أحدث المقالات

الشيخ رسول عطائي(*)

ترجمة: مرقال هاشم

مدخلٌ

إن الدعاء هبةٌ إلهية في حياة الإنسان؛ فقد رُوي عن الإمام زين العابدين أنه قال: «من أعظم النعم علينا جريان ذكرك على ألسنتنا، وإذنك لنا بدعائك»([1]).

وقد تمّ التعبير عن هذا الكنز اللامتناهي في بعض الموارد بأنه أفضل([2]) وأحبّ العبادات([3])، وأنه مفتاح الرحمة الإلهية. ويشتمل الدعاء على الكثير من الآثار والبركات والأجر والثواب، ويضمن تلبية مطالب الإنسان، ورفع مشاكله؛ ومن هنا فقد ورد الأمر من قِبَل الأئمّة المعصومين^ إلى أتباعهم بالاهتمام بالدعاء. وقد كان أتباع أهل البيت× يتشبَّثون على الدوام بأذيالهم؛ من أجل الحصول على الاستفادة القصوى منهم في ما يتعلَّق بهذه النعمة الإلهية، وسعوا على الدوام للحصول على المضامين السامية للدعاء، مقروناً بنصِّه المرويّ عن المعصومين^. وبطبيعة الحال تنتشر في بعض الكتب وبين الناس أحياناً بعض الأدعية التي تحتاج إلى تحقيقٍ جامع، بغضّ النظر عن تأثيرها أو عدم تأثيرها، أو كونها مأثورةً أو غير مأثورة.

ومن هذه الأدعية: دعاء العديلة؛ حيث هناك تأمُّلٌ في نسبته إلى الإمام المعصوم×. وسوف نعمل في هذه المقالة على تقييم واعتبار وانتساب هذا الدعاء إلى المعصومين^. ونهدف في هذه المقالة إلى الإجابة عن الأسئلة التالية:

هل ورد دعاء العديلة في المصادر الروائية المعتبرة؟

وهل يمكن اعتبار هذا الدعاء من إنشاء المعصوم× أو هو من إنشاء غيره؟

وقد تحدَّث بعض العلماء الكبار في هذا الموضوع بشكلٍ مقتضب، ويمكن لنا أن نشير من بينهم إلى كلٍّ من: الآغا بزرگ الطهراني في كتاب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»، والشيخ عباس القمّي في «مفاتيح الجنان»، والسيد إعجاز حسين في «كشف الحجب والأستار».

وفي هذه المقالة يتمّ للمرّة الأولى تناول بحث اعتبار وتقييم دعاء العديلة على نحوٍ جامع. وفي هذه المقالة تمّ العمل ـ بعد التعريف بالدعاء ـ على البحث في مصادره في النصوص الروائية وكتب الأدعية الشيعية والسنيّة، ومن خلال بيان آراء بعض العلماء، والإشارة إلى بعض الأدعية المعروفة، تمّ البحث فيما لو كان هذا الدعاء مأثوراً أو غير مأثورٍ.

1ـ التعريف بدعاء العديلة

«العديلة» من مادة (عَدَلَ). ومن معاني كلمة العدل: العدول والمَيْل والانصراف([4]). والعديلة تعني الانصراف من الحقّ إلى الباطل عند الموت، وقيل في ذلك: «نعوذ بك من العديلة عند الموت؛ أي العدول عن الحقّ»([5]).

وقال بعضهم: «العديلة: اسمٌ لشيطانٍ يوسوس الناس؛ ليعدلهم ويصرفهم عن الدين»([6]).

إن الدعاء الموسوم بالعديلة دعاءٌ يوصى بقراءته على الشخص المحتضر؛ كي لا ينسى عقيدته الحقّة، ويكون في مأمنٍ من العدول عنها إلى الباطل. يبدأ هذا الدعاء بقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: 18)، ويستمرّ بالإقرار بالضعف والاعتراف بالذنب. ثمّ يتمّ التصريح والشهادة بوحدانية الله، وأوصافه المختلفة، ويُصار بعد ذلك إلى بيان الحكمة من بعث الأنبياء^، ونبوّة النبيّ الأكرم|، وإمامة الأئمّة الأطهار الاثني عشر^. وإن الشهادة بأن الموت حقٌّ، وسؤال القبر، ويوم المعاد، والصراط والميزان، والحساب والكتاب، والجنّة والنار، وأن الله يبعث مَنْ في القبور ويوم القيامة، من المضامين الأخرى الموجودة في هذا الدعاء. وبعد ذلك ينتقل القارئ إلى التعبير عن أمله بفضل الله والرحمة الإلهية، ويعدِّد ما يتَّصف به من الاعتقاد بالتوحيد والعدل الإلهيّ وشفاعة النبيّ الأكرم| وأهل بيته^، بوصفها ثروةً من شأنها أن تنجيه من أهوال يوم القيامة، ثمّ يستودع القارئ عقيدته عند الله سبحانه وتعالى، ويسأل الله أن يردّها إليه عند الموت.

يشتمل هذا الدعاء على الأصول الاعتقادية المشهورة في مذهب الشيعة، ومن بينها: التوحيد ولوازمه، وعينيّة الصفات مع الذات الإلهيّة، والعدل، وبعثة الأنبياء^، وأحقِّية النبيّ الأكرم| والأئمّة الاثني عشر^، والمهدويّة، وتأثير الإمام على العوالم، وحجِّية أقوال وأفعال الأئمّة^، ووجوب الطاعة ولزوم المحبّة لأهل البيت^، والولاء، والبراء، والشفاعة، والموت، والحياة بعد الموت، وسؤال القبر، والميزان، والصراط، والمعاد. ومن هنا ورد الأمر بقراءة دعاء العديلة؛ لكي يقرّ القارئ ويعترف بهذه العقائد الواردة فيه؛ فتكون هذه المضامين سبباً في تثبيت وترسيخ هذه العقائد في قلبه، ولا ينساها الإنسان في ساعة الاحتضار وهَوْل الموت، ولا يعدل الشخص عن عقيدته الحقّة.

2ـ مصادر الدعاء

إن من مراحل تقييم النصّ والمتن المقدَّس مرحلة البحث عن مصادره. فتارةً يكون ذكر الحديث المرسل أو ضعيف السند في المصادر الروائية المعتبرة والمتقدّمة، والتي تحظى باهتمام العلماء، موجباً لتقوية ذلك الحديث؛ ومن ناحيةٍ أخرى يكون إهمال أصحاب المصادر الأولى لروايةٍ وعدم ذكرهم لها في بعض الموارد دالاًّ على ضعفها وعدم اعتبارها.

إن لدعاء العديلة مثل هذا الوضع. حتّى أننا في حدود بحثنا في جميع المصادر الشيعية والسنّية المختلفة لم نجِدْ ذكراً لهذا الدعاء، بل لا نجد حتّى في المصادر المتأخِّرة وكتب الأدعية المعروفة ولو عبارات ملفَّقة من هذا الدعاء. فلم يَرِدْ متنُ هذا الدعاء إلاّ في كتاب «مفاتيح الجنان»([7])، وكتاب «مفتاح الجنان»([8]) فقط.

أـ كتاب مفتاح الجنان

لقد تمّ طبع «مفتاح الجنان» في خاتمة كتاب «زاد المعاد»، للعلاّمة المجلسي، وقد أدّى هذا الأمر إلى توهُّم بعضٍ؛ فنسب هذا الكتاب إلى العلاّمة المجلسي. يقول الآغا بزرگ الطهراني: «لا يُعْرَف جامعه… وقال السيد يحيى ـ إمام الجماعة بمشهد الرضا× ـ: إن مؤلِّفه هو الشيخ أسد الله الطهراني الحائري ـ المتوفّى بمشهد الرضا سنة 1333هـ ـ وكان من أصحاب العلاّمة الأنصاري، معمِّراً بالغاً للعمر الطبيعيّ المئة والعشرون»([9]).

وجاء في كتاب «فهرس التراث» حول مؤلِّف هذا الكتاب: «أسد الله الطهراني الحائري، المتوفّى بمشهد الرضا× حدود 1333 [للهجرة]؛ فإنه كان من المعمِّرين بلغ المئة والعشرين. وكان من أصحاب الشيخ الأنصاري، على ما ذكره لي السيد يحيى التويسكراني، المجاور للمشهد الرضوي، قال: وهو مؤلِّف مفتاح الجنان، المتداول بين الناس، والمطبوع مكرّراً»([10]).

لقد أورد مؤلِّف «مفتاح الجنان» في هذا الكتاب تعقيبات الصلاة، وبعض الأدعية المشهورة، وزيارات الأئمّة المعصومين^، وآداب الزيارات، والأوراد والأذكار والتعويذات، وأدعية لدفع الأمراض والمشكلات، وما إلى ذلك. وقد اشتمل هذا الكتاب على مطالب ليس لها سندٌ ومصدرٌ واضح.

قال صاحب الذريعة: «مفتاح الجنان في الأدعية والأعمال المتعلِّقة بالأيام والشهور والزيارات وبعض الأوراد والختومات، وقد طبع مراراً عديدة، ولا يعرف جامعه، إلاّ أنه أورد فيه بعض ما لم يظهر مستنده، بل بعض ما ليس له مستندٌ قطعاً»([11]).

وقد ذهب الشيخ عبّاس القمّي إلى اعتبار كتاب «مفتاح الجنان» مشتملاً على مطالب غير حقيقية، وعليه لا يصحّ الاستناد إليه في نقل الأدعية. وقال بأن مؤلِّف كتاب مفتاح الجنان شخصٌ غير متخصِّصٍ([12])، وأن الذي دفعه إلى تأليف كتاب «مفاتيح الجنان» هو فصل المطالب المستندة من غير المستندة في كتاب «مفتاح الجنان»([13]).

لقد ذكر مؤلِّف كتاب «مفتاح الجنان» دعاءً باسم «دعاء العديلة الكبير»، دون أن يذكر له أيّ سندٍ أو انتسابٍ إلى المعصوم×. وعلى الرغم من ورود بعض فقرات هذا الدعاء في روايات الأئمّة المعصومين^، إلاّ أن ترتيبها كما وردَتْ في هذا الدعاء لم يَرِدْ في أيّ مصدرٍ آخر.

توفي الشيخ الأنصاري سنة 1281هـ، وكانت وفاة الشيخ أسد الله الطهراني سنة 1333هـ. وعلى هذا الأساس يكون عمر كتاب «مفتاح الجنان» ما يقرب من 160 سنة. وكذلك فإن انتساب هذا الكتاب إليه غير ثابتٍ، وحتّى لو اعتبرناه رجلاً تقيّاً جليل القدر([14])، إلاّ إن مكانته العلمية غير ثابتةٍ.

ب ـ كتاب مفاتيح الجنان

كتاب «مفاتيح الجنان» للشيخ عباس القمّي. وقد جمع فيه الأدعية والأذكار والزيارات والآداب المطلوبة طوال أيّام السنة.

وقال الشيخ القمّي في بيان كيفية ترتيب هذا الكتاب: «سمَّيْتُه «مفاتيح الجنان»، ورتَّبْتُه على ثلاثة أبواب:

الباب الأوّل: في تعقيب الصلوات ودعوات أيّام الأسبوع وأعمال ليلة الجمعة ونهارها وعدّة أدعية مشهورة والمناجيات الخمسة عشرة وغيرها.

الباب الثاني: في أعمال أشهر السنة وفضل عيد النيروز وأعماله وأعمال الأشهر الروميّة.

الباب الثالث: في الزيارات وما ناسبها»([15]).

جاء في الباب الأوّل من «مفاتيح الجنان» فصلٌ يبدأ بهذا العنوان: «الفصل السادس: في ذكر نُبَذٍ من الدعوات المشهورة»([16]). ويحتوي هذا الفصل دعاءً بعنوان «العديلة»، دون ذكر مصدره وانتسابه إلى المعصوم×، وهو يشبه تماماً دعاء «العديلة الكبيرة» المذكور في كتاب «مفتاح الجنان».

يمكن القول: إن دعاء العديلة الذي يَرِدُ التعبير عنه بـ «دعاء العديلة الكبير» ليس له وجودٌ في المصادر الروائية وكتب الأدعية عند الفريقين (من الشيعة وأهل السنّة). فلم يذكر هذا الدعاء سوى في كتابين: أحدهما: لمؤلِّف مجهول؛ والآخر: يعود إلى المرحلة المعاصرة تقريباً، ولم يُشِرْ أيٌّ من هذين الكتابين إلى سند هذا الدعاء، ولا نسبته إلى المعصوم×.

3ـ دعاء العديلة، مطالعاتٌ نَقْديّة

إن الدعاء المُنْشَأ من قِبَل الإمام المعصوم× يشتمل على تعاليم ومعارف عالية ومضامين سامية. كما أن الأدعية المأثورة عن أهل البيت^ يمكن أن تشتمل على مفاهيم أرقى من تلك الموجودة في أحاديثهم الأخرى؛ لأنهم يخاطبون الله سبحانه وتعالى بهذه الأدعية، في حين أن سائر كلماتهم ورواياتهم الأخرى هي في الغالب خطابٌ يتمّ توجيهه إلى عامّة الناس، ومن هنا نجد المعصومين^ يقولون: «إنا أُمِرْنا معاشر الأنبياء أن نكلِّم الناس بقدر عقولهم»([17]).

وقد كان المتعطِّشون إلى المعارف الإلهية يسعون على الدوام إلى الحصول على أدعية المعصومين^؛ حرصاً منهم على الاستفادة القصوى من المفاهيم والتعاليم التي تشتمل عليها تلك الأدعية. ولكنْ هناك من الأشخاص مَنْ يحاول أحياناً أن يصوغ دعاءً من خلال التلفيق بين آيات القرآن الكريم والروايات الشريفة؛ ليخرج بنصٍّ جديد ملفَّق. وقد واجه هذا السلوك في بعض الأحيان تجاهلاً من قِبَل أهل البيت^، بل كان هناك نهيٌ ضمنيّ عنه. فعندما دخل عبد الرحيم القصير على الإمام الصادق×، وقال له: «جُعلت فداك، إني اخترَعْتُ دعاءً»، تجاهل الإمام دعاءه، بل إنه لم يأذن له بقراءته وعرضه عليه، وإنما قال له: «دَعْني من اختراعك. إذا نزل بك أمرٌ فافْزَعْ إلى رسول الله|، وصلِّ ركعتين تهديهما إلى رسول الله…»([18]).

هناك مَنْ صرَّح بأن دعاء العديلة ليس من إنشاء المعصوم×، وإنما هو من تأليف بعض العلماء.

وفي ما يلي سوف نعمل على إعادة قراءة محتوى هذا الدعاء، مع بيان الآراء بشأنه، وبحث نسبته وعدم نسبته إلى المعصوم×.

أـ تحقيقٌ في المضمون

إن دعاء «العديلة» بهذا الاسم وهذه التركيبة الواردة في كلا هذين الكتابين: «مفتاح الجنان»؛ و«مفاتيح الجنان»، لم يَرِدْ له ذكرٌ في المصادر الروائية وكتب أدعية الفريقين. كما أن مؤلِّفي الكتابين المتقدِّمين لم يشيرا إلى نسبة هذا الدعاء ومصدره. ويمكن لهذا الأمر أن يدلّ على عدم اطمئنانهما إلى صدور هذا الدعاء عن المعصوم×.

ومن ناحيةٍ أخرى فإن الكثير من عبارات وفقرات هذا الدعاء قد وردَتْ في الآيات والروايات والأدعية المأثورة. وعليه يمكن تأييد المحتوى العامّ لهذا الدعاء على نحو الإجمال.

إن العبارات الأولى من هذا الدعاء، بعد البسملة، عبارةٌ عن الآية 18 من سورة آل عمران، وقسم من الآية 19 منها: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم. شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ (آل عمران: 18 ـ 19).

وكلّ واحدة من هذه الآيات وردت وحدها في نصّ الكثير من الأدعية المأثورة عن المعصومين^([19]). كما ورد اقتران هاتين الآيتين ببعضهما في بعض الأدعية الأخرى أيضاً([20]).

كما يمكن أن نجد بعض المضامين من فقرات هذا الدعاء، من قبيل: «لم يُكلّف الطاعة إلاّ بقدر الوسع والطاقة»، و«بعث الأنبياء ليبيِّن عدله»، في بعض آيات القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286)، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: 25).

وإن هذه الفقرة من دعاء العديلة: «يملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً»([21])، الواردة في وصف الإمام المهديّ#، يشبه إلى حدٍّ كبير ما ورد في روايات الشيعة وأهل السنّة([22]). ومن ذلك على سبيل المثال: «أبشروا بالمهدي؛ فإنه يُبعث على حين اختلافٍ من الناس شديد، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً»([23]).

كما نرى فقرات قصيرة من هذا الدعاء في أدعيةٍ مشهورة أخرى، من قبيل: «الجوشن الكبير»، و«عرفة».

إن فقراتٍ من دعاء العديلة، وهي: «أشهد أن الموت حقّ، والقبر حقّ، وسؤال منكر ونكير في القبر حقّ، والبعث حقّ، والنشور حقّ، والصراط حقّ، والميزان حقّ، والحساب حقّ، والكتاب حقّ، والجنّة حقّ، والنار حقّ، والثواب حقّ، والعقاب حقّ، وأن الساعة آتية لا رَيْبَ فيها، وأن الله يبعث مَنْ في القبور، وإليه النشور»([24])، يمكن مشاهدتها أيضاً في دعاء الوصيّة، الذي رواه الشيخ الكليني عن النبيّ الأكرم|([25])، وكذلك في باب النصّ على إمامة الإمام الرضا×([26])، وكذلك في الآداب والأدعية المنقولة في تلقين الميِّت وتجهيزه أيضاً([27]).

إن دعاء العديلة، على الرغم من اشتماله على فقراتٍ وعباراتٍ متطابقة مع بعض الأدعية المشابهة في مضمونها لبعض الآيات والروايات، إلاّ أن التلفيق بين هذه الآيات والروايات والأدعية على نحو ما نراه في دعاء العديلة لم نجِدْه في أيّ مصدرٍ آخر.

ب ـ الدعاء في كلام العلماء

إن من بين ملاكات اعتبار الحديث إقبال المحدِّثين أو إعراضهم عنه. إن شرح الرواية والاستناد إليها والاستدلال بها على أساس شيوعها واشتهارها بين الأصحاب يؤدّي إلى اعتبارها نسبياً. وإن عمل الأصحاب بمضمون روايةٍ يُعَدّ جابراً لضعفها، ويؤدِّي إلى تأييد مضمونها. ومن هنا سوف نعمل في ما يلي على بحث آراء العلماء في إطار تقييم دعاء العديلة:

قال الشيخ الطوسي، في كتاب الرجال، على هامش ترجمة «أحمد بن علوية الإصفهاني»: «وله دعاء الاعتقاد تصنيفه»([28]).

كما ذهب النجاشي، في رجاله، إلى الاعتقاد بدَوْره بأن «أحمد بن علوية» صاحب كتاب باسم «الاعتقاد في الأدعية»([29]).

وقد ذهب المجلسي الأوّل(1070هـ) ـ في ضوء نقل هذين القولين عن الشيخ الطوسي والنجاشي ـ إلى احتمال أن يكون المراد من كتاب الاعتقاد هو دعاء العديلة([30]).

والذي يؤيِّد احتمال المجلسي هو كلام السيد إعجاز حسين (1286هـ)؛ إذ يقول بشأن دعاء العديلة: «دعاء العديلة لأحمد بن جشن علوية الإصفهاني، ويُسمّى كتاب الاعتقاد أيضاً. أوّله: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: 18)»([31]).

إن الذي يؤيِّد وجود دعاء باسم «العديلة» كلام العلامة المجلسي(1111هـ) في كتابَيْه: «زاد المعاد»؛ و«حلية المتَّقين»؛ قال في كتاب «زاد المعاد» في آداب تجهيز المحتضر: «و[يستحبّ] أن يقرأوا له [أي المحتضر] دعاء العديلة»([32])؛ وقال في «حلية المتَّقين» في بيان آداب ووظائف إخوة المحتضر وأقاربه: «ويجب أن لا يتركه ذووه وإخوته المؤمنون في هذه الحالة وحيداً، ويلقِّنونه باستمرار الاعتقاد بوحدانية الله تعالى وصفاته الكمالية، ورسالة النبيّ الأكرم| وإمامة أئمّة الهدى^ وسائر الاعتقادات الحقّة من الجنّة والنار والصفات الكمالية الإلهية وتنزيه الله، وأن يكرِّروا ذلك، ويكرِّر المحتضر بعدهم إنْ استطاع، وإنْ لم يستطع قرأوا له، وأن يقرأوا له دعاء العديلة»([33]).

وقد ذهب المولى خليل القزويني(1089هـ)، في كتابه «الشافي في شرح الكافي» في بيان إشكالٍ، إلى الاستناد إلى فقرةٍ من دعاء العديلة، وقال: «إنْ قلتَ: وقع في دعاء العديلة: «أزاح العلل في التكليف، وسوَّى في التوفيق بين الضعيف والشريف، ومكَّن أداء المأمور، وسهَّل سبيل اجتناب المحظور…»([34]).

إن هذا الكلام من المولى خليل في بيان الإشكال يشتمل على جزءٍ من دعاء العديلة، الأمر الذي يثبت وجود هذا الدعاء بهذا الاسم في زمانه أيضاً.

كما ورد في بعض الكتب الفقهية، مثل: «العروة الوثقى»؛ و«كتاب الطهارة» للسيد الخوئي، الحثّ على قراءة دعاء العديلة للمحتضر([35]).

وفي معرض مناقشة الآراء المذكورة يتَّضح من كلام النجاشي أن أحمد بن علوية كان له كتابٌ بعنوان «الاعتقاد»، يشتمل على الدعاء. وكذلك فإن دعاء الاعتقاد، الذي اعتبره الشيخ الطوسي من تأليف أحمد بن علوية، يحتمل أن يكون هو دعاء الاعتقاد المعروف، الذي ذكره السيد ابن طاووس في كتاب «مُهَج الدعوات»([36])، وليس هو شيئاً آخر غير دعاء العديلة. ومن ناحيةٍ أخرى لم يَرِدْ في أيّ مصدرٍ آخر التعبير عن دعاء العديلة بعنوان دعاء الاعتقاد.

وقال صاحب كتاب «أعيان الشيعة»، في ذيل عبارة الشيخ الطوسي: «قول الشيخ: له دعاء الاعتقاد تصنيفه [أي تصنيف أحمد بن علوية]، لعلّ صوابه: «كتاب الاعتقاد»… والظاهر أن كتاب الاعتقاد هو الذي ينقل عنه الشيخ إبراهيم الكفعمي في كتبه، وجعله في آخر كتابه «البلد الأمين» من مصادره»([37]).

وبالنظر إلى كلام صاحب كتاب «أعيان الشيعة» ـ القائل بوجود كتاب «الاعتقاد» لأحمد بن علوية عند الشيخ الكفعمي، والنقل عنه في مختلف كتبه ـ يمكن القول: لو كان دعاء العديلة موجوداً في كتاب «الاعتقاد»، أو كان هو كتاب «الاعتقاد»، لوجب أن ينقل من قِبَل الشيخ الكفعمي، أو أن يشير إليه في الحدّ الأدنى. في حين أنه لم يُشِرْ إلى هذا الدعاء أو إلى هذا النصّ أبداً. وعليه فإن هذا الأمر يشير من جهةٍ إلى أن كتاب «الاعتقاد» لا صلة له بدعاء العديلة، ومن ناحيةٍ أخرى يحتمل أن لا يكون هناك وجودٌ لهذا الدعاء في عصر الكفعمي، أو أنه لم يكن مشهوراً في الحدّ الأدنى.

والحقيقة أن احتمال المجلسي الأوّل أن يكون المراد من دعاء الاعتقاد هو دعاء العديلة مجرَّد حَدْسٍ واحتمالٍ، لا يستند إلى دليلٍ، وقد رفضه صاحب «منتهى المقال»([38]).

وبالنظر إلى كلام المجلسي الأوّل والمولى خليل القزويني يمكن اعتبار وجود وشهرة دعاء العديلة بعد عصر الشيخ الكفعمي بأكثر من قرنٍ من الزمن أمراً ثابتاً، رغم عدم وجود ذكرٍ لنصّ دعاء العديلة في هذه المدّة؛ لكي يثبت تماهي هذا الدعاء مع الدعاء المذكور من قِبَل العلاّمة المجلسي والمولى خليل القزويني.

والحقيقة أن كتاب «مفتاح الجنان» هو الكتاب الأوّل الذي بادر إلى نقل هذا النصّ.

وقال الشيخ عباس القمّي، في كتاب «سفينة البحار»([39])، ضمن إشارته إلى كلام المحدِّث النوري: «قال شيخنا&: وأمّا دعاء العديلة المعروفة فهو من مؤلَّفات بعض أهل العلم، ليس بمأثورٍ، ولا موجودٍ في كتب حَمَلة الأحاديث ونُقَّادها»([40]).

وقال في كتاب «مفاتيح الجنان» بعد ذكر دعاء العديلة: «العديلة عند المَوْت هو العدول إلى الباطل عن الحقّ، وهو بأن يحضر الشيطان عند المحتضر، ويوسوس في صدره، ويجعله يشكّ في دينه، فيستلّ الإيمان من فؤاده. ولهذا قد وَرَدَتْ الاستعاذة منها في الدعوات، وقال فخر المحقِّقين&: مَنْ أراد أن يسلم من العديلة فليستحضر الإيمان بأدلّتها، والأصول الخمس ببراهينها القطعيّة بخلوصٍ وصفاء، وليودعها الله تعالى؛ ليردّها اليه في ساعة الاحتضار، بأن يقول بعد استحضار عقائده الحقّة: «اللَّهُمَّ يا أرحَمَ الرَّاحِمينَ إنّي قَد أودَعتُكَ يَقيني هذا وَثَباتَ ديني، وأنتَ خَيرُ مُستَودَعٍ، وَقَد أَمَرتَنا بِحِفظِ الوَدائِعِ، فَرُدَّهُ عَلَيَّ وَقتَ حُضُورِ مَوتي». فعلى رأيه& قراءة هذا الدعاء الشريف «دعاء العديلة»، واستحضار مضمونه في البال، تمنح المَرْء أماناً من خطر العديلة عند الموت»([41]).

ثمّ نقل بعد ذلك كلام الميرزا النوري في القول بأن دعاء العديلة المعروف من مؤلَّفات بعض أهل العلم، وليس بمأثورٍ.

وفي مناقشة كلام المحدِّث القمّي يجب القول: إن فَهْمه لكلام فخر المحقِّقين أعمّ مما كتبه فخر المحقِّقين. فالحقيقة أن الفخر لم يُشِرْ في كلامه إلى عنوان ومتن دعاء العديلة أبداً، وإنما اكتفى بالحثّ على ذكر العقائد الحقّة في الجملة الأخيرة من كلامه، وهي الأخرى بدَوْرها غير مأثورةٍ أيضاً.

قال الشيخ الآغا بزرگ الطهراني في كتاب «الذريعة»: «دعاءالعديلة المبدوء بآية الشهادة إلى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ (آل عمران: 19) هو من إنشاء بعض العلماء، قد شرح فيه العقائد الحقّة، مع الإقرار بها، والتصديق بحقِّيتها. وفصَّل فيه ما أجمل ذكره في دعاء الوصيّة والعهد، الذي رواه الكليني في «الكافي»، وأوّله: ﴿اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (الزمر: 46) إلى «إني أعهد إليك في دار الدنيا»، وضمَّنه بعض فقرات دعاء الاعتقاد المرويّ في «مُهَج الدعوات»، الذي رواه عليّ بن مهزيار، عن موسى بن جعفر×. فدعاء العديلة المشهور لم يكن بعين هذه الألفاظ المركَّبة المرتَّبة كذلك مأثوراً، ولا في كتب حمَلَة الأحاديث على هذا النهج مسطوراً، ولكنّ فقراته مأخوذةٌ من الأدعية»([42]).

يتَّضح من مجموع آراء العلماء بشأن دعاء العديلة أن هذا الدعاء بنصِّه الموجود لا يرقى في جذوره التاريخية إلى أكثر من ثلاثة قرون، ولا نرى في المصادر القديمة ذكراً لاسم ونصّ هذا الدعاء. وعلى الرغم من أن هذا الكلام يثبت وجود دعاء العديلة في القرن الحادي عشر الهجريّ، ولكننا لا نرى نصّاً له في هذا القرن».

ج ـ عَرْضٌ للقرائن والشواهد

يتمّ تقييمُ اعتبار روايةٍ ما من خلال سلسلة من القرائن. ومن بين الملاكات في تقوية أو تضعيف نصٍّ ما بيان قِدَم المصدر المذكور فيه، والشخصية العلمية لمؤلِّف ذلك المصدر، واهتمام العلماء بذلك النصّ، وكتابة شروح وتعليقات عليه، بالإضافة إلى شهرته.

لقد ذكر الشيخ الآغا بزرگ الطهراني في كتاب «الذريعة»([43]) شروحاً متعدّدة لهذا الدعاء، وهي عبارةٌ عن:

1ـ السعادات النجفية في شرح دعاء العديلة. للشيخ أسد الله بن محمود الجرفادقاني الملقب «إيزدگشب»، والمولود 1303هـ. [ولم يذكر سنة وفاته].

2ـ شرح باللغة الفارسية لدعاء العديلة، لمؤلِّفه: الميرزا إبراهيم الحكيم(حوالي 1358هـ).

3ـ شرح دعاء العديلة (فارسي)، للمولى حبيب الله بن علي مدد الساوجي الكاشاني. ألَّفه… وطبع في طهران مرّةً في حياته سنة 1316هـ، ومرّةً بعد موته في سنة 1340هـ.

4ـ شرح دعاءالعديلة، للمولى علي خداوردي التبريزي، أوّله: الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون… فرغ منه في النجف الأشرف في سنة 1246هـ.

5ـ شرح دعاء العديلة، للميرزا محمد الأخباري(1232هـ).

6ـ شرح دعاء العديلة، للسيد مصطفى بن السيد هادي بن السيد مهدي النقوي(1323هـ).

إن جميع هذه الشروح الستّة تمّ تأليفها في القرون الأخيرة، وليست ضاربةً في القِدَم. كما أنه لا شيء منها قد تمّ تأليفه من قِبَل مشاهير العلماء المرموقين؛ لتدلّ على اهتمام كبار العلماء بهذا النصّ. ومن ناحيةٍ أخرى لم ينسب أيّ واحدٍ من هذه الشروح دعاء العديلة إلى أيّ واحدٍ من المعصومين^.

وبالنظر إلى أن نصّ دعاء العديلة يتطابق في مضامينه مع الآيات والروايات، وبالنظر إلى تأثير قراءته في تكميل الإيمان وتثبيت العقائد، يمكن القول: ليس هناك إشكالٌ في قراءة هذا الدعاء لهذه الغاية، ولكنْ دون نسبته إلى المعصومين^.

ورد في روايات أهل البيت^ ذكر أدعيةٍ للوصول إلى حقيقة الإيمان وتكميله. ومن بين هذه الأدعية: ما رواه محمد بن سليمان الديلمي، عن الإمام الصادق×، وذلك عندما سأله عن الإيمان، قائلاً: «جُعلتُ فداك، إن شيعتك تقول: إن الإيمان مستقرّ ومستودع؛ فعلِّمني شيئاً إذا أنا قلتُه استكملْتُ الإيمان»، فقال له الإمام الصادق× في الجواب: «قُلْ في دبر كلّ صلاة فريضة: رضيتُ بالله ربّاً، وبمحمد نبيّاً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن كتاباً، وبالكعبة قبلةً، وبعليٍّ وليّاً وإماماً، وبالحسن والحسين والأئمّة صلوات الله عليهم، اللهمَّ إني رضيتُ بهم أئمّةً؛ فارْضَنِي لهم، إنك على كلّ شيءٍ قدير»([44]).

لقد ورد هذا الدعاء في بعض الكتب، من قبيل: «مفتاح الجنان»، بعد دعاء العديلة الكبير، بنصٍّ مختلف، ولكنه يشبهه، بعنوان: دعاء العديلة الصغير.

كما ورد هذا الدعاء في بعض روايات العامّة أيضاً، وذُكرَتْ له آثارٌ متعدّدة؛ مع فارق أنها لم تشتمل على الفقرة الخاصّة بالأئمّة^([45]).

نشاهد عنوان «العديلة» والاستعاذة منها في بعض الأدعية المأثورة أيضاً. فقد روى الشيخ الطوسي في كتاب «مصباح المتهجِّد» دعاءً على النحو التالي: «اللهمّ إني أعوذ بك من العديلة عند الموت، ومن شرّ المرجع في القبور، ومن الندامة يوم القيامة. اللهمّ إني أسألك عيشةً هنيئةً، وميتةً سويّةً، ومنقلباً كريماً، غير مُخْزٍ ولا فاضح»([46]).

إن لهذا الدعاء نصوصٌ متشابهة، حتّى في مصادر أهل السنّة أيضاً([47]).

إن من بين الأدعية التي يخلط بينها وبين دعاء العديلة أحياناً دعاء «الاعتقاد». وقد روى هذا الدعاء السيد ابن طاووس بسنده في كتاب «مُهَج الدعوات»([48])، والشيخ الكفعمي في كتابَيْه: «البلد الأمين»([49])؛ و«جنّة الأمان الواقية»([50])، عن الإمام موسى الكاظم×. وإن الاشتراك الوحيد بين هذين النصّين يكمن في الإقرار والشهادة لله سبحانه وتعالى بالوحدانية، ولرسول الله| بالنبوّة، وللأئمّة المعصومين^ بالوصيّة، حيث تمّ بيان هذه النقطة في صدر كلّ واحدٍ منهما بنصٍّ مختلف.

جاء في الفقرة الأولى من دعاء الاعتقاد: «اللهم إني أقرّ وأشهد وأعترف ولا أجحد، وأسرّ وأظهر وأعلن وأبطن، بأنك أنت الله لا إله إلاّ أنت، وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأن عليّاً أمير المؤمنين، وسيّد الوصيّين، ووارث علم النبيّين، وقاتل المشركين، وإمام المتَّقين، ومبير المنافقين، ومجاهد الناكثين والقاسطين والمارقين، إمامي ومحجَّتي، ومَنْ لا أثق بالأعمال ـ وإنْ زكَتْ ـ، ولا أراها منجيةً لي ـ وإنْ صلحَتْ ـ، إلاّ بولايته والائتمام به، والإقرار بفضائله، والقبول من حَمَلتها، والتسليم لرواتها. اللهم وأقرّ بأوصيائه من أبنائه أئمّةً وحججاً، وأدلّةً وسُرُجاً، وأعلاماً ومناراً، وسادة وأبراراً، وأدين بسرّهم وجهرهم، وباطنهم وظاهرهم، وحيِّهم وميتهم، وشاهدهم وغائبهم، لا شَكَّ في ذلك ولا ارتياب، ولا تحوُّل عنه ولا انقلاب»([51]).

وجاء في فقرة شهادة دعاء العديلة الكبير ما يلي: «أشهد لمنعمي وخالقي ورازقي ومكرمي كما شهد لذاته، وشهدَتْ له الملائكة وأولو العلم من عباده، بأنه لا إله إلاّ هو ذو النِّعَم، والإحسان والكَرَم، والامتنان… جعلنا من أمّة سيّد الأنبياء، وخير الأولياء، وأفضل الأصفياء، وأعلى الأزكياء، محمد صلّى الله عليه وآله وسلَّم… وأشهد أن الأئمّةَ الأبرار والخلفاء الأخيار بعد الرسول المختار عليٌّ قامع الكفّار، ومن بعده سيّد أولاده الحسن بن عليّ، ثمّ أخوه السبط التابع لمرضاة الله الحسين، ثمّ العابد عليّ، ثمّ الباقر محمد، ثمّ الصادق جعفر، ثمّ الكاظم موسى، ثمّ الرضا عليّ، ثمّ التقيّ محمد، ثمّ النقيّ عليّ، ثمّ الزكيّ العسكريّ الحسن، ثمّ الحجّة الخلف الصالح القائم المنتظر المهديّ المرجّى…»([52]).

وعلى هذا الأساس، ليس هناك نصٌّ مشترك بين دعاء الاعتقاد ودعاء العديلة الكبير أبداً. هناك في روايات المعصومين^ أدعيةٌ لتثبيت الإيمان، وللأمان من العديلة عند الموت. وعليه، من الأجدر؛ لحفظ الإيمان، والأمن من سكرات الموت وصعوبات النزع، الرجوع إلى هذه الأدعية المنسوبة إلى المعصومين^؛ حيث يكون احتمال التأثير فيها أكبر.

النتيجة

لم يَرِدْ نصُّ دعاء العديلة في غير كتاب «مفتاح الجنان»؛ و«مفاتيح الجنان».

ولم يُشِرْ مؤلِّفا هذين الكتابين إلى أيّ سندٍ لهذا الدعاء أو انتسابه إلى المعصوم×؛ بل صرَّح الشيخ عباس القمّي بعدم كونه مأثوراً.

ولم نجِدْ أثراً لهذا الدعاء طوال التاريخ، ولم يظهر ذكره إلاّ في القرن الحادي عشر الهجريّ.

ويحتوي دعاء العديلة على فقراتٍ مقتبسةٍ من الآيات والروايات، ويبدو أن شخصاً مطَّلعاً على أساليب الآيات والروايات قد لفَّق من بعض فقراتها هذا الدعاء، ونشره بين الناس.

وعلى الرغم من أنه لا إشكال في قراءة هذا الدعاء، من دون نسبته إلى المعصوم، ولكنْ بالنظر إلى وجود النصوص المأثورة عن المعصومين^؛ لتثبيت وترسيخ المعتقد، وكذلك الأدعية الواردة عنهم لحالة الاحتضار والتلقين، رُبَما لا تكون هناك ضرورةٌ أو حاجةٌ للاستفادة من نصوصٍ أخرى غير مأثورة.

الهوامش

(*) باحثٌ وأستاذٌ في حوزة قم العلميّة. من إيران.

([1]) العلاّمة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 91: 151، دار إحياء التراث العربي، ط2، بيروت، 1403هـ.

([2]) «أفضل العبادة الدعاء». (محمد بن يعقوب الكليني، الكافي 2: 466، تحقيق: علي أكبر غفاري ومحمد آخوندي، دار الكتب الإسلامية، ط1، طهران، 1407هـ).

([3]) «أحبّ الأعمال إلى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ في الأرض الدعاء». (الكليني، الكافي 2: 468).

([4]) انظر: الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين 2: 39، منشورات دار الهجرة، ط2، قم، 1409هـ؛ ابن الأثير الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر 3: 191، تحقيق: محمود محمد طناحي، نشر إسماعيليان، ط4، قم، 1367هـ.ش؛ أحمد بن محمد الفيومي، المصباح المنير 2: 396، منشورات دار الهجرة، ط2، قم، 1414هـ.

([5]) انظر: فخر الدين بن محمد الطريحي، مجمع البحرين 5: 421، تحقيق: أحمد الحسيني الإشكوري، نشر مرتضوي، ط3، طهران، 1375هـ.ش.

([6]) العلاّمة محمد باقر المجلسي، ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار 5: 78، تحقيق: السيد مهدي الرجائي، مكتبة السيد المرعشي النجفي، ط1، قم، 1406هـ.

([7]) انظر: الشيخ عباس القمّي، مفاتيح الجنان: 156، نشر آئين دانش، ط6، قم، 1390هـ.ش.

([8]) انظر: أسد الله الطهراني، مفتاح الجنان: 422، تحقيق: علاء الدين الأعلمي، مؤسّسة الأعلمي، ط1، بيروت، 1423هـ.

([9]) الآغا محسن بزرگ الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة 21: 324، نشر إسماعيليان، ط1، قم، 1408هـ.

([10]) السيد محمد حسين الحسيني الجلالي، فهرس التراث 2: 268، نشر دليل ما، ط1، قم، 1422هـ.

([11]) الآغا محسن بزرگ الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة 21: 324.

([12]) انظر: الشيخ عباس القمي، مفاتيح الجنان: 431.

([13]) انظر: المصدر السابق: 12.

([14]) انظر: السيد محمد حسين الحسيني الجلالي، فهرس التراث 2: 268.

([15]) القمي، مفاتيح الجنان: 12.

([16]) انظر: المصدر السابق: 60.

([17]) الشيخ محمد بن حسن الطوسي، الأمالي: 481، تحقيق: مؤسسة البعثة، دار الثقافة، ط1، قم، 1414هـ.

([18]) الكليني، الكافي 3: 476.

([19]) انظر: محمد بن حسن الطوسي، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد 2: 807، مؤسّسة فقه الشيعة، ط1، 1411هـ؛ قطب الدين الراوندي، الدعوات (سلوة الحزين): 211، مدرسة الإمام المهدي×، ط1، قم، 1407هـ؛ علي بن موسى ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الصالحة 1: 408، دار الكتب الإسلامية، ط2، طهران، 1409هـ؛ علي بن موسى ابن طاووس، مهج الدعوات ومنهج العبادات: 5، تحقيق: أبي طالب كرمان ومحمد حسن محرّر، دار الذخائر، ط1، قم، 1411هـ؛ العلاّمة المجلسي، بحار الأنوار 86: 372.

([20]) انظر: ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الصالحة 2: 660؛ ابن طاووس، مهج الدعوات ومنهج العبادات: 23؛ إبراهيم بن عليّ العاملي الكفعمي، البلد الأمين: 10، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، بيروت، 1418هـ؛ إبراهيم بن علي العاملي الكفعمي، جنة الأمان الواقية (المصباح): 239، 531، منشورات الشريف الرضي، ط2، قم، 1405هـ؛ الشيخ محمد بن حسين البهائي، مفتاح الفلاح في عمل اليوم والليلة: 73، دار الأضواء، ط1، بيروت، 1405هـ؛ العلامة المجلسي، بحار الأنوار 83: 304؛ 92: 62.

([21]) أسد الله الطهراني، مفتاح الجنان: 423.

([22]) انظر: الكليني، الكافي 1: 338 ـ 341؛ الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي، مَنْ لا يحضره الفقيه 4: 178، تحقيق: علي أكبر غفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، ط2، قم، 1413هـ؛ الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي، كمال الدين وتمام النعمة 1: 33، تحقيق: علي أكبر غفاري، الدار الإسلامية، ط2، طهران، 1395هـ؛ الشيخ محمد بن حسن الطوسي، الأمالي: 42؛ حسين بن حمدان الخصيبي، الهداية الكبرى: 163، مؤسسة البلاغ، ط4، بيروت، 1411هـ؛ نعيم ابن حمّاد، الفتن 1: 358، تحقيق: سمير أمين الزهيري، مكتبة التوحيد، ط1، القاهرة، 1412هـ؛ أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل 2: 163، تحقيق: شعيب أرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط1، بيروت، 1421هـ؛ سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الكبير 10: 133، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية، ط2، القاهرة؛ أحمد بن حسين البيهقي، الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد      1: 216، تحقيق: أحمد عصام الكاتب، دار الآفاق، ط1، بيروت، 1401؛ الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين 4: 600، تحقيق: يوسف عبد الرحمن مرعشلي، دار المعرفة، ط1، بيروت.

([23]) محمد بن جرير الطبري، دلائل الإمامة: 482، تحقيق ونشر: مؤسسة البعثة، ط1، قم، 1413هـ.

([24]) أسد الله الطهراني، مفتاح الجنان: 423.

([25]) انظر: الكليني، الكافي 7: 2.

([26]) انظر: المصدر السابق 1: 316.

([27]) انظر: المصدر السابق 3: 201؛ محمد بن حسن الطوسي، تهذيب الأحكام 1: 322، تحقيق: حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلامية، ط4، طهران، 1407هـ؛ قطب الدين الراوندي، الدعوات (سلوة الحزين): 270.

([28]) الشيخ محمد بن حسن الطوسي، الرجال: 412، تحقيق: جواد قيومي، مؤسسة النشر الإسلامي، ط3، قم، 1373هـ.ش.

([29]) انظر: أحمد بن علي النجاشي، رجال النجاشي: 88، مؤسسة النشر الإسلامي، ط6، قم، 1365هـ.ش.

([30]) انظر: محمد تقي المجلسي، روضة المتقين 14: 37، تحقيق: علي پناه الاشتهاردي وحسين الموسوي، مؤسسة فرهنگي إسلامي كوشانپور، ط2، قم، 1406هـ.

([31]) السيد إعجاز حسين النيسابوري، كشف الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار: 214، نشر بهمن، ط2، قم، 1409هـ.

([32]) العلاّمة محمد باقر المجلسي، زاد المعاد: 334، تحقيق: علاء الدين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي، ط1، بيروت، 1423هـ.

([33]) العلاّمة محمد باقر المجلسي، حلية المتقين: 343، منشورات لقمان، ط1، قم، 1369هـ.ش. (مصدر فارسي).

([34])المولى خليل بن غازي القزويني، الشافي في شرح أصول الكافي 2: 479 ـ 480، تحقيق: محمد حسين درايتي، دار الحديث، ط1، قم، 1429هـ.

([35]) انظر: محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، العروة الوثقى 2: 19، تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي، ط1، قم، 1417هـ؛ السيد أبو القاسم الخوئي، كتاب الطهارة 8: 39، مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، ط2، قم.

([36]) انظر: ابن طاووس، مُهَج الدعوات ومنهج العبادات: 233.

([37]) السيد محسن الأمين العاملي، أعيان الشيعة 3: 22، دار التعارف، بيروت، 1406هـ.

([38]) انظر: محمد بن إسماعيل المازندراني، منتهى المقال1: 284، تحقيق ونشر: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، ط1، قم، 1416هـ.

([39]) انظر: الشيخ عباس القمّي، سفينة البحار 6: 178، دار الأسوة، ط1، قم، 1414هـ.

([40]) الميرزا حسين النوري، مستدرك الوسائل 1: 93 (الحاشية)، مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، ط1، قم، 1408هـ.

([41]) الشيخ عباس القمّي، مفاتيح الجنان: 176 ـ 177، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، بيروت، 1428هـ ـ 2007م.

([42]) الآغا محسن بزرگ الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة 8: 192.

([43]) المصدر السابق 13: 258.

([44]) محمد بن حسن الطوسي، تهذيب الأحكام 2: 109.

([45]) انظر: مسلم بن حجاج النيسابوري، صحيح مسلم 1: 46، دار الفكر، بيروت؛ أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل: 208؛ أبو بكر ابن أبي شيبة، مصنَّف ابن أبي شيبة 6: 36، تحقيق: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشيد، ط1، الرياض، 1409هـ؛ الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين 1: 203، تحقيق: يوسف عبد الرحمن مرعشلي، دار المعرفة، ط1، بيروت؛ سليمان بن أحمد الطبراني، الدعاء: 115، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1413هـ؛ أحمد بن شعيب النسائي، السنن الكبرى 1: 410، تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي، مؤسسة الرسالة، ط1، بيروت، 1421هـ؛ أحمد بن شعيب النسائي، عمل اليوم والليلة 1: 135، تحقيق: فاروق حمادة، مؤسسة الرسالة، ط2، بيروت، 1406هـ؛ المتقي الهندي، كنـز العمال 2: 158، تحقيق: بكري حياني، مؤسسة الرسالة، ط1، بيروت، 1409هـ.

([46]) محمد بن حسن الطوسي، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد 2: 564؛ وانظر أيضاً: المصدر نفسه: 797؛ ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الصالحة 2: 632؛ العلامة المجلسي، زاد المعاد: 20.

([47]) انظر: أبو بكر أحمد بن حسين البيهقي، الدعوات الكبير 1: 283، تحقيق: بدر بن عبد الله البدر، غراس للنشر والتوزيع، ط1، الكويت، 2009 م؛ الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين 1: 725؛ الطبراني، الدعاء: 424؛ أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل 4: 381.

([48]) انظر: ابن طاووس، مهج الدعوات ومنهج العبادات: 233.

([49]) انظر: الكفعمي، البلد الأمين: 387.

([50]) انظر: الكفعمي، جنة الأمان الواقية (المصباح): 278.

([51]) ابن طاووس، مهج الدعوات ومنهج العبادات: 234.

([52]) الشيخ عبّاس القمي، مفاتيح الجنان: 86، مؤسسة الأعلمي، 1428هـ ـ 2007م.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً