أحدث المقالات

د. السيد أنور غني الموسوي(*)

مقدّمةٌ

أحياناً يكون الطرح غير محتاجٍ إلى متابعة أو تبين أو دراسة أو مراجعة، لكنْ حين يصل الأمر إلى الاستدلال بالقرآن هنا يجب المتابعة والبحث وتبيين الأمر وتبيّنه قبل ذلك. وهذه رسالةٌ عملتُها لنفسي حقيقةً في بحث مسألة النِّقاب، فلقد استدلّ القائلون بوجوبه بالقرآن، وهذا أمرٌ مهمّ لا يصحّ تجاوزه، فبحثْتُ الأمر، ووجَدْتُ أن الأمر على خلاف ما قالوا، بل إن القرآن والسنّة والإرشاد هو مع عدم النِّقاب، أي مع إسفار الوجه. وإن الاسفار من الإسلام. ووجَدْتُ من النافع مشاركة الإخوة هذا البحث.

وأنا أدعو بكلّ حبٍّ وإخلاص الباحثين في الشريعة إلى الحَذَر الشديد حين الاستدلال بالقرآن؛ لأن القرآن عمود الدين، وحينما تتَّجه بالنصّ القرآني إلى جهة معيَّنة غير صحيحة تكون قد أحدَثْتَ إرباكاً، ورُبَما ثغرةً. وهذا ما لا يعرف خطره إلاّ مَنْ يعرف قيمة القرآن في الإسلام. إن من أهمّ الأخطاء التي ارتُكبَتْ بحقّ الإسلام هو إخراج بعض آيات القرآن من الإحكام إلى التشابه؛ بفرض الاحتمال فيما لا احتمال فيه، والناتج عن تقليدٍ وانتصارٍ ليس إلاّ؛ إذ في الحقيقة القرآن مبين لكلّ إنسان، وإنما يأتي الإرباك من قِبَل الذين ينتصرون لتقليد مَنْ يناصرون ويحبّون. والله العاصم.

1ـ النِّقاب، لغةً وعُرْفاً

قال في العين: وانتَقَبَتْ المرأةُ نِقْبَةً من النِّقاب. انتهى. إذن الفعل مأخوذٌ من الاسم.

وجاء في فقه اللغة: عن الفرّاء: إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينيها فتلك الوصوصة، فإذا أنزلَتْه دون ذلك إلى المحجر فهو النِّقاب، فإذا كان على طرف الأنف فهو اللفام، فإذا كان على طرف الشفة فهو اللثام.

وفي النهاية في غريب الأثر: وفي حديث ابن سِيرِين: [النِّقابُ مُحْدَثٌ]، أراد أن النِّساء ما كُنَّ يَنْتَقِبن، أي يَخْتَمِرْن. قال أبو عبيد: ليس هذا وجْهَ الحديث، ولكنّ النِّقاب عند العرب هو الذي يَبْدو منه مَحْجِر العين. ومعناه أنّ إبْدَاءَهُنَّ المحاجرَ مُحْدَثٌ، إنما كان النِّقاب لاحقاً بالعين، وكانت تبدو إحدى العينين والأخرى مستورةٌ، والنِّقاب لا يبدو منه إلاّ العينان. وكان اسمُه عندهم: الوَصْوصَة، والبُرْقُع، وكانا من لباس النِّساء، ثمّ أحدَثْنَ النِّقابَ بَعْدُ.

وفي جمهرة اللغة: ومَحْجِر العين: معروف، وهو ما يظهر من النِّقاب.

وفي المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: والمَحْجِر مثال مجلسٍٍ ما ظهر من النِّقاب، من الرجل والمرأة، من الجفن الأسفل، وقد يكون من الأعلى. وقال بعضُ العرب: هو ما دار بالعين من جميع الجوانب، وبدا من البُرْقُع. والجمع المَحَاجِر.

والنِّقاب في العُرْف اليوم هو نفسه سابقاً.

وأما في الشرع فلم يَرِدْ لفظ النِّقاب ولا مشتقّاته في القرآن. وفي السُّنَّة ثبت النهي عنه في الإحرام، متَّفق عليه؛ وحديث آخر ينهى عنه، مطلق لم يصحَّح.

وعكس النِّقاب إسفار الوجه. ففي معجم المعاني: الإسفارُ عن الوجه: الكَشْفُ عنه. وفي مجمع البحرين: وسفرت الشيء سفراً من باب ضرب: كشفته، ومنه أسفرت المرأة عن وجهها، فهي سافرٌ، بغير هاء. ومنه: حديث المرأة، وإذا كشفت عن موضع السجود فلا بأس، وإنْ أسفرت فهو أفضل. وفيه أيضاً: يقال أسفرت المرأة عن وجهها: إذا كشفته. وأسفر الصبح: إذا ظهر.

2ـ أدلّة القائلين بالوجوب

أـ آية غضّ البصر وحفظ الفَرْج

 وهي قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: 31).

وجوه الاستدلال:

الأوّل: إن حفظ الفرج يوجب منع مقدّماته، ومنها: التلذُّذ بالوجه.

وفيه: إن هذا استدلالٌ باطلٌ غريب، لا يستحقّ ردّاً.

الثاني: إن ستر الجيب يقتضي ستر الوجه.

وفيه: إن هذا استدلال باطلٌ، وتعديةٌ للحكم بلا وجه.

الثالث: إن الزينة يجب سترها، إلاّ ما ظهر، وهو الثياب.

وفيه: الصحيح أن المصدَّق بقواعد اليُسْر أن ما ظهر قَهْراً أو للعُسْر والحَرَج، كالوجه والكفَّين، والقدمين أيضاً إنْ عسرَتْ تغطيتهما، بل المتيقَّن أنه غير العَوْرة عُرْفاً، ففي نهاية الآية: ﴿الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾، وهو تفسير للزينة؛ وفي المعجم الأوسط: عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول اللهﷺ: لا يقبل الله من امرأةٍ صلاة حتى تواري زينتها، ولا من جارية بلغت المحيض حتى تختمر؛ وفي صحيح مسلم، في حديث فاطمة بنت قيس، قال لها النبيّ|: إني أكره أن يسقط عنك خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك؛ فيرى القوم منك بعض ما تكرهين)، فهذا ما يجب ستره، وليس الوجه والكفّين. فدلّ على أن الزينة هي العَوْرة. وأما الوجه والكفّ والقدم فليست مشمولةً أصلاً في الزينة؛ لأنها مظاهر شخصية مميزة، مهما كانت جميلةً.

الرابع: إن حكمة الأمر بالخمار هو منع الفتنة والإفتان.

وفيه: المنع من كون كشف الوجه فتنةً مطلقاً، والواجب هو الاقتصار على المتيقَّن، وهو العَوْرة، والتعدية إلى باقي الجسد بالنصّ، ولا نصّ ليشمل الوجه.

الخامس: قياس كشف الوجه على صوت الخلخال.

وفيه: إنه ليس دليلاً، ولا يمكن قياس ما لا بُدَّ منه وما يعسر تغطيته مع قصد إظهار ما هو مخفيّ، ولا يكشف إلاّ بتكلُّف.

 

ب ـ آية القواعد من النساء

 وهي قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ﴾ (النور: 60).

وجوه الاستدلال:

أوّلاً: اختصاص حكم وضع الثياب الخارجية ـ كالجلباب ـ بالعجائز دالٌّ على أن الغرض هو الرغبة والافتتان، فتكون التغطية للوجه والكفين لأنها تفتن.

وفيه: إنه لا دليل في الأصل على وجوب تغطية الوجه الكفين بالجلباب، بل عُرْفيّة طريقة الجلباب بأنواعه، من كساءٍ وعباءةٍ لا يغطي الوجه والكفّين.

وكذلك المنع من كون الوجه الكفين فتنةً عادة، ولا كون الوجه الجميل فتنةً، فلا دليل عُرْفي، أو شرعيّ، على ذلك.

ثانياً: قوله: ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾ يدلّ بالأَوْلى على أن غير العجوز ليس لها إبداء جمالها.

وفيه: إن الآية خلاف ذلك، بل المسألة متعلّقة بالتقوى والإيمان والعفاف وعدم التبرج. وأين العفاف وعدم التبرُّج من إظهار الجمال؟! فلو أن إظهار الجمال لم يخالف التبرُّج والعفاف لكان جائزاً، إنما المنع لأن تكون المرأة في محلٍّ يهتك حرمتها من حيث ظهورها بغير صورة العفاف، وبصورة المتبرِّجة كتبرُّج الجاهية، وليس في نظافتها وتهذيب شكلها وتجميل وجهها ومظهرها.

ثالثاً: قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ يمنع إظهار الفتاة لوجهها؛ لأنها في الغالب تتبرّج به لأجل جلب الانظار.

وفيه: إن هذا الاستدلال الباطل من الغرائب.

ج ـ آية إدناء الجلابيب

وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ (الأحزاب: 59).

وجوه الاستدلال:

أوّلاً: قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: «أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجْنَ من بيوتهنّ في حاجةٍ أن يغطِّين وجوههنّ من فوق رؤوسهنّ بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة».

وفيه: إنه غير ظاهر في النِّقاب، بل هو في الجلباب، والمعنى إغلاقه من الأمام باليد، كما تفعل النساء مع العباءة أمام الأجانب. وأين هذا من النِّقاب؟! كما أنه فعل إنسان، وليس نصّاً شرعيّاً، فالنص هو الجلباب، وليس من ضروريّاته تغطية الوجه، ولا العين.

ثانياً: الجلباب هو الرداء فوق الخمار بمنزلة العباءة؛ قالت أمّ سلمة رضي الله عنها: لما نزلت هذه الآية «خرج نساء الأنصار كأنّ على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهنّ أكسيةٌ سُودٌ يلبسْنَها».

وفيه: إن هذا على المستدلّ بالشرعية؛ فإن الكساء معروفٌ لا يغطي وجهاً إلاّ بتكلُّفٍ، وأغلق من الأعلى، وهو خلاف العادة. فهذه الرواية موافقةٌ للقرآن وصحيحةٌ، ومعنى الجلباب الكساء الذي يغطي البدن من الرأس إلى أسفل، ويكون مغلقاً من الأمام من عند الجيب. ولا يمكن أن يفسَّر هذا بالنِّقاب، بل تفسيره بالنِّقاب الذي لا يغطي كلّ البدن ممنوع. فهذه الآية وهذه الرواية من أدلّة كون النِّقاب مُحْدَثاً، وخلاف النصّ وسيرة الصحابة.

ثالثاً: قد ذكر عبيدة السلماني وغيره أن نساء المؤمنين كنّ يدنين عليهنّ الجلابيب من فوق رؤوسهنّ، حتّى لا يظهر إلاّ عيونهنّ؛ من أجل رؤية الطريق.

وفيه: إن الكلام في الجلباب، وهو معنى ما رُوي عن ابن عبّاس، والكلام هنا كما هناك.

رابعاً: أن عامّة المفسِّرين من الصحابة ومَنْ بعدهم فسَّروا الآية، مع بيانهم سبب نزولها، بأن نساء أهل المدينة كنّ يخرجْنَ بالليل لقضاء حاجتهنّ خارج البيوت، وكان بالمدينة بعض الفُسّاق، يتعرَّضون للإماء، ولا يتعرَّضون للحرائر، وكان بعض نساء المؤمنين يخرجْنَ في زيٍّ غير متميّزٍ عن زيّ الإماء، فيتعرَّض لهنّ أولئك الفُسّاق بالأذى؛ ظنّاً منهم أنهنّ إماء، فأمر الله نبيَّهﷺ أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يتميَّزْنَ في زيّهنّ عن زيّ الإماء، وذلك بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، فإذا فعَلْنَ ذلك، ورآهن الفُسّاق، علموا أنهنّ حرائر، ومعرفتهم بأنهنّ حرائر لا إماء هو معنى قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾، فهي معرفةٌ بالصفة، لا بالشخص.

أقول: إن هذا التفسير فيه طعنٌ بالسَّلَف والصحابة لا يُقْبَل، والصحيح أن يُقرأ النصّ وفق ظروف زمنه، وأن يُحمل على مخالطة المؤمنين لغيرهم من أهل الكتاب والمنافقين. فالمقصود (أن يعرفْنَ أنهنّ من بيت النبيّ ومن نساء المؤمنين)، في مقابل غيرهنّ من نساء أهل الكتاب والمنافقات، وليس لأن هناك مَنْ يتعرّض لهنّ. وقبول التفسير بتعرُّض فُسّاقٍ للنساء لينزل القرآن بذلك هو تفسيرٌ غريب يطعن بالصحابة رضي الله عنهم، ورَمْيه على المنافقين ضعيفٌ. كما أن التمييز بين الحرّة والأمة شيءٌ من التمييز العنصري. والإيذاء هنا ليس بالتعرُّض والتحرُّش، بل هو بالكلام وطعنهنّ بعدم الإيمان أو العفاف، وليس من الأذى بالتحرّش والتعرّض من قبل المتهتِّكين في زمن الأوائل. ولا أقول بالعصمة للجميع، بل هم بشرٌ، إلاّ أن ذلك العصر النوراني لا يُقبل فيه هكذا رواية ظنِّية، ولا يقبل الطعن لمجرّد روايةٍ لا علم فيها.

فالصحيح أنه يعرفْنَ أنهنّ نساء المؤمنين في مقابل غيرهنّ ممَّنْ قد يؤذَيْن لعدم الإيمان، فالإيذاء هو إيذائهن بالقول. فالغاية من الجلباب أن يُعرفْنَ أنهنّ مؤمنات، فهي علامةٌ تمييزية، كما أن الحجاب صار اليوم يميِّز بين المسلمة وغيرها عادةً. وما دام الجلباب اليوم ليس علامة إيمان، ولا علامة عفاف، فإنه يختصّ وجوبه بالظرف الذي يكون فيه تمييزاً، ويشرع لبسه من باب التعبُّد بالنصّ والاحتياط. ولهذا فإن الخمار مع الجبّة يقوم مقامه، وإنْ كانت العباءة أحوط وأفضل، إلاّ أنه مع العُسْر والحَرَج يكتفى بالجبّة والخمار، بل بمطلق ما هو كاشفٌ عن الإيمان والتقوى من التستُّر، وإن الواجب المتيقَّن هو الساتر الذي لا يدلّ على تهتُّكٍ عُرْفاً، بخمارٍ وثيابٍ ساترة، فتكون العباءة والجبّة على الندب، وهما أفضل وأحوط.

د ـ آية عدم وجوب الاحتجاب من الأقارب

 قوله تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ في آبَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شيء شَهِيداً﴾ (الأحزاب: 55).

وجه الاستدلال: قال ابن كثير&: لما أمر الله النساء بالحجاب عن الأجانب بيَّن أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب عنهم، كما استثناهم في سورة النور عند قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ…﴾، الآية.

وفيه: إن الآية الأولى هي بعد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً * إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [الأحزاب: 53 ـ 54]، فهي في الحجاب، أي حجاب الشخص، بينما الآية الثانية في الزينة، ولا ربط بينهما. ومع أن الامر بالحجاب خاصّ جدّاً، وتوسيعه ضعيف، إلاّ أنه حتّى على القول بالتأسّي والتوسُّع فإنه في إخفاء الشخص والظاهر كلّه، وهو معروفٌ عند الناس، ولا علاقة له بأمر عدم إظهار الزينة، من زينةٍ عُرْفية أو بشرةٍ. والمتيقَّن أن الحجاب يعود إلى الخَلْوة، ولا يعمَّم على كلّ الأحوال. وأين هذا من الخروج بنقابٍ؟! فليس الغرض هو إخفاء الوجه بالحجاب، بل إخفاء الشخص كلّه عند المحادثة. فلا ربط أبداً بين أن يكون الكلام من وراء حجاب وبين الخروج بنقابٍ، حتّى لزوجات النبيّ|، فليس أمرهنّ بالحجاب موجباً لأمرهنّ بتغطية كلّ بدنهنّ، حتّى الوجه والكفين. والأمر بالحجاب لا يستوجب الجلباب؛ لأنه لا ربط بينهما، وإنما الجلباب جاء بأمرٍ آخر، وكلاهما لا علاقة له بالنِّقاب. فالحجاب أمرٌ خاصّ جدّاً وعالٍ ولخصوصية نساء النبيّ، ولا يعمَّم على خروجهنّ بين النساء أو في زيارة النساء وفي أسواق النساء. نعم، هو يدلّ على عدم جواز الخَلْوة، وإنْ كانت بجلبابٍ ونقابٍ، لذلك يكون مختصّاً وجوبه بأمّهات الممؤمنين رضي الله عنهنّ؛ للخصوصية.

هـ ـ حديث النظر لأجل الخطبة

قوله|: «إذا خطب أحدكم امرأةً فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبةٍ، وإنْ كانت لا تعلم». رواه أحمد, قال في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح. وصحَّحه الألباني.

وجه الاستدلال: إن مقصود الخاطب المريد للجمال إنما هو جمال الوجه، وما سواه تَبَعٌ لا يُقْصَد غالباً.

وفيه: إنه تحكُّمٌ، بل فيه دلالةٌ على النظر إلى زينتها ومفاتنها، وله شرحٌ وتفصيلٌ. ولذلك الحديث غير مصدّقٍ، فلا حجّة فيه.

و ـ حديث لبس جلباب الأخت

 إن النبيّﷺ لما أمر بإخراج النساء إلى مصلّى العيد قلْنَ: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلبابٌ، فقال النبيّﷺ: «لتلبسها أختها من جلبابها». رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

وجه الاستدلال: إن الأمر بلبس الجلباب دليلٌ على أنه لا بُدَّ من التستُّر.

وفيه: إن البحث في ستر الوجه خاصّ، وليس مطلق التستُّر. وفي الحديث دلالةٌ على خلاف ذلك؛ فإن قوله: (لتلبسها أختها من جلبابها) وإنْ كان يحتمل أنها تعطيها جلباباً آخر، لكنّ قوله: (جلبابها) يدلّ على أنه واحدٌ، فيكون المعنى أنها تشركها معها، أي يكونان معاً تحت جلبابٍ واحد، فيكون المقصود ستر الرأس والبدن، كما يستتر اثنان معاً برداءٍ واحد من بردٍ أو مطرٍ، وهكذا حالةٌ يصعب بل يمتنع ستر الوجه عادةً، فتكون الرواية من أدلّة عدم وجوب ستر الوجه.

ز ـ حديث التلفُّع بالمُرُوط

ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول اللهﷺ يصلّي الفجر، فيشهد معه نساءٌ من المؤمنات، متلفِّعاتٍ بمروطهنّ، ثمّ يرجعْنَ إلى بيوتهنّ ما يعرفهنّ أحدٌ من الغَلَس، وقالَتْ: لو رأى رسول اللهﷺ من النساء ما رأَيْنا لمنعهنّ من المساجد كما منعَتْ بنو إسرائيل نساءها.

وقد روى نحو هذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

وجه الاستدلال: إن الحجاب والتستُّر كان من عادة نساء الصحابة الذين هم خَيْر القرون.

وفيه: إنه من أدلة الجلباب، والمانع من معرفتهنّ الغَلَس، وليس ستر الوجه. كما أن في الحديث طَعْناً بزمن الصحابة والتابعين بعد النبيّ|، وهو غير مقبولٍ، فالحديث غير مصدّقٍ، فليس حجّةً. ولا يصحّ مطلقاً قبول روايات ظنِّية تطعن بالسَّلَف وإنْ نسبَتْ إلى خير الناس من أهل البيت أو الصحابة صلوات الله عليهم.

ح ـ حديث جرّ الثوب وإرخاء الذَّيْل

إن النبيّﷺ قال: «مَنْ جرَّ ثوبَهُ خيلاءً لم ينظُر اللهُ إليهِ يومَ القيامة، فقالَتْ أمُّ سَلَمة: فكيف يصنع النِّساءُ بذيولِهِنَّ؟ قالَ: يُرخينَ شبراً، فقالت: إذن تنكشف أقدامُهُنَّ، قالَ: فيُرخينَهُ ذراعاً، لا يزِدْنَ عليه». رواه الترمذي، وصحَّحه الألباني.

وجه الاستدلال: في هذا الحديث دليلٌ على وجوب ستر قدم المرأة، وأنه أمرٌ معلوم عند نساء الصحابة رضي الله عنهم. والقدم أقلّ فتنةً من الوجه والكفين.

وفيه: إن الحديث مخالفٌ للقرآن والسُّنَّة، ومخالفٌ لليُسْر ونَفْي الحَرَج. والصحيح هو حديث البخاري وأحمد: عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول اللهﷺ: مَنْ جَرَّ ثوبه خيلاءً لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكرٍ: إنّ أحد شِقَّيْ ثوبي يسترخي، إلاّ أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول اللهﷺ: إنكَ لستَ ممَّنْ يصنع ذلك خيلاءً. انتهى. فدلَّ على أن الحديث في الكافر والمنافق، وليس في المؤمنين، فلا علاقة له بالمؤمنين، فضلاً عن النساء.

وزيادة الترمذي غريبةٌ، تجعل الحديث في المؤمنين، وهو ممنوع. قال في الإلمام بأحاديث الأحكام (ج 1، ص 47): قلتُ: وإسناده على شرطهما، وقد أخرجاه بدون زيادة أمّ سلمة. انتهى. وفي تحفة الأشراف (ج 7، ص 443): زاد معمر في حديثه: فقالت أم سلمة:…. فهذه زيادةٌ منفردة تجعل الحديث مخالفاً للثوابت، فلا تقبل.

 

ط ـ حديث الاحتجاب من المُكاتَب

قولهﷺ: «إذا كان لإحداكنّ مكاتَبٌ وكان عنده ما يؤدّي فلتحتجِبْ منه». رواه الخمسة، إلاّ النسائي، وصحَّحه الترمذي.

وجه الاستدلال: دلّ على وجوب احتجاب المرأة عن الرجل الأجنبيّ.

وفيه: إنه بمعنى الآية، وهنا عامٌّ مهمل فيحمل على اللفظ القرآني الخاصّ بزوجات النبيّ، فيكون المخاطب بالحديث هو زوجات النبيّ خاصّةً، والحديث في الأصل عن أمّ سلمة صلوات الله عليها، ففي سنن البيهقي: عن الزهريّ، عن نبهان مكاتَبٍ لأمّ سلمة قال: سمعْتُ أمَّ سلمة تقول: قال رسول اللهﷺ: «إذا كان لإحداكُنَّ مكاتَبٌ، وكان عنده ما يؤدّي، فلتحتجِبْ منه».

وقال في المحرّر في الحديث (ج 1، ص 536): رواه أحمد، وأبو داوود، وابن ماجة، والنسائيّ، والترمذيّ. وصحَّحه، وتكلَّم فيه غيرُ واحدٍ من الأئمّة.

وقال شعيب الأرنؤوط في التعليق على مسند أحمد: إسنادُه ضعيفٌ.

وفي سنن الترمذي (ج 3، ص 562): عن أمّ سلمة قالت: قال رسول اللهﷺ: إذا كان عند مكاتَب إحداكنّ ما يؤدّي فلتحتجب منه. قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم على التورُّع، وقالوا: لا يعتق المكاتَب وإنْ كان عنده ما يؤدّي حتّى يؤدّي. قال الشيخ الألباني: ضعيفٌ. انتهى.

أقول: رغم تضعيف الأعلام للحديث سَنَداً، بل مَتْناً أيضاً، فحمل على الندب، إلاّ أن الحديث مصدّقٌ وموافق للقرآن، ويكون واجباً خاصّاً بزوجات النبيّ، ويكون لهنّ حكمٌ خاصّ في هذا الشأن. ويستحبّ ذلك للباقيات من المؤمنات؛ للتأسّي.

ي ـ حديث إسدال المُحْرِمات الجلباب على الوجه، وكشفه

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان الركبان يمرّون بنا ونحن مُحْرِماتٍ مع الرسولﷺ؛ فإذا حاذونا سدلَتْ إحدانا جلبابها على وجهها من رأسها؛ فإذا جاوزونا كَشَفْناه». رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجة.

وجه الاستدلال: دلّ على وجوب ستر الوجه؛ لأن المشروع في الإحرام كشفه، فلولا وجود مانعٍ قويّ من كشفه حينئذٍ لوجب بقاؤه مكشوفاً. وقد ثبت في الصحيحين وغيرها أن المرأة المُحْرِمة تنهى عن النِّقاب والقفّازين.

أقول: من الغريب الاستدلال بهذا الحديث على وجوب النِّقاب، مع أنه دلّ بشرحه على منعه. ولا يصحّ القول باختلاف الشريعة في وجوب ستر الوجه ووجوب كشفه. وحالٌ كهذه في نُسُكٍ قوامه السفر والاختلاط توجب الاضطراب. فالحديث دالٌّ على جواز الستر؛ لأنه لا مانع منه، والممنوع هو النِّقاب، وليس ستر الوجه. فالخلط بينهما غير صحيحٍ. فالمُحْرِمة ليس لها أن تتنقَّب، ولا يعني هذا أنها لا تستر وجهها بسدل الجلباب. ومن خلال القرائن الكثيرة يكشف هذا الحديث وما تعلَّق به من رواياتٍ أن النِّقاب كان مستَنْكَراً في زمن النبيّ|، وأن بعض النساء يلبسنه دون أمرٍ، ولذلك جاء في الإحرام منعه، ولا يبعد ـ لقرائن أخرى ـ أنه تشديدٌ في كراهته. وذمّه العامّة حدَّ المنع.

ك ـ حديث المرأةُ عَوْرةٌ

عن عبد الله، عن النبيّﷺ قال: المرأة عَوْرةٌ؛ فإذا خرجَتْ استشرفها الشيطان. قال أبو عيسى: هذا حديث حَسَنٌ غريب. وقال الشيخ الألباني: صحيحٌ.

وجه الاستدلال: يدلّ على الحجاب للزوم ستر كلّ ما يصدق عليه اسم العَوْرة.

أقول: وهذا حديثٌ مُنْكَرٌ جدّاً، ومخالفٌ صراحةً للقرآن والسُّنَّة، ولا يصح نقله، ولا نسبته إلى رسول الله|. والحديث يتحدَّث عن شخص المرأة، وليس عن بدنها، فلا ينفع ستره، بل لا بُدَّ أن لا تخرج من بيتها، وهذا مخالفٌ لأساسيّات القرآن والإسلام، بل الظلمة واضحةٌ فيه.

والخلاصة: إنه لا دليل على استحباب النِّقاب، فضلاً عن وجوبه.

3ـ القول: إن النِّقاب شريعةٌ

مَنْ يقول: إن النِّقاب من الدين، وجوباً أو استحباباً، فعليه الدليل.

وإذ لا دليل فالقولُ: إنه شرعةٌ ودينٌ بِدْعةٌ.

بل النِّقاب خلافُ الدليل، كما علمْتَ، فيكون تشريعه ضلالاً. فالقول: إن النِّقاب تكليفٌ ولو ندباً بِدْعةٌ وضلالةٌ. وإفتاء الفقيه بالضلالة لا يعني أنه ضالٌّ، بل هو مؤمنٌ مسلمٌ فقيهٌ، لكنه أخطأ خطأً فادحاً. وقول الإنسان بالبدعة والعمل بها لا يعني أنه مبتدعٌ، إلاّ أنه مخطئٌ وجاهل.

4ـ القول: إن النِّقاب عادةٌ

مَنْ يقول: إن النِّقاب عادةٌ عُرْفيّة ـ وهو خلاف واقع غالب المتنقِّبات ومناصريهم من المتديِّنين ـ، وإن الأصل الإباحة، فإن العادة العُرْفية تجوز إنْ لم تخالف القرآن والسُّنَّة، فجوابُه: القرآن أمر بالفطرة والمعروف والعقلائيّة، والنِّقاب خلافُ ذلك كلّه. والقرآن أمر باليُسْر، بل هو نصٌّ ميسِّرٌ خاصّ باللباس (إلاّ ما ظهر)، ويقصد الوجه، فهذه رخصةٌ وعَفْوٌ، والنِّقاب خلافها. كما أن عدم النِّقاب سيرةُ الصحابيات، والنِّقاب خلاف ذلك. مضافاً إلى أن النِّقاب ـ الذي ليس شريعةً ولا ديناً ـ يستغلّ اليوم لتوهين الدين؛ باعتباره أمراً متخلفاً ومخالفاً للعُرْف المتحضِّر السائد.

من هنا، فالعادة العُرْفية تجوز إنْ لم تصطدم بمعرفةٍ دينية ثابتة أو بتكليف شرعيّ واحد، فكيف والنِّقاب يصطدم بكلّ ما تقدَّم من معارف إسلامية ثابتة عامّة، وخاصة باللباس؟!

وهنا سأورد أدلّةً كافية على عدم وجوب النِّقاب، وعدم استحبابه؛ ومن بَعْدها أدلّةً على كراهته.

5ـ الأدلّة على عدم وجوب النِّقاب

بعد عدم الدليل على الوجوب فإن الأصل الإباحة، وبعد عدم الدليل على الاستحباب فإن الأصل عدم الاستحباب. وهنا أدلة تدلّ على عدم الوجوب:

أـ آية عدم إبداء الزينة إلاّ ما ظهر منها، وضرب الخُمُر على الجيوب

قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: 31).

وجوه الدلالة:

أوّلاً: قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾؛ ففي إرشاد العترة صلوات الله عليهم:

وسائل الشيعة: عن الفضيل قال: سألتُ أبا عبد الله× عن الذراعين من المرأة، هما من الزينة التي قال الله: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾؟ قال: نعم، وما دون الخمار من الزينة، وما دون السوارين.

 وسائل الشيعة: عن مروك بن عبيد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله×، قال: قلتُ له: ما يحلّ للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرماً؟ قال: الوجه والكفّان والقدمان.

قال في الكشّاف: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني إلاّ ما جَرَت العادة والجبلّة على ظهوره. أقول: وهي الوجه والكفّان والقدمان.

وقال في الوجيز، للواحدي: ﴿إَلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: وهو الثياب، والكحل، والخاتم والخضاب، والسِّوار، فلا يجوز للمرأة أن تظهر إلاَّ وجهها ويدَيْها إلى نصف الذِّراع.

 وفي بحر العلوم، للسمرقندي: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: روى سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس أنه قال: وجهها وكفّيها. وهكذا قال إبراهيم النخعي. وروي أيضاً عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: الوجه والكفّان. وهكذا قال الشعبي. وروى نافع، عن ابن عمر أنه قال: الوجه والكفّان.

أقول: وهناك رواياتٌ وأقوالٌ خلافُ ما تقدَّم، ليست مصدّقة، فما ذكَرْتُه هنا هو المصدَّق، وهو الحقّ.

ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾؛ ففي إرشاد العترة صلوات الله عليهم:

وسائل الشيعة: عن الفضيل قال: سألتُ أبا عبد الله× عن الذراعين من المرأة، هما من الزينة التي قال الله: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾؟ قال: نعم، وما دون الخمار من الزينة، وما دون السوارين.

وسائل الشيعة: عن سماعة قال: سألتُ أبا عبدالله× عن الرجل يصلّي ويقرأ القرآن وهو متلثِّم؟ فقال: لا بأس. وسألتُه عن المرأة تصلّي متنقِّبةً؟ قال: إنْ كشفت عن موضع السجود فلا بأس به، وإنْ أسفَرَتْ فهو أفضل.

أقول: والصلاة بالخمار واجبةٌ لكنْ بإسفار الوجه، يصدِّقه قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: 29).

قال في تفسير أبي السعود: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ إرشادٌ إلى كيفيَّة إخفاءِ بعض مواضع الزِّينة بعد النهي عن إبدائها. وقد كانت النساءُ على عادة الجاهلية يسدُلْن خُمُرَهنَّ من خلفهنَّ، فتبدُو نحورُهنَّ وقلائدُهُنَّ من جيوبِهنَّ؛ لوسعها، فأُمرْنَ بإرسال خُمُرهنَّ إلى جيوبهنَّ؛ ستراً لما يبدو منها، وقد ضُمِّن الضَّرْبُ معنى الإلقاء، فعُدِّيَ بعَلَى.

وفي تفسير الجلالين: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، أي يسترن الرؤوس والأعناق والصدور بالمقانع، ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الخفيّة، وهي ما عدا الوجه والكفّين، ﴿إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ جمع بعل، أي زوج.

أقول: فالأمر بضرب الخمار على الجَيْب دلالةٌ على عدم وجوب ستر الوجه.

ب ـ آية الغضّ من الأبصار

قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (النور: 30).

قال في المحرَّر الوجيز: وقوله: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ أظهر ما في ﴿مِنْ﴾ أن تكون للتبعيض؛ وذلك أن أوّل نظرةٍ لا يملكها الإنسان، وإنما يغضّ فيما بعد ذلك، فقد وقع التبعيض.

ويؤيِّد هذا التأويل ما رُوي من قوله× لعليّ بن أبي طالب: «لا تتبع النظرة؛ فإن الأولى لك، وليست لك الثانية…»، الحديث.

وقال جرير بن عبد الله: سألتُ النبيّ× عن نظرة الفجأة؟ فقال «اصرِفْ بصَرَك».

وفي مسند أحمد بن حنبل: عن جرير بن عبد الله قال: سألتُ رسول اللهﷺ عن نظرة الفجأة؟ فأمرني فقال: اصْرِفْ بصَرَك. وفي تعليق شعيب الأرنؤوط: إسنادُه صحيحٌ على شرط مسلم.

أقول: المتبادر أنه للوجه، فإذا كان الوجه مستوراً فلِمَ الحثّ على غضّ البصر. لكنّ المصدّق أنه غضّ البصر عمّا يحرم، وهو العَوْرة. والوجه والكفّان ليستا من العَوْرة، ولم يَرِدْ بالسُّنَّة أنه غضّ البصر من الوجه أو الكفّ.

وفي صحيح البخاري: وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نساءَ العَجَم يكشفْنَ صدورَهُنَّ ورؤوسَهُنَّ؟ قال: اصْرِفْ بصرَكَ عنهُنَّ؛ يقول اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهْمَ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾. انتهى. فسؤاله عن النظر إلى الصدر والشعر، وليس عن الوجه والكفّ. والآية تدلّ بوجهٍ على أن الوجوه لم تكن مستورةً؛ لطروّ حالة النظر إلى الزينة وما يخفى عادةً. ولأن (مِنْ) تبعيضيةٌ يكون الحكم شموليّاً ناظراً إلى النظر كلّه؛ وأن منه جائزٌ، وهو الوجه؛ ومنه غير جائز وهو العَوْرة.

قال في الكشّاف: (مِنْ) للتبعيض، والمراد غضّ البصر عمّا يحرم، والاقتصار به على ما يحلّ. وجوَّز الأخفش أن تكون مزيدةً، وأباه سيبويه. انتهى.

أقول: حتى لو كانت زائدةً فإن النظر يحكم بما هو خارج من تقسيم البدن إلى: عَوْرةٍ لا يحلّ النظر إليها، فيجب غضّ البصر عنه؛ وإلى: ما يجوز النظر إليه، وهو ما ليس بعَوْرةٍ، كالوجه. قال في تفسير أبي السعود: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ عمَّا يحرُم، ويقتصروا به على ما يحلُّ.

ج ـ آية عدم حِلّ النساء للنبيّ| ولو أعجَبَه حُسْنُهنَّ

قال الله تعالى: ﴿لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾ (الأحزاب: 52). فحتّى لو أن هذا على الفرض فإن الحُسْن في الأساس في الوجه عُرْفاً، فيكون فيها دلالةٌ على أن الوجوه كانت مكشوفةً.

وقد استدلّ بما في مسند أحمد، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، أن رسول اللهﷺ رأى امرأةً فأعجبَتْه، فأتى زينب، وهي تمعس منية، فقضى منها حاجته، وقال إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأةً فأعجبَتْه فلْيَأْتِ أهلَه، فإن ذاك يردّ ما في نفسه. قال شعيب الأرنؤوط في تعليقه: صحيحٌ لغيره. وهذا إسنادٌ رجاله رجال الصحيح. انتهى.

وفيه: إن الرواية مُنكَرَةٌ، مخالفةٌ لأصول كثيرة.

د ـ آية السيماء في الوجوه

قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (الفتح: 29).

وهو عامٌّ للرجال والنساء، وظهور السيماء يقتضي كشف الوجه.

هـ ـ آية مواراة اللباس للسوأة

قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ (الأعراف: 26). فاللباس أساسه لستر العَوْرة، وليس لإخفاء الوجه، وإنْ كان جميلاً. ولا أحد يقول: إن وجه المرأة سَوْأةٌ.

و ـ حديث سَفْعاء الخدَّيْن

في صحيح مسلم: عن جابر بن عبد الله قال: شهدْتُ مع رسول اللهﷺ الصلاةَ يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذانٍٍ، ولا إقامةٍ، ثمّ قام متوكِّئاً على بلالٍ، فأمر بتقوى الله، وحثَّ على طاعته، ووعظ الناس، وذكَّرهُمْ، ثمّ مضى، حتى أتى النساء، فوعظهُنَّ وذكَّرهُنَّ، فقال: «تصدَّقْنَ؛ فإن أكثركُنَّ حطبُ جهنَّم»، فقامَتْ امرأةٌ من سطة النساء، سفعاء الخدَّيْن، فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ قال: «لأنكُنَّ تكثرْنَ الشَّكَاة، وتكفُرْنَ العَشِير»، قال: فجعَلْنَ يتصدَّقْنَ من حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ فى ثوب بلالٍ من أقرطتهنَّ وخواتمهنَّ.

فالحديث دلّ على أن جابر رضي الله عنه قد رأى خدَّها، فكانت مكشوفةَ الوجه.

 

ز ـ حديث ما يصلح أن يُرَى من المرأة البالغة

السنن الكبرى، للبيهقي: عن عائشة: إن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول اللهﷺ، وعليها ثيابٌ شاميّة رقاق، فأعرض عنها، ثمّ قال: ما هذا، يا أسماء؟! ان المرأة إذا بلغَتْ المحيض لم يصلح أن يُرَى منها إلاّ هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه. قال أبو داوود: هذا مرسلٌ. خالد بن دريك لم يدرك عائشة. قال الشيخ: مع هذا المرسل قولُ مَنْ مضى من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة، فصار القول بذلك قويّاً، وبالله التوفيق. انتهى.

وهو دالٌّ على جواز كشف الوجه والكفين.

ح ـ حديث النهي عن النِّقاب للمُحْرِمة

في صحيح البخاري: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قام رجلٌ فقال: يا رسول الله، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ فقال النبيّﷺ: «لا تلبسوا القميص، ولا السراويلات، ولا العمائم، ولا البَرَانِس، إلاّ أن يكون أحدٌ ليسَتْ له نَعْلان، فليلبس الخُفَّين، وليقطَعْ أسفل من الكَعْبين، ولا تلبسوا شيئاً مسَّه زَعْفَرانٌ، ولا الوَرْس، ولا تنتقب المرأةُ المُحْرِمة، ولا تلبس القُفَّازَيْن». انتهى.

فدلَّ على أن الوجه والكفين ليس عَوْرةً. وليس مصدّقاً ستر ما هو ليس بعَوْرةٍ، وخصوصاً مع جريان العادة بالحاجة إلى كشفه في المعاملات والحياة.

ولأجل خفاء تعليل الحكم علينا ـ إلاّ ما رُبَما يُقال من التيسير ونَفْي الحَرَج عليها وعلى غيرها ـ فإنه يكون من التعبُّد أنه محبوبٌ لله تعالى. ولعدم وضوح الفارق بين الإحرام وغيره صحّ أن يُقال: إنه مثالٌ لمحبوبيّة عدم النِّقاب عند الله تعالى.

ط ـ حديث المرأة الحَسْناء

في سنن النسائيّ: عن ابن شهاب: إن سليمان بن يسارٍ أخبره أن ابن عبّاسٍ أخبره أن امرأةً من خَثْعَمٍ قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله عزَّ وجلَّ فى الحجّ على عباده أدْرَكَتْ أبي شَيْخاً كبيراً، لا يستوى على الراحلة، فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال لها رسولُ اللهﷺ: «نعم»، فأخذ الفضلُ يلتفت إليها ـ وكانت امرأةً حَسْنَاء ـ، وأخذ رسولُ اللهﷺ الفضلَ، فحوَّل وجهَه من الشقّ الآخر. قال الشيخ الألباني: صحيحٌ. انتهى.

ولا يُقال: إنه في الإحرام؛ ففي مسند أحمد: (ثمّ أردف الفضل وسار حتّى أتى الجَمْرة، فرماها، ثمّ أتى المَنْحَر، فقال: هذا المَنْحَر ومِنَى كلُّها مَنْحَرٌ، قال: واسْتَفْتَتْه جاريةٌ شابّةٌ من خَثْعَم). فيكون من أدلّة عدم وجوب ستر الوجه، فضلاً عن النِّقاب. كما أن تحويل وجه الفضل هو من غضّ البصر، ولم يأمرها بستر وجهها؛ لأجل منع الفتنة. وإن النبيّ| نظر إليها، بل ابن عبّاس أيضاً. فلا مانع منه.

6ـ أدلّة كراهة النِّقاب

أـ الغُلُوّ في الدِّين

قال في منح الجليل شرح مختصر الخليل (المالكي): (و)كُرِه (انتقابُ امرأةٍ)، أي تغطية وجهها إلى عينيها في الصلاة وخارجها، والرجل أَوْلى ما لم يكن عادةُ قومٍٍ، فلا يُكْرَه في غير الصلاة، ويُكْرَه فيها مطلقاً؛ لأنه من الغُلُوّ في الدِّين. انتهى.

وقال في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (قوله: لأنه من الغُلُوّ) أي الزيادة في الدِّين؛ إذ لم تَرِدْ به السُّنَّة السَّمْحة. انتهى.

ولا رَيْبَ في أنه يشير إلى أمرين: أوّلاً: إنه خلاف الشريعة السمحة؛ وثانياً: إنه لم تَرِدْ به السُّنَّة، فلا دليل على شرعيّته، لا وجوباً، ولا نَدْباً، فالقول بشرعيّته، وجوباً أو نَدْباً، إدخالُ ما ليس من الدين فيه.

ب ـ كراهة النِّقاب في الصلاة

قال الشيخ الطوسي في النهاية: ويكره للمرأة النِّقاب في الصلاة. انتهى.

وفي مدارك الأحكام: القول بتحريم النِّقاب للمرأة مذهبُ الأصحاب، لا نعلم فيه مخالفاً. انتهى.

وإذا كان النِّقاب محرّماً في عبادة الإحرام عند التوجُّه إلى الله، ومكروهاً في الصلاة عند التوجُّه إلى الله، وهي أشرف الأوقات والحالات، فلا رَيْبَ أنه يُستفاد من ذلك أن النِّقاب ليس ممّا يحبّه الله تعالى.

 

ج ـ تقريرُ النبيّﷺ

 سنن أبي داوود: عن عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شماسٍ، عن أبيه، عن جدّه قال: جاءَتْ امرأةٌ إلى النبيّﷺ، يُقال لها: أمّ خلاَّدٍ، وهي مُنْتَقِبةٌ، تسأل عن ابنها، وهو مقتولٌ، فقال لها بعضُ أصحاب النبيّﷺ: جئتِ تسألينَ عن ابنِكِ، وأنتِ مُنْتَقِبةٌ؟! فقالَتْ: إنْ أُرْزَأ ابني فلن أُرْزَأ حَيَائي.

أقول: إن اعتراض الصحابي بحضرة النبيّ|، الذي لم يصحِّح له، هو تقريرٌ له. كما أن المرأة ردَّتْ بأنه حياءٌ، وليس لأجل أمرٍ من الله ورسوله. مضافاً إلى أنه لا يجرؤ أحدٌ من الصحابة أن يعترض على أمرٍ جاء فيه قرآنٌ وسُنَّة. فالقرائن كثيرةٌ في هذه الرواية على كراهة النِّقاب، وتفضيل إسفار الوجه، وهو مصدّق.

د ـ النهيُ النبويّ

في صحيح البخاري: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قام رجلٌ فقال: يا رسول الله، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ فقال النبيّﷺ: «لا تلبسوا القميص، ولا السراويلات، ولا العمائم، ولا البَرَانس، إلاّ أن يكون أحدٌ ليسَتْ له نَعْلان، فليلبس الخُفَّين، وليقطع أسفل من الكَعْبين، ولا تلبسوا شيئاً مَسَّه زَعْفرانٌ، ولا الوَرْس، ولا تنتقب المرأةُ المُحْرِمة، ولا تلبس القُفَّازَيْن». انتهى.

فدلَّ على أن الوجه والكفين ليسا عَوْرةً. وليس مصدّقاً ستر ما هو ليس بعَوْرةٍ، وخصوصاً مع جريان العادة بالحاجة إلى كشفه في المعاملات والحياة.

ولأجل خفاء تعليل الحكم علينا ـ إلاّ ما رُبَما يُقال من التيسير ونَفْي الحَرَج عليها وعلى غيرها ـ فإنه يكون من التعبُّد أنه محبوبٌ لله تعالى. ولعدم وضوح الفارق بين الإحرام وخارجه صحّ أن يُقال: إنه مثال لمحبوبيّة عدم النِّقاب عند الله تعالى.

فإرادة عدم النِّقاب استحباباً في الصلاة ووجوباً في الإحرام دلَّ على أن هذا مصداقٌ لمحبوبية عدم النِّقاب عند الله تعالى، وهو من المصدّقات للحديث التالي.

هـ ـ أمرُ النبيّﷺ بالإسفار، ونعتُه النِّقاب بالفجور

في معرفة الصحابة، لأبي نعيم الأصبهاني: عن قريبة بنت منيعة، عن أمِّها، أنها جاءَتْ إلى رسول اللهﷺ، فقالت: يا رسول الله، النار النار، فقام إليها رسول اللهﷺ، فقال: «ما نجواك؟» فأخبرَتْه بأمرها، وهي منتقبةٌ، فقال: «يا أَمَة الله، أسفري؛ فإن الإسفار من الإسلام، وإن النِّقاب الفجور». أخبرناه محمد بن محمد بن يعقوب، في كتابه إلينا: حدَّثنا عبد الله بن محمد الوراق البغدادي: حدَّثنا يحيى بن أيّوب، به. انتهى.

أقول: المصدّق المحكم هو قوله|: «أسفري؛ فإن الإسفار من الإسلام»؛ لأنه مصدّق بأوامر الإسفار في الصلاة والإحرام والشهادة؛ ولإنه موافقٌ للوضوح والبيان وعدم الإبهام؛ ولأنه موافقٌ لليُسْر ونَفْي العُسْر. وهذا كافٍ في الدلالة على أن إسفار الوجه وعدم النِّقاب محبوبٌ شرعاً.

وأما قوله×: (النِّقاب الفجور) فمتشابِهٌ. وما يمكن حمله عليه أمور:

الأوّل: إن النِّقاب منهيٌّ عنه مطلقاً بنهيٍ لم يصِلْنا، فسمّاه فجوراً؛ لأنه معصيةٌ.

الثاني: إنه غُلُوٌّ وتشدُّدٌ وخلافُ اليُسْر، فيكون بذلك فجوراً بالتسامح.

الثالث: إنه من فعل أهل الفجور في زمن الجاهليّة.

الرابع: إنه من فعل الكفّار حينها.

الخامس: إنه من فعل أهل الكتاب، الذي يَغْلُون به أو يتبجَّحون به، أو يؤذون به المؤمنين.

و ـ مخالفة أصول اليُسْر والتخفيف

بعد عدم الدليل على شرعيّته، وارتكاز مخالفته لليُسْر والوَسَطية عُرْفاً في زمننا، وجَرِّه لمآخذ على أهل الإسلام من قِبَل مخالفيهم، وكونه خلاف الوَسَطية وموجباً للعُسْر، يكون مكروهاً من هذه الجهة؛ لمخالفته أصول اليُسْر والتخفيف والسماحة والوَسَطية.

ز ـ النِّقاب مُحْدَثٌ

قال في غريب الحديث: قال أبو عبيد: في حديث محمد بن سيرين& أنه قال: النِّقاب مُحْدَثٌ.

 وهذا حديثٌ قد تأوَّله بعض الناس على غير وجهه، يقول: إن النِّقاب لم يكن النساء يفعَلْنَه، كنّ يبرزْنَ وجوههنّ. وليس هذا وجه الحديث، ولكنّ النِّقاب عند العرب هو الذي يبدو منه المحجر، فإذا كان على طرف الأنف فهو اللفام، وإذا كان على الفم فهو اللثام، ولهذا قيل: فلان يلثم فلاناً إذا قبَّله على فمه. والذي أراد محمد فيما نرى ـ والله أعلم ـ أن يقول: إن إبداءهن المحاجر مُحْدَثٌ، وإنما كان النِّقاب لاحقاً بالعين، أو أن تبدو إحدى العينين والأخرى مستورة. عَرَفْنا ذلك بحديثٍ يحدِّثه هو عن عبيدة أنه سأله عن قوله عزَّ وعلا: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ﴾، قال: فقنع رأسه وغطّى وجهه وأخرج إحدى عينيه، وقال: هكذا. فإذا كان النِّقاب لا يبدو منه إلاّ العينان فقط فذلك الوصوصة، واسم ذلك الشيء الوصواص، وهو الثوب الذي يغطى به الوجه، وقال الشاعر: يا ليتها قد لبسَتْ وصواصاً. قال: وإنما قال هذا محمد؛ لأن الوصاوص والبراقع كانت لباس النساء، ثمّ أحدَثْنَ النِّقاب بعد ذلك. انتهى.

ومن الواضح الخَلْط الذي أشَرْتُ إليه سابقاً بين ستر الوجه بالجلباب وبين النِّقاب، فما كان يفعله النساء أحياناً هو ستر الوجه بالكساء، وهو ما يفعله النساء اليوم أحيانا عند محادثة الغرباء. وأما النِّقاب فلباسٌ خاصّ. فالصحيح أنه مُحْدَثٌ ولم يكن يُعْرَف، أي إنه نادرٌ جدّاً، وإنما كان ستر الوجه بتغطية الوجه بطرف الرداء.

(*) باحثٌ إسلاميّ، وأستاذٌ في الحوزة العلميّة. من العراق.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً