أحدث المقالات

المعرفة الدينية وعلاقتها بالدين مناقشة لطروحات

عبد الكريم سروش ونصر حامد أبو زيد

الشيخ مالك وهبي

 

مرادنا من الدين:

اذا عرّفنا الدين بأنه الطريقة التي يلتزم بها الإنسان في حياته يضاف إليها المبادئ الفكرية والقيم التي يبني عليها سلوكه، يصير الدين أمراً عاماً شاملاً لما هو من وضع الإنسان، كان لزاماً علينا أن نوضح أننا لا نقصد من الدين هنا هذا المعنى العريض وإنما نقصد به خصوص ما أتى به الأنبياء والمرسلون الذين نزل عليهم الوحي لتعليم الناس الطريقة التي يريدها سبحانه وتعالى من عباده أن يسلكوها في حياتهم.

ولما كنا مؤمنين بوجود هكذا دين بل أديان سماوية متعاقبة بحسب العصور والأزمان لما دل عليه العقل من ضرورة أن يهدي الله تعالى بلطفه عباده إلى طريق الصلاح كونهم عاجزين بأنفسهم عن الوصول إلى هكذا طريق، وهو أمر بين تفصيله في مباحث النبوة وهي خارجة عن محل كلامنا هنا، فلما هدانا العقل إلى الإيمان بذلك كان البحث في المعرفة الدينية بحثاً حقيقياً وليس أمراً تخيلياً أو ترفياً، وسيكون فراقنا من أول الطريق مع من ينكر وجود هكذا دين، وسنكون معه عند مفترق طريقين مختلفين، تتباين عنده الأسس فلا يبقى حينئذ أي معنى لأي مناقشة أو محاورة، ذلك أن من شروط أي حوار الانطلاق من قاعدة مشتركة، والتي هي في هذا البحث الإقرار بالدين، ولو على سبيل الفرض والتسليم معنا فيفترض وجود الدين السماوي حقيقة. أما أن يدخل معنا في بحث المعرفة الدينية وهو منكر لأي وجود حقيقي للدين، متحدثاً عنه وعن المعرفة الدينية كظاهرة تاريخية ابتدعها البشر، فهذا سيشكل خللاً منهجياً لا يخفى على أحد مدى تأثيره بين المتحاورين حتى ربما يصح وصفه بحوار الطرشان. وإذا كان ثمة أمور مشتركة بين المنكر والمثبت فهي بالتأكيد لن تكون متعلقة بالدين وفي المعرفة الدينية. إن هذا يشير إلى خلل يقع فيه الكثير من الباحثين وهم يحللون مسألة المعرفة الدينية تارة، والعلاقة بين المعرفة والايمان، كما يظهر ذلك بأدنى تتبع لكلماتهم.

ومن الناس من يظهر لك أنه مؤمن بالدين، وأنه شي‏ء واقعي إلا أنه عند تفسيره يفيدك أنه صفحة بيضاء قابلة لكتابة أي شي‏ء فيها من قبل أي كان، وهذا في الحقيقة إنكار للدين، اذ لن تعود له أي قيمة إلهية سماوية، ويصير من صنع البشر. وقد نبهنا إلى أن هذا ليس هو الدين الذي نبحث عن معرفته، فليست المعارف الدينية أو الحقائق الدينية من مخترعات الذهن أو من الأمور التي لا وجود لها وراء نفس المؤمن، كما أنها ليست هي تلك التي نستحسن نحن تدوينها باسم الدين.

قد أشرنا في المقدمة إلى أن العلاقة بين المعرفة الدينية والدين هي علاقة العلم بالمعلوم، وهي علاقة ليست محكومة دائماً بالمطابقة، بل تارة تكون المعرفة مطابقة وأخرى تكون مخالفة، وإذا خالفت الواقع كان ما نسميه علماً جهلاً في الحقيقة، إذ ليس الجهل إلا تصور الشي‏ء بخلاف ما هو عليه، أو الاعتقاد به على خلاف ما هو عليه ، فمن يعتقد أن زيداً جاء من السفر وهو لا زال مسافراً، لن يكفي وجود الاعتقاد لكي يسمى عالماً وإن كان يظن نفسه كذلك.

 

ما هو الفكر الديني؟

أما الفكر الديني فهو عبارة عن كل ما يطرح في دائرة حركة الفكر المتعلقة بالدين وشؤونه، من دون أخذ الاصابة شرطاً في صحة الوصف، وبهذا يفترق الفكر الديني عن المعرفة الدينية. فكل ما هو مطروح في دائرة البحث عن المعارف الدينية يندرج في دائرة الفكر الديني حتى فيما يطرح في دائرة الاحتمالات والشكوك والظنون، لكن تسمية ما نناله من هذا الفكر بأنه معرفة دينية تبقى تسمية ظاهرية ما لم يحصل لنا العلم بالمطابقة، وإذا انكشفت لنا المخالفة ينكشف أنها ليست معرفة. وهذا يقودنا إلى تساؤل بسيط مطروح في المنطق وهو هل المعرفة هي مرتبطة بانطباع صور الأشياء في الذهن وإن لم تحك تلك الصور عن وقائع حقيقية أم أنها انطباع صور الواقع في الذهن. بناؤنا في هذا البحث على الثاني مفترضين أنه ليس محل إثبات هنا، الذي قد يصح اعتباره بديهياً إذ كيف لك أن تدعي معرفة ب «زيد» إن كانت الصورة التي في ذهنك مغايرة له، فلو كانت معرفتك إجمالية وجب أن تكون هذه الصورة الإجمالية منطبقة على زيد اجمالاً، وإن كانت معرفتك به تفصيلياً وجب الانطباق كذلك، فمن يعتقد الانطباق يعتقد أنه عالم لكن هذا لا يعني أنه عالم حقيقة فقد يكون في واقع الأمر جاهلاً وهو يعتقد نفسه عالماً وعارفاً، وهذا ما يسمى بالجهل المركب بحسب المصطلحات المستعملة في علم المنطق، فليس فقط هو يجهل الواقع بل يجهل بأنه جاهل.

لسنا هنا في مقام البحث عن العذر لمن يعتقد نفسه عالماً، فهذا أمر يسهل أيضاً إثباته لأننا مسؤولون عن معرفته بحسب الجزم الذي نصل اليه، إلا أن براءة الذمة لا تعني صحة المعرفة. لا نريد أن ننفي إمكانية تحصيل معرفة حقيقية إلا أن ما نقوله يوجب علينا البحث عن الطريقة التي يمكن لنا أن نتأكد منها بأن ما نملكه من تصورات وتصديقات تشكل معرفة.

 

مع سروش في المعرفة الدينية:

هنا تتبدى إحدى الأخطاء التي وقع فيها الكاتب الإيراني عبد الكريم سروش إذ اعتبر المعرفة الدينية هي هذا الخليط بين المعارف الصحيحة والباطلة حين قال: «يجب التفكيك في كل معرفة بين مقام التعريف ومقام التحقق، ومقام التعريف يلحظ فيه ما يجب أن يكون، بينما مقام التحقق هو ما تحقق فعلاً، وقد لا يتحقق ما وجب. وحين يعرّف علم ما ينظر إلى القضايا الصادقة، وليس إلى القضايا الكاذبة والباطلة، إلا أن ما يتحقق في العالم الخارجي قد لا يكون كذلك. وما من علم خالص أو صادق بشكل كامل، بل هو مجموعة من الاراء الصادقة والكاذبة لعدد من العلماء، وهي دائماً معرض التحول والتشذيب الجماعي والتاريخي. والمعرفة الدينية هي على هذا النحو»(1).

ولئن كان موفقاً في عرض الفرق بين مقام التعريف ومقام التحقق إلا انه لم يكن موفقاً في اعتبار المعرفة في أي علم، ومنها المعرفة الدينية، هي ذلك الخليط. وما من علم يذهب إلى ذلك، وما من علماء مختصين في علم معين يذعنون به. فعلم الطب وعلى الرغم من أنه يحوي أفكاراً خاطئة إلا أنه لا يعترف بكون تلك الأفكار جزءاً من علم الطب والمعارف الطبية، ولذا يكون أحد الأهداف التي يسعى لها في العلوم التمييز بين المعارف الصحيحة والباطلة وتفنيدها لإخراجها من العلم. ومن هنا يحصل الفرق في القضايا المندرجة في العلوم بين مقام البحث ومقام الاستنتاج، ففي مقام البحث كل قضية يحتمل صدقها وتعلقها بالعلم ولو بالنظر إلى الاراء المطروحة هي قضية تندرج في العلم كصناعة نظرية وكبحث فكري، لكن النتيجة تؤدي إلى أن تتميز القضايا الباطلة عن الصادقة ولو في نظر الباحث، فلا يرى كون تلك الباطلة جزءاً واقعياً من العلوم. وهذا في الحقيقة أحد فروع البحث عن معايير اندراج القضايا في العلوم، وهناك يتم التفصيل بين العلم بمعنى المسائل التي تخضع للبحث وبين المسائل التي يترتب عليها الغرض، والمسائل بالنظرة الأولى أوسع دائرة من المسائل بالنظرة الثانية.

ثم لو صح ذلك بالنسبة إلى العلوم فليس ذلك من خلال أن المعرفة هي ذلك الخليط، بل من جهة أن العلم نفسه هو ذلك الخليط فمن يدرج القضايا في مسائل العلم من دون تمييز بين صحتها وبطلانها لأغراض منهجية وبحثية، فإن المعرفة بهذه المسائل هي معرفة صحيحة مهما كانت تلك القضايا. فالحكم على معرفة بأنها صحيحة تابعة لتحديدنا لماهية الأمر المطلوب معرفته، فإذا عممنا القضايا في العلوم إلى الباطلة كانت المعرفة بهذه الباطلة معرفة صحيحة بالعلم. إلا أن الدين ليس علماً من العلوم بل هو حقيقة قائمة بنفسها لذا كانت المعرفة الدينية معرفة بالدين، فلم يكن المعلوم هو ذلك الخليط المشهود مثله في بعض العلوم، على فرض صحة ما قيل في مجال العلوم، فيكون قياس المعرفة الدينية على المعارف في سائر العلوم من القياس مع الفارق القائم في نفس المعلوم وفي نفس العلم الذي تتعلق به المعرفة إن فسرنا العلم بمسائله أو الذي يكون هو نفسه معرفة إن فسرناه بالإدراك.

فهناك إذن فرق بين الفكر والمعرفة يكمن في أن الأول يستوعب كل ما يطرح من قضايا بعيداً عن وصفي الصحة والبطلان بينما المعرفة لا تكون معرفة بالشي‏ء إلا إذا كانت معرفة صحيحة.

ويتجلى أيضاً خلل اخر في كلام «سروش» حين يضخم مسألة الفرق بين المعرفة الدينية والدين، أو بين فهم الدين والدين، أو بين الشريعة وفهم الشريعة، حين يقول: «إن إدراك الناس المنهجي والمضبوط للشريعة حتى وإن كان صحيحاً كلياً ولا نقصان فيه هو غير الشريعة، والادراك الصحيح معناه الادراك المطابق للواقع، وهذا ما يقتضي وجود واقعية منفصلة عن الادراك، وهذا الادراك مطابق لتلك الواقعية. وإذا كان الفهم الصحيح للشريعة هو الشريعة نفسها معنى ذلك أنه كان يجب أن تنزل شرائع بعدد الذين يفهمون الشريعة فهما صحيحاً، لذلك فإن المعرفة الدينية على الرغم من أنها مبنية على الدين ومراة له إلا أنها ليست الدين نفسه»(2).

لقد أصاب بالتمييز بين الشريعة وفهمها، بين الدين وفهمه، لكن ما دام الفرق عنده لم يزد عن كونه فرقاً بين «الوجود الذهني للمعلومز أي الادراك «والوجود الخارجي له» أي الواقع ، ونسبة الانطباق التي اعترف بها، فإنه لا موجب من الناحية العملية لجعل هذا الفرق أمراً جوهرياً يستوجب مشكلة. وقد اشتهر بين الفلاسفة والمناطقة أن مثل هذا الفارق لا يلغي النظرة إلى نحو عينية بين المدرك بوجوده الذهني والمدرك بوجوده الخارجي، ولو كانت المعرفة هي دائماً أمراً ذهنياً لوقعنا في اشكال مشهور ذكره العلماء المناطقة يتعلق بكيفية الحكم على الأشياء في الخارج، مع أن الذي يقع موضوعاً لأحكامنا هو دائماً المفاهيم التي نحملها في أذهاننا. فعندما نقول الإنسان قائم فنحن هنا لا نريد أن نسند مفهوم القيام إلى مفهوم الانسان، وإلا لكانت القضية غير صادقة، بل نريد أن نسند واقع القيام إلى واقع الإنسان من خلال استخدام المفاهيم المنظور إليها نظرة عينية مع الوقائع، من خلال ما عرف باسم الحمل الشائع الصناعي المعروف بينهم، والذي عُدَّ من بدائع صدر المتألهين في مقابل ما يسمى بالحمل الذاتي الأولي.

ثم إن الفرق بين الفهم والمعرفة أمر أغفله «سروش»، فالمعرفة ليست دائماً معرفة تحصيلية كسبية ذهنية بخلاف الفهم فهو دائماً كسبي ذهني تحصيلي. ومن المعرفة ما تكون حضورية، ومنها ما يكون إلهاماً أو وحياً، فأين محل هذا القسم من المعرفة الدينية في سياق بحثه؟!. وهل يملك الرسول (ص) والأئمة (ع) معرفة دينية أم لا يملكونها، وهل معرفتهم كاملة أم ناقصة؟ مع تحفظنا على استخدام مصطلح المعرفة ها هنا إذ المتعارف عليه إطلاق لفظ العلم، إلا أننا نقصد بالمعرفة المعنى الشامل للعلم، وهو كذلك عند «سروش»، ومن هنا أهملنا الفرق بين العلم والمعرفة من الناحية اللغوية واستقراء موارد الاطلاقات المختلفة فإن القضية لا تتعدى المصطلح وإذا اتضح المصطلح يصبح الأمر سهلاً.

ويتجلى هذا الاصرار من «سروش» على تضحيم الفرق بين المعرفة الدينية والدين إلى حد القول: «دين كل واحد هو عين فهمه للشريعة أما الشريعة الخالصة فلا وجود لها الا لدى الشارع عز وجل»(3).

 

وهذه العبارة تستوجب عدة محاذير:

الأول: أن الشريعة الخالصة لا يمكن أن تنال للبشر، ويترتب عليه محذور خطير وهو لزوم لغوية إنزالها إلى الناس، وأمر الرسول بتبليغها إليهم، إذ يكون في الحد الأدنى من التكليف بغير المقدور.

يبدو أن «سروش» تنبه إلى هذا المحذور حين تساءل: «هل الفصل بين الشريعة وبين فهم الشريعة يعني أننا سننشغل دائماً بفهم الشريعة، وان الفصل سيحرمنا من الشريعة ذاتها، وسيحجبها عنا؟ وهل نتخلى كلياً عن الشريعة ونقيدها بقيد النسيان؟». إلا أنه حين الإجابة لم يقدم شيئاً إلا أنه قاس فهم الشريعة على علم الطبيعة، فقال: «..وهل الانهماك بعلم الطبيعة سيؤدي إلى هجر الطبيعة؟ وهل علم الطبيعة هو حجاب الطبيعة أم مرآتها؟ أليس جهد العلماء منصباً على معرفة الطبيعة ذاتها»(4). مع أن الفرق بين علم الشريعة أو المعرفة بالدين والعلم بالطبيعة فرق شاسع. فالطبيعة في نفسها تحمل أسراراً لم يتكفل الله تعالى ببيانها وإنما ترك أغلبها للعقل البشري كي ينالها، ونحن نعلم أن الأسرار غير محصورة بحدود يمكن الوصول إليها جميعها ولا يستلزم ذلك أي لغو في الخلقة، بينما الشريعة الدينية فعل لله تعالى يصل إلى الناس عبر الرسل والأنبياء إلى البشر بهدف وصوله كاملاً، فإذا استحال الوصول إلى شريعة خالصة ونيلها لزم المحذور.

الثاني: ما مناط تسمية معرفة بأنها دينية ما دام الواقع غير مرئي. وفي هذه النقطة يتحدث «سروش» قائلاً: «..إن ما يضمن دينية هذه المعرفة هو عودة العلماء المستمرة إلى الكتاب والسنة، وعزمهم الصادق على كشف معاني الشريعة وبطونها»(5). وهذه الضمانة في السياق الذي نحده في كتاب قبض وبسط الشريعة عديمة الجدوى، لأن المفروض الإجابة عن سؤالٍ ما يضمن كون معرفتنا بالدين هي معرفة بالدين وليست معرفة بشي‏ء أخر تحت اسم الدين. فإن كانت العودة إلى الكتاب والسنة والعزم الصادق هي الضمانة، فهل يكون الكتاب والسنة في حد ذاتهما ضمانة أم الفهم هو الضمانة؟، لا شك أن مراده الفهم إذ الكتاب والسنة كالدين لا ينالان عنده بشكل خالص، والقران حمَّال ذو وجوه حسب النص الوارد عن الإمام علي(ع)(6). وفرق كبير بين أن نقول ما هي طريق المعرفة ومن أين تنشأ المعرفة الدينية، وبين أن نقول ما يضمن كون معرفتنا بالدين معرفة به ما دامت الشريعة في نفسها غير قابلة للوصول.

وبعبارة أخرى: فرق كبير بين أن نبحث عما يصحح توصيف معرفة بأنها دينية وبين أن نبحث عن المعيار الواقعي الذي يمكن من خلاله أن نحكم على معرفة أنها دينية أم أنها من فعل الهوى أو اخطاء الفكر.

الثالث: إنه يجعل الدين هنا عين الفهم، مع أنه في موارد كثيرة من كلامه في كتابه، منها ما نقلناه وما سننقله، يرى أن الدين غير المعرفة الدينية وأن الشريعة غير فهم الشريعة ونحو ذلك من العبارات، بينما هنا يرى أن الدين يتعدد بتعدد الإفهام، وهو بالنسبة إلى كل واحدٍ عين فهمه، وهذا يعني بعد ضم ما قاله من أن الفهم قد يختلط بين الصحيح والباطل إن دين كل واحد هو هذا الخليط، ولهذا يتعدد مع أن المفروض أن الدين واحد إلا أن يكون من القائلين بالتعددية الدينية حقيقة كما يظهر منه في بعض مقالاته، وهذا بحث لن يسعنا الدخول فيه في هذه الرسالة.

نحن نوافق على أن اختلاف الإفهام يؤدي إلى اختلاف النظرة إلى الدين، فكل صاحب فهم يشير إلى الدين حسب فهمه له، ونقر بالفرق بين الدين وفهمه لأن الدين واقع والفهم قد يصيبه وقد يخطئه، لكن هذا لا يعني إلا أن يكون للإنسان دين واقعاً بمقدار ما هو مصيب في فهمه أما ما هو مخطئ فيه فهو ليس ديناً لا واقعياً ولا بالنسبة لصاحب الفهم، وإن كان معذوراً فيما لديه إن لم يكن مقصراً في تحصيل المعرفة والفهم. وكل العلماء يصرحون في كتبهم الأصولية والفقهية بأنهم في البداية يعلنون إقرارهم بالدين كما جاء به الله تعالى، وإنما تكون الأفهام مشيرة لا موضوعية لها، ولهذا عرّفنا عن أنفسنا باسم التخطئة. وعندما يخطِّئ الفقهاء بعضهم بعضاً فهم لا يخطئون دين بعضهم البعض بل يخطئون الفهم والفرق بين الأمرين كبير. نعم لو كنا من القائلين بالتصويب الذي يعني في بعض دلالاته أن دين كل امرئ هو فهمه للدين، وأنْ لا وجود واقعي للدين غير ما يعتقده الإنسان، لزم القول بالتعدد الحقيقي للدين وأن الله تعالى قد أنزل أكثر من دين على الأرض، وهذا لازم لا يعترف به أصحاب القول بالتصويب، وهو في الحقيقة أحد الإشكالات الجوهرية على ما ذكروه.

لا غبار من حيث المبدأ على ما قاله «سروش» من كون «المعرفة الدينية هي جهد إنساني لفهم الشريعة مضبوط ومنهجي ومتحرك»(7)، إلا أن النقاش فيه من حيث التعميم، فهل كل معرفة دينية تحتاج إلى جهد بشري أو إنساني لتحصيلها؟، أليس في الدين معارف بديهية تستغني عن أي جهد عقلي أو بحث نظري؟ فإن لم يكن هناك شي‏ء من هذا القبيل لامتنعت المعرفة، إذ ما من معرفة إلا وتنطلق من أوليات وبديهيات يتم التأسيس بناءً عليها، وإن كان هناك شي‏ء من هذا القبيل فلماذا هذا التعميم.

ومع أنه يعترف في بعض كلماته بوجود ما اصطُلِح عليه في علم الفقه بضروريات الدين وأن شرط التدين الالتزام بأركان الدين وضروراته فإنه لم يشر إلى ضرورتها في مجال المعرفة ولم يعترف بهذه الضرورة(8). فنحن لا نتحدث هنا عن ضروريات الدين باعتبارها شرطاً في التدين والإيمان، بل نتحدث عن ضروريات بديهيات في باب المعرفة، وما من علم استغنى عن بدايات بديهية. نعم لا بد لكل باحث من التأكد أولا من بديهية تلك المعارف لينطلق منها، لا أن ينقاد وراء شهرة أو ادعاء الآخرين بالبداهة، ولهذا لا مانع من إعادة النظر فيما ادعُّيَ أنه بديهي للتأكد من صحة وصفه. لكن ليعلم أن البحث عن بديهية هذه المعارف لا تنطلق دائماً من العقل بل منها ما يتم تأسيسه بالنقل الذي أرشد إليه العقل. وكمثال على ذلك نذكر أن من بديهيات المعارف الدينية حجية النص القرآني والنص النبوي والنص الأمامي، فالنص القرآني كان حجة بالعقل بينما النص النبوي والأمامي حجة بالنقل.

لا قيمة للبحث عن أي معرفة إن لم تكن هناك حقيقة واقعية نسعى للوصول إليها. والقول بنسبية المعرفة إن كان المراد به ما ذكرناه قبل قليل بأن كل معرفة يحكم بصدقها بمقدار ما نعلم بمطابقتها للواقع، وبمقدار ما يملك كل منا من تصور للواقع، فهو قول صحيح، فإنه بوجه من وجوهه قول بإمكانية الخطأ فيما ندعيه من معرفة دينية، إلا أن هذا لا ينفي وجود معارف صادقة في واقع الأمر، كل ما علينا فعله هو التأكد من المعيار، وهذا يقودنا بشكل مباشر إلى البحث عن دور العقل والنص في الكشف عن الواقع. كما أنه صحيح إنْ أُرِيدَ به بنسبية المعرفة الدينية أنها صحيحة بالنسبة لمنظومة ثقافية فكرية، فيكون التأكد من صحة تلك المنظومة أو أسسها جزءاً من تلك المعارف الدينية، لا أن ننطلق منها من دون بحث أو أثبات لنفرع عليها فإن الفرع تضيع قيمته إن لم تثبت قيمة الأصل. وإن كان المراد أنه لا حقيقة وراء الذهن لنحكم بالمطابقة فهذا في الحقيقة هو إفراغ للبحث عن قيمته.

إن كثيراً من الآثار التي ترتبت على بحث «سروش» هي ذلك التعريف الخاص به للمعرفة الدينية، والتي جعلها مزيجاً من الحق والباطل. ونحن نقول إن المعرفة الدينية لا تكون الا معرفة بالدين، وبالتالي لا يمكن إلا أن تكون المعرفة الصحيحة المنطبقة على الواقع، وأن الدين يمكن نيله ومعرفته وإذا اختلفنا فأحدنا أو كلانا على خطأ. ولا يكفي لكي تصير المعرفة دينية انتسابها إلى النص وصدق النوايا. وهدف الصادقين هو الوصول إلى معرفة دينية وتنقية الشوائب قدر المستطاع، وإن كان هذا أمراً غير متيسر للإنسان بمعزل عن العون الإلهي ووجود معصومين نلجأ إليهم لتحصيل المعرفة والاهتداء بهم.

نقر بأن الفهم الديني الحاصل لدى أي باحث أو مجتهد لا يكتسب أي قدسية تمنع من حواره أو نقده أو رفض ما يقول ما دمنا نقر بأن هذا الباحث وذلك المجتهد غير معصومين، وعندما يخطئ فقيه فقيهاً، أو باحث باحثاً اخر في فكرة فهو في الحقيقة لا يحكم عليه بالمخالفة مع الإسلام إلا من خلال فهمه هو للاسلام، لكن هذا لا يعني أن الأمر دائماً هو كذلك، بل هو مختص بالقضايا والأفهام النظرية أعني غير البديهية سواء كانت بداهة عقلية أم بداهة نقلية، فبعض الأفهام تكون مطابقة في الواقع للإسلام، وهذه المطابقة تسمح بالحكم بالمخالفة مخالفة واقعية للإسلام، فمن منا لا يخطِّئُ مَنْ ينكر خاتمية نبوة النبي محمد(ص) باعتبار ذلك مخالفة للإسلام واقعاً. صحيح أن الأفهام غير ثابتة إلا أن هذا لا يعني أنه لا يوجد طريقة للثبات ما دام قد تم الإقرار بأن الإسلام ثابت، وإذا أنكرنا أي إمكانية للوصول إلى ثبات ولو في الجملة فهذا يعني الادعاء بأن الإسلام لا يمكن الوصول إليه لا كلاً ولا جزئياً، وهذا يؤدي إلى كون البحوث بحثاً عن سراب. فما دمنا نقر بأن الإسلام له واقعية بمعزل عن أفهامنا ومعارفنا، وما دمنا نقر بثباته فأي معنى لواقعية وثبات لا يمكن الوصول اليهما.

 

هل يمكن للبشر ان ينالوا معرفة كاملة؟

وفي الحقيقة لو خَلينا نحن البشر إلى أنفسنا في فهم الإسلام لكان ما قيل صحيحاً تمام الصحة، ولكان الوصول إلى الدين الصحيح في غاية الاستحالة، ولهذا امنا بالنبوة التي تعني ضرورة الإرشاد الإلهي عبر شخص ينقل إلينا ما عند الله تعالى، ولهذا كان في الدين الإسلامي مرجعيات لا تقبل النقض ولا الرد، وهي مرجعية القران الكريم ومرجعية الرسول(ص) وأهل البيت(ع)، وما خسر المسلمون شيئاً أكثر مما خسروه عندما لم يعترفوا بمرجعية أئمة أهل البيت(ع) وركنوا إلى قدراتهم الخاصة في فهم الشريعة، فلجأوا إلى سبل شتى ليتداركوا النقص الذي لمسوه في معارفهم أو لتتميم أحكام في شأن أمور لم يجدوا لها أو لم يعثروا على حكمها في النص المعتبر. فكيف ستكون الحال لو أنكرنا مرجعية القران الكريم أو مرجعية النص النبوي، وسمحنا بالاجتهاد مقابل النص.

واذا كنا نعاني من غيبة الإمام الثاني عشر(عج) وبالتالي ستبقى معارفنا قابلة للرد والنقض مهما بدت للعارف يقينية ما لم تعتمد على بديهيات كما بيَّنا، إلا أن هذا لا يلغي كون وجود المعصوم(ع) يسد هذا الخلل ويرفع هذا النقص ليدلنا على الحق لا على فهم من الأفهام وفكرة من الأفكار، فليس المعصوم ممن يشتغل بالاجتهاد ولا بالحدس أو الظنيات.

إن ما ذكرناه انفا هو في الحقيقة أحد الأدلة على ضرورة وجود مرجعية معصومة ترفع الاختلاف والضلال وهما من أهداف القران والكتب السماوية ، ومن علل وجود المعصوم المرافق للقران(9).

 

مع ابي زيد في الاجتهاد البشري

على هذا الأساس يمكننا أيضاً معرفة نقطة الإشكال في كلام الكاتب المصري نصر حامد أبي زيد حين يميز بين الدين والفكر الديني قائلاً: «فالدين هو مجموعة النصوص المقدسة الثابتة تاريخياً، في حين أن الفكر الديني هو الاجتهادات البشرية لفهم تلك النصوص وتأويلها واستخراج دلالتها. ومن الطبيعي أن تختلف الاجتهادات من عصر إلى عصر، بل ومن الطبيعي أن تختلف من بيئة واقع اجتماعي تاريخي جغرافي عرقي محدد إلى بيئة في إطار بعينه، وان تتعدد الاجتهادات بنفس القدر من مفكر الى مفكر داخل البيئة المعينة»(10).

وهو يطلق الفكر الديني على اجتهادات بشرية من دون تمييز بين البديهي والنظري، وسكت عن حال النبي(ص) وما هو موقعه فهل يدخل في دائرة البشر الذين يجتهدون ام في دائرة النصوص المقدسة؟.

كلمة حق يجب أن تقال: إن المعارف الدينية التي نكتسبها نحن البشر إذا خلينا وأنفسنا فإنها تتأثر بكثير من العوامل الخارجة عن النص، ونحن مختلفون فيما بيننا في كمالات عقولنا، وفي المناهج التي نؤسسها لأنفسنا. واختلاف المناهج والمباني يؤثر في اختلاف المعارف والنتائج، وهذا الركن من أركان المعرفة الذي يسميه «سروش» بالركن الخارجي له تأثير لا ينكر وإن أي تبدل في تلك المباني والمناهج سيؤدي إلى تبدل في الفهم والمعرفة(11)، ومن هنا يكون من المباحث الجوهرية في المعرفة الدينية البحث في المنهج.

 

ما هي المعرفة الدينية؟!

وبعيداً عن كلام هذا وذاك نقول: إن من المعرفة الدينية ما يمكن نيله بالعقل خاصة، مثل المعرفة بالعقيدة وأصول الدين حتى إن النص في مورد العقيدة الأساسية أعني الأصول لا يتجلى بصورة مولوية دينية بل يظهر بصورة إرشادية توجيهية، وهذا هو حال كثير من الآيات التي تذكر أدلة على وجود الله تعالى والتوحيد. بناءً عليه فالمعرفة الدينية هي كل معرفة صادقة متعلقة بالدين وأصوله سواء أتت من العقل أم من النص، وسواء كان متعلقها من شؤون الدنيا أم من شؤون الآخرة. لكن ليس من المعرفة الدينية الإحاطة بالآراء والوجوه وإن كانت تندرج في دائرة الفكر الديني والمعرفة به.

والمعرفة الدينية ذات أطر ثلاثة: المعرفة العقائدية، والمعرفة الشرعية الفقهية، والمعرفة الأخلاقية. وليس هناك معرفة دينية خارجة عن هذه الأطر، والتي يمكن لنا أن نرجعها إلى إطارين بعد إدراج المعرفة الأخلاقية في إطار المعرفة الشرعية، كما يندرج فيها البحث في المفاهيم العامة لأنها تطال الجانب العملي في حياة الإنسان أو ما يعتبر تأسيساً لشق عملي، فالبحث عن الحرية والقيم والحقوق من مباحث الفقه الإسلامي، وهكذا بحث الاداب والسنن والأخلاق الفاضلة التي يجب التحلي بها والأخلاق الرذيلة التي يجب التخلص منها والابتعاد عنها.

 

خروج المعارف العلمية التقنية عن المعرفة الدينية

وعلى هذا الأساس لا تدخل المعارف المتعلقة بالتكنولوجيا ونحوها في ضمن المعارف الدينية، وهذا ما قد يستوجب طرح تساؤل وهو: إذا كان هدف الدين هداية الإنسان إلى سعادته في الدنيا فلماذا لم يهدنا الله تعالى إلى القوانين العلمية التي تؤمن السعادة في الدنيا والراحة وتقينا من الأمراض أو تشفينا منها، فهل هذه الراحة والسعادة خارجتين عن أهداف الدين، وإذا دخلت في أهدافه وجب أن يتعرض لها فتدخل في ضمن المعارف الدينية.

والجواب أن هذا التساؤل يؤكد، في نظر البعض، أن الشريعة لا تتدخل في الموارد التي يمكن للعقل الإنساني أن يصل فيها إلى نتائج حاسمة وصحيحة، مع أنها ينبغي أن يكون ما له أثر عملي منها ملحوظاً في أهداف الدين، دون ما إذا انحصرت فوائده بالمعرفة العملية كمعرفة أوضاع الكواكب ونحو ذلك. وهذا بخلاف المعارف المتعلقة بتلك الأطر، فإنه أمر لو تيسر للعقل الوصول إلى بعضها فإنه غير قادر على الوصول إليها كلها كمنظومة متكاملة تترتب عليها الآثار المطلوبة. إلا أن الثغرة في هذا الجواب تكمن في عدم توضيح الدواعي لترك الإنسان يتخبط على مدى ألاف السنين لاكتشاف ما يفيده عملياً خاصة فيما يتعلق بالأمراض ومعالجتها. والذي نرجحه أن الدين لا يتعرض إلا لما هو مطلوب منه من باب اللطف وتهيئة كل السبل المطلوبة أمام الهداية، وما عدا ذلك فهو داخل في سنة الابتلاء. فما يصيب الإنسان من أمراض ونواقص مرتبطة بالحياة الدنيا هي بالتأكيد ليست عوائق أمام الهداية إلا بمقدار ما يفشل المرء في الصبر على بلائه والتوجه إلى ربه، ويكون منقاداً إلى هواه، ليعود الأمر إلى اختيار الإنسان نفسه. وإذا كانت تلك البلاءات تشكل عائقا مبرراً لبعض الأفراد إلا انها ليست مانعاً قهرياً خصوصاً إذا نظرنا إلى الموضوع نظرة عامة مرتبطة بالإنسان كنوع.

 

الهوامش:

1 راجع قبض وبسط الشريعة لعبد الكريم سروش ترجمة دلال عباس ، دار الجديد بيروت ، الطبعة الأولى عام 2002 ص 27 فما بعدها.

2 راجع قبض وبسط الشريعة لعبد الكريم سروش ترجمة دلال عباس ، دار الجديد بيروت ، الطبعة الأولى عام 2002 ص 27 فما بعدها

3 راجع قبض وبسط الشريعة لعبد الكريم سروش ترجمة دلال عباس ، دار الجديد بيروت ، الطبعة الأولى عام 2002 ص 30

4 راجع قبض وبسط الشريعة لعبد الكريم سروش ترجمة دلال عباس ، دار الجديد بيروت ، الطبعة الأولى عام 2002 ص 247.

5 راجع قبض وبسط الشريعة لعبد الكريم سروش ترجمة دلال عباس ، دار الجديد بيروت ، الطبعة الأولى عام 2002 ص 32

6 اوائل المقالات للشيخ المفيد ص 401 ، راجع ايضا نهج البلاغة شرح ابن ابي الحديد ج 18 ص 71.

7 راجع قبض وبسط الشريعة لعبد الكريم سروش ترجمة دلال عباس ، دار الجديد بيروت ، الطبعة الأولى عام 2002 ص 30

8 راجع قبض وبسط الشريعة لعبد الكريم سروش ترجمة دلال عباس ، دار الجديد بيروت ، الطبعة الأولى عام 2002 ص 240 ، 241.

9 راجع لمزيد من التفصيل حول المرجعية الفكرية المعصومة كتاب الحرية الفكرية والسياسية في ظل الحكم الإسلامي ص 90 فما بعدها للمؤلف.

10 نقد الخطاب الديني، نصر حامد ابو زيد ، سينا للنشر ، الطبعة الثانية سنة 1994 ص 197

11 راجع قبض وبسط الشريعة لعبد الكريم سروش ترجمة دلال عباس ، دار الجديد بيروت ، الطبعة الأولى عام 2002 ص 72.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً