أحدث المقالات

الشيخ عبّاس عارفي(*)

ترجمة: حسن الهاشمي

توطئةٌ

تأتي هذه المقالة في سياق الدفاع العقلاني عن الرؤية البنيوية للفلسفة الإسلامية في بحث التوجيه والتعليل. وعلى هذا الأساس، فإن كاتب المقالة، بعد بيان تعريفٍ عن القضايا الأساسية، والعمل على إثباتها، من خلال التأكيد على نوعين من القضايا الأساسية، وهي: القضايا الوجدانية المقتبسة من العلم الحضوري؛ والقضايا الأوّلية، ليثبت صدق وتطابق هذه القضايا مع الواقع، يعمل بعد ذلك على إثبات مدّعاه في إطار بحث النسبة بين القضايا الأوّلية والقضايا التحليليّة لكَانْط. إن تبويب الآراء المنشود لهذه المقالة يأتي جواباً عن الشكوك والإشكالات التي تمّ توجيهها إلى مباني المعرفة اليقينية، عبر سبع مراحل.

إن أحد الإشكالات المهمّة التي يثيرها المشكِّكون ـ بالنسبة إلى نظرية المعرفة بما يتطابق مع الواقع ـ يدور حول مباني المعرفة. إن المشكِّك في هذا الخصوص إنما يستهدف «مباني المعرفة»، ويعمل ـ من خلال بيان تشكيكاته ـ على تقويض أُسُس ومبادئ المعرفة. في هذه المرحلة يتمّ بيان تشكيكات في مورد القيمة المعرفية لـ «البديهيّات»، ولا سيَّما منها «الأوّليّات» و«الوجدانيّات»، ويتمّ فرض التحدِّيات عليها، وسوف يكون الأمر عندها كما قال الفخر الرازي: «عند ذكره تقشعرّ الجلود، وتبلغ القلوب الحناجر».

مراحل هذا التحدّي

أـ مرحلة التعريف

إن المشكِّك يطلب منا في هذه المرحلة أن نحدِّد القضايا المبنائية والأساسية ـ البديهيّات ـ مفهوميّاً، بمعنى أن نعمل على بيان الخصوصيّة أو الخصائص التي تتّصف بها القضايا التي تؤلِّف مبنى العلوم والمعارف البشرية.

ب ـ مرحلة الإثبات

إن المشكِّك في هذه المرحلة يطلب منا أن نثبت وجود القضايا التي نعتبرها من «مبادئ المعرفة».

ج ـ مرحلة الصدق

إن المشكِّك يطلب منا في «مرحلة الصدق» أن نثبت أن القضايا المبنائية تتطابق مع الواقع.

كما أن المشكِّك في هذه المرحلة، بعد أن نثبت صدق القضايا البديهية، سوف يضع أمامنا «مشكلة البنية الأخرى». إن هذه المشكلة، التي تترصّد «مسار إثبات الصدق»، هي أن المدَّعيات المعرفية للذين يدَّعون المعرفة تابعةٌ للبنية المعرفية لأنظمتهم المعرفية. ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن معرفتك بصدق قضية «2 + 2 = 4» تابعةٌ لبنيتك الإدراكية؛ إذ لو كان لديك بنية أخرى لكان لديك فَهْمٌ وإدراكٌ آخر يتناسب مع تلك البنية. وعليه، لا يمكن القول: إنك، وأيّ شخص آخر مثلك، تمتلكون الآن «معرفةً» حقّاً؛ إذ يكفي مجرّد وجود هذا الاحتمال لكي يتعرَّض فَهْمك للعطب، ويسقط من عرش المعرفة. ومن هنا يجب في «العبور من مرحلة الصدق» الإجابة عن «مشكلة البنية الأخرى» أيضاً.

د ـ مرحلة القفز (الجَسْر)

إن المشكِّك في هذه المرحلة يسأل قائلاً: «كيف تقفز من وضوح القضية البديهية إلى صدق القضيّة؟!». إن «وضوح القضية» نسبةٌ تربط القضية بقائلها، بَيْدَ أن «صدق القضية» إنما هو علاقةٌ ترتبط بمحكيّ القضيّة. وبعبارةٍ أخرى: إن متغيّر الوضوح الذي يتجلّى في إطار «اليقين» إنما يرتبط بـ «قائل القضية»، وأما «الصدق» فهو النسبة التي تربط القضية بمحكيّها. وعليه فإن السؤال الذي يَرِدُ هنا: ما هو السبب الذي يجعلك تدّعي القول بأن «كلّ قضيّةٍ إذا كانت واضحةً بالنسبة إلى قائلها إذن فهي متطابقةٌ مع الواقع».

القائل … (القضية) … المحكيّ

الحالات الإدراكية للقائل … (القضية) … صدق وكذب القضية

الوَهْم والشكّ والظنّ واليقين = الحالات الإدراكيّة

اليقين = الوضوح

الوَهْم والشكّ والظنّ = عدم الوضوح

الوضوح (حال القائل) … الجسر … صدق القضية (علاقة القضية مع الواقع)؟!

إن المشكِّك في هذه المرحلة يعمل على إظهار الجَسْر والقفز من «وضوح القضيّة» إلى «صدق القضيّة» بوصفه أمراً غيرَ وجيهٍ وغيرَ مبرَّرٍ، ويقول: كما لا يمكن لك القفز من «عدم وضوح قضيّةٍ ما» إلى «كذب القضيّة»، كذلك لن يمكن لك القفز من «وضوح القضيّة» ـ التي تظهر في إطار «اليقين» ـ إلى «صدق» القضيّة أيضاً.

هـ ـ مرحلة الوجدانيّات

يقول المشكِّك: لو استندتم إلى «الوجدانيّات»؛ بمعنى القضايا المقتبسة من العلم الحضوريّ، وتمكَّنتم ـ جَدَلاً ـ من تجاوز الإشكالات الأخرى (الإشكالات العامة) على سبيل المثال، فسوف تواجهون إشكالاتٍ خاصّةً أخرى: من قبيل:

1ـ إن عليك في الخطوة الأولى أن تثبت أن «العلم الحضوري» ـ بمعنى العلم المرتبط مع الواقع ـ موجودٌ. فقد لا يكون هناك مصداقٌ لهذا العلم أصلاً! فما لم تثبت وجود مثل هذا العلم لن تستطيع الاستناد إلى الوجدانيّات التي تقوم بدَوْرها على العلم الحضوريّ أيضاً.

2ـ إن عليك أن تثبت أن بمقدورك أن تمتلك «تعبيراً بلا تفسير» عن العلم الحضوريّ؛ إذ إننا في الوجدانيات نواجه على الدوام احتمال أن يكون ما صبَبْناه في بوتقة قضيّةٍ ما، وسمَّيْناه «قضيّة وجدانية»، قد تجلّى لنا تحت لواء تفسيرٍ خاصّ!

3ـ إنكم كلّما أردتم التعبير تقومون في الواقع بعملية التفسير، وإن تفسير كلّ مشهدٍ إدراكي ـ حضوري أو غير حضوري ـ لا يكون في مأمنٍ من تدخُّل الذهن. وعليه لو تمّ تشذيب تفسير الإدراكات من «تدخُّل الذهن» رُبَما أمكن لك الوصول إلى الغرض، بَيْدَ أنك تواجه على الدوام احتمال ما أشار إليه [الفيلسوف الألماني] إيمانوئيل كَانْط بقوله: «إن منظومتك الذهنية تتدخَّل في تفسيرك للحقيقة»!

4ـ بالنظر إلى أن صدق الوجدانيّات ينشأ من قيامها على العلم الحضوري؛ بمعنى أنه كلما شكَكْنا في صدق هذا النوع من القضايا سوف نستطيع العودة إلى أنفسنا، ونجد هناك ما يتطابق معه، يطرح هذا السؤال نفسه: لو لم يكن العلم الحضوريّ حاضراً؛ كأنْ يزول خوفك ـ على سبيل المثال ـ، عندها ما الذي تفعله في تقييم القضايا الوجدانيّة؟

5ـ لو أمكن لك تجاوز جميع الإشكالات المتعلِّقة بـ «الوجدانيات» أيضاً فسوف تواجه هذا الإشكال على أيّ حالٍ، وهو أن «القضايا الوجدانية» قضايا شخصيّة([1])، وليست عينيّة وخارجية([2])، وهي، مثل «العلم الحضوري»، لا تقبل النقل إلى الآخر.

و ـ مرحلة الأوّليات

إن «الأوّليات» أو «القضايا الأوّلية» هي القضايا التي يكفي مجرّد تصوُّر الطرفين فيها للجَزْم بصدقها. إن هذا النوع من القضايا أعمّ من القضايا التحليلية لإيمانوئيل كَانْط. فلو اختَرْتَ «الأوّليات» بوصفها «أساساً للمعرفة» فإنك ـ بالإضافة إلى الإشكالات الأخرى التي تتَّجه إليك بشكلٍ عامّ ـ سوف تواجه عدداً من الإشكالات الخاصّة أيضاً، وهي:

1ـ لو قلتم بأن سرّ اليقين في «القضايا الأوّلية» يكمن في مجرّد تصوُّر طرفي القضيّة، وبحث السنخيّة بين الموضوع والمحمول في القضية الحمليّة، والمقدّم والتالي في القضية الشرطيّة، يؤدّي إلى الجَزْم بصدق القضية الأوّلية، ولو لم يحصل لدى الشخص جَزْمٌ بها تقولون بأن عدم الجَزْم أو عدم الحكم بالصدق معلولٌ لعدم تصوُّر أطراف القضيّة، فسوف نقول بدَوْرنا: لماذا تعتبرون عدم يقين الآخرين ناشئاً عن عدم التصوُّر الصحيح لطرفي القضية؟! بل قد يحدث لشخصٍ أحياناً أن يحكم بخلاف قضيّةٍ؛ بسبب امتلاكه تصوُّراً صحيحاً عن طرفي القضية! فما هو السبب الذي يحملك على ادّعاء أنني حيث أحمل مثل هذا الفهم والإدراك، إذن فإن أذهان الآخرين([3]) تحمل أو كانت أو سوف تحمل مثل هذا الفهم والإدراك أيضاً؟! ألا تعدّ تسرية هذا الحكم إلى الآخرين أمراً تمثيليّاً؟!

2ـ لو قلتم: إن «الأوّليات» هي ذلك النوع من القضايا التي لا يمكن الاستدلال عليها فسوف يطرح هذا السؤال نفسه: «كيف تصلون من عدم إمكان الاستدلال على قضيّةٍ ما إلى القول بصدق تلك القضية؟».

3ـ لو قلتم: إن «الأوّليات» هي القضايا التي إذا تصوَّرتم طرفَيْها بشكلٍ صحيح لن تتمكَّنوا من عدم الجَزْم بصدقها فسوف نقول: كيف تجعلون من «عجزكم عن عدم تصديق قضيّةٍ ما» دليلاً على «صدق تلك القضيّة»؟!

ز ـ المرحلة الشرطيّة

يقول المشكِّك في هذه المرحلة: لو أمكن لكم اجتياز المراحل السابقة بسلامٍ، ووصلتم إلى هذه المرحلة، سوف تواجهون هنا طريقاً مسدوداً يكمن أمام القضايا الأوّلية، وكذلك القضايا التحليلية؛ بوصفها جزءاً من القضايا الأوّلية. وهذا الكمين هو الذي نعبِّر عنه بـ «المرحلة الشرطيّة». وبسبب أهمِّيته عمَدْنا إلى بحثه بوصفه مرحلةً مستقلّة.

إن خلاصة كلام المشكِّك في هذه المرحلة هي: لو اخترتم «الأوّليات» بوصفها من «القضايا الأساسيّة»، أو كان لديكم أملٌ أو توقُّعٌ بـ «القضايا التحليلية لكَانْط»، فعندها سوف يتَّجه إليكم هذا الإشكال القائل: إن هذا النوع من القضايا لا يتحدَّث عن «الخارج»، بمعنى الخارج عن جميع مراتب الذهن، ولا يضيف لنا شيئاً جديداً على معلوماتنا السابقة بشأن عالم الحقيقة والواقع. إن هذا النوع من القضايا من القضايا الحقيقية أو ما يشاكلها، ممّا هو في الغالب من القضايا الشرطيّة، ولا تتحدَّث عن عالم الواقع. ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن قضية «كلّ معلولٍ له علّةٌ» قضيّة حقيقية، هي في لبّها وجوهرها قضيّة شرطية، وترجع إلى قضيّة «لو كان هناك معلولٌ فله علّة»، ولا تبيِّن كيفية «نظام الواقع»!

والآن، بعد بيان منازل هذا النوع من التشكيك، ننتقل إلى الإجابة عنها:

1ـ العبور من المرحلة الأولى (مرحلة التعريف)

في المرور بمرحلة التعريف سوف نعمل أوّلاً على بيان تعريف عن «البديهيات» بشكلٍ عامّ، ثمّ سوف نقوم بعد ذلك ـ من بين البديهيّات ـ بتعريف خصوص «الوجدانيّات» و«الأوّليّات»، اللذين نعدّهما «معيارين للمعرفة». وهناك ـ بطبيعة الحال ـ في ما يتعلَّق بإمكان اعتبار الفطريّات ـ بوصفها جزءاً من مبادئ البرهان ـ بعض الأبحاث، التي سنأتي على ذكرها في تتمّة الحديث عن هذا النوع من التشكيك.

تعريف البديهيّ

إن «البديهي» هو من أقسام العلم الحصولي، التي لا تحصل من طريق الفكر والنظر. ويقع في مقابله «النظري»، الذي يحتاج حصوله إجالة الفكر والنظر. إن هذا التعريف للبديهيّ يشمل القضايا والتصديقات، كما يشمل التصوُّرات أيضاً؛ لأن التصوُّرات تنقسم بدَوْرها إلى: بديهيّات؛ ونظريّات أيضاً، ولذلك فإنها إما أن تحصل من دون تفكيرٍ، أو من خلال توظيف التفكير وإجالته. وعليه فإن هذا التعريف للبديهيّ يشمل هذه الثلاثة جميعاً: «التصوُّرات»، و«القضايا»، و«التصديقات». بَيْدَ أن العلم الحضوريّ خارجٌ عن مقسم «البديهي؛ والنظري»؛ لأن المقسم «تقسيم العلم إلى: البديهيّ؛ والنظريّ» علمٌ حصولي، وليس علماً حضوريّاً. ولا بُدَّ من الالتفات إلى هذه النقطة ـ بطبيعة الحال ـ، وهي أن المراد من «التفكير» في مورد «التصوُّرات النظرية» ترتيب وتركيب عدد من التصوُّرات البديهيّة والواضحة، بَيْدَ أن المراد من «التفكير» في باب «القضايا» و«التصديقات» هو «الاستدلال».

إن البديهيّات التي تُعَدّ من مبادئ البرهان عبارةٌ عن ذلك القسم من اليقينيات، التي تقع أساساً للنظريّات، وتصل النظريّات بواسطتها إلى مرحلة اليقين أيضاً. ومن هنا فإن الذي يتعيَّن علينا بحثه في العبور من هذه المرحلة هو تعريف «البديهيّات»؛ بوصفها من القضايا والتصديقات التي يمكنها أن تشكِّل أساساً للمعارف النظريّة، ولا تحتكر طريق الوصول إلى الواقع لنفسها فقط، بل يمكنها ربط النظريات بالواقع أيضاً، وتعمل على بيان صدقها وتوثيقها واستحكامها أيضاً. وعلى هذا الأساس، فإن تعريف «البديهي» في مقام البحث يدور في الغالب حول محور القضايا والتصديقات، وإنْ كان التعريف الذي يذكر لـ «البديهيّ» بشكلٍ عامّ يمكن له أن يشمل البديهيّات التصوُّرية أيضاً. ومن لوازم التدقيق في البحث إرجاع «بداهة القضايا» بدَوْرها إلى «بداهة التصديقات» أيضاً؛ لأن «بداهة القضايا» تقبل الإرجاع إلى «فهم الصدق»، و«فهم الصدق» بدَوْره هو التصديق. ومن هنا فإن مسار بحثنا في باب تعريف «البديهيّات» يتَّجه نحو تعريف «التصديقات البديهيّة».

نموذجٌ ومثال

لقد عمَدْنا في بداية البحث إلى تعريف «البديهيّ» بالعلم الحصوليّ الذي لا يحصل من طريق التفكير والنظر. وقد جاء هذا التعريف في كلمات كبار علماء المنطق والحكمة أيضاً([4]). كما نرى في بعض الموارد تفاسير أخرى لـ «البديهيّ»، لا تحظى بالدقّة اللازمة، أو أن الذين قدَّموا تلك التفاسير لـ «البداهة» لم يكونوا ينكرون المعنى الدقيق للبديهيّ أبداً، وإنما كانوا بصدد بيان أمرٍ آخر في باب البديهيّات تلويحاً. من ذلك أن بيان صدر المتألِّهين بشأن «البديهي» ـ على سبيل المثال ـ عبارةٌ عن: «البداهة، وهي المعرفة الحاصلة للنفس في أوّل الفطرة من المعارف العامّية التي يشترك في إدراكها جميع الناس»؛ ومعنى هذا الكلام أن «البديهيّ» معرفة شاملة يمتلكها جميع الناس بفطرتهم. لقد تمّ التأكيد في هذا البيان على «فطرية البديهيات»، و«شموليتها». بَيْدَ أننا نعلم أن الشخص إذا اعتبر البديهيّات بوصفها أموراً فطرية، أو عدّها من مبادئ البرهان على أساس قبولها من قِبَل جميع الناس واتِّحادهم في موردها، فإنه سوف يتعرَّض للشجب والتقريع من قِبَل المناطقة؛ لأننا لو ذكَرْنا في القياس أموراً ـ وإنْ كانت مقبولةً من قِبَل جميع الناس ـ بوصفها من المقبولات العامّة فإن قياسنا هذا سوف يخرج من دائرة البرهان، ويدخل في مجال الجَدَل. توضيح ذلك: إن مبادئ الجَدَل من المشهورات والمسلَّمات، وليست من الأمور اليقينيّة. وعليه، كما لا يقبل من الشخص استعمال البديهيّات في الجَدَل بوصفها أموراً يقينيّة([5])، كذلك لو أن المستدِّل عمد في مقام إقامة البرهان إلى توظيف الأمر البديهيّ، لا بوصفه حقيقة يقينية، بل بوصفه فطريّاً أو مشتركاً بين جميع الناس، لن يُقْبَل منه ذلك قَطْعاً، لأن برهانه يكون قد سقط ـ بحَسَب الواقع ـ في دائرة الجَدَل. وعلى هذا الأساس، من الأفضل في تعريف «البديهيّ» أن نؤكِّد على العنصر الذي يستطيع تمييز «المعرفة البديهيّة» من «العلم النظريّ». إن هذا العنصر ـ استناداً إلى ما تقدَّم ذكره ـ هو عدم الحاجة إلى التفكير والنظر، والمراد من التفكير والنظر هو ترتيب الأمور المعلومة للوصول إلى العلم بالمجهول. وعلى هذا الأساس، يمكن تقسيم العلم الحصوليّ ـ الأعمّ من التصوُّر والتصديق ـ إلى قسمين رئيسين، وهما:

1ـ العلم الحصولي البديهي.

2ـ العلم الحصولي النظري.

وعلى هذا الأساس، فإن الجواب عن السؤال القائل: «ما هو البديهيّ؟» هو أن «البديهيّ» عبارةٌ عن العلم الحصولي الذي لا يحصل من ترتيب الأمور المعلومة؛ للوصول إلى الأمر المجهول. إن البديهيات التصوُّرية لا تحتاج إلى الحدّ والرسم، كما أن البديهيّات التصديقيّة بدَوْرها لا تحتاج إلى الاستدلال.

ونصل من هذا التعريف للبديهيّ إلى بعض النقاط:

1ـ إن مقسمَ تقسيم المعلوم إلى: البديهيّ؛ والنظريّ هو «العلمُ». وعليه يكون كلامُ الذين يعتبرون «البديهيّ» مرادفاً لـ «المعلوم»، ويعتبرون «النظريّ» مساوياً لـ «المجهول»، باطلاً. في البداية نرى أنفسنا واجدين للعلم، ثمّ نكون بصدد تحديد ما إذا كانت جميع معلوماتنا بديهيّةً، أو جميعها نظريّةً، أو بعضها بديهيّاً وبعضها الآخر نظريّاً. وعلى هذا الأساس، لو أن شخصاً كان ينكر أصل العلم من الأساس لا يصل الأمر عنده إلى تقسيم العلم إلى: حضوريّ؛ وحصوليّ، وتقسيم الحصولي إلى: بديهيّ؛ ونظريّ. إن كلّ مَنْ يراجع نفسه يدرك بوجدانه توفُّر بعض المعلومات في منظومته الإدراكية، ومن ذلك أننا نشعر بالفرح مثلاً. إن مأخذَ هذه الانفعال النفسيّ علمٌ حضوري، ثم تعمل منظومة العلم الحصولي ـ أي الذهن ـ من خلال هذا المسار إلى صنع قضيّة: «أنا فَرِحٌ» أو «أنا أشعر بالفَرَح». وتَبَعاً لذلك يتحقَّق تصديق في دائرة النفس، وهو فهم صدق القضية أعلاه. وكذلك نحن نعلم «أن الأربعة أقلّ من الخمسة»، ونعلم أيضاً أن «25 ضرب 25 = 625»، وهكذا. وبذلك بعد أن نفرغ من الواقعيّة المطلقة والتشكيك الشامل نكون بصدد ترتيب علومنا ومعارفنا ضمن قائمة البديهيّ والنظريّ. وهنا قد يتمّ طرح السؤال التالي: «هل يمكن من الناحية المنطقيّة أن نخرج من التشكيك المطلق؟». وفي مقابل هذا السؤال يمكن أن نطرح سؤالاً آخر، وهو: «هل يمكن الدفاع عن التشكيك المطلق من الناحية المنطقية؟»؛ إذ لو قال شخصٌ: «أنا أدافع عن التشكيك المطلق»؛ بمعنى أنني أمتلك شكّاً مطلقاً، يمكن للخصم أن يقول: هل قضيّة «أنا أدافع عن التشكيك المطلق» مشكوكةٌ بالنسبة إليه أو هي يقينيّة؟ فإنْ قال: «إنها يقينية» سوف يكون قد أقرّ بالعلم، وعليه أن يبحث عن سرّ يقينيّة تلك القضية، ثمّ يعمل بعد ذلك على التحقيق بشأن صدق القضايا الأخرى. وهنا يمكن له أن يقسِّم علومه إلى: بديهيّة؛ ونظريّة، ويعمل على دراسة وجه بداهة القضايا؛ وأمّا إذا قال بأن قضية «أنا أدافع عن التشكيك المطلق» هي الأخرى مشكوكةٌ أيضاً؛ فيكون بذلك قد أقرّ على نفسه بأنه يعاني من الاضطراب الفكريّ، وعليه أن يعمل على استعادة سلامته الفكريّة، من خلال الرياضة والتمرين.

2ـ إن مقسمَ تقسيم العلم إلى: «بديهيّ»؛ و«نظريّ» هو العلمُ الحصوليّ، وليس العلم الحضوريّ. نحن نعمل أوّلاً على تقسيم العلم إلى: حضوريّ؛ وحصوليّ، ثمّ نعمل بعد ذلك على تقسيم العلم الحصوليّ إلى: بديهيّ؛ ونظريّ([6]).

3ـ إن العلم الحصوليّ ـ سواء أكان تصوُّراً أو تصديقاً ـ يقبل التقسيم إلى: البديهيّ؛ والنظريّ([7]). وبطبيعة الحال لا بُدَّ ـ كما أسلَفْنا ـ من الالتفات إلى أن عدم الحاجة إلى التفكير في البداهة التصوّرية يعني عدم الحاجة إلى المعرِّف، وفي البداهة التصديقية يعني عدم الحاجة إلى الحجّة والاستدلال. كما أن لدينا قضايا بديهية أيضاً، بَيْدَ أن بداهة القضية تعود إلى بداهة التصديق؛ لأن «القضية البديهية» هي القضية التي يكون تصديقها بديهيّاً أيضاً. وكذلك فإن «القضية النظريّة» هي القضية التي يكون تصديقها نظريّاً أيضاً. ومن هنا يجب على الدوام ملاحظة ارتباط وعلاقة القضية والتصديق في أمر البداهة التصديقية والنظرية للتصديق. إن هذه العلاقة ذات طرفين؛ بمعنى أن بداهة ونظريّة الوصف تصديقٌ، بَيْدَ أن القضيّة بدَوْرها يجب أن تكون بحيث تستوجب التصديق البديهي أو النظري. ومن ذلك أن «الأوّليات» ـ على سبيل المثال ـ قضايا يستوجب تصوُّر الطرفين فيها الجَزْم بالحكم، بمعنى أنه يستوجب التصديق بالحكم. وعلى هذا الأساس فإن بداهة هذه القضايا هو في الأصل يرتبط بـ «الجَزْم بالحكم»، أو هو ذات التصديق، بَيْدَ أن القضيّة التي هي متعلَّق ومهبط التصديق يجب أن تكون بحيث تستوجب مثل هذا التصديق اليقينيّ.

4ـ قلنا: إن «البديهي» هو العلم الحصولي الذي «لا يحتاج إلى إجالة التفكير والنظر»([8]). وعلى هذا الأساس، فإن القضايا التي يكون قياسها معها، ولكنّها لم تكتسب هذا القياس من طريق التفكير، تُعَدّ بدَوْرها من البديهيّات أيضاً. وعلى هذا الأساس، فإن القضايا الفطرية ـ أي «القضايا التي تحمل قياساتها معها» ـ وإنْ كانت تشتمل على قياسٍ وحدٍّ وَسَط، ولكنْ حيث لا يوجد فيها كَسْب وتحصيل وإجالة فكريّة بالنسبة إلى ذلك الحدّ الوسط ـ بسبب استحالة تحصيل الحاصل ـ كان يجب طبقاً للتعريف أن تُعَدّ بديهيّةً. ومن ذلك ـ مثلاً ـ أن قضية «الأربعة زوجٌ» قضيّة فطرية، وإن الواسطة التي تحملها هذه القضية في أحشائها هي «الانقسام إلى المتساويين». عندما نسمع عبارة «الأربعة زوج» يتبلور في ذهننا على الفور قياسٌ مفاده: «إن الأربعة منقسمة إلى متساويين، وكلّ منقسمٍ إلى متساويين فهو زوجٌ؛ إذن فالأربعة زوجٌ». وعلى هذا الأساس، نصل إلى التصديق اليقيني بزوجيّة الأربعة، وإن هذا التصديق بدَوْره تصديقٌ بديهيّ؛ لأن الحاجة إلى الاستدلال وإجالة التفكير، الذي يستوجب خروج العلم من البداهة واندراجه في دائرة النظريّات، لا توجد في القضايا الفطريّة أيضاً، وإذا كانت تحتوي على قياسٍ أيضاً فإن هذا القياس لم يحصل من طريق الاستدلال والتفكير([9]).

5ـ إن عنصر «عدم الحاجة إلى التفكير» من العناصر المقوِّمة لـ «البداهة». ولو أن تصوُّراً احتاج إلى «معرِّف»، أو احتاج تصديقٌ إلى استدلالٍ، فإن ذلك التصوُّر وهذا التصديق لن يكون بديهيّاً. إن شرط «عدم الحاجة إلى التفكير» أعمّ من «إمكان التفكير والنظر»، ومن «عدم إمكان التفكير والنظر». وبعبارةٍ أخرى: إن التصديق البديهيّ تصديقٌ لا يحتاج إلى استدلالٍ. إن «عدم الحاجة إلى الاستدلال» أعمّ من «إمكان الاستدلال» و«عدم إمكان الاستدلال»، وعلى هذا الأساس يمكن لقضيّةٍ أو تصديقٍ أن يكون بديهيّاً، ويكون في الوقت نفسه قابلاً للاستدلال. إن هذا الاستدلال يلعب ـ بالنسبة إلى الشخص الذي تجلَّتْ له تلك القضيّة وذلك التصديق على نحو البداهة ـ دَوْرَ «المنبِّه»، وبالنسبة إلى الشخص الذي تكون بالنسبة إليه نظريّةً ـ بمعنى أنه لا يحصل له اليقين بها إلاّ إذا اقترنَتْ بالاستدلال ـ سوف تكون لها هويّةٌ استدلاليّة حقيقيّة. ومن هنا نستنتج أن بعض الأمور البديهية نسبيّة، بمعنى أنها بديهيّة بالنسبة إلى بعض الأشخاص، ونظريّة بالنسبة إلى بعض الأشخاص الآخرين؛ لأن «البداهة» و«عدم البداهة» أمورٌ ترتبط بطريقة فَهْم الفرد، وإن الأفراد ليسوا على نَسَقٍ واحد في الفهم والذكاء. وهناك بطبيعة الحال بديهيّاتٌ أخرى غير نسبيّة أيضاً، وهي بديهياتٌ لا يمكن الاستدلال عليها. إن هذا النوع من البديهيّات ـ التي نطلق عليها عنوان «البديهيّات المطلقة» ـ إذا تحقَّق لكلّ شخصٍ بوصفه «علماً» فإنه سوف يكون على نحو «البداهة» حَتْماً، من قبيل: تصوُّر «الأنا» و«الوجود»، والتصديق بقضايا من قبيل: «هناك حقيقة»، و«إن بعض التصديقات بديهيّةٌ»، وما إلى ذلك.

 

تحليل العبارات في تعريف البديهيّ

بعد أن عرَّفنا «البديهي» بالعلم الحصوليّ الذي لا يحتاج إلى إجالة تفكيرٍ ونظر، نبحث في نقل وتحليل العبارات والكلمات الواردة حول هذه المسألة.

عبارة ابن سينا في برهان الشفاء

لقد تحدَّث ابن سينا في كتاب البرهان من الشفاء عن «البديهيّ»، قائلاً: «والمقدّمة المؤدّية إلى الرأيين ـ وهي أن كلّ علمٍ إنما يقع بالبرهان، وأنه إمّا أن لا يكون علمٌ أو يكون ببرهانٍ ـ باطلةٌ. بل الحقّ أن يُقال: إما أن يكون كلّ شيء مجهولاً أو يكون شيء معلوماً. والمعلوم إما معلومٌ بذاته؛ أو معلومٌ ببرهانٍ. وليس كلّ شيء مجهولاً، فإنه لو كان كلّ شيء مجهولاً لم يكن قولنا: «كلّ شيءٍ مجهول» بمعلومٍ، ولا كلّ شيءٍ معلومٌ ببرهانٍ؛ فإنه لو كان كلّ شيءٍ يُعْلَم ببرهانٍ لكان كلّ برهانٍ يُعلم ببرهانٍ، وهذا محالٌ، فمن الأشياء ما يُعْلَم بذاته»([10]).

تحليلٌ: لقد عمد ابن سينا في النصّ المتقدِّم إلى بحث المسألة بجميع أبعادها وجوانبها بشكلٍ دقيق. فقد أشار في البداية قائلاً: لا ينبغي أن نعتبر أن كلّ علم يحصل من طريق البرهان، أو أنه لا توجد لدينا معرفةٌ أصلاً، أو إذا كان لدينا معرفة فسوف تكون معرفةً برهانية حَتْماً. ولو أرَدْنا أن نبيِّن الرسالة في كلام ابن سينا في الفضاء المعرفي والإبستمولوجي المعاصر فسوف نقول: لا ينبغي الظنّ أن كلّ شيءٍ إما أن يكون مستدلاًّ أو فرضيّةٌ، بل إننا في بعض الأحيان نعلم ببعض الحقائق ـ وليس مجرّد افتراض العلم ـ، وإن هذه المعرفة لم تحصل من طريق الدليل. وعليه فإن الشيخ الرئيس (ابن سينا) يقترح بأن علينا من الناحية المنطقية أن نعمل على تنسيق البحث على النحو التالي: إن كلّ شيءٍ إما مجهولٌ أو أمرٌ معلوم. وإن المعلوم إما معلومٌ بذاته    ـ بمعنى أن يكون بديهياً ـ أو تمّ العلم به من طريق البرهان. وليس كلّ شيء مجهولاً؛ إذ لو كان الأمر كذلك فلن يكون قولُنا: «كلّ شيءٍ مجهول» بدَوْره معلوماً، في حين أننا نعلمه بالوجدان. إن كلّ شيءٍ لا يتمّ التعرُّف عليه بالبرهان؛ إذ في هذه الحالة يجب أن يُعلم كلّ برهانٍ ببرهانٍ، وهذا محالٌ؛ لأنه يؤدّي إلى الدَّوْر والتسلسل. وتكون النتيجة عدم حصولنا على المعرفة، في حين أننا نبحث في فرض العلم. وعليه، فإن النتيجة هي أن هناك حقائق معلومةٌ بذاتها.

وبذلك فإن ابن سينا يذكر في البداية فرضيّة العلم والجهل، وبعد أن يدفع الجهل المطلق بتنبيهٍ معرفي يعمل ـ في مورد البديهيّات التصديقيّة ـ على تقسيم العلم إلى: بديهيّ؛ ونظريّ، من خلال التعبير عن ذلك بـ «المعلوم بذاته» و«المعلوم ببرهانٍ»، وبعد ذلك يعمل على تحكيم هذا الانقسام ببيانٍ. وعليه، يتَّضح هنا أن البرهان الذي يذكره في تتمّة البحث من طريق التسلسل، بقوله: «…وكيف يكون على كلّ شيء برهانٌ، وقد علمْتَ أن البراهين تكون بمتوسّطات بين حَدَّيْن، ولا يمكن أن يكون بين كلّ اثنين من المتوسّطات متوسِّطات…؟!»([11])، ليس لإثبات العلم، بل لإثبات انقسام العلم إلى: بديهيّ؛ ونظريّ. وبعبارةٍ أخرى: إن البرهان المذكور إنما هو لإثبات وجوب الوصول في سلسلة المعارف اللامتناهية إلى «معلومٍ بالذات»، وهذا المعلوم بالذات هو البديهيّ، وإلاّ سوف نقبع في حلقة الدَّوْر والتسلسل، وسوف نُحْرَم من الحصول على العلم، في حين أننا قد قبلنا بأصل العلم. والشاهد على ذلك أنه وصل في نهاية المطاف إلى هذه النتيجة، قائلاً: «فبُيِّن إذن أنه ليس كلّ علمٍ ببرهانٍ، وأن بعض ما يُعْلَم يُعْلَم بذاته، بلا وَسَط، فيكون عند النهاية في التحليل، ويكون هو وما يجري مجراه المبدأ الذي تنتهي إليه مقدّمات البراهين»([12]).

بيان متكلِّمي المعتزلة لأقسام العلم

يذهب المتكلِّمون من المعتزلة ـ بشأن تقسيم العلم إلى: البديهيّ؛ والنظريّ ـ إلى الاعتقاد والقول بأن: «العلم عند المتكلِّمين من المعتزلة على ضربين: ضروريّ؛ ومكتَسَب.

والضروريّ ينقسم إلى: بديهيّ؛ وغيره. فالبديهيُّ عندهم، كالعلم بأن «النفي والإثبات لا يجتمعان، ولا يرتفعان»، والعلم بأن «الكلّ أعظم من الجزء»، وأشباه ذلك ممّا يحصل عندهم للإنسان، من فعل الله تعالى ابتداءً، ويُسَمَّى عندهم بديهيّاً؛ لأن البديهة عند أهل اللغة أوّل الشيء. فلمّا كان هذا العلم للإنسان أوّلاً من غير اطّلاعٍ على طريقٍ [طرق] يحصل منها سُمِّي بديهيّاً. وغير البديهيّ من الضروريّ: العلم بالمحسوسات، والعلم بالمجرَّبات، والعلم بالمتواترات عند أكثرهم، ويدخل في العلم بالمحسوسات العلم بالوجدانيّات التي تدرك بمحلّ الحياة، كالعلم باللذّة والألم، والعلم بالجوع والعَطَش وغير ذلك من الأحوال النفسانيّة، ويدخل في الضروريّات القصد بعلم المخاطَبين، وتعلّق الفعل بالفاعلين، وحسن كثيرٍ من المحسّنات، وقبح كثير من المقبّحات. وجملة هذه العلوم تسمّى عللاً، وبها يصحّ اكتساب العلوم النظريّة.

وأما المكتَسَب فعلى ضربين: استدلاليّ؛ وغير استدلاليّ؛ فالاستدلاليّ ما حصل من النظر ابتداءً، والمكتَسَب الذي ليس باستدلاليّ ما حصل عن تذكُّرٍ، فإنه عندهم لا يُسمَّى استدلاليّاً»([13]).

تحليلٌ: لقد عمد المتكلِّمون من المعتزلة في العبارة السابقة إلى تقسيم العلم إلى: «الضروريّ» و«الاكتسابيّ»، ثمّ قسّموا العلم الضروريّ إلى: البديهيّ؛ وغير البديهيّ، وقسَّموا العلم الاكتسابيّ إلى: الاستدلاليّ؛ وغير الاستدلاليّ.

ومن النقاط التي يجب الالتفات إليها في هذا الشأن ما يلي:

أوّلاً: يذهب الفلاسفة والمناطقة حاليّاً إلى استعمال مفردتي «البديهيّ» و«الضروريّ» كمترادفين، بَيْدَ أن المعتزلة كانوا يستعملون «البديهيّات» في معنى «الأوّليات»، وهي القضايا التي يكفي مجرّد تصوُّر طرفَيْها للجَزْم بصدقها. والشاهد على هذا الادّعاء تخصيص إطلاق البديهيّ في العبارة المتقدّمة بالقضايا التي هي من قبيل: «الكلّ أعظم من الجزء»، التي تُعَدّ من الأوّليات. يُضاف إلى ذلك أن إطلاق عنوان «البديهيّات» على خصوص «الأوّليات» لا يقتصر على المعتزلة فقط، بل نجد هذا النوع من الاستعمال حتّى في كتابات الآخرين أيضاً، ومن ذلك أن العلاّمة الحلي& ـ على سبيل المثال ـ قد أطلق عنوان «البديهيّات» على «الأوّليات»، حيث قال: «البديهيّات؛ وهي قضايا يحكم بها العقل لذاته، لا بسببٍ خارجيّ سوى تصوُّر طرفَيْها»([14]).

وعليه، يكون المراد في إطلاق لفظ البديهيّ عند الفلاسفة والمناطقة المتأخِّرين هو الأعمّ من «الأوّلي» و«غير الأوّلي»، بَيْدَ أن هذا اللفظ قد تمّ تخصيصه في العبارة المتقدّمة بالأوّلي فقط.

ثانياً: إن ما ذكروه في بيان «وجه التسمية» لمصطلح البديهيّ يقوم على أساس أن البديهيّ لغةً يعني «أوّل الشيء»، والبديهيّات هي المعارف الأولى التي لا نعلم حتّى كيفيّة حصولنا عليها. وحيث إن هذا مجرّد بيان لوجه التسمية، وفي وجه التسمية لا يشترطون الجامعيّة والمانعيّة، فلا منافاة في أن لا يكون بعض الأوّليات من الفطريّات.

ثالثاً: إن مفردة الاكتساب في عُرْف الفلاسفة والمناطقة تعني حصول العلم من طريق التفكير والنظر، حيث يُعبِّرون عن هذا المسار في التصوُّرات بـ «التعريف»، وفي التصديقات بـ «الاستدلال». وبذلك تكون مفردة «الاكتساب» في التصديقات مرادفةً  لـ «الاستدلال». ومن هنا يتَّضح أن المتكلِّمين من المعتزلة في تقسيم العلم الاكتسابيّ إلى: علم استدلاليّ؛ وغير استدلاليّ، قد أرادوا معنىً آخر للاكتساب؛ فقد كان مرادهم من الاكتساب هو المعنى العُرْفي واللغويّ، ولم يقصدوا معناه المصطلح في الوقت الراهن أبداً.

عبارة شيخ الإشراق في منطق التلويحات

قال شيخ الإشراق في ـ بحث المنطق ـ من التلويحات، حول البديهيّ والنظري: «اعْلَمْ أن العلم إمّا تصوُّرٌ؛ وهو حصول الشيء في العقل؛ وإمّا تصديقٌ؛ وهو الحكم على تصوُّرات إمّا بنفيٍ أو إثباتٍ، ولا تصديق إلاّ على تصوُّرَيْن فصاعداً. وكلٌّ منهما يُقسَّم إلى: فطريّ؛ وغير فطريّ. فأوّل الأوّل كتصوّر مفهوم الشيء والوجود، وثانيه كتصوّر العقل والملك، وقسما التصديق كحكمك بأن الكلّ أعظم من الجزء، وأن العالم ممكن الوجود؛ وغير الفطريّ يُقتَنَص بالفكر، ونعني بالفكر هاهنا إجماع الإنسان على الانتقال من علمه الحاصل إلى علمه المستحيل»([15]).

تحليلٌ: لقد استعمل صاحب التلويحات في العبارة المتقدِّمة كلمة «الفطريّ» بمعنى البديهيّ، وكلمة «غير الفطريّ» بمعنى النظريّ. وقد استعمل في كتاباته الأخرى كلمة الفطريّ وغير الفطريّ كمرادفين للبديهيّ والنظريّ، أكثر من مرّةٍ([16]).

 

عبارة الشريف الجرجانيّ في وصف البديهيّ والنظريّ

قال المير السيد الشريف الجرجاني في وصف البديهيّ والنظريّ: «اعْلَمْ أن التصوُّر على قسمين: القسم الأوّل: هو الذي لا يحتاج في حصوله إلى نظرٍ وتفكير، من قبيل: تصوُّر «الحرارة»، و«البرودة»، و«السواد»، و«البياض»، وما إلى ذلك، ويُصطلح على هذا القسم من التصوُّر بـ «الضروريّ والبديهيّ»؛ والقسم الثاني: هو الذي يحتاج في حصوله إلى نظرٍ وتفكير، من قبيل: تصوُّر «الروح»، و«المَلَك»، و«الجنّ»، وأمثال ذلك، ويُصطلح على هذا القسم من التصوُّر بـ «النظريّ والكَسْبيّ». وعلى هذا القياس ينقسم التصديق بدَوْره إلى قسمين: أحدهما: «الضروريّ»، وهو الذي لا يحتاج في حصوله إلى نظرٍ وتفكير، من قبيل: التصديق بأن «الشمس طالعةٌ»، وأن «النار محرقةٌ»، ونظائر ذلك؛ والآخر: التصديق النظريّ، وهو الذي يحتاج في حصوله إلى نظرٍ وتفكير، من قبيل: التصديق بأن «الصانع موجودٌ»، وأن «العالم حادثٌ»، وما إلى ذلك»([17]).

تحليلٌ: إن العبارة المتقدِّمة واضحةٌ في بيان المراد، وإنْ أمكن النقاش في أمثلتها. وحاصلُ كلام السيد الشريف هو أن العلم الحصوليّ ـ الأعمّ من التصوُّر والتصديق ـ ينقسم إلى: البديهيّ؛ والنظريّ. وإن «البداهة» تعني عدم الحاجة إلى التفكير والنظر، ومن هذه الناحية تقع في مقابل مفهوم «النظر». كما قال بدَوْره في كتاب التعريفات: «البديهيّ هو الذي لا يتوقَّف حصوله على نظرٍ وكسب، سواءٌ احتاج إلى شيءٍ آخر من حَدْسٍ أو تجربةٍ أو غير ذلك، أو لم يحتَجْ، فيرادف الضروريّ. وقد يُراد به ما لا يحتاج بعد توجُّه العقل إلى شيءٍ أصلاً، فيكون أخصّ من الضروريّ، كتصوُّر الحرارة والبرودة، وكالتصديق بأن النفي والإثبات لا يجتمعان، ولا يرتفعان»([18]).

عبارة صدر المتألِّهين بشأن البديهيّ والنظريّ

قال صدر المتألِّهين بشأن البديهيّ والنظريّ: «وكلٌّ منهما [أي التصوُّر والتصديق] فطريٌّ وحَدْسيّ ومكتَسَبٌ، يمكن تحصيله من الأوّلين، إنْ لم يحصل بإشراقٍ من القوّة القُدْسية، والكاسب من التصوُّر حدٌّ ورسم، وكلّ منهما تامٌّ وناقصٌ؛ ومن التصديق قياسٌ واستقراءٌ وتمثيلٌ، يعمّها الحجّة، فلا سبيل إلى إدراك غير حاصلٍ إلاّ من حاصلٍ، ولكنْ مع التفطُّن للجهة التي صار لأجلها مؤدِّياً إلى المطلوب»([19]).

تحليلٌ: لقد استعمل صدر المتألِّهين كلمة الفطريّ والحَدْسيّ في هذه العبارة بما يتساوى مع «البديهيّ»، وجعلهما في تقابلٍ مع مفهوم «الاكتسابيّ». وذهب إلى الاعتقاد بأن العلم الاكتسابيّ والفكريّ يحصل من طريق العلم الفطريّ والحَدْسيّ. ومراد صدر المتألِّهين من «الحَدْس» هو العثور الدفعيّ على الحدّ الوَسَط، من دون الحاجة إلى إجالة تفكيرٍ ونظر. كما قال أيضاً: «والنفس حال كونها جاهلةً كأنّها واقعةٌ في ظلمةٍ ظلماء، فلا بُدَّ من قائد يقودها أو روزنه([20]) يضيء لها موضع قدمها، وذلك الموضع هو الحدّ المتوسِّط بين الطرفين، وتلك الروزنة هو التحدُّس بذلك دفعة؛ فاستعداد النفس لوجدان ذلك المتوسّط بالتحدُّس هو الحَدْس»([21]).

عبارة المظفَّر حول البديهيّ والنظريّ

جاء في كتاب «المنطق» [للشيخ المظفَّر] حول «البديهيّ» و«النظريّ»: «إن بعض الأمور يحصل العلم بها من دون إنعام نظرٍ وفكرٍ، فيكفي في حصوله أن تتوجَّه النفس إلى الشيء بأحد أسباب التوجُّه الآتية، من دون توسُّط عمليّةٍ فكريّة كما مثَّلنا، وهذا هو الذي يُسمَّى بـ «الضروريّ أو البديهيّ»، سواء أكان تصوُّراً أم تصديقاً؛ وبعضها لا يصل الإنسان إلى العلم بها بسهولةٍ، بل لا بُدَّ من إنعام النظر، وإجراء عمليات عقليّة، ومعادلات فكريّة، كالمعادلات الجَبْرية، فيتوصَّل بالمعلومات عنده إلى العلم بهذه الأمور (المجهولات)، ولا يستطيع أن يتَّصل بالعلم بها رأساً من دون توسيط هذه المعلومات وتنظيمها على وجهٍ صحيح، لينتقل الذهن منها إلى ما كان مجهولاً عنده، كما مثَّلنا؛ وهذا هو الذي يُسمَّى بـ «النظريّ أو الكَسْبيّ»، سواء كان تصوُّراً أو تصديقاً»([22]).

تحليلٌ: لقد ذكر الشيخ المظفَّر العبارة المتقدِّمة بعد تعريف «البديهيّ» بقوله: «ما لا يحتاج في حصوله إلى كسبٍ ونظرٍ وفكرٍ»، وتعريف «النظريّ» بقوله: «ما يحتاج حصوله إلى كسبٍ ونظرٍ وفكرٍ». وعليه فإنه يكون بدَوْره قد أقرَّ ذات التعريف الشائع عن البديهيّ والنظريّ، كما تحدَّث في العبارة المتقدِّمة عن مسار إنعام النظر والمعادلات الفكريّة أيضاً، وشبَّهها بالمعادلات الجَبْرية.

عبارة الطباطبائي في تعريف البديهيّ والنظريّ

كما عمد العلاّمة الطباطبائي أيضاً إلى تعريف البديهيّ والنظريّ في العديد من كتبه، مثل: بداية الحكمة، ونهاية الحكمة، وأصول الفلسفة والمذهب الواقعيّ، وغيرها([23]), ومن ذلك أنه ـ على سبيل المثال ـ قال في نهاية الحكمة: «ينقسم العلم الحصوليّ إلى: بديهيّ؛ ونظريّ. البديهيّ ـ ويُسمَّى ضروريّاً أيضاً ـ ما لا يحتاج في حصوله إلى اكتسابٍ ونظرٍ، كتصوُّر مفهوم الوجود والشيء والوحدة، والتصديق بأن الكلّ أعظم من جزئه، وأن الأربعة زوجٌ؛ والنظريّ ما يحتاج ـ في تصوُّره إنْ كان علماً تصوُّرياً، أو في التصديق به إنْ كان علماً تصديقيّاً ـ إلى اكتسابٍ ونظرٍ، كتصوُّر ماهيّة الإنسان والفرس، والتصديق بأن الزوايا الثلاثة من المثلَّث مساويةٌ لقائمتين، وأن الإنسان ذو نفسٍ مجرَّدة»([24]).

تحليلٌ: لقد تمّ التصريح في العبارة المتقدِّمة بأن العلم الحصوليّ ينقسم إلى: البديهيّ؛ والنظريّ. وتمّ اعتبار العلم الحصوليّ مطلقاً ـ سواء أكان تصوُّرياً أم تصديقيّاً ـ قابلاً للتقسيم إلى: البديهيّ؛ والنظريّ. وإن التعريف الذي تمّ تقديمه للبديهيّ والنظريّ هو ذات التعريف الشائع للبديهيّ والنظريّ. هذا، وإن الأمثلة التي يذكرها العلاّمة الطباطبائي لكلّ واحدٍ من الأقسام تحظى بالدقّة المطلوبة، وبذلك يمكن أن يكون في مأمنٍ من النقاش في الأمثلة أيضاً. وإن الأمثلة التي يذكرها سماحته لتصوُّر البديهيّ عبارةٌ عن تصوّر «الوجود»، و«الشيء»، و«الوحدة»، ممّا يُعَدّ تصوُّره بديهيّاً، بخلاف تصوُّر «الإنسان» و«الفرس». كما ذكر أمثلة «الكلّ أعظم من جزئه» و«الأربعة زوجٌ» كأمثلةٍ للتصديقات البديهيّة. وكما نعلم ـ بطبيعة الحال ـ فإن قضيّة «الكلّ أعظم من الجزء» نموذجٌ من القضايا الأوّلية، وقضيّة «الأربعة زوجٌ» مصداقٌ للقضايا الفطريّة، وإن سرّ بداهة هذه القضايا يكمن في أنها لا تحصل من طريق الفكر والنظر، بل هي من الوجدانيّات.

 

عبارة مطهَّري في تعريف البديهيّ والنظريّ

قال الأستاذ مرتضى مطهَّري في تعريف البديهيّ والنظريّ: «إن البديهيّ عبارةٌ عن الإدراك الذي لا يحتاج إلى إعمال نظرٍ أو تفكيرٍ؛ وأما النظريّ فهو عبارة عن الإدراك الذي يحتاج إلى إعمال نظرٍ وتفكيرٍ. وبعبارةٍ ثانية: إن البديهيّ هو الذي يكون معلوماً من تلقائه، وبلا واسطة؛ والنظري هو الذي لا يكون معلوماً من تلقائه، وبلا واسطة، بل يجب أن يتَّضح ويكون معلوماً بواسطة شيءٍ أو أشياء أخرى. وبعبارةٍ أخرى: إن البديهيّ هو الذي لا يكون العلم به محتاجاً إلى إجالة تفكيرٍ، وأما النظريّ فهو الذي يكون العلم به محتاجاً إلى التفكير… إن التصوُّرات البديهيّة عبارةٌ عن تلك التصوُّرات الواضحة التي لا يوجد فيها أيّ غموضٍ أو إبهام، بخلاف التصوُّرات النظريّة التي تحتاج إلى شرحٍ وتوضيحٍ. وأما في التصديقات فإن الذهن في القضاء والحكم بين شيئين، فقد يحتاج تارةً إلى دليلٍ، وقد يستغني عن الدليل تارةً أخرى»([25]).

تحليلٌ: إن التعريف الذي قدَّمه الأستاذ مطهَّري للبديهيّ والنظريّ هو ذات التعريف الشائع والسائد عن هذين المفهومين. وإن النقطة التي أكَّد عليها في بعض الموارد هي أن سرّ البداهة التصوُّرية هي البساطة المفهوميّة. يرى الأستاذ مطهَّري أن العناصر الذهنية البسيطة واضحةٌ وبديهيّةٌ، وأن العناصر الذهنيّة المركَّبة نظريّةٌ، وتحتاج إلى تعريفٍ. إن التصوُّرات البديهيّة من قبيل: تصوُّر الوجود والعدم والوجوب والإمكان والامتناع، والتصوُّرات النظريّة من قبيل: تصوُّر الإنسان والحيوان والحرارة والبرودة والمثلّث والمربّع وغيره([26]). ومن هنا فإن تصوُّر الحرارة والبرودة ونظائرهما ـ ممّا كان المتقدِّمون يعتبرونه من التصوُّرات البديهية والضروريّة([27]) ـ يجب عدُّه بعد الآن ـ من وجهة نظر الأستاذ مطهَّري ـ من جملة التصوُّرات البديهيّة. ولكنْ يبدو أن هذا الكلام القائل بأن كلّ ما كان بسيطاً وغير مركَّب فهو واضحٌ وبديهيّ بالضرورة قابلٌ للمناقشة؛ إذ إن مصطلح «الأصالة» في مبحث أصالة الوجود ـ على سبيل المثال ـ، أو «الوحدة الحقّة»، وما إلى ذلك، هي كلّها من المفاهيم النظريّة، على الرغم من أنها تُعَدّ بأجمعها من المفاهيم البسيطة.

 

عبارة مصباح اليزدي حول المدركات البديهيّة

قال الأستاذ مصباح اليزدي بشأن المدركات البديهيّة: «إن من بين المدركات الحصولية العامّة (غير الحضوريّة) هناك سلسلةٌ من المدركات البديهيّة التي تكون حقيقتها ثابتة من تلقائها، وإن حقيقة سائر المدركات الأخرى (النظريّة وغير البديهيّة) إنما تثبت بواسطتها… إن المدركات الحصولية البديهيّة عبارةٌ عن تحليلات الذهن المباشرة عن المعطيات الحضورية، وحيث إن نفس الإنسان محيطةٌ بمعطياتها الحضورية وتحليلاتها الذهنية فإنها تدرك مطابقتها؛ ومن هنا كانت حقيقة المدركات البديهية مستغنيةً عن الدليل. بَيْدَ أن المدركات (غير البديهيّة)؛ حيث لا تُؤْخَذ من المعطيات الحضوريّة بشكلٍ مباشر، فإنها تحتاج إلى دليلٍ، بمعنى أنه يجب إرجاعها إلى المدركات البديهيّة، وإثبات حقيقة الأفكار النظريّة بواسطتها»([28]).

تحليلٌ: إن العبارة أعلاه في تعريف البديهيّ تأتي في إطار التعريف الشائع للبداهة، مع فارق أنها قد أشارَتْ إلى سرّ البداهة بشكلٍ صريح، بمعنى أن البديهيّ يحصل من العلم الحضوريّ، ومن هنا سوف يكون مستغنياً عن الدليل. ولكنْ قد لا يمكن الإصرار على هذا الملاك بوصفه سرّ البداهة في جميع الموارد، لأننا لا نجد مصاديق المفاهيم العَدَمية وتطابق القضايا العَدَمية بالعلم الحضوريّ.

عبارة جوادي الآملي في تعريف البديهيّ وأقسامه

جاء بشأن تعريف البديهيّ، واختلافه عن الأوّلي، في كتاب «علم المعرفة في القرآن»([29])، ما يلي: «إن البديهيّ غير الأوّلي؛ لأن البديهي عبارةٌ عن الأمر الذي يدركه الذهن بوضوحٍ، بَيْدَ أن الأوّلي هو ذلك الأمر الذي يشتمل ـ بالإضافة إلى البداهة ـ على خصوصيّة عدم إمكان الشكّ فيه، وعلى فرض الشكّ ـ وهو من الفرض المحال ـ لا يوجد أيّ طريقٍ للاستدلال عليه، بمعنى أن الشكّ فيه يساوي الشكّ في إمكان حصول المعرفة اليقينيّ، ممّا يعني في نهاية الأمر السقوط في ورطة السَّفْسَطة»([30]).

وجاء في موضعٍ آخر من هذا الكتاب، بعد البحث التفصيليّ بشأن أقسام البديهيّ: «يتضح ممّا تقدَّم أنه، بالإضافة إلى القضية الأوّلية المتمثِّلة في استحالة اجتماع النقيضين، التي هي قضيّةٌ فريدة من بين الأوّليات، تكون جميع القضايا الأخرى؛ بوصفها من مبادئ القياس البرهانيّ، بديهيّةً أو غيرَ اكتسابيّةٍ من هذه الناحية، حيث تتَّضح بشكلٍ أسرع من سائر القضايا الأخرى، وإلاّ كانت في الواقع نظريّةً بأجمعها، وتقبل الاستدلال»([31]).

تحليلٌ: إن العبارة المتقدِّمة قد اشتملت على تفسيرٍ مختلف للبديهيّ، من حيث السبق والسياق. إن هذا التفسير للبديهيّ والأوّلي يستند إلى أمرَيْن، وهما:

أـ لقد تمّ في النصّ أعلاه اعتبار «الأوّلي» هو الأمر الواضح، والذي لا يتطرَّق إليه الشكّ، ويكون في الوقت نفسه قابلاً للاستدلال أيضاً. وعلى أساس هذا التفسير سوف تكون القضية الأوّلية منحصرةً بموردٍ واحد فقط، وهو قضية امتناع اجتماع النقيضين([32]). وبعد هذا التفسير للأوّلي صرَّح الكاتب المذكور قائلاً: لا ينبغي بعد هذا البيان اعتبار قضية «الكلّ أعظم من الجزء» قضيّةً أوّلية؛ لأن هذه القضية قابلةٌ للاستدلال، والدليلُ على ذلك أن الكلّ إذا لم يكن أكبر من الجزء لزم من ذلك الجمع بين النقيضين؛ لأن الكلّ عبارةٌ عن هذا الجزء وهذا الجزء الآخر، ولو كان الكلّ مساوياً للجزء، وليس أكبر منه، يتَّضح أن وجود الجزء الآخر مساوقٌ لعدمه، وحيث إن الوجود لا يساوق العدم، أي إنه حيث يستحيل الجمع بين الوجود والعدم، إذن لا يكون ذلك الجزء أوّلياً يقيناً، وسوف يترك أثره في الكلّ. وحيث إن الجزء الآخر مع الجزء الأوّل كلاهما أكبر من الجزء الأوّل، سوف يكون الكلّ بدَوْره أكبر منه. ومن هنا فإن قضية «الكلّ أعظم من الجزء» تخرج من كونها «أوّلية»، وتُعَدّ من أقسام الفطريّات([33]). وهذا هو الاستدلال الذي أورده الإمام الفخر الرازي في كتاب (المحصّل)([34])، وانتقده الشيخ نصير الدين الطوسيّ بدَوْره في كتابه (نقد المحصّل)([35]).

قراءاتٌ نقديّة

إن لـ «الأوّلي» و«البديهيّ» تعريفاً شائعاً ومشهوراً، يُذْكَر في أدبيّات المنطق والفلسفة. فـ «الأولي» هو القضيّة التي يكفي تصوُّر الطرفين فيها للجَزْم بصِدْقها، و«البديهيّ» عبارةٌ عن المعرفة والعلم غير الحاصل من طريق إجالة الفكر وإنعام النظر. وعلى هذا البيان المذكور في باب الأوّلي ـ القائم على أن الأوّلي هو القضية التي لا يمكن الاستدلال عليها ـ يكون هذا التعريف مختلفاً عن التعريف الشائع حول الأوّلي، وإذا كان المراد بذلك جعل مصطلح في باب الأوّلي فلا مناقشة في الاصطلاح، ولكنْ يبقى هذا الإشكال وارداً عليه، وهو أن الأوّلي بهذا المعنى لا ينحصر بدَوْره في قضيّة استحالة اجتماع النقيضين؛ لأن قضيّة «إن الإنسان عالمٌ»، أو قضيّة «كلّ شيء هو هو»، على سبيل المثال، لا تقبل الاستدلال أيضاً؛ لأنها هي الأخرى على مستوى أصل عدم التناقض في الوضوح والخفاء.

ب ـ إن الأمر الآخر الذي تقوم عليه الرؤية السابقة يتعلَّق بالموقف المعرفي لأصل استحالة اجتماع النقيضين في قائمة البديهيّات. فقد بحث الفلاسفة والمناطقة في باب هويّة ارتباط هذا الأصل بسائر البديهيّات الأخرى. والسؤال الرئيس هنا: هل موقف هذا الأصل في قائمة البديهيّات بحيث يُسقط البديهيّات الأخرى عن بداهتها أم الأمر فيها على نحوٍ آخر؟ إنهم يُطلقون على قضيّة «استحالة اجتماع النقيضين» مصطلح «أمّ القضايا»، ويرَوْن سائر البديهيّات الأخرى مفتقرةً ـ بشكلٍ وآخر ـ إلى هذا الأصل، وإنْ عمدوا إلى بيان كيفيّة افتقار سائر البديهيّات إلى هذه القضية بطرقٍ مختلفة([36]). إن الرأي الصريح المتَّخذ في هذا الشأن، في كتاب «علم المعرفة في القرآن»، هو أن افتقار سائر البديهيّات إلى قضيّة استحالة اجتماع النقيضين بحيث يُسقطها عن البداهة، وإذا أطلَقْنا عليها عنوان البديهيّ فهو بمعنى سرعة العلم بها، وإلاّ فإن جميع البديهيّات ـ إذا ما استثنَيْنا قضية استحالة اجتماع النقيضين ـ نظريّةٌ.

بَيْدَ أن العلاّمة الطباطبائي والأستاذ مطهَّري قد ذهبا في هذا الشأن إلى رأيٍ آخر.

فقد ذهب العلاّمة الطباطبائي إلى القول بأن احتياج البديهيّات إلى قضيّة أول الأوائل يكون في العلم والحكم وحصول اليقين، وليس في المادّة والصورة، خلافاً للنظريات التي تحتاج إلى البديهيّات في المادّة والصورة. وعلى هذا الأساس، فإن توقُّف البديهيّات على قضية أوّل الأوائل لا تحوِّلها إلى قضايا نظريّة. قال سماحته في كتاب (أصول الفلسفة والمذهب الواقعي) في هذا الشأن: «إنما تفترق النظريّات عن البديهيات في أن النظريات تحتاج في كسب الصورة والمادّة إلى ما سواها، بينما تتوفَّر البديهيات بنفسها على المادّة والصورة، كما هو الحال في عالم الطبيعة، فكلّ تركيب مفروض يحتاج إلى مادّةٍ تحليلية، لكنّ المادّة لا تتطلَّب مادّةً أخرى، بل هي ذاتها مادّة. إذن فحاجة كلّ قضيّةٍ إلى قضيّة استحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما (أوّل الأوائل، حَسْب الاصطلاح الفلسفي) تختلف عن حاجة النظريّ إلى البديهيّ، الذي هو حاجة مادّية وصورية… كما يتَّضح من هذا البيان أن توقّف النظري على البديهيّ إما أن يكون في تولّد مادّةٍ من مادّةٍ، وإما أن يكون في تولُّد صورةٍ من صورةٍ. ولا علاقة له بتوقُّف حكمٍ على حكمٍ آخر. أما توقّف جميع القضايا على قضيّة استحالة اجتماع وارتفاع النقيضين فهو توقُّف العلم والحكم، وليس توقُّف المادّة والصورة»([37]).

وقد بحث الأستاذ مرتضى مطهَّري، في هامشه على النصّ المتقدِّم، ثلاثة آراء ونظريّات بشأن موقع أصل عدم التناقض بالنسبة إلى سائر البديهيّات الأخرى، ثمّ عمد إلى نقدها ومناقشتها، في سياق تعزيز الرأي المذكور في متن العلاّمة.

إن النظريّات الثلاثة التي ذكرها سماحته هي:

أـ إن سائر القضايا ليست بديهيّةً، بل هي نظريّة بحَسَب الواقع. وإن المعنيّ بأوّل الأوائل وأمّ القضايا هو أن قانون امتناع التناقض تُستَنْتَج منه جميع القضايا الأخرى. بَيْدَ أن هذه النظرية لا يمكن قبولها، وذلك للأسباب التالية:

أوّلاً: إنها خلاف الوجدان.

وثانياً: إذا كانت جميع القضايا الأخرى نظريّةً فسوف تحتاج إلى دليلٍ. وبما أننا نعلم أن كلّ دليلٍ يستلزم افتراض مقدّمتين (صغرى وكبرى) إذن لا بُدَّ أن يكون لدينا قانونٌ بديهيّ واحدٌ على الأقلّ، مضافاً إلى قانون امتناع التناقض؛ لكي نشكِّل أول قياسٍ منطقي. هذا، مضافاً إلى ضرورة التسليم بإن إنتاج الجزئيّ من الكلِّي إنتاج بديهيّ أيضاً. إذن لا يمكن القبول بهذه النظرية التي تحصر المبادئ البديهيّة في قانون امتناع التناقض.

إن الكلام المتقدّم للأستاذ مطهَّري في نقد هذه النظريّة وإنْ كان تامّاً في جزئه الأوّل؛ إذ نعلم بالوجدان من أنفسنا بوجود بديهيّاتٍ أخرى غير أصل عدم التناقض أيضاً. بَيْدَ أن نقده في قسمه الثاني لا يبدو متيناً؛ لأن أصل عدم التناقض قانونٌ بديهيّ، ويحتوي على مصاديق كثيرة، فلا يتعرَّض مسار تشكيل القياس إلى الضَّرَر.

ب ـ إن سائر المبادئ البديهيّة ليست قوانين مستقلّة، بل هي عين قانون امتناع التناقض، لكنها مستخدمةٌ في موارد مختلفة. فمثلاً: نستخدم قانون امتناع التناقض في مجال المقادير على شكل «قانون التساوي»، وفي مجال العلِّية نستخدمه على صورة «أصل امتناع الصدفة»، ويُعبَّر عنه في المجالات الأخرى بصورٍ أخرى.

وقد انتقد الأستاذ مطهَّري هذه النظريّة أيضاً؛ حيث قال: وهذه النظريّة لا يمكن قبولها أيضاً؛ لأن اختلاف القضايا تابعٌ لاختلاف عناصرها الأوّلية؛ أي الموضوع والمحمول. والموضوع والمحمول في سائر المبادئ يختلف عن الموضوع والمحمول في هذا القانون؛ وعليه فإنها لا تكون عين هذا الأصل.

ج ـ إن قانون امتناع التناقض وسائر البديهيّات الأخرى بديهيّاتٌ أوّلية، بَيْدَ أن سائر البديهيّات تحتاج إلى قانون امتناع التناقض في الوقت نفسه الذي تكون فيه بديهيّات. نعم، هناك فرقٌ بين طبيعة حاجة البديهيّات الأوّلية إلى قانون امتناع التناقض وبين حاجة النظريّات للبديهيّات؛ فطبيعة حاجة النظريّات مدينةٌ بكلّ وجودها إلى البديهيّات… بَيْدَ أن طبيعة حاجة البديهيّات الأوّلية إلى أوّل الأوائل نحوٌ آخر. ويمكن بيان طبيعة هذه الحاجة على نحوين، وهما:

1ـ إن أصل عدم التناقض مفيدٌ للجَزْم، بمعنى الإدراك المانع من الطرف المخالف. وهذا هو التقرير الذي ذكره العلاّمة الطباطبائي في متن أصول الفلسفة. وفي ضوء هذا التقرير لو جرَّدْنا أصل عدم التناقض من الفكر البشريّ فسوف يستحيل على الذهن أن يصل إلى الجَزْم والعلم اليقيني، وعليه سوف يغرق الإنسان في الشكّ المطلق.

2ـ إن التقرير الآخر في باب نوع افتقار البديهيّات إلى أصل عدم التناقض هو أن قانون امتناع التناقض إذا لم يكن موجوداً سوف يحصل الجَزْم واليقين بكلا طرفي القضيّة. وإن هذا الأصل هو الذي ينفي اليقين من جانبٍ، ويقرّه في الجانب الآخر. وبذلك يتّضح أن الاحتياج إلى البديهيّات يكمن في أصل عدم التناقض في الجَزْم والحكم، وليس في المادّة والصورة([38]).

ويمكن هنا بيان تقريرٍ آخر عن نوع افتقار سائر البديهيّات إلى أصل عدم التناقض في الجَزْم والحكم، ورُبَما كان هذا التقرير أبلغ وأقوى من التقريرين الآنفين، ويمكنه بيان هويّة احتياج البديهيّات إلى أصل عدم التناقض، بحيث لا تتنافى هذه الحاجة مع بداهتها. نعلم أن «الجَزْم» و«اليقين» إنما يتحقَّق بأن يعلم الشخص أمراً بشكلٍ تامّ، ويعتقد به مئة في المئة، فإنْ قام هذا الجَزْم واليقين على أساسٍ محكم؛ بمعنى أن يكون من قبيل: اليقين المنطقي والرياضي، عندها لن يتحمَّل الجهل، ولن يكون هذا الاعتقاد من قبيل: الجهل المركّب. إن اليقين إذا تعلَّق بأحد طرفي القضيّة فإنه حتّى إذا كان من قبيل: اليقين المنطقي فإنه سوف يبقى مرتبطاً بواحدٍ من طرفي القضيّة، وإنه بالنسبة إلى الطرف الآخر من القضيّة سوف يحتاج إلى يقينٍ آخر. وبعبارةٍ أخرى: إن اليقين لا يقتضي بنفسه أن يكون مستقرّاً بالنسبة إلى طرفي القضية. وبطبيعة الحال فإن اليقين المركَّب، الذي ينحلّ في حقيقته إلى يقينين، يحتوي على مثل هذا الاقتضاء، بَيْدَ أن هذا النوع من اليقين ليس هو اليقين الذي يكون ضروريّاً في بداهة البديهيّ. إن اليقين الذي يُشْتَرَط في البديهيات هو من نوع اليقين البسيط المنطقيّ، وليس من قبيل: اليقين النفسيّ. وعلى هذا الأساس، لو تحقَّق يقينٌ في معرفةٍ ما من طريق التفكير والنظر، وإنْ كان بالنسبة إلى أحد طرفي القضيّة، تكون هذه المعرفة معرفةً بديهيّة.

وعلى هذه الشاكلة، يتَّضح أننا بحاجةٍ إلى أمّ القضايا بالنسبة إلى حكم الطرف المخالف، وإن هذه الحاجة لا تضرّ ببداهة البديهيّ؛ لأن البديهيّ هو ذلك اليقين الذي يشتمل على شرط البداهة. إن اليقين والجَزْم الذي يُشْتَرَط في البداهة ليس هو اليقين المركَّب، بل هو اليقين الذي يقوم على أساسٍ متين، سواء أكان بسيطاً أو مركَّباً. ومن هنا يمكن القول: إن «البديهيات» تحتاج إلى أمّ القضايا بالنسبة إلى حكم الطرف المخالف، كما أن النظريّات بالنسبة إلى حكم الطرف المخالف تحتوي ـ بدَوْرها ـ على هذه الحاجة إلى أصل عدم التناقض. وعليه يتَّضح من خلال هذا البيان أن موقف استحالة اجتماع النقيضين في قائمة البديهيّات ليس بحيث يُسقط جميع العلوم البديهيّة ـ بما في ذلك أصل امتناع ارتفاع النقيضين ـ عن البداهة. ومن الجدير ذكرُه أيضاً أن احتياج نفي الخلاف إلى أمّ القضايا لا يستلزم نظريّتها؛ لأن أمّ القضايا من المرتَكَزَات الحاضرة في الذِّهن على الدوام، وعليه لن تكون بحاجةٍ إلى تفكيرٍ، وبالتالي يكون «نفي خلاف كلّ قضيّة»، بعد اليقين بأصل القضيّة، من الفطريّات.

لقد عمَدْنا حتّى الآن إلى تعريف «البديهيّ» بشكلٍ عامّ، وقلنا بأن البديهيّ عبارةٌ عن معرفةٍ حصوليّة لم تتحقَّق من طريق إجالة الفكر وإنعام النظر. بَيْدَ أننا لم نكمل مرحلة التعريف بَعْدُ على نحوٍ كامل؛ لأن المطلوب في هذه المرحلة هو التعريف، مع ذكر خصائص المعارف الأساسيّة، التي تشكِّل جوهر الأفكار، وحيث إن لحقيقة المعرفة كينونةً تصديقيّة يجب إذن أن نعمل على تعريف البديهيّات التصديقيّة، وذكر أعدادها، وأنواعها.

المعرفة والبديهيّات التصديقيّة

سبق أن ذكَرْنا أن حقيقة المعرفة حقيقةٌ تصديقية، ونضيف هنا أن التصوُّرات وكذلك القضايا تمثِّل كلٌّ منها ـ بنحوٍ من الأنحاء ـ شرطاً لتحقُّق المعرفة والتصديق.

إن القضية مهبطُ التصديق، وإن التصوُّرات تعمل على إعداد الأدوات الضرورية لمثل هذا المهبط؛ من أجل تحقُّق التصديق. وعلى هذا الأساس، في الوقت الذي لا يجب أن نغضّ الطرف عن أهمّية ومنزلة التصوّرات وبداهتها، وكذلك القضايا وبداهة القضية، يجب على الدوام إعطاء الدَّوْر المحوريّ في مجال المعرفة للتصديق والبداهة التصديقية.

«ما هي البداهة التصديقية؟».

إن البداهة التصديقية أو التصديق البديهيّ تصديق أو فهم صدق القضية التي لم تحصل، من طريق إجالة الفكر أو إنعام النظر.

قائمة البديهيّات التصديقيّة

لقد توصَّل الحكماء والمناطقة من طريق الاستقراء نوعاً ما إلى ستّة أنواع من البديهيات التصديقية أو أصول اليقينيات، وعرَّفوا بها كمبادئ للبرهان([39]). وهذه المبادئ هي: 1ـ الأوّليات؛ 2ـ المشاهدات (الشاملة للحسِّيات والوجدانيّات)؛ 3ـ التجربيّات؛ 4ـ الحَدْسيّات؛ 5ـ المتواترات؛ 6ـ الفطريّات.

قال صاحب الحاشية على تهذيب المنطق، في هذا الشأن: «البديهيات ـ البديهيات التصديقية ـ ستّة أقسام؛ بحكم الاستقراء. ووجه ضبط القضايا البديهيّة إمّا أن يكون تصوُّر طرفيها مع النسبة كافياً في الحكم والجَزْم؛ أو لا يكون. والأوّل هو الأوّليات؛ والثاني إمّا أن يتوقَّف على واسطة غير الحسّ الظاهر والباطن؛ أو لا. والثاني المشاهدات، وينقسم إلى: مشاهدات بالحسّ الظاهر، وتُسمّى: حسِّيات، وإلى مشاهدات بالحسّ الباطن، وتُسمّى: وجدانيّات. والأوّل: إمّا أن يكون تلك الواسطة بحيث تغيب عن الذهن عند تصوُّر الأطراف؛ أو لا تكون كذلك. والأوّل هي الفطريّات، وتسمّى: قضايا قياساتها معها؛ والثاني: إما أن يُستعمل فيه الحَدْس، وهو انتقال الذهن الدفعيّ من المبادئ إلى المطالب؛ أو لا يُستعمل فيه. فالأوّل هو الحَدْسيّات؛ والثاني إنْ كان الحكم فيه حاصلاً بإخبار جماعةٍ يمتنع عند العقل تواطؤهم على الكذب فهي المتواترات؛ وإنْ لم يكن كذلك، بل كان حاصلاً من كثرة التجارب، فهي التجربيّات. وقد علم بذلك حَدّ كلّ واحدٍ منها»([40]).

وعلى هذا الأساس فإن وجه حصر البديهيات التصديقية على أساس المعطيات الاستقرائية في العناوين الستّة هو أن صرف تصوّر القضية في القضايا البديهية إمّا أن تكون كافية للجَزْم بالصدق أو الكذب؛ أو لا. والقسم الأوّل هو المُسمّى بالأوّليات، والقسم الثاني على قسمين؛ إمّا له واسطةٌ غير الحسّ الظاهر أو الباطن؛ أو ليس له مثل هذه الواسطة. والقسم الأوّل من القسم الثاني هو المُسمّى بالمشاهدات (الحَدْسيّات والوجدانيّات)؛ وأما القسم الآخر الذي له واسطةٌ غير الحسّ الظاهر أو الباطن فهو بدَوْره على نوعين؛ إمّا أن تحضر واسطته في الذهن بمجرّد تصوُّر أطراف القضية؛ أو لا تحضر. والنوع الأوّل هو الفطريّات؛ والنوع الثاني لو استُفيد فيه من الحَدْس الذي يتمّ فيه الانتقال الدفعيّ للذهن من المبادئ إلى المطالب كان من الحَدْسيّات؛ وإنْ كان مستنداً إلى إخبار عددٍ كبير من الأشخاص كان من المتواترات؛ وإنْ حصل من طريق التجربة فهو من التجربيّات.

ولو أرَدْنا وضع هذه البديهيات في قائمةٍ أمكن لنا بيان هذه القائمة ـ من خلال تخصيص مجالين لقسمين من المشاهدات؛ أي الحسّيات والوجدانيّات ـ على النحو التالي:

الأوّليات

الوجدانيات

الفطريات

الحسّيات

الحَدْسيات

المتواترات

التجربيات

وقد ذكر الشيخ نصير الدين الطوسي مثالاً للبديهيات التصديقية على النحو التالي:

«أـ المحسوسات: واضحةٌ وضوح الشمس. ب ـ المجرَّبات: مؤلمة، كالضرب على الأنف. ج ـ المتواترات: من قبيل: التصديق بوجود مدينة بغداد بالنسبة إلى الشخص الذي لم يذهب إليها في حياته، أو من قبيل: التصديق بوجود سقراط، والاعتبار في هذين الصنفين هو حصول اليقين، وليس كثرة الاختبار أو عدد الشهود. د ـ الأوّليات: من قبيل: الكلّ أكبر من الجزء. هـ ـ الحَدْسيات: من قبيل: إن نور القمر منعكسٌ من الشمس، ويتحقّق ذلك بعد مشاهدة اختلاف منازل القمر وأشكاله، وبحَسَب بُعْده عن الشمس وقربه منها، والوقوف على أحوال الخسوف. و ـ القضايا التي تكون قياساتها مركوزةً في الفطرة: من قبيل: التصديق بأن الاثنين نصف الأربعة»([41]).

وبالنسبة إلى الوجدانيّات، التي ترك الشيخ الطوسي ذكر مثالها، يمكن التمثيل لها بعبارة: «أنا جائعٌ»، و«أنا فرِحٌ»، و«أنا خائفٌ»، و«أنا حزينٌ»، وما إلى ذلك.

الجَرْح والتعديل في قائمة البديهيّات التصديقيّة

لقد رسَمْنا قائمةً من سبعة مجالات بشأن البديهيات التصديقية، وقد أدرَجْنا في كلّ مجالٍ نوعاً من البديهيات التصديقية. وقد تمّ الحصول على عددٍ من هذه البديهيات من طريق الاستقراء. بَيْدَ أن النقطة الجديرة بالذكر هنا هي أن ترتيب هذه القائمة من خلال المزيد من التدقيق والتعمُّق لا يبقى على حاله؛ والسبب في ذلك يعود إلى أن بعض هذه البديهيات المفترضة ليست بديهيّةً في الواقع. بل إن بعضها ليس يقينياً أيضاً، وإن إثبات صحّتها وسقمها يتوقَّف على البرهان([42]). ويبدو أن «الحسِّيات»، وكذلك «الحَدْسيات» ـ التي تحصل للذهن من طريق الانتقال الدفعي ـ، يمكن إرجاعها بنحوٍ من الأنحاء إلى «القضايا الفطرية». وبطبيعة الحال ليس مرادنا أن جميع «الحسِّيات» و«الحَدْسيات» يقينيّةٌ من الناحية المنطقيّة، بَيْدَ أن طريق اليقينيات في «الحسِّيات» و«الحَدْسيات» ليس مغلقاً بشكلٍ كامل؛ إذ في «الحسِّيات الثانوية» ـ بمعنى الحسِّيات التي توجد مصداقاً بـ «الحسِّيات الأوّلية»، بَيْدَ أننا نحصل على العلم بها من طريق العقل، من قبيل: «الحركة»، و«الجوهر»، وما إلى ذلك ـ يمكن الحصول على اليقين. وكذلك فإن طريق اليقين، في الحدّ الأدنى بالنسبة إلى بعض «الحَدْسيات» التي لم يتمّ بشأنها حتّى الآن تنسيقٌ دقيق، ليس مغلقاً. وفي «المتواترات» ـ التي يتمّ فيها الاعتماد على إخبار جماعةٍ يمتنع تواطؤهم على الكذب ـ لا يتمّ الوصول إلى اليقين المنطقيّ. و«التجربيات» بدَوْرها لها مشاكلها الخاصّة التي تدخل الاضطراب على بداهتها، وعلى يقينيتها أيضاً. إن التجربة ـ بخلاف الاستقراء ـ تحتوي في ذاتها على القياس الخفيّ([43]). إن هذا القياس العقلي، الذي هو من الأوّليات بحَسَب الفرض، يبدو بالنسبة إلى بعضٍ من قبيل: قضية «الاتفاق الأكثري والقَسْر الدائمي محالٌ»، ومن وجهة نظر بعضٍ آخر من قبيل: «حكم الأمثال في ما يجوز ولا يجوز واحدٌ»، أو غير ذلك من القضايا الأخرى، ولكنْ لا يبدو الأمر كما لو أن هذه القياسات لا تستطيع إيصال التجربيات إلى اليقين. وقد سعى بعضُ المعاصرين ـ من خلال التمسُّك بقانون الاحتمالات ـ إلى إعادة قيمة التجارب إليها([44]). بَيْدَ أن هذا الحلّ بدَوْره لا يستطيع إيصالنا إلى اليقين المنطقيّ بشأن التجربيات؛ إذ إن احتمال الخلاف مهما بلغ من التدنّي لن يصل إلى الصفر أبداً. وعليه فإننا بقانون الاحتمال رُبَما اقتربنا من منتهى درجة احتمال الصدق الموجودة في المسألة، وعملنا على نفي النسبة المئويّة لدرجة احتمال الخلاف فيها، ولكنْ علينا أن ندرك أنه لا يزال هناك احتمالٌ آخر بشأن هذه المسألة أيضاً؛ لأننا قد وصلنا إلى مشارف الصفر، ولم نصل إلى ذات الصفر. وعلى هذا الأساس، تخرج التجربيات، بل حتّى اليقينيات، من قائمة البديهيّات أيضاً، وتندرج ضمن النظريّات غير اليقينية.

وعلى هذه الشاكلة، تخرج من خلال هذا النقد المختصر ـ وإنْ كان يحتاج البحث فيه إلى تفصيلٍ أكبر ـ أربعة أقسام من البديهيّات من قائمة البديهيّات التصديقية، وتندرج ضمن النظريّات، وبذلك لا يبقى من تلك القائمة ذات المجالات السبعة سوى قائمةٍ لا تحتوى على أكثر من ثلاثة مجالات، ويمكن بيانها كما يلي:

الأوّليات

الوجدانيّات

الفطريّات

وهناك من كبار العلماء مَنْ سعى ـ بطبيعة الحال ـ إلى حذف الفطريّات أيضاً من قائمة البديهيّات التصديقية، وحَصْر هذه القائمة بمجالين فقط. وقد استدلّ هؤلاء العلماء لذلك بأن الفطريّات؛ حيث تشتمل على قياساتها، فإنها لن تكون بديهيّةً، بل سوف تُعَدّ من «النظريّ القريب من البديهيّ»([45]).

كما أن الشيخ نصير الدين الطوسي، في كتابَيْه: (أساس الاقتباس)؛ و(منطق التجريد)، لا يعتبر «الفطريّات» من المبادئ الحقيقية للبرهان، رغم اعترافه بعدم كسبيّة القياس الموجود في الفطريّات، ويرى أن هذه النقطة بالتحديد هي التي دفعَتْ الحكماء والمناطقة إلى اعتبار الفطريّات من المبادئ([46]).

وعلى هذا الأساس، يمكن القول بأن الشيخ الطوسي لا يشكّ في بداهة الفطريات؛ لأن الفطريات تُعَدّ من البديهيات الثانوية المدعومة بالقياس.

وللحكم في هذا الشأن يجب علينا الاعتراف بأنه إذا اعتبرنا البديهيّ علماً لم يتحقَّق من طريق إجالة الفكر وإنعام النظر إذن يجب أن نعتبر الفطريّات من الأمور البديهيّة أيضاً؛ لأن الفطريّات من بين العلوم التي لا تحصل من طريق الاستدلال، وإذا كان لها من قياس فإن تحصيله لا يحتاج إلى تجشُّم العناء وبذل الجهد.

وأما أن نعدّ الفطريّات من المبادئ أم لا فهذا رَهْنٌ بما لو أمكن انتقاء مبادئ البرهان من بين البديهيّات الثانوية أو لا.

والذي يبدو هو أننا لو اعتبرنا مبادئ البرهان هي النقطة الأخيرة من التحليل والإحالة عندها لا يمكن اعتبار «الفطريّات» من أقسام المبادئ؛ لأن الفطريات ليست بديهيّةً بالذات، وفي ذلك يقول العلاّمة الطباطبائي: «فنقول كما ذكروا: إن المقدمات الفطرية ليست بضروريّة بالذات، إذ لو فرضنا ارتفاع القياسات المكتنفة بها أمكن وقوع الشكّ فيها، فليست بضروريّةٍ بالذات»([47]).

وعلى هذا الأساس يمكن القول: إن مبادئ البرهان أخصّ من البديهيّ، وعليه لا يكون هناك ما يدعو إلى إخراج الفطريّات من قائمة البديهيّات التصديقية. وعلى أيّ حالٍ، سواء اعتبرنا الفطريات من أقسام مبادئ البرهان أم لا، لن يختلف الأمر كثيراً؛ لأن الفطريات تشتمل بدَوْرها على قياسٍ من الأوّليات، وعليه لو عملنا على تحكيم الأوّليات فسوف يُشكِّل ذلك دعامةً للفطريات أيضاً، وذلك كما يلي: إن محور البحث والتحليل في البديهيّات التصديقيّة هو «الأوّليات» و«الوجدانيّات»، سواء اعتبرنا «الفطريّات» من أقسام مبادئ البرهان أو وضعناها ضمن قائمة النظريّات.

تعريف البديهيّات التصديقيّة الثلاثة

نعمل في ما يلي على تعريف ثلاثة أنواع من البديهيات التصديقية:

تعريف الأوَّليّات

إن التعريف الذي يذكره أكثر الحكماء والمناطقة للقضايا الأوّلية هو أن «الأوّليات» هي القضايا التي يكفي فيها مجرّد تصوُّر طرفي القضية، وتقييم العلاقة بين الموضوع والمحمول، أو المقدّم والتالي؛ للحصول على الجَزْم واليقين بشأنها. ويمكن لهذا الجَزْم أن يكون جَزْماً بصدق القضية، من قبيل: قولنا: «إن كلّ شيء هو هو»، أو الجَزْم بكذب قضيّةٍ، من قبيل: قولنا: «ليس الأمر بأن يكون كلّ شيءٍ هو هو». والقضيّة الأولى هي القضية التي يتمّ التعبير عنها بـ «قانون التماهي»([48])؛ وأما القضية الثانية فهي نقيض القضيّة الأولى التي نجزم بكذبها. كما أن قانون «امتناع اجتماع النقيضين»([49]) وقانون «امتناع ارتفاع النقيضين»([50]) بدَوْرهما يُعَدّان من الأوّليات أيضاً. إن القضايا الأولية لا تنحصر بهذه المجموعة من القضايا، بل لو بحثنا في كلّ واحد من فروع العلوم سوف نعثر على الكثير من هذه القضايا. وفي ما يلي نبحث في نموذجٍ من التعاريف التي تمّ تقديمها في تعريف الأوّليات. قال ابن سينا: «أما الأوّليات فهي القضايا التي يوجبها العقل الصريح لذاته ولغريزته، لا بسببٍ من الأسباب الخارجة عنه، فإنه كلّما وقع للعقل التصوُّر لحدودها بالكُنْه وقع له التصديق، فلا يكون للتصديق فيه توقُّفٌ إلاّ على وقوع التصوُّر والفطانة للتركيب. ومن هذا ما هو جليٌّ للكلّ؛ لأنه واضح تصوّر الحدود، ومنها: ما رُبَما خفي وافتقر إلى تأمُّلٍ؛ لخفاء في تصوُّر حدوده، فإنه إذا التبس التصوّر التبس التصديق، وهذا القسم لا يتوعَّر على الأذهان المشتعلة النافذة في التصوُّر»([51]).

يؤكِّد ابن سينا في الفقرة السابقة على هذه النقطة، وهي أن «الأوّليات» عبارة عن القضايا التي توجب تصديقاً وجَزْماً، وأن هذا الجَزْم إنما يستند إلى تصوُّر طرفي القضية ـ الموضوع والمحمول في القضايا الحملية، والمقدَّم والتالي في القضايا الشرطية ـ، والعلم بالهيئة التركيبية لهذه القضايا. إن الحكم في هذا النوع من القضايا يصدر من العقل المَحْض المجرّد من تأثير الأسباب والعوامل الخارجية. ومن هنا فقد قال في قسم البرهان من كتاب الشفاء: «والذي عن مجرّد العقل فهو الأوّلي الواجب قبوله، كقولنا: الكلّ أعظم من الجزء»([52]).

وبطبيعة الحال، فإن هذا الأمر لا يتنافى مع أن تكون لـ «الأوّليات» شهرةٌ عامّة، بَيْدَ أن التصديق في الأوّليات، والذي يُستعمل في البرهان، إنما يستند إلى العقل، دون الشهرة، بحيث لو تصوَّرنا أنفسنا وقد تجرَّدنا من جميع المؤثِّرات الخارجية سوف نحكم مع ذلك بصدق هذ النوع من القضايا([53]). وعليه فإن الأوّليات، على الرغم من شهرتها ـ كما يقول ابن سينا: «واعلم أن جميع الأوّليات أيضاً مشهورةٌ، ولا ينعكس»([54]) ـ، يمكن أن تستخدم في صناعة الجَدَل أيضاً، بَيْدَ أن أصحاب البرهان إنما يستعملونها بوصفها من الأمور اليقينيّة، وأما الشخص الجَدَلي فينظر إليها بوصفها من المشهورات([55]).

ثمّ عمد الشيخ الرئيس ابن سينا إلى تقسيم الأوّليات إلى قسمين، وهما:

1ـ الأوّليات التي تحتوي على وضوحٍ عامّ؛ والسرّ في ذلك يعود إلى أنها تشتمل على تصوُّرات واضحة.

2ـ الأوّليات التي تفتقر إلى الوضوح العامّ؛ إذ لا تحتوي على تصوُّرات واضحة، وحيث يعتري التصوُّر غموضٌ لن يكتب التحقُّق للتصديق أيضاً، وعليه فإن التصديق فيها يتوقَّف على تحقُّق الوضوح التصوُّري. وعلى أيّ حالٍ فإن فهم القضايا الأوّلية بالنسبة إلى أصحاب الأذهان الحادّة، والذين يصلون إلى الفهم التصوُّري سريعاً، لن يكون بالأمر الصعب.

ومن هنا يتّضح أن «الأوّليات» قد تشتمل على تصوُّرات نظرية، مع أن التصديق بها بديهيّ. وعليه يمكن للتصديق أن يكون بديهيّاً، في الوقت الذي ينطوي على تصوُّرات نظرية. وبطبيعة الحال، فإن هذا الأمر يقوم على أن نعتبر «التصديق» أمراً بسيطاً؛ وأما إذا اعتبرنا «التصديق» أمراً مركباً فسوف نواجه مشكلةً. وقد بيَّن قطب الدين الشيرازي هذه النقطة بقوله: «واتفاقهم على أن الأوّليات رُبَما وقع التوقُّف في تصوُّر حدودها يدلّ على أن التصديق عبارةٌ عن نفس الحكم، لا عن التصوّرات الثلاثة، وإلاّ كانت تلك التصوّرات بديهيّةً، وهذا بخلاف ما اعترفوا به في الأوّليات، وإنْ كان بعضهم قد ناقض نفسه»([56]).

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن الفخر الرازي، وإنْ كان يعتبر التصديق مركّباً([57])، إلاّ أنه لا يتعرَّض هنا إلى الإشكال الذي ذكَرْناه؛ لأن الفخر الرازي يرى جميع التصوّرات بديهيّةً([58]). وإنْ كان هذا يُعتبر خطأً آخر منه([59])، بَيْدَ أن هذا الخطأ أمكنه هنا أن يخلِّصه من المشكلة التي توجد في مورد فرضيّة تركيب التصديق مع افتراض نظريّة تصوُّراتها.

وعليه، تكون «الأوّليات» هي القضايا التي يكفي مجرّد تصوُّر طرفَيْها للجَزْم بصدقها أو كذبها. إن هذا النوع من القضايا يمكن أن تكون لها مصاديق كثيرة، وإن مصداقها البارز هو أصل عدم التناقض([60]).

النسبة بين الأوَّليّات والقضايا التحليليّة لإيمانوئيل كَانْط

علمنا أن الأوّليات عبارة عن قضايا يكفي صرف تصوُّر طرفَيْها للجَزْم بصدقها أو كذبها. كما نعلم أن القضايا التحليليّة هي التي يتمّ الحصول على محمولها صريحاً أو تلويحاً من مفهوم الموضوع. وقد عمد إيمانوئيل كَانْط إلى تقسيم القضايا إلى: قضايا تحليلية([61])؛ وقضايا تركيبية([62])، وإلى: قضايا سابقة([63])؛ وقضايا لاحقة([64]). وكان يذهب إلى القول بأن القضايا التحليلية قضايا سابقة، ويرى أن لدينا قضايا تركيبية سابقة أيضاً. وقد مثَّل إيمانوئيل كَانْط للقضيّة التحليلية بالقول: «إن لكلّ جسمٍ امتداداً». وهو يرى أن قضية «إن لكلّ جسمٍ وزناً» قضيّةٌ تركيبية؛ إذ إن «الوزن» لم يُؤْخَذ في مفهوم الجسم. ويرى أن قضية «إن لكلّ حادثةٍ علّة» قضيّة تركيبية سابقة. ويرى كَانْط أيضاً أن قضية «إن الذهب معدنٌ أصفر» قضية تحليلية؛ لأننا في هذه القضية لا نحتاج إلى شيءٍ آخر غير تحليل مفهوم الذهب([65]). وبعبارةٍ أخرى: لو اعتبرنا أن «الذهب معدنٌ أصفر اللون مطرَّقٌ لا يتعرّض للصدأ» سوف يُشكِّل المعدن الدائرة الأكبر، ثمّ تصغر حلقات الدوائر الأخرى شيئاً فشيئاً، حتّى نصل إلى دائرة الذهب. وبذلك سوف تكون لدينا عدّة قضايا، وهي من القضايا التحليليّة:

1ـ «الذهب معدن».

2ـ «الذهب لا يصدأ».

3ـ «الذهب مطرَّق».

4ـ «الذهب يلمع».

5ـ «الذهب أصفر اللون».

6ـ «الذهب معدن أصفر اللون مطرَّقٌ لا يتعرّض للصدأ».

وبذلك فقد اتضح أن القضية التحليلية قضيّةٌ يكون فيها مفهوم المحمول في مفهوم الموضوع ـ في القضايا الحملية ـ، وقضية التالي في قضية المقدّم ـ في القضايا الشرطية ـ، تصريحاً من قبيل: قضية «إن كل زوجٍ زوجٌ»؛ أو تلويحاً، من قبيل: قضية «إن كلّ زوجٍ رجلٌ»([66]). إن القضايا التحليلية لا تختصّ بذاتيات باب الإيساغوجي، بل إن هذا النوع من القضايا يتمّ طرحه وبيانه في مورد مطلق المفاهيم، ولا يختصّ بمفهومٍ بعَيْنه.

والآن حان الوقت لكي نبحث النسبة بين القضايا الأوّلية والقضايا التحليلية عند إيمانوئيل كَانْط. ولو أنعَمْنا النظر فسوف ندرك أن القضايا التحليلية بدَوْرها مشمولةٌ لتعريف الأوّليات أيضاً؛ لأن القضايا التحليلية هي الأخرى بحيث يكفي تصوّر طرفَيْها لكي نجزم بصدقها. وعلى هذا الأساس يمكن القول: إن النسبة بين «الأوّليات» و«القضايا التحليلية لكَانْط» هي نسبة العموم والخصوص المطلق؛ إذ إن كلّ قضيّةٍ تحليلية هي قضيّةٌ أوّلية، بَيْدَ أن عكسها لا يكون صادقاً، ومن ذلك مثلاً أن قضية «الممكن محتاجٌ إلى العلة» قضيّةٌ أوّلية، ولكنها ليست قضيّةً تحليلية.

كما تمّ تقديم تعريفٍ آخر للقضايا التحليلية أيضاً، وهو: القضايا التي يؤدّي إنكارها إلى التناقض([67]). وقد نسب ستيفان كورنر([68]) هذا التفسير عن التحليليّ إلى المناطقة المعاصرين، وقال: «إنما نقول: إن الحكم تحليليٌّ بشرطٍ واحد فقط، وهو أن يؤدّي إنكاره إلى التناقض؛ أو بعبارةٍ ثانية: بشرط أن تكون له ضرورةٌ منطقية؛ أو بعبارةٍ أخرى: بشرط أن يكون نفيها محالاً من الناحية المنطقية. إن كلّ حكم إذا لم يكن تحليلياً فهو تركيبيّ. إن هذا التعبير الجديد عن الاختلاف بين القضايا التحليلية والتركيبية متَّفق عليه تقريباً بين جميع المناطقة المعاصرين، وإنْ لم يكن يخلو من الإشكال تماماً، أو أنه لا يخلو من الإشكال كما افترضته»([69]).

ويبدو أننا لو قبلنا هذا التعريف ـ بمعزل عن الاندراج المفهومي ـ بوصفه تعريفاً للقضايا التحليلية لا نكون قد ابتعَدْنا عن تعريف إيمانوئيل كَانْط للتحليلي والتركيبي فحَسْب، بل نكون قد قدَّمنا تفسيراً عن التحليليّ بحيث يشمل الكثير من القضايا الأوّلية والفطريّة أيضاً؛ لأن إنكار قضية «الممكن محتاجٌ إلى العلّة»، أو قضية «الواحد نصف الاثنين»، وغيرهما من القضايا الأخرى، يؤدّي إلى التناقض أيضاً، ولكنْ في الوقت نفسه فإن النسبة في الفرض المذكور بين الأوّليات والقضايا التحليلية على التفسير الثاني هي نسبة العموم والخصوص المطلق، مع فارق أن الخاصّ فيها قد حلّ محلّ العام.

