ملخّص
تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك العلاقة الجدلية بين “الاستهلاك” و”الهلاك” من منظور كلامي يستند إلى التراث الإسلامي، حيث تناقش تحول الإنسان في ظل هيمنة النموذج الرأسمالي من رتبة “الخلافة” القائمة على العمارة والإصلاح إلى رتبة “الاستهلاك” القائمة على الاستنزاف والإفساد. وتؤكد الدراسة أن التغير المناخي ليس مجرد ظاهرة فيزيائية فحسب، بل هو تجسيد مادي لخلل روحي وأخلاقي يتمحور حول مفهوم “الترف” الذي حول الإنسان إلى كائن مستهلك يستنزف وجوده. وعلى هذا، فإن الأزمة البيئية تُعد تفعيلاً لسنن كونية وتاريخية جاءت كرد فعل حتمي على طغيان الإنسان وإخلاله بالموازين، مصداقاً للآية القرآنية التي تربط ظهور الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. ومن هنا، يُعد “الترف” حالة طغيان وجودي تتجاوز الوفرة المالية إلى “البطر” وإنكار الحق، مما يجعل المترف في صدام دائم مع سنن الاعتدال الكونية، حيث تغذي الرأسمالية هذا الترف عبر خلق حاجات وهمية لا تعترف بحدود الكفاية، مما يؤدي حتماً إلى استنزاف الموارد الطبيعية وتسريع التدهور البيئي.
بالإضافة إلى ذلك، تقارب الدراسة الآية القرآنية المتعلقة بـ “إهلاك القرى” كقانون سنني يربط بين السلوك الاقتصادي المترف والدمار الكوني، معتبرة أن الشركات العابرة للقارات تمثل اليوم مصداق “الرهط المفسدين” الذين يفرضون ثقافة الاستهلاك ويحتكرون الموارد. وبناءً عليه، توضح الدراسة أن الحلول التقنية وحدها غير مجدية في ظل “مفارقة جيفونز” التي تثبت أن زيادة الكفاءة التكنولوجية قد تؤدي فعلياً لزيادة الاستهلاك لا تقليله، مما يستدعي حلاً أخلاقياً ومعنوياً جذرياً. ولذلك، تطرح الدراسة استعادة مفهوم “الحياة الطيبة” و”الاقتصاد” (بمعنى القصد والاعتدال) كبديل وجودي عن حياة الترف، مستلهمة نموذج الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في التنمية المستدامة الذي يقدم “عمارة الأرض” على “استجلاب الخراج”، ويرسخ مبدأ أن الإنسان مستأمن على البيئة وليس مالكاً مطلقاً لها، مما يوجب التحول من “اقتصاد الرغبة” إلى “اقتصاد الحاجة” لحماية الوجود البشري من الهلاك المحتوم.
مقدّمة
تحول الإنسان، في ظل هيمنة النموذج الرأسمالي الاستهلاكي، من رتبة “الخلافة” التي تقتضي العمارة والإصلاح، إلى رتبة “الاستهلاك” التي تقوم على الاستنزاف والإفساد، هذا التحول الجذري في وظيفة الإنسان الوجودية، المدفوع بثقافة “الترف” التي جعلت من اللذة المادية غاية نهائية، أدى إلى تفعيل سُنن كونية وتاريخية لا تستثني أحداً؛ فالأرض، بصفتها مخلوقاً مسخّراً، جاء ردها على طغيان الإنسان على شكل اختلالٍ في الموازين المناخية، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41].
ليست الأزمات البيئية مجرد حوادث عرضية أو نتائج جانبية للنشاط الصناعي؛ بل إن التغير المناخي، بكل ما يحمله من مظاهر كارثية مثل التصحر، والفيضانات، وانقراض للأنواع، ليس في حقيقته إلا “تجسيداً مادياً” لخلل روحي وأخلاقي يضرب في جذور الحضارة الحديثة، هذا الخلل يتمحور حول مفهوم “الترف” والرغبة الجامحة في الاستهلاك التي كرّستها الرأسمالية الحديثة، محولةً الإنسان من “خليفة” مستأمَن على الأرض إلى “مستهلِك” يستنزف وجوده ووجود ما حوله.
في هذا الدراسة نسعى لتفكيك العلاقة الجدلية بين “الاستهلاك” و”الهلاك” من منظور كلامي، استناداً إلى التراث الإسلامي الأصيل في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وتفسيراتهم للنص القرآني .. منطلقين من فرضية أن “الترف” ليس مجرد وفرة في المال، بل هو حالة طغيان وجودي ، وأن “الفساد في البر والبحر” هو النتيجة الحتمية لهذا الطغيان، وأن الحل يكمن في استعادة مفهوم “الحياة الطيبة” كبديل عن “حياة الترف”.
في هذا السياق، لا بد من قراءة التغيُّر المناخي ليس كظاهرة فيزيائية فحسب، بل كرسالة “تكوينية” من الخالق، تشير إلى أن النظام الكوني يلفظ النمط الاستهلاكي الذي فرضته “الرهط المفسدون” في الأرض، والمتمثلون اليوم في الشركات العابرة للقارات والمنظومات الرأسمالية.
أولاً: فلسفة الترف.. الجذور الكلامية للنزعة الاستهلاكية
1ـ الترف: من الوفرة إلى الطغيان
في المعجم القرآني، لا يأتي مصطلح “الترف” ومشتقاته (أترفتم، مترفيها) إلا في سياق الذم والوعيد، والترف لغوياً يعني التوسع في النعمة وسعة العيش، لكنه اصطلاحياً -في الفكر الإسلامي- يمثل حالة نفسية واجتماعية تتجاوز مجرد الغنى لتصل إلى “البطر” و”الأشَر” وإنكار الحق، يقول في “مجمع البحرين”: “والمترف: المتنعم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَال مُتْرَفُوهَا﴾ [سبأ: 34]… والمترف: الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش”[2]، فالمترف هو ذلك الكائن الذي طغت عليه النعمة فأنسته المنعم، وتحولت الوسيلة (المال والموارد) لديه إلى غاية في ذاتها، ما جعله في حالة صدام دائم مع سنن الاعتدال الكونية.
إن الجذر الأساسي للشقاء البشري هو انطماس الفطرة وتغييب العقل تحت وطأة الشهوات، والترف هو المخدر الذي يغيب العقل، ويجعل الإنسان أسيراً لغرائزه، فيتحول من كائن عاقل يدير الموارد بحكمة إلى كائن تقوده “قوة الشهوة” نحو “الشراهة” أو “قوة الغضب” نحو “التهور”، يقول الشيخ (محمد مهدي النراقي): “إن للنفس أربع قوى: … وقوة شهوية بهيمية، وهي التي يصدر عنها الشهوة والحرص على المأكل والمنكح… وقوة غضبية سبعية، وهي التي يصدر عنها الغضب والوثبة على الغير… فإذا غلبت القوة العاقلة على الثلاث الأخر وصارت هي قاهرة لها ومستولية عليها… صارت أمورها في اعتدال… وإن غلبت إحدى الثلاث الأخر عليها، قهرتها واستخدمتها، وحينئذ يكون العقل كالأسير في يد الشيطان.”[3]، وهذه الشراهة هي المحرك الأول للرأسمالية الاستهلاكية التي لا تعترف بحدودٍ للكفاية، بل تخلق حاجات وهمية مستمرة لتغذية دورة الإنتاج والاستهلاك، مما يؤدي حتماً إلى استنزاف الموارد الطبيعية، ويصبح مصداق الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام): “مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ مَاءِ الْبَحْرِ كُلَّمَا شَرِبَ مِنْهُ الْعَطْشَانُ ازْدَادَ عَطَشاً حَتَّى يَقْتُلَهُ”[4].
2ـ الترف كحجاب عن “الحياة الطيبة”
إن الترف يمثل النقيض الجذري لمفهوم “الحياة الطيبة” كما يطرحه الفكر الإسلامي؛ فالحياة الطيبة، ليست “الحياة المطلقة” أو الحياة البيولوجية المرفهة، بل هي “تجسيد للقيم” وإدراك لحقيقة الذات المخلوقة في صلتها بالخالق، ويأتي الترف ليقطع هذه الصلة؛ لأنه يوهم “الأنا المخلوقة” بالاستغناء، فيقع الإنسان في فخ “التماثل” مع الخالق في صفة الغنى المطلق، بينما هو في الحقيقة “علة مفتقرة”.
ويرتبط الترف في القرآن ارتباطاً وثيقاً بمفاهيم ثلاثة تشكل مثلث الهلاك:
1ـ الغفلة: حيث يعيش المترف في سكرة اللذة التي تحجب عنه رؤية الحقائق والعواقب. هذه الغفلة ليست مجرد سهو، بل هي “عمى” بصيري يجعل الإنسان لا يدرك الترابط بين سلوكه ومصيره.
2ـ الفسق: وهو الخروج عن طاعة الله وعن نظام الفطرة. يقول تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء: 16]. يشير المفسرون، كالعلامة الطباطبائي في الميزان، إلى أن “أمرنا” هنا قد يكون أمراً تكوينياً بظهور آثار أعمالهم، أو أمراً تشريعياً بالطاعة فيخالفونه بالفسق، فتتحقق سنة الهلاك الحتمية[5].
3ـ الاستكبار: المترفون هم دائماً في طليعة المكذبين للرسل والمصلحين، لأن دعوات الإصلاح (بما فيها الإصلاح البيئي اليوم) تهدد مصالحهم القائمة على الاستغلال الجائر[6]. يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: 34].
تُظهر الأبحاث أن الرأسمالية كنظام اقتصادي تعطي الأولوية القصوى للربح والنمو المستمر، وتعمل على تشكيل أنماط حياة الناس من خلال تعزيز “الاستهلاك المفرط، في هذا النظام[7]، لم يعد الهدف تلبية الحاجات الأساسية للبشر، بل خلق حاجات جديدة باستمرار لضمان دوران عجلة الإنتاج[8]، وعندما يصبح الترف هدفاً، يفقد الإنسان “الدور الوظيفي” الذي خُلق من أجله، وهو “عمارة الأرض” وإقامة الحق[9]، فيتحول الوجود الإنساني من “وجود غائي” مسؤول إلى وجود عبثي استهلاكي، وهذا التحول الأنطولوجي هو الجذر العميق لأزمة المناخ وإن تعددت الأسباب الظاهرية؛ فالإنسان الذي لا يرى في الكون إلا مستودعاً لشهواته لن يتورع عن حرق الغابات وتلويث المحيطات لتلبية رغبة آنية، متجاهلاً البعد الأخروي والمسؤولية والاستئمان على الموارد التي استأمنه الخالق العظيم عليها.
3ـ الرأسمالية: مأسسة “النفس الأمارة”
لقد نجحت الرأسمالية الحديثة في تحويل “الترف” من رذيلة فردية إلى “نظام عالمي” ومؤسسة حاكمة؛ حيث تشير الدراسات الاقتصاد الإسلام النقادة إلى أن الرأسمالية، من خلال آليات “السوق الحر” غير المنضبطة أخلاقياً، قد أطلقت العنان لقوى السوق لتلتهم الحقوق[10]، حيث نجحت الثقافة الاستهلاكية في إعادة صياغة القيم الإنسانية، فأصبح “امتلاك السلع الفاخرة” هو المعيار الأول للنجاح والمكانة الاجتماعية، حيث تشكل الرأسمالية قيم المجتمع لتدور حول التملُّك، وهذه الدورة الخبيثة تعني: مزيداً من الاستهلاك يؤدي إلى مزيد من النفايات ومزيد من انبعاثات الكربون، مما يفاقم التغير المناخي. هذا يتطابق تماماً مع الوصف القرآني لحالة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، حيث يصبح التكاثر في الأموال والأشياء هو الشغل الشاغل الذي يلهي عن الغاية الحقيقية للوجود[11].
4ـ الاستهلاك كدين جديد
في هذا النظام، يتم هندسة “سلوك المستهلك” ليكون في حالة جوع دائم، حيث الاستهلاك لم يعد تلبية لحاجة[12]، بل أصبح ذاتاً وهوية، ليستبدل “مجتمع الاستهلاك” القيم الروحية بالسلع المادية كتجسيد حديث لمفهوم “المترفين” الذين وصفهم القرآن، والذين يقيسون الوجود بمقياس التملُّك، وتأتي خطورة هذا النموذج تكمن في أنه نموذج “خطي” في توسّع لا نهائي في عالم “دائري” ومحدود الموارد؛ فالرأسمالية تفترض نمواً لا نهائياً في كوكب ذي موارد محدودة، وهي مفارقة منطقية ووجودية أشار إليها تقرير “حدود النمو” لنادي روما عام 1972، والذي حذر من أن استنزاف الموارد غير المتجددة سيقود إلى انهيار النظم البيئية. ومع ذلك، فإن “عقيدة الترف” التي تحكم الاقتصاد العالمي تجاهلت هذه التحذيرات، مدفوعة بـ “الجشع” الذي وصفه أئمة أهل البيت (ع) بأنه محرك الشرور “رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ حُبُّ الدُّنْيَا”[13]، مما أدى إلى تسارع وتيرة التدهور البيئي.
ثانياً: جدلية الهلاك والاستهلاك.. قراءة في آيات “هلاك القرى”
1ـ نظرية الارتباط الوجودي بين العمل والحدث الكوني
لعل من أهم الإسهامات التي تقدمها المدرسة الكلامية الشيعية المعاصرة، هي فكرة “العلاقة التكوينية” بين أفعال الإنسان والحوادث الكونية[14]، خلافاً للنظرة المادية التي تفصل بين “القانون الأخلاقي” و”القانون الطبيعي”، يرى القرآن أن هناك وحدة في النظام وأن لهذا العالم كما يعبّر العلامة الطباطبائي: “… الله سبحانه يخبرنا في كلامه: أن للعالم شعوراً بالحسنات والسيئات، وفهماً للطاعة والمعصية..”[15]؛ يقول العلامة الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30]، وقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ…﴾، أن الكون ليس مادة صماء لا تتأثر بالمعنويات، بل إن للأعمال “تجسُّداً” و”تمثُّلاً” خارجياً؛ فالذنوب، وتحديداً ذنوب الظلم والإفساد والإسراف، تُحدث أثراً “وضعياً” في عالم الطبيعة[16]، بحيث أن “الفساد” في الآية يشمل الكوارث البيئية من قحط، ومحق للبركة، وانتشار للأوبئة، وتلوث للهواء والماء[17]، وها هنا الآية تقرر قانوناً سببياً: فالمقدمة (بما كسبت أيدي الناس) تؤدي إلى نتيجة (ظهر الفساد)، أما الهدف التربوي فهو (ليذيقهم): التعبير القرآني “ليذيقهم بعض الذي عملوا” يشير إلى أن الكوارث البيئية تحمل وظيفة تنبيهية ابتلائية، حيث إن تذوق مرارة التلوث، وحرارة الجو، وشح المياه، هو ارتداد لعمل الإنسان إليه لعلّه يستفيق من غفلته ويعود إلى التوازن.
2ـ الطبيعة ككيان واعٍ: فلسفة ملا صدرا والبيئة
لتعميق هذا الفهم، نستحضر الفلسفة الصدرائية التي ترى أن الطبيعة ليست ميْتة، بل هي سارية الحياة والشعور، يقول ملا صدرا: “فالوجود عندنا مساوق للحياة… فجميع الموجودات عند أهل الكشف واليقين حية ناطقة شاهدة عالمة ببارئها ومبدعها، مسبحة بحمده، مطيعة له، ساجدة له”[18]، أي أن كل موجود في الكون له نصيب من الإدراك والحياة ويسبح بحمد ربه، وأن الحيوانات، والنباتات، والجمادات هي “أمم” تسبح الله، يقول العلامة الطباطبائي: ” .. ومن المعلوم أن حقيقة التسبيح وهي التنزيه القولي لا تتم إلا مع العلم… وسريان العلم في الموجودات يستلزم سريان الحياة فيها، فالآية من المُثبتات لحياة الأشياء كلها، ولعلمها وشعورها”[19] ويقول في موضع آخر: “… والتأمل في أحوال هذه الأنواع من الحيوان… يعطي أنها على مسير حياتها تشعر بما يشعر به الإنسان من الرأي والعقيدة، فلها عقائد وآراء فردية واجتماعية، تبني عليها حركاتها وسكناتها… ويستنتج من ذلك أنها ستحشر كما سيحشر الإنسان”[20]، ما يجعل التدمير البيئي وتلويث المحيطات هو بمثابة “إسكات” لهذا التسبيح الكوني، وقتل لأمم عابدة، هذا البعد يضفي على الإفساد البيئي بُعداً معنويّاً يتجاوز الضرر المادي إلى “الإفساد في الملكوت”؛ فبناءً على وحدة الوجود والترابط بين العوالم، فإن صدور المعصية (كالترف والإسراف) من الإنسان (وهو خليفة ومركز الدائرة) يؤثر سلباً على جريان الطبيعة، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: “وَجَدْنَا فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): … إِذَا كَثُرَ الْجَوْرُ وَظَهَرَ الْمُنْكَرُ ذَهَبَتِ الْبَرَكَاتُ”[21].
3ـ التفسير السنني لآية الإسراء
قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء: 16]. هذه الآية تمثل السنة التاريخية التي تربط بين السلوك الاقتصادي-الاجتماعي (الترف) وبين المصير الكوني (التدمير)[22]، وفيما تثير عبارة “أمرنا مترفيها” تساؤلات كلامية من قبيل: كيف يأمر الله بالفسق؟ إلا أن التفسير السنني ينزه الله -تعالى- عن الأمر بالفحشاء؛ فـ”الأمر” هنا يأخذ مسارين متكاملين:
ـ الأمر التشريعي: الله يأمر المترفين (قادة المجتمع الاقتصادي والسياسي) بالطاعة، والعدل، والإصلاح، وحفظ الميزان. لكن طبيعة “الترف” التي تقتضي العلو والاستكبار تدفعهم لمخالفة هذا الأمر، فيفسقون، والفسق هنا هو “الخروج عن الاعتدال الفطري”[23].
ـ الأمر التكويني (الإمداد): “أمرنا” بمعنى أكثرنا نِعمهم وأمددناهم بالموارد (النفط، التكنولوجيا، الثروات). وهذا الإمداد للمتأمل في حقيقته هو “ابتلاء”؛ فالمترف، بغروره، يقرأ هذا الإمداد كاستحقاق ذاتي وليس كأمانة، فيستخدمه في الإفساد (تدمير البيئة، احتكار الثروة).
وفي سياق التغير المناخي، يتجلى مصداق قوله -تعالى- “أمرنا مترفيها” في الثورة الصناعية والتكنولوجية الهائلة التي منحها الله للبشرية، كان “الأمر” هو استخدام هذه القدرات في “عمارة الأرض”. لكن “المترفين” (الدول الصناعية الكبرى، الشركات العملاقة) “فسقوا فيها”، أي استخدموا هذه القدرات في استنزاف الموارد، وتلويث الجو، والإخلال بالتوازن الحراري للأرض[24].
4ـ “فحق عليها القول”: حتمية السنن
“القول” الذي يحق هو قانون الأسباب والمسببات؛ فالله لا يدمر القرى ظلماً، بل التدمير هو النتيجة الطبيعية (السننية) لفسق المترفين[25]؛ فعندما تفسق البشرية عن قوانين “حفظ الأمانة/البيئة”، يحق عليها “القول” المتمثل في (الأعاصير، الجفاف، الغرق) ليس كعقوبة انتقامية عشوائية، بل هو تفعيل لسنن الله في الكون التي انتهكها المترفون.
تتبع القرآن معادلة دقيقة لسقوط الحضارات، يمكن تطبيقها حرفياً على الحضارة الرأسمالية المعاصرة:
1ـ مرحلة الترف: ﴿أَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ – تراكم الثروة والتمتع المفرط.
2ـ مرحلة الفسق: ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ – الخروج عن الطاعة وعن نظام الفطرة (تدمير البيئة، الظلم).
3ـ مرحلة استحقاق العذاب: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ – تفعيل السنة الكونية (نقطة اللاعودة في المناخ).
4ـ مرحلة التدمير: ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ – الانهيار الحضاري والبيئي.
يرى الشهيد الصدر أن الترف يفسد “بأس الأمة” ويحطم مناعتها، مما يجعلها عاجزة عن مواجهة التحديات[26]، لذلك فإن مجتمع الترف المعاصر، رغم تقدمه التكنولوجي، يبدو هشاً للغاية أمام ردود الفعل الطبيعة (أعاصير، فيضانات)، مما يؤذن بقرب تحقق سنة الاستبدال أو الهلاك، وقد يتساءل البعض: لماذا لا نرى العقوبة فوراً؟ يشرح القرآن ذلك بسنة “الإملاء” و”الاستدراج”. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. التطور الصناعي والوفرة المادية المعيشة اليوم قد تكون هي عين “الاستدراج”؛ فقد يفتح الله أبواب كل شيء[27]، حتى إذا ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ و ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾، أُخذوا بالكوارث بغتة[28]، فصحيح أن الاحتباس الحراري عملية تراكمية بطيئة (استدراج)، لكن نتائجها عادة ما تكون فجائية ومدمرة.
5ـ “الرهط المفسدون”.. الشركات العابرة للقارات في العصر الحديث
أحد المفاهيم التي تناولها القرآن في سياق الحديث عن الفساد الاجتماعي والبيئي هي ما يعرف بـ”لوبيات” أو مجموعات المصالح، ويشير القرآن إلى “رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ”، والرهط هم المجموعة المتجانسة التي تملك القوة والنفوذ، وفي عصر العولمة، يمكن القوي أن الرهط المفسدون هم “الشركات العابرة للقارات” واللوبيات الصناعية التي تسيطر على اقتصاد العالم؛ فهذه الكيانات تمثل “المترفين” بأجلى صورهم، فهم الذين يمتلكون الموارد، ويوجهون السياسات، ويفرضون ثقافة الاستهلاك، وينشرون فسادهم في الأرض، ليس فساداً أخلاقياً تقليدياً فحسب، بل هو فساد “بيئي” ممنهج من خلال:
ـ احتكار الموارد: وتحويل “المشاعات العالمية” -الهواء، الماء، الغابات- إلى سلع خاصة، وهو ما حذر منه مؤتمر ريو 1992 والذي خلص التقرير الختامي فيه إلى أن “إن السبب الرئيسي في تدهور البيئة العالمية بصورة مطردة هو النمط غير المستدام للاستهلاك والإنتاج، وتحديداً في البلدان الصناعية، وهو مسألة خطيرة تؤدي إلى تفاقم الفقر والاختلالات”[29]، وهذا النوع من الاختلال (الاحتكار) يتعارض مع أكثر مبادئ الفطرة الإنسانية بداهة والتي يقرّها التشريع الإسلامي، يقول السيد محمد باقر الصدر: “فالمصادر الطبيعية – وهي التي عبرت عنها الرواية بالماء والكلأ والنار – مباحة لجميع الناس، وليس لفرد دون فرد حق اختصاصي فيها يمنع الآخرين عن الانتفاع بها… وهذا هو المبدأ العام في المشتركات العامة”[30].
ـ الإفساد في الحرث والنسل: استخدام التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية والمبيدات التي تدمر التنوع البيولوجي وتفسد التربة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.
ـ تصدير التلوث: نقل الصناعات الملوثة إلى دول الجنوب الفقيرة[31]، مما يجسد أبشع صور “الاستكبار” البيئي، حيث يدفع الفقراء ثمن ترف الأغنياء.
6ـ مفهوم التسخير: أمانة لا هيمنة مطلقة
يقع سوء الفهم الأكبر في العقلية الحداثية (وحتى لدى بعض المتدينين) في تفسير آيات “التسخير” ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، فقد فُسّر التسخير خطأً على أنه إذن مطلق بالاستغلال والهيمنة، إلا أنه يجب التفرقة بين مفهومين رئيسيين:
ـ التسخير في الميزان: يوضح البحث الكلامي أن التسخير يعني “تذليل الشيء وتهيئته لغاية كمالية” ضمن نظام دقيق. التسخير هو “علاقة وظيفية” تقتضي المسؤولية. الإنسان مُستأمن على هذه المسخرات، وليس مالكاً حقيقياً لها (المالك هو الله)[32].
ـ الطغيان في الميزان: حذر القرآن من الإخلال بهذا النظام: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن: 7-8]. التغير المناخي هو التجسيد الحرفي لـ “الطغيان في الميزان”؛ فإذ أخل الإنسان بميزان الغازات الدفيئة (على سبيل المثال)، أو ميزان التنوع البيولوجي، أو ميزان دورات المياه، فإنه نتيجة لـ “طغيانه” في طلب الرفاهية سيبتلى بالكوارث وردّات الفعل العنيفة.
ثالثاً: البيئة كأمانة إلهية
بينما يحدد الفكر التنموي الحديث ثلاثة أبعاد للتنمية المستدامة (الاقتصادي، الاجتماعي، البيئي) ، من وجهة نظر إسلامية يمكن وضع اليد على غياب البيئة كـ “بعد وجودي” يتحرك فيه الإنسان في مساره من عالم الخلق إلى القيامة، والذي يتجلى فيه “الدور الوظيفي” للإنسان كـ”خليفة”، ويمكن القول أن الآية 41 من سورة الروم الوثيقة القرآنية الأظهر في توصيف الأزمة البيئية: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وتؤكد التفاسير أن الفساد هنا عام يشمل اختلال النظم الكونية (انحباس المطر، غلاء الأسعار، الأوبئة، الحروب). يربط المفسرون، كالشيخ ناصر مكارم الشيرازي ، بين “كسب الأيدي” وبين الكوارث، يقول: “ظاهر الآية أنّ الفساد يشمل كلّ انحراف ومساوئ تظهر في قالب فردي أو جماعي… والملفت للنظر أنّ الآية تصرّح بأنّ هذا الفساد هو نتيجة أعمال الناس… (ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)… وهذه «لام العاقبة» تشير إلى أنّ الله سبحانه لا يذيقهم إلاّ بعض أعمالهم… وهذا هو (الهدف التربوي) لما يصيب الإنسان من نكبات ومشاكل نتيجة لذنوبه… لكي يوقظهم من غفلتهم، ويعيدهم إلى جادة الحق والصواب.”[33].
يشير النص القرآني إلى أن الكوارث الحالية ليست “كل” العقاب، بل “بعضه”: أي أنها “جرعة تذوق” (ليذيقهم) لمرارة أعمالهم، والهدف هنا ليس الانتقام، بل “الرجوع” (لعلهم يرجعون)، يقول الشيخ محمد جواد مغنية: “… ومعنى الآية بمجملها أن الله سبحانه سخر الكون للإنسان ليستغله في مصلحته ومنفعته، فأساء الإنسان التصرف، واستغل الطبيعة للشر والفساد، فارتد الشر والفساد عليه، وأذاقه الله وبال أمره ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عن غيهم”[34]، فالرسالة من وراء الفيضانات والحرائق هي دفع البشرية لمراجعة نمط حياتها المترف، والعودة إلى “نظام الاعتدال”، وتجبر الإنسان على التخلي عن غطرسته.
1ـ دستور العلاقة مع الطبيعة.. نهج البلاغة نموذجاً
في مواجهة هذه الأزمة، يقدم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في “نهج البلاغة” نموذجاً للتنمية المستدامة يسبق الطروحات المعاصرة بقرون. يرتكز هذا النموذج على محورية “عمارة الأرض” ومسؤولية الحاكم والمحكوم تجاه “البلاد والعباد”.
2ـ “عمارة الأرض” مقابل “استجلاب الخراج”
في عهده لمالك الأشتر، يضع الإمام علي القاعدة المركزية للاقتصاد البيئي، فيقول (عليه السلام): “وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأَرض أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلابِ الْخَرَاجِ، لَانَّ ذلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بَالْعِمَارَةِ”[35]، وهذا النص يفكك الرأسمالية الريعية القائم على الربح السريع (الخراج/الضرائب/الأرباح) على حساب استدامة الموارد (العمارة)، فالاستدامة شرط الربح، والإمام يقرر أن “من طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد”، ويمكن القول أن خراب البلاد هنا هو التعبير الدقيق عن التدهور الناتج عن الاستغلال المفرط للموارد دون تجديدها، والتنمية المستدامة عند الإمام هي “عمارة” تسبق “الجباية”.
وفي خطبة أخرى، يوسع الإمام علي (ع) دائرة التقوى لتشمل البيئة: “اتَّقُوا اللَّهَ فِي عِبَادِهِ وبِلادِهِ، فَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ والْبَهَائِمِ”[36]، ليؤسس هذا النص إلى ما يمكن أن نسميه “الحق البيئي”: حيث البقاع (الأرض، الغابات، الأنهار) والبهائم (التنوع البيولوجي) ليست مجرد موارد للاستغلال، بل هي كيانات لها “حقوق” والإنسان “مسؤول” عنها أمام الله يوم القيامة، وهنا تنفى المركزية البشرية المطلقة، أي أن الإنسان ليس مالكاً مطلقاً، بل هو “مستأمن”، لتصبح العدالة في فكر الإمام غير مقتصرة على البشر، بل تشمل العدالة حتى مع المنظومة البيئية.
وفي رواية أخرى يقول الإمام علي (ع): “إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الأغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ، فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلا بِمَا مَنَعَ بِهِ غَنِيٌّ، وَاللَّهُ تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ”[37]، هذه المعادلة الاجتماعية يمكن قراءتها بيئياً وعالمياً من وجهة نظر “العدالة المناخية”؛ فما عانت دول الجنوب (الفقراء) من الجفاف والغرق ونقص الموارد، إلا بما “مُتّع” به مترفو الشمال (الأغنياء) من استهلاك مفرط للطاقة والموارد؛ فالترف في مكان يولِّد القحط والهلاك في مكان آخر، واستئثار القلة (المترفين) بالموارد (الكربون، الطاقة) يؤدي حتماً إلى حرمان الأكثرية وتدمير بيئتهم.
رابعاً: نحو نموذج “الاقتصاد” والاعتدال.. الخلاص من ثقافة الهلاك
1ـ نقد الثقافة الاستهلاكية: وهم السعادة
بينما وصلت القدرات التكنولوجية إلى ذروة تمكنها نظرياً من تلبية حاجات البشرية بكفاءة واستدامة، يتجه النظام الاقتصادي العالمي نحو مسار تدميري لاعتماده على “صناعة الندرة” و”هندسة عدم الرضا” و”خلق الحاجات” عبر استراتيجيات خبيثة مثل “التقادم المبرمج”[38]، فهذا النظام، الذي يُنظر إليه ظاهرياً على أنه “قمة العقلانية الرأسمالية”، يكشف عند التأمُّل فيه عن آليات تتطابق بشكل مع المفهوم القرآني لـ “الإغواء الشيطاني” أو “التزيين”.
وتكشف النصوص الدينية والتحليلات الفلسفية أن “ثقافة الاستهلاك” مبنية على وهم؛ على سبيل المثال يربط الدكتور (علي خضر الشكري) بين “فساد الفطرة” وبين البيئة الاجتماعية التي تروج للعبث واللامبالاة التي هي أهم مقدمات الثقافة الاستهلاكية، وهذه بدورها تغذيها الشركات العابرة للقارات (الرهط المفسدون)، التي تدفعهم نحو وهم إمكانية ملء الفراغ الروحي بوهم امتلاك (والامتلاء بـ) المادة والمزيد من الاستهلاك، لكنها تفشل، فتنتج “ضنك المعيشة”؛ فالرأسمالية تتعامل مع الإنسان ككتلة من الشهوات يجب إثارتها باستمرار، ما يدفع نحو شراء ما لا يُحتاج، وإلقاء الفائض في المحيطات، مما يخلق جبالاً من النفايات وجواً مشبعاً بالكربون؛ ففي تفسير قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: 268]، يرى مفسرون أن هذا “الفقر” ليس فقط كالعوز المادي، بل كحالة نفسية من الخوف الدائم من الفوات والنقص، والنظام الاقتصادي الحديث يقتات على هذا الخوف؛ فهو يزرع في المستهلك شعوراً دائماً بالنقص وعدم الكفاية من خلال تكريس استراتيجيات تسويق مثل “الخوف من الفوات” (FOMO – Fear of Missing Out) التي هي تطبيق حرفي لـ “وعد الشيطان بالفقر”، حيث يتم إيهام المستهلك بأنه سيخسر “فرصة العمر” أو سيفقد مكانته الاجتماعية إذا لم يقم بالشراء الفوري، بل إن استراتيجيات مثل خلق “الاستعجال الزائف” من قبيل وضع عدادات وقت وهمية أو رسائل “تبقى قطعتين فقط” ليس لها هدف إلا إثارة الذعر ودفع المستهلك لاتخاذ قرار تغلب فيه الغريزة على العقل.
وإذا كان “الترف” هو المحرك النفسي، فإن النظام الاقتصادي الحديث قد ابتكر آليات “شيطانية” (بالمعنى القرآني للإغواء) لضمان استمرار هذا الترف، حتى لو كان الثمن دمار الكوكب، حيث تحاول الرأسمالية إقناع الناس بأن الحل يكمن في “الكفاءة” والتكنولوجيا، دون الحاجة لتغيير نمط الحياة المترف. لكن الأبحاث الاقتصادية تواجهنا بـما يسمى “مفارقة جيفونز”: وتنص المفارقة على أن التحسينات التكنولوجية التي تزيد من كفاءة استخدام المورد (مثل محركات سيارات تستهلك وقوداً أقل) تؤدي فعلياً إلى زيادة الاستهلاك الكلي لذلك المورد بدلاً من تقليله[39]، لأن انخفاض التكلفة يشجع على المزيد من الاستخدام؛ فقد لاحظ الاقتصادي “جيفونز” قديماً أن تحسين كفاءة محركات البخار زاد من استهلاك الفحم بشكل هائل. واليوم، نرى أن السيارات الموفرة للطاقة لم تقلل الانبعاثات، بل شجعت الناس على القيادة لمسافات أطول وشراء سيارات أكبر والسفر أكثر، هذه المفارقة تؤكد حقيقة قرآنية: الآلة (الوسيلة) لا تصلح فساد النفس (الغاية) .. أي أنه طالما أن النفس محكومة بـ “الهلوع” وشهوة “التكاثر” والرغبة في المزيد، فإن أي توفير ناتج عن التكنولوجيا سيتم “ابتلاعه” فوراً لخدمة المزيد من الترف، فالتكنولوجيا بدون تزكية للنفس تزيد الإنسان قدرة على الإفساد.
2ـ التقادم المبرمج والموضة السريعة: مأسسة كُفر النعمة
من أخطر آليات الترف الحديث هي استراتيجية “التقادم المبرمج”، حيث تتعمد الشركات تصميم المنتجات لتتلف أو تفقد جاذبيتها بعد فترة قصيرة، لإجبار المستهلك على شراء البديل، ويولد هذا السلوك جبالاً من النفايات الإلكترونية والنسيجية، ويستنزف الموارد النادرة بلا طائل. يُعتبر هذا شكلاً من أشكال “العنف البطيء” ضد الكوكب وسكانه.
تاريخيّاً، لم يكن قِصَر عمر المنتجات نتيجة عجز تقني، بل كان قراراً إدارياً واعياً من الكارتيلات الباحثة عن الربح، ويُعد “كارتيل فويبوس” (1924-1939) من أقوى الأدلة على جذور هذه الممارسة: ففي أوائل القرن العشرين، كانت شركات مثل “جنرال إلكتريك” و”فيليبس” و”أوسرام” تتنافس لإنتاج مصابيح إنارة تدوم طويلاً (تصل إلى 2500 ساعة)، لكنهم أدركوا أن الكفاءة تعني انخفاض المبيعات، ثم في اجتماع في جنيف عام 1925، اتفق الكارتيل على توحيد عمر المصباح ليصبح 1000 ساعة فقط[40]، ولم يكن هذا “توحيداً للمعايير” بل “توحيداً للفساد”، حيث تم فرض غرامات مالية على أي مصنع ينتج مصابيح تدوم أكثر من الحد المسموح به، فتحولت الهندسة من علم لتحسين الحياة إلى أداة لضمان الفشل، حينها مثّلت هذه اللحظة التاريخية ولادة “اقتصاد الهدر”، حيث أعيد تعريف “المنتج عالي الجودة” باعتباره “المنتج السيء” للأرباح، وهو قلب المنطق الشيطاني الذي يرى في الإصلاح خسارة، بهذا، يمثل “التقادم المبرمج” خيانة للأمانة، وغشاً تجارياً، وتجسيداً صارخاً لمفاهيم “التبذير” و”الإسراف” المحرمة شرعاً، باعتباره “كفر بالنعمة”؛ فبدلاً من صيانة النعمة (المنتج) وإطالة عمرها، يتم تدميرها عمداً لمراكمة الأرباح، وهذا السلوك يتنافى مع مبدأ “إصلاح المال” وحفظه في الفقه الإسلامي.
كذلك، تُعد صناعة الموضة السريعة المثال الأبرز على تحول السلوك البشري إلى كارثة بيئية مدفوعة بوهم التجديد المستمر؛ فإذا كان التقادم المبرمج هو تلاعب بـ “الوظيفة”، فإن الموضة السريعة هي تلاعب بـ “الهوية” و”الغرور”، حيث تم تحويل الملابس من سلع معمرة إلى سلع استهلاكية سريعة التلف، حيث وصل الحال إلى أنه -إحصائيّاً- يشتري العالم اليوم 80 مليار قطعة ملابس سنوياً، بزيادة 400% عما كان عليه الحال قبل عقدين، وبحسب دراسات فإن “صناعة الأزياء” مسؤولة عن 10% من انبعاثات الكربون العالمية (أكثر من الطيران والشحن البحري مجتمعين) وتستهلك 93 مليار متر مكعب من المياه سنوياً[41].
وتتجسد الآية الكريمة {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} بشكل حرفي في ما يمكن أن نسميه “مستعمرات النفايات”، وهي المناطق التي أصبحت مكبات لنفايات العالم الغربي “المترف”، مثل:
أ. صحراء أتاكاما (تشيلي): مقبرة الموضة
في صحراء أتاكاما، إحدى أكثر المناطق جفافاً في العالم، تتراكم جبال من الملابس غير المباعة تصل ما بين 39,000 إلى 59,000 طن من الملابس سنوياً من ميناء إيكويكي، حيث ما لا يتم بيعه يُلقى في الصحراء، وهذه الأكوام الضخمة من البوليستر (البلاستيك) لا تتحلل، بل تطلق سموماً في الهواء والمياه الجوفية، وقد أصبحت ضخمة لدرجة أنها باتت مرئية من الفضاء عبر الأقمار الصناعية[42].
ب. سوق كانتامانتو (غانا): “ملابس الرجل الأبيض الميت”
تستقبل غانا أسبوعياً 15 مليون قطعة من الملابس المستعملة، تُعرف محلياً بعبارة Obroni Wawu (“ملابس الرجل الأبيض الميت”)، ونظراً لرداءة جودة “الموضة السريعة”، فإن 40% من هذه الواردات هي نفايات فور وصولها، وحيث لا تستطيع البنية التحتية استيعاب هذا الكم، عندها يكون المصير الحتمي هو تشكُّل مكبات عشوائية تشتعل فيها النيران، مطلقة دخاناً ساماً يخنق السكان المحليين، ومن ثم تجرف الأمطار هذه النفايات النسيجية إلى البحر، لتشكل “شباكاً” من الملابس المتشابكة على الشواطئ وفي قاع المحيط، مسببة دماراً للحياة البحرية[43].
3ـ الفجوة المعيشية وانبعاثات الرفاهية
تشير البيانات الحديثة إلى فجوة هائلة في المسؤولية عن الانبعاثات، حيث تلعب “النخبة المترفة” الدور الأكبر في تدمير المناخ، على سبيل المثال تشير تقارير “أوكسفام” إلى أن أغنى 1% من البشر يصدرون انبعاثات كربونية تفوق ما يصدره أفقر 50% من سكان الأرض مجتمعين[44]، كما أن انبعاثات الطائرات الخاصة واليخوت الفاخرة لـ 12 مليارديراً فقط في المملكة المتحدة تعادل انبعاثات 19,000 مواطن عادي في عام كامل[45]، فضلا عن استثمارات هؤلاء المترفين في الصناعات الملوثة التي تضاعف أثرهم البيئي بآلاف المرات.
هذا السلوك يجسد مفهوم “العلو في الأرض” ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ فاستخدام طائرة خاصة لرحلة ترفيهية قصيرة، مع علم صاحبها بأنها تحرق أطناناً من الوقود وتلوث الجو، هو قمة “الأنانية” و”الاستكبار”، هذا السلوك إعلان بأن “راحتي الشخصية ورفاهيتي أهم من سلامة النظام البيئي وحياة ملايين البشر الذين سيتضررون من الفيضانات والجفاف”، لذا، فهذا الظلم البيئي يستدعي “المقت الإلهي”؛ فالله تعالى لا يحب المسرفين ولا يحب المستكبرين، والعدالة المناخية تتطلب محاسبة هؤلاء المترفين وتحميلهم تكلفة فسادهم وإفسادهم.
4ـ الإسراف القهري والخواء الروحي
على النقيض من وعود السعادة، تظهر الدراسات أن النزعة الاستهلاكية مرتبطة في حقيقتها بالقلق والاكتئاب؛ فظواهر مثل “الإنفاق القهري” أو “إنفاق الهلاك”، ما هي إلا ردات فعل نفسية يائسة تجاه الأزمات[46]، حيث يستهلك الإنسان ليهرب من القلق، مما يزيد من تدمير البيئة ويزيد من فراغه الروحي؛ فالنفس المترفة هي نفس “جائعة” وجودياً، لا يشبعها المادة، وكلما زاد استهلاكها زاد عطشها، مصداقاً للحديث الشريف: “مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ دُنْيَا وَطَالِبُ عِلْمٍ … وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَرَاماً تَكَاثُراً كَانَ طَالِبَ دُنْيَا”[47]. وطالب الدنيا المترف هو الذي يلتهم الكوكب في محاولة بائسة لملء ثقب روحي لا يملأه إلا ذكر الله والقناعة.
خامساً: البديل الإسلامي: “الاقتصاد” و”الزهد الإيجابي”
الأزمة التي يعيضها العالم المعاصر لا تعود في جذورها إلى نقص في الموارد أو التكنولوجيا، بل إلى خلل بنيوي في “المفاهيم” الحاكمة للعلاقة بين الإنسان والمادة؛ فقد رسخت الحداثة المادية نموذجاً اقتصادياً قائماً على تعظيم المنفعة والنمو اللامتناهي، محولةً الطبيعة من “شريك في الوجود” إلى مجرد “خزان للموارد”، والإنسان من “مستخلف” مؤتمن إلى “مستهلك” نهم.
في هذا السياق، يبرز الطرح الإسلامي، وتحديداً في أدبيات مدرسة أهل البيت، ليقدم رؤية مغايرة جذرياً لمفهوم “الاقتصاد” ومفهوم “الزهد”، وهي رؤية تتجاوز السطحية الوعظية لتلامس جوهر الأزمة الوجودية، فالفرضية المركزية لهذا الاتجاه أن الإسلام لا يرى في الفقر فضيلة، ولا يدعو إليه كقيمة بذاته، بل يدعو إلى “الاقتصاد” بمفهومه اللغوي والاصطلاحي الدقيق، أي “القصد” والتوسط: فالاقتصاد هنا ليس مجرد علم لإدارة الثروة وتنميتها فحسب، بل هو “منهج حياة” وفلسفة وجودية تقوم على الاعتدال واستخدام الموارد بقدر “الحاجة” (الضرورة) وتقديم الفضل ليوم الفاقة. ويترافق مع هذا المفهوم ما يمكن اصطلاحه بـ “الزهد البيئي”، والذي يبدأ بالتحرر النفسي من عبودية السلع كخطوة أولى لإنقاذ البيئة؛ فالمؤمن الذي يكتفي بـ “بُلغة من العيش” بالمفهوم الديني، هو في الحقيقة يمارس أرقى أشكال “تقليل البصمة الكربونية” بالمفهوم البيئي الحديث، على سبيل المثال في رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: “… إِنَّمَا السَّرَفُ أَنْ تَجْعَلَ ثَوْبَ صَوْنِكَ ثَوْبَ بِذْلَتِكَ”[48]، والحديث يشير بدقة إلى مفهوم استهلاك ما هو ثمين أو معد للبقاء [ثوب الصون/المناسبات] في غير محله مما يسرع في إتلافه باستخدامه كـ[ثوب البذلة/الخدمة]، وهو ما يطابق مفهوم هدر الموارد في الموضة السريعة.
فالمؤمن المدبّر الزاهد هو “سيد” المادة يستخدمها لغاياته السامية، وليس “عبداً” لها تستهلك عمره وموارده، وبهذا المعنى، يكون التحرر من عبودية السلع هو الخطوة الأولى والضرورية لإنقاذ البيئة، وعندما “لا تملكك” الأشياء، فإنك لا تسعى لتغيير مقتنياتك كل عام مجاراة للموضة، ولا تشتري ما لا تحتاج إليه استجابة لضغط الإعلانات. هذا “التحرر” يبطل محركات التلوث البيئي والاستهلاك المفرط، وبهذا تتحول التنمية من غاية في ذاتها إلى أحد أشكال “عمارة الأرض” بما “ينفع الناس” و”يمكُث في الأرض”، وليست “تنمية الأرقام” التي تدمر الأرض، حيث تشير التقارير البيئية الحديثة إلى أن الحلول التقنية وحدها لن تكفي لمواجهة التغير المناخي، بل لا بد من تغيير جذري في أنماط الحياة، وهنا يقدّم الإسلام “الزهد” ليس كحالة سلوكية معنوية، بل كاستراتيجية بقاء واستدامة حضارية.
هذا مع الأخذ في الاعتبار أن التحول من “اقتصاد الرغبة” إلى “اقتصاد الحاجة”، والسعي لتطبيق مفهوم “الحياة الطيبة” التي تمنع الهلاك يتطلب تفعيل عدة أبعاد مفاهيمية:
1ـ البعد المعرفي: الشراكة في العبودية لله
من خلال إعادة تعريف العلاقة مع الطبيعة كعلاقة “تسبيح” وشراكة، لا علاقة صراع وسيطرة، فمعرفة “من أين وإلى أين” تفرض احترام الطريق الذي نسير فيه (البيئة)، فإذا كان المنظور المادي الوضعي، يعرّف الطبيعة كـ”مادة” قابلة للاستغلال، خالية من الروح أو الغاية، إلا أنها في المنظور القرآني كيان “ناطق”، مسبح، وشريك في العبودية، حيث إن آيات مثل: “تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ” تؤسس لتحوّل أنطولوجي (وجودي) يغير قواعد التعامل مع البيئة من الأساس، ويشير العلامة الطباطبائي في تفسيره “الميزان في تفسير القرآن” إلى أن تسبيح الكائنات ليس مجرد مجاز شعري أو دلالة حالية (بمعنى أن وجودها يدل على الخالق فقط)، بل هو حقيقة وجودية وسريان للشعور في جميع ذرات الوجود، أي أن كل موجود، بحسب مرتبته الوجودية، يدرك خالقه وينزهه، وهو ما يعبر عنه بـ “التسبيح التكويني”، هذا الفهم يعني أن الشجرة أو النهر أو الجبل ليست مجرد “أشياء” جامدة، بل هي “كائنات عابدة” لها حرمة تكوينية[49].
ويترتب على هذه القراءة نتيجة أخلاقية جذرية، تكرّس مبدأ أن الاعتداء على البيئة بالتلويث أو التدمير العبثي ليس مجرد إهدار لمورد اقتصادي، بل هو “إسكات لصوت مسبح” واعتداء على كيان يشارك الإنسان في العبودية لله، وهنا تتجلى الشراكة الكونية بين الإنسان والطبيعة؛ فكلاهما عبد لله، وكلاهما مأمور بالتسبيح، أحدهما بلسان المقال (الإنسان) والآخر بلسان الحال والوجود (الطبيعة).
2ـ البعد السلوكي: الاستخلاف ونهاية مركزية الإنسان المطلقة
المفهوم المركزي الثاني الذي يجب أن يحكم تصرفات الإنسان في البيئة هو “الاستخلاف”، أي اعتبار الإنسان ليس “سيد الطبيعة” المطلق الذي يحق له التصرف كيفما شاء، بل هو “خليفة” ومستخلف فيها وأن الملكية الحقيقية والمطلقة لله وحده: “لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ”، وهذا المبدأ العقدي يفكك غطرسة وتسلُّط الإنسان الحديث ويستبدلها بمفهوم “الأمانة”؛ لتصبح ملكية الإنسان للموارد هي “ملكية انتفاع” مقيدة بشروط المالك الأصلي (الله). وأي تصرف يخالف مراد المالك (كالإفساد، التبذير، أو تغيير خلق الله) هو تصرف باطل شرعاً وخيانة للأمانة، هذا فضلا عن جوهرةُ “المساءلة الأخروية” للإنسان بما هو وكيل، فهو محاسب بدقة عن كل مورد استهلكه، هذا الوعي بالمساءلة يخلق “رقابة ذاتية” (التقوى) تكون أكثر فعالية من القوانين الوضعية في حماية البيئة.
3ـ الإعمار لا الاستنزاف
عندما تكون مهمة الخليفة هي “استعمار الأرض” أي إعمارها “هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا”، فهذا يعني الإعمار بمفهوم التنمية المستدامة التي تحفظ أصل المورد وتستفيد من ريعه[50]، على عكس الاستنزاف الذي يهلك الأصل، حينئذٍ يصبح التحول من “المستهلك” إلى “المستخلف” يعني تبني نمط حياة “أخضر” نابع من عقيدة، يرى في غرس الشجرة عبادة، وفي حماية الماء طاعة، وفي عدالة توزيع الفرص والموارد حقّاً للجميع، وفي محاربة التلوث جهاداً ضد “الفساد في الأرض”، حينها تصبح المتانة قيمة إيمانية، أي أن إنتاج سلع تعمر طويلاً باعتبار ذلك تطبيق لحديث: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه” لا يتعلق فقط بالامتثال للأمر التشريعي في تأدية حقوق الغير، بل في الامتثال للأمر التكويني في الاضطلاع بمسؤوليات الخلافة في لأرض، ويصبح الإتقان هنا بمعنى المتانة والديمومة، نقيض “التقادم المبرمج” الذي تدعو إليه الحضارة الشيطانية. هذا فضلاً عن ضرورة إلزام الدول والشركات بالمسؤولية الممتدة للمنتج بعد انتهاء حياته، لمنعها من تصدير “فسادها” إلى المجتمعات والدول المستضعفة.
4ـ البعد التشريعي: تفعيل القواعد الفقهية البيئية
يقدّم الإسلام منظومة من القواعد الحاكم للمصلحة العامة التي تتمحور حول حفظ نظام الكون، من قبيل قواعد: “لا ضرر ولا ضرار”، و”حماية المشتركات” (الماء، الهواء)، وتحريم الإسراف والتبذير كجرائم بيئية تستوجب التعزير، هذه القواعد أسست العمود الفقري لفقه البيئة. بتكريس مبدءٍ يمنع أي استخدام للحق الشخصي إذا أدى إلى ضرر بالغير، وبالتالي اعتبار كل نشاط اقتصادي أو صناعي يسبب ضرراً للبيئة (تلوث هواء، تسميم مياه جوفية، ضجيج، إبادة أنواع) يندرج تحت “الضرر” و”الضرار” المحرم شرعاً، والقاعدة تشمل الضرر المباشر وغير المباشر، الحالي والمستقبلي، وبما أن تدمير البيئة يضر بصحة الإنسان وبحقوق الأجيال القادمة، فهو يقع تحت طائلة التحريم القطعي، ويوجب “الضمان” (التعويض) وإزالة الضرر.
وأسس الإسلام نظاماً فريداً للملكية العامة للموارد الطبيعية الأساسية، فقد ورد في الحديث: “الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار”[51]، وهنا المشتركات: المياه (الأنهار والبحار)، والمراعي (الغطاء النباتي الطبيعي)، ومصادر الطاقة (النار/النفط/الغاز)، هي ملكية عامة للأمة لا يجوز خصخصتها بطريقة تؤدي إلى احتكارها أو حرمان العامة منها، ولا يجوز تلويثها لأن في ذلك اعتداءً على حق الشركاء (المجتمع)، كما أغلى الإسلام الحمى الخاص وهو “الحمى” الجاهلي (حيث كان الأقوياء يسيطرون على المراعي)، وأسس “الحمى العام” للمصلحة العامة، مثل حمى خيل المسلمين أو إبل الصدقة، وهذا يؤصل لمشروعية إنشاء “المحميات الطبيعية” التي تمنع فيها الدولة الصيد أو الاحتطاب لحفظ التوازن البيئي.
كذلك، فإن من أدق التشريعات البيئية في الفقه الإسلامي، وتحديداً في مدرسة أهل البيت، أحكام “حريم” مصادر المياه والعمران، و”الحريم” هنا هو المنطقة المحيطة بالمورد والتي يمنع فيها أي نشاط يؤثر على سلامة المورد أو كفاءته، ويشير الشيخ الطوسي في “المبسوط”[52] والشهيد الصدر في “اقتصادنا”[53] إلى أن هذه المقادير ليست تعبدية بحتة، بل هي تقديرات لرفع الضرر، مما يعني إمكانية توسيعها اليوم (بمئات الأمتار أو الكيلومترات) بناءً على رأي أهل الخبرة لضمان عدم تلوث المياه الجوفية بالمواد الكيميائية الحديثة، ولعل هذا ما دعى مراجع التقليد المعاصرين إلى إصدار فتاوى جذرية تتناول البعد البيئي: فالسيد علي الخامنئي أفتى بأن تدمير البيئة وتلويثها معصية وحرام شرعاً، مؤكداً أن “الأرض وضعها للأنام” وليست حكراً لجيل أو فئة[54]، وكذلك أكّد مكتب السيد السيستاني على المسؤولية الشرعية في الحفاظ على النظافة العامة والمشتركات[55].
5ـ المقارنة بين النموذجين
يقع جوهر الخلاف بين الاقتصاد الوضعي الرأسمالي والاقتصاد الإسلامي في تعريف “الحاجة” و”الرغبة”، وفي الغاية النهائية للنشاط الاقتصادي: ففيما يقوم الاقتصاد الرأسمالي المعاصر على فرضية “المشكلة الاقتصادية” المتمثلة في: ندرة الموارد النسبية مقابل لانهائية الحاجات الإنسانية، إلا أن التحليل الإسلامي العميق يكشف خلطاً متعمداً في هذه الفرضية بين “الحاجات” و”الرغبات”: فالحاجات هي الضرورات التي لا تقوم الحياة بدونها (طعام، مأوى، كساء، أمن، تعليم)، وهذه الحاجات “محدودة” بطبيعتها وقابلة للإشباع؛ فالإنسان لا يستطيع أكل أكثر من طاقته ولا لبس أكثر من حاجته في آن واحد، أما الرغبات فهي الشهوات والتطلعات النفسية للكماليات والتفاخر، وهذه هي التي لا نهاية ولا سقف لها.
يعمل الاقتصاد الحديث، عبر آليات التسويق وصناعة الثقافة الاستهلاكية، على تحويل “الرغبات” إلى “حاجات” وهمية، مما يخلق “اقتصاد الرغبة”، وهذا النمط الاقتصادي هو المحرك الأول للأزمة البيئية؛ لأن رغبات النفس الأمارة لا حدود لها، بينما كوكب الأرض محدود الموارد، محاولة إشباع رغبات لامتناهية من موارد متناهية هي معادلة مستحيلة تؤدي حتماً إلى الانهيار البيئي، إن “اقتصاد الحاجة” الذي يدعو إليه الإسلام، حيث يتم استخدام الموارد بقدر الضرورة والكفاية، مع السعي لتهذيب الرغبات لا إطلاق عنانها. يتطلب تحوّلاً وانتقالاً من مفهوم “مستوى المعيشة” القائم على الكم، إلى مفهوم “جودة الحياة” أو “الحياة الطيبة” القائمة على السكينة والتوازن. يرد في الأثر: “لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثاً”[56]. هذا الحديث لا يشرعن الجشع ولا يصفه كحقيقة اقتصادية يجب الخضوع لها (كما تفعل الرأسمالية)، بل يذمه ويصف طبيعة النفس غير المُزكّاة، وهنا يبرز الحل الإسلامي ليس في توفير الوادي الثالث (النمو الاقتصادي اللامتناهي المستحيل بيئياً)، بل في “تزكية النفس” لتقنع بما يكفيها، والانتقال من “اقتصاد الرغبة” إلى “اقتصاد الكفاية”.
الخاتمة
إن الآليات الاقتصادية الحديثة المتمثلة في التقادم المبرمج والموضة السريعة ليست مجرد استراتيجيات ربحية محايدة، بل هي تجسيد مادي ومؤسسي لوساوس “الإغواء” و”التزيين” و”الوعد بالفقر”، فهي نظام يقتات على تدمير “الميزان” البيئي واستعباد “الإرادة” البشرية، ومواجهة هذا النظام لا تكون فقط بالتشريعات القانونية (مثل الحق في الإصلاح)، بل تتطلب ثورة روحية تعيد تعريف معنى “النجاح” و”السعادة” بعيداً عن التكاثر المادي، وتستعيد دور الإنسان كـ “خليفة” مؤتمن على الأرض، لا كـ “مستهلك” نهم يلتهم مقدراتها.
إن الأزمة البيئية الراهنة هي مرآة عاكسة لروح الإنسان المعاصر التي أفسدها الترف وأعمتها المادة؛ فقد أثبتت الدراسة أن “التغير المناخي” هو التجسيد الواقعي لآية “إهلاك القرى” عبر آلية “فسق المترفين”، وأثبتت أن الرأسمالية الاستهلاكية، بصفتها النظام الحاضن لهذا الترف، تمثل “الرهط المفسد” الذي يقود الكوكب نحو الهاوية، ووصلت الدراسة إلى نتيجة مفادها أن الخلاص لن يكون تقنياً فقط، بل يجب أن يكون أخلاقياً ومعنوياً؛ فالعودة إلى “الحياة الطيبة” التي توازن بين حق “الخليفة” (الإنسان) وحق “المستخلف فيه” (البيئة)، وتبني نموذج “عمارة الأرض” العَلوي الذي يقدم الاستدامة على الجباية، هو السبيل الوحيد لتجنب “الفساد في البر والبحر”.
الهوامش
[1] باحث في الدراسات الإسلامية من مصر، وطالب بالحوزة الدينية في لبنان.
[2] فخر الدين الطريحي: مجمع البحرين، ج 5، ص 34. (مادة “ترف”).
[3] محمد مهدي النراقي: جامع السعادات، ج 1، ص 51.
[4] الكليني: الكافي، ج 2، ص 316. (باب “حب الدنيا والحرص”، ح 6).
[5] الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 13، ص 58.
[6] الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 16، ص 376.
[7] John Kenneth Galbraith: The Affluent Society, p. 128.
[8] محمد باقر الصدر: اقتصادنا، ص 336.
[9] الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 10، ص 310.
[10] محمد باقر الصدر: اقتصادنا، ص 335.
[11] الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 20، ص 352.
[12] Donella H. Meadows, et al.: The Limits to Growth, p. 23.
[13] الكليني: الكافي، ج 2، ص 131. (باب “حب الدنيا والحرص”، ح 1).
[14] الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 16، ص 196.
[15] م.س.، ج 2، ص 275.
[16] م.س.، ج 18، ص 61.
[17] ناصر مكارم الشيرازي: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج 13، ص 113.
[18] صدر الدين الشيرازي: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج 6، ص 117.
[19] الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 13، ص 116.
[20] م.س.، ج 7، ص 77.
[21] الكليني: الكافي، ج 2، ص 374. (باب “الذنوب”، ح 2).
[22] الطبرسي: مجمع البيان في تفسير القرآن، ج 6، ص 234.
[23] الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 13، ص 58.
[24] فخر الدين الطريحي: مجمع البحرين، ج 5، ص 236. (مادة “فسق”).
[25] الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 13، ص 58.
[26] محمد باقر الصدر: المدرسة القرآنية (التفسير الموضوعي)، ص.ص. 133-134.
[27] الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 8، ص 346.
[28] م.س.، ج 10، ص.ص. 39-40.
[29] الأمم المتحدة: تقرير مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية (ريو دي جانيرو، 3-14 حزيران/يونيو 1992)، المجلد الأول، ص 26. (القرار 1، المرفق الثاني: جدول أعمال القرن 21، الباب 4، الفقرة 4.3).
[30] محمد باقر الصدر: اقتصادنا، ص 523.
[31] محمد سعيد صباريني ورشيد الحمد: البيئة ومشكلاتها، ص 185.
[32] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 18، ص 165.
[33] ناصر مكارم الشيرازي: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج 13، ص 196.
[34] محمد جواد مغنية: التفسير الكاشف، ج 6، ص 146.
[35] الشريف الرضي (جامع): نهج البلاغة، ص 437. (من كتاب له للأشتر النخعي، رقم 53).
[36] م.س.، ص 242، خطبة 167.
[37] م.س.، ص 533، باب “حكم أمير المؤمنين”، ح 328.
[38] Bernard London: Ending the Depression Through Planned Obsolescence, p. 2.
[39] William Stanley Jevons: The Coal Question, p. 103.
[40] Markus Krajewski: “The Great Lightbulb Conspiracy,” IEEE Spectrum, vol. 51, no. 10, p. 58.
[41] Kirsi Niinimäki, et al.: “The Environmental Price of Fast Fashion,” Nature Reviews Earth & Environment, vol. 1, no. 4, pp. 189-190.
[42] Agence France-Presse (AFP): “Chile’s desert dumping ground for fast fashion leftovers,” France 24.
[43] Tom Grant: “Dead White Man’s Clothes,” ABC News.
[44] Oxfam International: Confronting Carbon Inequality, p. 2.
[45] Oxfam International: Carbon Billionaires, p. 8.
[46] Tim Kasser: The High Price of Materialism, p. 22.
[47] الكليني: الكافي، ج 1، ص 46. (باب “نوادر فضل العلم”، ح 1).
[48] الكليني: الكافي، ج 6، ص 441. (كتاب الزي والتجمل، باب “لباس الشهرة والخيلاء”، ح 4).
[49] الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 13، ص 116.
[50] م.س.، ج 10، ص 309.
[51] الحر العاملي: وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ج 25، ص 434. (كتاب “إحياء الموات”، باب “أن الناس شركاء في ثلاثة”، ح 32296).
[52] الطوسي: المبسوط في فقه الإمامية، ج 3، ص 275.
[53] محمد باقر الصدر: اقتصادنا، ص 530.
[54] السيد علي الخامنئي: “بيان بمناسبة أسبوع الموارد الطبيعية”، الموقع الرسمي لمكتب حفظ ونشر آثار الإمام الخامنئي.
[55] السيد علي الحسيني السيستاني: “المشتركات”، الموقع الرسمي لمكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني، تم الدخول في 28 كانون الثاني/يناير 2026، https://www.sistani.org/arabic/qa/0719/.
[56] الطبرسي: مجمع البيان في تفسير القرآن، ج 10، ص 421. (تفسير سورة التكاثر).