أحدث المقالات


بقلم: محمد عبد الله المقرب

(بحوث في فقه الحج ) كتاب صدر عن دار الانتشار العربي لمؤلفه الشيخ حيدر حب الله ، وفي التمهيد الوارد في بداية الكتاب يذكر المؤلف أنه من منطلق الأهمية التي يحظى بها الحج في النصوص الاسلامية يبدو من الضروري أن يكون للفقه الاسلامي دوره في الاهتمام بهذه الفريضة ويجب أن يعطيها الفقه الحجم الذي يتناسب مع موقعيته فيما بين العبادات التي يقوم عليها الإسلام .

ونتيجة للتحولات الكبرى العالمية على مختلف الصعد ظهرت مستجدات كثيرة تكاد أن تكون أرهقت الفقه الاسلامي وأتعبته عبر فروع حياتية وعلمية عدة كالجانب الاقتصادي والأمني والطبي والذي لم يكن للحج أية عزلة أو فرار من هذه الصعد وبالنتيجة فقد دخل في فقه الحج العديد من المواضيع المستحدثة وظهرت فيه مسائل من نوع تحديث مكان الجمرات والإحرام من الطائرة وغير ذلك من المسائل المستجدة والطارئة في فقه الحج .

كما وجه المؤلف الدعوة للفقهاء والمحققين لتجديد وتوسعة الدراسة وإعداد الأبحاث الفقهية فيما يخص تلك المسائل ، وأشار إلى أهمية أن يعايش الفقيه المناخ الميداني للنصوص الفقهية المتعلقة بالحج ، فلا تكفي الأحكام التجريدية وغير الواقعية الناتجة عن غيابه عن مسرح الأحداث مبينا أن أحد الفقهاء غير رأيه في بعض الموضوعات الفقهية والنتائج الاجتهادية والتي كان توصل إليها بعدما سافر إلى الحج بنفسه لأنه رأى على أرض الواقع بعض المعطيات التي تركت أثرها في تعديل فهمه للنص أو لظروف صدوره .

الحج الفقهي أم الحج الروحي :
يرى المؤلف أنه على ارض الواقع ظاهرتين   يرى وجوب تصحيحهما :

الأولى : ظاهرة الأشخاص الذين يشغلون أوقاتهم بالدعاء والصلاة والتوبة والتطهر ويعيشون معاني الحج الروحانية لكنهم لسبب أو لآخر لا يراعون الأحكام الشرعية للحج مما يوجب في بعض الأحيان بطلان حجهم أو يترتب عليهم كفارات شرعية يجب أداؤها ، من هنا وجب نشر ثقافة التفقه في الحج لضمان الحج الصحيح .

الثانية : هناك من يفرط في متابعة الجتنب الفقهي لقضايا الحج حتى تراه يغيب عن روح الحج وعن رسالته المعنوية الكبرى وهو يشبه ما يتحدث عنه علماء الأخلاق والعرفان عن الاستغراق في مسائل تجويد القرآن والاهتمام بمخارج الحروف في الصلاة على حساب حضور القلب . بينما القرآن الكريم يركز على ذكر الله تعالى في الحج كذكر الآباء أو أشد ذكرا ومن هنا تأتي ضرورة إعادة ترتيب البحث الفقهي والرسالة العملية بما يخدم مقاصد الحج ورسالته المعنوية الكبرى .

وعن فقه الحج القرآني أشار إلى حاجة تكوين ثقافة قرآنية حجية مهيمنة تحرك رؤية الفقيه لأحكام الحج وتكوين بحث موضوعي متكامل يكون الصورة القرآنية لهذه الفريضة العظيمة .

فقه الحج المقارن ، خطوة عملية للتقريب الإسلامي

يأمل المؤلف أن يتنامى الفقه المقارن وتتعرف الأوساط الاسلامية ببعضها ، سيما الوسط السني بالفقه الإمامي شبه المغيب فيه ، وفي الحج تبدو هذه القضية بالغة الأهمية جدا ، لأن الحج مركز تلاقي المسلمين جميعا وقضاياهم وهمومهم مشتركة ، وفرض المؤلف تشكيل لجان مشتركة من فقهاء المذاهب الثمانية كافة لتدارس كل مستجد في فقه الحج أو طارىء ينزل بدل أن ينفرد هذا المذهب أو ذاك بهذه القضية مع إعطاء الحق للدولة في أن تكون لها صلاحياتها الراجعة للتنظيم ورفع الفوضى والاضطراب .

السياسة وفقه الحج

هل السياسة بعيدة عن الحج وفقهه وقضاياه ؟ وهل يفترض بحق تحييد الحج عن قضايا السياسة ؟ وهل يلعب الحج دورا في الحياة السياسية ؟

عن هذه الأسئلة أوضح المؤلف، اتجاهات فقهاء المسلمين حول هذه القضية التي التبس فيها الأمر وبين رأي الفريق الذي يتبنى نظرية علمنة العبادات وأبان ملاحظاته على نظرية علمنة العبادات الدينية التي ترى أن الفقه الإسلامي يقدم العبادات معلمنة خالية من أي علاقة أو دور في الحياة السياسية العامة . كما أبان النظرية الأخرى التي ترى أن للعبادات وجهين أحدهما روحي غيبي في اتصاله مع الله سبحانه وتعالى وثانيها اجتماعي سياسي في علاقته بالخلق وانه لا يصح تجاهل أحد الوجهين لصالح الآخر ، بل يفترض إيجاد التوازن بينهما . وأشار إلى ماذكرته السيرة النبوية كيف لم ينأى الرسول (ص) عن إقحام القضايا السياسية في الحج ، فلم يقل : إن الناس في حج ، ولا ينبغي في اثناء العبادات أن نعلن البراءة من المشركين بل أرسل عليا (ع) ليعلن هذا القرار السياسي الهام جدا والذي أمره به القرآن الكريم في مطلع سورة التوبة ، وأوضح أن عملية البراءة ومع مايوجد من اختلاف في حيثياتها إلا أنه لا ينبغي اعتماد أي آلية تساهم في خرق الصف الإسلامي .

فصول الكتاب :
الفصل الأول :

جاء الفصل الأول من الكتاب تحت عنوان (حدود الطواف ..دراسة فقهية استدلالية مقارنة ) وقد تناول فيه سبرا تاريخيا فقهيا ومن ضمن ماأوضح فيه مشهور الإمامية إلى ضرورة وقوع الطواف الواجب بين البيت ومقام إبراهيم (ع) الذي إدعى بعض الفقهاء الإجماع حول هذه الجزئية وقد أورد المؤلف بعض اقوال العلماء التي تنافي هذا الاجماع أو تؤيده في مقام الفتوى أو الاحتياط .

وفي رحاب هذه المسألة ذكر أيضا راي أبرز الفقهاء السنة كالإمام الشافعي الذي يرى أن المسجد كله موضع للطواف والإمام الغزالي الذي يرى وجوب الطواف داخل المسجد وعدم جوازه خارجا واستعرض الدراسة التي قدمها الدكتور وهبة الزحيلي الذي ذكر موقف المذاهب الأربعة في كتابه الفقه الاسلامي وأدلته .

كذلك ناقش الآراء التي توضح مكان المقام المختلف بشأنه تاريخيا .
الفصل الثاني :

تناول فيه (فقه الجدال في الحج ) ، فمن المعروف أن من جملة تروك الإحرام في الحج (الجدال) وقد أوضح أدلة حرمته قرآنيا ، ثم بين مفهوم الجدال المحرم ، وشرح مستند نظرية التفسير اللغوي للجدال ومستند نظرية التفسير الشرعي للجدال ونظرية الجدال بالمعنى الأخص . وكان من ضمن نقاشه حول الجدال ماتبناه بعض الفقهاء أن أحكام الجدال من محرمات الإحرام الخاصة بالرجال وليس مشتركا بين الرجال والنساء ، وقد أوضح في نقاشه عمومية الحكم لا تخصيصه ومن جملة ماناقشه جزئية اشتراط الجدال بالعربية وعدمه وكذلك اشتراط المعصية في الجدال المحرم وعدمه .

 
الفصل الثالث :

عنون المؤلف هذا الفصل بـ (فقه التظليل ..معالجة استدلالية لقضايا التظليل في الحج ) وقد تناول المؤلف فيه فقه التظليل المتشعب الفروع وكثرة الابتلاء به ، وناقش أدلة القول بحرمة التظليل للمحرم والتي قسمها إلى :

1-    الدليل الأول الروايات الصحيحة وقد أورد سبعة عشر رواية عن أهل البيت (ع) وقد ناقشها من عدة زوايا وأوضح بعض المفاهيم الواردة فيها .

2-    الدليل الثاني هو التمسك بالإجماع والشهرة وأوضح ان هناك من خالفه كالسبزواري وابن الجنيد ، غلا أنه بعد إيرادها ومناقشتها يرى الشيخ حب الله أنه لا مجال للإستدلال بالإجماع على الحرمة منها .

3-    الدليل الثالث التمسك بطريقة الإحتياط إذ مع عدم الستر يصح بلا خلاف ومعه فيه خلاف ، لكن الاحتياط فرع فقدان الأدلة ، وقد يتبين وجودها ومعه فلا حاجة بل لا مبرر للاستدلال به .

ثم يذكر المؤلف أنه في مقابل أدلة التحريم هناك أدلة أخرى على الجواز أبرزها ماذكره المحقق النجفي في جواهر الكلام وما ذكره النووي في كتاب المجموع من أن التظليل لا يعد لبسا فلا يحرم على المحرم ، وأورد أيضا عدة روايات يستفاد منها جواز التظليل وإن اشترطت بعضها عند وجود العذر الكفارة . كما أبان عدة محاولات في التوفيق بين النصوص أولها حمل بعض أخبار الجواز على التقية لكونها توافق أهل السنة فتبقى ادلة الحرمة سالمة معمولا بها وقد أجاب على هذه الاشكالية . اما المحاولة الثانية وهي حمل أخبار المنع على الأفضلية ، وقد أيد السبزواري في ذخيرة المعاد ذلك بأن النهي غير واضح الدلالة على التحريم في روايات اهل البيت (ع) .وأجاب أيضا على الإشكالية الثانية . أما المحاولة الثالثة التي يحمل أصحابها أخبار المنع على صورة ظاهرة التظليل المساوقة لمظاهر الترف والدعة والرفاهية الزائدة عن الحد المتعارف اجتماعيا ومن ثم تكون أخبار الجواز في محلها ، وقد عقب على هذا القول بأنه لا ينسجم مع جميع النصوص .

وحول مبدأ حرمة التظليل لخص المؤلف الأمر في نظريتين رئيستين في حكم التظليل من حيث المبدأ فالأولى منهما ترى حرمته مطلقا على المحرم أما النظرية الخرى لا تعتقد بالحرمة بشكلها المثار في النظرية الأولى وإنما تحاول تضييق دائرة التحريم وتحديدها . وحول اختصاص حرمة التظليل بالرجال يذكر أن الفقهاء اتفقت كلماتهم على اختصاص هذا الحكم بالرجال وعدم شموله للنساء ، كما نقرأ في هذا الفصل أيضا :

1-    اختصاص حرمة التظليل بالقادر غير المضطر

2-    اشتراط السير في حرمة التظليل

3-    الحكم في السفينة والقطار

4-    الاستظلال من أحد الجانبين وأدلة الترخيص والحظر في الاستظلال الجانبي .

5-    عدم شمول التظليل لغير الشمس والنهار .

6-    دراسة في معنى الظل في اللغة العربية .

7-    شمول حرمة التظليل للراكب والراجل .

8-    عدم شمول الساتر للثابت .

9-    الستر بما لا يمنع من شعاع الشمس .

الفصل الرابع :

جاء هذا الفصل تحت عنوان ( فقه الرمي في الحج ..مطالعة استدلالية لنظريات جديدة ) ، وقد استهل المؤلف هذا الفصل بالناحية التاريخية للجمرات وتحديد هويتها وقد ناقش أيضا :

1-    نظرية كون الجمرات أعمدة وقد ساق لها أدلة وشواهد .

2-    دراسة في أدلة ومستندات كون نظرية كون الجمرات هي الأرض ومجمع الحصى .

3-    دراسة لغوية في كلمة الجمرة .

4-    ماهية المرمى الشرعي

وختم بحثه بنتيجة أفاد فيها أنه لا دليل أمامه يثبت طبيعة الجمرة تاريخيا بشكل جازم وإن كان هناك ما يفيد أنها العمود أو أنها الأرض .

 
الفصل الخامس :

جاء هذا الفصل تحت عنوان ( الذكر في الحج ، هل ذكر الله في المشاعر واجب أم مستحب ) وقد ساق فيه :

1-    نظرية وجوب الدعاء في عرفة ساردا أدلة هذه النظرية ومناقشتها .

2-    نظرية وجوب الذكر في المشعر الحرام .

3-    نظرية وجوب التكبير في ايام التشريق .

ثم ابان تصوراته حول نظرية وجوب الذكر الكثير في الحج . وختم بحثه بماهية الذكر الواجب وما يمكن قوله فيه ، وهل المقصود بالذكر التلفظ اللساني أو الحضور القلبي وعما إذا كان تركه يوجب الإخلال بالحج ، وأشار إلى وجود روايات تدل على عدم بطلان الحج بترك الذكر .

 
 
 

الفصل السادس والأخير :

وجاء هذا الفصل تحت عنوان ( نظرية الترابط بين الأفعال .. استعراض لنماذج في باب الحج ) واستعرض فيه بعض النماذج التي تخضع لنظرية الترابط بين الأفعال موضحا أهمية دراسة العلاقة بين إنجاز الواجب وإنجاز المستحبات وكذلك بين ترك المكروهات وترك المحرمات ، فهو يقول ( قد يفضي فعلا نقوم به يكون واجبا إلى ترك مستحب ، وقد يفضي فعل المستحب إلى ترك الآخرين للواجب أو العكس وهكذا في باب المحرمات والمكروهات مما يستدعي دراسة أوجه العلاقة والارتباط بين هذه الإنجازات المتنوعة )

وابان المؤلف إلى عدم إفراد الأصوليين والفقهاء بحثا مستقلا لدراسة طبيعة علاقة الأفعال بعضها ببعض ، إلا أن أغلب هذه الصور معلوم قواعديا في كلماتهم يمكن التعرف عليه بتحليل نظرياتهم في أصول الفقه وفي الفقه أيضا .كذلك في إطار دراسته هذه بحث :

1-    الترابط بين أفعال المكلف نفسه .

2-    الترابط بين أفعال المكلفين مع بعضهم .

3-    نظرية ترابط الأفعال ودورها في الربط بين الفقه الفردي والمجتمعي .

 

وختم الكتاب بكلمة أخيرة أوضح فيها أنه هناك بعض الملفات البحثية في الفقه الاسلامي تحتاج لإعادة البحث المركز لا سيما في ضوء النصوص القرآنية ، فبحث فقه الجدال في الحج يرشد إلى معطيات النص القرآني في هذا المجال بوصفه مصدرا تشريعيا مقدما على السنة الشريفة بأحد معاني التقديم . كما دعى لمزيد من الأقلام المتخصصة لدراسة كثير من مسائل الحج.

 
 

 

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً