أحدث المقالات

الثابت والمتغير في الفقه الإسلامي

قراءة في جهود التيار النهضوي: الخميني، الطباطبائي، الصدر

الشيخ أحمد المبلّغي(*)

أهمية تحليل إشكاليّة الثابت والمتغيّر

يحظى بحث الثابت والمتغيّر في الإسلام بأهميةٍ كبيرة؛ ففي ظلّه نستطيع ان نجلّي قدرة الإسلام على إدارة المجتمعات المعقّدة، ونثبت بطلان الشبهة التي ترى عدم قدرة الأحكام الإسلامية على حلّ مشكلات الإنسانية، أو محدوديّة هذه القدرة مع تزايد احتياجات البشرية وكثرة أزماتها، فهذا الفكر الخاطئ يرى عدم قدرة الأحكام الإسلامية الثابتة على تلبية تلك الاحتياجات المتفاقمة، ورفع الصعوبات المتزايدة وإدارة المجتمعات المعقّدة.

 

البُعد العلمي في مسألة الثابت والمتغيّر

ليس بحث الثابت والمتغير في الإسلام بحثاً بسيطاً، يمكن إنجازه بتقديم أفكار آنية وموضوعات برّاقة؛ فالبحث في هذا المجال يحتاج – من جهة – إلى خبرة طويلة بالمجتمعات الإنسانية المعقّدة، كما يتطلّب – من جهة أخرى – فهم الإسلام وأهدافه وعمق تعاليمه، إضافةً إلى اطّلاع كافٍ على أسس الاجتهاد ومناهجه، وهذه المعارف شرطٌ رئيس في حلّ المعضلة، وحلّ هذه المسألة يحتاج إلى تنظير، أيّ ينبغي على من اكتسب المعرفة حتى أصبحت طوع يده أن يقدّم – بشكل جاد وعلى مستوى عال من الدقة مع مراعاة الجوانب كافّة – نظريةً تتوافر على خصلتين، هما:

أ – تصوير الإسلام وقدراته تصويراً صحيحاً وواضحاً.

ب – القدرة على وضع أساس وإطار أفضل للتوجّه الإسلامي والسياسة الإسلامية العامّة.

إن ما قلناه سابقاً دليلٌ على كمال أي نظرية في هذا الخصوص، لكنّ هناك ملاكين إذا تجرّدت النظرية عن أحدهما غدت باطلةً من الأساس، وهما:

أولاً: عدم الخلط بين مساحات الثابت والمتغير، أو الخطأ في تحديد مصاديق كلّ واحدٍ منهما.

ثانياً: أن لا تُبتلى النظرية بتقليد الآراء واجترارها؛ فأغلب من يَرِد هذا البحث لا يملك اطلاعاً على علم أصول الفقه والاجتهاد مما يجعل نظريّته فاقدةً لكلا الملاكين، فلا يضعنّ من ليس له الأهلية قدمه في هذا الوادي السحيق، كما ينبغي على من ينظّر من العلماء أن يراعي الدقة في عمله.

ولكلّ من الإمام الخميني (1989م) والعلامة الطباطبائي (1983م) والشهيد الصدر (1980م) نظرية في هذا الحقل، وهدف هذه الدراسة تقديم خلاصة عن نظريّة كلّ واحدٍ من الثلاثة، مقارنةً بينها، ومن خلال ذلك تتضح كلّ نظرية أكثر، ونقف على أبعاد جديدة للثابت والمتغير في الإسلام، فينفتح لنا طريقٌ لردّ الشبهات الباطلة.

 

إشكاليّات في مسألة الثابت والمتغيّر

أما أهم تلك الإشكاليّات فهو:

أالأحكام الإسلامية تحول دون التقدّم والتنمية.

ب – افتقار الإسلام إلى الأنظمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

ج – عدم تدخّل الإسلام في الأمور الدنيوية بشكلٍ جادّ؛ لأنّ رسالته الأساسية الاهتمام بالآخرة وما يتعلّق بها.

 

نظرية العلامة الطباطبائي، الثبات الإنساني والتحوّل البشري

يقول العلامة: قسّم الإسلام أحكامه إلى قسمين متمايزين ومنفصلين بعضهما عن بعض، الأحكام الثابتة والأحكام المتغيّرة([1]).

أمّا الأحكام الثابتة، فهي الأحكام والقوانين التي وضعت على وفق مقتضى حاجات الطبيعة الواحدة والثابتة للإنسان([2])؛ فقد سمّى الإسلام تلك الأحكام التي أقامها على أساس طبيعة الإنسان وخصوصيّاته بالدين والشريعة: >فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم<([3]).

وأمّا الأحكام المتغيّرة، فهي الأحكام المؤقّتة أو تلك التي لُحظ فيها شيء ما، وتختلف وفق أنماط الحياة المختلفة، ويتماشى هذا القسم مع التقدّم التدريجي للمدنية والحضارة وتغيّر المظاهر الاجتماعية وظهور الأساليب الحديثة وانضمار الأساليب القديمة، وتختلف بحسب مصالح الزمان والمكان المختلفة.

وهذه الأحكام باعتبارها من آثار الولاية العامة، منوطةٌ بنبيّ الإسلام محمد والقائمين مقامه والمنصوبين من قبله، وتشخّص وتنفّذ في دائرة الثوابت الدينية([4])، وطبقاً لمصالح الزمان والمكان، قال تعالى: >يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم< (النساء: 59).

وهناك قسم من هذه الأحكام يعبّر عنه بصلاحيّات الوالي، وقد وضع هذا الأصل في الإسلام ليلبّي حاجات الناس المتغيّرة في كلّ عصر وزمان، وفي كلّ منطقة ومكان، من دون أن تتعرّض أحكام الإسلام الثابتة إلى النسخ والبطلان، كما أنها تغطّي حاجات المجتمعات الإنسانية، وبناءً على الولاية العامة لوليّ أمر المسلمين في دائرة حكومته، وكونه موجّهاً لأفكار المجتمع الإسلامي ومورد قبول الجميع، يمكنه التصرّف في محيطه العام، كما يتصرّف أيّ شخص داخل محيطه الخاص([5]).

 

نظرية الإمام الخميني، التحوّل الموضوعي وإطلاق ولاية الفقيه

يؤكّد الإمام الخميني على أصلين هما:

أ – تبدّل موضوع الحكم إلى موضوع آخر في ظلّ العلاقات الحاكمة، يقول بهذا الخصوص: بلحاظ العلاقات الحاكمة في السياسة والاجتماع والاقتصاد في نظامٍ ما لعلّ حكماً جديداً يطرأ على مسألة ما، كان حكمها السابق يختلف، بمعنى أنّ الإحاطة الدقيقة بالعلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية جعلت ذلك الموضوع نفسه بالظاهر موضوعاً جديداً فيستتبعه حكم جديد([6]).

تكمن أهمية نظرية الإمام الخميني في أنّها ترى – من جهة – أنّ العصر الحاضر عصر سيادة العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعقّدة، ومن جهة أخرى تأثير ذلك في تغيير موضوعات الأحكام الشرعية بشكل بسيط وواضح

أهمّ بُعدٍ جديد في نظرية الإمام الخميني أنّ تبدّل الموضوع في ضوئها يمكن أن يتمّ بشكل خفي ودون أيّ ضجيج، أي قد نرى ظاهر الموضوع ساكناً لكنّ هناك تحولاً يجري خلف هذا السكون الظاهري، فقبل هذه النظرية كان الفقهاء يقبلون ذلك حينما يتحوّل الموضوع إلى موضوع آخر، وتبرز علامات تدلّ عليه، كما في استحالة الخمر إلى خلّ أو الميّت إلى ملح، أمّا الإمام الخميني، فإن معرفته بالوقائع المتأثرة بالعلاقات الاقتصادية والسياسية من جهة، وتعريفه موضوع الحكم الشرعي ومناطه وفلسفته من جهة أخرى، لم يحصرا تبدّل الموضوع بظهور ما يدلّ عليه، مثيراً – إلى جانب ذلك – فكرة التبدّل الداخلي.

وفي الحقيقة، إنّ ما أحدثه الإمام الخمينيّ من تحوّل في النظرة الأصولية إلى تغيّر الموضوع، حينما طرح فكرة التحول الداخلي له، يضارع ما أحدثه الملا صدرا الشيرازي (1050هـ) في النظرة الفلسفية لموضوع الحركة؛ حينما طرح الحركة الجوهرية، أي أنّ تعيين مصداق الحركة قبل الملا صدرا كان منوطاً بالتحوّلات الظاهرية في الكمّ والكيف، وكذلك كان تعيين مصاديق تبدّل الموضوع قبل الخميني ناظراً إلى التغيّرات الظاهرية.

وعندما نشبّه نظرية الإمام الخميني بنظرية الحركة الجوهرية، فلا ندّعي أنّ جميع الموضوعات عنده تتبدّل بشكلٍ قهريّ في ظلّ العلاقات الاقتصادية والسياسية، فهذه دعوى لا أساس لها؛ لأن بعض الموضوعات، مثل الموضوعات العبادية وكثير من الموضوعات الأخلاقية، ثابتةٌ على مدى الزمان، فالمقصود من هذا التشبيه أنّ التحوّلات الظاهرية كانت هي المعيار قبل نظرية الإمام الخميني.

ولسنا بصدد إثبات صحّة نظرية السيد الخميني؛ لأنّ ذلك يحتاج إلى بحثٍ مستقلّ، بل نريد هنا إجراء مقارنة بين هذه النظرية ونظرية العلامة الطباطبائي، وكذا نظرية الشهيد محمد باقر الصدر.

ب – الولاية المطلقة للفقيه، يقول الإمام الخميني: الحكومة المتفرّعة عن ولاية رسول الله المطلقة، هي أحد الأحكام الأوّلية للإسلام، ومقدّمة على جميع الأحكام الفرعية.. فالحكومة قادرة على منع الحجّ، الذي هو من الفرائض الإلهية المهمّة، مؤقتاً، إذا كان في ذلك صلاح البلد الإسلامي([7]).

 

نظرية الشهيد الصدر، منطقة الفراغ التشريعي

وخلاصة نظرية الشهيد الصدر:

أ – ترك الإسلام، في نظامه التشريعي، منطقةً خالية من أيّ حكمٍ إلزاميّ من وجوب أو حرمة ([8])، تسمّى منطقة الفراغ.

ب – لا تدلّ منطقة الفراغ على نقصٍ في الصورة التشريعية، أو إهمال من الشريعة لبعض الوقائع والأحداث([9])، بل تعبّر عن استيعاب الصورة، وقدرة الشريعة على مواكبة العصور المختلفة([10]).

ج – وضع الإسلام منطقة الفراغ الخالية من الحكم تحت تصرّف وليّ الأمر ليملأها على أساس متطلّبات الزمان ومصالحه، وفي ضوء أهداف الشريعة ومقاصدها([11]).

 

مقارنة تحليلية بين النظريات الثلاث

تتطلب معرفة موارد الاشتراك والافتراق، ونقاط امتياز كلّ واحدة من النظريات، المقارنةَ بينها، ونجري هذه المقارنة في ثلاثة محاور:

المحور الأوّل: مرونة التشريع الإسلامي

لا شكّ أنّ النظام الصالح للتطبيق في جميع الظروف نظامٌ مرن، بحيث يتمكّن من تقديم حلولٍ للأزمات والتحوّلات والاحتياجات المتجدّدة مع المحافظة على هويته، ووجوده، وأهدافه وأصوله.

