مفهوم الواقعية يعود في نشأته إلى عهد أرسطو، الفيلسوف اليوناني الذي واجه مثالية أفلاطون الذي اعتبر أن الحقائق الحقيقية هو عالم المُثُل والأفكار، وأن العالم المادي مجرد ظل وانعكاس.
إلا أن أرسطو يرى أن الحقيقة تكمن في الوجود المادي الخارجي الحسي الخاضع للتجربة والخبرة في الحياة، كأدوات لمعرفة هذا الواقع وهذه الحقائق. وذهب بعد ذلك جون لوك الفيلسوف الإنجليزي إلى أن الإنسان يولد وعقله صفحة بيضاء، وأن المعرفة تأتي من الحس والتجربة، أي من الواقع الخارجي المادي.
فالواقعية تنطلق من الواقع ـ أي مما هو كائن ـ لا مما ينبغي أن يكون، لذلك تستحضر الواقعية مفاهيم مثل المصلحة، والقوة وتوازن القوى والردع، لتفسر ما تقوم به الدول، ولماذا هي تقوم بذلك؟ وماذا عليها أن تعمل، فهي اتخذت الدولة أساسا في انطلاقتها التنظيرية، لأنها تعتبر الدولة الكيان الوحيد ذي السيادة المطلقة التي لا يمكن التنازل عنها تحت أي ظرف من الظروف.
إذن يرتبط مفهوم الواقعية بالمعرفة، وكيفية تحصيلها، وما هي أدواتها. فالواقعية في العصر الحديث عززت المنهج التجريبي الذي يركز على الملاحظة والتحقق من الحقائق في العالم المادي، بالتالي حصرت المعرفة في مصدرين رئيسين هما الحس والتجربة التي تعتمد على الملاحظة والاستنتاج، أي الاستقراء التجريبي الذي ينتقل من الخاص في استقرائه إلى العام في نتائجه.
وبذلك تأسس مفهوم الواقعية من أرسطو إلى اليوم في الحضارة الغربية المتأثرة بفلاسفة اليونان والرومان على مصادر مادية للمعرفة، ولم تتعد هذه المصادر.
والواقعية في الفلسفة الغربية هي وجهة النظر التي تؤكد أن للعالم الخارجي وجوداً موضوعيّاً مستَقِلّاً عن العقل والإدراك البشري.
وترتكز الواقعيّة الغربية على ثلاثة محاور رئيسيّة:
1ـ الاستقلال عن الإدراك، أي أن العالم المادي والطبيعي له وجود مستقل عن الذات العارفة أو الوعي الإنساني.
2ـ طبيعة المعرفة: المعرفة تكتسب في المقام الأول من خلال التجربة الحسيّة، والملاحظة للعالم الخارجي، وليس من التأملّات العقلية وحدها. فهي تؤمن بالتكامل بين الحواس، لكنها تمنح الأولوية للمادة والتجربة كمصدر للمعلومات لتحقيق المعرفة، بالتالي ترتكز على المنهج التجريبي باعتباره الوسيلة الموثوقة للوصول إلى الحقائق.
3ـ الحقيقة الموضوعية: فالحقيقة موجودة في الواقع الموضوعي، ويمكن للبشر اكتشافها والاقتراب منها، حتى لو يتمكنوا من فهمها بشكل كامل دفعة واحدة.، ومهمة الفلسفة والعلم هي فهم هذا الواقع كما هو، لا محاولة خلقه أو إعادة بنائه ذهنيّاً.
وقد ظهرت أنواع عديدة للواقعية عبر التاريخ الغربي:
ـ الواقعية الكلاسيكية: الوجود الحقيقي للكليّات في الأشياء نفسها ورائدها أرسطو ردّاً على مثالية أفلاطون، وتعتبر أن الطبيعة الإنسانية هي أساس الشرور، وهو اعتقاد يرتكز في عمقه إلى أبجديات العقيدة المسيحية حول الخطيئة والإنسان، ونظريات تومس هوبز حول الدولة ومدى تأثيرها في الفكر السياسي، حيث اعتبر أن أصل كل شيء هو من أصل مادّي، وأن الإنسان مطبوع على حب الذات، والأنانية نتيجة فساد تكويني طبيعي فيه، فأفعاله مدفوعة بمصلحته الشخصية، بالتالي الإنسان يميل نحو الأنانية وليس الاجتماع، فهو في طبيعته شرير ومتوحش، أي مطبوع علي شر جذري بحسب توصيف كانط للحالة الطبيعية للإنسان.
ـ الواقعية الساذجة: ما ندركه يطابق تماما الواقع الخارجي دون تدخل من العقل.
ـ الواقعيّة النّقديّة: الحواس قد تخطئ وتخدع، والإدراك ليس صورة مطابقة تماما للواقع الخارجي، لكنه تمثيل دقيق للواقع الخارجي، لذلك هناك حاجة للفحص النقدي والتفكير العلمي، ومن روّادها جون لوك.
ـ الواقعية الجديدة: ظهرت في القرن العشرين، وهي تنطلق من نفس منطلقات الكلاسيكية في قضية بحث الدولة عن مصلحتها وقوتها، إلا أنها تختلف معها في مسألة المنطق الذي تنطلق منه وترتكز عليه، فهي تنطلق من بنية النظام الدولي لا الطبيعة البشرية، الذي حسب وصف الواقعية الجديدة يتمتع بالفوضوية، وعدم وجود سيادة يمكن أن تفرض وجودها على الدول.
وظهرت هذه المدرسة من قبل مجموعة من الفلاسفة الأمريكيين، مثل رالف بارتون بيري، وإدوين هولت، حيث تؤكد أن الأشياء المُدرَكة موجودة مباشرة في الوعي، ولا تحتاج إلى تمثيل عقلي وسيط. وفي داخل هذه المدرسة اختلاف في حجم ومقدار القوة التي يجب على الدولة مراكمتها، وتراوحت فيها وجهات النظر بين الواقعية السياسية الدفاعية، وتلك الهجومية.
فالواقعية الدفاعية الذين مثلهم كينث والتز، يعتقدون أن الدولة عليها أن تراكم القوة بما يسمح لها حفظ وجودها وتحقيق توازن القوى الأخرى المنافسة.
والواقعيّة الهجومية التي يمثلها جون ميرشايمر، فترى أن لا وجود لحد معين في تراكم القوة، إذ أن الدولة تظل تزيد من رصيد قوتها لتصل إلى مرحلة الهيمنة لا التوازن كما هو الحال عند الدفاعية.
فالواقعية تهتم بـ “فهم الواقع، وغالباً ليس فهم الحقيقة” وهو سؤال تعود جذور إجابته إلى فهم نظرية المعرفة، أي كيف نعرف، وما هي مصادر المعرفة، وما هي قيمة ما عرفناه. فعندما تلتزم إدراكيّا بطريقة متحيّزة معرفيّاً بحصر معرفة الواقع بالحس والتجربة، لتكون القراءة للواقع محصورة في البعد المادي، بالتالي لا يمكن الادّعاء هنا أننا نبحث عن الحقيقة، بل نحن هنا نريد قراءة الواقع الخارجي كما هو، والذي هو عبارة عن تفاعل الإنسان معه كما هو لا كما ينبغي أن يكون، والفرق أنه في الأول نسلم للواقع كما هو ونبني عليه استراتيجياتنا، والثاني تكون لإرادتنا مدخليّة في تغيير الواقع ليكون كما ينبغي أن يكون، هذا فضلا عن محاولة قراءة هذا الواقع على ضوء قوانين التاريخ وسننه.
إذا الواقعية الغربية تنفي دور العقل في إدراك الحقائق الخارجية، وتعتمد على المنهج التجريبي الحسي المادي، ولا تعتبر أي دور للبعد المعنوي الغيبي، ولا مدخليّة لإرادة الإنسان في هذا الواقع المُدْرَك، بالتالي هي تتعامل مع هذا الواقع الخارجي كمسلّمة جبرية على الإنسان الإذعان لها كحقيقة، فهي حصرت الحقيقة في الطبيعة المادية الخارجية، صحيح أن الواقعيّة الجديدة نظرت إلى تعقيدات الواقع الخارجي ودور هذه التعقيدات في صناعته وصياغته، إلا أنها استمرت في نظرتها الأحادية الماديّة له، ولم تنظر إلى الدوافع والإرادات التي تحرك بعض المجموعات البشرية لتغيير واقع يصنعه الاستعمار، وصناعة واقع تحرّري بعيداً عن إرادة المستعمِر.
فالواقعية وفق النظرة الغربية تعتمد في تعريفها على ركائز معرفية أهمها الحس والتجربة، فهي تركز على الحقائق الملموسة والخبرة الحسيّة للإنسان كأداة للمعرفة وتشكيل الرؤية حول الكون، وحول استراتيجيتنا في التعامل مع هذا الكون من بعد حسّي تجريبي، بما يشمله هذا الكون ويشكله من علاقات، أهمها علاقتنا مع الطبيعة ومع نظراؤنا من البشر، ومع فكرة الله تعالى.
والواقعية مع الطبيعة تعني اكتشاف هذه الطبيعة وقوانينها الحاكمة من خلال منهج الاستقراء الحسي التجريبي الذي يعتمد على الملاحظة والتجربة والخبرة المتراكمة للبشر، وهذا لا نختلف معه لأن الطبيعة نظام محكم القوانين والسنن، ووظيفة الإنسان هو اكتشاف هذا النظام وإدراك قوانينه وتوظيفه في صالح خير البشر جميعا، وتحقيق العدالة في الثروات والقدرات والمنافع والمصالح والقوة والقدرة، لا أنها تصب في صالح فئة بذاتها تتحكم بهذه القوانين لتحقيق مصلحتها الخاصة، حتى لو كانت هذه المصلحة لا تخدم مصالح الناس ومنافعهم ولا تحقق العدالة، وهذا لا يعني أن الإنسان هنا يقف موقف المكتشف فقط، بل لعقله دورا محوريّا في فهم هذه القوانين وإدارتها، والعمل على تسخيرها في خدمة البشرية، لكنه ليس له إرادة التّدخل في تغييرها، لأن قوانين وسنن الطبيعة من السنن الحتمية غير القابلة للتغيير، فلا يمكن أن أجعل الحديد ينصهر بالبرودة، ولا يتجمد بالحرارة.
أما الواقعية السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية، وهي واقعية تتعلق بالإنسان وما تربطه من علاقات مع الطبيعة والبشر فهذه لها قراءة مختلفة عن الواقعية مع الطبيعة، لأنه لا يمكن أن نطبق قوانين الطبيعة ومنهج تعاملنا معها على البشر بشكل مطلق، فهناك فارق كبير في الماهية، وبالتالي في منهج الاكتشاف، وإن كان هناك بعض المشتركات، إلا أنها مشترك خصوص وعموم من وجه وليس بالمطلق.
الواقعية السّياسيّة بين الشعارات وإرادة الإنسان
من المُسَلّم به منطقيّا هو عدم إنكار الواقع الخارجي، وأن وجوده هو وجوداً حقيقيّاً وليس ذهنيّا فقط كما ذهبت إلي ذلك بعض المدارس الفلسفية، فالوجود الخارجي يختلف عن الوجود الذهني في موضوع الأثر، أي ترتب الأثر، فالإنسان الموجود في الخارج قائم لا في موضوع قائم ، بما أنه جوهر، بل يصح أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة بما أنه جسم، وبما أنه نبات و حيوان وإنسان، ذو نفس نباتية وحيوانية وناطقة، ويظهر معه اثار هذه الأجناس والفصول وخواصها، والإنسان الموجود في الذهن المعلوم لنا ذاتا، واجد لحدّه، غير أنه لا يترتب عليه شيء من تلك الآثار الخارجية، كما ذهب إلى ذلك العلّامة السيد الطباطبائي.
ولا يمكن إنكار الواقع بما هو، لكننا أيضا لا يمكننا التّسليم به كما هو، بمعنى أن الواقع الخارجي هو مزيج من قوانين الطبيعة وتفاعلات البشر معها ومع بعضهم البعض، على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وكلها تحكمها مجموعة من القوانين والتعقيدات التي لا يمكن تبسيطها بمجرد أنها واقع مادي محض تغيب عنه يد القدرة الإلهيّة، ولا مدخلية فيه لإرادة الإنسان وقدرته على تغيير هذا الواقع وتحويل مساراته عما هي عليه، ولا نستطيع ادعاء أن الواقع الخارجي منفصلٌ عن الواقع الذهني، وأعني هنا، أن الواقع الخارجي جزء كبير منه هو من مسار تطبيقي لأفكار الإنسان، فلا انفصال تامّ بينهما، فالواقع الخارجي خاصة في بعده السياسي والاجتماعي والاقتصادي هو عبارة عن تفاعل أفكار الإنسان مع الواقع الخارجي.
وقد تسرّب مفهوم الواقعيّة السياسيّة بشكله المنحاز ماديّاً إلى الخريطة الذهنية لكثير من النخب في العالم العربي والإسلامي، وخاصة بعد عملية طوفان الأقصى وما تلاها من أحداث، ارتفعت الأصوات التي تنادي وبشكل عميق بقراءة الواقع الجديد لكن بطريقة استسلاميه، وكأنه مساراً جبريّاً لا خيار فيه ولا إرادة للإنسان في تغيير هذا الواقع، إذ نظر للواقع الخارجي بمنظار فائض القوة المتوحشّة، لا بمنظار قدرة الإنسان على التغيير وتحدي الواقع الخارجي بمنظور غيبي، تم تغييبه بشكل متعمد أو غير مقصود عن خريطة الذهن التي تريد قراءة الواقع الخارجي، وتريد أن تفرض قراءتها في رسم مصير أمة بأكملها، بطريقة يمكن أن تكون نهاياتها عبوديّة للمُسْتَعمِر، وتكريساً لبطشه بحجة القراءة الواقعية بذهن مادّي جبري دارويني محض.
لذلك يطرح هنا تساؤلاً مهمّا حول الواقعيّة السياسيّة، ودور الإرادة الإنسانية في معاكسة الواقع وصناعة واقع جديد، فهل هذه الواقعية الماديّة جبريّة لا مدخليّة لإرادة الإنسان فيها؟ وكيف يمكن لهذه الإرادة أن تغير مسارات تاريخيّة تخالف النهج السياسي الدارويني القائم على البقاء للأقوى، وما تعتقده النظرية الواقعية في أن القوة وتوازن الردع مطلوبة بالذات لحفظ الدول من الشرور المحيطة؟
لقد وقع الغرب في فخ الجبر مجدّدا حينما طبقوا فهمهم للطبيعة وملابساتها وإخضاعها معرفيا للحس والتجربة على فهم التاريخ، وأنكروا أي دور لإرادة الإنسان الحرة في صناعة التاريخ وحركة التغيير، بل تمادوا في مواجهة الإرادات الحرة، التي لم ترضخ لواقعهم الذي صنعوه وفق مقاساتهم الاستعماريّة بالحصار الاقتصادي والتجويع، ومحاولة تقويض الأمن ونفي الوجود، والتطهير العرقي، في مواجهة علنيّة وصريحة مع قوانين التاريخ أي سننه، التي لا يقبل بعضها التحدّي، وبعضها إن تم تحدّيه فإنه ينقلب على من تحدّاه ويعود لمساره السّنني التاريخي الصحيح، وخير دليل قراءة التاريخ وفهم مجريات الأحداث فيه وانتزاع قوانينه لفهم واقعه، وفهم كيف يمكن للإنسان السير في مساراته الصحيحة.
وقد كتب ريتشارد لوكس عالم الاجتماع الأمريكي محاولة معرفية لاستقراء فكرة التغيير (تغيير الواقع الخارجي) التي طرحها العلامة الشهيد السيد محمد باقر الصدر في كتابه: “السنن التاريخية في القرآن الكريم”، بعنوان “الأسس الكلامية الإسلامية للتغيير ـ مقاربة لنظرية “السنن التاريخية” عند العلامة محمد باقر الصدر.
أطل من خلالها على بعض وجوه هذه النظرية الاجتماعية محاولاً تقديمها كفهم عميق ومعقد للساحة التاريخية، في ظل تشابكات في فهم تلك الساحة بين فهم قوانين الطبيعة وتعميمها على الساحة التاريخية، وعدم قدرة الإنسان صناعة التاريخ وكتابته، وهي قناعة مازالت في الغرب في رؤيته للتاريخ وقوانينه.
قال في تلك الدراسة: “إن رسالة السيد محمد باقر الصدر: “السنن التاريخية في القرآن”، لافتة للنظر بقدر ما هي قصيرة. فلقد حاول أن يصل إلى حل ـ في الإطار الإسلامي طبعاً ـ للمشكلة الكلامية القديمة المتعلقة بالقضاء والقدر وحرية الإنسان. ولربما كان الاختصار الذي امتاز به تصوره في هذا العمل هو سبب نجاح نموذجه المرسوم فيه.
ولكن قبل دراسة آليات هذا النموذج وطريقة الصدر الممتازة في عرضها، من المهم أن نأخذ بعين الاعتبار الهدف العام الذي يسعى هذا الجهد إلى تحقيقه؛ فهذه الرسالة في الأساس هي إسلامية في أساسها ومنظورها يدور حول طبيعة التغير التاريخي حين تتزاوج الإرادة الإنسانية مع توجهات غائية نحو مثال أعلى في العقل الإنساني، وبهذا يصبح تغيير مسار التاريخ ممكناً، ويشكل هذا بحد ذاته “سنَّة إلهية” هي في نفس الآن السنَّة التاريخية.
باختصار شديد، إن عمل الصدر الفريد هذا يتركز على فهم معضلة التغيير في علم الكلام الإسلامي، وهكذا يبدأ الصدر عمله من دون كثير مناقشة للسنن الإلهية التاريخية هذه والنظريات حولها ومصادرها وتطوراتها.
دراسة ريتشارد لوكس حول الأسس الكلامية الإسلامية للتغيير سلطت الضوء على رؤية الشهيد محمد باقر الصدر حول السنن التاريخية في مقارباته حول التغيير، وروى حكاية الصدر وإبداعه في هذا الصدد.
يقول لوكس في دراسته: يعكف السيد الصدر على الأجوبة، ليصف سنن التاريخ هذه بأنها مشتقة من القرآن نفسه، سواء من حيث أهمية آياته، أو من حيث الاصطلاحات المستخدمة لتوصيفها. لذا يبدأ بإيضاح وجهين أو اعتبارين لهذه السنن:
الأول: يتعلق بالله تعالى فقط، ولذلك فهو “فوق” منظور التاريخ.
الثاني: هو مرتبط بالبشر، وتالياً بالمساعي الإنسانية القائمة على الإرادة والاختيار، فيقول في هذا الصدد: …”القرآن الكريم ليس كتاباً كسائر الكتب، ولم يقدم نفسه ليجمِّد في الإنسان طاقات النمو والإبداع والبحث، وإنما هو كتاب هداية. لكن مع هذا يوجد فرق جوهري بين الساحة التاريخية وبقية ساحات الكون. هذا الفرق الجوهري يجعل من هذه الساحة ومن سننها أمراً مرتبطاً أشد الارتباط بوظيفة القرآن ككتاب هداية، وذلك خلافاً لبقية الساحات الكونية الأخرى للمعرفة البشرية. ومع أن القرآن الكريم كتاب هداية إلا أنه يختزن عملية تغيير عُبِّر عنها في الآيات بإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
وعملية التغيير هذه فيها جانبان:
الجانب الأوّل: جانب المحتوى والمضمون، في ما تدعو إليه هذه العملية التغييرية من أحكام ومناهج وما تتبناه من تشريعات. وهذا الجانب من عملية التغيير هو جانب رباني سماوي يمثل شريعة الله سبحانه التي نزلت على النبي محمد(ص)، وتتحدى بنفس نزولها كل سنن التاريخ المادية، لأن هذه الشريعة كانت أكبر من الجو الخاص الذي نزلت فيه، ومن البيئة التي حلت فيها، ومن الفرد الذي كلف بأن يقوم بأعباء تكليفها.
الجانب الثاني: عملية التغيير التي أطلقها النبي(ص) وأصحابه الأطهار. هذه العملية ينبغي أن تُلحظ بوصفها عملية اجتماعية متجسدة في جماعة من الناس هم النبي والصفوة من الصحابة، وبوصفها عملية واجهت تيارات اجتماعية مختلفة من حولها واشتبكت معها في ألوان من الصراع والنزاع العقائدي الاجتماعي والسياسي والعسكري. حينما تؤخذ هذه العملية التغييرية بوصفها تجسيداً بشرياً واقعاً على الساحة التاريخية، ومترابطاً مع الجماعات والتيارات الأخرى التي تكتنف هذا التجسيد، والتي تؤيد أو تقاوم هذا التجسيد، من هذه الزاوية تكون عملية بشرية، حيث يكون هؤلاء أناساً مثل سائر الناس تتحكم فيهم إلى درجة كبيرة سنن التاريخ التي تتحكم في بقية الجماعات وفي بقية الفئات على مر الزمن.
إذن، عملية التغيير القرآنية التي مارسها النبي(ص) ذات وجهين كما يبين السيد باقر الصدر:
أوّلاً: من حيث صلتها بالشريعة وبالوحي هي ربانية، فوق التاريخ.
ثانياً: من حيث كونها عملاً قائماً على الساحة التاريخية، أو من حيث كونها جهداُ بشرياً يقاوم جهوداً بشرية أخرى تعتبر عملاً تاريخياً تحكمه سنن التاريخ، وتتحكم به الضوابط التي وضعها الله سبحانه لتنظيم ظواهر الكون في هذه الساحة المسماة بالساحة التاريخية… لذا لا تتخيلوا ـ كما يذكر الصدر ـ أن النصر حق إلهي لكم، وإنما النصر حق طبيعي لكم، بقدر ما يمكن أن توفروا الشروط الموضوعية لهذا النصر بحسب السنن والشروط المنطقية التي وضعها الله سبحانه كونياً لا تشريعياً… فالكلام هنا كلام مع بشر، مع عملية بشرية لا مع رسالة ربانية.
بل أن القرآن الكريم يذهب إلى أكثر من هذا، يهدد هذه الجماعة البشرية التي كانت أنظف وأطهر جماعة على مسرح التاريخ باستبدالها بغيرها ما لم تقم بدورها التاريخي، أو إذا لم تكن على مستوى مسؤولية رسالة السماء. هذا لا يعني أن تتعطل رسالة السماء، ولا يعني أن تسكت سنن التاريخ عنهم، بل ثمة عملية تغيير تتم عبر عملية الاستبدال الإلهي للجماعة البشرية المقصَّرة.
إن سنن التاريخ سوف تعزل تلك الجماعة، وسوف تأتي بأمم أخرى تهيأت لها الظروف الموضوعية الأفضل كي تلعب هذا الدور، ولكي تكون شهيدة على الناس إذا لم تتهيأ لهذه الأمة الظروف الموضوعية لهذه الشهادة: (إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التوبة: 39) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة: 54).
فشروط تغيير الواقع الخارجي مرتبطة بوجود مجموعة كافية في المجتمع، قادرة على تغيير محتواها الداخلي، وتمتلك إرادة وعزم في العمل على انعكاس واقعها الداخلي الذي جهدت في تغييره وتزكيته على محيطها للنهوض بواقع مجتمعها، وهذه الجماعة متراصة في غاياتها وأهدافها وفي وسائلها ومنهجها، ومتّسقة في ذلك مع إرادة المثل الأعلى وهو الله تعالى. وإن لم تتوفر هذه اللوازم في جماعة كافية فإن الاستبدال سيكون نتيجة حتمية وفق السنن القرآنية.
إذن، فالقرآن الكريم إنما يتحدث من خلال هذا الوجه الثاني في عملية التغيير، مع البشر في ضعفه وقوته، في استقامته وانحرافه، في توفر الشروط الموضوعية له وعدم توفرها.
“إن ما صاغه الصدر هنا، بالإضافة للكلمات التي اختارها، ومع أنه مستمد من القرآن مباشرة إلا أن مضامينه راديكالية بكل معنى الكلمة. وما أعنيه براديكالية هو أن الذين كانوا سيتوصلون إلى هذه النتائج المنطقية من هذه الآيات القرآنية لا يتجاوزون القلة اليسيرة. أي القول بأن المسؤولية الإنسانية القائمة على تكليف الإرادة البشرية إنما يشمل حتى النبي وأصحابه؛ أي في سياق إيصال “الرسالة السماوية” التي تقول ان الناس إذا فشلوا في إيجاد الظروف الموضوعية المؤدية للنصر وإيصال الرسالة، فمن المتصور أن تؤخذ الرسالة منهم وتعطى مسؤولية تبليغ الإسلام إلى مجتمع آخر. بالطبع يظهر التاريخ أنهم نجحوا آخر الأمر، ولكن التكليف الوارد في الآيات يشير إلى أن هذا ـ وعلى الأقل بالنسبة لمتلقِّي الرسالة ـ لم يكن أبداً أمراً مفروغاً منه خاصة أنه يعتمد على صراع الإنسان مع نفسه ومع الآخرين. وبالطبع فإن المضمون الأكبر لهذه النظرة، هو أن التاريخ حمّال أوجه بالنسبة إلى البشرية جمعاء؛ يتماهى هذا مع طبيعة القرآن الجوهرية ككتاب هداية يسعى إلى إخراج الناس “من الظلمات إلى النور”، أي إنه ببساطة: “كتاب تغيير”.
وعلى ما أورده السيد الصدر، فإن التاريخ الإنساني قابل لمجموعة مميزة للغاية من السنن المتعلقة باجتماع الإرادة الإنسانية مع الجهد الموجَّه نحو هدف مستقبلي. ولعل أحد أبرز وجوه هذه النظرية هي أن النصر أو الهزيمة في جميع مساعي الإنسان يعتمد على توفير الإنسان “الشروط الموضوعية”، أو الظروف الموضوعية لتحقيق مسعاه”.
وهنا يبرز بشكل جدا جلي أن هذه السنة القرآنية في عملية التغيير الاجتماعي تشمل حتى الأنبياء، بل هم الأولى بها كونهم بعثوا لإحداث التغيير الاجتماعي وتحقيق النهضة والعدالة، بالتالي هم الأولى في تقديم نموذج في تجلية هذه السنن الإلهية وتأدية تكليفهم على أكمل وجه، في توفير كل الشروط الموضوعية لتحقيق هذا الهدف الإلهي المنشأ، والبشري الطموح والسعي.
ولا أعتقد أن ما توصل إليه الشهيد محمد باقر الصدر يمكن توصيفه بالراديكالي إلا من وجهة نظر الكاتب، فالسنن قوانين تحكمها شروط كي تتحقق، وهي بذلك لا تميز بين أفراد البشر، بل كسنة مرتبطة تكوينياً بالنظام الكوني، فلتحقيق النتيجة (الهدف) لا بد من إحراز المقدمات ومجموعة الشروط الموضوعية، وإرادة الإنسان وهدفيته هي شروط لتحقيق العلة التامة لإحداث التغيير الاجتماعي، كما أن المطر كي يحدث لا بد من توافر مجموعة من الأسباب والشروط وبدونها لا ينزل المطر.
وكما استطاع علماء الطبيعة الوصول لمرحلة التحكم في قوانين الطبيعة، وتوفير شروط ومتطلبات المطر، كذلك يستطيع الإنسان التحكم ورسم مصيره وقدره، من خلال هذا النظام السنني القرآني، الذي شاء الله تعالى أن يكون بإرادة واختيار الإنسان، وهذا لا ينفي التدخل الإلهي، بل يعني تحديد المساحة الكبيرة في هذه الحياة الدنيا ليمثل الإنسان فيها وظيفته ودوره، وليتم الإنسان وظيفته، لا بد من توفير مجموعة شروط وأهما إرادة الإنسان وهدفيته وحرية اختياره، وهنا يقول ريتشارد حول هذا الموضوع: “تعمل السنن التاريخية بالترافق مع السنن الطبيعية، لذا يمكن لبعض السنن التاريخية، ان تؤدي إلى حصول سنن كلية أو طبيعية أخرى، ويمكن لهذه الأخيرة أن تكون لها نتائج إيجابية أو سلبية للإنسان، فالله تعالى يُظهر قدره من خلال سننه هذه، بل يمكن القول إن عمل هذه السنن هو عمل القدر نفسه.
إن ما ينتج عن هذه النظرية هي أن الإنسان يشكل أفكاره وأهدافه، وبالتالي أفعاله، على أساس غايته، أو ما أسماه السيد الصدر: “مثله العليا”. قد تكون هذه المثل هي الله تعالى نفسه، أو قد تكون الشر، أو قد تكون الكسب الدنيوي، ولذلك يتوجب على المسلم أن يقوم بالجهاد الأكبر، جهاد النفس، حتى يستوثق من أن محتواه الداخلي متوجه إلى الله تعالى وليس إلى الحياة الدنيا. على جميع الأحوال فليس بالكافي أن يغير فرد أو فردان أو عدد محدود من الأفراد محتواهم الداخلي ليؤثروا في التاريخ، بل يتطلب الأمر عدداً كافياً من الأفراد من أصحاب العقليات المتشابهة، أن يعملوا سوية ليؤثروا في مجتمع كامل من الناس وبالتالي ليغيِّروا مسار التاريخ”.
لكن الكاتب يحاول مطابقة فهم الشهيد الصدر للسنن التاريخية مع الفهم الغربي لها وهو ما عرف بالمادية التاريخية أو الديالكتيكية فيقول: “فإذن، من حيث الوظيفة التي تحملها السنن عموماً والسنن التاريخية خصوصاً فإن هذه النظرية تجعل الإسلام، والقرآن، على علاقة متسقة مع القراءة المادية للتاريخ؛ أو ـ كما أكد السيد الصدر ـ فإن القرآن يستبق ويتوقع ويؤكد على قراءة للتاريخ تشابه معها ما أصبح يعرف لاحقاً بـ”المادية التاريخية أو الديالكتيكية”. لذلك تلعب السنن التاريخية دوراً مزدوجاً: فمن ناحية هي تتيح المجال أمام المسلمين كي يقوموا بقراءة “علمية” لجميع الأحداث التي يمكن لها أن تستوعب فقط من خلال “العقل”، كما تحل إشكالية كلامية كبرى هي مفهوم القضاء والقدر على أنه عمل إرادة الله والتي تجري ببساطة عبر ظواهر و”قوانين” موضوعية قابلة للرصد في الكون بدلاً من أن تلعب وظيفة تتطلب تفسيراً غيبياً. أما الدور الثاني والأهم فهو أنه من الواضح أن المراد بهذه النظرية هو توجيه المسلمين إلى العمل في المستوى والمجالات والتوجهات ذاتها التي تشغل الماديين؛ إذ توضح هذه النظرية أن نجاح الماديين (المراد بهم هنا: “الغربيين”) وخاصة في المجال العلمي التكنولوجي هو نتيجة رصدهم الصحيح وتحكمهم بهذه السنن؛ وبينما كان ابن خلدون سباقاً لهذا الفهم، فقد “ضيع” المسلمون جهده بينما قامت المدارس الأوروبية بالتوصل عبر جهودها إلى هذه السنن والقوانين ذاتها والتي ـ بحسب وجهة النظر هذه ـ ليست إلا ما أعلنه القرآن ودعا إليه.
فما يقوله السيد الصدر هنا باختصار أن المدرسة المادية توصلت إلى النتائج ذاتها التي أخبر عنها القرآن، والتي كاد ابن خلدون أن يتوصل إليها في نظريته حول التاريخ”.
وقد يكون ريتشارد لوكس أوّل فهم الشهيد الصدر للسنن التاريخية القرآنية في التغيير الاجتماعي تأويلا ماديا ليتوافق مع تفوق الغرب المادي، ويؤكد عليه محتجا بالقرآن، ولكن فاته أن ما توصل له الصدر هو في الشأن الاجتماعي الإنساني والذي لا يتوافق مع غلبة الغرب المادية في المجالات التكنلوجية والعلمية، حيث أن السنن الطبيعية تختلف في قوانينها من حيث الشروط والملابسات عن السنن التاريخية، فالأولى هي قوانين خاصة بالعلوم الطبيعية يكون دور الإنسان فيها فقط الربط وتوفير الشروط لإحداث النتيجة، بمعنى أن تحقق شرط سابق يترتب عليه تحقق النتيجة بشكل تكويني طبيعي، بينما ما عناه الشهيد الصدر يكون فيها الوجود في ذهن الإنسان، فالإنسان هنا هو الموجد للهدف وهو المختار للوسيلة وهو المحقق للغاية، فهدف كالتغيير إن لم يكون هدفا للإنسان وفق مجموعة شروط أهمها البناء الداخلي للإنسان والوجود الذهني للهدف أي الوعي، ومن ثم توفر مجموعة كافية أيضا عملت على داخلها ليصبح وفق إرداة الله تعالى، ومن ثم سارت وفق أدوات صالحة لتحقق هدف التغيير فإن الهدف لن يتحقق.
بينما في التفوق التكنلوجي والعلمي لا يتطلب الأمر نهضة داخلية وتزكية داخلية، ولا يتطلب مجموعة كافية ووسائل سليمة، يكفي لشخص أن يكشف قانون طبيعي ويعمد بعد ذلك لإحداث نهضة علمية وتكنلوجية حتى لو كان غير صالح في بنائه الداخلي، نعم هناك شبه خارجي في الفكرة حول الصراع بين الطبقات أو النماذج والمناهج والقديم والحديث في عملية التغيير، ولكن الجوهر مختلف تماماً وأيضاً كثير من الشروط تختلف.
فالمنطلق القرآني يجعل المحور والأصل هو الله، والإنسان هو فاعل في الساحة الإلهية باختياره وإرادته وفق ما أرادت مشيئة السماء أن يكون عليه الحال في هذه الدنيا، وكي تتحقق العملية التغييرية وفق الرؤية القرآنية فلا بد للداخل الإنساني أن ينتظم وفق إرادة الله “المثل الأعلى”، ووفق مجموعة الشروط الأخرى التي ذكرها الصدر في نظريته.
وهو ما لم يكمله الكاتب في دراسته حول مقاربته عن نظرية الصدر في التغيير، والتي أشار لها الشهيد في كتابه المدرسة القرآنية حول الاختلاف الجوهري بين المجتمع الغربي والمجتمع الإسلامي والذي خصصه بعنوان عناصر المجتمع.
وحدد معالم الاختلاف والتشابه، وكان الاختلاف الجوهري يكمن في العلاقة المعنوية بين الإنسان والله، والتي تغيب في المجتمع الغربي وتحضر بقوة في المجتمعات الإسلامية، وهنا جوهر الاختلاف القاعدي والذي يؤدي إلى حتمية الاختلاف الفوقي مهما تشابهت الظواهر.
نعم لا ننكر فعليا فهم الغرب لجانب من النظرية القرآنية، كون القرآن لا يختلف مع العقل بل يكمل العقل وينميه كونه الفاعل المدرك في الدنيا، لكن الغرب بما توصل إليه بعقله وبحثه كان فقط في الجانب المادي العلمي، لكنه أخفق بعمق في الجوانب المعنوية والتغييرات الإجتماعية لتحقيق النظام الأكمل لسعادة الإنسان، وهو ما عناه الشهيد الصدر في محاولته لكشف السنن التاريخية قرآنيا ودفع المجتمعات للتغيير ولكن وفق محورية الله في موضوع التغيير، لا محورية الإنسان فقط، حتى يتحقق النظام الأكمل للسعادة الإنسانية في الدنيا والآخرة.
ونختم هنا هذه الإطلالة السريعة على الدراسة بما قاله الكاتب ريتشارد حول ساحة السنن التاريخية كما يراها الشهيد محمد باقر الصدر، والتي توضح واقعية الفرق الجوهري في رؤية الشهيد عن النظرية الديالكتيكية والمادية فيقول: “فإن العلاقة التي يتميز بها العمل الذي تحكمه سنن التاريخ هو أنه عملٌ هادفٌ، ويرتبط بعلة غائية سواء كانت هذه الغاية صالحة أو مذمومة، نظيفة أو غير نظيفة. وهذه الغايات التي يرتبط بها هذا العمل الهادف المسؤول تؤثر من خلال وجودها الذهني في نفس العامل لا محالة، فتمنحه بذلك من الطموح والتطلع المستقبلي ما يستطيع معه أن يجسد ذلك الوجود الذهني حقيقة خارجية. إذن المسستقبل أو الهدف الذي يشكل غاية النشاط التاريخي يؤثر في تحريك النشاط، وفي بلورته من خلال الوجود الذهني، أي من خلال الفكر الذي يتمثل فيه الوجود الذهني للغاية، حينئذ يؤثر في إيجاد هذا النشاط.
إذن، لقد حصلنا الآن على مميز نوعي للظاهرة التاريخية غير موجود بالنسبة إلى سائر الظواهر الأخرى على ساحات الطبيعة المختلفة، وهذا المميز يتمثّل بظهور علاقة فعل بغاية، ونشاط بهدف، بحسب التعبير الفلسفي. فالمستقبل يحرك هذا الفعل من خلال الوجود الذهني، أي الفكر الذي يرسم للفاعل غايته. وإذن فموضوع السنن النوعية للتاريخ هو ذلك الجزء من الساحة التاريخية الذي يمثل عملاً له غاية، عملاً يحمل علاقة إضافية إلى العلاقات الموجودة في الظواهر الطبيعية، وهي العلاقة بالغاية والهدف، وبالعلة الغائية”.
وهذا التمييز الواضح لا يلغي التغيير السلبي، بل يوضح أن الهدف والغاية سواء كانت إيجابية أو سلبية فهي شرط مهم للتغيير الاجتماعي، سواء كان تغييرا سلبيّاً أو إيجابيّاً.
وهنا عدة نقاط مهمّة يمكن استخلاصها على ضوء ما يجري من أحداث منذ طوفان الأقصى إلى الآن:
1ـ إن ما حققه محور أمريكا ـ إسرائيل ـ الغرب من إنجازات ضد مشروع المقاومة في المنطقة لا يخرج عن السنن التاريخية، فالسنن قوانين تحكمها إرادات، ما أن تأخذ هذه الإرادات بهذه القوانين وتحكم حبكتها وفق القواعد فإنها بذلك ستتحكم بالنتائج وتحقق الغايات، لذلك تحقيق هذه الإنجازات من قبل محور أمريكا و أتباعها يمكن أن يكشف لنا واقعا كانت تغطّيه الشعارات أكثر مما يغطيه الفعل الإنساني وفق قراءة موضوعية عميقة للواقع الخارجي وتغيراته المتسارعة، وبناء قدرات تتناسب معه ومع الاستطاعة.
2ـ إن انكشاف الخلل لا يعني نهاية الحدث، بل إن تقدم محور أمريكا وإسرائيل يدفعنا لفهم الواقع وقراءته بموضوعية شديدة بعيدا عن الشّعارات، لكن ليس على الطريقة الماديّة الخالصة، وإنما وفق نظرة واقعية ممزوجة بالمنظور السنني القرآني، أي هي دمجا بين التجربة البشرية الخارجية والتي صنعت الواقع الخارجي، ومنطوق العقل والنص، الذي يريد أن يقارن هذا الواقع بالشروط القرآنية للتغيير، ويكشف مكامن الخلل ويعالجها، والخلل ليس بالضرورة خللا في التجهيزات الماديّة واللوجيستية، بل الخلل الأكبر هو في الداخل الإنساني ومنهجه في التزكية والتعليم، لأن شرط التغيير الذي يعد حجر الأساس هو أن تقوم مجموعة كافية في مشروع التزكية والتعليم وفق المنظور القرآني وتؤثر في محيطها الخارجي لتستطيع النهوض، وهو ما يفرض على السائرين في طريق البحث والتحرّي عن أسباب الإخفاق والتراجع، لأخذ هذا الشرط الجوهري في حسبان مراجعتهم وتقييمهم كمقدمة أساسية وجوهرية في إعادة النظر وتطوير المسار، فليست القوة الماديّة هي الأساس، بل الأساس في تغيير الجوهر تغييرا حقيقيا لا شعاراتيّا ولا ظاهريّاً فقط، بل تتكامل فيه التغييرات الداخل نفسيّة مع الشعارات والظاهر، بما ينعكس على مسار الجماعة ككل، ليتحقق التغيير الحقيقي متكاملاً مع الإعداد والاستعداد المادّي وفق القدرة والاستطاعة.
3ـ إن قراءة الواقع ومعطياته بعيدا عن الانفعال والعاطفة مطلباً موضوعيّاً في التقييم، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى دليل للاستسلام وقبول هذا الواقع كما هو، بل قراءة الواقع تأتي كمطلب تغييري نقدي، نحاول من خلاله فهم مجريات الأحداث، ونقاط الضعف والقوة، وتحريك الإرادات باتجاه تغيير هذا الواقع بعد تحسين الشروط وتطوير مستلزمات التغيير، فالهدف لم يتغير، لكن ما تغير هو سوء إدارة المعطيات الواقعية، وتقصير في توفير الشروط اللازمة وفقن السنن التاريخية لتحقيق الهدف الأسمى.
4ـ إن التحيزات المعرفية والإدراكية المتسلحة بإيديولوجيا الشعارات لا يمكنها أن تعتبر منطلقاً في قراءة الواقع وفهم ملابساته، لأنها ستعيق فهم الحقيقة مهما حاولت قراءة الواقع الخارجي، فتحيزاتها ستشكل حاجزاً معرفياً لفهم الحقيقة، لذلك لا بد من قراءة الواقع بدون مسبقات وتحيزات معرفية، وبعيداً عن الانفعال والشعارات.
وسأختم بتساؤل محق من الممكن أن نفرد له مقال خاص:
كيف يمكن الجمع بين الواقعيّة السياسيّة التي يؤمن بها الغرب، وبين إيمانهم الشّعاراتي بحق الشعوب في تقرير المصير؟
فحق الشعوب في تقرير المصير يتحدث عن دافعية نحو تحقيق هدف التحرُّر الذي يبعث إرادة الفعل لدى الشعوب في صناعة واقع تحرّري من الاستبداد والاستعمار.