أحدث المقالات

كيف تشاد البناءات العقدية؟ وهل يجب على النظر العقلي أن يراعي النصّ في تشييد هذه البناءات؟ وكيف يمكن التوفيق بين الوصاية النصّية ومبدأ النظر في العقديات؟

أسئلة تواجه الفكر الديني عموماً، والإسلامي ــ سيما في مرحلتنا ــ خصوصاً، ذلك أنّها تلامس شرعية النظر العقلي والاجتهاد الفردي في العقديات بالدرجة الأولى، ومن ثم لابدّ من تقديم أجوبة لها، نطلّ من خلال بعضها على الموضوع هنا باختصارٍ شديد كالعادة.

1 ــ المدخل الإشكالي في هذا الموضوع هو هل يمكن تطبيق ثقافة تربوية في مجال النظر العقلي العقدي تقوم على مفهومي الثواب والعقاب؟ أم أنّ ذلك شلاً في روحه لحركة النظر وإرعاباً من نتائجها؟

ولكي تتمّ ملامسة الجواب عن هذه الإشكاليّة، لابدّ ــ بدايةً ــ من التأكيد على أنّ مبدأ الثواب والعقاب يصحّ تمريره هنا، إذا ما كان نظرنا إلى مقدّمات الفعل العقلي، أي إلى العُدَدِ والأدوات التي تمّ توظيفها أو استنـزافها في عملية النظر مقدّمةً لبلوغ الحقيقة العقدية، فإنّ نظام الثواب والعقاب من شأنه أن يحدّ من عمليّات الاستعجال أو الابتسار، وأن يقلّص من الاندفاعات غير المنطقية أو المماحكات العقلية غير المدروسة، وهو أمرٌ نخمّن أنّه إيجابي، لسلامة النظر العقلي، والرقي به نحو جودةٍ أفضل وأداءٍ أكثر ملاءمة.

إنّ ملاحقة مقولة العقاب الأخروي للباحث الديني في هذا المستوى من مسألة النظر، ليس أمراً سلبياً حينما يتمّ توظيفه لتحسين نوعية النشاط المعرفي محافظةً ــ قدر الإمكان ــ على عناصر الأمانة والهدوء والتروّي والعقلانيّة، إنّ توظيف هذه النظم الدينية، عنيت الثواب والعقاب، الثواب على بلوغ الحقّ، والعقاب على خطئه.. لكي تجوّد النشاط المعرفي يبقى ضرورة يحتاجها الدين والعقل معاً.

2 ــ لكنّ إنذار الباحث الديني بالعقاب الأخروي نتيجة تسرّعه ولا عقلانيّته في ممارسة النظر العقلي.. لا يعني تطبيق المقولة عينها في مجالات أخرى.. ولكي نقرأ هذا الموضوع جيداً ينبغي أن نعرف أنّه من الضروري تقديم ضمانات للباحث الديني في بحثه، وإلاّ أحجم عن البحث وقتلنا بذلك مناشط التفكير، وشلّت بفعلتنا حركة الفكر الديني، ولتقريب هذه الفكرة نحاول استحضار مقولة الحجيّة التي وظّفها علماء أصول الفقه، وذلك حينما قالوا بأن الفقيه حينما يقوم بوظائفه البحثية بأمانة عالية فإنه يملك ضمانات تبعده عن العقوبة الأخروية وتجعل لديه حصانة على تقدير أن يكون قد أخطأ، إنّ معنى هذا الكلام أنّ الفقيه قد انطلق في بحثه الفقهي من ضمانات تسعفه على افتراض أن يكون قد أخطأ في استنتاجاته، ولهذا قيل قديماً: للمجتهد أجرٌ إن أخطأ وأجران إن أصاب، بعيداً عن ما سجّل على هذه الجملة الأخيرة من اعتراضات.

إنّ هذه الضمانات المؤمّنة من العقاب هي التي أقلعت بحركة الاجتهاد الفقهي، وشكّلت إحدى صمامات الأمان التي تهيء الظروف لانبعاث حركة الاجتهاد وانطلاقتها، ولو أنّنا افترضنا أنّ الفقيه سينذر بعقاب لو أخطأ حتّى بعد قيامه بواجباته العلميّة لما وجدنا مثل هذا الحراك الفكري في المجال الفقهي مثلاً.

وما نريد إثارته هو تعميم هذا المنطق على الاجتهاد الكلامي بقسميه القديم والجديد، لأنّ عدم تعميمه سيقتل حركة الفكر الكلامي، كما هو الحاصل في أكثر من مجال، وعملية التعميم هذه ليست اعتباطية، بل ينبغي لها أن تقوم على بناءات فلسفية ومنطقيّة مدروسة، فنحن لا نريد هنا إبداع مقولات فلسفية من العدم، بقدر ما نريد تنظيم هذه المقولات التي يتواجد أغلبها بين أظهرنا في ميادين متفرّقة، ومن ثمّ إعطاؤها دوراً أكبر وأكثر فاعليّة، إذ ما دام الإنذار بالعقاب على الخطأ الاجتهادي الكلامي ماثلاً أمام الباحث الديني فلا يجدر انتظار الكثير من الإبداع منه.

3 ــ ولكي نتفهّم الموقف الديني المتحفّظ، انطلاقاً من أنّ إعطاء ضمانات يعني شرعيّة الأديان والمذاهب كافّة، أو يعني عبثيّة الديانات الحقّة أو غير ذلك ممّا وجدناه عند جماعة من كبار العلماء والمنظّرين من أمثال الوحيد البهبهاني (1205هـ) والشيخ عبدالله البحراني وغيرهما، من الضروري التركيز على الفرق بين مسألة الحقّ والباطل، ومسألة الثواب والعقاب، فأن يكون الإنسان معذوراً عند الله تعالى أمرٌ يختلف تمام الاختلاف عن كونه محقّاً أو مهتدياً لا ضالاً سبيل الصواب، والخلط بين هذين الثنائيّين أدّى ويؤدّي إلى حصول التباس، فإرسال الرسل، وبعث النُذُر، وسنّ الشرائع، واللطف بالعباد هو ــ علاوةً على إنجائهم من عذاب الله تعالى… ــ للبلوغ بهم مراقي الكمال، والأخذ بأيديهم لخير الدنيا والآخرة، وما هو صلاحهم وكمالهم في هذه الحياة، وهي أمورٌ تكوينية، إذ شاء الله تعالى أن لا تجري الأمور إلاّ بأسبابها، فمجرّد أن يكون الإنسان معذوراً في تناوله مادّةً سامّةً لا يجمّد من تأثير السمّ على بدنه بما قد يؤدّي إلى قتله.

وهذا ما نقصده هنا، فإنّ العذر الذي نتكلّم عنه لا يصيّر غير الإسلام إسلاماً، ولا يجعل غير الديانة الحقّة مؤدّياً إليها وموصلاً للغرض فيها، غاية ما في الأمر أنّ الملتبس عليه الأمر غير معاقب.

4 ــ لكنّ التباس الأمر لا يجدر استغلاله لصالح توسعةٍ غير منطقية، ومن هنا نحبّ في هذه العجالة توظيف الثنائي الكلامي ــ الفقهي، القديم ــ الجديد، ألا وهو ثنائي القاصر والمقصّر، فالقاصر لا يعاقب بحكم العقل على خلاف الحال مع المقصّر، وهذا أمرٌ لا يناقش فيه عادةً وغالباً، إنّما النقاش يقع في وجود القاصر في المجال العقدي كما هو الحال في المجال الشرعي أم أنّ المجال العقدي لا يتحمّل فرضيةً كهذه أبداً أو إلاّ نادراً.

وإذا رجعنا إلى مواقف العلماء وجدنا تيّارين رئيسيين يتجاذبان هذا الموضوع بدءاً ــ ربما ــ من الجاحظ (255هـ) وحتّى العصر الحاضر، فتيّار يحاول ــ في إثارته للموضوع ــ أن يجعل القاصر محصوراً في دائرة الصبيان والمجانين والعجزة، ممّن لا تسعفهم الحيلة للبحث والنظر ما دامت إمكاناتهم محدودة عقلياً و.. ونجد هنا نصوصاً لأمثال المرجع الخوئي (1413هـ) تكاد تقترب من هذا الرأي، أما التيار الآخر فهو يعتقد بأنّ القاصر ليس فقط موجوداً في المجال العقدي على الخلاف ممّن نفاه بالكلّية بل هو الحالة الغالبة في الاجتماع الإنساني، وقد نقل مضمون هذا الكلام عن الشيخ بهاء الدين العاملي (1031هـ) حتّى سبّبت له هذه الفكرة ــ على ما يقول الخوانساري (1313هـ) في "روضات الجنات" ــ مشاكل و.. وأكاد أعتقد بأنّ الإمام الخميني (1409هـ) هو أبرز شخصيّة في هذا المجال، إذ لديه نصّ يعدّ من أقوى النصوص في هذا المضمار، فهو يقول: "إن أكثرهم ]الكفّار[ ــ إلاّ ما قلّ وندر ــ جهّال قاصرون لا مقصّرون، أمّا عوامهم فظاهر، لعدم انقداح خلاف ما هم عليه من المذاهب في أذهانهم، بل هم قاطعون بصحّة مذهبهم… والقاطع معذور في متابعة قطعه ولا يكون عاصياً وآثماً، ولا تصحّ عقوبته في متابعته، وأمّا غير عوامهم فالغالب فيهم أنّه بواسطة التلقينات من أوّل الطفولية والنشوء في محيط الكفر صاروا جازمين ومعتقدين بمذاهبهم الباطلة.." (المكاسب المحرّمة 1: 200).

وكما أشرنا، ينصّ الخوانساري على طعن بعض العلماء بالبهائي لقوله: ((إنّ المكلّف إذا بذل جهده في تحصيل الدليل، فليس عليه شيء إذا كان مخطئاً في اعتقاده، ولا يخلّد في النار)) (روضات الجنّات 7: 67).

5 ــ ورغم هذه النصوص القاطعة يذهب البعض إلى تصوّر أنّ هذه المقولة مقولةٌ غربية، أتتنا من النـزعات البروتستانتية، ومن مدارس التعددية الدينية المعاصرة مع جون هيغ وأمثاله، وإنّما تعمّدتُ ذكر نصّين لفقيهين بارزين ليُعلم أنّ الفقه نفسه قادرٌ على تحمّل مثل هذا الرأي، مع اعتقادنا بالنـزعة الفلسفية والعرفانية للبهائي والخميني رحمهما الله.

إذن، فمن الضروري وعي التراث جيداً لملامسة إشكاليّات حسّاسة من هذا النوع، وعدم الاستعجال ــ الصادق أحياناً ــ في التعاطي مع هذه الموضوعات، ولو أردنا سرد الآراء ــ سيما آراء الفلاسفة والعرفاء ــ لطال المقام كثيراً.

إنّ هذه المقولة تمثّل ضمانة، تعلن أن من يطلب الحقّ صادقاً ويبذل الجهد المعقول في السعي خلفه ثم لا يبلغه أو يناله معذور في الجهل بالحقّ، دون أن يعني ذلك إعطاء العذر مطلقاً، فنحن لا ننكر وجود المقصّر، ولا غضّ الطرف عن المخالفات العملية لا أقلّ للعقل العملي كالظلم والقتل بغير الحق و… يجب أن تدرك المسألة بجميع جوانبها، ممّا لا مجال لإفاضة الحديث فيه في هذه الصفحات المحدودة.

6 ــ ويكاد التعجّب يمتلك الإنسان من اعتقاد البعض بأنّ الناظر الذي لا يبلغ الحقّ مقصّر، وشاهد ذلك أنّه لو لم يقصّر لبلغه، إنّ هذه الفكرة ذات صبغة أيديولوجية بحتة، تتجاوز وقائع الأمور، لصالح أيديولوجيا مسقطة، إذ من هو الذي برهن على هذا الأمر؟! وهل كل العقديات يجري عليها هذا القانون؟! وما معنى ارتهان شرعية النظر بصحّة النتائج؟! أليس في ذلك تفريغاً لحرمة التقليد في أصول الدين؟! وهل تحتجب الفطرة لعامل الذنب البشريّ فقط ولا تحجبها ظروفٌ قاهرة على الإنسان كالبيئة والمحيط؟!…

إنّ دراسة ظروف الناس من حيث القصور والتقصير أمرٌ لا يرتبط بالنتائج العلميّة التي خرجوا بها بقدر ما يرتبط بأدائهم العملي ونواياهم الداخلية، بل كيف يمكن رهن الثواب والعقاب بإصابة الحقيقة وعدم إصابتها، فإن الإصابة أمرٌ غير اختياري في حدّ نفسه فكيف يرهن العقاب بما لا يرجع إلى الاختيار؟! وأمّا التشكيك المستمر ّ في النوايا فهو مشكلة يجب حلّها من جذورها النفسية والعقلية.

7 ــ وبهذه الضمانة تنطلق الأفكار لتدرس العقديات بحرّية أمينة وصادقة، لا حرّية منفلتة وعشوائية تبنى على التعسّف والابتسار، وعبر هذا الطريق يحيا الاجتهاد الكلامي، وتخفّ وطأة القلق والخوف المانعين عن الإبداع والخلاقية، وأيضاً تبنى بذلك عقديات برهانية، لا على الطريق المعتزلية المتشدّدة، وإنما على طريقة تستوعب إمكانات الإنسان، إذ لا معنى لمطالبة الباحث اليوم بدراسة جميع الديانات والمِلَل وكافّة البراهين والأدلّة، فهو أمرٌ لا بالمقدور لشخص واحد ولا بالمستطاع للشعوب، بل ولا بالمطلوب على مستوى العقل العملي.

ويبقى أن نرسم تصوّراتنا بدقّة جميعاً لا يستثنى من ذلك أحد، حتّى لا ننتج أفكاراً تقتل مجتمعاتنا أو تسير بها نحو الانحراف التام.

وهكذا تبقى مقولة العقاب الأخروي فاعلةً تربوياً في مجالاتها المنطقيّة، تبني الروح وتهذّب النفس وتشيد الأخلاق الحميدة.

 

 

______

(*) نشرت هذه المقالة في العدد 35 من مجلة المنهاج في بيروت، خريف عام 2004م.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً