أحدث المقالات




 
 
 

 







أ. إبراهيم سبتي







 
 

في اهم ركيزة من ركائز البناء القصصي ، هي الثيمة ( الموضوعة ) القصصية التي تاتي مكملة للعناصر الاخرى مثل اللغة والاسلوب وهو ما يجعل النص الادبي يبدا بنفسه وينتهي بها أي انه كيان مستقل بذاته وغير مرتبط بتفرعات اخرى تجعله مسيرا منقادا . انه النص اذن . فبنائه لا يأتي دون ان يمر بمراحل استهواء تحيله الى نص مقنع ويحمل وجها ناصعا يسمح بتمريره دون عوائق .

القصة القصيرة احدى الفنون النثرية وهي سليلة الحكاية المعتمدة على الغرابة والخيال والاسطورة في بدايتها الاولى .. وفي تطور في اللغة والبلاغة والأسلوب القصصي ، جاء القرآن الكريم بقصص حفلت بالمتانة في بنائها وحبكتها . ووردت كلمة قصة في بعض الايات القرانية بصيغتها الادبية التي تعارف عليها الادب بعد ان صارت واقعا لا بد من الاستناد عليه في تاريخ القص {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ }يوسف3 .

ولا بد من الإتيان بحقيقة مفادها بان القران الكريم كان سباقا الى اظهار الجانب الواقعي واثارة الدهشة والغرابة في قصصه ولم يات بقصص الحدث الاسطوري والخيالي الخرافي لاعتماده على الحقائق والوقائع في ايراد احداث قصصه التي ظلت متماسكة وبسرد اعجازي تكون من عدة اعتبارات اهمها الدخول الى عالم القصة من باب الإخبار بالحقائق ومن ثم المرور بالعقدة وبعدها التوقف عند الحلول وهي ما عمل عليها اهل القصة اليوم حين جعلوها تبدا باستهلال ومتن وخاتمة كما ذكر ذلك ادغار الن بو وبعض مجايليه من كتاب القصة . وحفل القران الكريم بالعديد من القصص المخبرة عن ازمان الأولين وأحداثهم والمعاجز التي حدثت في عهودهم مما يجعلها كصحف اخبار عن الحوادث والأحداث في تسلسل تاريخي نادر {تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ }الأعراف101 .

ومن الثيمات التي وردت في القران الكريم ( قميص يوسف ) . القميص الذي احدث تنقلا بارعا في احداث قصة يوسف واعتباره محور القصة و احد المرتكزات الاساسية التي اعتمدت عليه الأحداث اللاحقة برمتها . في التطور الدرامي للقصة ، يجيء القميص بثلاث مراحل كانت مؤثرة في تقلبات الحدث وأعطت دفعا للحبكة القصصية المرادفة للحدث نفسه .

في المرة الاولى ، كانت البداية التي غيرت وجه الحدث عندما جاء اخوة يوسف الكارهين له والحانقين على ابيهم ، بقميص يوسف الى ابيهم ملطخا بالدم .

{وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } يوسف18 . كان ادعاء الإخوة بافتراس الذئب ليوسف عندما تركوه عند متاعهم وهموا بالتسابق ، ادعاء ضعيفا وغير متقن الحبكة بدلالة سلامة القميص من التمزق . وان كان الذئب عمل افتراسا لمزقت انيابه الحادة القميص وصيرته خرقة بالية . من هنا كان الأب المثكول يتأرجح بين تصديق القصة ونكرانها إلى ان استدل بسلامة القميص ذاته على سلامة يوسف . ومن حبكة التواتر بين الإخوة والأب ـ النبي يعقوب ـ على سرد القصة لأكثر من مرة ، فان الحدث المحكي لا يدخل في إشكالية الحل وإنهاء العقدة التي اشتبكت حين احضر الاخوة الكارهين القميص الى أبيهم والذين حملوا غيظهم من اخيهم حينما قص عليهم يوسف حلمه الذي قلب الامر كليا .

 {قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }يوسف5 .

 وهذا ما احدث ميلا لكفة السرد وبوجود الاسترسال لإكمال ما تبقى من القصة حين لم يصدق الأب افتراس الذئب لابنه . الذئب كعامل عرضي لم يضف للعذر الضعيف او الافتراء ، اية شرعية مطلقة على إقناع الأب بضرورة الاكتفاء بما سمع وانتهى الامر ، إنما كانت الضرورة القصصية تتطلب استبيان كذب الافتراء بمراحل لاحقة .

في الحدث الثاني للقصة ، نجد إن القميص يؤدي دورا مهما لإحداث تغيرا تراجيديا في القصة حين عمدت امراة العزيز على مراودة فتاها ( يوسف ) في خلوة أعدتها بإتقان وعناية ، إلا إن المفهوم العام للحدث القصصي يتطور وصولا للذروة ( العقدة ) وبالتالي الانفراج برؤية ثاقبة حين يفشل مخطط امراة العزيز على الايقاع بفتاها .

{وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءاً إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }يوسف25 .

في المستوى الدلالي للقصة ، تاتي لحظة شق القميص وتمزقه من الخلف وهذا يدلل على البراءة المقترنة بمكان التمزق نفسه . وفي لحظة التمزق ، تكلل فرار يوسف منها بالنجاح المستند على التوجه نحو الباب للخروج مجبرا نفسه على الجري بسرعة بغية الخلاص وفي لحظة تصادم يراد بها تصاعد الحدث ، كان زوجها العزيز واقفا عند الباب وكأنه اكتشف شيئا واراد له تفسيرا .

في لحظة تمزق القميص من الخلف ، كانت القصة تلزم نفسها بان تبرر الواقعة وتأتي على عناصر الإقناع لتكون مبررا لإكمال الحدث المؤدي الى البناء المتين في القصة :

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ } يوسف3 .

وفي القرآن الكريم ، كانت القصة مكملة للحدث بل مؤثرة فيه تماما حين صرح في اكثر من موقع بان القص يؤدي الى معرفة المجاهيل الواقعة في ازمان سحيقة الوقوع .

{فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ } الأعراف7 .

وفكرة النص في القصة القرآنية ، تعطي انطباعا فنيا بدعم القصة الواردة وجعلها تتمتع بإمكانية قصوى من الإقناع المحكوم بمسلمات الصنعة القصصية ذاتها .

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ }غافر78 .

ان الخيال في القصة ان لم يحمل جذوة الحدث الفاعل نحو متن الحكاية ، سيؤدي الى ضياع الفكرة وبالتالي اختفاء العملية الدرامية برمتها . وفي قصص القران الكريم كان الحدث واقعا في زمن ما ، وزاده توهجا ارتباطه بعقدة السرد المؤدية الى الحلول والخاتمة المقنعة . وهذا ما حدث في قصة يوسف عندما احدث القميص كعنصر دلالة ، دفقا في سريان السرد ادى الى اكمال الحدث واتمام الحبكة القصصية بمقاصد جعلت القصة تأخذ اسلوبا متفردا وإعجازا في دخول عوالم القص الفريدة .

{وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }الأعراف176 .

وهذا يؤكد بان القصة القرآنية ، قصة حدث ومعنى ودهشة مغلفة بابهار سردي لا مثيل له . وان كانت القصة القصيرة قد استهوت كتاب القصة في وقت قريب واكتشفوا متعتها واهميتها كجنس ينافس قصيدة النثر بعد ان اخرجها بودلير من فرنسا الى العالم ، فان القصة هي الاخرى قد حلقت متبجحة كجناح الطير في الاعالي بما كسبته من شهرة ورفعة . ولو اطلع اولئك الأوائل كادغار ألن بو وتشيخوف وغوغول وغيرهم على القصة في القران الكريم ، لكتبوا عوالما اكثر توازنا واكثر اقناعا للناس ولأكدت القصة القصيرة تسيدها على الأجناس النثرية عامة .

وفي محاولة لان تكون القصة القصيرة اكثر رحابة ، عمل القائمون عليها على وضع الخطوط الحمر لكتابها وهم ينظرون لها وينصحون بها على ان تكون القصة القصيرة جنسا مستقلا قائما بذاته حديث النشأة . وبذا فاتهم ان يتعرفوا عليها اكثر وهي موجودة في القران الكريم تحتوي على الميثولوجيا المؤطرة بالحكاية الواقعة فعلا ناهيك عن احتوائها على مفاتيح القص واساليبه . وفي نظرة متأنية على القص المذكور في بعض السور القرآنية ، يجد الباحث والمختص بأن الحادثة والثيمة كانتا اكثر قربا ووضوحا في تركيبة القصة المثيرة والمدهشة .

بالنسبة الى قميص يوسف ، نجد انه يذكر لمرة ثالثة في وقت صار النبي يوسف عليه السلام ، كدلالة للثيمة المقصودة وهو يعطي قميصه لإخوته :

{اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ }يوسف93 .

قميص يوسف هذا ، ليس القميص الذي قد من دبر ولكنه القميص الذي لبسه عندما القي في الجب . وهو بالتالي قميص مقدس بالنسبة للنبي يعقوب واخوته لانه قميص متوارث عن النبي ابراهيم عليه السلام . من هنا كان القميص وسيلة استرداد نظر الاب المبتلى بالحزن والعمى وهو الاب المثكول منذ بدء القصة . اذن استرد الاب نظره بمجرد ان القوا القميص على وجهه . فبدت قصة القميص ، قصة متفرعة عن قصة يوسف وشكلت دفعا ايجابيا لاكمال الواقعة بكل تفاصيلها .

 




Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً