أشتغل في وظيفة دعويّة تكراريّة معيّنة، ولو لم يكن فيها أيّ شيءٍ معرفي، فسيكون ذلك أفضل لي على الصعيد المادّي والمعنوي. الإنسان العادي بطبعه يتأثر بالمحفِّزات، وبنظرة الآخرين إليه. والعلم الذي يجنيه الإنسان في الحوزة لا يعطي أيّ محفِّز مادّي أو معنوي إضافي على المستوى العادي لطالب العلم، الأمر الذي يُشعر الطالب النابه بأنّ التميُّز ليس له دورٌ في بلدي أو في مجتمعي! ويكفيني أن أجني من الدراسة تعليمَ الرسالة العمليّة الفقهيّة، وتجويد صوتي للصعود للمنبر، وحفظَ بعض الآيات والروايات والقصص!

هذه المشكلة نجدها واضحةً اليوم في الفضاء الجامعي أيضاً. فأغلب الجامعيين ـ إنْ لم يكن جميعهم ـ لا يعيشون أيَّ همٍّ علميّ في ما يدرسون، بل غايتهم كسب الشهادة والذهاب نحو تحصيل لقمة العيش؛ لأنّنا لم نؤمِّن لهم محفِّزات مادّية ومعنوية فيما لو رغبوا في أن يتقدَّموا في العلم، ويتميّزوا في المعرفة. وهذا هو مكمن الخطر في تحويل العلم إلى مجرَّد وظيفة، ونهاية عصر الإنتاج والشوق والإبداع!

 

7ـ العجز عن تحديد الموقعيّة العلميّة

المشكلة الأخرى هنا، والتي تدعو للإحباط، هي إحساس الكثير من الطلاب بالعجز عن تحديد موقعيّتهم العلميّة ومكانتهم؛ بسبب عدم وجود معايير وجهات إداريّة محايدة، تمنحهم موقعهم العلميّ، وتحدِّد لهم مستواهم الدراسيّ الحقيقيّ.

خُذْ مثالاً: أنت الآن درستَ سبع سنوات من البحث الخارج، وسألتُك: أين تجد نفسك؟ كثيرون عموماً الذين لا يعرفون أين يجدون أنفسهم! فلا يعرف هل هو مجتهدٌ أو لا؟ في أيّ مستوىً علميّ هو؟ بينما لو كانت هناك جهةٌ محايدة موضوعيّة، تراقب وضع الفضاء العامّ، لكانت أعانَتْ على تحديد الموقع، لتقول لطالب العلم: أنت الآن في النقطة الفلانيّة، على الخارطة الفلانيّة، وقد قطعت الخطوة الفلانيّة، لتقترب من الغاية الفلانيّة… أما لوحدك فستشعر بصعوبة التحديد، خاصّة وأنت تعرف أنّك لو ادَّعيت لنفسك موقعيّةً معينة فستجد معاول الهدم جاهزةً لتحطيمك!

المسألة تكمن في عدم وجود سياسة عامّة تحدِّد للطالب موقعه، في ظلّ عدم وجود خطّة استراتيجيّة في هذا الإطار. نعم، كثيرٌ من الطلاب يمكن أن يكون من حَمَلة شهادة دكتوراه أو ماجستير في الحوزة، لكنّه في قرارة نفسه لا يعرف نفسه أين؟ ولا يستطيع أن يحدِّد ذلك؛ لأنّ من يحملون شهادة الماجستير بينهم تفاوتٌ أكثر من عجيب في مستوياتهم العلميّة.

ورُبَما من هنا نعرف بعض السبب في أزمة ادّعاءات الاجتهاد؛ بسبب غياب الضوابط المحدّدة عمليّاً، ووجود معايير كليّة نظريّة فقط، مع فقداننا الجهات المحايدة التي تملك نظرةً أبويّة متعالية في التقويم.

8ـ العوامل الاقتصاديّة والأُسَريّة الضاغطة

لا ينبغي لنا أن نتجاهل العوامل الاقتصاديّة والأسريّة الضاغطة، فهي مهمّةٌ جداً؛ إذ تُعيق الطالب عن استخدام الزمان والوقت، وتحجزه عن التفرُّغ الذهني، وتُشغل تفكيره بطريقةٍ سلبيّة. لهذا فانعدام ظروف الاستقرار الأُسَري والاقتصادي من العوامل الكبرى في خسارتنا العديد من النابهين والعباقرة في الحوزة. وقد رأينا في حياتنا وسمعنا عن كثيرٍ من المبدعين الأذكياء الذي خسرتهم الحوزة في نبوغهم؛ بسبب أحوالهم المادّية والأُسَرية، التي فرضت عليهم الاشتغال بوظائف لا تتّصل بطبيعة اختصاصهم، واللهث خلف أمورٍ كان يمكن أن تكون هناك خطّةٌ لمساعدتهم فيها!

9ـ التنامي العددي لطلاب العلوم الدينيّة

المعروف أنّه قبل عام 1950م كان عدد طلاب العلوم الدينيّة في مدينة النجف يقارب خمسة آلاف طالب. وهذا العدد هو ما كانت تحتضنه أكبر حاضرة علميّة حوزويّة عند الإماميّة في ذلك الزمان. أمّا اليوم فيمكننا التكلُّم عن عشرات الآلاف في مدينة قم وحدها، وجميعُهم أتَوْا ممّا يقرب من مائة دولة في العالم. إنّ هذا النموّ العددي الهائل ليس أمراً بسيطاً، بل له نتائجُه الإيجابية، وله تحدّياته أيضاً. وفي هذا السياق يكفي الحديث عن الضغط الماليّ والاجتماعيّ والعِبْء الاقتصاديّ الكبير على الجهات الإداريّة، وعلى وجود جهوزيّة، وتوفّر كوادر تنظيميّة قادرة على تغطية حاجات ومتطلّبات هذا الكمّ الكبير.

لاحظوا معي مراحل الدكتوراه في الجامعات؛ إذ عادةً يكون عدد الطلاب فيها أقلّ بكثير من مراحل المقدّمات، فيكون التركيز عليهم، بحيث قد لا يتجاوز عددهم أربعةً أو خمسة… إنّ كلّ الثقل يكون منصبّاً على هؤلاء الخمسة، فيقوم الأساتذة بتوزيع طاقتهم عليهم. بينما في المراحل الأولى (الليسانس، والبكالوريوس) تجد عدد الطلاب بالعشرات والمئات في قاعات الجامعات.

في الحوزة الدينيّة الأمر مختلفٌ تماماً. ففي مراحل المقدّمات كم يبلغ عدد الحضور في الصفّ الواحد؟ إنّه قليلٌ. بينما عدد الحضور في مراحل الدراسات العليا كبيرٌ جدّاً، بالعشرات والمئات. والمراحل العليا هي مراحل متابعة الإبداع. وفي هذه الحال لن يكون الأستاذ قادراً على تغطية متطلّبات النهوض العلمي لدى طلابه. فلن يتمكَّن بسهولةٍ من مراقبة أوضاعهم، والاهتمام بشؤونهم، وترقيتهم، وتمركز الطاقة عليهم… هذا الأمر أيضاً يمثِّل تحدّياً فرضته الزيادات الكمّية في أعداد الطلاب، وصار يحتاج لخُطَطٍ ومتابعات من نوعٍ خاصّ.

لهذا، فإنّني شخصيّاً أعتبر أنّ مرحلة البحث الخارج في الحوزات العلمية ليست مرحلةً تعليميّة حاليّاً! بل هي عادة أشبه بشخصٍ أنهى مراحله التعليميّة، ودخل إلى مدينةٍ مليئة بالبحّاثة الكبار، وكلُّ بحّاثةٍ يعرض بضائعه وأبحاثه، فأنت تستفيد من أبحاثه، لكنّ أحداً لا يشتغل على تنميتك بشكلٍ مباشر. وأنتَ بوصفك طالب بحث خارج تجول على هذا السوق المتنوّع البضائع، وتختبر هذا التنوّع، وتستفيد منه إلى جانب الجوانب التعليميّة، والتي تعتبر قليلةً نسبياً، خصوصاً أنّ بعض الطلاب في مرحلة البحث الخارج يشعرون بالنقاهة أكثر؛ لأنّهم يُمتَحَنون مرّةً واحدة في السنة، امتحانٌ واحد في الفقه، وآخر في الأصول!! بعضُ الحوزات ـ بالطبع ـ حاولت تلافي هذه المشاكل، مشكورةً، لكنْ إلى اليوم الأمر ليس مسيطراً عليه، في ظلّ ظروف موضوعيّة تجعله أكثر صعوبةً.

10ـ غياب الأفق الزمنيّ المحدّد للعمليّة التعليميّة

المشكلة الأخرى هي أنّك ـ بوصفك طالباً للعلوم الدينيّة ـ تدخل إلى الحوزة، ولا تعرف متى تنتهي؟ وليس بوسعك أن تعرف. وحتّى في المؤسّسات التعليميّة التي وضعت مُدَداً زمنية محدَّدة لإنهاء المرحلة التعليميّة ظلّ من الصعب الانضباط لمدّة محدَّدة فيها. فمثلاً: في مرحلة الإجازة (الليسانس) تحتاج إلى خمس سنوات لإنهائها. لكنْ ابحث بين الطلبة الآن فستجد أنّ أقلَّهم استغرق فيها ما لا يقلّ عن سبع سنوات، ورُبَما أكثر، بما يصل إلى عشرة. لماذا؟ لأنّه ما من معيارٍ صارم يحكم مسيرة الطالب العلميّة عبر الزمن. وربما لا تستطيع الإدارة نفسها أن تضبط الأمر. ثمّة ضغوط موضوعيّة خارجيّة في هذا السياق. هذا الأمر يُشعر الطالب بأنّ الزمان ليس مهمّاً، ويجعله يتحرّك في إطارٍ زمنيّ مفتوح، ومن ثمّ فلا يوجد مؤشّر تطوّر علميّ عنده منسجم مع التطوّر الزمني، ومع تطوّر سنيّ عمره. وهذه مشكلة لا تواجهها الحوزات فقط، بل الكثير من الجامعات في عالمنا العربيّ والإسلاميّ أيضاً.

هذا كلُّه، إلى جانب كثرة العطل الدراسيّة، التي تُرهق وتشتّت ذهن الطالب، وخاصّة أنّه ليس لديه أيّ برنامج في العطلة. فسابقاً كان لدى العلماء في الحوزات العلميّة ما يسمّى بـ (دروس التعطيل)، وكانوا يعطون دروساً اختياريّة في شهر رمضان المبارك ومناسبات أخرى، قد تكون تخصّصية أيضاً، وليست فقط دروساً عامة، فكانوا يوظّفون الوقت حتّى في فترة العطلة… أمّا اليوم فالعطل كثيرةٌ ـ وخاصّة في مراحل الدراسات العليا ـ، ولا توجد برامج للاستفادة المتنوِّعة من العطل.

11ـ فقدان الفضاء الإيجابيّ للحُرّية

إنّ الإنسان المتّقد الذهن، صاحب الخلاقية الذهنية، دائماً ما يخرج خارج المربّع والصندوق في أفكاره. والمشكلة هي أنّ هذا الطالب لا يقدر ـ أحياناً ـ أن يبوح بهذه التساؤلات والأفكار في مجلس الدرس ومحضر الطلبة… أين يبوح بها؟ سيبقى ساكتاً، وستتملَّكه شخصيّتان: شخصيّة حقيقيّة؛ وأخرى مستعارة يريدها الآخرون من حوله، وسيشعر بالازدواجيّة، ويبقى في حالةٍ من الاختناق. وهذا ما يشعر به كلّ مَنْ يعيش الفضاء الحوزويّ، ويختلف في تفكيره عن هذا الفضاء، ولو بشكلٍ جزئيّ أحياناً؛ لأنّه لا يشعر بإمكانيّة أن يكون مقبولاً إذا أفصح عمّا يدور في ذهنه، ولو كان على نحو إثارة الأسئلة في المجالس الطلابيّة. هذا هو معنىً من معاني فقداننا الفضاء الإيجابي. والمطلوب منّا أن نوفِّر له هذه المساحة، ليطرح أفكاره داخل الوسط، وليُتَقَبَّل؛ فإنّ هذا ما سيشّجعه على التفكير، وإلاّ فأنت تقتل في داخله حسّ الإبداع، وتُشعره بأن الإبداع خطيئةٌ أو جُرْحٌ، والاختلاف عن الآخرين جنايةٌ؛ لأنّ المحيط يكرهه، وسيشعر أنّه صار منبوذاً، ومن ثمّ سيتخلّى عن هذه المهمّة، شئتَ أنتَ أم أبيتَ، وسيضطرّ إلى أن يعيش الحالة التكراريّة في حياته.

الجانب الآخر للضغط المتّصل بنوعٍ من سلب الحرّيات هو الحالة الموجودة في بعض المجتمعات، ولا سيَّما عند النخب، من النظرة السلبية إلى عالِم الدين. فقد تحوَّل رجل الدين بالنسبة إليهم إلى قصّاص، وواعظ من وعّاظ السلطة. فهو رجلٌ تبريريّ، وليس تغييريّاً، يقضي حياته كلّها في تبرير الواقع والأخطاء، ويختلق الأعذار لمَنْ هم من جماعته ومَنْ يحيط به. لقد باتوا ينظرون إليه نظرةً سلبية، أحبطت الطالب، وجعلته يعيش ضغطاً نفسيّاً. وعندما يشعر الطالب بأنّ بعض ملاحظات الجمهور على الحوزة صحيحة فسيزداد ضغطه النفسيّ، ويشعر بالإحباط وخيبة الأمل، بل قد يشعر بعقدة حقارةٍ أحياناً، بصرف النظر عن مَدَيات صوابيّة نظرة الجمهور.

كانت هذه بعض الأسباب الموضوعية المحيطة التي تؤثّر بقوّةٍ على وضع طالب العلم النفسيّ والروحيّ والسلوكيّ، العلميّ والتعليمي، وعلى رغبته وشوقه وحماسته في أن يتقدَّم في مسيرته العلميّة. لكنْ، لا ينبغي أن نُلقي دائماً باللوم على الآخرين، فطالب العلم نفسه هو أيضاً على المستوى الفردي يتحمّل بعض المسؤوليّات، وهو ما سأشير إليه في المرحلة التالية من مراحل حديثي عن الأسباب.

القسم الثاني: الأسباب الذاتيّة والفرديّة

إذا ما انتقلنا من مرحلة الأسباب الموضوعيّة المحيطة إلى مرحلة الأسباب الذاتيّة، فيمكن لنا أن نذكر بعض النقاط، بما يسمح به المجال هنا:

1ـ طالب العلم ووسائل التواصل الاجتماعيّ

أثبتت العديد من الدراسات أنّ وسائل التواصل الاجتماعيّ تساهم في تشتُّت ذهن الطالب، وضعف بنيته الذهنيّة والتعلُّمية، وعدم قدرته على الإبداع والحفظ، ولا إتقان المواد الدرسيّة التي يتعلّمها. وقد نُشرت الكثير من المقالات حول دور وسائل التواصل الاجتماعيّ في إضعاف المستوى العلميّ لطلاب المدارس والجامعات، وما تسبِّبه في الكثير من حالات الضعف في الدراسات الجامعيّة.

انطلاقاً من هذه النقطة، وممّا نلاحظه، نجد أنّ بعض طلاب العلوم الدينيّة بات يغرق وقته ـ وهو ما يزال في مراحل التعلُّم ـ بالاشتغال بوسائل التواصل الاجتماعيّ، وهو ما يجعله غير منتج دراسيّاً، ويدفعه بعد فترةٍ للشعور بأنّه أضاع وقته في دوّاماتٍ لا نهاية لها من صراعات وجداليّات العالم الافتراضيّ. المطلوب أن ينظِّم طالب العلم دخوله إلى هذا الفضاء المشتِّت للذهن بطريقةٍ مقوْننة بشكل يومي، حتّى يستطيع أن يجتاز هذه المرحلة بنجاحٍ، وأن يتخطّى المغريات في هذا السياق.

 

2ـ الجمود على أستاذٍ واحد

هذه النقطة يتحمّل تبعاتها طالب العلم نفسه، وخصوصاً في المدن العلميّة الكبرى، التي من محاسنها تنوُّع الأساتذة ووفرتهم. فلو كنتَ في بلدٍ بعيد، ولا يوجد سوى أستاذٍ واحد للبحث الخارج أو لكتاب المكاسب..، فربما تكون معذوراً. لكنْ في الحواضر العلميّة أو شبه الحواضر العلميّة يعيش الطالب وفرةً في الأساتذة، فلماذا تُبقي نفسك على الأستاذ نفسه، النَّسَق نفسه، الأسلوب نفسه، الموضوعات نفسها، الأفكار نفسها؟! هذا الأمر سيأخذك إلى الملل من حيث لا تشعر، وسيجعلك إنساناً محدوداً بنسخةٍ واحدة، وأنتَ بإمكانك أن تكون متنوّعاً. ولذلك إنْ اختلطْتَ بمناخٍ آخر متنوّع فسوف يتولَّد لديك ردُّ فعلٍ سلبيّ. لذا عليك بالتنويع، ولا تَبْقَ على الأستاذ نفسه، ولا تضع (البلوكات) على سائر الأساتذة. استفِدْ من نقاط القوّة لدى أيّ واحدٍ منهم؛ فالتنويع يعطيك الحيويّة، ويمنحك تلوّناً وروحاً جديدة في البحث العلميّ. إنّ هذا الأمر مفيدٌ جدّاً. ولو رأيتَ الأستاذ ضعيفاً فلا بأس بالتجربة، فإنّك ستكون قد اختبرتَ شيئاً جديداً، واختبار الأمور الجديدة أمرٌ مفيد في حدّ نفسه.

لقد عاينْتُ أحدَ الأساتذة يحثّ طالباً على دراسة الكتاب نفسه مرّتين، قال لي أحد الطلاب يوماً بأنّ الأستاذ قد أمره أن يدرس (منهاج الصالحين) مرّتين. وقد قضى هذا الطالب سنةً إضافيّة في دراسة هذا الكتاب، علماً أنّه من الطلبة الأذكياء المتفوّقين! فما الفائدة من هذه الإعادة؟ هل يمكّنه ذلك من أخذ المادة بتنوُّع آخر، وأحياناً بعض الأساتذة يدرِّس كتاباً واحداً عشرات المرّات!

الله الله في التنوّع! فهو يفتح الأفق الذهنيّة. كلّنا بحاجة إلى فتح آفاقنا الذهنيّة. أنتَ كطالب علمٍ يمكن لك أن تحفر ثقباً في الأرض، وتتعمّق داخله عشرات الأمتار، لكنّك عندما تخرج وتنظر من حولك ستجد مساحات واسعة وملوّنة قد فقدْتَها بنزولك في الأرض، وربما تكون قد دفنتَ نفسك بهذا التعمّق الطولي المحدود، فهذا الأمر قد ينتهي بك إلى أن تصبح مدفوناً. اجمع بين الطول والعرض، وبين التنوُّع والعمق، فهذا هو الحلّ، وهذه هي الحاجة. وهنا تكمن المسؤوليّة.

 

3ـ ثقافة اليأس من التقدُّم في العمر

يلاحظ عند العديد من طلاب العلوم الدينيّة ـ ككثيرٍ من ثقافات شعوبنا عموماً ـ أنّ الطالب إذا وصل لسنّ الثلاثين أو الأربعين فإنّه يعتبر نفسه قد أنهى رحلته العلميّة، ويبدأ التفكير في أنّه في مرحلة قطاف ثمار العمر، ويشعر بصعوبةٍ في أن يجلس على مقاعد الدراسة من جديدٍ، علماً بأنّه لا يزال في عمرٍ يسمح له ببداية رحلة حياةٍ جديدة، ومسيرة علمٍ مستقلّة. إنّ هذه الثقافة (ثقافة نهاية الجهد بعد الأربعين) ليست سوى حياة استسلام. وكما تقول بعض الروايات التاريخيّة ـ مثل: قصّة المحقّق الأردبيلي ـ فإنّ بعض الرموز من العلماء الكبار بدأوا رحلتهم الحقيقيّة بعد الأربعين، وكانوا يشعرون بالفشل قبل ذلك. إنّ هؤلاء الناس بدأت تجربتهم بعد سنّ الأربعين، فإنْ كتب الله لأحدٍ عمراً إلى الثمانين ففي ذلك أربعين سنة، إنّها مرحلةٌ جديدة من العلم، مسيرةٌ علميّة كاملة، يمكنه من خلالها الوصول إلى أعلى المراتب.

المطلوب من طالب العلم أن يتحرَّر من هذه الأفكار الوَهْميّة. فكم من فكرةٍ عطّلت حياتنا؟ وكم من فكرةٍ فتحت للإنسان مجرىً جديداً؟ ليس علينا هنا سوى أن نلقي بهذه الحثالة من الأوهام جانباً، لنبدأ حياةً أكثر حيويّة ونشاطاً، بعيداً عن الإحساس بالعجز والشيخوخة، ونحن في مقتبل الشباب.

4ـ انسياق كثير من الطلبة نحو مرجعيّة (الشهادة)

يمكن وضع هذا السبب في ضمن قائمة أخطر الأسباب القاتلة. فعندما يكون همّ طالب العلم الحصول فقط على الشهادة فهذا يعني أنّ العلم لم يَعُدْ هَدَفاً. وهذه آفةٌ ضربت الكثير من الجامعات في العالم العربيّ والإسلاميّ. فلم يَعُدْ للعلم لذّة ورغبة وعشق؛ والسبب يكمن في أنّنا بِتْنا ننظر إلى حياتنا العلميّة نظرةً وظيفيّة، ولم يَعُدْ العلم سوى أداةٍ لإنتاج المال وجلب الوظيفة والمكانة الاجتماعيّة، ولم يَعُدْ حالةً مقصودة في حدّ ذاتها، تنتج كمالاتٍ في مجالاتٍ أخر. ما يُشعر الطلاب بهذا الشعور هو أنّه لم يعد العلم مقدَّراً، فيذهب خلف الشهادة؛ علّه يحصل على التقدير من خلالها!

لستُ أعارض موضوع الشهادات، بل على العكس تماماً، كما ألمحنا سابقاً. إنّما أخشى من هيمنة فكرة الشهادة على فكرة المعرفة، أي هيمنة الحضور الإثباتي لطالب العلم على حضوره الثبوتي بالتعبير الأصولي؛ لأنّ الإثبات إذا كان هو الغاية لم يَعُدْ الثبوت مهمّاً، بينما لو كان الثبوت هو الغاية فإنّ الإثبات يمكن الوصول إليه بعد ذلك، والجمع بينه وبين الثبوت.

رابعاً: مقترحاتٌ وحلول أخويّة صادقة

بعد هذه الجولة المتواضعة في الأسباب لا بأس أنّ نشير إلى بعض المقترحات، التي ربما تقع في سياق بعض المعالجات، وإنْ كنّا قد بيَّنا ـ أثناء عرض الأسباب ـ العديدَ من خطوات العلاج المطلوبة. ولن نتكلَّم بمقترحاتٍ تتصّل بالسياسات الاستراتيجيّة للحوزة؛ فمدراء الحوزات والشخصيّات الكبيرة المتولّية لأمور الحوزة أكثر إدراكاً بهذا الشأن، وإنّما أخاطب الطلبة، الذين لا أختلف عنهم بشيءٍ؛ لأشاركهم بعض أفكاري التي تحتاج إلى تطوير.

لقد قرأتُ كثيراً عن وجود تيّارٍ بين المشتغلين في الأنظمة التعليميّة يرى عَبَثيّة وفشل نظام (الإجازة، الماجستير، الدكتوراه) المعتمد في الجامعات. وعلينا في الحوزات العلميّة أن نفكِّر بهذا المستوى الجَذْري من النقد والمراجعة، فهل تقسيم مراحل الدراسة إلى: مقدّمات، وسطوح، وبحث خارج، هو تقسيمٌ منتج أو غير منتج؟ هل هناك تقسيمٌ للمراحل التعليميّة أكثر إنتاجيّةً منه؟ من الجيّد أن نفكّر بمثل هذا الأمر، وخاصّة عبر استشارة مَنْ هم خبراء في الأنظمة التعليميّة؛ إذ هناك مَنْ يرى أيضاً أنّ النظام برمّته بحاجةٍ إلى تغيير. لكنّنا لن الآن نخوض في هذا الموضوع، بل نتركه للمتصدّين. ولعلّنا نتعرَّض له في مناسبةٍ أخرى.

أـ لا تنتظر في وضعك العلميّ المساعدة من أحدٍ (قاعدة العمل في أسوأ الظروف)

لا تكن حالماً خياليّاً، وتنتظر من الآخرين أن يأتوا ويغيِّروا مجرى حياتك العلميّة، ويدخلوك في فضاء جديد وعالم جديد أكثر رحابة من العالم التي تتواجد فيه. ماذا تنتظر؟ تحمَّلْ أنتَ مسؤوليّة نفسك، ولا تضع اللوم على عاتق الشخصيّات الكبيرة في الحوزة، أو على عاتق الإدارات. نعم، الشخصيّات الإداريّة لديها مشاكل، ولكنّها تعمل، وهناك جهودٌ جبّارة علينا أن لا نستخفّ بها، كلُّ ذلك من أجل أن نخرج بوضعٍ أفضل، وإنْ حصلَتْ بعض الأخطاء أحياناً إلاّ أنّ المحاولة بحدّ ذاتها للوصول إلى نتائج مرضية كافية.

لكنْ أنتَ؛ بوصفك طالبَ علمٍ، عليك أن تبدأ بالتغيير، ولا تحمّل غيرك مسؤوليّة ما أنتَ فيه. لن يأتي أحدٌ ويساعدك؛ فأنتَ وحدك مَنْ بإمكانه تغيير الأوضاع من حولك. أحياناً قد يساعدك التغيير في نمط أفكارك على التطوُّر، غيِّرْ تصوّراتك؛ لتبدأ بالعمل كي تنتج نخبةً طلابيّة حوزويّة قادرة على أن تبني مستقبلاً، ولا تجلس منتظراً العصا السحريّة كي تحوّل كلّ شيء من حولك إلى جنّة.

عليَّ ـ بوصفي طالب علمٍ ـ أن أرفع ثقتي بنفسي، وأن أتحمّل المسؤوليّة على مستواي الشخصيّ. لا أنتظر موجة الماء كي ترفعني وتنقلني، بل أكون إنساناً عصاميّاً أتحدّى أعتى الظروف، وأواجه أصعب الصعوبات، لكي أمثِّل مستوىً عالياً من التحدّي والصلابة. هذا هو معنى العصاميّة. فالحياة تحتاج لإرادةٍ قويّة وإيمانٍ عميق.

ب ـ لا تهتمّ لعدم تشجيع الآخرين أو تقديرهم

لا تنتظر إذا نجحتَ أن يصفِّق لك مَنْ يحيطون بك؛ لأنّك إذا كنتَ تحلم بذلك أو تنتظره فقد تصاب بخيبة أملٍ، وقد ترتدّ عليك كلّ الجهود التي بذلتَها إحباطاً وشعوراً بالخيبة والانهزام، وكأنّك لن تنتج شيئاً. أمامك فقط رضا الله، وعليك أن تترك باقي الأمور جانباً؛ لأنّك قد تنجح في مجالاتٍ أخرى ولا يبالون لأمرك ولا يهتمّون، وقد يخترعون المعايب، وقد يكتشفون نقاط الضعف. هؤلاء هم البشر، منذ صراع أبناء آدم إلى يومنا هذا. البشر هو هذا الإنسان، الحاسد، الحريص، وبتعبير بعض الفلاسفة الغربيّين: الإنسان ذئبٌ بالطبع.

إنّ عليَّ أن أعمل لنفسي، ولا أنتظر التصفيق من الآخرين. نعم، اعتراف الآخرين بي قد يكون حاجةً إنسانيّة. ولكنْ إنْ لم تحصل فليس عليَّ أن أتوقّف. فمنذ البداية عليَّ أن أعي جيّداً أنّ الإنسان الناجح هو المستَهْدَف بالنقد. وليس عبثاً تعبير الشيخ المطهري: (عندما كنّا أطفالاً كنّا لا نرمي القطار بالحجارة إلاّ عندما ينطلق، فإنْ كان متوقِّفاً في المحطّة فلا نرميه)… إذا نجح الإنسان في مكانٍ ما فمن الطبيعي أن يجد السهام تتّجه صوبه، ومن الطبيعي أن تعترضه النبال، فعليه أن يعتبر ذلك مؤشّرَ نجاحٍ، وليس مؤشّر فشل بالضرورة.

ج ـ التغلُّب على رهاب الوحدة

أصعب ما قد يمرّ به الإنسان في تجربته هو أن يخاف من الوحدة؛ فالخوف من الوحدة يقتل إبداع العلماء. اخلع ثوب خوف الوحدة من حياتك. وإذا كان لك في هذه الوحدة أنيسٌ فهو ضميرك ورضا الله عزَّ وجلّ. وإحساسك بالطمأنينة في هذه الحال سيكون نابعاً من كون الوحدة هي الأنس؛ لأنّ الخوف من الوحدة يساوي قتل الإبداع، ونقص الإنتاجيّة، ورُبَما انعدامها.

يجب عليَّ أن أوطِّن نفسي في ظروفٍ عصيبة على أن أعيش وحيداً مع قناعاتي، وأن يصبح هذا ألذّ على قلبي من أن أعيش مع الناس مزدوجاً منافقاً، أبيع روحي للآخرين، وأتاجر بقناعاتي لرضاهم، تحت أسماء وهميّة، اخترعتها لأرضي نفسي بها، وأُخمد نيران ضميري.

د ـ فلنرسم خطّة

ارسم أهدافك الاستراتيجيّة خلال مدّةٍ زمنيّة طويلة أو قصيرة، وأَخْرِجْ كلّ ما في ذهنك، ولو كان مبعثراً. حدِّدْ أهدافك وإمكاناتك وفقاً لمدّة زمنيّة محدّدة، وانظر بعد مرور المدّة هل تقدَّمت؟ ماذا أريد أن أصبح بعد سنةٍ؟ هل حصل ما أردْتُ؟ ولماذا؟ وكيف؟

قد أكون حقّقتُ خطوتين من ثلاث. وهنا عليَّ أن أمارس نقداً ذاتياً: لماذا لم أتمّ الخطوات الثلاث؟ وأين تكمن نقطة الضعف…؟ إذن وضع الخطط أكثر من هامّ في هذا الإطار. وضع الخطّة يُكسبك الكثير، فمَنْ تساوى يوماه فهو مغبونٌ. إنّ فقدان التخطيط في حياتنا العلميّة والعمليّة يجعل حياتنا في مهبّ الصُّدَف، صدفةٌ ترفعنا وأخرى تنزلنا، بذلك نكون كمَنْ تسيِّره الرياح، ونفقد قدرة الفعل نحو ضعف تلقّي الفعل. إنّ الإنسان القويّ، الذي يهدف تغيير أسلوب حياته ووضعه وأن يتطوَّر، هو مَنْ يصنع كلّ شيء في حياته، وهو القادر على أن يفعل ـ بإذن الله ـ تغييراً، ويحقِّق تقدُّماً دائماً نحو الأفضل، ولا يترك حياته عرضةً للصدف والملابسات. ذلك كلّه مشروطٌ بأن يكون هذا الإنسان صبوراً، لا يطمح فقط إلى رؤية النتائج بعجلةٍ، ولا يحرق المراحل.

هـ ـ الزمان، هل ضاع الوقت من حياتنا؟!

الوقت هامّ جدّاً في حياة أيّ فرد منّا، وليس فقط طالب العلم. لكنْ مع الأسف مفردة الوقت غائبة عن حياتنا تماماً، بل بِتْنا نتميّز بعدم احترامنا وتقديرنا للوقت. إنّ الوقت غيرُ مرصود ذهنياً في حساباتنا، يمضي بنا ولا نشعر به، لا نتذكّره نظريّاً إلاّ في كتب الفلسفة، وفي علوم الفيزياء!

اسمحوا لي أن أدّعي أنّ لدينا الكثير من الوقت، وخصوصاً نحن مَنْ نعيش في بلاد الهجرة أو المدن العلميّة؛ لأنّ ارتباطاتنا الاجتماعيّة قد تكون قليلةً عادةً. لدينا وقتٌ وفير لا ننتبه إليه؛ لأنّنا لا نرصده. يوجد اليوم في شبكة الإنترنت آلاف المحاضرات والدروس المتنوِّعة حول كثير من العلوم والاختصاصات باللغات العربيّة والفارسيّة والإنجليزيّة وغيرها. بإمكانك وأنت تمشي على الطريق أن تستمع إلى ما تشاء، بإمكانك أن تسمع محاضرةً أو موضوعاً معيّناً لفت انتباهك. قد تستفيد. خصِّصْ كلّ يومٍ نصف ساعة فقط للمطالعة خارج مواد درسك، نصف ساعةٍ فقط، واكْسَبْ الوقت الذهبيّ، ولا تعطِ لنفسك أعذاراً، ولا توظِّفْ الأوقات الميتة لذلك، بل استغلّ ساعات راحتك البيولوجيّة والنفسيّة، وكُنْ على ثقةٍ بأنّك بعد مدّةٍ ستشعر بتغيير. فلنخصِّص وقتاً للمطالعة، ولنراكمه بتواصلٍ، ولو كان قليلاً يوميّاً، وسنرى النتائج بعد فترةٍ وجيزة. الأمر فقط بحاجةٍ إلى برنامجٍ، ووضع الوقت أمام العينين. وأجد هنا ضرورة التنويه إلى أنّ الاستمراريّة أساسُ كلّ شيءٍ، فالقليل المستمرّ خيرٌ من الكثير المتقطّع.

 

و ـ فلنبتعد عن المعلِّم المثبِّط

تجنَّبْ الأساتذة المثبّطين، أولئك الذين يحطِّمونك ويبعدونك عن مسيرتك العلميّة. اقترب من الأستاذ الذي يمنحك الطاقة الإيجابيّة. هذا ما ينفعك على المستوى الروحي والنفسي. فالعلاقة بين التلميذ والأستاذ ليست علاقة أدمغة فحَسْب، إنّما هي علاقةٌ نفسيّة وعاطفيّة أيضاً. اقترب من هذا النوع من الأساتذة، ممَّنْ يهتمّ لأمرك ويساعدك، من نظرته لك وطريقة تفاعله مع نمط تفكيرك، وعليك أن تبتعد عن كلّ أستاذٍ لا يعطيك طاقةً إيجابيّة؛ لأنّه سيدمّر حياتك من حيث لا تشعر. اختَرْ مَنْ يفتح لك الأفق، وينوّر حياتك، ويعطيك السعة والعمق معاً. لا تكن مثالياً، وتضع عُقَداً حول كلّ أستاذ. اختَرْ ما يناسبك بين الخيارات. ما من أحدٍ كامل.

ز ـ غيِّرْ من رؤيتك لطلب العلم (من الوظيفيّة إلى الكمال)

اجعل طلب العلم لذّة، ولا تجعله وظيفة. لا تجعل نظرتك تجاه علمك نظرة طامحٍ إلى المكانة الاجتماعيّة. ولا تجعل أسرتك العلميّة هي مَنْ تفرض عليك ذلك، وخصوصاً ما يتعلّق بخياراتك. اخلُقْ هدفاً آخر، حتّى لو كان الواقع منافياً لذلك. تعالَ إلى العلم؛ لأنك محبٌّ للعلم. العلم لا يعطيك بعضه إلاّ إذا أعطيتَه كلَّك؛ فإذا أعطيته بعضك لم يعطِكَ شيئاً. ويظلّ المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل. هذا العلم هو شيءٌ من الكمال للإنسان، أمرٌ نافع يجب أن نتشوَّق إليه. العلم يأخذ بالإنسان نحو الكمال الروحيّ والأخلاقيّ والاجتماعيّ.

غيِّرْ من نوعيّة انتمائك ونظرتك إلى المؤسّسة الدينية. واجعَلْ العلم أحد أهدافك في هذا الانتماء. وخاطِبْ عقلك الباطن في هذا الاتجاه. مؤكَّدٌ أنه سيفتح لك آفاقاً نفسيّةً وإيجابيةً كبرى.

ح ـ اترك الناس السلبيّين من حولك

ثمّة أشخاصٌ سلبيون، إذا جلست مع أحدهم فهو لا ينفكّ ينتقد هذا، ولا يعجبه ذاك، ويضع النقاط على آخر، هذا فاشلٌ، وذاك لا يفقه… قد تجلس إلى جانبه ساعةً من الوقت فتجد صليات من الشؤم والسلبيّة تحوم حول كلّ شيء.

لا نقول في هذا السياق: رافِقْ أشخاصاً مثاليّين، يعيشون في الحدائق المعلَّقة. ولكنْ فقط عِشْ حياتك بإيجابيّة. كُنْ إيجابيّاً حتّى مع الأشخاص السلبيّين؛ لأنّك إنْ لم تكن كذلك فإنّ هؤلاء الأشخاص سوف ينقلون لك الطاقة السلبيّة، وسوف يُشعرونك دائماً أنّ الجوّ مشحونٌ ومشنّج. وبالتالي ستعيش ضغطاً إضافيّاً من حيث لا تشعر. كُنْ فقط مع الناس الواقعيّين، الذين يطلعونك على النقاط الإيجابيّة، وفي الوقت عينه يلفتون نظرك نحو النقاط السلبيّة؛ لتفاديها.

الاهتمام بفضاء الصداقات المحيطة أمرٌ هامّ جدّاً نفسيّاً، ويبعث في داخلك روح النشاط والحيوية. وقد رأينا في حياتنا أشخاصاً كُثُراً إيجابيّين تحوَّلوا إلى أشخاص سلبيّين، وباتوا غير راضين عن أنفسهم، وعن محيطهم الاجتماعي، وربما عمَّنْ يحيطون بهم، وقد يكونون ناجحين في حياتهم، ومع ذلك هم سلبيّون. إنّ هؤلاء مضرّون بنا كثيراً، وعلينا الانتباه إلى علاقتنا بهم، حتّى لا نصبح مثلهم.

ط ـ الاتصال المادّي بفضاءات فكريّة وثقافيّة أخرى

يتنوَّع الناس؛ فبعضهم تحفر الكلمات في ذهنه صوراً؛ وبعضهم يتلقّى الأمور بالسمع؛ وبعضهم يتلقّاها بالرؤية؛ وبعضهم بالمشاركة والحَدَث. فأطباع البشر مختلفةٌ. وهنا أركّز على ضرورة أن تكتشف طبعك المعرفي، وتتواصل ماديّاً مع فضاءاتٍ ثقافيّة متنوّعة. لا تَبْقَ في مثل: مدينة قم أو النجف أو القاهرة تعيش فقط ضمن أصدقائك من طلبة العلم، وفي مجتمع مغلق، بل نوِّعْ إلى خارج جاليتك، وخارج فضائك المحدود، وافتَحْ عبر طرق التواصل علاقاتٍ ثابتةً منتجة، وغير فوضوية، وغير مشتّتة. كم نحن بحاجة لنتعرَّف على المذاهب الأخرى، والأديان الأخرى، والفضاءات الثقافيّة الأخرى، عبر روابط محكمة وواضحة؟! وبَدَل أن نخشى التواصل علينا أن نرحِّب به، ونشارك في كلّ لقاءٍ علميّ متنوِّع، من مؤتمرات وملتقيات وغير ذلك.

ولا بأس أن أُشير هنا ضمناً إلى أنّ بعض الطلاب، وهم في مراحل أوّلية من الدراسة، يشتّت ذهنه بالتصدّي للنشاطات الخارجيّة، بَدَل أن يصرف وقته الأصليّ بتحصيل العلم وكسب المعرفة، تمهيداً للتصدّي لاحقاً بشكلٍ أكثر إنتاجاً ونفعاً. فعلينا التوازن.

ي ـ السلام الأُسَري، والأخذ بأسباب الراحة الروحيّة والنفسيّة

ليس من شأننا الدخول في ظروف كلّ عائلةٍ. ولكنْ من أشدّ الضروريات لطالب العلم أن يكون هناك سلامٌ داخليّ داخل أسرته. الاستقرار النفسيّ داخل الأسرة والعلاقات الطيّبة لها أثرٌ كبير في نفس الطالب، بأن يتقدَّم ويرتاح نفسيّاً، وتستمرّ شؤونه ورحلته العلميّة؛ إذ الإنسان يتأثّر بالعوامل المحيطة به.

على خطٍّ آخر، من اللازم أن يرفِّه طالب العلم عن نفسه، ولو عبر ممارسة الرياضة والأنشطة البدنيّة، أو الخروج والجلوس في الطبيعة، وكذلك السفر وشدّ الرحال إلى بلدان أخرى؛ للسياحة؛ إذ هذا كلُّه يعطي شعوراً بالراحة وشحن الطاقة الجسدية والنفسيّة والعقليّة بوَقودٍ جديد، بل ربما تفتح له شبكة العلاقات الاجتماعيّة التي يكوِّنها أُفُقاً مساعداً على هذا الصعيد، وتخرجه من الوحدة أو من جهد العمل والدراسة، اللذين إنْ لم يَجْرِ التعامل معهما بطريقة صحيّة فقد يسبِّبان ضغطاً نفسيّاً وإحباطاً مرهقَيْن. وهذا ما يؤثِّر على نشاطه الذهنيّ حتماً.

أيضاً من الضروري أن أُشير إلى أنّنا نتواجد في واحدةٍ من أكبر الحواضر العلميّة، وفيها العشرات من أساتذة الأخلاق… إنّ الفضاء الروحيّ الذي يصنعه هؤلاء يوفِّر في كثير من الأحيان الطمأنينة والسكينة والاستقرار. فهؤلاء الأشخاص نعمةٌ نحتاجها. فرؤيتهم وحديثهم وتذكيرهم الدائم يصنع في القلب سكينةً، ونحن بحاجةٍ ماسّة دوماً إلى الطمأنينة الإيمانيّة. قد لا يعطوننا معلوماتٍ جديدة، لكنّهم يعطوننا ذكرى وروحاً جديدة. فلنستثمِرْ وجود هذه البركات بيننا، ولنستفِدْ من الحالة الإيمانيّة التي قد تنتقل إلينا منهم. فرؤية هؤلاء الأشخاص القديرين الطيّبين يمكن لها أن تعطينا إحساساً إيجابيّاً عميقاً وحقيقياً؛ لإكمال طريقنا. فمن دون الإيمان تغدو الطريق صعبة، فيما الصعوبة تصبح لذّةً إذا اقترنت بالإيمان. إنّ الإيمان هو أكبر قدرةٍ في العالم يمكن لها أن تغيِّر ذاتنا تجاه ما يجري من حولنا، وقد تحوِّل الشَّوْك إلى زَهْرٍ، بل وتُشعر المرء بأنّه لو لمس الشَّوْك فهو سعيدٌ… إنّ هذه الطاقة التي نَعَتَها بعضٌ بالأفيون قد تكون طاقةً إيجابيّة لبعض البشر، إذا ما استطاعوا توظيفها.

كلمةٌ أخيرة

وختاماً، أقترح عقد لقاءٍ طلاّبيّ دائم ومفتوح ـ لقاء عصف أفكار ـ؛ للتشاور في الأمور: ما هي مشاكل كلّ واحدٍ منّا؟ ماذا نقترح من حلول؟ ولندوِّنْ كلّ شيء، ولنخرج المشاكل من أذهاننا والهموم الكامنة فينا، ولنتداولها مع الآخرين. إنّ هذا ما يمكن أن يعطينا مجموعةً من الأفكار والحلول التي تساعدنا على أن نتقدَّم أكثر فأكثر. ولنأخذ استشارةً من المختصّين في ذلك، وإنْ كان مرشداً اجتماعياً أو نفسياً، ففي تقديري كلّ مدرسة أو حوزة دينيّة يجب أن تحتوي على مرشدٍ نفسيّ واجتماعيّ وتربويّ. وليس هذا بعيبٍ أبداً، بل هو ضرورةٌ، بل بعض الحوزات قد دخلت في هذه التجربة بالفعل، وحقَّقتْ أهدافاً سامية في هذا السياق. فعلينا أن نتشاور مع المختصّين؛ لأنّهم حتماً سينفعوننا. ولا داعي للخجل إطلاقاً، فمَنْ رقَّ وجهه رقَّ علمه. فلنستعِنْ بخبرات الآخرين، ولو لم يكونوا من رجال الدين (ولنتحرَّر من العقد الوَهْميّة التي تقول بأنّ رجل الدين يؤتى ولا يأتي أحداً!). ولنتشاور فيما بيننا؛ لعلّنا نصل إلى ما هو أفضل وأنجح لتجاربنا الشخصيّة والفرديّة، ومن ثمّ لتجربتنا النوعيّة الحوزويّة عموماً. ولتبْقَ في عقولنا ووعينا القاعدة الذهبيّة القائلة: (حاوِلْ، ثم حاوِلْ، ثم حاوِلْ، فالتجربة الناجحة لا تكون إلاّ بعد 999 تجربة فاشلة)، كما قال بعضهم.

إنّ الفشل ليس مؤشِّراً على التراجع. استمرّ مرّةً ثانية وثالثة، والله سيسدِّد خطاك، ويشعر بك إنْ كنتَ صادقاً. ستشعر بلطف الله وبركته وعنايته تراقب مسيرتك العلميّة إنْ شاء الله؛ علَّك وعلَّنا جميعاً نخرج من بعض الإرباك الفرديّ، الذي نعيشه كلّنا في مسيرتنا العلميّة، ونسير نحو مصير النجاح؛ لنتقدّم خدمةً لمجتمعاتنا، وفي سبيل الله والإنسان.

(*) نصّ المحاضرة التي ألقيت في قاعة معهد الثقلين، في مدينة قم، في إيران، بتاريخ 6 ـ 12 ـ 2017م، في ذكرى المولد النبويّ الشريف، مع تصرُّف.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً