أحدث المقالات




الاجتهاد والفهم الاجتماعي للنصّ

السيّد علي عباس الموسوي

إذا كان الاجتهاد هو عبارة عن دراسة النصوص الشرعيَّة بُغية استنباط الأحكام الشرعية منها، أو بُغية معرفة الموقف الشرعيّ من أيّ ظاهرةٍ من الظواهر، فإنّ هذه العملية تخضع لعوامل عَكف الباحثون على معالجتها والبحث عنها.

إذا الاجتهاد بنفسه ظاهرةٌ تستحقُّ أن يُبحث عنها خارج إطار المُمارسة الفعليّة، وإذا كان الفقيه هو الذي يتولَّى ممارسة هذه الظاهرة، فإنَّ على الفقيه أيضاً أن يَخرج شيئاً ما من داخل هذه العملية والممارسة ليدرس هذه الظاهرة من خارجٍ، ويسعى للنظر إليها كمكوّن واحدٍ يبحث عن أسبابه، طرقه، الأمور المؤثّرة فيه وغير ذلك.

لقد شغل هذا النوع من التفكير في عمليَّة الاجتهاد الباحثين في المدّة الأخيرة، بل أخذ حيِّزاً مهماً من شريحةٍ واسعةٍ منهم، والذي يستوقفني في هذا المجال دراسة الموضوع من قبل فقيهٍ مجتهدٍ مارس عمليّة الاستنباط المدرسيّة باحترافٍ يُشهد له، ثمَّ وقف أمام ظاهرة الاستنباط والاجتهاد ليحلِّل هذه الظاهرة ويبحث عنها، أعني به آية الله «الشهيد السيّد محمَّد باقر الصدر».

ففي دراسة له حول «الاتِّجاهات المستقبليَّة لحركة الاجتهاد» ففي عنوان الدراسة نقرأ عمليّة استشراف للاجتهاد وبحث عن الدور والمكانة التي يُمكن لحركة الاجتهاد أن تؤدِّيه.

وأمام التساؤل حول الهدف من حركة الاجتهاد، يطرح «الشهيد الصدر» عن هدف هذه الحركة لناحيةِ تطبيق النظريَّة الإسلاميَّة في المجال الاجتماعيّ، فيما يرتبط بالعلاقات الاجتماعيّة، السياسيّة والاقتصاديّة.

بعد أن يُحدِّد «الشهيد الصدر» هذا الهدف نظريّاً، يسعى لدراسة ظاهرة الاجتهاد عند الشيعة الإماميّة تاريخيّاً، ليرى افتقاداً واضحاً لهذا الهدف، والذي يُعبِّر عنه بـ «الانكماش» من ناحية الموضوع، فغلب الفقه الفرديّ على الفقه الاجتماعيّ.

وفي دراسة أُخرى للشهيد الصدر حملت عنوان «الفهم الاجتماعيّ للنصّ في فقه الإمام الصادق(عليه ‏السلام)» التي كتبها مقدّمة لكتاب فقه الإمام الصادق (عليه ‏السلام) للعلامة الشيخ «محمّد جواد مغنية» يتعرَّض بالنظر لعمليَّة الاجتهاد كظاهرةٍ تستحقُّ الدرس من خارج. وإن كانت ملاحظته تعتمدُ بشكلٍ رئيسيّ على النصّ وطُرق فهم النصّ، وينطلق من خلال الأدوات التي يستخدمها الفقيه في محدِّدات الظهور ليُمايز بين دور اللغويّ ودور المجتهد ووظيفته، وهذا التمايز يرجع إلى أمرين: أحدهما يتمثّل في أنَّ اللغويّ يبحث عن الدلالات الوضعيّة والسياقيّة للكلام، وأمَّا المجتهد فيذهب أبعد من ذلك ليبحث عن مفاد النصّ ضمن المرتكزات العامّة التي ترتبط بالحياة الاجتماعيّة، يقول :« وهكذا نعرف أنّ الفهم الاجتماعيّ للنصّ معناه فهم النصّ على ضوء ارتكاز عامّ يشترك فيه الأفراد نتيجة لخبرةٍ عامّة وذوق موحّد، وهو لذلك يختلف عن الفهم اللفظيّ واللغويّ للنصّ الذي يعني تحديد الدلالات الوضعيّة والسياقيّة للكلام».

وأمَّا الأمر الآخر فيرجع إلى أنَّ دور المجتهد يأتي تراتبيّاً في مرحلةٍ متأخرةٍ عن دور اللغويّ، فبعد أن يُمارس الفقيه دور اللغويّ لمعرفة الفهم اللفظيّ للنصِّ عليه أن يسعى لمعرفة معنى النصّ بالاستناد إلى الارتكاز الاجتماعيّ ليَدرس المعنى بالذهنيّة الاجتماعيّة المشتركة.

هل ضرورة الفهم الاجتماعيّ للنصِّ هذه مجرّد دعوةٍ أو اقتراحٍ؟ لا يقف «الشهيد الصدر» عند هذا الحد، بل يؤسِّس لضرورة هذا الفهم مُستخدِماً القواعد

المعتَمدة في أصول الفقه للتأسيس لهذه الضرورة، فيرى أنَّ مبدأ حجيّة الظهور يشمل هذه الظاهرة، لأنّ هذا الفهم يشكّل صغرى لهذا الظهور على الباحث أن يسعى ليصل إليها كتطبيقٍ لكبرى الحجيّة المُمضاة من قبل الشارع.

إذا نحن أمام نوعين من الدِّراسة للنصّ الشرعيّ، دراسة تعتمد ما يسمّى بـ «البنيوية» وهي الدِّراسة التي تعتمد على بُنيَة النصّ أي هيئته وتركيبه، لتدرسه ضمن قواعد اللغة من نحوٍ وصرفٍ وبلاغةٍ وغير ذلك، ودراسةٍ أُخرى تعتمد على ملاحظة البيئة التي ولد فيها النصّ، أي ملاحظة العوامل المكوّنة للنصّ حتَّى لو كانت من خارج النصّ.

إنَّ اعتماد الطريقة الثانية لا يُلغي إطلاقاً السعي للعمل في نطاق الطريقة الأولى، ولكنّ المشكلة تتمثَّل في الاقتصار على الأولى وتجاهل دور الدِّراسة الثانية.

إنَّ الاتِّجاه الذي يسير عليه الاجتهاد اليوم يسعى لكي يُعطي للنمط الثاني دورا أساسيّاً، أو فقل ليُعيد له دوره في فهم النصّ.

هل يقتصر العمل على الفهم الاجتماعيّ للنصِّ عند طائفةٍ محدَّدةٍ من الفقهاء؟ أم أنَّ الدائرة تتَّسع لتشمل مساحةً كبيرةً من عمليَّة الاجتهاد والاستنباط لدى الفقهاء اليوم؟

لا شكَّ في أنّ ملاحظة العنصر الاجتماعيّ في عمليّة فهم النصّ الشرعيّ مشاهدةٌ لدى الفقهاء ولكن بدرجاتٍ متفاوتةٍ، تتَّسع لدى فقيهٍ وتضيق لدى آخر، وهي لا تأخذ شكلا واحداً بل تأخذ أشكالا متعدِّدة.

 

ونعرُض هنا لبعض نماذج ذلك لدى فقهاء متعدِّدين:

فمنها: تفسير النصِّ الفقهيّ بملاحظة عنصريَّ الزمان والمكان، والذي نادى به الإمام الخمينيّ في نصّ يقول فيه: «إنَّ الزمان والمكان عنصران مصيريَّان في الاجتهاد، فالمسألة التي كان لها في القديم حكمٌ في الظاهر، يُمكن أن يكون لها

حكم جديد من خلال العلاقات الحاكمة على السياسة والمجتمع والاقتصاد في نظامٍ من الأنظمة».

إذا العلاقات الاجتماعيَّة الحاكمة لها دورها في طريقة استنباط الفقيه، ولا يُمكن للفقيه أن يتجاوز هذه العلاقات في عمليَّة الفهم، ونؤكِّد ـ على الرغم من اختلاف التفاسير الموجودة لهذا الكلام ـ على أنَّ الإمام الخمينيّ كان يتحدَّث فعلا عن النصِّ الشرعي وعن عمليّة فهم هذا النصّ وعن مكوّنات هذا الفهم.

وتطبيق ذلك فقهيّاً عند الإمام الخمينيّ يتمثَّل في مسألة حرمة التصاوير والتماثيل يقول بعد أن يستعرض النصوص الواردة في تحريم ذلك : «المظنون الموافق للاعتبار وطباع الناس، أن جمعاً من الأعراب بعد هدم أساس كفرهم وكسر أصنامهم بيد رسول الله (عليهما السلام) وأمره : كانت عُلقتهم بتلك الصور والتماثيل باقية في سرِّ قلوبهم، فصنعوا أمثالها حفظا لآثار أسلافهم، وحبّاً لبقائها كما نرى حتَّى اليوم علاقة جمعٍ بحفظ آثار المجوسيَّة، وعبدة النيران في هذه البلاد، حفظاً لآثار أجدادهم، فنهى النبيّ (عليهما السلام) عنه بتلك التشديدات والتوعيدات التي لا تناسب إلا للكفَّار ومن يتلو تلوهم قمعاً لأساس الكفر ومادّة الزندقة ودفعاً عن حوزة التوحيد، وعليه تكون تلك الروايات ظاهرة أو منصرفة إلى ما ذُكر».

ومنها: ما راج لدى العديد من الفقهاء من تقسيم الأحكام الشرعيّة إلى تبليغيّة وولائيّة. وهذه الفكرة تنطلق في الأساس من تحديد علاقة النبيّ (عليهما السلام) بمجتمعه، هذه العلاقة التي كانت تخضع لثنائيَّة «الرسول ـ الحاكم»، فالنبيّ (عليهما السلام) رسول من عند الله، وظيفته بيان الأحكام الشرعيَّة الإلهيَّة للناس، وهي أحكامٌ ثابتةٌ لا تتغيَّر. والنبيّ (عليهما السلام) حاكم ورئيس للسّلطة الحاكمة في المدينة وجوارها بعد الفتح، وظيفته إصدار الأحكام التي تتعلَّق بإدارة الدولة، وحفظ حدودها، والدعوة إلى الإسلام ونحو ذلك، وهي التي يُطلق عليها «الأحكام الولائيّة».

إنَّ التفكيك بين هاتين الشخصيَّتين للنبيّ (عليهما السلام) سوف تفتح الباب أمام مرونةٍ

واسعةٍ في الأحكام، تسمح بقراءة الأحكام الولائيَّة على أساس أنَّها أحكامٌ متغيِّرة غير ثابتةٍ ولا مؤبَّدة.

وختاماً، فإنَّ ما يلزم العمل عليه بجدٍ من قبل الباحثين الذين يمتلكون أدوات النظر في هذا المجال، البحث عن آليَّات تأصيل هذه الأفكار، وتنميتها والبحث عن كلِّ ما يؤدِّي إلى دراسة الاجتهاد كظاهرةٍ تتكوَّن في الخارج، لا بدَّ من البحث عن أسبابها، نتائجها، العوامل المؤثِّرة فيها، وغير ذلك ممَّا يؤدِّي إلى تطوير الاجتهاد، بما يفي باستجابته لكافَّة المتطلَّبات الحياتيَّة التي نعيشها والتي سوف تعيشها الأجيال القادمة من الأمّة الإسلاميّة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

نقلاً عن مجلة المنهاج

 

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً