ملخَّص
تُسلط الدراسة الضوء على نظرية “الفطرة” كبوصلة وجودية وميثاق سابق مغروس في عمق الكينونة الإنسانية، لتشكل أساساً ثابتاً للدين والأخلاق لا يتغير بتغير الزمان. وعلاوة على ذلك، ينتقل الطرح إلى بُعد “الاستخلاف” باعتباره الغاية والوظيفة الكونية للإنسان، والتي تتجاوز الإطار التشريعي لتشمل “الولاية التكوينية” وعمارة الأرض، ثم تعالج الورقة إشكالية الجبر والتفويض بتقديم نظرية “الأمر بين الأمرين”، التي تحفظ للإنسان حريته المسؤولة ولله سلطانه المطلق، معتبرةً التكليف تشريفاً وتمريناً وجودياً لصناعة الذات عبر آلية “الابتلاء” وسنن التاريخ. ولذلك، تؤسس الدراسة للعلاقة العضوية التكاملية بين “العقل” كحجة باطنة و”الوحي” كحجة ظاهرة، رافضةً الثنائيات المفتعلة بين العلم والدين.
وفي الختام، يقدم البحث نقداً جذرياً لمنظومة حقوق الإنسان الغربية القائمة على “الأنسنة” (Humanism) والفردانية، مبيناً تهافت أسسها الفلسفية مقابل مفهوم “الكرامة” القرآنية بنوعيها الذاتي والاكتسابي. وختاماً، تُغلق الدراسة الدائرة الوجودية بـ “قوس الصعود”، حيث يكدح الإنسان نحو المطلق عبر حركة جوهرية تتجسم فيها الأعمال، ليكون اللقاء بالله هو الغاية القصوى، وتكون العبودية الحقة هي طريق التحرر من عبودية المادة.
مقدّمة
تشهد الإنسانية في العصر الحديث أزمة وجودية ومعرفية، تتمثل في ضياع “تعريف الإنسان” وسط ركام المذاهب المادية والمدارس الوضعية التي اختزلت هذا الموجود المركب إما في بعده البيولوجي أو الاقتصادي، مما أنتج ظواهر “التشيؤ” و”الاغتراب” وفقدان المعنى. هذا في حين لم يعد السؤال عن “ماهية الإنسان” ترفاً فلسفياً، بل هو نقطة الارتكاز التي تدور حولها كل المنظومات الحقوقية والسياسية والاجتماعية؛ فبدون تحديد “من هو الإنسان” و”من أين جاء” و”إلى أين يسير”، تستحيل صياغة أي نظام عادل لحقوقه أو واجباته، يقول (السيد محمد باقر الصدر): “..حينما عجزت المادية عن فهم الإنسانية في كل أبعادها، وعن التغلغل في أعماقها الفكرية والروحية، عجزت بالتالي عن حل مشكلة الإنسان، أو المشكلة الاجتماعية”[2].
في هذا السياق، تقدم مدرسة أهل البيت(عم)، استناداً إلى النص القرآني والسنة المعصومة، وتراثها الفلسفي والعرفاني، رؤية كونية شاملة تتجاوز الثنائيات الغربية المتصارعة (الروح/الجسد، الفرد/المجتمع، الدنيا/الآخرة)، وتسعى هذه الدراسة لتقديم تصوّرٍ تأصيلي عن البنية المتكاملة للإنسان في القرآن، متتبعةً مساره الوجودي في قوسين: “قوس النزول” من المبدأ الأعلى، و”قوس الصعود” عبر الكدح والابتلاء نحو الكمال المطلق.
وتعتمد هذه الدراسة منهجية تحليلية تركيبية، تستفيد من الأطروحات الفكرية لأعلام مدرسة مذهب أهل البيت(عم)، لتفكيك المفهوم الغربي للإنسان وحقوقه، وإعادة بناء مفهوم “الكرامة” و”الاستخلاف” بناءً على جدلية “العبودية لله” التي تفضي إلى “السيادة على الكون”.
أولاً: الأنطولوجيا الإنسانية ومسار الخلق (قوس النزول)
لفهم حقيقة الإنسان، لا بد من العودة إلى “لحظة التكوين” الأولى، ليس باعتبارها حدثاً تاريخياً ماضياً، بل كحقيقة وجودية مستمرة تحدد “بنية” الإنسان. وهنا، يطرح القرآن الكريم قصة الخلق في سياق يربط بين “المادة المَهينة” و”النفخة الإلهية القدسية”، مما يضع الإنسان في موقع “البرزخية” بين العوالم.
1ـ ثنائية القبضة والنفخة: التركيب الوجودي
يتميز الخلق الإنساني في القرآن الكريم بتركيب يجمع بين نقيضين وجوديين: أدنى مراتب الوجود المادي (الطين)، وأعلى مراتب الوجود المجرد (نفخة الروح). حيث يرى الشيخ (محمد تقي مصباح اليزدي) أن هذا التركيب ليس مجرد “جمع عددي” أو “تجاور” بين جسد وروح، بل هو “اتحاد وجودي” ينتج عنه كائن جديد يمتلك القابلية للحركة في الاتجاهين[3].
أ. البعد الطيني (الناسوتي): الامتداد في الطبيعة
في أكثر من موضع يؤكد القرآن الكريم على ماهية المادة الأولية لخلق الإنسان: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧١]، ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم: ٢٠]، وهذا التأكيد يحمل عدداً من الدلالات الجوهرية:
ـ دلالة المادة: يرى (العلامة الطباطبائي) في “الميزان” أن التأكيد على “الأرضية” يشير إلى ارتباط الإنسان بقوانين المادة (الحركة، الزمان، المكان، التدرج، الحاجة). وعليه يكون الإنسان “ابن الأرض” حاملاً في تكوينه غرائز البقاء، وحب التملك، والنزوع نحو اللذة الحسية. وعلى هذا الأساس يكون هذا البُعد هو “المَركَب” الذي تمتطيه الروح لتخوض تجربة الابتلاء، وهذا في ذاته ليس شراً، بل هو “شرط إمكان” التكليف؛ لأنه لولا الشهوة والغضب والحاجة المادية لما كان هناك معنىً للصبر أو العفة أو الجهاد[4].
ـ التدرج في الخلق: يشير القرآن إلى مراحل تطور الجسد المادي للإنسان (نطفة، علقة، مضغة…). وهذا التدرج يعكس سنة الله في العالم المادي، فيؤكد أن الإنسان يخضع لسنن “الحركة الجوهرية”، حيث يتحرك وجوده من القوة إلى الفعل، ومن النقص إلى الكمال المادي، استعداداً لاستقبال الفيض الروحي[5].
يصف أمير المؤمنين(ع) في نهج البلاغة جمْع الأضداد في طينة الإنسان قائلاً: «ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الْأَرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا وَسَبَخِهَا، تُرْبَةً سَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلَاطَهَا بِالْبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ.. نَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ.. مَعْجُونَةً بِطِينَةِ الْأَلْوَانِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالْأَشْبَاهِ الْمُؤْتَلِفَةِ، وَالْأَضْدَادِ الْمُتَعَادِيَةِ، وَالْأَخْلَاطِ الْمُتَبَايِنَةِ»[6]، والذي يشير فيه أيضاً إلى أن التنوع في الطبائع البشرية (اللين والشدة) هو انعكاس لأصل التكوين والمادة الأرضية.
ب ـ البعد الروحي (اللاهوتي): النفخة الإلهية
البعد المادي، رغم ضرورته، لا يشكل سوى الشطر الأول من المعادلة الإنسانية؛ فبمجرد اكتماله، يتهيأ المسرح للتدخل الغيبي، حيث في لحظة مقدّرة يبلغ الوجود المادي للإنسان مرتبة من التسوية، يصبح قابلاً للتدخل الغيبي المباشر: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]، وهذا التحوّل يكشف عن مبدئين أساسييْن ضرورييْن لتعريف ماهية الإنسان، هما:
- الإضافة التشريفية: حيث يؤكد الشيخ (مصباح اليزدي) و(العلامة الطباطبائي) أن إضافة الروح إلى الله (روحي) هي “إضافة تشريفية” لبيان شرف المنسوب[7]، وليست إضافة “تبعيضية” –تعالى الله عن التجزُّء–، إذاً هذه الروح هي “أمرٌ ملكوتي” ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، وهي تمثل الجانب المجرد، المتعالي، والواعي في الإنسان.
ـ جسمانية الحدوث روحانية البقاء: وفقاً لمدرسة الحكمة المتعالية التي يتبناها أعلام مدرسة أهل البيت، فإن الروح الإنسانية ليست كائناً هبط من الأعلى وسكن الجسد (كما في الأفلاطونية)، بل هي “ثمرة” حركة المادة في أرقى صورها، ومن ثم تسامت وتجردت لتصبح روحاً[8]، وهذا يعني أن العلاقة بين الروح والجسد هي علاقة “تكامل” لا علاقة “صراع ثنوي” كما في الفلسفات الغنوصية أو المسيحية المحرفة، أي أن الجسد هو “مهد” الروح، والروح هي “غاية” الجسد.
ـ المساواة بين بني الإنسان: ومن مقتضيات كون الروح “أمراً ملكوتياً” مجرداً، أنها تتجاوز التصنيفات البيولوجية من ذكورة وأنوثة؛ فالقرآن الكريم حين يخاطب الإنسان أو يتحدث عن مقامات القرب والولاية، فإنه يتوجه إلى هذه “الحقيقة الروحية” التي لا جنس لها، وعلى هذا، فإن الفوارق التشريعية أو الوظيفية في عالم المادة (الدنيا) هي تنظيمات تخص “المركَب” (الجسد) ومتطلبات التناسل وإعمار الأرض، ولا تمس جوهر “الراكب” (الروح)[9]؛ إذ إن قابلية الترقي في قوس الصعود وتحقيق مقام الخلافة الإلهية متاحة بالتساوي للرجل والمرأة على حد سواء[10]، مصداقاً لقوله ـ تعالى ـ : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧].
2ـ الفطرة: الميثاق والبوصلة الوجودية
تحتل نظرية “الفطرة” موقع القلب في الأنثروبولوجيا الإسلامية. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]. والفطرة هنا ليست مجرد “غريزة” بيولوجية، بل هي “نحت وجودي” في بنية الوعي الإنساني، ولتوضيح ذلك يجب التأسيس لعدد من المقدمات:
أـ عالم الذر والميثاق الأول
يربط مفسرو مدرسة أهل البيت(عم)، وعلى رأسهم (العلامة الطباطبائي)، مفهوم الفطرة بآية الميثاق: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
ـ العلم الحضوري: يرى (العلامة الطباطبائي) و(الشيخ جوادي الآملي) أن هذا “الإشهاد” لم يكن حواراً لفظياً في زمن تاريخي، بل هو “حقيقة وجودية” مغروسة في عمق الكينونة الإنسانية، بمعنى أن كل إنسان، في قرارة نفسه، يمتلك “علماً حضورياً” بفقرِه إلى الله وبربوبية الخالق[11]. بيد أن هذا العلم، وإن غطاه غبار الغفلة والانغماس في المادة، فإنه لا يزول أبداً، وهو ما يفسر لجوء الإنسان إلى “القوة المطلقة” عند انقطاع الأسباب المادية (في حالات الغرق أو الخطر الداهم).
ـ ثبات الفطرة: استناداً إلى قوله ـ تعالى ـ : ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. أي أن الفطرة ثابتة ومشتركة بين جميع البشر، وهي الأساس الذي يبنى عليه الدين “عَالَميته”، بمعنى أن الدين ليس ثقافة مكتسبة تتغير بتغير الزمان، بل هو “تذكير” بما هو مجبولٌ في الفطرة، وأن وظيفة الأنبياء هي “إثارة دفائن العقول” وتذكير الإنسان بميثاقه المنسي، لا تلقينه معلومات غريبة عن تكوينه[12].
ومصداق ذلك ما قرره الإمام علي(ع) في فلسفة البعثة قائلاً: «فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ»[13]، أي أن المعرفة كامنة في “دفينة” العقل، والوحي هو اليد التي تستخرج هذا الكنز.
ب ـ الفطرة وتوجيه السلوك (الحب والكره)
لا تقتصر الفطرة على المعرفة النظرية بوجود الله، بل تشمل “النزوع العملي”، على سبيل المثال يرى (الشيخ مصباح اليزدي) أن حُب “الكمال المطلق”، و”الجمال”، و”الخلود”، و”القدرة”، هو نزوع فطري في كل إنسان، ولأن الإنسان يطلب اللامتناهي، ولأن العالم المادي متناهٍ، فإن “قلق” الإنسان لا يهدأ إلا بالاتصال بالمطلق (الله)[14].
الجانب العملي الآخر للفطرة هي اعتبارها “جذر الأخلاق”؛ فالفطرة هي التي تمنح الإنسان القدرة على التمييز الأوّلي بين “الحُسن” و”القبح” (كالصدق والكذب، العدل والظلم)، وهذا الإدراك الفطري هو القاعدة التي يبني عليها الشرع تفاصيله، وهو ما يجعل “الحجة” قائمة على الإنسان حتى قبل وصول تفاصيل الشريعة، يقول (العلامة الطباطبائي): “وقوله: (فألهمها فجورها وتقواها) الإلهام إلقاء الشيء في الروْع… والمعنى: عرّفها وأفهمها ما هو الفجور وما هي التقوى… والآية تنص على أن كلاً من الفجور والتقوى أمر معروف للإنسان بإلهامٍ إلهي، يميّز أحدهما من الآخر.”[15].
3ـ قوس النزول: فلسفة الهبوط إلى الأرض
في الرؤية العرفانية والفلسفية لمدرسة أهل البيت(عم)، تُفسر رحلة الإنسان من خلال ضرب مَثَل اصطلاحي: “قوسي النزول والصعود”، وهذان الاصطلاحان يعنيان الآتي:
ـ التنزل الوجودي: يبدأ الوجود من المبدأ الأول (الله ـ تعالى ـ )، فيتجلى في مراتب “العقول” و”النفوس” وصولاً إلى “عالم الطبيعة” (عالم المُلك)، ليكون الإنسان في قوس النزول هو “خلاصة” كل هذه العوالم، بحيث “يتنزل” الإنسان من عالم القرب والوحدة إلى عالم البُعد والكثرة (الدنيا)[16].
ـ الهدف من الهبوط: لم يكن تنزُّل الإنسان عقوبةً (كما هو مبدأ الخطيئة الأصلية في المسيحية)، بل كان “ضرورة تكاملية”، يقول (العلامة الطباطبائي): “لولا الهبوط لما أمكن للإنسان أن يبلغ كماله الخاص”[17]؛ فالكمالات الإنسانية (كالصبر، التضحية، الإيثار، الولاية) لا تتحقق إلا في عالم التزاحم والمادة، والهبوط هو انتقال من “الجنة البرزخية” (جنة الاستعداد) إلى “الأرض” (ميدان الفعل)، ليعود الإنسان بعدها إلى “جنة الخلد” (جنة الفعل والتحقق) عبر قوس الصعود[18].
ثانياً: الاستخلاف.. الوظيفة الكونية للإنسان
على ضوء ما تقدم من بيانِ كيفية الهبوط إلى عالم المادة، تتضح الضرورة الغائية لهذا الوجود؛ فالهبوط ليس حدثاً عبثياً، بل هو مقدمة لمهمة كبرى، فإذا كان الخلق والفطرة يمثلان “بُنية” الإنسان، فإن الاستخلاف يمثل “الوظيفة” والغاية؛ ويقرر القرآن الكريم المشروع الإلهي للإنسان في النشأة الأولى في قوله ـ تعالى ـ : ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، ومن خلال تتبع أبعاد هذه “الخلافة” في القرآن نجد لها عدة حقائق:
1ـ حقيقة الخلافة الإلهية: النيابة عن المطلق
يناقش (العلامة الطباطبائي) في “الميزان” معنى “الخليفة” مبتدئاً بإعلان رفضه التفسيرات التي تحصرها في “خلافة البشر لبعضهم البعض” أو “خلافة الجن”، حيث يرى أن السياق القرآني (تعليم الأسماء، سجود الملائكة) يؤكد أن المقصود هو “خلافة الله في أرضه”[19]، مستنداً في ذلك إلى عدّة قرائن تؤكد هذا المنحى، أبرزها:
ـ مظهرية الأسماء والصفات: أي أنه لكي يكون الإنسان خليفة لله، يجب أن يمتلك “سنخية” (تجانساً) مع المُستخلِف. فإذا أثبتنا أن الله “عالم، قادر، حي، مريد، متكلم”، لزم القول بأنه قد أودع في الإنسان نماذج رقيقة من هذه الصفات، بالتالي، الخلافة تعني أن يسعى الإنسان ليكون “مظهراً” لصفات الله في الكون، فكلما ازداد الإنسان علماً وقدرة ورحمة وعدلاً، كلما اقترب من تحقيق مقام الخلافة، يقول (العلامة الطباطبائي): “والخلافة هي قيام شيء مقام آخر… والخليفة منه ـ تعالى ـ لا بد أن يكون متجملاً بصفاته ـ تعالى ـ ، منعوتاً بنعوته، إلا ما استأثر به لنفسه… وهذا الوجود هو المسمى بالإنسان، فكان الإنسان هو المخلوق لأجل الخلافة.”[20].
ـ الخلافة التكوينية والتشريعية:
أـ التكوينية: هي تسخير الكون للإنسان ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجاثية: ١٣]، أي أن الإنسان، بعقله وروحه، يمتلك القدرة على التصرف في المادة وكشف قوانينها، وهذه “كرامة عامة” لكل البشر[21].
ب ـ السياسية/التشريعية: هي إدارة المجتمع البشري وفق “إرادة الله”، وهنا يبرز دور الأنبياء والأئمة (ع) كـ “خلفاء لله” بالمعنى الأتم، حيث يجمعون بين المعرفة بالله (الولاية المعنوية) وإدارة شؤون الخلق (الولاية السياسية)[22].
وتأسيساً على هذه الكرامة التكوينية والتسخير الإلهي، ينبثق مبدأ “إعمار الأرض” كركيزة أساسية لمفهوم الاستخلاف[23]؛ فقوله ـ تعالى ـ : ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]، ينقل العلاقة مع المادة من “الزهد السلبي” إلى “الفعل الحضاري”، وعلى ذلك، فإن السعي في كشف قوانين الفيزياء، وتطوير الطب، وبناء العمران، ليس نشاطاً دنيوياً منفصلاً عن الدين، بل هو مصداق لـ “العبادة الاستخلافية”؛ فالإنسان الخليفة هو الذي يحول “المادة الخام” في الطبيعة إلى “قيمة مضافة” تخدم العدالة والرفاه البشري. وبناءً عليه، يصبح التخلف العلمي والحضاري نوعاً من “التقصير” في أداء حق الخلافة، وتضييعاً للأمانة التي تقتضي إدارة الموارد الكونية بكفاءة وعدالة.
2ـ تعليم الأسماء: سر الأهلية
الحقيقة الثانية حول خلافة الإنسان هو ما يجعله أهلاً لحمل الأمانة، وقدرته، دوناً عن باقي الموجودات، على تعلُّم الأسماء: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١]، ويرفض (العلامة الطباطبائي) و(الشيخ مصباح اليزدي) أن تكون الأسماء مجرد “ألفاظ لغوية” (أي أسماء لأشياء: هذا جبل، هذا نهر)؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكانت الملائكة قادرة على تعلمها بسهولة، ولكن المقصود بالأسماء هنا هو “حقائق الوجود” و”بواطن الأشياء” و”السنن الكونية”، أي “العلم الحضوري” بحقائق الكون، والعلم بماهية الخير والشر، ومقامات الغيب والشهادة، والملائكة موجودات فاقدة للأهلية لحمل هذه الأمانة، فهي كائنات “مبرمجة” على وظائف محددة ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]. ليس لديهم القابلية للنمو اللامتناهي أو استيعاب التناقضات[24]. أما الإنسان، بتركيبته البرزخية (روح/طين)، فهو قادر على استيعاب “الأسماء كلها” (أسماء الجمال والجلال، اللطف والقهر). هذا “السعة الوجودية” هي التي أهلت آدم للخلافة وجعلت الملائكة تسجد له[25]، يقول (العلّامة الطباطبائي): “فحمل الأمانة هو التلبس بالولاية الإلهية… وإن شئت فقل: هو التلبس بالكمال الحاصل من جهة العقائد الحقّة والعمل الصالح، وسلوك طريق الكمال للارتقاء من حضيض المادة إلى ذروة الإخلاص”[26].
3ـ سجود الملائكة: خضوع القوى الكونية
بعد التسوية ونفخ الروح، فإن أمر الله الملائكة بالسجود لآدم هو إعلان دستوري كوني، يرتكز إلى حقيقة أن الملائكة باعتبار تعريفهم في الرؤية القرآنية بأنهم “المدبرات أمراً” (القوى الموكلة بتنفيذ القوانين الكونية)، فإن سجودهم للإنسان يعني أن “قوى الكون مسخرة للإنسان الكامل”[27]، وهذا المفهوم يفتح الباب لما يعرف في مدرسة أهل البيت بـ “الولاية التكوينية”، وضرورة وجود الإنسان الكامل (المعصوم)، الذي تحقق بعبودية الله التامة، الذي تصبح مشيئته فانية في مشيئة الله، فتطيعه الأشياء بإذن الله، ومن هنا تثبت إمكانية تحقق معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء بما هي مصاديق لهذا “النفوذ” الذي منحه الله لخليفته في الأرض.
وعلى هذا، تتجاوز قضية الاستخلاف البُعد التشريعي لتلامس “الضرورة الكونية”؛ فبناءً على قاعدة “إمكان الأشرف”، وبما أن الفيض الإلهي ينزل من العلي الأعلى إلى الأدنى، فلا بد من وجود “واسطة فيض” تمتلك القابلية التامة لتلقي المدد الإلهي وتوزيعه على سائر المخلوقات. ومن هنا، يقرر فلاسفة مدرسة أهل البيت(عم) أن “الإنسان الكامل” هو روح الوجود، الذي لولاه لساخت الأرض بأهلها؛ إذ لا يمكن للمادة الكثيفة أن ترتبط بالمجرد المحض (الذات الإلهية) إلا عبر “برزخ كلي” يجمع بين العالمين. وبناءً عليه، يصبح وجود “الحُجة” في كل زمان ليس ترفاً دينياً، بل هو “العمود الفقري” الذي يحفظ نظام الوجود من الانهيار، مصداقاً للحديث الشريف: «بِيُمنِهِ رُزِقَ الوَرَى، وَبِوُجُودِهِ ثَبَتَتِ الأَرضُ وَالسَّمَاءُ»[28]. وما رُوِيَ عن الإمام الصادق(ع) قوله: «لَوْ بَقِيَتِ الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ لَسَاخَتْ»[29]، وفي رواية أخرى يوضح العلة الكونية لذلك: «بِنَا أَثْمَرَتِ الْأَشْجَارُ، وَأَيْنَعَتِ الثِّمَارُ، وَجَرَتِ الْأَنْهَارُ، وَبِنَا يَنْزِلُ غَيْثُ السَّمَاءِ»[30]، مما يثبت أن الاستخلاف ليس مجرد منصب تشريعي، بل هو وساطة فيضية ضرورية لاستمرار الحياة المادية نفسها.
ثالثاً: جدلية الحرية والمسؤولية (التكليف والابتلاء)
ولما كان مقام الخلافة يقتضي الفعل والتأثير، فإن ذلك يستلزم بالضرورة توفر شرطي الإرادة والقدرة، وهو ما يفتح الباب أمام إشكالية العلاقة بين الفعل الإنساني والمشيئة الإلهية، وهي المفارقة الفلسفية التي تقول: كيف يتحول هذا الكائن “الخليفة” من الإمكان إلى الفعل؟ وكيف يتسق “القضاء الإلهي” مع “حرية الإنسان”؟ وهنا تدخل مدرسة أهل البيت(عم) في أدق تفاصيل علم الكلام والفلسفة عبر نظرية “الأمر بين الأمرين” لتوضيح هذا الالتباس من خلال التأسيس لعدة مفاهيم:
1ـ الحرية: الأمر بين الأمرين
تعتبر قضية الجبر والتفويض من أعقد القضايا الفكرية التي لها تبعات سياسية واجتماعية فارقة على طول التاريخ الإسلامي، وفي هذه المسألة ترفض مدرسة أهل البيت(عم) كلاً من القوْل بـ:
1ـ الجبر (الأشاعرة): الذي يسلب الإنسان إرادته وينسب الفعل لله وحده، مما يجعل التكليف والثواب والعقاب عبثاً وظلماً.
2ـ التفويض (المعتزلة): الذي يغل يد الله عن خلقه، ويعتبر الإنسان خالقاً مستقلاً لأفعاله، مما ينافي التوحيد الأفعالي.
في مقابل هذين الحدّين المتطرفين، تقدّم مدرسة أهل البيت(عم) نظرية “الأمر بين الأمرين”، فعن الإمام الصادق(ع) قال: «الله ـ تبارك وتعالى ـ أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون [رد على الجبر]، والله أعز من أن يكون في سلطانه ما لا يريد [رد على التفويض].»[31]، أي أن الفعل الإنساني يُنسب إلى “فاعليْن” في طول بعضهما لا في عرض بعضهما[32]، وهما:
ـ الإنسان الذي يمتلك الإرادة والاختيار المباشر للفعل.
ـ الله يمتلك “القدرة” و”الوجود” وهو ـ تعالى ـ يمنحه للإنسان في كل لحظة بإيجاد مستمر وتجدد دائم (تجدد الأمثال)[33].
مثال ذلك: الكاتب يكتب بالقلم. وهنا: الكتابة فعل القلم (مباشرة) وفعل الكاتب (تسبيباً)، أي أن الإنسان يختار، ولكن “القدرة” على الاختيار و”الوجود” أثناء الفعل هو إمداد إلهي مستمر، أي أن الإنسان حر، لكنه “حر بالله”، وهو مختار، لكنه “مختار بحول الله”. وهذا يحفظ للإنسان مسؤوليته الكاملة (لأنه هو المُريد)، ويحفظ لله سلطانه المطلق (لأنه هو ـ تعالى ـ المُمِد). أو كما يوضّح ذلك الإمام الصادق(ع) فيما يُنسب له من كلام مع بعض أصحابه، قال: «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين، قال: قلتُ: وما أمر بين أمرين؟ قال: مَثَلُ ذلك رجلٌ رأيته على معصية فنهيتَه، فلم ينتَهِ، فتركتَه، ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركتَه كنتَ أنتَ الذي أمرتَه بالمعصية.»[34]، أو كما في الحديث القدسي المروي عن الإمام الصادق(ع) قال: «قَالَ: قَالَ اللَّهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ : يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيئَتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ، وَبِقُوَّتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَرَائِضِي، وَبِنِعْمَتِي قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي؛ جَعَلْتُكَ سَمِيعاً بَصِيراً قوياً…» [35].
2ـ التكليف: تشريف لا تضييق
في الرؤية الغربية، يُنظر إلى “القانون” أو “التكليف” غالباً كقيد على الحرية الفردية، أما في الرؤية القرآنية، فإن التكليف هو “تشريف” وشهادة بـ “رشد” الإنسان، وذلك لأن:
ـ مناط التكليف: العقل والحرية هما شرطا التكليف، والله ـ تعالى ـ لا يكلف الجبال ولا البهائم، بل كلّف الإنسان لأنه وهبه القدرة على “التمرد” أو “الطاعة”، عن الصادق(ع): «لمّا خلق الله العقل… قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إليّ منك، ولا أكملتك إلا فيمن أحب، أما إني إياك آمر، وإياك أنهى، وإياك أعاقب، وإياك أثيب.»[36].
ـ الهدف من التكليف: التكاليف الشرعية (صلاة، صيام، جهاد، معاملات) ليست “ضرائب” يدفعها الإنسان لله، بل هي “تمارين وجودية” تهدف إلى ترويض الجانب الطيني وتنمية الجانب الروحي، أي أن التكليف هو “الحبل” الذي يمسك به الإنسان ليصعد في قوس الصعود، عن الإمام علي(ع): «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لأَنَّهُ لا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ.»[37]، ويقول (العلامة الطباطبائي): “فالعبادة غرض الخلق، وكمال العبادة ـ وهو الخلوص ـ غرض العبادة، والمعرفة ـ وهي الولاية ـ غرض الخلوص… وحقيقة العبادة هي التي تجعل العبد على صلة بمولاه، فيستمد منه الكمال”[38].
3ـ فلسفة الابتلاء والسنن التاريخية
الابتلاء هو الآلية الديناميكية التي تحرك التاريخ وحياة الفرد، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [المُلك: ٢] ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، يقول (العلّامة الطباطبائي): “إنّ السنّة الإلهية هي أن لا يترك الناس وشأنهم فيدّعوا الإيمان لأنفسهم، ويقتصروا على مجرد القول، بل يمتحنوا ويبتلوا بالفتنة… ليتميز الصادق في إيمانه من الكاذب… وهذه الفتنة والامتحان سنة جارية”[39]، عليه، يصبح الابتلاء من ذاتيات وجود الإنسان، وذلك لعدة أسباب:
ـ الابتلاء كصناعة للإنسان: يرى الشيخ (مصباح اليزدي) أن الدنيا هي “دار حركة”، والحركة تتطلب “محركاً” و”مقاومة”، وأن الابتلاءات (الخير والشر) هي المقاومة التي تصنع “عضلات” الروح، فلا يمكن تصور “كمال” بدون “اختيار”، ولا “اختيار” بدون “فتنة” وتمحيص، يقول: “بما أنّ كمال الإنسان هو كمال اختياري… فلا بدّ من توفّر الأرضية المختلفة، والطرق المتعدّدة، والوسائل المتنوّعة للعمل، وتوفّر الميول والدوافع المتضادّة، لكي يتحقّق الانتخاب والاختيار، وبدون ذلك لا معنى للاختيار”[40]، على ذلك، فإن الابتلاء هو الذي يخرج “مكنونات الصدور” ويحول “الإيمان النظري” إلى “يقين شهودي”.
ـ جمال الشر: في كتابه “ما وراء الشر”، يفكك الشيخ (مصباح) معضلة الشرور بالقول أن الشرور (كالمرض، الكوارث، الظلم) هي أمور “نسبية” و”عدمية” (فقدان للكمال)[41] ، وهي ضرورية في النظام الكلي للعالم المادي[42]؛ فتضاد الأشياء هو الذي يولد الحركة، وألم “الجهاد” ضروري لتحصيل لذة “النصر”، ومرارة “الصبر” ضرورية لحلاوة “المقام المحمود”، بالتالي تصبح الشرور هي “السلالم” التي يرتقي عليها الإنسان إذا أحسن التعامل معها.
ـ السنن التاريخية: ينتقل (السيد علي الخامنئي) و(السيد الصدر) بمفهوم الابتلاء من الفرد إلى “المجتمع”، من خلال القول أن التاريخ تحكمه “سنن” صارمة هي:
أـ سنة التغيير: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، أي أن التغيير الخارجي (السياسي/الاجتماعي) هو مرآة للتغيير الداخلي (النفسي/العقائدي/الإيماني/الثقافي)[43].
ب ـ سنة الاستدراج: أي أن إمهال الظالمين ليس غفلة، بل هو قانون “الإملاء” ليزدادوا إثماً وتكتمل الحجة[44].
ج ـ سنة التداول والاستبدال: أي أن الحضارات التي تتخلى عن قيمها (أو الجهاد في سبيل هذه القيم) تسقط حتماً وتستبدل بغيرها[45].
وهذه السنن تعطي للمؤمن “بصيرة تاريخية” وتمكّنه من توقع المستقبل بناءً على مقدمات الحاضر.
ـ الانتصار على الشيطان: وفي خضم هذا الصراع الوجودي لا يمكن إغفال دور “القطب السالب” المتمثل في الشيطان؛ فالقرآن لا يطرح الشيطان كـ “إله للشر” (كما في الثنوية المجوسية)، بل يطرحه كـ “محك اختبار” ضروري لتفعيل حرية الإنسان، وتكمن خطورة هذا العدو في استراتيجيته القائمة على “التزيين” ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحجر: ٣٩]؛ أي التلاعب بمنظومة الإدراك لقلب الحقائق (تسمية المعصية حرية، والظلم قوة). يقول (العلّامة الطباطبائي): “والتزيين هو تحسين صورة الشيء بحيث تميل إليه النفس وتنجذب نحوه… ونسبة التزيين إليه [إلى الشيطان] بما أنه يغوي الإنسان، إنما هي باستعمال ما في الإنسان من الأدوات والقوى الباعثة إلى الشر والفساد… فليس للشيطان أن يحيي باطلاً ويميتاً حقاً، ولا أن يتصرف في الكون بالإيجاد والإعدام، وإنما له أن يدعو الإنسان إلى الباطل بتزيينه”[46]، وبهذا، يصبح جهاد النفس مزدوجاً: جهاد ضد “الرغبات الداخلية” الجامحة، وجهاد ضد “الوساوس الخارجية” المزيّنة، وهذا التركيب هو الذي يجعل انتصار الإنسان “إنجازاً كونياً” يستحق عليه مقام الخلافة، إذ إنه انتصر بـ “العقل والإرادة” على كائنٍ يراكمُ خبرة الغواية منذ آلاف السنين.
رابعاً: العقل والوحي (تكامل الحجتين)
ولكي ينجح الإنسان في خوض غمار هذا الابتلاء المصيري، كان لا بد له من أدوات معرفية تهديه السبيل؛ ومن هنا تتجلى حكمة الله في تزويد الإنسان بحجتين متكاملتين، هما العقل والوحي، وهنا يبرز تميز المدرسة الإمامية برفضها القاطع للثنائية المفتعلة بين “العقل” و”النقل”، وتؤسس لعلاقة عضوية تكاملية بينهما، من خلال القول أن:
1ـ العقل: الحجة الباطنة
يستند الفكر الشيعي إلى حديث تأسيسي للإمام الكاظم (ع): «إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ: حُجَّةً ظَاهِرَةً وَحُجَّةً بَاطِنَةً، فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالْأَئِمَّةُ، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ»[47]، والذي تفرّع عنه مجموعة من الحقائق، وهي:
ـ أولوية العقل: العقل هو “الرسول الداخلي”. به يُعرف الله، وبه تثبت النبوة، وأنه لا يمكن قبول “النقل” (الوحي) إلا بعد أن يصادق عليه “العقل”[48]، وأنه إذا تعارض ظاهر النقل مع قطعي العقل، يُؤول النقل، لأن الله لا يمكن أن يناقض حكمته المودعة في عقول مخلوقيه (بما أن منشأ هذه الحكمة هي منه ـ تعالى ـ كما تقدّم).
ـ التحسين والتقبيح العقليين: خلافاً للأشاعرة الذين قالوا إن الحَسن ما حسّنه الشرع والقبيح ما قبّحه الشرع، تؤمن مدرسة أهل البيت(عم) بأن العقل يدرك ذاتياً حُسن وقُبح الأفعال (كالعدل والظلم). بينما الشرع يأتي “مؤكداً” و”مرشداً” ومثيراً لدفائن العقول، وليس مؤسساً للقيم من العدم[49].
2ـ الوحي: الحجة الظاهرة
رغم عظمة العقل، إلا أنه محدود بحدود الزمان والمكان والتجربة، وقاصرٌ عن إدراك تفاصيل الشريعة، وعوالم الغيب، وتفاصيل المعاد، والمصالح الخفية للأحكام، هنا يحتاج الإنسان إلى لطفً إلهيٍّ خاص وهو الوحي، ليؤدي عدداً من الوظائف الوجودية، وهي:
ـ الوظيفة التكميلية: حيث يأتي الوحي ليملأ الفراغات التي لا يطالها العقل؛ فالوحي يقدم “خارطة الطريق” التفصيلية (الشريعة) التي تضمن سعادة الإنسان في الدارين والطريق الأيسر لتكامله المعنوي[50]، يقول (العلّامة الطباطبائي): “إن العقل وإن كان يدعو إلى صلاح الاجتماع والعدل العمومي من جهة ما يرى فيه من الخير والصلاح، إلا أنه لا يرى بأساً بمخالفة ذلك إذا دعت إليه شهوة أو غضب… فكانت العناية الإلهية توجب أن يجبر هذا النقص ويتم هذا الأمر بشعور آخر وهو الذي نسميه بالوحي.”[51].
ـ العلم: وذلك تأسيساً على ما ذهب إليه (الشيخ جوادي الآملي) من رفض تقسيم العلم إلى “ديني” و”بشري”، انطلاقاً من رؤية أن العقل “مصباح” يكشف الواقع، وبما أن الواقع هو “فعل الله” (الطبيعة)، والوحي هو “قول الله” (الكتاب)، فلا يمكن أن يتعارضا أو يفترقا. وبناءً على هذه القاعدة، يصبح العلم التجريبي القطعي “علماً دينياً”… ومردّ ذلك أنه يكشف عن آيات الله في الآفاق، فيما التعارض الموهوم يحدث بين “نظريات علمية ظنية” و”فهم ديني خاطئ”، أما القطعيان فلا يتعارضان أبداً، وهنا تثبت الحاكمية المعرفية للفطرة على الوحي، وللوحي على التجربة والمشاهدات المادية[52]، وهذا له أثره المعرفيّ البالغ في تعريف الإنسان وعلاقته مع الأطراف الأربعة الأخرى في الوجود (الله ـ النفس ـ الإنسان ـ الطبيعة).
بالإضافة إلى ما تقدم من دور العقل البرهاني، لا يمكن إغفال “المعرفة القلبية” كأداة إدراك مركزية في البنية الإنسانية؛ إذ أن القرآن الكريم لم يحصر الإدراك في الدماغ، بل أشار بوضوح إلى وظيفة القلب المعرفية في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]، “فالقلب هو الذي يدرك ويعقل… وإنما نسب الفقه إلى القلب؛ لأنه هو الذي يميز الحق من الباطل، والخير من الشر، والنافع من الضار، وهو المطبوع في جبلته الإنسانية”[53]، وهذا “الفقه القلبي” يختلف جوهرياً عن “العقل البرهاني”؛ فبينما يدرك العقل “المفاهيم” الكلية وصور الأشياء، يقوم القلب بإدراك “الحقائق” الوجودية عبر الشهود المباشر. ومن هنا، تتكامل الأدوات المعرفية؛ فالعقل يثبت وجود الصانع بالدليل، والقلب يتذوق حلاوة هذا الوجود بالقرب، والوحي يأتي مهيمناً ومسدداً لكليهما. وعليه، فإن تعطيل المعرفة القلبية يؤدي إلى “العمى الروحي” ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، يقول (العلّامة الطباطبائي): “فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور… والمراد بالعمى عمى البصيرة، وهو ذهاب نور العلم والإيمان، وعدم اهتداء النفس إلى الحق”[54]، وهو ما يفسر طغيان النزعة المادية الغربية التي اعتمدت “العقل الأداتي” وألغت “القلب الشهودي”، مما أدى إلى تشيُّؤ الإنسان واغترابه عن ذاته.
خامساً: كرامة الإنسان وتفكيك الهيمنة الحقوقية الغربية
في هذا المبحث، ننتقل من التأصيل النظري إلى الاشتباك المعرفي مع المفاهيم الحديثة، لنبيّن كيف يؤسس القرآن لـ “كرامة حقيقية” في مقابل “الكرامة البروتوكولية” في المواثيق الدولية.
1ـ الكرامة في القرآن: بين الذاتية والاكتسابية
يميز علماء مدرسة أهل البيت(عم) بين نوعين من الكرامة في القرآن:
أ ـ الكرامة الذاتية
التي ذكرت في قوله ـ تعالى ـ : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، ومصدر هذه الكرامة هي “هبة إلهية” مرتبطة بأصل الخلقة (النفخة، العقل، الفطرة)، وتشمل كل البشر (مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم)[55]، وتشمل كل إنسان، بما هو إنسان، فتكون له حرمة، وحق في الحياة، وحق في التملك، وحق في الاختيار، كما تتميّز هذه الكرامة بالثبات وعدم القابلية للإسقاط، أي أنه لا يحق لأحد، ولا للإنسان نفسه، أن يهين إنسانيته أو يتنازل عن حريته للآخرين، كما عن أبي عبد الله(ع) قال: “إن الله ـ تبارك وتعالى ـ فوّض إلى المؤمن كل شيء إلا إذلال نفسه.”[56].
ب ـ الكرامة الاكتسابية
وهي مصداق قوله ـ تعالى ـ : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، ومصدر هذه الكرامة هو العمل، التقوى، العلم، والجهاد. هذه الكرامة هي “معيار التفاضل” عند الله، ومن صفاتها هو الديناميكية، أي أنه يمكن للإنسان أن يكتسبها فيرقى إلى مقام “خليفة الله”، ويمكن أن يخسرها فيرتد إلى “أسفل سافلين”[57]، ويبتنى على سلوك الإنسان جزاء بلحاظ هذه البُعد، أي أنه من يفقد الكرامة الاكتسابية (بالكفر والظلم) لا يفقد حقوقه الطبيعية (كالعدل في المحاكمة)، لكنه يفقد “القيمة المعنوية” و”الولاية” و”الحياة الطيبة”.
2ـ تفكيك التوظيف الغربي لمصطلح “حقوق الإنسان”
يقدم المفكرون الإسلاميون نقداً جذرياً لمنظومة “حقوق الإنسان” الغربية (الليبرالية)، ولكن ليس رفضاً لمبدأ الحقوق، بل كشفاً للخلل في “الأُسُس الفلسفية” و”التوظيف السياسيّ” للنظريات المطروحة، وذلك من خلال:
أ. نقد الأساس الفلسفي (الهيومانيزم/الأنسنة)
تقوم الحقوق الغربية على “مركزية الإنسان” (Humanism) الذي يعتبر نفسه “مالكاً” لنفسه ومشرّعاً للقيم، مستقلاً عن الغيب[58]، فيصل إلى نتيجة مفادها:
ـ السيادة المطلقة: حيث يرى الغرب أن الإنسان حر في جسده وحياته (له حق الانتحار، الإجهاض، المثلية)، وعلى النقيض من ذلك، يرى فلاسفة مدرسة أهل البيت(عم) أن هذا “تأليه للإنسان”، بينما في الإسلام، فالإنسان “مملوك” لله، وحريته هي حرية “مسؤولة” في إطار الملكية الإلهية، وأن حقوق الإنسان هي في جوهرها “واجبات” تجاه الخالق وتجاه الذات، يقول (الشهيد مطهري): “إن الإسلام يرى أن الإنسان ليس مالكاً لنفسه، فليس له أن ينتحر أو يضر نفسه، أو يسقط كرامته… فالحرية في الإسلام حرية مسؤولة، وليست تحللاً من القيود والمسؤوليات، وهي مقيدة بعدم الخروج عن الحدود الإلهية.”[59].
ـ نسبية القيم: بناءً على فصل الحقوق عن الدين والفطرة، أصبحت الحقوق “توافقية” و”نسبية”، أي أنه ما يمكن أن يكون جريمة بالأمس قد يصبح حقاً اليوم، فيما أن الإسلام يربط الحقوق بـ “الحق المطلق” (الله) وبالفطرة الثابتة، مما يمنحها قدسية وثباتاً لا يخضع للأهواء تحت أي مسميات، في هذا السياق، يقول (الشيخ مصباح يزدي): “إنّ القوانين الغربية متغيّرة بتغيّر أهواء الناس ورغباتهم، فما كان جريمة بالأمس قد يصبح اليوم حقاً مشروعاً إذا وافقت عليه الأكثرية البرلمانية… أما في الإسلام، فالحق ثابت ثبوت القيم الفطرية، ولا يتغير بتغير الأهواء”[60]، ويقول (العلّامة الطباطبائي): “فالقوانين المدنية الحاضرة… مبنية على إرادة الأمة (أو إرادة الأغلبية)… لا على موافقة الحق والواقع… وأما الإسلام فقد بنى سنته الجارية وقوانينه الموضوعة على أساس الحق الفطري والتوحيد، لا على أساس إرادة الناس.”[61].
ب ـ نقد التشيُّؤ والتسليع
بعد بلوغ الحضارة المادية مرحلة من التفوّق التقني تم التأسيس لما يسمى “الانتهاك التقني للمقدس”، بحيث حوّلت الحضارة المادية الإنسان من “غاية” (ذو كرامة) إلى “وسيلة” (ذو ثمن)، ولعل ذلك مصادق قوله ـ تعالى ـ : ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا…﴾ [يونس: ٢٤]، ويتجلى ذلك في عدة ممارسات:
ـ تسليع الإنسان: من خلال التقنيات الحديثة (تأجير الأرحام، بيع الأعضاء، التلاعب الجيني، تجارة الجنس، ..) حولت التقنية/الحضارة الغربية الإنسان إلى “سلعة” تباع وتشترى، وإلى “عينة مخبرية”، بينما الإسلام، بربطه الإنسان بالروح الإلهية، يضع “سياجاً مقدساً” حول الجسد والروح يمنع هذا التسليع ويعتبر الإنسان “غاية الغايات” في عالم الخلق[62].
ـ وهم الفردوس الأرضي: وفيما تعِد التقنية بـ “الخلود” و”الرفاهية” ﴿.. وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]، إلا أنها في الواقع تسلب الإنسان “إنسانيته” وتحوله إلى “آلة”، فيما أن الإسلام يرى الخلود في “التكامل الروحي” لا في “التعديل الجيني”.
ج ـ نقد نسبية القيم
علاوة على ذلك، يظهر التباين الجذري بين القرائتين في “منشأ الحقوق”؛ فالفلسفة السياسية الغربية الحديثة تستند في مجملها إلى نظريات “العقد الاجتماعي”، التي تفترض أن الإنسان “ذئب لأخيه الإنسان”، وأن الحقوق والقوانين نشأت نتيجة “اتفاق بشري” بدافع الخوف أو تبادل المصالح، مما يجعل الحقوق هشة وقابلة للنقض بمجرد تغير المصالح أو موازين القوى. وفي المقابل، يؤسس القرآن الحقوق على “الميثاق الفطري” و”العهد الوجودي” بين الخالق والمخلوق؛ فحقوق الإنسان في الإسلام هي “استحقاقات وجودية” سابقة على أي مجتمع أو دولة، وليست منحة من حاكم أو نتاج تصويت ديمقراطي، يقول (الشهيد مطهري): “إن حقوق الإنسان لم يشرعها أحد، ولم يقررها مجلس من المجالس… إن هذه الحقوق ولدت مع الإنسان… فهي توائم تكوينه وتدخل في صميم خلقته… فليست الحقوق وضعية اعتبارية، بل هي حقوق تكوينية فطرية”[63]، ونتيجة لذلك، فإن انتهاك حق أي إنسان لا يعتبر مجرد مخالفة قانونية، بل هو “عدوان على الله” وخيانة للميثاق، مما يمنح منظومة الحقوق الإسلامية قوة إلزامية وضمانة أخلاقية تفتقدها القوانين الوضعية الجافة.
د ـ نقد الفردانية
وهنا يبرز تباين آخر لا يقل أهمية، يتعلق بمفهوم “الفردانية”؛ فالحقوق الغربية تقدس الفرد باعتباره “ذرة منفصلة” تسعى لتحقيق مصلحتها الخاصة في صراع مع الآخرين، مما يولد مجتمعاً مفككاً تحكمه الأنانية المقننة، بينما تقدم الرؤية القرآنية الإنسان ككائن “مترابط وجودياً” مع أخيه الإنسان عبر مفهوم “الولاية”: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]؛ فالعلاقة هنا ليست مجرد “احترام حدود” (كما في الليبرالية)، بل هي علاقة “تكامل وتراحم”؛ فالإنسان في الإسلام لا يكتمل إيمانه ولا تتحقق إنسانيته إلا بالانصهار في “الجسد الواحد” (الأمة)، حيث يصبح همّ الآخر هو همّ الذات، وتتحول الخدمة الاجتماعية من “عمل تطوعي” إلى “واجب ديني” وجزء من مسار التكامل الروحي، يقول (العلّامة الطباطبائي): “فالمجتمع الإسلامي في تآلف أفراده وتراحمهم وتعاطفهم كالبدن الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى… فالولاية المذكورة في الآية: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) تشير إلى التلاحم والامتزاج الروحي الذي يجعل المجتمع كالفرد الواحد في السعي نحو الغرض”[64]، ويقول (الشيخ مصباح اليزدي): “.. أما في النظام الحقوقي الإسلامي فلا يُنظر إلى الفرد بما هو كائن منفصل عن الآخرين، يسعى لتحقيق مصالحه الخاصة ولو على حسابهم… بل إنّ مصلحة الفرد مرتبطة بمصلحة المجتمع، وهناك مسؤولية تضامنية (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)”[65].
سادساً: قوس الصعود والعودة إلى المطلق (المعاد)
بعد استعراض المسار الحقوقي والوظيفي للإنسان في نشأته الدنيوية، يعود بنا السياق القرآني ليغلق الدائرة الوجودية، مؤكداً أن كل هذا السعي ليس إلا مرحلة تمهيدية للعودة الكبرى تكمل الدائرة الوجودية بـ “قوس الصعود”، مؤذنة أن رحلة الإنسان لا تنتهي بالموت، لكنه بمثابة “ولادة ثانية” وانعتاق من سجن المادة وعبورٌ لقنطرة الحياة الدنيا، ولفهم تأثير هذا المبدأ على تعريف “ماهية الإنسان” يجب التأسيس لعدد من الحقائق:
1ـ الحركة الجوهرية نحو المعاد
تأسيساً على مباني الحكمة المتعالية، فإن الإنسان في حركة جوهرية دائمة. الدنيا هي “رحم” تتشكل فيه “النفس” بناءً على أعمالها، والإنسان فيها يبني “هويته الأخروية” بيده، وذلك من خلال:
ـ تجسم الأعمال: أي أن يوم القيامة ليس مجرد محاكمة قانونية، بل هو “ظهور الحقائق” ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً﴾ [الكهف: ٤٩]، أي أن الأعمال التي قام بها الإنسان في الدنيا “تتجسم” وتصبح هي نعيمه أو عذابه، فالصلاة تصبح نوراً، والظلم يصبح ظُلُمات، يقول (العلّامة الطباطبائي): “وقوله: (ووجدوا ما عملوا حاضراً) أي وجدوا نفس أعمالهم حاضرة… والآية من أوضح الآيات الدالة على تجسم الأعمال، وحضور نفس العمل بوجوده الأخروي، خيراً كان أو شراً.”[66].
ـ خلود النفس الإنسانية: لأنها مجردة، لا تقبل الفناء، أي أن الموت هو خلع لباس البدن ولبس لباس آخر (بدن مثالي أو أخروي)[67].
واستكمالاً لهذا المشهد، تلعب “النيّة” دور “المهندس الجيني” لهذه الصور الأخروية؛ ففي الرؤية الإسلامية، لا قيمة للفعل الفيزيائي بحد ذاته إذا خلى من الروح (القصد)، بل إن النية هي التي تحدد “ماهية” العمل وتأثيره في بناء النفس، يقول النبي الأكرم(ص): “إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.”[68]، ولذلك، قد يقوم شخصان بنفس الفعل الظاهري (كإنفاق المال)، لكن أحدهما يبني به “صرحاً في الجنة” لكونه صدر عن إخلاص، والآخر يبني به “ناراً تحرقه” لكونه صدر عن رياء. ومن هنا، فإن مشروع بناء الذات في الإسلام يركز على “تطهير الدوافع” قبل تكثير الأفعال، لأن “الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”، مما يجعل “النية” هي المعيار الحقيقي لتقييم الرقي الإنساني، بعكس الماديّة التي تقيس النجاح بالأرقام والنتائج الظاهرة فقط.
2ـ لقاء الله: الغاية القصوى
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]، ترى مدرسة أهل البيت(عم) أن غاية الإنسان ليست “الجنة” (بمعنى الأكل والشرب والملذات الحسيّة) فقط، بل “لقاء الله”، كما أن الجنة (الغاية) لها عدة مراتب، فهناك جنة الأعمال (للعامة)، وجنة الصفات (للأبرار)، وجنة الذات (للمقربين) ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]. وهي امتداد لمقام العبودية الحقة التي توصل الإنسان في الدنيا إلى حيث لا يرى إلا الله، وتلك هي “السعادة القصوى” التي خُلق الإنسان لأجلها، يقول (العلّامة الطباطبائي): “قوله ـ تعالى ـ : (في مقعد صدق عند مليك مقتدر)… وهذا المقام هو الحضور عند الله، وهو مقام القرب الذي لا حجاب دونه، وهو الخلوص له تعالى، وفيه كمال العبودية… وهذه جنة اللقاء، وهي فوق جنة الأعمال.”[69].
الخاتمة
تخلص هذه الدراسة التأصيلية إلى أن “البنية المتكاملة للإنسان” في القرآن لا تتحقق إلا عبر معادلة وجودية خلاصتها: “البداية من الله (خلقاً وفطرة)، والمسير مع الله (عبوديةً وتشريعاً وابتلاءً)، والنهاية إلى الله (لقاءً وحساباً)”، وفي هذا السياق، يتضح أن مصطلح “العبودية” في مدرسة أهل البيت هو النقيض الجذري لـ “الاستعباد”؛ إذ إن العبودية لله تعني “التحرر المطلق” من عبودية الطواغيت، والأهواء، والخوف، والطمع؛ فحينما يعلن الإنسان فقره المطلق للغني المطلق، فإنه يتصل بمصدر القوة، ويصبح “خليفة” حقيقياً، وأن جوهر العبودية جوهرة كنهها الربوبية، أي أنه بقدر ما يمحو الإنسان “أناه” ويفنى في إرادة الله، يمنحه الله “ولاية” على نفسه وعلى الكون، أي أنه في مواجهة التشيؤ الغربي والعبثية المادية، يقدم القرآن “الإنسان” كمشروع إلهي عظيم، كائناً مكرماً، حراً، مسؤولاً، يحمل همّ الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض، ويسير في كدح دائم نحو المطلق.
لائحة المصادر والمراجع
1ـ الحسن بن يوسف الحلي (العلامة): كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، تحقيق: حسن زاده الآملي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط ١٤، ١٤٣٣هـ.
2ـ روح الله الخميني: الحكومة الإسلامية، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط ٣، ١٤٠١هـ.
3ـ صدر الدين محمد الشيرازي (ملا صدرا): الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ٣، ١٩٨١م.
4ـ عبد الله الجوادي الآملي: المرأة في مرآة الجلال والجمال، دار الهادي، بيروت، ط ١، ١٩٩٤م.
5ـ عبد الله الجوادي الآملي: منزلة العقل في هندسة المعرفة الدينية، مركز إسراء للنشر، قم، ط ١، ٢٠٠٧م.
6ـ علي الخامنئي: سنن التاريخ في القرآن الكريم، معهد المعارف الحكمية، بيروت، ط ١، ٢٠١١م.
7ـ علي الخامنئي: طرح كلي للفكر الإسلامي في القرآن (مشروع الفكر الإسلامي)، دار صهبا، طهران، ط ١، ٢٠١٧م (أو: دار المعارف الحكمية، بيروت).
8ـ محمد باقر الصدر: المدرسة القرآنية (محاضرات في التفسير الموضوعي)، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، د.ط، ١٤٠١هـ.
9ـ محمد باقر الصدر: فلسفتنا، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، د.ط، ١٩٨٢م.
10ـ محمد باقر المجلسي: زاد المعاد (مفتاح الجنان)، تحقيق: علاء الدين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط ١، ٢٠١٣م.
11ـ محمد بن الحسن الطوسي: الأمالي، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية، دار الثقافة، قم، ط ١، ١٤١٤هـ.
12ـ محمد بن الحسين (الشريف الرضي) (جمع وترتيب): نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١، ٢٠٠٧م.
13ـ محمد بن علي الصدوق: التوحيد، تحقيق: هاشم الحسيني الطهراني، مؤسسة النشر الإسلامي (جماعة المدرسين)، قم، د.ط، ١٣٩٨هـ.
14ـ محمد بن يعقوب الكليني: الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط ٤، ١٤٠٧هـ.
15ـ محمد تقي مصباح اليزدي: المنهج الجديد في تعليم الفلسفة، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط ١، ١٩٩٩م.
16ـ محمد تقي مصباح اليزدي: دروس في العقيدة الإسلامية، مؤسسة الهدى للنشر، طهران، ط ١، ٢٠١٥م.
17ـ محمد تقي مصباح اليزدي: معارف القرآن، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط ١، ٢٠١٦م.
18ـ محمد تقي مصباح اليزدي: معرفة الإنسان، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط ٢، ٢٠١١م.
19ـ محمد تقي مصباح اليزدي: نظرة عابرة إلى حقوق الإنسان، دار الهادي، بيروت، ط ١، ٢٠٠٦م.
20ـ محمد حسين الطباطبائي: الشيعة في الإسلام، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط ١، ١٩٩٩م.
21ـ محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط ١، ١٩٩٧م.
22ـ محمد حسين الطباطبائي: نهاية الحكمة، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط ١، ١٤٢٢هـ.
23ـ محمد رضا المظفر: عقائد الإمامية، دار الصفوة، بيروت، ط ١، ٢٠١٢م.
24ـ محمد محسن الفيض الكاشاني: علم اليقين في أصول الدين، تحقيق: محسن بيدارفر، دار بيدار، قم، ط ١، ١٤١٨هـ.
25ـ مرتضى المطهري: نظام حقوق المرأة في الإسلام، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط ١، د.ت.
الهوامش
[1] باحث في الدراسات الإسلامية وطالب بالحوزة الدينية من مصر.
[2] محمد باقر الصدر: فلسفتنا، ص ٣٨.
[3] محمد تقي مصباح اليزدي: معرفة الإنسان، ص ٤٦.
[4] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج ١٢، ص ١٥٤ (في تفسير سورة الحجر، آية ٢٨).
[5] م.س.، ج ١٥، ص ٢٠ (في تفسير سورة المؤمنون، آية ١٤).
[6] محمد بن الحسين (الشريف الرضي) (جمع وترتيب): نهج البلاغة، ص ٤٣، خطبة ١.
[7] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج ١٢، ص ١٥٥.
[8] صدر الدين محمد الشيرازي (ملا صدرا): الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج ٨، ص ٣٤٧، السفر الرابع، الباب الرابع.
[9] عبد الله الجوادي الآملي: المرأة في مرآة الجلال والجمال، ص ٨٤.
[10] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج ١٢، ص ٣٤١.
[11] م.س.، ج ٨، ص ٣٠٧ (في تفسير سورة الأعراف، آية ١٧٢).
[12] م.س.، ج ١٦، ص ١٧٩ (في تفسير سورة الروم، آية ٣٠).
[13] محمد بن الحسين (الشريف الرضي) (جمع وترتيب): نهج البلاغة، ص ٤٣، خطبة ١.
[14] محمد تقي مصباح اليزدي: معرفة الإنسان، ص ٣٧.
[15] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج ٢٠، ص ٢٩٧.
[16] محمد حسين الطباطبائي: نهاية الحكمة، المرحلة الثانية عشرة، الفصل الثامن عشر، ص ٣٣١.
[17] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج ١، ص ١٣٣.
[18] م.س.، ج ١، ص ١٤٢.
[19] م.س.، ج ١٨، ص ١٦٤ (في تفسير سورة الجاثية، آية ١٣).
[20] م.س.، ج ١، ص ١١٥.
[21] م.س.، ج ١٨، ص ١٦٤.
[22] روح الله الخميني: الحكومة الإسلامية، ص ٥٣.
[23] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج ١٠، ص ٣٠٨ (في تفسير سورة هود، آية ٦١).
[24] م.س.، ج ١، ص.ص. ١١٥ ـ ١١٨.
[25] محمد تقي مصباح اليزدي: معارف القرآن، ص ١٦٤. (٤ ـ ٥: المبحث الأنطلوجي، الإنسان في القرآن).
[26] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج ١٦، ص ٣٤٩ (في تفسير سورة الأحزاب، آية ٧٢).
[27] م.س.، ج 1، ص ١٢١ (في تفسير سورة البقرة، آية ٣٤).
[28] المجلسي: زاد المعاد (مفتاح الجنان)، ص ٥٦٨، في ‘دعاء العديلة’.
[29] الكليني: الكافي، ج ١، ص ١٧٩، كتاب الحجة، باب “أن الأرض لا تخلو من حجة”، ح ١٠.
[30] م.س.، ، ج ١، ص ١٤٤، كتاب الحجة، باب “نوادر في باب الهداية”، ح ١.
[31] محمد بن علي الصدوق: التوحيد، ص ٣٦١، باب ‘نفي الجبر والتفويض’، ح ٧.
[32] محمد حسين الطباطبائي: نهاية الحكمة، المرحلة الثانية عشرة، الفصل الرابع عشر، ص ٣٢٣.
[33] صدر الدين محمد الشيرازي (ملا صدرا): الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ، ج ٣، ص ١٠٩، السفر الأول، المسلك الثالث، المرحلة الثانية، الفصل السادس عشر.
[34] الكليني: الكافي، ج ١، ص ١٦٠، كتاب ‘التوحيد’، باب ‘الجبر والقدر والأمر بين الأمرين’، ح ١٣.
[35] م.س.، ج ١، ص ١٥٢، كتاب ‘التوحيد’، باب ‘المشيئة والإرادة’، ح ٦.
[36] م.س.، ج ١، ص ١٠، كتاب ‘العقل والجهل’، ح ١.
[37] محمد بن الحسين (الشريف الرضي) (جمع وترتيب): نهج البلاغة، ص ٣٠٣، الخطبة ١٩٣ (خطبة المتقين).
[38] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج ١٨، ص ٣٨٢.
[39] م.س.، ج ١٦، ص ١٠٠ (في تفسير سورة العنكبوت، آية ٢).
[40] محمد تقي مصباح اليزدي: معرفة الإنسان، ص ١٥٦.
[41] محمد تقي مصباح اليزدي: المنهج الجديد في تعليم الفلسفة، ج ٢، ص ٤١٦، الدرس التاسع والخمسون.
[42] محمد تقي مصباح اليزدي: دروس في العقيدة الإسلامية، ج ٢، ص ١٦٠ (مبحث العدل الإلهي).
[43] محمد باقر الصدر: المدرسة القرآنية (محاضرات في التفسير الموضوعي)، ص ١٢٥، محاضرة ‘سنن التاريخ في القرآن الكريم’.
[44] علي الخامنئي: سنن التاريخ في القرآن الكريم، ص ٧٣ (بتصرف في العنوان)، وانظر الأصل الروائي في: الكليني: الكافي. ج ٢، ص ٤٥٢، ح ١.
[45] علي الخامنئي: طرح كلي للفكر الإسلامي في القرآن ، ص ٤٤٦.
[46] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج ١٢، ص ١٦٤ (في تفسير سورة الحجر، آية ٣٩).
[47] الكليني: الكافي، ج ١، ص ١٦، كتاب ‘العقل والجهل’، ح ١٢.
[48] الحسن بن يوسف الحلي (العلامة): كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ص 256، المقصد الثالث، الفصل الأول.
[49] محمد رضا المظفر: عقائد الإمامية، ص 41، عقيدتنا في العدل.
[50] محمد حسين الطباطبائي: الشيعة في الإسلام، ص ٧٣.
[51] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج ٢، ص ١٤٨.
[52] عبد الله جوادي الآملي: منزلة العقل في هندسة المعرفة الدينية، ص.ص. ١٦٠ ـ ١٦١.
[53] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج ٨، ص ٣٠٤ (في تفسير سورة الأعراف، آية ١٧٩).
[54] م.س.، ج ١٤، ص ٣٩١ (في تفسير سورة الحج، آية ٤٦).
[55] م.س.، ج ١٣، ص ١٥٦.
[56] الكليني: الكافي، ج ٥، ص ٦٣، كتاب ‘الجهاد’، باب ‘أن المؤمن لا يذل نفسه’، ح ٢.
[57] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج ١٨، ص ٣٢٨.
[58] محمد تقي مصباح اليزدي: نظرة عابرة إلى حقوق الإنسان، ص ٢٧.
[59] مرتضى المطهري: نظام حقوق المرأة في الإسلام، ص ١٤٢.
[60] محمد تقي مصباح اليزدي: نظرة عابرة إلى حقوق الإنسان، ص ٧٣.
[61] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج ٤، ص ٩٦ (في تفسير سورة النساء، آية ١).
[62] الفيض الكاشاني: علم اليقين في أصول الدين، ج ١، ص ٣٨١، المقصد الأول.
[63] مرتضى المطهري: نظام حقوق المرأة في الإسلام، ص ١٥٦.
[64] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج ٩، ص ٣٣٨ (في تفسير سورة التوبة، آية ٧١).
[65] محمد تقي مصباح اليزدي: نظرة عابرة إلى حقوق الإنسان، ص ٨٩.
[66] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج ١٣، ص ٣٢٦ (تفسير سورة الكهف، آية ٤٩).
[67] محمد حسين الطباطبائي: نهاية الحكمة، المرحلة الثانية عشرة، الفصل السادس عشر، ص ٣٣١.
[68] الطوسي: الأمالي، ص ٥٣٦، ح ١١٦٢.
[69] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ، ج ١٩، ص ٨٧.