هو خاتمُ الأنبياء والمرسلين خيرُ بني آدم أجمعين، هو محمّد بن عبد الله الهاشميُّ القرشيُّ التهاميُّ المكّيُّ المدنيُّ، هو الرحمةُ المهداةُ للبشر جميعاً: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107).
وتتجلَّى رحمتُه ورأفتُه وشَفَقتُه في مواطن كثيرةٍ جدّاً:
ـ فهو الرحيمُ في صبره على الأذى، وأيُّ أذىً؟ أذى القريب والبعيد، أذى الجَسَد والنَّفْس، الأذى الذي لم يتعرَّض لمثله داعيةٌ أبداً، حتّى قال(ص): (ما أُوذي نبيٌّ مثل ما أوذيت)، فرغم كلِّ الأذى الذي تعرَّض له الأنبياء على مرّ التاريخ، يبقى الأذى ـ من حيث مجموع الأذى ونوع الأذى وحجم الأذى ومصدر الأذى ومدّة الأذى ـ الذي تعرَّض له(ص) أكبر وأفظع.
ـ وهو الرحيمُ في حرصِه على الأُلْفة والمَحَبّة والوئام بين أنصاره وأتباعه، ولهذا لم يهاجر إلى يثرب إلا بعد أن قضى بالكامل على العصبيّة القَبَليّة والنزاع التاريخيّ بين قبيلتَيْ الأَوْس والخَزْرَج، فلم يتقاتلوا بعد ذلك. ولمّا وصل إلى يثرب بادر فَوْراً إلى المؤاخاة بين المؤمنين من المهاجرين والأنصار. وهكذا وَسَم أصحابَه بهذه الصفة المجيدة، حتّى عرَّفَهم اللهُ بها حيث قال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: 29).
ـ وهو الرحيمُ في تواضعِه لأصحابه وغيرِهم: يشاركهم في عملهم، ويجلس بينهم، لا يتميَّز عنهم، حتّى أنّه ليدخل الرجلُ المجلسَ فيضطرّ للسؤال: أيُّكم محمّد؟
ـ وهو القائدُ الواعي والحريص، والوليُّ الحكيم، والرسولُ الرؤوف الرحيم: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة: 128).
ومن تجلِّيات رحمته أنه كان مُولَعاً بحفظ المؤمنين، أفراداً وجماعةً:
أما حفظُه لأفراد المؤمنين فقد تجلَّى في أكثر من موضعٍ، ومنها: 1ـ في بدء الانطلاقة الأولى للإسلام، ولا زال المسلمون قلّةً، ولا بُدَّ من حفظ هيبة حامل هذه الرسالة، ومع ذلك لم يعتَبْ على ذلك الشابّ المؤمن حديثاً عمّار بن ياسر حين نَطَق مضطرّاً مُكْرَهاً بسبِّه وذِكْرِه بالسيِّئ من القول، كما طلبَتْ منه قريش؛ لينجو بنفسه، بعدما رأى أباه وأمَّه قتيلين في سبيل الله، بل انظر إلى ما بلغه(ص) في رحمته، حيث قال لعمّار، بعد أن نزل قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) (النحل: 106): يا عمّار، إنْ عادوا لمثلها فعُدْ.
ومن هذه المواضع أيضاً: 2ـ أنه لم يمنع أصحابه من النجاة بأنفسهم والحفظ لأرواحهم بالخروج من أوطانهم، بل حَثَّ أصحابه على الهجرة إلى الحبشة، حيث الملكُ العادل، ولم يستثمر في عذابهم ودمائهم.
وأما حفظُه لجماعة المؤمنين فقد تجلّى كذلك في مشاهد كثيرة، ومنها: 1ـ أنه كان شديداً على الخَوَنة، كيهود المدينة، بعد خيانتهم ونكثهم للعَهْد والميثاق مع النبيّ(ص) (المعروف بصحيفة المدينة)، وتآمرهم مع قريش ضدّ المسلمين في المدينة، فكان نداؤه الشهير بعد غزوة الأحزاب: لا تتركوا السلاح، ولا يصلِّينَّ أحَدُكُم العصرَ إلا في بني قريظة.
2ـ ولكنّه في المقابل كان رحيماً بالمؤمنين: ففي الحُدَيْبِيَة رضي بالصلح؛ إبقاءً على قومه، وجعل من صلح الحديبية تمهيداً عمليّاً واقعيّاً لفتح مكّة بلا سَفْكِ دَمٍ.
لقد وقع صلح الحديبية في ذي القعدة من العام 6 هـ، وكانت المدّة المقرَّرة للصلح 10 سنوات.
وكان عدد الذين خرجوا مع النبيّ(ص) للعُمْرة 1400 شخص لا غير، ولم يحملوا غير سلاح السفر (أي السيوف في أغمادها)؛ بينما كانت قريش قد علمَتْ بهذا الخروج، فجمعَتْ كلَّ حلفائها وأنصارها، واستعانَتْ بالأحابيش، وهم قومٌ أشدّاء في القتال.
وتفاجأ النبيُّ(ص) بذلك، وعلم أن موازين القوى (عدداً وعُدّةً) قد تغيَّرَتْ لغير صالح المسلمين. ولذا قَبْلَ وقوع الصلح، وقَبْلَ إبرام المعاهدة، طَلَبَ تجديدَ البَيْعة، فكانت بَيْعةُ الرضوان (تحت الشجرة)، التي رضي الله عن أهلها جميعاً، لأنها كانت بيعةً مفصليّةً، بيعةً على عدم الفرار، وبيعةً على الموت.
ثمّ تفاجأ النبيُّ(ص) بالعَقَبات في مَجْرَيات الصلح، ومنها: 1ـ تغيير البسملة، فبدل كتابة (بسم الله الرحمن الرحيم) أصرُّوا على كتابة عبارة (باسمك اللهمّ)؛ إذ قالوا: وما ندري ما الرحمن؟ ورضخ النبيُّ(ص) لطَلَبهم.
ومن تلك العَقَبات أيضاً: 2ـ حذفُ وصف (رسول الله): فبَدَل (محمد رسول الله) طلبوا كتابة (محمد بن عبد الله)، ورضي النبيُّ(ص) بذلك، وطلب من أمير المؤمنين(ع)، وكان الكاتبَ لهذا الصلح، أن يحذف كلمة (رسول الله) ويكتب (بن عبد الله)، واستعظم الإمامُ(ع) ذلك، فقال(ع): لا أمحو اسمَكَ من النبوّة أبداً، فمحاه رسولُ الله(ص) بيده، وقال: يا عليّ، إنّك إنْ أبيْتَ أن تمحو اسمي من النبوّة، فوالذي بَعَثَني بالحقّ نبيّاً لتجيبَنَّ أبناءَهم إلى مثلها، وأنتَ مَضيضٌ مضطهدٌ؛ ووقع الذي قاله تماماً؛ إذ لمّا كان يوم صفّين، ورضوا بالحَكَمين، كتب: (هذا ما اصطلح عليه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان)، فقال عمرو بن العاص: لو علمنا أنك أمير المؤمنين ما حاربناك، ولكنْ اكتب هذا ما اصطلح عليه عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، فقال أمير المؤمنين(ع): صَدَق اللهُ ورسولُه(ص)، أخبرني رسولُ الله(ص) بذلك.
3ـ ومن بنود الصلح المفاجئة والقاسية: أن لا يدخل المسلمون مكّةَ هذا العام، حتّى لا تكون صورةُ هزيمةٍ لقريش، وقد رَضِيَ النبيُّ(ص) بذلك، وأَحَلَّ والمسلمين من إحرامهم في مكانهم، ولم يعتمروا، ولذلك سُمِّيَتْ عمرتهم في العام القادم 7 هـ بـ (عُمْرة القضاء).
4ـ ومن البنود الأقسى والأدهى أنه يجب ردُّ مَنْ يأتي النبيّ(ص) من أهل مكّة إلى قريش. وقد استعظم ذلك بعضُ الأصحاب، فقالوا: سبحانَ الله، كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ فبينما هم كذلك (أي لا زالوا في جلسة المفاوضات والاتّفاق) إذ دخل أبو جندل ابنُ سهيل بن عمرو، وهو في قيوده، هارباً من سَجَّانيه، وقد اختار الإسلام وتَرَك الشِّرْك، فقال أبوه سهيل: يا محمّد، هذا أوّلُ ما أُقاضيكَ عليه أن تردَّه إليَّ، فقال النبيّ(ص): إنّا لم نَقْضِ بالكتاب بَعْدُ، قال: إذن واللهِ لا أصالحُكَ على شيءٍ أبداً، وحاول النبيُّ(ص) بكلّ طريقةٍ أن يجعله استثناءً، لكنّ سهيلاً رفض ذلك رفضاً باتّاً، وجعل الصلحَ متوقِّفاً على تسليمه، ولمّا رأى أبو جندل أنه سوف يُرَدّ إلى أبيه قال: يا معشر المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئتُ مسلماً، ألا ترون ما قد لقيتُ؟ وكان قد عُذِّب عذاباً شديداً في الله، فقال بعضُ المسلمين: لا نردّه، فقام رسول الله(ص)، وأخذ بيده، فقال: اللّهُمَّ إنّك تعلم أنّ أبا جندل لصادقٌ، فاجْعَلْ له فَرَجاً ومَخْرَجاً. ثمّ أقبل على الناس، وقال: إنه ليس عليه بأسٌ، إنما يرجع إلى أبيه وأمِّه، وإنّي أريد أن أُتِمَّ لقريش شرطها. ثمّ التفت(ص) إلى أبي جندل، وقال: يا أبا جندل، اصبِرْ واحتسِبْ؛ فإن الله جاعلٌ لك ولمَنْ معك من المسلمين فَرَجاً ومَخْرَجاً، إنا قد عَقَدْنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على ذلك عَهْداً، وأعطونا عَهْدَ الله، وإنّا لا نغدر بهم.
إذن هو التزامٌ تامٌّ بالصلح، ولو على حساب بعض المؤمنين: حتّى أنه لم يحفظ أبا جندل الذي فرَّ مسلماً، ولكنْ كان مقتضى الصلح أن يردَّه الى قريش، فرَدَّه، وطلب منه أن يصبر حتّى يأتي الله بالفتح من عنده.
كلُّ هذا وهُمْ على الحقّ، كلُّ هذا وليسوا ضعفاء بالمطلق، بل لديهم ما قد يؤدّي إلى النصر، ولذلك عاتَبَ النبيَّ(ص) بعضُ أصحابه الذين عاشوا وَهْم القوّة، كعُمَر بن الخَطّاب، حيث قال: أَلَسْنا على الحقّ وغيرُنا على الباطل؟ قال النبيُّ(ص): بلى، قال: فلِمَ نعطي الدَّنيّة أو الذِّلّة في ديننا. لكنّ النبيّ(ص) لم يلتفِتْ لكلِّ ذلك، وإنّما حرص على الصلح.
وزاد الطين بِلَّةً الاعتراضُ العمليُّ المتأخِّرُ لبعض المؤمنين على الصلح؛ إذ بعد الصلح رفض كثيرٌ من المسلمين مضامينَه، ومنهم شخصٌ يُدْعَى أبا بصير، أسلم، وجاء إلى النبيّ(ص)، وأراد أن يبقى معه، فطالبَتْ به قريش، فردَّه النبيُّ(ص) إلى قريش؛ التزاماً بمقرَّرات الصلح، لكنّه فَرَّ من مرافقيه أثناء الرجوع إلى مكّة، وقَتَلَ أَحَدَهم، وعاد إلى النبيّ(ص)، ورفض النبيُّ(ص) فعله، ووصفه بـ (مُسَعِّر حَرْبٍ)، وعلم أبا بصير أن النبيَّ(ص) سيردُّه مجدَّداً إلى قريش، فخرج باتّجاه البحر الأحمر، ولحق به أبو جندل بن سُهَيْل، وشيئاً فشيئاً لحقَتْ به جماعةٌ كبيرة من المسلمين الفارّين من قريش في مكّة، حتّى شكَّلوا عصابةً، أي مجموعةً كبيرة. ومع ذلك لم يتأثَّر النبيّ(ص)، ولم يتزلزل، ولم يتراجع قيد أنملةٍ، وبقي ملتزماً بالصلح تماماً وحرفيّاً؛ لأنه كان يرى فيه النصر المستقبليّ، النصر الذي يبدأ بصلح الحديبية، ولولاه لا يكون، وهذا ما فهمه كثيرٌ من الصحابة الأجلاّء، كعبد الله بن مسعود، الذي كان يقول: إنكم تعدّون الفتح فتح مكّة، ونحن نعدّ الفتح صلح الحديبية.
وفي شهر رمضان من العام 8 هـ حصل فتحُ مكّة، حيث خرج النبيّ(ص) بـ 10000 مقاتل، ودخل مكّة فاتحاً من دون قتالٍ، بل تَمَّ تأمينُ الناس؛ رحمةً بهم، فدخلوا في دين الله أفواجاً.
وهنا نلاحظ أن العددَ قد ازداد كثيراً عمّا كان عليه في صلح الحديبية؛ وكلّ ذلك ببركة هذا الصلح، وما حصل بينه وبين فتح مكّة.
فالنبيُّ(ص) قبل فتح مكّة عمل على أسلمة الكثير من الأعيان.
وكانت الدعوةُ إلى الإسلام ممكنةً بعد الصلح، حيث اجتمع الناس، ولم يعودوا في خصامٍ وخوفٍ، فتلاقَوْا وتحدَّثوا بالإسلام، ودخل الإسلام إلى قلوب كثيرٍ منهم.
ورسولُ الله(ص) استهدف أعيان مكّة، كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، وهم من الأعيان؛ أما خالد فقد رغَّبه النبيّ(ص) بالإسلام، ووعده أن يقدِّمه على غيره لو أسلم، بعث إليه بمثل هذه الرسالة مع أخيه، فشرح الله قلبَه للإسلام، والتحق بالنبيّ(ص) في المدينة برفقة عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، فلمّا رآهم النبيُّ قال لأصحابه: هذه مكّةُ قد ألقَتْ إليكم أفلاذ كَبِدِها.
إنه وَعْيُ المرحلة، والحكمةُ في حفظ الجماعة.
وكما النبيُّ(ص)، وكما عليٌّ(ع)، كان الحَسَن(ع) في صُلْحِه، حتّى قيل له: يا مُذِلّ المؤمنين، ولم يلتفِتْ فالهدفُ أسمى وأرقى من سوءِ فَهْمٍ لدى هذا وذاك.
1ـ ففي حساب العظماء الأتقياء: إن العزّة عند القُدْرَة ، ومع العَجْز فالصَّبْرُ خَيْرٌ وأبقى.
2ـ وفي حساب العظماء الأتقياء: لا نَمَط واحداً في العمل الرساليّ، ويتكيَّف المؤمن مع الأحداث، ويحافظ على المبدأ، ورُبَما يدرك بالنَّمَط الجديد، صُلْحاً أو حَرْباً، ما لم يدركه في النَّمَط القديم.
وأما ما فعله الحُسين(ع) فله أسبابُه الخاصّة، والحديثُ عنه يطول، وهو حَرِيٌّ بالتأجيل للتفصيل. ولكنّ خلاصَتَه: إن الحسين قد تورَّط بدَعَواتٍ كاذبةٍ، فلمّا أتاها خَانَه أصحابُها، وأَسْلَمُوه للطاغية، ومع ذلك فقد طَلَبَ الصُّلْحَ (بالمعروف)، ولكنَّهم لم يجيبوه إليه، فكانت كربلاء، وكان يوم عاشوراء، الملحمة الاستثنائيّة، التي لم يكرِّرها أحدٌ من أئمّةِ أهل البيت(عم)، فهي غيرُ مسبوقةٍ، ولا ملحوقةٍ، فهي استثناءٌ، ولا يُقاسُ عليه.
هذا بعضٌ من سيرة تلك الرحمة المُهداة، وبهُدَاهُ نقتدي، وبسيرته نهتدي.