وبهذا يتضح أنّه ليس المراد من المرونة هنا خضوع النظام للواقع؛ لأنّ هذه المرونة تساوق العدم، ولا تمنح الاستمرارية للحياة ودورها البنّاء.

من هنا، فجميع النظريات التي أثبتت خلود الإسلام وقدرته على التطبيق في مختلف الظروف تعتبر مرونة نظام التشريع فيه أحد أصولها المسلّمة؛ ولهذا قالوا بوجود أحكامٍ ثابتة ومتغيّرة، أو تبدّل الموضوع في ظلّ الزمان والمكان، أو دور وليّ الأمر في ملء منطقة الفراغ التشريعي.

 

المحور الثاني: طبيعة المرونة في التشريع الإسلامي

يعدّ هذا الموضوع من أكثر الموضوعات علميةً في إشكاليّة الثابت والمتغير في الإسلام؛ فالنظريات هنا مختلفة، لكنها تسلّم بدور وليّ الأمر الذي بنوا عليه نظرياتهم، وسوف نبيّن – من خلال تحليل هذه النظريات وغيرها – عدّة نقاط تتعلّق بهذا الخصوص.

الرأي الأوّل: ترك التشريع من قبل الشارع وعدم تدخّله في دائرة الأمور الدنيوية بعد أن جعلها في عهدة العلم والتجربة، وهذا الرأي متأثّر بالحلول الغربية التي فصلت الدين عن السياسة والاقتصاد؛ فمن يتبنّى هذا الفكر يعتمد في طرحه الأسس الغربيّة له.

الرأي الثاني: ترك التشريع في منطقة خاصّة مع جعل الولاية فيها، وهذا الرأي مستفادٌ من نظريّتي الشهيد الصدر والعلامة الطباطبائي، اللتين ذكرنا خلاصةً عنهما، إلاّ أنّ كلام الشهيد الصدر أوضح دلالةً في هذا المجال.

أمّا أهمّ نقاط الاختلاف بينهما، فهي أنّ منطقة الفراغ عند الشهيد الصدر هي منطقة المباحات في الإسلام، أما عند العلامة الطباطبائي فهي حاجات الإنسان غير الفطرية.

 

تخلّي الشريعة الدينية عن التقنين، مقارنة بين تصوّرين

أمّا نقاط الاختلاف بين الرأي الأوّل المتأثر بالفكر الغربي، والرأي الثاني الذي تبنّاه الطباطبائي والصدر فهي:

1 – إنّ المساحة التي أباح الشارع حكمها، في ضوء الرأي الأوّل، تستوعب ما يواجه الناس – أو معظمهم – بأكمله، بينما في ضوء الرأي الثاني فلا تنال سوى منطقة المباحات أو الحاجات غير الفطرية، وقد صرّح الشهيد الصدر بأن هذه المنطقة منطقة المباحات([12]).

2 – يعلّل الرأي الأول ترك التشريع بوجود نقصٍ في رسالة الإسلام، بينما على الرأي الثاني ثمّة ترك وتدارك، أي أنّه إذا ترك الشارع حكماً في منطقةٍ ما فهو يتداركه – بشكلٍ ما – من جهة أخرى.

وبهذه الصورة يُتمّم التشريع بحكم آخر، وهي الأحكام الحكومية، وهذا الترك والتدارك إنّما جعلهما الشارع بغية منح التشريع الإسلامي مرونته وحيويّته، وبهذا يذهب هذا الرأي إلى كمال الرسالة الإسلامية.

3 – حيث كانت الحكومة أمراً دنيويّاً فهي خارجة – حسب الرأي الأوّل – عن دائرة تشريع الشارع سبحانه وتعالى، وتُناط مهمّة تعيين كيفية الحكم وبُنيته بالعلم والتجربة. أمّا على الرأي الثاني، فإنّ الحكومة داخلةٌ في منطقة التشريع، وخارجةٌ عن منطقة الفراغ، أي أنّها ليست من دائرة المباحات ولا دائرة الحاجات غير الفطرية، ولهذا يتدخّل الشارع بجدّ لتحديد نوع الحكومة وبنيتها وظروفها.

وتوضح وجهة النظر هذه فلسفة تشكيل الحكومة، وتبيّن أنّ الفراغ الناشئ عن ترك الحكم، سيملأ بواسطتها بشكل يتناسب مع نظام التشريع.

الرأي الثالث: جعل الولاية في ترك أحد الاحكام مؤقتاً مع تداركه على أساس المصلحة الإسلامية.

ويستفاد هذا الرأي من القسم الثاني من نظرية الإمام الخميني، وعلى أساسه لم نفترض وجود مساحة لم يشرّع فيها الشارع المقدّس حكماً، وهذه نقطة قوّة لنظرية الخميني؛ لأنّ افتراض ذلك لا ينسجم وما ورد في الروايات؛ فالمستفاد من الروايات أنّه ما من واقعة إلا ولله فيها حكم.

وما جاء في نظرية الإمام الخميني أن يمنع وليّ الأمر الحكم لا أن يتخلّى الشارع عن تشريع الحكم.

 

معضل منافاة نظريّة السيّد الخميني لثبات الديانة المحمديّة

ومن الممكن أن تواجه مسألة منع وليّ الأمر الحكمَ إشكالاً آخر، وهو منافاة هذا المنع لبعض الروايات، مثل: حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمّد حرام إلى يوم القيامة.

وجواب هذا الإشكال يتّضح عبر ثلاث نقاط:

أوّلاً: أن نفترض أنّ المستفاد من روايات ولاية الفقيه ثبوت الحقّ للوليّ الفقيه في منع أحد الأحكام على أساس المصلحة الإسلامية.

ثانياً: المفروض أن ولاية الفقيه مقدّمةٌ على الأحكام الفرعية مثل الحج، ومن الواضح أنّ التقدّم هنا يعني أنّ موضوع هذا الحكم عند إعمال الولاية ينتفي بصورةٍ مؤقّتة.

ثالثاً: من الواضح أنّ الحكم يتبع الموضوع، فإذا انتفى الموضوع انتفى الحكم، لكن – كما هو المعروف – لا يسقط اعتباره عند انتفائه؛ لأنّ عدم إتيانه يغاير عدم اعتباره، فلو عاد الموضوع فعلياً مرّةً أخرى يصبحُ الحكم صالحاً للتنفيذ، أي فعلياً، وعلى أساس ما تقدّم يصبح الفقيه قادراً على منع أحد الأحكام الفرعية كما دلّت الأدلّة على ذلك.

وينبغي التنبيه إلى أننا لا نحتاج هنا إلى ذكر الأدلة والبحث في دلالتها؛ لأن الموضوع يدور حول كيفية تصوّر الإمام الخميني لمرونة التشريع، وأنّه تصوّر كامل.

ثمّ إنّ منع الأحكام لا يتنافى وأبديّة الأحكام الإلهية؛ لأنّ إلغاء الموضوع يصبح من باب السالبة بانتفاء الموضوع، لا من باب عدم اعتباره، وما جاء في الحديث من أنّ حلال محمد حلال.. له دلالة على استمرار الاعتبار.

الرأي الرابع: تكثّر الموضوعات، وهو ما يُستفاد من القسم الأوّل من نظرية الإمام الخميني، أي تغيّر الموضوع في ظلّ الظروف الزمكانية؛ لأنّ النتيجة التي نخلص إليها عندما نفترض تغيّر موضوعٍ ما في ظلّ الظروف الزمكانية، عدم محدودية الموضوعات في نظر الشارع، بل إنّ موضوعات مستقلّة سوف تحصل تبعاً لاختلاف الظروف، ولكل موضوع حكم يعبّر عن الواقع الشرعي.

ولحدّ الآن لا توجد نظرية بهذه المتانة، وذلك:

أ – لا يرد عليها أيّ إشكال، ولا يلزم منها الاعتقاد بوجود مساحة لم يشرّع فيها الشارع المقدّس حكماً، حتى يُقال في الروايات: ما من واقعة إلا ولله فيها حكم، بل يلزم أن نقبل بأنّ الشارع في مقام التشريع كان فعّالاً جدّاً، وقد شرّع أحكاماً بقدر الموضوعات المتكثرّة في ظلّ الظروف المختلفة، كما لا يلزم من هذه النظرية الاعتقادُ بترك الشارع لقسمٍ من الأحكام، ولا تخدش برواية دوام حلال محمّدٍ إلى يوم القيامة؛ لأن انتفاء الحكم بسبب انتفاء الموضوع، وهذا لا يعني – كما تقدّم – أنّه غير معتبر، فكثير من الأحكام لا تطبّق لعدم تحقّق موضوعها، وبعبارة أخرى، إنّ نظرية السيد الخميني ناظرةٌ إلى تحوّلات الموضوع لا الحكم.

ب – لمّا واجهت نظريتا العلامة الطباطبائي والشهيد الصدر الإشكال الأوّل، عجزت عن حلّ المعضلات جميعها، ففي حالات التطوّر الحقيقي في دائرة غير المباحات، كيف يمكن لنظرية الشهيد الصدر – مثلاً – أن تحل ذلك؟! علماً أنّها تعتمد على تدخّل وليّ الأمر في دائرة المباحات.

 

حلول الثابت والمتحوّل ومعيار تكوّن النظريّات

ولاستيعاب الموضوع ينبغي ملاحظة السؤال الذي يواجهه المنظّر ويسعى من خلاله للإجابة عنه بصياغة نظريته؛ فمعرفة السؤال الذي يواجهه المنظّر يكشف عن مدى خبرته بهذه الدنيا وبتحوّلات المجتمعات الإنسانية وتعقيداتها، فكلّما كان الفهم أصحّ وأعمق كان التنظير أقوى.

كما ومن الضروري تحديد المنهج الذي يعتمده المنظّر لحلّ مشاكل الثابت والمتغير في الإسلام، فصحّة وعمق وتناسب المنهج المعتمد في بحثٍ ما، يؤثر في النتائج التي يفضي إليها.

أمّا على مستوى المحور الأول لمعيار حركة التنظير فقد طرح العلامة الطباطبائي، في بحثه حول الثابت والمتغير في الإسلام، الأسئلة التالية:

أ – هل يلبّي الإسلام حاجات العصر مع تجدّدها؟ ([13]).

ب – إذا كان الإسلام قد وضع سلسلةً من العقائد والأخلاق والأحكام الثابتة التي لا تقبل التغيير، وقد كلّف المجتمعات الإنسانية بها، فكيف يمكن تطبيقها على حاجات العصور الإنسانية المختلفة؟([14]).

ومن الواضح اعتماد هذا السؤال كذلك على عنصر حاجات العصور المختلفة.

ج – هل يريد الإسلام أن تبقى المجتمعات الإنسانية على حالةٍ ثابتة على مرّ الزمان، فيغلق تمام منافذ التقدّم نحو المدنية، ويختم على نشاطات الإنسانية المتزايدة بختم الحظر؟ كيف نكسب المعركة مع الطبيعة المتحرّكة والنظام الطبيعي الذي يحكم عالم البشرية؟([15]).

وفي هذا السؤال بالذات كان العلامة الطباطبائي ينظر بجدّ إلى الزمان وتطوّراته، غير أن رأيه اعتمد – كما هو واضح من خلال بحوثه ونظرياته حول الثابت والمتغير في الإسلام – على عنصر حاجات العصور الذي تطرّق له في السؤال الأوّل؛ لأنّه اعتبر الحاجات غير الفطرية حاجات متغيّرة، وضرورة القانون ناشئة عن هذه الحاجة، وخلاصة القول: إنّ القوانين تقسّم كذلك إلى ثابتة ومتغيرة([16]).

أمّا الأسئلة التي وجّهها الشهيد الصدر فهي: كيف يجعل الإسلام أصوله ومبادئه في التشريع على مستوى النظام السياسي أو الاقتصادي ملائمةً للعصور كافّة فيما البشرية تسعى لإيجاد حلول جديدة للتغلّب على ما يواجهها من مشكلات؟([17])، فهناك معضلات عدّة استعرضها الصدر وهي مواجهة البشرية في كل عصر مشكلات جديدة، وهي مشكلات تحتاج إلى حلول جديدة، فكيف ينظّم الإسلام نظامه الاقتصادي أو السياسي؛ ليتغلّب على مشاكل العصر بواسطة الحلول الإسلامية؟

وقد أثار الصدر – في معرض ردّه على هذا السؤال – عنصرين أساسيين، هما:

أ – بيّن الإسلام بجميع أبعاده وأهدافه ومقاصده.

ب – أعطى لوليّ الأمر حقّ التدخل والتصرّف، لكي يضع الحلول اللازمة لكلّ عصر عبر التعرّف على تلك الأهداف والمقاصد.

أمّا فهم الخميني لطبيعة التساؤلات والمعضلات، فيتلخّص في رؤيته العالم عالم نظم وعلاقات اقتصادية وسياسية.. وأنّ هذه العلاقات معقّدة، وبهذا أثار السيد الخميني هذا السؤال: كيف يدير الإسلام العلاقات الاقتصادية والسياسية المعقّدة في العصر الحاضر؟

 

تساؤلات النظريات الثلاث، وقفة مقارنة

عندما نلاحظ النقاط أدناه نجد أن السؤال الذي طرحه الإمام الخميني كان أكثر تناسباً وتجربةً ودقة؛ فعندما أطلّ على عالم اليوم نظر إلى علل الأشياء لا إلى معلولاتها، فتحديد الحاجات – كما عند العلامة الطباطبائي – أو تحديد المشكلات الجديدة – كما عند الشهيد الصدر – معلولة لوجود العلاقات الاقتصادية والسياسية المعقّدة، وواضح أنّك إذا لم تكتشف علّة التحولات لا يمكنك حلّ مشكلة الثابت والمتغيّر.

كما يمكن أن نستفيد ممّا قاله العلامة والشهيد الصدر في بحث العلاقات الاقتصادية والسياسية؛ ذلك أن تقسيم نتائج العلاقات في ضوء الحاجات والمشاكل الجديدة، التي ذكرها العلامة والشهيد الصدر، لمعرفتها وإيجاد المصاديق لها، وهذه خطوة كبرى للتعرّف على تلك العلاقات بشكل أكبر، وقد أشار الخميني إلى ضرورة إجراء بحث دقيق حول العلاقات الاقتصادية والسياسية([18]).

وتجدر الإشارة إلى أنّ التعمّق في بحث الثابت والمتغير يحتاج إلى هذه الخطوة، ولا سيما أن ما قاله الصدر والطباطبائي يتضمّن بحوثاً أخرى؛ فمثلاً، طرح العلامة بعد بحث الحاجات موضوعاً جاء فيه: يجب أن نقول بوجود اختلاف بين الحاجات الواقعية والحاجات غير الواقعية، ثم أضاف: ليس مراد الأكثرية تشخيص الحاجات الواقعية، كما أن ميولهم لا تطابق الواقع دائماً([19]).

ومن الواضح أن هذه البحوث مركزيّة ومهمة جداً، وتمتدّ إلى بحوث أخرى كالديموقراطية، والاتجاهات التي ترجّح الحاجات غير الضرورية.

وعلى أي حال، لو اعتبرنا لنظرية الإمام الخميني ملاكاً، فينبغي أن نرى في ضوء هذه النظرية هل أن الحاجات التي تفرزها العلاقات الحاكمة على العالم حاجات واقعية أم لا؟

وكذلك صحيحٌ ما طرحه السيد الشهيد، وهو أن توضع الحلول الإسلامية في ضوء الأهداف والأبعاد الإسلامية، لكن ينبغي الالتفات إلى أنّ مراد الإمام الخميني من الأهداف والأبعاد شيء آخر، وهو أن تصبح تلك الأهداف مناطات شرعية، لكن الموضوع يفقد مناطه في ظلّ الظروف الزمكانية فيحصل له مناط آخر، وفي النتيجة يصبح موضوعاً آخر.

ويتطابق موقف السيد الخميني مع الرؤى التي صارت ظواهر في العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ لأن الكثير من هذه الظواهر يمكن معرفتها من خلال دورها في العلاقات الاجتماعية وبعض التنبؤات التي قامت في هذه العلوم على هذا الأساس تنبؤات أوجدت ارتباطاً بين عالم الاقتصاد والسياسة.

 

رصد مقارن لمنهجيات المعالجة على ضوء النظريات الثلاث

اعتمد العلامة الطباطبائي هنا على المنهج الفلسفي؛ حيث اعتبر المعيار في تحديد الثابت هو طبيعيّ الإنسان؛ فذهب إلى أنّ الأحكام الثابتة هي الأحكام التي لوحظ في وضعها واقع الإنسان الطبيعي، أمّا معيار موارد التغيّر فهو ما يلحق طبيعة الإنسان، فعندما نلاحظ حياة الإنسان الطبيعيّة نجد بناءها الخاص ثابتاً على نسقٍ واحد، أمّا ملحقاته الزمكانية فمرتبطة بما تواجهه من حالات التغيرّ والتكامل، وبعد أن تتصارع مع أسباب التحوّل والظروف الزمكانية المختلفة يتغير شكلها بالتدريج، وتتلاءم مع محيطها الجديد، وهذا ما يستوجب تغيّر الأحكام.

أما السيد الصدر، فقد اعتمد المنهج الأصولي في بحثه؛ لأنّه تكلّم عن المباحات، من هنا تشابكت الأبحاث في نظريّته من بعض الجهات أكثر من الطباطبائي.

ويمكن أن نقول: إنّ منهج السيد الخميني كان أصوليّاً مائة بالمائة، أي أنّه اعتمد في نظريته على فكر ذي امتداد في العمق متواشج مع مدرسة أهل البيت(، وهو مسألة الموضوع والحكم([20]).

من هنا، كان بحث الثابت والمتغير في الإسلام بحثاً اجتهاديّاً، والمنهج الأصولي فيه يضفي عليه متانةً أكبر.

 

من مجلة الاجتهاد والتجديد – العدد الأول

الهوامش



([1]) الطباطبائي، محمد حسين، ملامح من الإسلام (فرازهايي از إسلام): 73، جمع السيد مهدي آيت الهى، طهران، جهان آرا.

([2]) المصدر نفسه: 76.

([3]) المصدر نفسه: 69.

([4]) المصدر نفسه: 68.

([5]) المصدر نفسه: 76 ـ 77.

([6]) الخميني، روح الله، صحيفة النور 21: 98، قم، مؤسسة نشر وتنظيم آثار الإمام الخميني.

([7]) المصدر نفسه 2: 170.

([8]) الصدر، محمد باقر، اقتصادنا: 721، بيروت، دار التعارف، ط 1980م.

([9]) المصدر نفسه: 725.

([10]) المصدر نفسه: 722.

([11]) المصدر نفسه: 726.

([12]) المصدر نفسه: 726.

([13]) ملامح من الإسلام: 45.

([14]) المصدر نفسه: 56.

([15]) المصدر نفسه.

([16]) المصدر نفسه: 63.

([17]) اقتصادنا: 722، 723.

([18]) صحيفة النور 21: 98.

([19]) ملامح من الإسلام: 63.

([20]) مقال تحت عنوان نظرية الإمام الخميني حول دور الزمان والمكان في الاجتهاد، المنشور في ج2 من مجموعة مقالات مؤتمر المباني الفقهية للإمام الخميني.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً