الإمامة في مصادرها الأولى

17 سبتمبر 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬359 زيارة

الإمامة في مصادرها الأولى

دراسة نقدية في «دلائل الإمامة» للطبري

د. نعمة الله صفري فروشاني(*)

ترجمة: نظيرة غلاب

تمهيد ــــــ

إقامة الدلائل أسلوب في إثبات إمامة الأئمة الاثني عشر^، انطلاقاً من ذكر المعجزات والكرامات التي كانت تجري على أيديهم. وقد كان هذا المنحى سائداً خلال القرون الأولى للتشيع، واعتمده جمع من العلماء الأخباريين آنذاك. وقد كان محمد بن جرير الطبري الآملي واحداً منهم. ورغم المجهود الكبيرة للعلماء، أمثال: آقا بزرگ الطهراني في كتابيه «الذريعة» و«النابس»، وكذا العلامة التستري في كتابه «الأخبار الدخيلة»، والعلامة المامقاني في كتابه «تنقيح المقال»، في التعريف بمحمد بن جرير الطبري، لا زال الغموض يكتنف هذه الشخصية، كما لا زالت العديد من الروايات التي احتج بها في كتابه «دلائل الإمامة» لإثبات إمامة الأئمة بحاجة إلى المزيد من التمحيص والمعالجة، سواء من جانب سندها أو من جانب  محتوى متنها.

ويعدّ كتاب «دلائل الإمامة» أقدم متن شيعي ألّف على طريقة  «إقامة الدلائل على إمامة الاثني عشر من خلال ذكر معجزاتهم وكراماتهم»([1]). وهذا ما يوضحه القسم الأكبر من الكتاب الذي بقي إلى اليوم، حيث يلاحظ اختصاصه بذكر معجزات وكرامات سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء÷ والأئمة الأحد عشر من نسلها.

التعريف بابن جرير الطبري ــــــ

أما في ما يرجع إلى صاحب  «دلائل الإمامة» الشيخ محمد بن جرير الطبري الآملي، فإنه مما يؤسف له عدم  توفُّر معلومات كثيرة عن هذه الشخصية، حتى أنه لا يعرف تاريخ ميلاده، ولا تاريخ وفاته، وقد تضاربت المعلومات حوله حتى في نسختي كتاب «دلائل الإمامة»؛ فالنسخة الأولى تذكر أنه من علماء الإمامية في القرن الرابع؛ أما  النسخة الثانية فتشير إلى أنه من كبار علماء القرن الخامس. ومما يزيد الأمر غرابة  أنه في السنوات الأخيرة عرض له كتابٌ آخر بعنوان «نوادر المعجزات»([2]).

 كما أن البحث في كتب الرجال عن ترجمة لمحمد بن جرير ليست من الأمر الميسَّر، بحيث إن كتب الرجال نفسها لم تعطِ ترجمة دقيقة عنه، فكل ما تجده هو ذكرها لأربع شخصيات علمائية تحمل الاسم نفسه عاشت ما بين القرن الثالث والقرن الخامس،  فيغدو تحديد صاحب كتاب «دلائل الإمامة» أمراً صعباً([3]), ويعتقد؛ لقرائن، أنه قد وقع الخلط بين تلك الشخصيات الأربعة في الأبحاث الرجالية نفسها([4]). وهذه الشخصيات الأربع هي:

1ـ محمد بن جرير، من أصحاب الإمام الحسن العسكري×، حيث أشار إليه× في بعض الروايات بـ «يا بن جرير»، وقد نقل العديد من معجزات الإمام العسكري([5]).

ويشار إلى أن ابن إسفنديار في «تاريخ طبرستان» قد عدّه من أصحاب الإمام الرضا×، ونسب إليه كتاب «المسترشد»، في حين أن هذا الكتاب هو لمحمد بن جرير الثالث([6]).

2ـ أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري الآملي (224 ـ 310هـ)، المؤرخ والمفسر السني المعروف، وصاحب كتابَيْ «طرق حديث غدير خم»، وكتاب «غدير خم»([7]).

3ـ محمد بن جرير بن رستم الطبري، صاحب «المسترشد». وقد ذكر لأول مرة في كتاب «رجال النجاشي» (372 ـ 450هـ)، وتم توثيقه، وعده النجاشي من الشخصيات العلمائية الكبيرة، كما عرفه عن طريق اثنين من مشايخه([8]). واستناداً إلى تعريف النجاشي الأخير رأى  بعض الباحثين المعاصرين أن محمد بن جرير الطبري من معاصري الشيخ الكليني (329هـ), وحسين بن رواح (326هـ)، ومحمد بن جرير الطبري المؤرّخ العامي (310هـ)، من حيث تقارب زمنه لزمن كلّ واحد من هؤلاء([9]). كما أن الشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ) قد عرَّفه بقوله: «ديّن فاضل»، ونسب إليه كتاب «المسترشد»([10]).

4ـ محمد بن جرير بن رستم الطبري الآملي، صاحب كتاب «دلائل الإمامة». وانطلاقاً من دراسة سند روايات هذا الكتاب يلاحظ أن محمد بن جرير بن رستم قد روى روايات كتابه عن شخصيات متعدِّدة معروفة، ومن بين هؤلاء: محمد بن هارون بن موسى التلعكبري (توفي هارون سنة 385هـ، وكان محمد ابنه حياً إلى سنة 410هـ), وروى عن محمد بن عبد الله المشهور بأبي المفضَّل الشيباني (297 ـ 387هـ)، وهو من مشايخ النجاشي (450هـ) ([11])، وعن حسين بن إبراهيم، المشهور بابن الخياط، وهو من مشايخ الطوسي (460هـ) ([12])، كما نقل الرواية عن الشيخ الصدوق (381هـ) بواسطة تلامذته([13])، كذلك نقل بعض الروايات عن أبي عبد الله حسين بن عبيد الله الغضائري (411هـ)، وكما هو معروف فإن الغضائري من مشايخ النجاشي، بل عد الغضائري من مشايخه هو الآخر([14]).

وانطلاقاً من توافق زمن مشايخه وزمن مشايخ النجاشي والطوسي فإن هذا يجعلنا نخلص إلى أنه عاصر كلاًّ من النجاشي والطوسي، وبالتالي توافق حياته العلمية أواخر القرن الرابع والنصف الأول من القرن الخامس، وهذا ما تشير إليه تواريخ بعض رواياته في كتاب «دلائل الإمامة». ومما يلفت النظر أكثر أنه قد روى بعض روايات كتابه عن محمد بن جرير الطبري صاحب «المسترشد» بواسطة واحدة  أو بعدة وسائط([15])،  وهذه النقطة جدّ مهمة؛ لأنها تجعلنا نميز بين الشخصيتين ونفرِّق بينهما.

واتّباعاً لما توصَّل إليه الباحثون والرجاليون المعاصرون([16]) فإنّ كتب الرجال لم تعتبر محمد بن جرير شخصية يكتنفها الغموض فحسب، بل شككت فيه، وشككت في كونه صاحب «دلائل الإمامة»([17]). فقد كان أول من نسب إليه هذا الكتاب السيد ابن طاووس (664هـ)([18])، الذي عمل في الكثير من الموارد على حذف السند، واكتفى في نقل الرواية بقوله: «قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري»([19]). واستعماله لصيغة الغائب «قال أبو جعفر…» كان وقتئذٍ أسلوباً شائعاً في التعبير عن أن الكتاب له. كما يحتمل أن القسم الأول للكتاب ـ المفقود لدينا اليوم ـ قد كان عند السيد ابن طاووس، ولربما كان حذف السند من الكاتب نفسه، وليس من فعل السيد ابن طاووس([20]). وقد يكون السيد ابن طاووس في نسبته كتاب «دلائل الإمامة» إلى محمد بن جرير قد استند إلى ما كتبه ابن شهرآشوب (588هـ) من أن الكتاب هو لمحمد بن جرير([21])، إلاّ أن هذا لا يعني أن نسبة الكتاب إلى ابن جرير لأوّل مرة كانت في القرن السادس، بل لربما نسب إليه الكتاب في فترة أقرب، ولكنه لم يصلنا.

وبناءً على عدم إتيان كتب الرجال ـ التي دونت بعد وفاة السيد ابن طاووس ـ بترجمة دقيقة لمحمد بن جرير، وعدم إفرادها لشخص باسم محمد بن جرير، واكتفائها بالإشارة إليه على أنه صاحب «المسترشد»، وعدم حسمها القطعي في إسناد الكتاب إليه، يبقى أمامنا القول: إن صاحب كتاب «دلائل الإمامة» عاش في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس، وإن لديه كتاباً شمل الكلام عن معجزات وكرامات المعصومين^.

ورغم سيطرة الغموض على هذه الشخصية إلا أن العديد من الكتب قد عملت على نسبة كتب أخرى إليه، رغم أن كتابات النجاشي والطوسي والحلّي، وكذا ابن داوود، باعتبارها المنابع الأم في هذا الميدان، لم تنسب إليه سوى «المسترشد».

ومن هؤلاء الذين نسبوا إلى محمد بن جرير كتباً أخرى ابن شهر آشوب. وبشكل لم يسبقه إليه أحد نسب إليه ثلاثة كتب: «المسترشد في إثبات الإمامة»؛ «دلائل الإمامة»؛ و«الفاضح»([22])، والذي ذكره مدرس التبريزي بعنوان «الإيضاح في الإمامة»([23]).

ونسب إليه السيد محسن الأمين العاملي؛ باستناده على بعض الكتب الأم الشيعية وبعض كتب العامة، ومنها: ميزان الاعتدال، ستة كتب، وهي: 1ـ «الإيضاح»، 2ـ «المسترشد في الإمامة», 3ـ «دلائل الإمامة», 4ـ «مناقب فاطمة وولدها»، 5ـ «الرواة عن أهل البيت»، 6ـ «نور المعجزات»([24]).

ولم يقع السيد محسن الأمين في الخلط بين صاحب «المسترشد في الإمامة» وصاحب «دلائل الإمامة» فحسب، بل جعل كتاب «مناقب فاطمة وولدها»، الذي هو نفسه «دلائل الإمامة»، كتاباً مستقلاًّ.

وخروجاً من هذه الدوامة نشير إلى أن هدف بحثنا بالدرجة الأولى هو البحث في سند ومتن روايات كتاب «دلائل الإمامة»، وليس الاستغراق في شخصية مؤلِّفه رغم أهميتها.

1ـ الإشكالات الواردة على محتوى الروايات  ــــــ

كما سبق أن أشرنا فإن هذا الكتاب قد ألف في مرحلة كان السائد فيها الاحتجاج على إمامة الأئمة من خلال ذكر ما جرى على أيديهم من معجزات وكرامات، وقد كان القرن الخامس أوج مرحلة هذا الاتجاه وازدهاره.

ما تبقى من هذا الكتاب هو القسم الثاني منه، وقد اختص بسيدة نساء العالمين فاطمة بنت النبي الأكرم‘، كما اختص بالمعصومين من ولدها ونسلها^، ويحتمل أن يكون القسم الأول منه، والذي لم يصل إلينا، قد اختص بالنبي الأكرم‘ وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب×.

إن عنوان الكتاب يشير إلى كونه مختصاً في طرح المعجزات والكرامات، ولكن الاطلاع على محتوى الكتاب يظهر أن الأمر ليس كذلك. فقد طرح الكتاب ـ إلى جانب المعجزات ـ العديد من المواضيع المختلفة، ويلاحظ هذا بشدة في القسم المختص بالإمام الثاني عشر#، وهو القسم الأكثر تفصيلاً بالمقارنة مع باقي الأقسام الأخرى. ومن بين المواضيع التي تعرض إليها في هذا القسم بالذات موضوع ضرورة وجود الحجة وعدم خلو الأرض منه (معرفة أن الله لا يخلي الأرض من الحجة) ([25])، وكذلك ناقش واستدل على وجود القائم# ووجوب معرفته (معرفة القائم# وأنه لا بد أن يكون) ([26])، ولادة الإمام (في معرفة الولادة، وفي أية ليلة وأي شهر وأين ولد؟)([27])، معرفة الصحابة الذين تشرفوا برؤيته، سواءٌ في زمن والده الإمام الحسن العسكري أو في أثناء تواجده في سامراء وفي زمن الغيبة([28])، وقد ذكر كذلك الروايات التي تتحدث عن غيبته بكلا نوعيها، وخصوصاً الغيبة الكبرى (معرفة ما ورد من الأخبار في وجوب الغيبة) ([29])، وتعرض بالذكر للمناصرين له# بعد ظهوره، مَنْ هم؟ ومن أي البلاد هم؟  (معرفة رجال مولانا صاحب الزمان#)([30]).

ومن المواضيع الملفتة للنظر ضمن القسم الأخير من الكتاب أنه ينقل روايات عن الإمام الصادق× تقول: إن لديه في كتاب تعداد المناصرين لقائم آل محمد#، وكل ما يتعلق بهم، من نسبهم، وقبائلهم، وأماكنهم، بل إن الكتاب فيه أسماء جميع المناصرين للائمة المعصومين، بدءاً من أمير المؤمنين× إلى آخرهم الحجة#، وما يتعلق بكلّ واحد منهم. وطبقاً لتلك الأحاديث، وأمام إصرار الصحابي الجليل أبو بصير، فإن الإمام الصادق× أفصح عن عدد المناصرين للإمام الحجة# في كل منطقة من العالم الإسلامي حسب خريطة ذاك الزمان، ويلاحظ فيها أن سهم منطقة خراسان الكبرى كان الأوفر، كالتالي: من مرو الرود نفران (2)، من مرو اثنا عشر نفراً (12)، من طوس خمسة (5)، من طالقان([31])  أربعة وعشرون (24)، من غرو (تقع بين هرات وغزنة) ثمانية (8)، من نيشابور ثمانية عشر (18)، من هرات اثنا عشر (12)، من بوشنغ (مناطق في نواحي هرات) أربعة (4)، وأخيراً من فارتياب (توجد في أفغانستان الحالية) نفران (2).

فيكون عدد المناصرين من منطقة خراسان الكبرى سبعة وثمانين نفراً (87)، أي ما يعادل 28 في المائة من مجموع 313 نفراً، وتكون طالقان أوفرها حظّاً، ولربما يرجع هذا لكون طالقان من المناطق الشيعية الأولى في خراسان، وأما حصة قم فهي ثمانية عشر (18) مناصراً، والكوفة أربعة عشر (14).

والعجيب في تلك الروايات التي نقلها عن الإمام الصادق× أنه ذكر أسماء هؤلاء المناصرين، وكانت كلها أسماء عربية تتوافق وأسماء ذاك الزمان، مما يعني أن الذي وضع تلك الروايات كان على معرفة بهم. فمع التطور الثقافي أصبحت مثل تلك الأسماء في منطقة خراسان نادرة. وكمثال على ذلك: فمن منطقة قم: غسان بن محمد بن غسان، عمران بن خالد بن كليب، سهل بن علي بن صاعد، حسكة بن هاشم، الأحوص بن محمد بن إسماعيل، بلبل بن مالك بن سعد بن طلحة، موسى بن عمران بن لاحق، عباس بن زخر بن سليم، مروان بن علابة، صقر بن إسحاق، الكامل بن هشام، وعلي بن أحمد بن برة بن نعيم([32]). والملفت للنظر أكثر أن الروايتين اللتين أتى بهما لم تستطيعا الوصول إلى العدد المعروف والمشهور لدى الإمامية، 313 نفراً، بينما تقول الرواية الأولى: إن عددهم 307 أنفار، وفي الرواية الثانية لا يتجاوز عددهم 300 نفر.

ولكن رغم أن هذه الروايات ـ كغيرها من الروايات الكثيرة المتعلقة بعصر الظهور ـ تعاني من إشكالات وهفوات، سواءٌ من جهة السند أم من جهة المتن، التي تفوح منها رائحة الوضع، إلاّ أنه ربما نستطيع النظر إليها من زاوية  أخرى، فالروايات التي ذكرناها عددت أصحاب الحجة ومناصريه وذكرت مناطقهم في فترة كان العالم الإسلامي يمتد على مساحة من الاتساع والكبر، فقد كان يمتد من صقلية غرباً إلى الهند وسريلانكا شرقاً، ومن بلاد ما وراء النهر شمالاً إلى صنعاء جنوباً، فكيف تسنّى لهم معرفة تلك المناطق؟ ولماذا ذكرت تلك المناطق بالذات، ولم تذكر مناطق مهمة اليوم بلحاظ كثافتها الشيعية، كمناطق الترك في إيران وغيرها كثير؟ وإن كان لهذا دلالةٌ فإنما يشير إلى أن هذه المناطق لم تكن تعرف كثافة شيعية يومذاك، بينما كان لمناطق نائية جداً نصيبٌ مهمٌّ في لائحة المناصرين.

وانطلاقاً من حياة أول إمام من الأئمة الاثني عشر فإن الكتاب ينفتح على مسائل تاريخية وبشرية لها أهمية كبيرة . ففي القسم التاريخي يعرض سيرة الأئمة، فيطرح تاريخ الولادة، النسب، والتعريف بأمّ كل إمام×، ألقاب وأسماء أولادهم، ما نقش على خاتم كل واحد منهم، وأخيراً يذكر لمحة عن عصر كل واحد منهم.

ويلاحظ على المؤلِّف أثناء تسلسله في ذكر الأئمة إلى ما قبل الإمام الحسن العسكري× أنه اعتمد على روايات منقولة عن الإمام العسكري×، مما يعني أن سلسلة ذلك السند اختصت فقط بذكر تاريخ الولادة والوفاة ومدة عمر كل واحد منهم، أما باقي المطالب، كالمحيط السياسي والاجتماعي، فإن ذلك الإسناد لم يشمله.

ونظراً لوقوع ابن أبي الثلج البغدادي (325هـ) في إسناد تلك الروايات، وبمقارنة هذا القسم من الكتاب بكتاب «تاريخ الأئمة»، لابن أبي الثلج([33])، نستطيع الجزم بالاقتباس والنقل الكامل منه. كما نلاحظ التشابه الكبير بينه ـ أي دلائل الإمامة ـ وبين «الأنوار»، لمحمد بن همام الإسكافي، الذي يوجد بين أيدينا جزءٌ منتخبٌ منه بعنوان «منتخب الأنوار»([34]).

ورغم انحصار أقسام الكتاب، وبالتحديد القسم التاريخي منه، في ما ذكرناه إلاّ أنه ذهب إلى طرح بعض المسائل التاريخية الأخرى، مثل «حديث فدك»([35])، وخطبة الزهراء÷([36])، وكذلك تناول كيفية خروج الإمام الثامن علي بن موسى الرضا× من المدينة باتجاه مرو وما رافق تلك الهجرة من مشاهد التفاف الشيعة حول الإمام× في نقاط عديدة. وما يثير الغرابة في هذا القسم هو تلك الروايات التي صيغت على شاكلة قصص وحكايات كان التضخيم والمبالغة فيها علامةً على وضعها ابتداء([37])، كما يلاحظ فيها تغلغل عقائد الفرقة الإسماعيلية، كعقيدة الأدوار (المراحل الزمنية) السبعة([38])، وما سيكون عليه العالم ما بين الظهور إلى يوم القيامة، بحيث سيعمّ نور الإمام الحجة# أرجاء المعمورة، وستصبح الدنيا في غنى عن نور الشمس والقمر، وإن الشرور ستنتفي وتختفي مطلقاً، حتى أن المؤمن سينعم بكل ملذات الدنيا من غير أي تضييق ومزاحمة، وسترتاح البشرية من وسوسة الشيطان، حتى أن الأشجار لن تعود ذات أشواك([39])، كناية  عن انتفاء الألم وكل ما من شأنه تعكير صفوة الدعة والراحة لكل المؤمنين، وهذه الاعتقادات هي عينها اعتقادات الإسماعيلية.

وفي الطرف النقيض لكل تلك الروايات عن زمن الظهور توجد روايات أخرى تظهر الظهور على أنه مرحلة قاسية وخشنة، بحيث إن الإمام# وفي أوائل ظهوره سيقتل خمسمائة وألفاً (1500) قرشيٍّ، بعد أن يتمّ سجنهم، وكذا سيكون مصير خمسمائة أخرى من المعترضين عليه، وأنه بعد ذلك سيصل الكوفة، حيث سيقتل ستة عشر ألف شخص (16000) من فرقة البترية ـ وهي فرقة زيدية([40])ـ. وقد ذكر رواية تعلِّل كل هذا القتل وكل تلك الدماء، ونسبها إلى الإمام الصادق×، وفيها: «لأن الله بعث محمّداً‘ رحمةً، ويبعث القائم# نقمة»([41])، حتى ينتقم ويأخذ بالثأر.

وما يجب التأكيد عليه من خلال هذه الروايات الأخيرة، التي تتحدث عن القتل وسفك الدماء، أن البون شاسع بين مهدي الإمامية، الذين يؤمنون بأن القائم# تجلٍّ لله، من حيث كونه مظهراً للرحمة والرأفة، وبين مهدي الفرقة الإسماعيلية والجارودية، التي ترى فيه مظهراً للعنف والقتل والانتقام، وأنه نقمة إلهية على أهل الأرض، ولعل رواية «يملأ الأرض عدلاً» تعبيرٌ جليٌّ عن رؤية الإمامية واعتقاداتها في مهدي آخر الزمان#.

وفي الكتاب كذلك أبوابٌ تطرَّقت لذكر من تشرَّف برؤية القائم#، سواءٌ أثناء إقامته في سامراء([42]) أو في زمن الغيبة([43])، إلا أن تعرضه للوكلاء كان سطحياً وباهتاً، رغم أن الكتاب قد كتب في أواخر القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس، وهو الزمن الذي كانت فيه ثقافة الوكلاء، والسفراء الأربعة بالأخص، ودورهم في الوساطة بين الإمام وبين المؤمنين رائجة، ولها مكانة بارزة، ويظهر هذا في الروايات التي نقلها الإسكافي (258 ـ 336هـ) في كتابه «الأنوار»، والذي نقل عنه محمد بن جرير في هذا الكتاب الكثير([44]). ونفس هذا الأمر بالنسبة لكتاب «كمال الدين»، للشيخ الصدوق، حيث كثرة الروايات التي تتحدث عن السفراء الأربعة ودورهم المهم والكبير في زمن الغيبة([45])، بل وقد تعرض حسين بن حمدان الخصيبي (358هـ) في كتابه «الهداية الكبرى» للسفراء الأربعة، رغم اختلاف عقائده عن عقائد الإمامية، حيث يرى فيهم  مجرد وكلاء في إجراء الأمور المالية والتنفيذية، وعدم إيمانه بأن دورهم يتعدى ذلك إلى أمور معنوية([46]). وكل هذه الشخصيات وكل تلك الكتب ـ كما يلاحظ من تاريخها ـ قد كتبت في فترة قريبة أو متزامنة لزمن كتاب «دلائل الإمامة». من هنا يصبح السؤال التالي غاية في الإلحاح: هل عدم تطرُّق «دلائل الإمامة» للوكلاء يرجع إلى عدم اطلاعه على خصوصيات المذهب الإمامي في ما يخص وكلاء الإمام الحجة، أم كان له رأي آخر في الوكلاء يخالف ما عليه المشهور في المذهب، أم أن غض طرفه كان سهواً، ولم يكن عن عمد أو لسبب من الأسباب؟ إنّ حقيقة تفسير هذا المنحى من صاحب «دلائل الإمامة» يحتاج إلى جواب حاسم ودقيق، ومن الصعوبة الخلوص إليه في غياب مصدر آخر!!

ومن المسائل الأخرى التي هي محل إشكال  في الكتاب إدراجه لروايات متناقضة في ما يخص مدة حكومة وطول عمر صاحب الزمان# بعد الظهور. فبعض الروايات ذكرت أن مدة حكومته ستكون: سبع([47])، ثمان، تسع([48]) سنوات، عشرون([49])، أربعون([50]) سنة، وأخرى تتعدى ذلك إلى  ثلاثمائة وتسع سنوات([51])، إلى غيرها من الروايات.

وكذلك نجد أنه في الوقت الذي لم تعرض أيٌّ من الروايات التي ذكرت أسماء مناصري الإمام الحجة# اسم أيٍّ من النساء، فإن الكتاب نفسه يتضمن روايات تقول: إن من بين المناصرين ثلاث عشرة امرأة، معظمهن من صحابيّات الرسول الأكرم‘، سيرجعن إلى عالم الدنيا، وسيقمن بنصرة الحجة#([52])!!.

وكذلك هو عرضه لروايات مبهمة حول الإمام المهدي# والمهدوية بشكل عام، ففي الوقت الذي تتوفر فيه روايات كثيرة حول صاحب الزمان، وحول غيبته الكبرى، تلقتها الأمة من فجر الإسلام وعبر جميع الأئمة الاثني عشر، وعدت من المسائل الثابتة في المذهب، فقد طرحها الكتاب ـ انطلاقاً من عرضه لبعض الروايات ـ بشكل جعل  الغيبة موضع شكّ وتردد.

لم تنحصر مشكلات الكتاب في طرحه لروايات يناقض بعضها البعض الآخر فحسب، بل نجد روايات كثيرة تحمل التناقض في نفسها، فعندما كان يتكلم حول علم الإمام «بما كان وما يكون وما هو كائن» ذكر أن الإمام الصادق× كان وسط أصحابه فقال: «علينا عين؟ فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نرَ أحداً، فقلنا: ليس علينا عين، فقال: وربّ الكعبة، ورب البيت، ورب القرآن، لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما إني أعلم منهما، ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما، لأن موسى والخضر إنما أعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما هو كائن إلى قيام الساعة، وقد ورثناه عن رسول الله‘»([53]).

وهذه الرواية تتحدث عن أمرين متناقضين؛ فإذا كان الإمام لديه العلم بما  هو كائن، بل لديه العلم بما هو كائن إلى قيام الساعة، فكيف لم يعلم ـ حسب هذه الرواية ـ بعدم تواجد جاسوس بينهم، وهو ضمن العلم بما هو كائن؟!

ومن المآخذ الكبيرة على الكتاب ذكره لروايات تتحدث عن تحريف القرآن, كرواية أن الإمام الصادق× سأل المفضل: كيف يقرأ أهل العراق هذه الآية {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِهَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ مُشْفِقُونَ مِنْهَا} فقلتُ ـ أي المفضل ـ: يا سيدي، ليس كذا نقرأ، فقال ـ أي الإمام ـ: كيف تقرأ؟ قال: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا}([54])، فقال: ويحك، أتدري ما هي…، والله ما هي إلا قيام القائم…، والله ما يستعجل به إلا المؤمنون، ولكنهم حرَّفوها حسداً لكم، فاعلم ذلك يا مفضل»([55]). وهو ادعاء صريح بتعرُّض القرآن للتحريف، وقد نُسب زوراً وكذباً للإمام.

ولم تقف إشكالات الكتاب عند هذا الحد، بل تجاوزتها إلى غيرها من التفاسير والتأويلات التي أتى بها لبعض الآيات والأحداث، بل حتى لبعض الألفاظ اللغوية، وذلك باستناده على روايات ضعيفة السند، كالرواية المنسوبة لأمير المؤمنين علي× أنه لما سأل النبي الأكرم‘ عن معنى لقب البتول÷، وهو لقب مشترك بين سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء÷ وبين مريم أم عيسى’، أجابه النبي: «البتول التي لم ترَ حُمرة قط، أي لم تحِضْ؛ فإن الحيض مكروهٌ في بنات الأنبياء»، في حين أن كتب اللغة أجمعت على أن البتول، كما ذكر القرآن ذلك أيضاً([56])، من «بتل» بمعنى قطع([57])، والانقطاع إلى الله، وغض الطرف عن الدنيا وملذاتها([58])، ولا علاقة لها بالحيض البتة.

أما المنزلقات التاريخية فكثيرةٌ، بشكل لا يمكن التغاضي عنها، كادعائه حضور كلٍّ من العباس وحمزة عمّي الرسول‘ زفاف فاطمة الزهراء÷، في حين أن كل الوقائع التاريخية تؤكد أن الزواج كان في السنة الأولى أو الثانية للهجرة([59])، ولم يحضر العباس إلى المدينة إلا بعد فتح مكة، أي في السنة الثامنة للهجرة، وقد استشهد حمزة في معركة أحد في السنة الثالثة للهجرة، مما يعني أنه لا يمكن أن يكون قد رافق العباس في المدينة. وكذلك فإن دعوى حضور عبد الله بن الزبير في مراسم الزواج غير مقبولة([60])؛ لأن ولادة عبد الله بن الزبير كانت في السنة الأولى، فكيف سيكون له حضور فعال في تلك المراسم وهو مولود حديث؟ وهكذا هو الإشكال بالنسبة لحضور جعفر بن أبي طالب× في العرس، فإنه من المسائل التي تدحضها الوقائع التاريخية، فقد كان من الذين هاجروا إلى الحبشة في السنة الخامسة للبعثة ولم يرِدْ المدينة إلا بعد خيبر في السنة السابعة للهجرة، ليسارع في العودة إلى الحبشة مرة ثانية من غير أن يكون له أيُّ حضور فعّال في المدينة.

2 ـ الإشكالات الواردة على سند الروايات، والمراجع التي اعتمد عليها في هذا الكتاب ــــــ

1 ـ 2 ـ إشكالات على السند ــــــ

رغم القول: ربما يكون كتاب «دلائل الإمامة» قد أُلِّف على أيدي بعض  الغلاة الجاهلين بطرق السند وبمصادر الروايات عند الإمامية([61]) في حدود القرن السابع الهجري، إلا أن العلامة الطهراني([62])  يرى أن التدقيق في إسناد رواياته، ونظرة بسيطة إلى المصادر التي اعتمد عليها، تؤكد أن صاحب الكتاب كان في فترة القرن الخامس الهجري، وأنه كانت لديه معرفة بالأسانيد، ومعرفة بالمصادر المعتبرة لدى الشيعة الإمامية.

ومع ما خلصنا إليه في المرحلة المتقدمة من هذه المقالة حول مؤلِّف الكتاب، وبأنه مجهول لدينا، إلا أن الإمعان الدقيق في أسانيد روايات الكتاب تجعلنا نستبعد في الحدّ الأدنى كون الكتاب من تأليف الوضّاعين؛ وذلك لأن أسانيد بعض الروايات معروفة في جوامع الحديث الشيعي([63])، وضعف رجالها أمر غير خفي على أهل هذا الفن، ولو كان المؤلف من الذين يضعون الحديث لالتجأ إلى أسانيد أكثر قبولاً في أوساط الحديث الشيعي.

ومن المسائل المهمة والمميزة  في هذا الكتاب تواجد العديد من الرواة الذين ينتمون إلى ما قبل القرن الخامس، والذين كانت لديهم كتب اهتمت بتاريخ الأئمة من جوانب مختلفة، وقد ظلوا مجهولين لدينا حتى الآن، لكن استطعنا بفضل هذا الكتاب التعرُّف عليهم، أو في الحد الأدنى التعرف على بعضهم، ومن بينهم:  محمد بن الحسن الصفار (290هـ)، صاحب كتاب «بصائر الدرجات»؛ جعفر بن محمد بن مالك الفزاري، صاحب كتاب «أخبار الأئمة ومواليدهم»([64])، ومن شيوخ أبي غالب الزراري ومحمد بن همام الإسكافي؛ عبد الله بن جعفر الحميري (بعد 290هـ)، صاحب كتاب «الدلائل»([65])؛ محمد بن همام الإسكافي (حوالي 235 ـ 236هـ)، صاحب كتاب «الأنوار في تاريخ الأئمة الأطهار»([66])؛ أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله، والمعروف بابن أبي الثلج البغدادي (237 ـ 322 أو 323 أو 325هـ)، صاحب العديد من الكتب التاريخية، ومن جملتها: «تاريخ الأئمة^»([67])؛ علي بن هبة الله بن عثمان، صاحب كتاب «الأنوار في تاريخ الأئمة الأبرار»([68])؛ وأخيراً عرفنا على أكبر مؤرِّخ للشيعة خلال القرون الأولى، وهو عبد العزيز بن يحيى الجلودي (332هـ)، والذي كانت لديه كتب متعددة في التاريخ، وتاريخ التشيع والشيعة، وبالأخص الشيعة الإمامية، وكذلك كانت لديه كتابات متفرِّقة خاصة بالأئمة الاثني عشر([69]). كما وجد في هذه الأسانيد أسماء مجموعة من الغلاة الذين لديهم كتابات متعددة في مجال ذكر معجزات وكرامات الأئمة^، ونذكر منهم على سبيل المثال: عبد الرحمن بن كثير الهاشمي، وهو من رواة القرن الثاني، وله كتب كثيرة، من بينها: كتابي «صلح الحسن×»، و«فدك»([70])؛ محمد بن علي بن إبراهيم القرشي، المعروف بأبي سمينة، صاحب كتاب «الدلائل»([71])؛ ومن الغلاة الكبار أبو جعفر محمد بن علي الشلمغاني (قتل سنة 322 أو 323هـ)، له كتاب «الأوصياء»([72]). وكذلك نجد ضمن أسانيد «دلائل الإمامة» مجموعة من الأسماء التي اتهمت بالغلو، كيونس بن ظبيان([73])، مفضل بن عمر الجعفي([74])، محمد بن سنان الزاهري([75])، داود بن كثير الرقي([76])، وصالح بن عقبة([77]). والمهم في هذه الأسانيد هو تردد أسماء كعمار بن زيد([78]) غير المعروف في كتب الرجال إلا عن طريق عبد الله بن محمد البلوي، الذي كان يروي عنه، وكذلك فإن تواجده ضمن إسناد «دلائل الإمامة» كان عن طريق عبد الله بن محمد البلوي نفسه.

وقد ذكر البلوي في كتب الرجال مقيَّداً بأوصاف لازمته في أغلبها، كالوضّاع، الكذّاب، والضعيف، مما يستنتج منها أن هذا الشخص ممَّن كانوا يؤلِّفون الأحداث وينسجونها نسجاً([79]). وقد سئل عن عمار، الذي كان يروي عنه، فأجاب: «عمّار رجل نزل من السماء، حدثني ثم عرج»([80])، مما يقوي احتمال أن شخصية عمّار لم تكن إلاّ من صنع خياله، ولا وجود خارجي لها.

وإذا ما تم التدقيق في الروايات التي كان في سلسلة سندها عمار بن زيد يتضح أنها تعتبر واحدة من أكثر الروايات بعداً عن الواقعية، وأكثرها إغراقاً في الأسطورة والخرافة. ويعتبر كتاب «دلائل الإمامة» من أهم الكتب التي اعتمدت رواياته من بين الكتب الأخرى التي كانت على نفس الطريقة. ومن كبار مشايخ عمار بلا واسطة أبو الفضل محمد بن عبد الله بن محمد بن عبيد الله الشيباني (297 ـ 387هـ)، والذي يلاحظ في رواياته مسلك القصة والحكاية، كما يحتمل أن رواياته أقرب إلى الوضع منها إلى الحقيقة،و يزداد هذا الاحتمال عمقاً وشدة إذا راجعنا قول ابن الغضائري فيه: «وضّاع، كثير المناكير، رأيت كتبه، وفيها الأسانيد من دون المتون، والمتون من دون الأسانيد، وأرى ترك ما تفرّد به»([81])، لذا فإن كل ما قيل عنه، وما لوحظ في رواياته من الوضع والكذب، يدفع بنا إلى ضرورة توخي الحيطة حتى في الشخصيات التي روى عنها، فإنه يحتمل أن تكون مجرد شخصيات مصطنعة لا وجود حقيقي لها،  ولعل ما يعزز قولنا هذا وجود أسماء كأبي النجم بدر بن عمار الطبرستاني، الذي لم يُشَرْ إليه في كتب الرجال مطلقاً([82]).

و في الجملة فإن رجال أسناد كتاب «دلائل الإمامة» إما غير معروفين في كتب الرجال؛ وإما أنهم معروفون، ولكن لم يكونوا من الثقات، أي إنهم كانوا ضمن لائحة المهملين أو المجهولين، وكلاهما من أقسام الضعيف.

أما عن شأن وجود الشخصيات الموثَّقة في سلسلة أسناد الكتاب، أمثال: علي بن هبة الله بن عثمان، سعد بن عبد الله الأشعري القمي، أحمد بن محمد بن عيسى، هارون بن موسى التلعكبري، الشيخ الصدوق، الشيخ الكليني، أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، وزرارة، أبان بن تغلب، محمد بن مسلم، محمد بن أبي عمير، الحسن بن محبوب، هشام بن سالم، عبد الله بن مسكان، وآخرون، فإن الاحتمال القوي؛ بالنظر إلى محتوى الرواية، أنه قد تم وضع تلك الروايات، ونسبت عمداً إلى هؤلاء الأعلام للتغطية وإضفاء نوعٍ من القدسية.

وتبقى الشخصية الأكثر حظاً في أسناد كتاب «دلائل الإمامة» هي محمد بن جرير الطبري الكبير، صاحب كتاب «المسترشد في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب×»، حيث تم إسناد العديد من الروايات إليه، وكثيراً ما يتم الإسناد إليه مباشرة، وبدون ذكر سلسلة السند، بل يشير إليه بقوله: «قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري»، أو بعبارة أخرى أقرب إليها، مما جعل الكثير من الباحثين يقعون في الخلط بينه وبين صاحب «دلائل الإمامة».

ومما لا يفوتنا ذكره أن نوعية المواضيع، والطريقة التي تم بها إسناد الروايات، أو التي تمّ بها عرض مطالب «دلائل الإمامة»، تجعله يختلف كماً وكيفاً عن كتاب «المسترشد»، مما لا يترك المجال واسعاً أمام أي شك في تعدد الكاتب. فمثلاً: في كتاب «المسترشد» تم تخصيص عشر صفحات فقط من أصل سبعمائة صفحة للتحدث عن معجزات وكرامات الإمام علي×، وكان أغلبها في ذكر علمه وعلمه بالغيب بشكل معقول ومقبول([83])، مما يوحي لنا بأن شخصية محمد بن جرير، وكذا كتابه، كانت من الأهمية الكبرى، وخصوصاً أنه كان في فترة حساسة ومهمة، وهي فترة الغيبة الصغرى، كما أن الكتاب والكاتب كانت له أهمية في الأوساط الشيعية، وبالخصوص الإمامية، مما جعل المجال مفتوحاً أمام المشتغلين بالوضع، ليختلقوا روايات، وينسبوها إلى شخصه؛ لأغراض سيئة، مما جعل مكانته تتراجع في القرن الرابع. ولعل هذا ما يوضح كثرة استفادة صاحب «دلائل الإمامة» منه. وكما أشرنا فإن استخراج الروايات التي تمت نسبتها إلى محمد بن جرير ـ صاحب «المسترشد» ـ من كتاب «دلائل الإمامة»، ومقارنتها بكتاب «المسترشد» نفسه، تظهر بجلاء الاختلاف الماهوي بين الكاتبين.

وفي الجملة نستطيع الخلوص إلى أن نسبة أسانيد كتاب  «دلائل الإمامة» التي تعتبر موثَّقة لدى علماء الرجال، أو الأسانيد التي تعد صحيحة، قليلة جداً، بل نستطيع الجزم بأن الروايات الصحيحة والمعتبرة التي تتحدث عن معجزات وكرامات الأئمة^ تعد بالأصابع.

و مشاكل الإسناد في «دلائل الإمامة» لا تقف عند كل ما ذكرناه، بل هناك عيوبٌ أخرى، كالتجائه إلى عبارات مثل: عمَّن حدثه، عمَّن ذكره، رفعه إليه، بعض أصحابنا، عن رجل، وغيرها كثير، مما يجعل مسألة التعرف على الراوي صعبة، وفي الأغلب مستحيلة. كما أن إسقاط السند والنقل المباشر عن الراوي، وإسقاط بعض أفراد سلسلة السند، أو تغيير أماكن الرواة([84])، مما يزيد في  لائحة المآخذ والتجاوزات غير العلمية على الكتاب.

2-2ـ الأسانيد غير الإمامية ــــــ

قليلة هي الروايات التي نقلت عن الفرق الشيعية الأخرى، كالزيدية، الواقفية([85])، الفطحية([86])، والكيسانية([87]).

ولعل وجود بعض الروايات ذات الإسناد الزيدي([88]) يرجع إلى كون هذه الفرقة الأكثر تصارعاً مع الإمامية، وخصوصاً أن أغلب هذه الروايات هي روايات مضادة ومناقضة لمعتقدات وأصول الفرقة، ولأن مورد الاستفادة منها كان في مجال الاحتجاج والرد على الخصم فإن احتمال وضعها وكذبها قويٌّ، بل تم الالتجاء إلى وضع روايات، ونسبت عمداً وكذباً إلى كبار المذهب الخصم؛ رغبةً في التفوق وتسجيل الانتصار.

3- 2ـ الأسانيد غير الشيعية ــــــ

يعتبر كتاب «دلائل الإمامة» من أقدم بل من أوائل الكتب التي اعتمدت في إثبات مناقب وفضائل أهل البيت^ على أسانيد غير شيعية، وبالتحديد على أسانيد لأهل السنة، ليتبع نفس الخطوة ويستمر عليها، ولكن بشكل موسع، ابن شهرآشوب (588هـ) في «مناقبه».

وقد سعى ابن جرير في إبراز العديد من مشايخه بدون واسطة من أهل السنة، مما يشير إلى معرفة الكاتب العميقة بالمصادر الأم في الحديث لأهل السنة، ويبرز من بينهم: أبو الفرج المعافى بن زكريا ( 305 ـ 390هـ)، الذي كان طبق أصول مذهب الجريرية (نسبة إلى ابن جرير الطبري (310هـ) ([89]) يصدر الفتاوى، وقد أسند إليه أكثر روايات الكتاب. ويأتي بعده إبراهيم بن مخلد بن جعفر الباقرخي (325 ـ 410هـ)، الذي كان هو الأخر من علماء  مذهب الجريرية([90])، كما أن أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد (324 ـ 393هـ)، الذي كان يصدر الفتوى طبق أصول مذهب مالك([91])، كان هو الآخر من مشايخه بلا واسطة، وقد كان له كتابٌ بعنوان «المناقب»([92])، ويعتقد أنه في مناقب أهل البيت^.

ويلاحظ على صاحب «دلائل الإمامة» كثرة رجوعه إلى أسانيد أهل السنة في ذكره معجزات أهل البيت^، بشكل يكون السند سنياً بشكل كامل، أو يكون تلفيقياً، بمعنى أنه يجمع بين الشيعة والسنة في السند الواحد.

ولعل فكرة الاستفادة من أسانيد أهل السنة كانت رائجة في ذلك الزمان. ومما سهل الأمر ذهاب بعض أعلام مدرسة الصحابة إلى كتابة كتب في المناقب. إلا أن صاحب «دلائل الإمامة» لم تكن له الخبرة الكافية لمثل هكذا كتابات، ويستنتج هذا بشكل واضح من تعدد وكثرة الإشكالات الواردة على سند ومتن الروايات.

ففي ما يخص متن الروايات فإنه ربما ينقل عن أشخاص لم يكن من المعهود فيهم الدقة والالتزام بمعتقدات وأصول اتجاههم المذهبي، أو أنها قد نسبت إلى أشخاص من المستبعد أن تكون لهم.

أما عيوب السند فتتجلى أكثر في الهفوات التاريخية. فمثلاً: يذكر أن  الأوزاعي (عبد الرحمن بن عمرو) قد التقى الإمام الحسين× في مسيرته من مكة إلى الكوفة، بينما الشواهد التاريخية تؤكد أن الأوزاعي لم يفتح عيناه على الدنيا إلاّ بعد مضي سبعة عشرة سنة من شهادة الإمام الحسين× بكربلاء. ونقل أن الليث بن سعد قد سأل الإمام الرضا× معجزةً، وأن الإمام× قد أجاب سؤاله، بينما التاريخ يصرح بأن الليث بن سعد قد قضى معظم عمره في مصر، وتوفي فيها حوالي سنة 175 للهجرة([93])، في حين أن  الإمام الرضا× لم تصِرْ إليه الإمامة الفعلية إلاّ في سنة 183 أو 184هـ، يعني  بعد ثمان أو تسع سنوات من تاريخ وفاة الليث.

وفي الختام فإن عدم نقل الكتاب لروايات أهل السنة من مصادرهم المعتبرة، وحتى عدم نقلها عن المصادر المعتبرة لدى الشيعة، بالإضافة إلى عيوب السند الكثيرة، وعدم توافقها وأصول علم الحديث لدى هذه الفرقة، واعتماده على بعض الروايات المنسوبة إلى مخالفي المذهب الشيعي، تجعلنا نقول: إن أغلب تلك الروايات موضوعة ومنسوبة كذباً وزوراً إلى كبار أعلام الرواية في المذهب السني، ولا يجب غضّ الطرف عنها أو عدم إخضاعها للرقابة العلمية.

الهوامش

_______________________

(*) باحث متخصِّص في التاريخ والسيرة، مسؤول قسم التاريخ في جامعة المصطفى‘ العالمية، له دراسات حول الغلو والغلاة وتاريخ الكلام الشيعي.

([1]) للتعرف أكثر على منهج «إقامة الدلائل على إمامة الأئمة من خلال ذكر معجزاتهم وكراماتهم» يُرجع إلى كتاب «مدينة المعاجز» 1: 40.

([2]) نوادر المعجزات في مناقب الأئمة الهداة، قم، مدرسة الإمام المهدي#، الطبعة الأولى، 1410هـ.

([3]) لفهم آراء علماء الرجال حول هذه الشخصية انظر: مقدمة كتاب «المسترشد في إمامة أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب×» وكذلك «الطبريون: نظرة في المتفق والمفترق»، لعلي موسى الكعبي، مجلة علوم الحديث، العدد 17: 107 ـ 137.

([4]) هذه النتيجة تشبه خلاصة تحقيقات العلامة المامقاني في كتابه «تنقيح المقال» 3: 91 في ذيل اسم محمد بن جرير.

([5]) دلائل الإمامة: 427؛ وكذلك راجع: كتاب «مدينة المعاجز» 7: 573 ـ 576 للتعرف أكثر على تلك المعجزات.

([6]) المسترشد، مقدمة المحقِّق: 45، نقلاً عن: تاريخ طبرستان (ألِّف سنة 612هـ): 130. وقد أكد البعض نفس الاحتمال، وهو أن محمد بن جرير الثالث هو نفسه الأول الذي أدرك الإمام الحسن العسكري× وروى عنه (انظر في هذا الصدد: كتاب «الطبريون: نظرة في المتفق والمتفرق»، مجلة علوم الحديث، العدد 17: 116، نقلاً عن: «نوابغ الرواية»: 253، لآقا بزرگ الطهراني).

([7]) رجال النجاشي: 322؛ الفهرست: 229.

([8]) رجال النجاشي: 376.

([9]) نوادر المعجزات: 6 ـ 7؛ ومقدمة محقق كتاب المسترشد: 30.

([10]) الفهرست: 239.

([11]) قال في شأنه الشيخ النجاشي: «رأيت هذا الشيخ، وسمعت منه كثيراً، ثم توقفت عنه إلا بواسطة بيني وبينه» (رجال النجاشي: 396).

([12]) الأخبار الدخيلة: 43 ـ 44.

([13]) دلائل الإمامة: 31 (نقلاً عن: كتاب النابس في القرن الخامس: 155).

([14]) المصدر نفسه: 545، والعبارة هي: «نقلت هذا الخبر من أصل بخط شيخنا ابن عبد الله الحسين الغضائري&».

([15]) انظر: الأخبار الدخيلة: 44 وما بعدها.

([16]) الأخبار الدخيلة: 43 ـ 46.

([17]) لم يصرح العلامة التستري بهذا التشكيك.

([18]) انظر: مكتبة السيد ابن طاووس: 229 ـ 231.

([19]) الأخبار الدخيلة: 30.

([20]) المصدر نفسه: 31.

([21]) معالم العلماء: 106.

([22]) المصدر نفسه.

([23]) ريحانة الأدب 4: 43.

([24]) أعيان الشيعة 9: 199.

([25]) دلائل الإمامة: 433 ـ 441.

([26]) المصدر نفسه: 441 ـ 489.

([27]) المصدر نفسه: 497 ـ 501.

([28]) المصدر نفسه: 505 ـ 529 و537 ـ 549.

([29]) المصدر نفسه: 529.

([30]) المصدر نفسه: 554 ـ 577.

([31]) رغم أنّ طالقان اليوم اسم للعديد من مدن إيران وبعض نواحي طهران و قزوين، أما هذا الاسم في ذاك الزمان فكان يطلق ويراد به طالقان أفغانستان الحالية، والتي تقع بين مرو الرود وبلخ.

([32]) المصدر نفسه: 569.

([33]) راجع: المجموعة النفيسة: تاريخ الأئمة: 9 ـ 27؛ تاريخ أهل البيت^. ومقدمة محقِّق الكتاب مفيدة في التعرف أكثر على الكتاب.

([34]) انظر: منتخب الأنوار.

([35]) دلائل الإمامة: 109 ـ 125.

([36]) المصدر نفسه: 349 ـ 358.

([37]) كمثال: المصدر نفسه: 95 ـ 100، 131 ـ 134، 233 ـ 241، 273 ـ 274، 376 ـ 382، 384 ـ 388، 428 ـ 431، و489 ـ 496.

([38]) المصدر نفسه: 105.

([39]) المصدر نفسه: 462 ـ 463.

([40]) المصدر نفسه: 455 ـ 456، وراوي هذه الرواية هو أبو الجارود، زعيم فرقة الجارودية الزيدية، وهي فرقة تخالف بشكل شديد الفرقة البترية الزيدية.

([41]) المصدر نفسه: 486.

([42]) المصدر نفسه: 519 ـ 529.

([43]) المصدر نفسه: 537.

([44]) منتخب الأنوار: 89 ـ 92.

([45]) كمال الدين و تمام النعمة: 482 ـ 533.

([46]) الهداية الكبرى (النسخة الخطية): 121.

([47]) دلائل الإمامة: 470 ـ 481.

([48]) المصدر نفسه: 472.

([49]) المصدر نفسه: 441.

([50]) المصدر نفسه: 482.

([51]) المصدر نفسه: 452.

([52]) المصدر نفسه: 484.

([53]) المصدر نفسه: 280.

([54]) المصدر نفسه: 451.

([55]) المصدر نفسه: 150.

([56]) سورة المزمل، الآية: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾.

([57]) لسان العرب 1: 311.

([58]) المصدر نفسه، معجم مفردات ألفاظ القرآن: 33 ـ 34.

([59]) انظر: موسوعة الإمام علي× 1: 97 ـ 108.

([60]) دلائل الإمامة: 96.

([61]) الذريعة 8: 247.

([62]) المصدر نفسه.

([63]) من حسن الحظ فإن محقِّق كتاب «دلائل الإمامة» قد استطاع أن يقارن العديد من روايات الكتاب بروايات كتب الشيعة الإمامية ما قبل زمن المؤلِّف أو ما بعده.

([64]) رجال النجاشي: 1222.

([65]) المصدر نفسه: 220؛ الفهرست: 168.

([66]) المصدر نفسه: 380.

([67]) المصدر نفسه: 381؛ الفهرست: 23؛ الرجال: 443.

([68]) جامع الرواة 1: 608.

([69]) رجال النجاشي: 240 ـ 244.

([70]) المصدر نفسه: 234 ـ 235.

([71]) المصدر نفسه: 332.

([72]) انظر: «سازمان وكالت و نقش آن در عصر أئمة^» (بالفارسي): 670 ـ 678.

([73]) معجم رجال الحديث 20: 192.

([74]) المصدر نفسه 17: 292.

([75]) المصدر نفسه 16: 151 ـ 163.

([76]) المصدر نفسه 7: 122.

([77]) المصدر نفسه 9: 78.

([78]) رجال النجاشي: 303.

([79]) جامع الرواة 1: 504.

([80]) رجال النجاشي: 303.

([81]) كتاب الرجال: 98 ـ 99.

([82]) كمثال: راجع دلائل الإمامة: 307 ـ 383 و401 ـ 410.

([83]) المسترشد: 664 ـ 675.

([84]) انظر: الذريعة 8: 247؛ دلائل الإمامة (مقدمة المحقِّق): 33 ـ 37.

([85]) دلائل الإمامة: 433.

([86]) المصدر نفسه: 263.

([87]) المصدر نفسه: 479.

([88]) للمثال: راجع: المصدر السابق.

([89]) انظر: موسوعة طبقات الفقهاء 4: 481.

([90]) المصدر نفسه 4: 12.

([91]) المصدر نفسه 4: 7.

([92]) معالم العلماء: 7.

([93]) موسوعة طبقات الفقهاء 2: 440.