وهناك تعريفٌ آخر للقضية التحليلية ذكره (ألفرد جول آير)([70]) على النحو التالي: إن القضية التحليلية هي القضية التي يكون إحراز صدقها رَهْناً بتعريف المفردات والعلامات المستعملة فيها. وقد عمد إلى وضع هذا النوع من القضايا في مقابل القضية التجريبية التي نصل إلى صدقها وكذبها بواسطة التجربة. وقد تحدَّث، في كتابه «اللغة الحقيقة والمنطق»، في هذا الشأن قائلاً: «إن القضية إنما تكون تحليلية إذا كانت مناطةً حَصْرياً بتعريف العلائم التي تشتمل عليها، وإنما تكون تركيبيّةً عندما تتعيَّن صحّتها بواسطة الأمور التجريبية الواقعة… إن قضية «هناك جماعات من النمل أقامت نظاماً للرقّ» قضيّةٌ تركيبية؛ إذ لا يمكن التعرُّف على صدقها وكذبها من خلال مجرّد ملاحظة تعريف العلائم والألفاظ التي تعمل على قوامها، بل لا بُدَّ من القيام بمشاهدة طريقة التصرُّف والسلوك الحقيقيّ للنمل. وخلافاً لذلك فإن قضية «بعض النمل متطفِّل، أو ليس كذلك» قضيّةٌ تحليلية؛ إذ لا نحتاج فيها إلى التوسُّل بالمشاهدة والتجربة لنعلم أن بعض النمل متطفّلٌ أو لا. لو علم شخصٌ ما هو عمل كلمة «أو» و«لا» سوف يعلم أن كلّ قضية تكون على شكل «إما أن تكون (س) صادقة أو غير صادقة» تكون مستقلّةً عن التجربة الصحيحة. ومن هنا تكون جميع هذه القضايا تحليليّةً»([71]).

ويبدو أن النسبة بين «القضايا التحليلية» و«الأوّليات» ـ في ضوء هذا التعريف لـ «القضية التحليليّة» ـ هي التساوي؛ لأن صدق القضايا الأوّلية إنما يتمّ إحرازه بدَوْره على أساس فَهْم تعريف ألفاظها أيضاً، فيما لو انعقدَتْ على شكل القضية الملفوظة. ومن ذلك، على سبيل المثال، أن قضيّة «إن بعض النمل متطفّلٌ، أو ليس كذلك» مصداقٌ من مصاديق القضايا الأولية في الفلسفة الإسلامية، التي يعتبرها ألفرد جول آير قضيّةً تحليلية. بَيْدَ أننا ندرك أن كلام الفلاسفة الإسلاميين في باب القضايا الأوّلية يحظى بدقّةٍ أكبر؛ لأنهم أقاموا محور تقسيم القضايا إلى: قضايا أوّلية؛ وغير أوَّلية، على أساس الحيثية الإدراكية والهويّة المفهومية للقضايا، وليس على أمور لفظية وعلاماتية، وهي تقع في المرتبة الثانوية من البحث. صحيحٌ أننا نتعامل في تفكيرنا من خلال الألفاظ عادةً، بَيْدَ أن الحيثية المفهومية للتفكير هي المتقدِّمة في الأصالة على الناحية اللفظية واللغوية لها؛ لأننا في بعض الأحيان نفهم شيئاً من دون أن نكون قد وضَعْنا له لفظاً من الألفاظ. وعلى هذا الأساس، مع امتلاكنا لمصطلح «الأوّليات» يمكن لنا أن نستغني عن هذا التعريف للقضية التحليليّة. ثمّ إن تعريف جول آير لا ينسجم مع تعريف إيمانوئيل كَانْط للقضية التحليلة.

وعليه، نكون حتّى الآن قد ذكَرْنا ثلاثة أنواع من تعريف القضايا التحليلية، وعمدنا إلى الحكم في باب نسبة هذه التعاريف إلى الأوّليات (القضايا الأوَلية في الفلسفة الإسلامية)، وقلنا: إن النسبة بين القضايا التحليلية ـ في ضوء تعريف كَانْط (التعريف الأوّل) ـ وبين القضايا الأوّلية هي نسبة «العموم والخصوص المطلق». إن القضايا الأولية «عامّة»، والقضايا التحليلية «خاصّة»، بمعنى أن كلّ قضية تحليلية هي قضية أوّلية، دون العكس.

كما قلنا أيضاً: إن النسبة بين القضايا التحليلية وبين القضايا الأولية ـ في ضوء التعريف الثاني (تعريف ستيفان كورنر) ـ هي الأخرى نسبة «العموم والخصوص المطلق» أيضاً، مع فارق أن القضايا الأوّلية هنا سوف تكون هي «الخاصّة»، والقضايا التحليلية هي «العامّة».

وفي الختام بحثنا في باب النسبة بين القضايا الأوّلية والقضايا التحليليّة ـ في ضوء التعريف الثالث (تعريف جول آير) ـ، وتوصَّلْنا إلى أن النسبة بينها هي نسبة التساوي.

النسبة بين الحَمْل الأوَّليّ والقضيّة الأوَّليّة

إن الحكماء والفلاسفة المتقدِّمين ـ بمَنْ فيهم المتقدِّمون على صدر المتألِّهين ـ كانوا قد تعرَّفوا على نوعين من الحَمْل([72]). وكانوا يطلقون على القسم الأوّل من الحمل مصطلح «الحمل الذاتي الأولي»؛ وعلى القسم الثاني منه مصطلح «الحمل الشائع الصناعي». وإنما كانوا يصطلحون على القسم الأوّل بـ «الأوّلي» بلحاظ كونه ضروريَّ الصدق أو ضروريَّ الكذب؛ لأن هذا النوع من الحمل مصداقٌ من القضايا الأولية (الأوليات)، حيث يكفي مجرّد تصوُّر طرفي القضيّة فيها للجَزْم بصدقها. ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ أننا عندما نلاحظ قضية «إن الجزئيّ جزئيّ»، إنْ كان الحمل فيها أوّلياً سوف يكون مفادها هو «أن المفهوم الجزئي هو ذات المفهوم الجزئي»، ويجزم العقل بصدق هذا الأمر، ولا يرى جواز التوقُّف في التصديق بها. وبهذا يتَّضح أننا عندما نواجه القضية القائلة: «إن الجزئيّ ليس جزئيّاً»، لا نتردَّد لحظةً واحدة في الحكم والجَزْم بكذبها؛ لأننا ندرك بضرورة العقل أن الجزئيّ لا يمكن أن لا يكون جزئياً.

وعليه، فقد اتَّضح حتّى الآن أن القضية التي تتألف بالحمل الأوّلي تُعَدّ مصداقاً من الأوّليات، وهذا هو مكمن تسميتها بـ «الحمل الأوّلي»؛ لأنها بدَوْرها تكون ضروريّة الصدق أو ضروريّة الكذب.

والآن بعد ملاحظة ما تقدَّم، نقول: إن النسبة بين الحمل الأوّلي والقضية الأولية هي نسبة العموم والخصوص المطلق؛ لأن القضية الأولية أعمّ مطلقاً من الحمل الأولّي؛ إذ إن الأوّليات لا تنحصر فقط بالقضايا التي يكون الحمل فيها حملاً أوّلياً ومفهومياً، بل لدينا الكثير من القضايا التي يكون الحمل فيها حملاً شائعاً صناعيّاً، وتُعَدّ من الأوّليات، كما هو الحال بالنسبة إلى الحمل في قضيّة «إن الكلّ أعظم من الجزء»، فهو حملٌ شائع، ومع ذلك تُعَدّ هذه القضية مصداقاً من القضايا الأوّلية، أو الأوّليات.

تعريف الوجدانيّات

إن الوجدانيّات ـ التي تُعَدّ هي الأخرى من أُسُس المعرفة ـ عبارة عن القضايا التي تحكي عن مدركاتنا الحضورية مباشرةً. إن هذا النوع من القضايا يُعَدّ من العلوم الحصوليّة، بَيْدَ أنها من تلك المجموعة المأخوذة من العلوم الحضوريّة. وكان المتقدّمون ينسبون هذا النوع من الإدراكات إلى الحسّ الباطن، أو ينسبون بعضها إلى الحسّ الباطن وبعضها الآخر إلى ذات النفس، ولكنْ لم يتَّضح تماماً ما هو مرادهم من الحسّ الباطن؛ فهل هو ذات ذلك الجانب من الذهن الشامل لـ «الحسّ المشترك»، و«الخيال»، و«الوَهْم»، و«الحافظة»، و«المتصرِّفة»، أو يريدون به «النفس» أو تلك القوّة التي لها شهودٌ حضوريّ؟([73]).

وعلى أيّ حالٍ تطلق «الوجدانيّات» في المحافل الفلسفية الحاليّة على القضايا المأخوذة من العلوم الحضورية، ولها حكايةٌ مباشرة، ومن دون تفسيرٍ، عن الإدراك الشهودي.

وقد عرَّف قطب الدين الشيرازي الوجدانيات في كتابه (درّة التاج)، بقوله: «الوجدانيات وهي القضايا التي تدركها النفس بالوجدان، أو تدركها بذاتها، أو بواسطة الحسّ الباطن، من قبيل: علمنا بوجودنا، وأن لنا تفكيراً ولذّةً»([74]).

والحاصل أننا نواجه في مضمار الوجدانيات نوعين من العلم، وهما:

1ـ العلم الحضوريّ.

2ـ العلم الحصوليّ.

وإن الوجدانيات هي العلوم الحصوليّة، التي تعبِّر عن الإدراكات الحضوريّة([75]).

تعريف الفطريّات

إن القضايا الفطرية ـ والتي يتمّ التعبير عنها بـ «القضايا ذات القياس الفطريّ» أو «القضايا التي قياساتها معها» ـ هي القضايا التي يكفي فيها مجرّد تصوُّر الطرفين لنصل إلى قياسٍ يؤدّي بنا إلى الجَزْم بصدق القضيّة. إن هذا القياس الذي يتألف من الأوّليات لا يتمّ الحصول عليه من طريق الاستدلال. ومن ذلك أن قضيّة «إن الأربعة زوج» ـ على سبيل المثال ـ قضيّةٌ فطرية؛ لأن حكمنا بصدقها يستند إلى هذا القياس القائل: «إن الأربعة تقبل التقسيم إلى أمرَيْن متساويين، وإن كلّ عددٍ يقبل القسمة إلى قسمين متساويين زوجٌ؛ إذن فالأربعة زوجٌ».

وبذلك يتَّضح أن الجَزْم بالصدق في القضايا الفطرية يستند إلى القياس الحاضر. وهنا لا بُدَّ من الالتفات إلى هذه النقطة، وهي أن بعض القضايا قد تكون بحيث إننا بمجرَّد تصوُّر طرفَيْها نجزم بصدقها، ولكنّها في الوقت نفسه تشتمل على قياسٍ حاضر، وفي هذه الحالة إذا كان جَزْمُنا مستنداً إلى قياسها سوف تُعَدّ القضية فطريّةً، وإنْ كان الجَزْم مستنداً إلى مجرَّد تصوُّراتها، ومن دون ملاحظة القياس المقترن بها، فسوف تكون القضية أوّليةً. إن هذا النوع من القياسات ذات الحَدَّيْن قد تكون من «الأوّليات» بالنسبة إلى بعض الأشخاص، ومن «الفطريّات» بالنسبة إلى بعض الأشخاص الآخرين. ومن ذلك مثلاً أن قضيّة «إن الكلّ أعظم من الجزء» قد تمّ اعتبارها قضيّةً أوّلية؛ لأننا نصل إلى صدقها من خلال تصوُّر الطرفين. وقال ابن سينا في هذا الشأن: «الكلّ مشتملٌ على الجزء، وكلّ ما هو كذلك فهو أعظم»([76]). والشاهد على هذا أن بعضهم قد عَدَّ قضية «الواحد نصف الاثنين» من الأوّليات([77])، وعَدَّ بعضٌ آخر نظير هذه القضية من الفطريّات([78]). ويمكن لذلك أن يكون جواباً عن الكاتب الذي قال: «ولقائلٍ أن يقول: لا فَرْق بين قولنا: الأربعة زوجٌ وقولنا: الكلّ أعظم من الجزء؛ لأن الثاني أيضاً موقوفٌ على القياس القائل بأن الكلّ مشتمل على الجزء، وكلّ ما هو كذلك فهو أعظم»([79]).

وعلى أيّ حالٍ فقد تمّ تقديم العديد من التعريفات للقضايا الفطريّة([80]). وفي ما يلي نذكر أحد تلك التعاريف، على سبيل المثال دون الحَصْر: «الفطريّات قضايا يجزم العقل بها، لا لمجرّد تصوُّر طرفَيْها، بل بوَسَط تصوُّر الذهن عند تصوُّر طرفَيْها، مثل: الأربعة زوج، فإن العقل جزم بأن الأربعة زوجٌ، لا لمجرّد تصوُّر طرفَيْها، بل بوَسَطٍ يتصوَّره عند تصوُّر الزوج والأربعة، وهو الانقسام إلى متساويين، فحصل عند تصوُّره قياسٌ، وهو أن الأربعة منقسمةٌ إلى متساويين، وكلّ منقسمٍ إلى متساويين زوجٌ، وتُسمّى هذه قضايا قياساتها معها؛ لأنه عند تصوُّر الطرفين يكون الوَسَط متصوَّراً، فيحصل القياس من تصوُّر الطرفين والوَسَط»([81]).

مقالةٌ في باب البديهيّ

والآن ننتقل إلى نقل مقالةٍ يؤدّي الاهتمام بها إلى بيانٍ تفصيليّ للأبحاث السابقة بشأن البديهيّ، وسوف نتعرَّض إليها لاحقاً: «هناك تشتُّتٌ في أقوال المتقدِّمين من علمائنا في تعريف البديهيّ؛ فهناك مَنْ يقول: إن القضايا البديهية هي القضايا المستغنية عن الاستدلال؛ ويقول بعضهم: إن الاستدلال عليها مستحيلٌ؛ وهناك مَنْ يقول بالأمرين معاً؛ فهي عندهم من القضايا المستغنية عن الاستدلال، والتي يستحيل إقامة الاستدلال عليها… وعلى أيّ حالٍ فإن القائل بأيٍّ من هذه الأقوال الثلاثة سوف يؤدّي به الأمر إلى جعل القضايا البديهيّة ـ بسبب الإجماع عليها ـ مبنىً ورُكْناً في التفكير. وفي الحقيقة فإننا نجمع على سلسلةٍ من القضايا»([82]).

نقدٌ وردّ

إن هذه المقالة في باب البديهيّ تشتمل على دَعْوَيين، وهما:

أـ دعوى تشتُّت آراء المتقدِّمين في تعريف البديهيّ.

ب ـ بيان وجه الاستناد إلى القضايا البديهيّة بوصفه أمراً اجتماعيّاً.

وفي ما يلي نناقش هاتين الدَّعْوَيين.

أما في الدعوى الأولى (أ) فنقول: لم نعثر بين المتقدِّمين من الحكماء والفلاسفة الإسلاميين ـ في حدود بحثنا في الحدّ الأدنى ـ على أحدٍ قد عرَّف «البديهيّ» بأمرٍ غير العلم الحصولي، التصوُّري أو التصديقيّ، الذي لا يحصل من طريق الفكر والنظر. إن المتقدِّمين كانوا يريدون من «البديهيّ» العلم الذي لا يكون حصوله بحاجةٍ إلى إجالة تفكيرٍ وإنعام نظرٍ، بمعنى «التعريف» ـ في التصوُّرات ـ، و«الاستدلال» ـ في القضايا والتصديقات ـ، الأعمّ مما لو كان التعريف والاستدلال في ذلك المورد ممكناً أو لا. يقول الفارابي: «الأشياء التي تعلم؛ منها: ما لا يُعْلَم باستدلالٍ ولا بفكرٍ ولا برويّةٍ، ولا باستنباطٍ، ومنها: ما يُعلم بفكرٍ ورويّةٍ واستنباطٍ»([83]).

كما قال ابن سينا، في تعريفه: «إن العلم ينقسم إلى قسمين، وهما: التصوُّر، والتصديق. وكلّ واحدٍ من التصوُّر والتصديق ينقسمان بدَوْرهما إلى قسمين: أحدهما: ما يحتاج إلى إجالة التفكير؛ والآخر: ما لا يحتاج إلى ذلك»([84]).

فهل وصلنا في البين إلى مجرَّد كلامٍ لصدر المتألِّهين، يبدو من ظاهره الخلاف. فقد عمد أوّلاً، في مفاتيح الغيب، إلى تقسيم المعلومات ـ بلحاظ إمكان واستحالة اكتسابها ـ إلى ثلاثة أقسام، يمكن إجمالها كما يلي:

1ـ المعلومات مستحيلة الطلب؛ لأنها واضحةٌ وحاصلة، وتحصيل الحاصل محالٌ.

2ـ المعلومات مستحيلة الطلب؛ بسبب خفائها واستصعابها.

3ـ المعلومات ممكنة الطلب، وممكنة الحصول.

ثمّ عَدّ «البديهيّات» من مصاديق المعلومات مستحيلة الطلب، وعَدّ «النظريّات» من القسم الثالث، وقال في ذلك: «واعلم أن المعقولات بحَسَب إمكان الطلب واستحالته ثلاثة أقسام: أحدها: ما لا يمكن طلبه؛ لحصوله وجلائه؛ وثانيها: ما لا يمكن أيضاً؛ لصعوبته وخفائه؛ وثالثها: ما يمكن تحصيله من وجهٍ، ويستحيل من وجهٍ آخر. ووجه الحَصْر هو أن الأمور إمّا إن كانت حاضرة بالفعل والوجوب أو بالقوّة والإمكان، والثاني هو الكسبيّات. والأول… وهو البديهيّات؛ لكونها أوائل غريزية في فطرة الإنسان، وهي ممّا لا يمكن تحصيلها لحضورها مغانصة بلا اختيار منه، وتحصيل الحاصل محالٌ؛ إذ لا بُدَّ لما لا يُكتسب من نوع اختيار…»([85]).

وكما نلاحظ فإن لهذه العبارة في باب البديهيّ ظاهرٌ آخر؛ إذ يظهر في بادئ الأمر أن صدر المتألِّهين بصدد تعريف «البديهيّ» بالعلم الذي لا يمكن تعريفه والاستدلال عليه، فإذا كان الأمر كذلك إذن يتمّ تأييد مدَّعى المقالة المذكورة، وهو أنهم يُعرِّفون البديهيّ أحياناً بالعلم الذي لا يمكن الاستدلال عليه. بَيْدَ أننا لو دقَّقنا في كلام صدر المتألِّهين سوف ندرك أنه لم يكن بصدد تقديم تعريفٍ مغاير عن البديهيّ، بل إن مراده هو حيث إن البديهي علمٌ حاصل، فيكون تحصيله محالاً؛ لأن تحصيل الحاصل محالٌ، وهذا أعمّ من أن يمكن أن يؤتى بتعريفٍ له أو الاستدلال عليه، أو أن يكون أصلُ تعريفه والاستدلال عليه مستحيلاً.

وأما في ما يتعلَّق بباب المدّعى الثاني (ب) فيمكن مناقشته على النحو التالي: إن وجه الاستناد إلى القضايا البديهية هو أن هذه القضايا «صادقة»، لا لكونها «مشهورة». صحيح أن «القضايا الأوليّة» مشهورة([86])، بَيْدَ أن الذي يقيم البرهان يستند إلى صدقها في البرهان، وهذا هو الجَدَلي الذي يستند إلى شهرتها في مقام الجَدَل. وقال الفارابي في هذا الشأن: «والمقدّمات اليقينية هي مبادئ العلوم النظرية… ويستعملها كلّ واحدٍ منا من جهة يقين نفسه بمطابقتها للأمور، من غير أن يتَّكل أحدٌ منا على شهادة غيره له، ومن غير أن يستند فيها إلى ما يراه غيره. ولا يبالي كان رأي غيره فيها مثل رأيه أو لا. فإذا اتَّفق أن كان رأي الجميع فيها رأياً واحداً، يشهدون بصحّتها، لم يزِدْنا ذلك ثقةً بها، وأيضاً لا يصير يقيننا بها أشدّ، وأيضاً ليس قبولنا لها، ولا استعمالنا إيّاها، من جهة أن الجميع رأوا فيها رأياً واحداً، ولا أنهم شهدوا بصحّة ذلك الرأي، بل ببصائر أنفسنا»([87]).

يقول الفارابي في هذه العبارة: إن علينا في مبادئ البرهان أن نعتمد على فَهْمنا، سواء وافَقَنا الآخرون على ذلك أم لم يوافقوا. وهنا يكون الاعتماد على آراء الآخرين مذموماً، حتّى لو كانوا موافقين لنا أيضاً. بل إن الموقف هنا يجب أن يستند إلى فَهْمنا الصحيح، سواء وافقنا الآخرون أو لم يوافقوا. بل إن الموقف هنا يجب أن يستند إلى «البصيرة الداخلية»؛ لأن الفَهْم واليقين أمرٌ شخصيّ، ولكنْ لو فهم الجميع بشكلٍ صائب فإنهم سوف يصلون قَهْراً وبطبيعة الحال إلى نتيجةٍ واحدة، وإنْ كان كلّ واحدٍ قد أدركها بشكلٍ صحيح بشخصه ونفسه، وعليه يمكن لهذا الأمر أن يكون واحداً من أسباب الشهرة أيضاً. وبذلك يتَّضح أن «شخصية اليقين» والاستناد إليها لا يلازم القول بـ «النسبيّة»([88]) و«الفوضوية المعرفية»([89]). إن لهذا البحث مساحةً واسعة، وسوف تكون لنا عودةٌ إليه في الأبحاث القادمة.

وقد ذهب ابن سينا، مثل الفارابي، إلى الاعتقاد بأن وجه الاستناد إلى البديهيّات في مسار البرهان هو صدقها، وقال في ذلك: «ونسبة المشهور إلى الصادق بلا وَسَط ـ من حيث هو صادق بلا وَسَط ـ ليس نسبة أمرٍ مقوِّم، ولذلك إذا التفت الإنسان إلى الصادق بلا وَسَط، ولم يلتفت إلى شهرته، بل فرض أنه غيرُ مشهورٍ، بل شنيعٌ، لما أوجب ذلك خَلَلاً في التصديق به»([90]).

وعلى هذا الأساس فإن «الشهرة» ليست مقوِّماً لـ «البديهيّ»، رغم أنه يمكن للبديهيّ أن يكون مشهوراً أيضاً؛ وعليه يتعيَّن على الذين يبحثون عن الحقّ والبرهان أن يستندوا إلى صدق البديهيّات، وإنْ كان الشخص الجَدَلي يجب عليه الاستناد إلى شهرتها بما هو شخصٌ جَدَلي([91]). ومع ذلك هناك لصدر المتألِّهين عبارةٌ تحتوي على ظاهرٍ مختلف؛ إذ يقول: «البداهة، وهي المعرفة الحاصلة للنفس في أوّل الفطرة، من المعارف التي يشترك في إدراكها جميع الناس»([92]). ولكنْ هناك قرائن تثبت أنه لا يقصد هنا تعريف «البديهيّ» بالمعرفة العامّة والمشهورة، أو يعتبر وجه الاستناد إلى البديهيّات في مضمار البرهان.

وهنا نختم «مرحلة التعريف» أو المرحلة الأولى من الشكّ، ونصل إلى «مرحلة الإثبات».

2ـ العبور من المرحلة الثانية (مرحلة الإثبات)

بعد أن تعرَّضْنا إلى تعريف «البديهيّ»، وشرَحْنا حقيقة القضايا الأساسية، أي «الأوّليات» و«الوجدانيّات»، سوف ندخل في المرحلة الثانية من المنزل الرابع من منازل التشكيك.

 

الإثبات البديهيّ

إن المراد من الإثبات هنا هو الإثبات التنبُّهي؛ لأن وجود البديهيّ من الوجدانيات، ولكنْ بالنسبة إلى التنبيه على هذا الأمر البديهيّ يمكن القول:

أـ إن المعلومات التي نمتلكها إمّا بديهية بأجمعها، أو نظريّة بأجمعها، أو بعضها بديهيّ وبعضها الآخر نظريّ.

فلو كانت جميع معلوماتنا بديهية لا يعود هناك شيءٌ مجهول بالنسبة لنا. وحيث إن التالي باطلٌ بالضرورة سوف يكون المقدَّم بدَوْره باطلاً أيضاً. وبعبارةٍ أدقّ: لو كانت جميع معلوماتنا بديهية لا نعود بعد ذلك بحاجةٍ إلى التفكير من أجل الحصول على معرفةٍ، ولذلك يكون التالي باطلاً بالضرورة، وعليه سيكون المقدَّم باطلاً أيضاً.

ومن ناحيةٍ أخرى لو كانت جميع معلوماتنا نظريّةً لا يعود بمقدورنا الحصول على اكتساب علمٍ أبداً. وهنا يكون التالي بدَوْره باطلاً بالضرورة، إذن يكون المقدَّم بدَوْره باطلاً أيضاً. بيان الملازمة: إذا كانت معلوماتنا نظريةً يجب أن تُعْلَم بمعلومٍ، وحيث إن جميع معلوماتنا نظرية بحَسَب الفَرْض عندها سنقع في مأزق الدَّوْر والتسلسل، ولن نصل إلى معرفةٍ، في حين أننا قد قبلنا بأصل العلم والمعرفة بالوجدان. وبعبارةٍ أخرى: إذا كانت القضية (أ) نظريةً فسوف تتّضح بواسطة القضية (ب)؛ وحيث يجب أن تكون (ب) النظرية موجودةً فإنها سوف تتَّضح بـ (ج)، وحيث إن (ج) نظرية يجب أن تتَّضح بواسطة (أ)، وهكذا يلزم الدَّوْر، وإنْ امتدَّتْ هذه السلسلة إلى ما لا نهاية لزم منها التسلسل. وهذان الأمران يخالفان أصل تحقُّق العلم. في حين أن أصل وجود العلم من البديهيّات الوجدانية، وقد سبق لنا أن ذكَرْنا في الأبحاث السابقة أن هذا البرهان ليس لإثبات العلم، بل لأجل إثبات انقسام العلم إلى: البديهيّ؛ والنظريّ. وعليه فقد اتَّضح بالبرهان أن معلوماتنا ليست نظريّةً بأجمعها، وأن لدينا معلومات بديهيّة أيضاً([93]). ونقرأ تقريراً عن هذا البرهان على النحو التالي: «لو كان الكلّ نظريّاً يلزم الدَّوْر أو التسلسل عند التحصيل، واللازم باطلٌ؛ لاستلزامه امتناع التحصيل مع أنه واقعٌ، فالملزومُ مثلُه»([94]).

ب ـ هناك من المفكِّرين مَنْ اعتبر الأمر البديهي أيسر من أن يحتاج إلى البرهان المذكور؛ للتنبيه عليه أو الإرشاد إليه. بل يرى أن «البديهيّ» أمرٌ وجداني، ولو رجعنا إلى أنفسنا، وتدبَّرنا في معلوماتنا، فسوف يكون وجود البديهيّ محرزاً لنا؛ لأن بعض معلوماتنا لا تحصل من طريق التفكير والنظر، والبديهيّ بدَوْره هو الذي نجد مصداقه في أنفسنا، ولو أن شخصاً عمد إلى إنكاره يكفي أن نحيله إلى البحث في قرارة ذاته. ونقرأ نموذجاً عن مثل هذا الاتجاه في العبارة القائلة: «إن هذه القسمة (انقسام العلم إلى: البديهيّ؛ والنظريّ) بديهيّةٌ، لا تحتاج إلى تجشُّم الاستدلال، كما ارتكبه القوم؛ لأننا إذا رجعنا إلى وجداننا وجدنا أن من التصوُّرات ما هو حاصلٌ لنا بلا نظر…؛ ومنها ما هو حاصلٌ لنا بالنظر والفكر…. وكذا من التصديقات ما يحصل لنا بلا نظر…؛ ومنها ما يحصل لنا بالنظر»([95]).

وبذلك لم يبْقَ بعد هذين البيانين المتقدِّمين أيّ مجال للشكّ والتردُّد في أصل وجود «البديهيّ»، واتَّضح أن بعض معلوماتنا بديهية. وعلى أساس البيان الثاني، والذي هو الرجوع إلى الوجدان، لا يمكننا إثبات أصل وجود البديهيّ فحَسْب، بل سوف يكون بمقدورنا تشخيص أنواع البديهيّات أيضاً. وعلى هذا الأساس يتمّ بالرجوع إلى الوجدان إثبات «الوجدانيّات»، و«الفطريّات»، أيضاً، وسوف يكون بمقدورنا هنا الانتقال من «مرحلة الإثبات» والوصول إلى «مرحلة الصدق».

3ـ العبور من المرحلة الثالثة (مرحلة الصدق)

إن الشاكّ يطالبنا في المرحلة الثالثة بإثبات صدق القضايا الأساسية، وعليه سوف نعمل هنا على إثبات صدق هذه القضايا.

وفي ما يلي سوف نقوم بتحليل القضايا من «الوجدانيّات»، وكذلك «الأوّليات». إن هذين النوعين من القضايا ـ اللذين لهما الكثير من المصاديق ـ يُعَدّان من معايير المعرفة، وإن كلّ واحد من المعارف اليقينية الأخرى يعود ـ بدَوْره ـ بشكلٍ وآخر إلى أحد هذين النوعين. وعليه سوف نعمل في ما يلي على بحث صدق القضايا الوجدانية والأوّلية.

 

صدق الوجدانيّات

إن الوجه في صدق الوجدانيّات يكمن في كونها من القضايا المعبِّرة عن علومنا الحضورية، وحيث إن طرفي الصدق (ونعني بهما: «المطابِق»؛ و«المطابَق») في هذا النوع من القضايا حاضران لدينا يمكن لنا أن نحرز تطابقهما وصدقهما بالوجدان أيضاً. إن الشخص الحزين، والذي تكون قضية «أنا حزينٌ» حاضرةً في ذهنه، لن يتردَّد في صدق هذه القضية الوجدانية المعبِّرة عن علمه الحضوريّ؛ لأن هذه القضية تحكي عن تلك الحقيقة التي يدركها في نفسه بالعلم الحضوريّ، ومن دون توسُّط شيءٍ آخر([96]).

صدق الأوَّليّات

إن الوجه في صدق القضايا الأوّلية يكمن في أن تصديقنا بهذه القضايا يستند إلى ذات هذا النوع من القضايا؛ لأننا لو تصوَّرنا طرفي القضية الأوّلية بشكلٍ صحيح، وكذلك كان لدينا فَهْمٌ وإدراكٌ لمفاد هيئة القضية، أو كان لدينا ـ على حدّ تعبير ابن سينا ـ «فطنةٌ بالنسبة إلى تركيب القضيّة»([97])، إذن سوف نحكم بصدق القضية، وإن جَزْمنا بالقضايا الأوّلية يستند إلى ذات هذا النوع من القضايا. وبعبارةٍ أخرى: إن الذهن في القضايا الأوّلية يصل بمجرّد ملاحظة طرفي القضية، وبحث مفاد الهيئة التركيبية للقضية، إلى إدراك أن القضية صادقةٌ أو كاذبةٌ. وهذا الامتياز يختصّ بهذا النوع من القضايا فقط؛ لأن صدق القضايا الأخرى لا يتمّ إحرازه من خلال دراسة ذات القضية. وبطبيعة الحال فإن القضايا التحليلية عند إيمانوئيل كَانْط تحتوي بدَوْرها على هذا الامتياز، حيث لا يحتاج التصديق والجَزْم بصدقها إلى مراجعة العالم الخارجيّ. بَيْدَ أن القضايا التحليلية عند كَانْط ـ كما ذكَرْنا سابقاً ـ، على التفسير الذي يُقدِّمه كَانْط نفسه عن التحليليّ والتركيبيّ، تُعَدّ من مصاديق القضايا الأوّلية في الفلسفة الإسلامية؛ لأن القضايا التحليلية لدى إيمانوئيل كَانْط هي بحيث يكفي فيها مجرّد تصوُّر الطرفين في إحراز صدقها، وأما القضيّة الأوّلية فهي تشتمل على مصاديق أخرى، لا تُعَدّ من القضايا التحليليّة. وعلى أيّ حال فإن القضايا الأوّلية ـ (الأوّليات) ـ، سواء أكانت تحليليّةً أم تركيبيةً، ضروريّةُ الصدق؛ لأن المحمول أو التالي في هذا النوع من القضايا يقتضي ذات الموضوع أو المقدَّم، أي إنه حيث يكون الموضوع أو المقدَّم على هذه الشاكلة إذن يجب أن يكون مشتملاً على هذا المحمول أو التالي أيضاً. إن النفس في التصديق بهذه القضايا لا تذهب إلى أبعد من ذات القضية، وإن التصديق في هذه القضايا يستند إلى الطرفين، وإلى الهيئة التركيبية للقضية. وعليه يمكن من هنا استنتاج صحّة التصديق بالقضايا الأوّلية؛ لأن التصديق في هذا النوع من القضايا يستند إلى أمورٍ موجودةٍ بأجمعها لدينا، وفي متناول أيدينا. وعليه إذا لم تكن لدينا مشكلةٌ تصوُّرية، أي إننا لو أدركنا وفَهِمنا طرفي القضية والهيئة التركيبية لها بشكلٍ صحيح، لا تعود لدينا مشكلةٌ تصديقية. كما قال ابن سينا في هذا الشأن: «إذا علمْتَ بحكم التصوُّر ما هو الكلّ وما هو الجزء، وما هو الأكبر وما هو الأصغر، لن يكون أمامك سوى التصديق بأن الكلّ أكبر من الجزء، كما لن يكون بمقدورك الشكّ في أن المساويين لشيءٍ متساويان»([98]).

وعلى هذا يتَّضح من خلال هذا التحليل أن القضايا الأوّلية ـ (الأوّليات) ـ ضرورية الصدق؛ لأن المحمول أو التالي في القضايا الأوّلية مقتضى ذات الموضوع أو المقدَّم. وبحكم هذا التحليل نستنتج أن هذه القضايا ضرورية الجهة أيضاً؛ لأن موضوعها أو مقدَّمها واجدٌ للمحمول أو التالي بالضرورة؛ لأن المحمول أو التالي في القضايا الأوّلية مقتضى الموضوع أو المقدَّم، سواء أكان المحمول أو التالي مندرجاً في الموضوع أو المقدّم تصريحاً أو تلويحاً؛ أي سواء أكانت القضية من مصاديق القضايا التحليلية عند إيمانوئيل كَانْط أم لا. وعليه، فإن القضايا الأوّلية صادقةٌ، سواء أكانت تحليليةً أم لم تكن كذلك. وإن القضايا التحليلية لا تحتوي هنا على امتيازٍ خاصّ؛ لأن النفس بعد تصوُّر طرفي جميع القضايا الأوّلية، وبعد التفطّن إلى تركيبها، سوف تجزم بصدقها، وهو الجَزْم الذي يعتلي سنام القضية؛ لأنه حاصلٌ من الطريق المنطقي الصحيح، ولذلك فإنها لا تقبل التشكيك المنطقي. وإن هذا الأمر كما هو موجودٌ في القضايا التحليلية سوف يكون موجوداً في سائر مصاديق القضايا الأوّلية الأخرى أيضاً. بَيْدَ أن القضايا التحليلية تصريحاً، من قبيل: قضية «إن (أ) هو (أ)»؛ بلحاظ الخصوصية التي تشتمل عليها، حتّى إذا لم يتمّ تصوُّر موضوعها ومحمولها، وتمّ بَدَلاً من ذلك تصوُّر العنوان المشير إليها، أو تكون بلا معنى أصلاً، يمكن مع ذلك وبطبيعة الحال تحصيل الجَزْم بصدقها من الناحية المنطقية. وهذه الخصائص لا توجد إلاّ في القضايا التحليلية تصريحاً، دون القضايا التحليلية والأوّلية الأخرى. ولكنّ القضية التحليلية تصريحاً هي الأخرى ـ على أيّ حالٍ ـ من مصاديق القضايا الأوّلية في الفلسفة الإسلامية، التي تكون صادقةً بالضرورة.

والحاصلُ هو أن جميع القضايا الأوّلية صادقةٌ، سواء أكانت تحليليةً أم لم تكن كذلك؛ لأن النفس تحصل ـ من خلال دراسة ذات القضية؛ أي تصوُّر طرفي القضية بالنظر إلى مفاد الهيئة التركيبية للقضية ـ على فَهْم وإدراك صدق القضية. وعليه فإن النفس هنا، من خلال حضورها في منظومة الذهن ودراسة القضيّة الأولية، سوف تصدِّق بأن القضية صادقةٌ أو كاذبةٌ بالضرورة، وهذه خصوصيّةٌ لا يمكن توفُّرها إلاّ في القضايا الأوّلية فقط.

الصدق ومشكلة البِنْية الأخرى

هناك إشكالٌ قويّ نسبياً يمثِّل تهديداً لـ «صدق القضايا»، وهو أنه على الدوام هناك في مورد كلّ قضيّة يقينية ـ الأعمّ من البديهيّة والنظريّة ـ هذا الإشكال القائل: إن اليقين بكلّ قضيةٍ يستند إلى البنية الفعلية للشخص المتيقِّن، ولو تبدَّلت البِنْية الفعلية للشخص المتيقِّن فقد يتحقَّق إدراكٌ آخر، وقد يكون مخالفاً للإدراك الفعلي أيضاً. ومن هنا نستنتج أن اليقين الفعلي بالقضية أو القضايا التي نستيقن بها لم يكن في الواقع يقيناً منطقيّاً، ولا يُعَدّ «معرفة».

وقبل الإجابة عن «إشكال البِنْية الأخرى»، لا بُدَّ من التذكير بأن هذه المشكلة تختلف في ماهيّتها عن إشكال «التفاعل بين الذهن والعين»، ولا تُحال إليه، ولو أُحيلَتْ إليه يكون الجواب عنها هو نفس الجواب الذي ذكَرْناه عنه([99]).

لو دقَّقْنا في صورة المسألة سوف ندرك أن «إشكال البِنْية الأخرى» إنما هو في الواقع بصدد إلقاء هذه الشُّبْهة، وهي أنه وإنْ صحّ أنك الآن تحمل بعض المدركات، وتدَّعي أن هذه المدركات متطابقةٌ مع الواقع، بَيْدَ أنك إنما تمتلك هذه المدركات في ظلّ الحالة أو البِنْية الروحية والفكرية الراهنة، ولكنْ مَنْ يضمن لك أن تبقى حاملاً لهذه المدركات في بِنْيةٍ مفترضة أخرى؟ والآن؛ حيث إنك تمتلك مثل هذا الإدراك في البنية الراهنة، يُستَنْتَج من ذلك أن إدراكك تابعٌ للبِنْية الحالية، وأن القضايا التي تصدِّق بها لا تكون صادقةً بالضرورة، سواء أكانت بديهيّةً أو نظريّةً. والآن، بعد أن تعرَّفْنا على ماهية «إشكال البِنْية الأخرى»، سوف نسعى إلى الإجابة عنها. وقد أعدَدْنا نوعين من الإجابة عن هذا الإشكال. وبطبيعة الحال فإن لهذين الجوابين ماهيّةً واحدة، ويُعَدّان ـ في الحقيقة والواقع ـ وجهَيْن لعملةٍ واحدة.

الجواب الأوّل

إن هذا الإشكال ـ كما أشَرْنا سابقاً ـ يشمل جميع الإدراكات، الأعمّ من البديهيّة والنظريّة؛ أي إن هذه المشكلة لا تختصّ بالإدراكات البديهيّة فقط. بَيْدَ أننا هنا سوف ندافع عن الإدراكات البديهية في مقابل «مشكلة البِنْية الأخرى»؛ وذلك أوّلاً: لأننا هنا وفي هذه المرحلة ـ أي مرحلة الصدق ـ بصدد الدفاع عن المباني المعرفية، بمعنى البديهيات؛ وثانياً: لو أمكن لنا أن نحصِّن «البديهيات» من مرمى سهام «مشكلة البِنْية الأخرى» فإن «النظريات» بدَوْرها ستنجو قَهْراً من شظايا هذه المشكلة أيضاً؛ لأن النظريّات إنما تصل إلى اليقين استناداً إلى البديهيات؛ وثالثاً: إن بحث هذه المشكلة في البديهيات أيسر؛ لأن النظريات تعاني من مشاكل أخرى سوف تظهر في معرض بحث المسألة بشكلٍ وآخر. إذن لهذه الأسباب المذكورة سوف ندخل الآن في الجواب عن «مشكلة البِنْية الأخرى» في مورد القضايا البديهية.

اتَّضح مما سبق ذكره أن «البديهيات» عبارةٌ عن قضايا وتصديقات لا تتحقّق من طريق الفكر والنظر، وأن «احتمال الخطأ» واردٌ فيها. والآن على أساس أن «عدم احتمال الخطأ» من الخصائص الذاتية للبديهيات، وأن «البديهيات» في حدّ ذاتها لا تقبل «احتمال الكذب»، سوف نحكم في باب «مشكلة البِنْية الأخرى»، أي إننا في الواقع سوف نعمل مجدّداً على وضع «عدم إمكان الخطأ في البديهيات» على طاولة النقد، وسوف نبلغ في هذا المسار بحث «الفرضيّات الثلاثة».

الفرضية (أ): نفترض أننا من خلال الحفاظ على اليقين الفعلي بالقضية البديهية المفترضة لو وقَعْنا في مسار بِنْيةٍ أخرى سوف نمتلك في تلك البِنْية يقيناً مشابهاً تماماً لليقين الراهن. من الواضح هنا أن افتراض «البِنْية الأخرى» لا يضرّ بيقيننا الفعلي بالقضايا البديهية أصلاً؛ إذ في هذا الفرض (الفرضية أ) سوف يكون مقتضى البنية الأخرى يقيناً مشابهاً لليقين الفعلي.

الفرضية (ب): الافتراض الآخر أننا من خلال الحفاظ على يقيننا الفعلي بالقضية البديهية المفترضة لو كان لدينا بِنْية أخرى لحصلنا على حالةٍ مخالفة ليقيننا الراهن، بَيْدَ أننا الآن مع بِنْيتنا الموجودة لدينا يقينٌ بعدم صحّة تلك الحالة، أي إننا نفترض أن مقتضى «البِنْية الأخرى» ينتج حالةً مخالفةً لليقين الراهن بالقضيّة البديهية، الأعمّ من أن تكون تلك الحالة المذكورة «يقيناً بالخلاف» أو «احتمال الخلاف»، ولكنْ في الوقت نفسه لدينا الآن من الناحية المنطقيّة يقينٌ بأن «تلك الحالة المفترضة في البنية الأخرى» حالةٌ خاطئة. وعليه لن توجد هنا مشكلةٌ أيضاً، أي إن هذا الفرض [الفرضية (ب)] لا يضرّ من الناحية المنطقية بيقيننا الفعليّ بالقضايا والتصديقات البديهية.

الفرضية (ج): أن نفترض هنا أننا من خلال الحفاظ على يقيننا الراهن بالقضايا البديهية نواجه في «البِنْية الأخرى» حالةً مخالفة بالكامل ليقيننا الفعلي، ونعتبر تلك الحالة المفترضة في «البِنْية الأخرى» إما «صادقة» أو «محتملة الصدق» أيضاً. وهنا تصبح «مشكلة البِنْية الأخرى» مستقرّةً، بَيْدَ أن هذا الاستقرار لن يستمرّ من الناحية المنطقية، وذلك:

أوّلاً: إن هذا «الاحتمال للخلاف» احتمالٌ بَدْويّ، وإنه بعد التأمُّل سوف ينحلّ إلى: «اليقين التفصيلي»؛ و«الشكّ البَدْوي»، ونعلم أن اليقين البَدْوي بالخلاف أو الاحتمال البَدْوي بالخلاف في مسألةٍ لن يضرّ باليقين المنطقيّ في مورد تلك المسألة. كما أننا في مجموع معلوماتنا ـ الأعمّ من المعلومات البديهية والنظرية ـ يوجد هناك «يقينٌ بالخلاف» أو «احتمالٌ بَدْويّ بالخلاف»، ولكنْ بعد التأمُّل والبحث في أطراف المسألة لا تبقى هذه الحالة في البديهيّات؛ لأننا لا نحتمل الخطأ في معلوماتنا البديهية، ويكون لدينا يقينٌ منطقي بشأنها؛ وأما بشأن معلوماتنا النظرية فنعطي احتمالاً للخطأ في الجملة، ويجب علينا في نفي احتمال الخطأ في النظريّات أن نلجأ إلى البديهيّات. ويمكن لنا توضيح هذه المسألة من خلال المثال التالي: لنفترض أن راعياً للماشية كان يمتلك أربعين رأساً من الغنم، وكان يعلم أن واحداً منها مغصوبٌ، وعليه فإنه عندما يأخذ كلّ خروفٍ على حِدَة يحتمل أن يكون هو المغصوب، ولكنْ لو علم بعد ذلك بطريقةٍ ما أن الخروف المغصوب كان أسود اللون، عندها سوف يطمئنّ الراعي من جهة الخراف البيض؛ إذ لديه الآن «يقينٌ تفصيليّ» بأنه لا يوجد أيّ خروفٍ مغصوب بين الخراف البيض، وأما في مورد الخراف السُّود فسوف يبقى الشكّ لديه على حاله. وهكذا الأمر بالنسبة إلى «معلوماتنا»؛ إذ نحتمل الخطأ في بعضها على نحو الاحتمال البَدْوي، ولكنْ بعد البحث والتأمُّل سوف يتحوّل هذا الاحتمال البَدْوي إلى «اليقين» و«الشكّ»؛ إذ في «البديهيات»، وفي تلك المجموعة من النظريّات التي تقوم على أساس البديهيّات بشكلٍ صحيح، يتمّ رفع الشكّ، بَيْدَ أن سائر النظريّات الأخرى تبقى على ما هي عليه من الشكّ. وعليه، فإننا في مورد «البِنْية الأخرى»، وإنْ كنّا في بداية الأمر نحتمل الخلاف، ولكنْ بالرجوع إلى القضايا البديهيّة نحصل على يقينٍ بعدم صحّة احتمال الخلاف من الناحية المنطقية.

والحاصلُ هو أن «احتمال الخلاف» أو «اليقين بالخلاف» في «البِنْية الأخرى» يقينٌ واحتمالٌ بَدْويّ، وأنه يتحوَّل بعد التدقيق والتأمُّل إلى «يقينٍ مستمرّ»؛ إذ إننا في مورد البديهيّات لا نفقد يقيننا من الناحية المنطقية أبداً.

ثانياً: لو دقَّقنا هنا جيّداً فسوف نجد أن فرض اليقين بالخلاف أو احتمال الخلاف في الفرضية (ج) فرضيّة متناقضة؛ لأننا قد افترَضْنا من جهةٍ أننا نمتلك الآن يقيناً بقضيّةٍ بديهية، ولكننا من ناحيةٍ أخرى قد اعتَبَرْنا صحّة خلاف ما أيقنّا به في البِنْية الأخرى؛ إمّا على نحو اليقين؛ وإما على نحو الاحتمال. ويبدو أن هذا «التناقض المفترض» ينشأ من أنه قد تعرَّضنا لمثل هذه المشكلة. وإنما نستطيع التغلّب على هذه المشكلة فيما لو أمكن لنا العودة إلى حالتنا الأوّلية، وأمكن لنا مجدّداً أن نتأمَّل ونبحث في وجه صدق القضايا البديهيّة، كما في السابق، ونبحث مرّةً أخرى في عدم قابليتها للتشكيك والتردُّد.

جوابٌ آخر

في معرض الإعداد للجواب الآخر عن «مشكلة البِنْية الأخرى» سوف نعمل في بداية الأمر على رسم صُوَر للمسألة، ثمّ نتقل بعد ذلك إلى الإجابة عنها.

بيان صورة المسألة

سوف نعمل هنا على تسمية بِنْيتنا الراهنة بـ «البِنْية (أ)»، ونسمّي بنيتنا المفترضة الأخرى بـ «البِنْية (ب)»، ونعمل بعد ذلك على تصوير أنواع حالاتنا الإدراكية بالنسبة إلى قضيّةٍ بديهية، من قبيل: «2 + 2 = 4»، في البِنْية (أ) و(ب). وسوف نذكر هنا ـ بطبيعة الحال ـ مجرّد الحالة الإدراكية لليقين بـ «الوفاق» أو «الخلاف» فقط؛ لأن حكم «الوَهْم» و«الشكّ» و«الظنّ» يُستفاد منها أيضاً. وعليه نعمل الآن بالنظر إلى ما تقدَّم على بيان صُوَر المسألة على النحو التالي:

1ـ إننا على يقينٍ من: «2 + 2 = 4».

إننا في البِنْية (أ) 2ـ على يقينٍ من: «2 + 2 ≠ 4».

2ـ إننا على يقينٍ من: «2 + 2 = 4».

إننا في البنية (ب) 2ـ على يقينٍ من: «2 + 2 ≠ 4».

تحليل صُوَر المسألة

نعمل في ما يلي على تحليل صُوَر المسألة؛ لكي نرى في ضوء ذلك في أيّ صورةٍ من بين الصورة المفترضة للمسألة تستقرّ «مشكلة البِنْية الأخرى» في بداية الأمر؛ لكي نعمل بعد ذلك على الإجابة عنها. ومن هنا سوف نعمل في ما يلي على إقامة التقابل بين ذَيْنك النوعين من الإدراك المذكور في «البِنْية (أ)»، و«البِنْية (ب)»، على النحو التالي:

إن فرضية المسألة هي أننا في البِنْية (أ) على يقينٍ بالقضية البديهية: «2 + 2 = 4». وعليه ففي هذه الصورة يتمّ حذف الفرضية (2) من البِنْية (أ) من مورد الإشكال. وعلى هذا الأساس، نضع إدراكنا اليقيني بالقضية البديهية: «2 + 2 = 4» في تقابلٍ مع الحالتين الإدراكيتين المفترضتين في البِنْية (ب). فقد افترَضْنا في البِنْية المفترضة (ب) حالتين إدراكيتين، وهما: 1) «2 + 2 = 4»؛ 2) «2 + 2 ≠ 4». ومن الواضح هنا ـ بطبيعة الحال ـ أنه لا يوجد تقابلٌ بين القضية (1) في البِنْية (أ) وبين القضية (1) في البِنْية (ب). وعليه يتمّ حذف هذه الفرضيّة من مشكلتنا أيضاً. ونتيجةً لذلك، وفي نهاية المطاف، سوف يستقرّ الإشكال في مورد تقابل الحالة الإدراكيّة (1) من البِنْية (أ) والحالة الإدراكيّة (2) من البِنْية (ب).

وعلى هذه الشاكلة، يستقرّ الإشكال هنا؛ حيث يقع التعارض بين اليقين الفعلي في البِنْية (أ) ـ البِنْية الفعليّة ـ بالقضيّة «2 + 2 = 4» مع يقينك في البِنْية (ب) ـ البِنْية المفترضة عندك ـ بالقضية «2 + 2 ≠ 4»، ومن الناحية المنطقية يعود يقينك الفعلي بالقضيّة «2 + 2 = 4».

والآن؛ حيث علمنا أين هو محلّ استقرار «مشكلة البِنْية الأخرى»، ننتقل إلى الجواب عن الإشكال.

حلّ المسألة

الآن نحن ويقيننا في البِنْية (أ) ـ البنية الفعليّة والراهنة ـ، وكذلك نواجه يقين الفرضيّة الأخرى، وهي متناقضةٌ بالكامل مع اليقين الموجود والفعلي، في البِنْية المفترضة الأخرى التي كان من الممكن أن تكون لدينا. وعليه يمكن لتبسيط الأمر أن نفترض أنفسنا في البِنْية المفترضة (ب) في إدراك شخصٍ آخر: «2 + 2 ≠ 4»، على سبيل المثال.

نحن في البِنْية الراهنة والفعلية ـ (أ) ـ ندَّعي أننا على يقينٍ من الناحية المنطقية بالقضية: «2 + 2 = 4»؛ لأننا قد حصلنا على هذه المعرفة البديهية من طريق التصوُّر الدقيق للموضوع والمحمول، وبالنظر إلى مفاد تركيب القضيّة. بَيْدَ أن هذا المشكِّك يقول: إن افتراض اليقين بالخلاف في بِنْية الفرضية الأخرى بالنسبة لك يضرّ من الناحية المنطقية بيقينك الفعليّ بالقضية المذكورة!

والآن نقول بعد ذلك: لو أقَمْنا تقابلاً بين اليقين (1) من البِنْية (أ) وبين اليقين (2) من البِنْية (ب) فمن الممكن أن نحصل على ثلاث صُوَر:

1ـ اليقين بكذب اليقين (2) من البِنْية (ب).

2ـ الاحتمال البَدْويّ بصدق اليقين (2) من البِنْية (ب).

3ـ الاحتمال الاستمراريّ بصدق اليقين (2) من البِنْية (ب).

والآن، بعد استبدال القضية «2 + 2 ≠ 4» بالقضية رقم (2) سوف نحصل على ما يلي:

1ـ اليقين بكذب اليقين بـ «2 + 2 ≠ 4» من البِنْية (ب).

2ـ الاحتمال البَدْويّ بصدق اليقين بـ «2 + 2 ≠ 4» من البِنْية (ب).

3ـ الاحتمال الاستمراريّ بصدق اليقين بـ «2 + 2 ≠ 4» من البِنْية (ب).

والآن؛ حيث نعلم أين يستقرّ الشاكّ مع شكِّه، سوف نذهب إلى إشكاله مباشرةً، ونسعى إلى الإجابة عنه.

لو دقَّقنا النظر فسوف يتَّضح لنا أن «الفرضيّة الأولى» من بين الفرضيات الثلاثة لا تضرّ بيقيننا الراهن بصدق القضية «2 + 2 = 4» أصلاً؛ إذ إنه؛ بالنظر إلى فرضية المسألة، يكون لدينا يقينٌ بكذب اليقين بالقضية «2 + 2 ≠ 4».

وأما في «الفرضية الثانية» من بين الفرضيات الثلاثة المذكورة، صحيحٌ أن لدينا احتمالاً بَدْوياً بصدق اليقين بالقضية «2 + 2 ≠ 4»، إلاّ أن هذا الاحتمال هو مجرّد احتمالٍ بَدْوي، وحيث إن القضية المفترضة بديهيّةٌ فإن احتمال الخلاف سوف يكون مرتفعاً بالنظر إلى ذات القضية.

وأما في «الفرضية الثالثة»، حيث يستمرّ احتمال صدق اليقين بالقضية «2 + 2 ≠ 4» إلى النهاية، حتّى مع الاهتمام بذات القضية في القضية البديهيّة المفترضة، نقول: إن هذا الاحتمال مجرّد احتمال وَهْميّ مفترض، وليس احتمالاً منطقياً؛ إذ لو تدبَّرْنا بشكلٍ دقيق سوف ندرك أن صورة المسألة سوف توصلنا من الناحية المنطق ـ ومن دون أيّ مؤنةٍ زائدة ـ إلى اليقين بكذب القضيّة «2 + 2 ≠ 4»، والآن؛ حيث لم يكتب التحقُّق لهذا الأمر، نستنتج إما أننا لم ندقِّق جيداً، أو أن بِنْيتنا الإدراكية المفترضة كانت ضعيفةً وغير ناضجةٍ؛ بسبب بعض العناصر والأسباب، من قبيل: الاختلال، أو الابتلاء بشبهةٍ، وما إلى ذلك.

وعلى هذا الأساس، يمكن لنا أن نستنتج من هنا أننا لو حَكَمْنا في بِنْيةٍ أخرى مفترضة ـ أو حكم شخصٌ آخر في بِنْيته الخاصّة ـ بصدق القضية «2 + 2 ≠ 4»، أو نعتبرها محتَمَلةً على نحو الاستمرار، تكون تلك البِنْية المفترضة ـ بِنْيتنا أو بِنْية الآخرين ـ ضعيفةً وناقصةً بالضرورة؛ لأننا نقف على صحّة أداء العقل من خلال صحّة الفَهْم، ومن عدم صحة الفَهْم نصل إلى نتيجةٍ مفادها ضعف أو نقص منظومتنا الفكريّة؛ لأننا لسنا مقلِّدين لأنفسنا؛ كي نقول: حيث إن عقلنا يعمل بشكلٍ صحيحٍ فإن كلّ ما يمتلكه من فَهْمٍ يكون صائباً بالضرورة، ونحن نقبل بكلّ ما يقوم به من الأعمال الإدراكيّة، بل الأمر على العكس من ذلك تماماً؛ لأننا ندرك جيّداً أننا حيث نتأمَّل بشكلٍ دقيق في موضوع ومحمول القضية «2 + 2 = 4» ـ مثلاً ـ يحصل لنا يقينٌ بها بعد ذلك، وندرك أن منظومتنا الإدراكية لم تعمل بشكلٍ صحيح.

والنتيجة: إن «مشكلة البِنْية الأخرى» قابلةٌ للدَّفْع من خلال التدقيق والتأمُّل في صورة المسألة من الناحية المنطقية، على ما تقدَّم شرحُه وبيانُه بالتفصيل.

4ـ العبور من المرحلة الرابعة (مرحلة القفز أو الجَسْر)

في المرحلة الرابعة، يقول المشكِّك: إنك تريد أن تتَّخذ من «وضوح القضية» المرتبط بقائل القضيّة جسراً إلى «صدق القضية» الناظرة إلى محكيّ القضية، ولكنْ كيف يمكن الانتقال والقفز من النسبة القائمة بين القضية وقائلها إلى العلاقة القائمة بين القضيّة ومحكيّها؟!

في الجواب عن المرحلة الرابعة، المعروفة بمرحلة النقب (أو الجَسْر)، لا بُدَّ من الإشارة في بداية الأمر إلى أن هذه المرحلة هي من المراحل المهمّة في التشكيك، حيث تظهر نفسها بشكلٍ وآخر في «مسار التوجيه» أيضاً.

يذهب وليم باين ألستون([100]) إلى الادّعاء بأن هناك علاقةً ضروريّة بين «الوجاهة» و«صدق القضية»؛ لأن حقيقة التوجيه تحتوي على «خصلةٍ داخلية»([101])، وهذا العنصر هو الذي يستوجب أن لا تكون القضيّة صادقةً، على الرغم من وجاهتها([102]). وعلى هذا الأساس، يبدو أن هناك قرابةً بين «مرحلة القفز (الجَسْر)» وبين كلام وليم ألستون في باب التوجيه على نحوٍ مبنائي. وعليه لو أمكن لنا هنا أن نعبر من «مرحلة القفز» سوف نكون في الواقع قد أجَبْنا في الوقت ذاته ـ إلى حدٍّ ما ـ عن إشكال وليم ألستون أيضاً.

في العبور من «مرحلة القفز» يجب الالتفات أوّلاً إلى الفرق بين «القضية» و«التصديق»؛ فإن القضية ـ كما ذكَرْنا سابقاً ـ هي شيءٌ آخر غير التصديق. وإن القضية في الواقع تمثِّل مهبطاً ومدرجاً للتصديق. إن «التصديق» في التعبير الأبلغ هو ذات «فهم القضية». وقد عبَّر الحكماء والفلاسفة بدَوْرهم عن هذا المطلب بتعبيرات مختلفة، ومن ذلك:

يقول الفارابي: «إن التصديق في الجملة هو أن يعتقد الإنسان في أمرٍ حُكم عليه بحكمٍ أنه في وجوده خارج الذهن على ما هو معتقدٌ في الذهن»([103]).

وقال ابن سهلان: «وحكمك بصدق (القائل)، أي مطابقة الأمر، هو التصديق»([104]).

ولكنْ في الوقت نفسه إذا أرَدْنا أن نقدِّم تعبيراً واضحاً وبليغاً عن «التصديق» فمن الأفضل أن نقول: «التصديق = فَهْم صدق القضية».

والآن؛ حيث علمنا أن «التصديق» عبارةٌ عن: «فهم صدق القضية»، نعود إلى «مرحلة القفز والجَسْر». كان المشكِّك يقول: «كيف تقفزون من (وضوح القضية) المرتبطة بقائل القضيّة إلى (صدق القضية) الناظرة إلى محكيّ القضيّة؟». لو أرَدْنا هنا بيان متغيّر «الوضوح» في ما يتعلَّق بـ «التصديق» أمكن لنا القول: إن «القضية الواضحة» أو «القضية البديهية»، هي القضية التي تحتوي على تصديقٍ واضح وبديهيّ؛ أي إننا نفهم «صدق القضية» على نحو الوضوح والبداهة. ففي البداية تتَّصف القضية بالصدق؛ باعتبار مطابقتها مع الواقع، ثمّ نعمل بدَوْرنا على فَهْم صدقها. وعلى هذا الأساس يتحقَّق المسار التالي:

(فَهْم صدق القضية) ← (صدق القضية) ← (القضيّة) ← (الواقع)

وبذلك نستنتج أنه وإنْ صحّ أن «وضوح القضية» عبارةٌ عن العلاقة القائمة بين القضية وقائلها، إلاّ أن وضوح القضية عبارةٌ عن وضوح أو بداهة التصديق بتلك القضية، وإن وضوح التصديق بالقضية هو في الحقيقة والواقع فَهْمٌ واضحٌ وبديهيّ عن صدق القضية. وعليه يكون من الواضح هنا كيف يمكن القفز من «وضوح القضية» إلى «صدقها». في علم المعرفة والإبستمولوجيا نسعى إلى الفهم الصحيح، وكلّما حصل لدينا مثل هذا الفهم سوف نتمكَّن من القفز والانتقال من «فَهْم صدق القضية» إلى «صدق القضية». ولو قلْتَ: ومَنْ قال: إن فهمك هو الصحيح؟ فهذا هو الإشكال الذي تعرَّضنا لبحثه في مرحلة الصدق (المرحلة الثالثة)، ولا يرتبط بمرحلة القفز مباشرةً.

والحاصل أن المشكِّك في مرحلة القفز (الجَسْر) قد ناقش بالقول: كيف يمكن القفز من «وضوح القضية» ـ المرتبطة بقائل القضية ـ إلى «صدق القضية»، والقيام بعملية الجَسْر بينهما؟ وقد أجَبْنا عن ذلك بالقول: إن البداهة ووضوح القضية يرجع إلى البداهة ووضوح التصديق بالقضية، وحيث إن التصديق عبارةٌ عن فَهْم صدق القضية فإن بداهة ووضوح التصديق يعني بداهة ووضوح فَهْم صدق القضية، وحيث حصلنا على مثل هذا الفهم نكون في الحقيقة والواقع قد توصَّلْنا إلى فَهْم صدق القضية. وفي ضوء ما تقدَّم ذكره في مرحلة الصدق فإن هذا الفَهْم يكون في الوجدانيّات والأوّليات، ويكون منزَّهاً عن الخطأ من الناحية المنطقيّة، ويمكن لنا من خلال إرجاع التصديقات الأخرى إليها أن نصل كذلك إلى معارف أخرى منزَّهة عن الخطأ أيضاً. وبذلك نلاحظ كيف تضمحلّ مرحلة القفز (الجَسْر) بالتحليل المذكور على نحوٍ تدريجيّ، ثمّ تزول وتختفي فجأةً.

5ـ العبور من المرحلة الخامسة (مرحلة الوجدانيّات)

عمد المشكِّك في هذه المرحلة إلى طرح بعض الإشكالات في خصوص القضايا الوجدانية، حيث كنا نعتبرها من معايير المعرفة. وفي ما يلي سوف نجيب باختصارٍ عن هذه الإشكالات التي ذكرها المشكِّك في خصوص القضايا الوجدانية:

أـ نقول في معرض الإجابة عن الإشكال (أ): لا شَكَّ في أننا نجد في أنفسنا حالاتٍ مختلفة، من قبيل: الفرح، والحزن، والخوف، والحبّ، والفزع، وما إلى ذلك. ونسمّي وجدان هذه الحالات في أنفسنا ـ والتي تُعَدّ من الفَهْم المباشر وغير المفهوميّ ـ بـ «العلم الحضوريّ». وعلى هذا الأساس ينبغي أن لا نتردَّد في أصل وجود العلم الحضوري. ونحن لا ندخل هنا في نزاعٍ لفظي، وما إذا كان يمكن أن نسمّي وجدان تلك الحالات المذكورة علماً، بلحاظ الاستعمال اللغويّ، أم لا، بَيْدَ أن كلامنا هو أننا نجد مثل هذه الحالات في أنفسنا. وليس هناك ما يمنع ـ بطبيعة الحال ـ من تسمية هذا النوع من الوجدان «علماً»؛ إذ لا يُشترط في العلم ـ في حدّ ذاته ـ أن يكون حاصلاً من طريق المفهوم والصُّوَر الحاكية، بل هناك نوعٌ آخر من العلم يكون متصوَّراً وممكناً من الناحية المنطقيّة، بل يكون واقعاً ومتحقِّقاً أيضاً؛ والدليل على وقوعه وتحقُّقه هو شعورنا الداخليّ به.

ب ـ وفي الجواب عن المناقشة في باب «التعبير بلا تفسير عن العلم الحضوريّ» نقول: إن التعبير بلا تفسير عن العلم الحضوري ممكنٌ، ويمكن لنا أن نحرز إمكانه وتحقُّقه حيث تكون القضية موجودةً في الذهن، وتكون هناك حالةٌ في النفس، من قبيل: الفرح، وما إلى ذلك. فنحن من جهة نشرف على أذهاننا؛ لأن الذهن مرتبةٌ وشأن من مراتب وشؤون أنفسنا، وكذلك نحن على علمٍ بحالاتنا الخاصّة، وهنا بالتحديد نستطيع أن ندرك ما إذا كانت القضيّة الموجودة في ذهننا تعبيراً بلا تفسير عن العلم الحضوريّ أم لا. ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ: لو شعَرْتُ بالجوع، وعملْتُ على تشكيل قضيّةٍ، وقلتُ: «أنا أشعر بالجوع»، يكون هذا تعبيراً بلا تفسير عن العلم الحضوريّ، خلافاً لقولي: «إن بطني خاليةٌ من الطعام».

ج ـ ونقول في الجواب عن إشكال «حصّة الذهن» في مسار التعبير عن العلم الحضوريّ: أوّلاً: إن ذات حصّة الذهن لا تضرّ بالقيمة المعرفية للإدراكات. وعليه يجب أن نرى هنا هل سوف تضرّ حصّة الذهن في التعبير عن العلم الحضوريّ بالتعبير بلا تفسير عنه أم لا؟ وهنا نقول بالتحديد: إن بمقدورنا في بعض الموارد أن نحرز أن تعبيرنا عن العلم الحصوليّ لا يكون مقروناً بتفسيرٍ خاصّ، كما أوضَحْنا ذلك في الفقرة (ب).

د ـ وأما المناقشة الأخرى حول الوجدانيّات فهي أنه على فرض أن تكون القضايا الوجدانية معتبرةً، فإنها إنما تكون مفيدةً وناجعةً إذا كان «العلم الحضوري» مقروناً بـ «قضيّةٍ وجدانية»، بَيْدَ أن علمنا الحضوري ليس ثابتاً على الدوام، ومن خلال زواله سوف لا يكون العلم الحصوليً الوجداني ـ بدَوْره ـ ناجعاً أيضاً.

ومن هنا نقول: أوّلاً: يمكن إثبات تجرُّد النفس، وتحليل القيمة المعرفية للقضايا الوجدانية في ساحة الذهن على هذا الأساس. وثانياً: لو سلَّمْنا زوال العلم الحضوري إلاّ أن نشاط المعرفة لا يبقى مختلاًّ؛ إذ يمكن لنا أن نصنع من معطياتنا الراهنة قضايا وجدانيّة، وأن نواصل التقدُّم المعرفي من خلال ضمّ مقدّماتٍ أخرى.

هـ ـ وبالتالي فإن النقاش الأخير في مجال الوجدانيّات كان عبارةً عن أن القضايا الوجدانيّة قضايا شخصيّة، وليست عينيّةً([105])، وليست قابلةً للنقل والانتقال إلى الآخر، مثل: ذات العلم الحضوريّ.

ونقول في الجواب عن هذا النقاش: أوّلاً: نحن نقرّ بأن القضايا الوجدانية شخصية؛ فإن قضية «أنا خائفٌ» أو «أنا أشعر بالخوف» ناظرةٌ إلى حالة خوفي، ويمكن لي أن أحرز صدقها على أساس مقارنتها بشعوري الداخلي لخوفي، ولكنْ لا يكون ذلك حجّةً على ذلك الذي لا يخاف أصلاً، أو لا يشعر بالخوف حاليّاً، أو لا يوجد لديه هذا الخوف الخاصّ. بَيْدَ أن شخصيّة القضايا الوجدانية على كلّ حالٍ لا تضرّ بصدقها، ويمكن لكلّ شخصٍ أن يجد هذا النوع من القضايا في وجدانه، كما سوف يتمكَّن ـ بطبيعة الحال ـ من تقرير ونقل حالاته الداخلية إلى الآخر بمساعدة اللغة العامّة، على شكل قضايا وجدانيّة منطوقة. وثانياً: لو أمكن لنا أن نعدّ القضايا المنطقية من القضايا الوجدانية ـ ويبدو هذا الأمر ممكناً بحَسَب الظاهر ـ؛ لأننا ندرك واقع هذا النوع من القضايا في مرتبةٍ من ذهننا بالوجدان وبالعلم الحضوريّ، وفي إثر ذلك في مرتبةٍ بعد تلك المرتبة نعمل على صنع قضيّة تقرِّرها، وبالتالي نكون قد توصَّلنا إلى نوعٍ من القضايا الوجدانية التي يمكن لها أن تكون كلِّيةً وعامّة. وثالثاً: لو سلَّمنا أن جميع القضايا الوجدانية شخصية فلن يترتَّب على ذلك إشكالٌ؛ لأن المعارفة الأساسية لا تنحصر بالوجدانيّات. إن القضايا الأوّلية كلِّية بأجمعها، وعليه يمكن لنا أن نستند إليها في تلك الموارد، حيث نبحث عن القضايا الكلِّية. وإنما المهمّ في البين هو أن «الوجدانيّات» بأجمعها من القضايا الصادقة، التي يمكن الاستناد إليها عند الضرورة واللزوم.

6ـ العبور من المرحلة السادسة (مرحلة الأوَّليّات)

لقد عمد المشكِّك في المرحلة السادسة إلى طرح بعض الإشكالات في خصوص القضايا الأوّلية. وفي ما يلي سوف نجيب عن الإشكالات المطروحة بشأن الأوّليات:

أـ نقول في الإجابة عن الإشكال (أ): يجب علينا أن نفصل بحث البرهان ـ وتَبَعاً لذلك مبادئ البرهان ـ عن بحث الجَدَل ومبادئه؛ فإن البرهان ومبادئه، التي هي من البديهيّات أو النظريّات التي تنتهي إلى البديهيّات، ناظرةٌ إلى الحقّ ومقتضياته، بخلاف الجَدَل الذي يواجه به الخصم وردّه أو قبوله. ففي بحث المعرفة إنما نتعامل مع البداهة والبرهان، ويجب علينا أن ندقِّق في الحصول على فَهْمٍ صحيح عن الواقع من الناحية المنطقية. وعليه لو بَذَلْنا منتهى التدقيق وحصلنا على معرفةٍ منطقيّة لا تقبل التشكيك، لن يضرّ بنا بعد ذلك أن يقع هذا الأمر مورداً لقبولٍ أو رفضٍ من قِبَل الآخر، بل إننا منذ البداية لم نكن بصدد الاعتناء برفض الآخر أو قبوله، ولم نشأ الاستفادة من التمثيل، والقول: حيث إن لدينا هذا النوع من الإدراك فإن الآخرين يجب أن يكون لديهم مثل هذا الفَهْم والإدراك أيضاً.

قد يمكن للآخرين أن يفتقروا إلى الإدراك بالكامل، أو أن يخطئوا في إدراكهم، أو يكون تفكيرهم على حقٍّ مثلنا. وعلى أيّ حالٍ فنحن في مضمار البرهان ومبادئه لا شأن لنا بالآخرين، ويجب على كلّ شخصٍ بدَوْره أن يسلك ذات هذا المسار من الناحية المنطقيّة بنفسه. وبطبيعة الحال لو كنّا بحيث نضطرب أو ننفعل؛ بسبب رفض أو قبول الآخرين في صدق القضية التي صدَّقنا بها من الناحية المنطقية، يجب علينا عندها أن نعيد النظر في متانة واستحكام تصديقنا، وفي معرفيّة هذا التصديق في الحقيقة والواقع. ويأتي التعبير منا وقولنا: «من الناحية المنطقية» من أنه يمكن أن نكون قد توصَّلنا إلى اليقين «من الناحية المنطقية»، ومع ذلك نبقى على مستوى «الوَهْم» متردِّدين؛ بسبب عدم مطاوعة قوّة الوَهْم في تلك الحالة. بَيْدَ أن على الفيلسوف الباحث عن الحقّ والحقيقة أن يصبّ كلّ اهتمامه وتفكيره بمقتضى نشاطه التفكيري والمنطقي، وأن لا يعير انتباهاً إلى العَقَبات التي تضعها القوّة الواهمة في طريقه، ويجب عليه بكلمةٍ واحدة أن يركِّز اهتمامه على الحقّ والواقع، دون رفض الآخرين أو قبولهم، وما إذا كانوا يفكِّرون مثله أم لا. وعلى هذا الأساس نقول: إننا بعد تصوُّر الطرفين في القضايا الأوّلية، والعلم بالهيئة التركيبية لهذه القضايا، سوف نفهم وندرك صدقها من الناحية المنطقية، وعليه يمكن لنا القول من الناحية المنطقية: لو أن الآخرين سلكوا ذات هذا الطريق فإنهم سوف يصلون إلى ذات هذه النتيجة، وإن كان فَهْمنا لا يستند إلى رفض الآخرين وقبولهم، ولا ينبغي أن يكون الأمر كذلك.

ب ـ كانت المناقشة (ب) هي أنك إذا كنت تعرِّف «الأوّليات» بأنها «القضايا التي يستحيل الاستدلال عليها» إذن كيف أمكن لك الوصول إلى «صدق قضيّة» من «عدم إمكان الاستدلال عليها»؟!

وجوابنا عن ذلك هو: أوّلاً: نحن لا نزال على ذات التعريف الشائع عن الأوّليات، وهو أن «الأوّليات» من القضايا التي يحصل الجَزْم بصدقها بمجرّد تصوُّر الطرفين فيها. وثانياً: لو فرَضْنا أن شخصاً يرى أن الأوّليات هي القضايا التي يستحيل الاستدلال عليها، ولكنْ يمكن له مع ذلك أن يصل من التصديق إلى الصدق؛ أي أن يصل من فَهْم صدق القضايا الأوّلية إلى صدقها، وعليه لا تكون هناك ملازمةٌ بين هذا التعريف وبين هذا الإشكال.

ج ـ كانت المناقشة (ج) عبارةً عن أنك حيث تعجز عن عدم الجَزْم بصدق القضايا الأوّلية بعد تصوُّر الطرفين فيها تستنتج إذن أن هذه القضايا صادقةٌ، في حين لا يوجد ارتباطٌ منطقي بين هذين الأمرين؛ إذ لا يمكن من الناحية المنطقية اعتبار «العَجْز» دليلاً على «الصدق».

ونقول في الجواب عن هذا الإشكال: على ما مرّ بيانه في العبور من مرحلة القفز (الجَسْر) بالتفصيل يمكن لنا أن نقفز من «فَهْم صدق القضية» ـ الذي هو ذات التصديق ـ إلى «صدق القضيّة»؛ أي إنه لو تجرَّد فَهْمنا من الجهل المركَّب إذن يمكن لنا من الناحية المنطقية أن نستنتج صدق قضيّةٍ تعلَّق بها فَهْم الصدق. وعلى هذا الأساس لا نكون قد اتَّخذنا من «عَجْزنا» دليلاً على «صدق القضية»، وإنما نصل إلى «صدق القضية» من خلال «الفَهْم المتجذِّر لصدق القضية».

7ـ العبور من المرحلة السابعة (المرحلة الشرطيّة)

كانت المرحلة الشرطيّة عبارةً عن أن «الأوّليات» لا تجدي شيئاً؛ لأن القضايا الأوّلية قضايا حقيقية، والقضايا الحقيقية في لُبِّها وجوهرها قضايا شرطيّة، وهي لا تعمل على بيان كيفيّة «نظام الواقع».

نقول في العبور من المرحلة السابعة: أوّلاً: نحن نقرّ بأن «الأوّليات» ـ بحَسَب نوعها، وفي الغالب ـ تُعَدّ من القضايا الحقيقية التي هي في لُبِّها وجوهرها شرطية. ويأتي التعبير بـ «حَسَب نوعها» من أن هناك بين الأوّليات قضايا حقيقية، وبالتالي فإنها لا تكون شرطيّةً. ومن ذلك ـ على سبيل المثال([106]) ـ أن قضية «إن ديزاً هو ديز»، و© Õ، © هو © Õ، ©»، وإن «(أ) هو (أ)»، وما إلى ذلك من القضايا المشابهة، كلّها من القضايا الأوّلية، وهي من نوع القضايا التحليلية، في حين أنها لا تعتبر من القضايا الحقيقية، وبالتالي فإنها لا يتمّ تحويلها إلى قضايا شرطية أيضاً. وثانياً: صحيحٌ أن القضايا الأولية ـ نوعاً ما ـ من القضايا الحقيقية، وهي شرطيّةٌ في لُبِّها وجوهرها، ولكنْ يمكن النقاش في أن القضايا الحقيقية لا تتحدَّث في باب «نظام الحقيقة والواقع»؛ إذ إن كلّ قضيّةٍ تحتوي على لسان الحكاية عن الواقع، وعلى هذا الأساس رأَيْنا لكلّ واحدٍ من القضايا واقعاً بما يتناسب وسِنْخ حكايته عن ذلك الواقع. ومن الواضح بطبيعة الحال أن كلّ قضيّةٍ تحتوي على الواقع الذي يناسبها، وهي تعبِّر عنها على أساس النوع أيضاً. وثالثاً: إذا كان المراد هو أن القضايا الأوّلية نوعاً ما ـ وبسبب تحويلها إلى القضايا الشرطية ـ لا تتحدَّث في باب الواقع على شاكلة حديث القضيّة الحملية غير الحقيقية، التي لا ترجع إلى القضية الشرطية، فهذا كلامٌ صحيح، ونحن لا نتوقَّع من «الأوّليات» أكثر من ذلك. كما نقرأ في كتاب «دروس في الفلسفة»، للأستاذ الشيخ مصباح اليزدي، حول أصل العليّة بوصفها أحد مصاديق القضايا الأوّلية، قوله: «إن أصل العلِّية عبارةٌ عن القضية الدالة على احتياج المعلول إلى العلّة، ولازم ذلك هو أن المعلول لا يتحقَّق من دون علّته. ويمكن بيان هذا المطلب في إطار «قضية حقيقية» على النحو التالي: «إن كلّ معلولٍ يحتاج إلى علّةٍ»، ومفاد ذلك أنه كلّما تحقَّق معلول في الخارج سوف يكون مفتقراً إلى علّةٍ، وليس هناك كائنٌ يحمل وصف المعلوليّة ويكون قد وُجد من دون علّةٍ. وعلى هذا الأساس يكون وجود المعلول كاشفاً عن وجود علّةٍ قد أوجدَتْه. إن هذه القضية من القضايا التحليلية، ويمكن الحصول على مفهوم محمولها من مفهوم موضوعها؛ لأن مفهوم «المعلول» ـ على ما مرّ توضيحه ـ عبارةٌ عن: الموجود الذي يكون وجوده متوقِّفاً على موجودٍ آخر، ويكون بحاجة إلى ذلك الموجود الآخر. وعلى هذا الأساس يكون مفهوم الموضوع (المعلول) مشتملاً على معنى الحاجة والتوقُّف والافتقار إلى العلّة، الأمر الذي يشكِّل محمول القضية المذكورة، ومن هنا يكون من البديهيّات الأوّلية، ولا يحتاج إلى أيّ دليلٍ أو برهانٍ، ويكفي مجرّد تصوُّر الموضوع والمحمول فيه إلى التصديق به.

بَيْدَ أن هذه القضيّة لا تدلّ على وجود المعلول في الخارج، ولا يمكن بالاستناد إليها إثبات أن الموجود في عالم الوجود يحتاج إلى علّة الوجود؛ لأن القضية الحقيقية في حكم القضيّة الشرطية، ولا يمكن لها في حدّ ذاتها ومن تلقائها أن تثبت وجود موضوعها في الخارج، ولا تحمل دلالةً أكثر من أنه لو كان هناك موجودٌ متَّصف بوصف المعلوليّة فإنه في تحقِّقه سوف يكون متوقِّفاً على وجود العلّة بالضرورة»([107]).

والآن، بعد أن علمنا أن القضايا الأوّلية ـ (الأوّليات) ـ هي من القضايا الحقيقية نوعاً ما، وأنها شرطيّةٌ في لُبِّها وجوهرها، يَرِدُ هنا هذا الإشكال الجادّ، وهو الإشكال القائل: «كيف يمكن لنا أن نقيم صرح المعرفة على قضايا تقول بمَلْء فمها: إنها قضايا شرطية في لُبِّها وجوهرها، وهي تحكي عن مجرَّد الاستلزام بين المقدَّم والتالي، ولا تثبت أن المقدَّم فيها متحقِّقٌ أم لا؟

ونقول في الجواب: صحيحٌ أن «الأوّليات» من القضايا الحقيقية نوعاً ما، وهي شرطيّةٌ في لُبِّها وجوهرها، وأنها لا تعمل على بيان أن المقدَّم والموضوع فيها متحقِّقٌ أم لا، إلاّ أن هذا الأمر لا يؤدّي إلى اختلال النشاط المعرفي وبناء المنظومة المعرفية؛ لأن مبادئ المعرفة لا تنحصر بالأوّليات فقط. إذ لدينا كذلك قضايا وجدانيّة أيضاً، ويمكن لهذه القضايا بدَوْرها أن تعمل على توفير الموضوع للأوّليات. ومن ذلك مثلاً: إن لدينا من جهةٍ القضيّة القائلة: «إن كلّ معلولٍ يحتاج إلى علّةٍ»، ومن جهةٍ أخرى نشعر في أنفسنا بالحرارة والحرقة، وتنطبع في أذهاننا هذه القضية القائلة: «أنا أشعر بالحرارة». وعليه فإننا من خلال ضمّ القضيّتين المتقدِّمتين: الأوّلية؛ والوجدانيّة، نقيم الاستدلال على النحو التالي: أنا أشعر بالحرارة، وهذه هي الظاهرة الإدراكية للمعلول، وحيث إن كل معلول يحتاج إلى علّةٍ فإن ظاهرتي الإدراكية بدَوْرها تحتاج إلى علّةٍ، وعلّتها لا تخلو؛ فهي إما أن تكون أنا (= المُدْرِك)؛ أو هي شيءٌ آخر خارج ذاتي. بَيْدَ أني لم أعمل على إيجادها؛ لأنني لو كنْتُ أنا الذي أوجدها فلا يخلو الأمر بين أن يكون فعلي إراديّاً؛ أو غير إراديّ، ونتيجة ذلك هي أن هذه الحرقة إما هي فعلٌ إراديٌّ لي؛ أو هي فعلٌ غيرُ إراديّ، ولكنها ليست فعلاً إراديّاً لي؛ إذ إنني لم أُرِدْ أن أحترق أبداً، وها أنا الآن أشعر بالحرقة. ومن ناحيةٍ أخرى فإن هذا الاحتراق بدَوْره ليس فعلاً غيرَ إراديٍّ أيضاً؛ إذ لو كان الاحتراق أثراً إيجابيّاً وضروريّاً للنفس لوجب أن أحصل على هذا النوع من الاحتراق دائماً، في حين أن الأمر ليس كذلك. إذن أستنتج من ذلك أن هناك موجوداً وراء وجودي (= مُدْرِك) هو العامل والعنصر في إيجاد هذا النوع من الظاهرة الإدراكية في وجداني.

وعليه يتَّضح أن المرحلة الشرطية بدَوْرها لن تتمكَّن من الإضرار في أمر المعرفة؛ لإمكان الاستعانة بـ «الأوّليات»، ودعم «الوجدانيّات»، والمضيّ بـ «مسار المعرفة» قُدُماً بمساعدتها.

الهوامش

(*) باحثٌ متخصِّصٌ في الفلسفة، وعضو الهيئة العلميّة في مؤسَّسة الإمام الخمينيّ للتعليم والأبحاث ـ قم.

([1]) Subjective.

([2]) Objective.

([3]) Other Minds.

([4]) انظر: قطب الدين الرازي، شرح المطالع في المنطق: 10 ـ 11، قم، انتشارات كتبي النجفي؛ مطالع الأنظار: 110؛ القوشجي، شرح التجريد: 256؛ شرح حكمة الإشراق: 50 ـ 51؛ دانشنامه علائي، رسالة المنطق: 5 ـ 9؛ شرح المنظومة، قسم المنطق: 19؛ أساس الاقتباس: 14؛ شروح الشمسية: 91 ـ 100؛ بداية الحكمة: 148؛ نهاية الحكمة: 252؛ المنطق: 21.

([5]) انظر: ابن سينا، الشفاء، كتاب البرهان: 55؛ دانشنامه علائي، رسالة المنطق: 128 ـ 129.

([6]) انظر: شرح المنظومة، قسم المنطق: 8 ـ 9.

([7]) انظر: المصدر السابق.

([8]) انظر: المصدر السابق: 9.

([9]) انظر: أساس الاقتباس: 345 ـ 346؛ شرح المنظومة، قسم المنطق: 90؛ الحاشية على تهذيب المنطق: 112؛ القواعد الجلية في شرح الرسالة الشمسية: 397 ـ 398؛ المنطق: 298 ـ 299.

([10]) ابن سينا، البرهان من كتاب الشفاء: 118.

([11]) المصدر السابق.

([12]) المصدر السابق.

([13]) الخواجة نصير الدين الطوسي، شرح مسألة العلم: 33.

([14]) العلاّمة الحلّي، كشف المراد: 175.

([15]) شهاب الدين السهروردي، منطق تلويحات: 1، تصحيح: د. علي أكبر فياض، انتشارات دانشگاه طهران، طهران، 1344هـ ش. (مصدر فارسي).

([16]) انظر: مجموعة مصنَّفات شيخ الإشراق 2: 18؛ شرح حكمة الإشراق: 50 ـ 52.

([17]) المير السيد الشريف الجرجاني، الكبرى في المنطق: 31.

([18]) المير السيد الشريف الجرجاني، كتاب التعريفات، باب حرف الباء، البديهي.

([19]) صدر المتألِّهين الشيرازي، مجموعة رسائل فلسفي صدر المتألِّهين: 198؛ منطق نوين (اللمعات المشرقية في الفنون المنطقية، مع الشرح والترجمة): 3 ـ 4.

([20]) (الروزنة) تعني: الكوّة أو النافذة، أو النور والشعاع. (المعرِّب).

([21]) صدر المتألِّهين الشيرازي، الأسفار الأربعة 3: 516.

([22]) محمد رضا المظفَّر، المنطق 1: 19، دار الغدير، ط 8، قم، 1429هـ.

([23]) انظر: العلاّمة محمد حسين الطباطبائي، بداية الحكمة: 148؛ أصول فلسفه وروش رئاليسم (أصول الفلسفة والمذهب الواقعي) 2: 98 ـ 111.

([24]) العلاّمة محمد حسين الطباطبائي، نهاية الحكمة: 310، تصحيح وتعليق: الشيخ عباس علي الزارعي السبزواري، مؤسسة النشر الإسلامي، ط 17، 1424هـ.

([25]) انظر: الأستاذ مرتضى مطهَّري، آشنائي با علوم إسلامي، منطق / فلسفه (مدخل إلى العلوم الإسلامية، قسم المنطق والفلسفة): 25 ـ 26، ترجمة: حسن علي الهاشمي، دار الكتاب الإسلامي، ط5، قم، 1431هـ ـ 2010م.

([26]) انظر: المصدر السابق: 39؛ مرتضى مطهَّري، شرح مبسوط منظومه (الشرح التفصيلي للمنظومة) 1: 19 ـ 23.

([27]) انظر: محمد نصير فرصت حسيني الشيرازي، أشكال الميزان: 7 ـ 8، انتشارات زاهدي، قم، 1372هـ ش؛ الكبرى في المنطق: 31؛ الحاشية على تهذيب المنطق: 16.

([28]) انظر: الأستاذ محمد تقي مصباح اليزدي، پاسداري أز سنگرهاي إيدئولوژيك (الدفاع عن حصون الأيديولوجيا): 78 ـ 79.

([29]) عنوانه في الأصل الفارسي: (شناخت شناسي در قرآن).

([30]) الشيخ عبد الله جوادي الآملي، شناخت شناسي در قرآن (علم المعرفة في القرآن): 233.

([31]) المصدر السابق: 260 ـ 261.

([32]) انظر: المصدر السابق: 248.

([33]) انظر: المصدر السابق: 251 ـ 252.

([34]) انظر: الإمام الفخر الرازي، المحصّل من أفكار المتقدّمين من العلماء والحكماء والمتكلِّمين: 30.

([35]) انظر: الشيخ نصير الدين الطوسي، نقد المحصّل: 27.

([36]) انظر: الأستاذ محمد تقي مصباح اليزدي، إيدئولوژي تطبيقي (الأيديولوجيا المقارنة): 140، مؤسسة در راه حقّ، قم، 1361هـ.ش. (مصدر فارسي).

([37]) العلاّمة محمد حسين الطباطبائي، أصول فلسفه وروش رئاليسم (أصول الفلسفة والمنهج الواقعي) 1: 459 ـ 460، ترجمة: عمّار أبو رغيف، دار زين العابدين، قم، 1438هـ ـ 2017م.

([38]) انظر: المصدر السابق: 453 ـ 457.

([39]) انظر: شرح الإشارات والتنبيهات 1: 213 ـ 219؛ الجوهر النضيد: 199 ـ 202؛ شرح حكمة الإشراق: 118 ـ 123؛ البصائر النصيرية: 139 ـ 141؛ العلاّمة الطباطبائي، البرهان: 148 ـ 156؛ المنطق: 282 ـ 289.

([40]) الحاشية على تهذيب المنطق: 111.

([41]) الخواجة نصير الدين الطوسي، أساس الاقتباس: 225.

([42]) انظر: العلاّمة الطباطبائي، البرهان: 148 ـ 159.

([43]) انظر: شرح الإشارات 1: 217.

([44]) انظر: الشهيد السيد محمد باقر الصدر، الأسس المنطقية للاستقراء: 133، 470.

([45]) انظر: ترجمة وشرح برهان الشفاء (سلسلة دروس الأستاذ محمد تقي مصباح اليزدي) 1: 87 ـ 89، انتشارات أمير كبير، طهران، 1373هـ ش؛ إيدئولوژي تطبيقي: 140.

([46]) انظر: الخواجة نصير الدين الطوسي، أساس الاقتباس: 345 ـ 346؛ الجوهر النضيد في شرح التجريد: 201 ـ 202.

([47]) العلاّمة الطباطبائي، السيد محمد حسين، البرهان: 150.

([48]) The Low of Identity.

([49]) The Low of Non ـ contradiction: (P & P).

([50]) The Low of Excluded Middle: (P V P).

([51]) أبو علي ابن سينا، شرح الإشارات والتنبيهات 1: 214 ـ 215.

([52]) ابن سينا، البرهان من الشفاء: 64.

([53]) ابن سينا، دانشنامه علائي، رسالة المنطق: 111، تصحيح: د. محمد معين والسيد محمد مشكاة، انتشارات كتاب فروشي دهخدا، ط 2، طهران، 1353هـ.ش.

([54]) ابن سينا، البرهان من الشفاء: 66.

([55]) شرح الإشارات 1: 219 ـ 220.

([56]) قطب الدين الشيرازي، شرح حكمة الإشراق: 41 ـ 42.

([57]) انظر: شرح المنظومة، قسم المنطق: 8 ـ 9؛ الخواجة نصير الدين الطوسي، نقد المحصّل: 10؛ شروح الشمسية: 95.

([58]) انظر: الفخر الرازي، محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخِّرين من العلماء والحكماء والمتكلِّمين:     25 ـ 26.

([59]) انظر: الخواجة نصير الدين الطوسي، نقد المحصّل: 12 ـ 13.

([60]) انظر: شرح حكمة الإشراق: 118 ـ 120؛ الجوهر النضيد: 200؛ دانشنامه علائي، رسالة المنطق: 110 ـ 112؛ شرح المطالع: 333؛ درّة التاج: 445؛ التحصيل: 96.

([61]) Analytic.

([62]) Synthetic.

([63]) Apriori.

([64]) Aposteriori.

([65]) انظر: التمهيدات: 96 ـ 97؛ سنجش خرد ناب: 65 ـ 70، 80 ـ 83.

([66]) See: Paul Edwards, Ed, in chief, The Encyclopedia of philosophy, vol, One, PP. 105 – 109; & vol. 3, P. 28; Jaegwon Kim and Ernest sosa, Ed, A. companion To Metaphysics, p. 283 – 286.

([67]) John Ilosbers, Philosophical Analysis, second Edition, (London: Prentice ـ Ilail, Ioc, 1967), P. 161.

([68]) S. Korner.

([69]) انظر: ستيفان كورنر، فلسفه كانت (فلسفة كَانْط): 147 ـ 148، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عزت الله فولادوند، انتشارات خوارزمي، طهران، 1367هـ.ش.

([70]) ألفرد جول آير (1910 ـ 1989م): فيلسوفٌ بريطاني. أنكر بديهية الأحكام المتعلِّقة بالماضي، وذهب إلى أنها ليست كبداهة الحاضر؛ لأننا لا نتمكَّن من الرجوع إلى الوراء؛ للتيقُّن من صحّة ما وقع في الماضي. إلاّ أنه أظهر بعض التراجع عن هذه النظرية من خلال بعض التعديلات التي أجراها على كتبه فيما بعد. (المعرِّب).

([71]) انظر: ألفرجد جول آير، زبان، حقيقت ومنطق (اللغة والحقيقة والمنطق): 93 ـ 94.

([72]) لقد بحث الميرداماد هذه المسألة في كتاب (الأفق المبين).

([73]) انظر: شروح الشمسية: 242 ـ 243.

([74]) انظر: قطب الدين الشيرازي، درّة التاج: 445.

([75]) انظر: الجوهر النضيد: 200؛ شرح الإشارات والتنبيهات 1: 215 ـ 216؛ شرح المنظومة، قسم المنطق: 89 ـ 90.

([76]) انظر: ابن سينا، دانشنامه علائي، رسالة المنطق: 111 ـ 112.

([77]) انظر: شروح الشمسية: 91.

([78]) انظر: الجوهر النضيد: 201 ـ 202؛ شرح الإشارات والتنبيهات 1: 201 ـ 202.

([79]) انظر: الحاشية على تهذيب المنطق: 370، حاشية عبد الرحيم.

([80]) انظر: شرح المنظومة، قسم المنطق: 90؛ شرح الإشارات والتنبيهات 1: 219؛ الجوهر النضيد: 201 ـ 202؛ شرح المطالع: 224.

([81]) شمس الدين الإصفهاني، مطالع الأنظار: 56 ـ 57.

([82]) الأستاذ مصطفى ملكيان، تاريخ فلسفه غرب / بخش دكارت (تاريخ فلسفة الغرب / قسم رينيه ديكارت): 258، كراسة. (مصدر فارسي).

([83]) الفارابي، المنطقيات 1: 20.

([84]) ابن سينا، دانشنامه علائي، رسالة المنطق: 5 ـ 9. (مصدر فارسي).

([85]) صدر المتألِّهين الشيرازي، مفاتيح الغيب: 300.

([86]) انظر: الفارابي، المنطقيات 1: 373.

([87]) المصدر السابق: 363.

([88]) Relativism.

([89]) Epistemological Anarchism.

([90]) انظر: ابن سينا، الشفاء من البرهان: 56.

([91]) انظر: ابن سينا، دانشنامه علائي، رسالة المنطق: 128 ـ 129.

([92]) انظر: صدر المتألِّهين الشيرازي، الأسفار العقلية الأربعة في الحكمة المتعالية 3؛ صدر المتألِّهين، مفاتيح الغيب: 140.

([93]) انظر: ابن سينا، البرهان من الشفاء: 118، 11 ـ 13؛ شروح الشمسية: 98 ـ 105؛ القواعد الجليّة في شرح الرسالة الشمسية: 184؛ شرح حكمة الإشراق: 50 ـ 52؛ النجاة: 60؛ مجموعة مصنَّفات شيخ الإشراق 2: 18؛ أساس الاقتباس: 345؛ بداية الحكمة: 148.

([94]) انظر: شروح الشمسية: 105.

([95]) الحاشية على تهذيب المنطق: 15 ـ 16.

([96]) انظر: الأستاذ مصباح اليزدي، مقالة «أرزش شناخت» (قيمة المعرفة)، تذكرة العلاّمة الطباطبائي (مجموعة من الكلمات والمقالات): 255 ـ 273، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي، طهران، 1363هـ.ش. (مصدر فارسي).

([97]) إليك نصّ عبارة ابن سينا في هذا الشأن: «فأمّا الأوليات فهي القضايا التي يوجبها العقل الصريح لذاته…، فلا يكون للتصديق فيه توقّف، إلاّ على وقوع التصوّر والفطانة للتركيب». (شرح الإشارات 1: 214 ـ 215).

([98]) ابن سينا، دانشنامه علائي، رسالة المنطق: 111 ـ 112.

([99]) انظر: مجلة ذهن، العدد 2: 112 ـ 125، صيف عام 1379هـ.ش. (مصدر فارسي).

([100]) وليم باين ألستون (1921 ـ 2009م): فيلسوفٌ أمريكي. قدَّم مساهمات مؤثِّرة في فلسفة اللغة، ونظرية المعرفة، والفلسفة المسيحية. وكان عضواً في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم. (المعرِّب).

([101]) The internalist character of justification.

([102]) W. P. Alston. Epistemic Justification, P, 8; & Ernest Sosa, Ed, Knowiadge and Justification, Vol. 2, PP. 51 – 58.

([103]) الفارابي، المنطقيات 1: 266.

([104]) ابن سهلان، البصائر النصيرية في المنطق: 49.

([105]) Objective.

([106]) لاحَظْنا الموضوع في هذه الأمثلة بوصفه لفظاً أو شكلاً خاصاً.

([107]) محمد تقي مصباح اليزدي، آموزش فلسفه (دروس في الفلسفة) 2: 27 ـ 28. (مصدر فارسي).

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً