أحدث المقالات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم: وائل خليل علي

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على أشرف الخلائق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيّبين الطاهرين، لا سيّما ولي الله على المؤمنين، المبلّغ عن ولايته بتشديد وتهديد ربّ العالمين (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس)[2]؛ ليشهد بها جميع المسلمين (ألا فليبلّغ الشاهد الغائب) [3]، وحفيدُه بقيّةُ الله في الأرضين الحجّة بن الحسن عجّل الله تعالى فرجه الشريف.

 

مقدّمة

 

إنّ من السهل جدّاً أن يمسك كلّ منّا بقلمه؛ ليخطّ ما يجول بباله أو ما يصبو إليه ويتمنّاه، إلا أنّ من الصعب جدّاً أن يبقى الواحد منّا ممسكاً بلجام قلمه حتى نهاية بحثه بحيث لا يجانب الحقّ بغضّ الطرف عن دليل من هنا أو فكرة من هناك، أو حمل الكلام على غير معناه المراد منه؛ ليتّفق ذلك مع نتيجة البحث المتوخّاة. ولا شكّ في أنّ هذا الخطر الكبير هو أحد أعظم الآفات التي قد يبتلى بها من يتصدّى للكتابة وطرح أفكاره بداعي عمل الناس بها من غير فرق بين صنف وآخر، ومن أجل رفع هذه المشكلة نرى أنّ الله عزّ وجلّ قد عمل على محورين:

 

1ـ تحصين الإنسانِ نفسَه من خلال الدعاء والتضرع إليه عزّ وجلّ كي يمنّ عليه بشرف وفضيلة تحمّل الحقّ الذي يتعرّف عليه؛ فقد ورد في دعاء شهر الله: (اللهم ما عرّفتنا من الحقّ فحمّلناه)[4]، والمتأمّل في هذه الفقرة من الدعاء يلحظ أنّ الداعي يطلب من الله عزّ وجلّ أن يوفّقه لحمل ما تعرّف عليه من الحقّ؛ إذ من الممكن أن يصل الواحد منّا إلى الحقّ، لكن يصعب عليه تحمّله، والشواهد التاريخيّة ـ البعيدة والقريبة ـ كثيرة على ذلك…

 

2ـ تحصين المتلقّي للفكر والعلم من خلال دعوته إلى التأكّد من مصادر معلوماته ففي الآية (فلينظر الإنسان إلى طعامه)[5]، وقد نقل عن أهل البيت عليهم السلام تفسيرهم الطعام في هذه الآية بقولهم: (علمه الذي يأخذه عمّن يأخذه) [6].

 

إذاً، فنحن مدعوّن أيها العزيز إلى التعرّف على مصادر علومنا التي نتلقّاها، ولا شكّ في أنّ تلك الدعوةَ تشتدّ كلّما كان العلم الذي يراد تحصيله أشدَّ خطورة وأكثرَ فتكاً على فرض مخالفته للحقيقة الواقع.

 

والمؤمنون الأعزّاء لا يساورهم الشكّ في أنّ وقوع الخلل والاشتباه ـ أعاذنا الله ـ أو التدليس والتغرير
ـ لا سمح الله ـ في العلوم والمعارف الدينيّة ممّا يجعلها بعيدةً عن الحقّ هو من أخطر الأمور؛ لما في ذلك من تأثير سلبي على دنياهم وآخرتهم على حدّ سواء، ومن هنا تكون الدعوة إلى التدقيق في مصادر المعارف الدينيّة والعلوم الشرعيّة أشدَّ وأقوى، وبالتالي فإنّ التقصير في ذلك يكون أعظم وأدهى.

 

وعلى الرغم من إيجابيّات الثورة المعرفيّة التي حدثت في القرن الأخير ممّا سهّل التواصل بين البشر جميعاً، كما يسّر الوصول إلى المعلومة، إلا أنّ المكلّف المهتمّ بأمور دينه ودنياه يجب أن يكون حذراً دائماً، ويتنبّه إلى أمرين أساسييّن:

 

1ـ ماذا يأخذ؟

 

2ـ من أين يأخذ؟

 

وإلّا فمن المسلَّم عند الجميع أنْ ليس كلُّ ما يطرح في الكتب أو المجلّات أو الجرائد أو الفضائيّات أو على صفحات الشبكة العنكبوتيّة يمكن الأخذ به وقبوله وجعله ديناً يُتقرب به إلى الله عزّ وجلّ، وهو أمر بديهي لا يُحتاج فيه إلى تكلّف عناء الاستدلال، بل يكفي فيه التنبيه فقط.

 

إذا تبيّن هذا أيها العزيز نقول:

 

تطالعنا من فترة لأخرى مقالاتٌ ودعاوى يصف أصحابها أنفسَهم بالباحثين الإسلامييّن، وأنّهم موضوعيّون وعلميّون، وأنْ ليس لهم من هدف إلا الوصول إلى الحقيقة، وأنّ الله على ما يقولون شهيد… وأنّهم يريدون التجديد في هذا المذهب، ونفض غبار الرجعيّة عنه، وتطويره ودفع عجلته إلى الإمام بما ينفع البلاد والعباد…

 

وهذه العناوين البراقة وإن كانت حقّاً في ذاتها، ومنيَةَ كلِّ مؤمن، إلا أنّها تفقد بريقها وتأثيرها عندما تصبح كلمة حقّ يراد بها باطل.

 

والباطل قد يأتينا من إحدى جهتين:

 

1ـ المادّة.

 

2ـ الهيئة.

 

كما أنّه قد يأتينا منهما معاً، قال بهمنيار: (كما أنّ الفساد في إيجاد البيت قد يقع من جهة المادّة وإن كانت الصورة صحيحة، وقد يقع من جهة الصورة وإن كانت المادّة صحيحة، وقد يقع من جهتيهما معاً كذلك الفساد العارض في الحدّ والقياس قد يقع من جهة الصورة، وقد يقع من جهة المادّة وقد يقع من جهتيهما معاً) [7].

 

فالموضوع الذي يقع بين أيدينا يمكن أن نحلله بشكل من بعدين:

 

البعد الأول: يُنظر فيه في المادّة المطروحة في هذا البحث، هل هي مادّة حقّة أم باطلة؟

 

البعد الثاني: يُنظر فيه في الهيئة والكيفيّة والأسلوب والمنهج المتّبع في هذا البحث، هل هو حقّ أم باطل؟

 

ومن المعلوم لك أيها العزيز أنّ أيّ خلل في أحد هذين البعدين سوف يؤثّر سلباً على النتيجة، ومن هنا كان لا بدّ لكلّ من أراد أن يَنظر في علمه الذي يتعلّمه عمّن يتعلّمه أن يلحظ هذين البعدين بدقّة.

 

ولا بدّ هنا من التنبيه إلى أنّ ليس كلُّ قارئ قادراً على التعامل مع هذه الأمور بحيث يسلك الطريق الصواب، ويبعد نفسه عن الخطأ ولوازمه، لا سيّما إذا كان الموضوع تخصّصيّاً؛ لأنّ تعقيد المطلب أحياناً، وعدم العلم بالاصطلاحات وحدودها، وكيفيةِ التعامل مع أدوات البحث أخرى يوقعك أيها العزيز في شبهات كبيرة تظنُّها الحقَّ، والواقع أنّها مغايرة له تماماً.

 

ومن هنا كان لا بدّ من تقسيم البحوث الإسلاميّة وفرزها؛ ليوضع كلُّ بحث في إطاره الصحيح، فما يُحتاج فيه إلى أهل الاختصاص فليرجع فيه إليهم، وما لا يُحتاج فيه إليهم فليبْحثه كلّ مكلّف بنفسه، وليتقرّب إلى الله بالنتيجة التي يتوصّل إليها.

 

هذا وتنقسم المباحث الدينيّة بتقسيم عامّ إلى قسمين:

 

1ـ الأصول.

 

2ـ الفروع.

 

أمّا الأصول فالمكلّفون في مباحثها العامّة والكليّة على حدّ سواء، يبحث كلّ منهم بالأسلوب العلمي الصحيح ويؤمن بالنتيجة التي وصل إليها.

 

وأمّا الفروع فليس المكلّفون فيها على حدّ سواء، بل ينقسمون فيها إلى ثلاثة أقسام عند المتأخّرين:

 

1ـ المجتهدون.

 

2ـ المقلِّدون.

 

3ـ المحتاطون.

 

ثمّ إنّ المجتهدين نوعان أيضاً: فمنهم المطلق، ومنهم المتجزّئ، ولا يجوز إبداء الرأي بقصد عمل الآخرين به إلا للمطلق منهما، وإن جاز للمتجزّئ العمل برأي نفسه.

 

وممّا اتفق عليه المتأخّرون وجوب رجوع المكلّف في جميع أموره العباديّة والمعامليّة ـ غير الضروريّة ـ إلى فقيه جامع للشرائط يعمل فيها على طبق فتواه [8].

 

والسؤال المهمّ هنا:

 

أين يقع طلاب الحوزة والباحثون الإسلامييّون ـ لا سيّما القدماءُ منهم، والحائزون على شهادات ليسانس أو ماجيستر أو دكتوراه ـ من هذا التقسيم؟

 

يتوزّع طلاب الحوزة بين هذه الأقسام الثلاثة؛ إذ منهم المجتهد بأحد قسميه، ومنهم المقلِّد، ومنهم المحتاط.

 

وممّا تقدّم يتّضح أنّ طالب الحوزة والباحث الإسلامي الذي يجوز له إبداء الرأي بقصد عمل الآخرين به هو المجتهد المطلق فقط، وليس لازم ذلك أن يسكت باقي الطلاب والباحثين فلا ينبسون ببنت شفة، ولا يمسكون بقلم؛ ليبحثوا بحثاً ما، كلا، وإنّما على الطالب الباحث أن يلتزم حدوده حين البحث بحيث يطرح بحثه منسجماً مع تصنيفه الواقعي، فإن كان مجتهداً مطلقاً أورده بقصد عمل الآخرين به، وبقي عليهم تشخيص جواز تقليده وعدمه، وإن كان متجزّءاً ذكره؛ ليعمل به نفسه فقط إن شاء، وإن كان غيرهما فله أن ينقل كلام المجتهدين في المسألة، أو البحث فيه من باب التمرين دون أن يوهم أو يغرّر الآخرين ببحثه.

 

وفي الأيّام القريبة الماضية طُرح بحثٌ حول الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة، تساءل فيه كاتبه هل هي شعيرة أم بدعة؟ وخلُص إلى أنّها بدعة، ثمّ دعا الناس إلى العمل بما توصل إليه (بتركها قربة إلى الله تعالى)، ممّا شكّل ضرورة لإلفات القارئ العزيز إلى بعض الأمور لئلا يقع في الغرر، ومن ثمّ يُترك ليقرّر مصيره على أساس الضوابط الشرعيّة المقرّرة عند الفقهاء كلّ بحسب تقليده.

 

تحديد هويّة البحث

 

من الواضح أن البحث في كون الشهادة الثالثة من الأذان أو الإقامة أم لا هو من البحوث الفرعيّة، وحيث إنّه ليس من ضروريّاتها، ولا من الموضوعات الموكول أمرُ تشخيصها إلى المكلّف نفسه، بل من البحوث الفقهيّة الاستنباطيّة فإنّ من الواجب على كلّ مكلّف أن يرجع إلى مرجع تقليده؛ ليستعلم رأيه فيه؛ إذ لا حجيّة لرأي غيره في مثل هذه البحوث، وإن ساقه الباحث في إطار بحث علمي صحيح، وأعجبتنا أدلّته التي أوردها؛ فليس المدار في هذه مثل هذه الأبحاث على ما نقتنع به ـ نحن المقلِّدون ـ من دليل في هذه المسألة أو تلك، ومن هنا يجب علينا أن نفرّق بين الرسائل العمليّة لمراجع التقليد والبحوث الفرعيّة العلميّة المتفرّقة والتي تنشر في أيّ مكان آخر، بل لا بدّ وأن نفرّق بين البحث العلمي الاستنباطي للمرجع الذي نقلّده وبين ما يفتي به مرجعنا في الرسالة العلميّة؛ إذ الحجيّة للأخير فقط.

 

تحرير محلّ النزاع

 

لكي لا تعيش أيها العزيز بين مطرقة الكاتب وسندان المناقش، وتقع في التيه بين دعوى هذا وردّ ذاك دون تمكّنك من وضع إصبعك على الجرح بشكل جيّد ما يمكّنك من لمس شيء من الخلل في كلام هذا أو ذاك ليكون ذلك دافعاً لك ومحرّكاً لتعيد النظر فيما تلقّيته من علم، وتتحرّى عمّن أخذته ما يعيد فتح الطريق أمامك لتضع قدمك مجدّداً على الصراط القويم، فتكون برئ الذمّة فيما تلقّيته، وتدين لله عزّ وجلّ به فلا بدّ من تحرير محلّ النزاع بشكل واضح ودقيق بحيث يُعلم ما الذي نفى الكاتب ثبوته وجعله بدعة، وما الذي ذهب علماؤنا إلى جوازه وعدم البأس فيه، فنقول:

 

لم ينفِ علماؤنا توقيفيّة العبادات، ووجوب الاقتصار فيها من حيث الأجزاءُ والشرائطُ على ما ورد عن الشارع المقدّس فقط، وهم يتمسّكون بقاعدة توقيفيّة العبادات إلا أن يدلّ دليل على جواز إدخال شيء في العبادة فيُتمسّك به، ومن تتبّع كلماتهم يظهر له ذلك جليّاً، ولئلا تبقى الدعوى بلا دليل ننقل كلام الشهيد الثاني(966 هـ) حيث يقول: (فما كلّ واقع حقّاً يجوز إدخاله في العبادات الموظّفة شرعاً المحدودة من الله تعالى، فيكون إدخال ذلك فيها بدعة وتشريعاً، كما لو زاد في الصلاة ركعة أو تشهّداً ونحو ذلك من العبادات)[9]، وكلام المحقق الأردبيلي(993 هـ) حيث يقول: (ولا يتوهّم المنع من الصلاة على النبي فيه)[10]، وحاصله أنّه لا يمنع من الزيادة التي دلّ عليها الدليل كالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكلام السيّد الخوئي(1411 هـ) حيث يقول: (مقتضى التوقيفيّة عدم جواز الإتيان بشئ بقصد العبوديّة ما لم يسوّغه دليل شرعي، وإلا كان تشريعا محرّماً وهو حقّ لا نضايق عنه)[11]، وليس ذا ممّا ينكره الكاتب؛ إذ إنّه عقد بحثاً للنقاش في أدلّة القوم على جواز الإتيان بالشهادة الثالثة في الأذان أو الإقامة، ولولا اعتقادُه بجواز الخروج عن هذه القاعدة بورود الدليل لما تكلّف عناء ذلك.

 

كما أنّهم لم ينكروا أنّ الشهادة الثالثة ليست جزءاً واجباً من الأذان أو الإقامة، بل انقسموا بين قائل بحرمتها [12]، وقائل بجوازها، على أنّ القائلين بالجواز اختلفوا في كونها جزءاً مستحباً أو لا؟ والأكثر على النفي، قال المحقّق النراقي: (صرّح جماعة منهم الصدوق والشيخ في المبسوط بأنّ الشهادة بالولاية ليست من أجزاء والإقامة الواجبة ولا المستحبّة) [13]، ومثلهما العلامة الحلّي(726)، والشهيد الأوّل(786 هـ)، والشهيد الثاني، والمحقّق الأردبيلي، والشيخ جعفر كاشف الغطاء(1228)، والشيخ محمد حسن الجواهري(1340 هـ)، والسيد محمد باقر الفيروز آبادي(1345 هـ)، والميرزا حسين النائيني(1355 هـ)، والشيخ عبد الكريم الحائري(1355 هـ)، والآغا ضياء الدين العراقي(1361 هـ)، والسيد أبي الحسن الأصفهاني(1365 هـ)، والشيخ محمد رضا آل ياسين(1370 هـ)، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء(1373 هـ)، والسيد حسين البروجوردي(1380 هـ)، والسيد عبد الهادي الحسيني الشيرازي(1382 هـ)، والسيد محسن الحكيم(1390 هـ)، والسيد أحمد الخوانساري(1405 هـ)، والإمام السيد روح الله الموسوي الخميني(1409 هـ)، والسيد أبي القاسم الخوئي، والسيد محمد رضا الكلبايكاني(1414هـ)، والشهيد السيد محمد باقر الصدر (1400هـ)، والميرزا جواد التبريزي(1427 هـ)، والشيخ فاضل اللنكراني(1428 هـ)، والشيخ وحيد الخراساني، والسيد السيستاني، والسيد محمد الروحاني، والإمام القائد السيد علي الخامنائي، والشيخ ناصر مكارم الشيرازي، والسيد محمد سعيد الحكيم، والشيخ لطف الله صافي الكلبايكاني، والسيد محمود الهاشمي الشهرودي، والشيخ حسين النوري الهمداني، وغيرهم.

 

هذا، وقد قال السيد محمد حسين فضل الله: (لم يثبت عندي استحبابها، وقولها فيهما لا يوجب بطلانهما)[14]. وقال أيضاً: الشهادة الثالثة ليست جزءاً من الأذان، واعتبارها جزءاً تشريع محرم، ولكن مع ذلك لا مانع من الإتيان بها بقصد التبرّك لا بقصد الجزئيّة، وإن كنّا نلاحظ أنّ العبادات ومنها الأذان توقيفيّة، ولذا يجب التوقّف عند الحدود التي حدّدها الشرع لها، فلا يُدخل فيها ما لم يأتِ تشريُعه بالنصّ من المعصوم). [15]

 

وبهذا يعلم أنّهم قائلون بتوقيفيّة الأذان والإقامة، وحرمة الزيادة فيهما بلا دليل شرعي، وأنّ الشهادة الثالثة ليست جزءاً منهما أو أحدهما؛ إذ القول بالجزئيّة مع عدم الدليل بدعة وحرام.

 

إلا أنّ البحث لا ينتهي هنا؛ إذ يطرح في المقام سؤال آخر، وهو:

 

ـ هل يجوز الإتيان بالشهادة الثالثة في الأذان أو الإقامة لا على نحو الجزئيّة؟

 

أمّا رأي الشيخ الصدوق فغير معلوم لنا؛ لأنّ كلامه ناظر إلى الزيادة التي فعلها المفوّضة؛ إذ يقول: (هذا هو الأذان الصحيح، لا يزاد فيه ولا ينقص منه، والمفوّضة لعنهم الله قد وضعوا أخباراً وزادوا في الأذان…)، ومن الواضح أنّ الزيادة لا تصدق إلا بنحو الجزئيّة.

 

وكذلك رأي المحقّق الأردبيلي غير معلوم أيضاً؛ لأنّ كلامه ناظر إلى الجزئيّة، والدليل على ذلك أنّه أمر باتباع الشيخ الصدوق فيما ذهب إليه، وقد مرّ أنّ كلام الصدوق ناظر إلى فعل المفوّضة من الزيادة وهي لا تصدق إلا على نحو الجزئيّة، ولأنّه نظّر لذلك بفعل الثاني في الأذان، والثاني قد زاد فيه.

 

أمّا الشيخ الطوسي فله كلامان أحدهما: (ولو فعله الإنسان لم يأثم به)[16]، والآخر (فمن عمل بها كان مخطئاً) [17]، والجمع بينهما بحمل الأوّل على الفعل لا بقصد الجزئيّة، والثاني عليه بقصدها، قال المحقّق النراقي: (وصرّح في المبسوط بعدم الإثم، وإن لم يكن من الأجزاء، ومفاده الجواز)[18]، وقال الشهيد الثاني: (وفي المبسوط أطلق عدم الإثم به)[19]، وبالتالي فإن رأيه في هذا السؤال معلوم.

 

وكذلك رأي الشهيد الأوّل؛ لأنّه يقول في لمعته: (ولا يجوز اعتقاد شرعيّة غير هذه في الأذان والإقامة كالتشهّد بالولاية، وأن محمداً وآله خير البريّة وإن كان الواقع كذلك)[20]، ومن الواضح أنّ كلامه أنّ كلامه ناظر إلى الزيادة، وقد مر أنّها لا تصدق إلا على نحو الجزئيّة، ولأنّه عندما نقل كلام الشيخ الطوسي ـ ولو فعله الإنسان لم يأثم به ـ في البيان لم يعلّق عليه ممّا يعني أنّه يرتضيه، وقد نصّ الشهيد الثاني على ذلك في روضته حيث قال بعد نقل فتوى الشيخ الطوسي بعدم الإثم: (ومثله المصنّف[21] في البيان) [22].

 

ورأي الشهيد الثاني لأنّه يقول في روضته: (فما كلّ واقع حقّاً يجوز إدخاله في العبادات الموظّفة شرعاً المحدودة من الله تعالى، فيكون إدخال ذلك فيها بدعة وتشريعاً كما لو زاد في الصلاة ركعة أو تشهداً ونحو ذلك من العبادات. وبالجملة فذلك من أحكام الإيمان لا من فصول الأذان) [23].

 

ثم قال: (قال الصدوق: إنّ إدخال ذلك فيه من وضع المفوّضة وهم طائفة من الغلاة) وعلق عليه قائلاً:
(ولو فعل هذه الزيادة أو أحدها بنيّة أنّه منه أثم في اعتقاده، ولا يبطل الأذان بفعله، وبدون اعتقاد ذلك لا حرج) [24]، وهذا الكلام منه صريح في عدم الإشكال بالزيادة لا على نحو الجزئيّة كما هو الفرض.

 

ورأي الشيخ جعفر كاشف الغطاء لأنّه صرّح قائلاً: (ومن قصد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام؛ لإظهار شأنه أو لمجرد رجحانه لذاته، مع ذكر ربّ العالمين، أو ذكر سيد المرسلين، كما روي ذلك فيه وفي باقي الأئمة الطاهرين، أو الردّ على المخالفين وإرغام أنوف المعاندين أثيب على ذلك)، ومن الواضح أن المكلّف لا يثاب على الإتيان بالبدعة والتي تتحقّق بالزيادة فيه لا عن دليل، وعليه يكون الثواب على الإتيان بها لا على نحو الجزئيّة.

 

ورأي السيد محمد حسين فضل الله؛ لأنّه يقول: (لا مانع من الإتيان بها بقصد التبرّك لا بقصد الجزئيّة)[25]، بل قد ذهب السيد إلى جواز التكتف في الصلاة أيضاً حيث يقول: (لا مانع من التكتف بدون قصد الاستحباب الشرعي فيه) [26].

 

وبهذا يتضح لك أيها العزيز أنّ ما أُفتي بجوازه هو الإتيان بالشهادة الثالثة لا على نحو الجزئيّة، وما حُرّم وحكم عليه بأنّه بدعة هو الإتيان بها على نحو الجزئيّة، وحيث إنّ الكاتب لم يحرّر محلّ النزاع بشكل دقيق فقد اختلط عليه هذان الفرعان فخرج لهما بحكم واحد.

 

هذا، ولا بدّ هنا من التنبيه إلى أنّ القول بجواز الإتيان بالشهادة الثالثة لا على نحو الجزئيّة لا يتوقف على تماميّة الأدلّة المدّعاة في المقام من الأخبار التي وصفها الشيخ الصدوق بالشواذّ، أو قاعدة التسامح بأدلّة السنن، أو روايات الاحتجاج وغيرها؛ وذلك لأحد أمرين:

 

1ـ ما قاله السيد الخوئي من (أنّنا في غنى عن ورود النصّ؛ إذ لا شبهة في رجحان الشهادة الثالثة في نفسها بعد أن كانت الولاية من متمّمات الرسالة، ومقومات الإيمان، ومن كمال الدين بمقتضى  قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم)[27]، بل من الخمس التي بني عليها الإسلام، ولا سيّما وقد أصبحت في هذه الأعصار من أجلى أنحاء الشعار وأبرز رموز التشيّع وشعائر مذهب الفرقة الناجية، فهي إذن أمر مرغوب فيه شرعاً وراجح قطعاً في الأذان وغيره، وإن كان الإتيان بها فيه بقصد الجزئيّة بدعة باطلة وتشريعاً محرّماً)[28].

 

2ـ ما ذهب إليه العلماء من جواز الفصل بين فقرات الأذان بكلام أجنبي، ولا أقلّ من أن تكون هذه الشهادة العظيمة كلاماً أجنبيّاً فيه، فلا تثبت بذلك دعوى الكاتب أنّها بدعة فيهما.

 

فإن قيل: إلا أنّه يثبت حينئذٍ أنّها بدعة في الإقامة.

 

أجيب: إنّ عدم جواز الفصل بالشهادة الثالثة بين فقرات الإقامة لم ينشأ عندهم من كون الفصل بها فصلاً بين فقرات العبادة التوقيفيّة بما ليس من الدين فيكون بدعة وحراماً، بل هو ناشئٌ من الدليل الخاصّ الدالّ عند هؤلاء على أنّ الإقامة جزءٌ من الصلاة، وحيث إنّه لا يصح عندهم الإتيان بكلام أجنبي في الصلاة ومنه الشهادة الثالثة فقد ذهبوا إلى المنع من الإتيان بها فيها، وإلا فقد ذهب بعضهم إلى جواز الإتيان بها بعد الشهادة الثانية في الصلاة أيضاً [29].

 

خلاصة الكلام:

 

إنّ العلماء متّفقون على توقيفيّة العبادات ومنها الأذان والإقامة، فلا يجيزون إدخال شيء فيهما ما لم يدل عليه الدليل، ولذلك ذهبوا إلى أنّ القول بجزئيّة الشهادة الثالثة منهما أو أحدهما بدعة محرّمة؛ إذ لا دليل على الجزئيّة، لكنهم ذهبوا في الوقت نفسه إلى جواز الإتيان بها فيهما أو في الأذان فقط لا على نحو الجزئيّة، وهو الفرع الذي لم يحرّره الكاتب بشكل جيد، بل جعله والفرع السابق موضوعاً واحداً فخرج لهما بحكم واحداً.

 

وإذا تبيّن ذلك صار بإمكاننا أيها القارئ العزيز أن نرجع إلى مقالة الكاتب لنرى مكامن الخلل فيها على مستوى المادة والهيئة، وهو ما سوف نبيّنه مرتّباً حسب ذكر الكاتب له.

 

وقفة مع مقالة الكاتب

 

لم يفرق الكاتب بين جزء الفعل المستحب، والفعل المستحب مطلقاً لا على نحو الجزئيّة لذا حمل كلام العلماء على النفي المطلق بحيث يشمل الإتيان بالشهادة الثالثة على نحو الجزئيّة، والإتيان بها لا على نحوها ممّا أوقعه في خطأ اتحاد الحكم فيهما.

 

*********

 

إتّهم الكاتبُ العلماءَ جزافاً بأنّهم قد سكتوا عن الشهادة الثالثة ردحاً من الدهر فخفي أمرها على المؤمنين… وهذا مخالف للواقع لأنّك إذا راجعت هذا المبحث عند العلماء من الشيخ الصدوق ـ حيث ادّعى الكاتب ظهور هذه الشهادة ـ حتى يومنا هذا ترى أنّ ما من أحد منهم قد بحث الأذان والإقامة إلا وتعرض لهذه المسألة وفنّدها، وأجاب عن إشكالاتها.

 

نعم، نحن نعترف بأنّ أمرها خافٍ على كثير من العوام، إلا أنّ ذلك ليس لما ذكره الكاتب، وإنّما لتقصير في بيان المطالب الدينيّة بالشكل المطلوب ممّن ينبغي عليه بيانها ـ ومنهم الكاتب وأمثاله ـ تارة، وعدمِ إقبال العوام من الناس ـ عموماً ـ على تعلّم مسائل دينهم بشكل تفصيلي بحيث يُسلّط الضوءُ لهم على تفاصيل المسائل أخرى.

 

*********

 

فرض الكاتب وصف الشيخ الصدوق للأخبار بالشذوذ على جميع العلماء، وتكلّف عناء إثبات حسيّة هذه الشهادة، والحال أنّ الشيخ الصدوق مجتهد كغيره من الفقهاء فيكون اجتهاده حجّة عليه فقط دونهم، ولذا قال بعضهم: (نأخذ رواية الطوسي،وندع درايته في أنّ تلك الأخبار شاذّة) [30].

 

*********

 

على الرغم من أنّ الكاتبَ قد نقل كلامي الشيخ الطوسي (فمن عمل بها كان مخطئاً) و (ولو فعله الإنسان لم يأثم به) إلا أنّه لم يعمل على الجمع بينهما ليتبيّن أنّ الشيخ لم ينفِ جواز الإتيان بالشهادة الثالثة في الأذان لا على نحو الجزئيّة.

 

هذا، والملاحظ لكلام الشيخ يرى أنّه قال: (فمن عمل بها كان مخطئاً) والضمير في (بها) عائد إلى الأخبار الشاذّة ـ وهو ما ذهب إليه الكاتب حيث قال: (والظاهر أنّ مراده من شواذّ الأخبار… وإلا لم ينسب العامل بها جازماً إلى الخطأ) ـ وهذا يعني أنّ الشيخ يقول: من قال بالشهادة الثالثة اعتماداً على شواذّ الأخبار كان مخطئاً، وعليه لنا أن نطالب الكاتب ببيان رأي الشيخ الطوسي فيما يلي:

 

1ـ الإتيان بالشهادة الثالثة اعتماداً على غير الشواذّ من الأخبار.

 

2ـ الإتيان بالشهادة الثالثة من باب أنّها كلام أجنبي يفصل بين فقرات الأذان أو الإقامة.

 

*********

 

عرضَ الكاتب كلام الشيخ جعفر كاشف الغطاء في سياق استعراضه لكلام المانعين من الإتيان بالشهادة الثالثة حتى لا على نحو الجزئيّة ـ كما فسّر كلامهم ـ ممّا يوحي أنّه منهم، والحال أنّ الشيخ نفسَه يقول في ذيل كلامه: (فمن أتى بذلك قاصداً به التأذين فقد شرّع في الدين، ومن قصده جزءاً من الأذان في الابتداء بطل أذانه بتمامه، وكذا كلّ ما انضمّ إليه في القصد، ولو اختصّ بالقصد صحّ ما عداه، ومن قصد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام لإظهار شأنه، أو لمجرّد رجحانه لذاته مع ذكر ربّ العالمين، أو ذكر سيّد المرسلين كما روي ذلك فيه وفي باقي الأئمّة الطاهرين، أو الردّ على المخالفين وإرغام أنوف المعاندين أثيب عليه)، ومن الواضح أن المكلف لا يثاب على البدعة، مما يعني أنّها ليست بدعة عنده بلحاظ هذه الأغراض.

 

*********

 

حذف الكاتب مقطعاً من كلام السيد محمد حسين فضل الله حيث نقله على الشكل التالي:

 

(وقد ذهب بعض الفقهاء إلى استحباب الشهادة لأمير المؤمنين عليه السلام بالولاية بعد الشهادة للنبي بالرسالة في كلّ من الأذان والإقامة، ولكن لم يثبت عندنا استحبابها…. كما أنّني لا أجد مصلحة شرعيّة في إدخال أيّ عنصر جديد في مقدّمات الصلاة أو أفعالها، لا سيّما وأنّ الفقهاء قد أجمعوا على أنّها ليست جزءاً من الأذان، ولا من الإقامة، وأنّ اعتقاد جزئيّتها تشريع محرّم، وقد أجاد الشهيد الثاني عندما عبّر عن هذه الفكرة بقوله: إن الشهادة لعلي بالولاية من حقائق الإيمان لا من فصول الأذان)؛ إذ من الواضح أنّ النقاط لا تحلّ محلّ النصّ دون واضع لها.

 

وإليك أيها العزيز النصّ الكامل: (هذا وقد ذهب بعض الفقهاء إلى استحباب الشهادة لأمير المؤمنين علي بالولاية بعد الشهادة للنبي بالرسالة في كلّ من الأذان والإقامة، ولكن لم يثبت عندي استحبابها، وقولها فيهما لا يوجب بطلانهما، وإن كان الأحوط تركها في الإقامة؛ لاحتمال كون الإقامة جزءاً من الصلاة ممّا يفرض أن لا يكون فيها كلام خارج عن الصلاة. كما أنّني لا أجد مصلحة شرعيّة في إدخال أيّ عنصر جديد في مقدّمات الصلاة، أو أفعالها لا سيّما وأنّ الفقهاء قد أجمعوا على أنّها ليست جزءاً من الأذان، ولا من الإقامة وأنّ اعتقاد جزئيّتها تشريع محرّم، وقد أجاد الشهيد الثاني عندما عبّر عن هذه الفكرة بقوله: إنّ الشهادة لعلي بالولاية من حقائق الإيمان لا من فصول الأذان)[31].

 

فهل المقطع المحذوف لا يناسب ما ساق الكاتب كلام السيد لأجله؟ أم أنّه يستعظم ضمّه للمتساهلين في هذه المسألة ردحاً من الزمن، ووصفه بالمبتدع حيث يسهل عليه وصف من عداه بذلك؟ أم يخشى أن يرتدّ هذا الكلام على السيد نفسه بالسلب لأنّه يقول: (إنّ الإنسان إذا أراد أن يعيش اجتهاده لنفسه من خلال تحفّظاته الذاتيّة، فعليه أن لا يبرز للمجتمع كمرجع في الفتوى، بل عليه أن يحتفظ بفتاويه، واحتياطاته لنفسه)؟

 

كما أنّه أورد من كلام الشهيد الثاني إلى قوله (وليس كل كلمة يسوغ إدخالها في العبادات الموظفة شرعاً) فقط، حيث يفهم منه أنّ الشهيد قائل إنّها بدعة وهو ما يصبو الكاتب إليه.

 

إلا أنّ النصّ الكامل للشهيد الثاني يوضّح حقيقة رأيه في المسألة، فضلاً عن رأي الشهيد الأوّل أيضاً، وهذا نصّه: (فما كلّ واقع حقّاً يجوز إدخاله في العبادات الموظّفة شرعاً المحدودة من الله تعالى، فيكون إدخال ذلك فيها بدعة وتشريعاً كما لو زاد في الصلاة ركعة أو تشهداً ونحو ذلك من العبادات. وبالجملة فذلك من أحكام الإيمان لا من فصول الأذان.

 

قال الصدوق: إنّ إدخال ذلك فيه من وضع المفوّضة وهم طائفة من الغلاة، ولو فعل هذه الزيادة أو أحدها بنيّة أنّه منه أثم في اعتقاده، ولا يبطل الأذان بفعله، وبدون اعتقاد ذلك لا حرج. وفي المبسوط أطلق عدم الإثم به، ومثله المصنف في البيان)[32]، وبملاحظة هذا الكلام يعلم:

 

1ـ أنّ الكاتب لم يورد كلام الشهيد الثاني الذي يبيّن رأيه الحقيقي في المسألة حيث قال: (ولو فعل الزيادة أو أحدها بنيّة أنّه منه أثم في اعتقاده، ولا يبطل الأذان بفعله، وبدون اعتقاد ذلك لا حرج) وهو ما ينفي ما نسبه إليه من القول بكونها بدعة.

 

2ـ أنّ الكاتب لم يورد كلام الشهيد الثاني الذي يبيّن رأي الشهيد الأوّل في البيان (ومثله المصنف في البيان) وهو ما ينفي أيضاً ما نسبه إليه من القول بالنفي.

 

*********

 

أتعب الكاتب نفسه كثيراً في محاولة إثبات حسيّة شهادة الشيخ الصدوق ممّا يوحي بأنّ سقوط هذه الروايات يوصد الباب أمام الفقهاء، في حين أنّ الدليل على جواز الإتيان بالشهادة الثالثة في الأذان أو الإقامة لا ينحصر عندهم بتلك الروايات؛ ليدور أمر إثباتها ونفيها مدارها.

 

كما ادعى أنّ هذه الروايات لو لم تكن موضوعة لعادت إلى الظهور متمسّكاً بقوله تعالى: (ويريد الله أن يحق الحقّ بكلماته ويقطع دابر الكافرين)، وهنا نسأله:

 

ـ هل كلّ ما صدر عن أهل البيت عليهم السلام وصلنا؟ أم أنّ الذي لم يصلنا لم يكن يحمل في داخله قدرة البقاء والاستمرار؟

 

هذا، وقد نقل في بعض كتب أصحابنا عن كتاب السلافة في أمر الخلافة للشيخ عبد الله المراغي المصري أنّ سلمان الفارسي ذكر في الأذان والإقامة الشهادة بالولاية لعلي بعد الشهادة بالرسالة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم، فدخل رجل على رسول الله فقال: يا رسول الله! سمعت أمراً لم أسمع به قبل هذا، فقال رسول الله: ما هو؟ قال: سلمان شهد في أذانه بعد الشهادة بالرسالة بالشهادة بالولاية لعلي، فقال: سمعتمم خيراً.

 

ونقل عنه أيضاً أنّ رجلاً دخل على رسول الله فقال: يا رسول الله: إنّ أبا ذرّ يذكر في الأذان بعد الشهادة بالرسالة الشهادة بالولاية لعلي ويقول: أشهد أنّ عليّاً ولي الله، فقال: كذلك، أونيستم قولي يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه؟ فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه.

 

وقد علّق السيد الميلاني على هذين الخبرين قائلاً:

 

(إن تسألوني عن رأيي في هذا الكتاب، وفي هذين الخبرين فإنّي لا يمكنني الجزم بصحّة هذين الخبرين، لأنّي بعد لم أعرف هذا الكتاب، ولم أطّلع على سند هذين الخبرين، ولم أعرف بعد مؤلّف هذا الكتاب، إلا أنّي مع ذلك لا يجوز لي أن أكذّب، لا أفتي على طبق هذين الخبرين، ولكني أيضاً لا أكذّب هذين الخبرين) [33].

 

أوليس من الممكن أن يكون هذان الخبران قد صدرا واقعاً، إلا أنّهما لم يصلا إلينا بطريق صحيح لسبب أو لآخر؟ وحينئذٍ كيف نجزم بعدم وجود روايات في ذلك؟ بل وندّعي أنّها لم تكن قبل عصر الشيخ الصدوق؟

 

*********

 

شكّك الكاتب في كون الشهادة لعلي عليه السلام بالولاية شعاراً للمذهب، مع أنّ كونها كذلك من البديهيّات، ففي اللسان: الشعار: العلامة في الحرب وغيرها، وشعار العساكر، أن يَسِموا لها علامة ينصبونها؛ ليعرف الرجل بها رُفقته[34].  وفي المحيط: الشعار: ما ينادي به القوم في الحرب؛ ليعرف بعضهم بعضاً[35]، وبناء عليه فالشعار ما يعرف به المرء، وهنا نسأل الكاتب:

 

ألا ترى أنّ أيّ مسجد في أيّ ناحية من أنحاء العالم عندما يرفع أذانه وينطق بالشهادة الثالثة يقال إنّ هذا المسجد للشيعة؟ أو أنّ من يقف للصلاة فيؤذّن أو يقيم ويقولها فيهما يُعلم مباشرة أنّه من الشيعة؟

 

*********

 

قال الكاتب: (فمن الأفضل إثبات أنّ توقيفيّة الأذان تضارع توقيفيّة الصلاة…) إلا أنّ من الواضح أنّه لم يستطع ذلك، بل لم يتمكن من ذكر ولو كلمة واحدة في ذلك، ولهذا تراه قال بعد النقطتين مباشرة (ونقول: ربما يصح هذا في الأذان)، متنازلاً عن محاولة إثبات المضارعة جاراً البحث نحو الإقامة التي صرح الفقهاء بكراهة التكلم أثناءها[36]، وهنا نتعجب من قوله (ربّما) فلماذا التردد مع عدم القدرة على إثبات المضارعة بينهما؟

 

ألا يعني ذلك أنّ الإشكال الذي ذكرته ليس لك منه مفر؟ ما يلزمك بجواز الفصل بين فقرات الأذان بالشهادة المباركة لعلي عليه السلام؟

 

*********

 

تساءل الكاتب هل كلّما صار شيء شعاراً للمذهب والفرقة المحقّة جاز لنا إدراجه في الأذان والإقامة
ـ العباديّتين التوقيفيّتين ـ وتحوّل إلى شعيرة؟

 

والحال أن علمائنا قد أجابوا عن هذا السؤال، ومن الإجابات أنّ هناك فرقاً بين الشهادة بالولاية لعلي عليه السلام والشهادة بأيّ شيء آخر سواء أكان من الأصول الأصليّة والفرعيّة أم من الفروع، وذلك باعتبار أنّه لم يقع نزاع في مسألة من المسائل كما وقع في ولاية علي للمؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كمّاً وكيفاً، وفي الحديث: (ولم ينادَ بشيء كما نودي بالولاية)[37]، فيكون لإفرادها بالذكر دون بقيّة المسائل وجه ومبررٌ، ولهذا لم يلتزم الفقهاء بكل زيادة، فقد أفتى بعضهم بحرمة الشهادة للصدّيقة الكبرى صلوات الله وسلامه عليها حيث سئل:

 

في الآونة الأخيرة قام البعض بإضافة جملة (أشهد أنّ فاطمة الزهراء عصمة الله الكبرى) بعد جملة (أشهد أنّ عليّاً ولي الله) في الأذان فما حكم هذا العمل؟

 

فأجاب: لا يجوز هذا العمل، مضافاً إلى عدم مشروعيّته، فإنّه يتسبّب في إلحاق ضرر كبير في عالم التشيّع، وإظهار المودّة لهذه السيدة الجليلة له طرق كثيرة أفضل من هذا[38].

 

*********

 

إبتدع الكاتب الحكم على الشهادة الثالثة بأنّها بدعة؛ إذ لم يسبقه إلى ذلك أحدٌ من علمائنا، بل ولم يقل بذلك السيد محمد حسين فضل الله أيضاً، وأمّا ما نسبه إلى الشهيد الثاني فخطأ فادح كما تقدّم؛ إذ إن الشهيد قائل ببدعة الشهادة الثالثة على نحو الجزئيّة لا مطلقاً حيث قال: (فيكون إدخال ذلك فيها بدعة وتشريعاً… ولو فعل هذه الزيادة أو أحدها بنية أنه منه أثم في اعتقاده ولا يبطل الأذان بفعله، وبدون اعتقاد ذلك لا حرج) [39].

 

وأمّا ما جعله من صغريات البدعة عن المحقّق النراقي فإليك وهنه من النراقي نفسه ـ وأهل البيت أدرى بما فيه ـ حيث يقول: (أمّا القول بالتحريم مطلقاً فهو ممّا لا وجه له أصلاً، والأصل ينفيه، وعمومات الحثّ على الشهادة بها ترُدّه. وليس من كيفيتهما اشتراط التوالي وعدم الفصل بين فصولهما حتى يُخالفها الشهادة، كيف؟ ولا يحرم الكلام اللغو بينها فضلاً عن الحقّ.

 

وتوهّم الجاهل الجزئيّة غير صالح لإثبات الحرمة كما في سائر ما يتخلّل بينها من الدعاء، بل التقصير على الجاهل حيث لم يتعلّم [40].

 

بل وكذا التحريم مع اعتقاد المشروعيّة؛ إذ لا يتصوّر اعتقاد إلا مع دليل، ومعه لا إثم، إذ لا تكليف فوق العلم، ولو سلّم تحقق الاعتقاد وحرمته فلا يوجب حرمة القول، ولا يكون ذلك القول تشريعاً وبدعة كما حققنا في موضعه[41]

 

وعلى هذا فلا بُعد في القول باستحبابها فيه، للتسامح في أدلّته، وشذوذُ أخبارها لا يمنع عن إثبات السنن بها، كيف؟ وتراهم كثيراً يجيبون عن الأخبار بالشذوذ فيحملونها على الاستحباب)[42].

 

ولعلّ في كلمات هذين العلمين ما ينبّه الكاتب الكريم إلى الخطأ الذي وقع فيه في مقام تحرير محلّ النزاع؛ إذ إنه لم يفرق بين الجزء المستحب والمستحب مطلقاً لا على نحو الجزئيّة ممّا أوقعه في هذه النتيجة الخاطئة.

 

هذا، وقياسُ الكاتب الإتيانَ بالشهادة الثالثة في الأذان على ما فعله ابن الخطاب حيث قال: (تذكّرنا بما أقدم عليه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب من إضافات وزيادات في الأذان والصلاة) هو قياس مع الفارق؛ لأنّه قد اتضح أنّ الجائز عند فقهائنا هو الإتيان بالشهادة لا على نحو الجزئيّة، في حين أنّ ما فعله ابن الخطاب هو الزيادة فيهما، وهي لا تصدق إلا على نحو الجزئيّة.

 

*********

 

إدّعى الكاتب أنّ العلماء تساهلوا في القول بالاستحباب؛ اعتماداً على عدم كون الأذان والإقامة من الأجزاء الواجبة في الصلاة، وعدم قدح الكلام الأجنبي في صحّة الأذان إرضاءً للعوام من الناس.

 

وأنّى له ادعاء ذلك بعد ذكر كلّ واحد منهم جملة من الأدلّة على الاستحباب ـ بغضّ النظر عن صحة أدلّته وعدمها ـ إذ البحث في هذه النقطة في أنّهم تساهلوا إرضاءً للعوام أم لا؟

 

هذا، وقد يقع الكلام في إرضاء العوام بالعنوان الثانوي أيضاً، وذلك حيث تكون مفسدة محاربة هذه الشهادة أعظم من مفسدة ـ تنزلاً ـ الإبقاء عليها، فهل للكاتب أن يتفضّل علينا بحكم هذا الفرض؟

 

*********

 

حشد الكاتب الروايات للاستدلال على فوائد الأذان الجمّة، وتفتّقت عبقريّته بالدعوة إلى حذف الشهادة الثالثة من الأذان والإقامة كي لا يبقى هو وزوجته وأولاده محرومين من تلك البركات، وهنا نقول:

 

1ـ إنّ عدم بثّ الفضائيّات الأذان لاشتماله على الشهادة الثالثة له أحد سببين: إمّا أنّها مقصّرة في ذلك، وإمّا أنّها محرجة كما قلت. أمّا على الأوّل فيلزمك مطالبتها برفع التقصير لا بحذف الشهادة المباركة من الأذان، وأمّا على الثاني فيلزمك التحرّي عن سبب الحرج حيث إنّه إمّا أن يكون وجيهاً ومبرِّراً للسلوك الذي تتّبعه هذه الفضائيّات وهذا ملزم لك ولهم، وإمّا أن لا يكون كذلك فيعود حالها إلى التقصير فيلزمك ما ذُكر سابقاً.

 

2ـ سلمنا ـ تنزّلاً ـ بلزوم حذف الفضائيّات للشهادة الثالثة وبثّ الأذان بدونها؛ ليحصل الكاتب (والزوجات والأولاد) على الثواب المذكور في الروايات، لكن ما ربط هذا بدعوة جميع الناس ـ حتى داخل الغرف
المغلقة ـ إلى حذف الشهادة الثالثة من الآذان والإقامة قربة إلى الله تعالى؟

 

*********

 

ذكر الكاتب أن مرجعاً دينيّاً كبيراً قد فتح لنا باب الخلاص من هذه البدعة وقد عنى به السيد محمد حسين فضل الله وهنا نسأله:

 

لماذا لم يخرج السيد محمد حسين فضل الله من الباب الذي فتحه لنا؛ فيخلّص نفسه من الابتداع؛ حيث أفتى بجواز الإتيان بالشهادة الثالثة في الأذان بقصد التبرّك كما مرّ وهو ما وصفه الكاتب بالبدعة، ويخلّصها من السكوت عن ممارسة البدعة؛ حيث سكت إلى آخر عمره عن الأذان بالشهادة الثالثة في مسجديه (الرضا، والحسنين عليهم السلام).

 

*********

 

لم يبرز الكاتب ـ وهو المتصدّي للبحوث الاجتهاديّة والتنظير ـ للقارئ الكريم السبب الحقيقي في ترك السيد فضل الله الشهادة الثالثة في الإقامة.

 

إلا أنّنا سنبين ذلك من كلام السيد نفسه ـ والذي حذفه الكاتب ـ حيث يقول: (الأحوط تركها في الإقامة؛ لاحتمال كون الإقامة جزءاً من الصلاة ممّا يفرض أن لا يكون فيها كلام خارج عن الصلاة) وهو كلام صريح منه في أنّه لم يتركها لأنّها بدعة كما ابتدع الكاتب، بل لأنّ الإقامة جزء من الصلاة عنده ـ ولو احتمالاً ـ وهو لا يرى جواز إقحام مثل هذا الأجنبي فيها.

 

*********

 

نسب الكاتب إلى الإمام الخميني قدس سره الشريف ممارسة البدعة لمرّة واحدة وبصوت خافت، حيث قال: (كما أنّ إمام الأمّة الراحل السيد روح الله الخميني كان يأتي بالشهادة الثالثة بصوت خافت جدّاً، ولمرّة واحدة فقط، ما يوحي بأنّ في نفسه شيئاً من دعوى استحبابها بالشكل الذي هي عليه الآن)، وفيه:

 

1ـ قوله (كان يأتي) ظاهر في الاستمرار، وأنّى للكاتب أن يثبت ذلك؟ أم أنّ الاستمرار عنده يتحقّق بتكرار بثّ صلاة مسجّلة للإمام الراحل قده من خلال تلفزيون الجمهوريّة الإسلاميّة المباركة؟

 

2ـ أنّى للكاتب أن يثبت لنا أنّ الإمام الراحل كان يقول الشهادة الثالثة في الإقامة مرة واحدة وبصوت خافت؛ لأنّ في نفسه شيئاً من دعوى استحبابها؟ لا سيّما وأنّ من المحتمل أنّ الإمام كان مستعجلاً في تلك الصلاة؛ لمناسبة الإفطار في شهر رمضان المبارك، وقد ذكر الفقهاء جواز الاقتصار على المرّة مع العجلة [43].

 

هذا، والصلاة التي يبثّها التلفاز للإمام مقتصراً في إقامتها على الشهادة مرة واحدة فقط هي صلاة صلّاها في شهر رمضان، وقد اقتصر فيها على الواجبات فقط حاذفاً منها المستحبات، فهل يوحي ذلك للكاتب أنّ في نفس الإمام من مستحبّات الصلاة شيئاً؟ أم يؤكد له مدى اهتمام الإمام بالشهادة الثالثة مقابل مستحبات الصلاة حيث حذف مستحباتها وأبقى الشهادة ولو مرّة واحدة.

 

3ـ ما هو الذي في نفس الإمام من دعوى استحباب الشهادة الثالثة ياترى؟

 

إن كان في نفسه أنّها بدعة ـ كما يريد الكاتب أن يوحي للقارئ ـ فهل يجوز للإمام الراحل ارتكاب البدعة ولو بصوت خافت ولمرّة واحدة؟ وإن لم يكن في نفسه ذلك فليس لكاتب في فعل الإمام من شفاء غليل.

 

هذا، ولو كان في نفسه الشريفة شيء منها فلماذا لم يفتِ بحرمتها؟ ولم يتركها؟

 

ولكي لا نطيل عليك أيها العزيز ننقل إليك كلام الإمام في هذه المسألة حيث يقول: (ورد في بعض الروايات غير المعتبرة أنّه يجب القول بعد الشهادة بالرسالة ـ في الأذان والإقامة ـ (أشهد أنّ عليّاً ولي الله) مرتين، وورد في بعضها الآخر (أشهد أنّ عليّاً أمير المؤمنين حقّاً) مرتين، وفي بعضها (محمد وآل محمد خير البرية) وقد كذّب الشيخ الصدوق هذه الروايات وعدّها من موضوعات المفوّضة. والمشهور بين العلماء عدم الاعتماد على تلك الروايات، غير أنّ بعض المحدِّثين اعتبر ذلك من المستحبّات مستندين في ذلك إلى قاعدة التسامح في أدلّة السنن.

 

ولا يبعد عدم مجانبة هذا القول للصواب، وإن كان الأولى والأحوط الإتيان بها بقصد القربة مطلقاً، فقد ورد أنّ من المستحبّ الإتيان بالشهادة بالولاية وإمرة أمير المؤمنين بعد الشهادة بالرسالة، ففي الاحتجاج…

 

عموماً فإنّ هذا الذكر الشريف مستحب مطلقاً بعد الشهادة بالرسالة، ولا يبعد استحبابه في فقرات الأذان أيضاً، وإن كان تكذيب العلماء الأعلام لتلك الروايات يقتضي الاحتياط بأن يكون الإتيان به بنيّة القربة مطلقاً لا بنيّة خصوصيّته بالأذان)[44].

 

هذا ما قاله عمّا في نفسه منها بحسب الظاهر، وأمّا ما في نفسه منها بحسب الباطن فقد عبّر عنه بقوله:

 

(إنّ حقيقة الخلافة والولاية هي ظهور الألوهيّة، وذلك هو أصل الوجود وكماله، فكلّ موجود له حظ من الوجود يتمتّع بحظّ من حقيقة الألوهيّة وظهورها المتمثّل في حقيقة الخلافة والولاية، واللطيفة الإلهيّة المتمثّلة في أنّ حقيقة الوجود المنبسط ونفس الرحمن والحقّ المخلوق به الذي هو بعينه باطن الخلافة الخاتمة والولاية العلويّة المطلقة قدرٌ منقوش على ناحية الكائنات جميعاً بدءاً ممّا يوجد منها في عوالم الغيب وانتهاء إلى ما هو موجود منها في عالم الشهادة، ومن هنا كان الشيخ العارف الشاه آبادي ـ دام ظله ـ يقول: إنّ الشهادة بالرسالة تنطوي على الشهادة بالولاية، لأنّ الولاية هي باطن الرسالة.

 

وأقول: إنّ كلتا الشهادتين ـ بالرسالة والولاية ـ منطويتان في الشهادة بالألوهيّة، وإنّ الشهادة بالرسالة تنطوي على الشهادتين بالألوهيّة والولاية، كما أنّ الشهادة بالولاية تنطوي على الشهادتين الأخريين) [45].

 

*********

 

دعا الكاتب الناس إلى العمل بالنتيجة التي وصل إليها، مع أنّه ليس من أهل الإفتاء، فإن عاد عن ذلك كان به صون دينه ودين الناس، وإن أصرّ فإنّ ذلك يوجب وقوع المكلّفين في الغرر؛ حيث إنّ المسألة محلّ البحث مسألة اجتهاديّة يجب أن يرجع فيها كلّ مكلّف إلى مرجع تقليده، ولا يصحّ فيها الاعتماد على قول شخص من هنا أو هناك وإن أقنعتنا أدلّته بدواً.

 

فإن قيل: إنّ النتيجة التي وصل إليها الكاتب موافقة لرأي السيد محمد حسين فضل الله وما في نفس الإمام الخميني فيكون العمل بها عملاً برأي الأوّل وما في نفس الثاني في الواقع.

 

أجيب: إنّ دعوى كون النتيجة التي وصل إليها الكاتب موافقة لرأي أحد من علماء الأمّة أو السيد محمد حسين فضل الله كاذبة بمخالفتها الواقع، وفيما مرّ من كلام منقول عن فقه الشريعة للسيد، وما بيّناه من وجه لفعل الإمام لها مرة واحدة كفاية برهان على ذلك.

 

ولو سلّمنا بأنّ النتيجة موافقة لرأي السيد محمد حسين فضل الله فإنّنا نطلب من الكاتب الكريم أن يرشدنا إلى طريق صحيح لتقليده ميتاً ابتداءً في هذه المسألة.

 

هذا، ولعلّ الغد يأتينا بمن يدّعي اجتهاد الكاتب وأهليّته للفتيا، وحينئذٍ فليرجع كلّ منّا إلى الطرق الشرعيّة في التقليد، وليعمل بما يبرئ ذمتّه أمام الله عزّ وجل يوم القيامة.

 

مسك الختام

 

في الختام ننصح الكاتب الموقّر ـ من باب الحرص على دينه وآخرته من جهة ودين وآخرة عامّة المكلّفين من جهة أخرى، ورفع تهمة الابتداع عن المذهب الشريف والعلماء الأبرار ـ أن يسحب مقالته، وإلا فدعوته إلى حذف الشهادة الثالثة من الأذان والإقامة كحدّ أدنى وذلك قربة إلى الله تعالى، وإلا فإنّ إصراره عليها بعد الالتفات إلى فسادها موجب لفسقه؛ إذ إفتاء غير المطلق ـ فضلاً عن غير المجتهد ـ  بقصد عمل غيره بفتواه حرام، كما أنّ ترك البحوث الفاسدة الباطلة في متناول عامة الناس ممّا يوجب حرفهم حرام أيضاً.

 

كما نرجو منه أن يعقد بحثاً يبيّن لنا فيه البدع عند المذاهب الإسلاميّة الأخرى؛ ليحصل بذلك التكافؤ بيننا وبينهم، فلا يغترّ بنا الآخرون.

 

نصيحة للقارئ العزيز

 

ألفت عنايتك أيها العزيز إلى أنّنا لسنا في صدد تسجيل نقاط في مرمى الكاتب لا سمح الله، وإنّما في صدد التضرّع إلى الله قائلين (وما قصرنا عنه فبلغناه) [46] ولهذا نرجو منك أن لا تستعجل في الحكم على الكاتب أو عليّ، بل ابحث وسل وتحقّق ممّا ذكره وذكرناه لما في ذلك من صون للحقيقة.

 

ولا بأس في المقام بمراجعة العناوين التالية للاطلاع على حقيقة الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة:

 

1ـ محاضرات في الاعتقادات للسيد على الحسيني الميلاني.

 

2ـ الشهادة الثالثة للشيخ محمد سند البحراني.

 

3ـ الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة للسيد جعفر مرتضى.

 

4ـ سرّ الإيمان الشهادة الثالثة في الأذان للسيد عبد الرزّاق الموسوي المقرم.

 

5ـ الرسالة الثالثة من كتاب (ست رسالات فقهية استدلاليّة) للسيد محمد حسين المرتضوي اللنكرودي.

 

مضافاً إلى آلاف الصفحات المبثوثة في كتب الفقهاء الاستدلاليّة والتي بحثت هذه المسألة بشكل تفصيلي.

 

يا أمير المؤمنين «يٰا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنٰا وَ أَهْلَنَا الضُّرُّ وَ جِئْنٰا بِبِضٰاعَةٍ مُزْجٰاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنٰا إِنَّ اللّٰهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ».

 

والحمد لله ربّ العالمين

 

2/ 6/ 2011م

 



الهوامش والمصادر

[1] الصحيح (أم) لا أو.

[2] المائدة: 5، 67.

[3] الفصول المهمّة، ط النجف الأشرف، ص23.

[4] تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي، دار الكتب الإسلاميّة، ج3، ص111.

[5] عبس: 80، 24.

[6] الكافي، الكليني، دار الكتب الإسلاميّة، ج1، باب النوادر، ص48.

[7] التحصيل، بهمنيار بن المرزبان، تصحيح وتعليق الشهيد مطهري، ط جامعة طهران، ص5.

[8] العروة الوثقى، السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، ط جماعة المدرّسين، ج1، ص13.

[9] الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة، الشهيد الثاني، ط مجمع الفكر الإسلامي، ج1، ص192.

[10] الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، ج2، ص182.

[11] المستند في شرح العروة الوثقى، تقرير لأبحاث السيد الخوئي، ج15، ص424.

[12] نقلاً عن مستند الشيعة في أحكام الشريعة، المولى أحمد بن محمد بن مهدي النراقي، ج4، ص486، والملاحظ أنّ القائل بالحرمة لم يذهب إلى أنّها بدعة كما فعل الكاتب.

[13] مستند الشيعة في أحكام الشريعة، المولى أحمد بن محمد بن مهدي النراقي، ج4، ص486.

[14] فقه الشريعة، ج1، ص292.

[15]  نقلاً عن موقع بيّنات الإلكتروني، وقد نشر الجواب بتاريخ: 14/5/2002، الساعة 12 ظهراً.

ولئلا يُحمل كلام السيد على التضارب؛ إذ تارة يفتي بالجواز وأخرى يلاحظ ويوجب التوقّف عند ما حدّده الشارع فإنّ من الممكن حمل الملاحظة على غير الشهادة بالولاية لعلي عليه السلام، وذلك باعتبارها ناظرة إلى ما لم يدل عليه دليل من الزيادات.

[16] المبسوط، الشيخ الطوسي، ج1، ص99.

[17] النهاية، الشيخ الطوسي، ص69.

[18] مستند الشيعة في أحكام الشريعة، المولى أحمد بن محمد بن مهدي النراقي، ج4، ص486.

[19] الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة، الشهيد الثاني، ط مجمع الفكر الإسلامي، ج1، ص192.

[20] اللمعة الدمشقيّة، الشهيد الأوّل، ص28؛ الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقية، الشهيد الثاني، ط مجمع الفكر الإسلامي، ج1، ص192.

[21] أي مصنّف اللمعة الدمشقيّة.

[22] الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، الشهيد الثاني، ط مجمع الفكر الإسلامي، ج1، ص192.

[23] المصدر نفسه.

[24] المصدر نفسه.

[25]  نقلاً عن موقع بيّنات الإلكتروني، وقد نشر الجواب بتاريخ: 14/5/2002، الساعة 12 ظهراً.

[26] المصدر نفسه.

[27] المائدة: 5، 3.

[28] المستند في شرح العروة الوثقى، تقرير لأبحاث السيد الخوئي، ج13، ص260.

[29] شرح فروع الكافي، محمد هادي بن محمد صالح المازندراني، ج2، ص523.

[30] تعليقات على شرائع الإسلام، السيد صادق الحسيني الشيرازي، ج1، ص60.

[31] فقه الشريعة، ج1، ص292.

[32] الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة، الشهيد الثاني، ط مجمع الفكر الإسلامي، ج1، ص192.

[33] محاضرات في الاعتقادات، السيد علي الميلاني، ص659.

[34] لسان العرب، ج4، ص413.

[35] المحيط في اللغة، ج1، ص281.

[36] العروة الوثقى، السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، ط جماعة المدرّسين، ج2، ص426.

[37] الكافي، الكليني، دار الكتب الإسلاميّة، ج2، باب دعائم الإسلام، ص18، ح1.

[38] الفتاوى الواضحة، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج3، ص65.

[39] الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة، الشهيد الثاني، ط مجمع الفكر الإسلامي، ج1، ص192.

[40] من الواضح أنّ في هذا الكلام ما يفيد في الجواب على دعوى الكاتب خفاءً أمرها على العوام لسكوت العلماء ردحاً من الدهر عنها.

[41] وفي هذا جواب واضح على تهمة الكاتبِ الفقهاءَ بالابتداع؛ إذ من الواضح أنّ لكلّ منهم دليلاً أو أكثر على مدعاه، وهو يعتقد صحّة دلالته عليه، وإنكار غيره ذلك عليه لا يصيّره مبتدعاً.

[42] مستند الشيعة في أحكام الشريعة، المولى أحمد بن محمد بن مهدي النراقي، ج4، ص486 ـ 487.

[43] العروة الوثقى، السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، ط جماعة المدرّسين، ج2، ص413.

[44] آداب الصلاة، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، ص211.

[45] المصدر السابق.

[46] تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي، دار الكتب الإسلاميّة، ج3، ص111.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً