أحدث المقالات

نحو تجديد الوعي بفريضة الحج

بقلم:أ/غريبي مراد(*)

للحج منافع وآيات وإشعاعات كثيرة، لا تتوقف عند المعرفة الفقهية اللازمة بل تتعداها لأبعاد واقعية ومستقبلية تجمع بين الرمز والزمن والمكان بكل حيثياتها، فمع تطور الحياة وتشعب العلوم وتراكم الأحداث بالتاريخ الإسلامي، نلحظ حاجة ملحة لتجديد  الوعي بفقه فريضة الحج، وقولنا التجديد يعني الارتقاء في إنتاجية أو مردودية هذا الفقه في الواقع الإسلامي بكل أبعاد العلم والتزكية لمجالات (السياسة والاقتصاد والاجتماع والأمن)، هذا التجديد نقصد به ذلك الانطلاق لآفاق الحج في تفاصيل وجود الحاج والأمة والإنسانية، حينها ستكون معرفتنا للحج مختلفة عن ذلك التصور السطحي القابع في متون ونصوص باب الحج الفقهي، المغترب عن الجوهر الروحي الرسالي لفقه الحج، لأن الدور الأساسي للفقه في المعطى المعرفي الإسلامي، يتحدد بثنائيتين العلم/ المعرفة والصدق/ الكمال، وفي ذات السياق نؤكد على التوازن في وعي فريضة الحج والدعوة لإيجاد خطاب ترشيدي معاصر يجعل من الاجتهاد يساير المطالب الواقعية الملحة وينهض بالبعد الروحي المتزين بثقافة فقه الحج،  وقتها يصبح موسم الحج شبكة محطات إسلامية إستراتيجية متناغمة مع واقع المسلمين، بعيدة عن الإفراط أو التفريط  مما ينحرف به عن مقاصده الحركية الحضارية الكبرى…

على نفس المنوال نلّمح لمسألة (الحج -الأمة)، كيف يمكننا الحديث عن ثقافة الأمة بعيدا عن إدراك ثقافة الحج، والحج كما ورد في عدة نصوص عرفة، أي الوقوف بعرفة وما يختزنه ذلك الوقوف من مشاريع روحية وتفكرية ومستقبلية مصيرية، والوقوف لا يمكن أن يلتقي بثقافة الأمة، ما لم تنهض أجزاء هذه الأمة من تخلفها،حتى تلتقي فتحقق الوقوف بعرفة، من خلال الوقوف أمام الفتن والوقوف أمام المظلومين والوقوف بوجه المستكبرين والوقوف بميادين العلم والمعرفة والوقوف بموقع الشهودية، بحيث تراجع الجانب الروحي فيها وتتفكر في التحديات والمشاكل والفتن لتجاوزها، فتستقبل الآخرة بتوبة جادة ومثمرة ترتقي بها من نار الهلاك إلى جنة الخلاص… نفهم مما سبق أن الحج ككل يمثل دورة محاسبية لأمة برمتها، وتتضح هذه القضية بالإشارة إلى أن الحج لا ينتهي بإنقضائه كموسم عبادي، بالعكس الحج يبدأ كشرف تكليفي،و كحجة وبرهان بمدى تحمل الحاج لمسؤولية الحج التي امتزجت روحه وفكره وكل وجدانه ووجوده بها، وإلا فلا حج لمن لم يتحرك بمسؤولية في إيصال رسالة الحج الصحيحة لأهله وأحبائه عند عودته من أعظم سياحة إسلامية، وهنا نستوحي حقيقة منافع الحج الجوهرية التي لا ينالها إلا من تكامل  الحج عنده كأداء فقهي وانفتاح روحي ومسؤولية رسالية…

بصراحة: كلما حققنا التجديد في وعي الحج، كنا أكثر استيعابا ونيلا لمنافعه وكان تجدد اتحاد أمتنا أكثر واقعية، في الختام الفكرة الأساسية في هذا كله، أن الحج كفريضة دينية موغلة الحضور في تاريخ الأديان، تتعلق في ثقافتها وتجلياتها بدور علماء الدين في تنبيه الأمة بحقائق الحج وتحقيق الوقوف الإسلامي الجامع بعرفة لتناجي هذه الأمة الشاهدة ربها بقلب واحد، لتقول للعالم كله  ماذا فقد من وجد الله وماذا وجد من فقده، بكلمة أمتنا الحج في منظومتها العبادية بمثابة التهيئة الروحية والفكرية والنفسية والحركية بكل أبعادها، لإستدراك ما ضاع من الزمن في مشوار القرب من الله وأداء الأمانة وإرساء دعامة العدل في آفاق الإنسانية …و الله من وراء القصد.

 

الهوامش:

(*) كاتب وباحث إسلامي

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً